مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 675-714
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مُقَدِّمَة الْكتاب

صفحات 675-714
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(وَلَا) ضَمَانَ عَلَى (حَجَّامٍ أَوْ خَتَانِ) ، خَاصًّا كَانَ أَوْ مُشْتَرَكًا، (بِآلَةٍ غَيْرِ كَالَّةٍ) ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْقَطْعِ (فِي وَقْتٍ صَالِحٍ لِقَطْعٍ) ، فَإِنْ قَطَعَ فِي وَقْتٍ لَا يَصْلُحُ الْقَطْعُ فِيهِ؛ ضَمِنَ، (أَوْ بَيْطَارٍ أَوْ طَبِيبٍ خَاصًّا أَوْ مُشْتَرَكًا) إذَا كَانَ (حَاذِقًا) فِي صَنْعَتِهِ، (وَلَمْ تَجْنِ يَدُهُ بِمُجَاوَزَةٍ، أَوْ قَطْعِ مَا لَمْ يَقْطَعْ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا مُبَاحًا، فَلَمْ يَضْمَنْ سِرَايَتَهُ؛ كَحَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: اقْطَعْ قَطْعًا لَا يَسْرِي، بِخِلَافِ دُقَّ دَقًّا لَا يَخْرِقُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حِذْقٌ فِي الصَّنْعَةِ، ضَمِنُوا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُمْ مُبَاشَرَةُ الْقَطْعِ إذَنْ، فَإِذَا قَطَعَ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا، فَضَمِنَ سَرَايَتَهُ.
(وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ) - أَيْ: الْفِعْلُ - (مُكَلَّفٌ وَلَوْ سَفِيهًا - أَوْ) أَذِنَ فِيهِ (وَلِيُّ نَحْوِ صَغِيرٍ) ؛ كَمَجْنُونٍ، أَوْ فَعَلَهُ الْحَاكِمُ بِنَحْوِ الصَّغِيرِ، أَوْ وَلِيُّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى فِي قَطْعِ سِلْعَةٍ وَنَحْوِهَا؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ مِنْ ذِي الْوِلَايَةِ، (وَإِلَّا) يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ فَسَرَتْ الْجِنَايَةُ؛ (ضَمِنَ) لِأَنَّهُ فِعْلٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، (وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَضَى بِهِ فِي طِفْلَةٍ مَاتَتْ مِنْ الْخِتَانِ بِدِيَةٍ عَلَى عَاقِلَةِ خَاتِنِهَا.
وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ، وَكَانَ حَاذِقًا، لَكِنْ جَنَتْ يَدُهُ، وَلَوْ خَطَأً؛ مِثْلَ أَنْ جَاوَزَ الْخِتَانَ إلَى الْحَشَفَةِ أَوْ إلَى بَعْضِهَا، أَوْ قَطَعَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْقَطْعِ، أَوْ قَطَعَ سِلْعَةً، فَتَجَاوَزَ مَوْضِعَ مَحَلِّ الْقَطْعِ، أَوْ قَطَعَ بِآلَةٍ كَآلَةٍ يَكْثُرُ أَلَمُهَا، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ؛ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ لَا يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي " تُحْفَةِ الْوَدُودِ ": فَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَخْتِنَهُ فِي زَمَنِ حَرٍّ مُفْرِطٍ، أَوْ بَرْدٍ مُفْرِطٍ، أَوْ فِي حَالِ ضَعْفٍ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا؛ لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِالْإِذْنِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا؛ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إذْنُهُ شَرْعًا، وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ وَلِيُّهُ؛ أَيْ: فِي زَمَنِ الْحَرِّ الْمُفْرِطِ أَوْ الْبَرْدِ؛ فَهَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ، هَلْ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْوَلِيِّ أَوْ الْخَاتِنِ؟ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْوَلِيَّ مُتَسَبِّبٌ، وَالْخَاتِنَ مُبَاشِرٌ؛ فَالْقَاعِدَةُ تَقْتَضِي تَضْمِينَ الْمُبَاشِرِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْإِحَالَةُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ، مَا إذَا تَعَذَّرَ تَضْمِينُهُ.
انْتَهَى.

(وَلَا) ضَمَانَ عَلَى (رَاعٍ) فِيمَا تَلِفَ مِنْ الْمَاشِيَةِ إذَا (لَمْ يَتَعَدَّ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي نَفْيِهِ) - أَيْ: التَّعَدِّي - (أَوْ) لَمْ (يُفَرِّطْ) فِي حِفْظِهَا (بِنَحْوِ نَوْمٍ) ؛ كَاشْتِغَالٍ بِلَعِبٍ (أَوْ غَيْبَتِهَا) - أَيْ: الْمَاشِيَةُ - (عَنْهُ، أَوْ ضَرْبِهَا) ضَرْبًا (مُبَرِّحًا) ؛ بِأَنْ يُسْرِفَ فِي ضَرْبِهَا، أَوْ سُلُوكِهِ مَوْضِعًا يَتَعَرَّضُ لِتَلَفِهَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى حِفْظِهَا؛ أَشْبَهَ الْمُودِعَ، فَلَا يَضْمَنُهَا بِدُونِ مَا ذُكِرَ؛ كَالْمُؤَجَّرَةِ، فَإِنْ فَرَّطَ الرَّاعِي فِي حِفْظِهَا بِنَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ، أَوْ تَرَكَهَا تَتَبَاعَدُ عَنْهُ، أَوْ تَغِيبُ عَنْ نَظَرِهِ وَحِفْظِهِ، أَوْ تَعَدَّى؛ بِأَنْ أَسْرَفَ فِي ضَرْبِهَا، أَوْ ضَرَبَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الضَّرْبِ، أَوْ ضَرَبَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى الضَّرْبِ؛ ضَمِنَ الرَّاعِي التَّالِفَ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " بِغَيْرِ خِلَافٍ.

(وَإِذَا جَذَبَ الدَّابَّةَ مُسْتَأْجِرٌ أَوْ مُعَلِّمُهَا السَّيْرَ) ، أَوْ السَّيْرَ مَعَ الْكَرِّ أَوْ الْفَرِّ (لِتَقِفَ) ، أَوْ تَنْقَلِبَ، فَتَلِفَتْ؛ لَمْ تُضْمَنْ، (أَوْ ضَرَبَاهَا) - أَيْ: الدَّابَّةُ - مُسْتَأْجِرُهَا أَوْ مُعَلِّمُهَا السَّيْرَ وَنَحْوِهِ، كَالضَّرْبِ الْمُتَعَارَفِ (عَادَةً) مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ؛ (لَمْ تُضْمَنْ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ، (وَإِلَّا) ؛ بِأَنْ جَذَبَهَا لَا لِلْوُقُوفِ، وَلَا لِلتَّعْلِيمِ، أَوْ ضَرْبًا غَيْرَ الْمُعْتَادِ؛ (حَرُمَ) ذَلِكَ، (وَضَمِنَ) الدَّابَّةَ إنْ تَلِفَتْ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ.

(وَعَلَى رَاعٍ تَحَرِّي نَافِعٍ مَكَانٍ رَعْيٍ، وَ) يَلْزَمُهُ (تَوَقِّي نَبَاتٍ مُضِرٍّ، وَ) يَلْزَمُهُ (إيرَادُهَا) - أَيْ: الْمَاشِيَةِ - (الْمَاءَ) إذَا احْتَاجَتْ إلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا يَضُرُّهَا شُرْبُهُ، (وَ) يَلْزَمُهُ (رَدُّهَا عَنْ زَرْعِ النَّاسِ، وَ) يَلْزَمُهُ (دَفْعُ سِبَاعٍ عَنْهَا، وَ) يَلْزَمُهُ (مَنْعُ بَعْضِهَا مِنْ أَذِيَّةِ بَعْضٍ قِتَالًا وَنَطْحًا.
وَ) يَلْزَمُهُ أَنْ (يُؤَدِّبَ الصَّائِلَةَ) بِرَدِّهَا عَنْ الْمَصُولِ عَلَيْهَا، وَيَرُدَّ الْقَرْنَاءَ عَنْ الْجَمَّاءِ، وَالْقَوِيَّةَ عَنْ الضَّعِيفَةِ.
(وَعَلَيْهِ إعَادَتُهَا عِنْدَ الْمَسَاءِ لِأَرْبَابِهَا) .

وَإِنْ اخْتَلَفَ رَاعٍ وَرَبُّ مَاشِيَةٍ فِي تَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ وَعَدَمِهِ؛ بِأَنْ ادَّعَى رَبُّهَا أَنْ الرَّاعِيَ تَعَدَّى، أَوْ فَرَّطَ، فَتَلِفَتْ، وَأَنْكَرَ الرَّاعِي؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ، وَإِنْ فَعَلَ الرَّاعِي فِعْلًا، وَاخْتَلَفَا فِي كَوْنِهِ تَعَدِّيًا، أَوْ فَرَّطَ؛ رُجِعَ فِيهِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَدْرَى بِهِ.

(وَإِنْ ادَّعَى) الرَّاعِي (مَوْتًا) لِشَاةٍ وَنَحْوِهَا؛ قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ - (وَلَوْ لَمْ يُحْضِرْ جِلْدًا) أَوْ غَيْرَهُ - عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، (أَوْ ادَّعَى مُكْتَرٍ) لِدَابَّةٍ أَوْ آدَمِيٍّ (أَنْ الْمُكْتَرَى أَبَقَ أَوْ مَرِضَ أَوْ شَرَدَ أَوْ مَاتَ فِي الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا) - أَيْ: الْمُدَّةُ - (قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ) فِي عَدَمِ التَّعَدِّي وَالتَّفْرِيطِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ.
(وَلَوْ جَاءَ بِهِ صَحِيحًا وَكَذَّبَهُ) الْمَالِكُ؛ أَيْ: فَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَالرِّعَايَةِ " فِي إبَاقِ الْعَبْدِ، (وَلَا أُجْرَةَ) عَلَيْهِ (حَيْثُ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ) - أَيْ الْمَأْجُورُ - لِأَنَّ الْأُجْرَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالِانْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ.

(وَإِنْ عَقَدَ) إجَارَةٍ (عَلَى) رَعْيِ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ (مُعَيَّنَةٍ مُدَّةً، تَعَيَّنَتْ) ؛ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ؛ (فَلَا تُبْدَلْ؛ وَيَبْطُلُ الْعَقْدُ فِيمَا تَلِفَ) مِنْهَا؛ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ كَمَوْتِ الْوَضِيعِ (وَ) إنْ عَقَدَ (عَلَى) رَعْيِ شَيْءٍ (مَوْصُوفٍ بِذِمَّةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ نَوْعِهِ) وَجِنْسِهِ، فَيَقُولُ: إبِلًا أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا، وَيَقُولُ فِي الْإِبِلِ: بَخَاتِيًّا أَوْ عِرَابًا، وَفِي الْبَقَرِ بَقَرًا أَوْ جَوَامِيسَ، وَفِي الْغَنَمِ ضَأْنًا أَوْ مَعْزًا، (وَ) يَذْكُرُ (كِبَرَهُ أَوْ صِغَرَهُ، وَ) يَذْكُرُ (عَدَدَهُ) وُجُوبًا؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ، فَاعْتُبِرَ الْعِلْمُ بِهِ؛ إزَالَةً لِلْجَهَالَةِ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) - أَيْ الرَّاعِي - (رَعْيُ سِخَالِهَا) ، سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى مُعَيَّنَةٍ أَوْ مَوْصُوفَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا.
(وَلَا يَشْمَلُ إطْلَاقَ) الْعَقْدِ عَلَى (بَقَرٍ) رَعْيُ (جَوَامِيسَ) ، وَعَلَى إبِلٍ لَمْ يَشْمَلْ بَخَاتِيَّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ حَمْلًا عَلَى الْعُرْفِ.

(وَيَضْمَنُ) الْأَجِيرُ (الْمُشْتَرَكُ.
وَيَتَّجِهُ) تَضْمِينُهُ الشَّيْءَ (الْمَعْمُولَ) الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِهِ، وَ (لَا) يَضْمَنُ (آلَةً) دَفَعَهَا لَهُ الْمُسْتَأْجِرُ لِيَعْمَلَ بِهَا ذَلِكَ (الْعَمَلَ)

إنْ تَلِفَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا عَارِيَّةٌ تَلِفَتْ فِيمَا أُعِيرَتْ لَهُ، فَلَا يَضْمَنُهَا؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ بِذَلِكَ مِنْ الْمَالِكِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَهُوَ) - أَيْ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ - (مَنْ قُدِّرَ نَفْعُهُ بِعَمَلٍ، وَلَوْ تَعَرَّضَ فِيهِ) - أَيْ: الْعَمَلُ - وَقْتَ عَقْدٍ (لِمُدَّةٍ؛ كَكَحَّالٍ) يُكَحِّلُهُ شَهْرًا كُلَّ يَوْمٍ كَذَا، وَيَتَقَبَّلُ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ الْأَعْمَالَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ يَعْمَلُ لَهُمْ، فَيَشْتَرِكُونَ فِي نَفْعِهِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ مُشْتَرَكًا، فَتَتَعَلَّقُ الْإِجَارَةُ بِذِمَّتِهِ لَا بِعَيْنِهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ إلَّا بِتَسْلِيمِ عَمَلِهِ، دُونَ تَسْلِيمِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْخَاصِّ (مَا تَلِفَ بِفِعْلِهِ) - أَيْ: الْأَجِيرُ - الْمُشْتَرَكُ (مِنْ تَخْرِيقِ) قَصَّارٍ بِدَقِّهِ أَوْ مَدِّهِ أَوْ عَصْرِهِ أَوْ بَسْطِهِ، (وَغَلَطِ) خَيَّاطٍ (فِي تَفْصِيلٍ) ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، لِأَنَّ عَمَلَهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ إلَّا بِالْعَمَلِ، فَإِنَّ الثَّوْبَ لَوْ تَلِفَ فِي حِرْزِهِ بَعْدَ عَمَلِهِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ فِيمَا عَمَلَ فِيهِ، بِخِلَافِ الْخَاصِّ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ يَكُونُ مَضْمُونًا؛ كَالْعُدْوَانِ بِقَطْعِ عُضْوٍ، (أَوْ) غَلَطٍ فِي (نَسْجٍ، أَوْ) فِي (طَبْخٍ، أَوْ) فِي (خَبْزٍ) ، وَكَذَا مَلَّاحُ سَفِينَةٍ وَنَحْوُهُ، وَيَضْمَنُ أَيْضًا مَا تَلِفَ بِفِعْلِهِ مِنْ يَدِهِ أَوْ خَرْقِهِ أَوْ مَا يُعَالِجُ بِهِ السَّفِينَةَ، وَسَوَاءٌ كَانَ رَبُّ الْمَتَاعِ مَعَهُ أَوْ لَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " " وَالْوَجِيزِ " " وَالْمُنَوِّرِ " وَغَيْرِهِمْ.

(وَيُقَدَّمُ قَوْلُ رَبِّهِ) - أَيْ: التَّالِفُ - (فِي صِفَةِ عَمَلِهِ) ؛ أَيْ: إذَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْعَمَلِ بَعْدَ تَلَفِ الْمَأْجُورِ؛ لِيَغْرَمَهُ لِلْعَامِلِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ.
ذَكَرَهُ ابْنُ رَزِينٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُبْدِعِ " وَتَبِعَهُمَا فِي " الْإِقْنَاعِ "، وَهُوَ مَرْجُوحٌ.

(وَيَتَّجِهُ لَا) يُقْبَلُ قَوْلُ رَبِّهِ، بَلْ يَقْبَلُ قَوْلُ الْأَجِيرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " لِئَلَّا يَغْرَمَ نَقْصَهُ مَجَّانًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِ رَبِّهِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ " الْقَوْلُ قَوْلُ الْأَجِيرِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " " وَالْمُذَهَّبِ " " وَالْخُلَاصَةِ " " وَالْمُحَرَّرِ " " وَالْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمْ.
(خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: " لِلْإِقْنَاعِ " - كَمَا يُقَدَّمُ قَوْلُ (الْخَيَّاطِ) عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ، فَكَذَلِكَ هُنَا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَيَأْتِي قَرِيبًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَ) يَضْمَنُ حَامِلٌ مَا تَلِفَ (بِزَلْقِهِ أَوْ عَثْرَتِهِ) - أَيْ: الْحَامِلُ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ - (وَسُقُوطِ) مَحْمُولٍ (عَنْ دَابَّةٍ) أَوْ رَأْسٍ، (أَوْ تَلِفَ بِقَوَدِهِ) - أَيْ: الْجَمَّالُ - (وَسَوْقِهِ أَوْ انْقِطَاعِ حَبْلِهِ) الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْحَمْلُ، سَوَاءٌ (حَضَرَ رَبُّ الْمَالِ أَوْ غَابَ) ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ صَاحِبِ الْعَمَلِ حَاضِرًا عِنْدَهُ أَوْ غَائِبًا، أَوْ كَوْنِهِ مَعَ الْمَلَّاحِ أَوْ الْجَمَّالِ أَوْ لَا، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: مَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْمَلَّاحِ بِحَذْقِهِ، أَوْ بِجِنَايَةِ الْمُكَارِي بِشَدِّهِ الْمَتَاعَ وَنَحْوِهِ؛ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِجِنَايَةِ يَدِهِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ حُضُورِ الْمَالِكِ وَغَيْبَتِهِ؛ كَالْعُدْوَانِ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْجَمَّالِ وَالْمَلَّاحِ إذَا كَانَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ رَاكِبًا مَعَهُ يَعُمُّ الْمَتَاعُ وَصَاحِبُهُ، وَتَفْرِيطُهُ يَعُمُّهُمَا؛ فَلَمْ يَسْقُطْ ذَلِكَ الضَّمَانُ؛ كَمَا لَوْ رَمَى إنْسَانًا مُتَتَرِّسًا، فَكَسَرَ تُرْسَهُ وَقَتَلَهُ، وَلِأَنَّ الطَّبِيبَ وَالْخَتَّانَ إذَا جَنَتْ يَدَاهُمَا؛ ضَمِنَا مَعَ حُضُورِ الْمُطَبَّبِ وَالْمَخْتُونِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَمَّالٌ يَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهِ - وَرَبُّ الْمَتَاعِ مَعَهُ - فَعَثَرَ، فَسَقَطَ الْمَتَاعُ، فَتَلِفَ؛ ضَمِنَ، وَإِنْ سَرَقَ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ فِي الْعِثَارِ تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ،

وَالسَّرِقَةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنَايَتِهِ، وَرَبُّ الْمَالِ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ تَلَفَهُ بِجِنَايَتِهِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ حَضَرَ رَبُّ الْمَالِ، أَوْ غَابَ، بَلْ وُجُوبُ الضَّمَانِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَقْصُودٌ لِفَاعِلِهِ، وَالسَّقْطَةُ مِنْ الْحَمَّالِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لَهُ، فَإِذَا أَوْجَبَ الضَّمَانُ هَا هُنَا فَثَمَّ أَوْلَى، قَالَ فِي الشَّرْحِ: (وَ) يَضْمَنُ أَيْضًا مَا نَقَصَ (بِخَطَئِهِ فِي فِعْلِهِ) ؛ كَصَبَّاغٍ أُمِرَ بِصَبْغِ ثَوْبٍ أَصْفَرَ، فَصَبَغَهُ أَسْوَدَ وَنَحْوِهِ؛ لِمَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الصَّبَّاغَ وَالصَّوَّاغَ، وَقَالَ لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إلَّا ذَلِكَ.
وَلِأَنَّ عَمَلَ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، فَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ؛ كَالْعُدْوَانِ بِقَطْعِ عُضْوٍ، وَدَلِيلُ ضَمَانِ عَمَلِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ إلَّا بِالْعَمَلِ، وَأَنَّ الثَّوْبَ لَوْ تَلِفَ فِي حِرْزِهِ بَعْدَ عَمَلِهِ لَا أَجْرَ لَهُ، بِخِلَافِ الْخَاصِّ، فَإِنَّهُ إذَا أَمْكَنَهُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ؛ اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ، (وَلَوْ بِدَفْعِهِ) - أَيْ: الثَّوْبُ وَنَحْوُهُ - (لِغَيْرِ رَبِّهِ) غَلَطًا، فَيَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَى مَالِكِهِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي قَصَّارٍ دَفَعَ الثَّوْبَ إلَى غَيْرِ مَالِكِهِ: يَغْرَمُ الْقَصَّارُ، وَلَيْسَ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ لُبْسُهُ إذَا عَلِمَ، وَعَلَيْهِ رَدُّهُ لِلْقَصَّارِ نَصًّا، (وَغَرِمَ قَابِضُ) الثَّوْبِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ غَلَطًا - (قَطَعَهُ أَوْ لَبِسَهُ جَهْلًا) أَنَّهُ ثَوْبُ غَيْرِهِ - (أَرْشَ قَطْعِهِ، وَأُجْرَةَ لُبْسِهِ) ؛ لِتَعَدِّيهِ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، (وَرَجَعَ) قَابِضٌ (بِهِمَا) - أَيْ بِأَرْشِ قَطْعِهِ، وَأُجْرَةِ لُبْسِهِ - (عَلَى دَافِعٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ " وَيَرْجِعُ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى الْقَصَّارِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَزَادَ فِي الرِّعَايَةِ " مَسْأَلَةَ الرُّجُوعِ بِأُجْرَةِ اللُّبْسِ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِثَوْبِهِ إنْ كَانَ مَوْجُودًا، وَإِنْ هَلَكَ ضَمِنَ الْأَجِيرُ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكَهُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ بَعْدَ طَلَبِهِ، فَضَمِنَهُ؛ كَمَا لَوْ عَلِمَ.
.

(وَإِنْ عَلِمَ) قَابِضٌ أَنْ الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ لَيْسَ بِثَوْبِهِ، فَقَطَعَهُ، أَوْ لَبِسَهُ؛ (فَلَا) رُجُوعَ لَهُ عَلَى دَافِعٍ بِمَا غَرِمَهُ لِلْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ.

وَ (لَا) : يَضْمَنُ أَجِيرٌ (مَا تَلِفَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَيْنٌ مَقْبُوضَةٌ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ

لَمْ يُتْلِفْهَا بِفِعْلِهِ؛ أَشْبَهَ الْمُسْتَأْجِرَ، وَلِأَنَّهُ قَبَضَهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا لِنَفْعٍ يَعُودُ عَلَيْهِمَا؛ أَشْبَهَ الْمُضَارِبَ (إنْ لَمْ يُفَرِّطْ) ، فَإِنْ فَرَّطَ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ؛ أَشْبَهَ الْمُودِعَ، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يَضْمَنُ (مَا ضَاعَ بِحِرْزِهِ) - أَيْ مِنْ حِرْزِهِ - بِنَحْوِ سَرِقَةٍ، (وَلَا أُجْرَةَ لَهُ) أَيْ: لِلْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ - (فِيمَا عَمَلَ فِيهِ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، (وَلَوْ) كَانَ عَمَلُهُ فِيهِ (بِبَيْتِ رَبِّهِ) ، خِلَافًا " لِلْحَاوِي " إذْ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَعْمَلَ فِي بَيْتِ رَبِّهِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ عَمَلَهُ لِلْمُسْتَأْجِرِ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إلَّا بِتَسْلِيمِ الْمَعْمُولِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضَهُ؛ كَمَكِيلٍ بِيعَ، وَتَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ.

(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ الْأَجِيرَ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ فِيمَا إذَا كَانَ الْعَمَلُ بِبَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ، (وَتَلِفَ) الْمَعْمُولُ (قَبْلَ فَرَاغِهِ) مِنْ الْعَمَلِ، وَأَمَّا إذَا تَلِفَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْعَمَلِ، وَهُوَ بَيْتُ الْمُسْتَأْجِرِ؛ فَقَدْ اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ بِمُجَرَّدِ الْفَرَاغِ؛ لِأَنَّهُ أَتَمَّ مَا عَلَيْهِ، (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: " لِلْإِقْنَاعِ " - فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِيمَا عَمَلَهُ، سَوَاءٌ عَمَلَهُ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ بَيْتِهِ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ.

[تَنْبِيهٌ فِيمَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلٍ فِي عَيْنٍ]

: قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَكُلُّ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلٍ فِي عَيْنٍ، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُوقِعَهُ وَهِيَ فِي يَدِ الْأَجِيرِ؛ كَالصَّبَّاغِ يَصْبُغُ فِي حَانُوتِهِ، وَالْخَيَّاطِ فِي دُكَّانِهِ؛ فَلَا يَبْرَأُ مِنْ الْعَمَلِ حَتَّى يُسَلِّمَهَا إلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ حَتَّى يُسَلِّمَهُ

مَفْرُوغًا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي يَدِهِ؛ فَلَا يَبْرَأُ مِنْهُ، مَا لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَى الْعَاقِدِ كَالْمَبِيعِ مِنْ الطَّعَامِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يُوقِعُ الْعَمَلَ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ مِثْلَ أَنْ يُحْضِرَهُ إلَى دَارِهِ لِيَخِيطَ فِيهَا، أَوْ يَصْبُغَ فِيهَا؛ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ الْعَمَلِ، وَيَسْتَحِقُّ أَجْرَهُ بِمُجَرَّدِ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَيَصِيرُ مُسَلِّمًا لِلْعَمَلِ حَالًّا فَحَالًّا، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَبْنِي لَهُ حَائِطًا فِي دَارِهِ، أَوْ يَحْفِرَ بِهَا بِئْرًا بَرِيءَ مِنْ الْعَمَلِ، وَاسْتَحَقَّ أَجْرَهُ بِمُجَرَّدِ عَمَلِهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْبِئْرُ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ الْحَائِطِ؛ لَمْ يَبْرَأْ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ، وَلَوْ انْهَارَتْ عَقِيبَ الْحَفْرِ، أَوْ الْحَائِطُ بَعْدَ بِنَائِهِ وَقَبْلَ تَسْلِيمِهِ؛ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْعَمَلِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا اسْتَعْمَلَ أَلْفَ لَبِنَةٍ فِي كَذَا وَكَذَا فَعَمَلَ، ثُمَّ سَقَطَ؛ فَلَهُ الْكِرَاءُ.
وَأَمَّا الْأَجِيرُ الْخَاصُّ فَيَسْتَحِقُّ أَجْرَهُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، سَوَاءٌ تَلِفَ مَا عَمَلَهُ أَوْ لَمْ يَتْلَفْ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: إذَا اسْتَأْجَرَ يَوْمًا، فَعَمَلَ وَسَقَطَ عِنْدَ اللَّيْلِ مَا عَمَلَهُ، فَلَهُ الْكِرَاءُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ نَفْسِهِ، وَعَمَلُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُ.
بِخِلَافِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَبْنِيَ لَهُ حَائِطًا طُولُهُ عَشْرَةُ أَذْرُعَ، فَبَنَى بَعْضَهُ، فَسَقَطَ؛ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَتَّى يُتِمَّهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ مَشْرُوطٌ بِإِتْمَامِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا قِيلَ لَهُ: ارْفَعْ حَائِطًا كَذَا وَكَذَا ذِرَاعًا؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يُوَفِّيَهُ، فَإِنْ سَقَطَ؛ فَعَلَيْهِ التَّمَامُ، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْفِرَ لَهُ بِئْرًا عُمْقُهَا عَشْرَةُ أَذْرُعَ، فَحَفَرَ مِنْهَا خَمْسَةً، وَانْهَارَ فِيهَا تُرَابٌ مِنْ جَوَانِبِهَا؛ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَتَّى يُتَمِّمَ حَفْرَهَا.
انْتَهَى.

(وَلَا يَضْمَنُ) أَجِيرٌ (مُشْتَرَكٌ تَبَرَّعَ بِعَمَلِهِ مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ عَمَلَهُ بِبَيْتِهِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ مَحْضٌ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَنَّهُ أَجِيرٌ أَوْ مُتَبَرِّعٌ؛ فَقَوْلُ أَجِيرٍ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ.
(وَلِأَجِيرٍ حَبْسُ مَعْمُولٍ) ؛ كَثَوْبٍ صَبَغَهُ أَوْ قَصَّرَهُ أَوْ خَاطَهُ (عَلَى أُجْرَتِهِ؛ إنْ حَكَمَ بِفَلَسِ رَبِّهِ) ، وَكَوْنُ الْأَجِيرِ يَمْلِكُ حَبْسَ مَا صَبَغَهُ أَوْ قَصَّرَهُ أَوْ خَاطَهُ؛

لِأَنَّ زِيَادَتَهُ لِلْمُفْلِسِ؛ فَأُجْرَتُهُ عَلَيْهِ، وَالْعَمَلُ الَّذِي هُوَ عِوَضُهَا مَوْجُودٌ فِي عَيْنِ الثَّوْبِ، فَمَلَكَ حَبْسَهُ مَعَ ظُهُورِ عُسْرَةِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ كَمَنْ أَجَّرَ دَابَّتَهُ أَوْ نَحْوَهَا لِإِنْسَانٍ بِأُجْرَةٍ حَالَّةٍ، ثُمَّ ظَهَرَ عُسْرُ الْمُسْتَأْجِرِ قَبْلَ تَسْلِيمِهَا لَهُ؛ فَإِنَّ لِلْمُؤَجِّرِ حَبْسَهَا عَنْهُ، وَفَسْخَ الْأُجْرَةِ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ أُجْرَتُهُ أَكْثَرَ مِمَّا زَادَتْ بِهِ قِيمَتُهُ؛ أَخَذَ الزِّيَادَةَ، وَحَاصَصَ الْغُرَمَاءَ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ.

(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا) يَجُوزُ لِلْأَجِيرِ حَبْسُ الْمَعْمُولِ (بِمُجَرَّدِ إعْسَارِ) الْمَالِكِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِإِعْسَارِهِ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ) - أَيْ: الْأَجِيرُ (يُحَاصِصُ الْغُرَمَاءَ) بِحُدُوثِ زِيَادَةٍ فِي ثَمَنِ الْمَعْمُولِ بِغَيْرِ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُمْ شُرَكَاؤُهُ (وَلَا يَخْتَصُّ) الْأَجِيرُ (بِهِ) ؛ أَيْ: الزَّائِدُ عَنْ الثَّمَنِ الَّذِي بِيعَ بِهِ، (إلَّا إنْ زَادَ) ثَمَنُهُ (بِعَمَلِهِ) فَيَخْتَصُّ بِالزَّائِدِ حَيْثُ كَانَ أَنْقَصَ مِنْ أُجْرَتِهِ؛ (كَمُضَارِبٍ) يَأْخُذُ مَا يَخُصُّهُ مِنْ رِبْحٍ ظَهَرَ قَبْلَ أَنْ يُفْلِسَ رَبُّ الْمَالِ، وَلَا يُحَاصِصُ الْغُرَمَاءُ فِي نَصِيبِهِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِلَّا) يَحْكُمْ حَاكِمٌ بِفَلَسِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ (فَلَا) يَمْلِكُ الْأَجِيرُ حَبْسَ الْمَعْمُولِ بَعْدَ عَمَلِهِ، فَإِنْ فَعَلَ؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْهَنْهُ عِنْدَهُ، وَلَا أَذِنَهُ فِي إمْسَاكِهِ، وَلَا يَتَضَرَّرُ بِدَفْعِهِ قَبْلَ أَخْذِ أُجْرَتِهِ، وَمَتَى فَعَلَ، فَتَلِفَ؛ (ضَمِنَ) هـ (كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ) الْأَجِيرُ بَعْدَ عَمَلِهِ أَوْ بَعْدَ حَمْلِهِ إذَا اُسْتُؤْجِرَ لَهُ، (وَخُيِّرَ مَالِكٌ بَيْنَ تَضْمِينِهِ) - أَيْ: الْأَجِيرُ - (إيَّاهُ) أَيْ الْمَعْمُولُ أَوْ الْمَحْمُولُ (غَيْرُ مَعْمُولٍ) - أَيْ: مِخْيَطٌ وَنَحْوُهُ - (أَوْ) غَيْرُ (مَحْمُولٍ) بِأَنْ يُطَالِبَهُ بِقِيمَتِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي سَلَّمَهُ إلَيْهِ فِيهِ لِيَحْمِلَهُ مِنْهُ، (وَلَا أُجْرَةَ لَهُ) ؛ أَيْ: الْأَجِيرُ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ عَمَلَهُ أَوْ تَضَمَّنَهُ الْمَعْمُولُ أَوْ الْمَحْمُولُ التَّالِفُ تَعَدِّيًا بِقِيمَتِهِ

(مَعْمُولًا) - أَيْ: مَصْبُوغًا وَنَحْوُهُ - (وَمَحْمُولًا) إلَى مَكَان تَلِفَ فِيهِ، (وَلَهُ الْأَجْرُ) - أَيْ: أُجْرَةُ عَمَلِهِ وَحَمْلِهِ -، لِأَنَّ تَضْمِينَهُ إيَّاهُ كَذَلِكَ فِي مَعْنَى تَسْلِيمِ الْعَمَلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَإِنَّمَا خُيِّرَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ مُسْتَصْحِبٌ عَلَيْهِ إلَى حِينِ الْمُطَالَبَةِ بِقِيمَتِهِ قَبْلَ عَمَلِهِ وَحِينَ تَلَفِهِ.

(وَإِنْ اسْتَأْجَرَ) أَجِيرٌ (مُشْتَرَكٌ) أَجِيرًا (خَاصًّا) ؛ كَخِيَاطَةٍ أَوْ صَبَّاغٍ يَسْتَأْجِرُ أَجِيرًا فَأَكْثَرَ مُدَّةً مَعْلُومَةً يَسْتَعْمِلُهُ فِيهَا؛ (فَلِكُلٍّ) مِنْ الْخَاصِّ وَالْمُشْتَرَكِ (حُكْمُ نَفْسِهِ) ، فَإِذَا تَقَبَّلَ صَاحِبُ الدُّكَّانِ خِيَاطَةَ ثَوْبٍ، وَدَفَعَهُ إلَى أَجِيرِهِ فَخَرَقَهُ، أَوْ أَفْسَدَهُ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ خَاصٌّ، وَيَضْمَنُهُ صَاحِبُ الدُّكَّانِ لِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ.
(وَإِنْ تَقَبَّلَ) الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ، (وَلَمْ يَعْمَلْ، بَلْ اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ؛ فَلَهُ) - أَيْ: الْمُشْتَرَكُ - (الْأُجْرَةُ) الْمُسَمَّاةُ فِي الْعَقْدِ؛ (لِضَمَانِهِ) - أَيْ: الْتِزَامِهِ الْعَمَلَ - (لَا لِتَسْلِيمِ الْعَمَلِ) ، وَتَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَةِ أَنَّ التَّقَبُّلَ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُتَقَبِّلِ، وَيَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ، وَسَوَاءٌ عَمَلَ فِيهِ شَيْئًا، أَوْ لَا.

(وَ) إنْ قَالَ الْأَجِيرُ: (أَذِنْت لِي فِي تَفْصِيلِهِ) - أَيْ: الثَّوْبُ - (قَبَاءً، وَقَالَ) الْمُسْتَأْجَرُ: (بَلْ) أَذِنْت لَك بِتَفْصِيلِهِ (قَمِيصًا) ؛ فَالْقَوْلُ (قَوْلُ خَيَّاطٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِئَلَّا يَغْرَمَ نَقْصَهُ مَجَّانًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِ رَبِّهِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ؛ لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ " الْقَوْلُ قَوْلُ الْأَجِيرِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " " وَالْمُذَهَّبِ " " وَالْخُلَاصَةِ " " وَالْمُحَرَّرِ " " وَالْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمْ، (وَلَوْ كَانَ مِثْلُ رَبِّهِ) - أَيْ: الثَّوْبُ - (لَا يَلْبِسُ الْقَبَاءَ) ، خِلَافًا لِابْنِ أَبِي مُوسَى، وَإِنَّمَا قَبْلَ قَوْلِ الْأَجِيرِ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْإِذْنِ، وَاخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَأْذُونِ؛ كَالْمَضَارِبِ إذَا قَالَ: أَذِنْت لِي فِي الْبَيْعِ نَسَاءً، وَلِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى مِلْكِ الْخَيَّاطِ الْقَطْعَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فَعَلَ مَا مَلَكَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي

لُزُومِ الْغُرْمِ لَهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَيَحْلِفُ الْخَيَّاطُ: لَقَدْ أَذِنْت لِي فِي قَطْعِهِ كَذَا، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْغُرْمُ، (وَ) يَكُونُ (لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ وُجُودُ فِعْلِهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ بِعِوَضِهِ، (وَلِعَدَمِ ثُبُوتِ مُسَمًّى بِدَعْوَاهُ) ؛ فَلَا يَجِبُ بِيَمِينِهِ، (وَكَذَا) ؛ أَيْ: وَمِثْلُهُ فِي الْحُكْمِ لَوْ قَالَ صَبَّاغٌ: (أَمَرْتنِي بِصَبْغِهِ كَذَا) - أَيْ: أَسْوَدَ - (فَقَالَ رَبُّهُ) - أَيْ: الثَّوْبِ: بَلْ أَمَرْتُك بِصَبْغِهِ - (كَذَا) - أَيْ: أَحْمَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّبَّاغِ، وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ.

(وَ) لَوْ قَالَ رَبُّ ثَوْبٍ لِخَيَّاطٍ: (إنْ كَانَ) الثَّوْبُ (يَكْفِينِي) قَمِيصًا أَوْ قَبَاءً، فَاقْطَعْهُ، وَ (فَصِّلْهُ، فَقَالَ) الْخَيَّاطُ: (يَكْفِيك، فَفَصَّلَهُ، فَلَمْ يَكْفِهِ؛ ضَمِنَهُ) ؛ أَيْ ضَمِنَ أَرْشَ تَقْطِيعِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَهُ فِي قَطْعِهِ بِشَرْطِ كِفَايَتِهِ، فَقَطَعَهُ بِدُونِ شَرْطِهِ؛ (كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: اقْطَعْهُ قَبَاءً، فَقَطَعَهُ قَمِيصًا) ؛ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ أَرْشَ نَقْصِهِ لِمُخَالَفَتِهِ، (لَا إنْ قَالَ: اُنْظُرْ هَلْ يَكْفِينِي) قَمِيصًا أَوْ قَبَاءً؟ (قَالَ: يَكْفِيك، فَقَالَ لَهُ: اقْطَعْهُ) ، فَقَطَعَهُ، فَلَمْ يَكْفِهِ؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَهُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطٍ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا.
(وَ) لَوْ قَالَ: (اقْطَعْهُ) - أَيْ: الثَّوْبَ - (قَمِيصًا لِرَجُلٍ، فَقَطَعَهُ ثَوْبَ امْرَأَةٍ؛ غَرِمَ) الْخَيَّاطُ (مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَمَقْطُوعًا) ، لِأَنَّ هَذَا قَطْعٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ؛ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، وَلِأَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ قَمِيصٌ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ، فَإِذَا قَطَعَ قَمِيصًا غَيْرَهُ، لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا الْمَأْذُونَ فِيهِ، فَكَانَ مُتَعَدِّيًا بِابْتِدَاءِ الْقَطْعِ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الْقَطْعِ أَجْرًا.

(وَ) إنْ دَفَعَ إلَى حَائِكٍ غَزْلًا، وَقَالَ: (انْسِجْهُ لِي عَشْرَةَ أَذْرُعٍ فِي عَرْضِ ذِرَاعٍ، فَنَسَجَهُ زَائِدًا عَلَى مَا قَدَّرَ لَهُ) فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ، (فَلَا أُجْرَةَ لَهُ) - أَيْ: الْحَائِكِ - (لِزَائِدٍ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، (وَيَضْمَنُ) حَائِكٌ (نَقْصَ غَزْلِ نَسْجٍ) فِي الزِّيَادَةِ؛ لِتَعَدِّيهِ.
تَتِمَّةٌ: فَأَمَّا مَا عَدَا الزَّائِدَ، فَيُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ جَاءَ بِهِ زَائِدًا فِي الطُّولِ

وَحْدَهُ، وَلَمْ يَنْقُصْ الْأَصْلُ بِالزِّيَادَةِ؛ فَلَهُ مَا سَمَّى لَهُ مِنْ الْأَجْرِ؛ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَضْرِبَ لَهُ مِائَةَ لَبِنَةٍ، فَضَرَبَ لَهُ مِائَتَيْنِ، وَإِنْ جَاءَ بِهِ زَائِدًا فِي الْعَرْضِ وَحْدَهُ أَوْ فِيهِمَا، فَقَدَّمَ فِي " الْمُغْنِي " لَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِأَمْرِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا؛ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى بِنَاءِ حَائِطٍ عَرْضُ ذِرَاعٍ، فَبَنَاهُ عَرْضَ ذِرَاعَيْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ أَنَّهُ يُمْكِنُ قَطْعُ الزَّائِدِ فِي الطُّولِ، وَيَبْقَى الثَّوْبُ عَلَى مَا أَرَادَ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْعَرْضِ، وَأَمَّا إنْ جَاءَ بِهِ نَاقِصًا فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ أَوْ فِي إحْدَاهُمَا، فَقَدَّمَ فِي " الْمُغْنِي " لَا أَجْرَ لَهُ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِ الْغَزْلِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا أَمَرَ بِهِ؛ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى بِنَاءِ حَائِطٍ عَرْضَ ذِرَاعٍ، فَبَنَاهُ عَرْضُ نِصْفِ ذِرَاعٍ، وَأَمَّا إنْ أَثَّرَتْ الزِّيَادَةُ أَوْ النَّقْصُ فِي الْأَصْلِ مِثْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِنَسْجِ عَشْرَةِ أَذْرُعٍ لِيَكُونَ الثَّوْبُ صَفِيقًا، فَنَسَجَهُ خَمْسَةَ عَشْرَ، فَصَارَ صَفِيقًا؛ أَوْ أَمَرَهُ بِنَسْجِهِ خَمْسَةَ عَشْرَ لِيَكُونَ خَفِيفًا، فَنَسَجَهُ عَشْرَةً فَصَارَ صَفِيقًا فَلَا - أَجْرَ لَهُ بِحَالٍ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِ الْغَزْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِمَّا أُمِرَ بِهِ.

[فَصْلٌ تُمْلَكُ أُجْرَةٌ مُعَيَّنَةٌ فِي إجَارَةِ عَيْنٍ]

(فَصْلٌ: وَتُمْلَكُ أُجْرَةٌ مُعَيَّنَةٌ فِي إجَارَةِ عَيْنٍ) - وَلَوْ مُدَّةً لَا تَلِي الْعَقْدَ، (أَوْ) إجَارَةٍ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي (ذِمَّةٍ) كَحَمْلِ مُعَيَّنٍ إلَى مَكَان مُعَيَّنٍ (بِعَقْدٍ) شُرِطَ فِيهِ الْحُلُولُ، أَوْ أُطْلِقَ؛ كَمَا يَجِبُ الثَّمَنُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ، وَالصَّدَاقُ بِالنِّكَاحِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وَحَدِيثُ: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ؛ لَا يُعَارِضُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ فِي وَقْتٍ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَهُ قَبْلَهُ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: 24] وَالصَّدَاقُ يَجِبُ قَبْلَ الِاسْتِمْتَاعِ، (فَتُوطَأُ أَمَةٌ) جُعِلَتْ أُجْرَةً؛ لِأَنَّهَا مُلِكَتْ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، (وَيُعْتَقُ قِنٌّ) عَلَى سَيِّدٍ بِمُجَرَّدِ عَقْدٍ، إذَا كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَى مِلْكِهِ لَهُ.

(وَيَصِحُّ تَصَرُّفٌ) بِالْأَجْرِ كَمَبِيعٍ، (وَتُسْتَحَقُّ) الْأُجْرَةُ (كَامِلَةً، وَيُطَالِبُ بِهَا) ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ تَسْلِيمُهَا بِمُجَرَّدِ (تَسْلِيمِ عَيْنٍ) مُعَيَّنَةٍ كَانَتْ فِي الْعَقْدِ، أَوْ مَوْصُوفَةٍ فِي الذِّمَّةِ.

(وَلَوْ) كَانَتْ الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ (نَفْسَهُ) - أَيْ: الْمُؤَجِّرِ - فَعَلَيْهِ تَسْلِيمُ نَفْسِهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَيَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِالْأُجْرَةِ؛ لِجَرَيَانِ تَسْلِيمِ نَفْسِهِ مَجْرَى تَسْلِيمِ نَفْعِهَا، (أَوْ بَذْلِهَا) - أَيْ: الْعَيْنِ - لِمُسْتَأْجِرٍ؛ لِيَسْتَوْفِيَ نَفْعَهَا - (وَ) لَوْ (أَبَى مُكْتَرٍ) قَبُولَهَا -؛ لِأَنَّ الْمُؤَجِّرَ فَعَلَ مَا عَلَيْهِ؛ كَمَا لَوْ بَذَلَ الْبَائِعُ الْعَيْنَ الْمَبِيعَةَ، وَلَيْسَ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِهَا بَعْدَ بَذْلِهَا إلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكْتَرِي الْقَبُولُ إذَا بَذَلَ الْعَيْنَ مُؤَجِّرٌ، (وَلَيْسَ ثَمَّ) - أَيْ: فِي مَوْضِعِ بَذْلِهَا - (يَدٌ حَائِلَةٌ) ، أَمَّا إذَا كَانَ يَدٌ حَائِلَةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الْأُجْرَةِ؛ لِعَدَمِ تَمَكُّنُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَتَسْتَقِرُّ) أَيْ: تَثْبُتُ الْأُجْرَةُ كَامِلَةً (بِذِمَّةِ مُسْتَأْجِرٍ) ؛ كَسَائِرِ الدُّيُونِ (بِفَرَاغِ عَمَلِ مَا) اُسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِهِ، وَهُوَ (بِيَدِهِ) - أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ - كَطَبَّاخٍ اُسْتُؤْجِرَ (فِي دَارِهِ) - أَيْ: دَارِ الْمُسْتَأْجِرِ - فَطَبَخَهُ، وَفَرَغَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَمَّ مَا عَلَيْهِ وَهُوَ بِيَدِ رَبِّهِ، فَاسْتَقَرَّ، (فَكُلُّ شَيْءٍ) يُسْتَأْجَرُ لِعَمَلِهِ إذَا (عَمِلَهُ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ وَفَرَغَهُ) ، أَيْ: بَذَلَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ، (وَقَعَ) ذَلِكَ الشَّيْءُ (مَقْبُوضًا) - أَيْ: فِي حُكْمِ الْمَقْبُوضِ - فَيَسْتَحِقُّ بَاذِلُهُ أُجْرَتَهُ.
(وَ) تَسْتَقِرُّ أَيْضًا (بِدَفْعِ غَيْرِ مَا بِيَدِهِ) - أَيْ غَيْرِ مَا بِيَدِ مُسْتَأْجِرٍ؛ كَمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْخَيَّاطَ يَخِيطُ لَهُ ثَوْبًا بِدُكَّانِهِ، فَخَاطَهُ، وَسَلَّمَهُ لِرَبِّهِ مَعْمُولًا، لِأَنَّهُ سَلَّمَ مَا عَلَيْهِ، فَاسْتَحَقَّ

عِوَضَهُ، وَهُوَ الْأُجْرَةُ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ تَسْلِيمِ الْأُجْرَةِ إنْ لَمْ تُؤَجَّلْ، فَإِنْ أُجِّلَتْ لَمْ يَجِبْ بَذْلُهَا حَتَّى تَحِلَّ؛ كَالثَّمَنِ وَالصَّدَاقِ، وَلَا يَجِبُ تَسْلِيمُ الْعَمَلِ فِي الذِّمَّةِ حَتَّى يَتَسَلَّمَهُ الْمُسْتَأْجِرُ، وَإِنْ وَجَبَتْ بِالْعَقْدِ، وَعَلَى هَذَا وَرَدَتْ النُّصُوصُ، وَلِأَنَّ الْأَجِيرَ إنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إذَا قَضَى عَمَلَهُ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ؛ فَلَا يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَهُ إلَّا مَعَ تَسْلِيمِ الْمُعَوَّضِ؛ كَالصَّدَاقِ وَالثَّمَنِ، وَفَارَقَ الْإِجَارَةَ عَلَى الْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهَا يَجْرِي مَجْرَى تَسْلِيمِ نَفْعِهَا، وَتَسْتَقِرُّ الْأُجْرَةُ أَيْضًا بِمُجَرَّدِ (فَرَاغِ عَمَلِ) أَجِيرٍ (خَاصٍّ) كَانَ يُوقِعُ الْعَمَلَ بِبَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ (مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ بَذَلَهُ لَهُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى الْبَذْلِ، (وَ) تَسْتَقِرُّ أَيْضًا (بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ) - أَيْ: مُدَّةِ الْإِجَارَةِ - إنْ كَانَتْ عَلَى مُدَّةٍ، وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ الْعَيْنُ بِلَا مَانِعٍ، وَلَوْ لَمْ يَنْتَفِعْ؛ لِتَلَفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَحْتَ يَدِهِ، وَهُوَ حَقُّهُ، فَاسْتَقَرَّ عِوَضُهُ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ إذَا تَلِفَ بِيَدِ مُشْتَرٍ.
(وَ) تَسْتَقِرُّ أَيْضًا (بِبَذْلِ تَسْلِيمِ عَيْنٍ) مُعَيَّنَةٍ (لِعَمَلٍ بِذِمَّةٍ إذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ) - أَيْ: اسْتِيفَاءُ الْعَمَلِ - (فِيهَا) - أَيْ: الْمُدَّةِ - حَيْثُ لَا مَانِعَ لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ لِتَلَفِ الْمَنَافِعِ تَحْتَ يَدِهِ بِاخْتِيَارِهِ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ؛ كَتَلَفِ الْمَبِيعِ تَحْتَ يَدِ الْمُشْتَرِي.
فَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إلَى مَكَّةَ مَثَلًا ذَهَابًا وَإِيَابًا بِكَذَا، وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ الْمُؤَجِّرُ، وَمَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ فِيهَا ذَهَابُهُ إلَيْهَا، وَرُجُوعُهُ عَلَى الْعَادَةِ، وَلَمْ يَفْعَلْ اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
(وَلَوْ لَمْ يَتَسَلَّمْ) الْمُسْتَأْجِرُ حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ الْمُقَدَّرَةُ، أَوْ مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْأَجْرِ فِيهِ؛ اسْتَقَرَّ الْأَجْرُ عَلَيْهِ لِتَلَفِ الْمَنَافِعِ بِاخْتِيَارِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَجْرُ؛ كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ.

(وَلَا تَجِبُ أُجْرَةٌ بِبَذْلِ) تَسْلِيمِ الْعَيْنِ (فِي) إجَارَةِ (فَاسِدَةٍ) ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا لَمْ تَتْلَفْ تَحْتَ يَدِهِ وَلَا فِي مِلْكِهِ، (فَإِنْ تَسَلَّمَ) الْمُؤَجَّرَةَ فِي إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ، أَوْ مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ عَمَلٍ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ أَوْ لَا؛ فَعَلَيْهِ (أُجْرَةُ الْمِثْلِ) مُدَّةَ بَقَائِهَا بِيَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَحْتَ يَدِهِ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لِمُؤَجَّرٍ؛ فَيُرْجَعُ إلَى قِيمَتِهَا؛ كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهَا.

(وَيَصِحُّ شَرْطُ تَأْخِيرِ أُجْرَةٍ) ؛ بِأَنْ تَكُونَ مُؤَجَّلَةً إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ؛ كَمَا لَوْ شَرَطَ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ فِي سَنَةِ سِتٍّ، أَنْ لَا تَحِلَّ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ إلَى عِنْدَ ابْتِدَاءِ سَنَةِ سَبْعٍ؛ لِأَنَّ إجَارَةَ الْعَيْنِ كَبَيْعِهَا، وَبَيْعُهَا يَصِحُّ بِثَمَنٍ حَالٍّ وَمُؤَجَّلٍ؛ فَكَذَلِكَ إجَارَتُهَا، فَلَوْ مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ لَمْ تَحِلَّ أُجْرَةٌ مُؤَجَّلَةٌ؛ لِأَنَّ حِلَّهَا مَعَ تَأْخِيرِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ ظُلْمٌ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.

(وَ) يَصِحُّ (تَعْجِيلُهَا) - أَيْ: الْأُجْرَةِ - عَلَى مَحِلِّ اسْتِحْقَاقِهَا؛ كَمَا لَوْ آجَرَهُ دَارِهِ سَنَةَ خَمْسٍ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ تَعْجِيلَ الْأُجْرَةِ فِي يَوْمِ الْعَقْدِ.
(قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (غَيْرَ نَاظِرِ وَقْفٍ؛ فَلَيْسَ لَهُ تَعْجِيلُهَا) أَيْ: الْأُجْرَةِ - كُلِّهَا إلَّا لِحَاجَةِ التَّعْمِيرِ الَّذِي لَا يَتِمُّ الِانْتِفَاعُ إلَّا بِهِ، (وَلَوْ شَرَطَهُ) - أَيْ: التَّعْجِيلَ - (لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ يَأْخُذُ مَا لَمْ يَسْتَحِقَّهُ الْآنَ) ، وَقَالَ كَمَا يُفَرِّقُونَ فِي الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ إذَا بِيعَتْ، أَوْ وُرِثَتْ، فَإِنَّ الْحِكْرَ مِنْ الِانْتِقَالِ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ وَالْوَارِثَ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَخْذُهُ مِنْ الْبَائِعِ وَتَرْكُهُ فِي أَصَحِّ قَوْلِهِمْ.
انْتَهَى.

(وَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ) لِعَمَلٍ (كُلَّ يَوْمٍ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ؛ فَلَهُ أَجْرُ كُلِّ يَوْمٍ عِنْدَ تَمَامِهِ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ) - بِفَتْحِ الْجِيمِ (لِلْعَمَلِ مُدَّةً) مُطْلَقَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ كَاسْتِئْجَارِهِ كُلَّ يَوْمٍ بِكَذَا؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فِي آخِرِ كُلِّ يَوْمٍ، (وَيَجِبُ لَهُ أَجْرُ كُلِّ يَوْمٍ فِي آخِرِهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الْعُرْفِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ بِالْعَمَلِ فِيمَا بَعْدَهُ، وَلِأَنَّ مُدَّتَهُ لَا تَنْتَهِي، فَلَا يُمْكِنُ تَأْخِيرُ إعْطَائِهِ إلَى تَمَامِهَا، وَإِذَا عَيَّنَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا قِسْطًا مِنْ الْأُجْرَةِ؛ فَهِيَ إجَارَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ انْتَهَى.

(وَتَقْسِيطُ الْأُجْرَةِ كُلَّ سَنَةٍ) كَذَا، (أَوْ) كُلَّ (شَهْرٍ) كَذَا، (أَوْ) كُلَّ (يَوْمٍ كَذَا) ؛ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
.

[فَصْلٌ فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّة إجَارَة أَوْ انْفَسَخَتْ بنحو تقايل أَوْ عَيْب]

(فَصْلٌ: فَإِذَا انْقَضَتْ، وَيَتَّجِهُ أَوْ) (انْفَسَخَتْ بِنَحْوِ تَقَايُلِ) الْمُتَآجِرِينَ مِنْ عَقْدِ الْإِجَارَةِ أَوْ خِيَارِ شَرْطٍ، (وَ) كَذَا بِظُهُورِ (عَيْبٍ) فِي الْمَأْجُورِ مُبِيحٍ لِلْفَسْخِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(إجَارَةُ أَرْضٍ) ؛ أَيْ: انْتَهَتْ مُدَّتُهَا، (لَيْسَتْ) الْأَرْضُ (مُشَاعًا لِشَرِيكٍ، وَبِهَا) - أَيْ: الْأَرْضِ الْمُؤَجَّرَةِ - (غِرَاسٌ) - بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ - (أَوْ بِنَاءٌ) (لَمْ يُشْتَرَطْ) فِي الْعَقْدِ (قَلْعُهُ بِانْقِضَاءِ) الْمُدَّةِ، (أَوْ شُرِطَ) عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ (بَقَاؤُهُ) - أَيْ الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ - (أَوْ أُطْلِقَ) بِأَنْ لَمْ يُشْتَرَطْ قَلْعٌ وَلَا بَقَاءٌ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ شَرْطِ الْبَقَاءِ وَالْإِطْلَاقِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، [فَإِنْ قَلَعَهُ مَالِكُهُ؛ فَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ مَنْعُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ] . (وَإِنْ لَمْ يَقْلَعْهُ مَالِكُهُ) - أَيْ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ (خُيِّرَ مَالِكُهَا) - أَيْ: الْأَرْضِ - (بَيْنَ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَخْذُهُ) - أَيْ تَمَلُّكُهُ " - (بِقِيمَتِهِ) إنْ كَانَ مِلْكُهُ لِلْأَرْضِ تَامًّا، فَيَدْفَعُ قِيمَةَ الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ، وَيُمْلَكُ مَعَ أَرْضِهِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَزُولُ بِذَلِكَ، وَصِفَتُهُ أَنْ تُقَوَّمَ الْأَرْضُ مَغْرُوسَةً أَوْ مَبْنِيَّةً، ثُمَّ خَالِيَةً مِنْهُمَا؛ فَمَا بَيْنَهُمَا قِيمَتُهُ، (أَوْ تَرْكُهُ بِأُجْرَتِهِ) - أَيْ الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ - لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَإِزَالَةَ ضَرَرِ الْمَالِكَيْنِ؛ فَلَا أَثَرَ لِاشْتِرَاطِ الْمُسْتَأْجِرِ تَبْقِيَةَ غِرَاسِهِ أَوْ بِنَائِهِ، (أَوْ قَلْعُهُ جَبْرًا، وَيَضْمَنُ نَقْصَهُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَ " وَالْوَجِيزِ "، وَغَيْرِهِمْ، قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": إذَا اخْتَارَ الْمَالِكُ الْقَلْعَ وَضَمَانَ النَّقْصِ؛ فَالْقَلْعُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَجِّرَ دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ، وَلِصَاحِبِ الشَّجَرِ أَوْ الْبِنَاءِ بَيْعُهُ لِمَالِكِ

الْأَرْضِ وَلِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهِ تَامٌّ، فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْف شَاءَ، فَيَكُونُ الْمُشْتَرِي غَيْرَ مَالِكِ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْجِرِ، (وَكَذَا) لَا يُمْنَعُ الْخِيرَةَ مِنْ أَخْذِ رَبِّ الْأَرْضِ لَهُ، أَوْ قَلْعِهِ وَضَمَانِ نَقْصِهِ، أَوْ تَرْكِهِ الْأُجْرَةَ.
(لَوْ وَقَفَ مُسْتَأْجِرٌ مَا بَنَاهُ، أَوْ وَقَفَ مَا غَرَسَهُ) ، وَلَوْ عَلَى نَحْوِ مَسْجِدٍ كَزَاوِيَةٍ وَمَدْرَسَةٍ.
(فَإِذَا تَمَلَّكَهُ بِقِيمَتِهِ؛ اشْتَرَى بِهَا) - أَيْ: بِالْقِيمَةِ أَوْ بِمَا أَخَذَهُ مِنْ أَرْشِ الْقَلْعِ - (مَا يَكُونُ وَقْفًا) ؛ كَمَا لَوْ أُتْلِفَ الْوَقْفُ، وَأُخِذَتْ قِيمَتُهُ مِنْ مُتْلِفِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآلَاتِ وَالْغِرَاسَ الْمَقْلُوعَ بَاقٍ مَقَامَهُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ ". (وَيَتَّجِهُ لَوْ أَبَى) مُسْتَأْجِرٌ (الثَّلَاثَ) ، وَهِيَ أَخْذُ الْمَالِكِ بِالْقِيمَةِ، وَالتَّرْكُ بِالْأُجْرَةِ، وَالْقَلْعُ، (وَ) أَبَى (مَالِكٌ الْقَلْعَ) لِلْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ؛ (بِيعَ) ؛ أَيْ: بَاعَ حَاكِمٌ مِنْ الْمَأْجُورِ (أَرْضًا بِمَا فِيهَا) مِنْ غِرَاسٍ أَوْ بِنَاءٍ، وَدَفَعَ لِرَبِّ الْأَرْضِ قِيمَتَهَا فَارِغَةً، وَمَا بَقِيَ يُدْفَعُ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا بِيعَ مَالُهُ مُنْفَرِدًا.
وَالْحُكْمُ فِيهَا (كَعَارِيَّةٍ) ؛ أَيْ: كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ الْأَرْضَ لِلْغِرَاسِ، ثُمَّ رَجَعَ الْمُعِيرُ قَبْلَ الْقَلْعِ، فَإِنْ كَانَ شَرَطَ الْقَلْعَ بِوَقْتٍ أَوْ رُجُوعٍ؛ لَزِمَ عِنْدَهُ - وَلَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ مُعِيرٌ - وَإِلَّا يَشْتَرِطْ الْقَلْعَ؛ فَلِمُعِيرٍ أَخْذُهُ قَهْرًا بِقِيمَتِهِ، أَوْ قَلْعُهُ جَبْرًا، وَيَضْمَنُ نَقْصَهُ، فَإِنْ أَبَى مُعِيرٌ ذَلِكَ، وَمُسْتَعِيرٌ الْأُجْرَةَ وَالْقَلْعَ؛ بِيعَتْ أَرْضٌ بِمَا فِيهَا إنْ رَضِيَا أَوْ أَحَدُهُمَا، وَيُجْبَرُ الْآخَرُ، وَدُفِعَ لِرَبِّ الْأَرْضِ قِيمَتُهَا فَارِغَةً، وَالْبَاقِي لِلْآخَرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وحُكْمُ) إجَارَةٍ (فَاسِدَةٍ فِي ذَلِكَ) ؛ أَيْ: الْمُتَقَدِّمِ تَفْصِيلُهُ مِنْ أَنَّهَا إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَفِيهَا غِرَاسٌ أَوْ بِنَاءٌ؛ كَحُكْمِ إجَارَةٍ (صَحِيحَةٍ) مِنْ أَنَّ الْمَالِكَ مُخَيَّرٌ

فِيهَا بَيْنَ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، (لَا كَعَارِيَّةٍ) ؛ إذْ الْمُعِيرُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ قَهْرًا بِقِيمَتِهِ، أَوْ قَلْعِهِ جَبْرًا، وَيَضْمَنُ نَقْصَهُ، (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى ") فَإِنَّهُ قَالَ (فِي بَابِ الْعَارِيَّةِ) : وَالْمُسْتَأْجِرُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ كَمُسْتَعِيرٍ انْتَهَى.
فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تَجِبُ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ حَيْثُ جَعَلَهَا كَالْعَارِيَّةِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ سِوَى صَاحِبِ " الْمُحَرَّرِ "، وَهُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ " الْمُنْتَهَى ": بِأَنَّ تَشْبِيهَهُ لِمُسْتَأْجِرٍ بِعَقْدِ فَاسِدٍ بِالْمُسْتَعِيرِ إنَّمَا هُوَ فِي عَدَمِ الْقَلْعِ مَجَّانًا، لَا فِي لُزُومِ الْأُجْرَةِ، فَلَا مُنَافَاةَ إذَنْ.
(وَ) لَوْ غَرَسَ أَوْ بَنَى مُشْتَرٍ؛ فَحُكْمُهُ (حُكْمُ الْعَارِيَّةِ فِيمَا بِيعَ مِنْهُ) ؛ أَيْ: اشْتَرَاهُ اشْتِرَاءً (صَحِيحًا، ثُمَّ فُسِخَ) عَقْدُ (بَيْعٍ بِنَحْوِ عَيْبٍ) ؛ كَغَبْنٍ (وَتَقَايُلٍ) ، أَوْ خِيَارِ شَرْطٍ، (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: " لِلْإِقْنَاعِ " - فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَوْ غَرَسَ أَوْ بَنَى مُشْتَرٍ، ثُمَّ فَسَخَ الْبَيْعَ بِعَيْبٍ كَانَ لِرَبِّ الْأَرْضِ الْأَخْذُ بِالْقِيمَةِ، أَوْ الْقَلْعُ وَضَمَانُ النَّقْصِ، وَتَرْكُهُ بِالْأُجْرَةِ انْتَهَى.
فَجَعَلَ فِي " الْإِقْنَاعِ " حُكْمَ مَا بِيعَ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ، ثُمَّ فُسِخَ، حُكْمَ الْإِجَارَةِ، فَلِذَلِكَ خَالَفَهُ الْمُصَنِّفُ، وَجَعَلَهُ كَالْعَارِيَّةِ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ.
مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " وَالرِّعَايَةِ " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَغَيْرُهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لِرَبِّ الْأَرْضِ أَخْذُ الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ بِقِيمَتِهِ، أَوْ قَلْعُهُ وَضَمَانُ نَقْصِهِ انْتَهَى.

وَأَمَّا الْمَبِيعُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ إذَا غَرَسَ فِيهِ الْمُشْتَرِي، أَوْ بَنَى؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْتَعِيرُ إذَا غَرَسَ أَوْ بَنَى عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ " وَابْنُ عَقِيلٍ فِي " الْفُصُولِ " وَصَاحِبُ " الْمُغْنِي " فِي الشُّرُوطِ فِي الرَّهْنِ؛ لِتَضَمُّنِهِ إذْنًا، وَيَأْتِي فِي بَابِ الْعَارِيَّةِ مُفَصَّلًا.
(وَإِنْ كَانَ الْبِنَاءُ) الَّذِي بَنَاهُ الْمُسْتَأْجِرُ (نَحْوَ مَسْجِدٍ) كَمَدْرَسَةٍ وَسِقَايَةٍ وَقَنْطَرَةٍ؛ (لَزِمَ بَقَاؤُهُ) - أَيْ: الْبِنَاءِ - فَلَا يُهْدَمُ، وَلَا يُتَمَلَّكُ، بَلْ يُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ (بِأُجْرَتِهِ إلَى زَوَالِهِ) ؛ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ؛ إذْ وَضْعُ هَذِهِ لِلدَّوَامِ، وَلَا يُعَادُ

الْمَسْجِدُ وَنَحْوُهُ إذَا انْهَدَمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ بِغَيْرِ رِضَى رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِزَوَالِ حُكْمِ الْإِذْنِ بِزَوَالِ الْعَقْدِ.

(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ) أَنَّهُ (لَوْ أَعْسَرَ) الْمُسْتَأْجِرُ، وَعَجَزَ عَنْ دَفْعِ أُجْرَةِ أَرْضٍ مَبْنِيَّةٍ مَسْجِدًا؛ (لَا يَلْزَمُهُ) - أَيْ: الْمُؤَجِّرَ - إبْقَاءُ الْبِنَاءِ إلَى أَنْ يَبِيدَ، أَوْ يُوسِرَ الْمُسْتَأْجِرُ.

(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ لَوْ مَاتَ) الْمُسْتَأْجِرُ (مُعْسِرًا؛ فَلِمَالِكٍ) فِعْلُ (مَا مَرَّ) مِنْ تَمَلُّكِ الْبِنَاءِ بِقِيمَتِهِ، أَوْ قَلْعِهِ وَضَمَانِ نَقْصِهِ (جَزْمًا) مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ؛ لِئَلَّا يَضِيعَ حَقُّهُ.
وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ.

(وَ) قَالَ (فِي " الْفَائِقِ ") : قُلْتُ: (لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ) - أَيْ: الْمُؤَجَّرَةُ لِغَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ - (وَقْفًا) ، وَانْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ؛ (لَمْ) يَجُزْ أَنْ (يُتَمَلَّكَ) غِرَاسٌ وَلَا بِنَاءٌ لِجِهَةِ وَقْفِ الْأَرْضِ (إلَّا بِشَرْطِ وَاقِفٍ) لِلْأَرْضِ، (أَوْ رِضَى مُسْتَحِقٍّ) لِرِيعِ الْوَقْفِ إنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ؛ لِأَنَّ فِي دَفْعِ قِيمَتِهِ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ تَفْوِيتًا عَلَى الْمُسْتَحِقِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يُقْلَعُ الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ، إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ وَقْفًا، وَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يُتَمَلَّكُ إلَّا تَامُّ الْمِلْكِ، هَذَا مَعَ عَدَمِ شَرْطِ وَاقِفٍ، أَوْ رِضَى مُسْتَحِقٍّ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْلَعَ غِرَاسَ الْمُسْتَأْجِرِ وَزَرْعَهُ، صَحِيحَةً كَانَتْ الْإِجَارَةُ أَوْ فَاسِدَةً، لِتَضَمُّنِهَا الْإِذْنَ فِي وَضْعِهِ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ،

بَلْ إذَا بَقِيَ؛ فَعَلَى مَالِكِهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَإِنْ أَبْقَاهُ - أَيْ الْغِرَاسَ أَوْ الْبِنَاءَ الْمَوْقُوفَ - بِالْأُجْرَةِ؛ فَمَتَى بَادَ؛ بَطَلَ الْوَقْفُ، وَأَخَذَ الْأَرْضَ صَاحِبُهَا، فَانْتَفَعَ بِهَا.

وَقَالَ فِيمَنْ احْتَكَرَ أَرْضًا بَنَى فِيهَا مَسْجِدًا أَوْ بِنَاءً وَقَفَهُ عَلَيْهِ: مَتَى فَرَغَتْ الْمُدَّةُ، وَانْهَدَمَ الْبِنَاءُ؛ زَالَ حُكْمُ الْوَقْفِ، وَأَخَذُوا أَرْضَهُمْ، فَانْتَفَعُوا بِهَا، وَمَا دَامَ الْبِنَاءُ قَائِمًا فِيهَا؛ فَعَلَيْهِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ؛ كَوَقْفِ عُلُوِّ رَبْعٍ أَوْ دَارٍ مَسْجِدًا، فَإِنَّ وَقْفَ عُلُوِّ ذَلِكَ؛ لَا يُسْقِطُ حَقَّ مُلَّاكِ السُّفْلِ وَكَذَا وَقْفُ الْبِنَاءِ لَا يُسْقِطُ حَقَّ مُلَّاكِ الْأَرْضِ، وَذَكَرَ فِي " الْفُنُونِ " مَعْنَاهُ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلَا يَسَعُ النَّاسَ إلَّا ذَلِكَ.
وَقَالَ (" الْمُنَقَّحُ ") : قُلْتُ: (بَلْ إذَا حَصَلَ بِهِ) - أَيْ: التَّمَلُّكِ (نَفْعٌ) لِجِهَةِ الْوَقْفِ؛ بِأَنْ يَكُونَ تَمَلُّكُهُ أَحَظَّ مِنْ قَلْعِهِ وَضَمَانِ نَقْصِهِ، وَمِنْ إبْقَائِهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ؛ (كَانَ لَهُ ذَلِكَ) - أَيْ: تَمَلُّكُهُ لِجِهَةِ الْوَقْفِ - لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً تَعُودُ إلَى مُسْتَحِقِّ الرِّيعِ؛ أَشْبَهَ شِرَاءَ وَلِيٍّ بِنَاءً لِيَتِيمٍ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَدْ رُئِيَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَمَرَّ فِي فَصْلِ: وَإِنْ ظَهَرَ عَيْبٌ: أَنَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ (تَمَلُّكَ زَرْعٍ) زَرَعَهُ مُؤَجِّرٌ تَعَدِّيًا بِنَفَقَتِهِ، (وَ) مَرَّ أَيْضًا أَنَّ (مَيْلَ ابْنِ رَجَبٍ) إلَيْهِ.
(وَفِي " الْإِقْنَاعِ " لَا يَتَمَلَّكُ غَيْرُ تَامِّ الْمِلْكِ؛ كَمَوْقُوفٍ عَلَيْهِ وَمُسْتَأْجِرٍ) وَمُوصًى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ؛ لِقُصُورِ مِلْكِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ، هَذَا تَخْرِيجٌ لِابْنِ رَجَبٍ، وَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ لَهُ تَمَلُّكُ زَرْعِ الْغَاصِبِ بِالنَّفَقَةِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَلِذَلِكَ جَوَّزَ ابْنُ رَجَبٍ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ مَا إذَا غُصِبَتْ الْأَرْضُ الْمُوصَى بِمَنَافِعِهَا، أَوْ الْمُسْتَأْجَرَةُ وَزُرِعَ فِيهَا، فَهَلْ يَمْلِكُ الزَّرْعَ مَالِكُ الرَّقَبَةِ؟ أَوْ مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ؟ ذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةِ وَالسَّبْعِينَ.

وَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى " بِأَحْكَامِ الْخَرَاجِ ": فِيمَا إذَا خَرَجَ مَنْ بِيَدِهِ الْأَرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ مِنْهَا، وَلَهُ غِرَاسٌ أَوْ بِنَاءٌ فِيهَا، فَهَلْ يُقَالُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ إذَا رَآهُ أَصْلَحَ؟ كَمَا يَتَمَلَّكُ نَاظِرُ الْوَقْفِ.
وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَإِنَّهُمْ يَمْلِكُونَ رَقَبَةَ أَرْضِ الْعَنْوَةِ؟ فَظَاهِرُهُ جَوَازُهُ لِلنَّاظِرِ مُطْلَقًا إذَا رَآهُ مَصْلَحَةً انْتَهَى.

(وَلَا) يَتَمَلَّكُهُ (مُرْتَهِنٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ، وَإِنَّمَا لَهُ حَقُّ الِاسْتِيثَاقِ.

(وَمُؤْنَةُ قَلْعٍ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ) ؛ كَنَقْلِ مَتَاعِهِ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ تَفْرِيغَ الْمُؤَجَّرَةِ مِمَّا أَشْغَلَهَا بِهِ مِنْ مِلْكِهِ، وَإِنْ اخْتَارَهُ - أَيْ الْقَلْعَ - مُسْتَأْجِرٌ دُونَ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ نَقْصًا عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ فَلَزِمَهُ إزَالَتُهُ، فَإِنْ اخْتَارَهُ مُؤَجِّرٌ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي أَدْخَلَ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ، (وَ) كَذَا (تَسْوِيَةُ حُفَرٍ) حَصَلَتْ بِقَلْعٍ، فَتَلْزَمُ مُسْتَأْجِرًا، وَهَذَا مِنْ الْمُصَنِّفِ مُخَالَفَةٌ لِأَصْلَيْهِ، وَلَمْ يُشِرْ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُمَا أَوْجَبَا مُؤْنَةَ الْقَلْعِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ مُطْلَقًا، وَتَسْوِيَةَ الْحُفَرِ إنْ اخْتَارَ الْمُسْتَأْجِرُ الْقَلْعَ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ الْقَلْعَ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَجِّرُ؛ فَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ مُؤْنَةُ الْقَلْعِ دُونَ تَسْوِيَةِ الْحُفَرِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي " الْإِقْنَاعِ " عَنْ " التَّلْخِيصِ " وَهُوَ مَفْهُومُ " الْمُنْتَهَى " حَيْثُ فَصَّلَ بِلَفْظِهِ كَذَا فِي تَسْوِيَةِ، الْحُفَرِ وَالْأَقْوَى فِي النَّظَرِ مَا جَنَحَا إلَيْهِ.

(وَإِنْ شَرَطَ) عَلَى مُسْتَأْجِرِ أَرْضٍ لِغَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ (قَلْعَهُ بِانْقِضَاءِ) مُدَّةِ الْإِجَارَةِ؛ (لَزِمَهُ) قَلْعُهُ وَفَاءً بِمُوجِبِ شَرْطِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمُوجِبِ الشَّرْطِ إذَا كَانَ الْبِنَاءُ أَوْ الْغِرَاسُ (غَيْرَ نَحْوِ مَسْجِدٍ) كَمَدْرَسَةٍ وَقَنْطَرَةٍ وَمَا وَقَفَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَبْقَى بِأُجْرَةٍ الْمِثْلِ، وَتَقَدَّمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَيْسَ عَلَيْهِ) - أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ مَعَ الشَّرْطِ - (تَسْوِيَةُ حُفَرٍ) حَصَلَتْ بِالْقَلْعِ، (وَلَا إصْلَاحُ أَرْضٍ) ؛ لِدَلَالَةِ الشَّرْطِ عَلَى رِضَى رَبِّ الْأَرْضِ بِذَلِكَ، (إلَّا بِشَرْطٍ) ؛ بِأَنْ شَرَطَهُ رَبُّ الْأَرْضِ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُهُ وَفَاءٌ بِالشَّرْطِ.

(وَلَا) يَجِبُ (عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ) إذَا شَرَطَ الْقَلْعَ عِنْدَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ (غَرَامَةُ نَقْصٍ) حَصَلَ بِالْقَلْعِ؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى ذَلِكَ؛ لِرِضَاهُمَا بِالْقَلْعِ، وَلِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ أَذِنَ لَهُ فِي إشْغَالِهَا بِمَا يَنْقُصُ بِتَفْرِيغِ الْأَرْضِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ نَقْصِهِ؛ كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ أَرْضًا لِلْغَرْسِ مُدَّةً، فَرَجَعَ الْمُعِيرُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، وَيُخَالِفُ الزَّرْعُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ رَبَّ الْأَرْضِ غُرْمُ نَقْصِ قِيمَةِ الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ (إلَّا بِشَرْطٍ) ؛ بِأَنْ شَرَطَ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ أَنَّهُ مَتَى اخْتَارَ قَلْعَهُ يَكُونُ عَلَيْهِ غَرَامَةُ نَقْصِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

[فَرْعٌ إجَارَةِ نَصِيبٍ مُشَاعٍ مِنْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ]

فَرْعٌ: أَفْتَى ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي (إجَارَةِ) نَصِيبٍ (مُشَاعٍ) مِنْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَجَّرَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ (لِشَرِيكِهِ) ، فَيَبْنِي الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ غَيْرُهُ بَعْدَ أَنْ اسْتَأْجَرَ حِصَّةَ شَرِيكِهِ؛ ثُمَّ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ؛ فَالْحُكْمُ (أَنَّ لِمُؤَجِّرٍ أَخْذَ قَدْرِ حِصَّةِ نَصِيبِهِ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ مِنْ غَرْسٍ وَبِنَاءٍ) ، فَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ نِصْفَ الْأَرْضِ، أَخَذَ نِصْفَ الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ بِنِصْفِ (قِيمَتِهِ) ، أَوْ الرُّبُعَ، أَخَذَ رُبُعَهُمَا بِرُبُعِ الْقِيمَةِ، وَهَكَذَا، (وَلَا يَقْلَعُ) ؛ أَيْ: لَيْسَ لِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يُلْزِمَ الْمُسْتَأْجِرَ بِالْقَلْعِ - وَلَوْ ضَمِنَ لَهُ نَقْصَ نَصِيبِهِ - (لِاسْتِلْزَامِهِ قَلْعَ مَا لَا يَجُوزُ) قَلْعُهُ؛ لِعَدَمِ تَمْيِيزِ مَا يَخُصُّ نَصِيبَهُ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ.

[فَصْلٌ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ إجَارَةٍ أَوْ اسْتَوْفَى الْعَمَلَ مِنْ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ]

(فَصْلٌ: وَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ إجَارَةٍ) أَوْ اسْتَوْفَى الْعَمَلَ مِنْ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ؛ (رَفَعَ مُسْتَأْجِرٌ يَدَهُ عَنْ) عَيْنٍ (مُؤَجَّرَةٍ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ) - أَيْ الْمُسْتَأْجِرَ - (رَدٌّ وَلَا مُؤْنَتُهُ؛ كَمُودَعٍ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ، فَلَا يَقْتَضِي الرَّدَّ وَلَا مُؤْنَتَهُ، بِخِلَافِ الْعَارِيَّةِ، فَإِنَّ ضَمَانَهَا يَجِبُ؛ فَكَذَلِكَ رَدُّهَا، (وَكَمُرْتَهِنٍ وَفَّى) مَا عَلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الرَّهْنِ إلَى رَبِّهِ وَلَا مُؤْنَتُهُ، (وَتَكُونُ) الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ

بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَمَانَةً؛ كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي الْمُدَّةِ (بِيَدِهِ) - أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ - فَإِنْ تَلِفَتْ الْمُؤَجَّرَةُ قَبْلَ رَدِّهَا؛ (فَلَا تُضْمَنُ بِلَا) تَعَدٍّ وَلَا (تَفْرِيطٍ) - وَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ الرَّدِّ - جَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الِانْتِفَاعِ قَدْ انْتَهَى، دُونَ الْإِذْنِ فِي الْحِفْظِ، وَمُؤْنَتُهُ كَمُودَعٍ.

(وَلَوْ شَرَطَ مُؤَجِّرٌ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ الضَّمَانَ) ؛ فَالْإِجَارَةُ صَحِيحَةٌ، وَالشَّرْطُ فَاسِدٌ؛ (لِأَنَّ مَا لَا يُضْمَنُ) بِدُونِ شَرْطٍ (لَا يَصِيرُ بِالشَّرْطِ مَضْمُونًا) ، لَكِنْ مَتَى طَلَبَهَا رَبُّهَا وَجَبَ تَمْكِينُهُ مِنْهَا، فَإِنْ مَنَعَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، صَارَتْ مَضْمُونَةً كَالْمَغْصُوبَةِ، وَنَمَاؤُهَا كَالْأَصْلِ، فَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً، فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ؛ كَانَ وَلَدُهَا أَمَانَةً كَأُمِّهِ، وَلَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْعَقْدِ، (وَعَكْسُهُ) بِأَنْ شَرَطَ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ عَدَمَ الضَّمَانِ لِلْمُؤَجَّرَةِ بِتَعَدِّيهِ عَلَيْهَا أَوْ تَفْرِيطِهِ فِي حِفْظِهَا (بِعَكْسِهِ) ؛ أَيْ: يَلْزَمُهُ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ بِتَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ؛ لِمُنَافَاةِ هَذِهِ الشُّرُوطِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ.

(فَإِنْ شَرَطَ) مُؤَجِّرٌ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ (أَنْ لَا يَسِيرَ بِهَا) - أَيْ: الدَّابَّةِ - (لَيْلًا، أَوْ) شَرَطَ أَنْ لَا يَسِيرَ بِهَا (وَقْتَ قَائِلَةِ) ، أَوْ شَرَطَ أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ بِمَتَاعِهِ بَطْنَ وَادٍ، (أَوْ) شَرَطَ أَنْ (لَا يَتَأَخَّرَ بِهَا) - أَيْ: الدَّابَّةِ - (أَوْ لَا يَتَقَدَّمَ الْقَافِلَةَ [وَنَحْوَهُ] ) كَشَرْطِهِ أَنْ لَا يَسِيرَ إلَّا مَعَ رُفْقَةٍ وَشَبَهِهِ، (مِمَّا) لِلْمُؤَجِّرِ (فِيهِ غَرَضٌ) ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِالشَّرْطِ، فَإِنْ (خَالَفَ) شَيْئًا مِمَّا شُرِطَ (عَلَيْهِ) بِلَا عُذْرٍ، فَتَلِفَتْ؛ (ضَمِنَ) ، لِتَعَدِّيهِ بِمُخَالَفَةِ الشَّرْطِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُحَمِّلَ الدَّابَّةَ إلَّا قَفِيزَيْنِ فَحَمَّلَهَا أَكْثَرَ.

[فَائِدَة حُكْمُ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ حُكْمُ الصَّحِيحَةِ]

ِ فِي أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا تَعَدٍّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ فِي صَحِيحِهِ؛ فَلَا يَقْتَضِيهِ فَاسِدُهُ؛ كَالْوَكَالَةِ، وَحُكْمُ كُلِّ عَقْدٍ فَاسِدٍ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ حُكْمُ صَحِيحِهِ، فَمَا وَجَبَ الضَّمَانُ فِي صَحِيحِهِ وَجَبَ فِي فَاسِدِهِ، وَمَا لَا فَلَا.

. (وَلَهُ) - أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ - (إيدَاعُهَا) - أَيْ: الدَّابَّةِ الْمُؤَجَّرَةِ - (بِخَانٍ إذَا قَدِمَ بَلَدًا) فِي طَرِيقِهِ، أَوْ كَانَ غَرَضُهُ فِيهِ، (وَمَضَى فِي حَاجَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا - (وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ مَالِكًا) فِي إيدَاعِهَا - لِأَنَّ الْخَانَ مُعَدٌّ لِحِفْظِ الدَّوَابِّ وَغَيْرِهَا، فَلَا يَكُونُ الْمُودِعُ فِيهِ مُفَرِّطًا؛ كَمَا لَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ اسْتِئْذَانُ مَالِكٍ (لِغَسْلِ ثَوْبٍ مُسْتَأْجَرٍ) - بِفَتْحِ الْجِيمِ - إذَا (اتَّسَخَ) أَوْ تَنَجَّسَ؛ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ.

(وَ) لِمُؤَجِّرٍ (مُشْتَرِطٍ) عَلَى مُسْتَأْجِرٍ (عَدَمَ سَفَرٍ بِعَيْنٍ مُؤَجَّرَةٍ الْفَسْخُ) بِهِ - أَيْ: بِسَفَرِهِ بِهَا - لِمُخَالَفَتِهِ الشَّرْطَ.

(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ) ، وَأَرَادَ السَّفَرَ (سَافَرَ بِهِ) - أَيْ بِالْعَبْدِ - (فِي الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ) ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ عَدَمُ السَّفَرِ، (قَالَهُ الْقَاضِي) ، وَقَالَ: فَإِنْ شُرِطَ تَرْكُ الْمُسَافَرَةِ بِهِ؛ لَزِمَ الشَّرْطُ: (وَقَالَ) الْقَاضِي: (لَيْسَ لِسَيِّدٍ سَفَرٌ بِرَقِيقِهِ إذَا آجَرَهُ) ، ذَكَرَهُ فِي تَعْلِيقِهِ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا انْتَهَى.

(وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى مُسْتَأْجِرٍ الرَّدَّ) - أَيْ: رَدَّ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ إلَى مَالِكِهَا - إذَا أَنْكَرَهُ (بِلَا بَيِّنَةٍ) ؛ كَالْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُضَارِبِ.

[فَرْعٌ كُلُّ مَنْ قَبَضَ الْعَيْنَ لِحَظِّ نَفْسِهِ وَادَّعَى الرَّدَّ لَمَالِكٍ فَأَنْكَرَهُ لَمْ يُقْبَلْ]

(فَرْعٌ: كُلُّ مَنْ قَبَضَ الْعَيْنَ لِحَظِّ نَفْسِهِ؛ كَمُرْتَهِنٍ وَأَجِيرٍ وَمُشْتَرٍ وَبَائِعٍ وَغَاصِبٍ وَمُلْتَقِطٍ وَمُقْتَرِضٍ وَمُضَارِبٍ، وَادَّعَى) قَابِضٌ (الرَّدَّ) لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (لَمَالِكٍ، فَأَنْكَرَهُ) ؛ أَيْ: أَنْكَرَ الْمَالِكُ الرَّدَّ؛ (لَمْ يُقْبَلْ) قَوْلُ قَابِضٍ (بِلَا بَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ لَهُ بِالرَّدِّ، (وَكَذَا مُودَعٌ) - أَيْ: وَدِيعٌ - بِجُعْلٍ (وَوَكِيلٌ) بِجُعْلٍ (وَوَصِيٌّ وَدَلَّالٌ وَنَاظِرُ وَقْفٍ وَعَامِلُ خَرَاجٍ) ؛ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذَا كَانَ غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ، (لَا) عَامِلُ (زَكَاةٍ) مُطْلَقًا (بِجُعْلٍ وَبِدُونِهِ) ، فَإِنَّهُ (يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ فِي أَنَّهُ رَدَّهَا أَوْ فَرَّقَهَا) ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ، وَهُوَ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهَا؛ كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَالِكِ أَنَّهُ فَرَّقَهَا قَبْلَ مَجِيءِ الْعَامِلِ.

(وَأَمَّا دَعْوَى التَّلَفِ فَتُقْبَلُ مِنْ كُلِّ) شَخْصٍ (أَمِينٍ بِيَمِينٍ) ، مَا لَمْ يَكُنْ التَّلَفُ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ؛ كَحَرِيقٍ وَغَرِيقٍ وَنَهْبٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ

مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَخْفَى، وَتَقَدَّمَ.

[تَنْبِيهٌ إذَا اكْتَرَى بِدَرَاهِمَ وَأَعْطَاهُ عَنْهَا دَنَانِيرَ ثُمَّ انْفَسَخَ الْعَقْدُ]

ُ؛ رَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالدَّرَاهِمِ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الرِّعَايَتَيْنِ " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَ " الْفَائِقِ " وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا انْفَسَخَ؛ رَجَعَ كُلٌّ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْعِوَضِ الَّذِي بَذَلَهُ، وَعِوَضُ الْعَقْدِ هُوَ الدَّرَاهِمُ، وَالْمُؤَجِّرُ أَخَذَ الدَّنَانِيرَ بِعَقْدٍ آخَرَ، وَلَمْ يَنْفَسِخْ؛ أَشْبَهَ مَا إذَا قَبَضَ الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ صَرَفَهَا بِدَنَانِيرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْمُسَابَقَةِ]

(بَابُ الْمُسَابَقَةِ) مِنْ السَّبْقِ، وَهُوَ بُلُوغُ الْغَايَةِ قَبْلَ غَيْرِهِ، وَهِيَ (الْمُجَارَاةُ بَيْنَ حَيَوَانٍ وَنَحْوِهِ) ؛ كَرِمَاحٍ وَمَنَاجِيقَ، وَكَذَا السِّبَاقُ وَالْمُنَاضَلَةُ مِنْ النَّضْلِ يُقَالُ: نَاضَلَهُ مُنَاضَلَةً وَنِضَالًا وَنِيضَالًا، وَهِيَ (الْمُسَابَقَةُ بِالرَّمْيِ) بِالسِّهَامِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّهْمَ التَّامَّ يُسَمَّى نَضْلًا، فَالرَّمْيُ بِهِ عَمَلٌ بِالنَّضْلِ، (وَالسَّبَقُ - بِفَتْحِ الْبَاءِ -) وَالسُّبْقَةُ (الْجُعْلُ، وَ) السَّبْقُ - بِسُكُونِهَا - أَيْ الْبَاءِ مَصْدَرُ سَبَقَ (الْمُجَارَاةُ) . (وَتَجُوزُ) الْمُسَابَقَةُ (فِي سُفُنٍ وَمَزَارِيقَ) ، وَهِيَ الرِّمَاحُ الْقِصَارُ، (وَطُيُورٍ) حَتَّى الْحَمَامِ، خِلَافًا لِلْآمِدِيِّ (وَرِمَاحٍ وَأَحْجَارٍ) وَمَقَالِيعَ (وَعَلَى الْأَقْدَامِ) ، وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ مِنْ إبِلٍ وَخَيْلٍ وَبِغَالٍ وَحَمِيرٍ وَفِيَلَةٍ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهَا فِي الْجُمْلَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60] وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ: «أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ سَابَقَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الْمُضْمَرَةِ مِنْ الْخَيْفِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَبَيْنَ الَّتِي لَمْ تَضْمُرْ مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ» قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: مِنْ الْحَيْفَا إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ، وَقَالَ سُفْيَانُ: مِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ، وَالْخَيْلُ الْمُضْمَرَةُ هِيَ الْمَعْلُوفَةُ الْقُوتَ بَعْدَ السِّمَنِ، قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «سَابَقَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَبَقْتُهُ، فَلَمَّا أَخَذَنِي اللَّحْمُ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَقَالَ هَذِهِ بِتِلْكَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
.

(وَكُرِهَ رَقْصٌ وَمَجَالِسُ شِعْرٍ وَكُلُّ مَا يُسَمَّى لَعِبًا) ، ذَكَرَهُ فِي الْوَسِيلَةِ؛ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ وَيَأْتِي، (إلَّا مَا كَانَ مُعِينًا عَلَى) قِتَالِ (عَدُوٍّ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
.

(فَيُكْرَهُ لَعِبُهُ بِأُرْجُوحَةٍ) وَنَحْوِهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا مُرَامَاةُ الْأَحْجَارِ وَنَحْوُهُ، وَهِيَ (أَنْ يَرْمِيَ كُلُّ وَاحِدٍ الْحَجَرَ إلَى صَاحِبِهِ) . قَالَهُ الْآجُرِّيُّ فِي النَّصِيحَةِ: مَنْ وَثَبَ وَثْبَةً مَرَحًا وَلَعِبًا بِلَا نَفْعٍ، فَانْقَلَبَ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ؛ عَصَى وَقَضَى الصَّلَاةَ.

(وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ (لَا يَجُوزُ اللَّعِبُ الْمَعْرُوفُ بِالطَّابِ وَالنَّقِيلَةِ) . قَالَ: وَيَجُوزُ اللَّعِبُ بِمَا قَدْ يَكُونُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ بِلَا مَضَرَّةٍ، وَقَالَ: كُلُّ [فِعْلٍ] أَفْضَى إلَى مُحَرَّمٍ كَثِيرًا حَرَّمَهُ الشَّارِعُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِلشَّرِّ وَالْفَسَادِ، (وَقَالَ أَيْضًا: مَا أَلْهَى وَشَغَلَ عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ؛ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُحَرَّمْ جِنْسُهُ؛ كَبَيْعٍ وَتِجَارَةٍ) وَنَحْوِهِمَا انْتَهَى؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ فَهُوَ بَاطِلٌ إلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ أَوْ تَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ أَوْ مُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ فَإِنَّهُنَّ مِنْ الْحَقِّ» وَقَوْلُهُ بَاطِلٌ؛ أَيْ: لَا يَنْفَعُ، فَإِنَّ الْبَاطِلَ ضِدُّ الْحَقِّ، وَالْحَقُّ يُرَادُ بِهِ الْحَقُّ الْمَوْجُودُ وَاعْتِقَادُهُ وَالْخَبَرُ عَنْهُ، وَيُرَادُ بِهِ الْحَقُّ الْمَقْصُودُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقْصَدَ، وَهُوَ الْأَمْرُ النَّافِعُ، فَمَا لَيْسَ مِنْ هَذَا؛ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ أَيْ: لَيْسَ بِنَافِعٍ، وَمَا رُوِيَ: «أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَجِوَارِي مَعَهَا كُنَّ يَلْعَبْنَ بِاللُّعَبِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرَاهُنَّ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.

وَكَانَتْ لَهَا أُرْجُوحَةٌ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، فَيُرَخَّصُ فِيهِ لِلصِّغَارِ مَا لَا يُرَخَّصُ لِلْكِبَارِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي زَمَّارَةِ الرَّاعِي انْتَهَى.
وَلَعِبُ الْجَوَارِي بِاللُّعَبِ غَيْرِ الْمُصَوَّرَةِ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلتَّمَرُّنِ عَلَى مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُنَّ عَادَةً، قَالَ الْفَتُوحِيُّ: وَيُتَوَجَّهُ كَذَا فِي الْعَبْدِ وَنَحْوِهِ؛ «لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى يُدَفِّفَانِ وَيَضْرِبَانِ وَيُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: أَمِزْمَارُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: دَعْهُمَا فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ.»

(وَيُسْتَحَبُّ لَعِبٌ بِآلَةِ حَرْبٍ، قَالَ جَمَاعَةٌ: وَثِقَافٍ) ، وَهُوَ مَا تُسَوَّى بِهِ الرِّمَاحُ وَتَثْقِيفُهَا تَسْوِيَتُهَا؛ لِأَنَّهُ يُعِينُ عَلَى قِتَالِ الْعَدُوِّ، (وَيُتَعَلَّمُ بِسَيْفٍ خَشَبٍ، لَا حَدِيدٍ نَصًّا) نَقَلَ أَبُو دَاوُد: وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُتَعَلَّمَ بِسَيْفٍ حَدِيدٍ بَلْ بِسَيْفٍ خَشَبٍ.

(وَلَيْسَ مِنْ اللَّهْوِ) الْمُحَرَّمِ وَلَا (الْمَكْرُوهِ تَأْدِيبُ فَرَسِهِ وَمُلَاعَبَتُهُ أَهْلَهُ وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ) [؛ لِحَدِيثِ: عُقْبَةَ مَرْفُوعًا «كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ، ثُمَّ اسْتَثْنَى هَذِهِ الثَّلَاثَةَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالْمُرَادُ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَيَدْخُلُ فِيهِ تَعْلِيمُ الْكَلْبِ الصَّيْدَ وَالْحِرَاسَةَ، وَتَعْلِيمُ السِّبَاحَةِ] ، وَمِنْهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «مِنْ لَعِبِ الْحَبَشَةِ بِدَرَقِهِمْ وَحِرَابِهِمْ، وَتَوَثُّبِهِمْ بِذَلِكَ عَلَى هَيْئَةِ الرَّقْصِ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَتَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ، وَهِيَ تَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَدَخَلَ عُمَرُ، فَأَهْوَى إلَى الْحَصْبَاءِ يَحْصِبُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: دَعْهُمْ يَا عُمَرُ» .

(وَكُرِهَ شَدِيدًا لِمَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ أَنْ يَتْرُكَهُ) ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، وَمَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ نَسِيَهُ؛ فَلَيْسَ مِنَّا» وَكَانَ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ يَسْبِقُونَ بَيْنَ الْخَيْلِ، «وَقَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60] ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ؛ فَهِيَ نِعْمَةٌ كَفَرَهَا» قَالَ الْعَلْقَمِيُّ: وَرَدَتْ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَسَبَبُ هَذِهِ الْكَرَاهَةِ أَنَّ مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ حَصَلَتْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الدِّفَاعِ عَنْ دِينِهِ وَنِكَايَةُ الْعَدُوِّ وَتَأَهَّلَ لِوَظِيفَةِ الْجِهَادِ، فَإِنْ تَرَكَهُ فَقَدْ فَرَّطَ فِي الْقِيَامِ بِمَا قَدْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ.

(وَتَجُوزُ مُصَارَعَةٌ) ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «صَارَعَ رُكَانَةَ فَصَرَعَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَ) يَجُوزُ (رَفْعُ أَحْجَارٍ لِمَعْرِفَةِ الْأَشَدِّ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُصَارَعَةِ.

(وَأَمَّا) (اللَّعِبُ بِنَرْدٍ وَشِطْرَنْجٍ) - بِكَسْرِ أَوَّلِهِ - (وَنِطَاحُ كِبَاشٍ وَنِقَارِ دُيُوكٍ) (فَلَا يُبَاحُ بِحَالٍ) - أَيْ: لَا بِعِوَضٍ وَلَا بِغَيْرِهِ - وَهِيَ بِالْعِوَضِ أَشَدُّ حُرْمَةً فَإِذَا اشْتَمَلَ اللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ عَلَى عِوَضٍ؛ أَوْ تَضَمَّنَ تَرْكَ وَاجِبٍ مِثْلَ تَأَخُّرِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ تَضْيِيعِ وَاجِبَاتِهَا، أَوْ تَرْكِ مَا يَجِبُ مِنْ مَصَالِحِ الْعِيَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ إذَا تَضَمَّنَ كَذِبًا أَوْ ظُلْمًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ؛ فَإِنَّهُ حَرَامٌ أَيْضًا، وَإِذَا خَلَا عَنْ ذَلِكَ؛ فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ: لَمْ يَقْطَعْ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ حَلَالٌ، بَلْ تَوَقَّفَ فِي تَحْرِيمِهِ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ الشِّطْرَنْجَ، فَقَالَ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ؟ لَأَنْ يَمَسَّ أَحَدُكُمْ جَمْرًا حَتَّى يُطْفِئَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمَسَّهَا.
وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: صَاحِبُ الشِّطْرَنْجِ أَكْذَبُ النَّاسِ، يَقُولُ أَحَدُهُمْ: قَتَلْتُ وَمَا قَتَلَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَجْمَعَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ، وَقَالُوا: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُدْمِنِ الْمُوَاظِبِ عَلَى لَعِبِ الشِّطْرَنْجِ، وَقَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَا خَيْرَ فِي الشِّطْرَنْجِ وَغَيْرِهَا، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾ [يونس: 32] . وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَلِيَ مَالَ يَتِيمٍ، فَوَجَدَهَا

فِيهِ فَأَحْرَقَهَا.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الشِّطْرَنْجِ، فَقَالَ: هُوَ شَرٌّ مِنْ النَّرْدِ، فَإِنَّ مَا فِي النَّرْدِ مِنْ الصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ، وَعَنْ إيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ فِي الشِّطْرَنْجِ أَكْثَرُ بِلَا رَيْبٍ، وَهِيَ تَفْعَلُ بِالنُّفُوسِ فِعْلَ حِمْيَا الْكُؤُوسِ؛ فَتَصُدُّ عُقُولَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بِهِمْ كَثِيرٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَمْرِ وَالْحَشِيشَةِ، وَقَلِيلُهَا يَدْعُو إلَى كَثِيرِهَا، فَإِنَّ اللَّاعِبَ بِهَا يَسْتَغْرِقُ قَلْبَهُ وَعَقْلَهُ وَفِكْرَهُ فِيمَا يَعْمَلُهُ خَصْمُهُ، وَمَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ هُوَ، وَفِي لَوَازِمِ ذَلِكَ وَلَوَازِمِ لَوَازِمِهِ حَتَّى لَا يَحُسُّ بِجُوعِهِ وَلَا عَطَشِهِ، وَلَا بِمَنْ يَحْضُرُ عِنْدَهُ، وَلَا بِمَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَلَا بِحَالِ أَهْلِهِ، وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَاتِ نَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى وَالصَّلَاةَ، وَهَذَا كَمَا يَحْصُلُ لِشَارِبِ الْخَمْرِ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الشَّرَابِ يَكُونُ عَقْلُهُ أَصْحَى مِنْ عَقْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ، وَاللَّاعِبُ بِهَا لَا تَنْقَضِي نَهْمَتُهُ مِنْهَا إلَّا بِدَسْتٍ بَعْد دَسْتُ كَمَا لَا تَنْقَضِي نَهْمَةُ شَارِبِ الْخَمْرِ إلَّا بِقَدَحٍ بَعْدَ قَدَحٍ، وَتَبْقَى آثَارُهَا فِي النَّفْسِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا أَكْثَرُ مِنْ آثَارِ شَارِبِ الْخَمْرِ، حَتَّى تَعْرِضَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَالْمَرَضِ وَعِنْدَ رُكُوبِ الدَّابَّةِ، بَلْ عِنْدَ الْمَوْتِ.
وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْآثَارِ الَّتِي يُطْلَبُ فِيهَا ذِكْرُهُ لِرَبِّهِ وَتَوَجُّهُهُ إلَيْهِ، يَعْرِضُ لَهُ تَمَاثِيلُهَا وَذِكْرُ الشَّاةِ وَالرُّخِّ وَالْفِرْزَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَصَدُّهَا الْقُلُوبَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ قَدْ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ صَدِّ الْخَمْرِ، وَإِفْسَادُهَا لِلْقُلُوبِ أَعْظَمُ مِنْ إفْسَادِ النَّرْدِ، وَلَكِنَّ النَّرْدَ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ الْعَرَبِ، وَالشِّطْرَنْجُ لَمْ يُعْرَفْ إلَّا بَعْدَ أَنْ فَتَحُوا الْبِلَادَ، فَإِنَّ أَصْلَهُ مِنْ الْهِنْدِ، وَانْتَقَلَ مِنْهُمْ إلَى الْفُرْسِ، وَلِهَذَا جَاءَ ذِكْرُ النَّرْدِ، وَإِلَّا فَالشِّطْرَنْجُ شَرٌّ مِنْ النَّرْدِ إذَا اسْتَوَيَا فِي الْعِوَضِ أَوْ عَدَمِهِ، وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ لِمَنْ كَانَ لَهُ أَدْنَى دِرَايَةٍ.

(وَلَا تَجُوزُ مُسَابَقَةٌ بِعِوَضٍ) - أَيْ: مَالٍ لِمَنْ سَبَقَ - (مُطْلَقًا) ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُبَاحَةً أَوْ لَا (إلَّا) فِي مُسَابَقَةِ (خَيْلٍ وَإِبِلٍ وَسِهَامٍ) - أَيْ: نُشَّابٍ وَنَبْلٍ لِلرِّجَالِ - هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا سَبْقَ إلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ.»

وَاخْتُصَّتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِي أَخْذِ الْعِوَضِ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ الْمَأْمُورِ بِتَعْلِيمِهَا وَإِحْكَامِهَا، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ تَحْرِيمَ الرِّهَانِ فِي غَيْرِ الثَّلَاثَةِ إجْمَاعًا، وَإِنَّمَا اُخْتُصَّتْ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ لَسْنَ مَأْمُورَاتٍ بِالْجِهَادِ، (بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِتَجُوزُ.
(أَحَدُهَا: تَعْيِينُ الْمَرْكُوبَيْنِ) فِي الْمُسَابَقَةِ بِرُؤْيَةٍ، سَوَاءٌ كَانَا اثْنَيْنِ أَوْ جَمَاعَتَيْنِ وَتُسَاوِيهِمَا فِي ابْتِدَاءِ الْعَدَدِ وَانْتِهَائِهِ، وَتَعْيِينُ (الرُّمَاةِ) فِي الْمُنَاضَلَةِ (بِرُؤْيَةٍ) بِلَا نِزَاعٍ، (سَوَاءٌ كَانَا اثْنَيْنِ أَوْ) كَانَا (جَمَاعَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْمُسَابِقَاتِ مَعْرِفَةُ سُرْعَةِ عَدْوِ الْمَرْكُوبَيْنِ اللَّذَيْنِ يُسَابَقُ عَلَيْهِمَا، وَفِي الْمُنَاضَلَةِ مَعْرِفَةُ حِذْقُ الرُّمَاةِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالتَّعْيِينِ بِالرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ عَدْوِ مَرْكُوبٍ بِعَيْنِهِ، وَمَعْرِفَةُ حَذْقِ رَامٍ بِعَيْنِهِ، لَا مَعْرِفَةُ عَدْوِ مَرْكُوبٍ فِي الْجُمْلَةِ، أَوْ حَذْقِ رَامٍ فِي الْجُمْلَةِ.
فَلَوْ عَقَدَ اثْنَانِ مُسَابَقَةً عَلَى خَيْلٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ أَوْ مُنَاضَلَةً، وَمَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا نَفَرٌ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ؛ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ بَانَ بَعْضُ الْحِزْبِ كَثِيرَ الْإِصَابَةِ أَوْ عَكْسُهُ، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا ظَنَّ خِلَافِهِ؛ لَمْ يُقْبَلْ.
وَ (لَا) يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ (الرَّاكِبِينَ وَلَا الْقَوْسَيْنِ وَلَا السِّهَامِ) ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ عَدْوِ الْفَرَسِ وَحِذْقِ الرَّامِي دُونَ الرَّاكِبِ وَالْقَوْسِ وَالسِّهَامِ؛ لِأَنَّهَا آلَةُ الْمَقْصُودِ، فَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهَا كَالسَّرْجِ (وَلَوْ عَيَّنَهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَكُلُّ مَا يَتَعَيَّنُ لَا يَجُوزُ إبْدَالُهُ؛ كَالْمُتَعَيَّنِ فِي الْبَيْعِ، وَمَا لَا يَتَعَيَّنُ يَجُوزُ إبْدَالُهُ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ.
فَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَرْمِيَ بِغَيْرِ هَذَا الْقَوْسِ أَوْ بِغَيْرِ هَذَا السَّهْمِ، وَلَا يَرْكَبَ غَيْرَ هَذَا الرَّاكِبِ؛ فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي: اتِّحَادُ الْمَرْكُوبَيْنِ) بِالنَّوْعِ فِي الْمُسَابَقَةِ، (أَوْ) اتِّحَادُ (الْقَوْسَيْنِ بِالنَّوْعِ) فِي الْمُنَاضَلَةِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ مَعْلُومٌ بِحُكْمِ الْعَادَةِ أَشْبَهَا الْجِنْسَيْنِ؛ (فَلَا يَصِحُّ) السِّبَاقُ بَيْنَ (فَرَسٍ عَرَبِيٍّ وَ) فَرَسٍ (هَجِينٍ) ، وَهُوَ مَا أَبُوهُ فَقَطْ عَرَبِيٌّ، (وَلَا) الْمُنَاضَلَةُ بَيْنَ (قَوْسٍ عَرَبِيَّةٍ) - أَيْ قَوْسِ النَّبْلِ - (وَ) قَوْسٍ (فَارِسِيَّةٍ) - أَيْ قَوْسِ النُّشَّابِ - قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، (وَلَا يُكْرَهُ رَمْيٌ بِهَا) - أَيْ: الْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ نَصًّا - فَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ أَنْوَاعُ الْقَوْسِ الَّتِي يَرْمِيَانِ بِهَا فِي الِابْتِدَاءِ؛ لَمْ يَصِحَّ، وَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى مَعَ رَجُلٍ قَوْسًا فَارِسِيَّةً، فَقَالَ: أَلْقِهَا فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْقِسِيِّ الْعَرَبِيَّةِ وَبِرِمَاحِ الْقَنَا، فَبِهَا يُؤَيِّدُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، وَبِهَا يُمَكِّنُ اللَّهُ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ.» وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَعَنَهَا لِحَمْلِ الْعَجَمِ لَهَا فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا، وَمَنَعَ الْعَرَبَ مِنْ حَمْلِهَا؛ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهَا.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: تَحْدِيدُ الْمَسَافَةِ مَبْدَأً وَغَايَةً) بِأَنْ يَكُونَ لِابْتِدَاءِ عَدْوِهِمَا وَآخِرِهِ غَايَةٌ لَا يَخْتَلِفَانِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ الْأَسْبَقِ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَسَاوِيهِمَا فِي الْغَايَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْحَيَوَانِ مَا يَقْصُرُ فِي أَوَّلِ عَدْوِهِ، وَيُسْرِعُ فِي آخِرِهِ، وَبِالْعَكْسِ، فَيَحْتَاجُ إلَى غَايَةٍ تَجْمَعُ حَالَيْهِ، فَإِنْ اسْتَبَقَا بِلَا غَايَةٍ لِيَنْظُرَ أَيَّهُمَا يَقِفُ أَوَّلًا؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَقِفَ أَحَدُهُمَا حَتَّى يَنْقَطِعَ فَرَسُهُ، وَيَتَعَذَّرُ الْإِشْهَادُ عَلَى السَّبَقِ فِيهِ، وَأَمَّا فِي الْمُنَاضَلَةِ؛ فَلِأَنَّ الْإِصَابَةَ تَخْتَلِفُ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ؛ فَاعْتُبِرَ تَحْدِيدُ (مَدَى رَمْيٍ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ) ، وَلَا يُعْرَفُ مَدَى الرَّمْيِ إلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ، نَحْوُ مِنْ هُنَا إلَى هُنَا، أَوْ بِالذِّرَاعِ كَمِائَةِ ذِرَاعٍ، (أَوْ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ) ، وَمَا لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ، (فَإِنْ زَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ؛ لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِتَعَذُّرِ الْإِصَابَةِ فِيهِ غَالِبًا، وَلِأَنَّهُ يَفُوتُ بِهِ الْغَرَضُ الْمَقْصُودُ بِالرَّمْيِ، قِيلَ إنَّهُ مَا رَمَى أَرْبَعَمِائَةِ ذِرَاعٍ إلَّا عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ؛ كَمَا لَا يَصِحُّ (تَنَاضُلُهُمَا عَلَى أَنَّ السَّبَقَ لِأَبْعَدِهِمَا رَمْيًا) ؛ لِعَدَمِ تَحْدِيدِ الْغَايَةِ.
الشَّرْطُ (الرَّابِعُ: عِلْمُ عِوَضٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ فِي عَقْدٍ، فَوَجَبَ الْعِلْمُ بِهِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَيُعْلَمُ بِالْمُشَاهَدَةِ أَوْ الْوَصْفِ أَوْ الْقَدْرِ إذَا كَانَ بِالْبَلَدِ نَقْدٌ وَاحِدٌ أَوْ أَغْلَبُ، وَإِلَّا لَمْ يَكْفِ ذِكْرُ الْقَدْرِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ وَصْفِهِ.
(وَإِبَاحَتُهُ) - أَيْ: الْعِوَضِ - لِمَا تَقَدَّمَ، (وَهُوَ) - أَيْ بَذْلُ الْعِوَضِ الْمَذْكُورِ - (تَمْلِيكٌ) لِلسَّابِقِ (بِشَرْطِ سَبْقِهِ) ، فَلِهَذَا قَالَ فِي " الِانْتِصَارِ " فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ: لَا يَصِحُّ.
انْتَهَى.

قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: فِي كَلَامِهِمْ أَنَّهُ جَعَالَةٌ، فَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ التَّمْلِيكِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شَرْطٍ مَحْضٍ، (وَيَجُوزُ حُلُولُهُ) - أَيْ: الْعِوَضِ - (وَتَأْجِيلُهُ) كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ؛ كَالثَّمَنِ وَالصَّدَاقِ.
الشَّرْطُ (الْخَامِسُ: الْخُرُوجُ) بِالْعِوَضِ (عَنْ شَبَهِ قِمَارٍ) ؛ لِأَنَّ الْقِمَارَ مُحَرَّمٌ، وَهُوَ - بِكَسْرِ الْقَافِ - مَصْدَرُ قَامَرَهُ فَقَمَرَهُ إذَا رَاهَنَهُ فَغَلَبَهُ؛ (بِأَنْ لَا يُخْرِجَ جَمِيعُهُمْ) الْعِوَضَ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخْرَجَهُ كُلٌّ مِنْهُمْ؛ فَهُوَ قِمَارٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ، وَمَنْ لَمْ يُخْرِجْ بَقِيَ سَالِمًا مِنْ الْغُرْمِ.
(فَإِنْ كَانَ) الْجُعْلُ (مِنْ الْإِمَامِ) مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى أَنْ مَنْ سَبَقَ فَهُوَ لَهُ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً وَحَثًّا عَلَى تَعْلِيمِ الْجِهَادِ وَنَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّ الْإِخْرَاجَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مُخْتَصٌّ بِالْإِمَامِ؛ لِتَوَلِّيهِ الْوِلَايَةَ؛ (أَوْ) كَانَ الْجُعْلُ مِنْ (غَيْرِهِ) - أَيْ: الْإِمَامِ - عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَقَ، فَهُوَ لَهُ؛ جَازَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَالْقُرْبَةِ؛ كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِهِ سِلَاحًا أَوْ خَيْلًا، (أَوْ) كَانَ الْجُعْلُ (مِنْ أَحَدِهِمَا) - أَيْ الْمُتَسَابِقَيْنِ: - أَوْ مِنْ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْهُمْ إذَا كَثُرُوا، وَثَمَّ مَنْ لَمْ يُخْرِجْ (عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَقَ أَخَذَهُ؛ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ بَدَلُهُ مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ مِنْ بَعْضِهِمْ، (فَإِنْ جَاءَا) - أَيْ: الْمُتَسَابِقَانِ - مُنْتَهَى الْغَايَةِ (مَعًا؛ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا) مِنْ الْجُعْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ.
(وَإِنْ سَبَقَ مُخْرِجُ) الْعِوَضِ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ (أَحْرَزَهُ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا) ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا، كَانَ قِمَارًا.
(وَإِنْ سَبَقَ الْآخَرُ) الَّذِي لَمْ يُخْرِجْ؛ (أَحْرَزَ سَبَقَ) - بِفَتْحِ الْبَاءِ - (صَاحِبِهِ) ، فَمَلَكَهُ، وَكَانَ كَسَائِرِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي الْجَعَالَةِ، فَمُلِّكَ فِيهَا كَالْعِوَضِ الْمَجْعُولِ فِي رَدِّ الضَّالَّةِ، فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ؛ فَهُوَ دَيْنٌ يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ أَفْلَسَ ضَرَبَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ، (وَإِنْ أَخْرَجَا) - أَيْ: الْمُتَسَابِقَانِ - (مَعًا؛ لَمْ يَجُزْ) ، تَسَاوَيَا أَوْ تَفَاضَلَا؛ لِأَنَّهُ قِمَارٌ؛ إذْ لَا يَخْلُو كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ (إلَّا بِمُحَلِّلٍ لَا يُخْرِجُ شَيْئًا) ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ، فَلَيْسَ قِمَارًا، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ آمِنٌ أَنْ يَسْبِقَ؛ فَهُوَ قِمَارٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَجَعَلَهُ قِمَارًا إذَا أَمِنَ السَّبَقَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُوَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ، وَإِذَا لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَسْبِقَ؛ لَمْ يَكُنْ قِمَارًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ مِنْ ذَلِكَ.
(وَلَا يَجُوزُ) كَوْنُ مُحَلِّلٍ (أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ) ؛ لِدَفْعِ الْحَاجَةِ بِهِ قَالَهُ الْآمِدِيُّ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُحَلِّلِ أَنْ يَكُونَ (يُكَافِئُ مَرْكُوبُهُ مَرْكُوبَيْهِمَا) فِي الْمُسَابَقَةِ، (أَوْ) يُكَافِئُ (رَمْيُهُ رَمْيَهُمَا) فِي الْمُنَاضَلَةِ؛ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ.
وَ (لَا) يُشْتَرَطُ (تَسَاوِي مَا) - أَيْ: الْعِوَضِ - الَّذِي (أَخْرَجَاهُ، فَإِنْ سَبَقَاهُ) - أَيْ: الْمُخْرِجَانِ - الْمُحَلِّلَ؛ (أَحْرَزَ سَبَقَيْهِمَا) ؛ أَيْ: أَحْرَزَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا أَخْرَجَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا سَابِقَ مِنْهُمَا، وَلَا شَيْءَ لِلْمُحَلِّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، (وَلَمْ يَأْخُذَا مِنْهُ) - أَيْ: الْمُحَلِّلِ - (شَيْئًا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْتَ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِمَنْ سَبَقَهُ.
(وَإِنْ سَبَقَ) الْمُحَلِّلُ الْمُخْرِجَيْنِ أَحْرَزَ السَّبَقَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا جُعْلَانِ لِمَنْ سَبَقَ، (أَوْ) سَبَقَ (أَحَدُهُمَا) - أَيْ الْمُخْرِجَيْنِ - (أَحْرَزَ السَّبَقَيْنِ) ؛ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، (وَإِنْ سَبَقَا) - أَيْ: الْمُحَلِّلُ وَأَحَدُ الْمُخْرِجَيْنِ - (مَعًا) ؛ بِأَنْ جَاءَ أَحَدُهُمَا وَالْمُحَلِّلُ مَعًا؛ فَقَدْ أَحْرَزَ السَّابِقُ مِنْهُمَا مَالَ نَفْسِهِ، وَيَكُونُ (سَبَقُ مَسْبُوقٍ بَيْنَهُمَا) - أَيْ بَيْنَ السَّابِقِ وَالْمُحَلِّلِ - (نِصْفَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ اشْتَرَكَا فِي السَّبَقِ، فَوَجَبَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي عِوَضِهِ، وَإِنْ جَاءَ الْمُخْرِجَانِ وَالْمُحَلِّلُ الْغَايَةَ دَفْعَةً وَاحِدَةً؛ أَحْرَزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَقَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ سَابِقٌ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُحَلِّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ.
(وَإِنْ قَالَ غَيْرُهُمَا) - أَيْ: غَيْرُ الْمُتَسَابِقَيْنِ - وَهُوَ الْمُخْرِجُ لِلْعِوَضِ (مَنْ سَبَقَ) مِنْكُمَا (أَوْ صَلَّى فَلَهُ عَشَرَةٌ؛ لَمْ يَصِحَّ مَعَ اثْنَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي طَلَبِ السَّبَقِ إذَنْ، فَلَا يُحْرَصُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُمَا.
(وَإِنْ زَادَ) عَلَى اثْنَيْنِ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا أَوْ مُصَلِّيًا، (أَوْ قَالَ) الْمُخْرِجُ غَيْرُهُمَا: مَنْ سَبَقَ فَلَهُ عَشَرَةٌ، (وَمَنْ صَلَّى) ؛ أَيْ: جَاءَ ثَانِيًا (فَلَهُ خَمْسَةٌ) صَحَّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَجْتَهِدُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا؛ لِيُحْرِزَ أَكْثَرَ الْعِوَضَيْنِ، وَسُمِّيَ الثَّانِي مُصَلِّيًا؛ لِأَنَّ رَأْسَهُ

يَكُونُ عِنْدَ صَلَوَيْ الْأَوَّلِ، وَالصَّلَوَانِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ مِنْ جَانِبَيْ الذَّنَبِ، وَفِي الْأَثَرِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَبَقَ أَبُو بَكْرٍ وَصَلَّى عُمَرُ وَخَطَبَتْنَا فِتْنَةٌ وَقَالَ الشَّاعِرُ: إنْ تُبْتَدَرْ غَايَةٌ يَوْمًا لِمَكْرُمَةٍ ... تَلْقَى السَّوَابِقَ فِينَا وَالْمُصَلِّينَا (وَكَذَا) يَصِحُّ إذَا فَاوَتَ الْعِوَضَ (عَلَى التَّرْتِيبِ لِلْأَقْرَبِ) فَالْأَقْرَبِ (لِسَابِقٍ) ؛ بِأَنْ قَالَ: لِلْمُجِلِّي مِائَةٌ، وَلِلْمُصَلِّي سَبْعُونَ، وَلِلتَّالِي ثَمَانُونَ، وَلِلْبَارِعِ سَبْعُونَ، وَلِلْمُرْتَاحِ سِتُّونَ، وَلِلْخَطِّيِّ خَمْسُونَ، وَلِلْعَاطِفِ أَرْبَعُونَ، وَلِلْمُؤَمِّلِ ثَلَاثُونَ، وَلِلَّطِيمِ عِشْرُونَ، وَلِلسُّكَيْتِ عَشَرَةٌ، وَلِلْفِسْكِلِ خَمْسَةٌ (صَحَّ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَطْلُبُ السَّبَقَ، فَيَجُوزُ الْأَكْثَرُ، فَإِذَا فَاتَهُ طَلَبَ مَا يَلِي السَّابِقَ.

(وَخَيْلُ الْحَلْبَةِ) - بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ - (مُرَتَّبَةٌ) ، وَهِيَ خَيْلٌ تُجْمَعُ لِلسِّبَاقِ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ لَا تَخْرُجُ مِنْ إصْطَبْلٍ وَاحِدٍ؛ كَمَا يُقَالُ لِلْفَوْجِ إذَا جَاءُوا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ لِلنُّصْرَةِ قَدْ أَحْلَبُوا.
قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ؛ أَوَّلُهَا.
(مُجَلٌّ) بِالْمِيمِ - وَهُوَ السَّابِقُ لِجَمِيعِ خَيْلِ الْحَلْبَةِ (فَمُصَلٍّ) ؛ لِأَنَّ رَأْسَهُ يَكُونُ عِنْدَ صَلَا الْمُجِلِّي، (فَتَالٍ) الثَّالِثُ؛ لِأَنَّهُ يَتْلُو الْمُصَلِّي، (فَبَارِعٌ) الرَّابِعُ، (فَمُرْتَاحٌ) الْخَامِسُ، (فَخَطِّيٌّ) السَّادِسُ وَهُوَ - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ - (فَعَاطِفٌ) السَّابِعُ، (فَمُؤَمَّلٌ) بِوَزْنِ مُعَظَّمٍ الثَّامِنُ، (فَلَطِيمٌ) التَّاسِعُ، (فَسُكَيْتٌ) بِوَزْنِ كُمَيْتٍ، وَقَدْ تُشَدَّدُ يَاؤُهُ، الْعَاشِرُ آخِرُ خَيْلِ الْحَلْبَةِ، (فَفُسْكُلٌ) كَقُنْفُذٍ وَزِبْرِجٍ وَزُنْبُورٍ الَّذِي يَجِيءُ آخِرَ الْخَيْلِ، وَسُمِّيَ الْقَاشُورَ وَالْقَاشِرَ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَقَدَّمَهُ فِي " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ صَاحِبُ " الْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " وَفِي بَعْضِهَا اخْتِلَافٌ، (فَفِي " الْكَافِي " وَ) تَبِعَهُ فِي (" الْمُطْلِعِ " مُجَلٌّ فَمُصَلٍّ فَتَالٍ فَمُرْتَاحٌ إلَى آخِرِهِ) ، وَقَالَ أَبُو الْغَوْثِ أَوَّلُهَا الْمُجِلِّي وَهُوَ السَّابِقُ، ثُمَّ الْمُصَلِّي، ثُمَّ الْمُسَلِّي، ثُمَّ التَّالِي، ثُمَّ الْعَاطِفُ، ثُمَّ الْمُرْتَاحُ، ثُمَّ الْمُؤَمَّلُ، ثُمَّ الْخَطِّيُّ، ثُمَّ اللَّطِيمُ، ثُمَّ السُّكَيْتُ،

وَهُوَ الْفِسْكِلُ، ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فَالْفِسْكِلُ اسْمٌ لِلْآخِرِ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ هَذَا فِي غَيْرِ الْمُسَابَقَةِ بِالْخَيْلِ تَجَوُّزًا، كَمَا رُوِيَ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَوَلَدَتْ عَبْدَ اللَّهِ وَمُحَمَّدًا أَوْ عَوْنًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَتْ لَهُ: إنَّ ثَلَاثَةً أَنْتَ آخِرُهُمْ لَأَخْيَارٌ، فَقَالَ لِوَلَدِهَا: فَثَكِلَتْنِي أُمُّكُمْ.

(فَإِنْ جَعَلَ) مَنْ أَخْرَجَ الْعِوَضَ (لِمُصَلٍّ أَكْثَرَ مِنْ سَابِقٍ وَنَحْوِهِ) ؛ كَأَنْ جَعَلَ لِلتَّالِي أَكْثَرَ مِنْ الْمُصَلِّي، (أَوْ لَمْ يَجْعَلْ لِمُصَلٍّ شَيْئًا) ، وَجَعَلَ لِلتَّالِي عِوَضًا؛ (لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَلَّا يُقْصَدَ السَّبَقُ، بَلْ يُقْصَدَ التَّالِي؛ فَيَفُوتَ الْمَقْصُودُ.
(وَإِنْ قَالَ) مُخْرِجُ الْعِوَضِ (لِعَشَرَةٍ: مَنْ سَبَقَ مِنْكُمْ فَلَهُ عَشَرَةٌ) ؛ صَحَّ، (فَإِنْ جَاءُوا مَعًا؛ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ الْجُعْلُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
(وَإِنْ سَبَقَ وَاحِدٌ) فَلَهُ الْعَشَرَةُ؛ لِوُجُودِ الشَّرْطِ فِيهِ، أَوْ سَبَقَ اثْنَانِ (فَأَكْثَرُ إلَى تِسْعَةٍ مَعًا) ، وَتَأَخَّرَ أَمَا عَدَا سَبَقٍ فَالْعَشَرَةُ (لَهُمْ) أَيْ لِلِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ، لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فِيهِمْ، فَكَانَ الْجُعْلُ بَيْنَهُمْ؛ كَمَا لَوْ قَالَ مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ كَذَا، فَرَدَّتْ تِسْعَةٌ، فَلَهُمْ الْعَشَرَةُ؛ لِحُصُولِ رَدِّهِ مِنْ الْكُلِّ، وَيَصِيرُ هَذَا كَمَا لَوْ قَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، فَإِنْ قَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدًا؛ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ سَلَبُ قَتِيلِهِ كَامِلًا، وَإِنْ قَتَلَ الْجَمَاعَةُ وَاحِدًا فَلِجَمِيعِهِمْ سَلَبٌ وَاحِدٌ، وَهَا هُنَا كُلُّ وَاحِدٍ لَهُ سَبَقٌ مُفْرَدٌ، فَكَانَ الْجُعْلُ لَهُ كَامِلًا.
فَلَوْ قَالَ: مَنْ سَبَقَ فَلَهُ عَشَرَةٌ، وَمَنْ صَلَّى فَلَهُ خَمْسَةٌ، فَسَبَقَ خَمْسَةٌ، وَصَلَّى خَمْسَةٌ؛ فَلِلسَّابِقِينَ عَشَرَةٌ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمَانِ وَلِلْمُصَلِّينَ خَمْسَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمٌ.

(وَيَصِحُّ عَقْدٌ لَا شَرْطٌ) ، فَيَلْغُو (فِي) قَوْلِ أَحَدِ الْمُتَسَابِقَيْنِ لِلْآخَرِ: (إنْ سَبَقْتنِي فَلَكَ كَذَا، وَلَا أَرْمِي أَبَدًا، أَوْ) لَا أَرْمِي (شَهْرًا) وَنَحْوَهُ؛ كَأَنْ شَرَطَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا الْفَسْخَ مَتَى شَاءَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، وَأَشْبَاهُ

هَذَا؛ فَهَذِهِ شُرُوطٌ بَاطِلَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ، فَإِذَا حُذِفَ الزَّائِدُ الْفَاسِدُ بَقِيَ الْعَقْدُ صَحِيحًا، (أَوْ) شَرَطَ الْمُتَسَابِقَانِ (أَنَّ السَّابِقَ يُطْعِمُ السَّبَقَ) - بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ الْجُعْلَ - (أَصْحَابَهُ أَوْ) يُطْعِمُهُ بَعْضَهُمْ، أَوْ يُطْعِمُهُ (غَيْرَهُمْ) ؛ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَلَى عَمَلٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُ الْعَامِلِ؛ كَالْعِوَضِ فِي رَدِّ الْآبِقِ، وَلَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ.

[تَتِمَّةٌ فِيمَا لَوْ فسد مَوْضِعٍ الْمُسَابَقَةُ]

تَتِمَّةٌ: وَكُلُّ مَوْضِعٍ فَسَدَتْ الْمُسَابَقَةُ، فَإِنْ كَانَ السَّابِقُ الْمُخْرِجَ أَمْسَكَ سَبَقَهُ، وَإِنْ كَانَ الْآخِرُ فَلَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَاسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ كَالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ.

[فَصْلٌ الْمُسَابَقَةُ جَعَالَةٌ]

(فَصْلٌ: وَالْمُسَابَقَةُ جَعَالَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى مَا لَا تَتَحَقَّقُ الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَكَانَ جَائِزًا؛ كَرَدِّ الْآبِقِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْإِصَابَةِ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْإِجَارَةَ (لَا يُؤْخَذُ بِعِوَضِهَا رَهْنٌ وَلَا كَفِيلٌ) ؛ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ.
(وَلِكُلِّ) وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (فَسْخُهَا) قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمُسَابَقَةِ، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الزِّيَادَةَ فِيهَا وَالنُّقْصَانَ مِنْهَا؛ لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ إجَابَتُهُ، وَيَصِحُّ الْفَسْخُ بَعْدَ الشُّرُوعِ، (مَا لَمْ يَظْهَرْ) عَلَى أَحَدِهِمَا (الْفَضْلُ لِصَاحِبِهِ) مِثْلُ أَنْ يَسْبِقَهُ بِفَرَسِهِ فِي بَعْضِ الْمَسَافَةِ، أَوْ يُصِيبَ بِسِهَامِهِ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَإِنْ ظَهَرَ فَضْلٌ (فَيَمْتَنِعُ) الْفَسْخُ (عَلَيْهِ) - أَيْ: الْمَفْضُولِ - (فَقَطْ) دُونَ الْفَاضِلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لِلْمَفْضُولِ ذَلِكَ لَفَاتَ غَرَضُ الْمُسَابَقَةِ، فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ.

(وَتَبْطُلُ) الْمُسَابَقَةُ (بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) - أَيْ: الْمُتَعَاقِدَيْنِ - كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ، (أَوْ) بِمَوْتِ (أَحَدِ الْمَرْكُوبَيْنِ) أَوْ الرَّامِيَيْنِ؛ لِتَعَلُّقِ الْعَقْدِ بِعَيْنِ الْمَرْكُوبِ وَالرَّامِي، وَلَا يَقُومُ وَارِثُ الْمَيِّتِ مَقَامَهُ، وَلَا يُقِيمُ الْحَاكِمُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّهَا انْفَسَخَتْ بِمَوْتِهِ، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَهُوَ كَالصَّرِيحِ الْمَقْطُوعِ بِهِ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ.

وَ (لَا) تَبْطُلُ بِمَوْتِ (أَحَدِ الرَّاكِبَيْنِ أَوْ تَلَفِ أَحَدِ الْقَوْسَيْنِ) ، وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ؛ كَمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ

(وَ) يَحْصُلُ (سَبَقٌ فِي خَيْلٍ مُتَمَاثِلَتَيْ الْعُنُقِ بِرَأْسٍ، وَفِي مُخْتَلِفَيْهِمَا) - أَيْ: الْعُنُقَيْنِ بِكَتِفٍ - (وَ) فِي (إبِلٍ بِكَتِفٍ) ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالرَّأْسِ هُنَا مُتَعَذِّرٌ، فَإِنَّ طَوِيلَ الْعُنُقِ قَدْ يَسْبِقُ رَأْسُهُ لِطُولِ عُنُقِهِ، لَا بِسُرْعَةِ عَدْوِهِ، وَفِي الْإِبِلِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَفِيهَا مَا يَمُدُّ عُنُقَهُ، فَرُبَّمَا سَبَقَ رَأْسُهُ لِمَدِّ عُنُقِهِ لَا بِسَبْقِهِ، فَإِنْ سَبَقَ رَأْسُ قَصِيرِ الْعُنُقِ فَقَدْ سَبَقَ بِالضَّرُورَةِ، وَإِنْ سَبَقَ رَأْسُ طَوِيلِ الْعُنُقِ بِأَكْثَرَ مِمَّا بَيْنَهُمَا فِي طُولِ الْعُنُقِ؛ فَقَدْ سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ بِقَدْرِهِ فَلَا سَبْقَ، وَبِأَقَلَّ فَالْآخِرُ سَابِقٌ (وَإِنْ شَرَطَ الْمُتَسَابِقَانِ) السَّبَقَ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ كَأَنْ شَرَطَاهُ بِأَقْدَامٍ مَعْلُومَةٍ؛ (لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ، وَلَا يَقِفُ الْفَرَسَانِ عِنْدَ الْغَايَةِ بِحَيْثُ يُعْرَفُ مَسَافَةُ مَا بَيْنَهُمَا

(وَتُصَفُّ الْخَيْلُ فِي ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ صَفًّا وَاحِدًا، ثُمَّ يَقُولُ مُرَتِّبُهَا: هَلْ مِنْ مُصْلِحٍ لِلِّجَامِ أَوْ حَامِلٍ لِغُلَامٍ أَوْ طَارِحٍ لِجَلٍّ؟ فَإِذَا لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ خَلَّاهَا) - أَيْ: أَرْسَلَهَا - (عِنْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الثَّالِثَةِ) ؛ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، عَنْ عَلِيٍّ: " قَدْ جَعَلْتُ لَكَ هَذِهِ السِّبْقَةَ بَيْنَ النَّاسِ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ، فَدَعَا سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكٍ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ إنِّي قَدْ جَعَلْتُ إلَيْكَ مَا جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عُنُقِي مِنْ هَذِهِ السِّبْقَةِ فِي عُنُقِكَ، فَإِذَا أَتَيْتَ الْمِيطَانَ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمِيطَانُ مُرْسِلُهَا مِنْ الْغَايَةِ، فَصُفَّ الْخَيْلَ، ثُمَّ نَادِ هَلْ مِنْ مُصْلِحٍ لِلِجَامٍ أَوْ حَامِلٍ لِغُلَامٍ أَوْ طَارِحٍ لِجَلٍّ؟ فَإِذَا لَمْ يُجِبْكَ أَحَدٌ، فَكَبِّرْ ثَلَاثًا؛ ثُمَّ خَلِّهَا عِنْدَ الثَّالِثَةِ، فَيُسْعِدُ اللَّهُ بِسَبَقِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ " وَكَانَ عَلِيٌّ يَقْعُدُ عِنْدَ مُنْتَهَى الْغَايَةِ يَخُطُّ خَطًّا، وَيُقِيمُ رَجُلَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ عِنْدَ طَرَفَيْ الْخَطِّ بَيْنَ إبْهَامَيْ أَرْجُلِهِمَا، وَتَمُرُّ الْخَيْلُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ لِيَعْرِفَ السَّابِقَ، وَيَقُولُ لَهُمَا: إذَا خَرَجَ أَحَدُ الْفَرَسَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ بِطَرَفِ أُذُنَيْهِ أَوْ أُذُنٍ أَوْ عِذَارٍ فَاجْعَلُوا السِّبْقَةَ لَهُ، فَإِذَا شَكَكْتُمَا فَاجْعَلُوا أَسْبَقَيْهِمَا نِصْفَيْنِ ". وَهَذَا الْأَدَبُ الَّذِي

ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِرْسَالِ وَانْتِهَاءِ الْغَايَةِ مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي هَذَا مَعَ كَوْنِهِ مَرْوِيًّا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَضِيَّةٍ أَمَرَهُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَوَّضَهَا إلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُتَّبَعَ وَيُعْمَلَ بِهَا.

(فَيُشْتَرَطُ) فِي الْمُسَابَقَةِ بِعِوَضٍ (أَنْ يَكُونَ الْإِرْسَالُ دَفْعَةً وَاحِدَةً) ، فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُرْسِلَ قَبْلَ الْآخَرِ، (وَيَكُونُ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ) - أَيْ: أَوَّلِ الْمُسَابَقَةِ - (مَنْ يَرْقُبُهَا) ؛ أَيْ: يُشَاهِدُ إرْسَالَهَا عِنْدَ أَوَّلِ الْمَسَافَةِ، كَمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ (عِنْدَ الِانْتِهَاءِ) ؛ أَيْ: انْتِهَاءِ الْغَايَةِ مَنْ يَضْبِطُ السَّابِقَ مِنْهُمَا؛ لِئَلَّا يَخْتَلِفَا فِي ذَلِكَ.

(وَحَرُمَ أَنْ يُجَنِّبَ أَحَدُهُمَا) - أَيْ: الْمُتَعَاقِدَيْنِ - (مَعَ فَرَسِهِ) ؛ أَيْ: بِجَانِبِهِ فَرَسًا لَا رَاكِبَ عَلَيْهِ، (أَوْ) يُجَنِّبَ (وَرَاءَهُ فَرَسًا) لَا رَاكِبَ عَلَيْهِ (يُحَرِّضُهُ) ؛ أَيْ: يُحَرِّضُ الَّذِي تَحْتَهُ (عَلَى الْعَدْوِ) ، وَيَحُثُّهُ عَلَيْهِ، (أَوْ يَصِيحُ بِهِ وَقْتَ سِبَاقِهِ لِحَدِيثٍ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا جَلَبَ وَلَا جَانِبَ فِي الرِّهَانِ» . وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَجْلَبَ عَلَى الْخَيْلِ يَوْمَ الرِّهَانِ فَلَيْسَ مِنَّا» وَالْجَلَبُ - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَاللَّامِ - وَهُوَ الزَّجْرُ لِلْفَرَسِ وَالصِّيَاحُ عَلَيْهِ حَثًّا لَهُ عَلَى الْجَرْيِ.
.

[فَصْلٌ فِي الْمُنَاضَلَةِ]

(فَصْلٌ) : فِي الْمُنَاضَلَةِ مِنْ النَّضْلِ يُقَالُ: نَاضَلَهُ نِضَالًا وَمُنَاضَلَةً، وَسُمِّيَ الرَّمْيُ نَضْلًا؛ لِأَنَّ السَّهْمَ التَّامَّ يُسَمَّى نَضْلًا فَالرَّمْيُ بِهِ عَمَلٌ بِالنَّضْلِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف: 17] وَقُرِئَ نَنْتَضِلُ، وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ، وَحُكْمُ الْمُنَاضَلَةِ فِي الْعِوَضَيْنِ حُكْمُ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ فِيمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ، وَتَصِحُّ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَبَيْنَ حِزْبَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَشَرْطُ الْمُنَاضَلَةِ) زِيَادَةٌ عَلَى مَا سَبَقَ شُرُوطٌ (أَرْبَعَةٌ) أَحَدُهَا: (كَوْنُهَا عَلَى مَنْ يُحْسِنُ الرَّمْيَ) ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ الْحِذْقِ بِهِ،

وَمَنْ لَا حِذْقَ لَهُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ؛ (فَتَبْطُلُ) الْمُنَاضَلَةُ بَيْنَ حِزْبَيْنِ، إذَا كَانَ فِي أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ مَنْ لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ (فِيمَنْ لَا يُحْسِنُهُ مِنْ أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ، وَيَخْرُجُ مِثْلُهُ) - أَيْ: مَنْ جُعِلَ بِإِزَائِهِ - (مِنْ) الْحِزْبِ (الْآخَرِ) إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّيِّسَيْنِ يَخْتَارُ إنْسَانًا وَالْآخَرُ فِي مُقَابَلَتِهِ آخَرُ، فَمَنْ لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ؛ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَأُخْرِجَ مُقَابِلُهُ؛ كَالْبَيْعِ إذَا بَطَلَ فِي بَعْضِ الْمَبِيعِ سَقَطَ مَا قَابَلَهُ مِنْ الثَّمَنِ.
(وَلَهُمْ) - أَيْ: لِكُلِّ حِزْبٍ الْفَسْخُ إنْ أَحَبُّوا؛ لِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ فِي حَقِّهِمْ.
(وَإِنْ تَعَاقَدُوا) ؛ أَيْ: عَقَدُوا النِّضَالَ (لِيَقْتَسِمُوا بَعْدَ الْعَقْدِ حِزْبَيْنِ) ؛ أَيْ: لِيُعَيِّنَ رَئِيسُ كُلِّ حِزْبٍ مَنْ مَعَهُ بِرِضَاهُمْ (لَا بِقُرْعَةٍ؛ صَحَّ) الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ قَدْ تَقَعُ عَلَى الْحُذَّاقِ فِي أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ وَعَلَى الْكَوَادِنِ فِي الْآخَرِ؛ فَيَبْطُلُ مَقْصُودُ النِّضَالِ، وَلِأَنَّهَا إنَّمَا تُخْرِجُ الْمُبْهَمَاتُ، وَالْعَقْدُ لَا يَتِمُّ حَتَّى يَتَمَيَّزَ كُلُّ حِزْبٍ.
(وَ) شُرِطَ أَنْ (يُجْعَلَ لِكُلِّ حِزْبٍ رَئِيسٌ، فَيَخْتَارُ أَحَدُهُمَا) - أَيْ: أَحَدُ الرَّئِيسَيْنِ (وَاحِدًا) مِنْ الرُّمَاةِ، ثُمَّ يَكُونُ مَعَهُ، (ثُمَّ) يَخْتَارُ الرَّئِيسُ (الْآخَرُ) مِنْ الرَّئِيسَيْنِ (آخَرَ) مِنْ الرُّمَاةِ (حَتَّى يُقْرِعَهُ) ، فَيَتِمُّ الْعَقْدُ عَلَى الْمُعَيَّنَيْنِ بِالِاخْتِيَارِ إذَنْ، وَلَا يَجُوزُ اخْتِيَارُ كُلٍّ مِنْهُمَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ اخْتِيَارَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ يَبْعُدُ مِنْ التَّسَاوِي وَالْعَدْلِ.
(وَإِنْ تَشَاحَّا فِيمَنْ يَبْدَأُ) مِنْ الرَّئِيسَيْنِ (بِالْخِيَرَةِ؛ اقْتَرَعَا) ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ اخْتَارَ أَوَّلًا؛ إذْ الْقُرْعَةُ تُمَيِّزُ الْمُسْتَحِقَّ، بَعْدَ ثُبُوتِ الِاسْتِحْقَاقِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَتَسَاوِي أَهْلِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ جَعْلُ رَئِيسِ الْحِزْبَيْنِ وَاحِدًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ أَيْ الْحِزْبَيْنِ سَبَقَ لِتَقْدِيرِهِ لَهُمَا، فَيَفُوتُ مَقْصُودُ الْمُنَاضَلَةِ (وَلَا) يَجُوزُ جَعْلُ (الْخِيَرَةِ فِي تَمْيِيزِهِمْ) - أَيْ: الْحِزْبَيْنِ - إلَيْهِ - أَيْ إلَى وَاحِدٍ - لِمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ أَرَادُوا الْقُرْعَةَ لِإِخْرَاجِ الرَّئِيسَيْنِ؛ جَازَ لِقِلَّةِ الْغَرَرِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَخْتَارَ جَمِيعَ حِزْبِهِ وَلَا؛ لِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ لَهُ بِلَا مُرَجِّحٍ؛ وَيُفْضِي إلَى عَدَمِ التَّسَاوِي.

(وَلَا يُشْتَرَطُ) لِلْمُنَاضَلَةِ (اسْتِوَاءُ عَدَدِ رُمَاةِ كُلِّ حِزْبٍ) ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْحِزْبَيْنِ عَشَرَةً وَالْآخَرُ ثَمَانِيَةً وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ صَحَّ، وَإِنْ بَانَ بَعْضُ الْحِزْبِ كَثِيرَ الْإِصَابَةِ أَوْ عَكْسَهُ، فَادَّعَى الْحِزْبُ الْآخَرُ ظَنَّ خِلَافِهِ؛ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ دُخُولِهِ فِي الْعَقْدِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَةِ دُونَ الْحِذْقِ؛ كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ كَاتِبٌ، فَبَانَ حَاذِقًا أَوْ نَاقِصًا؛ لَمْ يُؤَثِّرْ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي مَعْرِفَةُ عَدَدِ الرَّمْيِ وَ) مَعْرِفَةُ عَدَدِ (الْإِصَابَةِ) ؛ لِتَبَيُّنِ مَقْصُودِ الْمُنَاضَلَةِ، وَهُوَ الْحِذْقُ (فَيُقَالُ مَثَلًا: الرِّشْقُ) - بِكَسْرِ الرَّاءِ -: وَهُوَ عَدَدُ الرَّمْيِ، وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يَخُصُّونَهُ فِيمَا بَيْنَ الْعِشْرِينَ وَالثَّلَاثِينَ، وَبِفَتْحِهَا الرَّمْيُ، وَهُوَ مَصْدَرُ رَشَقْتُ الشَّيْءَ رَشْقًا قَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي الْحَاشِيَةِ: الرَّشْقُ - بِفَتْحِ الرَّاءِ -: الرَّمْيُ نَفْسُهُ، وَالرَّشْقُ الْوَجْهُ مِنْ الرَّمْيِ إذَا رَمَى الْقَوْمُ بِأَجْمَعِهِمْ جَمِيعَ السِّهَامِ، وَقِيلَ: الرَّشْقُ: السِّهَامُ نَفْسُهَا، وَكَذَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُطْلِعِ " عَنْ الْأَزْهَرِيِّ: الرِّشْقُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ -: عَدَدُ الرَّمْيِ، وَاشْتِرَاطُ الْعِلْمِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَجْهُولًا أَفْضَى إلَى الِاخْتِلَافِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُرِيدُ الْقَطْعَ، وَالْآخَرُ يُرِيدُ الزِّيَادَةَ، وَلَيْسَ لِلرِّشْقِ عَدَدٌ مَعْلُومٌ، فَأَيَّ عَدَدٍ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ الْحِذْقِ (عِشْرُونَ وَالْإِصَابَةُ خَمْسَةٌ) وَنَحْوُهُ كَسِتَّةٍ، أَوْ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ، (وَسَوَاءٌ اسْتَوَى) الْمُتَنَاضَلَيْنِ (فِي عَدَدِ رَمْيٍ وَ) عَدَدِ (إصَابَةٍ وَ) فِي (صِفَتِهَا) ؛ أَيْ: الْإِصَابَةِ مِنْ خَوَارِقَ وَنَحْوِهَا وَسَائِرِ أَحْوَالِ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَهَا عَلَى الْمُسَاوَاةِ، فَاعْتُبِرَتْ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الْحَيَوَانِ، (فَإِنْ جَعَلَ) الْمُتَنَاضِلَانِ (رَمْيَ أَحَدِهِمَا عَشَرَةً) ، وَرَمْيَ (الْآخَرِ أَكْثَرَ) ؛ كَعِشْرِينَ مَثَلًا، (أَوْ أَقَلَّ) كَخَمْسَةٍ، (أَوْ) شَرَطَا (أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً، وَ) أَنْ يُصِيبَ (الْآخَرُ سِتَّةً، أَوْ) شَرَطَا إصَابَةَ أَحَدِهِمَا (خَوَاسِقُ؛ وَالْآخَرُ خَوَاصِلُ، أَوْ) شَرَطَا أَنْ (يَحُطَّ أَحَدُهُمَا مِنْ إصَابَتِهِ سَهْمَيْنِ بِسَهْمٍ مِنْ إصَابَةِ الْآخَرِ، أَوْ) شَرَطَا أَنْ (يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا مِنْ بُعْدٍ، وَ) يَرْمِيَ (الْآخَرُ مِنْ قُرْبٍ، أَوْ) أَنْ (يَرْمِيَ) أَحَدُهُمَا (وَبَيْنَ أَصَابِعِهِ سَهْمٌ، وَالْآخَرُ) بَيْنَ أَصَابِعِهِ (سَهْمَانِ، أَوْ) أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا وَ (عَلَى رَأْسِهِ شَيْءٌ)

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل