مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 48-87
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مُقَدِّمَة الْكتاب

صفحات 48-87
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

[تَنْبِيهٌ يَبْرَأُ الْغَاصِبَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ فِيمَا إذَا أَجَرَهُ لِمَالِكِهِ]

تَنْبِيهٌ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْغَاصِبَ يَبْرَأُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ فِيمَا إذَا أَجَرَهُ لِمَالِكِهِ، لِدُخُولِهِ عَلَى ضَمَانِهَا، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، (خِلَافًا لَهُمَا) - أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " " وَالْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُمَا قَالَا: أَوْ أَخَذَهُ الْمَالِكُ: (فِيمَا يُوهِمُ) أَنَّهُمَا لَمْ يُصَرِّحَا بِذَلِكَ مَعَ أَنَّهُمَا صَرَّحَا بِهِ، وَالْمَنْصُوصُ كَمَا قَالَهُ الْحَارِثِيُّ، لَكِنَّ الْقِيَاسَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ لَمْ يَتْلَفْ) الْمَغْصُوبُ الَّذِي اشْتَرَاهُ أَوْ اسْتَقْرَضَهُ مَالِكُهُ مِنْ الْغَاصِبِ؛ (لَمْ يَبْرَأْ) مِنْهُ لِلْغَاصِبِ؛ لِاحْتِمَالِ رَدِّهِ بِنَحْوِ عَيْبٍ، فَيَتْلَفُ بَعْدَهُ؛ كَمَا لَوْ دَفَعَهُ الْغَاصِبُ لَهُ - أَيْ: لِمَالِكِهِ - (أَمَانَةً) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ضَمَانِ ذَلِكَ؛ إذْ لَوْ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ لَا يَكُونُ ضَامِنًا.
(وَإِنْ صَدَرَ مَا تَقَدَّمَ) ذِكْرُهُ (مِنْ مَالِكٍ) ؛ بِأَنْ أَطْعَمَ الْمَالِكُ مَا غُصِبَ مِنْهُ (الْغَاصِبَ) أَوْ لِدَابَّتِهِ، أَوْ وَهَبَهُ إيَّاهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، أَوْ رَهَنَهُ، أَوْ أَوْدَعَهُ، أَوْ أَجَرَهُ إيَّاهُ، أَوْ بَاعَهُ مِنْهُ، أَوْ أَقْرَضَهُ، أَوْ أَعَارَهُ لَهُ، وَاسْتَأْجَرَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ عَلَى قِصَارَةِ الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ أَوْ عَلَى تَعْلِيمِ الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ؛ (بَرِئَ) الْغَاصِبُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا، سَوَاءٌ عَلِمَ الْمَالِكُ أَنَّ الْمَغْصُوبَ مِلْكَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ؛ اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
كَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً، فَتَبَيَّنَتْ زَوْجَتُهُ؛ فَإِنَّهُ لَا مَهْرَ عَلَيْهِ وَلَا غَيْرَهُ [، وَكَمَا لَوْ أَكَلَ فِي الصَّوْمِ يَظُنُّ أَنْ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ غَرَبَتْ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ] ، مِنْ ضَمَانِ (غَصْبٍ) فَقَطْ، لَا مِنْ إثْمِهِ الْحَاصِلِ بِارْتِكَابِهِ الِاسْتِيلَادَ وَالْحَيْلُولَةَ بَيْنَ الْمَالِكِ وَبَيْنَ مَالِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَصُدُورُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَالِكِ مُبَرِّئٌ لِلْغَاصِبِ مِنْ الْغَصْبِ، وَمُزِيلٌ لِحُكْمِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ مَا يَكُونُ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ؛ كَمَا لَوْ أَقْرَضَهُ الدَّرَاهِمَ الْمَغْصُوبَةَ، فَإِنَّ حُكْمَ الْغَصْبِ فِيهَا إذَا اتَّجَرَ بِهَا الْغَاصِبُ أَنَّ الرِّبْحَ يَكُونُ لِمَالِكِهَا، وَالْحُكْمُ

فِيمَا بَعْدَ اقْتِرَاضِهَا مِنْ مَالِكِهَا أَنَّ الرِّبْحَ يَكُونُ لِلَّذِي اغْتَصَبَهَا، وَكَمَا لَوْ بَاعَهُ أَوْ أَعَارَهُ؛ فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ الْمَنْفَعَةِ؛ لِدُخُولِهِ عَلَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ عَلَى الْغَاصِبِ بِأُجْرَةٍ، كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ؛ وَكَمَا لَوْ زَوَّجَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ الْأَمَةَ الْمَغْصُوبَةَ، فَإِنَّ الْغَاصِبَ يَبْرَأُ مِنْ عُهْدَةِ غَصْبِهَا، وَتَصِيرُ بِيَدِهِ أَمَانَةً؛ كَمَا لَوْ لَمْ يَغْصِبْهَا قَبْلَ تَزَوُّجِهَا؛ لِأَنَّ إتْلَافَ الْمَغْصُوبِ حَصَلَ بِأَمْرِ مَالِكِهِ، وَبَقَاؤُهُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ حَصَلَ بِرِضَى مَالِكِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ غَصْبٌ.

(وَمَنْ اشْتَرَى أَرْضًا، فَغَرَسَ) فِيهَا، (أَوْ بَنَى فِيهَا، فَخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً) لِغَيْرِ بَائِعِهَا، (وَقَلَعَ غَرْسَهُ) - أَيْ: غَرْسَ الْمُشْتَرِيَ - (وَبِنَاءَهُ) ؛ لِكَوْنِهِ وُضِعَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ (رَجَعَ) مُشْتَرٍ (عَلَى بَائِعٍ بِمَا غَرِمَهُ) بِسَبَبِ ذَلِكَ (مِنْ ثَمَنٍ) أَقْبَضَهُ، (وَأُجْرَةِ غَارِسٍ وَبَانٍ وَثَمَنِ مُؤَنٍ) مُسْتَهْلَكَةٍ (وَأَرْشِ نَقْصٍ بِقَلْعٍ) وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأُجْرَةِ دَارٍ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ غَرَّ الْمُشْتَرِيَ بِبَيْعِهِ إيَّاهَا، وَأَوْهَمَهُ أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي غِرَاسِهِ وَبِنَائِهِ وَانْتِفَاعِهِ، فَرَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا غَرِمَهُ.
وَلَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي (بِمَا أَنْفَقَ عَلَى قِنٍّ وَحَيَوَانٍ وَخَرَاجِ أَرْضٍ) - إذَا اشْتَرَى أَرْضًا خَرَاجِيَّةً وَغَرِمَ خَرَاجَهَا، ثُمَّ ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً؛ فَلَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي؛ بِذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ؛ (لِأَنَّهُ) - أَيْ: الْمُشْتَرِيَ - (دَخَلَ فِي الشِّرَاءِ مُلْتَزِمًا ضَمَانَ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ يَقْتَضِي النَّفَقَةَ عَلَى الْمَبِيعِ وَدَفْعِ خَرَاجِهِ، قَالَهُ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْت: وَقِيَاسُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى الزَّوْجَةِ إذَا خَرَجَتْ مَغْصُوبَةً؛ كَمَا أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْحُرَّةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَبَيْعُ لْخَرَاجِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَالْمُرَادُ هُنَا إذَا حَكَمَ بِهِ مَنْ يَرَاهُ، أَوْ الْمُرَادُ بِهِ النُّزُولُ عَنْهَا لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الِانْتِفَاعِ وَوَزْنِ الْخَرَاجِ كَمَا يَأْتِي فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ.

(وَيَجُوزُ تَمَلُّكُ زَرْعِهِ) - أَيْ: الْغَاصِبِ - بِبَدَلِ بَذْرِهِ وَعِوَضِ لَوَاحِقِهِ، (وَمَنْ) اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ (أُخِذَ) ؛ أَيْ: اُنْتُزِعَ (مِنْهُ بِحُجَّةٍ) مُطْلَقَةٍ؛ أَيْ: بِأَنْ أُقِيمَتْ بَيِّنَةٌ شَهِدَتْ لِلْمُدَّعِي بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ؛ بِأَنْ لَمْ تَقُلْ: مَلَكَهُ مِنْ وَقْتِ كَذَا (مَا اشْتَرَاهُ) مُدَّعًى عَلَيْهِ؛ (رَدَّ بَائِعُهُ) لِلْمُشْتَرِي (مَا قَبَضَهُ) مِنْهُ مِنْ الثَّمَنِ؛

لِفَسَادِ الْعَقْدِ بِخُرُوجِهِ مُسْتَحَقًّا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ حُدُوثِ مِلْكٍ نَاشِئٍ عَنْ الْمُشْتَرِي، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بِمِلْكٍ سَابِقٍ عَلَى زَمَنِ الشِّرَاءِ.

(وَمَنْ اشْتَرَى قِنًّا) مِنْ إنْسَانٍ، (فَأَعْتَقَهُ، فَادَّعَى شَخْصٌ - وَلَا بَيِّنَةَ أَنْ الْبَائِعَ) لِلْقِنِّ (غَصَبَهُ مِنْهُ) أَيْ الْقِنِّ - (فَصَدَّقَهُ) عَلَى مُدَّعَاهُ (أَحَدُهُمَا) - أَيْ: الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي (لَمْ يُقْبَلْ) تَصْدِيقُهُ (عَلَى الْآخَرِ) الْمُنْكِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ (بَلْ) يُقْبَلُ تَصْدِيقُهُ (عَلَى نَفْسِهِ) فَقَطْ.
(وَإِنْ صَدَّقَاهُ) أَيْ: الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي - (مَعَ) الْقِنِّ (الْمَبِيعَ؛ لَمْ يَبْطُلْ عِتْقُهُ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ) تَعَالَى بِهِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِعِتْقِهِ، وَأَنْكَرَهُ الْعَبْدُ؛ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَلَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ مَعَ اتِّفَاقِ السَّيِّدِ وَالْقِنِّ عَلَى الرِّقِّ.

(وَكَذَا مَنْ قَالَ: أَنَا حُرٌّ، ثُمَّ أَقَرَّ بِالرِّقِّ؛ لَمْ يُقْبَلْ) إقْرَارُهُ.
وَلِمَالِكٍ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهَا قِيمَتَهُ يَوْمَ الْعِتْقِ، (وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ) - أَيْ: ضَمَانَ الْقِيمَةِ - (عَلَى مُعْتِقِهِ) لِمُدَّعِي الْغَصْبِ يَوْمَ الْعِتْقِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ حَكَاهُ شَارِحُ الْمُنْتَهَى؛ يُقْبَلُ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِالْإِتْلَافِ بِالْعِتْقِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ.

(وَيَتَّجِهُ وَيَرُدُّ بَائِعٌ) قِنٍّ ادَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ غَاصِبٌ لِمُشْتَرٍ (مَا) - أَيْ ثَمَنًا - (أَخَذَهُ مِنْهُ) ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي " الْمُبْدِعِ " " وَالشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، وَعِبَارَتُهُ: وَمَتَى أَنْ حَكَمْنَا بِالْحُرِّيَّةِ؛ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ قِيمَتِهِ يَوْمَ عِتْقِهِ، فَإِنْ ضَمِنَ؛ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْبَائِعِ إلَّا بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ مِنْهُ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ انْتَهَى.

(وَلَوْ مَاتَ الْقِنُّ، وَخَلَّفَ مَالًا - وَلَا وَارِثَ) لَهُ - فَالْمَالُ الْمُخَلَّفُ عَنْهُ (لِمُدَّعٍ) ؛ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَهُ، (وَلَا وَلَاءَ) لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْهُ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِلْمُعْتِقِ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِفَسَادِ عِتْقِهِ، فَإِنْ خَلَّفَ وَارِثًا؛ فَالْمَالُ لَهُ لِلْحُكْمِ بِحُرِّيَّتِهِ، وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِأَنَّ الْبَائِعَ غَصَبَ مِنْهُ عَبْدَهُ؛ بَطَلَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَالِكٍ وَلَا مَأْذُونِهِ، وَبَطَلَ الْعِتْقُ أَيْضًا؛ لِتَرَتُّبِهِ عَلَى الْبَيْعِ الْبَاطِلِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ؛ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ.

(وَإِنْ لَمْ يَعْتِقْهُ مُشْتَرٍ) ، وَادَّعَى إنْسَانٌ أَنَّهُ غَصَبَهُ الْبَائِعُ مِنْهُ، وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ؛ انْتَقَضَ الْبَيْعُ،

وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ؛ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ - أَيْ: الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي - (بِغَصْبِهِ لِمُدَّعِيهِ) ؛ أَيْ: بِأَنَّ الْبَائِعَ غَصَبَهُ مِنْ الْمُدَّعِي؛ (بَطَل بَيْعٌ) ؛ لِإِقْرَارِهِمَا بِالْغَصْبِ، (وَرُدَّ ثَمَنٌ) قَبَضَهُ بَائِعٌ لِمُشْتَرٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَهُ.
(وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا) بِمَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي مِنْ غَصْبِ الْقِنِّ؛ (لَمْ يُقْبَلْ) إقْرَارُهُ (عَلَى الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ، ثُمَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ الْبَائِعَ أَوْ الْمُشْتَرِيَ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْبَائِعِ بِقَوْلِهِ: (فَيَلْزَمُ بَائِعًا أَقَرَّ لَهُ) - أَيْ: لِلْمُدَّعِي بِمُدَّعَاهُ - وَكَانَ إقْرَارُهُ لَهُ (بَعْدَ) انْقِضَاءِ مُدَّةِ (خِيَارِ قِيمَتِهِ) - أَيْ: الْعَبْدِ - لِلْمُقَرِّ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَقَدْ أُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيُقَرُّ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ فِي الظَّاهِرِ.

(وَلَهُ) - أَيْ: الْبَائِعُ - (تَحْلِيفُ مُشْتَرٍ) أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ صِحَّةَ إقْرَارِهِ، فَإِنْ نَكَلَ؛ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْبَائِعُ (مَا قَبَضَ الثَّمَنَ؛ لَمْ يُطَالِبْهُ بِهِ) ؛ لِإِقْرَارِهِ بِمَا يُسْقِطُهُ، (وَإِنْ كَانَ) الْبَائِعُ قَدْ (قَبَضَهُ) - أَيْ: الثَّمَنَ (لَمْ يَسْتَرِدَّهُ مُشْتَرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ، فَإِنْ عَادَ [قِنٌّ لِمُقِرٍّ] ) وَهُوَ الْبَائِعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، بِفَسْخٍ لِلْبَيْعِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ إرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ شِرَاءٍ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ (رَدُّهُ لِمُدَّعِيهِ) ؛ لِاعْتِرَافِهِ لَهُ بِالْمِلْكِ.
وَلَهُ اسْتِرْجَاعُ مَا أُخِذَ مِنْهُ فِي نَظِيرِ الْحَيْلُولَةِ لِزَوَالِهَا (وَ) إنْ كَانَ إقْرَارُ الْبَائِعِ؛ بِأَنَّ غَصْبَهُ مِنْهُ (فِي) مُدَّةِ (خِيَارٍ) ؛ فَإِنَّهُ (يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَسْخَهُ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِمَا يَفْسَخُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ خِيَارُ مَجْلِسٍ أَوْ خِيَارُ شَرْطٍ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ، لَا لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ، وَأَشَارَ إلَى الْمُشْتَرِي بِقَوْلِهِ: (وَيَلْزَمُ مُشْتَرِيًا أَقَرَّ) بِأَنَّ الْبَائِعَ غَصَبَهُ مِنْ مُدَّعِيهِ؛ (رَدُّ عَبْدٍ) لِلْمُدَّعِي؛ لِإِقْرَارِهِ لَهُ بِالْمِلْكِ، وَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَلَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الرُّجُوعَ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ إنْ كَانَ قَبَضَهُ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي (دَفْعُ ثَمَنٍ لِبَائِعٍ) إنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ فِي الظَّاهِرِ.

(وَإِنْ أَقَامَ) الْمُشْتَرِي (بَيِّنَةً) بِمَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ غَصْبِ الْبَائِعِ لِلْعَبْدِ؛ (عُمِلَ بِهَا) - أَيْ: بِالْبَيِّنَةِ - لِعَدَمِ مَا يُنَافِيهَا، وَلَهُ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ حِينَئِذٍ؛ لِتَبَيُّنِ بُطْلَانِ الْبَيْعِ،

(وَكَذَا بَائِعٌ) أَقَرَّ بِأَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْ الْمُدَّعِي، وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِمَا أَقَرَّ بِهِ، (وَلَمْ يَقُلْ) بَائِعٌ (حَالَ بَيْعٍ: بِعْتُك عَبْدِي هَذَا، أَوْ) بِعْتُك (مِلْكِي) ، بَلْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ مَثَلًا قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَبِيعُ مِلْكَهُ وَمِلْكَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ فِي حَالِ الْبَيْعِ قَالَ: بِعْتُك عَبْدِي هَذَا أَوْ مِلْكِي؛ لَمْ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؛ (لِأَنَّهُ يُكَذِّبُهَا) بِقَوْلِهِ: عَبْدِي هَذَا أَوْ مِلْكِي.
وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ، وَبَطَلَ الْبَيْعُ، وَكَذَا الْعِتْقُ إنْ كَانَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَائِعِ لِلْمُدَّعِي بِأَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِهَا إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، وَإِنْ أَنْكَرَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي مُدَّعَى الْعَبْدِ، فَلَهُ إحْلَافُهُمَا؛ لِحَدِيثِ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» .

[تَتِمَّةٌ فِي رَجُلٍ يَجِدُ سَرِقَتَهُ عِنْدَ إنْسَانٍ بِعَيْنِهَا]

تَتِمَّةٌ: قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ يَجِدُ سَرِقَتَهُ عِنْدَ إنْسَانٍ بِعَيْنِهَا قَالَ: هُوَ مِلْكُهُ يَأْخُذُهَا.
أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ عِنْدَ رَجُلٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، يَتْبَعُ الْمُبْتَاعُ مَنْ بَاعَهُ» رَوَاهُ هُشَيْمِ عَنْ مُوسَى بْنِ السَّائِبِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ وَمُوسَى بْنِ السَّائِبِ ثِقَةٌ.

[فَصْلٌ أُتْلِفَ مَغْصُوبٌ بِإِتْلَافِ الْغَاصِبِ أَوْ غَيْرِهِ لَهُ]

(فَصْلٌ: وَإِنْ أُتْلِفَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - مَغْصُوبٌ بِإِتْلَافِ الْغَاصِبِ أَوْ غَيْرِهِ لَهُ؛ بِأَنْ قُتِلَ الْحَيَوَانُ الْمَغْصُوبُ، أَوْ أُحْرِقَ الْمَتَاعُ الْمَغْصُوبُ - وَلَوْ كَانَ إتْلَافُ الْغَاصِبِ لِلْمَغْصُوبِ بِلَا غَصْبٍ - بِأَنْ أَتْلَفَهُ بِيَدِ الْغَاصِبِ أَوْ بَعْدَ أَنْ انْتَقَلَ إلَى يَدِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ نَحْوِ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ، (أَوْ تَلِفَ مَغْصُوبٌ) ؛ بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا فَمَاتَ، أَوْ مَتَاعًا فَاحْتَرَقَ وَنَحْوُهُ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ لَوْ غَصَبَهُ مَرِيضًا فَمَاتَ فِي يَدِهِ بِذَلِكَ الْمَرَضِ؛.

(ضُمِنَ) مَغْصُوبٌ (مِثْلِيٌّ) ؛ أَيْ: ضَمِنَهُ الْغَاصِبُ أَوْ مَنْ تَلِفَ بِيَدِهِ، (وَهُوَ) - أَيْ: الْمِثْلِيُّ - (الْفُلُوسُ، وَكُلُّ مَكِيلٍ) مِنْ حَبٍّ وَثَمَرٍ وَمَائِعٍ وَغَيْرِهَا، (أَوْ مَوْزُونٍ) كَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَرِيرٍ وَكَتَّانٍ وَقُطْنٍ وَنَحْوِهَا (لَا صِنَاعَةَ فِيهِ) - أَيْ: الْمَكِيلِ - بِخِلَافِ نَحْوِ هَرِيسَةٍ، أَوْ الْمَوْزُونِ، بِخِلَافِ حُلِيٍّ وَأَسْطَالٍ وَنَحْوِهَا

(مُبَاحَةٌ) ، خَرَجَ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَتُضْمَنُ بِمِثْلِهَا؛ لِتَحْرِيمِ صِنَاعَتِهَا، وَيَأْتِي، (يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ) ، بِخِلَافِ نَحْوِ جَوْهَرٍ وَلُؤْلُؤٍ (بِمِثْلِهِ) - مُتَعَلِّقٌ يُضْمَنُ - نَصًّا، لِأَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ الْقِيمَةِ؛ لِمُمَاثِلَتِهِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الصُّورَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَالْمُعَيَّنِ، بِخِلَافِ الْقِيمَةِ؛ فَإِنَّهَا مُمَاثِلَةٌ مِنْ طَرِيقِ الظَّنِّ وَالِاجْتِهَادِ، وَسَوَاءٌ تَمَاثَلَتْ أَجْزَاءُ الْمِثْلِيِّ أَوْ تَفَاوَتَتْ كَالْأَثْمَانِ، وَلَوْ دَرَاهِمَ مَغْشُوشَةً رَائِجَةً، وَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ وَنَحْوِهَا، (فَإِنْ أَعْوَزَ) مِثْلُ التَّالِفِ؛ قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": فِي الْبَلَدِ أَوْ حَوْلَهُ؛ كَأَنْ تَعَذَّرَ (لِبُعْدٍ أَوْ غَلَاءٍ) أَوْ عَدَمٍ؛ فَعَلَى الْغَاصِبِ وَنَحْوِهِ (قِيمَتُهُ) - أَيْ: الْمَغْصُوبِ الْمِثْلِيِّ - لِأَنَّهَا أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ، فَوَجَبَ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَصْلِهِ كَالْآخَرِ (يَوْمَ إعْوَازِهِ) - أَيْ: الْمِثْلِ - لِأَنَّ الْقِيمَةَ وَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ حِينَ انْقِطَاعِ الْمِثْلِ، فَاعْتُبِرَتْ الْقِيمَةُ حِينَئِذٍ كَتَلَفِ الْمُتَقَوِّمِ، وَدَلِيلُ وُجُوبِهَا إذَنْ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ طَلَبَهَا، وَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ أَدَاؤُهَا، وَلَا يَبْقَى وُجُوبُ الْمِثْلِ؛ لِلْعَجْزِ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ طَلَبَهُ وَلَا اسْتِيفَاؤَهُ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ إعْوَازِهِ فِي بَلَدِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ مَكَانُ الْوُجُوبِ، (فَإِنْ قَدَرَ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمِثْلُ (عَلَى الْمِثْلِ) بَعْدَ تَعَذُّرِهِ قَبْلَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، (لَا بَعْدَ أَخْذِهَا؛ وَجَبَ) الْمِثْلُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَقَدْ قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَدَاءِ الْبَدَلِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ؛ كَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ أَخَذَ الْمَالِكُ الْقِيمَةَ عَنْهُ؛ اسْتَقَرَّ حُكْمُهَا، وَلَمْ تُرَدَّ وَلَا طَلَبَ لِلْمِثْلِ إذَنْ؛ لِحُصُولِ الْبَرَاءَةِ بِأَخْذِهَا، وَكَمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ إنْ قَدَرَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمِثْلُ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ؛ لَزِمَهُ أَنْ يَرُدَّ الْكُلَّ مِنْ مِثْلِيٍّ قَبْلَ دَفْعِ الْقِيمَةِ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّ الْجَمِيعِ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ (الْقِسْطِ) مِنْ مِثْلِيٍّ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَيَدْفَعُ الْقِيمَةَ عَنْ الْبَاقِي؛ إذْ لَا يُكَلَّفُ

الْإِنْسَانُ إلَّا مَا يُطِيقُهُ؛ كَمَنْ عِنْدَهُ مَا لَا يَكْفِيهِ لِوُضُوئِهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(فَإِنْ تَغَيَّرَ) الْمَغْصُوبُ (كَرُطَبٍ أَتَمْرَ) ؛ أَيْ: صَارَ وَقْتَ التَّلَفِ تَمْرًا، (أَوْ عَصِيرٍ تَخَلَّلَ) ؛ أَيْ: صَارَ خَلًّا، أَوْ سِمْسِمٍ صَارَ بَعْدَ الْغَصْبِ شيرجا؛ (ضَمَّنَهُ) - بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ - (الْمَالِكُ) لِلْغَاصِبِ وَنَحْوِهِ (بِمِثْلِ أَيِّهِمَا شَاءَ) ؛ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمِثْلَيْنِ، فَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا وَعَصِيرًا وَسِمْسِمًا، اعْتِبَارًا بِحَالِ الْغَصْبِ، أَوْ تَمْرًا أَوْ خَلًّا أَوْ شيرجا اعْتِبَارًا بِحَالِ التَّلَفِ.
وَالدَّرَاهِمُ الْمَغْشُوشَةُ الرَّائِجَةُ مِثْلِيَّةٌ لِتَمَاثُلِهَا عُرْفًا، وَلِأَنَّ أَخْلَاطَهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، وَكَذَا الْفُلُوسُ، وَتَقَدَّمَ.

[تَنْبِيهٌ يُسْتَثْنَى مِنْ ضَمَانِ الْمِثْلِيِّ بِمِثْلِهِ فِي الْمَغْصُوبِ الْمَاءُ فِي الْمَفَازَةِ]

تَنْبِيهٌ: يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ضَمَانِ الْمِثْلِيِّ بِمِثْلِهِ الْمَاءُ فِي الْمَفَازَةِ، فَإِنَّهُ يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ فِي الْبَرِّيَّةِ.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " وَجَزَمَ بِهِ الْحَارِثِيُّ قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالُوهُ فِي التَّيَمُّمِ: وَيُيَمَّمُ رَبُّ مَاءٍ [مَاتَ] لِعَطَشِ رَفِيقِهِ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ مَكَانَهُ لِوَرَثَتِهِ.

وَضُمِنَ (غَيْرُ مِثْلِيٍّ كَجَوْهَرٍ وَصُبْرَةِ بَقَّالٍ وَمَعْمُولٍ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَنَحْوِهِمَا (وَحَيَوَانٌ) إذَا أَتْلَفَ ذَلِكَ أَوْ أُتْلِفَ (بِقِيمَتِهِ يَوْمَ تَلَفِهِ) ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَأَمَرَ بِالتَّقْوِيمِ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ؛ لِأَنَّهَا مُتْلَفَةٌ بِالْعِتْقِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْمِثْلِ، وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمِثْلِيِّ لَا تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهُ، وَتَخْتَلِفُ صِفَاتُهُ، فَالْقِيمَةُ فِيهِ أَعْدَلُ وَأَقْرَبُ إلَيْهِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (فِي بَلَدِ غَصْبِهِ مِنْ نَقْدِهِ) - أَيْ: نَقْدِ بَلَدِ الْغَصْبِ - لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الضَّمَانِ بِمُقْتَضَى التَّعَدِّي، وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالْمَشْهُورُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ وَالِاخْتِيَارُ (مَعَ أَرْشِ نَقْصِهِ وَأُجْرَتِهِ) مِنْ يَوْمِ غَصْبِهِ إلَى يَوْمِ تَلَفِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مَوْجُودَةً حَالَ الْغَصْبِ أَوْ حَدَثَتْ فِي الْمَغْصُوبِ، (فَإِنْ تَعَذَّرَ نَقْدُ) بَلَدِ غَصْبِهِ، بِأَنْ كَانَ فِيهِ نُقُودٌ؛ فَالْقِيمَةُ (مِنْ غَالِبِهِ) رَوَاجًا؛ لِانْصِرَافِ اللَّفْظِ إلَيْهِ فِيمَا لَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ مُطْلَقٍ (وَكَذَا) - أَيْ: كَالْمَغْصُوبِ فِيمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ - (مُتْلَفٌ بِلَا غَصْبٍ وَمَقْبُوضٌ يُضْمَنُ) ؛ كَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ يَجِبُ الضَّمَانُ فِي صَحِيحِهِ كَمَبِيعٍ، لَا نَحْوِ هِبَةٍ وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ؛ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ سَوْمٍ مِمَّا لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمُتْلِفِ لَهُ؛ فَيُضْمَنُ مِثْلِيٌّ بِمِثْلِهِ، وَمُتَقَوِّمٌ بِقِيمَتِهِ.

(وَمَنْ أَخَذَ) مِنْ آخَرَ شَيْئًا (مَعْلُومًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ) كَجَزَّارٍ وَزَيَّاتٍ، أَوْ أَخَذَ (حَوَائِجَ) مُتَقَوِّمَةً كَفَوَاكِهَ وَبُقُولٍ وَنَحْوِهِمَا (مِنْ بَقَّالٍ وَنَحْوِهِ) ، وَلَمْ يَقْطَعْ سِعْرَهُ (فِي أَيَّامٍ، ثُمَّ حَاسَبَهُ) عَلَى مَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ، (فَإِنَّهُ) لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْمِثْلُ فِي الْمِثْلِيِّ، وَلَا الْقِيمَةُ فِي الْمُتَقَوِّمِ، بَلْ (يُعْطِيهِ بِسِعْرِ يَوْمِ أَخْذِهِ) ؛ لِتَرَاضِيهِمَا عَلَى ذَلِكَ، وَمُقْتَضَاهُ صِحَّةُ الْبَيْعِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَعَلَى هَذَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ، وَهَذَا الْعَقْدُ جَارٍ مَجْرَى الْفَاسِدِ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يُعَيِّنْ فِيهِ الثَّمَنَ، لَكِنَّهُ صَحِيحٌ إقَامَةً لِلْعُرْفِ مَقَامَ النُّطْقِ، وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ إلَّا مَعَ مَعْرِفَةِ الثَّمَنِ - أَوْلَى مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ فَاسِدٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ، بَلْ يَدَّعِي بِأَنَّ الثَّمَنَ فِي هَذِهِ مَعْلُومٌ بِحُكْمِ الْعُرْفِ، فَيَقُومُ مَقَامَ التَّصْرِيحِ بِهِ، (وَيُقَوَّمُ) الْمَوْزُونُ وَهُوَ (مَصَاغٌ مُبَاحٌ) - أَيْ: فِيهِ صِنَاعَةٌ مُبَاحَةٌ؛ وَكَمَعْمُولِ نُحَاسٍ وَرَصَاصٍ وَمَغْزُولِ صُوفٍ وَشَعْرٍ وَنَحْوِهِ كَمَغْزُولِ قُطْنٍ وَكَتَّانٍ، (أَوْ مُحَلًّى بِأَحَدِهِمَا) تَزِيدُ عَلَى وَزْنِهِ لِصِنَاعَتِهِ.
وَيُقَوَّمُ (تِبْرٌ تُخَالِفُ قِيمَتُهُ وَزْنَهُ) بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، بِنَقْدٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَصُوغُ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ؛ قُوِّمَ بِالْآخَرِ؛ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الرِّبَا، فَيُقَوَّمُ حُلِيُّ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ، وَحُلِيُّ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ أَوْ كَانَ مُحَلًّى بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ؛ قُوِّمَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ أَيْضًا فِرَارًا مِنْ الرِّبَا.
وَإِنْ كَانَ الْحُلِيُّ (مِنْهَا) - أَيْ: مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مَعًا؛ قَوَّمَهُ (بِأَيِّهِمَا شَاءَ) مِنْهُمَا؛

لِلْحَاجَةِ إلَى التَّقْوِيمِ بِأَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا قِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ؛ فَكَانَتْ الْخِيرَةُ فِي ذَلِكَ إلَى مَنْ يُخْبِرُ التَّقْوِيمَ.
(وَيُعْطِي) رَبُّ الْحُلِيِّ الْمَصُوغِ مِنْ النَّقْدَيْنِ أَوْ الْمُحَلَّى بِهِمَا (بِقِيمَتِهِ عَرَضًا) لِأَنَّ أَخْذَهَا مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ يُفْضِي إلَى الرِّبَا.
.

(وَيُضْمَنُ مُحَرَّمُ صِنَاعَةٍ؛ كَإِنَاءٍ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (وَحُلِيٍّ مُحَرَّمٍ) ؛ كَسَرْجٍ وَلِجَامٍ وَرِكَابٍ وَنَحْوِهِ (بِوَزْنِهِ) فَقَطْ (مِنْ جِنْسِهِ) ؛ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ الْمُحَرَّمَةَ لَا قِيمَةَ لَهَا شَرْعًا، وَقَالَ فِي " الِانْتِصَارِ " " وَالْمُفْرَدَاتِ ": لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِغَيْرِ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيِّ وَبِغَيْرِ الْقِيمَةِ فِي الْمُتَقَوِّمِ؛ لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ، وَلَمْ يَلْزَمْ قَبُولُهُ، وَاقْتُصِرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُبْدِعِ " وَغَيْرِهِ.

(وَ) يَجِبُ (فِي تَلَفِ بَعْضِ مَغْصُوبٍ) عِنْدَ غَاصِبٍ (فَتَنْقُصُ قِيمَةُ بَاقِيهِ كَزَوْجَيْ خُفٍّ) وَمِصْرَاعَيْ بَابٍ (تَلِفَ أَحَدُهُمَا؛ رَدُّ بَاقٍ) مِنْهُمَا إلَى مَالِكِهِ وُجُوبًا (وَقِيمَةِ تَالِفٍ وَأَرْشِ نَقْصٍ) لِلْبَاقِي مِنْهُمَا، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهُمَا مُجْتَمِعَيْنِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، فَصَارَتْ قِيمَةُ الْبَاقِي مِنْهُمَا دِرْهَمَيْنِ؛ رَدَّهُ وَأَرْبَعَةٌ دِرْهَمَانِ قِيمَةُ التَّالِفِ وَدِرْهَمَانِ أَرْشُ النَّقْصِ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ بِجِنَايَتِهِ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ؛ كَمَا لَوْ شَقَّ ثَوْبًا يُنْقِصُهُ الشَّقُّ، بِخِلَافِ نَقْصِ السِّعْرِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِهِ مِنْ الْمَغْصُوبِ عَيْنٌ وَلَا مَعِينٌ وَهَا هُنَا فَوَاتُ مَعِينٍ وَهُوَ إمْكَانُ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَهُوَ الْمُوجِبُ لِنَقْصِ قِيمَتِهِ؛ كَمَا لَوْ فَوَّتَ بَصَرَهُ أَوْ سَمْعَهُ وَنَحْوَهُ.

(وَمَنْ غَصَبَ ثَوْبًا بِعَشْرَةٍ) فَلَبِسَهُ الْغَاصِبُ أَوْ غَيْرُهُ، فَأَبْلَاهُ، (فَنَقَصَ) الثَّوْبُ (بِاسْتِعْمَالِهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ) ، وَكَذَا لَوْ نَقَصَ ذَلِكَ بِغَيْرِ اسْتِعْمَالٍ، (ثُمَّ غَلَتْ) الثِّيَابُ، (فَعَادَتْ) قِيمَةُ الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ إلَى عَشْرَةٍ؛ كَمَا لَوْ كَانَتْ قَبْلَ الْبِلَى؛ (رَدَّهُ) الْغَاصِبُ (وَرَدَّ أَرْشَ نَقْصِهِ؛ لِثُبُوتِهِ بِذِمَّتِهِ قَبْلَ غُلُوِّهِ) ، فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِغَلَاءِ الثَّوْبِ وَلَا رُخْصِهِ، وَكَذَلِكَ (لَوْ رَخُصَ) الثَّوْبُ، فَصَارَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةً؛ (لَمْ يَلْزَمْهُ) - أَيْ: الْغَاصِبَ - (مَعَ رَدِّهِ) - أَيْ: الثَّوْبِ - لِمَالِكِهِ (سِوَى الْخَمْسَةِ) أَرْشِ النَّقْصِ، وَلَوْ تَلِفَ الثَّوْبُ كُلُّهُ وَقِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، ثُمَّ غَلَتْ

الثِّيَابُ؛ فَصَارَتْ قِيمَتُهُ عِشْرِينَ؛ لَمْ يَضْمَنْ الْغَاصِبُ إلَّا عَشْرَةً، فَلَا تُزَادُ بِغَلَاءِ الثِّيَابِ، وَلَا تَنْقُصُ بِرُخْصِهَا.
.

(وَ) يَجِبُ (فِي نَحْوِ قِنٍّ أَبَقَ) مِنْ غَاصِبِهِ، (وَجَمَلٍ) أَوْ فَرَسٍ (شَرَدَ) مِنْهُ، وَعَجَزَ عَنْ رَدِّهِ مَعَ بَقَائِهِ (قِيمَتَهُ) - أَيْ: الْمَغْصُوبِ الْآبِقِ أَوْ الشَّارِدِ لِمَالِكِهِ؛ لِلْحَيْلُولَةِ، (وَيَمْلِكُهَا) - أَيْ: الْقِيمَةَ - (مَالِكُهُ) - أَيْ: الْمَغْصُوبِ - بِقَبْضِهَا، وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهَا كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ مِنْ أَجْلِ الْحَيْلُولَةِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ (غَاصِبٌ مَغْصُوبًا بِدَفْعِهَا) - أَيْ: الْقِيمَةِ - لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِالْبَيْعِ؛ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ أُمَّ وَلَدٍ فَلَا يَمْلِكُ كَسْبَهُ، وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ قَرِيبَهُ؛ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِالتَّضْمِينِ كَالتَّالِفِ.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَلَا يُجْبَرُ الْمَالِكُ عَلَى أَخْذِهَا، وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْهَا، وَلَا يَتَعَلَّقُ الْحَقُّ بِالْبَدَلِ، فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ جَوَازُ الْأَخْذِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، فَتُوقَفُ عَلَى خِيَرَتِهِ، (فَمَتَى قَدَرَ) غَاصِبٌ عَلَى آبِقٍ وَنَحْوِهِ؛ (رَدَّهُ) وُجُوبًا بِنَمَائِهِ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْأَصْلِ، (وَأَخَذَهَا) ؛ أَيْ: أَخَذَ الْغَاصِبُ الْقِيمَةَ بِعَيْنِهَا إنْ بَقِيَتْ؛ لِزَوَالِ الْحَيْلُولَةِ الَّتِي وَجَبَتْ لِأَجْلِهَا (بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ) فَقَطْ مِنْ سَمْنٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهَا تَتْبَعُ فِي الْفُسُوخِ، وَلَا يَرُدُّ مَعَ الْقِيمَةِ زِيَادَتَهَا (الْمُنْفَصِلَةَ) كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ بِلَا نِزَاعٍ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " [؛ لِأَنَّهَا] وُجِدَتْ فِي مِلْكِهِ، وَلَا تَتْبَعُ فِي الْفُسُوخِ، فَأَشْبَهَتْ زِيَادَةَ الْمَبِيعِ الْمَرْدُودِ بِعَيْبٍ.
قَالَ الْمَجْدُ: وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ وَالْحَيَوَانَ لَا يَكُونُ أَبَدًا نَفْسَ الْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ، بَلْ بَدَلٌ عَنْهَا، وَإِذَا رَجَعَ الْمَغْصُوبُ؛ رَدَّ الْقِيمَةَ لَا بَدَلَهَا وَلَا ثَمَرَاتِهِ؛ كَمَنْ بَاعَ سِلْعَتَهُ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ أَخَذَ عَنْهَا ذَهَبًا أَوْ سِلْعَةً، ثُمَّ رَدَّ الْمَعِيبَ بِالْبَيْعِ؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِدَرَاهِمَ لَا بَدَلَهَا انْتَهَى.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَهُوَ كَمَا قَالَ الْبُهُوتِيُّ فِي شَرْحَيْهِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الثَّمَنَ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ دَرَاهِمَ، فَإِذَا عَوَّضَهُ عَنْهَا شَيْئًا؛ فَهُوَ عَقْدٌ آخَرُ، وَأَمَّا هُنَا فَالْقِيمَةُ لَمْ تَثْبُتْ فِي الذِّمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ

التَّلْخِيصِ، فَمَا دَفَعَهُ ابْتِدَاءً هُوَ الْقِيمَةُ سَوَاءً كَانَ مِنْ النَّقْدَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا، (أَوْ) يَأْخُذُ (بَدَلهَا) - أَيْ: الْقِيمَةِ - (إنْ تَلِفَتْ أَوْ بِيعَتْ) وَهُوَ مِثْلُهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، أَوْ قِيمَتُهَا إنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً، (وَلَيْسَ لَهُ) - أَيْ: الْغَاصِبِ - (حَبْسُ مَغْصُوبٍ) عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ أَدَاءِ قِيمَتِهِ (لِدَفْعِهَا) - أَيْ: الْقِيمَةِ - (وَلَا حَبَسَ مَبِيعٍ فَاسِدٍ عَلَى رَدِّ ثَمَنِهِ، بَلْ يُدْفَعَانِ) - أَيْ: الْمَغْصُوبُ وَقِيمَتُهُ أَوْ الْمَبِيعُ بَيْعًا فَاسِدًا وَثَمَنُهُ (لِعَدْلٍ) يُنَصِّبُهُ الْحَاكِمُ، (يُسَلِّمُ لِكُلٍّ) مِنْهَا (مَالَهُ) قَطْعًا لِلنِّزَاعِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ.

(وَ) يَجِبُ (فِي عَصِيرٍ تَخَمَّرَ) عِنْدَ غَاصِبٍ (مِثْلُهُ) ؛ لِصَيْرُورَتِهِ فِي حُكْمِ التَّالِفِ؛ لِذَهَابِ مَالِيَّتِهِ بِتَخْمِيرِهِ، (وَمَتَى انْقَلَبَ) عَصِيرٌ تَخَمَّرَ (خَلًّا) بِيَدِ غَاصِبٍ؛ (رَدَّهُ) الْغَاصِبُ، (وَرَدَّ أَرْشَ نَقْصِهِ) إنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ، خَلًّا عَنْ قِيمَتِهِ عَصِيرًا؛ لِحُصُولِ النَّقْصِ بِيَدِهِ، وَكَتَلَفِ جُزْءٍ مِنْهُ؛ (كَمَا لَوْ نَقَصَ بِلَا تَخَمُّرٍ) بِأَنْ صَارَ ابْتِدَاءً خَلًّا، وَكَغَصْبِ شَابَّةٍ فَتَهْرَمُ، (وَاسْتَرْجَعَ) الْغَاصِبُ إذَا رَدَّ الْخَلَّ وَأَرْشَ نَقْصِ الْعَصِيرِ (الْبَدَلَ) ، وَهُوَ مِثْلُ الْعَصِيرِ الَّذِي دَفَعَهُ لِمَالِكِهِ؛ لِلْحَيْلُولَةِ؛ كَمَا لَوْ أَدَّى قِيمَةَ الْآبِقِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَرَدَّهُ إلَى رَبِّهِ.
وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَةُ عَصِيرٍ أَوْ زَيْتٍ غَلَاهُ غَاصِبٌ بِغَلَيَانِهِ؛ فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ.
وَإِنْ غَصَبَ رِطْلَيْنِ عَصِيرًا مَثَلًا، فَغَلَاهُمَا، فَذَهَبَ رِطْلٌ، وَزَادَتْ قِيمَةُ الرِّطْلِ الْبَاقِي، فَصَارَتْ تُسَاوِي قِيمَةَ رِطْلَيْنِ قَبْلَ الْغَلْيِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُ مَا نَقَصَ مِنْ الْعَصِيرِ؛ لِأَنَّ الذَّاهِبَ مِنْ الْعَصِيرِ بِغَلَيَانِهِ هُوَ الْمَاءُ؛ لِأَنَّ النَّارَ تُذْهِبُ مَائِيَّتَهُ، وَتُجَمِّعُ حَلَاوَتَهُ، وَالْمَاءُ لَا قِيمَةَ لَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ غَصَبَ رِطْلَيْ زَيْتٍ قِيمَتُهَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ مَثَلًا، فَغَلَاهُمَا، فَذَهَبَ رِطْلٌ، وَبَقِيَ رِطْلٌ قِيمَتُهُ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّ مِثْلِ مَا ذَهَبَ؛ لِأَنَّ الزَّيْتَ لَا مَاءَ فِيهِ، فَالذَّاهِبُ جُزْءٌ مِنْهُ، وَالنَّارُ لَا تُعَقِّدُ أَجْزَاءَهُ، بَلْ تُتْلِفُهَا؛ فَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ ذَلِكَ؛ كَمَا لَوْ أَوْقَدَهُ فِي الْمِصْبَاحِ، وَالزِّيَادَةُ زِيَادَةُ سِعْرٍ.

(وَمَا صَحَّتْ إجَارَتُهُ) ؛ بِأَنْ [كَانَ لَهُ مَنْفَعَةٌ تَصِحُّ إجَارَتُهَا، (وَأُوجِرَ غَالِبًا) بِأَنْ] جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِيجَارِهِ (مِنْ مَغْصُوبٍ وَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ) كَرَقِيقٍ وَدَوَابَّ وَسُفُنٍ وَعَقَارٍ؛ (فَعَلَى غَاصِبٍ وَقَابِضٍ) بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ بِيَدِهِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ، فَتُضْمَنُ مَنَافِعُهُ بِالْفَوَاتِ وَالتَّفْوِيتِ؛ أَيْ: سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ أَوْ تَرَكَهَا تَذْهَبُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا ضَمِنَهُ بِالْإِتْلَافِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ؛ جَازَ أَنْ يَضْمَنَهُ بِمُجَرَّدِ التَّلَفِ؛ كَالْأَعْيَانِ، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَالْعَيْنِ، وَمَنْ لَمْ يُوجِبْ الْأَجْرَ عَلَى الْغَاصِبِ؛ احْتَجَّ بِحَدِيثِ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» . وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةً بِغَيْرِ عَقْدٍ، وَلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ مُطَاوِعَةٍ، وَالْجَوَابُ بِأَنَّ كُلَّ مَا ضَمِنَهُ بِالْإِتْلَافِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ جَازَ أَنْ يَضْمَنَهُ بِمُجَرَّدِ الْإِتْلَافِ؛ كَالْأَعْيَانِ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مُتَقَوِّمًا؛ فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَالْأَعْيَانِ، أَوْ يُقَالُ: مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مَغْصُوبٌ؛ فَوَجَبَ كَالْعَيْنِ، وَأَمَّا الْخَبَرُ فَوَارِدٌ فِي الْبَيْعِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْغَاصِبُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالْمَغْصُوبِ إجْمَاعًا، وَلَا يُشْبِهُ الزِّنَا؛ فَإِنَّهَا رَضِيَتْ بِإِتْلَافِ مَنَافِعِهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ - وَلَا عَقْدٍ يَقْتَضِي الْعِوَضَ - فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَعَارَهُ دَارِهِ، وَلَوْ أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ؛ لَزِمَهُ مَهْرُهَا.
.

وَلَوْ غَصَبَ جَارِيَةً وَلَمْ يَطَأْهَا وَمَضَى عَلَيْهَا زَمَنٌ يُمْكِنُ الْوَطْءُ فِيهِ لَمْ يَضْمَنْ مَهْرَهَا؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ لَا تُتْلَفُ بِلَا اسْتِيفَاءٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّهَا لَا تُقَدَّرُ بِزَمَنٍ، فَيُتْلِفُهَا مُضِيُّ الزَّمَانِ، بِخِلَافِ الْمَنْفَعَةِ.
(وَمَعَ عَجْزِ) غَاصِبٍ (عَنْ رَدِّ) مَغْصُوبٍ تَصِحُّ إجَارَتُهُ؛ كَعَبْدٍ أَبَقَ، وَجَمَلٍ شَرَدَ؛ فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ (إلَى) وَقْتِ (أَدَاءِ قِيمَتِهِ) فَقَطْ، فَإِنْ قَدَرَ الْغَاصِبُ عَلَى الْمَغْصُوبِ بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْهُ؛ لَزِمَهُ رَدُّهُ لِلْمَالِكِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا مَقْبُوضٌ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ عَلَى غَاصِبٍ وَقَابِضٍ مِنْ حِينِ دَفْعِ بَدَلِهِ إلَى رَبِّهِ؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ بِأَخْذِ قِيمَتِهِ اسْتَحَقَّ الِانْتِفَاعَ بِبَدَلِهِ الَّذِي هُوَ قِيمَتُهُ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الِانْتِفَاعَ بِهِ وَبِبَدَلِهِ.
وَمَنَافِعُ الْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ يَجِبُ الضَّمَانُ فِي صَحِيحِهِ كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ؛ كَمَنَافِعِ الْمَغْصُوبِ؛

يَضْمَنُهَا قَابِضُهَا بِالْفَوَاتِ وَالتَّفْوِيتِ، سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ أَوْ تَرَكَهَا تَذْهَبُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ عُقُودِ الْأَمَانَاتِ كَالْوَكَالَةِ الْوَدِيعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ، وَعُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ؛ فَلَا ضَمَانَ فِي صَحِيحِهَا، وَلِهَذَا يَرْجِعُ مَنْ غَرِمَ بِسَبَبِ ذَلِكَ شَيْئًا بِمَا غَرِمَهُ، (وَمَعَ تَلَفِ) مَغْصُوبٍ أَوْ مَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ؛ فَالْوَاجِبُ عَلَى قَابِضِهِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ (إلَيْهِ) - أَيْ: إلَى تَلَفِهِ - لِأَنَّهُ بَعْدَهُ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ تُضْمَنُ؛ كَمَا لَوْ أُتْلِفَ بِلَا غَصْبٍ أَوْ قَبْضٍ.
وَيُقْبَلُ قَوْلُ غَاصِبٍ وَقَابِضٍ فِي تَلَفِهِ، فَيُطَالِبُهُ مَالِكُهُ بِبَدَلِهِ.

(وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) - أَيْ: الْغَاصِبِ وَالْقَابِضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (فِي وَقْتِهِ) - أَيْ: التَّلَفِ - لِتَسْقُطَ عَنْهُ الْأُجْرَةُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، (وَ) يُقْبَلُ قَوْلُهُ (فِي تَلَفِهِ) - أَيْ: الْمَغْصُوبِ - (لِيُطَالِبَ) مُتْلِفَهُ (بِبَدَلِهِ) إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَبِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا (وَإِلَّا) تَصِحُّ إجَارَةُ الْمَغْصُوبِ؛ أَيْ: لَمْ تَجْرِ عَادَةٌ بِإِجَارَتِهِ غَالِبًا؛ (فَلَا) تَلْزَمُ غَاصِبَهُ وَلَا قَابِضَهُ أُجْرَةٌ (كَغَنَمٍ وَشَجَرٍ وَطَيْرٍ) ، وَلَوْ قَصَدَ مَوْتَهُ (وَنَحْوِهَا) كَشَمْعٍ وَمَطْعُومٍ وَمَشْرُوبٍ (مِمَّا لَا مَنَافِعَ لَهُ يُسْتَحَقُّ بِهَا عِوَضٌ) غَالِبًا، فَلَا يَرُدُّ صِحَّةَ إجَارَةِ غَنَمٍ لِدِيَاسِ زَرْعٍ وَشَجَرٍ لِنَشْرٍ وَنَحْوِهِ؛ لِنُدْرَتِهِ.

(وَيَلْزَمُ) غَاصِبًا وَقَابِضًا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (فِي قِنٍّ ذِي صَنَائِعَ) ؛ أَيْ: يُحْسِنُ صَنَائِعَ؛ إذْ لَوْ كَانَ غَيْرَ مُحْسِنٍ صَنْعَةً؛ لَمْ يَلْزَمْ قَابِضَهُ أُجْرَةُ صَنْعَةٍ مُقَدَّرَةٍ - وَلَوْ حَبَسَهُ مُدَّةً يُمْكِنُهُ فِيهَا تَعَلُّمُ صَنْعَةٍ - لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ (أُجْرَةَ أَعْلَاهَا) - أَيْ: الصَّنَائِعِ - (فَقَطْ) مُدَّةَ إقَامَتِهِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ فِي صَنْعَتَيْنِ مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ غَايَةَ مَا يَحْصُلُ لِسَيِّدِهِ بِهِ مِنْ النَّفْعِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي أَعْلَى مَا يُحْسِنُهُ مِنْ الصَّنَائِعِ.

[تَنْبِيهٌ لَا قِصَاصَ فِي مَالٍ كَشَقِّ ثَوْبِهِ وَنَحْوِهِ كَكَسْرِ إنَاءٍ]

(تَنْبِيهٌ: لَا قِصَاصَ فِي مَالٍ كَشَقِّ ثَوْبِهِ وَنَحْوِهِ) كَكَسْرِ إنَاءٍ، بَلْ الضَّمَانُ بِالْبَدَلِ وَالْأَرْشِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.

(وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ) (وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ: إسْمَاعِيلُ وَمُوسَى بْنُ سَعِيدٍ والشالنجي وَابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ (يُخَيَّرُ) فِي ذَلِكَ، وَيَأْتِي هَلْ يُقْتَصُّ مِنْ اللَّطْمَةِ وَنَحْوِهَا فِي بَابِ الْقِصَاصِ.

[فَائِدَةٌ غَصَبَ جَمَاعَةٌ مَشَاعًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ]

فَائِدَةٌ: لَوْ غَصَبَ جَمَاعَةٌ مَشَاعًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ كَعَقَارٍ، فَرَدَّ أَحَدُ الْغَاصِبِينَ سَهْمَ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالِكِينَ إلَيْهِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِانْفِرَادُ بِالْمَرْدُودِ، وَكَذَا لَوْ صَالَحُوهُ عَنْهُ بِمَالٍ؛ فَلَيْسَ لَهُ الِانْفِرَادُ بِهِ.
نَقَلَهُ حَرْبٌ، وَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ كَبَيْعِ الْمَشَاعِ انْتَهَى؛ أَيْ: فَيَصِحُّ وَيَطِيبُ لَهُ الْمَالُ، هُوَ ظَاهِرٌ، وَلَعَلَّ رِوَايَةَ حَرْبٍ فِيمَا إذَا صَالَحُوهُ عَنْ سَهْمٍ مُعَيَّنٍ، كَذَا لَوْ كَانَ الْغَاصِبُ لِحِصَصِهِمْ وَاحِدًا.
وَيَصِحُّ غَصْبُ الْمَشَاعِ، فَلَوْ كَانَتْ أَرْضٌ أَوْ دَارٌ لِاثْنَيْنِ فِي يَدِهِمَا، فَنَزَلَ الْغَاصِبُ فِي الْأَرْضِ أَوْ الدَّارِ، فَأَخْرَجَ أَحَدَهُمَا، وَبَقِيَ الْآخَرُ مَعَهُ عَلَى مَا كَانَ مَعَ الْمُخْرَجِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ غَاصِبًا إلَّا نَصِيبَ الْمُخْرَجِ، حَتَّى لَوْ اسْتَغَلَّا الْمِلْكَ أَوْ انْتَفَعَا بِهِ؛ لَمْ يَلْزَمْ الْبَاقِي مِنْهُمَا لِشَرِيكِهِ الْمُخْرَجِ شَيْءٌ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَبْدًا لِاثْنَيْنِ كَفَّ الْغَاصِبُ يَدَ أَحَدِهِمَا عَنْهُ، وَنَزَلَ فِي التَّسَلُّطِ عَلَيْهِ مَوْضِعَهُ مَعَ إقْرَارِ الْآخَرِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ بَاعَاهُ؛ بَطَلَ بَيْعُ الْغَاصِبِ لِلنِّصْفِ، وَصَحَّ بَيْعُ الْآخَرِ كَنِصْفِهِ.
قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ.

[تَتِمَّةٌ غَصَبَ أَثْمَانًا لَا مُؤْنَةَ لِحَمْلِهَا فَطَالَبَهُ الْمَالِكُ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْغَصْبِ]

تَتِمَّةٌ: وَإِنْ غَصَبَ أَثْمَانًا لَا مُؤْنَةَ لِحَمْلِهَا، فَطَالَبَهُ الْمَالِكُ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْغَصْبِ؛ وَجَبَ عَلَى الْغَاصِبِ رَدُّهَا إلَى مَالِكِهَا؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ، وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْ الْمُتَقَوِّمَاتِ كَالثِّيَابِ وَالْعَبِيدِ، وَطَالَبَ بِهِ مَالِكُهُ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْغَصْبِ؛ لِلْحَيْلُولَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَلِحَمْلِهِ مُؤْنَةً، وَقِيمَتُهُ فِي بَلَدِ الْغَصْبِ وَبَلَدِ الطَّلَبِ وَاحِدَةٌ، أَوْ هِيَ أَقَلُّ فِي بَلَدِ الطَّلَبِ؛ فَلِلْمَالِكِ مُطَالَبَتُهُ بِمِثْلِهِ؛ لِلْحَيْلُولَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ بِبَلَدِ الطَّلَبِ أَكْثَرَ مِنْهَا بِبَلَدِ الْغَصْبِ؛ فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ الْمِثْلُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الْغَاصِبِ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقِيمَتِهِ فِي بَلَدِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهَا عَلَى الْغَاصِبِ، وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَتَى قَدَرَ الْغَاصِبُ عَلَى الْمَغْصُوبِ أَوْ

قَدَرَ عَلَى الْمِثْلِ فِي بَلَدِ الْغَصْبِ؛ رَدَّهُ لِلْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ، وَأَخَذَ الْغَاصِبُ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا وَجَبَتْ لِلْحَيْلُولَةِ.
وَقَدْ زَالَتْ.

[فَصْلٌ حُرِّمَ تَصَرُّفُ غَاصِبٍ وَغَيْرِهِ فِي مَغْصُوبٍ]

(فَصْلٌ وَحُرِّمَ تَصَرُّفُ غَاصِبٍ) وَغَيْرِهِ مِمَّنْ عَلِمَ الْحَالَ (فِي مَغْصُوبٍ بِمَا لَيْسَ لَهُ حُكْمٌ مِنْ صِحَّةٍ وَفَسَادٍ) ؛ أَيْ: لَا يَتَّصِفُ بِأَحَدِهِمَا (كَإِتْلَافِ) الْمَغْصُوبِ (وَاسْتِعْمَالِهِ) كَأَكْلِهِ وَلُبْسِهِ وَنَحْوِهِمَا كَرُكُوبِهِ وَحَمْلٍ عَلَيْهِ وَاسْتِخْدَامِهِ وَذَبْحِهِ.
وَلَا يُحَرَّمُ الْمَذْبُوحُ بِذَلِكَ، وَكَسُكْنَى الْعَقَارِ؛ لِحَدِيثِ: «إنَّ أَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .

(وَكَذَا) يَحْرُمُ تَصَرُّفُ غَاصِبٍ وَغَيْرِهِ فِي مَغْصُوبٍ (بِمَا لَهُ حُكْمٌ) ؛ بِأَنْ يُوصَفَ تَارَةً بِالصِّحَّةِ وَتَارَةً بِالْفَسَادِ؛ (كَعِبَادَةٍ) ؛ بِأَنْ يَتَوَضَّأَ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ، أَوْ يَتَيَمَّمَ بِالتُّرَابِ الْمَغْصُوبِ أَوْ فِي الْبُقْعَةِ الْمَغْصُوبَةِ، أَوْ يُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِنْ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ، أَوْ يَحُجَّ مِنْهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ نَحْوِ صَوْمٍ وَذِكْرٍ وَاعْتِقَادٍ؛ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ، (وَكَعَقْدٍ) كَمَا لَوْ بَاعَ الْمَغْصُوبَ، أَوْ أَجَّرَهُ، أَوْ أَعَارَهُ، أَوْ نَكَحَ الْغَاصِبُ، أَوْ أَنْكَحَ الْأَمَةَ الْمَغْصُوبَةَ، أَوْ عَتَقَ الْعَبْدَ الْمَغْصُوبَ، أَوْ وَقَفَ الشِّقْصَ الْمَغْصُوبَ.
(وَلَا يَصِحَّانِ) - أَيْ: عِبَادَةُ الْغَاصِبِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَلَا عَقْدُهُ - فَيَكُونَانِ بَاطِلَيْنِ؛ لِحَدِيثِ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . أَيْ: مَرْدُودٌ.

(وَإِنْ اتَّجَرَ) غَاصِبٌ (بِعَيْنِ مَغْصُوبٍ) ؛ بِأَنْ كَانَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، فَاتَّجِرْ بِهَا، (أَوْ) اتَّجَرَ بِعَيْنِ (ثَمَنِهِ) ؛ بِأَنْ غَصَبَ عَبْدًا، فَبَاعَهُ وَاتَّجَرَ بِثَمَنِهِ، وَظَهَرَ رِبْحٌ وَهُوَ بَاقٍ؛ (فَالرِّبْحُ وَمَا اشْتَرَاهُ) الْغَاصِبُ مِنْ السِّلَعِ لِمَالِكِ الْمَغْصُوبِ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: الرِّبْحُ لِلْمَالِكِ وَالسِّلَعُ الْمُشْتَرَاةُ لَهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِخَبَرِ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ.
وَهَذَا حَيْثُ تَعَذَّرَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إلَى مَالِكِهِ، وَرَدُّ الثَّمَنِ إلَى الْمُشْتَرِي،

وَنَقَلَ حَرْبٌ فِي خَبَرِ عُرْوَةَ إنَّمَا جَازَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَّزَهُ لَهُ، وَحَيْثُ تَعَيَّنَ جَعْلُ الرِّبْحِ لِلْغَاصِبِ أَوْ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَجَعْلُهُ لِلْمَالِكِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ نَفْعِ مَالِهِ الَّذِي فَاتَهُ بِمَنْعِهِ.
(وَلَوْ) كَانَ الشِّرَاءُ بِثَمَنٍ (فِي ذِمَّتِهِ بِنِيَّةِ نَقْدِهِ) الثَّمَنَ مِنْ الْمَغْصُوبِ أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ؛ (ثُمَّ نَقَدَهُ) مِنْهُ؛ فَيَكُونُ الرِّبْحُ (لِمَالِكِ) الْمَغْصُوبِ أَيْضًا، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالْإِقْبَاضُ فَاسِدٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ غَيْرُ مُبْرِئٍ، وَصِحَّةُ الْعَقْدِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، وَمَعَ ذَلِكَ الرِّبْحُ لِلْمَالِكِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: ادْفَعْ إلَيْهِ دَرَاهِمَهُ بِنِتَاجِهَا، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ عَنْ عَيْنٍ وَلَا ذِمَّةٍ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهَذَا الْقَوْلُ يَسْتَلْزِمُ سَلَامَةَ الْعَقْدِ لِلْمَالِكِ، وَقَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ " " وَالْوَجِيزِ " " وَالْمُنَوِّرِ ": إذَا اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ بِنِيَّةِ نَقْدِهَا؛ فَالرِّبْحُ لِلْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِهِ، وَفِي " الْمُبْدِعِ " تَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ صَحِيحَةٌ (حَيْثُ تَعَذَّرَ رَدُّ مَغْصُوبٍ لَهُ) - أَيْ: الْمَالِكِ - (وَ) رَدُّ (ثَمَنٍ لِمُشْتَرٍ) كَأَنْ جُهِلَ دَفْعٌ لَهُ، أَوْ تَلِفَ هُوَ، أَمَّا إذَا كَانَتْ عَيْنُ الْغَصْبِ بَاقِيَةً، وَأَمْكَنَ رَدُّهَا؛ فَصَرِيحُ كَلَامِهِمْ فِي مَوَاضِعِ وُجُوبِ رَدِّهَا وَتَوَابِعِهَا، وَيَأْخُذُ الْمُعْتَاضُ مَا دَفَعَ إلَى الْغَاصِبِ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيَسْتَرِدُّ مُشْتَرٍ وَمُسْتَأْجِرٌ لَمْ يُقِرَّا بِالْمِلْكِ مَا دَفَعَاهُ مِنْ الْمُسَمَّى، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الرِّبْحَ لِلْمَالِكِ.
(وَلَوْ قُلْنَا بِبُطْلَانِ التَّصَرُّفِ) فِيمَا أَدْرَكَهُ الْمَالِكُ بَاقِيًا، وَأَمَّا مَا لَمْ يُدْرِكْهُ فَوَجْهُ تَصْحِيحِهِ أَنَّ الْغَاصِبَ تَطُولُ مُدَّتُهُ، وَتَكْثُرُ تَصَرُّفَاتُهُ فَفِي الْقَضَاءِ بِبُطْلَانِهَا ضَرَرٌ كَثِيرٌ، وَرُبَّمَا عَادَ إلَى الضَّرَرِ عَلَى الْمَالِكِ إذْ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهَا يَقْتَضِي كَوْنَ الرِّبْحِ لِلْمَالِكِ وَالْعِوَضِ بِنَمَائِهِ وَزِيَادَتِهِ، وَالْحُكْمُ بِبُطْلَانِهَا يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَأَمَّا شِرَاءُ الْغَاصِبِ شَيْئًا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ نَقْدِهِ مِنْهُ وَرَبِحَ؛ فَالرِّبْحُ لِلْغَاصِبِ، خِلَافًا لِمَا فِي " الْإِقْنَاعِ "، وَالْقَبْضُ غَيْرُ مُبْرِئٍ لِفَسَادِهِ، وَإِنْ دَفَعَ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ إلَى مَنْ يُضَارِبُ بِهِ؛ فَالْحُكْمُ بِالرِّبْحِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَيْسَ عَلَى الْمَالِكِ مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ

لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْعَمَلِ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُضَارِبُ عَالِمًا بِالْغَصْبِ فَلَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْعَمَلِ، وَلَمْ يَغُرَّهُ أَحَدٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَعَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ عَمَلًا بِعِوَضٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ، فَلَزِمَهُ أَجْرُهُ كَالْعَقْدِ الْفَاسِدِ.
(وَكَذَا) الْحُكْمُ (لَوْ اتَّجَرَ مُودَعٌ فِي الْوَدِيعَةِ) ؛ فَالرِّبْحُ لِمَالِكٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ.

(وَإِنْ اخْتَلَفَا) - أَيْ: الْغَاصِبُ وَالْمَالِكُ - (فِي قِيمَةِ مَغْصُوبٍ) تَلِفَ بِأَنْ قَالَ الْغَاصِبُ: قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، وَقَالَ الْمَالِكُ اثْنَا عَشَرَ؛ فَقَوْلُ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (قَدْرِهِ) - أَيْ: الْمَغْصُوبِ - (أَوْ) فِي (حُدُوثِ عَيْبِهِ، أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (صِنَاعَةٍ فِيهِ) ؛ بِأَنْ قَالَ الْمَالِكُ: كَانَ كَاتِبًا، وَأَنْكَرَهُ الْغَاصِبُ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي (مِلْكِ ثَوْبٍ) عَلَى مَغْصُوبٍ، (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي مِلْكِ (سَرْجٍ عَلَيْهِ) ؛ فَالْقَوْلُ (قَوْلُ غَاصِبٍ) بِيَمِينِهِ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لِلْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ مِنْ الزَّائِدِ، وَعَدَمُ الصِّنَاعَةِ فِيهِ، وَعَدَمُ مِلْكِ الثَّوْبِ أَوْ السَّرْجِ عَلَيْهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا (فِي رَدِّهِ) ، فَقَالَ الْغَاصِبُ: رَدَدْته، وَأَنْكَرَهُ الْمَالِكُ؛ فَقَوْلُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ، (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ (عَيْبٍ فِيهِ) - أَيْ: الْمَغْصُوبِ - حَالَ كَوْنِهِ (تَالِفًا) ؛ بِأَنْ قَالَ الْغَاصِبُ بَعْدَ تَلَفِ الْمَغْصُوبِ: كَانَ فِيهِ - حِينَ غَصَبْته - سِلْعَةٌ أَوْ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ، وَأَنْكَرَهُ مَالِكٌ، وَكَذَلِكَ دَعْوَاهُ أَنَّهُ كَانَ أَعْوَرَ أَوْ أَعْرَجَ أَوْ يَبُولُ فِي الْفِرَاشِ وَنَحْوَ ذَلِكَ (كَطَرَشٍ) - بِفَتْحَتَيْنِ - أَهْوَنُ الصَّمَمِ، وَيُقَالُ: هُوَ مُوَلَّدٌ، أَوْ أَعْمَى؛ (فَقَوْلُ مَالِكٍ) بِيَمِينِهِ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ، وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ زِيَادَةِ قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ فِي وَقْتِ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ الْمَالِكُ: زَادَتْ قَبْلَ تَلَفِهِ، وَقَالَ الْغَاصِبُ: بَعْدَ تَلَفِهِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَإِنْ شَاهَدْت الْبَيِّنَةُ الْعَبْدَ مَعِيبًا عِنْدَ الْغَاصِبِ، وَقَالَ الْمَالِكُ: تَعَيَّبَ عِنْدَك، وَقَالَ الْغَاصِبُ: بَلْ كَانَ الْعَيْبُ فِيهِ قَبْلَ غَصْبِهِ؛ فَقَوْلُ الْغَاصِبِ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ صِفَةَ الْعَبْدِ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِهِ عَيْبٌ، وَادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا حُدُوثَهُ عِنْدَ الْآخَرِ؛ فَقَوْلُ غَاصِبٍ بِيَمِينِهِ.

(وَمَنْ بِيَدِهِ نَحْوُ غُصُوبٍ) لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ أَوْ عَرَفَ رَبَّهَا، وَشَقَّ دَفْعُهُ إلَيْهِ وَهُوَ يَسِيرٌ كَحَبَّةٍ، أَوْ كَانَ بِيَدِهِ (رُهُونٌ) لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا، وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: أَوْ عَلِمَ الْمُرْتَهِنُ رَبَّ الْمَالِ، لَكِنَّهُ أَيِسَ مِنْهُ (أَوْ) بِيَدِهِ (أَمَانَاتٌ) مِنْ وَدَائِعَ وَغَيْرِهَا (لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا) أَوْ لِحِرَفِهِمْ وَفُقِدُوا وَلَيْسَ لَهُمْ وَرَثَةٌ، (فَسَلَّمَهَا) - أَيْ: الْغُصُوبَ أَوْ الرُّهُونَ أَوْ الْأَمَانَاتِ الَّتِي لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا - (إلَى حَاكِمٍ، وَيَلْزَمُهُ) - أَيْ: الْحَاكِمَ - (قَبُولُهَا؛ بَرِئَ) بِتَسْلِيمِهَا لِلْحَاكِمِ (مِنْ عُهْدَتِهَا) بِلَا نِزَاعٍ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْحَاكِمِ لَهَا قَائِمٌ مَقَامَ قَبْضِ أَرْبَابِهَا لَهَا؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُمْ.
(وَلَهُ) - أَيْ: مَنْ بِيَدِهِ الْغُصُوبُ وَنَحْوُهَا إنْ لَمْ يَدْفَعْهَا لِلْحَاكِمِ - (الصَّدَقَةُ بِهَا مِنْهُمْ) - أَيْ: عَنْ أَرْبَابِهَا بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ - لِأَنَّ الْمَالَ يُرَادُ لِمَصْلَحَةِ الْمَعَاشِ أَوْ الْمَعَادِ، وَمَصْلَحَةُ الْمَعَادِ أَوْلَى الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَقَدْ تَعَيَّنَتْ هَا هُنَا؛ لِتَعَذُّرِ الْأُخْرَى.
وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: يُعْجِبُنِي الصَّدَقَةُ بِهَا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إذَا كَانَ بِيَدِ الْإِنْسَانِ غُصُوبٌ أَوْ عَوَارِي أَوْ وَدَائِعُ أَوْ رُهُونٌ قَدْ يَئِسَ مِنْ مَعْرِفَةِ أَصْحَابِهَا؛ فَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْهُمْ، فَإِنَّ حَبْسَ الْمَالِ دَائِمًا لِمَنْ لَا يُرْجَى لَا فَائِدَةَ فِيهِ، بَلْ هُوَ تَعْرِيضٌ لِهَلَاكِ الْمَالِ وَاسْتِيلَاءِ الظُّلْمَةِ عَلَيْهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَدْ اشْتَرَى جَارِيَةً، فَدَخَلَ بَيْتَهُ لِيَأْتِيَ بِالثَّمَنِ فَخَرَجَ فَلَمْ يَجِدْ الْبَائِعَ فَجَعَلَ يَطُوفُ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَيَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ بِالثَّمَنِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ عَنْ رَبِّ الْجَارِيَةِ.
وَكَذَلِكَ أَفْتَى بَعْضُ التَّابِعِينَ، مَنْ غَلَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَتَابَ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ عَنْهُمْ، وَرَضِيَ بِهَذِهِ الْفُتْيَا أَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ كَمُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَجْهُولَ فِي الشَّرِيعَةِ كَالْمَعْدُومِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَاَللَّهُ إذَا أَمَرَنَا بِأَمْرٍ كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ، فَمَا عَجَزْنَا عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ سَقَطَ عَنَّا.
انْتَهَى.
وَقَالَ (فِي " الْغُنْيَةِ " يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ) - أَيْ: التَّصَدُّقُ بِهَا.
(وَيَتَّجِهُ حَمْلُهُ) - أَيْ: لُزُومِ التَّصَدُّقِ - (مَعَ عَدَمِ حَاكِمٍ أَهْلٍ) لِلِائْتِمَانِ كَحُكَّامِنَا الْآنَ، فَإِنْ وُجِدَ حَاكِمٌ أَهْلٌ وَهُوَ أَنْدَرُ مِنْ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ، فَلَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِهَا، بَلْ يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ دَفْعِهَا إلَيْهِ لِيَبْرَأَ مِنْ عُهْدَتِهَا وَبَيْنَ الصَّدَقَةِ بِهَا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(بِشَرْطِ ضَمَانِهَا) لِأَرْبَابِهَا إذَا عَرَفَهُمْ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ بِدُونِ الضَّمَانِ إضَاعَةٌ لِمَالِ الْمَالِكِ.
لَا عَلَى وَجْهِ بَدَلٍ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَهُ شِرَاءُ عَرَضٍ بِنَقْدٍ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ مُحَابَاةُ قَرِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ.
نَصَّ عَلَيْهَا.
وَكَذَا حُكْمُ مَسْرُوقٍ وَنَحْوِهِ؛ (كَلُقَطَةٍ) حَرُمَ الْتِقَاطُهَا، وَلَمْ يُعَرِّفْهَا، فَيَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْ رَبِّهَا بِشَرْطِ الضَّمَانِ، أَوْ يَدْفَعُهَا لِلْحَاكِمِ الْأَهْلِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِذَا أُنْفِقَتْ كَانَتْ لِمَنْ يَأْخُذُ بِالْحَقِّ مُبَاحَةً؛ كَمَا أَنَّهَا عَلَى مَنْ يَأْكُلُهَا بِالْبَاطِلِ مُحَرَّمَةٌ، وَبِكُلِّ حَالٍ تَرْكُ الْأَخْذِ أَجْوَدُ مِنْ الْقَبُولِ، وَإِذَا صَحَّ الْأَخْذُ كَانَ أَفْضَلَ، أَعْنِي الْأَخْذُ وَالصَّرْفُ إلَى الْمُحْتَاجِينَ مِنْ النَّاسِ إلَّا إذَا كَانَ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَهُنَا التَّرْكُ أَوْلَى.
(وَيَسْقُطُ عَنْهُ) - أَيْ: الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ وَنَحْوِهِ - (إثْمُ الْغَصْبِ) أَوْ السَّرِقَةِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِعَجْزِهِ عَنْ الرَّدِّ؛ لِجَهْلِهِ بِالْمَالِكِ وَثَوَابُهَا لِأَرْبَابِهَا، وَفِي الصَّدَقَةِ بِهَا عَنْهُمْ جَمْعٌ بَيْنَ مَصْلَحَةِ الْغَاصِبِ بِتَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ وَمَصْلَحَةِ الْمَالِكِ بِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ لَهُ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: يَتَصَدَّقُ أَوْ يَشْتَرِي بِهِ كُرَاعًا أَوْ سِلَاحًا [يُوقَفُ هُوَ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ.
وَسَأَلَهُ جَعْفَرٌ عَمَّنْ بِيَدِهِ أَرْضٌ أَوْ كَرْمٌ لَيْسَ] أَصْلُهُ طَيِّبًا وَلَا يَعْرِفُ رَبَّهُ.
قَالَ: يُوقِفُهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَسَأَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ عَمَّنْ مَاتَ، وَكَانَ يَدْخُلُ فِي أُمُورٍ تُكْرَهُ، فَيُرِيدُ بَعْضُ وَلَدِهِ التَّنَزُّهَ، فَقَالَ: إذَا وَقَفَهَا عَلَى

الْمَسَاكِينِ، فَأَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ عَلَيْهِ؟ وَاسْتَحْسَنَ أَنْ يُوقِفَهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَيَتَوَجَّهُ عَلَى أَفْضَلِ الْبِرِّ.
قَالَ (ابْنُ رَجَبٍ وَعَلَيْهِ) - أَيْ: عَلَى هَذَا الْأَصْلِ - وَهُوَ قَوْلُهُ: وَمَنْ بِيَدِهِ نَحْوُ غُصُوبٍ أَوْ أَمَانَاتٍ إلَى آخِرِهِ - (يَتَخَرَّجُ جَوَازُ أَخْذُ الْفُقَرَاءِ الصَّدَقَةَ مِنْ يَدِ [مَنْ] مَالُهُ حَرَامٌ؛ كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ) . وَأَفْتَى الْقَاضِي بِجَوَازِهِ.
وَيَتَّجِهُ جَوَازُ الْأَخْذِ مِنْ يَدِ [مَنْ] مَالُهُ حَرَامٌ - (وَلَوْ بِغَيْرِ صَدَقَةٍ) - كَالْأَخْذِ عَلَى وَجْهِ الشِّرَاءِ مِنْهُ (وَالْهِبَةُ) حَيْثُ جُهِلَ حَالُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا بِيَدِ الْمُسْلِمِ أَنَّهُ مِلْكُهُ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَدْ غَصْبَهَا هُوَ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْقَابِضُ كَانَ جَاهِلًا بِذَلِكَ، وَالْمَجْهُولُ كَالْمَعْدُومِ.
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَيَتَّجِهُ (أَنَّ مِثْلَهُ) - أَيْ: الْمَذْكُورِ - مِنْ الْمَالِ الْحَرَامِ (كُلُّ مَالٍ جُهِلَ أَرْبَابُهُ، وَصَارَ مَرْجِعُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ كَالْمُكُوسِ) وَالْغُصُوبِ وَالْخِيَانَاتِ وَالسَّرِقَةِ الْمَجْهُولِ أَرْبَابُهَا؛ فَيَجُوزُ لِلْفُقَرَاءِ أَخْذُهَا صَدَقَةً، وَيَجُوزُ أَخْذُهَا لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ هِبَةً وَشِرَاءَ وَوَفَاءً عَنْ أُجْرَةٍ، سِيَّمَا إنْ أَعْطَاهَا الْغَاصِبُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ حَالَهُمْ، كَأَنْ قَبَضَهُ لَهَا بِحَقٍّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَلَيْسَ لَهُ) - أَيْ: لِمَنْ بِيَدِهِ الْغُصُوبُ وَالرُّهُونُ وَالْأَمَانَاتُ الْمَجْهُولُ أَرْبَابُهَا - (التَّوَسُّعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا) مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ نَصَّ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ عَرَفَ أَرْبَابَهَا) - وَكَانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِهَا الْغَاصِبُ وَنَحْوُهُ - خُيِّرُوا بَيْنَ الْأَجْرِ وَالْأَخْذِ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ، فَإِنْ اخْتَارُوا الْأَجْرَ، (وَجَازُوا الصَّدَقَةَ فَالثَّوَابُ لَهُمْ) ؛ لِتَرَتُّبِهِ عَلَى مِلْكِهِمْ، وَإِلَّا يُجِيزُوهَا وَأَغْرَمُوا ثَمَنَهَا لِمَنْ تَصَدَّقَ بِهَا، فَالثَّوَابُ (لِغَارِمٍ) عَمَّا تَصَدَّقَ بِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَالِكِ - إذَا عَرَفَ - رَدُّ مَا فَعَلَهُ مَنْ كَانَتْ الْغُصُوبُ وَنَحْوُهَا بِيَدِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ؛ لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ لَهُ شَرْعًا.

(وَيَتَصَدَّقُ) مَدْيُونٌ (بِدُيُونٍ عَلَيْهِ جَهِلَ أَرْبَابَهَا بِبَلَدِهِ) الَّتِي اسْتَدَانَ مِنْ أَهْلِهَا (نَصًّا) . قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: [الدُّيُونُ الْمُسْتَحَقَّةُ كَالْأَعْيَانِ] يَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْ مُسْتَحَقِّيهَا، وَنَصُّهُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدَائِعُ، فَوَكَّلَ فِي دَفْعِهَا ثُمَّ مَاتَ، وَجُهِلَ رَبُّهَا، وَأَيِسَ مِنْ الْإِطْلَاعِ عَلَيْهِ يَتَصَدَّقُ بِهَا الْوَكِيلُ وَوَرَثَةُ الْمُوَكِّلِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ صَاحِبُهَا فِيهِ حَيْثُ يَرَوْنَ أَنَّهُ كَانَ، وَهُمْ ضَامِنُونَ إذَا ظَهَرَ لَهُ وَارِثٌ، وَاعْتِبَارُ الصَّدَقَةِ فِي مَوْضِعِ الْمِلْكِ مَعَ الْجَهْلِ بِهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْغَصْبِ وَفِي مَالِ الشُّبْهَةِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ جَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ إذَا جُهِلَ الْقَاتِلُ، وَوَجْهُ الْحُجَّةِ مِنْهُ أَنَّ الْغُرْمَ إنَّمَا اخْتَصَّ بِأَهْلِ الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ الْجَانِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْجَانِيَ أَوْ عَاقِلَةَ الْمُخْتَصِّينَ بِالْغُرْمِ لَا يَخْلُو الْمَكَانُ عَنْهُمْ فَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ بِالْمَالِ الْمَجْهُولِ مَالِكُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ بِأَهْلِ مَكَانِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى وُصُولِ الْمَالِ إلَيْهِ إنْ كَانَ مَوْجُودًا، أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ، وَيُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْفُقَرَاءُ، لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ، كَمَا يُرَاعَى فِي وَضْعِ الدِّيَةِ الْفَتَى.
وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِرَجُلٍ وَمَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ لِلنَّاسِ: يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ أَنَّهُ يَبْرَأُ بَاطِنًا، وَإِذَا أَرَادَ مَنْ بِيَدِهِ عَيْنٌ جَهِلَ مَالِكَهَا أَنْ يَتَمَلَّكَهَا، وَيَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهَا عَنْ مَالِكِهَا، فَنَقَلَ صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ الْجَوَازَ فِيمَنْ اشْتَرَى آجُرًّا وَعَلِمَ أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَهُ مَا لَا يَمْلِكُ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ أَرْبَابٌ: أَرْجُو إنْ أَخْرَجَ قِيمَةَ الْآجُرِّ فَتَصَدَّقَ بِهِ أَنْ يَنْجُوَ مِنْ إثْمِهِ.

(وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُبَاحٍ) ؛ بِأَنْ عَدِمَ الْمُبَاحَ (لَمْ يَأْكُلْ مِنْ حَرَامٍ مَا) - أَيْ: شَيْئًا - (لَهُ غُنْيَةً عَنْهُ؛ كَحَلْوَى وَفَاكِهَةٍ) . قَالَهُ النَّوَوِيُّ: وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ " (وَيَأْكُلُ عَادَتَهُ) ؛ إذْ لَا مُبِيحَ لِلزِّيَادَةِ عَمَّا تَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهُ.
.

(وَمَنْ نَوَى جَحْدَ مَا بِيَدِهِ مِنْ ذَلِكَ) - أَيْ: مِنْ الْغُصُوبِ وَالْأَمَانَاتِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا - (أَوْ) نَوَى جَحْدَ (حَقٍّ) - أَيْ: دَيْنٍ - (عَلَيْهِ فِي حَيَاةِ رَبِّهِ؛ فَثَوَابُهُ لَهُ) ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ جَحْدِهِ قَائِمَةٌ مَقَامَ إتْلَافِهِ إذَنْ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ لِوَرَثَةِ رَبِّهِ بِمَوْتِهِ، فَكَانَ ثَوَابُهُ لَهُ، (وَإِلَّا) يَنْوِ جَحْدَهُ حَتَّى مَاتَ رَبُّهُ فَثَوَابُهُ (لِوَرَثَتِهِ) . نَقَلَهُ ابْنُ الْحَكَمِ لِأَنَّهُ إنَّمَا عُدِمَ عَلَيْهِمْ.

(وَلَوْ نَدِمَ) غَاصِبٌ عَلَى مَا فَعَلَهُ وَقَدْ مَاتَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، (وَرَدَّ مَا غَصَبَهُ عَلَى الْوَرَثَةِ بَرِئَ مِنْ إثْمِهِ) ؛ أَيْ: إثْمِ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ؛ لِوُصُولِهِ لِلْمُسْتَحِقِّ، وَلَا يَبْرَأُ (مِنْ إثْمِ الْغَصْبِ) ، بَلْ يَبْقَى عَلَيْهِ إثْمُ مَا أَدْخَلَ عَلَى قَلْبِ مَالِكِهِ مِنْ أَلَمِ الْغَصْبِ وَمَضَرَّةِ الْمَنْعِ مِنْهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، (فَيَفْتَقِرُ لِتَوْبَةٍ) ؛ إذْ لَا يَزُولُ إثْمُ ذَلِكَ إلَّا بِهَا، هَذَا مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ.
وَذَكَرَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: أَنَّ بِالضَّمَانِ وَالْقَضَاءِ بِلَا تَوْبَةٍ يَزُولُ حَقُّ الْآدَمِيِّ، وَيَبْقَى مُجَرَّدُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَذَكَرَ الْمَجْدُ فِيمَنْ أَدَانَ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَهُ، فَيَعْجِزُ لَا يُطَالَبُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، وَقَالَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ فِيمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مَحِلُّ وِفَاقٍ.
.

(وَلَوْ رَدَّهُ) - أَيْ: الْمَالَ الْمَغْصُوبَ وَنَحْوَهُ (وَرَثَةُ غَاصِبٍ) بَعْدَ مَوْتِهِ وَمَوْتِ مَالِكِهِ (لِوَرَثَةِ مَغْصُوبٍ مِنْهُ؛ فَلَهُ) - أَيْ: الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَنَحْوِهِ (مُطَالَبَتُهُ) - أَيْ: الْغَاصِبِ وَنَحْوِهِ - (فِي الْآخِرَةِ) نَصًّا؛ لِأَنَّ الْمَظَالِمَ لَوْ انْتَقَلَتْ لَمَا اسْتَقَرَّ لِمَظْلُومٍ حَقٌّ فِي الْآخِرَةِ، وَلِأَنَّهَا ظِلَامَةٌ عَلَى مَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْهَا بِرَدٍّ وَلَا تَبْرِئَةٍ، فَلَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ بِرَدِّ غَيْرِهِ لَهَا إلَى غَيْرِ الْمَظْلُومِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَرِثَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ، فَتَصَدَّقُوا بِالْغَصْبِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ.

[فَرْعٌ يَجِبُ عَلَى غَاصِبٍ بِلَا عُذْرٍ يَمْنَعُهُ مِنْ الرَّدِّ رَدُّ مَغْصُوبٍ فَوْرًا]

(فَرْعٌ: يَجِبُ) عَلَى غَاصِبٍ (بِلَا عُذْرٍ) يَمْنَعُهُ مِنْ الرَّدِّ؛ كَخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَا بِيَدِهِ مِنْ مَغْصُوبٍ وَغَيْرِهِ إنْ ظَهَرَ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَوْ يُعَاقَبُ (رَدُّ مَغْصُوبٍ فَوْرًا) مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ؛ لِأَنَّهُ يَأْثَمُ بِاسْتِدَامَتِهِ تَحْتَ يَدِهِ؛ لِحَيْلُولَتِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، (فَلَا تَصِحُّ تَوْبَتُهُ) - أَيْ: الْغَاصِبِ - (بِدُونِهِ) - أَيْ: الرَّدِّ - إذْ تَوْبَتُهُ مَعَ بَقَائِهِ تَحْتَ يَدِهِ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا.

(وَلَوْ أَلْقَى نَحْوُ رِيحٍ) كَطَائِرٍ (ثَوْبَ غَيْرِهِ بِدَارِهِ) ؛ لَزِمَ حِفْظُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ بِيَدِهِ إلَى أَنْ يَرُدَّهُ إلَى رَبِّهِ، فَإِنْ عَرَفَ رَبُّ الدَّارِ صَاحِبَ الثَّوْبِ (أَعْلَمَهُ بِهِ فَوْرًا) مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ، (وَإِلَّا) يَعْلَمُهُ فَوْرًا وَتَلِفَ الثَّوْبُ؛ (ضَمِنَهُ) رَبُّ الدَّارِ إنْ مَضَى زَمَنٌ يَتَأَتَّى فِيهِ إعْلَامُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْفِظْهُ، (فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ) - أَيْ: رَبُّ الدَّارِ صَاحِبَ الثَّوْبِ - فَهُوَ (لُقَطَةٌ) تَجْرِي فِيهِ أَحْكَامُهَا عَلَى مَا يَأْتِي.
(وَكَذَا) حُكْمُ (طَائِرٍ) أَلْقَتْهُ رِيحٌ أَوْ طِفْلٍ أَوْ مَجْنُونٍ بِدَارِهِ، وَهُوَ (غَيْرُ مُمْتَنِعٍ) ؛ كَمَقْصُوصِ الْجُنَاحِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْفِرَارِ مِنْ قَاصِدِهِ؛ يَجِبُ إعْلَامُ رَبِّهِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ حَتَّى تَلِفَ ضَمِنَهُ إنْ عَرَفَ رَبَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَلُقَطَةٌ، وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا لَمْ يَلْزَمْهُ حِفْظُهُ وَلَا إعْلَامُ صَاحِبِهِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُمْتَنِعًا.
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ دَخَلَ طَيْرٌ مَمْلُوكٌ بُرْجَهُ فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ نَاوِيًا إمْسَاكَهُ لِنَفْسِهِ؛ ضَمِنَهُ؛ لِتَعَدِّيهِ، وَإِنْ لَمْ يُغْلِقْ عَلَيْهِ أَوْ أَغْلَقَهُ غَيْرَ نَاوٍ إمْسَاكَهُ لِنَفْسِهِ؛ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، أَوْ نَوَى إمْسَاكَهُ لِرَبِّهِ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ، وَهُوَ فِي الْأَخِيرَةِ مُحْسِنٌ، لَكِنْ عَلَيْهِ إعْلَامُهُ فَوْرًا إنْ عَلِمَهُ كَمَا سَبَقَ.

[فَصْلٌ فِيمَا يُضْمَنُ بِهِ مِنْ الْمَالِ بِلَا غَصْبٍ]

(فَصْلٌ: فِيمَا يُضْمَنُ) مِنْ الْمَالِ (بِلَا غَصْبٍ: مَنْ أَتْلَفَ) مِنْ مُكَلَّفٍ أَوْ غَيْرِهِ إنْ لَمْ يَدْفَعْهُ رَبُّهُ إلَيْهِ - وَلَوْ كَانَ الْإِتْلَافُ (سَهْوًا) أَوْ خَطَأً - (مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيْرِهِ) - أَيْ: الْمُتْلِفِ - (بِلَا إذْنِ رَبِّهِ، وَمِثْلُهُ) - أَيْ: الْمُتْلِفِ - (يَضْمَنُهُ؛ ضَمِنَهُ) ؛ أَيْ: ضَمِنَ الْمُتْلِفُ مَا أَتْلَفَهُ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ كَمَا لَوْ غَصَبَهُ فَتَلِفَ عِنْدَهُ، وَاحْتُرِزَ بِالْمَالِ عَنْ السِّرْجِينِ النَّجِسِ وَالْكَلْبِ وَنَحْوِهِمَا، وَبِالْمُحْتَرَمِ عَنْ الصَّلِيبِ وَآلَاتِ اللَّهْوِ كَالْمِزْمَارِ وَالطُّنْبُورِ وَنَحْوِهِمَا، وَبِقَوْلِهِ لِغَيْرِهِ عَمَّا هُوَ لِنَفْسِهِ، وَبِقَوْلِهِ بِلَا إذْنِ رَبِّهِ عَمَّا أَذِنَ

مَالِكُهُ الْمُطْلَقُ التَّصَرُّفِ فِي إتْلَافِهِ، فَإِنَّ الْمُتْلِفَ حِينَئِذٍ يَكُونُ وَكِيلًا عَنْ مَالِكِهِ فِي الْإِتْلَافِ، وَبِقَوْلِهِ وَمِثْلُهُ يَضْمَنُهُ، عَمَّا يُتْلِفُهُ أَهْلُ الْعَدْلِ مِنْ مَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَعَكْسُهُ حَالَ الْحَرْبِ، وَعَمَّا يُتْلِفُ الْمُسْلِمُ مِنْ مَالِ الْحَرْبِيِّ وَالْحَرْبِيُّ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ، وَعَمَّا يُتْلِفُهُ الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ مِنْ مَالٍ دَفَعَهُ إلَيْهِمَا مَالِكُهُ، وَعَمَّا يُتْلِفُهُ الْآدَمِيُّ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ وَمَا يُتْلِفُهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ كَمَا لَوْ صَالَ عَلَيْهِ رَقِيقٌ أَوْ بَهِيمَةٌ لِمَعْصُومٍ.

(وَإِنْ أُكْرِهَ) إنْسَانٌ عَلَى إتْلَافِ مَالِ غَيْرِهِ الْمَضْمُونِ؛ (فَمُكْرِهُهُ) يَضْمَنُهُ.

(وَلَوْ) أُكْرِهَ (عَلَى إتْلَافِ مَالِ نَفْسِهِ) - أَيْ: مَالِ الْمُتْلِفِ - ضَمِنَهُ الْمُكْرِهُ أَيْضًا؛ كَإِكْرَاهِهِ عَلَى دَفْعِ الْوَدِيعَةِ إلَى غَيْرِ رَبِّهَا؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ مِنْ الْمُكْرِهِ، وَأَمَّا الْمُكْرَهُ فَهُوَ كَالْآلَةِ وَلِإِبَاحَةِ إتْلَافِهِ وَوُجُوبِهِ، بِخِلَافِ قَتْلٍ وَلَمْ يَخْتَرْهُ؛ فَيَضْمَنُهُ؛ لِمُبَاشَرَتِهِ مَا فِيهِ إبْقَاءُ نَفْسِهِ، وَبِخِلَافِ مُضْطَرٍّ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ، وَيَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمُضْطَرَّ لَمْ يُلْجِئْهُ إلَى الْإِتْلَافِ مَنْ يُحَالُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَلَا يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ إنْ كَانَ (غَيْرَ مَالٍ؛ كَكَلْبٍ) ؛ وَلَوْ لِمَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ، أَوْ أَتْلَفَ مَالَ نَفْسِهِ بِاخْتِيَارِهِ، أَوْ أَتْلَفَ مَالًا (بِإِذْنِ رَبِّهِ الرَّشِيدِ) ، فَلَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ فِي الْإِتْلَافِ، (أَوْ أَتْلَفَ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ؛ كَصَائِلٍ) عَلَيْهِ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ - وَلَوْ آدَمِيًّا، وَيَأْتِي، وَكَذَا لَا يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَ (قِنٌّ مُرْتَدٌّ) قَبْلَ تَوْبَتِهِ حَيْثُ قُبِلَتْ، (أَوْ حَالَ قَطْعِهِ الطَّرِيقَ) ، سَوَاءٌ كَانَ بِالْعُمْرَانِ أَوْ بِالْبَرِّيَّةِ، وَمِثْلُهُ مُتْلِفُ (مَالٍ حَرْبِيٍّ وَآلَةِ لَهْوٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُحْتَرَمَيْنِ.
(وَلَا يَضْمَنُهُ مِثْلُهُ؛ كَمُتْلِفٍ حَالَ قِتَالِ بُغَاةٍ) ؛ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا، (أَوْ دَفَعَ) مَالِهِ (لِغَيْرِ رَشِيدٍ) ؛ فَلَا يَضْمَنُ الْمُتْلِفُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ إجْمَالًا مِمَّا تَقَدَّمَ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى صُوَرٍ مِنْ غَيْرِ الْمُحْتَرَمِ، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يَضْمَنُ مَا (أَتْلَفَهُ أَبٌ) مِنْ مَالِ ابْنِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ حَالَ حَيَاتِهِ، فَأَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ تَرِكَتِهِ؛ كَمَا يَأْتِي فِي الْهِبَةِ.

(وَمَنْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ) مَمْلُوكٍ مُحْتَرَمٍ، فَفَاتَ، أَوْ أَتْلَفَ شَيْئًا؛ ضَمِنَهُ،

أَوْ فَتَحَ إصْطَبْلَ حَيَوَانٍ، (أَوْ حَلَّ قَيْدَ قِنٍّ أَوْ أَسِيرٍ، أَوْ دَفَعَ) لِلْقِنِّ أَوْ الْأَسِيرِ (مِبْرَدًا، فَبَرَدَهُ) - أَيْ: الْقَيْدَ وَفَاتَ، أَوْ أَتْلَفَ شَيْئًا ضَمِنَهُ، (أَوْ حَلَّ فَرَسًا، أَوْ حَلَّ سَفِينَةً، أَوْ بَهِيمَةً غَيْرَ ضَارِيَةٍ لَيْلًا) لَا نَهَارًا إذْ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ حِفْظَهَا مِنْ الدَّوَابِّ بِالنَّهَارِ، (فَفَاتَ) ذَلِكَ، بِأَنْ ذَهَبَ الطَّائِرُ مِنْ الْقَفَصِ، أَوْ دَخَلَ إلَيْهِ حَيَوَانٌ فَقَتَلَهُ، أَوْ هَرَبَ الْقِنُّ أَوْ الْأَسِيرُ، أَوْ شَرَدَتْ الْفَرَسُ وَنَحْوُهَا؛ وَغَرِقَتْ السَّفِينَةُ لِعُصُوفِ رِيحٍ أَوَّلًا، أَوْ عَقَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِسَبَبِ إطْلَاقِهِ؛ بِأَنْ كَانَ الطَّيْرُ جَارِحًا، فَقَلَعَ عَيْنَ حَيَوَانٍ.
وَكَذَا لَوْ حَلَّ سِلْسِلَةَ فَهْدٍ، فَقَتَلَ أَوْ عَقَرَ؛ ضَمِنَهُ.
(أَوْ أَتْلَفَ) الطَّائِرُ أَوْ الْقِنَّ أَوْ الْغَرْسَ وَنَحْوَهُ (شَيْئًا) ؛ كَأَنْ كَسَرَ إنَاءً، أَوْ قَتَلَ إنْسَانًا وَنَحْوَهُ، أَوْ أَتْلَفَ مَالًا، أَوْ أَتْلَفَتْ الدَّابَّةُ الَّتِي حَلَّهَا زَرْعًا أَوْ غَيْرَهُ، أَوْ انْحَدَرَتْ السَّفِينَةُ الَّتِي حَلَّهَا عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَتْهُ وَنَحْوَهُ؛ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ إنَّمَا حَصَلَتْ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ إحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ نَفَّرَ الطَّائِرَ، وَأَهَاجَ الدَّابَّةَ وَأَشْلَى كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ، فَقَتَلَهُ، أَوْ أَطْلَقَ نَارًا فِي مَتَاعِ إنْسَانٍ فَإِنَّ لِلنَّارِ فِعْلًا، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ إحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَلِأَنَّ الطَّائِرَ وَسَائِرَ الصَّيْدِ مِنْ طَبْعِهِ النُّفُورُ، وَإِنَّمَا يَبْقَى بِالْمَانِعِ، فَإِذَا أُزِيلَ الْمَانِعُ ذَهَبَ لِطَبْعِهِ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ أَزَالَ الْمَانِعَ؛ كَمَنْ قَطَعَ عَلَّاقَةَ قِنْدِيلٍ، فَوَقَعَ، فَانْكَسَرَ، وَهَكَذَا حَلَّ قَيْدَ الْعَبْدِ أَوْ الْأَسِيرِ.
قَالَ فِي " الْفُنُونِ ": إلَّا مَا كَانَ مِنْ الطُّيُورِ يَأْلَفُ الرَّوَاحَ وَيَعْتَادُ الْعَوْدَ؛ فَلَا ضَمَانَ فِي إطْلَاقِهِ، (أَوْ حَلَّ وِكَاءَ) - بِكَسْرِ الْوَاوِ - وَهُوَ حَبْلٌ يُرْبَطُ بِهِ نَحْوُ الْقِرْبَةِ (زِقٍّ) - بِكَسْرِ الزَّايِ - أَيْ: ظَرْفٍ (مَائِعٍ) فَانْدَفَقَ، أَوْ حَلَّ وِكَاءُ زِقٍّ (جَامِدٍ، فَأَذَابَتْهُ الشَّمْسُ) ، فَانْدَفَقَ؛ ضَمِنَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَذَابَتْهُ نَارٌ قَرَّبَهَا إلَيْهِ غَيْرُهُ، فَإِنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ يَضْمَنُهُ مُقَرِّبُ النَّارِ.
ذَكَرَهُ الْمَجْدُ.
(أَوْ بَقِيَ) الزِّقُّ (بَعْدَ حَلِّهِ) مُنْتَصِبًا، (فَأَلْقَتْهُ رِيحٌ، أَوْ) أَلْقَاهُ (نَحْوُ طَيْرٍ) كَحَيَوَانٍ أَوْ زَلْزَلَةٍ، (فَانْدَفَقَ) ، فَخَرَجَ مَا فِيهِ كُلُّهُ فِي الْحَالِ، أَوْ خَرَجَ قَلِيلًا قَلِيلًا، أَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَلَّ أَسْفَلَهُ، فَسَقَطَ، فَانْدَفَقَ، أَوْ ثَقُلَ أَحَدُ جَانِبَيْهِ

بَعْدَ حَلٍّ فِي وِكَائِهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَمِيلُ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى سَقَطَ، (أَوْ هَتَكَ حِرْزًا) ، فَسَرَقَ اللِّصُّ مَا دَاخِلَهُ؛ (ضَمِنَهُ) لِتَسَبُّبِهِ فِي تَلَفِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ تَعَقَّبَ ذَلِكَ فِعْلَهُ أَوْ تَرَاخَى عَنْهُ؛ فَالْقَرَارُ عَلَى السَّارِقِ.

وَلَا يَضْمَنُ (دَافِعُ مِفْتَاحٍ) نَحْوِ دَارٍ فِيهَا مَالٌ (لِلِّصِّ) مَا سَرَقَهُ اللِّصُّ مِنْ الْمَالِ؛ لِمُبَاشَرَةِ اللِّصِّ لِلسَّرِقَةِ؛ فَهُوَ أَوْلَى بِإِحَالَةِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مِنْ الْمُتَسَبِّبِ.

(أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يَضْمَنُ (حَابِسُ مَالِكِ دَوَابِّ، فَتَلِفَ) الدَّوَابُّ بِسَبَبِ حَبْسِهِ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْحَبْسِ بِحَقٍّ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَيَتَّجِهُ ضَمَانُهُ) - أَيْ: الْغَاصِبِ - (لَوْ حَبَسَهُ) ؛ أَيْ: حَبَسَ إنْسَانًا (عَنْ طَعَامِهِ) بَعْدَ جَعْلِهِ عَلَى النَّارِ أَوْ بَعْدَ وَضْعِ خُبْزِهِ فِي التَّنُّورِ، (فَاحْتَرَقَ) الطَّعَامُ أَوْ الْخُبْزُ بِسَبَبِ مَنْعِهِ عَنْهُ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
.

(وَلَوْ بَقِيَ الطَّائِرُ) الَّذِي فَتَحَ قَفَصَهُ (وَاقِفًا، أَوْ) بَقِيَتْ (الْفَرَسُ) الَّتِي حَلَّهَا وَاقِفَةً (حَتَّى نَفَّرَهُمَا) إنْسَانٌ (آخَرُ) ، فَذَهَبَا، (وَيَتَّجِهُ) أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ (قَاصِدًا) تَنْفِيرَهُمَا، وَلَا يَضْمَنُ الْمَارُّ إنْ نَفَرَا بِسَبَبِ (مُرُورِهِ) حَيْثُ لَا صُنْعَ لَهُ فِي التَّنْفِيرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
فَإِنْ نَفَّرَهُمَا (ضَمِنَ الْمُنَفِّرُ) ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ أَخَصُّ، فَاخْتَصَّ الضَّمَانُ بِهِ كَدَافِعِ الْوَاقِعِ فِي الْبِئْرِ مَعَ حَافِرِهَا.
وَكَذَا لَوْ حَلَّ

إنْسَانٌ حَيَوَانًا، وَحَرَّضَهُ آخَرُ فَجَنَى؛ فَضَمَانُ جِنَايَتِهِ عَلَى الْمُحَرِّضِ، (لَا إنْ طَارَ) الطَّائِرُ الَّذِي فَتَحَ قَفَصَهُ، (وَوَقَفَ) عَلَى جِدَارٍ وَنَحْوِهِ، (فَنَفَّرَهُ) آخَرُ صَاحِبُ الْجِدَارِ أَوْ غَيْرِهِ، فَطَارَ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُنَفِّرُ؛ لِأَنَّ تَنْفِيرَهُ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِفَوَاتِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ مُمْتَنِعًا قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنْ رَمَاهُ إنْسَانٌ، فَقَتَلَهُ؛ ضَمِنَهُ الرَّامِي، وَلَوْ كَانَ فِي دَارِهِ أَوْ فِي هَوَاءِ دَارِ غَيْرِهِ؛ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَنْعُ الطَّائِرِ مِنْ الْهَوَاءِ.

وَلَوْ أَزَالَ إنْسَانٌ يَدَ آخَرَ عَنْ عَبْدٍ أَوْ حَيَوَانٍ، فَهَرَبَ، إذَا كَانَ الْحَيَوَانُ مِمَّا يَذْهَبُ بِزَوَالِ الْيَدِ عَنْهُ كَالطَّيْرِ وَالْبَهَائِمِ الْوَحْشِيَّةِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ وَالْعَبْدِ الْآبِقِ، فَيَضْمَنُهُ مَنْ أَزَالَ يَدَ رَبِّهِ عَنْهُ لِتَسَبُّبِهِ فِي فَوَاتِهِ، وَكَذَا لَوْ أَزَالَ يَدَهُ الْحَافِظَةَ لِمَتَاعِهِ حَتَّى نَهَبَهُ النَّاسُ، أَوْ أَفْسَدَتْهُ الدَّوَابُّ أَوْ النَّارُ، أَوْ أَفْسَدَهُ الْمَاءُ فَيَضْمَنُهُ.

وَإِنْ فَتَحَ بَابًا تَعَدِّيًا فَيَجِيءُ غَيْرُهُ، فَيَنْهَبُ الْمَالَ، أَوْ يَسْرِقُهُ، أَوْ يُفْسِدُهُ بِحَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ؛ فَلِرَبِّ الْمَالِ تَضْمِينُ فَاتِحِ الْبَابِ؛ لِتَسَبُّبِهِ فِي الْإِضَاعَةِ وَالْقَرَارُ عَلَى الْآخِذِ لِمُبَاشَرَتِهِ، فَإِنْ ضَمِنَهُ رَبُّ الْمَالِ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ ضَمِنَ الْفَاتِحُ رَجَعَ عَلَى الْآخِذِ.

(وَإِنْ ضَرَبَهُ) ؛ أَيْ: ضَرَبَ إنْسَانٌ يَدَ آخَرَ (فَوَقَعَ مِنْ يَدِهِ دِينَارٌ) ، فَضَاعَ؛ ضَمِنَهُ الضَّارِبُ؛ لِتَسَبُّبِهِ فِي الْإِضَاعَةِ، أَوْ ضَرَبَهُ، (فَأَوْقَعَ عِمَامَتَهُ) أَوْ هَزَّهُ حَتَّى سَقَطَتْ عَنْ رَأْسِهِ، فَتَلِفَتْ لِوُقُوعِهَا فِي نَارٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ سَقَطَتْ فِي زِحَامٍ بِسَبَبِ هَزِّهِ وَنَحْوِهِ، فَضَاعَتْ؛ ضَمِنَهَا الَّذِي سَقَطَتْ بِفِعْلِهِ؛ لِتَعَدِّيهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْت: فَإِنْ وَقَعَتْ فِي نَحْوِ قِدْرٍ يُنْقِصُهَا؛ فَعَلَيْهِ أَرْشُ النَّقْصِ، (أَوْ أَسْنَدَ عَمُودًا) أَوْ نَحْوَهُ (بِجِدَارِهِ) الْمَائِلِ لِيَمْنَعَهُ مِنْ السُّقُوطِ، (فَأَزَالَهُ) - أَيْ: الْعَمُودَ وَنَحْوَهُ - (آخَرُ) تَعَدِّيًا، (فَسَقَطَ الْجِدَارُ فِي الْحَالِ؛ ضَمِنَ) الرَّافِعُ لِلْعَمُودِ وَنَحْوِهِ؛ لِتَعَدِّيهِ.
وَإِنْ حَلَّ إنْسَانٌ رِبَاطَ دَابَّةٍ عَقُورٍ وَجَنَتْ بَعْدَ حِلِّهَا، أَوْ فَتَحَ إصْطَبْلَهَا وَنَحْوَهُ؛ ضَمِنَ الْحَالُّ وَنَحْوُهُ جِنَايَتَهَا؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِيهَا؛ كَمَا لَوْ

حَلَّ سِلْسِلَةَ فَهْدٍ، أَوْ حَلَّ سَاجُورَ كَلْبِهِ، فَعَقَرَ؛ فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَالِّ؛ لِتَسَبُّبِهِ.
وَالسَّاجُورُ خَشَبَةٌ تُجْعَلُ فِي عُنُقِ الْكَلْبِ.

وَلَوْ فَتْحَ إنْسَانٌ بَثْقًا - بِتَقْدِيمِ الْمُوَحَّدَةِ - وَهُوَ الْجِسْرُ الَّذِي يَحْبِسُ الْمَاءَ، فَأَفْسَدَ بِمَائِهِ زَرْعًا أَوْ بُنْيَانًا أَوْ غِرَاسًا؛ ضَمِنَ فَاتِحُ الْبَثْقِ مَا تَلِفَ بِسَبَبِهِ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْت: وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ فَاتَ رَبَّهُ رَيُّ شَيْءٍ مِنْ الْأَرَاضِي فَيَضْمَنُ.

(وَيَضْمَنُ مُغْرٍ مَا أَخَذَهُ ظَالِمٌ بِإِغْرَائِهِ وَدَلَالَتِهِ) ؛ لِتَسَبُّبِهِ فِيهِ، أَفْتَى بِهِ ابْنُ الزَّيْزَانِيِّ الْبَغْدَادِيُّ، وَلَعَلَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ؛ فَلَا يُحْتَجُّ بِمَفْهُومِهِ، وَأَنَّهُ يُكْتَفَى بِالْإِغْرَاءِ وَالدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي ظُلْمِهِ؛ فَهُوَ كَاَلَّذِي بَعْدَهُ.

وَيَضْمَنُ (كَاذِبٌ) مَا غَرِمَ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ عِنْدَ وَلِيِّ الْأَمْرِ (بِسَبَبِ كَذِبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي ظُلْمِهِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْآخِذِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ.
وَمِثْلُهُ مَنْ شَكَا إنْسَانًا ظُلْمًا، فَأَغْرَمَهُ شَيْئًا لِحَاكِمٍ سِيَاسِيٍّ، كَمَا أَفْتَى بِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ الشِّهَابُ ابْنُ النَّجَّارِ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَلَمْ يَزَلْ مَشَايِخُنَا يُفْتُونَ بِهِ، بَلْ أَغْرَمَهُ شَيْئًا لِقَاضٍ ظُلْمًا؛ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَيْهِ؛ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ فِيمَا غَرِمَهُ رَبُّ الدَّيْنِ بِمَطْلِ الْمَدِينِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِهِ.

(وَمَنْ رَبَطَ) دَابَّةً فِي طَرِيقٍ - وَلَوْ وَاسِعًا - (أَوْ أَوْقَفَ دَابَّةً بِطَرِيقٍ - وَلَوْ وَاسِعًا) - وَيَدُهُ عَلَيْهَا؛ بِأَنْ كَانَ رَاكِبًا أَوْ نَحْوَهُ، فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا؛ ضَمِنَهُ مَنْ رَبَطَهَا، أَوْ أَوْقَفَهَا، أَوْ جَنَتْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ فَمٍ؛ ضَمِنَ رَابِطُهَا وَمُوقِفُهَا؛ لِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَوْقَفَ دَابَّةً فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، فَأَوْطَأَتْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَهُوَ ضَامِنٌ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَلِأَنَّ طَبْعَ الدَّابَّةِ الْجِنَايَةُ بِفَمِهَا أَوْ رِجْلِهَا، فَإِيقَافُهَا فِي الطَّرِيقِ كَوَضْعِ الْحَجَرِ وَنَصْبِ السِّكِّينِ فِيهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ جِنَايَةَ ذَنْبِهَا، (أَوْ) رَبَطَ دَابَّةً (بِ) طَرِيقٍ (ضَيِّقٍ، وَرَفَسَتْ ضَارِبَهَا) ، فَمَاتَ أَوْ تَلِفَ شَيْءٌ بِرَفْسِهَا؛ ضَمِنَهُ مُوقِفُهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ "، وَظَاهِرُهُ لَوْ كَانَتْ وَاسِعَةً لَا ضَمَانَ؛ لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَى ضَرْبِهَا

فَهُوَ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ.
(أَوْ تَرَكَ بِهَا) - أَيْ: الطَّرِيقِ - (طِينًا أَوْ خَشَبَةً أَوْ عَمُودًا أَوْ حَجَرًا) ، لَا لِنَحْوِ مَطَرٍ لِيَمُرَّ عَلَيْهِ النَّاسُ، (أَوْ كِيسَ دَرَاهِمَ، أَوْ أَلْقَى) فِيهَا (نَحْوَ قِشْرِ بِطِّيخٍ) ؛ كَقُشُورِ الْخِيَارِ وَالْبَاقِلَّا، فَزَلَقَ بِهِ إنْسَانٌ؛ ضَمِنَهُ مُلْقِي الطِّينِ أَوْ الْقِشْرِ، (أَوْ أَسْنَدَ خَشَبَةً إلَى حَائِطٍ) ، وَظَاهِرُهُ " وَلَوْ مَالَ إلَى السُّقُوطِ (بِهَا) - أَيْ: الطَّرِيقِ -، (أَوْ رَشَّهَا) ، فَتَلِفَ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا؛ (ضَمِنَ) الْمُلْقِي الشَّيْءَ مِمَّا تَقَدَّمَ (مَا تَلِفَ بِذَلِكَ) ؛ لِحُصُولِهِ بِتَعَدِّيهِ، لَكِنْ لَوْ كَانَ الرَّشُّ لِتَسْكِينِ الْغُبَارِ عَلَى الْمُعْتَادِ؛ فَلَا ضَمَانَ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْجِنَايَاتِ.

(وَمَنْ اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا) بِأَنْ يَكُونَ لَهُ عَادَةٌ بِالْعَقْرِ، أَوْ اقْتَنَى [كَلْبًا] (لَا يُقْتَنَى) ؛ بِأَنْ لَا يَكُونَ كَلْبَ صَيْدٍ وَلَا زَرْعٍ وَلَا مَاشِيَةٍ، (أَوْ) اقْتَنَى كَلْبًا (أَسْوَدَ بَهِيمًا) ؛ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ لَوْنٌ غَيْرُ السَّوَادِ - (وَلَوْ) كَانَ اقْتِنَاؤُهُ - (لِصَيْدٍ، أَوْ) اقْتَنَى (أَسَدًا أَوْ نَمِرًا أَوْ ذِئْبًا) أَوْ اقْتَنَى (هِرًّا تَأْكُلُ الطُّيُورَ، وَتَقْلِبُ الْقُدُورَ عَادَةً مَعَ عِلْمِهِ) بِحَالِهَا، فَعَقَرَتْ، أَوْ خَرَقَتْ ثَوْبًا بِمَنْزِلِهِ؛ ضَمِنَهَا مُقْتَنِيهَا؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِاقْتِنَائِهِ إذَنْ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْهِرِّ عَادَةٌ بِذَلِكَ؛ لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُهُ مَا أَتْلَفَهُ؛ لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ بِاقْتِنَائِهِ مَا لَا عَادَةَ لَهُ بِذَلِكَ كَالْكَلْبِ الَّذِي لَيْسَ بِعَقُورٍ إذَا اقْتَنَاهُ لِنَحْوِ صَيْدٍ وَلَمْ يَكُنْ أَسْوَدَ بَهِيمًا، فَإِنَّ صَاحِبَهُ لَا يَضْمَنُ جِنَايَتَهُ، (أَوْ) اقْتَنَى (نَحْوَ دُبٍّ وَقِرْدٍ) وَأَسَدٍ (وَصَقْرٍ وَبَازٍ وَكَبْشٍ مُعَلَّمٍ لِنِطَاحٍ، فَعَقَرَ أَوْ خَرَقَ ثَوْبًا، أَوْ أَتْلَفَ شَيْئًا؛ [ضَمِنَهُ] ) لِتَعَدِّيهِ بِاقْتِنَائِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي ضَمَانِ إتْلَافِ مَا لَا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ مِمَّا تَقَدَّمَ بَيْنَ الْإِتْلَافِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ لِلْعُدْوَانِ، بِخِلَافِ الْبَهَائِمِ مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ وَنَحْوِهَا إلَّا أَنْ يَخْرِقَ ثَوْبَ (مَنْ دَخَلَ مَنْزِلَ رَبِّهِ بِلَا إذْنِهِ أَوْ) دَخَلَ بِهِ - أَيْ: بِإِذْنِهِ - (وَنَبَّهَهُ) رَبُّ الْمَنْزِلِ (بِذَلِكَ) ؛ أَيْ: بِأَنَّ الْكَلْبَ وَنَحْوَهُ عَقُورٌ أَوْ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِنَحْوِ حَبْلٍ؛ [فَلَا يَضْمَنُ رَبُّ الْمَنْزِلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ هُوَ الْمُتَعَدِّي بِالدُّخُولِ] ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ وَنَبَّهَهُ عَلَى أَنَّهُ عَقُورٌ أَوْ غَيْرُ مَوْثُوقٍ، فَقَدْ أَدْخَلَ الضُّرَّ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ

(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَنْبِيهُهُ (قَبْلَ رُؤْيَتِهِ) - أَيْ: رُؤْيَةِ الْحَيَوَانِ لِلدَّاخِلِ [وَإِعْلَامُهُ بِأَنَّ الْحَيَوَانَ] مُفْتَرِسٌ [لِيَكُونَ] مُتَيَقِّظًا لِدَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَوْ حَصَلَ عِنْدَهُ نَحْوُ كَلْبٍ عَقُورٍ) كَقِرْدٍ أَوْ ذِئْبٍ (أَوْ سِنَّوْرٍ ضَارٍّ مِنْ غَيْرِ اقْتِنَاءٍ وَاخْتِيَارٍ، فَأَفْسَدَ) بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنْ عَقْرٍ وَخَرْقِ ثَوْبٍ؛ بِأَنْ أَفْسَدَ بِبَوْلٍ أَوْ وُلُوغٍ فِي إنَاءٍ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ؛ (لَمْ يَضْمَنْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ الْإِفْسَادُ بِسَبَبِهِ.
(وَيَجُوزُ قَتْلُ هِرٍّ بِأَكْلِ لَحْمٍ وَنَحْوِهِ) كَالْفَوَاسِقِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". وَفِي " التَّرْغِيبِ " لَهُ قَتْلُهَا إذَا لَمْ تَنْدَفِعْ إلَّا بِهِ كَالصَّائِلِ.

(وَمَنْ أَجَّجَ نَارًا) ؛ أَيْ: أَوْقَدَهَا حَتَّى صَارَتْ تَلْتَهِبُ (عَادَةً) - أَيْ: بِلَا إفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ - بِحَيْثُ لَا تَسْرِي فِي الْعَادَةِ، أَجَّجَهَا (بِمِلْكِهِ) كَفِي دَارِهِ أَوْ عَلَى سَطْحِهِ، (وَيَتَّجِهُ وَلَوْ) كَانَ مِلْكُهُ (لِمَنْفَعَةِ) الدَّارِ كَمِلْكِهِ مَنْفَعَتَهَا (بِإِجَارَةٍ) أَوْ إعَارَةٍ، فَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، فَأَتْلَفَهُ؛ لَمْ يَضْمَنْ الْفَاعِلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ وَلَا تَعَدِّيهِ وَلَا تَفْرِيطِهِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَكَذَا لَوْ مَرَّ فِي الطَّرِيقِ الْعَامَّةِ وَمَعَهُ نَارٌ يَحْمِلُهَا إلَى أَرْضِهِ وَدَارِهِ، فَهَبَّتْ بِهَا الرِّيحُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، وَهُوَ مُحِقٌّ فِي مُرُورِهِ فِي الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْمُرُورِ، بِخِلَافِ الطَّرِيقِ الْخَاصِّ، (أَوْ سَقَاهُ) ؛ أَيْ: سَقَى مَوَاتًا، أَوْ مَلَكَهُ، (فَتَعَدَّى) ذَلِكَ السَّقْيُ (لِمِلْكِ غَيْرِهِ) - أَيْ: الْفَاعِلِ - لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ وَلَمْ يُفَرِّطْ.
(وَلَوْ) سَرَى مَا أَجَّجَهُ مِنْ النَّارِ بِمِلْكِهِ (بِطَرَيَانِ رِيحٍ) إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ.

(فَأَتْلَفَهُ؛ لَمْ يَضْمَنْ) ] إذَا كَانَ التَّأَجُّجُ جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ بِلَا إفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ، (فَإِنْ أَفْرَطَ بِكَثْرَةٍ) ؛ بِأَنْ أَجَّجَ نَارًا تَسْرِي عَادَةً؛ لِكَثْرَتِهَا، أَوْ فَتَحَ مَاءً كَثِيرًا يَتَعَدَّى مِثْلُهُ، (أَوْ فَرَّطَ بِنَحْوِ نَوْمٍ) كَإِهْمَالٍ؛ بِأَنْ تَرَكَ النَّارَ مُؤَجَّجَةً وَالْمَاءَ مَفْتُوحًا، وَنَامَ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ أَهْمَلَهُ؛ ضَمِنَ؛ لِتَعَدِّيهِ أَوْ تَقْصِيرِهِ، كَمَا لَوْ بَاشَرَ إتْلَافَهُ، أَوْ فَرَّطَ؛ بِأَنْ أَجَّجَهَا فِي (وَقْتِ رِيحٍ) شَدِيدَةٍ تَحْمِلُهَا إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ؛ ضَمِنَ؛ لِتَعَدِّيهِ، وَكَذَا لَوْ أَجَّجَهَا قُرْبَ زَرْبٍ أَوْ حَصِيدٍ.
ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ (أَوْ) أَوْقَدَ نَارًا بِمَكَانِ (غَصْبٍ؛ ضَمِنَ) مُطْلَقًا، سَوَاءٌ فَرَّطَ أَوْ أَسْرَفَ أَوْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّطْحِ سُتْرَةٌ وَبِقُرْبِهِ زَرْعٌ وَنَحْوُهُ وَالرِّيحُ هَابَّةٌ، أَوْ أَرْسَلَ فِي الْمَاءِ مَا يَغْلِبُ وَيَفِيضُ؛ ضَمِنَ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ لِأَذَى جَارِهِ؛ ضَمِنَ وَإِنْ لَمْ يُسْرِفْ قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " (كَمَا لَوْ يَبِسَ بِهَا) - أَيْ بِالنَّارِ الَّتِي أَوْقَدَهَا - (أَغْصَانُ شَجَرِ غَيْرِهِ) ؛ ضَمِنَهَا مُوقِدُ النَّارِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ نَارٍ كَثِيرَةٍ (إلَّا أَنْ تَكُونَ) الْأَغْصَانُ (بِهَوَائِهِ) ؛ فَلَا يَضْمَنُ، لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) لِمُوقِدِ النَّارِ فِي مِلْكِهِ أَنْ يَأْمُرَ رَبَّ الْأَغْصَانِ بِلَيِّهَا عَنْ هَوَائِهِ، فَإِنْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، (وَامْتَنَعَ مِنْ لَيِّهَا) ، وَيَبِسَتْ؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ دَلِيلُ رِضَاهُ بِذَلِكَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَمَنْ) (بَنَى) دَكَّةً وَنَحْوَهَا، (أَوْ حَفَرَ) بِنَفْسِهِ، أَوْ حَفَرَ (أَجِيرُهُ، أَوْ) حَفَرَ (قِنُّهُ) - وَلَوْ أَعْتَقَهُ بَعْدُ - (بِأَمْرِهِ بِئْرًا لِنَفْسِهِ) ؛ أَيْ: لِيَخْتَصَّ بِنَفْعِهَا (فِي فِنَائِهِ) ، الْفِنَاءُ كَكِسَاءٍ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ، (وَهُوَ مَا كَانَ خَارِجَ الدَّارِ قَرِيبًا مِنْهَا)

سَوَاءٌ حَفَرَ أَوْ بَنَى بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَسَوَاءٌ حَفَرَ نَحْوَ الْبِئْرِ فِي حَدِّهِ وَنِصْفُهَا فِي فِنَائِهِ؛ (ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا) - أَيْ: الْبِئْرِ، وَكَذَا الدَّكَّةُ؛ لِأَنَّهُ تَلَفٌ حَصَلَ بِسَبَبِ تَعَدِّيهِ بِبِنَائِهِ أَوْ حَفْرِهِ فِي مَكَان مُشْتَرَكٍ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهِمْ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَصَبَ فِي فِنَائِهِ سِكِّينًا فَتَلِفَ بِهِ شَيْءٌ؛ كَحَفْرِ (أَجِيرِهِ الْحُرِّ) بِئْرًا فِي فِنَائِهِ، فَيَضْمَنُ الْأَجِيرُ الْحَافِرُ مَا تَلِفَ بِهَا، سَوَاءٌ حَفَرَهَا بِأُجْرَةٍ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَعَدِّي، وَمَحَلُّ ذَلِكَ (إنْ عَلِمَ) الْأَجِيرُ (الْحَالَ) ؛ أَيْ: أَنَّهَا لَيْسَتْ مِلْكَ الْآذِنِ؛ (إذْ الْأَفْنِيَةُ لَيْسَتْ بِمِلْكٍ) ، وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي: لَوْ بَاعَ الْأَرْضَ بِفِنَائِهَا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْفِنَاءَ لَيْسَ بِمِلْكٍ، (بَلْ مَرَافِقُ) ؛ وَإِنْ جَهِلَ الْحَافِرُ أَنَّهَا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ؛ فَالضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ لِتَقْرِيرِهِ الْحَافِرَ، وَكَذَا لَوْ جَهِلَ الْبَاقِيَ، فَلَوْ ادَّعَى الْآمِرُ عِلْمَ الْحَافِرِ وَالْبَانِي، وَأَنْكَرَاهُ (فَقَوْلُهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
وَإِنْ حَفَرَ الْعَبْدُ أَوْ بَنَى بِالْفِنَاءِ أَوْ الطَّرِيقِ) الْوَاسِعِ أَوْ الضَّيِّقِ (بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ) ؛ فَيَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ (فِي رَقَبَتِهِ) ؛ كَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَمْ يَأْذَنْ فِيهَا سَيِّدُهُ، وَإِنْ عَتَقَهُ السَّيِّدُ بَعْدَ الْحَفْرِ أَوْ الْبِنَاءِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، ثُمَّ تَلِفَ بِسَبَبِ ذَلِكَ شَيْءٌ (فَمَا تَلِفَ بَعْدَ عِتْقِهِ) ؛ فَعَلَى الْعَبْدِ ضَمَانُهُ (فِي ذِمَّتِهِ) دُونَ سَيِّدِهِ؛ لِاسْتِقْلَالِهِ بِالْجِنَايَةِ.

يَضْمَنُ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا (فِي مَوَاتٍ لِتَمَلُّكٍ أَوْ ارْتِفَاقٍ) لِنَفْسِهِ، (وَيَتَّجِهُ أَوْ) حَفَرَ بِئْرًا (يَمْلِكُهُ) ؛ إذْ لِلْإِنْسَانِ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِهِ كَيْف شَاءَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
أَوْ حَفَرَهَا (فِي سَابِلَةٍ وَاسِعَةٍ) - أَيْ: طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ (لِنَفْعٍ عَامٍّ) . نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا، كَمَا لَوْ حَفَرَهَا لِيَجْتَمِعَ فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ، أَوْ لِيَنْبُعَ مِنْهَا الْمَاءُ لِيَشْرَبَ الْمَارَّةُ؛ فَلَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ - (وَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهَا حَاجِزًا) - لَكِنْ يَنْبَغِي لِمَنْ حَفَرَ بِئْرًا كَذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهَا حَاجِزًا لِتُعْلَمَ بِهِ، فَتُتَوَقَّى.

(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا يَضْمَنُ مَنْ) حَفَرَ بِئْرًا فِي مَوَاتٍ وَنَحْوِهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهَا حَاجِزًا، أَوْ (لَمْ يَسُدَّ بِئْرَهُ سَدًّا يَمْنَعُ الضَّرَرَ) ، خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ حَيْثُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانَ مَا تَلِفَ بِهَا.
وَيَتَّجِهُ (أَنَّ مَا فَتَحَهُ) الْإِنْسَانُ (لِنَفْسِهِ مِنْ آبَارٍ) مَتْرُوكَةٍ (قَدِيمَةٍ) يَكُونُ فَتْحُهُ لَهَا (بِمَنْزِلَةِ إحْدَاثِهَا) ضَرَرًا وَنَفْعًا، فَلَوْ فَعَلَهُ (بِمِلْكِهِ) وَنَحْوِهِ (لَا يَضْمَنُ) مَا تَلِفَ بِسَبَبِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا، وَلَوْ كَانَ فَتْحُهُ لَهَا (بِغَيْرِهِ) - أَيْ: بِغَيْرِ مِلْكِهِ وَنَحْوِهِ - (يَضْمَنُ) ؛ لِتَعَدِّيهِ، (وَيَلْزَمُهُ) - أَيْ: فَاتِحَهَا - (سَدُّهَا) - أَيْ: سَدُّ الَّتِي فَتَحَهَا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ - (سَدًّا) بِحَيْثُ (يَمْنَعُ الضَّرَرَ) بِالْمَارَّةِ، (وَلَعَلَّهُ) - أَيْ: مَا ذُكِرَ - (مُرَادُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ.
(أَوْ بَنَى فِيهَا) - أَيْ: السَّابِلَةِ الْوَاسِعَةِ (نَحْوَ مَسْجِدٍ) كَمَدْرَسَةٍ وَزَاوِيَةٍ (وَخَانٍ بِلَا ضَرَرٍ) بِالْمَارَّةِ بِإِحْدَاثِ ذَلِكَ، وَلَوْ فَعَلَهُ (بِلَا إذْنِ إمَامٍ) ؛ لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: حُكْمُ مَا بُنِيَ وَقْفًا عَلَى الْمَسْجِدِ فِي هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ حُكْمُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ؛ (كَبِنَاءِ جِسْرٍ) - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا - وَهُوَ الْقَنْطَرَةُ لِيَمُرَّ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَكَذَا فَعَلَ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ لِنَفْعِ الطَّرِيقِ وَإِصْلَاحِهَا كَإِزَالَةِ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَنْهَا وَتَنْقِيَتِهَا مِمَّا يَضُرُّ فِيهَا

كَقِشْرِ بِطِّيخٍ (وَوَضْعِ حَجَرٍ بِطِينٍ لِيَطَأَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَحَفْرِ هَدَفٍ) - وَهُوَ مَا عَلَا فِي الطَّرِيقِ بِحَيْثُ تُسَاوِي غَيْرَهَا -. (وَقَلْعِ حَجَرٍ) فِي الْأَرْضِ يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ وَوَضْعِ الْحَصَى فِي حُفْرَةٍ فِي الْأَرْضِ لِيَمْلَأَهَا وَتَسْقِيفِ سَاقِيَةٍ فِيهَا؛ فَهَذَا كُلُّهُ مُبَاحٌ لَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إحْسَانٌ وَمَعْرُوفٌ.
وَإِنْ فَعَلَ (مَا فِيهِ نَفْعٌ) عَامٌّ كَأَنْ حَفَرَ بِئْرًا أَوْ بَنَى مَسْجِدًا أَوْ خَانًا وَنَحْوَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَتَلِفَ فِيهِ شَيْءٌ؛ لَمْ يَضْمَنْ.
وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا (لِنَفْعٍ خَاصٍّ) بِنَفْسِهِ، أَوْ كَانَ يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ؛ كَأَنْ حَفَرَ الْبِئْرَ فِي الْقَارِعَةِ أَوْ بِطَرِيقٍ (ضَيِّقَةٍ) ؛ فَإِنَّهُ (يَضْمَنُ) مَا تَلِفَ بِهَا سَوَاءٌ فَعَلَهُ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ أَوْ لَا، بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ لَا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ، (وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ) - بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ - حُكْمَ (هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ فِي الطَّرِيقِ تُهَدُّ) ، وَمَسْأَلَةُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْكَحَّالِ يَزِيدُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الطَّرِيقِ قَالَ: لَا يُصَلَّى فِيهِ، (وَيَتَّجِهُ حَمْلُهُ) - أَيْ: حَمْلُ جَوَابِ سُؤَالِ الْمَرُّوذِيِّ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الْمَسَاجِدُ وَنَحْوُهَا بِطَرِيقٍ (ضَيِّقَةٍ) ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْمَارَّةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْأَنْهَارِ قَالَ: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الطَّرِيقِ، وَسَأَلَهُ ابْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ سَابَاطٍ فَوْقَهُ مَسْجِدٌ أَيُصَلَّى فِيهِ قَالَ: لَا يُصَلَّى فِيهِ إذَا كَانَ مِنْ الطَّرِيقِ.

(وَمَنْ أَمَرَ حُرًّا بِحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ بِنَاءٍ بِمِلْكِ غَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ الْآمِرِ (بِأُجْرَةٍ أَوْ لَا) بِأُجْرَةٍ فَحَفَرَ الْمَأْمُورُ، وَتَلِفَ بِهَا شَيْءٌ؛ (ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ حَافِرٌ) عَلِمَ ذَلِكَ، وَضَمِنَ (بِأَنْ عَلِمَ) أَنَّ الْأَرْضَ مِلْكٌ لِغَيْرِ الْآمِرِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَيُحَلَّفُ) أَيْ: الْحَافِرُ وَالْبَانِي إنْ أَنْكَرَ الْعِلْمَ بِأَنَّهُ مِلْكُ غَيْرِ الْآمِرِ، وَادَّعَى الْآمِرُ عِلْمَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، (وَإِلَّا) يَعْلَمَ حَافِرٌ بِذَلِكَ، أَوْ كَانَ الْمَأْمُورُ قِنَّ الْآمِرِ؛ فَآمِرٌ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ لِتَغْرِيرِهِ

(وَيَضْمَنُ سُلْطَانٌ آمِرٌ) بِحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ بِنَاءٍ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ (وَحْدَهُ) - أَيْ: دُونَ حَافِرٍ وَبَانٍ - وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّ الْأَرْضَ مِلْكُ غَيْرِ السُّلْطَانِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَسَعُهُ مُخَالَفَتُهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ.

(وَمَنْ بَسَطَ بِمَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) كَمَدْرَسَةٍ وَزَاوِيَةٍ (حَصِيرًا أَوْ بَارِيَةً) ، وَهِيَ الْحَصِيرُ الْمَنْسُوجُ، قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": وَيُطْلَقُ بِالشَّامِ عَلَى مَا يُنْسَجُ مِنْ قَصَبٍ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ بِقَرِينَةِ الْعَطْفِ (أَوْ) بَسَطَ فِي مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ، (بِسَاطًا أَوْ عَلَّقَ) فِيهِ، (أَوْ أَوْقَدَ فِيهِ قِنْدِيلًا، أَوْ نَصَبَ فِيهِ بَابًا أَوْ) نَصَبَ فِيهِ (عُمُدًا) لِمَصْلَحَةٍ، كَنَشْرِ نَحْوِ ثَوْبٍ عَلَيْهَا أَوْ نَصَبَ فِيهِ (رَفًّا لِنَفْعِ النَّاسِ) ؛ لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ.
هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ (وَيَتَّجِهُ مِنْهُ) - أَيْ مَا ذُكِرَ - (جَوَازُ وَضْعِ خَزَائِنَ) فِي الْمَسْجِدِ (كَذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الرُّفُوفِ، غَيْرَ أَنَّ لَهَا أَغْلَاقًا لِحِفْظِ أَمْتِعَةِ مُلَازِمِي الْمَسْجِدَ، وَلَا يَجُوزُ وَضْعُ الْخَزَائِنِ (بِبُقَعِ الْمُصَلِّينَ) ؛ لِأَنَّهَا تَشْغَلُهَا فِيمَا لَمْ تُبْنَ لَهُ، وَلَوْ وَضَعَ فِي الْمَسْجِدِ خِزَانَةً، وَجَعَلَهَا (لِنَفْسِهِ) فَقَطْ (يَحْرُمُ) عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَحْجِيرٌ بِغَيْرِ حَقٍّ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
(وَلَا يَصِحُّ إيجَارُهَا) - أَيْ: الْخَزَائِنِ مُطْلَقًا - سَوَاءٌ وَضَعَهَا لِنَفْعِ مُلَازِمِي الْمَسْجِدَ أَوْ لِنَفْسِهِ، (وَيَجِبُ زَوَالُهَا) - أَيْ: إزَالَتُهَا - لِأَنَّهَا مِنْ الْمُنْكَرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ سَقْفُهُ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ (أَوْ بَنَى جِدَارَهُ أَوْ) بَنَى (مِنْبَرَهُ) ، وَتَلِفَ بِذَلِكَ شَيْءٌ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ كَوَضْعِهِ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ مُبَلَّطٍ حَصًى، وَسَوَاءٌ أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ أَوْ لَا.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ لَهُ بِنَاءُ مِنْبَرٍ عَلَى الْعَادَةِ، فَإِنْ بَنَاهُ، (وَلَمْ يُفْحِشْ فِي كِبَرِهِ) جَازَ، (وَإِلَّا) بِأَنْ بَنَاهُ زَائِدًا عَلَى الْقَدْرِ الْمُعْتَادِ (حَرُمَ عَلَيْهِ) هَذَا الْبِنَاءُ، (وَضَمِنَ) مَا تَلِفَ بِهِ؛ (لِأَنَّهُ تَحْجِيرٌ لِبُقْعَةِ الْمَسْجِدِ) كَحَفْرِهِ بِئْرًا فِيهِ؛ إذْ

الْبُقْعَةُ مُسْتَحَقَّةٌ لِلصَّلَاةِ فَتَعْطِيلُهَا عُدْوَانٌ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (أَوْ جَلَسَ) فِي الْمَسْجِدِ، (أَوْ اضْطَجَعَ) فِيهِ (أَوْ قَامَ فِيهِ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ - مُسْلِمٌ، فَعَثَرَ بِهِ حَيَوَانٌ، فَتَلِفَ، أَوْ نَقَصَ لَمْ يَضْمَنْ نَقْصُهُ وَلَا تَلَفَهُ (غَيْرَ كَافِرٍ) ، أَمَّا الْكَافِرُ فَيَضْمَنُ، وَغَيْرُ نَحْوِ جُنُبٍ كَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ (فَيَحْرُمُ) عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَيَضْمَنُونَ، أَوْ جَلَسَ، أَوْ اضْطَجَعَ، أَوْ قَامَ (فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ لَا ضَيِّقٍ) يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ؛ فَيَضْمَنُ فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ أُبِيحَ لَهُ فِعْلُهُ، (فَعَثَرَ بِهِ حَيَوَانٌ، لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ) أَوْ نَقَصَ (بِهِ) لِأَنَّهُ فَعَلَ مُبَاحًا لَمْ يَتَعَدَّ بِهِ عَلَى أَحَدٍ فِي مَكَان لَهُ فِيهِ حَقٌّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ بِمِلْكِهِ، وَيَضْمَنُ إنْ كَانَ مُحَرَّمًا كَالْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْجَنَابَةِ بِلَا وُضُوءٍ، أَوْ مَعَ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ، أَوْ مَعَ إضْرَارِ الْمَارَّةِ بِإِقَامَتِهِ فِي الطَّرِيقِ الضَّيِّقِ، لَا قِيَامِهِ فِيهِ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَأَمَّا الْقِيَامُ فَلَا ضَمَانَ بِهِ بِحَالٍ، لِأَنَّهُ مِنْ مَرَافِقِ الطُّرُقِ، فَهُوَ كَالْمُرُورِ.

(وَإِنْ أَخْرَجَ) إنْسَانٌ (جَنَاحًا) وَهُوَ الرَّوْشَنُ، أَوْ أَخْرَجَ (نَحْوَ مِيزَابٍ) كَسَابَاطٍ، أَوْ أَبْرَزَ حَجَرًا فِي الْبُنْيَانِ (إلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ) بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فِي ذَلِكَ بِلَا ضَرَرٍ؛ إذْ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ بِمَا فِيهِ ضَرَرٌ، (أَوْ) أَخْرَجَ ذَلِكَ إلَى طَرِيقٍ (غَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ نَافِذٍ - (بِلَا إذْنِ أَهْلِهِ) . فَسَقَطَ ذَلِكَ الْمُخْرَجُ، (فَأَتْلَفَ شَيْئًا - وَلَوْ) كَانَ سُقُوطُهُ (بَعْدَ بَيْعٍ - وَقَدْ طُولِبَ) الْبَائِعُ (بِنَقْضِهِ قَبْلَهُ) - أَيْ: الْبَيْعِ - (ضَمِنَهُ) ؛ لِحُصُولِ التَّلَفِ بِمَا أَخْرَجَهُ إلَى هَوَاءِ الطَّرِيقِ.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا سَقَطَ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَلَمْ يَكُنْ طُولِبَ بِنَقْضِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ؛ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَالَبْ بِنَقْضِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ وَهَبَهُ وَأَقْبَضَهُ قَبْلَ الطَّلَبِ، ثُمَّ سَقَطَ، فَأَتْلَفَ شَيْئًا؛ لَمْ يَضْمَنْهُ الْوَاهِبُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِلْكَهُ وَلَا الْمَوْهُوبُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَالَبْ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَالَحَ بِهِ أَوْ جَعَلَهُ صَدَاقًا أَوْ عِوَضًا

فِي خُلْعٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ.
وَمَحَلُّ الضَّمَانِ (مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ) - أَيْ: الْجَنَاحِ وَالْمِيزَابِ وَالسَّابَاطِ الْمُخْرَجِ إلَى الطَّرِيقِ النَّافِذِ (إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ - وَلَا ضَرَرَ) عَلَى الْمَارَّةِ بِإِخْرَاجِهِ - فَإِنْ أَذِنَ فِيهِ فَأَخْرَجَ فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ النَّافِذَ حَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْإِمَامُ وَكِيلُهُمْ، فَإِذْنُهُ كَإِذْنِهِمْ، (وَمَعَ) وُجُوبِ (ضَمَانٍ) بِأَنْ أَخْرَجَ ذَلِكَ بِدُونِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَطُولِبَ، أَوْ بِإِذْنِهِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ، أَوْ بِطَرِيقٍ غَيْرِ نَافِذٍ بِدُونِ إذْنِ أَهْلِهِ، وَالتَّالِفُ آدَمِيٌّ؛ (فَدِيَتُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) - أَيْ: عَاقِلَةِ رَبِّ الْمُخْرَجِ - لِأَنَّهَا تَحْمِلُ دِيَةَ الْخَطَأِ وَشِبْهَ الْعَمْدِ، فَإِنْ أَنْكَرَتْ الْعَاقِلَةُ كَوْنَ الْمُخْرَجِ لِصَاحِبِهِمْ، أَوْ أَنْكَرُوا مُطَالَبَتَهُ بِنَقْضِهِ حَيْثُ اُعْتُبِرَتْ، أَوْ أَنْكَرُوا تَلَفَ الْآدَمِيِّ؛ لَمْ يَلْزَمْهُمْ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُودِ.

(وَإِنْ مَالَ حَائِطُهُ) بَعْدَ أَنْ بَنَاهُ مُسْتَقِيمًا (لِغَيْرِ مِلْكِهِ) ، سَوَاءٌ كَانَ مُخْتَصًّا كَهَوَاءِ جَارِهِ، أَوْ مُشْتَرَكًا كَالطَّرِيقِ، (أَوْ شَقَّ) حَائِطَهُ (وَلَوْ) كَانَ شَقُّهُ (عَرْضًا) - إذَا تَشَقَّقَ الْحَائِطُ طُولًا مَعَ اسْتِقَامَتِهِ لَا أَثَرَ لَهُ.
وَأَمَّا تَشَقُّقُهُ عَرْضًا فَإِنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ الْوُقُوعُ كَالْمَائِلِ، (وَأَبَى) رَبُّهُ (هَدْمَهُ حَتَّى أَتْلَفَ شَيْئًا) بِسُقُوطِهِ عَلَيْهِ؛ (لَمْ يَضْمَنْهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ بِبِنَائِهِ، وَلَا فَرَّطَ فِي تَرْكِ نَقْضِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ سَقَطَ مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ - (وَلَوْ طُولِبَ بِنَقْضِهِ قَبْلَ) سُقُوطِهِ - لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ بَنَاهُ فِي مِلْكِهِ، وَلَمْ يَسْقُطْ بِفِعْلِهِ، (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: " لِلْإِقْنَاعِ " - فَإِنَّهُ قَالَ: وَعَنْهُ إنْ طُولِبَ بِنَقْضِهِ، وَأُشْهِدَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ؛ ضَمِنَ، وَاعْتَمَدَ هَذَا مَعَ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَعْمُولَ عَلَيْهِ مَا جَنَحَ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِ.
فَائِدَةٌ: وَإِنْ بَنَاهُ مَائِلًا إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ أَوْ مَائِلًا إلَى مِلْكِ نَفْسِهِ، أَوْ مَالَ الْحَائِطُ إلَى مِلْكِ رَبِّهِ؛ لَمْ يَضْمَنْ رَبُّهُ مَا تَلِفَ بِهِ؛ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ.
(وَإِنْ بَنَاهُ) - أَيْ: الْحَائِطَ (مَائِلًا لِلطَّرِيقِ) ؛ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ، (أَوْ) بَنَاهُ مَائِلًا إلَى (مِلْكِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ؛ ضَمِنَ) مَا تَلِفَ بِهِ - وَلَوْ لَمْ يُطَالَبْ بِنَقْضِهِ - لِتَسَبُّبِهِ بِذَلِكَ.

[تَتِمَّةٌ أَحْدَثَ بِرْكَةً لِلْمَاءِ فَنَزَلَ إلَى جِدَارِ جَارِهِ فَأَوْهَاهُ وَهَدَمَهُ]

تَتِمَّةٌ: وَإِنْ أَحْدَثَ بِرْكَةً لِلْمَاءِ أَوْ كَنِيفًا أَوْ مُسْتَحَمًّا، فَنَزَلَ إلَى جِدَارِ جَارِهِ، فَأَوْهَاهُ وَهَدَمَهُ؛ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ تَتَعَدَّى؛ ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " وَ " التَّلْخِيصِ " قَالَا: وَلِلْجَارِ مَنْعُهُ النُّزُولَ إلَى جِدَارِ جَارِهِ وَقَالَا أَيْضًا: الدَّقُّ الَّذِي يَهْدِمُ الْجِدَارَ مَضْمُونُ السِّرَايَةِ؛ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ مَحْضٌ.

[فَصْلٌ فِي جِنَايَةِ الْبَهَائِمِ]

(وَيَضْمَنُ رَبُّ بَهَائِمَ ضَارِيَةٍ) - أَيْ مُعْتَادَةً بِالْجِنَايَةِ - (عَالِمٌ بِضَرَيَانِهَا أَوْ أَمَرَ بِإِمْسَاكِهَا مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا) ؛ أَيْ: بِأَنَّهَا ضَارِيَةٌ مَا أَتْلَفَتْهُ، (وَ) كَذَلِكَ يَضْمَنُ (رَبُّ جَوَارِحَ وَشَبَهِهَا) - أَيْ: الْجَوَارِحِ - (مَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ) . قَالَ فِي " الْفُصُولِ ": مَنْ أَطْلَقَ كَلْبًا عَقُورًا أَوْ دَابَّةً رَفُوسًا أَوْ عَضُوضًا عَلَى النَّاسِ وَخَلَّاهُ فِي طُرُقِهِمْ وَمَصَاطِبِهِمْ وَرِحَابِهِمْ، فَأَتْلَفَ مَالًا أَوْ نَفْسًا؛ ضَمِنَ؛ لِتَفْرِيطِهِ، وَكَذَا إنْ كَانَ لَهُ طَائِرٌ جَارِحٌ؛ كَالصَّقْرِ وَالْبَازِي، فَأَفْسَدَ طُيُورَ النَّاسِ وَحَيَوَانَاتِهِمْ انْتَهَى.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الصَّوَابُ.

(وَإِذَا عُرِفَتْ الْبَهِيمَةُ بِالصَّوْلِ؛ وَجَبَ عَلَى مَالِكِهَا وَغَيْرِهِ إتْلَافُهَا) دَفْعًا لِضَرَرِهَا قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ ". وَحَيْثُ جَازَ إتْلَافُهَا فَلَهُ أَنْ يُتْلِفَهَا بِالْمَعْرُوفِ - أَيْ: عَلَى وَجْهٍ لَا تَعْذِيبَ فِيهِ - لِحَدِيثِ: «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» . وَلَا يَضْمَنُ الْبَهِيمَةَ الْمَعْرُوفَةَ بِالصَّوْلِ إذَا قُتِلَتْ حَالَ صَوْلِهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحْتَرَمَةٍ؛ كَمُرْتَدٍّ وَزَانٍ مُحْصَنٍ (وَلَوْ حَالَتْ) الدَّابَّةُ (بَيْنَهُ) - أَيْ: بَيْنَ إنْسَانٍ - (وَبَيْنَ مَالِهِ، وَلَمْ تَنْدَفِعْ بِلَا قَتْلٍ؛ قَتَلَهَا) ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَوْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهَا دَفْعًا لِشَرِّهَا.
(وَيَتَّجِهُ) حَيْثُ جَازَ لَهُ قَتْلُهَا إزَالَةً لِضَرَرِهَا بِالْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يُسَمِّيَ عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ مَأْكُولَةَ اللَّحْمِ لِئَلَّا يُضَيِّعَهَا عَلَى رَبِّهَا.
(فَلَوْ) قَتَلَهَا، وَ (لَمْ يُسَمِّ) عَلَيْهَا سَهْوًا لَا جَهْلًا؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِسُقُوطِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، وَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ (عَمْدًا؛ ضَمِنَ) لِرَبِّهَا (قِيمَتَهَا مُذَكَّاةً) ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

وَلَا يَضْمَنُ (رَبُّ) بَهَائِمَ (غَيْرَ ضَارِيَةٍ) - أَيْ: مَعْرُوفَةٍ بِالصَّوْلِ - وَغَيْرَ جَوَارِحَ وَشَبَهِهَا مَا أَتْلَفَتْهُ إنْ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ عَلَيْهَا، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، (وَلَوْ) كَانَ مَا (أَتْلَفَتْهُ) الْبَهِيمَةُ (صَيْدًا بِالْحَرَمِ) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ( «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
أَيْ: هَدَرٌ، فَإِنْ كَانَتْ ضَارِيَةً ضَمِنَ.
(وَيَضْمَنُ) جِنَايَةَ دَابَّةٍ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَتْ ضَارِيَةً أَوْ لَا (رَاكِبٌ وَسَائِقٌ وَقَائِدٌ) لِدَابَّةٍ، مَالِكًا كَانَ أَوْ غَاصِبًا أَوْ مُسْتَأْجِرًا أَوْ مُسْتَعِيرًا أَوْ مُوصًى لَهُ بِنَفْعِهَا أَوْ مُرْتَهِنًا (قَادِرٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهَا) ؛ لِأَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ التَّصَرُّفِ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
(وَيَتَّجِهُ اشْتِرَاطُ تَكْلِيفِهِ) - أَيْ: الْمُتَصَرِّفِ الْقَادِرِ عَلَى التَّصَرُّفِ - إذْ الْأَحْكَامُ تُنَاطُ بِالْمُكَلَّفِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(جِنَايَةَ يَدِهَا وَفَمِهَا وَوَلَدِهَا) ، وَلَوْ لَمْ يُفَرِّطْ؛ لِأَنَّهُ تَبَعُهَا، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ جَنَى بِيَدِهِ أَوْ فَمِهِ أَوْ رِجْلِهِ أَوْ ذَنَبِهِ.
وَلَوْ قِيلَ: يَضْمَنُ مِنْهُ مَا يَضْمَنُ مِنْهَا فَقَطْ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ (وَوَطْئِهَا بِرِجْلِهَا) ؛ لِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَوْقَفَ دَابَّةً فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ فَأَوْطَأَتْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ؛ فَهُوَ ضَامِنٌ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَلِأَنَّ

فِعْلَ الْبَهِيمَةِ مَنْسُوبٌ إلَى مَنْ هِيَ بِيَدِهِ إذَا كَانَ يُمْكِنُهُ حِفْظُهَا، وَ (لَا) يَضْمَنُ (مَا نَفَحَتْ بِهَا) - أَيْ: بِرِجْلِهَا - مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ مَرْفُوعًا: «الرِّجْلُ جُبَارٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «رِجْلُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» . فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي جِنَايَةِ غَيْرِهَا، وَخُصِّصَ بِالنَّفْحِ دُونَ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ مَنْ بِيَدِهِ الدَّابَّةُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُجَنِّبَهَا وَطْءَ مَا لَا يُرِيدُ أَنْ تَطَأَهُ بِتَصَرُّفِهِ فِيهَا، بِخِلَافِ نَفْحِهَا، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْهُ، وَحَيْثُ وَجَبَ الضَّمَانُ وَكَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِمَّا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ فَهِيَ عَلَيْهَا؛ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ.
(وَيَتَّجِهُ) أَوْ؛ أَيْ: وَلَا يَضْمَنُ الْمُتَصَرِّفُ بِدَابَّةٍ مَا نَفَحَتْهُ (بِرَأْسِهَا) ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ الْجَمُوحَ مِنْ شَأْنِهَا عَدَمُ الِانْقِيَادِ خُصُوصًا إذَا اسْتَجْبَنَتْ الْمُتَصَرِّفَ، فَإِنَّهَا تَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْغُلَامِ فِي فَرْخِ طَيْرِ الْحَمَامِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ.
هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، لَكِنَّ الْقَوَاعِدَ تَأْبَاهُ إذَا عَدِمَ ضَمَانَ نَفْحِ الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ لَا يُمْكِنُهُ الْمَنْعُ مِنْهُ، وَأَمَّا الرَّأْسُ فَلَا يَعْجِزُ الْقَادِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ عَنْ ضَبْطِهِ، فَجِنَايَتُهَا بِهِ دَلِيلٌ عَلَى تَفْرِيطِهِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالْبَهِيمَةُ النَّزِقَةُ الَّتِي لَا تَنْضَبِطُ بِكَبْحٍ وَلَا نَحْوِهِ؛ لَيْسَ لَهُ رُكُوبُهَا بِالْأَسْوَاقِ، فَإِنْ رَكِبَ ضَمِنَ لِتَفْرِيطِهِ، وَكَذَا الرَّمُوحُ وَالْعَضُوضُ انْتَهَى.
وَمَحَلُّ عَدَمِ ضَمَانِ مَا نَفَحَتْ بِرِجْلِهَا، (مَا لَمْ يَكْبَحْهَا) ؛ أَيْ: يَجْذِبْهَا بِلِجَامٍ (فَوْقَ الْعَادَةِ، أَوْ) مَا لَمْ (يَضْرِبْ وَجْهَهَا) ؛ فَيَضْمَنُ؛ لِتَسَبُّبِهِ فِي جِنَايَتِهَا، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ.

(وَلَا) يَضْمَنُ مَنْ بِيَدِهِ دَابَّةٌ (جِنَايَةَ ذَنَبِهَا) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنْهَا (وَيَتَّجِهُ أَوْ) ؛ أَيْ وَلَا يَضْمَنُ مُتَصَرِّفٌ بِدَابَّةٍ (سُقُوطَ حَمْلِهَا) إذَا لَمْ

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل