مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ، (وَكَذَا) ؛ أَيْ: كَالْعَبْدِ (كُلُّ مَحْجُورٍ) عَلَيْهِ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ؛ لَا يَتَوَكَّلُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِلَا إذْنِهِ إلَّا الصَّغِيرَ؛ فَلَهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ فِي الطَّلَاقِ، وَإِذَا كَانَ يَعْقِلُهُ، وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَلِيُّهُ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(بِخِلَافِ نَحْوِ طَلَاقٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الْإِنْشَاءِ، فَجَازَ فِي الْإِزَالَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (وَرَجْعَةٍ وَصَدَقَةٍ بِنَحْوِ رَغِيفٍ) وَفَلْسٍ وَتَمْرَةٍ، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ السَّيِّدِ.
(وَلِمُكَاتَبٍ أَنْ يُوَكَّلَ فِي كُلِّ مَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِنَفْسِهِ) مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَشَرِكَةٍ، (وَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبِ (أَنْ يَتَوَكَّلَ بِجَعْلٍ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ اكْتِسَابِ الْمَالِ، وَلَا يُمْنَعُ الْمُكَاتَبُ مِنْ الِاكْتِسَابِ، (لَا بِدُونِهِ) ؛ أَيْ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ جَعْلٍ، إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ كَأَعْيَانِ مَالِهِ، وَلَيْسَ لَهُ بَذْلُ مَالِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ (بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ) فَإِنْ أَذِنَهُ جَازَ.
وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ؛ كَالْقِنِّ، وَكَذَا الْمُبَعَّضُ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ يَقَعُ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَيَصِحُّ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ فِي نَوْبَتِهِ؛ لِعَدَمِ لُحُوقِ الضَّرَرِ بِالسَّيِّدِ.
(وَلَا تَصِحُّ) الْوَكَالَةُ (فِي بَيْعِ مَا سَيَمْلِكُهُ أَوْ فِي طَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُهَا) ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَا يَمْلِكُهُ حِينَ التَّوْكِيلِ، وَيَصِحُّ إنْ مَلَكْت فُلَانًا فَقَدْ وَكَّلْتُك فِي عِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى مِلْكِهِ بِخِلَافِ إنْ تَزَوَّجَتْ فُلَانَةُ فَقَدْ وَكَّلْتُك فِي طَلَاقِهَا.
(وَيَتَّجِهُ وَلَا تَصِحُّ) الْوَكَالَةُ (فِي بَيْعِ مَا سَيَمْلِكُهُ) عَقِبَ الْوَكَالَةِ (تَبَعًا) لِلْمَبِيعِ الـ (مَمْلُوكِ) لَهُ وَقْتَ التَّوْكِيلِ؛ كَقَوْلِ الْمُوَكِّلِ لِوَكِيلِهِ: (بِعْ هَذَا) الْحَيَوَانَ (وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ) ؛ أَيْ: الْحَيَوَانِ مِنْ نِتَاجِهِ، (أَوْ بِعْهُ وَاشْتَرِ بِثَمَنِهِ كَذَا) ؛ أَيْ: شِقْصًا مَعْلُومًا، فَأَمَّا قَوْلُ الْمُوَكِّلِ لِوَكِيلِهِ: (بِعْ مَا يَحْصُلُ مِنْ نَحْوِ لَبَنِ الْبَهِيمَةِ) كَنِتَاجِهَا وَصُوفِهَا وَشَعْرِهَا؛ (فَلَا يَصِحُّ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ
حِينَ التَّوْكِيلِ، (وَ) قَوْلُهُ: (بِعْهُ) ؛ أَيْ: اللَّبَنَ وَنَحْوَهُ (ذَا حَصَلٍ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ) . وَتَقَدَّمَ أَنَّ تَعْلِيقَ الْوَكَالَةِ صَحِيحٌ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ) (قَالَ لِوَكِيلِ غَائِبٍ) فِي مُطَالَبَةٍ (تَثْبُتُ وَكَالَتُهُ) بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارِ غَرِيمٍ: (احْلِفْ أَنْ لَك مُطَالَبَتِي) ؛ لَمْ يُسْمَعْ قَوْلُهُ.
أَوْ قَالَ لِوَكِيلٍ: احْلِفْ (أَنَّهُ مَا عَزَلَك) مُوَكِّلُك؛ (لَمْ يُسْمَعْ قَوْلُهُ) ؛ أَيْ: لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى لِلْغَيْرِ، (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ) الْمَطْلُوبُ (عِلْمَهُ) ؛ أَيْ: الْعَزْلَ (فَيَحْلِفُ) الْوَكِيلُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ؛ لِاحْتِمَالِ صِدْقِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ؛ (فَلَا طَلَبَ لَهُ) ؛ أَيْ: الْوَكِيلِ؛ لِاحْتِمَالِ صِدْقِ الْغَرِيمِ، فَيَمْتَنِعُ الطَّلَبُ
(وَلَوْ قَالَ) مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ وَكِيلُ غَائِبٍ (عَنْ دَيْنٍ ثَابِتٍ) فِي ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: (مُوَكِّلُك أَخَذَ حَقَّهُ؛ لَمْ يُقْبَلْ) قَوْلُهُ (بِلَا بَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَقَرُّ مُدَّعِي الْوَفَاءِ، (وَلَا يُؤَخَّرُ) ؛ أَيْ: لَا يُحْكَمُ عَلَى الْوَكِيلِ بِتَأْخِيرِ طَلَبِهِ حَتَّى يَحْضُرَ مُوَكِّلُهُ (لِيَحْلِفَ مُوَكِّلٌ) أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُ مِنْهُ، [أَوْ] ؛ أَيْ: وَلَا يُؤَخِّرُ لِيَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ (وَيَعْتَرِفُ) بِالْأَخْذِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ لِتَأْخِيرٍ مُتَيَقَّنٍ لِمَشْكُوكٍ فِيهِ؛ (كَمَا لَوْ ادَّعَى) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَفَاءً) لِلْمُوَكِّلِ، (وَ) ادَّعَى (غَيْبَةً بَيِّنَةً) الَّتِي أُقْبِضَ بِحُضُورِهَا؛ (فَلَا يُؤَخَّرُ) الْمُدَّعِي (لِحُضُورِهَا) ؛ أَيْ: الْبَيِّنَةِ.
[فَرْعٌ قَالَ عَبْدٌ اشْتَرَيْت نَفْسِي لِزَيْدٍ مُوَكِّلِي بِإِذْنِ سَيِّدِي وَصَدَّقَاهُ]
(فَرْعٌ: لَوْ قَالَ عَبْدٌ: اشْتَرَيْت نَفْسِي لِزَيْدٍ مُوَكِّلِي بِإِذْنِ سَيِّدِي، وَصَدَّقَاهُ) ؛ أَيْ: زَيْدٌ وَسَيِّدُهُ؛ (صَحَّ) الشِّرَاءُ، (وَلَزِمَ زَيْدًا الثَّمَنُ) الَّذِي وَقَّعَ بِهِ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الْبَيْعِ.
(وَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ: مَا اشْتَرَيْت نَفْسَك إلَّا لِنَفْسِك) ، فَقَالَ الْعَبْدُ: بَلْ اشْتَرَيْت نَفْسِي لِزَيْدٍ، فَكَذَّبَهُ زَيْدٌ؛ (عَتَقَ) الْعَبْدُ؛ لِإِقْرَارِ السَّيِّدِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يَعْتِقُ بِهِ الْعَبْدَ، (وَلَزِمَهُ) ؛ أَيْ: الْعَبْدَ (الثَّمَنُ) فِي ذِمَّتِهِ لِلسَّيِّدِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يَعْتِقُ بِهِ الْعَبْدَ، (وَلَزِمَهُ) ؛ [أَيْ: الْعَبْدَ (الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ لِلسَّيِّدِ] ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُ الْعَقْدِ لَهُ) ، (وَإِنْ كَذَّبَهُ زَيْدٌ فَقَطْ) ، أَيْ: دُونَ السَّيِّدِ (نَظَرْت، فَإِنْ كَذَّبَهُ زَيْدٌ فِي الْوَكَالَةِ حَلَفَ) زَيْدٌ أَنَّهُ لَمْ يُوَكِّلْهُ، (وَبَرِئَ) مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوَكَالَةِ، وَلِلسَّيِّدِ فَسْخُ الْبَيْعِ وَاسْتِرْجَاعُ عَبْدِهِ؛ لِتَعَذُّرِ ثَمَنِهِ، (وَإِنْ اعْتَرَفَ) زَيْدٌ (بِهَا) ؛ أَيْ: الْوَكَالَةِ، (وَكَذَّبَهُ) ؛ أَيْ: كَذَّبَ الْعَبْدَ فِي الشِّرَاءِ لَهُ؛ بِأَنْ قَالَ لِلْعَبْدِ: (إنَّك لَمْ تَشْتَرِ نَفْسَك لِي) ، وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتهَا لِغَيْرِي؛ فَالْقَوْلُ (قَوْلُ الْعَبْدِ) ؛ لِثُبُوتِ وَكَالَتِهِ عَنْ زَيْدٍ بِاعْتِرَافِهِ، (وَلِقَبُولِ قَوْلِ الْوَكِيلِ فِي التَّصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ) .
[فَصْلٌ الْوَكَالَةُ فِي كُلِّ حَقٍّ آدَمِيٍّ]
(فَصْلٌ: وَتَصِحُّ) الْوَكَالَةُ (فِي كُلِّ حَقٍّ آدَمِيٍّ) مُتَعَلِّقٍ بِمَالٍ، أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ (مِنْ عَقْدٍ) مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ؛ كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَإِجَارَةٍ، أَوْ مُتَعَلِّقٍ بِمَا يَجْرِي مَجْرَى الْمَالِ؛ كَعَقْدِ النِّكَاحِ (وَفَسْخٍ) لِنَحْوِ بَيْعٍ (وَطَلَاقٍ) ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ التَّوْكِيلُ فِي عَقْدِهِ جَازَ فِي حَلِّهِ بِطَرِيقِ أَوْلَى (وَرَجْعَةٍ) ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ حَيْثُ مُلِكَ بِهِ إنْشَاءُ النِّكَاحِ؛ مُلِكَ بِهِ تَجْدِيدُهُ بِالرَّجْعَةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ لَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ (إنْ وَكَّلَهَا) ؛ أَيْ: زَوْجَتَهُ (فِي رَجْعَةِ نَفْسِهَا أَوْ) رَجْعَةِ (غَيْرِهَا) مِنْ مُطَلَّقَاتِهِ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ مُبَاشَرَةِ التَّصَرُّفِ فِي إيجَابِ نِكَاحِ نَفْسِهَا ابْتِدَاءً، فَمُنِعَتْ مِنْ التَّوْكِيلِ فِي الرَّجْعَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِاسْتِمْرَارِ النِّكَاحِ دَوَامًا؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، لَكِنْ اسْتَظْهَرَ الْخَلْوَتِيُّ مُعَلِّلًا لَهَا بِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى صِيغَةٍ مِنْهُ.
(أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَ مُسْلِمٌ (كَافِرًا فِي رَجْعَةِ) زَوْجَةٍ (مُسْلِمَةٍ) ، وَهَذَا مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ: وَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلٌ فِي شَيْءٍ إلَّا مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ.
(وَ) تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِي (تَمَلُّكٍ مُبَاحٍ) مِنْ صَيْدٍ وَحَشِيشٍ؛ لِأَنَّهُ تَمَلُّكُ مَالٍ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ؛ كَالِاتِّهَابِ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَمْ يَنْوِهِ) ؛ أَيْ: الْمُبَاحَ (الْوَكِيلُ) ؛ أَيْ: حَالَ التَّمَلُّكِ (لِنَفْسِهِ) ؛ أَيْ: الْوَكِيلِ، فَإِنْ نَوَاهُ لِنَفْسِهِ انْفَسَخَتْ الْوَكَالَةُ، يُؤَيِّدُهُ إذَا اشْتَرَكَ اثْنَانِ شَرِكَةَ أَبْدَانٍ كَفِي احْتِشَاشٍ، ثُمَّ نَوَى أَحَدُهُمَا أَنْ مَا اكْتَسَبَهُ لِنَفْسِهِ دُونَ شَرِيكِهِ انْفَسَخَتْ الشَّرِكَةُ [ (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ) إنْ نَوَاهُ لِمُوَكِّلِهِ (يَمْلِكُهُ) ؛ أَيْ:] الْمُبَاحَ (مُوَكِّلٌ بِمُجَرَّدِ تَحْصِيلٍ) . وَهُوَ مُتَّجِهُ.
(وَتَصِحُّ) الْوَكَالَةُ (فِي صُلْحٍ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَالٍ؛ أَشْبَهَ الْبَيْعَ.
(وَإِقْرَارٍ) ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ يَلْزَمُ بِهِ الْمُوَكِّلَ مَالٌ، أَشْبَهَ الضَّمَانَ، وَصِفَتُهُ أَنْ يَقُولَ: وَكَّلْتُك فِي الْإِقْرَارِ، فَلَوْ قَالَ: أَقَرَّ عَنِّي؛ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَكَالَةً.
ذَكَرَهُ الْمَجْدُ.
وَيَصِحُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِالْمَجْهُولِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: وَكَّلْتُك فِي الْإِقْرَارِ لِزَيْدٍ بِمَالٍ أَوْ بِشَيْءٍ، وَيَرْجِعُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَى الْمُوَكِّلِ.
نَقَلَهُ الْمَجْدُ فِي " الْهِدَايَةِ " عَنْ الْأَصْحَابِ.
(وَلَيْسَ تَوْكِيلُهُ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْإِقْرَارِ (بِإِقْرَارٍ) ؛ كَتَوْكِيلِهِ فِي وَصِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ؛ فَلَيْسَ بِوَصِيَّةٍ وَلَا هِبَةٍ.
(وَ) تَصِحُّ فِي (حَوَالَةٍ وَرَهْنٍ وَكَفَالَةٍ وَشَرِكَةٍ الْوَدِيعَةٍ وَجَعَالَةٍ وَقَرْضٍ وَمُسَاقَاةٍ وَكِتَابَةٍ وَتَدْبِيرٍ وَوَقْفٍ) وَقِسْمَةٍ وَحُكُومَةٍ، بِأَنْ يُوَكِّلَ الْقَاضِي مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
(وَ) يَصِحُّ التَّوْكِيلُ أَيْضًا فِي (عِتْقٍ وَإِبْرَاءٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَالِ، (وَلَوْ) كَانَ التَّوْكِيلُ فِي الْعِتْقِ وَالْإِبْرَاءِ (لِأَنْفُسِهِمَا إنْ عَيَّنَا) بِأَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِرَقِيقِهِ: وَكَّلْتُك فِي أَنْ تَعْتِقَ نَفْسَك، أَوْ يَقُولَ رَبُّ الدَّيْنِ لِغَرِيمِهِ: وَكَّلْتُك فِي أَنْ تُبْرِئَ نَفْسَك.
(فَلَوْ وَكَّلَ عَبْدَهُ فِي إعْتَاقِ عَبِيدِهِ) ، لَمْ يَدْخُلْ.
(أَوْ وَكَّلَ امْرَأَتُهُ فِي طَلَاقِ نِسَائِهِ) ؛ لَمْ تَدْخُلْ.
(أَوْ) وَكَّلَ (غَرِيمَهُ فِي إبْرَاءِ غُرَمَائِهِ) ؛ لَمْ يَدْخُلْ.
(أَوْ) قَالَ لِإِنْسَانٍ (تَصَدَّقَ بِهَذَا) الْمَالِ؛ (لَمْ يَدْخُلْ الْوَكِيلُ فِي ذَلِكَ) ، فَلَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ عِتْقَ نَفْسِهِ، وَلَا الْمَرْأَةُ طَلَاقَ نَفْسِهَا، وَلَا الْغَرِيمُ إبْرَاءَ نَفْسِهِ، وَلَا يَمْلِكُ الْوَكِيلُ فِي التَّصَدُّقِ أَخْذَ شَيْءٍ مِنْ الْمَالِ لِنَفْسِهِ (إلَّا بِالنَّصِّ) الصَّرِيحِ مِنْ الْمُوَكِّلِ.
(وَتَصِحُّ) الْوَكَالَةُ (فِي كُلِّ حَقٍّ لِلَّهِ) تَعَالَى (تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مِنْ إثْبَاتِ حَدٍّ وَاسْتِيفَائِهِ) مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسٌ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَقَدْ وَكَّلَهُ فِي الْإِثْبَاتِ وَالِاسْتِيفَاءِ جَمِيعًا.
(وَيَتَّجِهُ) صِحَّةُ الْوَكَالَةِ (مِنْ سَيِّدٍ) ؛ أَيْ: أَنْ يُوَكِّلَ السَّيِّدُ إنْسَانًا فِي إثْبَاتِ حَدٍّ وَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ، وَفِي اسْتِيفَائِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ لَهُ الْإِثْبَاتَ وَالِاسْتِيفَاءَ بِنَفْسِهِ فَنَائِبُهُ كَذَلِكَ.
(وَ) يَتَّجِهُ صِحَّتُهَا مِنْ حَاكِمٍ فِي إثْبَاتِ حَدٍّ، خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ حَيْثُ مَنَعَ جَوَازَ الْوَكَالَةِ فِي الْإِثْبَاتِ، وَلَهُ أَيْضًا أَنْ يُوَكِّلَ فِي اسْتِيفَائِهِ؛ لِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجْمِ مَاعِزٍ، فَرَجَمُوهُ، وَوَكَّلَ عُثْمَانُ عَلِيًّا فِي إقَامَةِ حَدِّ الشُّرْبِ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَوَكَّلَ عَلِيٌّ الْحَسَنَ فِي ذَلِكَ فَأَبَى الْحَسَنُ، فَوَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، فَأَقَامَهُ، وَعَلِيٌّ يَعُدُّ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو
إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُمْكِنُهُ تَوَلِّي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَصِحُّ) مِنْ الْوَكِيلِ (اسْتِيفَاءُ) مَا وُكِّلَ فِيهِ (بِحَضْرَةِ مُوَكِّلٍ وَغِيبَتِهِ) ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَلِأَنَّ مَا جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ؛ جَازَ فِي غِيبَتِهِ؛ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (حَتَّى فِي اسْتِيفَاءِ حَدِّ قَذْفٍ وَقَوَدٍ) .
(وَ) تَصِحُّ الْوَكَالَةُ (فِي عِبَادَةٍ) تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ؛ (كَتَفْرِقَةِ صَدَقَةٍ وَ) تَفْرِقَةِ (نَذْرٍ وَ) تَفْرِقَةِ (زَكَاةٍ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَبْعَثُ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ وَتَفْرِيقِهَا، وَقَالَ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ أَطَاعُوك بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَتَفْرِقَةِ (كَفَّارَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ كَتَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ.
(وَتَصِحُّ) وَكَالَةٌ فِي إخْرَاجِ زَكَاةٍ (بِقَوْلِهِ) ؛ أَيْ: الْمُوَكِّلِ لِوَكِيلِهِ: (أَخْرِجْ زَكَاةَ مَالِي) مِنْ مَالِك، (أَوْ أَخْرِجْ كَفَّارَتِي مِنْ مَالِك) ؛ لِأَنَّهُ اقْتِرَاضٌ مِنْ مَالِ وَكِيلِهِ، وَتَوْكِيلٌ لَهُ فِي إخْرَاجِهِ.
(وَ) تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِي (فِعْلِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ) ، فَيَسْتَنِيبُ مَنْ يَفْعَلُهُمَا عَنْهُ مُطْلَقًا فِي النَّقْلِ وَمَعَ الْعَجْزِ فِي الْفَرْضِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْحَجِّ، (وَتَدْخُلُ رَكْعَتَا طَوَافٍ تَبَعًا) لِلطَّوَافِ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ وَكَذَا) يَدْخُلُ فِي الْوَكَالَةِ (صَوْمُ) الْوَكِيلِ عَنْ مُوَكِّلٍ (الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) السَّابِعُ وَالثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إذَا كَانَ مُتَمَتِّعًا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَحَيْثُ صَحَّتْ الثَّلَاثَةُ أَيَّامٍ فَلَا مَانِعَ مِنْ صِحَّةِ الْعَشَرَةِ قَبْلَ الْعَوْدِ إنْ كَانَ وَكِيلًا عَنْ حَيٍّ عَاجِزٍ عَنْ الصَّوْمِ.
وَلَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِي عِبَادَةٍ (بَدَنِيَّةٍ مَحْضَةٍ) لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ؛ (كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ) ؛ لِتَعَلُّقِهِمَا بِبَدَنِ مَنْ هُمَا عَلَيْهِ، وَالصَّوْمُ الْمَنْذُورُ يُفْعَلُ عَنْ الْمَيِّتِ أَدَاءً لِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِهِ.
(وَلَيْسَ فِعْلُهُ) ؛ أَيْ: الصَّوْمِ (عَنْ مَيِّتٍ بِوَكَالَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَسْتَنِيبُ الْوَلِيَّ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ الشَّرْعُ بِهِ إبْرَاءً لِذِمَّةِ الْمَيِّتِ.
(وَطَهَارَةٍ مِنْ حَدَثٍ وَاعْتِكَافٍ) وَغُسْلِ جُمُعَةٍ وَتَجْدِيدِ وُضُوءٍ؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ عَلَيْهِ لِأَمْرٍ يَخْتَصُّ الْمُعْتَكِفُ بِهِ، وَهُوَ لُبْثُ ذَاتِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، وَتَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِي تَطْهِيرِ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَيَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ؛ وَيَسْتَنِيبُ مَنْ يَصُبُّ لَهُ الْمَاءَ، وَيَغْسِلُ لَهُ أَعْضَاءَهُ.
وَتَقَدَّمَ.
(وَلَا) تَصِحُّ الْوَكَالَةُ (فِي ظِهَارٍ) ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُنْكَرٌ وَزُورٌ، أَشْبَهَ بَقِيَّةَ الْمَعَاصِي (وَ) لَا فِي (لِعَانٍ وَإِيلَاءٍ وَنَذْرٍ وَقَسَامَةٍ) لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْحَالِفِ وَالنَّاذِرِ، فَلَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ، كَبَقِيَّةِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، (وَ) لَا فِي (قَسَمٍ لِزَوْجَاتٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالزَّوْجِ، وَلَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، (وَ) لَا فِي (شَهَادَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الشَّاهِدِ؛ لِكَوْنِهَا خَبَرًا عَمَّا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ؛ وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الْمَعْنَى فِي نَائِبِهِ، فَإِنْ اسْتَنَابَ فِيهَا؛ كَانَ النَّائِبُ شَاهِدًا عَلَى شَهَادَتِهِ؛ لِكَوْنِهِ يُؤَدِّي مَا سَمِعَهُ مِنْ شَاهِدِ الْأَصْلِ، وَلَيْسَ بِوَكِيلٍ، (وَلَا فِي الْتِقَاطٍ) ؛ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ الِائْتِمَانُ، وَالْمُلْتَقِطُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْآمِرِ، (وَلَا فِي اغْتِنَامٍ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْحُضُورِ، فَلَا يَمْلِكُ غَائِبٌ الْمُطَالَبَةَ بِهِ؛ (وَ) لَا فِي (جِزْيَةٍ) ؛ لِفَوَاتِ الصِّغَارِ عَمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ، (وَ) لَا فِي (مَعْصِيَةٍ) مِنْ زِنًا وَغَيْرِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] ، (وَ) لَا فِي (رَضَاعٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْمُرْضَعَةِ؛ لِأَنَّ لَبَنَهَا يُنْبِتُ لَحْمَ الرَّضِيعِ وَيُنْشِزُ عَظْمَهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحُقُوقَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ نَوْعٌ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِيهِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَا
تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّ، وَنَوْعٌ لَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِيهِ مُطْلَقًا؛ كَالصَّلَاةِ وَالظِّهَارِ، وَنَوْعٌ تَصِحُّ فِيهِ مَعَ الْعَجْزِ دُونَ الْقُدْرَةِ كَحَجِّ فَرْضٍ وَعُمْرَتِهِ.
[فَصْلٌ الْوَكَالَةُ فِي بَيْعِ مَالِ الْمُوَكِّلِ]
(فَصْلٌ: وَتَصِحُّ) الْوَكَالَةُ (فِي بَيْعِ مَالِهِ) ؛ أَيْ: الْمُوَكِّلِ (كُلِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ مَالَهُ فَلَا غَرَرَ (أَوْ) بَيْعِ (مَا شَاءَ) الْوَكِيلُ (مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ التَّوْكِيلُ فِي الْجَمِيعِ فَفِي بَعْضِهِ أَوْلَى.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) تَصِحُّ الْوَكَالَةُ (فِي طَلَاقِ) جَمِيعِ (نِسَائِهِ) أَوْ مَا شَاءَ مِنْهُنَّ، (أَوْ عِتْقِ جَمِيعِ عَبِيدِهِ أَوْ مَا شَاءَ مِنْهُمْ) . وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ (فِي) كِتَابِ (" الْفُرُوعِ ": وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) ؛ أَيْ: الْأَصْحَابِ فِي بِعْ مِنْ مَالِي مَا شِئْت، (لَهُ بَيْعُ كُلِّ مَالِهِ، وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ لَا) فِي بِعْ مِنْ عَبِيدِي مَنْ شِئْت؛ (لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ) فَلَا يَبِيعُهُمْ إلَّا وَاحِدًا وَلَا الْكُلَّ؛ لِاسْتِعْمَالِ هَذَا فِي الْأَقَلِّ غَالِبًا، وَقَالَ؛ أَيْ: الْأَزَجِيُّ: وَهَذَا يُبْنَى عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ.
كَذَا قَالَ.
انْتَهَى كَلَامُ " الْفُرُوعِ ".
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " (وَ) تَصِحُّ الْوَكَالَةُ (فِي الْمُطَالَبَةِ بِحُقُوقِهِ) ؛ أَيْ: الْمُوَكِّلِ كُلِّهَا أَوْ مَا شَاءَ مِنْهَا (وَ) فِي (الْإِبْرَاءِ مِنْهَا كُلِّهَا أَوْ مَا شَاءَ مِنْهَا) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
و (لَا) يَصِحُّ التَّوْكِيلُ (فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ) كَبِلَا وَلِيٍّ أَوْ شِرَاءِ شَيْءٍ بِلَا رُؤْيَةٍ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الشَّرْعُ، بَلْ حَرَّمَهُ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، (وَلَا يَمْلِكُ) الْعَقْدَ (الصَّحِيحَ مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِمَّا وَكَّلَهُ بِهِ؛ كَإِجْرَائِهِ عَقْدَ التَّزْوِيجِ بِوَلِيٍّ، وَشِرَائِهِ الشَّيْءِ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ؛ لِمُخَالَفَتِهِ اشْتِرَاطَ الْمُوَكِّلِ.
[قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": إذَا وَكَّلَهُ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ، فَبَاعَ بَيْعًا صَحِيحًا؛ لَمْ يَصِحَّ، قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ] .
(أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يَصِحُّ
التَّوْكِيلُ فِي (كُلٍّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ) . ذَكَرَهُ الْأَزَجِيُّ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ هِبَةِ مَالِهِ وَطَلَاقِ نِسَائِهِ وَإِعْتَاقِ أَرِقَّائِهِ وَتَزْوِيجِ نِسَاءٍ كَثِيرَةٍ، وَيَلْزَمُهُ الْمُهُورُ الْكَثِيرَةُ، فَيَعْظُمُ الْغُرُورُ وَالضَّرَرُ، وَلِأَنَّ التَّوْكِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ (إلَّا إنْ قَالَ) الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ: وَكَّلْتُك فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ (مِنْ مَالِي) ؛ كَقَوْلِهِ: بِعْ مَالِي كُلَّهُ وَاقْبِضْ دُيُونِي كُلَّهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَالَهُ وَدُيُونَهُ، فَيَقِلُّ الْغَرَرَ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) يَصِحُّ التَّوْكِيلُ إنْ قَالَ: (اشْتَرِ مَا شِئْت أَوْ) اشْتَرِ (عَبْدًا بِمَا شِئْت) ؛ لِأَنَّ مَا يُمْكِنُ شِرَاؤُهُ وَالشِّرَاءُ بِهِ يَكْثُرُ، فَيَكْثُرُ فِيهِ الْغَرَرُ (حَتَّى يُبَيَّنَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - لِلْوَكِيلِ (نَوْعٌ) . وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَ نَوْعًا فَقَدْ أَذِنَ فِي أَغْلَاهُ ثَمَنًا، فَيَقِلُّ الْغَرَرُ فِيهِ (وَقَدْرُ ثَمَنٍ) يُشْتَرَى بِهِ؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ لَا يَنْتَفِي إلَّا بِذَكَرِ الشَّيْئَيْنِ.
(وَيَتَّجِهُ مَا لَمْ يُمْكِنْ مِقْدَارُ ثَمَنِهِ) ؛ أَيْ: الْمَبِيعِ (مَعْلُومًا بَيْنَ النَّاسِ كَمَكِيلٍ) وَمَوْزُونٍ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهِ وَلَا ضَرَرَ، (وَإِنْ) قَالَ لِوَكِيلِهِ (اشْتَرِ كَذَا وَكَذَا) [لَا يَصِحُّ] التَّوْكِيلُ؛ لِلْجَهَالَةِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمِثْلُهُ) ؛ أَيْ:
مِثْلُ قَوْلِهِ: وَكَّلْتُك فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: (اشْتَرِ) لِي (مَا شِئْت كَمَا فِي " الْمُبْدِعِ " مِنْ الْمَتَاعِ الْفُلَانِيِّ) ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِي مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى ثَمَنِهِ.
(وَالْإِطْلَاقُ) فِي قَوْلِ الْمُوَكِّلِ لِوَكِيلِهِ اشْتَرِ عَبْدًا (يَقْتَضِي) أَنْ لَا يَمْلِكَ الْوَكِيلُ إلَّا (شِرَاءَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ؛ لِجَعْلِهِ) ؛ أَيْ: ابْنِ عَقِيلٍ (الْكُفْرَ) فِي الرَّقِيقِ (عَيْبًا) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
(وَقِيلَ تَصِحُّ) الْوَكَالَةُ (فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ) مِنْ بَيْعِ مَالِهِ وَقَبْضِ دُيُونِهِ وَإِبْرَاءِ غُرَمَائِهِ، (وَيُؤَيِّدُهُ) ؛ أَيْ: الْقَوْلَ بِصِحَّةِ التَّوْكِيلِ فِي قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاج بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرُّوذِيِّ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ - نِسْبَةً إلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ مَرْوَ الرُّوذِ.
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ أَبُوهُ خُوَارَزْمِيٌّ، وَأُمُّهُ مَرُّوذِيَّةٌ، مِنْ أَخَصِّ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَدُفِنَ عِنْدَ رِجْلَيْ قَبْرِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. انْتَهَى (بَعَثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي حَاجَةٍ وَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ تَقُولُهُ عَلَى لِسَانِي فَأَنَا قُلْتُهُ) ؛ لَمَّا عَلِمَ الْإِمَامُ مِنْ أَمَانَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَعَدَالَتِهِ وَوَرَعِهِ وَفَضْلِهِ وَزُهْدِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْنِسُ بِهِ وَيَنْبَسِطُ إلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى إغْمَاضَهُ لَمَّا مَاتَ وَغَسَّلَهُ، فَلِذَلِكَ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ.
قَالَ الْخَلَّالُ: خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ إلَى الْغَزْوِ فَشَيَّعَهُ النَّاسُ إلَى سَامِرَّاءَ، فَجَعَلَ يَرُدُّهُمْ، فَلَا يَرْجِعُونَ - حَزَرُوا فَإِذَا هُمْ بِسَامِرَّاءُ سِوَى مَنْ رَجَعَ خَمْسُونَ أَلْفِ إنْسَانٍ - فَقِيلَ لَهُ يَا أَبَا بَكْرٍ: احْمَدْ اللَّهَ فَهَذَا عِلْمٌ نُشِرَ لَك فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ هَذَا الْعِلْمُ إلَيَّ، إنَّمَا هَذَا عِلْمُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
أَقُولُ: مَنْ كَانَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ فَلَا مَانِعَ مِنْ تَفْوِيضِ الْمُوَكَّلِ إلَيْهِ سَائِرَ الْأَعْمَالِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ
بِمَا هُنَالِكَ، بَلْ يَقِفُ عِنْدَ بَيَانِ النَّوْعِ وَالتَّقْدِيرِ، كَمَا لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى النَّاقِدِ الْبَصِيرِ، وَقَالَ الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ بْنُ رَجَبٍ (فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ الْقَوَاعِدِ) الْفِقْهِيَّةِ: (الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ كَشَرِكَةٍ وَمُضَارَبَةٍ وَوَكَالَةٍ) إذَا كَانَتْ فَاسِدَةً فَإِنَّ (فَسَادَهَا لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ التَّصَرُّفِ) ؛ أَيْ: تَصَرُّفِ الْمُتَعَاطِي (فِيهَا بِالْإِذْنِ) . وَعِبَارَتُهُ: الشَّرِكَةُ وَالْمُضَارَبَةُ إذَا تَعَدَّى فِيهِمَا فَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَصِيرُ ضَامِنًا، وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ؛ لِبَقَاءِ الْإِذْنِ فِيهِ، وَيَتَخَرَّجُ بُطْلَانُ تَصَرُّفِهِ مِنْ الْوَكَالَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: لَوْ حَلَفَ عَلَى الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ مِنْ أَصْلِهَا أَنَّهَا شَرِكَةٌ حَنِثَ.
قَالَ وَيُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا.
وَالْمَنْعُ مِنْ التَّصَرُّفِ مَعَ الْقَوْلِ بِنُفُوذِهِ وَبَقَاءِ الْإِذْنِ مُشْكِلٌ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَرَّرَ أَنَّ الْعَامِلَ يَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى.
(وَوَكِيلٌ فِي شِرَاءِ طَعَامٍ يَمْلِكُ شِرَاءَ الْبُرِّ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ هُوَ الْبُرُّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي لِسَانِ أَهْلِ الْحِجَازِ.
وَقَالَ فِي " الْمُنْتَخَبِ ": يَشْتَرِي خُبْزَ بُرٍّ مَعَ وُجُودِ الْبُرِّ لِلْعَادَةِ.
ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
(وَ) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ (فِي " الْفُنُونِ ": لَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ مِمَّنْ عَلِمَ ظُلْمَهُ مُوَكِّلُهُ فِي الْخُصُومَةِ) . قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ.
(وَكَذَا) ؛ أَيْ: لَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ (لَوْ ظَنَّ الْوَكِيلُ ظُلْمَهُ) ؛ أَيْ: ظُلْمَ مُوَكِّلِهِ إجْرَاءً لِلظَّنِّ مَجْرَى الْعِلْمِ قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، (وَبَالَغَ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى (فَمَنَعَ) ذَلِكَ، وَقَالَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ (أَنْ يُخَاصِمَ عَنْ غَيْرِهِ وَهُوَ غَيْرُ عَالَمٍ بِحَقِيقَةِ أَمْرِهِ) .
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " فِي الصُّلْحِ عَنْ الْمُنْكَرِ: يُشْتَرَطُ أَنْ يُعْلَمَ صِدْقُ الْمُدَّعِي، فَلَا يَحِلُّ دَعْوَى مَا لَمْ يُعْلَمْ ثُبُوتُهُ.
(وَيَتَّجِهُ إنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ يُعْرَفُ بِالصِّدْقِ) وَالْأَمَانَةِ وَعَدَمِ التَّعَدِّي عَلَى الْغَيْرِ؛ (اعْتَمَدَ قَوْلَهُ) ؛ وَصَحَّتْ الْوَكَالَةُ عَنْهُ، (وَ) إنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْرَفُ
(بِالْكَذِبِ) وَالِاسْتِشْرَافِ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ؛ فَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِهِ، وَلَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ عَنْهُ لِئَلَّا يَقَعَ الْوَكِيلُ فِي الْمَحْظُورِ مِنْ أَجْلِهِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ وَكَّلَ فِي قَبْضِ) دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ (كَانَ وَكِيلًا فِي خُصُومَةٍ) سَوَاءٌ عَلِمَ الْغَرِيمُ بِبَذْلِ مَا عَلَيْهِ أَوْ جَحَدَهُ أَوْ مَطَلَهُ؛ لِأَنَّهُ [لَا] يُتَوَصَّلُ إلَى الْقَبْضِ إلَّا بِالْإِثْبَاتِ، فَالْإِذْنُ فِيهِ إذْنٌ فِيهِ عُرْفًا، وَمِثْلُهُ مَنْ وُكِّلَ فِي قَسْمِ شَيْءٍ أَوْ بَيْعِهِ أَوْ طَلَبِ شُفْعَةٍ، فَيَمْلِكُ بِذَلِكَ تَثْبِيتَ مَا وُكِّلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ لِلتَّوَصُّلِ إلَيْهِ، (لَا عَكْسُهُ) يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ فِي الْخُصُومَةِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا فِي الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ نُطْقًا وَلَا عُرْفًا، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَرْضَى لِلْخُصُومَةِ مَنْ لَا يَرْضَاهُ لِلْقَبْضِ، وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ فِي خُصُومَةِ إقْرَارٍ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِقَوَدٍ وَلَا قَذْفٍ، وَكَالْوَلِيِّ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ عَلَى مَوْلَاهُ.
[و] قَوْلُ إنْسَانٍ لِآخَرَ: (أَجِبْ خَصْمِي عَنِّي؛ وَكَالَةً فِي خُصُومَةٍ، وَ) قَوْلُهُ (اقْبِضْ حَقِّي الْيَوْمَ) أَوْ اللَّيْلَةَ أَوْ بِعْ ثَوْبِي الْيَوْمَ أَوْ اللَّيْلَةَ؛ (لَمْ يَمْلِكْهُ) ؛ أَيْ؛ فَعَلَ مَا وَكَّلَ فِيهِ الْيَوْمَ أَوْ اللَّيْلَةَ (غَدًا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ نُطْقُهُ إذْنًا وَلَا عُرْفًا، وَلِأَنَّهُ قَدْ يُؤْثِرُ التَّصَرُّفَ فِي زَمَنِ الْحَاجَةِ، دُونَ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا لَمَّا عَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادَتِهِ وَقْتًا لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ وَلَا تَأْخِيرُهَا عَنْهُ، وَإِنَّمَا صَحَّ فِعْلُهَا [قَضَاءً] ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ لَمَا اُشْتُغِلَتْ كَانَ الْفِعْلُ مَطْلُوبَ الْقَضَاءِ.
(وَ) إنْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: اقْبِضْ حَقِّي (مِنْ فُلَانٍ مَلَكَهُ) أَيْ: قَبَضَ حَقَّهُ مِنْ فُلَانٍ و (مِنْ وَكِيلِهِ) ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَ مُوَكِّلِهِ، فَيَجْرِي مَجْرَى إقْبَاضِهِ، و (لَا) يَمْلِكُ الْقَبْضَ (مِنْ وَارِثِهِ) ؛ أَيْ: فُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ، وَلَا يَقْتَضِيه الْعُرْفُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ إلَى الْوَارِثِ وَاسْتَحَقَّ الطَّلَبَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ إنْسَانٌ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا حَنِثَ بِفِعْلِ وَكِيلِهِ.
(وَإِنْ قَالَ لَهُ) : اقْبِضْ حَقِّي (الَّذِي قَبِلَهُ) ؛ أَيْ:
فُلَانٌ (أَوْ) حَقِّي الَّذِي (عَلَيْهِ مَلَكَهُ) ؛ أَيْ: قَبَضَ حَقَّهُ مِنْهُ وَمِنْ وَكِيلِهِ (حَتَّى مِنْ وَارِثِهِ) ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ اقْتَضَتْ قَبْضَ حَقِّهِ مُطْلَقًا، فَشَمِلَ الْقَبْضَ مِنْ وَارِثِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ.
(وَوَكِيلُهُ) ؛ أَيْ: الزَّوْجِ (فِي خُلْعٍ بِمُحَرَّمٍ) كَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ؛ (كَهُوَ) أَيْ: كَالزَّوْجِ، يَلْغُو إذَا لَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ طَلَاقٍ أَوْ نِيَّةٍ، (فَلَوْ خَالَعَ) وَكِيلٌ فِي خُلْعٍ بِمُحَرَّمٍ (بِمُبَاحٍ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِهَا؛ صَحَّ) الْخُلْعُ (بِقِيمَتِهِ) قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى مُبَاحٍ؛ صَحَّ الْخَلْعُ، وَفَسَدَ الْعِوَضُ، وَلَهُ قِيمَةُ الْعِوَضِ، لَا هُوَ.
انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمُخَالَعُ عَلَيْهِ مِثْلِيًّا؛ (فَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ قَبُولُهُ) ؛ أَيْ: الْمُخَالَعِ (عِوَضًا) إذْ لَوْ لَزِمَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ؛ لَلَزِمَهُ أَخْذُ الْقِيمَةِ.
(وَلِوَكِيلٍ تَوْكِيلٌ فِيمَا يُعَجِّزُهُ) فِعْلُهُ (لِكَثْرَتِهِ) بِلَا نِزَاعٍ، (وَلَوْ فِي جَمِيعِهِ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ " " وَالرِّعَايَةِ " وَ " شَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ " وَغَيْرِهِمْ؛ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى الْإِذْنِ فِيهِ، وَحَيْثُ اقْتَضَتْ الْوَكَالَةُ جَوَازَ التَّوْكِيلِ؛ جَازَ فِي جَمِيعِهِ؛ كَمَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ لَفْظًا، خِلَافًا لِلْقَاضِي حَيْثُ مَنَعَ الْوَكِيلَ مِنْ التَّوْكِيلِ، إلَّا فِي الْقَدْرِ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ خَاصَّةً.
(وَ) لَهُ التَّوْكِيلُ (فِيمَا لَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ) ؛ أَيْ: إذَا كَانَ الْعَمَلُ مِمَّا يَرْتَفِعُ الْوَكِيلُ عَنْ مِثْلِهِ؛ كَالْأَعْمَالِ الدَّنِيئَةِ فِي حَقِّ أَشْرَافِ النَّاسِ الْمُرْتَفِعِينَ عَنْ فِعْلِهَا عَادَةً، فَإِنَّ الْإِذْنَ يَنْصَرِفُ إلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " بَعْدَ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ: وَلَعَلَّ ظَاهِرَ مَا سَبَقَ يَسْتَنِيبُ نَائِبًا فِي الْحَجِّ لِمَرَضٍ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
و (لَا) يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلٌ (فِيمَا لَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْجِزْهُ) ؛ بِأَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِي التَّوْكِيلِ، وَلَا تَضَمُّنُهُ الْآذِنُ لَهُ؛ فَلَمْ يَجُزْ؛
كَمَا لَوْ نَهَاهُ، وَلِأَنَّهُ اُسْتُؤْمِنَ فِيمَا يُمْكِنُهُ النُّهُوضُ فِيهِ، فَلَا يُوَلِّيه غَيْرَهُ كَالْوَدِيعَةِ، (إلَّا بِإِذْنِ) مُوَكِّلِهِ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ؛ فَيَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ أُذِنَ لَهُ فِيهِ أَشْبَهَ سَائِرَ الْعُقُودِ.
(وَيَتَعَيَّنُ) عَلَى وَكِيلٍ حَيْثُ جَازَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ (أَمِينٌ) ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِنَابَةُ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَنْظُرُ لِمُوَكِّلِهِ بِالْحَظِّ، وَلَا حَظَّ لَهُ فِي إقَامَةِ غَيْرِهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَوْ) كَانَ وَكِيلُ الْوَكِيلِ (أُنْثَى) أَوْ خُنْثَى حَيْثُ صَلَحَ لِمَا وُكِّلَ فِيهِ؛ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّ تَوْكِيلَ خَائِنٍ يَصِحُّ مَعَ تَحْرِيمٍ) ؛ لِعَدَمِ اسْتِئْذَانِهِ، (وَ) مَعَ (ضَمَانٍ) ؛ لِتَعَدِّيهِ بِتَوْكِيلِ خَائِنٍ، وإعْرَاضِهِ عَنْ تَوْكِيلِ مَنْ اتَّصَفَ بِالْأَمَانَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي وَكِيلِ الْوَكِيلِ، قِيَاسًا عَلَى نَاظِرِ وَقْفٍ أَجَّرَهُ بِدُونِ أُجْرَةٍ؛ فَيَصِحُّ، وَيَضْمَنُ مَا نَقَصَهُ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(إلَّا مَعَ تَعْيِينِ مُوَكِّلٍ) بِأَنْ قَالَ لَهُ: وَكِّلْ زَيْدًا مَثَلًا؛ فَلَهُ تَوْكِيلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِينًا؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ نَظَرَهُ لِتَعْيِينِهِ لَهُ.
(وَلَوْ وَكَّلَهُ) الْوَكِيلُ حَيْثُ جَازَ (أَمِينًا فَخَانَ؛) (فَعَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْوَكِيلِ (عَزْلُهُ) ؛ أَيْ: عَزْلُ وَكِيلِهِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ يَتَصَرَّفُ [تَضْيِيعٌ وَتَفْرِيطٌ (وَكَذَا) ؛ أَيْ: كَالْوَكِيلِ فِيمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ (وَصِيٌّ يُوَكِّلُ) فِيمَا أَوْصَى إلَيْهِ؛] فَلَيْسَ لَهُ، أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِالْإِذْنِ؛ أَشْبَهَ الْوَكِيلَ، وإنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِيمَا اقْتَضَتْهُ الْوَصِيَّةُ؛ كَالْوَكِيلِ يَتَصَرَّفُ فِيمَا اقْتَضَتْهُ الْوَكَالَةُ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَيَلْحَقُ بِهَذَا مُضَارِبٌ، (وَ) كَذَا (حَاكِمٌ) يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ فِي نَاحِيَةٍ، (فَيَسْتَنِيبُ) غَيْرَهُ؛ أَيْ: حُكْمُهُ الْوَكِيلَ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ؛ وَحَيْثُ جَازَتْ الِاسْتِنَابَةُ؛ فَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مِنْ غَيْرِ مَذْهَبِهِ.
قَالَ فِي
الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ": وَيَجُوزُ لِمَنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ أَحْمَدَ أَنْ يُقَلِّدَ الْقَضَاءَ مَنْ يُقَلِّدُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِي قَضَائِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَلِّدَ فِي النَّوَازِلِ وَالْأَحْكَامِ مَنْ اعْتَزَى إلَى مَذْهَبِهِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: هَذَا فِي وِلَايَةِ الْمُجْتَهِدِينَ، أَمَّا الْمُقَلِّدِينَ الَّذِينَ وَلَّاهُمْ الْإِمَامُ لِيَحْكُمُوا بِمَذْهَبٍ، فَوِلَايَتُهُمْ خَاصَّةٌ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُوَلُّوا مَنْ لَيْسَ مِنْ مَذْهَبِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَوَّضْ إلَيْهِمْ ذَلِكَ، أَمَّا أَوْ فُوِّضَ إلَيْهِمْ فَلَا تَرَدُّدَ فِي جَوَازِهِ؛ كَمَا كَانَ أَوَّلًا يُوَلِّي الْإِمَامُ الْقَضَاءَ قَاضِيًا وَاحِدًا يُوَلِّي فِي جَمِيعِ الْأَقَالِيمِ وَالْبُلْدَانِ، فَهَذَا وِلَايَتُهُ عَامَّةٌ يَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ مِنْ مَذْهَبِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ؛ كَالْإِمَامِ نَفْسِهِ إذَا كَانَ مُقَلِّدًا لِإِمَامٍ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يُوَلِّيَ الْقَضَاءَ مَنْ يُقَلِّدُ غَيْرَ أَمَامِهِ؛ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ بِنَائِبٍ لِلْإِمَامِ، بَلْ هُوَ نَاظِرٌ لِلْمُسْلِمِينَ، لَا عَنْ وِلَايَةٍ: ولِهَذَا لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ؛ أَيْ: الْإِمَامِ وَلَا بِعَزْلِهِ، فَيَكُونُ بِحُكْمِهِ فِي وِلَايَتِهِ حُكْمُ الْإِمَامِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ يَضِيقُ عَلَيْهِ تَوَلِّي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ بِنَفْسِهِ، وَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَعْطِيلِ مَصَالِحِ النَّاسِ الْعَامَّةِ، فَأَشْبَهَ مَنْ وُكِّلَ فِيمَا لَا يُمْكِنُهُ مُبَاشَرَتُهُ لِكَثْرَتِهِ انْتَهَى.
وَأُلْحِقَ بِالْحَاكِمِ أَمِينُهُ فِي " الرِّعَايَتَيْنِ " وَ " الْحَاوِيَيْنِ ".
(وَ) إنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ لِلْوَكِيلِ: (وَكِّلْ عَنْك) ، فَبَاشَرَ مَا وُكِّلَ بِهِ، أَوْ لَمْ يُبَاشِرْ، (أَوْ احْتَاجَ) لِمُعِينٍ؛ صَحَّ ذَلِكَ، وَكَانَ الثَّانِي.
(وَكِيلٌ، فَلَهُ عَزْلُهُ) فَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ.
(وَتَبْطُلُ) الْوَكَالَةُ (بِمَوْتِهِ) ؛ أَيْ: الْوَكِيلِ.
(وَ) إنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ: وَكِّلْ عَنِّي، أَوْ قَالَ: وَكِّلْ، و (يُطْلِقُ) ؛ بِأَنْ لَمْ يَقُلْ عَنْك وَلَا عَنِّي؛ صَحَّ، وَكَانَ الثَّانِي (وَكِيلَ مُوَكِّلِهِ) لَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ لَهُ وَلَا بِمَوْتِهِ؛
وَلَوْ قَالَ الشَّخْصُ: وَكِّلْ فُلَانًا عَنِّي فِي بَيْعِ كَذَا، فَقَالَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي: بِعْ هَذَا وَلَمْ يُشْعِرْهُ أَنَّهُ وَكِيلُ الْمُوَكِّلِ، فَقَالَ الشَّيْخُ: لَا يَحْتَاجُ إلَى تَبْيِينٍ؛ لِأَنَّهُ
وَكِيلُهُ أَوْ وَكِيلُ فُلَانٍ.
ذَكَرَهُ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " وَحَيْثُ قُلْنَا أَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ وَكِيلُ الْمُوَكَّلِ، فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ وَبِمَوْتِهِ وَجُنُونِهِ وَحَجَرٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَمْلِكُ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ عَزْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَكِيلًا عَنْهُ، وَلَا يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ الثَّانِي بِمَوْتِهِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَكِيلًا عَنْهُ، وَحَيْثُ قُلْنَا: إنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ وَكِيلُ الْوَكِيلِ، فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا وَالْحَجْرُ عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا وَنَحْوِهِ، وَكَقَوْلِ الْمُوصِي لِوَصِيِّهِ (أَوْصِي إلَى مَنْ يَكُونُ وَصِيًّا لِي) ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَنْ أَوْصَى إلَيْهِ الْوَصِيُّ وَصِيًّا لِلْمُوصِي الْأَوَّلِ.
(وَلَا يُوصِي وَكِيلٌ - وَإِنْ أَذِنَ لَهُ) مُوَكِّلُهُ - لِعَدَمِ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُ، و (لِبُطْلَانِهَا) ؛ أَيْ: الْوَكَالَةِ (بِمَوْتِهِ) ؛ أَيْ: الْوَكِيلِ.
(وَلَا يَعْقِدُ الْوَكِيلُ) عَقْدًا وَكَّلَ فِيهِ؛ كَعَقْدِ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ (مَعَ فَقِيرٍ) بِأَنْ عَقَدَ مَعَهُ (بِذِمَّتِهِ) ؛ لِتَعَسُّرِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ.
(أَوْ) ؛ أَيْ، وَلَا يَعْقِدُ الْوَكِيلُ مَعَ (قَاطِعِ طَرِيقٍ) ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إضْرَارِ الْمُوَكِّلِ، (أَوْ) ؛
أَيْ: وَلَا (يَنْفَرِدُ) وَكِيلٌ (مِنْ عَدَدٍ) ، يَعْنِي أَنَّ مَنْ وَكَّلَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَعْزِلْ الْأَوَّلَ؛ فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ إلَّا بِإِذْنٍ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمْ يَرْضَ بِتَصَرُّفِهِ [مُنْفَرِدًا بِدَلِيلِ إضَافَةِ الْغَيْرِ إلَيْهِ، فَلَوْ وَكَّلَ اثْنَيْنِ فِي حِفْظِ مَالِهِ حَفِظَاهُ مَعًا] فِي حِرْزٍ لَهُمَا، فَلَوْ غَابَ أَحَدُهُمَا؛ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ ضَمُّ أَمِينٍ إلَيْهِ لِيَتَصَرَّفَا مَعًا؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُوَكِّلِ: افْعَلَا يَقْتَضِي اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى فِعْلِهِ، بِخِلَافِ بِعْتُكُمَا حَيْثُ كَانَ مُنْقَسِمًا بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمِلْكُ لَهُمَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ.
(أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا (يَبِيعُ) وَكِيلٌ (نَسَاءً) إلَّا بِإِذْنٍ، فَإِنْ فَعَلَ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِانْصِرَافِ الْإِطْلَاقِ إلَى الْحُلُولِ، (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَبِيعُ بِغَيْرِ نَقْدٍ (كَمَنْفَعَةٍ أَوْ عَرَضٍ كَثَوْبٍ) ، فَإِنْ فَعَلَ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعُرْفِ (وَفُلُوسٍ) وَالْعُرْفُ كَوْنُ الثَّمَنِ مِنْ النَّقْدَيْنِ، (إلَّا بِإِذْنِ مُوَكِّلٍ) أَوْ قَرِينَةٍ؛ كَبَيْعِ حُزَمِ بَقْلٍ بِفُلُوسٍ، (أَوْ بِقَوْلِهِ) ؛ أَيْ: الْمُوَكِّلِ
لِوَكِيلِهِ: (اصْنَعْ مَا شِئْت أَوْ تَصَرَّفْ كَيْفَ مَا شِئْت) ؛ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ حَالًا وَنَسَاءً وَبِمَنْفَعَةٍ وَعَرَضٍ، (فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) ؛ بِأَنْ بَاعَ نَسَاءً أَوْ بِعَرَضٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ (بِدُونِهِ) ؛ أَيْ: الْإِذْنِ؛ فَتَصَرُّفُهُ (بَاطِلٌ) ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُضَارِبِ حَيْثُ يَبِيعُ نَسَاءً وَبِعَرَضٍ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْمُضَارَبَةِ الرِّبْحُ وَهُوَ [فِي] النِّسَاءِ وَنَحْوِهِ أَكْثَرُ، وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِي الْوَكَالَةِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ لِدَفْعِ حَاجَتِهِ، فَيَفُوتُ بِتَأْخِيرِ الثَّمَنِ، وَلِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الثَّمَنِ وَتَنْصِيفَهُ فِي الْمُضَارَبَةِ عَلَى الْمُضَارِبِ، فَيَعُودُ الضَّرَرُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ، وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ شَيْئًا تَعَيَّنَ، وَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِإِذْنِهِ.
(وَكَذَا) لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ (لَوْ بَاعَ الْوَكِيلُ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ) ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ النَّقْدِ يَنْصَرِفُ إلَى نَقْدِ الْبَلَدِ (أَوْ) بَاعَ بِنَقْدٍ غَيْرِ (غَالِبِهِ رَوَاجًا) إنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ، أَوْ بَاعَ بِغَيْرِ (الْأَصْلَحِ إنْ تَسَاوَتْ) النُّقُودُ رَوَاجًا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْصَرِفُ إلَيْهِ الْإِطْلَاقُ، هَذَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الْمُوَكِّلُ نَقْدًا، و (إلَّا بِأَنْ عَيَّنَهُ الْمُوَكِّلُ) ؛ بِأَنْ قَالَ: بِعْ بِنَقْدِ كَذَا، (فَيَتَعَيَّنُ مَا) ؛ أَيْ: النَّقْدُ الَّذِي (عَيَّنَهُ) الْمُوَكِّلُ.
(وَإِذَا) وَكَّلَ شَخْصًا فِي بَيْعِ عَبْدٍ وَنَحْوِهِ (فَبَاعَهُ نَسَاءً) ، فَقَالَ: مَا أَذِنْتُ لَك فِي بَيْعِهِ إلَّا نَقْدًا، و (أَنْكَرَ مُوَكِّلٌ الْإِذْنَ فِيهِ) ؛ أَيْ: فِي النِّسَاءِ، (فَإِنْ صَدَّقَهُ وَكِيلُهُ، وَ) صَدَّقَ (الْمُشْتَرِي) الْمُوَكِّلَ؛ (فَسَدَ الْبَيْعُ) ؛ لِتَصْدِيقِهَا لَهُ، (وَيُطَالِبُ الْمُوَكِّلُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا) ؛ أَيْ: مِنْ الْوَكِيلِ الْمُشْتَرِي بِالْعَبْدِ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَبِقِيمَتِهِ إنْ تَلِفَ، فَإِنْ أَخَذَ الْقِيمَةَ مِنْ الْوَكِيلِ؛ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِهَا، (وَ) أَخَذَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ (الْقَرَارَ) ؛ أَيْ: قَرَارَ الضَّمَانِ (عَلَى الْمُشْتَرِي) ؛ لِحُصُولِ التَّلَفِ فِي يَدِهِ، (وَبِتَصْدِيقِ الْوَكِيلِ) وَحْدَهُ؛ (يَضْمَنُ) الْوَكِيلُ دُونَ الْمُشْتَرِي، (أَوْ) صَدَّقَ (الْمُشْتَرِي) وَحْدَهُ؛ (يَرُدُّ) الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ، وَلِلْمُوَكِّلِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُصَدِّقِ مِنْهُمَا بِغَيْرِ يَمِينٍ.
قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَقَالَ: وَيَحْلِفُ عَلَى الْمُكَذِّبِ، وَيَرْجِعُ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
هَذَا إنْ اعْتَرَفَ الْمُشْتَرِي بِالْوَكَالَةِ، وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ،
وَقَالَ: إنَّمَا بِعْتنِي مِلْكَك؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ وَكِيلًا، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ.
انْتَهَى.
وَإِنْ كَذَّبَاهُ وَادَّعَيَا أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ وَكِيلًا وَأَذِنَ فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً؛ حَلَفَ الْمُوَكِّلُ، وَيَرْجِعُ فِي الْعَيْنِ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً رَجَعَ بِقِيمَتِهَا عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
(وَ) إنْ وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ؛ (صَحَّ انْفِرَادُ) أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ (فِي) صُورَةٍ: هِيَ قَوْلُهُ (أَيُّكُمَا بَاعَ سِلْعَتِي فَبَيْعُهُ جَائِزٌ) ؛ لِحُصُولِ مَقْصُودِ الْمُوَكِّلِ فِي بَيْعِ أَحَدِهِمَا، (وَكَذَا) ؛ أَيْ: كَمَا يَصِحُّ الِانْفِرَادُ فِي قَوْلِهِ: أَيُّكُمَا بَاعَ سِلْعَتِي فَبَيْعُهُ جَائِزٌ؛ صَحَّ بَيْعُ (مَا يُبَاعُ مِثْلُهُ بِفُلُوسٍ عُرْفًا؛ كَخُبْزٍ وَنَحْوِهِ) ؛ كَحُزْمَةِ بَقْلٍ وَكُلِّ تَافِهٍ (إذَا بِيعَ بِهَا) عَمَلًا بِالْعُرْفِ.
[فَرْعٌ وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ فَغَابَ أَحَدُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ جَعَلَ الِانْفِرَادَ لِكُلِّ مِنْهُمَا]
(فَرْعٌ: لَوْ) وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ، (فَغَابَ أَحَدُ الْوَكِيلَيْنِ) ، وَلَمْ يَكُنْ جَعَلَ الِانْفِرَادَ لِكُلِّ مِنْهُمَا؛ (لَمْ يَكُنْ) لِلْوَكِيلِ (الْحَاضِرِ التَّصَرُّفُ) مَعَ غَيْبَةِ الْآخَرِ، (وَلَا لِحَاكِمٍ ضَمُّ أَمِينٍ إلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْوَكِيلِ الْحَاضِرِ (لِيَتَصَرَّفَا) ؛ أَيْ: الْحَاضِرُ وَالْأَمِينُ، (بِخِلَافِ) طُرُوءِ (مَوْتِ أَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ) مِنْ قَبْلِ مَيِّتٍ؛ (لِأَنَّ لَهُ) ؛ أَيْ: الْحَاكِمِ (نَظَرًا فِي حَقِّ مَيِّتٍ، وَيَتِيمٍ، وَلِذَلِكَ يُقِيمُ وَصِيًّا لِمَنْ) ؛ أَيْ: مَيِّتٍ (لَمْ يُوصِ) إلَى أَحَدٍ، بِخِلَافِ الْمُوَكِّلِ، فَإِنَّهُ رَشِيدٌ جَائِزُ التَّصَرُّفِ؛ فَلَا وِلَايَةَ لِلْحَاكِمِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ أَثْبَتَ أَحَدُهُمَا) ؛ أَيْ: أَحَدُ الْوَكِيلَيْنِ (الْوَكَالَةَ) لَدَى حَاكِمٍ (وَالْآخَرُ غَائِبٌ، وَحَكَمَ بِهَا) الْحَاكِمُ؛ (ثَبَتَتْ) الْوَكَالَةُ لَهُ، و (لِلْغَائِبِ تَبَعًا، وَلَا يَتَصَرَّفُ الْحَاضِرُ وَحْدَهُ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، (بَلْ إذَا حَضَرَ) الْغَائِبُ (تَصَرَّفَا) مَعًا، لَا يُقَالُ هُوَ حُكْمٌ لِلْغَائِبِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَبَعًا لِحَقِّ الْحَاضِرِ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْوَقْفِ لِمَنْ لَمْ يُخْلَقْ لِأَجْلِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ فِي الْحَالِ، وَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ بَيِّنَةٍ بِالْوَكَالَةِ؛ لِثُبُوتِهَا لَهُ بِالتَّبَعِيَّةِ.
(وَإِنْ جَحَدَ) الْوَكِيلُ (الْغَائِبُ الْوَكَالَةَ) الثَّابِتَةَ لَهُ بِالتَّبَعِيَّةِ؛ بِأَنْ قَالَ: لَسْت بِوَكِيلٍ (أَوْ عَزَلَ) الْغَائِبُ (نَفْسَهُ) ؛
انْعَزَلَ، و (لَمْ يَتَصَرَّفْ الْآخَرُ) بِانْفِرَادِهِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمْ يَأْذَنْهُ فِي ذَلِكَ، (وَهَكَذَا كُلُّ تَصَرُّفٍ) مِنْ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَاقْتِضَاءٍ وَإِبْرَاءٍ وَنَحْوِهَا.
[فَصْلٌ أَحْكَامُ عَقْدِ الْوَكَالَةِ]
(فَصْلٌ) : فِي حُكْمِ عَقْدِ الْوَكَالَةِ وَمَا يَبْطُلُ بِهِ وَانْعِزَالِ الْوَكِيلِ وَعَزْلِهِ وَحُكْمِ مَا بِيَدِهِ بَعْدَهُ.
(وَالْوَكَالَةُ وَالشَّرِكَةُ وَالْمُضَارَبَةُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ الْوَدِيعَةُ وَالْجَعَالَةُ) وَالْمُسَابَقَةُ وَالْعَارِيَّةُ (عُقُودٌ جَائِزَةٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ) ؛ لِأَنَّ غَايَتَهَا إذْنٌ وَبَذْلُ نَفْعٍ، وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ.
(لِكُلٍّ) مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (فَسْخُهَا) ؛ أَيْ: هَذِهِ الْعُقُودِ؛ كَفَسْخِ الْإِذْنِ فِي أَكْلِ طَعَامِهِ.
(وَتَبْطُلُ) هَذِهِ الْعُقُودُ (كُلُّهَا بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ) ؛ لِأَنَّهَا تَعْتَمِدُ الْحَيَاةَ، (لَكِنْ لَوْ وَكَّلَ وَلِيُّ يَتِيمٍ وَنَاظِرُ وَقْفٍ أَوْ عَقَدَا) ؛ أَيْ: وَلِيُّ الْيَتِيمِ وَنَاظِرُ الْوَقْفِ (عَقْدًا جَائِزًا غَيْرَهَا) ؛ أَيْ: غَيْرِ الْوَكَالَةِ (كَشَرِكَةٍ وَمُضَارَبَةٍ؛ لَمْ تَنْفَسِخْ بِمَوْتِهِ) ؛ أَيْ: وَلِيِّ الْيَتِيمِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ.
ذَكَرَهُ فِي " الْقَوَاعِدِ " وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْإِنْصَافِ ".
(وَيَتَّجِهُ وَ) لَا تَنْفَسِخُ (بِعَزْلِهِ) ؛ أَيْ: وَلِيِّ الْيَتِيمِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ (لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ عَلَى غَيْرِهِ)
(وَتَبْطُلُ) الْوَكَالَةُ أَيْضًا (بِجُنُونٍ مُطْبَقًا) - بِفَتْحِ الْبَاءِ - (مِنْ أَحَدِهِمَا) ؛ - أَيْ: الْمُوَكِّلِ أَوْ الْوَكِيلِ - لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَعْتَمِدُ الْعَقْلَ، فَإِذَا انْتَفَى انْتَفَتْ صِحَّتُهَا؛ لِانْتِفَاءِ مَا تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ.
وَ (لَا) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ (بِإِغْمَاءٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَحْدُثُ ثُمَّ يَزُولُ
(وَ) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ (بِحَجْرِهِ) عَلَى أَحَدِهِمَا (لِسَفَهٍ) فِيمَا لَا يَتَصَرَّفُ السَّفِيهُ؛ كَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ (حَيْثُ اُعْتُبِرَ رُشْدٌ) ؛ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلتَّصَرُّفِ، بِخِلَافِ نَحْوِ طَلَاقٍ.
(وَ) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ أَيْضًا (بِفَلَسِ مُوَكِّلٍ فِيمَا حَجَرَ فِيهِ) ؛ كَتَصَرُّفٍ فِي عَيْنِ مَالِهِ؛ لِانْقِطَاعِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَكَّلَ فِي تَصَرُّفٍ فِي الذِّمَّةِ
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِفِعْلِهِمَا اخْتِيَارًا (مَا يَفْسُقَانِ بِهِ فِيمَا يُنَافِيهِ) الْفِسْقُ فَقَطْ (كَإِيجَابِ نِكَاحٍ) وَاسْتِيفَاءِ حَدٍّ وَإِثْبَاتِهِ؛ لِخُرُوجِهِ بِالْفِسْقِ عَنْ أَهْلِيَّةِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فِي قَبُولِ نِكَاحٍ أَوْ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ، فَلَا يَنْعَزِلُ بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ وَلَا بِفِسْقِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ مِنْهُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، فَجَازَ لِغَيْرِهِ كَالْعَدْلِ إذَا وُكِّلَ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَمَانَةُ (كَوَكِيلِ وَلِيِّ يَتِيمٍ وَنَاظِرِ وَقْفٍ) فَسَقَ، (فَيَنْعَزِلُ بِفِسْقِهِ، وَكَذَا) يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ (بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ) لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ.
(وَيَتَّجِهُ لَا) يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ لَهُ شَاهِدٌ، وَلَا تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ الْقَوَاعِدُ وَقِيَاسُهُ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، قِيَاسٌ فَاسِدٌ بِلَا امْتِرَاءٍ
(وَ) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ (بِرِدَّةِ مُوَكِّلٍ) ، لِمَنْعِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ مَا دَامَ مُرْتَدًّا، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى "
(وَ) لَا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِرِدَّةِ (وَكِيلٍ) ، وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ.
قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " (إلَّا فِيمَا يُنَافِيهَا) ؛ كَارْتِدَادِ وَكِيلٍ فِي (حَجٍّ وَ) فِي (قَبُولِ نِكَاحِ مُسْلِمَةٍ) وَإِيجَابِهِ، فَتَبْطُلُ بِذَلِكَ، وَتَبْطُلُ أَيْضًا بِرِدَّةِ وَكِيلٍ فِي قَبُولِ نِكَاحِ (قِنٍّ مُسْلِمٍ وَ) فِي شِرَاءِ (مُصْحَفٍ) ؛ لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِتَدْبِيرِهِ أَوْ كِتَابَتِهِ) - أَيْ السَّيِّدِ - (قِنًّا وُكِّلَ فِي عِتْقِهِ) ؛ لِدَلَالَةِ التَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ عَلَى الرُّجُوعِ
وَ (لَا) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ (إنْ وُكِّلَ هُوَ) - أَيْ الْقِنُّ - (فِي شَيْءٍ) - أَيْ تَصَرُّفٍ مَا - (وَلَوْ عَتَقَ) ؛ أَيْ: عَتَقَهُ سَيِّدُهُ، أَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ؛ (أَوْ بِيعَ) ؛ أَيْ: بَاعَهُ سَيِّدُهُ (وَنَحْوُهُ) ؛ بِأَنْ وَهَبَهُ أَوْ كَاتَبَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْوَكَالَةِ، فَلَا يَمْنَعُ اسْتِدَامَتَهَا.
وَكَذَا إنْ وَكَّلَ إنْسَانٌ عَبْدَ غَيْرِهِ، فَأَعْتَقَهُ السَّيِّدُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ، لَكِنْ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ إنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِبَقَائِهِ عَلَى الْوَكَالَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي وَالْمُتَّهِبُ الْمُوَكِّلَ؛ فَالْوَكَالَةُ بَاقِيَةٌ، (وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَرْضَ مَنْ مَلَكَهُ) مِنْ مُشْتَرٍ وَمُتَّهِبٍ (بِبَقَاءِ وَكَالَتِهِ) - أَيْ الْعَبْدِ - بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ، وَأَمَّا إذَا اشْتَرَاهُ أَوْ اتَّهَبَهُ الْمُوَكِّلُ مِنْ مَالِكِهِ؛ فَلَا بُطْلَانَ؛ لِأَنَّ مِلْكِهِ إيَّاهُ لَا يُنَافِي إذْنَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
وَ (لَا) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ (بِسُكْنَاهُ) - أَيْ الْمُوَكِّلِ - دَارِهِ بَعْدَ أَنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهَا وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ الْوَكَالَةِ وَلَا يُنَافِيهَا (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ أَيْضًا (بِبَيْعِهِ) - أَيْ الْمُوَكِّلِ - بَيْعًا (فَاسِدًا مَا) - أَيْ شَيْئًا - (وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ) ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) ؛ أَيْ: لَا يُبْطِلُ الْوَكَالَةَ (كُلُّ عَقْدٍ فَاسِدٍ؛ لِأَنَّهُ) - أَيْ الْعَقْدُ الْفَاسِدُ - (لَمْ يَنْقُلْ الْمِلْكَ) ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَ) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ (بِوَطْئِهِ) - أَيْ الْمُوَكِّلِ - زَوْجَةً وُكِّلَ فِي طَلَاقِهَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ دَلِيلُ رَغْبَتِهِ فِيهَا وَاخْتِيَارِ إمْسَاكِهَا، وَلِذَلِكَ كَانَ رَجْعَةً فِي الْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا.
(وَيَتَّجِهُ وَ) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ (بِبَيْنُونَتِهِ) - أَيْ الْمُوَكِّلِ زَوْجَتَهُ؛ لِأَنَّهُ زَالَ تَصَرُّفُ الْمُوَكِّلِ، فَزَالَ تَوْكِيلُهُ، (لَا بِقُبْلَتِهِ) أَوْ مُبَاشَرَتِهِ لَهَا دُونَ فَرْجٍ،
(خِلَافًا لَهُ) - أَيْ لِلْإِقْنَاعِ " - فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا أَوْ قَبَّلَهَا وَنَحْوَهُ، أَوْ فِي عِتْقِ عَبْدِهِ، فَكَاتَبَهُ أَوْ دَبَّرَهُ؛ بَطَلَتْ انْتَهَى.
أَمَّا فِي عِتْقِ عَبْدِهِ وَطَلَاقِ زَوْجَتِهِ فَمُسَلَّمٌ؛ وَأَمَّا بِالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ؛ فَلَا تَبْطُلُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " (زَوْجَتُهُ.
وَكَّلَ فِي طَلَاقِهَا) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَ (لَا) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ (إنْ وُكِّلَتْ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - (فِي شَيْءٍ) مِنْ بَيْعٍ وَنَحْوِهِ، (فَبَانَتْ) مِنْهُ أَوْ أَبَانَهَا
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ)
(وَلَا) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ (بِوَطْءِ) سَيِّدٍ (أَمَةً وَكَّلَ) إنْسَانًا (فِي عِتْقِهَا) ؛ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَى الْعِتْقِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَ) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ (بِدَلَالَةِ رُجُوعِ أَحَدِهِمَا) - أَيْ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ - كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ وَطْءِ " الْمُوَكِّلِ زَوْجَةً وَكَّلَ فِي طَلَاقِهَا (وَكَتَوْكِيلِهِ) - أَيْ السَّيِّدِ - وَكِيلًا (فِي عِتْقِ قِنٍّ) بَعْدَ أَنْ كَانَ (وَكَّلَهُ) آخَرُ (فِي شِرَائِهِ) مِنْهُ، فَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ مِنْ الشِّرَاءِ بِمُجَرَّدِ تَوْكِيلِ السَّيِّدِ فِي الْعِتْقِ الْمُقْتَرِنِ بِقَبُولِ الْوَكِيلِ الْوَكَالَةَ فِي الْعِتْقِ.
(وَ) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ أَيْضًا (بِإِقْرَارِهِ) أَيْ الْوَكِيلِ - (عَلَى مُوَكِّلِهِ بِقَبْضِ مَا) أَيْ شَيْءٍ (وَكَّلَ) الْوَكِيلَ (فِيهِ) أَيْ فِي قَبْضِهِ أَوْ الْخُصُومَةِ فِيهِ - لِاعْتِرَافِ الْوَكِيلِ بِذَهَابِ مَحَلِّ الْوَكَالَةِ بِالْقَبْضِ.
(وَيَتَّجِهُ)
(وَ) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ أَيْضًا بِمُجَرَّدِ (عِلْمِهِ) - أَيْ الْوَكِيلِ - (ظُلْمَهُ) - أَيْ الْمُوَكِّلِ - وَهَذَا مَعْلُومٌ مِمَّا تَقَدَّمَ
(وَ) كَذَا تَبْطُلُ وَكَالَةُ (مَنْ) أَيْ
وَكِيلٍ (قِيلَ لَهُ: اشْتَرِ كَذَا بَيْنَنَا، فَقَالَ) مَقُولٌ لَهُ كَذَا: (نَعَمْ، ثُمَّ قَالَهَا) أَيْ نَعَمْ (لِإِ) نْسَانٍ (آخَرَ) بَعْدَ قَوْلِهِ لَهُ اشْتَرِهِ بَيْنَنَا؛ (فَقَدْ عَزَلَ نَفْسَهُ) مِنْ وَكَالَةِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ إجَابَتَهُ لِلثَّانِي دَلِيلُ رُجُوعِهِ عَنْ إجَابَتِهِ الْأَوَّلَ، (وَيَكُونُ) الشِّقْصُ الْمَبِيعُ (لَهُ) - أَيْ الْوَكِيلِ - (وَلِلثَّانِي) نِصْفَيْنِ؛ إذْ لَا مُفَضِّلَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ
(وَ) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ (بِتَلَفِ الْعَيْنِ) الْمُوَكَّلِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا؛ لِذَهَابِ مَحَلِّ الْوَكَالَةِ، وَكَذَا تَبْطُلُ بِتَوْكِيلِ إنْسَانٍ فِي نَقْلِ امْرَأَتِهِ أَوْ بَيْعِ عَبْدِهِ فَتَقُومُ بَيِّنَةٌ بِطَلَاقِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ عِتْقِ الْعَبْدِ.
(وَ) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ (بِدَفْعِ عِوَضٍ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ؛ كَدَفْعِ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ يَشْتَرِي بِكُلِّ كَذَا) ، أَيْ يَشْتَرِي بِالدِّينَارِ ثَوْبًا وَالدَّرَاهِمِ كِتَابًا، (فَعَكَسَ) وَاشْتَرَى بِالدِّينَارِ كِتَابًا وَبِالدِّرْهَمِ ثَوْبًا؛ لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ؛ لِإِلْزَامِهِ الْمُوَكِّلَ ثَمَنًا لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَلَا رَضِيَ بِلُزُومِهِ
(وَ) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ (بِإِنْفَاقِ مَا أُمِرَ بِهِ) - أَيْ الشِّرَاءِ بِهِ وَنَحْوِهِ - وَكَذَا تَبْطُلُ لَوْ تَصَرَّفَ وَلَوْ بِخَلْطِهِ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ - (وَلَوْ نَوَى الْوَكِيلُ اقْتِرَاضَهُ) ؛ كَبُطْلَانِهَا بِتَلَفِهِ؛ لِتَعَذُّرِ دَفْعِ مَا تَأَدَّاهُ مِنْ الْمُوَكِّلِ ثَمَنًا فِيمَا وُكِّلَ فِي شِرَائِهِ وَنَحْوِهِ.
(وَ) لَوْ (عَزَلَ) الْوَكِيلَ (عَوَّضَهُ) - أَيْ عُوِّضَ مَا أَنْفَقَهُ - لِأَنَّ الْمَعْزُولَ لَا يَصِيرُ لِلْمُوَكِّلِ حَتَّى يَقْبِضَهُ، (فَإِنْ تَصَرَّفَ) الْوَكِيلُ (بِمَا عُزِلَ) ؛ بِأَنْ اشْتَرَى لِمُوَكِّلِهِ شَيْئًا [وَنَحْوَهُ] ؛ فَتَصَرُّفُهُ كَتَصَرُّفِ (فُضُولِيٍّ) . وَتَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا بَيْعٌ أَوْ إجَارَةٌ أَوْ نِكَاحٌ أَوْ غَيْرُهَا إلَّا إنْ اشْتَرَى الْفُضُولِيُّ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ بِنَقْدٍ حَاضِرٍ، وَلَوْ نَوَى الشِّرَاءَ لِشَخْصٍ لَمْ يَسْمَعْهُ، فَيَصِحُّ سَوَاءٌ نَقَدَهُ مِنْ مَالِ الَّذِي اشْتَرَى لَهُ أَوْ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، أَوْ لَمْ يَنْقُدْهُ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَهِيَ قَابِلَةٌ لِلتَّصَرُّفِ، وَاَلَّذِي نَقَدَهُ إنَّمَا هُوَ عِوَضٌ عَمَّا نَقَدَهُ فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ إنْ أَجَازَهُ مَنْ اشْتَرَى لَهُ مَلَكَهُ مِنْ حِينِ الشِّرَاءِ لَهُ، وَإِلَّا يُجِزْهُ وَقَعَ الشِّرَاءُ لِمُشْتَرٍ، وَلَزِمَهُ حُكْمُهُ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ عَرْضِهِ عَلَى مَنْ اشْتَرَى لَهُ.
وَ (لَا) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ (بِنَقْدٍ؛ كَلِبْسِ الثَّوْبِ) وَرُكُوبِهِ الدَّابَّةَ وَنَحْوِهِمَا؛
لِأَنَّ الْوَكَالَةَ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ مَعَ اسْتِئْمَانٍ، فَإِذَا زَالَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَزُلْ الْآخَرُ، (وَيَضْمَنُ) الْوَكِيلُ مَا تَعَدَّى فِيهِ أَوْ فَرَّطَ، وَلَا يَزُولُ الضَّمَانُ عَنْ عَيْنِ مَا وَقَعَ فِيهِ التَّعَدِّي بِحَالٍ، (ثُمَّ إنْ تَصَرَّفَ) الْوَكِيلُ (كَمَا مَرَّ) ؛ صَحَّ تَصَرُّفُهُ لِبَقَاءِ الْإِذْنِ، (وَبَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ - وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْ الْعِوَضَ - خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى ") فَإِنَّهُ قَالَ بَرِئَ بِقَبْضِهِ الْعِوَضَ فَقَوْلُهُ: بَرِئَ بِقَبْضِهِ لَيْسَ قَيْدًا فِي بَرَاءَتِهِ، بَلْ يَبْرَأُ بِمُجَرَّدِ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ - وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْ الْعِوَضَ - لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَنْ كَانَ وَكِيلًا فِي الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِي قَبْضِ الثَّمَنِ، فَمَفْهُومُ " الْمُنْتَهَى " غَيْرُ مُرَادٍ، وَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مُوَافِقٌ لِلسَّدَادِ، (فَإِنْ قَبَضَهُ) أَيْ الْعِوَضَ - فَهُوَ (أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ) مَضْمُونَةٌ بِالتَّعَدِّي أَوْ التَّفْرِيطِ؛ (فَإِنْ رَدَّ) الْمَبِيعَ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَكِيلِ - (بِنَحْوِ عَيْبٍ) ، كَغَبْنٍ أَوْ تَدْلِيسٍ؛ (عَادَ الضَّمَانُ) ؛ أَيْ: عَادَ ضَمَانُ الْبَيْعِ عَلَيْهِ؛ لِتَعَدِّيهِ بِاسْتِعْمَالِهِ إيَّاهُ قَبْلَ التَّصَرُّفِ.
(وَلَا) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ (بِجُحُودِهِمَا) أَيْ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ - (الْوَكَالَةَ) ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى رَفْعِ الْإِذْنِ السَّابِقِ؛ كَمَا لَوْ أَنْكَرَ زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ، ثُمَّ قَامَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ،، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ طَلَاقًا.
(وَيَنْعَزِلُ وَكِيلٌ بِمَوْتِ مُوَكِّلِهِ) ، وَيَنْعَزِلُ أَيْضًا (بِعَزْلِهِ) (بِكُلِّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَيْهِ) - أَيْ الْعَزْلِ - كَقَوْلِ الْمُوَكِّلِ: (فَسَخْت) الْوَكَالَةَ، (أَوْ أَبْطَلْت الْوَكَالَةَ) ، (أَوْ نَقَضْت الْوَكَالَةَ، أَوْ) قَوْلِهِ: (صَرَفْتُك عَنْهَا) - أَيْ الْوَكَالَةِ - (أَوْ يَنْهَاهُ) الْمُوَكِّلُ (عَنْ فِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ - وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ -) ، هَذَا الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْمُنَوِّرِ " وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ " وَغَيْرِهِمْ؛ كَمَا يَنْعَزِلُ (شَرِيكٌ وَمُضَارِبٌ) بِعَزْلِ أَوْ مَوْتِ شَرِيكِهِ وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ؛ (فَيَضْمَنُ) الْوَكِيلُ (إنْ تَصَرَّفَ) بَعْدَ الْعَزْلِ أَوْ الْمَوْتِ، (لِبُطْلَانِهَا) - أَيْ الْوَكَالَةِ - (إلَّا مَا يَأْتِي فِي بَابِ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ) مِنْ أَنَّ الْوَكِيلَ فِي الِاسْتِيفَاءِ لَوْ اقْتَصَّ وَلَمْ يَعْلَمْ بِعَفْوِ مُوَكِّلِهِ؛ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا.
(وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى مُوَكِّلٍ الْعَزْلَ) لِوَكِيلِهِ (بَعْدَ تَصَرُّفِ) الْوَكِيلِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ (فِي غَيْرِ طَلَاقٍ) وَيَأْتِي أَنَّ الْمُوَكِّلَ إذَا ادَّعَى عَزْلَ وَكِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يُوقِعَ الطَّلَاقَ يَدِينُ وَكَذَا شَرِيكٌ وَرَبُّ مَالِ مُضَارَبَةٍ (بِلَا بَيِّنَةٍ) بِالْعَزْلِ؛ (لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ) وَهُوَ الثَّالِثُ (بِهِ) ؛ فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً؛ عَمِلَ بِهَا؛ وَإِلَّا يُقِمْ بَيِّنَةً؛ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ الْعَزْلَ (لِأَنَّ الْأَصْلَ) بَقَاءُ الْوَكَالَةِ وَ (عَدَمُ الضَّمَانِ) وَبَقَاءُ الشَّرِكَةِ وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْوَكِيلِ وَالشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ مِنْ ضَمَانِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي ادَّعَى عَزْلَهُ فِيهِ
(وَيُقْبَلُ) قَوْلُ مُوَكِّلٍ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ (أَنَّهُ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ قَبْلَ دَفْعِ وَكِيلِهِ) زَكَاتَهُ (لِلسَّاعِي؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ) ؛ فَالْقَوْلُ (قَوْلُ مُدَّعِيهَا) فِي أَدَائِهَا وَزَمَنِهِ، وَلِأَنَّهُ انْعَزَلَ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ بِإِخْرَاجِ الْمَالِكِ زَكَاةَ نَفْسِهِ (وَتُؤْخَذُ) الزَّكَاةُ الَّتِي دَفَعَهَا الْوَكِيلُ (مِنْ سَاعٍ) ؛ لِفَسَادِ الْقَبْضِ (إنْ بَقِيَتْ بِيَدِهِ) - أَيْ السَّاعِي - (وَإِلَّا) تَكُنْ بِيَدِ السَّاعِي؛ بِأَنْ تَلِفَتْ أَوْ فَرَّقَهَا عَلَى مُسْتَحَقِّيهَا؛ (فَلَا) تُؤْخَذُ مِنْهُ، وَقَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ " وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَكِيلُ دَفَعَ الزَّكَاةَ لِنَحْوِ فَقِيرٍ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ: أَنَّهُ كَانَ أَخْرَجَ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَزِعَهَا مِنْ الْفَقِيرِ بِلَا بَيِّنَةٍ، (وَيَضْمَنُ وَكِيلٌ) مَا دَفَعَهُ إلَى السَّاعِي؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُزِلَ مِنْ الْوَكَالَةِ بِدَفْعِ مُوَكِّلِهِ، وَمَتَى صَحَّ الْعَزْلُ فِي الْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ كَانَ (مَا بِيَدِ وَكِيلٍ بَعْدَ عَزْلٍ أَمَانَةً) لَا يَضْمَنُهُ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ وَلَا تَفْرِيطٍ حَيْثُ لَمْ يَتَصَرَّفْ، وَأَمَّا مَا تَلِفَتْ بِتَصَرُّفِهِ فَيَضْمَنُهُ لِمَا سَبَقَ؛ (كَمُودَعٍ عُزِلَ) ، فَتَصِيرُ الْوَدِيعَةُ بَعْدَ عَزْلِهِ أَوْ مَوْتِ مُودِعِهِ أَمَانَةً لَا يَضْمَنُ تَلَفَهَا عِنْدَهُ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ، وَلَوْ نَقَلَهَا مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ أَوْ سَافَرَ بِهَا مَعَ غَيْبَةِ رَبِّهَا، وَكَانَ السَّفَرُ أَحْفَظَ لَهَا.
وَلَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِمَوْتِ الْمُودِعِ أَوْ عَزْلِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (وَكَالرَّهْنِ) إذَا انْتَهَتْ مُدَّتُهُ أَوْ فُسِخَ عَقْدُهُ؛ فَيَبْقَى أَمَانَةً بِيَدِ مُرْتَهِنٍ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ؛ (وَ) كَا (لْهِبَةِ) إذَا (رَجَعَ فِيهَا أَبٌ) ؛ فَتَبْقَى أَمَانَةً بِيَدِ وَلَدِهِ، (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) - أَيْ الْأَصْحَابِ - أَنَّ الْأَمَانَاتِ كُلَّهَا يَجِبُ حِفْظُهَا عَلَى مَنْ هِيَ بِيَدِهِ (وَلَا يَجِبُ) (عَلَيْهِ الرَّدُّ) إلَى مَالِكِهَا (فَوْرًا) قَبْلَ طَلَبِهِ لَهَا، وَأَمَّا بَعْدَ الطَّلَبِ فَيَجِبُ رَدُّهَا عَلَى الْفَوْرِ، فَإِنْ تَرَاخَى بَعْدَ الطَّلَبِ وَتَلِفَ؛ ضَمِنَهَا، (وَيَأْتِي فِي الْوَدِيعَةِ) بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا.
(وَيُقْبَلُ إقْرَارُ وَكِيلٍ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِعَيْبٍ يُمْكِنُ حُدُوثُهُ فِيمَا بَاعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي صِفَةِ الْمَبِيعِ؛ كَقَدْرِ ثَمَنِهِ إنْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ الْمَبِيعَ مَعِيبٌ، وَأَنْكَرَهُ الْوَكِيلُ، فَالْتَمَسَ يَمِينَهُ عَلَى نَفْيِ الْعَيْبِ، فَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ (وَلَا يُرَدُّ بِنُكُولِ وَكِيلٍ مُنْكِرٍ) لِلْعَيْبِ؛ (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى ") فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ رُدَّ بِنُكُولِهِ رُدَّ عَلَى مُوَكِّلٍ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ بِيَمِينِهِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (بَلْ يَحْلِفُ مُشْتَرٍ) أَنَّ الْمَبِيعَ كَانَ مَعِيبًا قَبْلَ الْعَقْدِ، (وَيُرَدُّ) الْمَبِيعُ (إذَنْ) - أَيْ بَعْدَ حَلِفِهِ - (عَلَى مُوَكِّلٍ) ؛ لِتَعَلُّقِ حُقُوقِ الْعَقْدِ بِهِ؛ كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ
(وَمَنْ ادَّعَى عَلَى) غَائِبٍ فِي وَجْهِ (وَكِيلِ الْغَائِبِ بِحَقٍّ، فَأَنْكَرَهُ) الْوَكِيلُ؛ (فَشَهِدَ بِهِ) - أَيْ الْحَقِّ - (بَيِّنَةٌ؛ حُكِمَ لَهُ) - أَيْ لِلْمُدَّعِي - (بِهِ) - أَيْ الْحَقِّ - (فَإِذَا حَضَرَ) الْمُوَكِّلُ (الْغَائِبُ، وَجَحَدَ الْوَكَالَةَ) ؛ لَمْ يُؤَثِّرْ جُحُودُهُ فِي الْحُكْمِ، (أَوْ) ادَّعَى (أَنَّهُ كَانَ عَزَلَهُ؛ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ) ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلٌ.
[فَرْعٌ الْوَكَالَةُ الدَّوْرِيَّةُ]
(فَرْعٌ: تَصِحُّ الْوَكَالَةُ الدَّوْرِيَّةُ) ، سُمِّيَتْ دَوْرِيَّةً لِدَوَرَانِهَا عَلَى الْعَزْلِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هِيَ صَحِيحَةٌ عَلَى أَصْلِنَا فِي صِحَّةِ التَّعْلِيقِ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْوَكَالَةِ صَحِيحٌ، كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَهِيَ) - أَيْ الْوَكَالَةُ الدَّوْرِيَّةُ - قَوْلُ إنْسَانٍ لِآخَرَ:
(وَكَّلْتُك وَكُلَّمَا عَزَلْتُك، أَوْ) كُلَّمَا (انْعَزَلْت فَقَدْ وَكَّلْتُك، أَوْ) كُلَّمَا (انْعَزَلْت فَأَنْتَ وَكِيلِي) ، فَكُلَّمَا عَزَلَهُ أَوْ انْعَزَلَ عَادَ وَكِيلًا، (وَيَصِحُّ عَزْلُهُ) - أَيْ الْوَكِيلِ وَكَالَةً دَوْرِيَّةً - بِقَوْلِ مُوَكِّلٍ لَهُ: (كُلَّمَا وَكَّلْتُك أَوْ) كُلَّمَا (عُدْت وَكِيلِي لَقَدْ عَزَلْتُك) ، فَيَنْعَزِلُ (وَيَتَّجِهُ) أَنَّ (مِثْلَ) قَوْلِهِ (كُلَّمَا) قَوْلُهُ (مَهْمَا) عُدْت وَكِيلِي فَقَدْ عَزَلْتُك (أَوْ) مِثْلُ قَوْلِهِ: كُلَّمَا، قَوْلُهُ (مَتَى) عُدْت وَكِيلِي فَقَدْ عَزَلْتُك وَهَذَا مُتَّجِهٌ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ يَصِحُّ تَوْكِيلٌ بَعْدَ عَزْلِهِ دُورًا) - أَيْ فِي الدُّورِ - بِقَوْلِهِ: كُلَّمَا وَكَّلْتُك أَوْ عُدْت وَكِيلِي فَقَدْ عَزَلْتُك (وَ) يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ (بِدُونِهِ) - أَيْ بِدُونِ الْعَزْلِ الدَّوْرِيِّ (إذْ غَايَتُهُ) - أَيْ الْعَزْلِ الْمَذْكُورِ - أَنَّهُ (فَسْخٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ) - وَهُوَ التَّوْكِيلُ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ الثَّانِي غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا صَارَ وَكِيلًا انْعَزَلَ؛ فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ بَعْدَ عَزْلِهِ.
قَالَ الْفَتُوحِيُّ مَنْ قَالَ لِإِنْسَانٍ.
كُلَّمَا وَكَّلْتُك فَقَدْ عَزَلْتُك، ثُمَّ قَالَ لَهُ وَكَّلْتُك فِي كَذَا؛ لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ؛ لِوُجُودِ الْعَزْلِ الْمُعَلَّقِ بِوُجُودِ الْوَكَالَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْت: حَتَّى لَوْ وَكَّلَهُ وَكَالَةً دَوْرِيَّةً لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ؛ لِمَا سَبَقَ
[فَصْلٌ أَحْكَامُ عُقُودِ الْوَكِيلِ]
(فَصْلٌ) : فِي حُكْمِ عُقُودِ الْوَكِيلِ وَمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مِنْهَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى
تَصَرُّفِهِ مِنْ ضَمَانٍ (وَحُقُوقُ الْعَقْدِ) كَتَسْلِيمِ الثَّمَنِ وَقَبْضِ الْمَبِيعِ وَضَمَانِ الدَّرْكِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَنَحْوِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَقْدُ مِمَّا تَجُوزُ إضَافَتُهُ إلَى الْوَكِيلِ؛ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، أَوْ لَا كَالنِّكَاحِ (مُتَعَلِّقَةٌ بِمُوَكِّلٍ) ؛ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ لَهُ، (فَلَا يُعْتَقُ مَنْ) اشْتَرَاهُ وَكِيلٌ مِنْ أَقَارِبِهِ كَأَبِيهِ وَأَخِيهِ مِمَّنْ (يُعْتَقُ عَلَى وَكِيلٍ) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَنْتَقِلْ لِلْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لِلْعَبْدِ: إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ، فَاشْتَرَاهُ بِالْوَكَالَةِ؛ لَمْ يُعْتَقْ عَلَى الْوَكِيلِ (وَيَنْتَقِلُ مِلْكٌ) بِمُجَرَّدِ عَقْدِ (الْمُوَكِّلِ) لِقَبُولِ الْوَكِيلِ؛ كَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ، وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَ لَهُ، (وَيُطَالَبُ) الْمُوَكِّلُ (بِثَمَنِ) مَا اشْتَرَاهُ لَهُ وَكِيلُهُ، (وَيَبْرَأُ مِنْهُ) مُوَكِّلٌ (بِإِبْرَاءِ بَائِعٍ وَكِيلًا لَمْ يَعْلَمْ) بَائِعٌ (أَنَّهُ وَكِيلٌ) ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِشَيْءٍ.
(وَيَتَّجِهُ فَإِنْ عَلِمَهُ) بَائِعٌ وَكِيلًا فَأَبْرَأَهُ؛ (لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ يُبْرِئُهُ مِنْهُ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الِاتِّجَاهِ
(وَمَا وُهِبَ لَهُ) ؛ أَيْ: لِلْوَكِيلِ فِي (مُدَّةِ الْخِيَارَيْنِ) - أَيْ: خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ - فَهُوَ (لِمُوَكِّلِهِ) . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إذَا دَفَعَ لِرَجُلٍ ثَوْبًا لِيَبِيعَهُ، فَفَعَلَ، فَوَهَبَ لَهُ الْمُشْتَرِي مِنْدِيلًا، فَالْمِنْدِيلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هِبَةَ الْمِنْدِيلِ سَبَبُهَا الْبَيْعُ، فَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْوَكِيلِ.
(وَيَرُدُّ مُوَكِّلٌ) بِوُجُودِ (عَيْبٍ) فِيمَا اشْتَرَاهُ وَكِيلُهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ، فَمَلَكَ الطَّلَبَ بِهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ.
(وَيَحْنَثُ) مُوَكِّلٌ (بِحَلِفِهِ) أَنَّهُ (لَا يَبِيعُ) الشَّخْصُ الْفُلَانِيُّ بِبَيْعِ وَكِيلِهِ إيَّاهُ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ.
(وَيَضْمَنُ) الْمُوَكِّلُ (الْعُهْدَةَ) إذَا ظَهَرَ الْمَبِيعُ أَوْ الثَّمَنُ مُسْتَحَقًّا أَوْ مَعِيبًا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَقْدِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ، (إنْ أَعْلَمَ الْوَكِيلُ الْعَاقِدَ) بِوَكَالَتِهِ سَوَاءٌ كَانَ
الْعَاقِدُ بَائِعًا لِلْوَكِيلِ أَوْ مُشْتَرِيًا مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ (بِوَكَالَتِهِ) ؛ فَضَمَانُ الْعُهْدَةِ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً؛ لِلتَّغْرِيرِ، وَالْقَرَارُ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَيَمْلِكُ مُشْتَرٍ طَلَبَ بَائِعٍ بِإِقْبَاضِ مَا بَاعَهُ لَهُ وَكِيلُهُ، لَكِنْ إذَا بَاعَ وَكِيلٌ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ؛ فَلِكُلٍّ مِنْ مُوَكِّلٍ وَوَكِيلٍ الطَّلَبُ بِهِ لِصِحَّةِ قَبْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَهُ.
(وَ) قَدْ مَرَّ (فِي بَابِ) الرَّهْنِ مَا صُورَتُهُ (وَإِنْ اشْتَرَى وَكِيلٌ فِي ذِمَّتِهِ ثَبَتَ فِيهَا) ؛ أَيْ: فِي ذِمَّتِهِ (تَبَعًا، وَ) ثَبَتَ (فِي ذِمَّةِ مُوَكِّلِهِ أَصْلًا) ؛ كَمَا يَثْبُتُ الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ أَصْلًا وَفِي ذِمَّةِ (الضَّامِنِ) تَبَعًا، (وَيُطَالِبُ) الْبَائِعُ (كُلًّا مِنْهُمَا) - أَيْ: مِنْ وَكِيلٍ وَمُوَكِّلٍ -[وَيَبْرَآنِ بِبَرَاءَةِ مُوَكِّلٍ] لَا إنْ أُبْرِئَ وَكِيلٌ فَقَطْ، فَلَا يَبْرَأُ الْمُوَكِّلُ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ عَالِمًا بِأَنَّهُ وَكِيلٌ لِيُوَافِقَ مَا سَبَقَ
(وَيَخْتَصُّ وَكِيلٌ بِخِيَارِ مَجْلِسٍ لَمْ يَحْضُرْهُ مُوَكِّلٌ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَعَلُّقِ الْعَاقِدِ كَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، فَإِنْ حَضَرَهُ مُوَكِّلٌ كَانَ الْأَمْرُ لَهُ، إنْ شَاءَ حَجَرَ عَلَى الْوَكِيلِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ أَبْقَاهُ مَعَ كَوْنِهِ يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ حَقِيقَةٌ لَهُ.
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ وَكِيلٍ لِنَفْسِهِ) ؛ بِأَنْ يَشْتَرِيَ مَا وُكِّلَ فِي بَيْعِهِ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ.
هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (شِرَاؤُهُ مِنْهَا) - أَيْ نَفْسِهِ - (لِمُوَكِّلِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي الْبَيْعِ بَيْعُ الرَّجُلِ مِنْ غَيْرِهِ فَحُمِلَتْ الْوَكَالَةُ عَلَيْهِ، وَكَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ تَمَامُهُ، وَيَتَنَافَى الْغَرَضَانِ فِي بَيْعِهِ لِنَفْسِهِ وَشِرَائِهِ مِنْهَا؛ فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ نَهَاهُ.
(وَلَوْ زَادَ عَلَى ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ) ، أَوْ وَكَّلَ
مَنْ يَبِيعَهُ، (إلَّا إنْ أَذِنَ) مُوَكِّلٌ (لَهُ) فِي بَيْعِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ شِرَائِهِ مِنْهَا؛ (فَيَصِحُّ) لِلْوَكِيلِ إذَنْ (تَوَلِّي طَرَفَيْ عَقْدٍ فِيهِمَا) ؛ أَيْ: فِي الْبَيْعِ لِنَفْسِهِ وَالشِّرَاءِ مِنْهَا (كَأَبِ وَلِيٍّ) لِنَحْوِ صَغِيرٍ؛ فَيَصِحُّ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ " وَشَفَقَتَهُ تَحْمِلُهُ عَلَى عَمَلِ الْحَقِّ، وَرُبَّمَا زَادَهُ خَيْرًا، مَا لَمْ يَكُنْ الِابْنُ بَالِغًا أَوْ وَلَدَ زِنًى؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا وَلِيُّ نَحْوِ الصَّغِيرِ إذَا كَانَ غَيْرَ أَبٍ، وَبَاعَ مِنْ مَالِهِ لِمُوَلِّيهِ، أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ لِنَفْسِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ.
قَالَ فِي الْمُغْنِي " وَبَيْعٌ طِفْلٍ يَلِي عَلَيْهِ بَيْعٌ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَشْتَرِي لَهُ انْتَهَى.
(وَكَتَوْكِيلٍ) - أَيْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ - (فِي بَيْعِهِ وَ) تَوْكِيلِ (آخَرَ) لِذَلِكَ الْوَكِيلِ (فِي شِرَائِهِ) ، فَيَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ، (وَمِثْلُهُ) ؛ أَيْ: عَقْدِ الْبَيْعِ (نِكَاحٌ) ؛ بِأَنْ يُوَكِّلَ الْوَلِيُّ الزَّوْجَ أَوْ عَكْسَهُ، أَوْ يُوَكِّلَا وَاحِدًا، أَوْ يُزَوِّجَ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ بِأَمَتِهِ، فَيَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ، (وَ) مِثْلُهُ (دَعْوَى) ؛ بِأَنْ [يُوَكِّلَهُ] الْمُتَدَاعِيَانِ فِي الدَّعْوَى وَالْجَوَابِ عَنْهَا وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا.
قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ " وَقَالَ الْأَزَجِيُّ فِي " الدَّعْوَى ": الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ لَا يَصِحُّ لِلتَّضَادِّ.
(وَوَلَدُهُ) - أَيْ الْوَكِيلِ - (وَإِنْ نَزَلَ وَوَالِدُهُ وَإِنْ عَلَا) وَمُكَاتَبُهُ وَنَحْوُهُمْ؛ كَزَوْجَتِهِ، (وَكُلُّ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ) كَوَلَدِ بِنْتِهِ وَوَالِدِ أُمِّهِ (كَنَفْسِهِ) ؛ فَلَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَ لِأَحَدِهِمْ، وَلَا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ فِي حَقِّهِمْ، وَيَمِيلَ إلَى تَرْكِ الِاسْتِقْصَاءِ عَلَيْهِمْ فِي الثَّمَنِ كَتُهْمَةٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، هَذَا مَعَ الْإِطْلَاقِ، وَأَمَّا مَعَ الْإِذْنِ فَيَجُوزُ.
وَيَصِحُّ بَيْعُ الْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ لِإِخْوَتِهِ وَأَقَارِبِهِ كَعَمِّهِ وَابْنِ أَخِيهِ، وَقَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْتُ: حَيْثُ حَصَلَ تُهْمَةٌ فِي ذَلِكَ لَا يَصِحُّ.
(وَكَذَا) ؛ أَيْ: كَالْوَكِيلِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ (حَاكِمٌ وَأَمِينُهُ وَوَصِيٌّ وَنَاظِرُ وَقْفٍ وَمُضَارِبٌ) قَالَ (الْمُنَقِّحُ: وَشَرِيكُ عِنَانٍ وَوُجُوهٍ) وَكَذَا
أَمِينُ بَيْتِ الْمَالِ؛ فَلَا يَبِيعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنْهُ نَفْسَهُ وَلَا مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَلَا يَشْتَرِي مِنْ نَفْسِهِ وَلَا مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا إجَارَةُ نَاظِرِ الْوَقْفِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي فِي " جَمْعِ الْجَوَامِعِ " إنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى نَفْسِ النَّاظِرِ، فَإِجَارَتُهُ لِوَلَدِهِ صَحِيحَةٌ؛ بِلَا نِزَاعٍ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى غَيْرِهِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، وَيُحْتَمَلُ أَوْجُهٌ مِنْهَا الصِّحَّةُ، وَحَكَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ قُضَاتِنَا، مِنْهُمْ الْبُرْهَانُ بْنُ مُفْلِحٍ، وَالثَّانِي تَصِحُّ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَقَطْ، وَالثَّالِثُ لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا، وَهُوَ الَّذِي أَفْتَى بِهِ بَعْضُ إخْوَانِنَا، وَالْمُخْتَارُ مِنْ ذَلِكَ الثَّانِي.
انْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصًا.
قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ " وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ مَشَايِخُنَا عَدَمُ الصِّحَّةِ.
أَقُولُ: عَدَمُ الصِّحَّةِ لَا يَعْدِلُ عَنْ فَحْوَاهُ، وَلَا تَمِيلُ الْأَنْفُسُ السَّلِيمَةُ إلَى سِوَاهُ خُصُوصًا فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي تُعْجِزُ حِيَلُ أَهْلِهِ حُكَمَاءَ الْيُونَانِ
(وَإِنْ بَاعَ وَكِيلٌ) فِي بَيْعٍ، (أَوْ) بَاعَ (مُضَارِبٌ بِزَائِدٍ عَلَى) ثَمَنٍ (مُقَدَّرٍ) ؛ أَيْ: قَدَّرَهُ لَهُ رَبُّ الْمَالِ؛ صَحَّ، (أَوْ) بَاعَا بِزَائِدٍ عَلَى (ثَمَنِ مِثْلٍ) إنْ لَمْ يُقَدِّرْ لَهُمَا ثَمَنٌ، (وَلَوْ كَانَ الزَّائِدُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَا أُمِرَا بِهِ) - أَيْ الْوَكِيلِ وَالْمُضَارِبِ بِالْبَيْعِ بِهِ - (صَحَّ) أَنْ يُزَادَ عَلَيْهَا ثَوَابًا أَوْ نَحْوَهُ، (وَكَذَا) ؛ أَيْ: وَكَمَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِزَائِدٍ عَلَى مِقْدَارٍ أَوْ ثَمَنِ مِثْلٍ، (إنْ بَاعَا) -؛ أَيْ: الْوَكِيلُ وَالْمُضَارِبُ - (بِأَنْقَصَ) عَنْ مُقَدَّرٍ، (وَاشْتَرَيَا بِأَزْيَدَ) عَنْ مُقَدَّرٍ أَوْ ثَمَنِ مِثْلٍ، نَصَّ الْإِمَامُ عَلَى الصِّحَّةِ عَلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ: أَنَّ مَنْ صَحَّ بَيْعُهُ أَوْ شِرَاؤُهُ بِثَمَنٍ؛ صَحَّ بِأَنْقَصَ مِنْهُ وَأَزْيَدَ كَالْمَرِيضِ.
(وَيَتَّجِهُ وَيَحْرُمُ) بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ بِأَزْيَدَ أَوْ أَنْقَصَ؛ لِلْمُخَالَعَةِ، (وَأَنَّ الصِّحَّةَ) - أَيْ؛ صِحَّةَ الْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ بِذَلِكَ - (حَيْثُ لَا نَهْيَ) مِنْ الْمُوَكِّلِ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ نَهْيٌ مِنْهُ؛ لَمْ يَصِحَّ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَ) عَلَى الْمَذْهَبِ (يَضْمَنَانِ) ؛
أَيْ: الْوَكِيلُ وَالْمُضَارِبُ (فِي شِرَاءٍ) بِأَزْيَدَ عَنْ مُقَدَّرٍ أَوْ ثَمَنِ مِثْلِ (الزَّائِدَ) عَنْهُمَا، (وَ) يَضْمَنَانِ (فِي بَيْعٍ) بِأَنْقَصَ عَنْ مُقَدَّرٍ أَوْ ثَمَنِ مِثْلٍ (كُلَّ النَّقْصِ عَنْ مُقَدَّرٍ، وَ) يَضْمَنَانِ فِي بَيْعٍ إنْ لَمْ يُقَدَّرْ لَهُمَا ثَمَنُ كُلِّ (مَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ عَادَةً) ؛ كَأَنْ يُعْطِيَ لِوَكِيلِهِ ثَوْبًا ثَمَنُ مِثْلِهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ لِيَبِيعَهُ لَهُ، وَلَمْ يُقَدِّرْ لَهُ الثَّمَنَ، فَيَبِيعُهُ بِثَمَانِينَ، وَالْحَالُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الثَّوْبِ قَدْ يَبِيعُهُ غَيْرُهُ بِخَمْسَةٍ وَتِسْعِينَ دِرْهَمًا، فَهَذِهِ الْخَمْسَةُ الَّتِي نَقَصَتْ عَنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ مِمَّا يُتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ، فَلَوْ أَنَّ الْوَكِيلَ بَاعَ بِمِثْلِ هَذَا النَّقْصِ؛ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ مِثْلِهِ عَسِرٌ، لَكِنَّهُ بَاعَ بِنَقْصٍ لَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ بَيْنَ التُّجَّارِ - وَهُوَ عِشْرُونَ مِنْ مِائَةٍ - فَيَضْمَنُ جَمِيعَ الْعِشْرِينَ (عَنْ ثَمَنِ مِثْلٍ فِي زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ) ؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيطٌ بِتَرْكِ الِاحْتِيَاطِ وَطَلَبِ الْأَحَظِّ لِمُوَكِّلِهِ فِي بَقَاءِ الْعَقْدِ وَتَضْمِينِ الْمُفَرِّطِ جَمْعٌ بَيْنَ حَظِّ الْمُشْتَرِي بِعَدَمِ الْفَسْخِ، وَحَظِّ الْبَائِعِ، فَوَجَبَ التَّضْمِينُ، وَكَذَا شَرِيكٌ وَوَصِيٌّ وَنَاظِرُ وَقْفٍ أَوْ بَيْتِ الْمَالِ [إذَا بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْهُ.
ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ] (وَأَمَّا مَا يُتَغَابَنُ بِهِ) عَادَةً (كَدِرْهَمٍ فِي عَشَرَةٍ - وَلَا تَقْدِيرَ) مِنْ الْمُوَكِّلِ - (فَلَا) يَضْمَنُهُ الْوَكِيلُ وَلَا الْمُضَارِبُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَيَضْمَنَانِ كُلَّ النَّقْصِ، وَلَوْ كَانَ يُتَغَابَنُ بِهِ عَادَةً فِي الْمُقَدَّرِ؛ بِأَنْ قَالَ: بِعْهُ بِعَشَرَةٍ، وَبَاعَهُ بِتِسْعَةٍ؛ ضَمِنَ الْوَاحِدَ؛ لِلْمُخَالَفَةِ.
(وَلَا يَضْمَنُ قِنٌّ) مَأْذُونٌ مِنْ سَيِّدِهِ فِي بَيْعٍ وَشِرَاءٍ، فَبَاعَ بِأَنْقَصَ، أَوْ اشْتَرَى بِأَزْيَدَ (لِسَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ الدَّيْنُ.
(وَلَا) يَضْمَنُ (صَغِيرٌ) أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ فِي التِّجَارَةِ، فَبَاعَ كَذَلِكَ (لِنَفْسِهِ) ؛ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَثْبُتُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَإِنْ) أَرَادَ وَكِيلٌ وَمُضَارِبٌ بَيْعَ سِلْعَةٍ، (فَزِيدَ) فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ (عَلَى ثَمَنِ مِثْلٍ قَبْلَ بَيْعٍ؛ لَمْ يَجُزْ) لِوَكِيلٍ وَلَا مُضَارَبٍ بَيْعُهَا بِهِ - أَيْ بِثَمَنِ مِثْلٍ - لِأَنَّ عَلَيْهِ طَلَبَ الْأَحَظِّ لِآذِنِهِ، وَبَيْعُهَا كَذَلِكَ مَعَ مَنْ يَزِيدُنَا فِيهِ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أَنَّ الْوَكِيلَ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلَى الزِّيَادَةِ، لِأَنَّ عَلَيْهِ الِاحْتِيَاطَ وَطَلَبَ الْحِفْظِ لِمُوَكِّلِهِ، (وَ) أَنَّهُ (يَضْمَنُ) الزِّيَادَةَ إذَا بَاعَ بِدُونِهَا؛ لِتَفْرِيطِهِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ أَمْكَنَ تَحْصِيلُهَا.
هُوَ مُتَّجِهٌ.
وَإِنْ زِيدَ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهَا بَعْدَ أَنْ بِيعَتْ (فِي مُدَّةِ خِيَارِ) مَجْلِسٍ أَوْ شَرْطٍ (لَمْ يَلْزَمْ) وَكِيلًا وَلَا مُضَارِبًا (فَسْخُ) بَيْعٍ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إذَنْ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، فَلَا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا.
(وَيَتَّجِهُ الصِّحَّةُ) ؛ أَيْ: صِحَّةُ الْفَسْخِ لِلزِّيَادَةِ الْحَاصِلَةِ بِذَلِكَ، (وَإِنْ حَرُمَ) الْفَسْخُ عَلَى الزَّائِدِ وَالْوَكِيلِ (مَعَ أَنَّهُ) تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ يَحْرُمُ، وَ (لَا يَصِحُّ شِرَاءٌ عَلَى شِرَاءِ مُسْلِمٍ) فِي زَمَنِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ، بَلْ يُسَمَّى بَيْعًا؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِ وَالْإِفْسَادِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " احْتِمَالًا بَعْدَ أَنْ قَالَ: وَإِنْ بَاعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، فَحَضَرَ مَنْ يَزِيدُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، لَمْ يَلْزَمْهُ فَسْخُ الْعَقْدِ فِي الصَّحِيحِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَمْنُوعٌ مِنْهَا مَنْهِيٌّ عَنْهَا، فَلَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا، وَلِأَنَّ الْمُزَايِدَ قَدْ لَا يَثْبُتُ عَلَى الزِّيَادَةِ، فَلَا يَلْزَمُ الْفَسْخُ بِالشَّكِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الثَّمَنِ أَمْكَنَ تَحْصِيلُهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَاءَ بِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَالنَّهْيُ يَتَوَجَّهُ إلَى الَّذِي زَادَ، لَا إلَى الْوَكِيلِ، فَأَشْبَهَ مَنْ جَاءَتْهُ الزِّيَادَةُ قَبْلَ الْبَيْعِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ.
انْتَهَى.
فَتَلَخَّصَ أَنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ لُزُومِ الْفَسْخِ، وَأَنَّ لُزُومَ الْفَسْخِ
مُحْتَمَلٌ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا، وَأَنَّ الشِّرَاءَ يَحْرُمُ، وَلَا يَصِحُّ
وَمَنْ دَفَعَ لِوَكِيلِهِ شَيْئًا، (وَ) قَالَ: (بِعْهُ بِدِرْهَمٍ، فَبَاعَهُ بِهِ) - أَيْ: الدَّرَاهِمِ - (وَبِعَرْضٍ) كَثَوْبٍ؛ صَحَّ، (أَوْ) بَاعَهُ (بِدِينَارٍ؛ صَحَّ) الْبَيْعُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى بِالْمَأْذُونِ فِيهِ حَقِيقَةً وَزِيَادَةً تَنْفَعُ الْمُوَكِّلَ وَلَا تَضُرُّهُ، وَفِي الثَّانِيَةِ بَاعَ بِالْمَأْذُونِ فِيهِ عُرْفًا؛ فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ بِدِرْهَمٍ رَضِيَ مَكَانَهُ بِدِينَارٍ
(أَوْ) قَالَ لِوَكِيلِهِ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ: (اشْتَرِهِ بِدِينَارٍ، فَاشْتَرَاهُ بِدِرْهَمٍ؛ صَحَّ) الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا، فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ بِبَذْلِ دِينَارٍ؛ رَضِيَ مَكَانَهُ بِدِرْهَمٍ.
وَ (لَا) يَصِحُّ الْبَيْعُ إذَا قَالَ: بِعْهُ بِدِرْهَمٍ (إنْ بَاعَهُ بِعَرْضٍ يُسَاوِي دِينَارًا) ؛ لِلْمُخَالَفَةِ، كَقَوْلِهِ لِوَكِيلِهِ: (بِعْهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَبَاعَهُ) الْوَكِيلُ (بِثَمَانِينَ) دِرْهَمًا (وَعِشْرِينَ ثَوْبًا) ؛ لَمْ يَجُزْ.
(وَ) إنْ قَالَ: (اشْتَرِهِ بِمِائَةٍ، وَلَا تَشْتَرِهِ بِدُونِهَا) أَيْ: الْمِائَةِ - (فَخَالَفَهُ) ، وَاشْتَرَاهُ بِتِسْعِينَ (لَمْ يَجُزْ) الشِّرَاءُ؛ لِمُخَالَفَتِهِ مُوَكِّلَهُ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أَنَّ (هَذَا) الشِّرَاءَ لَمْ يَجُزْ إنْ كَانَ أَذِنَهُ الْمُوَكِّلُ فِي شِرَاءِ فَرْدٍ مُعَيَّنٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ أَذِنَهُ (فِي) شِرَاءِ (غَيْرِ فَرْدٍ مُعَيَّنٍ) ؛ فَلَا مَانِعَ مِنْ صِحَّتِهِ، وَالْقَوَاعِدُ لَا تَأْبَاهُ.
(وَ) إنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ: (اشْتَرِ) لِي (نِصْفَهُ بِمِائَةٍ، وَلَا تَشْتَرِهِ جَمِيعَهُ، فَاشْتَرَى) الْوَكِيلُ (أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ وَأَقَلَّ مِنْ الْكُلِّ) بِمِائَةٍ (صَحَّ) الشِّرَاءُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ؛ كَقَوْلِهِ لِوَكِيلِهِ: (بِعْهُ بِأَلْفِ نَسَاءً، فَبَاعَهُ) الْوَكِيلُ (بِهِ) ؛ - أَيْ: الْأَلْفِ - (حَالًا) ؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ بِعَشَرَةٍ، فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ - (وَلَوْ مَعَ) حُصُولِ (ضَرَرٍ) لِلْمُوَكِّلِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ فِي الْحَالِ مِنْ حَيْثُ حِفْظُهُ أَوْ خِيفَ تَلَفُهُ أَوْ تَعَدٍّ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ - اعْتِبَارًا بِالْغَالِبِ؛ إذْ النَّادِرُ لَا يُفْرَدُ بِحُكْمٍ، (مَا لَمْ يَنْهَهُ) صَرِيحًا بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: لَا تَبِعْ حَالًا، فَلَا يَصِحُّ؛ لِلْمُخَالَفَةِ، وَكُلُّ تَصَرُّفٍ خَالَفَ الْوَكِيلُ مُوَكِّلَهُ فِيهِ؛ فَكَتَصَرُّفِ فُضُولِيٍّ.
.
(وَ) إنْ قَالَ لِوَكِيلِهِ فِي بَيْعِ شَيْءٍ (بِعْهُ) كُلَّهُ، (فَبَاعَ بَعْضَهُ بِدُونِ ثَمَنِ كُلِّهِ لَمْ يَصِحَّ) الْبَيْعُ؛ لِضَرَرِهِ فِي تَبْعِيضِهِ عَلَيْهِ - وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إذْنٌ فِي ذَلِكَ نُطْقًا وَلَا عُرْفًا - وَلِلْوَكِيلِ بَيْعُ مَا بَقِيَ بِمُقْتَضَى الْإِذْنِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ صَفْقَةً بِزِيَادَةٍ عَلَى الثَّمَنِ، (مَا لَمْ يَبِعْ) الْوَكِيلُ (بَاقِيَهُ) فَيَصِحُّ لِزَوَالِ الضَّرَرِ بِتَشْقِيصِهِ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ مَا لَمْ يَرْضَ مُوَكِّلُهُ) بَيْعَ الْبَعْضِ؛ فَيَصِحُّ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ لُزُومَ الْبَيْعِ مَوْقُوفٌ عَلَى بَيْعِ الْبَاقِي فِي الْأُولَى وَإِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ فِي الثَّانِيَةِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ (أَوْ يَكُنْ) مَا وُكِّلَ فِي بَيْعِهِ (نَحْوُ صُبْرَةِ) بُرٍّ، (أَوْ) يَكُنْ (مَعْدُودًا كَعَبِيدٍ؛ فَيَصِحُّ) مُفَرَّقًا؛ لِاقْتِضَاءِ الْعُرْفِ ذَلِكَ، وَعَدَمُ الضَّرَرِ عَلَى الْمُوَكِّلِ فِي الْإِفْرَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَقْصَ فِيهِ وَلَا تَشْقِيصَ، (مَا لَمْ يَقُلْ) مُوَكِّلٌ: بِعْ هَذِهِ (صَفْقَةً) ؛ لِدَلَالَةِ تَنْصِيصِهِ عَلَيْهِ فِي غَرَضِهِ فِيهِ، (وَكَذَا شِرَاءٌ، فَيَصِحُّ شِرَاءُ) شَيْءٍ (وَاحِدٍ مِمَّنْ أَمَرَ بِهَا) ؛ - أَيْ: بِشِرَائِهِمَا قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ "
وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَشَرَةَ شِيَاهٍ أَوْ عَشَرَ أَمْدَادِ بُرٍّ أَوْ عَشَرَةَ أَرْطَالِ حَرِيرٍ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ ذَلِكَ صَفْقَةً وَشَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، لَا إنْ أَمَرَهُ بِشِرَائِهِمَا (صَفْقَةً) ، فَاشْتَرَاهُمَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ؛ فَلَا يَصِحُّ.
وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدَيْنِ صَفْقَةً، فَاشْتَرَى عَبْدَيْنِ لِاثْنَيْنِ مُشْتَرَكَيْنِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَكِيلِهِمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا بِإِذْنِ الْآخَرِ؛ جَازَ.
(وَ) إنْ قَالَ: بِعْ هَذَا (الْعَبْدَ بِمِائَةٍ، فَبَاعَ نِصْفَهُ بِهَا) ؛ - أَيْ: الْمِائَةِ - (صَحَّ) الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ غَرَضُهُ، وَزَادَهُ زِيَادَةً تَنْفَعُهُ وَلَا تَضُرُّهُ، (وَلَهُ) ؛ - أَيْ: الْوَكِيلِ - (بَيْعُ النِّصْفِ الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي بَيْعِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ الْعَبْدَ كُلَّهُ بِمِثْلَيْ ثَمَنِهِ.
(وَ) إنْ قَالَ: (بِعْهُ بِأَلْفٍ فِي سُوقِ كَذَا، فَبَاعَهُ بِهِ) ؛ - أَيْ: الْأَلْفِ - (فِي) سُوقٍ (آخَرَ؛ صَحَّ) الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بَيْعُهُ، وَتَنْصِيصُهُ عَلَى أَحَدِ السُّوقَيْنِ مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْغَرَضِ إذْنٌ فِي الْآخَرِ؛ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَوْ اسْتَعَارَ أَرْضًا لِزِرَاعَةِ شَيْءٍ، فَإِنَّهُ إذْنٌ فِي زِرَاعَةِ مِثْلِهِ، (مَا لَمْ يَنْهَهُ) الْمُوَكِّلُ عَنْ الْبَيْعِ فِي غَيْرِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ؛ لِلْمُخَالَفَةِ، (أَوْ) مَا لَمْ (يَكُنْ لَهُ) - أَيْ: لِلْمُوَكِّلِ - (فِيهِ) ؛ - أَيْ: السُّوقِ الَّذِي عَيَّنَهُ - (غَرَضٌ) صَحِيحٌ؛ (كَحِلِّ نَقْدِهِ أَوْ مَوَدَّةِ أَهْلِهِ) أَوْ صَلَاحِهِمْ؛ فَلَمْ يَجُزْ فِي غَيْرِهِ؛ لِتَفْوِيتِ غَرَضِهِ عَلَيْهِ.
(وَ) إنْ قَالَ: (بِعْهُ لِزَيْدٍ، فَبَاعَهُ لِغَيْرِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ) الْبَيْعُ؛ لِلْمُخَالَفَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ نَفْعَ زَيْدٍ، فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ ": إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِقَرِينَةٍ أَوْ صَرِيحٍ أَنَّهُ لَا غَرَضَ لَهُ فِي عَيْنِ الْمُشْتَرِي.
(وَ) إنْ قَالَ: بِعْهُ (بِبَلَدِ كَذَا، فَبَاعَهُ بِغَيْرِهِ) ؛ - أَيْ: الْبَلَدِ الَّذِي عَيَّنَهُ (حَرُمَ) عَلَى الْوَكِيلِ بَيْعُهُ، وَيَضْمَنُ الْمَبِيعَ إنْ تَلِفَ؛ لِتَعَدِّيهِ وَعَدَمِ تَضَمُّنِ الْإِذْنِ لِذَلِكَ، (وَصَحَّ) الْبَيْعُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ التَّعَدِّيَ لَا يُبْطِلُ الْوَكَالَةَ.
وَإِنْ نَقَلَ الْمَبِيعَ إلَى غَيْرِ الْبَلَدِ الْمَأْذُونِ فِي بَيْعِهِ بِهِ وَبَاعَهُ بِهِ (مَعَ مُؤْنَةِ نَقْلٍ) لِلْمَبِيعِ؛ (لَا يَصِحُّ) الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ الْوَكَالَةِ، وَأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ.
ذَكَرَهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " بَحْثًا.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا نُقِلَ لِغَيْرِ بَلَدٍ مَأْذُونٍ فِي بَيْعِهِ بِهِ - (وَلَوْ حَمَلَهُ الْوَكِيلُ) إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ (بِنَفْسِهِ) - لِلْمُخَالَفَةِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) مَنْ قَالَ لِوَكِيلِهِ عَنْ شَيْءٍ (اشْتَرِهِ بِكَذَا، فَاشْتَرَاهُ) الْوَكِيلُ (بِهِ) - أَيْ: بِالثَّمَنِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ مُوَكِّلُهُ - (مُؤَجَّلًا) صَحَّ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا وَلَوْ تَضَرَّرَ، مَا لَمْ يَنْهَهُ
(أَوْ) قَالَ لَهُ: اشْتَرِ لِي (شَاةً بِالدِّينَارِ، فَاشْتَرَى) بِالدِّينَارِ (شَاتَيْنِ تُسَاوِيهِ) ؛ - أَيْ: الدِّينَارِ - (إحْدَاهُمَا) ؛ صَحَّ - (وَإِنْ لَمْ تُسَاوِهِ) الشَّاةُ (الْأُخْرَى - وَيَصِحُّ بَيْعُهَا) ؛ - أَيْ: إحْدَى الشَّاتَيْنِ - (بِلَا إذْنِ) مُوَكِّلٍ؛ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ شَبِيبٍ هُوَ ابْنُ غَرْقَدَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الْحَيَّ يُخْبِرُونَ
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِي لَهُ بِهِ أُضْحِيَّةً، وَقَالَ: مَرَّةً أَوْ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ اثْنَتَيْنِ، فَبَاعَ وَاحِدَةً بِدِينَارٍ، وَأَتَاهُ بِالْأُخْرَى، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، فَكَانَ لَوْ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: هَذَا دِينَارُكُمْ، وَهَذِهِ شَاتُكُمْ.
قَالَ: كَيْفَ صَنَعْت؟ فَذَكَرَهُ» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي ضِمْنِ حَدِيثٍ مُتَّصِلٍ لِعُرْوَةِ، وَلِأَنَّهُ حَصَلَ الْمَأْذُونُ فِيهِ وَزِيَادَةٌ، (أَوْ) اشْتَرَى لَهُ (شَاةً تُسَاوِيهِ) - أَيْ: الدِّينَارِ - (بِأَقَلَّ) مِنْ دِينَارٍ؛ (صَحَّ) ، وَكَانَ الزَّائِدُ لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِيهِ عُرْفًا - وَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ وَزِيَادَةٌ - (وَإِلَّا) ؛ أَيْ: وَإِنْ لَمْ تُسَاوِ إحْدَاهُمَا دِينَارًا؛ [فَلَا] يَصِحُّ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلُ لَهُ الْمَقْصُودُ، فَلَمْ يَقَعْ الْبَيْعُ لَهُ؛ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ لَفْظًا وَلَا عُرْفًا
[تَنْبِيهٌ وُكِّلَ فِي شِرَاءِ مُعَيَّنٍ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ]
تَنْبِيهٌ: مَنْ وُكِّلَ فِي شِرَاءِ مُعَيَّنٍ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ؛ فَلَهُ شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ وَغَيْرِهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا غَيْرُ الشِّيَاهِ) مِثْلُهَا فِي الْحُكْمِ
فَلَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: اشْتَرِ لِي ثَوْبًا بِدِينَارٍ، فَاشْتَرَى بِالدِّينَارِ ثَوْبَيْنِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا يُسَاوِي الدِّينَارَ؛ صَحَّ؛ لِحُصُولِ غَرَضِ الْمُوَكِّلِ وَزِيَادَةٍ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ
وَ] إنْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: (اشْتَرِ عَبْدًا؛ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ شِرَاءُ اثْنَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْهُ فِي ذَلِكَ لَفْظًا وَلَا عُرْفًا، وَظَاهِرُهُ - وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يُسَاوِي مَا عَيَّنَهُ مِنْ الثَّمَنِ - فَلَوْ اشْتَرَى وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ؛ [صَحَّ] شِرَاءُ الْأَوَّلِ.
[فَصْلٌ لَيْسَ لِوَكِيلٍ شِرَاءُ مَعِيبٍ]
(فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ شِرَاءُ مَعِيبٍ) ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ، وَلِذَلِكَ جَازَ لَهُ الرَّدُّ بِهِ، (وَإِنْ) أَمَرَ وَكِيلَهُ بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ (عَيَّنَهَا) لَهُ، فَاشْتَرَاهَا، فَوَجَدَهَا مَعِيبَةً، فَلَهُ الرَّدُّ؛ لِاقْتِضَاءِ الْأَمْرِ السَّلَامَةَ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مَوْصُوفَةٍ، هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الشِّرَاءِ، (فَإِنْ عَلِمَ بِهِ) قَبْلَ الشِّرَاءِ فَلَيْسَ لَهُ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ إذَا جَازَ بِهِ الرَّدُّ بَعْدَ الْعَقْدِ فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ الشِّرَاءِ أَوْلَى، فَإِنْ اشْتَرَاهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ (لَزِمَهُ) - أَيْ: الْوَكِيلَ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عُقِدَ عَلَى مَعِيبٍ (مَا لَمْ يَرْضَهُ) ؛ أَيْ: الْمَعِيبَ - (مُوَكِّلُهُ) ، فَإِنْ رَضِيَهُ؛ فَلَهُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْعَقْدَ لَهُ، وَإِنْ (لَمْ يَرْضَهُ) الْمُوَكِّلُ؛ (لَزِمَ) الْمَعِيبُ (الْوَكِيلَ، وَلَا يَرُدُّهُ) لِدُخُولِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَيَلْزَمُهُ الْمَبِيعُ.
(وَيَتَّجِهُ هَذَا) أَيْ: شِرَاءُ الْوَكِيلِ مَا عَلِمَ عَيْبَهُ - (إنْ اشْتَرَاهُ) - أَيْ: الْمَعِيبَ - (فِي ذِمَّتِهِ) أَنَّهُ يَكُونُ لَهُ، وَلَا يَرُدُّهُ، (لَا) إنْ اشْتَرَاهُ عَالِمًا عَيْبَهُ (بِعَيْنِ الْمَالِ) الَّذِي وُكِّلَ فِي الشِّرَاءِ بِهِ؛ (لِقَوْلِهِمْ) - أَيْ: الْأَصْحَابِ - (وَإِنْ اشْتَرَى) الْوَكِيلُ (بِعَيْنِ الْمَالِ فَشِرَاءُ فُضُولِيٍّ) ؛ فَلَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ لِلْمُوَكِّلِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَهُ رَدُّهُ عَلَى قَوْلٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الشِّرَاءَ حَالَ الْعَقْدِ لِنَفْسِهِ (وَلَهُ) - أَيْ: لِلْوَكِيلِ - (وَلِلْمُوَكِّلِ رَدُّهُ) - أَيْ: رَدُّ مَا اشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ غَيْرُ عَالِمٍ بِعَيْبِهِ - أَمَّا الْمُوَكِّلُ فَلِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وَأَمَّا الْوَكِيلُ فَلِقِيَامِهِ مَقَامَهُ.
(وَلَا يَرُدُّ) وَكِيلٌ (مَا عَيَّنَهُ لَهُ مُوَكِّلٌ) كَاشْتَرِ هَذَا الثَّوْبَ أَوْ الْعَبْدَ، فَاشْتَرَاهُ (بِعَيْبٍ وَجَدَهُ) الْوَكِيلُ فِيهِ (قَبْلَ إعْلَامِهِ) - أَيْ: الْمُوَكِّلِ - قَالَ فِي
الرِّعَايَتَيْنِ ": هَذَا أَوْلَى، وَقَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ ": هَذَا الْأَظْهَرُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْخُلَاصَةِ " قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِقَطْعِهِ نَظَرَ وَكِيلِهِ بِتَعْيِينِهِ، فَرُبَّمَا رَضِيَهُ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، فَإِنْ عَلِمَ الْوَكِيلُ عَيْبَ مَا عَيَّنَ لَهُ قَبْلَ شِرَائِهِ؛ فَلَهُ شِرَاؤُهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " - فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مُعَيَّنٍ، فَاشْتَرَاهُ، وَوَجَدَهُ مَعِيبًا؛ فَلَهُ الرَّدُّ قَبْلَ إعْلَامِهِ مُوَكِّلَهُ، (وَيَرُدُّ) الْوَكِيلُ مَبِيعًا وَجَدَهُ مَعِيبًا؛ (مَا لَمْ يُعَيَّنْ) ؛ أَيْ: مَا لَمْ يُعَيِّنْهُ لَهُ الْمُوَكِّلُ
(فَإِنْ ادَّعَى بَائِعُ) مَعِيبٍ (رِضَى مُوَكِّلِهِ بِهِ) - أَيْ: بِالْعَيْبِ (وَهُوَ) ، - أَيْ: الْمُوَكِّلُ - (غَائِبٌ؛ حَلَفَ) الْوَكِيلُ (أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ) رِضَا مُوَكِّلِهِ، (وَرَدَّهُ) - أَيْ: الْمَبِيعَ - لِلْعَيْبِ، (ثُمَّ إنْ حَضَرَ) مُوَكِّلٌ، (فَصَدَّقَ بَائِعًا) عَلَى رِضَاهُ بِعَيْبِهِ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ (لَمْ يَصِحَّ الرَّدُّ) ؛ لِانْعِزَالِ الْوَكِيلِ مِنْ الرَّدِّ بِرِضَى الْمُوَكِّلِ بِالْعَيْبِ، (وَهُوَ) - أَيْ: الْمَعِيبُ - (بَاقٍ لِمُوَكِّلٍ) ؛ فَلَهُ اسْتِرْجَاعُهُ، وَلَوْ كَانَتْ دَعْوَى الرِّضَى مِنْ قِبَلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ بَائِع رِضَى مُوَكِّلٍ، وَقَالَ لَهُ: تَوَقَّفْ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ فَرُبَّمَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ؛ لَمْ يَلْزَمْ الْوَكِيلَ ذَلِكَ؛ لِاحْتِمَالِ هَرَبِ الْبَائِعِ أَوْ فَوَاتِ الثَّمَنِ بِتَلَفِهِ، وَإِنْ طَاوَعَهُ لَمْ يَسْقُطْ رَدُّ مُوَكِّلٍ.
(وَيَتَّجِهُ لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ) - أَيْ: الْمَعِيبِ الَّذِي ادَّعَى بَائِعُ رِضَى الْمُوَكِّلِ بِعَيْبِهِ - (قَبْلَ مُرَاجَعَةِ مُوَكِّلٍ؛ لِاعْتِرَافِهِ) - أَيْ: الْبَائِعِ - بِهِ - أَيْ: بِالْمَبِيعِ - أَنَّهُ (لَهُ) - أَيْ: لِلْمُوَكِّلِ - (وَحْدَهُ، وَيَدِينُ) فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِي غَايَةِ [الْحُسْنِ] ، وَيَبْقَى الْمَبِيعُ تَحْتَ يَدِ الْبَائِعِ أَمَانَةً إلَى حُضُورِ الْمُوَكِّلِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ أَخَذَهُ الْمُوَكِّلُ، وَإِنْ ادَّعَى الْبَائِعُ تَلَفَهُ بِلَا تَعَمُّدٍ وَلَا تَفْرِيطٍ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ.