مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 408-447
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مُقَدِّمَة الْكتاب

صفحات 408-447
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الْمُشْتَرِي، وَقَدْ رَضِيَ بِبَذْلِ الزِّيَادَةِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَإِنْ زَادَ بِبُرْئِهِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ صَمَمٍ؛ مُنِعَ الرُّجُوعُ كَسَائِرِ الزِّيَادَاتِ (وَيُصَدَّقُ الْأَبُ فِي عَدَمِهَا) أَيْ: الزِّيَادَةِ إنْ أَنْكَرَهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ.

(وَ) يَمْنَعُ الرُّجُوعَ (رَهْنُ) مَوْهُوبٍ (لَزِمَ) لِأَنَّ فِي رُجُوعِهِ إبْطَالًا لَحِقَ الْمُرْتَهِنِ وَإِضْرَارًا بِهِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ شَرْعًا (إلَّا أَنْ يَنْفَكَّ) الرَّهْنُ بِوَفَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ فَيَمْلِكُ الرُّجُوعَ إذَنْ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ لَمْ يَزُلْ وَإِنَّمَا طَرَأَ مَعْنَى قَطْعِ التَّصَرُّفِ مَعَ بَقَاءِ الْمِلْكِ، فَمُنِعَ الرُّجُوعُ، فَإِذَا زَالَ زَالَ الْمَنْعُ وَيُمْنَعُ الرُّجُوعُ أَيْضًا (وَهِبَةُ وَالِدٍ) مَا وَهَبَهُ لَهُ أَبُوهُ (لِوَلَدِهِ) لِأَنَّ فِي رُجُوعِ الْأَبِ إبْطَالًا لِمِلْكِ غَيْرِ ابْنِهِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ (إلَّا أَنْ يَرْجِعَ هُوَ) أَيْ: الْوَاهِبُ الثَّانِي فِي هِبَتِهِ لِابْنِهِ، فَإِنَّ الْوَاهِبَ الْأَوَّلَ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ فَسَخَ هِبَتَهُ بِرُجُوعِهِ، فَعَادَ إلَيْهِ الْمِلْكُ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ (وَ) يَمْنَعُ الرُّجُوعَ (بَيْعُهُ) أَيْ: الْوَلَدِ (وَنَحْوِهِ مِمَّا يَنْتَقِلُ لِمِلْكِهِ) فِي الرَّقَبَةِ؛ كَأَنْ يَهَبَهُ أَوْ يَقِفَهُ، وَكَذَا مَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَوْهُوبَةِ كَاسْتِيلَادِهَا، أَوْ لَمْ يَهَبْهَا لَهُ لِذَلِكَ (إلَّا أَنْ يَرْجِعَ) الْمَبِيعُ (إلَيْهِ) أَيْ: الْوَلَدِ (بِفَسْخٍ أَوْ فَلَسِ مُشْتَرٍ) فَلِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِيهِ إذَنْ؛ لِعَوْدِ الْمِلْكِ لِلْوَلَدِ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ، فَكَأَنَّهُ مَا انْتَقَلَ (لَا) إنْ رَجَعَ الْمَبِيعُ لِلْوَلَدِ (بِنَحْوِ شِرَاءٍ) أَوْ اتِّهَابٍ؛ فَلَا رُجُوعَ لِأَبٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ لِلْوَلَدِ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ لَمْ يَسْتَفِدْهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ إزَالَتَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْهُوبًا (وَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ) تَصَرُّفُ الِابْنِ فِي الرَّقَبَةِ تَصَرُّفًا (غَيْرَ نَاقِلٍ لِلْمِلْكِ كَإِجَارَةٍ وَمُزَارَعَةٍ) عَلَيْهَا (وَ) جَعْلُهَا مُضَارَبَةً فِي (عَقْدِ شَرِكَةٍ وَتَزْوِيجٍ وَتَدْبِيرٍ وَكِتَابَةٍ وَعِتْقٍ مُعَلَّقٍ) عَلَى صِفَةٍ قَبْلَ وُجُودِهَا وَوَطْءٍ مُجَرَّدٍ عَنْ إحْبَالٍ (وَكَذَا وَصِيَّةٌ) لَمْ تُقْبَضْ (وَهِبَةٌ لَمْ تُقْبَضْ) لِبَقَاءِ مِلْكِ الِابْنِ وَسَلْطَنَةِ تَصَرُّفِهِ (وَيَمْلِكُهُ) أَيْ: الرُّجُوعَ أَيْضًا (مَعَ بَقَاءِ إجَارَةٍ) بِحَالِهَا (وَ) مَعَ بَقَاءِ (كِتَابَةٍ وَتَزْوِيجٍ) كَاسْتِمْرَارِهِ مَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْوَلَدِ لَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ تُفْسَخُ بِهِ الْإِجَارَةُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ لِلْأَبِ فِعْلًا فِي الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَهُ لِوَلَدِهِ تَسْلِيطٌ لَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَلَا كَذَلِكَ الشَّفِيعُ، فَإِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ

جَائِزًا كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُشَارَكَةِ؛ بَطَلَ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ؛ لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ حُكْمِهِ مُقَيَّدٌ بِبَقَاءِ الْمَعْقُودِ مَعَهُ - وَقَدْ فَاتَ - بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَ (لَا) كَذَلِكَ (تَدْبِيرٌ) لِلرَّقِيقِ (وَتَعْلِيقُ) عِتْقِهِ بِصِفَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى حُكْمُهَا فِي حَقِّ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَصْدُرَا مِنْهُ (وَمَعَ عَوْدِهِ) أَيْ: الْمُدَبَّرِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةِ الْمِلْكِ (لِلِابْنِ فَحُكْمُهَا بَاقٍ) لِعَوْدِ الصِّفَةِ (وَمَا قَبَضَهُ ابْنٌ مِنْ مَهْرِ) أَمَةٍ زَوَّجَهَا قَبْلَ رُجُوعِ أَبِيهِ (وَ) مِنْ دَيْنِ (كِتَابَةٍ وَ) مِنْ (أَرْشِ) جِنَايَةٍ عَلَى الرَّقِيقِ (وَ) مِنْ (مُسْتَقَرِّ أُجْرَةٍ فَلَهُ) أَيْ: الِابْنِ دُونَ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءٌ حَصَلَ فِي مِلْكِهِ (وَلَا رُجُوعَ) لِلْأَبِ (فِيمَا أَبْرَأَهُ) أَيْ أَبْرَأَ وَلَدَهُ (مِنْ دَيْنٍ) كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، فَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ بِهِ بَعْدَ أَنْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطٌ لَا تَمْلِيكٌ.

(وَلَا يَصِحُّ رُجُوعٌ) مِنْ الْأَبِ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ (إلَّا بِقَوْلٍ كَ) أَنْ يَقُولَ: (رَجَعْت فِي هِبَتِي أَوْ ارْتَجَعْتهَا أَوْ رَدَدْتهَا وَنَحْوَهُ) كَعُدْت فِيهَا أَوْ أَعَدْتهَا إلَى مِلْكِي وَنَحْوَ ذَلِكَ (مِمَّا يَدُلُّ) عَلَى الرُّجُوعِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالْأَكْمَلُ رَجَعْتُ فِيمَا وَهَبْتُ لَكِ مِنْ كَذَا، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْوَلَدُ بِرُجُوعِ أَبِيهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَلَا يَحْتَاجُ الرُّجُوعُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِثُبُوتِهِ بِالنَّصِّ كَفَسْخِ مُعْتَقَةٍ تَحْتَ عَبْدٍ، (وَلَا) يَثْبُتُ الرُّجُوعُ (بِتَصَرُّفِهِ) أَيْ: الْأَبِ فِيمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ بَعْدَ قَبْضِ الِابْنِ (أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ التَّصَرُّفِ بِالْعَيْنِ؛ بِأَنْ وَطِئَ الْجَارِيَةَ الَّتِي وَهَبَهَا لِابْنِهِ، وَأَقْبَضَهَا لَهُ (وَلَوْ نَوَى) الْأَبُ (بِهِ) أَيْ: بِالتَّصَرُّفِ أَوْ الْوَطْءِ (الرُّجُوعَ) لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ ثَابِتٌ يَقِينًا، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ، وَهُوَ صَرِيحُ الْقَوْلِ.

[تَنْبِيهٌ شُرُوطُ رُجُوعِ الْأَبِ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ]

تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِرُجُوعِ الْأَبِ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ وَكُلُّهَا مَعْلُومَةٌ مِمَّا تَقَدَّمَ: الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ بَاقِيَةً أَوْ بَعْضَهَا فِي مِلْكِ الْوَلَدِ إلَى رُجُوعِ أَبِيهِ؛ فَلَا رُجُوعَ فِيمَا أَبْرَأَهُ وَلَدُهُ مِنْ الدَّيْنِ وَلَا [فِي] مَنْفَعَةٍ اسْتَوْفَاهَا، وَلَا فِيمَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ لَازِمَةٍ أَوْ وَقْفٍ.

الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بَاقِيَةً فِي يَدِ الْوَلَدِ وَتَصَرُّفِهِ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي رَقَبَتِهَا؛ فَلَا رُجُوعَ فِي قِيمَةِ تَالِفٍ، وَلَا فِي أَمَةٍ اسْتَوْلَدَهَا الِابْنُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِ سَيِّدِهَا، فَلَوْ تَصَرَّفَ الِابْنُ بِمَا لَا يَمْنَعُهُ التَّصَرُّفَ فِي الرَّقَبَةِ كَالْوَصِيَّةِ وَالْوَطْءِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْإِحْبَالِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْإِجَارَةِ وَالْمُزَارَعَةِ عَلَيْهَا وَجَعْلِهَا مُضَارَبَةً.
وَتَعْلِيقِ عِتْقٍ بِصِفَةٍ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ رُجُوعُ الْأَبِ؛ لِبَقَاءِ تَصَرُّفِ الِابْنِ، فَإِذَا رَجَعَ، فَمَا كَانَ مِنْ الْمُتَصَرِّفِ لَازِمًا كَالْإِجَارَةِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْكِتَابَةِ؛ فَهُوَ بَاقٍ بِحَالِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا تَزِيدَ الْعَيْنُ عِنْدَ الْوَلَدِ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً كَسِمَنٍ وَكِبَرٍ وَحَمْلٍ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ قُرْآنٍ.
الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْأَبُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الرُّجُوعِ، فَإِنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ؛ فَلَا رُجُوعَ لَهُ

[فَصْلٌ لِلْأَبِ خَاصَّةً تَمْلِك مَا شَاءَ مِنْ مَال وَلَده]

(فَصْلٌ) (وَلِأَبٍ خَاصَّةً) دُونَ أُمٍّ وَجَدٍّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ سَائِرِ الْأَقَارِبِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمَنْعُ خُولِفَ فِي الْأَبِ؛ لِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ (حُرٌّ) كَامِلُ الْحُرِّيَّةِ (وَلَوْ) كَانَ الْأَبُ (غَيْرَ مُحْتَاجٍ) بِأَنْ كَانَ غَنِيًّا (تَمَلَّكَ مَا شَاءَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ) قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ أَنَّ مَالَ الْوَلَدِ مِلْكٌ لَهُ دُونَ أَبِيهِ، قَالَ أَحْمَدُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ وَلَدِهِ رَبًّا (تَنْجِيزًا) لَا تَعْلِيقًا، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَمْنَعُ الِابْنُ الْأَبَ مَا أَرَادَ مِنْ مَالِهِ؛ فَهُوَ لَهُ.
إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ؛ فَلِلْأَبِ التَّمَلُّكُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَعَ صِغَرِهِ وَكِبَرِهِ وَسُخْطِهِ وَرِضَاهُ وَبِعِلْمِهِ وَبِغَيْرِ عِلْمِهِ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنَّ أَبِي احْتَاجَ مَالِي فَقَالَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» . وَلِأَنَّ الْوَلَدَ مَوْهُوبٌ لِأَبِيهِ بِالنَّصِّ الْقَاطِعِ، وَمَا كَانَ مَوْهُوبًا لَهُ كَانَ لَهُ أَخْذُ مَالِهِ كَعَبْدِهِ، يُؤَيِّدُهُ أَنَّ

سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: 61] الْآيَةَ ذَكَرَ الْأَقَارِبَ دُونَ الْأَوْلَادِ؛ لِدُخُولِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: 61] لِأَنَّ بُيُوتَ أَوْلَادِهِمْ كَبُيُوتِهِمْ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ يَلِي مَالَ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةٍ، فَكَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ كَمَالِ نَفْسِهِ (مَا لَمْ يَضُرَّهُ) أَيْ: يَضُرَّ الْأَبُ وَلَدَهُ بِمَا يَتَمَلَّكُهُ مِنْهُ، فَإِنْ أَضَرَّهُ بِأَنْ تَتَعَلَّقَ حَاجَةُ الْوَلَدِ بِهِ كَآلَةِ حِرْفَتِهِ وَنَحْوِهَا لَمْ يَتَمَلَّكْهُ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى دَيْنِهِ، فَلَأَنْ تُقَدَّمَ عَلَى أَبِيهِ أَوْلَى، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِي الْوَلَدِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (أَوْ) إلَّا إذَا تَمَلَّكَهُ الْأَبُ (لِيُعْطِيَهُ لِوَلَدٍ آخَرَ) فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَخْصِيصِ [بَعْضِ وَلَدِهِ بِالْعَطِيَّةِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ تَخْصِيصٍ] بِمَا أَخَذَهُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الْآخَرِ بِالْأَوْلَى (أَوْ) إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّمَلُّكُ (بِمَرَضِ مَوْتِ أَحَدِهِمَا) الْمَخُوفُ؛ فَلَا يَصِحُّ؛ لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْإِرْثِ (أَوْ سُرِّيَّتُهُ) أَيْ: الْأَمَةُ الَّتِي وَطِئَهَا الْوَلَدُ؛ فَلَيْسَ لِأَبِيهِ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا (وَلَوْ لَمْ تَكُنْ) سُرِّيَّتُهُ (أُمَّ وَلَدٍ) لِلِابْنِ؛ لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالزَّوْجَاتِ نَصًّا (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَصِحُّ التَّمَلُّكُ (مَعَ كُفْرِ أَبٍ وَإِسْلَامِ ابْنٍ) لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الِابْنُ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ حَسَنٌ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْت: وَهَذَا عَيْنُ الصَّوَابِ انْتَهَى؛ لِحَدِيثِ: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ» . (وَ) قَالَ الشَّيْخُ أَيْضًا (وَالْأَشْبَهُ أَنَّ) الْأَبَ (الْمُسْلِمَ لَا يَتَمَلَّكُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الْكَافِرِ) شَيْئًا؛ لِانْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ وَالتَّوَارُثِ.

(وَيَحْصُلُ تَمَلُّكُ) الْأَبِ لِمَالِ وَلَدِهِ (بِقَبْضِ) مَا تُمَلَّكَهُ نَصًّا (مَعَ قَوْلٍ) بِأَنْ يَقُولَ تَمَلَّكْتُهُ وَنَحْوَهُ (أَوْ نِيَّةٍ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَوْ قَرِينَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلتَّمَلُّكِ أَوْ غَيْرِهِ، فَاعْتُبِرَ الْقَوْلُ أَوْ النِّيَّةُ؛ لِيَتَعَيَّنَ وَجْهُ الْقَبْضِ (فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) أَيْ الْأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ (قَبْلَ قَبْضٍ) لِمَا تَمَلَّكَهُ (بِذَلِكَ) الْقَوْلِ أَوْ النِّيَّةِ (وَلَوْ) كَانَ تَصَرُّفُهُ (عِتْقًا) لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ تَامٌّ عَلَى مَالِ

نَفْسِهِ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، وَيَحِلُّ لَهُ وَطْءُ جَوَارِيهِ، وَلَوْ كَانَ الْمِلْكُ مُشْتَرَكًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْوَطْءُ كَمَا لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَإِنَّمَا لِلْأَبِ انْتِزَاعُهَا مِنْهُ كَالْعَيْنِ الَّتِي وَهَبَهَا إيَّاهُ (وَحَيْثُ تَمَلَّكَ) الْأَبُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ شَيْئًا (ثُمَّ انْفَسَخَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ) ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَأْخُوذِ بِحَيْثُ صَارَ رَدُّهُ وَاجِبًا إلَى مَالِكِهِ الْأَوَّلِ (كَفَسْخِ مَبِيعٍ) بِأَنْ يَأْخُذَ الْأَبُ ثَمَنَ السِّلْعَةِ الَّتِي بَاعَهَا الْوَلَدُ، ثُمَّ تُرَدُّ السِّلْعَةُ، أَوْ يَأْخُذُ الْأَبُ الَّذِي اشْتَرَاهُ الْوَلَدُ ثُمَّ يُفْلِسُ الْوَلَدُ بِالثَّمَنِ، وَيَحْجُرُ عَلَيْهِ، وَيَفْسَخُ الْبَائِعُ لِذَلِكَ، أَوْ يَفْسَخُ لِبَائِعِ الْعَيْبِ الثَّمَنَ بَعْدَ أَخْذِ الْأَبِ الْمَبِيعِ مِنْ وَلَدِهِ (وَطَلَاقٍ) كَأَنْ يَأْخُذَ الْأَبُ صَدَاقَ ابْنَتِهِ، ثُمَّ يُطَلِّقُ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُ الصَّدَاقَ (رَجَعَ مُسْتَحِقٌّ) فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ (عَلَى الْوَلَدِ خَاصَّةً) دُونَ الْأَبِ؛ لِطُرُوءِ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى مَالٍ تَمَلَّكَهُ الْأَبُ تَمَلُّكًا تَامًّا مِنْ مَالِ وَلَدِهِ عَلَى وَجْهٍ يُبَاحُ لَهُ التَّمَلُّكُ فَلَمْ يَمْلِكْ الْمُسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ فِي حَالٍ كَانَ مَالِكًا لَهُ فِيهَا، فَكَانَ لِلْمُسْتَحِقِّ الرُّجُوعُ عَلَى الْوَلَدِ لِتَلَفِ مَالِهِ تَحْتَ يَدِهِ (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " - لِقَوْلِهِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ: فَالْأَقْوَى فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ أَنَّ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ الرُّجُوعَ عَلَى الْأَبِ.
انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَا يَأْتِي فِي الصَّدَاقِ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ عَلَى أَلْفٍ لَهَا وَأَلْفٍ لِأَبِيهَا أَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ، وَأَنَّ الْأَبَ يَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ مَعَ نِيَّةِ التَّمَلُّكِ، وَأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُهُ؛ رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا، لَا عَلَى أَبِيهَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.

(وَلَا يَمْلِكُ) الْأَبُ (إبْرَاءَ نَفْسِهِ) مِنْ دَيْنٍ لِوَلَدِهِ عَلَيْهِ، (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَمْلِكُ إبْرَاءَ (غَرِيمِ وَلَدِهِ) وَلَا تَمَلُّكُهُ مَا فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ، وَلَا تَمَلُّكُهُ مَا فِي ذِمَّةِ غَرِيمِ وَلَدِهِ (وَلَا) يَمْلِكُ (قَبْضَهُ) - أَيْ: دَيْنَ وَلَدِهِ - (مِنْهُ) - أَيْ: مِنْ غَرِيمِ وَلَدِهِ - وَلَا مِنْ نَفْسِهِ (لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَمْلِكُهُ) - أَيْ: الدَّيْنَ - (إلَّا بِقَبْضِهِ)

مِنْ غَرِيمِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ لَمْ يَحْنَثْ بِدَيْنٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ.

(وَلَوْ أَقَرَّ أَبٌ بِقَبْضِهِ) - أَيْ: دَيْنِ وَلَدِهِ - مِنْ غَرِيمِهِ (وَأَنْكَرَ وَلَدٌ) أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ قَبَضَ (أَوْ صَدَقَ) غَرِيمَهُ بِدَعْوَاهُ قَبْضَ الْأَبِ؛ رَجَعَ الْوَلَدُ عَلَى غَرِيمِهِ (خِلَافًا لِ) مَا يُفْهَمُ مِنْ (" الْمُنْتَهَى ") الْقَائِلُ: وَلَوْ أَقَرَّ الْأَبُ بِقَبْضِهِ، وَأَنْكَرَ الْوَلَدُ؛ رَجَعَ عَلَى غَرِيمِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَوْ صَدَقَ.
فَاقْتِصَارُهُ عَلَى إنْكَارِ الْوَلَدِ مُشْعِرٌ بِعَدَمِ الرُّجُوعِ عَلَى الْوَلَدِ مَعَ تَصْدِيقِهِ الْغَرِيمَ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إذَا أَنْكَرَ الْوَلَدُ أَوْ صَدَقَ (رَجَعَ) الْوَلَدُ (عَلَى غَرِيمِهِ) بِدَيْنِهِ؛ لِعَدَمِ بَرَاءَتِهِ بِالدَّفْعِ إلَى أَبِيهِ وَتَصْدِيقِهِ بِقَبْضِ أَبِيهِ لَا يَتَضَمَّنُ إذْنَ أَبِيهِ فِي قَبْضِهِ؛ فَهُوَ قَبْضٌ فَاسِدٌ خَالٍ عَنْ مُسَوِّغٍ شَرْعِيِّ (وَ) رَجَعَ (الْغَرِيمُ عَلَى الْأَبِ) بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَبِبَدَلِهِ إنْ كَانَ تَالِفًا؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ مَا لَيْسَ لَهُ قَبْضُهُ، لَا بِوِلَايَةٍ وَلَا بِوَكَالَةٍ.
فَقَوْلُ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةٍ مُهَنَّا: وَلَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِ دَيْنِ ابْنِهِ، فَأَنْكَرَ رَجَعَ عَلَى غَرِيمِهِ وَهُوَ الْأَبُ لَا يُعَوَّلُ عَلَى مَفْهُومِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ سَائِلٍ؛ فَلَا يُحْتَجُّ بِمَفْهُومِهِ.

(وَإِنْ أَوَلَدَ) أَبٌ (قَبْلَ تَمَلُّكِ جَارِيَةٍ لِوَلَدِهِ لَمْ يَطَأْهَا) الِابْنُ (صَارَتْ لَهُ) أَيْ: الْأَبِ - (أُمَّ وَلَدٍ) لِأَنَّ إحْبَالَهُ لَهَا يُوجِبُ نَقْلَ الْمِلْكِ إلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْوَطْءُ مُصَادِفًا لَلْمِلْكِ، فَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَلَدِ (وَوَلَدُهُ) - أَيْ: الْأَبِ مِنْ أَمَةِ وَلَدِهِ - (حُرٌّ) لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ انْتَفَى فِيهِ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ (لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ) لِوَلَدِهِ رَبِّ الْجَارِيَةِ الَّتِي انْتَقَلَ مِلْكُهَا إلَيْهِ لِعُلُوقِهَا؛ فَهِيَ إنَّمَا أَتَتْ بِهِ فِي مِلْكِ الْأَبِ (وَلَا) يَلْزَمُهُ (مَهْرٌ) لِأَنَّ الْوَطْءَ سَبَبُ نَقْلِ الْمِلْكِ فِيهَا وَإِيجَابِ الْقِيمَةِ لِلْوَلَدِ، وَالْوَطْءُ الْمُوجِبُ لِلْقِيمَةِ كَالْإِتْلَافِ، فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ الْمَهْرُ، (وَلَا حَدَّ) عَلَى أَبٍ بِوَطْءِ أَمَةِ وَلَدِهِ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ؛ لِحَدِيثِ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» . (وَيُعَزَّرُ) الْأَبُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ وَطْئًا مُحَرَّمًا، أَشْبَهَ وَطْءَ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ (وَعَلَيْهِ) - أَيْ: الْأَبِ - بِإِحْبَالِهِ جَارِيَةَ وَلَدِهِ (قِيمَتُهَا) لِوَلَدِهِ؛

لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةٌ بِهَا، وَمَحَلُّ انْتِقَالِ الْمِلْكِ فِيهَا لِلْأَبِ إنْ لَمْ يَكُنْ الِابْنُ وَطِئَهَا؛ لِأَنَّهَا بِالْوَطْءِ تَصِيرُ كَحَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ، فَتُحَرَّمُ عَلَى الْأَبِ، وَلَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهَا إنْ كَانَ الِابْنُ اسْتَوْلَدَهَا، فَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ؛ إذْ أُمُّ الْوَلَدِ لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهَا.
(وَإِنْ كَانَ الِابْنُ وَطِئَهَا) وَلَوْ لَمْ يَسْتَوْلِدْهَا (لَمْ تَنْتَقِلْ) الْجَارِيَةُ (لِمِلْكِ أَبٍ) بِالْإِحْبَالِ (فَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) - أَيْ: الْأَبِ - إنْ حَمَلَتْ مِنْهُ نَصًّا؛ لِأَنَّهَا بِالْوَطْءِ صَارَتْ مُلْحَقَةً بِالزَّوْجَةِ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِالْقَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يَمْلِكُهَا بِالْإِحْبَالِ (وَلَا حَدَّ) عَلَى الْأَبِ، لِلشُّبْهَةِ (وَوَلَدُهُ حُرٌّ) لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَتُحَرَّمُ عَلَيْهِمَا عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَوْطُوءَاتِ ابْنِهِ، وَعَلَى الِابْنِ؛ لِأَنَّهَا مَوْطُوءَةُ أَبِيهِ.

(وَمَنْ اسْتَوْلَدَ أَمَةَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) إنْ حَمَلَتْ مِنْهُ (وَوَلَدُهُ قِنٌّ، وَحُدَّ بِشَرْطِهِ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الِابْنَ لَيْسَ لَهُ التَّمَلُّكُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَبَوَيْهِ، فَلَا شُبْهَةَ لَهُ فِي الْوَطْءِ، لَا يُقَالُ إنَّهُ رَحِمٌ لِأَحَدِ الْأَبَوَيْنِ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الزِّنَا أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْأَبِ، (وَلَيْسَ لِوَلَدِ صُلْبٍ وَلَا لِوَرَثَتِهِ) - أَيْ: الْوَلَدِ - (مُطَالَبَةَ أَبٍ) .

قَالَ فِي " الْمُوجَزِ ": (فَلَا يَمْلِكُ) الْوَلَدُ (إحْضَارَهُ) - أَيْ: الْأَبِ - (لِمَجْلِسِ حُكْمٍ بَ) سَبَبِ (دَيْنٍ) كَقَرْضٍ وَثَمَنِ مَبِيعٍ (أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ) كَثَوْبٍ وَنَحْوِهِ حَرَقَهُ لِوَلَدِهِ (أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ) عَلَى وَلَدِهِ كَقَلْعِ سِنٍّ وَقَطْعِ طَرَفٍ (وَلَا) بِشَيْءٍ (غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لِلِابْنِ عَلَيْهِ) كَأُجْرَةِ أَرْضٍ وَزَرْعِهَا أَوْ دَارٍ سَكَنَهَا؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَبِيهِ يَقْتَضِيهِ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» . وَلِأَنَّ الْمَالَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْحُقُوقِ، فَلَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَةَ أَبِيهِ كَحُقُوقِ الْأَبْدَانِ، وَلَا لِلِابْنِ أَنْ يُحِيلَ عَلَى أَبِيهِ بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ طَلَبَهُ بِهِ، فَلَا يَمْلِكُ الْحَوَالَةَ عَلَيْهِ (إلَّا بِنَفَقَتِهِ الْوَاجِبَةِ) عَلَى الْأَبِ؛ لِفَقْرِ الِابْنِ وَعَجْزِهِ عَنْ التَّكَسُّبِ، فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهَا.
زَادَ فِي

الْوَجِيزِ ": (وَيَحْبِسُهُ هُوَ عَلَيْهَا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِهِنْدَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» . وَلِلْوَلَدِ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ (بِعَيْنِ مَالٍ لَهُ) - أَيْ: الْوَلَدِ - (بِيَدِهِ) - أَيْ: الْأَبِ، وَيَجْرِي الرِّبَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ لِتَمَامِ مِلْكِ الْوَلَدِ عَلَى مَالِهِ وَاسْتِقْلَالِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ -، وَوُجُوبِ زَكَاتِهِ عَلَيْهِ وَحَلَّ الْوَطْءُ وَتَوْرِيثُ وَرَثَتِهِ.
وَحَدِيثُ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» . عَلَى مَعْنَى سَلْطَنَةِ التَّمَلُّكِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إضَافَةُ الْمَالِ لِلْوَلَدِ (لَكِنْ يَثْبُتُ لَهُ) - أَيْ: الْوَلَدِ - (فِي ذِمَّةِ وَالِدِهِ دَيْنٌ) مِنْ ثَمَنٍ أَوْ أُجْرَةٍ أَوْ قَرْضٍ (وَقِيمَةُ مُتْلَفٍ) إعْمَالًا لِلسَّبَبِ، فَإِنَّ مِلْكَ الْوَلَدِ تَامٌّ، وَالسَّبَبُ إمَّا إتْلَافٌ فَلِمَالِ الْغَيْرِ وَإِمَّا قَرْضٌ وَنَحْوُهُ فَعَقْدٌ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] . (فَلَا يَسْقُطُ) دَيْنُ الْوَلَدِ الثَّابِتُ لَهُ فِي ذِمَّةِ أَبِيهِ (بِمَوْتِهِ) - أَيْ: الْأَبِ - (فَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ) مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْوَرَثَةِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ (وَكَذَا) لَا يَسْقُطُ (أَرْشُ جِنَايَةٍ) مِنْ الْأَبِ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى مَالِ الْوَلَدِ أَوْ نَفْسِهِ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَمْلِكُ إحْضَارَ أَبِيهِ لِمَجْلِسِ حُكْمٍ بِدَيْنٍ أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لِلِابْنِ عَلَيْهِ؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مِلْكِهِ الْمُطَالَبَةُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَ سُقُوطَ حَقِّهِ عَنْهُ مَا دَامَ حَيًّا، وَتَظْهَرُ الْفَائِدَةُ فِيمَا لَوْ وَفَّاهُ وَالِدُهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ لَا يُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ، بَلْ يَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَمَا يَأْتِي.
(لَكِنْ يَسْقُطُ) أَرْشُ الْجِنَايَةِ (بِمَوْتِهِ) - أَيْ: الْأَبِ - فَلَا يَرْجِعُ بِهِ فِي تِرْكَتِهِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دَيْنِ الْقَرْضِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِمَا كَوْنُ الْأَبِ أَخَذَ عَنْ هَذَا عِوَضًا، بِخِلَافِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ (وَ) عَلَى هَذَا (يَنْبَغِي) أَنْ يَكُونَ (مِثْلَهُ دَيْنُ ضَمَانٍ) مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ الْوَالِدِ دَيْنُ الضَّمَانِ إذَا ضَمِنَ غَرِيمٌ وَلَدَهُ لَهُ (وَمَا قَضَاهُ أَبٌ مِنْ ذَلِكَ) الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ لِوَلَدِهِ (فِي مَرَضِهِ) - أَيْ: الْأَبِ - (أَوْ وَصِيِّ) الْأَبِ (بِقَضَائِهِ) مِنْ دَيْنِ وَلَدِهِ، قَالَ شَيْخُنَا أَحْمَدُ: أَوْ أُرُوشِ جِنَايَةٍ وَغَيْرِهَا (فَمِنْ رَأْسِ مَالِهِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ عَلَيْهِ لَا تُهْمَةَ فِيهِ، فَكَانَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَدَيْنِ الْأَجْنَبِيِّ، وَلِوَلَدِ الْوَلَدِ مُطَالَبَةُ

جَدِّهِ بِمَالِهِ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ دَيْنٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ وَغَيْرِهَا كَسَائِرِ الْأَقَارِبِ إنْ لَمْ يَكُنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ أَبِيهِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِوَرَثَةِ الْوَلَدِ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنِهِ، وَكَذَا الْأُمُّ تُطَالَبُ بِدَيْنِ وَلَدِهَا.

(وَمَا) (وَجَدَهُ ابْنٌ بَعْدَ مَوْتِ أَبٍ) فِي تِرْكَتِهِ (مِنْ عَيْنِ مَالِهِ) - أَيْ: الِابْنِ - (الَّذِي أَقْرَضَهُ) لِأَبِيهِ (أَوْ بَاعَهُ) لَهُ (أَوْ غَصَبَهُ) الْأَبُ مِنْهُ (فَلَهُ) - أَيْ: الِابْنِ - (أَخْذُهُ) - أَيْ: مَا وَجَدَ مِنْ عَيْنِ مَالِهِ - دُونَ بَقِيَّةِ وَرَثَةِ الْأَبِ (إنْ لَمْ يَكُنْ الْأَبُ دَفَعَ) لِوَلَدِهِ (ثَمَنَهُ) لِتَعَذُّرِ الْعِوَضِ.
قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَلَا يَكُونُ مَا وَجَدَ مِنْ عَيْنِ مَالِ الْوَلَدِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْأَبِ، بَلْ هُوَ لِلْوَلَدِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، دُونَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ.

[فَصْلٌ فِي عَطِيَّةِ الْمَرِيضِ وَمُحَابَاتِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]

(وَعَطِيَّةُ مَرِيضٍ، وَهِيَ هِبَتُهُ فِي) مَرَضٍ (غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ وَلَوْ) كَانَ الْمَرَضُ (مَخُوفًا) كَصَحِيحٍ (أَوْ) كَانَ مَرَضُهُ (غَيْرَ مَخُوفٍ كَصُدَاعٍ) - أَيْ: وَجَعِ رَأْسٍ - وَرَمَدٍ وَ (وَجَعِ ضِرْسٍ) وَجَرَبٍ (وَحُمَّى) سَاعَةٍ أَوْ (يَوْمٍ وَإِسْهَالِ سَاعَةٍ بِلَا دَمٍ وَلَوْ صَارَ) الْمَرَضُ (مَخُوفًا وَمَاتَ بِهِ فَ) عَطِيَّتُهُ (كَصَحِيحٍ فَتَصِحُّ) عَطِيَّتُهُ (فِي كُلِّ مَالِهِ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصِّحَّةِ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُخَافُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ وَكَمَا لَوْ كَانَ مَرِيضًا وَبَرِئَ، وَأَمَّا الْإِسْهَالُ فَإِنْ كَانَ مُنْحَرِفًا لَا يُمْكِنُهُ مَنْعُهُ وَلَا إمْسَاكُهُ؛ فَهُوَ مَخُوفٌ - وَإِنْ كَانَ سَاعَةً - لِأَنَّ مَنْ لَحِقَهُ ذَلِكَ أَسْرَعَ فِي هَلَاكِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْحَرِفًا، لَكِنَّهُ يَكُونُ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَلَيْسَ بِمَخُوفٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِنْ فَضْلَةِ الطَّعَامِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ زَحِيرٌ وَتَقْطِيعٌ؛ كَأَنْ يَخْرُجَ مُتَقَطِّعًا؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَخُوفًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُضْعِفُ، وَإِنْ دَامَ الْإِسْهَالُ فَهُوَ مَخُوفٌ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ زَحِيرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَمَا أَشْكَلَ أَمْرُهُ مِنْ الْأَمْرَاضِ رُجِعَ فِيهِ إلَى قَوْلِ أَهْلِ

الْمَعْرِفَةِ، وَهُمْ الْأَطِبَّاءُ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْخِبْرَةِ بِذَلِكَ وَالتَّجْرِبَةِ وَالْمَعْرِفَةِ.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي ".

(وَ) عَطِيَّةُ مَرِيضٍ (فِي مَرَضٍ مَخُوفٍ كَبِرْسَامٍ) - بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ - بُخَارٌ يَرْتَقِي إلَى الرَّأْسِ، وَيُؤَثِّرُ فِي الدِّمَاغِ، فَيَخْتَلُّ الْعَقْلُ بِهِ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: هُوَ وَرَمٌ فِي الدِّمَاغِ يَتَغَيَّرُ مِنْهُ عَقْلُ الْإِنْسَانِ وَيَهْذِي.
(وَذَاتِ جَنْبٍ) - قُرُوحٌ بِبَاطِنِ الْجَنْبِ - (وَوَجَعِ رِئَةٍ) فَإِنَّهَا لَا تَسْكُنُ حَرَكَتُهَا فَلَا يَنْدَمِلُ جُرْحُهَا (وَ) وَجَعُ - (قَلْبٍ وَرُعَافٍ دَائِمٍ) لِأَنَّهُ يُصَفِّي الدَّمَ فَتَذْهَبُ الْقُوَّةُ (وَقِيَامِ مُتَدَارِكٍ) - وَهُوَ الْإِسْهَالُ الْمُتَوَاتِرُ الَّذِي لَا يَسْتَمْسِكُ - (أَوْ) إسْهَالٍ (مَعَهُ دَمٌ) لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الْقُوَّةَ (وَ) مِنْ الْمَخُوفِ (كَفَالِجٍ) - وَهُوَ اسْتِرْخَاءٌ لِأَحَدِ شِقَّيْ الْبَدَنِ لِانْصِبَابِ خَلْطٍ بَلْغَمِيٍّ تَفْسُدُ مِنْهُ مَسَالِكُ الرُّوحِ - (فِي ابْتِدَاءِ) هـ (وَالسِّلُّ) - بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ دَاءٌ مَعْرُوفٌ (فِي انْتِهَاءِ) هـ (أَوْ هَاجَ بِهِ بَلْغَمٌ) لِأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ الْبُرُودَةِ، وَقَدْ يَغْلِبُ عَلَى الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ، فَيُطْفِئُهَا (أَوْ) هَاجَتْ بِهِ (صَفْرَاءُ) لِأَنَّهَا تُورِثُ يُبُوسَةً (أَوْ) هَاجَ بِهِ (قُولَنْجُ) - وَهُوَ أَنْ يَنْعَقِدَ الطَّعَامُ فِي بَعْضِ الْأَمْعَاءِ وَلَا يَنْزِلُ عَنْهُ - أَوْ هَاجَتْ بِهِ (حُمَّى مُطْبَقَةٌ) فَهَذِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِمُفْرَدِهِ مَخُوفٌ، وَمَعَ الْحُمَّى أَشَدُّ خَوْفًا، إنْ ثَاوَرَهُ الدَّمُ وَاجْتَمَعَ فِي عُضْوٍ كَانَ مَخُوفًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَرَارَةِ الْمُفْرِطَةِ (وَمَا قَالَهُ عَدْلَانِ) لَا وَاحِدٌ وَلَوْ عَدِمَ غَيْرَهُ (مُسْلِمَانِ مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ) عِنْدَ إشْكَالِ الْمَرَضِ (أَنَّهُ مَخُوفٌ) . قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": لَيْسَ مَعْنَى الْمَرَضِ الْمَخُوفِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ الْمَوْتُ مِنْهُ، أَوْ يَتَسَاوَى فِي الظَّنِّ جَانِبُ الْبَقَاءِ وَالْمَوْتِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا جَعَلُوا ضَرْبَ الْمَخَاضِ مِنْ الْأَمْرَاضِ الْمَخُوفَةِ، وَلَيْسَ الْهَلَاكُ غَالِبًا وَلَا مُسَاوِيًا لِلسَّلَامَةِ وَإِنَّمَا الْمَرَضُ إنَّمَا يَكُونُ سَبَبًا صَالِحًا لِلْمَوْتِ، فَيُضَافُ إلَيْهِ، وَيَجُوزُ حُدُوثُهُ عِنْدَهُ، وَأَقْرَبُ مَا يُقَالُ مَا يَكْثُرُ حُصُولُ الْمَوْتِ مِنْهُ (فَ) عَطَايَاهُ (كَوَصِيَّةٍ) فِي أَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ غَيْرِ الْوَقْفِ لِلثُّلُثِ فَأَقَلَّ، وَلَا لِأَجْنَبِيٍّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ إلَّا بِإِجَازَةِ

الْوَرَثَةِ فِيهِمَا؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: «إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
فَمَفْهُومُهُ لَيْسَ لَكُمْ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَاسْتَدْعَاهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ الْعِتْقُ مَعَ سِرَايَتِهِ؛ فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَ الظَّاهِرُ مِنْهَا الْمَوْتُ، فَكَانَتْ عَطِيَّتُهُ فِيهَا فِي حَقِّ وَرَثَةٍ لَا تَتَجَاوَزُ الثُّلُثَ كَالْوَصِيَّةِ (غَيْرَ أَنَّهُ يَنْفُذُ ظَاهِرًا فِي الْجَمِيعِ) - أَيْ: جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ - عَلَى مَا (قَالَهُ الْقَاضِي) . قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": ذَكَرَ الْقَاضِي الْمَوْهُوبُ لَهُ يَقْبِضُ الْهِبَةَ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا مَعَ كَوْنِهَا مَوْقُوفَةً عَلَى الْإِجَازَةِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ تَسْلِيمَ الْمَوْهُوبِ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ يَذْهَبُ حَيْثُ يَشَاءُ وَإِرْسَالُ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ أَوْ إرْسَالُ الْمُحَابَاةِ لَا يَجُوزُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُوقَفَ أَمْرُ التَّبَرُّعَاتِ عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ الْوَارِثُ مِنْ رَدِّهَا بَعْدَ الْمَوْتِ إذَا شَاءَ.
(وَلَوْ) كَانَتْ عَطِيَّتُهُ (عِتْقًا) لِبَعْضِ أَرِقَّائِهِ (أَوْ) كَانَتْ عَطِيَّتُهُ (عَفْوًا عَنْ جِنَايَةٍ تُوجِبُ مَالًا أَوْ) كَانَتْ عَطِيَّتُهُ (مُحَابَاةً فِي نَحْوِ بَيْعٍ) كَإِجَارَةٍ وَالْمُحَابَاةُ أَنْ يُسَامِحَ أَحَدُ الْمُتَعَاوِضَيْنِ الْآخَرَ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ بِبَعْضِ مَا يُقَابِلُ الْعِوَضَ؛ كَأَنْ يَبِيعَ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِثَمَانِيَةٍ، أَوْ يَشْتَرِيَ مَا يُسَاوِي ثَمَانِيَةً بِعَشَرَةٍ؛ فَهِيَ كَوَصِيَّةٍ فِي الْجَمِيعِ (لَا) إنْ كَانَ الصَّادِرُ مِنْ الْمَرِيضِ (كِتَابَةً) لِرَقِيقِهِ أَوْ بَعْضِهِ بِمُحَابَاةٍ (أَوْ) كَانَ (وَصِيَّتُهُ بِهَا) - أَيْ: كِتَابَتِهِ (بِمُحَابَاةٍ) فَالْمُحَابَاةُ فِيهِمَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي " الْإِنْصَافِ " وَفِي " التَّنْقِيحِ " " وَالْمُنْتَهَى ". لَكِنَّ كَلَامَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَالْحَارِثِيِّ وَغَيْرِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَصِحُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ هُوَ الْكِتَابَةُ نَفْسُهَا؛ لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ مِنْ الْغَيْرِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَقَدْ ذَكَرْته لَك فَوَقَعَ الِاشْتِبَاهُ عَلَى صَاحِبِ " الْإِنْصَافِ " وَ " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ مِنْ تَبِعَهُ، وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ.
انْتَهَى.
(وَمَعَ إطْلَاقٍ) أَيْ: إذْ

وَصَّى السَّيِّدُ أَنْ يُكَاتَبَ عَبْدُهُ فُلَانٌ، وَأَطْلَقَ بِأَنْ لَمْ يَقُلْ عَلَى كَذَا (فَ) إنَّهُ يُكَاتَبُ (بِقِيمَتِهِ) - أَيْ: بِقَدْرِ مَا يُسَاوِي ذَلِكَ الْعَبْدُ - جَمْعًا بَيْنَ حَقِّ الْوَرَثَةِ وَحَقِّهِ، فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَطْلُبَ الْكِتَابَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَلَا لِلْعَبْدِ أَنْ يَطْلُبَ الْكِتَابَةَ بِأَقَلَّ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا.

[تَتِمَّةٌ تَنْفِيذ الْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فِي الْحَالِ]

تَتِمَّةٌ: وَيَنْفُذُ الْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فِي الْحَالِ، وَيُعْتَبَرُ خُرُوجُ الْعِتْقِ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، لَا حِينَ الْعِتْقِ، فَلَوْ عَتَقَ فِي مَرَضِهِ الْمَخُوفِ أَمَةً تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ حَالَ الْعِتْقِ؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ الثُّلُثِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَلَا تُعْتَقُ كُلُّهَا إلَّا أَنْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ مِنْ مَرَضِهِ، فَيَصِحُّ تَزَوُّجُهَا لِنُفُوذِ الْعِتْقِ قَطْعًا، لَكِنْ لَوْ تَزَوَّجَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَحَّ وَوَرِثَتْ مِنْهُ إنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ: وَإِنْ أَعْتَقَ أَمَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا ثُمَّ وَطِئَهَا وَمَهْرُ مِثْلِهَا نِصْفُ قِيمَتِهَا فَكَمَا لَوْ كَسَبَتْهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ لَا يُنَافِي الصِّحَّةَ، فَتَنَبَّهْ لَهُ.
وَإِنْ وَهَبَ الْمَرِيضُ أَمَةً حَرُمَ عَلَى الْمُتَّهِبِ وَطْؤُهَا حَتَّى يَبْرَأَ الْوَاهِبُ أَوْ يَمُوتَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ.

(وَالْأَمْرَاضُ الْمُمْتَدَّةُ كَسُلٍّ ابْتِدَاءً) لَا فِي حَالَةِ الِانْتِهَاءِ (وَجُذَامٍ) وَحُمَّى الرِّبْعِ - وَهِيَ الَّتِي تَأْخُذُ يَوْمًا وَتَذْهَبُ يَوْمَيْنِ وَتَعُودُ فِي الرَّابِعِ - (وَفَالِجٍ انْتِهَاءً) وَحُمَّى الْغِبِّ (وَهَرَمٍ) إنْ صَارَ صَاحِبُهَا ذَا فِرَاشٍ (فَ هِيَ مَخُوفَةٌ، وَإِلَّا) يَصِرْ صَاحِبُهَا ذَا فِرَاشٍ، بَلْ كَانَ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ (فَلَا) تَكُونُ مَخُوفَةً وَعَطَايَاهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ كَعَطَايَا الصَّحِيحِ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا تَحْقِيقُ الْمَذْهَبِ فِيهِمْ، وَمَا رَوَاهُ حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي وَصِيَّةِ الْمَجْذُومِ وَالْمَفْلُوجِ مِنْ الثُّلُثِ؛ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا صَارَا صَاحِبَا فِرَاشٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْفِرَاشِ يَخْشَى تَلَفَهُ، أَشْبَهَ صَاحِبَ الْحُمَّى الدَّائِمَةَ.

(وَكَمَرِيضِ مَرَضِ مَوْتٍ مَخُوفٍ مَنْ) كَانَ (بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَقْتَ الْتِحَامِ حَرْبٍ) هُوَ فِيهِ وَاخْتَلَطَتْ الطَّائِفَتَانِ لِلْقِتَالِ، وَسَوَاءٌ كَانَتَا مُتَّفِقَتَيْنِ فِي الدِّينِ أَوْ لَا؛ لِوُجُودِ خَوْفِ التَّلَفِ (مَعَ مُكَافَأَةٍ) بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُكَافِئًا لِلْأُخْرَى (أَوْ) كَانَ الْمُعْطِي (مِنْ الطَّائِفَةِ الْمَقْهُورَةِ) لِأَنَّ تَوَقُّعَ التَّلَفِ هُنَا كَتَوَقُّعِ الْمَرِيضِ أَوْ أَكْثَرَ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ (لَا) إنْ كَانَ الْمُعْطِي مِنْ الطَّائِفَةِ (الْقَاهِرَةِ) بَعْدَ ظُهُورِهَا، أَوْ كَانَ مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ الْأُخْرَى مِنْ غَيْرِ اخْتِلَاطٍ لِلْحَرْبِ، سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا رَمْيُ سِهَامٍ أَوْ لَا، فَلَيْسَ حَالُهُ بِمَنْزِلَةِ مَرَضٍ مَخُوفٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّعُ التَّلَفَ قَرِيبًا.

(وَمَنْ) كَانَ (بِلُجَّةِ) الْبَحْرِ (عِنْدَ الْهَيَجَانِ) أَيْ: ثَوَرَانِ الْبَحْرِ - بِهُبُوبِ الرِّيحِ الْعَاصِفِ، فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ هَذِهِ الْحَالَةَ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: 22] : (أَوْ وَقَعَ طَاعُونٌ) . قَالَ أَبُو السَّعَادَاتِ: هُوَ الْمَرَضُ الْعَامُّ وَالْوَبَاءُ الَّذِي يَفْسُدُ لَهُ الْهَوَاءُ فَتَفْسُدُ بِهِ الْأَمْزِجَةَ وَالْأَبْدَانَ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: هُوَ قُرُوحٌ تَخْرُجُ فِي الْمَغَابِنِ وَغَيْرِهَا لَا يَلْبَثُ صَاحِبُهَا، وَتَعُمُّ إذَا ظَهَرَتْ، وَفِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ ": وَأَمَّا الطَّاعُونُ فَوَبَاءٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ بَثْرٌ وَوَرَمٌ مُؤْلِمٌ جِدًّا يَخْرُجُ مَعَ لَهَبٍ، وَيُسَوِّدُ مَا حَوْلَهُ، وَيَخْضَرُّ وَيَحْمَرُّ حُمْرَةً بَنَفْسَجِيَّةً، وَيَحْصُلُ مَعَهُ خَفَقَانٌ لِلْقَلْبِ (بِبَلَدِهِ) أَيْ: الْمُعْطِي - قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ مَخُوفٌ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كَوْنِ الطَّاعُونِ وَخْزَ أَعْدَائِنَا الْجِنِّ حِكْمَةً بَالِغَةً، فَإِنَّ أَعْدَاءَنَا شَيَاطِينُهُمْ، وَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ مِنْهُمْ؛ فَهُمْ إخْوَانُنَا، وَاَللَّهُ أَمَرَنَا بِمُعَادَاةِ أَعْدَائِنَا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَأَنْ نُحَارِبَهُمْ طَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ، فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلَّا مُسَالَمَتَهُمْ وَمُوَالَاتَهُمْ، فَسَلَّطَهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ حَيْثُ اسْتَجَابُوا لَهُمْ حَتَّى أَغْوَوْهُمْ وَأَمَرُوهُمْ بِالْمَعَاصِي وَالْفُجُورِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، فَأَطَاعُوهُمْ، فَاقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ أَنْ سَلَّطَهُمْ عَلَيْهِمْ بِالطَّعْنِ فِيهِمْ كَمَا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ مِنْ الْإِنْسِ حَيْثُ أَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، وَنَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، فَهَذِهِ مَلْحَمَةٌ مِنْ الْإِنْسِ، وَالطَّاعُونُ مَلْحَمَةٌ مِنْ الْجِنِّ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا بِتَسْلِيطِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ عُقُوبَةً لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ، وَشَهَادَةً وَرَحْمَةً لِمَنْ هُوَ أَهْلٌ

لَهَا، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعُقُوبَاتِ تَقَعُ عَامَّةً؛ فَتَكُونُ طُهْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَانْتِقَامًا مِنْ الْفَاجِرِينَ انْتَهَى.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ أَنَّهُ وَخْزُ أَعْدَائِنَا مِنْ الْجِنِّ.
أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدَيْهِمَا " وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الطَّوَاعِينَ وَالْبَزَّارُ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ.
قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ فَمَا الطَّاعُونُ؟ قَالَ وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ الْجِنَّ وَفِي كُلٍّ شَهَادَةٌ» . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الطَّعْنُ: الْقَتْلُ بِالرُّمْحِ، وَالْوَخْزُ طَعْنٌ بِلَا نَفَاذٍ، فَبِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ ظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ إنَّ الطَّاعُونَ مَادَّةٌ سُمِّيَّةٌ تُحْدِثُ وَرَمًا قَتَّالًا، وَأَنَّ سَبَبَهُ فَسَادُ جَوْهَرِ الْهَوَاءِ، وَقَدْ أَبْطَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ قَوْلَ الْأَطِبَّاءِ هَذَا بِوُجُوهٍ: مِنْهَا وُقُوعُهُ فِي أَعْدَلِ الْفُصُولِ وَفِي أَصَحِّ الْبِلَادِ هَوَاءً وَأَطْيَبِهَا مَاءً، وَمِنْهَا لَوْ كَانَ مِنْ الْهَوَاءِ لَعَمَّ النَّاسَ وَالْحَيَوَانَ، وَنَحْنُ نَجِدُ الْكَثِيرَ مِنْ النَّاسِ وَالْحَيَوَانِ يُصِيبُهُ الطَّاعُونُ، وَبِجَانِبِهِ مِنْ جِنْسِهِ وَمَنْ يُشَابِهُ مِزَاجَهُ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ وَقَدْ يَأْخُذُ أَهْلَ الْبَيْتِ بِأَجْمَعِهِمْ، وَلَا يَدْخُلُ بَيْتًا يُجَاوِرُهُمْ أَصْلًا، وَيَدْخُلُ بَيْتًا فَلَا يُصَابُ مِنْهُ إلَّا الْبَعْضُ، وَرُبَّمَا كَانَ عِنْدَ فَسَادِ الْهَوَاءِ أَقَلَّ مِمَّا يَكُونُ عِنْدَ اعْتِدَالِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ فَسَادَ الْهَوَاءِ يَقْتَضِي تَغْيِيرَ الْأَخْلَاطِ وَكَثْرَةَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ، وَهَذَا يَقْتُلُ بِلَا مَرَضٍ أَوْ بِمَرَضٍ يَسِيرٍ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ فَسَادِ الْهَوَاءِ لَعَمَّ جَمِيعَ الْبَدَنِ بِمُدَاوَمَتِهِ الِاسْتِنْشَاقَ.
وَالطَّاعُونُ إنَّمَا يَحْدُثُ فِي جُزْءٍ خَاصٍّ مِنْ الْبَدَنِ لَا يَتَعَدَّاهُ لِغَيْرِهِ، وَلِلُزُومِ دَوَامِهِ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ يَصِحُّ تَارَةً وَيَفْسُدُ أُخْرَى، وَيَأْتِي عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَلَا تَجْرِبَةٍ وَلَا انْتِظَامٍ، فَرُبَّمَا جَاءَ سَنَةً عَلَى سَنَةٍ، وَرُبَّمَا أَبْطَأَ عِدَّةَ سِنِينَ.
وَمِنْهَا أَنَّ كُلَّ دَاءٍ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الطَّبِيعِيَّةِ لَهُ دَوَاءٌ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَهَذَا الطَّاعُونُ أَعْيَا الْأَطِبَّاءَ دَوَاؤُهُ حَتَّى سَلَّمَ حُذَّاقُهُمْ أَنَّهُ لَا دَوَاءَ لَهُ، وَلَا دَافِعَ لَهُ إلَّا الَّذِي خَلَقَهُ وَقَدَّرَهُ انْتَهَى.
وَقَدْ جَمَعَ

بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْوَارِدِ وَكَلَامِ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى ظُهُورَ الطَّاعُونِ أَفْسَدَ الْهَوَاءَ، وَجَعَلَهُ مُتَعَفِّنًا، فَتَخْرُجُ بِسَبَبِهِ الْجِنُّ، لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِهِمْ تَتَبُّعَ الْعُفُونَاتِ، فَيَخْتَلِطُونَ بِالنَّاسِ، فَيَظْهَرُ مِنْهُمْ مَا سُلِّطُوا بِهِ، وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ

(أَوْ) (قَدِمَ لِقَتْلٍ) قِصَاصًا أَوْ غَيْرَهُ فَلِمَرَضٍ مَخُوفٍ، وَأَوْلَى لِظُهُورِ التَّلَفِ وَقُرْبِهِ (أَوْ حَبْسٍ لَهُ) - أَيْ: الْقَتْلِ، أَوْ حُبِسَ (أَوْ) أُسِرَ (عِنْدَ مَنْ عَادَتُهُ الْقَتْلُ) فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَقَّبُهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتَهُمْ الْقَتْلُ فَعَطَايَاهُ كَصَحِيحٍ (أَوْ جُرِحَ جُرْحًا مُوحِيًا مَعَ ثَبَاتِ عَقْلِهِ) لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا جُرِحَ سَقَاهُ الطَّبِيبُ لَبَنًا، فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ: اعْهَدْ إلَى النَّاسِ، فَعَهِدَ إلَيْهِمْ، وَوَصَّى فَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَبُولِ عَهْدِهِ وَوَصِيَّتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ عَهِدَ إلَى عُمَرَ فَنَفَّذَ عَهْدَهُ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْدَ ضَرْبِ ابْنَ مُلْجِمٍ أَوْصَى وَأَمَرَ وَنَهَى، فَلَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِ قَوْلِهِ، وَمَعَ عَدَمِ ثَبَاتِ عَقْلِهِ لَا حُكْمَ لِعَطِيَّتِهِ، بَلْ وَلَا لِكَلَامِهِ.

(وَحَامِلٌ عِنْدَ مَخَاضِ) - أَيْ: طَلَّقَ - نَصًّا.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَالْأَشْهَرُ (مَعَ أَلَمٍ حَتَّى تَنْجُوَ) يَعْنِي مِنْ نِفَاسِهَا؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ ضَرْبِ الْمَخَاضِ لَا تَخَافُ الْمَوْتَ، فَأَشْبَهَتْ صَاحِبَ الْمَرَضِ الْمُمْتَدِّ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ صَاحِبُ فِرَاشٍ، فَإِنْ خَرَجَ الْوَلَدُ وَالْمَشِيمَةُ، وَحَصَلَ هُنَاكَ وَرَمٌ أَوْ ضَرَبَانٌ شَدِيدٌ، أَوْ رَأَتْ دَمًا كَثِيرًا فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْجُ بَعْدُ، وَالسَّقْطُ كَالْوَلَدِ التَّامِّ.
(وَلَوْ وَضَعَتْ مُضْغَةً) فَعَطَايَاهَا كَعَطَايَا الصَّحِيحِ، إنْ لَمْ يَكُنْ أَلَمٌ (وَ) إنْ كَانَ (ثَمَّ مَرَضٌ) أَوْ أَلَمٌ؛ فَكَمَرَضٍ (مَخُوفٍ) لِلْخَوْفِ الشَّدِيدِ (وَكَمَيِّتٍ) فِي الْحُكْمِ - أَيْ: مِنْ جِهَةِ عَدَمِ نُفُوذِ عَطَايَاهُ وَتَبَرُّعَاتِهِ - لَا مُطْلَقًا فَلَوْ مَاتَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ وَرِثَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَكَلَامِ الْمُوَفَّقِ (مَنْ ذُبِحَ أَوْ أُبِينَتْ) أَيْ: فُصِلَتْ وَأُخْرِجَتْ، لَا إنْ شُقَّتْ وَهِيَ فِي الْبَطْنِ (حُشْوَتُهُ وَهِيَ أَمْعَاؤُهُ) فَلَا يُعْتَدُّ بِكَلَامِهِ (لَا خَرْقَهَا) وَقَطْعَهَا (فَقَطْ) مِنْ غَيْرِ إبَانَةٍ.

(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ الْمَفْهُومَ (مِنْهُ) - أَيْ: مِنْ قَوْلِهِمْ وَكَمَيِّتٍ مِنْ ذَبْحٍ أَوْ أُبِينَتْ حُشْوَتُهُ - (فَلَا يَرِثُ) مَنْ مَاتَ قَبْلَهُ مِمَّنْ كَانَ يَرِثُهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا (خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ) كَذَا قَالَ.
وَعِبَارَتُهُ هُنَا لَا حُكْمَ لِعَطِيَّتِهِ وَلَا لِكَلَامِهِ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ أَيْضًا فِي فَتَاوِيهِ إنْ خَرَجَتْ حُشْوَتُهُ، وَلَمْ تَبِنْ ثُمَّ مَاتَ وَلَدُهُ، وَرِثَهُ، وَإِنْ أُبِينَتْ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَرِثُ (لِأَنَّ الْمَوْتَ زُهُوقُ النَّفْسِ وَخُرُوجُ الرُّوحِ، وَلَمْ يُوجَدْ) وَلِأَنَّ الطِّفْلَ يَرِثُ وَيُوَرَّثُ بِمُجَرَّدِ اسْتِهْلَالِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدُلُّ عَلَى حَيَاةٍ أَثْبَتُ مِنْ حَيَاةِ هَذَا انْتَهَى.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَظَاهِرُ هَذَا مِنْ الشَّيْخِ أَنَّ مَنْ ذُبِحَ لَيْسَ كَمَيِّتٍ مَعَ بَقَاءِ رُوحِهِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": وَمَنْ ذُبِحَ أَوْ أُبِينَتْ حُشْوَتُهُ فَقَوْلُهُ لَغْوٌ، فَإِنْ خَرَجَتْ حُشْوَتُهُ، وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ وَعَقْلُهُ ثَابِتٌ كَعُمَرَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - صَحَّ تَصَرُّفُهُ وَعَطِيَّتُهُ وَتَبَرُّعُهُ.

(وَلَوْ عَلَّقَ) إنْسَانٌ (صَحِيحٌ عِتْقَ قِنِّهِ) عَلَى صِفَةٍ كَقُدُومِ زَيْدٍ أَوْ نُزُولِ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ (فَوُجِدَ) شَرْطُهُ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ الْعِتْقَ (فِي مَرَضِهِ) الْمَخُوفِ، وَلَوْ كَانَ وُجُودُهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ (فَ) عِتْقُ الْعَبْدِ، يُعْتَبَرُ (مِنْ ثُلُثِهِ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ وُجُودِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ نُفُوذِ الْعِتْقِ.
(وَكَذَا) الْحُكْمُ (لَوْ وَهَبَ فِي الصِّحَّةِ، وَأَقْبَضَ فِي الْمَرَضِ) لِأَنَّ مِنْ إتْمَامِ صِحَّةِ الْهِبَةِ التَّسْلِيمُ، وَلَمْ يَحْصُلْ إلَّا فِي الْمَرَضِ؛ فَخَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ.

(وَلَوْ) اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ وَصَاحِبُ الْعَطِيَّةِ أَوْ الْعَتِيقُ؛ بِأَنْ (ادَّعَى مُتَّهِبٌ)

أَنْ (الْهِبَةَ) أُعْطِيَهَا فِي الصِّحَّةِ فَتَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ (أَوْ) ادَّعَى (مَعْتُوقٌ) صُدُورَ الْعِتْقِ (فِي الصِّحَّةِ) فَيَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لَهُ (فَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ) ذَلِكَ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُمْ) - أَيْ: الْوَرَثَةِ - نَقَلَهُ مُهَنَّا فِي الْعِتْقِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى " فِي آخِرِ الْعَطِيَّةِ: وَإِنْ كَانَتْ الْعَطِيَّةُ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ، وَاخْتَلَفَ الْوَارِثُ وَالْمُعْطَى فِي مَرَضِ الْمُعْطِي فِي رَأْسِ الشَّهْرِ فَقَوْلُ الْمُعْطَى إنَّ الْمُعْطِيَ كَانَ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَرَضِ.
ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ ": (وَتَقَدَّمَ عَطِيَّةٌ اجْتَمَعَتْ مَعَ وَصِيَّةٍ، وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهُمَا مَعَ عَدَمِ إجَازَةٍ) لَهُمَا قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْعَطِيَّةَ تُقَدَّمُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَالنَّظْمِ " وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الْوَصِيَّةِ كَعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ (وَإِنْ لَمْ يَفِ) الثُّلُثُ (بِتَبَرُّعَاتٍ نُجِّزَتْ بُدِئَ بِالْأَوَّلِ) مِنْهَا (فَالْأَوَّلِ مُرَتَّبَةً) لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ الْمُنَجَّزَةَ لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمُعْطِي، فَإِذَا كَانَتْ خَارِجَةً مِنْ الثُّلُثِ لَزِمَتْ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ، فَلَوْ شَارَكَتْهَا الثَّانِيَةُ لَمَنَعَ ذَلِكَ لُزُومَهَا فِي حَقِّ الْمُعْطِي؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْ بَعْضِهَا بِعَطِيَّةٍ أُخْرَى، وَاحْتُرِزَ بِالْمُنَجَّزَةِ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِالتَّبَرُّعِ (وَ) إنْ وَقَعَتْ الْعَطَايَا الْمُنَجَّزَةِ (دَفْعَةً) وَاحِدَةً كَمَا لَوْ قَبِلَهَا الْكُلُّ مَعًا، أَوْ وَكَّلُوا وَاحِدًا قَبِلَ لَهُمْ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهَا، وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ؛ فَيُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْجَمِيعِ (بِالْحِصَصِ) لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ كَغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ.

(وَلَوْ) كَانَتْ التَّبَرُّعَاتُ (عِتْقًا) فَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ؛ لِاسْتِحْقَاقِ السَّابِقِ الثُّلُثَ فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَا بَعْدَهُ (لَكِنْ إنْ كَانَتْ) التَّبَرُّعَاتُ (كُلُّهَا عِتْقًا أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ، فَكَمَّلْنَا الْعِتْقَ) كُلَّهُ (فِي بَعْضِهِمْ) . قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَتَبِعَهُ الْحَارِثِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْعِتْقِ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ (وَإِنْ) قَالَ الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ، إنْ (أَعْتَقْتَ سَعْدًا فَسَعِيدٌ حُرٌّ، ثُمَّ أَعْتَقَ) الْمَرِيضُ (سَعْدًا؛ عَتَقَ سَعِيدٌ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ) لِوُجُودِ الصِّفَةِ.
(وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ) مِنْ الثُّلُثِ (إلَّا أَحَدُهُمَا عَتَقَ سَعْدٌ وَحْدَهُ) وَلَمْ يُقْرَعْ

بَيْنَهُمَا؛ لِسَبْقِ عِتْقِ سَعْدٍ.
(وَلَوْ رَقَّ بَعْضُ سَعْدٍ لِعَجْزِ الثُّلُثِ) عَنْ قِيمَتِهِ كُلِّهِ (فَاتَ عِتْقُ سَعِيدٍ) لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ (فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ) بَعْدَ إعْتَاقِ سَعْدٍ (مَا يُعْتَقُ بِهِ بَعْضُ سَعِيدٍ عَتَقَ بِقَدْرِهِ) - أَيْ: الثُّلُثِ مِنْ سَعِيدٍ - لِوُجُوبِ شَرْطِ عِتْقِهِ.
(وَ) إنْ قَالَ الْمَرِيضُ (إنْ أَعْتَقْت سَعْدًا فَسَعِيدٌ وَعَمْرٌو حُرَّانِ، ثُمَّ أَعْتَقَ سَعْدًا، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا أَحَدُهُمْ؛ عَتَقَ سَعْدٌ وَحْدَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ (اثْنَانِ أَوْ) خَرَجَ (وَاحِدٌ وَبَعْضُ آخَرَ؛ عَتَقَ سَعْدٌ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَأَقْرَعَ بَيْنَ سَعِيدٍ وَعَمْرو) فِيمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِإِيقَاعِ عِتْقِهِمَا مَعًا مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمٍ لِوَاحِدٍ عَلَى آخَرَ (وَلَوْ) خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ (اثْنَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ) عَتَقَ سَعْدٌ كَامِلًا بِلَا قُرْعَةٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا) - أَيْ: بَيْنَ سَعِيدٍ وَعَمْرٍو (لِتَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ فِي أَحَدِهِمَا وَ) حُصُولِ (التَّشْقِيصِ) فِي (الْآخَرِ) لِمَا تَقَدَّمَ،.
(وَكَذَا) لَوْ قَالَ مَرِيضٌ: (إنْ أَعْتَقْتَ سَعْدًا فَسَعِيدٌ حُرٌّ) فِي حَالِ إعْتَاقِي؛ فَالْحُكْمُ سَوَاءٌ (أَوْ) قَالَ: إنْ أَعْتَقْت سَعْدًا (فَهُوَ) - أَيْ: سَعْدٌ - (وَعَمْرٌو حُرَّانِ) فِي (حَالِ إعْتَاقِي) فَالْحُكْمُ سَوَاءٌ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ؛ لِجَعْلِهِ عِتْقَ سَعْدٍ شَرْطًا لِعِتْقِ وَحْدِهِ أَوْ مَعَ عَمْرٍو، وَلَوْ رَقَّ بَعْضُ سَعْدٍ لَفَاتَ شَرْطُ عِتْقِهِمَا، فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ فِي الصِّحَّةِ وَوُجِدَتْ الصِّفَةُ فِي الْمَرَضِ؛ فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْإِعْتَاقِ (وَإِنْ) قَالَ مَرِيضٌ إنْ (تَزَوَّجْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ فَتَزَوَّجَ) فِي مَرَضِهِ (بِفَوْقِ مَهْرِ الْمِثْلِ) (فَ) الزِّيَادَةُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ (مُحَابَاةً) تُعْتَبَرُ (مِنْ الثُّلُثِ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ لَمْ يَفِ) الثُّلُثُ (إلَّا بِهَا) - أَيْ: الْمُحَابَاةِ - (أَوْ الْعَبْدِ قُدِّمَتْ) الْمُحَابَاةُ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ قَبْلَ الْعِتْقِ؛ بِكَوْنِ التَّزْوِيجِ شَرْطًا فِي الْعِتْقِ، فَقَدْ سَبَقَتْ الْعِتْقَ، وَهَذَا فِيمَا إذَا ثَبَتَتْ الْمُحَابَاةُ بِأَنْ لَا تَرِثَ الْمَرْأَةُ الزَّوْجَ، إمَّا لِوُجُودِ مَانِعٍ مِنْ الْإِرْثِ أَوْ لِمُفَارَقَتِهِ إيَّاهَا فِي حَيَاتِهِ، إمَّا بِمَوْتِهَا أَوْ طَلَاقِهَا وَنَحْوِهِ، فَأَمَّا إنْ وَرِثَتْهُ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمُحَابَاةَ لَا تَثْبُتُ لَهَا إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُقَدَّمَ الْعِتْقُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَازِمٌ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى الْإِجَازَةِ، فَيَكُونُ مُتَقَدِّمًا.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ فِي حَالِ تَزْوِيجِي، فَتَزَوَّجَ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَيَكُونُ الْعِتْقُ سَابِقًا؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِتَمَامِ التَّزْوِيجِ وَالْعِتْقُ قَبْلَ تَمَامِهِ، فَيَكُونُ سَابِقًا

عَلَى الْمُحَابَاةِ فَيَتَقَدَّمُ لِهَذَا الْمَعْنَى، سِيَّمَا إذَا تَأَكَّدَ بِمَوْتِهِ وَكَوْنِهِ غَيْرَ وَارِثٍ.
قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.

(وَ) مَا لَزِمَ الْمَرِيضُ فِي مَرَضِهِ مِنْ حَقٍّ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ وَلَا إسْقَاطُهُ كَ (أُرُوشِ جِنَايَاتِهِ) وَجِنَايَاتِ عَبْدِهِ (وَ) مَا لَزِمَهُ مِنْ (مُعَاوَضَةٍ بِثَمَنٍ مِثْلَ) بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ إجَارَةٍ (أَوْ) كَانَ (بِزَائِدٍ) يَسِيرًا بِحَيْثُ (يَتَغَابَنُ) النَّاسُ (بِهِ) - أَيْ: بِمِثْلِهِ عَادَةً (فَمِنْ رَأْسِ مَالٍ) لِأَنَّهُ يَنْدَرِجُ فِي ثَمَنِ الْمِثْلِ؛ لِوُقُوعِ التَّعَارُفِ بِهِ (وَلَوْ) كَانَتْ مُعَاوَضَتُهُ (مَعَ وَارِثٍ) فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَبَرُّعَ فِيهَا وَلَا تُهْمَةَ

(وَإِنْ حَابَا) مَرِيضٌ (وَارِثَهُ؛ بَطَلَتْ) تَصَرُّفَاتُهُ (فِي قَدْرِهَا) - أَيْ: الْمُحَابَاةِ - لِأَنَّهَا كَالْهِبَةِ، وَهِيَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ لِوَارِثٍ بِغَيْرِ إجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ كَالْوَصِيَّةِ، وَهِيَ لِوَارِثٍ بَاطِلَةٌ، فَكَذَا الْمُحَابَاةُ (وَصَحَّتْ) الْمُعَاوَضَةُ (فِي غَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ قَدْرِ الْمُحَابَاةِ.
قَالَ شَيْخُنَا: فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا صَحَّ الْبَيْعُ، وَيُطْلَبُ مِنْهُ بَاقِي الثَّمَنِ (بِقِسْطِهِ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ الْمُحَابَاةُ، وَهِيَ فِي غَيْرِ قَدْرِهَا مَفْقُودَةٌ، فَلَوْ بَاعَ لِوَارِثِهِ شَيْئًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِعَشَرَةٍ؛ فَلَمْ يُجِزْ بَاقِي الْوَرَثَةِ؛ صَحَّ بَيْعُ ثُلُثِهِ بِالْعَشَرَةِ وَالثُّلُثَانِ كَعَطِيَّةٍ (وَلَهُ) - أَيْ: الْمُشْتَرِي - (الْفَسْخُ لِتَبَعُّضِ الصَّفْقَةِ فِي حَقِّهِ) فَشُرِحَ لَهُ ذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، فَإِنْ فَسَخَ، وَطَلَبَ قَدْرَ الْمُحَابَاةِ، أَوْ طَلَبَ الْإِمْضَاءَ فِي الْكُلِّ وَتَكْمِيلِ حَقِّ الْوَرَثَةِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ (لَا إنْ كَانَ لَهُ) - أَيْ: الْوَارِثِ الْمُشْتَرِي - (شَفِيعٌ، وَأَخَذَهُ) أَيْ: الشِّقْصَ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْمُحَابَاةُ (مِنْ وَارِثٍ) لِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ وُجِدَ وَحَيْثُ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ؛ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِزَوَالِ الضَّرَرِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ مِنْ الشَّفِيعِ.
(وَلَوْ حَابَى) الْمَرِيضُ (أَجْنَبِيًّا) بِأَنْ بَاعَهُ شِقْصًا وَحَابَاهُ فِي ثَمَنِهِ، وَخَرَجَتْ الْمُحَابَاةُ مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ (وَشَفِيعُهُ) - أَيْ: الْأَجِيرِ - (وَارِثٌ أَخَذَ بِهَا) - أَيْ: الشُّفْعَةِ - (إنْ لَمْ تَكُنْ حِيلَةٌ) عَلَى مُحَابَاةِ الْوَارِثِ، فَإِنْ كَانَ

كَذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ، وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ لِغَيْرِهِ) - أَيْ: الْوَارِثِ - مُتَعَلِّقٌ بِأَخْذٍ بِهَا عَلَى أَنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِغَرِيمِ وَارِثِهِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهَا فِي حَقِّ الْوَارِثِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ التُّهْمَةِ مِنْ إيصَالِ الْمَالِ إلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِيمَا إذَا أُخِذَ بِالشُّفْعَةِ.

(وَإِنْ أَجَرَ) الْمَرِيضُ (نَفْسَهُ وَحَابَا الْمُسْتَأْجِرَ) وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (صَحَّ) الْعَقْدُ (مَجَّانًا) - أَيْ: مِنْ غَيْرِ رَدِّ الْمُسْتَأْجِرِ لِشَيْءٍ مِنْ الْمُدَّةِ أَوْ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤْجَرْ نَفْسَهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ شَيْءٌ، بِخِلَافِ عَبِيدِهِ وَبَهَائِمِهِ.
(وَيُعْتَبَرُ ثُلُثُهُ) - أَيْ: ثُلُثُ مَالِ الْمُعْطِي فِي الْمَرَضِ - (عِنْدَ مَوْتٍ) لَا عِنْدَ عَطِيَّةٍ أَوْ مُحَابَاةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ عِتْقٍ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ بِالْوَصِيَّةِ، وَالثُّلُثُ فِي الْوَصِيَّةِ مُعْتَبَرٌ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ لُزُومِهَا وَقَبُولِهَا وَرَدِّهَا؛ فَكَذَلِكَ فِي الْعَطِيَّةِ.

(فَلَوْ أَعْتَقَ) مَرِيضٌ (مَا) - أَيْ: عَبْدًا - (لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، ثُمَّ مَلَكَ مَا) - أَيْ: مَالًا - (يُخْرِجُ) الْعَبْدُ (مِنْ ثُلُثِهِ؛ تَبَيَّنَ عِتْقُهُ كُلُّهُ) لِخُرُوجِهِ مِنْ الثُّلُثِ عِنْدَ الْمَوْتِ (وَإِنْ لَزِمَهُ) بَعْدَ عِتْقِهِ (دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ) أَيْ: الْعَتِيقُ - (لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ) لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَالْعِتْقُ فِي الْمَرَضِ فِي مَعْنَاهَا بِدَلِيلِ قَوْلِ عَلِيٍّ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ» وَحُكْمُ هِبَتِهِ كَعِتْقِهِ.

(وَلَوْ قَضَى) مَرِيضٌ (بَعْضَ غُرَمَائِهِ) دَيْنَهُ (صَحَّ) الْقَضَاءُ (وَفَازَ) الْمَقْضِيُّ (بِهِ) - أَيْ: بِمَا اقْتَضَاهُ - وَلَمْ يَكُنْ لِبَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي مَحَلِّهِ، وَلَيْسَ بِتَبَرُّعٍ، وَلَمْ يُزَاحِمْ الْبَاقُونَ مِنْ الْغُرَمَاءِ الْمَقْضِيَّ، (وَلَوْ لَمْ تَفِ تِرْكَتُهُ) أَيْ: الْمَرِيضِ - (بِبَقِيَّةِ دُيُونِهِ) لِأَنَّهُ أَدَّى وَاجِبًا عَلَيْهِ كَأَدَاءِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ.

(وَإِذَا تَبَرَّعَ) الْمَرِيضُ (بِمَالٍ أَوْ عِتْقٍ ثُمَّ أَقَرَّ) بَعْدَ التَّبَرُّعِ (بِدَيْنٍ؛ لَمْ يُبْطَلْ تَبَرُّعٌ وَلَا عِتْقٌ) بِإِقْرَارِهِ بَعْدَ التَّبَرُّعِ أَوْ الْعِتْقِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ بِالتَّبَرُّعِ فِي الظَّاهِرِ.

(وَلَا يُعْتَبَرُ اسْتِيلَادُ) مَرِيضٍ مَرَضًا مَخُوفًا (مِنْ الثُّلُثِ؛ فَإِنَّهُ) - أَيْ: الِاسْتِيلَادُ - (مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِهْلَاكِ فِي مُهُورِ الْأَنْكِحَةِ وَطَيِّبَاتِ الْأَطْعِمَةِ وَنَفَائِسِ الثِّيَابِ وَالتَّدَاوِي) وَدَفْعِ الْحَاجَاتِ، وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْمَرِيضِ بِالِاسْتِيلَادِ وَنَحْوِهِ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إنْشَائِهِ.
(وَ) قَالَ (فِي " الِانْتِصَارِ " لَهُ) - أَيْ: الْمَرِيضِ - (لُبْسُ نَاعِمٍ وَأَكْلُ طَيِّبٍ لِحَاجَتِهِ) إلَيْهِ (وَإِنْ فَعَلَهُ) - أَيْ: مَا ذَكَرَ - (لِتَفْوِيتِ) حَقِّ (الْوَرَثَةِ؛ مُنِعَ) إلَّا بِقَدْرِ حَاجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَدْرِكُ كَإِتْلَافِهِ.

[تَنْبِيهٌ حُكْمُ الْعَطِيَّةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ]

(تَنْبِيهٌ) حُكْمُ الْعَطِيَّةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ فِي أَشْيَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْهَا أَنَّهُ يَقِفُ نُفُوذُهَا عَلَى خُرُوجِهَا مِنْ الثُّلُثِ أَوْ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَمِنْهَا أَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِوَارِثٍ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَمِنْهَا أَنَّ فَضِيلَتَهَا نَاقِصَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّدَقَةِ فِي الصِّحَّةِ وَمِنْهَا أَنَّهَا تَتَزَاحَمُ فِي الثُّلُثِ إذَا وَقَعَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً كَتَزَاحُمِ الْوَصَايَا.
وَمِنْهَا أَنَّ خُرُوجَهَا مِنْ الثُّلُثِ يُعْتَبَرُ حَالَ الْمَوْتِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ.
وَ (تُفَارِقُ الْعَطِيَّةُ) فِي الْمَرَضِ (الْوَصِيَّةَ فِي أَرْبَعَةِ) أَحْكَامٍ.
أَحَدُهَا: (أَنْ يُبْدَأَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا) - أَيْ: الْعَطَايَا - لِوُقُوعِهَا لَازِمَةً (وَالْوَصِيَّةُ يُسَوَّى بَيْنَ مُتَقَدِّمِهَا وَمُتَأَخِّرِهَا) لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَوُجِدَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
(وَمِنْهَا) - أَيْ: الْوَصِيَّةِ - (كُلُّ مَا) - أَيْ: شَيْءٍ - (عُلِّقَ بِمَوْتٍ كَ) قَوْلِ الْمَرِيضِ: (إذَا مِتُّ فَأَعْطُوا فُلَانًا كَذَا) مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ غَيْرِهَا (أَوْ أَعْتِقُوا) رَفِيقِي (فُلَانًا) أَوْ أَمَتِي فُلَانَةَ (وَنَحْوَهُ) كَأَوْقِفُوا دَارِي وَنَحْوَهَا أَوْ أَسْكِنُوا فُلَانًا بِهَا سَنَةً.
(الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رُجُوعٌ فِي عَطِيَّةٍ قُبِضَتْ) لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمُعْطِي وَإِنْ كَثُرَتْ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ إنَّمَا كَانَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، لَا لِحَقِّهِ، فَلَا يَمْلِكُ إجَازَتَهَا وَلَا رَدَّهَا (بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ) فَإِنَّهُ يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهَا؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ بِهَا مَشْرُوطٌ بِالْمَوْتِ، فَقَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ يُوجَدْ؛ فَهِيَ كَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبُولِ، بِخِلَافِ الْعَطِيَّةِ فِي الْمَرَضِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ وُجِدَتْ الْعَطِيَّةُ مِنْهُ وَالْقَبُولُ

وَالْقَبْضُ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ؛ فَلَزِمَتْ كَالْوَصِيَّةِ إذَا قُبِلَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقُبِضَتْ.
(الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَبُولُ عَطِيَّةٍ عِنْدَهَا) لِأَنَّهَا تَصَرُّفٌ فِي الْحَالِ فَيُعْتَبَرُ شُرُوطُهُ وَقْتَ وُجُودِهِ (وَالْوَصِيَّةُ بِخِلَافِهِ) لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَاعْتُبِرَ عِنْدَ وُجُودِهِ؛ إذْ لَا حُكْمَ لِقَبُولِهَا وَلَا رَدِّهَا قَبْلَهُ.
(الرَّابِعُ: أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِي عَطِيَّتِهِ) مِنْ حِينِ وُجُودِهَا بِشُرُوطِهَا؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ هِبَةً فَمُقْتَضَاهَا تَمْلِيكُهُ الْمَوْهُوبَ فِي الْحَالِ كَعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ، وَكَذَا إنْ كَانَتْ مُحَابَاةً أَوْ إعْتَاقًا، وَيَكُونُ هَذَا الثُّبُوتُ (مُرَاعًى) لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ هَلْ هَذَا مَرَضُ الْمَوْتِ أَوْ لَا؟ وَلَا نَعْلَمُ هَلْ يَسْتَفِيدُ مَالًا أَوْ يُتْلِفُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ؟ فَتَوَقَّفْنَا لِنَعْلَمَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ لِنَعْمَلَ بِهَا، (فَإِذَا) مَاتَ وَ (خَرَجَتْ) الْعَطِيَّةُ (مِنْ ثُلُثِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ تَبْيِنًا أَنَّهُ) - أَيْ: الْمِلْكَ - (كَانَ ثَابِتًا) مِنْ حِينِ الْإِعْطَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ ثُبُوتِهِ كَوْنُهُ زَائِدًا عَلَى الثُّلُثِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ.
تَتِمَّةٌ: تُخَالِفُ الْعَطِيَّةُ الْوَصِيَّةَ أَيْضًا فِي أَنَّهَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِشَرْطٍ إلَّا الْعِتْقُ.

[فَصْلٌ فِي مَنْ أَعْتَقَ أَوْ وَهَبَ قِنًّا فِي مَرَضِهِ فَكَسَبَ]

(فَصْلٌ: وَمَنْ أَعْتَقَ أَوْ وَهَبَ قِنًّا) لِغَيْرِ وَارِثِهِ (فِي مَرَضِهِ، فَكَسَبَ) الرَّقِيقُ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ (ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ، فَخَرَجَ) الرَّقِيقُ (مِنْ الثُّلُثِ فَكَسْبُ مُعْتَقٍ لَهُ) لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ حِينِ الْعِتْقِ صَارَ حُرًّا، فَكَانَ كَسْبُهُ لَهُ كَسَائِرِ الْأَحْرَارِ (وَ) كَانَ كَسْبُ قِنٍّ (مَوْهُوبٍ لِمُتَّهِبٍ) لِأَنَّ الْكَسْبَ تَابِعٌ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مَوْهُوبًا لَهُ.
(وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ) - أَيْ: الْعَتِيقِ أَوْ الْمَوْهُوبِ - مِنْ الثُّلُثِ دُونَ بَقِيَّتِهِ (فَلَهُمَا) - أَيْ: الْعَتِيقِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ - (مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِهِ) أَيْ: قَدْرِ الْبَعْضِ الْخَارِجِ مِنْ الثُّلُثِ - فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ رُبْعُ الْعَبْدِ كَانَ لَهُ أَوْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ رُبْعُ كَسْبِهِ، وَبَاقِيه لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ نِصْفُ الْعَبْدِ كَانَ لَهُ أَوْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ نِصْفُ كَسْبِهِ وَالنِّصْفُ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ ثُلُثَيْ الْعَبْدِ كَانَ لَهُ أَوْ

لِلْمَوْهُوبِ لَهُ ثُلُثَا كَسْبِهِ، وَبَاقِيهِ لِلْوَرَثَةِ، وَهَكَذَا، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى الدَّوْرِ.

(فَ) مِنْ ذَلِكَ (لَوْ أَعْتَقَ) الْمَرِيضُ (قِنًّا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ فَكَسْبُ) الْعَتِيقِ (مِثْلُ قِيمَتِهِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ؛ فَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ حِينَ أَعْتَقَهُ وَبَاقِيهِ لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّ الْكَسْبَ يَتْبَعُ مَا تَنْفُذُ فِيهِ الْعَطِيَّةُ، دُونَ غَيْرِهِ، ثُمَّ التَّرِكَةُ تُتْبَعُ بِحِصَّةِ الرِّقِّ؛ لِأَنَّ حِصَّةَ الْعِتْقِ مِلْكٌ لِلْعَبْدِ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ، فَلَا تَدْخُلُ فِي التَّرِكَةِ، وَإِذَا اتَّسَعَتْ التَّرِكَةُ (فَيَزْدَادُ بِهِ) - أَيْ: بِكَسْبِهِ - (مَالُهُ) - أَيْ: مَالُ الْعَبْدِ - (وَتَزْدَادُ حُرِّيَّتُهُ لِذَلِكَ) الْكَسْبِ (وَيَزْدَادُ حَقُّهُ مِنْ كَسْبِهِ) وَمِنْ ضَرُورَةِ هَذَا نُقْصَانُ حِصَّةِ التَّرِكَةِ (فَيَنْقُصُ) بِهِ حَقُّ السَّيِّدِ مِنْ الْكَسْبِ، وَيَنْقُصُ (بِذَلِكَ قَدْرُ الْعِتْقِ مِنْهُ) فَتَزِيدُ الْحُرِّيَّةُ، فَتَدُورُ زِيَادَتُهُ عَلَى نُقْصَانِهِ، وَنُقْصَانُهُ عَلَى زِيَادَتِهِ، وَلِاسْتِخْرَاجِ الْمَقْصُودِ وَانْفِكَاكِ الدَّوْرِ طُرُقٌ حِسَابِيَّةٌ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا عَلَى طَرِيقِ الْجَبْرِ.
وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (فَيُسْتَخْرَجُ ذَلِكَ بِالْجَبْرِ، فَيُقَالُ قَدْ عَتَقَ مِنْهُ) - أَيْ: الْعَبْدُ - (شَيْءٌ وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ) لِأَنَّ كَسْبَهُ مِثْلُهُ، (وَلِلْوَرَثَةِ مِنْهُ شَيْءٌ وَمِنْ كَسْبِهِ شَيْئَانِ) لِأَنَّ لَهُمْ مِثْلَيْ مَا عَتَقَ مِنْهُ، وَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يُحْبَسُ عَلَى الْمُكْتَسِبِ مَا كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ، لَا مِنْ جِهَةِ سَيِّدِهِ (فَصَارَ) الْعَبْدُ (وَكَسْبُهُ نِصْفَيْنِ) لِأَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا اسْتَحَقَّ بِعِتْقِهِ شَيْئًا وَبِكَسْبِهِ شَيْئًا؛ كَانَ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ شَيْءٌ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ.
(يُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُهُ وَلَهُ نِصْفُ كَسْبِهِ) غَيْرُ مَحْسُوبٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ لَا مِنْ جِهَةِ سَيِّدِهِ، (وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُمَا) أَيْ: نِصْفُ الْمُكْتَسِبِ وَنِصْفُ كَسْبِهِ، وَذَلِكَ مِثْلَا مَا عَتَقَ.
(فَلَوْ كَانَ) الْعَبْدُ (يُسَاوِي اثْنَيْ عَشَرَ، فَكَسَبَ) قَبْلَ الْوَفَاةِ (مِثْلَهَا) اثْنَيْ عَشَرَ (عَتَقَ) مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ مِنْ الْكَسْبِ شَيْءٌ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، فَقَدْ عَتَقَ (نِصْفُهُ وَأَخَذَ سِتَّةً) لَا تُحْسَبُ عَلَيْهِ (وَلِوَارِثٍ نِصْفُهُ) - أَيْ: الْعَبْدِ - (وَسِتَّةٌ) مِنْ كَسْبِهِ، وَذَلِكَ مِثْلَا مَا عَتَقَ.
(وَإِنْ كَسَبَ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ صَارَ لَهُ) مِنْ كَسْبِهِ (شَيْئَانِ) لِأَنَّ كَسْبَهُ مِثْلَاهُ (وَعَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلِوَارِثٍ شَيْئَانِ) فَيُقْسَمُ هُوَ وَكَسْبُهُ أَخْمَاسًا،

(فَيُعْتَقُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي) وَهُوَ خُمْسَاهُ وَخُمُسَا كَسْبِهِ (لِوَارِثٍ) وَإِنْ كَسَبَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ قِيمَتِهِ؛ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مِنْ كَسْبِهِ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثُلُثَاهُ وَلَهُ ثُلُثَا كَسْبِهِ وَلِلْوَرَثَةِ الْبَاقِي.
(وَإِنْ كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِهِ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ نِصْفُ شَيْءٍ مِنْ كَسْبِهِ) لِأَنَّ كَسْبَهُ مِثْلُ نِصْفِهِ (وَلِوَارِثٍ شَيْئَانِ) فَالْجَمِيعُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ وَنِصْفٍ اُبْسُطْهَا تَكُنْ سَبْعَةً.
لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا (فَيُعْتَقُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي) أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهِ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ كَسْبِهِ (لِوَارِثٍ) . تَكْمِيلٌ: فَلَوْ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ كَقِيمَةِ الْعَبْدِ صُرِفَ فِيهِ نِصْفُ الْعَبْدِ وَنِصْفُ كَسْبِهِ وَقُسِّمَ النِّصْفُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْمُعْتَقِ نِصْفَيْنِ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْكَسْبِ.
فَإِنْ كَسَبَ الْعَبْدُ مِثْلَ قِيمَتِهِ وَلِلسَّيِّدِ مَالٌ مِثْلُ قِيمَتِهِ؛ قَسَمْتَ الْعَبْدَ وَمِثْلَ قِيمَتِهِ عَلَى الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ: فَلِكُلِّ شَيْءٍ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ، فَيُعْتَقُ مِنْ الْعَبْدِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ.
وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ عِشْرُونَ، ثُمَّ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، وَكَسَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلَ قِيمَتِهِ؛ لَكَمُلَتْ الْحُرِّيَّةُ فِي الْعَبْدِ الْأَوَّلِ فَيُعْتَقُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، وَيُقْسَمُ الْعَبْدَانِ وَكَسْبُهُمَا عَلَى الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ؛ فَيُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ بَدَأَ بِعِتْقِ الْأَدْنَى عَتَقَ كُلُّهُ، وَأَخَذَ كَسْبَهُ، وَتَسْتَحِقُّ الْوَرَثَةُ مِنْ الْعَبْدِ الْآخَرِ وَكَسْبِهِ مِثْلَيْ الْعَبْدِ الَّذِي عَتَقَ وَهُوَ نِصْفُهُ وَنِصْفُ كَسْبِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَيُعْتَقُ رُبْعُهُ، وَلَهُ رُبْعُ كَسْبِهِ [وَيَرِقُّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ] ، وَيَتْبَعُهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ وَذَلِكَ مِثْلَا مَا انْعَتَقَ مِنْهُمَا، وَإِذَا عَتَقَ الْعَبْدُ دَفْعَةً وَاحِدَةً قَرَعْنَا بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ فَحُكْمُهُ كَمَا لَوْ بَدَأَ بِإِعْتَاقِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ قِيمَةِ أَحَدِهِمْ وَكَسْبُ أَحَدِهِمْ مِثْلُ قِيمَتِهِ؛ أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ لِإِخْرَاجِ الدَّيْنِ، فَإِنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى غَيْرِ الْمُكْتَسِبِ؛ بِيعَ فِي الدَّيْنِ، ثُمَّ

أَقْرَعْنَا بَيْنَ الْمُكْتَسِبِ وَالْآخَرِ لِأَجْلِ الْحُرِّيَّةِ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ الْمُكْتَسِبِ؛ عَتَقَ كُلُّهُ، وَالْمُكْتَسِبُ وَمَالُهُ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى الْمُكْتَسِبِ عَتَقَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ، وَبَاقِيهِ وَبَاقِي كَسْبِهِ وَالْعَبْدُ الْآخَرُ لِلْوَرَثَةِ كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا كَانَ لِلسَّيِّدِ مَالٌ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ.
وَلَوْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الدَّيْنِ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُكْتَسِبِ لَقَضَيْنَا الدَّيْنَ بِنِصْفِهِ وَنِصْفِ كَسْبِهِ، ثُمَّ أَقْرَعْنَا بَيْنَ بَاقِيهِ وَبَيْنَ الْعَبْدَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِي الْحُرِّيَّةِ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِهِ عَتَقَ كُلُّهُ، وَلِلْوَرَثَةِ مَا بَقِيَ وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْمُكْتَسِبِ عَتَقَ بَاقِيهِ، وَأَخَذَ بَاقِي كَسْبِهِ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ لِإِتْمَامِ الثُّلُثِ، فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ عَتَقَ ثُلُثُهُ وَيَبْقَى ثُلُثَاهُ، وَالْعَبْدُ الْآخَرُ لِلْوَرَثَةِ.
(وَ) يَكُونُ الْحُكْمُ (فِي هِبَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ) مِنْهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ (وَبِقَدْرِهِ مِنْ كَسْبِهِ) لِأَنَّ الْكَسْبَ يَتْبَعُ الْمِلْكَ، فَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً وَكَسَبَ تِسْعَةً فَاجْعَلْ لَهُ مِنْ كُلِّ دِينَارٍ شَيْئًا، فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مِائَةُ شَيْءٍ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ، وَلِلْوَرَثَةِ مِائَتَا شَيْءٍ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ مِائَةُ جُزْءٍ وَتِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَهُ مِائَتَا جُزْءٍ مِنْ نَفْسِهِ وَمِائَتَا جُزْءٍ مِنْ كَسْبِهِ.

فَرْعٌ: رَجُلٌ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ مُتَسَاوِيَيْ الْقِيمَةِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمَا، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فِي حَيَاتِهِ؛ أَقْرَعَ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، فَإِنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى الْمَيِّتِ فَالْحَيُّ رَقِيقٌ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَيِّتَ نِصْفُهُ حُرٌّ؛ لِأَنَّ مَعَ الْوَرَثَةِ مِثْلَيْ نِصْفِهِ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْحَيِّ؛ عَتَقَ ثُلُثُهُ، وَلَا يُحْسَبُ الْمَيِّتُ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ.

(وَإِنْ أَعْتَقَ) الْمَرِيضُ (أَمَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا، ثُمَّ وَطِئَهَا) الْمُعْتِقُ بِنِكَاحٍ أَوْ شُبْهَةٍ أَوْ مُكْرَهَةً (وَمَهْرُ مِثْلِهَا نِصْفُ قِيمَتُهَا فَ) هُوَ (كَمَا لَوْ كَسَبَتْهُ) أَيْ: فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا لَوْ كَسَبَتْ نِصْفَ قِيمَتِهَا (فَيُعْتَقُ) مِنْهَا (ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا، سُبْعٌ بِمَا مَلَكَتْهُ) مِنْ نَفْسِهَا بِحَقِّهَا (مِنْ مَهْرِهَا لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ) لِأَحَدٍ.
قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " وَنَقَلَهُ الْحَارِثِيُّ

عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ (وَسُبْعَانِ) يُعْتَقَانِ (بِإِعْتَاقِ الْمَرِيضِ) . قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَفِي التَّشْبِيهِ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْكَسْبَ يَزِيدُ بِهِ مِلْكُ السَّيِّدِ، ذَلِكَ يَقْتَضِي الزِّيَادَةَ فِي الْعِتْقِ وَالْمَهْرِ يَنْقُصُهُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي نُقْصَانَ الْعِتْقِ.
وَنَقَلَهُ الْحَارِثِيُّ عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.

(وَلَوْ وَهَبَهَا) الْمَرِيضُ (لِمَرِيضٍ آخَرَ لَا مَالَ لَهُ) أَيْضًا غَيْرَهَا (فَوَهَبَهَا الثَّانِي لِلْأَوَّلِ) وَمَاتَا جَمِيعًا (صَحَّتْ هِبَةُ الْأَوَّلِ فِي شَيْءٍ وَعَادَ إلَيْهِ بِالْهِبَةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثُهُ، وَبَقِيَ لِوَرَثَةِ الْآخَرِ ثُلُثَا شَيْءٍ وَلِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ شَيْئَانِ) فَاضْرِبْ الشَّيْئَيْنِ وَالثُّلُثَيْنِ فِي ثَلَاثَةٍ لِيَزُولَ الْكَسْرُ؛ تَكُنْ ثَمَانِيَةُ أَشْيَاءَ تَعْدِلُ الْأَمَةَ الْمَوْهُوبَةَ (فَلَهُمْ) - أَيْ: لِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ - (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا) سِتَّةٌ (وَلِوَرَثَةِ الثَّانِي رُبْعُهَا) شَيْئَانِ، وَإِنْ شِئْت قُلْتَ: الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ صَحَّتْ فِي ثُلُثِ الْمَالِ، وَهِبَةُ الثَّانِي صَحَّتْ فِي ثُلُثِ الثُّلُثِ، فَتَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةٍ.
اضْرِبْهَا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ تَكُنْ تِسْعَةً، أَسْقِطْ السَّهْمَ الَّذِي صَحَّتْ فِيهِ الْهِبَةُ الثَّانِيَةُ؛ بَقِيَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ؛ وَطَرِيقُهَا بِالْجَبْرِ أَنْ تَقُولَ صَحَّتْ هِبَةُ الْأَوَّلِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْجَارِيَةِ، فَبَقِيَتْ جَارِيَةٌ إلَّا شَيْئًا، وَصَحَّتْ هِبَةُ الثَّانِي فِي ثُلُثِ الشَّيْءِ يَبْقَى مَعَ الْأَوَّلِ جَارِيَةٌ إلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ يَعْدِلُ ضِعْفَ مَا صَحَّتْ فِيهِ هِبَتُهُ، وَهُوَ شَيْءٌ، وَضِعْفُهُ شَيْئَانِ، فَتُجْبَرُ الْجَارِيَةُ بِزِيَادَةِ ثُلُثَيْ شَيْءٍ، وَتُقَابَلُ بِزِيَادَتِهِمَا الشَّيْئَيْنِ، فَتَبْقَى جَارِيَةٌ كَامِلَةٌ تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ وَثُلُثَيْ شَيْءٍ، فَتُقْسَمُ الْجَارِيَةُ عَلَى الْأَشْيَاءِ فَتَقُولُ وَاحِدُ عَلَى اثْنَيْنِ وَثُلُثَيْنِ، وَيَخْرُجُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ، وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي صَحَّتْ فِيهِ هِبَةُ الْأَوَّلِ، فَيَبْقَى مَعَهُ خَمْسَةُ أَثْمَانِ الْجَارِيَةِ، وَصَحَّتْ هِبَةُ الثَّانِي فِي ثُلُثِ ثَلَاثَةِ الْأَثْمَانِ، فَيَجْتَمِعُ مَعَ وَرَثَةِ الْأَوَّلِ سِتَّةُ أَثْمَانٍ، وَهُوَ ضِعْفُ مَا صَحَّتْ فِيهِ هِبَةُ الْأَوَّلِ، وَمَعَ وَرَثَةِ الثَّانِي ثُمْنَانِ وَهُمَا ضِعْفُ مَا صَحَّتْ فِيهِ هِبَةُ الثَّانِي.

(وَلَوْ) (بَاعَ مَرِيضٌ قَفِيزًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ يُسَاوِي) الْقَفِيزُ (ثَلَاثِينَ بِقَفِيزٍ) مِنْ جِنْسِهِ (يُسَاوِي عَشَرَةً، وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ) ، فَيُحْتَاجُ إلَى تَصْحِيحِ الْبَيْعِ بِجُزْءٍ

مِنْهُ مَعَ التَّخَلُّصِ مِنْ الرِّبَا؛ لِامْتِنَاعِ التَّفَاضُلِ بَيْنَهُمَا (فَأَسْقِطْ) عَشَرَةً (قِيمَةَ الرَّدِيءِ مِنْ) ثَلَاثِينَ (قِيمَةِ الْجَيِّدِ، ثُمَّ اُنْسُبْ الثُّلُثَ إلَى الْبَاقِي بَعْدَ الْإِسْقَاطِ، وَهُوَ) - أَيْ: الثُّلُثُ - (عَشَرَةٌ مِنْ عِشْرِينَ) الَّتِي هِيَ الْبَاقِيَةُ بَعْدَ الْإِسْقَاطِ (تَجِدْهُ) - أَيْ: الثُّلُثَ - (نِصْفَهَا) - أَيْ: الْعِشْرِينَ - (فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ) الْقَفِيزِ (الْجَيِّدِ بِنِصْفِ) الْقَفِيزِ (الرَّدِيءِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مُقَابَلَةُ بَعْضِ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَخْذِ جَمِيعِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى سِلْعَتَيْنِ بِثَمَنٍ، فَانْفَسَخَ الْبَيْعُ فِي أَحَدِهِمَا بِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَيَبْطُلُ) الْبَيْعُ (فِيمَا بَقِيَ) بَعْدَ نِصْفِهَا؛ لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي لِلصِّحَّةِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْجَيِّدِ بِقِيمَةِ الرَّدِيءِ، وَيَبْطُلُ فِي غَيْرِهِ (لِئَلَّا يُفْضِيَ) تَصْحِيحُ الْبَيْعِ فِي الْأَكْثَرِ مِنْ أَحَدِهِمَا بِأَقَلَّ مِنْ الْآخَرِ (إلَى رِبَا الْفَضْلِ) وَهُوَ مُحَرَّمٌ؛ لِكَوْنِهِ بَيْعَ ثُلُثِ الْجَيِّدِ بِكُلِّ الرَّدِيءِ، وَذَلِكَ رِبًا (وَ) لَا شَيْءَ (لِمُشْتَرٍ) سِوَى (الْخِيَارِ) لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ (وَإِنْ شِئْتَ) فِي عَمَلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (فَاضْرِبْ مَا حَابَاهُ) بِهِ، وَهُوَ عِشْرُونَ (فِي ثَلَاثَةٍ) مَخْرَجُ الثُّلُثِ (يَبْلُغُ سِتِّينَ، وَنِسْبَةُ قِيمَةِ جَيِّدٍ) ثَلَاثِينَ (إلَيْهَا) فَهُوَ (نِصْفٌ؛ فَيَصِحُّ بَيْعُ نِصْفِ الْجَيِّدِ بِنِصْفِ الرَّدِيءِ، وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ قَدْرُ الْمُحَابَاةِ الثُّلُثَانِ، وَمَخْرَجُهُمَا ثَلَاثَةٌ، فَخُذْ لِمُشْتَرٍ سَهْمَيْنِ مِنْهُ) - أَيْ: مِنْ الْمَخْرَجِ - وَهُوَ ثَلَاثَةٌ (وَلِلْوَرَثَةِ أَرْبَعَةُ) مِثْلَا مَا لِلْمُشْتَرِي (ثُمَّ اُنْسُبْ الْمَخْرَجَ) وَهُوَ ثَلَاثَةٌ (إلَى الْكُلِّ) وَهُوَ السِّتَّةُ تَجِدْهُ (بِالنِّصْفِ؛ فَيَصِحُّ بَيْعُ) نِصْفِ (أَحَدِهِمَا بِنِصْفِ الْآخَرِ) وَإِنْ شِئْت فَانْسُبْ ثُلُثَ الْأَكْثَرِ وَهُوَ ثَلَاثُونَ وَثُلُثُهُ عَشَرَةٌ، فَانْسُبْهُمَا مِنْ الْمُحَابَاةِ وَهِيَ عِشْرُونَ؛ تَكُنْ النِّصْفَ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِيهِمَا بِالنِّسْبَةِ، وَهُوَ هُنَا نِصْفُ الْجَيِّدِ بِنِصْفِ الرَّدِيءِ.
وَبِطَرِيقِ الْجَبْرِ يُقَالُ يَصِحُّ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْأَعْلَى بِشَيْءٍ مِنْ الْأَدْنَى قِيمَتُهُ ثُلُثُ شَيْءٍ مِنْ الْأَعْلَى، فَتَكُونُ الْمُحَابَاةُ بِثُلُثَيْ شَيْءٍ مِنْ الْجَيِّدِ، فَأَلْقِهَا مِنْهُ يَبْقَ قَفِيزٌ إلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ تَعْدِلُ مِثْلَ الْمُحَابَاةِ مِنْهُ، وَهُوَ شَيْءٌ وَثُلُثُ شَيْءٍ، فَإِذَا جَبَرْت وَقَابَلْت عَدْلَ شَيْئَيْنِ؛ فَالشَّيْءُ نِصْفُ قَفِيزٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَدْنَى يُسَاوِي عِشْرِينَ

صَحَّتْ فِي جَمِيعِ الْجَيِّدِ بِجَمِيعِ الرَّدِيءِ، وَإِنْ كَانَ الْأَدْنَى يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ فَاعْمَلْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، يَصِحُّ بَيْعُ ثُلُثَيْ الْجَيِّدِ بِثُلُثِ الرَّدِيءِ، وَيَبْطُلُ فِيمَا عَدَاهُ.
(فَلَوْ لَمْ يُفِضْ إلَى رِبَا كَعَبْدٍ) بَاعَهُ الْمَرِيضُ (يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِعَبْدٍ يُسَاوِي عَشَرَةً) وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ الْمُحَابَاةَ (صَحَّ بَيْعُ ثُلُثِهِ) - أَيْ: الْعَبْدِ الْمُسَاوِي ثَلَاثِينَ - (بِالْعَشَرَةِ) - أَيْ: بِالْعَبْدِ الْمُسَاوِي لَهَا - (وَالثُّلُثَانِ) مِنْ الْعَبْدِ الْمُسَاوِي ثَلَاثِينَ (كَالْهِبَةِ) لِأَنَّهُ لَا مُقَابِلَ لَهُمَا (لِلْمُبْتَاعِ نِصْفُهَا) وَهُوَ عَشَرَةٌ يَرُدُّهُ الْأَجْنَبِيُّ، وَيَأْخُذُ عَشَرَةً بِالْمُحَابَاةِ (وَإِنْ كَانَتْ الْمُحَابَاةُ مَعَ وَارِثٍ صَحَّ الْبَيْعُ فِي ثُلُثِهِ) - أَيْ: الْعَبْدِ بِالْعَشَرَةِ - (وَلَا مُحَابَاةَ) حَيْثُ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ، وَلِلْأَجْنَبِيِّ وَالْوَارِثِ فَسْخُ الْبَيْعِ؛ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.

(وَإِنْ) (أَقَالَ) الْمَرِيضُ فِي عَقْدٍ سَلَمٍ (مَنْ أَسْلَمَهُ عَشَرَةَ) دَرَاهِمَ مَثَلًا (فِي كُرٍّ) جَمْعُهُ أَكْرَارَ كَقُفْلٍ وَأَقْفَالٍ، وَهُوَ سِتُّونَ قَفِيزًا وَالْقَفِيزُ ثَمَانِيَةُ مَكَاكِيكَ، وَالْمَكُّوكُ صَاعٌ وَنِصْفٌ (حِنْطَةٍ وَقِيمَتُهُ) - أَيْ: الْكُرِّ - (عِنْدَ الْإِقَالَةِ ثَلَاثُونَ) مِنْ جِنْسِ الْعَشَرَةِ، وَلَا مِلْكَ لَهُ غَيْرُ الْكُرِّ (صَحَّتْ) الْإِقَالَةُ (فِي نِصْفِهِ) - أَيْ: الْكُرِّ - (بِخَمْسَةٍ) مِنْ الْعَشَرَةِ، وَكَانَ كَبَيْعِ قَفِيزٍ جَيِّدٍ يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِقَفِيزٍ رَدِيءٍ يُسَاوِي عَشَرَةَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْعَمَلَ فِيهَا أَنْ تُسْقِطَ قِيمَةَ الرَّدِيءِ مِنْ قِيمَةِ الْجَيِّدِ، وَتَنْسِبَ الثُّلُثَ الَّذِي يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ إلَى الْبَاقِي مِنْ قِيمَةِ الْجَيِّدِ بَعْدَ إسْقَاطِ قِيمَةِ الرَّدِيءِ مِنْهُ، فَأُسْقِطَ هُنَا قِيمَةُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَهُوَ عَشَرَةٌ مِنْ قِيمَةِ الْكُرِّ وَهُوَ ثَلَاثُونَ يَبْقَى عِشْرُونَ، اُنْسُبْ إلَيْهَا الثُّلُثَ وَهُوَ عَشَرَةٌ يَكُنْ نِصْفُ فَتْحِ الْإِقَالَةِ فِي نِصْفِ الْكُرِّ بِنِصْفِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَهُوَ خَمْسَةٌ، وَتَبْطُلُ فِي الْبَاقِي؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ صِحَّتُهَا فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إلَى الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ بِزِيَادَةٍ إلَّا إنْ كَانَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ وَارِثًا، وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ فَلَا تَصِحُّ الْإِقَالَةُ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا تَبَرُّعُ الْوَارِثِ.

(وَإِنْ) (أَصْدَقَ) الْمَرِيضُ (امْرَأَةً عَشَرَةً لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا وَصَدَاقُ مِثْلِهَا) - أَيْ:

الْمَرْأَةِ (خَمْسَةٌ، فَمَاتَتْ) تَحْتَهُ، ثُمَّ وَرِثَهَا (ثُمَّ مَاتَ) وَلَمْ يُخْلِفْ غَيْرَ مَا أَصْدَقَهَا؛ دَخَلَهَا الدَّوْرُ (فَ) نَقُولُ (لَهَا بِالصَّدَاقِ خَمْسَةٌ) الَّتِي هِيَ مَهْرُ مِثْلِهَا (وَ) لَهَا (شَيْءٌ بِالْمُحَابَاةِ) بَقِيَ لِوَرَثَةِ الزَّوْجِ خَمْسَةُ الْأَشْيَاءِ، ثُمَّ (رَجَعَ إلَيْهِ) - أَيْ: الزَّوْجِ - (نِصْفُهُ) - أَيْ: الَّذِي لَهَا - وَهُوَ الْخَمْسَةُ وَ (شَيْءٌ بِمَوْتِهَا) وَهُوَ اثْنَانِ وَنِصْفٌ وَنِصْفُ شَيْءٍ (صَارَ لَهُ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفُ شَيْءٍ) لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ خَمْسَةٌ إلَّا نِصْفِ شَيْءٍ، وَوَرِثَ اثْنَيْنِ وَنِصْفًا وَنِصْفَ شَيْءٍ (يَعْدِلُ ذَلِكَ شَيْئَيْنِ) لِأَنَّهُ مِثْلَا مَا اسْتَحَقَّتْهُ الْمَرْأَةُ بِالْمُحَابَاةِ، وَذَلِكَ شَيْءٌ (اُجْبُرْهُمَا) - أَيْ: الشَّيْئَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفُ شَيْءٍ (بِنِصْفِ شَيْءٍ) بِأَنْ تُقَدِّرَ إضَافَةَ نِصْفِ شَيْءٍ إلَى ذَلِكَ، فَتَصِيرَ سَبْعَةً وَنِصْفًا تَامَّةً (وَقَابِلْ) الْجَبْرَ بِتَقْدِيرِ إضَافَةِ نِصْفِ شَيْءٍ عَلَى الشَّيْئَيْنِ، فَتَصِيرُ شَيْئَيْنِ وَنِصْفًا (يَخْرُجُ الشَّيْءُ ثَلَاثَةً) لِأَنَّ السِّتَّةَ تُقَابِلُ شَيْئَيْنِ، وَالْوَاحِدُ وَنِصْفٌ تَكْمِلَةُ السَّبْعَةِ وَنِصْفٌ تُقَابِلُ نِصْفَ شَيْءٍ (فَلِوَرَثَتِهِ) - أَيْ: الزَّوْجِ - (سِتَّةٌ) لِأَنَّ لَهُمْ شَيْئَيْنِ (وَلِوَرَثَتِهَا أَرْبَعَةٌ) لِأَنَّهَا كَانَ لَهَا خَمْسَةٌ وَشَيْءٌ وَهُوَ - أَيْ: الشَّيْءُ - ثَلَاثَةٌ، وَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ رَجَعَ إلَى وَرَثَتِهِ نِصْفُهَا وَهُوَ أَرْبَعَةٌ، وَالطَّرِيقُ فِي هَذَا أَنْ تَنْظُرَ مَا بَقِيَ فِي يَدِ وَرَثَةِ الزَّوْجِ، فَخُمُسَاهُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي صَحَّتْ الْمُحَابَاةُ فِيهِ، وَلِذَلِكَ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْجَبْرِ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ وَنِصْفًا وَالشَّيْءُ هُوَ خُمْسَاهَا، وَإِنْ شِئْتَ أَسْقَطْتَ خَمْسَةً وَأَخَذْتَ نِصْفَ مَا بَقِيَ (وَإِنْ مَاتَ) زَوْجُهَا (قَبْلَهَا وَرِثَتْهُ) - أَيْ: وَرِثَتْ - فَرْضَهَا مِنْهُ بِالزَّوْجِيَّةِ (وَسَقَطَتْ الْمُحَابَاةُ) فَلَا تَصِحُّ نَصًّا إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا بَاقِي الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهَا كَالْوَصِيَّةِ لِوَارِثٍ، فَإِنْ لَمْ تَرِثْهُ لِنَحْوِ مُخَالَفَةِ دِينٍ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَثُلُثُ مَا حَابَاهَا بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُ ذَلِكَ.

(وَمَنْ وَهَبَ زَوْجَتَهُ كُلَّ مَالِهِ فِي مَرَضِهِ، فَمَاتَتْ قَبْلَهُ) ثُمَّ مَاتَ (فَلِوَرَثَتِهِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ، وَلِوَرَثَتِهَا خُمْسُهُ) وَطَرِيقُهُ بِالْجَبْرِ أَنْ تَقُولَ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي شَيْءٍ وَعَادَ إلَيْهِ نِصْفُهُ بِالْإِرْثِ؛ يَبْقَى لِوَرَثَتِهِ الْمَالُ كُلُّهُ إلَّا نِصْفُ شَيْءٍ يَعْدِلُ ذَلِكَ شَيْئَيْنِ، فَإِذَا أَجْبَرَتْ، وَقَابَلَتْ خَرَجَ الشَّيْءُ خُمْسَيْ الْمَالِ وَهُوَ مَا صَحَّتْ فِيهِ

الْهِبَةُ، فَيَحْصُلُ لِوَرَثَتِهِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ، وَلِعَصَبَتِهَا خُمُسُهُ انْتَهَى.
وَوَجْهُ إفْضَاءِ ذَلِكَ إلَى الدَّوْرِ أَنَّا تَبَيَّنَّا بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ قَبْلَهُ أَنَّ الْهِبَةَ لِغَيْرِ وَارِثٍ؛ فَتَصِحُّ فِي ثُلُثِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَقَدْ صَحَّتْ فِي قَدْرٍ مِنْ مَالِهِ عِنْدَ الْهِبَةِ، وَعَادَ إلَيْهِ نَصِيبُهُ بِالْمِيرَاثِ، وَيَزِيدُ ثُلُثُهُ بِذَلِكَ، وَإِذَا زَادَ ثُلُثُهُ زَادَ الْقَدْرُ الَّذِي صَحَّتْ الْهِبَةُ فِيهِ فَيَدُورُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَا صَحَّتْ فِيهِ الْهِبَةُ حَتَّى يُعْلَمَ الْمِيرَاثُ، وَلَا يُعْلَمُ الْمِيرَاثُ حَتَّى يُعْلَمَ مَا صَحَّتْ فِيهِ الْهِبَةُ، فَيُعْمَلُ بِطَرِيقِ الْجَبْرِ، لِأَنَّهَا تُخْرِجُ الْمَجْهُولَاتِ؛ إذْ هِيَ مَوْضُوعَةٌ لِذَلِكَ، فَيُقَالُ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ مَجْهُولِ الْقَدْرِ، وَعَادَ إلَيْهِ نِصْفُهُ بِالْإِرْثِ، فَيَبْقَى لِوَرَثَتِهَا نِصْفُ شَيْءٍ، وَلِوَرَثَتِهِ الْمَالُ كُلُّهُ إلَّا نِصْفُ شَيْءٍ، وَذَلِكَ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ؛ لِأَنَّا صَحَّحْنَا الْهِبَةَ فِي شَيْءٍ فَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ مِثْلَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ صَحَّتْ فِي ثُلُثِ الْمَالِ، وَبَقِيَ لِوَرَثَتِهِ ثُلُثَاهُ، فَإِذَا كَانَ الثُّلُثُ شَيْئًا يَكُونُ الثُّلُثَانِ شَيْئَيْنِ، فَاجْبُرْ الْمَالَ بِنِصْفِ شَيْءٍ، وَقَابِلْ بِأَنْ تَزِيدَ عَلَى مَا يُعَادِلُهُ نِصْفَ شَيْءٍ مِثْلَ مَا جَبَرَتْ بِهِ، يَصِيرُ الْمَالُ كُلُّهُ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ وَنِصْفَ شَيْءٍ، فَيَكُونُ الشَّيْءُ خُمْسَيْنِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِوَرَثَةِ الزَّوْجِ الشَّيْئَيْنِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْمَالِ، وَلِعَصَبَتِهَا نِصْفُ شَيْءٍ وَهُوَ خُمْسُ الْمَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ حُكْمُ إقْرَارِ الْمَرِيضِ]

(فَصْلٌ: وَلَوْ) (أَقَرَّ) مَرِيضٌ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ فِي صِحَّتِهِ حَالَ كَوْنِ إقْرَارِهِ (بِمَرَضِهِ) أَيْ: مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (أَنَّهُ أَعْتَقَ نَحْوَ ابْنِ عَمِّهِ) كَابْنِ ابْنِ عَمِّهِ، أَوْ ابْنِ عَمِّ أَبِيهِ وَنَحْوِهِ (فِي) حَالِ (صِحَّتِهِ) عَتَقَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَوَرِثَهُ (أَوْ مَلَكَ) الْمَرِيضُ فِي مَرَضِهِ (مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ) كَأَخِيهِ وَأَبِيهِ، وَكَانَ مِلْكُهُ لِذَلِكَ فِي الْمَرَضِ (بِهِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةِ عَتَقَ) الْمُقَرُّ بِعِتْقِهِ فِي الصِّحَّةِ وَالْحَادِثِ مِلْكُهُ بِالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ فِي الْمَرَضِ (مِنْ رَأْسِ مَالِهِ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فِيهِ، إذْ التَّبَرُّعُ بِالْمَالِ إنَّمَا هُوَ بِالْعَطِيَّةِ أَوْ الْإِتْلَافِ أَوْ التَّسَبُّبِ إلَيْهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، وَالْعِتْقُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ؛ فَهُوَ كَالْحُقُوقِ الَّتِي تَلْزَمُ بِالشَّرْعِ، وَقَبُولُ الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا لَيْسَ بِعَطِيَّةٍ وَلَا إتْلَافٍ لِمَالِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْصِيلٌ لِشَيْءٍ تَلِفَ بِتَحْصِيلِهِ، فَأَشْبَهَ قَبُولَهُ الشَّيْءِ لَا يُمْكِنُهُ حِفْظُهُ، وَفَارَقَ الشِّرَاءَ فَإِنَّهُ تَضْيِيعٌ لِمَالِهِ

فِي ثَمَنِهِ (وَوَرِثَ) لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ بِهِ مِنْ مَوَانِعِ الْإِرْثِ أَشْبَهَ غَيْرَهُ مِنْ الْأَحْرَارِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ وَصِيَّةً، وَإِلَّا لَاعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ (فَلَوْ) (اشْتَرَى) الْمَرِيضُ (نَحْوَ ابْنِهِ) كَأَخِيهِ وَعَمِّهِ (بِمِائَةٍ) وَلَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا سِوَى مِائَتَيْنِ (وَ) هُوَ (يُسَاوِي أَلْفًا) فَقَدْرُ الْمُحَابَاةِ الصَّادِرَةِ مِنْ الْبَائِعِ لِلْمَرِيضِ، وَهُوَ تِسْعُمِائَةٍ (مِنْ رَأْسِ مَالِهِ) أَيْ: فَلَا يُحْتَسَبُ بِهَا فِي التَّرِكَةِ وَلَا عَلَيْهَا، وَعَتَقَ بِالشِّرَاءِ إنْ خَرَجَ ثَمَنُهُ مِنْ الثُّلُثِ (وَتَحْسِبُ الثَّمَنَ) الَّذِي هُوَ الْمِائَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ.
(وَثَمَنُ كُلِّ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ) - أَيْ: الْمَرِيضِ - إذَا اشْتَرَاهُ فِي مَرَضِهِ (مِنْ ثُلُثِهِ) لِأَنَّهُ عَتَقَ فِي الْمَرَضِ، فَحُسِبَ مِنْ الثُّلُثِ؛ كَمَا لَوْ كَانَ الْعَتِيقُ أَجْنَبِيًّا.
فَلَوْ كَانَ ابْنًا وَاشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ وَلَهُ غَيْرُهُ ابْنٌ حُرٌّ وَأَلْفَانِ؛ عَتَقَ وَشَارَكَ أَخَاهُ فِي الْأَلْفَيْنِ.

(وَيَرِثُ) مِنْ الْمَرِيضِ ذُو رَحِمِهِ الَّذِي اشْتَرَاهُ فِي مَرَضِهِ مِنْ ثُلُثِهِ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِهِ مَانِعٌ مِنْ الْإِرْثِ أَشْبَهَ غَيْرَهُ (فَلَوْ اشْتَرَى) الْمَرِيضُ (أَبَاهُ بِكُلِّ مَالِهِ) وَمَاتَ (وَتَرَكَ ابْنًا عَتَقَ ثُلُثُ الْأَبِ بِمُجَرَّدِ شِرَائِهِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ) - أَيْ: الثُّلُثِ - لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرَ لِسَبَبِ عِتْقِهِ (وَوَرِثَ) الْأَبُ (بِثُلُثِهِ الْحُرِّ مِنْ نَفْسِهِ ثُلُثَ سُدُسِ بَاقِيهَا الْمَوْقُوفِ) لِأَنَّ فَرْضَهُ السُّدُسُ لَوْ كَانَ تَامَّ الْحُرِّيَّةِ، فَلَهُ بِثُلُثِهَا ثُلُثُ السُّدُسِ (وَلَا وَلَاءَ) لِأَحَدٍ (عَلَى هَذَا الْجُزْءِ) الَّذِي وَرِثَهُ مِنْ نَفْسِهِ (وَبَقِيَّةُ الثُّلُثَيْنِ) وَهِيَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْأَبِ وَثُلُثَا سُدُسِهِ (تَعْتِقُ عَلَى الِابْنِ) بِمِلْكِهِ لَهَا مِنْ جَدِّهِ (وَلَهُ وَلَاؤُهَا) لِعِتْقِهَا عَلَيْهِ (وَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ، تِسْعَةٌ مِنْهَا وَهِيَ الثُّلُثُ تَعْتِقُ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَهُ وَلَاؤُهَا، وَسَهْمٌ مِنْهَا يَعْتِقُ عَلَى نَفْسِهِ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ) لِأَحَدٍ، (وَهُوَ ثُلُثُ سُدُسِ الثُّلُثَيْنِ، وَيَبْقَى سَبْعَةَ عَشَرَ سَهْمًا لِلِابْنِ تَعْتِقُ عَلَيْهِ) وَلَهُ وَلَاؤُهَا.
(وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ) الَّذِي اشْتَرَى بِهِ الْمَرِيضُ أَبَاهُ وَلَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ (تِسْعَةُ دَنَانِيرَ، وَقِيمَتُهُ) - أَيْ: الْأَبِ (سِتَّةٌ؛ تَحَاصَّا) - أَيْ: الْبَائِعُ وَالْأَبُ فِي ثُلُثِ التِّسْعَةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَرِيضِ لِأَبِيهِ مُقَارِنٌ لِمِلْكِ الْبَائِعِ لِثَمَنِهِ، فَقَدْ حَصَلَ مِنْهُ عَطِيَّتَانِ مِنْ عَطَايَا الْمَرِيضِ، مُحَابَاةُ الْبَائِعِ بِثُلُثِ الْمَالِ، وَعِتْقُ الْأَبِ.

وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا عَطِيَّةٌ مُنَجَّزَةٌ، فَتَحَاصَّا لِتَقَارُنِهِمَا (فَكَانَ ثُلُثُ الثُّلُثِ) - وَهُوَ دِينَارٌ - (لِلْبَائِعِ مُحَابَاةً، وَثُلُثَاهُ لِلْأَبِ عِتْقًا يُعْتَقُ بِهِ ثُلُثُ رَقَبَتِهِ، وَيَرُدُّ الْبَائِعُ) مِنْ الْمُحَابَاةِ (دِينَارَيْنِ) لِبُطْلَانِهِمَا فِيهِمَا (وَيَكُونُ ثُلُثَا) رَقَبَةِ (الْأَبِ مَعَ الدِّينَارَيْنِ) اللَّذَيْنِ رَدَّهُمَا الْبَائِعُ (مِيرَاثًا) يَرِثُ مِنْهُ الْأَبُ بِثُلُثِهِ الْحُرِّ ثُلُثَ سُدُسِ ذَلِكَ، وَالْبَاقِي لِلِابْنِ، وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ بَاقِي جَدِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ عَتَقَ) مَنْ اشْتَرَاهُ الْمَرِيضُ مِنْ أَقَارِبِهِ (عَلَى وَارِثِهِ) دُونَهُ؛ بِأَنْ يَكُونَ أَخًا لِابْنِ عَمِّهِ الْوَارِثِ لَهُ، فَاشْتَرَاهُ (صَحَّ) شِرَاؤُهُ (وَعَتَقَ عَلَيْهِ) - أَيْ: عَلَى أَخِيهِ - لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ بِإِرْثِهِ لَهُ مِنْ ابْن عَمِّهِ، فَلَا يَرِثُ مَعَهُ (وَإِنْ دَبَّرَ) الْمَرِيضُ (نَحْوَ ابْنِ عَمِّهِ) كَابْنِ عَمِّ أَبِيهِ (عَتَقَ) بِمَوْتِهِ (وَلَمْ يَرِثْ) مِنْهُ (لِأَنَّ الْإِرْثَ قَارَنَ الْحُرِّيَّةَ وَلَا سَبْقَ) فَلَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْإِرْثِ حِينَئِذٍ.
وَإِنْ قَالَ الْمَرِيضُ لِابْنِ عَمِّهِ وَنَحْوِهِ (أَنْتَ حُرٌّ آخِرَ حَيَاتِي) ثُمَّ مَاتَ الْمَرِيضُ؛ (عَتَقَ) ابْنُ عَمِّهِ وَنَحْوُهُ؛ لِوُجُودِ شَرْطِ عِتْقِهِ (وَوَرِثَ) لِسَبْقِ الْحُرِّيَّةِ الْإِرْثَ، بِخِلَافِ مَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِمَوْتِ قَرِيبِهِ؛ كَمَنْ قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: إنْ مَاتَ أَخُوك الْحُرُّ فَأَنْتَ حُرٌّ فَإِذَا مَاتَ أَخُوهُ عَتَقَ، وَلَمْ يَرِثْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حُرًّا حَالَ الْإِرْثِ (وَلَيْسَ عِتْقُهُ) - أَيْ: الْمَقُولِ لَهُ أَنْتَ حُرٌّ آخِرَ حَيَاتِي - (وَصِيَّةٌ) لَهُ حَتَّى يَكُونَ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، فَتَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ فِي آخِرِ الْحَيَاةِ، وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، لَا إنْ قَالَ الْمَرِيضُ لِابْنِ عَمِّهِ وَنَحْوِهِ: (أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ) قَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ (مَعَهُ) - أَيْ: مَعَ مَوْتِي؛ لَمْ يَرِثْ لِمُقَارَنَةِ الْحُرِّيَّةِ الْإِرْثَ، وَعَدَمِ سَبْقِهَا لَهُ.

(وَلَوْ أَعْتَقَ) الْمَرِيضُ (أَمَتَهُ وَتَزَوَّجَهَا فِي مَرَضِهِ) ثُمَّ مَاتَ، (وَرِثَتْهُ) نَصًّا حَيْثُ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ (وَعَتَقَتْ إنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ، وَصَحَّ النِّكَاحُ) لِحُرِّيَّتِهَا التَّامَّةِ، وَصَرَّحَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ " بِتَحْرِيمِهِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي الصِّحَّةَ؛ إذْ الصِّحَّةُ لَا تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ التَّحْرِيمِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ (عَتَقَ) مِنْهَا (قَدْرُهُ) - أَيْ: قَدْرُ مَا يُقَابِلُ الثُّلُثَ - كَسَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ (وَبَطَلَ النِّكَاحُ) لِأَنَّهُ قَدْ

تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَكَحَ مُبَعَّضَةً يَمْلِكُ بَعْضَهَا، فَيَبْطُلُ إرْثُهَا لِبُطْلَانِ سَبَبِهِ، وَهُوَ النِّكَاحُ.
(وَلَوْ أَعْتَقَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَأَصْدَقهَا مِائَتَيْنِ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا وَهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا، ثُمَّ مَاتَ؛ صَحَّ الْعِتْقُ) وَالنِّكَاحُ (وَلَمْ تَسْتَحِقَّ الصَّدَاقَ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى بُطْلَانِ عِتْقِهَا، فَيَبْطُلُ صَدَاقُهَا) لِأَنَّهَا إذَا اسْتَحَقَّتْ الصَّدَاقَ لَمْ يَبْقَ لَهُ سِوَى قِيمَةِ الْأَمَةِ الْمُقَدَّرِ بَقَاؤُهَا، فَلَا يَنْفُذُ الْعِتْقُ فِي كُلِّهَا لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، وَإِذَا بَطَلَ الْعِتْقُ فِي الْبَعْضِ بَطَلَ النِّكَاحُ، وَإِذَا بَطَلَ النِّكَاحُ بَطَلَ الصَّدَاقُ.
وَلَوْ أَعْتَقَهَا وَأَصْدَقَ الْمِائَتَيْنِ أَجْنَبِيَّةً وَهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ مَالٌ صَحَّ الْإِصْدَاقُ، وَبَطَلَ الْعِتْقُ فِي ثُلُثَيْ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الثُّلُثِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْمَوْتِ، وَحَالَ الْمَوْتِ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَالٌ، وَكَذَا لَوْ تَلِفَتْ الْمِائَتَانِ قَبْلَ مَوْتِهِ.

(وَلَوْ تَبَرَّعَ) الْمَرِيضُ (بِثُلُثِهِ) فِي الْمَرَضِ (ثُمَّ اشْتَرَى أَبَاهُ وَنَحْوَهُ) كَأُمِّهِ وَأَخِيهِ (مِنْ الثُّلُثَيْنِ؛ صَحَّ الشِّرَاءُ) لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ (وَلَا عِتْقَ) لِمَا اشْتَرَاهُ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ لِلْوَرَثَةِ بِتَقْدِيرِ مَوْتِهِ (فَإِذَا مَاتَ) الْمَرِيضُ (عَتَقَ) الْأَبُ وَنَحْوُهُ (عَلَى وَارِثِهِ) لِمِلْكِهِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، فَعَتَقَ.
وَمَحِلُّ ذَلِكَ (إنْ كَانَ) الَّذِي اشْتَرَاهُ (مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ) - أَيْ: عَلَى وَارِثِ الْمَرِيضِ - كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَبًا لِلْمَرِيضِ أَوْ أُمًّا لَهُ، وَالْوَارِثُ ابْنًا لَهُ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جَدُّهُ أَوْ جَدَّتُهُ (وَلَا إرْثَ لَهُ) - أَيْ: الْعَتِيقِ إذَنْ (لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ فِي حَيَاتِهِ) بَلْ عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْ شَرْطِ الْإِرْثِ حُرِّيَّةُ الْوَارِثِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَمْ يُوجَدْ.

[تَتِمَّةٌ مَرِيضَةٌ أَعْتَقَتْ عَبْدًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ وَتَزَوَّجَهَا بِعَشَرَةٍ ثُمَّ مَاتَتْ وَخَلَفَتْ مِائَةً]

تَتِمَّةٌ: وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مَرِيضَةً أَعْتَقْتَ عَبْدًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، وَتَزَوَّجَهَا بِعَشَرَةٍ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ مَاتَتْ، وَخَلَفَتْ مِائَةً اقْتَضَى قَوْلُ أَصْحَابِنَا أَنْ تَضُمَّ الْعَشَرَةَ الَّتِي فِي ذِمَّتِهِ إلَى الْمِائَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ هُوَ التَّرِكَةُ، وَيَرِثُ نِصْفَ ذَلِكَ، وَيَبْقَى لِلْوَرَثَةِ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ.

[كِتَابُ الْوَصِيَّةِ]

(كِتَابُ الْوَصِيَّةِ) يُقَالُ: وَصَّى تَوْصِيَةً وَأَوْصَى إيصَاءً وَالِاسْمُ الْوَصِيَّةُ وَالْوَصَاةُ وَالْوِصَايَةُ - بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا - وَالْوَصَايَا جَمْعُ وَصِيَّةٍ كَقَضَايَا جَمْعُ قَضِيَّةٍ.
وَأَصْلُهُ وَصَائِيٌّ - بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ - بَعْدَ الْمَدِّ تَلِيهَا يَاءٌ مُتَحَرِّكَةٌ هِيَ لَامُ الْكَلِمَةِ فُتِحَتْ هَذِهِ الْهَمْزَةُ الْعَارِضَةُ فِي الْجَمْعِ، وَقُلِبَتْ الْيَاءُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، فَصَارَ: وَصَاآ فَكَرِهُوا اجْتِمَاعَ أَلِفَيْنِ بَيْنَهُمَا هَمْزَةٌ فَقَلَبُوهَا يَاءً فَصَارَ وَصَايَا.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَلَوْ قِيلَ: إنَّ جَمْعَهُ فَعَالَى، وَإِنَّ جَمْعَ الْمُعْتَلِّ خِلَافُ جَمْعِ الصَّحِيحِ لَكَانَ حَسَنًا انْتَهَى.
وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ وَصَيْتُ الشَّيْءَ أَصِيهِ إذَا وَصَلْتُهُ، فَإِنَّ الْمَيِّتَ وَصَلَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ حَيَاتِهِ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ أَمْرِ مَمَاتِهِ.
وَالْوَصِيَّةُ لُغَةً: الْأَمْرُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: 132] وَقَالَ: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: 151] : وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَطِيبِ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ.
وَشَرْعًا: (الْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ) كَأَنْ يُوصِيَ إلَى إنْسَانٍ بِتَزْوِيجِ بَنَاتِهِ أَوْ غَسْلِهِ أَوْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ إمَامًا أَوْ الْكَلَامِ عَلَى صِغَارِ أَوْلَادِهِ أَوْ تَفْرِقَةِ ثُلُثِهِ وَنَحْوَهُ، وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180] . وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ

رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ أَوْ الْمَرْأَةَ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ، ثُمَّ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 12] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: 13] » رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ مَعْنَاهُ وَقَالَا فِيهِ: " سَبْعِينَ سَنَةً ". وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخِلَافَةِ لِعُمَرَ، وَوَصَّى بِهَا عُمَرُ إلَى أَهْلِ الشُّورَى.
وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَوْصَى إلَى الزُّبَيْرِ سَبْعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَانَ يَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَيُنْفِقُ عَلَى أَيْتَامِهِمْ مِنْ مَالِهِ وَقَوْلُهُ: بَعْدَ الْمَوْتِ مُخْرِجٌ لِلْوَكَالَةِ، وَلَا تَجِبُ الْوَصِيَّةُ لِأَجْنَبِيٍّ؛ لِعَدَمِ دَلِيلِ وُجُوبِهَا، وَلَا لِقَرِيبٍ.
وَآيَةُ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: 180] مَنْسُوخَةٌ.
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالْحَدُّ السَّابِقُ لِأَحَدِ نَوْعَيْ الْوَصِيَّةِ وَذَكَرَ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: (وَ) الْوَصِيَّةُ (بِمَالٍ: التَّبَرُّعِ بِهِ) - أَيْ: الْمَالِ - (بَعْدَ الْمَوْتِ) ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ؛ لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ يَعْمَلُ بِالْخَطِّ إذَا عَرَفَ.

(وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا) - أَيْ: الْوَصِيَّةِ - (الْقُرْبَةُ؛ لِصِحَّتِهَا لِنَحْوِ حَرْبِيٍّ) بِدَارِ حَرْبٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ كَمَا تَصِحُّ هِبَتُهُ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ كَالذِّمِّيِّ.
(وَ) تَصِحُّ (لِمُرْتَدٍّ) اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَيَأْتِي.
(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (مُطْلَقَةً كَأَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ بِكَذَا وَ) تَصِحُّ (مُقَيَّدَةً كَإِنْ مِتُّ فِي مَرَضِي) هَذَا (أَوْ بَلَدِي) هَذَا أَوْ عَامِي (هَذَا) فَلِزَيْدٍ كَذَا؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ يَمْلِكُ تَنْجِيزَهُ، فَمَلَكَ تَعْلِيقَهُ كَالْعِتْقِ.
وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ مُوصٍ وَوَصِيَّةٌ وَمُوصَى بِهِ وَمُوصَى لَهُ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (مِنْ كُلِّ) إنْسَانٍ (عَاقِلٍ) رَشِيدٍ (لَمْ يُعَايِنْ الْمَوْتَ) . قَالَهُ

فِي " الْكَافِي " فَإِنْ عَايَنَهُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ وَالْوَصِيَّةُ قَوْلٌ.
قَالَ فِي " الْآدَابِ الْكُبْرَى ": وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَلَكَ الْمَوْتِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ " الرِّعَايَةِ ". قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَنَا خِلَافٌ هَلْ تُقْبَلُ التَّوْبَةُ مَا لَمْ يُعَايِنْ الْمَلَكُ أَوْ مَا دَامَ مُكَلَّفًا أَوْ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ، أَيْ تَبْلُغْ رُوحُهُ حُلْقُومَهُ؟ قَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ": وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ مُتَقَارِبَةٌ، وَالصَّوَابُ: تُقْبَلُ مَا دَامَ عَقْلُهُ ثَابِتًا.
وَفِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إذَا بَلَغْت الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ» . وَقَالَ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ ": إمَّا مِنْ عِنْدِهِ أَوْ حِكَايَةً عَنْ الْخَطَّابِيِّ، وَالْمُرَادُ قَارَبَتْ بُلُوغَ الْحُلْقُومِ إذْ لَوْ بَلَغَتْهُ حَقِيقَةً؛ لَمْ تَصِحَّ وَصِيَّتُهُ وَلَا صَدَقَتُهُ وَلَا شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (وَلَوْ) كَانَ الْمُوصِي (مُمَيِّزًا يَعْقِلُهَا) - أَيْ: الْوَصِيَّةَ - رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إنَّ هَاهُنَا غُلَامًا يَفَاعًا لَمْ يَحْتَلِمْ وَوَرَثَتُهُ بِالشَّامِ، وَهُوَ ذُو مَالٍ وَلَيْسَ لَهُ هَاهُنَا إلَّا ابْنَةَ عَمٍّ، فَقَالَ عُمَرُ: فَلْيُوصِ لَهَا، فَأَوْصَى لَهَا بِمَالٍ يُقَالُ لَهُ: بِئْرُ جُشَمَ قَالَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، فَبَعَثَ ذَلِكَ الْمَالَ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَابْنَةُ عَمِّهِ الَّتِي أَوْصَى لَهَا هِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، وَهَذِهِ قِصَّةٌ انْتَشَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ، وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ تَمَحَّضَ نَفْعًا لِلصَّبِيِّ، فَصَحَّ مِنْهُ كَالْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ صَدَقَةٌ يُحَصَّلُ ثَوَابُهَا لَهُ بَعْدَ غِنَاهُ عَنْ مِلْكِهِ وَمَالِهِ، فَلَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُ وَلَا أُخْرَاهُ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالْعِتْقِ الْمُنْجَزِ، فَإِنَّهُ يُفَوِّتُ مِنْ مَالٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَإِذَا رُدَّتْ رَجَعَتْ إلَيْهِ وَهَاهُنَا لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ بِالرَّدِّ، فَإِذَا وَصَّى بِوَصِيَّةٍ يَصِحُّ مِثْلُهَا مِنْ الْبَالِغِ صَحَّتْ مِنْهُ، وَمَا لَا فَلَا.
قَالَ شُرَيْحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةُ وَهُمَا قَاضِيَانِ: مَنْ أَصَابَ الْحَقَّ أَجَزْنَا وَصِيَّتَهُ (أَوْ) كَانَ الْمُوصِي (كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا) رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ هِبَتُهُ صَحِيحَةٌ فَوَصِيَّتُهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى (أَوْ) كَانَ (قِنًّا) أَوْ مُدَبِّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فِي غَيْرِ مَالٍ

لِأَنَّ لَهُمْ عِبَادَةً صَحِيحَةً وَأَهْلِيَّةً تَامَّةً، وَأَمَّا وَصِيَّتَهُمْ فِي الْمَالِ إنْ مَاتُوا عَلَى الرِّقِّ؛ فَلَا وَصِيَّةَ لَهُمْ؛ لِانْتِفَاءِ مِلْكِهِمْ.
وَمَنْ عَتَقَ مِنْهُمْ، ثُمَّ مَاتَ، وَلَمْ يُغَيِّرْ وَصِيَّتَهُ صَحَّتْ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ مَعَ عَدَمِ الْمَالِ كَالْفَقِيرِ إذَا وَصَّى وَلَا مَالَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَغْنَى صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ (أَوْ) كَانَ (سَفِيهًا) وَوَصَّى (بِمَالٍ) فَتَصِحُّ؛ لِتَمَحُّضِهَا نَفْعًا لَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ كَعِبَادَاتِهِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا حُجِرَ عَلَيْهِ لِحِفْظِ مَالِهِ وَلَيْسَ فِي الْوَصِيَّةِ إضَاعَةٌ لَهُ لِأَنَّهُ إنْ عَاشَ كَانَ مَالُهُ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ كَانَ ثَوَابُهُ لَهُ، وَهُوَ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ.

وَ (لَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ (عَلَى وَلَدِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَوَصِيُّهُ أَوْلَى، وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ فَتَصِحُّ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِحَظِّ الْغُرَمَاءِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ فِي ثُلُثِهِ بَعْدَ وَفَاءِ دُيُونِهِ (أَوْ) كَانَ (أَخْرَسَ) فَتَصِحُّ وَصِيَّتُهُ (بِإِشَارَةٍ تُفْهَمُ) ؛ لِأَنَّ تَعْبِيرَهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ عُرْفًا، فَهِيَ كَاللَّفْظِ مِنْ قَادِرٍ عَلَيْهِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى صِحَّتِهَا مِنْهُ بِالْكِتَابَةِ.

وَ (لَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إنْ كَانَ الْمُوصِي (مُعْتَقَلًا لِسَانُهُ) بِإِشَارَةٍ - وَلَوْ فُهِمَتْ - (إلَّا إنْ أَيِسَ مِنْ نُطْقِهِ) أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْ نُطْقِهِ كَقَادِرٍ عَلَى الْكَلَامِ؛ فَلَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ؛ لِمَا فِي " مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ " عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ أَنَّ امْرَأَةً قِيلَ لَهَا فِي مَرَضِهَا أَوْصِي بِكَذَا، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا؛ فَلَمْ يُجِزْهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.

(وَلَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ (سَكْرَانَ) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ عَاقِلٍ أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ وَطَلَاقُهُ إنَّمَا وَقَعَ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ (أَوْ) كَانَ (مُبَرْسَمًا) لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ، وَكَذَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ يُفِيقُ أَحْيَانًا، وَوَصَّى فِي إفَاقَتِهِ؛ صَحَّتْ.
وَلَا تَصِحُّ مِنْ طِفْلٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ الْوَصِيَّةَ وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ.

[فَائِدَةٌ الضَّعِيفُ فِي عَقْلِهِ إنْ مَنَعَ ضَعْفُهُ ذَلِكَ رُشْدَهُ فِي مَالِهِ]

ِ؛ فَكَسَفِيهٍ تَصِحُّ

وَصِيَّتُهُ فِي مَالِهِ، لَا عَلَى وَلَدِهِ وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ رُشْدَهُ؛ فَهُوَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ.

(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (بِخَطٍّ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ خَطُّ مُوصٍ بِإِقْرَارِ وَارِثٍ) أَنَّهُ خَطُّهُ (أَوْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّهُ خَطُّهُ) وَيُعْمَلُ بِهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْوَارِثَ إذَا وَجَدَ فِي دَفْتَرِ مُوَرِّثِهِ [إنَّ] لِي عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا؛ جَازَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَ فِي دَفْتَرِهِ: إنِّي أَدَّيْت إلَى فُلَانٍ مَا عَلَيَّ؛ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ إنْ وَثِقَ بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ وَأَمَانَتِهِ.
وَقَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِالْخَطِّ الْمَعْرُوفِ وَكَذَا الْإِقْرَارُ إذَا وُجِدَ فِي دَفْتَرِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ انْتَهَى.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَاعْتَمَدَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالَهُ الْخِرَقِيِّ وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الرِّعَايَتَيْنِ وَ " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِمْ انْتَهَى؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» . وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْكِتَابَةِ، فَدَلَّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِهَا، وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا: «بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ وَغَيْرِهِمْ مُلْزِمًا لِلْعَمَلِ بِتِلْكَ الْكِتَابَةِ» وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُنْبِئُ عَنْ الْمَقْصُودِ، فَهِيَ كَاللَّفْظِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَقَوْلُ أَحْمَدَ إنْ كَانَ عُرِفَ خَطُّهُ، وَكَانَ مَشْهُورٌ الْخَطُّ يَنْفُذُ مَا فِيهَا.
فَإِنَّهُ أَنَاطَ الْحُكْمَ بِالْمَعْرِفَةِ وَالشُّهْرَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ لِمُعَايَنَةِ الْفِعْلِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، خِلَافًا لِلْقَاضِي حَيْثُ اعْتَبَرَ مُعَايَنَةَ الْبَيِّنَةِ.
وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَقْصُودَ حُصُولُ الْعِلْمِ بِنِسْبَةِ الْخَطِّ إلَيْهِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ بِحَيْثُ يَسْتَقِرُّ فِي النَّفْسِ اسْتِقْرَارًا لَا تَرَدُّدَ مَعَهُ، فَوَجَبَ الِاكْتِفَاءُ بِهِ انْتَهَى.
وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعُهُ عَنْ الْوَصِيَّةِ فَتَبْطُلُ؛ لِأَنَّهَا جَائِزَةٌ كَمَا يَأْتِي، فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا، وَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعُهُ عَنْهَا عُمِلَ بِهَا (وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ أَوْ تَغَيَّرَ حَالُ مُوصٍ) مِثْلَ أَنْ يُوصِيَ فِي مَرَضٍ، فَيَبْرَأَ مِنْهُ، ثُمَّ يَمُوتَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ أَوْ يُقْتَلَ (لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ) - أَيْ: الْمُوصِي عَلَى وَصِيَّتِهِ - وَ (لَا) تَصِحُّ (إنْ

خَتَمَهَا) مُوصٍ (وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا) مَخْتُومَةً، وَلَمْ يَعْلَمْ الشَّاهِدُ مَا فِيهَا (وَلَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهَا) - أَيْ: الْوَصِيَّةَ - (بِخَطِّهِ) - أَيْ: الْمُوصِي - فَلَا يُعْمَلُ بِهَا؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا تَجُوزُ لَهُ الشَّهَادَةُ بِمَا فِيهَا بِمُجَرَّدِ هَذَا الْقَوْلِ، لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَا فِيهَا، لَكِنْ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ خَطُّهُ مِنْ خَارِجٍ عُمِلَ بِهِ، لَا بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهَا كَكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، وَعَكْسُ الْوَصِيَّةِ الْحُكْمُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي الْحُكْمُ بِرُؤْيَةِ خَطِّ الشَّاهِدِ احْتِيَاطًا لِلْحُكْمِ، وَلَوْ رَأَى الْحَاكِمُ حُكْمَهُ بِخَطِّهِ تَحْتَ خَتْمِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ، أَوْ رَأَى الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ بِخَطِّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ؛ لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ إنْفَاذُ الْحُكْمِ بِمَا وَجَدَهُ بِخَطِّهِ تَحْتَ خَتْمِهِ وَلَا لِلشَّاهِدِ الشَّهَادَةُ بِمَا رَأَى خَطَّهُ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ احْتِيَاطًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَالْوَصِيَّةِ أَنَّهَا سُومِحَ فِيهَا بِصِحَّتِهَا مَعَ الْغَرَرِ وَالْخَطَرِ، وَبِالْمَعْدُومِ وَالْمَجْهُولِ؛ فَجَازَتْ الْمُسَامَحَةُ فِيهَا بِالْعَمَلِ بِالْخَطِّ كَالرِّوَايَةِ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ وَالشَّهَادَةِ.

(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ فِي صَدْرِ وَصِيَّتِهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلَانٌ) ابْنُ فُلَانٍ (أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ؛ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأُوصِي مَنْ تَرَكْت مِنْ أَهْلِي أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَيُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ.
وَأُوصِيهِمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132] . لِمَا ثَبَتَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: هَكَذَا كَانُوا يُوصُونَ.
أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَفِي أَوَّلِهِ: كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُورِ وَصَايَاهُمْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَوْصَى.

(وَتَجِبُ) الْوَصِيَّةُ (عَلَى مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ) كَدَيْنٍ بِلَا بَيِّنَةٍ أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ (بِلَا بَيِّنَةٍ) أَوْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ (فَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يُوصِيَ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ) لِأَنَّ أَدَاءَ الْأَمَانَاتِ وَالْوَاجِبَاتِ وَاجِبٌ.

(وَتُسَنُّ) الْوَصِيَّةُ (لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180] . نَسَخَ الْوُجُوبَ وَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ التَّرْكِ، بَقِيَ الرُّجْحَانُ، وَهُوَ الِاسْتِحْبَابُ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا ابْنَ آدَمَ جَعَلْتُ لَك نَصِيبًا مِنْ مَالِك حِينَ أَخَذْتَ بِكَظْمِكَ لِأُطَهِّرَك وَأُزَكِّيَك﴾ . (وَهُوَ) أَيْ: الْخَيْرُ (الْمَالُ الْكَثِيرُ عُرْفًا) فَلَا يَتَقَدَّرُ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي تَقْدِيرِهِ (بِخُمُسِهِ) - أَيْ: مَالِهِ - مُتَعَلِّقٌ بِتُسَنُّ.
رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَصَّيْت بِمَا رَضِيَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ لِنَفْسِهِ يَعْنِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41] (لِقَرِيبٍ فَقِيرٍ) لَا يَرِثُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، فَخَرَجَ مِنْهُ الْوَارِثُونَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . وَبَقِيَ سَائِرُ الْأَقَارِبِ عَلَى الْوَصِيَّةِ لَهُمْ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ الِاسْتِحْبَابُ، وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ أَفْضَلُ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ قَرِيبٌ فَقِيرٌ وَتَرَكَ خَيْرًا (فَ) الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُوصِيَ (لِمِسْكِينٍ وَعَالِمٍ) فَقِيرٍ (وَدَيْنِ) فَقِيرٍ وَابْنِ سَبِيلٍ وَغَازٍ (وَتُكْرَهُ) وَصِيَّةٌ (لِفَقِيرٍ) - أَيْ: مِنْهُ - إنْ كَانَ (لَهُ وَرَثَةٌ) مَحَاوِيجُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنْ تَتْرُكْ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً» . وَلِأَنَّ إعْطَاءَ الْقَرِيبِ الْمُحْتَاجِ خَيْرٌ مِنْ إعْطَاءِ الْغَنِيِّ، فَمَتَى لَمْ يَبْلُغْ الْمِيرَاثُ غِنَاهُمْ كَانَ تَرْكُهُ لَهُمْ كَعَطِيَّتِهِمْ إيَّاهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِهِمْ، فَعَلَى هَذَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِاخْتِلَافِ الْوَرَثَةِ فِي كَثْرَتِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ وَغِنَاهُمْ وَفَقْرِهِمْ (إلَّا مَعَ غِنَاهُمْ) - أَيْ: الْوَرَثَةِ - (فَتُبَاحُ) الْوَصِيَّةُ.
قَالَ فِي " التَّبْصِرَةِ " رَوَاهُ ابْنُ مَنْصُورٍ.
وَقَالَهُ

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل