مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يَرْضَ بِتَأْخِيرِهِ، فَإِنْ أَوْجَبَتْ الْجِنَايَةُ قِصَاصًا، فَعَفَا وَلِيُّهَا إلَى مَالٍ أَوْ صَالَحَهُ الْمُفْلِسُ عَلَى مَالٍ شَارَكَ أَيْضًا؛ لِثُبُوتِ سَبَبِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْجَبَتْ الْمَالَ.
و (لَا) يُشَارِكُ مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ (مَنْ عَامَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسَ (بَعْدَ حَجْرٍ) عَلَيْهِ؛ لِدُخُولِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ.
(وَلَا يَحِلُّ) دَيْنٌ (مُؤَجَّلٌ بِجُنُونٍ) كَإِغْمَاءٍ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يَحِلُّ (بِمَوْتٍ) ؛ لِحَدِيثِ: «مَنْ تَرَكَ حَقًّا أَوْ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» .
وَالْأَجَلُ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ، فَيُنْقَلُ لِوَرَثَتِهِ (إنْ وُثِّقَ وَرَثَةُ) رَبِّ الدَّيْنِ.
(وَيَتَّجِهُ أَوْ) وُثِّقَ (وَلِيُّ مَجْنُونٍ) جُنُونًا مُطْبِقًا بِحَيْثُ إنَّهُ صَارَ مَيْئُوسًا مِنْ إفَاقَتِهِ، لَكِنْ قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَجْنُونَ يُحْجَرُ عَلَى مَالِهِ، وَيُحْفَظُ عَنْ الضَّيَاعِ، فَإِذَا حَلَّ الْمُؤَجَّلُ يُوَفَّى، وَلَا كَذَلِكَ الْمَيِّتُ، فَإِنَّهُ يُوَزَّعُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، فَاحْتَاجَ رَبُّ الدَّيْنِ لِلتَّوْثِقَةِ؛ لِئَلَّا يَضِيعَ مَالُهُ عِنْدَ حُلُولِ أَجَلِهِ، (أَوْ) وَثَّقَ (أَجْنَبِيٌّ) . رَبَّ الدَّيْنِ (الْأَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ التَّرِكَةَ) ، فَإِنْ لَمْ يُوَثَّقْ بِذَلِكَ حَلَّ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ قَدْ لَا يَكُونُونَ مَلِيئِينَ وَلَمْ يَرْضَ بِهِمْ الْغَرِيمُ، فَيُؤَدِّي إلَى فَوَاتِ الْحَقِّ، وَلَوْ ضَمِنَهُ ضَامِنٌ وَحَلَّ عَلَى أَحَدِهِمَا بِمَوْتِهِ؛ لَمْ يَحِلَّ عَلَى الْآخَرِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْأُجْرَةِ الْمُؤَجَّلَةِ: لَا تَحِلُّ بِالْمَوْتِ فِي أَصَحِّ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: يَحِلُّ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ حُلُولَهَا مَعَ تَأْخِيرِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ ظُلْمٌ، فَإِنْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ حَالٌّ وَمُؤَجَّلٌ، وَالتَّرِكَةُ بِقَدْرِ الْحَالِّ أَوْ أَقَلَّ، فَإِنْ لَمْ يُوَثَّقْ الْمُؤَجَّلُ؛ حَلَّ وَاشْتَرَكَا، وَإِنْ وَثَّقَهُ الْوَرَثَةُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ لَمْ يُتْرَكْ لِرَبِّ الْمُؤَجَّلِ شَيْءٌ (وَيَخْتَصُّ بِهَا) ؛ أَيْ: التَّرِكَةِ (رَبُّ) دَيْنٍ (حَالٍّ) ، وَيُوَفَّى رَبُّ الْمُؤَجَّلِ إذَا حَلَّ مِنْ الْوَثِيقَةِ، (فَإِنْ تَعَذَّرَ تَوَثُّقٌ) ؛ أَيْ: لَمْ يُوَثَّقْ وَارِثٌ حَلَّ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، (أَوْ لَمْ يَكُنْ) لِلْمَيِّتِ
(وَارِثٌ) مُعَيَّنٌ؛ (حَلَّ) الْمُؤَجَّلُ، وَلَوْ ضَمِنَهُ الْإِمَامُ لِلْغُرَمَاءِ لِئَلَّا يَضِيعَ.
(وَلَا يَمْنَعُ دَيْنٌ) لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيٍّ عَلَى مَيِّتٍ يُحِيطُ بِالتَّرِكَةِ وَلَا يَمْنَعُ (انْتِقَالَهَا) ؛ أَيْ: التَّرِكَةِ (لِوَرَثَةٍ) ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَهُ بِالْمَالِ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ فِي حَقِّ الْجَانِي وَالرَّاهِنِ وَالْمُفْلِسِ، فَلَمْ يُمْنَعْ نَقْدٌ، (وَيَأْتِي) لِهَذَا الْبَحْثِ تَتِمَّةٌ (فِي) الْوَصَايَا وَفِي آخِرِ بَابِ (الْقِسْمَةِ، وَيَتَعَلَّقُ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِهَا) ؛ أَيْ: التَّرِكَةِ (كُلِّهَا) سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ فِيهَا (لِلَّهِ) كَالْحَجِّ (أَوْ لِآدَمِيٍّ) ، وَسَوَاءٌ (أُثْبِتَ فِي الْحَيَاةِ) ؛ أَيْ: حَيَاةِ الْمُفْلِسِ، (أَوْ تَجَدَّدَ بَعْدَ الْمَوْتِ) ؛ أَيْ: مَوْتِهِ بِسَبَبٍ يَقْتَضِي الضَّمَانَ؛ (كَحَفْرِ بِئْرٍ) تَعَدِّيًا (قَبْلَهُ) ؛ أَيْ: الْمَوْتِ، وَكَوَضْعِ حَجَرٍ تَعَدِّيًا، فَتَلِفَ بِذَلِكَ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِ حَافِرٍ وَوَاضِعٍ تَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ، (وَالدَّيْنُ بَاقٍ بِذِمَّةِ مَيِّتٍ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إلَّا إنْ بَرَدَتْ جِلْدَتُهُ» مُتَعَلِّقٌ (فِي التَّرِكَةِ حَتَّى يُوَفِّيَ) مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا.
(وَيَصِحُّ تَصَرُّفُ وَارِثٍ فِيهَا) ؛ أَيْ: التَّرِكَةِ بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ؛ لِانْتِقَالِهَا إلَيْهِمْ؛ كَتَصَرُّفِ السَّيِّدِ بِالْعَبْدِ الْجَانِي، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّصَرُّفُ (بِشَرْطِ ضَمَانٍ) . قَالَهُ الْقَاضِي، وَأَمَّا صِحَّةُ التَّصَرُّفِ فَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الضَّمَانِ؛ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَةِ " الْمُبْدِعِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِمَا حَيْثُ قَالُوا: فَإِنْ تَصَرَّفُوا فِيهَا؛ صَحَّ، وَيَضْمَنُ الْوَرَثَةُ إذَا تَصَرَّفُوا فِي التَّرِكَةِ (الْأَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ) قِيمَةَ (التَّرِكَةِ) ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ؛ كَمَا لَوْ بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْجَانِيَ أَوْ النِّصَابَ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، (فَإِنْ تَعَذَّرَ وَفَاءُ) الدَّيْنِ بَعْدَ تَصَرُّفِهِمْ فِي التَّرِكَةِ؛ (فُسِخَ تَصَرُّفُهُمْ) ، إلَّا إنْ كَانَ التَّصَرُّفُ بِعِتْقٍ؛ فَلَا يُفْسَخُ، وَعَلَيْهِمْ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ الدِّينِ؛ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ الْجَانِيَ، وَالرَّاهِنُ الرَّهْنَ.
(وَلَيْسَ لِضَامِنٍ إذَا مَاتَ مَضْمُونُهُ مُطَالَبَةُ رَبِّ حَقٍّ بِقَبْضِهِ) ؛ أَيْ: الدَّيْنِ الْمَضْمُونِ فِيهِ (مِنْ تَرِكَةِ مَضْمُونِهِ) لِيَبْرَأَ الضَّامِنُ، (أَوْ أَنْ يُبْرِئَهُ) ؛ أَيْ: الضَّامِنُ مِنْ الضَّمَانِ؛ كَمَا لَوْ لَمْ يَمُتْ الْأَصِيلُ.
(وَيَلْزَمُ الْحَاكِمَ إجْبَارُ مُفْلِسٍ مُحْتَرِفٍ) كَحَدَّادٍ وَنَجَّارٍ وَحَائِكٍ (عَلَى) الْكَسْبِ أَوْ (إيجَارِ نَفْسِهِ) ، وَإِنْ كَانَ لَهُ صَنَائِعُ أُجْبِرَ عَلَى إيجَارِ نَفْسِهِ (فِيمَا يَلِيقُ بِهِ) ؛ لِيُوَفِّيَ (بَقِيَّةَ دَيْنِهِ) بَعْدَ قِسْمَةِ مَا وُجِدَ مِنْ مَالِهِ؛ لِحَدِيثِ «سُرَّقٍ، وَكَانَ سُرَّقٌ دَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَذَكَرَ أَنَّ وَرَاءَهُ مَالًا، فَدَايَنَهُ النَّاسُ، وَرَكِبَتْهُ دُيُونٌ، وَلَمْ يَكُنْ وَرَاءَهُ مَالٌ فَسَمَّاهُ سُرَّقًا، وَبَاعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَالْحُرُّ لَا يُبَاعُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ تُبَاعُ مُنَاصَفَةً؛ إذْ الْمَنَافِعُ تَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَتَحْرِيمِ أَخْذِ الزَّكَاةِ، وَثُبُوتِ الْغِنَى بِهَا، فَكَذَا فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ بِهَا، وَالْإِجَارَةُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَأُجْبِرَ عَلَيْهَا لِبَيْعِ مَالِهِ؛ وَكَإِجَارَةِ (وَقْفٍ وَأُمِّ وَلَدٍ يُسْتَغْنَى عَنْهُمَا) لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى وَفَاءِ دَيْنِهِ، فَلَزِمَهُ؛ كَمَالِكِ مَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ مِنْهُ، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْأَغْنِيَاءِ فِي حِرْمَانِ الزَّكَاةِ، وَسُقُوطِ نَفَقَتِهِ عَنْ قَرِيبِهِ، وَوُجُوبِ نَفَقَةِ قَرِيبِهِ، وَحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» . قَضِيَّةُ عَيْنٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ لِذَلِكَ الْمَدِينِ حِرْفَةٌ يَكْتَسِبُ بِهَا مَا يَفْضُلُ عَنْ نَفَقَتِهِ، وَدَعْوَى نَسْخِ حَدِيثِ سُرَّقٍ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، إنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ بَيْعَ الْحُرِّ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِنَا، وَحَمْلُ لَفْظِ بَيْعِهِ عَلَى بَيْعِ مَنَافِعِهِ أَسْهَلُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى بَيْعِ رَقَبَتِهِ الْمُحَرَّمِ، وَحَذْفُ الْمُضَافِ وَإِقَامَةُ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ شَائِعٌ كَثِيرٌ، وَقَوْلُ مُشْتَرِيهِ: أَعْتَقْتُهُ؛ أَيْ: مِنْ حَقِّي عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: فَأَعْتَقُوهُ؛ أَيْ: الْغُرَمَاءُ وَهُمْ لَا يَمْلِكُونَ إلَّا الدَّيْنَ عَلَيْهِ، (مَعَ بَقَاءِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسِ الْمُؤَجِّرِ لِنَفْسِهِ أَوْ وَقْفِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ لِقَضَاءِ بَقِيَّةِ الدَّيْنِ أَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِفَكِّ حَجْرِهِ.
و (لَا) تُجْبَرُ (امْرَأَةٌ) مُفْلِسَةٌ (عَلَى نِكَاحٍ) - وَلَوْ رَغِبَ فِيهَا - بِمَا تُوَفِّي بِهِ دَيْنَهَا؛ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ مَا قَدْ تَعْجِزُ عَنْهُ.
(وَلَا) يُجْبَرُ (مَنْ لَزِمَهُ حَجٌّ أَوْ كَفَّارَةٌ) بِالْعِتْقِ لَوْ احْتَرَفَ أَوْ أَجَرَ نَفْسَهُ، عَلَى أَنْ يَحْصُلَ عَلَى حِرْفَتِهِ
مَا يَحُجُّ بِهِ أَوْ يُكَفِّرُ، وَلَا عَلَى إيجَارِ نَفْسِهِ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالَهُ لَا يُبَاعُ فِيهِ، وَلَا تُجْرَى فِيهِ الْمَنَافِعُ مَجْرَى الْأَعْيَانِ، وَأَمَّا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَالْكَفَّارَةُ، فَتَهَاوَنَ حَتَّى أَفْلَسَ؛ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِجَرَيَانِ الْمَنَافِعِ هُنَا مَجْرَى الْأَعْيَانِ.
. (وَيَحْرُمُ إجْبَارُهُ) ؛ أَيْ: الْمَدِينُ الْمُفْلِسِ (عَلَى قَبُولِ نَحْوِ هِبَةٍ - وَلَوْ مِنْ وَلَدِهِ - وَ) عَلَى قَبُولِ (صَدَقَةٍ وَ) قَبُولِ (وَصِيَّةٍ) ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ تَحَمُّلِ الْمِنَّةِ، بِخِلَافِهِ عَلَى الصِّفَةِ.
(وَ) لَا يُجْبَرُ الْمُفْلِسُ عَلَى (تَزْوِيجِ أُمِّ وَلَدِهِ) لِوَفَاءِ دَيْنِهِ مِمَّا يَأْخُذُ مِنْ مَهْرِهَا - وَلَوْ لَمْ يَكُنْ يَطَؤُهَا - لِأَنَّهُ يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ، وَيُعَلِّقُ حَقَّ الزَّوَاجِ بِهَا.
(وَ) يَحْرُمُ إجْبَارُهُ عَلَى (خُلْعِ) زَوْجَتِهِ عَلَى عِوَضٍ يُوَفِّي مِنْهُ دَيْنَهُ؛ لِأَنَّهُ يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ إلَيْهَا مَيْلٌ.
(وَ) لَا يُجْبَرُ عَلَى (رَدِّ مَبِيعٍ) لِعَيْبٍ أَوْ خِيَارِ شَرْطٍ وَنَحْوِهِ، (وَ) لَا عَلَى (إمْضَائِهِ فِي خِيَارٍ) - وَلَوْ كَانَ فِيهِ حَظٌّ - لِأَنَّهُ إتْمَامُ تَصَرُّفٍ سَابِقٍ عَلَى الْحَجْرِ، فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِيهِ.
(وَ) لَا يُجْبَرُ عَلَى (أَخْذِ دِيَةٍ عَنْ قَوْدٍ) وَجَبَ لَهُ بِجِنَايَةٍ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى قِنِّهِ أَوْ مُوَرِّثِهِ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ الْمَعْنَى الَّذِي وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ، ثُمَّ إنْ اقْتَصَّ فَلَا شَيْءَ لِلْغُرَمَاءِ، وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ؛ ثَبَتَ وَتَعَلَّقَ بِهِ دَيْنُهُمْ، وَلَهُ الْعَفْوُ مَجَّانًا، خِلَافًا " لِلْإِقْنَاعِ ".
(وَلَا يَمْلِكُ أَجْنَبِيٌّ وَفَاءَ دَيْنِهِ) ؛ أَيْ: الْمَدِينِ (مُتَبَرِّعًا) بِذَلِكَ (بِلَا رِضَاهُ) ؛ أَيْ: الْمَدِينِ، (وَلَا يَمْلِكُ الْحَاكِمُ قَبْضَ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ هِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَنَحْوِهَا لِلْمَدِينِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ (بِلَا إذْنِهِ) ؛ أَيْ: الْمَدِينِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إجْبَارَهُ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَمْلِكْ فِعْلَهُ عَنْهُ.
(وَيَنْفَكُّ حَجْرُهُ) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسِ (بِوَفَاءِ) دَيْنِهِ (بِلَا) حُكْمِ (حَاكِمٍ) بِفَكِّهِ؛ لِزَوَالِ الْمَعْنَى الَّذِي شُرِعَ لَهُ الْحَجْرُ، وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ.
(وَيَصِحُّ الْحُكْمُ بِفَكِّهِ) ؛ أَيْ: الْحَجْرِ (مَعَ بَقَاءِ بَعْضِ) الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ بِفَكِّهِ مَعَ بَقَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْ فَرَاغِ مَالِهِ، وَالنَّظَرِ فِي الْأَصْلَحِ مَعَ بَقَاءِ الْحَجْرِ وَفَكِّهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ مَعَ بَقَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ بِدُونِ حُكْمٍ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِحُكْمٍ فَلَا يَزُولُ إلَّا بِهِ؛ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ
(فَلَوْ طَلَبُوا) ؛ أَيْ: غُرَمَاءُ مَنْ فُكَّ حَجْرُهُ (إعَادَتَهُ) عَلَيْهِ (لِمَا بَقِيَ) مِنْ دَيْنِهِمْ؛ (لَمْ يُجِبْهُمْ) الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَكَّ حَجْرُهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ، فَإِنْ ادَّعَوْا أَنْ بِيَدِهِ مَالًا وَبَيَّنُوا سَبَبَهُ؛ سَأَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ، فَإِنْ أَنْكَرَ حُلِّفَ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَإِنْ أَقَرَّ وَقَالَ: هُوَ لِفُلَانٍ وَأَنَا وَكِيلُهُ أَوْ عَامِلُهُ؛ سَأَلَهُ الْحَاكِمُ إنْ كَانَ حَاضِرًا، فَإِنْ صَدَّقَهُ فَلَهُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ أُعِيدَ الْحَجْرُ بِطَلَبِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ غَائِبًا أَقَرَّ بِيَدِ الْمُفْلِسِ إلَى أَنْ يَحْضُرَ، وَيَسْأَلَهُ.
(وَإِنْ اسْتَدَانَ) مَنْ فُكَّ حَجْرُهُ وَعَلَيْهِ بَقِيَّةُ دَيْنٍ؛ (فَحُجِرَ عَلَيْهِ) - وَلَوْ بِطَلَبِ أَرْبَابِ الدُّيُونِ الَّتِي لَزِمَتْهُ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ - (تَشَارَكَ غُرَمَاءُ الْحَجْرِ الْأَوَّلِ وَ) غُرَمَاءُ الْحَجْرِ (الثَّانِي) فِي مَالِهِ الْمَوْجُودِ إذَنْ؛ لِتُسَاوِيهِمْ فِي ثُبُوتِ حُقُوقِهِمْ فِي ذِمَّتِهِ؛ كَغُرَمَاءِ الْمَيِّتِ، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلِينَ يُضْرَبُ لَهُمْ بِبَقِيَّةِ دُيُونِهِمْ، وَالْآخِرِينَ بِجَمِيعِهَا.
(وَمَنْ فُلِّسَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - (ثُمَّ اسْتَدَانَ لَمْ يُحْبَسْ) نَصًّا؛ لِوُضُوحِ أَمْرِهِ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُفْلِسِ أَوْ الْمَيِّتِ حَقٌّ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، وَحَلَفَ الْمُفْلِسُ أَوْ الْوَارِثُ مَعَهُ؛ ثَبَتَ الْمَالُ، وَتَعَلَّقَتْ بِهِ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ؛ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، (وَإِنْ أَبَى مُفْلِسٌ أَوْ) أَبَى (وَارِثٌ الْحَلِفَ مَعَ شَاهِدٍ لَهُ) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسِ أَوْ الْوَارِثِ (بِحَقٍّ؛ لَمْ يُجْبَرْ، وَلَيْسَ لِغُرَمَاءِ) الْمُفْلِسِ أَوْ الْمَيِّتِ (الْحَلِفُ) ؛ لِإِثْبَاتِهِمْ مِلْكًا لِغَيْرِهِمْ تَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُهُمْ بَعْد ثُبُوتِهِ لَهُ، فَلَمْ يَجُزْ؛ (كَزَوْجَةٍ تَحْلِفُ لِإِثْبَاتِ مِلْكِ زَوْجِهَا لِتَعَلُّقِ نَفَقَتِهَا بِهِ) ، وَإِنَّمَا لَمْ يُجْبَرْ الْمُفْلِسُ وَلَا الْوَارِثُ عَلَى الْحَلِفِ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ صِدْقَ الشَّاهِدِ
الْحُكْمُ (الرَّابِعُ انْقِطَاعُ الطَّلَبِ عَنْهُ) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ؛ أَيْ: فَأَنْظِرُوهُ إلَى مَيْسَرَةٍ، وَلِحَدِيثِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» . وَرُوِيَ (وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِ) (فَمَنْ أَقْرَضَهُ) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسَ (أَوْ بَاعَهُ شَيْئًا - وَلَوْ غَيْرَ عَالَمٍ بِحَجْرِهِ - لَمْ يُشَارِكِ الْغُرَمَاءَ وَلَمْ يَمْلِكْ طَلَبَهُ) بِبَدَلِ الْقَرْضِ أَوْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي أَتْلَفَ مَالَهُ بِمُعَامَلَتِهِ مَنْ لَا شَيْءَ مَعَهُ (حَقٌّ يَنْفَكُّ حَجْرُهُ) ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ غُرَمَائِهِ حَالَ الْحَجْرِ بِعَيْنِ مَالِهِ، (لَكِنْ إنْ وَجَدَ الْمُعْتَرِضُ أَوْ الْبَائِعُ) (عَيْنَ مَالِهِ؛ فَلَهُ أَخْذُهَا) إنْ جَهِلَ أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا (كَمَا مَرَّ) مُفَصَّلًا؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ
[فَصْلٌ فِي الْحَجْرِ لِحَظِّ نَفْسِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ]
(فَصْلٌ) فِي الْحَجْرِ لِحَظِّ نَفْسِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5] وَأَضَافَ الْأَمْوَالَ إلَى الْأَوْلِيَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ مُدَبِّرُوهَا.
(وَمَنْ دَفَعَ مَالَهُ) بِاخْتِيَارِهِ، (وَيَتَّجِهُ وَلَوْ) كَانَ الدَّافِعُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ (مَحْجُورًا) عَلَيْهِ لِحَظِّهِ، فَتَلِفَ؛ فَلَا يُضَمَّنُ، كَذَا قَالَ وَفِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " وَإِذَا دَفَعَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَظِّهِ مَالَهُ لِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِحَظِّهِ، فَتَلِفَ؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْمَدْفُوعِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَسْلِيطَ مِنْ الْمَالِكِ - وَقَدْ تَلِفَ بِفِعْلِ الْقَابِضِ لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ - فَضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، وَالْعَمْدُ وَالسَّهْوُ، وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا، أَقُولُ: بَلْ هُوَ مَنْقُولٌ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي كِتَابِ " مُغْنِي ذَوِي الْأَفْهَامِ " لِابْنِ عَبْدِ الْهَادِي (بِعَقْدٍ) ؛ كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ.
(أَوْ لَا) بِعَقْدٍ؛ كَوَدِيعَةٍ
وَعَارِيَّةٍ (إلَى مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِحَظِّ نَفْسِهِ؛ كَصَغِيرٍ وَسَفِيهٍ وَمَجْنُونٍ؛ رَجَعَ) الدَّافِعُ (فِي بَاقٍ) مِنْ مَالِهِ؛ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، (وَمَا تَلِفَ) مِنْهُ بِنَفْسِهِ؛ كَمَوْتِ قِنٍّ أَوْ حَيَوَانٍ، أَوْ بِفِعْلِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ (زَمَنَ حَجْرٍ) ؛ كَقَتْلِهِ لَهُ فَهُوَ (عَلَى مَالِكِهِ) غَيْرُ مَضْمُونٍ؛ لِأَنَّهُ سُلِّطَ عَلَيْهِ بِرِضَاهُ، (عَلِمَ) الدَّافِعُ (بِحَجْرِ) الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ (أَوْ لَا) ؛ لِتَفْرِيطِهِ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَا يُطَالِبُونَ) ؛ أَيْ: الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ وَالسَّفِيهُ بِمَا أَتْلَفُوهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً (دُنْيَا وَلَا أُخْرَى) ؛ لِعَدَمِ خِطَابِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَهَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي السَّفِيهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ حَقٌّ فِي الدُّنْيَا يُطَالَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ الْإِتْلَافُ لِتَكْلِيفِهِ فَيَكُونُ مُتَّجِهًا.
(وَتُضَمَّنُ) ؛ أَيْ: يَضْمَنُ مَحْجُورًا عَلَيْهِمْ لِحَظِّ أَنْفُسِهِمْ (جِنَايَةً) عَلَى نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ وَنَحْوِهِ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الْجِنَايَاتِ، (وَ) يَضْمَنُ (إتْلَافَ مَا لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِمْ) إذَا أَتْلَفُوهُ؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيطٌ مِنْ الْمَالِكِ، وَالْإِتْلَافُ يَسْتَوِي فِيهِ الْأَهْلُ وَغَيْرُهُ.
(وَمَنْ أَعْطَوْهُ) ؛ أَيْ: الْمَحْجُورَ عَلَيْهِمْ لِحَظِّهِمْ (مَالًا) مِنْ غَيْرِ إذْنِ أَوْلِيَائِهِمْ؛ (ضَمِنَهُ) آخِذُهُ؛ لِتَعَدِّيهِ بِقَبْضِهِ مِمَّنْ لَا يَصِحُّ مِنْهُ دَفْعٌ (حَتَّى يَأْخُذَهُ وَلِيُّهُ) ؛ أَيْ: وَلِيُّ الدَّافِعِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَصِحُّ قَبْضُهُ، و (لَا) يَضْمَنُ؛ أَيْ: الْمَالَ (مِنْهُمْ) ؛ أَيْ: الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ (لِيَحْفَظَهُ) لَهُمْ مِنْ الضَّيَاعِ (إنْ أَخَذَهُ) مِنْ غَاصِبِهِ أَوْ غَيْرِهِ (لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ، وَلَمْ يُفَرِّطْ) ؛ فَلَا يَضْمَنُهُ، لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِالْإِعَانَةِ عَلَى رَدِّ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ، فَإِنْ فَرَّطَ ضُمِّنَ.
(وَمَنْ بَلَغَ) مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَخُنْثَى (رَشِيدًا) انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ، (أَوْ) بَلَغَ (مَجْنُونًا، أَوْ) بَلَغَ (سَفِيهًا، ثُمَّ عَقَلَ؛ انْفَكَّ حَجْرُهُ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: 6] الْآيَةَ، وَلِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ إنَّمَا كَانَ لِعَجْزِهِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ حِفْظًا لَهُ - وَقَدْ زَالَ - فَيَزُولَ الْحَجْرُ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ، (بِلَا حُكْمٍ) بِفَكِّهِ، وَسَوَاءٌ رَشَّدَهُ الْوَلِيُّ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى حُكْمٍ فَيَزُولُ بِدُونِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] وَاشْتِرَاطُ الْحُكْمِ زِيَادَةٌ تَمْنَعُ الدَّفْعَ عِنْدَ وُجُودِ ذَلِكَ، وَهُوَ خِلَافُ النَّصِّ، (وَأُعْطِيَ) مَنْ انْفَكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ (مَالَهُ) لِلْآيَةِ (وَسُنَّ) إعْطَاؤُهُ مَالَهُ (بِإِذْنِ قَاضٍ وَ) إشْهَادِ (بَيِّنَةٍ) بِرُشْدٍ وَدُفِعَ لِيَأْمَنَ التَّبِعَةَ، وَ (لَا) يُعْطَى مَالُهُ (قَبْلَ ذَلِكَ بِحَالٍ - وَلَوْ صَارَ شَيْخًا -) رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ فِي " الْمُتَرْجَمِ " قَالَ: كَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَلِي أَمْرَ شَيْخٍ مِنْ قُرَيْشٍ ذِي أَهْلٍ وَمَالٍ لِضَعْفِ عَقْلِهِ.
(وَ) يَحْصُلُ (بُلُوغُ ذَكَرٍ بِإِمْنَاءٍ) بِاحْتِلَامٍ أَوْ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ [النور: 59] (أَوْ تَمَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً) ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ - وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً - فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ - وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً - فَأَجَازَنِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: فَلَمْ يُجِزْنِي، وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ، (أَوْ نَبَاتِ شَعْرٍ خَشِنٍ) ؛ أَيْ: يَسْتَحِقُّ أَخْذُهُ بِالْمُوسَى، لَا زَغَبٍ ضَعِيفٍ (حَوْلَ قُبُلِهِ) ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا حَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ حَكَمَ بِأَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ، وَحَكَمَ بِأَنْ يُكْشَفَ عَنْ مُؤْتَزِرِيهِمْ فَمَنْ أَنْبَتَ فَهُوَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَمَنْ لَمْ يُنْبَتْ أَلْحَقُوهُ بِالذَّرَارِيِّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَقَدْ حَكَمَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْفِعَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَ) بُلُوغُ
(أُنْثَى بِذَلِكَ) ؛ أَيْ: الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ بُلُوغُ الذَّكَرِ، (وَ) تَزِيدُ عَلَيْهِ (بِحَيْضٍ) ؛ لِحَدِيثِ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
(وَحَمْلُهَا دَلِيلُ إنْزَالِهَا) ؛ لِإِجْرَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْعَادَةَ بِخَلْقِ الْوَلَدِ مِنْ مَاءِ الزَّوْجَيْنِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: 5] ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6] ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 7] (فَإِذَا وَلَدَتْ حُكِمَ بِبُلُوغِهَا مُنْذُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) أَقَلُّ الْحَمْلِ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ.
(وَيَتَّجِهُ هَذَا) ؛ أَيْ: الْحُكْمُ بِبُلُوغِهَا مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ قَبْلَ الْوِلَادَةِ (إنْ عَاشَ) الْوَلَدُ، (وَإِلَّا) يَعِشْ؛ (رُجِعَ لِخِبْرَةِ النِّسَاءِ) ، فَإِنْ أَخْبَرْنَ أَنَّهُ ابْنُ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ فَأَقَلَّ؛ عُمِلَ بِإِخْبَارِهِنَّ [إنْ وُجِدَتْ فِيهِنَّ الْعَدَالَةُ، وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ] .
(وَإِنْ طَلُقَتْ زَمَنَ إمْكَانِ بُلُوغٍ) ؛ أَيْ: بَعْدَ تِسْعِ سِنِينَ (وَوَلَدَتْ لِأَرْبَعِ سِنِينَ؛ أُلْحِقَ) الْوَلَدُ (بِمُطَلِّقٍ، وَحُكِمَ بِبُلُوغِهَا مِنْ قَبْلِ الطَّلَاقِ) ؛ احْتِيَاطًا لِلنَّسَبِ.
(وَيَتَّجِهُ) إنَّمَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ (بِزَمَنٍ يَتَّسِعُ لِلْوَطْءِ) لَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَيَحْصُلُ بُلُوغُ (خُنْثَى) بِأَحَدِ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ (بِسِنٍّ) وَهُوَ تَمَامُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، (أَوْ نَبَاتِ شَعْرٍ) خَشِنٍ (حَوْلَ قُبُلَيْهِ) : قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: فَإِنْ وُجِدَ حَوْلَ أَحَدِهِمَا فَلَا، (أَوْ إمْنَاءٍ مِنْ أَحَدِ فَرْجَيْهِ أَوْ حَيْضٍ مِنْ قُبُلٍ، أَوْ هُمَا) ؛ أَيْ: الْمَنِيُّ وَالْحَيْضُ (مِنْ مَخْرَجٍ) وَاحِدٍ أَوْ مَنِيٌّ مِنْ ذَكَرِهِ وَحَيْضٌ مِنْ فَرْجِهِ؛
لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ أَمْنَى؛ وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ حَاضَتْ، وَيَأْتِي حُكْمُ إشْكَالِهِ وَمَا يَزُولُ بِهِ فِي مِيرَاثِهِ.
(وَلَا اعْتِبَارَ) ؛ أَيْ: لَا يَحْصُلُ بُلُوغٌ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ (بِغِلَظِ صَوْتٍ وَفَرْقِ أَنْفٍ وَنُهُودِ ثَدْيٍ وَشَعْرِ إبِطٍ وَ) شَعْرِ (لِحْيَةٍ) وَغَيْرِهَا (وَالرُّشْدُ إصْلَاحُ الْمَالِ، لَا) إصْلَاحُ (الدِّينِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي صَلَاحًا فِي أَمْوَالِهِمْ.
وَلِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ، وَمَنْ كَانَ مُصْلِحًا لِمَالِهِ؛ فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ شَرْطُهُ.
وَالْعَدَالَةُ لَا تُعْتَبَرُ فِي الرُّشْدِ دَوَامًا، فَلَا تُعْتَبَرُ فِي الِابْتِدَاءِ؛ كَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، فَعَلَى هَذَا يُدْفَعُ إلَيْهِ مَالُهُ وَإِنْ كَانَ مُفْسِدًا لِدِينِهِ؛ كَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَمَنَعَ الزَّكَاةَ وَنَحْوِهِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: الْفَاسِقُ غَيْرُ رَشِيدٍ، مُنْتَقَضٌ بِالْكَافِرِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ رَشِيدٍ فِي دِينِهِ وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ.
(وَلَا يُعْطَى) مَنْ بَلَغَ رَشِيدًا ظَاهِرًا (مَالَهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ بِمَا يَأْتِي) قَرِيبًا (وَمَحَلُّهُ) ؛ أَيْ: الِاخْتِبَارِ (قَبْلَ بُلُوغٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: 6] .
الْآيَةَ وَالدَّلِيلُ مِنْهَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ الْيَتَامَى وَلَا يَكُونُونَ يَتَامَى إلَّا قَبْلَ الْبُلُوغِ.
الثَّانِي أَنَّهُ مُدَّةُ اخْتِبَارِهِمْ إلَى الْبُلُوغِ بِلَفْظِ حَتَّى، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِبَارَ قَبْلَهُ.
وَتَأْخِيرُ الِاخْتِبَارِ إلَى الْبُلُوغِ يُؤَدِّي إلَى الْحَجْرِ عَلَى الْبَالِغِ الرَّشِيدِ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ يَمْتَدُّ إلَى أَنْ يُخْتَبَرَ، وَيُعْلَمَ رُشْدُهُ، وَلَا يُخْتَبَرُ إلَّا مَنْ يَعْرِفُ الْمَصْلَحَةَ مِنْ الْمَفْسَدَةِ، وَتَصَرُّفُهُ حَالَ الِاخْتِبَارِ صَحِيحٌ بِتَصَرُّفٍ (لَائِقٍ بِهِ) - مُتَعَلِّقٌ بِيُخْتَبَرُ - (وَ) حَتَّى (يُؤْنَسَ رُشْدُهُ) ؛ أَيْ: يُعْلَمَ، يَخْتَلِفُ الْإِينَاسُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ.
(وَعُقُودُ) يَتِيمٍ حَالَ (الِاخْتِبَارِ صَحِيحَةٌ) ؛ لِلْآيَةِ، وَيَخْتَلِفُ الرُّشْدُ
بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، (فَوَلَدُ تَاجِرٍ) يُؤْنَسُ رُشْدُهُ؛ (بِأَنْ يَتَكَرَّرَ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ، فَلَا يَغْبِنُ غَالِبًا غَبْنًا فَاحِشًا، وَ) يُؤْنَسُ رُشْدُ (وَلَدِ رَئِيسٍ وَكَاتِبٍ بِاسْتِيفَاءٍ عَلَى وَكِيلِهِ) فِيمَا وَكَّلَهُ فِيهِ، (وَ) يُؤْنَسُ رُشْدُ (أُنْثَى بِاشْتِرَاءِ قُطْنٍ وَنَحْوِهِ) كَصُوفٍ وَكَتَّانٍ وَاسْتِجَادَتِهِ وَدَفْعِهِ (وَ) دَفْعِ أُجْرَتِهِ (لِلْغَزَّالَاتِ وَاسْتِيفَاءٍ عَلَيْهِنَّ) ؛ أَيْ: الْغَزَّالَاتِ (وَ) يُعْتَبَرُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إينَاسِ رُشْدِهِ (حِفْظُ الْأَطْعِمَةِ مِنْ نَحْوِ هِرٍّ وَفَأْرٍ) وَحِفْظِ ثِيَابٍ مِنْ نَحْوِ عَتٍّ (وَ) يُخْتَبَرُ (ابْنُ كُلِّ مُحْتَرِفٍ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحِرْفَتِهِ) ، فَيُخْتَبَرُ ابْنُ الزَّارِعِ وَابْنُ النَّجَّارِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِزَرْعِهِ وَنِجَارَتِهِ؛ (وَ) يُعْتَبَرُ مَعَ ذَلِكَ (أَنْ يَحْفَظَ كُلَّ مَا فِي يَدِهِ عَنْ صَرْفِهِ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ كَشِرَاءِ نِفْطٍ وَنَحْوِهِ كَبَارُودٍ يُحْرِقُهُ لِلتَّفَرُّجِ عَلَيْهِ) وَنَحْوِهِ، (أَوْ) صَرْفِهِ فِي (حَرَامٍ؛ كَقِمَارٍ) وَغِنَاءٍ، (وَشِرَاءِ مُحَرَّمٍ كَآلَةِ لَهْوٍ) أَوْ خَمْرٍ، (وَلَيْسَ صَرْفُ الْمَالِ فِي بِرٍّ) ؛ كَغَزْوٍ وَحَجٍّ وَصَدَقَةٍ، (وَ) صَرْفُهُ فِي (مَطْعَمٍ وَمَشْرَبٍ وَمَلْبَسٍ وَمَنْكَحٍ لَا يَلِيقُ بِهِ تَبْذِيرًا؛ إذْ لَا سَرَفَ فِي الْمُبَاحِ) قَالَ: فِي الِاخْتِيَارَاتِ الْإِسْرَافُ مَا صَرَفَهُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ أَوْ كَانَ صَرْفُهُ فِي الْمُبَاحِ يَضُرُّ بِعِيَالِهِ أَوْ كَانَ وَحْدَهُ لَمْ يَثِقْ بِإِيمَانِهِ، أَوْ صَرَفَهُ فِي مُبَاحٍ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْمَصْلَحَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي " حَاشِيَتِهِ ": الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِسْرَافِ، وَالتَّبْذِيرِ أَنَّ الْإِسْرَافَ صَرْفُ الشَّيْءِ فِيمَا يَنْبَغِي زَائِدًا عَلَى مَا يَنْبَغِي، وَالتَّبْذِيرُ صَرْفُ الشَّيْءِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي.
(وَمَنْ نُوزِعَ فِي رُشْدِهِ لِيَأْخُذَ مَالَهُ مِنْ وَلِيِّهِ، فَشَهِدَ بِهِ عَدْلَانِ؛ ثَبَتَ) رُشْدُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُعْلَمُ بِالِاسْتِفَاضَةِ، (وَإِلَّا) ؛ بِأَنْ لَمْ يَشْهَدْ عَدْلَانِ؛ (فَادَّعَى) مَحْجُورٌ عَلَيْهِ (عَلِمَ وَلِيُّهُ) رُشْدَهُ؛ (حَلَفَ) وَلِيُّهُ (أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ) رُشْدَهُ؛ لِاحْتِمَالِ صِدْقِ مُدَّعٍ، وَظَاهِرُ مَا يَأْتِي فِي الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى إنْ لَمْ يَحْلِفْ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِرُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْضَى فِي النُّكُولِ إلَّا فِي الْمَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ.
(وَمَنْ تَبَرَّعَ فِي) حَالِ (حَجْرِهِ) ، أَوْ بَاعَ وَنَحْوَهُ (فَثَبَتَ كَوْنُهُ) ؛ أَيْ الْمُتَبَرِّعُ وَنَحْوُهُ (مُكَلَّفًا رَشِيدًا) [نَفَذَ] تَصَرُّفُهُ؛ لِتَبَيُّنِ أَهْلِهِ لَهُ.
[فَصْلٌ وِلَايَةُ الْمَمْلُوكِ لِسَيِّدِهِ]
(فَصْلٌ: وَوِلَايَةُ مَمْلُوكٍ لِسَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ - (وَلَوْ) كَانَ سَيِّدُهُ (غَيْرَ عَدْلٍ) لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْإِنْسَانِ فِي مَالِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عَدَالَتِهِ -.
(وَ) وِلَايَةُ (صَغِيرٍ) عَاقِلٍ أَوْ مَجْنُونٍ (وَبَالِغٍ بِجُنُونٍ) ؛ أَيْ: مَنْ بَلَغَ فِي حَالِ كَوْنِهِ مَجْنُونًا، وَاسْتَمَرَّ عَلَى جُنُونِهِ، لَا مَنْ عَقَلَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، ثُمَّ جُنَّ؛ إذْ ذَاكَ لَا يَنْظُرُ فِي مَالِهِ إلَّا الْحَاكِمُ (أَوْ سَفَهٍ) ، وَاسْتَمَرَّ كَذَلِكَ؛ (لِأَبٍ بَالِغٍ) ؛ لِكَمَالِ شَفَقَتِهِ، فَإِنْ أُلْحِقَ الْوَلَدُ بِابْنِ عَشْرٍ فَأَكْثَرَ، وَلَمْ يَثْبُتْ بُلُوغُهُ؛ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ وَلَا لِوَصِيِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفَكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ فَلَا يَكُونُ وَلِيًّا.
(رَشِيدٍ) عَاقِلٍ (حُرٍّ عَدْلٍ - وَلَوْ ظَاهِرًا -) لِأَنَّ تَفْوِيضَ الْوِلَايَةِ إلَى غَيْرِ مَنْ هَذِهِ [صِفَاتُهُ] ؛ تَضْيِيعٌ لِلْمَالِ، وَلِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ الرَّشِيدِ الْحُرِّ الْعَاقِلِ يَحْتَاجُ إلَى وَلِيٍّ؛ فَلَا يَكُونُ وَلِيًّا عَلَى غَيْرِهِ (أَوْ مُكَاتَبًا عَلَى وَلَدِهِ الْمُكَاتَبِ) ؛
و (لَا) تَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى وَلَدِهِ (الْحُرِّ، ثُمَّ) تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ (لِوَصِيِّ الْأَبِ) الْعَدْلِ (وَلَوْ) كَانَ (بِجَعْلٍ) مِنْ الْمُوصِي أَوْ الْحَكَمِ (وَثَمَّ مُتَبَرِّعٌ) بِالْوِلَايَةِ - لِأَنَّهُ نَائِبُ الْأَبِ - أَشْبَهَ وَكِيلَهُ فِي الْحَيَاةِ.
(أَوْ) كَانَ الْأَبُ أَوْ وَصِيُّهُ (كَافِرٌ كَافِرٍ) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا فِي دِينِهِ، مُمْتَثِلًا لِمَا يَعْتَقِدُونَهُ وَاجِبًا، مَنْهِيًّا عَمَّا يُحَرِّمُونَهُ، مُرَاعِيًا لِلْمُرُوءَةِ، وَلَا وِلَايَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْأَبِ وَوَصِيِّهِ فَالْوِلَايَةُ (لِحَاكِمٍ) ؛ لِانْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، فَتَكُونُ لِلْحَاكِمِ؛ كَالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ.
(فَإِنْ عُدِمَ) حَاكِمُ أَهْلٍ (فَأَمِينٌ يَقُومُ مَقَامَهُ) ؛ أَيْ: الْحَاكِمِ، (وَقَالَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ رُفِعَ إلَيْهِ فِيمَنْ عِنْدَهُ مَالٌ تُطَالِبُهُ الْوَرَثَةُ؛ فَيَخَافُ مِنْ أَمْرِهِ تَرَى أَنْ يُخْبِرَ الْحَاكِمَ وَيَرْفَعَ إلَيْهِ؟ قَالَ: (أَمَّا حُكَّامُنَا الْيَوْمَ هَؤُلَاءِ؛ فَلَا أَرَى أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا يَدْفَعُ إلَيْهِ شَيْئًا) ، وَهَذَا فِي زَمَانِهِ فَكَيْف بِحُكَّامِنَا الْيَوْمَ.
(وَيَتَّجِهُ وَهُوَ) ؛ أَيْ: مَا قَالَهُ الْإِمَامُ (الصَّحِيحُ) الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ، (وَكَلَامُهُمْ) ؛ أَيْ: الْأَصْحَابِ (مَحْمُولٌ عَلَى حَاكِمِ أَهْلٍ) إنْ وُجِدَ وَهُوَ أَنْدَرُ
مِنْ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ (وَهَذَا يَنْفَعُك فِي كُلِّ مَوْضِعٍ) اُعْتُبِرَ فِيهِ الْحَاكِمُ (فَاعْتَمِدْهُ) وَاحْفَظْهُ؛ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ جِدًّا وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَالْجَدُّ) لَا وِلَايَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْلِي بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُدْلِي بِالْأَبِ؛ فَهُوَ كَالْأَخِ.
(وَالْأُمُّ وَسَائِرِ الْعَصَبَاتِ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ) ؛ لِأَنَّ الْمَالَ مَحَلُّ الْخِيَانَةِ وَمَنْ عَدَّ الْمَذْكُورِينَ أَوَّلًا قَاصِرٌ عَنْهُمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى الْمَالِ، (وَقَالَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَنْ مَاتَ وَلَهُ وَرَثَةٌ صِغَارٌ، وَلَهُ مَالٌ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَصِيٌّ، وَلَهُمْ أُمٌّ مُشْفِقَةٌ: يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهَا؛ لِتَحْفَظَهُ لَهُمْ.
(وَيَتَّجِهُ أَنَّ لَهَا) ؛ أَيْ: الْأُمِّ (وِلَايَةً فِي الْحِفْظِ) فَقَطْ، (لَا فِي التَّصَرُّفِ) ؛ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهَا لِذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَتُسَلِّمُهُ لِثِقَةٍ أَمِينٍ شَرِكَةً أَوْ مُضَارَبَةً لِيَعْمَلَ عَلَيْهَا وَيُنَمِّيَهُ، وَتُبَاشِرُ هِيَ أَوْ أَمِينُهَا حِسَابَهُ وَالِاسْتِيفَاءَ، وَلَا تُهْمِلُهُ لِئَلَّا يَضِيعَ أَوْ تُتْلِفَهُ النَّفَقَةُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَحَرُمَ تَصَرُّفُ وَلِيٍّ صَغِيرٍ أَوْ وَلِيٍّ مَجْنُونٍ أَوْ وَلِيِّ سَفِيهٍ إلَّا بِمَا فِيهِ حَظٌّ) لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهِ؛ (وَإِلَّا) يَتَصَرَّفُ الْوَلِيُّ بِمَا فِيهِ حَظٌّ (لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ، وَيَضْمَنُ) نَقْصًا حَصَلَ بِتَصَرُّفِهِ؛
(فَإِنْ تَبَرَّعَ) الْوَلِيُّ بِصَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ، (أَوْ حَابَا) ؛ بِأَنْ بَاعَ مِنْ مَالِ مُوَلِّيه بِأَنْقَصَ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ اشْتَرَى لَهُ بِأَزْيَدَ (أَوْ زَادَ) فِي الْإِنْفَاقِ (عَلَى نَفَقَتِهِ) ؛ أَيْ: الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ، (أَوْ) زَادَ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى (مَنْ تَلْزَمُهُ) أَيْ: تَلْزَمُ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ (مُؤْنَتُهُ) مِنْ نَحْوِ زَوْجَةٍ
(بِالْمَعْرُوفِ؛ ضَمِنَ) مَا تَبَرَّعَ بِهِ مَا حَابَا بِهِ وَالزَّائِدُ فِي النَّفَقَةِ؛ لِتَفْرِيطِهِ، وَلِلْوَلِيِّ تَعْجِيلُ نَفَقَةِ مُوَلِّيهِ مُدَّةً جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ إنْ لَمْ يُفْسِدْهَا، (وَتُدْفَعُ) النَّفَقَةُ (إنْ أَفْسَدَهَا يَوْمًا بِيَوْمٍ فَإِنْ أَفْسَدَهَا) ؛ أَيْ: النَّفَقَةَ مُوَلًّى عَلَيْهِ بِإِتْلَافٍ أَوْ دَفَعَ لِغَيْرِهِ (أَطْعَمَهُ) الْوَلِيُّ مُعَايَنَةً، وَإِلَّا كَانَ مُفَرِّطًا.
(وَإِنْ أَفْسَدَ كُسْوَتَهُ سَتَرَ عَوْرَتَهُ فَقَطْ فِي بَيْتٍ إنْ لَمْ يُمْكِنْ تَحَيُّلٌ) عَلَى بَقَائِهَا عَلَيْهِ (وَلَوْ) كَانَ التَّحَيُّلُ (بِتَهْدِيدٍ) وَزَجْرٍ وَصِيَاحٍ عَلَيْهِ، (وَمَتَى أَرَاهُ) الْوَلِيُّ (النَّاسَ أَلْبَسَهُ) ثِيَابَهُ، (فَإِذَا مَضَوْا) ؛ أَيْ: النَّاسُ (نَزَعَ) الثِّيَابَ (عَنْهُ) وَسَتَرَ عَوْرَتُهُ فَقَطْ.
(وَيُقَيَّدُ مَجْنُونٌ بِحَدِيدٍ لِخَوْفٍ) عَلَيْهِ نَصًّا، وَكَذَا إنْ خِيفَ مِنْهُ.
(وَسُنَّ إكْرَامُ يَتِيمٍ وَإِدْخَالُ سُرُورٍ عَلَيْهِ وَدَفْعُ نَقْصٍ وَ) دَفْعُ (إهَانَةٍ عَنْهُ) (فَجَبْرُ قَلْبِهِ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِهِ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «أَتُحِبُّ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ، وَتُدْرِكَ حَاجَتَك؟ ارْحَمْ الْيَتِيمَ وَامْسَحْ رَأْسَهُ وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِك يَلِينُ قَلْبُك، وَتُدْرِكُ حَاجَتَك» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ ".
(وَلَا يَقْرَأُ) الْوَلِيُّ وَلَا غَيْرُهُ (فِي مُصْحَفِ الْيَتِيمِ إنْ كَانَ) ذَلِكَ (يُخْلِقُهُ) ؛ أَيْ: يُبْلِيه لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى وَلِيٍّ) (إخْرَاجُ زَكَاةٍ) مِنْ مَالِ مُوَلِّيه (وَ) إخْرَاجُ (فِطْرَةٍ مِنْ مَالِ مُوَلِّيه) ، وَكَذَا فِطْرَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، (وَلَا يَتَوَلَّى سَفِيهٌ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: إخْرَاجُ الزَّكَاةِ وَالْفِطْرَةِ.
(وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ) ؛ أَيْ: الْوَلِيُّ (عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى مَنْ وَلِيَهُ بِمَالٍ وَلَا إتْلَافٍ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ؛ وَأَمَّا تَصَرُّفَاتُهُ النَّافِذَةُ مِنْهُ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهِمَا؛ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِهَا؛ كَالْوَكِيلِ.
(وَلَا) يَصِحُّ أَنْ (يَأْذَنَ لَهُ فِي حِفْظِ مَالِهِ) ؛ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ.
(وَلَا يَصِحُّ أَنْ) (يَبِيعَ) وَلِيٌّ صَغِيرٍ وَسَفِيهٍ وَمَجْنُونٍ مِنْ مَالِ مُوَلِّيهِ لِنَفْسِهِ،
(أَوْ يَشْتَرِيَ) لِنَفْسِهِ، (أَوْ يَرْتَهِنَ) لِنَفْسِهِ، (وَيَتَّجِهُ أَوْ يَقْتَرِضُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
مِنْ مَالِ مُوَلِّيه لِنَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ التُّهْمَةِ، (غَيْرُ أَبٍ) فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِحَدِيثِ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» .
وَيَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ؛ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ؛ إذْ مِنْ طَبْعِ الْوَالِدِ الشَّفَقَةُ عَلَى وَلَدِهِ وَالْمَيْلُ إلَيْهِ وَتَرْكُ حَظِّ نَفْسِهِ لِحَظِّهِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْوَصِيَّ وَالْحَاكِمَ.
(وَلَهُ) ؛ أَيْ: لِلْأَبِ مُكَاتَبَةُ قِنٍّ مُوَلِّيه، (وَلِغَيْرِهِ) ؛ أَيْ: الْأَبِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ - وَهُوَ الْوَصِيُّ أَوْ الْحَاكِمُ - (مُكَاتَبَةُ قِنِّ مُوَلِّيه) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَيَّدَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِمَا إذَا كَانَ فِيهِ حَظٌّ.
وَلِأَبٍ وَغَيْرِهِ (عِتْقُهُ) ؛ أَيْ: قِنِّهِمَا (عَلَى مَالٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فِيهَا حَظٌّ، وَلَيْسَ لَهُ الْعِتْقُ مَجَّانًا.
(وَ) لِأَبٍ وَغَيْرِهِ (إذْنُهُ) ؛ أَيْ: رَقِيقِ مَحْجُورِهِ (فِي تِجَارَةٍ) بِمَالِهِ؛ كَاتِّجَارِ وَلِيِّهِ فِيهِ بِنَفْسِهِ.
وَلِأَبٍ وَغَيْرِهِ (تَزْوِيجُهُ) ؛ أَيْ: قِنِّهِمَا (لِمَصْلَحَةٍ) - وَلَوْ بَعْضًا بِبَعْضٍ - لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إعْفَافًا عَنْ الزِّنَا؛ وَإِيجَابًا لِنَفَقَةِ الْإِمَاءِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابَةِ حَظٌّ) ؛ لَمْ تَصِحَّ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلِوَلِيٍّ) مَحْجُورٍ عَلَيْهِ (سَفَرٌ بِمَالِهِ) لِلتِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا (مَعَ أَمْنِ) بَلَدٍ وَطَرِيقٍ؛ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهِ فِي مَالِ نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ أَوْ الطَّرِيقُ غَيْرَ آمِنٍ؛ لَمْ يَجُزْ.
(وَيَتَّجِهُ) لِوَلِيٍّ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ السَّفَرُ بِمَالٍ مَحْجُورٍ - (وَلَوْ بَحْرًا) حَيْثُ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ (خِلَافًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ قَالَ بِغَيْرِ الْبَحْرِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) لِأَبٍ وَغَيْرِهِ (مُضَارَبَتُهُ بِهِ) ؛ أَيْ: الِاتِّجَارُ بِمَالِهِ بِنَفْسِهِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ بِهِ، وَلَا يَتْرُكُهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ» ) . وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ، وَهُوَ أَصَحُّ، وَلِأَنَّهُ أَحَظُّ لِلْمُوَلَّى.
(وَلِمَحْجُورٍ رِبْحُهُ كُلُّهُ) ؛
لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ إلَّا بِعَقْدٍ، وَلَا يَعْقِدُهَا الْوَلِيُّ لِنَفْسِهِ؛ لِلتُّهْمَةِ.
(وَ) لِوَلِيٍّ (دَفْعُهُ) ؛ أَيْ: مَالُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ (مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ) مُشَاعٍ مَعْلُومٍ (مِنْ رِبْحِهِ) ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَبْضَعَتْ مَالَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَلِنِيَابَةِ الْوَلِيِّ عَنْ مَحْجُورِهِ فِي كُلِّ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ، وَلِلْعَامِلِ مَا شُورِطَ عَلَيْهِ.
(وَ) لِوَلِيِّ (نِسَاءٍ) ؛ أَيْ؛ مَالِ مُوَلِّيه (لِمَلِيءٍ) لِمَصْلَحَتِهِ؛ بِأَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ الْمُؤَجَّلُ أَكْثَرَ مِمَّا يُبَاعُ بِهِ حَالًا.
(وَيَتَّجِهُ وَ) يَصِحُّ بَيْعُهُ (بِعَرْضِ) تِجَارَةٍ (لِحَظٍّ) ؛ أَيْ: إذَا كَانَ فِي الْعَرْضِ حَظٌّ (وَ) يَتَّجِهُ أَيْضًا (أَنَّهُ يَشْهَدُ حَتْمًا) ؛ أَيْ: وُجُوبًا (فِي نِسَاءٍ) ؛ لِيَأْمَنَ جُحُودَهُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) لَهُ (قَرْضُهُ لِمَلِيءٍ أَمِينٍ - وَلَوْ بِلَا رَهْنٍ - لِمَصْلَحَتِهِ) ؛ بِأَنْ يَكُونَ لِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ مَالٌ فِي بَلَدٍ فَيُرِيدُ الْوَلِيُّ نَقْلَهُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، فَيَقْرِضُهُ مِنْ رَجُلٍ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ؛ لِيَقْضِيَهُ بَدَلَهُ فِي بَلَدٍ يَقْصِدُ الْوَلِيُّ بِذَلِكَ حِفْظَهُ مِنْ الْمُخَاطَرَةِ فِي نَقْلِ الْمَالِ.
أَوْ يَخَافُ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ مِنْ نَهْبٍ أَوْ غَرَقٍ، أَوْ يَكُونُ الْمَالُ مِمَّا يَتْلَفُ بِتَطَاوُلِ مُدَّتِهِ أَوْ حَدِيثُهُ خَيْرٌ مِنْ قَدِيمِهِ؛ كَالْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا فَيُقْرِضُهُ خَوْفًا مِنْ السُّوسِ أَوْ مِنْ أَنْ تَنْقُصَ قِيمَتُهُ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ؛ لَمْ يَجُزْ قَرْضُهُ، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ التَّبَرُّعَ.
(وَلَا يَضْمَنُ) الْوَلِيُّ مَا تَلِفَ مِنْ الْمَالِ بِالْبَيْعِ نَسَاءً وَالْقَرْضُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ؛ (كَخَوْفِ سُوسٍ أَوْ ضَيَاعٍ) ؛ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ.
(وَقَرْضُهُ) ؛ أَيْ: قَرْضُ الْوَلِيِّ مَالَ مَحْجُورِهِ (لِثِقَةٍ أَوْلَى مِنْ إيدَاعِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهُ.
(فَإِنْ أَوْدَعَهُ) الْوَلِيُّ (مَعَ إمْكَانِ قَرْضِهِ؛ جَازَ) لَهُ ذَلِكَ، (وَلَا ضَمَانَ) عَلَيْهِ إنْ تَلِفَ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ.
تَنْبِيهٌ: كُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا لِلْوَلِيِّ قَرْضُهُ بِأَنْ رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً فَلَا يَجُوزُ قَرْضُهُ إلَّا لِمَلِيءٍ أَمِينٍ؛ لِئَلَّا يُعَرِّضَهُ لِلتَّلَفِ، وَكَذَا بَيْعُهُ نَسَاءً، وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَرْضُهُ لِمَوَدَّةٍ وَمُكَافَأَةٍ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لِلْوَلِيِّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
(وَلَهُ) ؛ أَيْ: الْوَلِيِّ (هِبَتُهُ بِعِوَضِهِ) قَدْرَ قِيمَتِهِ فَأَكْثَرُ؛ أَمَّا بِدُونِهِمَا فَمُحَابَاةٌ عَلَى مَا سَبَقَ.
(وَ) لَهُ (رَهْنُهُ لِثِقَةٍ) ؛ أَيْ: عِنْدَهُ (لِحَاجَةٍ) .
وَلِلْأَبِ أَنْ يَرْتَهِنَ مَالَ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِوَلِيٍّ غَيْرِهِ.
وَلِلْوَلِيِّ أَيًّا كَانَ أَوْ غَيْرِهِ (شِرَاءُ عَقَارٍ) مِنْ مَالِهِمَا؛ لِيَسْتَغِلَّ لَهُمَا مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْمُضَارَبَةِ بِهِ، (وَ) لَهُ (بِنَاؤُهُ) ؛ أَيْ: الْعَقَارُ لَهُمَا مِنْ مَالِهِمَا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشِّرَاءِ؛ إلَّا أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ الشِّرَاء وَيَكُونَ أَحَظَّ؛ فَيَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ (بِمَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ) بِالْبِنَاءِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ فَيَفْعَلُهُ (لِمَصْلَحَةٍ - وَلَوْ بِلَبِنٍ -) فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَصْلَحَةً، فَلَا.
(وَ) لَهُ (شِرَاءُ أُضْحِيَّةٍ) لِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ (مُوسِرٍ) ، وَتَحْرُمُ صَدَقَتُهُ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَتَقَدَّمَ، وَحَمَلَهُ فِي " الْمُغْنِي " عَلَى يَتِيمٍ يَعْقِلُهَا؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ وَفَرَحٍ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ جَبْرُ قَلْبِهِ وَإِلْحَاقُهُ بِمَنْ لَهُ أَبٌ؛ كَالثِّيَابِ الْحَسَنَةِ مَعَ اسْتِحْبَابِ التَّوْسِعَة فِي هَذَا الْيَوْمِ.
(وَلَهُ مُدَاوَاتُهُ) ؛ أَيْ: الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ - وَلَوْ بِأُجْرَةٍ - لِمَصْلَحَةٍ - وَلَوْ بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ - نَصًّا.
(وَلَهُ تَرْكُ صَبِيٍّ بِمَكْتَبٍ) ؛ كَجَعْفَرٍ - وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَوْضِعُ تَعَلُّمِ الْخَطِّ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَحَلِّ تَعَلُّمِ مَا يَنْفَعُهُ مِنْ قُرْآنٍ وَغَيْرِهِ - و (لَوْ بِأُجْرَةٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِهِ، أَشْبَهَ مَأْكُولُهُ (كَتَعْلِيمِ خَطٍّ وَرِمَايَةٍ وَأَدَبٍ وَمَا يَنْفَعُهُ) ، وَكَذَا تَرْكُهُ بِدُكَّانٍ لِتَعَلُّمِ صِنَاعَةٍ.
(وَلَهُ حَمْلُهُ لِيَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ بِأُجْرَةٍ مِنْ مَالٍ مَحْجُورٍ) عَلَيْهِ، نَصًّا، قَالَهُ فِي " الْمُجَرَّدِ " وَ " الْفُصُولِ ".
وَلَهُ إذْنُهُ فِي صَدَقَةٍ يَسِيرَةٍ، نَصًّا؛ لِلتَّمَرُّنِ.
وَلَهُ أَيْضًا
تَجْهِيزُهَا إذَا زَوَّجَهَا أَوْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً بِمَا يَلِيقُ بِهَا مِنْ لِبَاسٍ وَحُلِيٍّ وَفِرَاشٍ عَلَى عَادَتِهِنَّ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ.
(وَ) لِلْوَلِيِّ (بَيْعُ عَقَارِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِمَصْلَحَةٍ) نَصًّا؛ (كَحَاجَةِ نَفَقَةٍ) أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ، أَوْ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، (وَلِخَوْفِ خَرَابِ) الْعَقَارِ، وَكَوْنِهِ فِي مَكَان لَا غَلَّةَ فِيهِ، أَوْ فِيهِ غَلَّةٌ يَسِيرَةٌ، أَوْ لَهُ جَارُ سَوْءٍ أَوْ لِيُعَمِّرَ بِهَا عَقَارَهُ الْآخَرَ وَنَحْوَهُ، (أَوْ لِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ) الْعَقَارُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي بَيْعِهِ غِبْطَةٌ - وَهِيَ أَنْ يَبْذُلَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ وَلَا يَتَقَيَّدُ الثُّلُثَ - أَوْ رَأَى الْوَلِيُّ شَيْئًا يُبَاعُ، فِي شِرَائِهِ غِبْطَةً لَا يُمْكِنُهُ شِرَاؤُهُ إلَّا بِبَيْعِ عَقَارِهِ، وَأَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا لَا يَنْحَصِرُ، فَالْمُعْتَبَرُ أَنْ يَرَاهُ مَصْلَحَةً، (وَ) إنْ بَاعَهُ الْوَلِيُّ (بِأَنْقَصَ) مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ؛ (لَمْ يَصِحَّ) . ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَفِي " حَوَاشِي ابْنِ نَصْرِ اللَّهِ " وَبَيْعُ الْوَلِيِّ بِدُونِ الْقِيمَةِ صَحِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، يَعْنِي وَيَضْمَنُ النَّقْصُ كَالْوَكِيلِ.
(وَيَجِبُ) عَلَى الْوَلِيِّ (قَبُولُ وَصِيَّةٍ لَهُ) ؛ أَيْ: الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ (بِمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ) مِنْ أَقَارِبِهِ (إنْ لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُ لِإِعْسَارِهِ أَوْ غَيْرِهِ) ؛ كَوُجُودِ أَقْرَبَ مِنْهُ أَوْ قُدْرَةِ عَتِيقٍ عَلَى تَكَسُّبٍ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْوَصِيَّةِ إذَنْ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ؛ (حَرُمَ) قَبُولُ الْوَصِيَّةِ بِهِ؛ لِتَفْوِيتِ مَالِهِ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَيَعْتِقُ) مُوصًى بِهِ لِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِقَبُولِ وَلِيِّهِ لَهُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ الْمُوصِي - وَلَوْ حَرُمَ عَلَيْهِ قَبُولُهُ لَهُ - لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ الْقَبُولِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) ؛ أَيْ: الْوَلِيُّ (تَخْلِيصُ حَقِّ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ إلَّا بِرَفْعِ مَدِينٍ لَهُ لِوَالٍ يَظْلِمُهُ رَفَعَهُ) الْوَلِيُّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي جَرَّ الظُّلْمَ إلَى نَفْسِهِ؛ (كَمَا لَوْ لَمْ يُمْكِنْ رَدُّ مَغْصُوبٍ) إلَى مَالِكِهِ (إلَّا بِكُلْفَةٍ عَظِيمَةٍ) ، فَلِرَبِّهِ إلْزَامُ غَاصِبِهِ رَدَّهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا كُلٌّ مُحِقٍّ) عَجَزَ عَنْ أَخْذِ حَقِّهِ إلَّا بِرَفْعِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ لِوَالٍ يَظْلِمُهُ؛ فَيَجُوزُ لَهُ رَفْعُهُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إثْمًا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلِوَلِيِّ مَحْجُورٍ) عَلَيْهِ (خَلْطُ نَفَقَةِ مُوَلِّيه بِمَالِهِ إذَا كَانَ) خَلْطُهَا (أَرْفَقَ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220] وَإِنْ كَانَ إفْرَادُهُ أَرْفَقَ بِهِ أَفْرَدَهُ مُرَاعَاةً لِمَصْلَحَةٍ.
(وَلَوْ) (مَاتَ مَنْ يَتَّجِرُ لِمَحْجُورِهِ وَلِنَفْسِهِ بِمَالِهِ) أَيْ: مَالِ نَفْسِهِ (وَقَدْ اشْتَرَى) الْوَلِيُّ (شَيْئًا، وَلَمْ يَعْرِفْ) ذَلِكَ الشَّيْءَ (لِمَنْ هُوَ،) (فَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ؛ لَمْ يُقَسَّمْ بَيْنَهُمَا، و (لَمْ يَقِفْ الْأَمْرُ لِيَصْطَلِحَا) ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، (بَلْ مَذْهَبُ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ يُقْرَعُ) بَيْنَهُمَا، (فَمَنْ قَرَعَ حَلَفَ وَأَخَذَهُ) . قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: إذَا وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ لِلْيَتِيمِ فَمَنْ يَحْلِفُ؟ وَكَيْف يَحْلِفُ؟ انْتَهَى.
[فَصْلٌ فِي مَنْ فُكَّ حَجْرُهُ ثُمَّ صَارَ سَفِيهًا]
(فَصْلٌ: وَمَنْ فُكَّ حَجْرُهُ) لِتَكْلِيفِهِ وَرُشْدِهِ، (فَسَفِهَ) ؛ أَيْ: صَارَ سَفِيهًا (أُعِيدَ) حَجْرُهُ؛ لِدَوَرَانِ الْحُكْمِ مَعَ عِلَّتِهِ (بِحُكْمِ حَاكِمٍ) ؛ لِأَنَّ التَّبْذِيرَ هُوَ الَّذِي سَبَّبَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ ثَانِيًا يَخْتَلِفُ، فَاحْتَاجَ إلَى الِاجْتِهَادِ، وَمَا احْتَاجَ إلَى الِاجْتِهَادِ، لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ؛ كَالْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ، بِخِلَافِ مَنْ عَاوَدَهُ الْجُنُونُ، فَيُعَادُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بِلَا حُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الِاجْتِهَادِ.
(وَلَا يَنْظُرُ فِي مَالِهِ) ؛ أَيْ: السَّفِيهِ (إلَّا حَاكِمٌ) ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ يَفْتَقِرُ إلَى الْحَاكِمِ، وَفَكُّهُ كَذَلِكَ، فَكَذَا النَّظَرُ فِي مَالِهِ؛ (كَمَنْ جُنَّ) بَعْدَ بُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ، (أَوْ اخْتَلَّ) عَقْلُهُ (لِكِبَرٍ) ، فَلَا يَنْظُرُ فِي مَالِهِمَا إلَّا حَاكِمٌ.
قَالَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُنْتَهَى " وَصَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْحَاكِمِ فِي حَقِّ مَنْ جُنَّ أَوْ اخْتَلَّ عَقْلُهُ، بِخِلَافِ مَنْ سَفِهَ.
قَالَ فِي
الِانْتِصَارِ ": يَلِي عَلَى أَبَوَيْهِ الْمَجْنُونِينَ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: أَرَى أَنْ يَحْجُرَ الِابْنُ عَلَى الْأَبِ إذَا أَسْرَفَ، أَوْ كَانَ يُضَيِّعُ مَالَهُ فِي الْفَسَادِ وَشِرَاءِ الْمُغَنِّيَاتِ وَنَحْوِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُبْدِعِ " وَابْنُ مُنَجَّى وَغَيْرُهُمَا وَجَزَمَ بِهِ " فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ". (وَلَا يَنْفَكُّ) الْحَجْرُ عَمَّنْ سَفِهَ بَعْدَ رُشْدِهِ (إلَّا بِحُكْمِهِ) ؛ أَيْ: الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ حَجْرٌ ثَبَتَ بِحُكْمِهِ فَلَا يَنْفَكُّ، إلَّا بِهِ؛ كَحَجْرِ الْمُفْلِسِ.
(وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي الْمَالِ - وَلَوْ بِعِتْقٍ -) فَلَا يَصِحُّ عِتْقُهُ (أَوْ نَذْرٍ) مَالِيٍّ كَصَدَقَةٍ وَأُضْحِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالٍ؛ فَلَا يَصِحُّ، (أَوْ وَقْفٍ) ؛ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ - وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ - لَكِنْ إنْ كَانَ الْوَقْفُ مُعَلَّقًا بِمَوْتِهِ فَالظَّاهِرُ صِحَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ، وَفَارَقَ عِتْقُهُ عِتْقَ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْحَجْرُ عَلَى الرَّاهِنِ لَحِقَ غَيْرَهُ، وَيُخَيَّرُ بِأَخْذِ قِيمَتِهِ مَكَانَهُ، (بَلْ) يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ (بِتَدْبِيرٍ وَوَصِيَّةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِمَا.
وَيَأْتِي.
(وَيَصِحُّ) (تَزْوِيجُ سَفِيهٍ) مُحْتَاجٍ لِلتَّزْوِيجِ، (وَيَتَّجِهُ) كَوْنُهُ (لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ الطَّلَاقُ) ، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ دَيْدَنًا لَهُ؛ فَلَا يَصِحُّ تَزَوُّجُهُ؛ لِإِضْرَارِهِ بِمَالِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَلَهُ التَّزْوِيجُ (بِلَا إذْنِ وَلِيِّهِ) حَيْثُ كَانَ تَزَوُّجُهُ (لِحَاجَةِ مُتْعَةٍ وَ) حَاجَةِ (خِدْمَةٍ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَمْ يَشْرَعْ لِقَصْدِ الْمَالِ، وَمَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ يَكُونُ مَصْلَحَةً، (فَلَا يَصِحُّ) تَزْوِيجُ السَّفِيهِ (لِغَيْرِهَا) ؛ أَيْ: الْحَاجَةُ (بِلَا إذْنِهِ) ؛ أَيْ: الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يَجِبُ بِهِ مَالٌ؛ فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ؛ كَالشِّرَاءِ، (وَمَعَهَا) ؛ أَيْ: الْحَاجَةُ (يَتَعَقَّلُ) السَّفِيهُ (بِهِ) ؛ أَيْ: التَّزَوُّجِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَتَّجِهُ) جَوَازُ اسْتِقْلَالِ السَّفِيهِ بِالتَّزَوُّجِ (وَلَوْ لَمْ يَعْضُلْهُ) ؛ أَيْ: يَمْنَعُهُ عَنْهُ الْوَلِيُّ؛ فَلَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِهِ دَفْعًا لِحَاجَتِهِ وَمُرَاعَاةً لِمَصْلَحَتِهِ، (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ أَيْ:
لِلْمُنْتَهَى " و " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ قَالَا: وَإِنْ عَضَلَهُ الْوَلِيُّ اسْتَقَلَّ بِهِ، فَمَفْهُومُهُمَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْضُلْهُ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ مَعَ أَنَّهُ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَارِحُ " الْإِقْنَاعِ ". وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَلَوْ عَلِمَهُ) ؛ أَيْ: عَلِمَ الْوَلِيُّ أَنْ السَّفِيهَ (يُطَلِّقُ) إذَا زَوَّجَهُ (اشْتَرَى لَهُ أَمَةً) مِنْ مَالِ السَّفِيهِ (لِدَفْعِ حَاجَتِهِ) بِهَا، (وَلِوَلِيٍّ تَزْوِيجُ سَفِيهٍ) لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ الطَّلَاقُ (بِلَا إذْنِهِ) مَعَ سُكُوتِهِ (لِحَاجَةٍ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) لَهُ (إجْبَارُهُ) ؛ أَيْ: السَّفِيهِ عَلَى النِّكَاحِ إنْ امْتَنَعَ مِنْهُ (لِمَصْلَحَةٍ) ؛ كَإِجْبَارِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَصَالِحِ، (وَكَسَفِيهَةٍ) فَلِوَلِيِّهَا إجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ لِمَصْلَحَتِهَا.
(وَإِنْ أَذِنَ) لِسَفِيهٍ (وَلِيٌّ) فِي تَزْوِيجٍ (لَمْ يَلْزَمْ تَعْيِينُ الْمَرْأَةِ) فِي الْإِذْنِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": الْوَلِيُّ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ الْمَرْأَةَ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ مُطْلَقًا، وَنَصَرَاهُ، وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ".
(وَيَتَقَيَّدُ) الْإِذْنُ مِنْ الْوَلِيِّ (بِمَهْرِ الْمِثْلِ) ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ؛ (فَلَا يَلْزَمُ زَائِدٌ) ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، وَلَيْسَ السَّفِيهُ أَهْلًا لَهُ.
(وَتَلْزَمُ وَلِيًّا) لِسَفِيهٍ (زِيَادَةٌ زُوِّجَ بِهَا) ، فَيَدْفَعُهَا مِنْ مَالِهِ؛ لِتَعَدِّيهِ، وَ (لَا) تَلْزَمُهُ (زِيَادَةٌ أَذِنَ فِيهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْهَا، (بَلْ تَلْزَمُ سَفِيهًا لِمُبَاشَرَتِهِ) ، وَوُجُودُ الْإِذْنِ كَعَدَمِهِ.
(وَيَنْتَقِلُ) سَفِيهٌ (بِمَا) ؛ أَيْ: فَعَلَ (لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ مَقْصُودِهِ) ؛ كَحَدِّ قَذْفٍ وَعِبَادَةٍ بَدَنِيَّةٍ مِنْ حَجٍّ وَغَيْرِهِ، وَلَا تَصِحُّ شَرِكَتُهُ، وَلَا حَوَالَتُهُ، وَلَا الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ، وَلَا ضَمَانُهُ، وَلَا كَفَالَتُهُ، (فَلَوْ أَقَرَّ بِحَدٍّ) ؛ أَيْ: بِمَا يُوجِبُهُ مِنْ نَحْوِ زِنًا أَوْ قَذْفٍ؛ أُخِذَ بِهِ فِي الْحَالِ، (أَوْ) أَقَرَّ (بِنَسَبٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ قِصَاصٍ؛ أُخِذَ بِهِ فِي الْحَالِ) . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ إجْمَاعُ مَنْ يَحْفَظُ
عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي نَفْسِهِ، وَالْحَجْرُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا لَهُ؛ فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَلَا يَجِبُ مَالٌ عُفِيَ عَلَيْهِ) عَنْ قِصَاصٍ أَقَرَّ بِهِ السَّفِيهُ لِاحْتِمَالِ التَّوَاطُؤِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُقِرِّ لَهُ.
وَقَوْلُهُ (حَالًا) قَيْدٌ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ؛ أَيْ: فَيَجِبُ مَالًا؛ فَإِنْ فُكَّ حَجْرُهُ أُخِذَ بِهِ، (وَ) إنْ أَقَرَّ (بِمَالٍ) ؛ كَثَمَنٍ وَقَرْضٍ وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ (ف) يُؤْخَذُ بِهِ (بَعْدَ فَكِّهِ) ؛ أَيْ: الْحَجْرِ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ يَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ؛ كَالرَّاهِنِ يُقِرُّ بِالرَّهْنِ، وَلَا يَقْبَلُ فِي الْحَالِ لِئَلَّا يَزُولَ مَعْنَى الْحَجْرِ، (إلَّا إنْ عَلِمَ الْوَلِيُّ صِدْقَهُ) ؛ أَيْ: السَّفِيهِ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ، فَيَلْزَمُ الْوَلِيَّ أَدَاؤُهُ فِي الْحَالِ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) إنْ أَقَرَّ سَفِيهٌ (بِخَلْعٍ أُخِذَ بِهِ) فِي الْحَالِ؛ كَطَلَاقِهِ وَظِهَارِهِ وَإِيلَائِهِ، (وَلَا عِوَضَ) لَهُ (إنْ كَذَّبَتْهُ) مُخْتَلِعُهُ، وَإِنْ صَدَّقَتْهُ؛ فَلَا يَقْبِضُ الْعِوَضَ، فَإِنْ قَبَضَهُ؛ لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ وَلِلْوَلِيِّ أَخْذُهُ مِنْهَا ثَانِيًا؛ لِأَنَّ إقْبَاضَهَا لِلسَّفِيهِ غَيْرُ مُبَرِّئٍ.
(وَاحْتُمِلَ) أَنَّهُ (لَا يَنْفَكُّ حَجْرٌ) سَفِيهٍ (بِمَوْتِهِ، فَلَا يُؤْخَذُ مَا أَقَرَّ بِهِ) السَّفِيهُ (مِنْ تَرِكَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِقْرَارِهِ؛ وَإِقْرَارُهُ لَا يُؤْخَذُ بِهِ إلَّا بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ، وَقَدْ مَاتَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ؛ فَلَا يُعْتَدُّ بِإِقْرَارِهِ، وَلَوْ صَدَّقَهُ مُقِرٌّ لَهُ، وَحِينَئِذٍ فَلَوْ صَدَّقَ الْوَلِيُّ السَّفِيهَ، فَدَفَعَ لِلْمُقِرِّ لَهُ الْمَبْلَغَ الْمُقِرَّ بِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ دَفْعُهُ.
و (وَيَرْجِعُ إذْنُ) غُرَمَاءِ السَّفِيهِ عَلَى وَلِيٍّ بِمَا دَفَعَهُ لِلْمُقِرِّ لَهُ؛ (لِعِلْمِهِ) أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّةِ مَحْجُورِهِ مَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ عَنْهُ، فَيَكُونُ مُفَرِّطًا فِي دَفْعِهِ، مَا لَمْ يُؤْذَنْ بِهِ شَرْعًا وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَصِحُّ مِنْهُ) ؛ أَيْ: السَّفِيهِ (نَذْرُ كُلِّ عِبَادَةٍ بَدَنِيَّةٍ) مِنْ حَجٍّ وَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فِي بَدَنِهِ، و (لَا) يَصِحُّ مِنْهُ نَذْرُ عِبَادَةٍ (مَالِيَّةٍ) ؛ كَصَدَقَةٍ وَأُضْحِيَّةٍ.
وَحُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّ السَّفِيهِ؛ كَحُكْمِ تَصَرُّفِ وَلِيِّ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ عَلَى مَا سَلَفَ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِ لِحَظِّهِ؛ أَشْبَهَ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ.
[فَصْلٌ لِوَلِيٍّ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ الْأَكْلُ لِحَاجَةِ فَقْرٍ مِنْ مَالِ مُوَلِّيهِ]
(فَصْلٌ: لِوَلِيٍّ مَحْجُورٍ) عَلَيْهِ مِنْ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَسَفِيهٍ (غَيْرُ حَاكِمٍ وَأَمِينِهِ) ؛ أَيْ: الْحَاكِمِ الْأَكْلُ لِحَاجَةِ فَقْرٍ مِنْ مَالِ مُوَلِّيهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6] وَلِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي فَقِيرٌ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ، وَلِي يَتِيمٌ فَقَالَ: كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِك غَيْرَ مُسْرِفٍ» . رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَالْحَاكِمُ وَأَمِينُهُ لَا يَأْكُلَانِ شَيْئًا؛ لِاسْتِغْنَائِهِمَا بِمَا لَهُمَا فِي بَيْتِ الْمَالِ فَيَأْكُلُ مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْأَقَلُّ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ وَكِفَايَةٍ، فَإِذَا كَانَتْ كِفَايَتُهُ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ مَثَلًا وَأُجْرَةُ عَمَلِهِ ثَلَاثَةٌ، أَوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يَأْكُلْ إلَّا الثَّلَاثَةَ؛ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ بِالْحَاجَةِ وَالْعَمَلِ جَمِيعًا، فَلَا يَأْخُذُ إلَّا مَا وَجَدَ فِيهِ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) ؛ أَيْ: الْوَلِيَّ (عِوَضُهُ) ؛ أَيْ: مَا أَكَلَهُ (بِيَسَارِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ عَمَلِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهُ مُطْلَقًا؛ كَالْأَجِيرِ وَالْمُضَارِبِ، وَلِظَاهِرِ الْآيَةِ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ عِوَضًا، بِخِلَافِ الْمُضْطَرِّ إلَى طَعَامِ غَيْرِهِ؛ لِاسْتِقْرَارِ عِوَضِهِ فِي ذِمَّتِهِ، (وَمَعَ عَدَمِهَا) ؛ أَيْ: حَاجَةِ وَلِيِّ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَسَفِيهٍ؛ بِأَنْ كَانَ غَنِيًّا (لَا يَأْكُلُ) مِنْ مَالِهِمْ (غَيْرُ أَبٍ) ؛ لِمَا يَأْتِي: أَنَّ لِلْأَبِ التَّمَلُّكَ مِنْ مَالِ
وَلَدِهِ مَا شَاءَ مَا لَمْ يَضُرَّهُ، وَلِحَدِيثِ: «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» (إلَّا مَا فَرَضَهُ لَهُ حَاكِمٌ) ، فَإِنْ لَمْ يَفْرِضْ لَهُ شَيْئًا لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: 6] وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ لِلْحَاكِمِ فَرْضَهُ، لَكِنْ لِمَصْلَحَتِهِ.
(وَلِنَاظِرِ وَقْفٍ - وَلَوْ لَمْ يَحْتَجْ -) أَكْلٌ مِنْهُ (بِمَعْرُوفٍ) ، نَصًّا، إلْحَاقًا لَهُ بِعَامِلِ الزَّكَاةِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ (حَيْثُ لَمْ يَشْرِطْ الْوَاقِفُ لَهُ شَيْئًا، وَإِلَّا) بِأَنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ لَهُ شَيْئًا؛ (فَلَهُ مَا شَرَطَ) الْوَاقِفُ فَقَطْ قَلِيلًا كَانَ الْمَشْرُوطُ أَوْ كَثِيرًا (لِنَظَرِهِ) ، قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ.
(فَإِنْ شَرَطَ) الْوَاقِفُ (لَهُ) ؛ أَيْ: لِلنَّاظِرِ (أُجْرَةً) ؛ أَيْ: عِوَضًا مَعْلُومًا، فَإِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ بِقَدْرِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ اُخْتُصَّ بِهِ، وَكَانَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْوَقْفُ مِنْ أُمَنَاءَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ أَكْثَرَ؛ (فَكُلْفَتُهُ) ؛ أَيْ: كُلْفَةُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْوَقْفُ مِنْ نَحْوِ أُمَنَاءَ وَعُمَّالٍ (عَلَيْهِ) ؛ أَيْ عَلَى النَّاظِرِ يَصْرِفُهَا مِنْ الزِّيَادَةِ (حَتَّى يَبْقَى) لَهُ (أُجْرَةُ مِثْلِهِ) إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ شَرَطَهُ لَهُ خَالِصًا.
(وَلَهُ) ؛ أَيْ: النَّاظِرِ (الْأُجْرَةُ) عَلَى عَمَلِهِ (مِنْ وَقْتِ نَظَرِهِ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْوَقْفِ، وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي النَّاظِرِ نَقَلَهُ الْحَارِثِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ صَرِيحٍ فِي اخْتِصَاصِ النَّاظِرِ بِهِ، فَتَوَقُّفُ الِاخْتِصَاصِ عَلَى مَا قَالُوا لَا مَعْنَى لَهُ، إلَى أَنْ قَالَ وَصَرِيحُ الْمُحَابَاةِ لَا يُقْدَحُ فِي الِاخْتِصَاصِ بِهِ إجْمَاعًا.
(وَيَتَّجِهُ لَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ مُجَاوَزَةُ أَجْرِ مِثْلِهِ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (لَهُ) ؛ أَيْ: نَاظِرِ الْوَقْفِ (أَخْذُ أُجْرَةِ عَمَلِهِ مَعَ فَقْرِهِ) وَقَالَ وَلَا يُقَدَّمُ بِمَعْلُومِهِ بِلَا شَرْطٍ إلَّا بِأَخْذِ أُجْرَةِ عَمَلِهِ مَعَ فَقْرِهِ؛ كَوَصِيِّ الْيَتِيمِ.
(وَلَا يَأْكُلُ وَكِيلٌ فِي صَدَقَةٍ مِنْهَا شَيْئًا لِعَمَلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ تُمْكِنُهُ مُوَافَقَةُ الْمُوَكِّلِ
عَلَى الْأُجْرَةِ، بِخِلَافِ الْوَصِيِّ، أَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي، وَلَا يَأْكُلُ أَيْضًا لِفَقْرِهِ - وَلَوْ كَانَ مُحْتَاجًا - لِأَنَّهُ مُنَفِّذٌ.
(وَمَنْ فُكَّ حَجْرُهُ) لِعَقْلِهِ وَرُشْدِهِ، (فَادَّعَى عَلَى وَلِيِّهِ تَعَدِّيًا) فِي مَالِهِ، (أَوْ) ادَّعَى عَلَى وَلِيِّهِ (مُوجَبَ ضَمَانٍ) ؛ كَتَفْرِيطٍ أَوْ تَبَرُّعٍ (وَنَحْوِهِ) ؛ كَدَعْوَاهُ عَيْنُ مَصْلَحَةٍ فِي بَيْعِ عَقَارِهِ وَنَحْوِهِ؛ فَقَوْلُ وَلِيٍّ، (أَوْ) ادَّعَى (الْوَلِيُّ وُجُودَ ضَرُورَةٍ أَوْ) وُجُودَ (غِبْطَةٍ) ؛ كَبَيْعِ عَقَارٍ؛ فَقَوْلُ وَلِيٍّ، (أَوْ) ادَّعَى الْوَلِيُّ وُجُودَ (تَلَفٍ) ، أَوْ ادَّعَى (قَدْرَ نَفَقَةٍ) - وَلَوْ عَلَى عَقَارٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ - (أَوْ كِسْوَةٍ) لِمَحْجُورِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ رَقِيقِهِ وَنَحْوِهِ؛ (فَقَوْلُ وَلِيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ؛ أَشْبَهَ الْمُودِعَ، (مَا لَمْ تُخَالِفْهُ) ؛ أَيْ: قَوْلَ الْوَلِيِّ (عَادَةٌ) : وَعُرْفٌ؛ فَلَا يُرَدُّ لِلْقَرِينَةِ.
(وَيَحْلِفُ) وَلِيٌّ حَيْثُ قَبِلَ قَوْلَهُ؛ لِاحْتِمَالِ صِدْقِ الْآخَرِ؛ (غَيْرُ حَاكِمٍ) فَلَا يَحْلِفُ مُطْلَقًا.
(وَيَتَّجِهُ وَ) غَيْرُ (أَبٍ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
و (لَا) يُقْبَلُ قَوْلُ وَلِيٍّ بِجَعْلٍ (فِي دَفْعِ مَالٍ بَعْدَ رُشْدٍ أَوْ) بَعْدَ (عَقْدٍ) ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ لِمَصْلَحَتِهِ؛ أَشْبَهَ الْمُسْتَعِيرَ، (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْوَلِيُّ (مُتَبَرِّعًا) ؛ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي دَفْعِ الْمَالِ إذَنْ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ لِمَصْلَحَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فَقَطْ؛ أَشْبَهَ الْوَدِيعَ.
(وَلَا) يُقْبَلُ قَوْلُ وَلِيٍّ (فِي قَدْرِ زَمَنِ إنْفَاقٍ) عَلَى مَحْجُورٍ؛ كَقَوْلِهِ: (أَنْفَقْت) عَلَيْك (سَنَتَيْنِ، فَقَالَ مَحْجُورٌ) بَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ: (بَلْ) أَنْفَقَتْ عَلَيَّ سَنَةً فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيه.
(وَلَيْسَ لِزَوْجِ) حُرَّةٍ (رَشِيدَةٍ حَجْرٌ عَلَيْهَا فِي تَبَرُّعٍ زَائِدًا عَلَى ثُلُثِ مَالِهَا) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [النساء: 6] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
«يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ، وَكُنَّ يَتَصَدَّقْنَ، وَيَقْبَلُ مِنْهُنَّ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ» . وَلِأَنَّ مَنْ وَجَبَ دَفْعُ مَالِهِ إلَيْهِ لِرُشْدِهِ؛ جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِلَا إذْنِ أَحَدٍ؛ كَالذَّكَرِ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ عَطِيَّةٌ مِنْ مَالِهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا» ؛ إذْ هُوَ مَالِكُ عِصْمَتِهَا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ شُعَيْبًا لَمْ يُدْرِكْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْدِيدِ الْمَنْعِ بِالثُّلُثِ، وَلَا يُقَاسُ عَلَى حُقُوقِ الْوَرَثَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَالِ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ سَبَبٌ يُفْضِي إلَى وُصُولِ الْمَالِ إلَيْهِمْ بِالْمِيرَاثِ، وَالزَّوْجِيَّةُ إنَّمَا تَجْعَلُهُ مِنْ أَحَدِ الْمِيرَاثِ؛ فَهِيَ أَحَدُ وَصْفَيْ الْعِلَّةِ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِهَا؛ كَمَا لَا يَثْبُتُ لَهَا الْحَجْرُ عَلَى زَوْجِهَا.
(وَيَتَّجِهُ) لَيْسَ لَهُ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ التَّبَرُّعِ بِمَالِهَا - وَلَوْ مَلَكَتْهُ مِنْ جِهَتِهِ - (إلَّا) أَنْ تَتَبَرَّعَ (فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفَقَتِهَا) الَّتِي دَفَعَهَا إلَيْهَا (أَوْ كِسْوَتِهَا) ؛ فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ التَّبَرُّعِ بِهِمَا إذَا كَانَ كَذَلِكَ (عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهَا) بِحَيْثُ: يُنْهِكُهَا عَنْ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُقُوقِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهَا، أَمَّا لَوْ تَبَرَّعَتْ مِنْ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ لَا يَضُرُّ بِهَا كَكِسْوَةٍ وَخِرْقَةٍ؛ فَلَا بَأْسَ بِهَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا لِحَاكِمٍ حَجْرٌ عَلَى مُقْتِرِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ) ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْحَجْرِ جَمْعُ الْمَالِ وَإِمْسَاكِهِ، لَا إنْفَاقِهِ، وَقَالَ الْأَزَجِيُّ: بَلَى، فَعَلَيْهِ لَا يُمْنَعُ مِنْ عُقُودِهِ، وَلَا يُكَفُّ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، لَكِنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ حَبْرًا بِالْمَعْرُوفِ مِنْ مَالِهِ.
[فَصْلٌ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْحُرِّ وَلِسَيِّدِ الْقِنِّ أَنْ يَأْذَنَ لِمُوَلِّيهِ بِالتِّجَارَةِ]
(فَصْلٌ:) (لِوَلِيٍّ لَهُ) حُرٌّ (مُمَيِّزٌ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، (وَلِسَيِّدِهِ) ؛ أَيْ: الْقِنِّ الْمُمَيِّزِ أَوْ الْبَالِغِ (أَنْ يَأْذَنَ لَهُ) ؛ أَيْ: لِمُوَلِّيهِ أَوْ قِنِّهِ (أَنْ يَتَّجِرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] وَلِأَنَّهُ عَاقِلٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ؛ فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ وَسَيِّدِهِ؛ كَالْعَبْدِ الْكَبِيرِ وَالسَّفِيهِ.
(وَيَتَّجِهُ مَعَ تَعَدُّدِ) سَيِّدٍ لِقِنٍّ يُرِيدُ أَنْ يَتَّجِرَ لَا بُدَّ مِنْ (إذْنِ الْجَمِيعِ) صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى " لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي شَغْلِهِ نَفْسِهِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ؛ فَاعْتُبِرَ الْإِذْنُ مِنْ جَمِيعِهِمْ، وَإِلَّا كَانَ غَاصِبًا، وَمِثْلُهُ حُرٌّ عَلَيْهِ وَصِيَّانِ فَأَكْثَرُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) كَذَا يَصِحُّ أَنْ يَأْذَنَ الْوَلِيُّ وَالسَّيِّدُ الْمُمَيِّزُ (أَنْ يَدَّعِيَ) عَلَى خَصْمِهِ أَوْ خَصْمِ وَلِيِّهِ أَوْ سَيِّدِهِ، (وَ) أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ (يُقِيمَ بَيِّنَةً) عَلَى الْخَصْمِ، (وَ) أَنْ (يُحَلِّفَ) الْخَصْمَ إذَا أَنْكَرَ (وَنَحْوُهُ) ؛ كَمُخَالَعَةٍ وَمُقَاسَمَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَصَرُّفَاتٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَالِ؛ أَشْبَهَتْ التِّجَارَةَ، (وَيَتَقَيَّدُ فَكُّ) حَجْرٍ عَلَى مَأْذُونٍ لَهُ مِنْ حُرٍّ وَقِنٍّ مُمَيِّزٍ (حَصَلَ بِالْإِذْنِ بِقَدْرٍ وَنَوْعٍ عَيْنًا) لَهُ؛ بِأَنْ قَالَ لَهُ وَلِيُّهُ أَوْ سَيِّدُهُ: اتَّجَرَ فِي مِائَةِ دِينَارٍ فَمَا دُونَ، فَلَا يَتَجَاوَزُهَا، أَوْ قَالَ لَهُ: اتَّجَرَ فِي الْبَرِّ فَقَطْ؛ فَلَا يَتَعَدَّاهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِالْإِذْنِ مِنْ جِهَةِ آدَمِيٍّ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَقَيَّدَ بِمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ؛ (كَوَكِيلٍ وَوَصِيٍّ فِي نَوْعٍ) مِنْ الْمُتَصَرِّفَاتِ؛ فَلَيْسَ لَهُ مُجَاوَزَتُهُ؛ كَمَنْ وُكِّلَ أَوْ وُصِّيَ إلَيْهِ فِي (تَزْوِيجٍ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ) ؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَمَنْ وَكَّلَهُ رَشِيدٌ فِي بَيْعِ عَيْنٍ مِنْ مَالٍ؛ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ بَيْعُ غَيْرِهَا مِنْ مِلْكِهِ.
(وَيَسْتَفِيدُ وَكِيلٌ) فِي بَيْعِ عَيْنٍ أَوْ إجَارَتُهَا وَنَحْوِهِ (الْعَقْدَ الْأَوَّلَ فَقَطْ) ، فَإِذَا عَادَتْ الْعَيْنُ لِمِلْكِ الْمُوَكِّلِ ثَانِيًا؛ لَمْ يَمْلِكْ الْوَكِيلُ الْعَقْدَ عَلَيْهَا ثَانِيًا بِلَا إذْنٍ مُتَجَدِّدٍ، (إلَّا إنْ رَدَّ) الْمَبِيعَ وَنَحْوَهُ (عَلَيْهِ لِفَسْخٍ بِنَحْوِ عَيْبٍ وَخِيَارٍ، فَيَبِيعُهُ ثَانِيًا) ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِذَلِكَ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَفْهُومِ ظَاهِرِ " الْمُنْتَهَى " فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ (وَمَأْذُونٌ لَهُ) فِي التِّجَارَةِ مِنْ حُرٍّ وَقِنٍّ مُمَيِّزٍ (فِي بَيْعِ نَسِيئَةٍ وَغَيْرِهِ) كَبَعُوضٍ؛ (كَمُضَارٍّ) ، فَيَصِحُّ مَعَ الْإِطْلَاقِ بَيْعُهُ نَسِيئَةً وَغَيْرَهَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ النَّمَاءُ (عَلَى مَا يَأْتِي) تَفْصِيلُهُ.
(وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤَجِّرَ) مُمَيِّزٌ أُذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ حُرٌّ أَوْ قِنٌّ (نَفْسَهُ) ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَمْلِكُ إلَّا بِإِذْنٍ؛ كَتَزْوِيجِهِ وَبَيْعِ نَفْسِهِ.
(وَلَوْ أَذِنَ) الْوَلِيُّ أَوْ السَّيِّدُ (لَهُ) ؛ أَيْ: الْمُمَيِّزِ أَوْ الْعَبْدِ (فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ) ؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ
يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ (وَلَا أَنْ يُسَافِرَ أَوْ يَتَوَكَّلَ) لِغَيْرِهِ (فِي مَالٍ، وَلَوْ لَمْ يُقَيِّدْهُ وَلِيُّهُ أَوْ سَيِّدُهُ عَلَيْهِ) ، بَلْ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ مَقْصُودِ التِّجَارَةِ، وَفِي إيجَارِ عَبِيدِهِ وَبَهَائِمِهِ خِلَافٌ قَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " الصَّوَابُ الْجَوَازُ إنْ رَآهُ مَصْلَحَةً.
(وَإِنْ وُكِّلَ) مَأْذُونٌ لَهُ مِنْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ؛ (فَكَوَكِيلٍ) يَصِحُّ فِيمَا يُعْجِزُهُ وَفِيمَا لَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ فَقَطْ، دُونَ غَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنٍ.
(وَمَتَى عَزَلَ سَيِّدٌ قِنَّهُ) ؛ بِأَنْ مَنَعَهُ مِنْ التِّجَارَةِ (انْعَزَلَ وَكِيلُهُ) ؛ أَيْ: وَكِيلُ الْقِنِّ كَانْعِزَالِ (وَكِيلِ وَكِيلٍ) بِعَزْلِهِ، (وَ) كَانْعِزَالِ وَكِيلِ (مُضَارِبٍ) بِفَسْخِ رَبِّ الْمَالِ الْمُضَارَبَةَ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، وَتَوْكِيلُهُ فَرْعُ إذْنِهِ، فَإِذَا بَطَلَ الْإِذْنُ بَطَلَ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ، (لَا كَوَكِيلِ صَبِيٍّ) أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ أَنْ يَتَّجِرَ بِمَالِهِ، وَوَكَّلَ، ثُمَّ مَنَعَهُ وَلِيُّهُ مِنْ التِّجَارَةِ؛ فَلَا يَنْعَزِلُ وَكِيلُهُ، (وَ) لَا (مُكَاتَبٍ) أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِهِ، فَوَكَّلَ فِيهِ، ثُمَّ مَنَعَهُ سَيِّدُهُ؛ فَلَا يَنْعَزِلُ وَكِيلُهُ، (وَ) لَا (كَمُرْتَهِنٍ أَذِنَ الرَّاهِنُ فِي بَيْعِ) رَهْنٍ، فَوَكَّلَ فِيهِ الرَّاهِنُ؛ ثُمَّ رَجَعَ الْمُرْتَهِنُ عَنْ إذْنِهِ؛ فَلَا يَنْعَزِلُ وَكِيلُ الرَّاهِنِ؛ (لِأَنَّ كُلًّا) مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ (مُتَصَرِّفٌ) لِنَفْسِهِ (فِي مَالِ نَفْسِهِ) ؛ فَلَمْ يَنْعَزِلْ وَكِيلُهُ بِتَغَيُّرِ الْحَالِ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ؛ فَلِلْوَكِيلِ التَّصَرُّفُ بِالْإِذْنِ الْأَوَّلِ، لَكِنْ لَا يَتَصَرَّفُ الْوَكِيلُ فِي حَالِ الْمَنْعِ كَمُوَكِّلِهِ.
(وَيَتَّجِهُ هَذَا) ؛ أَيْ: عَدَمُ عَزْلِ وَكِيلِ الْمُكَاتَبِ (إذَا وُكِّلَ مُكَاتَبٌ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ مِنْ نَحْوِ قَرْضٍ وَمُحَابَاةٍ) ؛ كَتَزْوِيجِ وَبَيْعِ نَسَاءٍ وَإِقْرَارٍ عَلَيْهِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَصِحُّ أَنْ) (يَشْتَرِيَ) قِنٌّ مَأْذُونٌ فِي تِجَارَةٍ (مَنْ) ؛ أَيْ: قِنٌّ (يَعْتِقُ عَلَى مَالِكِهِ) ؛ أَيْ: مَالِكِ الْمُشْتَرَى (لِرَحِمٍ) ؛ كَأَخِي سَيِّدِهِ (أَوْ قَوْلٍ) ؛ أَيْ:
تَعْلِيقٍ؛ كَقَوْلِهِ: إنْ مَلَكْت عَبْدَ زَيْدٍ فَهُوَ حُرٌّ، (أَوْ) ، أَيْ: وَيَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَأْذُونُ لَهُ (زَوْجًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِسَيِّدِهِ رَجُلَانِ كَانَ أَوْ امْرَأَةٌ وَيَنْفَسِخُ بِهِ النِّكَاحُ؛ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ إذَا مَلَكَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ أَوْ بَعْضَهُ؛ انْفَسَخَ النِّكَاحُ.
و (لَا) يَصِحُّ أَنَّ يَشْتَرِيَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ (مِنْ مَالِكِهِ) شَيْئًا، (وَلَا أَنْ يَبِيعَهُ) ؛ أَيْ: الْعَبْدُ لِمَالِكِهِ، وَلَا يُسَافِرُ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ، لِأَنَّ مِلْكَ السَّيِّدِ فِي رَقَبَتِهِ وَمَالَهُ أَقْوَى مِنْ الْمُكَاتَبِ، وَلَا يَتَنَاوَلُ الْإِذْنُ فِي التِّجَارَةِ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ.
(وَمَنْ رَآهُ سَيِّدُهُ أَوْ وَلِيُّهُ يَتَّجِرُ، فَلَمْ يَنْهَهُ؛ لَمْ يَصِرْ مَأْذُونًا) ؛ كَتَزْوِيجِهِ وَبَيْعِهِ مَا لَهُ؛ لِافْتِقَارِ التَّصَرُّفِ إلَى الْإِذْنِ؛ فَلَا يَقُومُ السُّكُوتُ مَقَامَهُ؛ كَتَصَرُّفِ أَحَدِ الْمُتَرَاهِنَيْنِ فِي الرَّهْنِ مَعَ سُكُوتِ الْآخَرِ، وَكَتَصَرُّفِ الْأَجْنَبِيِّ؛ (فَيَحْرُمُ عَلَى عَالِمٍ بِذَلِكَ) ؛ أَيْ: بِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ (مُعَامَلَتُهُ) ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ؛ كَالسَّفِيهِ.
(وَلَا يَتَعَلَّقُ دَيْنُهُ) ؛ أَيْ: غَيْرِ الْمَأْذُونِ (بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ) ، بَلْ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ كَمَا يَأْتِي، (وَيَتَعَلَّقُ) جَمِيعُ (دَيْنِ) قِنٍّ (مَأْذُونٍ لَهُ) ، وَكَذَا مَا اقْتَرَضَهُ وَنَحْوُهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (بِذِمَّةِ سَيِّدٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ لِسَيِّدِهِ، وَلِهَذَا لَهُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ، وَإِمْضَاءُ بَيْعٍ خِيَارٍ لَهُ فَسْخُهُ، وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِيَدِ الْمَأْذُونِ أَوَّلًا، وَقَوْلُهُ (مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ اسْتَدَانَ لِلتِّجَارَةِ فِيمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ أَوْ غَيْرُهُ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ غَرَّ النَّاسَ بِإِذْنِهِ لَهُ.
(وَأَمَّا أَرْشُ جِنَايَتِهِ) ؛ أَيْ: الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ (وَقِيمَةُ مَا أَتْلَفَ) ؛ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ (بِرَقَبَتِهِ؛ كَدَيْنِ) عَبْدٍ (غَيْرِ مَأْذُونٍ) لَهُ فِي التِّجَارَةِ؛ بِأَنْ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ أَوْ اقْتَرَضَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَتَلِفَ مَا اشْتَرَاهُ أَوْ اقْتَرَضَهُ بِيَدِهِ أَوْ يَدِ سَيِّدِهِ؛ فَيَفْدِيهِ سَيِّدُهُ بِالْأَقَلِّ مِنْ الْأَرْشِ أَوْ الدَّيْنِ أَوْ قِيمَتِهِ، أَوْ بَيْعِهِ وَيُعْطِيه أَوْ يُسَلِّمُهُ لِرَبِّ الْجِنَايَةِ أَوْ الدَّيْنِ؛ لِفَسَادِ تَصَرُّفِهِ، وَأَمَّا مَا قَبَضَهُ الْمُمَيِّزُ غَيْرُ الْمَأْذُونِ وَأَتْلَفَهُ، أَوْ تَلِفَ بِيَدِهِ؛ فَغَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ أَعْتَقَ) رَقِيقٌ تَعَلَّقَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ بِرَقَبَتِهِ؛ (لَزِمَ سَيِّدَهُ الْأَقَلُّ) مِنْ الْأَمْرَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، (خِلَافًا لِظَاهِرِ " الْمُنْتَهَى ") حَيْثُ لَمْ يُقَيَّدْ بِالْأَقَلِّ، فَيُوهِمُ أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ يُتَّبَعُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مُرَادُهُ الْأَقَلُّ، و (هَذَا) التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ (إنْ أَتْلَفَ) الْقِنُّ غَيْرُ الْمَأْذُونِ (مَا اسْتَدَانَهُ، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتْلَفْ (أَخَذَ) ؛ أَيْ: أَخَذَهُ مَالِكُهُ (حَيْثُ أَمْكَنَ) أَخْذُهُ لَهُ؛ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ فِيهِ؛ لِفَسَادِ الْعَقْدِ.
(وَمَتَى اشْتَرَاهُ) ؛ أَيْ: الْعَبْدُ (رَبُّ دَيْنٍ تَعَلَّقَ) دَيْنُهُ (بِرَقَبَتِهِ) ؛ أَيْ: الْعَبْدِ (تَحَوَّلَ) الدَّيْنُ الْمُتَعَلِّقُ بِرَقَبَتِهِ (إلَى ثَمَنِهِ) ؛ أَيْ: ثَمَنِ الْعَبْدِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ، (فَمَعَ تَسَاوٍ) ؛ أَيْ: بِأَنْ اتَّحَدَ الثَّمَنُ مَعَ الدَّيْنِ جِنْسًا وَصِفَةً وَحُلُولًا وَأَجَلًا وَاحِدًا (فَالْمُقَاصَّةُ) ؛ أَيْ: الْمُسَاقَطَةُ، أَوْ بِقَدْرِ الْأَقَلِّ وَبَاقِي الثَّمَنِ لِبَائِعٍ (وَ) مَعَ (زِيَادَةِ ثَمَنٍ يَرْجِعُ) الْبَائِعُ (عَلَى رَبِّ دَيْنٍ) بِالزَّائِدِ، (وَ) مَعَ (نَقْصِ) ثَمَنٍ؛ (فَلَا رُجُوعَ لِرَبِّ دَيْنٍ) عَلَى بَائِعٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، (وَ) إنْ اشْتَرَاهُ رَبُّ الدَّيْنِ (بِعَرْضٍ) ؛ فَيَتَحَوَّلُ الدَّيْنُ الَّذِي بِرَقَبَتِهِ إلَى (الْعِوَضِ) أَيْ عِوَضِ الْعَرْضِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ؛ فَيَقُومُ الْعَرْضُ يَوْمَ الشِّرَاءِ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ رَبُّ الدَّيْنِ قَدْرَ حَقِّهِ، فَمَعَ زِيَادَةٍ هِيَ لِبَائِعٍ، وَمَعَ نَقْصٍ؛ فَلَا رُجُوعَ لِرَبِّ الدَّيْنِ عَلَى أَحَدٍ، وَمَعَ تَسَاوٍ يَأْخُذُ ذَلِكَ الْعَرْضَ أَوْ قِيمَتَهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ تَعَلَّقَ) الدَّيْنُ (بِذِمَّتِهِ) ؛ أَيْ: الْعَبْدِ؛ (كَإِقْرَارِهِ بِمَالٍ) ؛ أَيْ: بِأَنْ أَقَرَّ بِهِ مَأْذُونٌ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ سَيِّدُهُ، فَمَلَكَهُ رَبُّ الدَّيْنِ؛ سَقَطَ الدَّيْنُ (عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْإِقْرَارِ) مُفَصَّلًا، (أَوْ غَرَّ) الْعَبْدَ (فِي نِكَاحٍ بِأَمَةٍ) ؛ بِأَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَبَانَتْ أَمَةً بَعْدَ الدُّخُولِ؛ تَعَلَّقَ الْمَهْرُ بِذِمَّتِهِ؛ لِاسْتِقْرَارِهِ بِالدُّخُولِ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ؛ لِأَنَّهَا وَطِئَهَا مُعْتَقِدٌ الْحُرِّيَّةَ يَفْدِيه الْعَبْدُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ؛ لِتَعَلُّقِ الْفِدَاءِ بِذِمَّتِهِ، وَلِلْعَبْدِ الرُّجُوعُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، فَلَوْ كَانَ الْغَارُّ سَيِّدَ الْأَمَةِ فَمِلْكُ الْعَبْدِ بِعِوَضٍ أَوَّلًا؛ سَقَطَ الْمَهْرُ وَالْفِدَاءُ، أَوْ كَانَ الْغَارُّ مَنْ اسْتَدَانَ مِنْهُ الْعَبْدُ الْمَهْرَ وَالْفِدَاءَ، وَأَدَّاهُ، (فَمَلَكَهُ) رَبُّ الدَّيْنِ (بِعِوَضٍ) ؛ أَيْ: بِشِرَاءٍ (أَوْ)
مَلَكَهُ (لَا) بِعِوَضٍ؛ كَهِبَةٍ؛ سَقَطَ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَثْبُتُ لَهُ الدَّيْنُ بِذِمَّةِ عَبْدِهِ، (أَوْ) مَلَكَ رَبُّ الدَّيْنِ (مَنْ تَعَلَّقَ) دِينُهُ (بِرَقَبَتِهِ) ، وَكَانَ مِلْكُهُ لَهُ (بِلَا عِوَضٍ) ؛ بِأَنْ وَرِثَهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ؛ (سَقَطَ) الدَّيْنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لِلرَّقَبَةِ، يَتَحَوَّلُ الدَّيْنُ إلَيْهِ.
(وَيَصِحُّ إقْرَارُ مَأْذُونٍ) لَهُ - (وَلَوْ صَغِيرٌ) مُمَيِّزًا - فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ (فِيهِ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْإِقْرَارِ الصِّحَّةُ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ لِحَقِّ السَّيِّدِ، فَوَجَبَ بَقَاؤُهُ فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ
(وَإِنْ حَجَرَ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمَأْذُونِ لَهُ (سَيِّدُهُ) ، أَوْ مَنَعَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ (وَبِيَدِهِ) ؛ أَيْ: الْقِنِّ (مَالٌ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فَأَقَرَّ) الْمَأْذُونُ (بِهِ) ؛ أَيْ: بِمَا بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ الْمُعَيَّنِ؛ (صَحَّ) إقْرَارُهُ؛ لِزَوَالِ الْحَجْرِ الْمَانِعِ مِنْ الْإِقْرَارِ، وَكَذَا حُكْمُ حُرٍّ مُمَيِّزٍ أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ.
(وَيَبْطُلُ إذْنُ) سَيِّدٍ لِرَقِيقِهِ فِي تِجَارَةٍ (بِحَجْرٍ عَلَى سَيِّدِهِ وَمَوْتِهِ وَجُنُونِهِ الْمُطْبَقِ) - بِفَتْحِ الْبَاءِ -؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْإِذْنِ، فَتَمْنَعُ اسْتِدَامَتَهُ، وَكَبَاقِي الْعُقُودِ الْجَائِزَاتِ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) يَبْطُلُ الْإِذْنُ أَيْضًا (بِحَجْرٍ) عَلَى (مَأْذُونٍ) لَهُ (لِسَفَهٍ أَوْ جُنُونٍ) مُطْبَقٍ، (لَا بِغَيْرِ مُطْبَقٍ؛ لِمَشَقَّةِ تَكَرُّرِهِ، وَهَذَا) الِاتِّجَاهُ (يَنْفَعُك فِي غَيْرِ هَذَا) الْمَوْضِعِ فَاحْفَظْهُ وَعُضَّ عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ، فَإِنَّهُ مُهِمٌّ جِدًّا.
(وَ) لَا يَبْطُلُ إذْنُهُ لَهُ (بِإِبَاقٍ) يَحْصُلُ مِنْ الْمَأْذُونِ لَهُ نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَ) لَا (أَسْرٍ وَتَدْبِيرٍ وَإِيلَادٍ وَكِتَابَةٍ وَحُرِّيَّةٍ وَحَبْسِ مَدِينٍ أَوْ غَصْبٍ) الْمَأْذُونِ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَا تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْإِذْنِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ؛ فَلَا تَمْنَعُ اسْتِدَامَتَهُ (وَتَصِحُّ مُعَامَلَةُ قِنٍّ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ مَأْذُونًا لَهُ خِلَافًا لِلنِّهَايَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ صِحَّةُ التَّصَرُّفِ) وَأَمَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ؛ فَلَا تَصِحُّ مُعَامَلَتُهُ، نَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّ مَنْ حَجَرَ عَلَى عَبْدِهِ فَمَنْ بَاعَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ.
(وَلَا يُعَامَلُ صَغِيرٌ) لَمْ يُعْلَمْ الْإِذْنُ لَهُ (إلَّا فِي مِثْلِ مَا يُعَامِلُهُ فِيهِ، وَلَا يَصِحُّ تَبَرُّعُ مَأْذُونٍ لَهُ بِدَرَاهِمَ وَكِسْوَةٍ وَنَحْوِهِمَا) ؛ كَفَرَسٍ وَحِمَارٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْإِذْنُ؛ كَغَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ.
(وَلَهُ) ؛ أَيْ: الرَّقِيقِ الْمَأْذُونِ لَهُ (هَدِيَّةٌ مَأْكُولٌ وَإِعَارَةُ دَابَّةٍ وَعَمَلُ دَعْوَةٍ وَنَحْوُهُ) ؛ كَصَدَقَةٍ بِيَسِيرٍ وَإِعَارَةِ ثَوْبِهِ (بِلَا إسْرَافٍ) فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أَسِيدٍ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ فَحَضَرَ دَعْوَتَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو حُذَيْفَةَ، فَأَمَّهُمْ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ، عَبْدٌ رَوَاهُ صَالِحٌ فِي مَسَائِلِهِ، وَلِجَرَيَانِ عَادَةِ التُّجَّارِ بِهِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْإِذْنِ، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَبِلَا (مَنْعِ سَيِّدٍ) لَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ مَنَعَهُ فَلَا.
وَلِرَقِيقٍ (غَيْرِ مَأْذُونٍ) لَهُ فِي تِجَارَةٍ (أَنْ يَتَصَدَّقَ قُوَّتَهُ بِمَا لَا يَضُرُّ بِهِ؛ كَرَغِيفٍ) وَفَلْسٍ وَبَيْضَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِالْمُسَامَحَةِ فِيهِ.
(وَلِزَوْجَةٍ وَكُلِّ مُتَصَرِّفٍ فِي بَيْتٍ) كَأَجِيرٍ وَخَازِنٍ، (وَيَتَّجِهُ غَيْرُ وَلِيِّ يَتِيمٍ) وَمَجْنُونٍ وَسَفِيهٍ وَنَاظِرِ وَقْفٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَنْمِيَةُ مَالِ مِنْ ذُكِرَ، فَلَا يَفْعَلُ إلَّا مَا فِيهِ الْحَظُّ وَالْمَصْلَحَةُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ؛ (الصَّدَقَةُ مِنْهُ) ؛ أَيْ: الْبَيْتُ (بِلَا إذْنِ صَاحِبِهِ بِنَحْوِ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: الرَّغِيفِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ؛ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُ مَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَنْقُصُ أَجْرُهُمْ مِنْ أَجْرِ بَعْضٍ شَيْئًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ إذْنًا، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ السَّمَاحُ وَطَيِّبُ النَّفْسِ بِهِ، (إلَّا أَنْ يَمْنَعَ) رَبُّ الْبَيْتِ مِنْهُ، (أَوْ يَضْطَرِبَ عُرْفٌ) ؛ بِأَنْ يَكُونَ عَادَةُ الْبَعْضِ الْإِعْطَاءَ وَعَادَةُ آخَرِينَ الْمَنْعَ، (أَوْ يَكُونَ) رَبُّ الْبَيْتِ (بَخِيلًا، وَيُشَكُّ فِي رِضَاهُ فِيهَا) ؛ أَيْ: فِي اضْطِرَابِ الْعُرْفِ وَالْبُخْلِ؛ (فَيَحْرُمُ) الْإِعْطَاءُ مِنْ مَالِهِ بِلَا إذْنِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ رِضَاهُ إذَنْ؛ (كَزَوْجَةِ أَطْعَمَتْ بِغَرَضٍ، وَلَمْ تَعْلَمْ رِضَاهُ) ؛ أَيْ:
الزَّوْجِ؛ فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الصَّدَقَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا، لَا مِمَّا هُوَ مَفْرُوضٌ لَهَا؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُهُ بِقَبْضِهَا.
(وَمَنْ وَجَدَ بِمَا اشْتَرَاهُ مِنْ قِنٍّ عَيْبًا، فَقَالَ) الْقِنُّ: (أَنَا غَيْرُ مَأْذُونٍ لِي) فِي التِّجَارَةِ؛ (لَمْ يُقْبَلْ) قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ.
(وَلَوْ صَدَّقَهُ سَيِّدُهُ) فِي عَدَمِ الْإِذْنِ.
نَقَلَ مُهَنَّا فِيمَنْ قَدِمَ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ، فَاشْتَرَاهُ النَّاسُ مِنْهُ، فَقَالَ: أَنَا غَيْرُ مَأْذُونٍ لِي فِي التِّجَارَةِ قَالَ: هُوَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهِ مَأْذُونًا لَهُ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ، وَلِأَنَّهُ يَدَّعِي فَسَادَ الْعَقْدِ، وَالْخَصْمُ يَدَّعِي صِحَّتَهُ.
(وَيَتَّجِهُ أَنَّ فَائِدَتَهُ) رَدُّ الْمَبِيعِ عَلَى الْقِنِّ وَأَخْذُ الثَّمَنِ مِنْهُ (أَوْ إمْسَاكُهُ) ؛ أَيْ؛ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي بِيعَ بِهِ، و (لَا) يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي (أَخْذُ أَرْشٍ) مَعَ الْإِمْسَاكِ؛ لِأَنَّ الْقِنَّ لَمَّا صَدَّقَهُ سَيِّدُهُ عَلَى عَدَمِ الْإِذْنِ؛ صَارَ مَمْنُوعًا مِنْ التَّصَرُّفِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ
[بَابُ الْوَكَالَةِ]
(بَابُ الْوَكَالَةِ) الْوَكَالَةُ: - بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا - التَّفْوِيضُ، يَقُولُ وَكَّلَهُ؛ أَيْ: فَوَّضَ إلَيْهِ، وَكَّلْت أَمْرِي إلَى فُلَانٍ؛ أَيْ: فَوَّضْت إلَيْهِ، وَاكْتَفَيْت بِهِ.
وَقَدْ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْحِفْظُ، وَمِنْهُ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ؛ أَيْ: الْحَفِيظُ ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: 107] ؛ أَيْ: حَفِيظٍ.
وَشَرْعًا (اسْتِنَابَةُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ (مِثْلَهُ) ؛ أَيْ: جَائِزِ التَّصَرُّفِ، وَهُوَ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ فِعْلُ مَا وُكِّلَ فِيهِ، فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُوَكَّلِ فِيهِ ذَكَرَيْنِ كَانَا أَوْ أُنْثَيَيْنِ.
أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ (فِي الْحَيَاةِ) ، احْتِرَازًا عَنْ الْوَصِيَّةِ (فِيمَا) ؛ أَيْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ كَعَقْدٍ وَفَسْخٍ وَقَبْضٍ (تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ) مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
وَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
وَهِيَ جَائِزَةٌ إجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60] ؛ أَيْ: الزَّكَاةُ، فَجُوِّزَ الْعَمَلُ عَلَيْهَا وَهُوَ بِالنِّيَابَةِ عَنْ الْمُسْتَحَقِّينَ وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: 19] وَقَوْلُهُ: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] الْآيَةَ، وَلِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ وَكَّلَ عُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ فِي شِرَاءِ الشَّاةِ.
قَالَ عُرْوَةُ: «عَرَضَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَلَبٌ فَأَعْطَانِي دِينَارًا، فَقَالَ يَا عُرْوَةُ: ائْتِ الْجَلَبَ، فَاشْتَرِ لَنَا شَاةً قَالَ: فَأَتَيْت الْجَلَبَ، فَسَاوَمْت صَاحِبَهُ، فَاشْتَرَيْت شَاتَيْنِ بِدِينَارٍ، فَجِئْت أَسُوقُهُمَا أَوْ أَقُودُهُمَا، فَلَقِيَنِي رَجُلٌ بِالدِّينَارِ وَالشَّاةِ، فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَذَا دِينَارُكُمْ وَهَذِهِ شَاتُكُمْ» الْحَدِيثَ «قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ» . «وَوَكَّلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَ بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزَوُّجِ أُمِّ حَبِيبَةَ وَأَبَا رَافِعٍ فِي قَبُولِ نِكَاحِ مَيْمُونَةَ وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا» ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ كُلَّ أَحَدٍ فِعْلُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ.
(وَتَصِحُّ) الْوَكَالَةُ (مُطْلَقَةً) وَمُنَجَّزَةً (وَمُؤَقَّتَةً بِمُدَّةٍ) ؛ كَأَنْتَ وَكِيلِي شَهْرًا أَوْ سَنَةً، (فَلَا يَتَصَرَّفُ) الْوَكِيلُ؛ أَيْ: لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ (قَبْلَهَا) ؛ أَيْ: الْمُدَّةِ (وَلَا بَعْدَهَا) ؛ أَيْ: الْمُدَّةِ الَّتِي ضَرَبَهَا لَهُ الْمُوَكِّلُ.
(وَ) تَصِحُّ (مُعَلَّقَةً) بِشَرْطٍ، نَصًّا كَوَصِيَّةٍ وَإِبَاحَةِ أَكْلٍ وَقَضَاءٍ وَإِمَارَةٍ؛ (كَقَوْلِهِ: إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ)
فَافْعَلْ كَذَا، (أَوْ) إذَا [جَاءَ] (الشِّتَاءُ فَاشْتَرِ لَنَا كَذَا) أَوْ إذَا طَلَب مِنْك أَهْلِي شَيْئًا فَادْفَعْهُ إلَيْهِمْ، أَوْ إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فَقَدْ وَكَّلْتُك فِي كَذَا، أَوْ فَأَنْتَ وَكِيلِي وَنَحْوُهُ.
(وَ) تَصِحُّ (بِكُلِّ قَوْلٍ) يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ، نَصًّا، نَحْوَ افْعَلْ كَذَا، أَوْ أَذِنْتُ لَك فِيهِ، أَوْ بِعْهُ، أَوْ اعْتِقْهُ، أَوْ كَاتِبْهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَأَقَمْتُكَ مَقَامِي، أَوْ جَعَلْتُك نَائِبًا عَنِّي؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ دَلَّ عَلَى الْإِذْنِ، فَصَحَّ كَلَفْظِ الْوَكَالَةِ الصَّرِيحِ.
(أَوْ) أَيْ: وَتَصِحُّ (بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَى إذْنٍ) .
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَدَلَّ كَلَامُ الْقَاضِي عَلَى انْعِقَادِهَا بِفِعْلٍ دَالٍّ؛ كَبَيْعٍ؛ قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ - يَعْنِي الْمُوَفَّقَ - فِيمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى قَصَّارٍ أَوْ خَيَّاطٍ، وَهُوَ أَظْهَرُ وَكَالْقَبُولِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ وَيَتَخَرَّجُ انْعِقَادُهَا بِالْخَطِّ أَوْ الْكِتَابَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْأَصْحَابُ، وَلَعَلَّهُ دَاخِلٌ بِقَوْلِهِ: بِفِعْلٍ دَلَّ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْمُنْتَهَى.
(وَ) يَصِحُّ (قَبُولُ) وَكَالَةٍ (بِكُلِّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ) مِنْ الْوَكِيلِ (دَلَّ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْقَبُولِ؛ لِأَنَّ وُكَلَاءَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ سِوَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَلِأَنَّهُ أَذِنَ فِي التَّصَرُّفِ، فَجَازَ قَبُولُهُ بِالْفِعْلِ؛ كَأَكْلِ الطَّعَامِ، (وَلَوْ) كَانَ الْقَبُولُ (مُتَرَاخِيًا) عَنْ الْإِذْنِ، فَلَوْ بَلَغَهُ أَنَّ زَيْدًا وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ سِلْعَتِهِ مُنْذُ شَهْرٍ، فَقَبِلَ، أَوْ بَاعَهَا مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّ قَبُولَ وُكَلَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ بِفِعْلِهِمْ، وَكَانَ مُتَرَاخِيًا، وَلِأَنَّ الْإِذْنَ بَاقٍ، مَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ.
(وَكَذَا) ؛ أَيْ: كَالْوَكَالَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ (كُلُّ عَقْدٍ جَائِزٍ كَمُسَاقَاةٍ) . وَمُزَارَعَةٍ وَشَرِكَةٍ فِي أَنَّ الْقَبُولَ يَصِحُّ بِالْفِعْلِ فَوْرًا وَمُتَرَاخِيًا؛ لِمَا سَبَقَ.
(وَشُرِطَ) لِصِحَّةِ وَكَالَةٍ (تَعْيِينُ وَكِيلٍ وَمُوَكَّلٍ فِيهِ) ؛ كَأَنْ يَقُولَ: وَكَّلْت فُلَانًا فِي كَذَا، (فَلَا يَصِحُّ) أَنْ يَقُولَ (وَكَّلْت أَحَدَ هَذَيْنِ) ؛ لِلْجَهَالَةِ،
(أَوْ) وَكَّلْتُك (فِي شِرَاءِ أَحَدِ هَذَيْنِ) ؛ لِلْجَهَالَةِ أَيْضًا.
(وَ) قَالَ (فِي " الِانْتِصَارِ ": لَوْ وَكَّلَ زَيْدًا وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ) ؛ لَمْ تَصِحَّ؛ لِوُقُوعِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْعِلْمِ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَقْصُودِ إمَّا بِنِسْبَةٍ أَوْ إشَارَةٍ إلَيْهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُعَيِّنُهُ.
(أَوْ لَمْ يُعَرِّفْ الْوَكِيلُ مُوَكِّلَهُ) ؛ بِأَنْ قِيلَ لَهُ وَكَّلَك زَيْدٌ وَلَمْ يَنْسِبْ إلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مِنْ وَصْفِهِ أَوْ شُهْرَتِهِ مَا يُمَيِّزُهُ؛ (لَمْ تَصِحَّ) ؛ لِلْجَهَالَةِ (انْتَهَى) كَلَامُ الِانْتِصَارِ.
(وَفِيهِ تَأَمُّلٌ) ؛ لِشُمُولِ كَلَامِهِ مَنْ لَهُ تَمْيِيزٌ بِصِفَةٍ أَوْ شُهْرَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يَتَمَيَّزَ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَذْكُرْهَا، فَأَمَّا إذَا ذَكَرَهَا فَالْوَكَالَةُ صَحِيحَةٌ.
(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي مُخَاصَمَةِ غُرَمَائِهِ) ؛ أَيْ: الْمُوَكِّلِ، صَحَّ التَّوْكِيلُ (- وَإِنْ جَهِلَهُمْ مُوَكِّلٌ وَوَكِيلٌ -) لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ عَيْنِ مَا وُكِّلَ بِهِ.
(وَيَتَّجِهُ الصِّحَّةُ) فِي قَوْلِ الْمُوَكِّلِ لِوَكِيلِهِ: (أَعْتِقْ أَحَدَ عَبْدِي أَوْ طَلِّقْ إحْدَى امْرَأَتَيَّ) ؛ فَقَالَ الْوَكِيلُ: أَحَدُهُمَا حُرٌّ أَوْ إحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ طَالِقٌ عَتَقَ فِي الْأُولَى، وَيَخْرُجُ بِقُرْعَةٍ، وَطَلُقَتْ فِي الثَّانِيَةِ، وَتَخْرُجُ بِقُرْعَةٍ أَيْضًا، (فَإِنْ) عَيَّنَ الْمُوَكِّلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِبْهَامِ، (ثُمَّ أَوْقَعَ) الْوَكِيلُ الْعِتْقَ أَوْ الطَّلَاقَ؛ (احْتَمَلَ) الْوُقُوعَ عَلَى مَنْ عَيَّنَ، وَاحْتَمَلَ الْإِخْرَاجَ بِقُرْعَةٍ؛ كَمَا لَوْ طَلَّقَ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ، أَوْ أَوْقَعَ عَلَيْهِ طَلَاقًا مِنْ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ وَلَا مَنْوِيَّةٍ أُخْرِجَتْ الْمُطَلَّقَةُ بِقُرْعَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ؛ كَمُعَيَّنَةٍ مَنْسِيَّةٍ، وَكَقَوْلِهِ عَنْ طَائِرٍ إنْ كَانَ غُرَابًا فَحَفْصَةُ طَالِقٌ، وَإِلَّا يَكُنْ غُرَابًا فَعَمْرَةُ طَالِقٌ وَجَهِلَ؛ فَإِنَّهُ يَقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَتَطْلُقُ مَنْ أَخْرَجَتْهَا الْقُرْعَةُ؛ لِأَنَّهُ سَبِيلٌ إلَى مَعْرِفَةِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْهَا عَيْنًا وَمُحَافَظَةً عَلَى الْعِتْقِ وَصِيَانَةً لِلْفُرُوجِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ التَّصَرُّفُ بِالْوَكَالَةِ (عِلْمُهُ) ؛ أَيْ: الْوَكِيلِ (بِهَا) ؛ أَيْ: الْوَكَالَةِ، فَلَوْ بَاعَ إنْسَانٌ عَبْدَ زَيْدٍ عَلَى أَنَّهُ فُضُولِيٌّ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنْ سَيِّدَهُ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا بِمَا فِي ظَنِّ الْمُكَلَّفِ.
(وَلَهُ) ؛ أَيْ: لِلْوَكِيلِ (التَّصَرُّفُ) فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ (بِخَبَرِ مَنْ ظَنَّ صِدْقَهُ) بِتَوْكِيلِ زَيْدٍ مَثَلًا لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ صِدْقُهُ؛ كَقَبُولِ هَدِيَّةٍ وَإِذْنِ غُلَامٍ فِي دُخُولٍ.
(وَيَضْمَنُ) الْوَكِيلُ مَا تَرَتَّبَ مِنْ تَصَرُّفِهِ إنْ أَنْكَرَ زَيْدٌ التَّوْكِيلَ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَا يَرْجِعُ) الْوَكِيلُ (عَلَى مُخْبِرِهِ) بِالْوَكَالَةِ؛ (لِتَقْصِيرِهِ) ؛ أَيْ: الْوَكِيلِ بَعْدَ تَفَحُّصِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الْحَالِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُبَاشِرَ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ أَنَّ لِلْوَكِيلِ الرُّجُوعَ عَلَى مُخْبِرِهِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ.
(وَلَوْ شَهِدَ بِهَا) ؛ أَيْ: الْوَكَالَةِ (اثْنَانِ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ، (وَيَتَّجِهُ) أَنَّ مَحَلَّ الشَّهَادَةِ لِاثْنَيْنِ بِالْوَكَالَةِ (مَعَ غَيْبَةِ مُوَكِّلٍ) عَنْ بَلَدِ الْوَكِيلِ
(مَسَافَةَ قَصْرٍ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: عَزَلَهُ) وَالْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَحْكُمْ بِهَا) ؛ أَيْ: الْوَكَالَةِ حَاكِمٌ قَبْلَ قَوْلِهِ عَزَلَهُ؛ (لَمْ تَثْبُتْ) الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ، (وَلَوْ أَعَادَ) الْقَائِلُ أَنَّهُ عَزَلَهُ، (أَوْ قَالَهُ وَاحِدٌ غَيْرُهُمَا) قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ؛ (لَمْ يَقْدَحْ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَمَّتْ بِهِ؛ كَمَا تَمَّتْ بِالتَّوْكِيلِ، وَلَمْ يَثْبُتْ الْعَزْلُ، (وَإِنْ قَالَاهُ) ؛ أَيْ: قَالَ الشَّاهِدَانِ عَزَلَهُ؛ (قَدَحَ) ذَلِكَ فِي الْوَكَالَةِ؛ لِثُبُوتِهَا بِشَهَادَتِهِمَا فَعَزْلُهُ كَذَلِكَ.
(وَإِنْ شَهِدَ لَهُ) أَنْ فُلَانًا الْغَائِبَ وَكَّلَهُ (بِهَا، فَقَالَ) الْوَكِيلُ: (مَا عَلِمْتهَا) ؛ أَيْ: الْوَكَالَةَ وَأَنَا أَتَصَرَّفُ عَنْهُ؛ (ثَبَتَتْ) الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَمْ أَعْلَمْ إلَى الْآنَ.
وَقَبُولُ الْوَكَالَةِ يَجُوزُ مُتَرَاخِيًا، وَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِالتَّوَكُّلِ، (لَا) إنْ قَالَ الْوَكِيلُ: (مَا أَعْلَمُ صِدْقَ الشَّاهِدَيْنِ) ؛ لَمْ تَثْبُتْ؛ (لِقَدْحِهِ فِيهِمَا) ، وَإِنْ قَالَ: مَا عَلِمْت فَقَطْ قِيلَ لَهُ: فَسِّرْ، فَإِنْ فَسَّرَ بِالْأَوَّلِ ثَبَتَتْ وَكَالَتُهُ، وَإِنْ فَسَّرَ بِالثَّانِي؛ لَمْ تَثْبُتْ.
(وَإِنْ أَبَى) وَكِيلٌ (قَبُولَهَا) ؛ أَيْ: الْوَكَالَةِ بِأَنْ قِيلَ لَهُ فُلَانٌ وَكَّلَك، فَقَالَ لَا أَقْبَلُهَا، (فَكَعَزْلِهِ نَفْسَهُ) ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ لَمْ تَتِمَّ.
(وَمَيْلُ) زَيْنِ الدِّينِ بْنُ رَجَبٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةِ وَالْخَمْسِينَ (مَنْ) (ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلٌ لِزَيْدٍ وَأَنَّ لِزَيْدٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا، وَأَقَامَ) الْمُدَّعِي (الْبَيِّنَةَ بِذَلِكَ) ؛ أَيْ: بِالْوَكَالَةِ عَنْ زَيْدٍ وَبِالْأَلْفِ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي مَجْلِسٍ؛ (أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ) قَوْلُهُ، وَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِدَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ الدَّيْنَ كَانَتْ قَبْلَ ثُبُوتِ وَكَالَتِهِ؛ فَلَمْ تَصِحَّ دَعْوَاهُ؛ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْوَكَالَةِ، فَلَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهَا عَنْ غَيْرِ دَعْوَى؛ (بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ ثُبُوتِ الْوَكَالَةِ عَلَى ثُبُوتِ الدَّيْنِ، وَهُوَ) ؛ أَيْ: مَا قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ (حَسَنٌ) . قَالَ الْقَاضِي: فِي خِلَافِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إنَّهَا تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، وَالْأَشْبَهُ اعْتِبَارُ تَقَدُّمِ الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ تَثْبُتْ وَكَالَتُهُ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ إلَيْهِ انْتَهَى.
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَكِيلِ
عَلَى مُوَكِّلِهِ؛ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ؛ كَشَهَادَةِ الْأَبِ عَلَى وَلَدِهِ وَأَوْلَى.
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ فِيمَا لَمْ يُوَكَّلْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَإِنْ شَهِدَ الْوَكِيلُ بِمَا كَانَ وَكِيلًا فِيهِ بَعْدَ عَزْلِهِ مِنْ الْوَكَالَةِ؛ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ أَيْضًا، سَوَاءٌ كَانَ الْوَكِيلُ خَاصَمَ فِيهِ بِالْوَكَالَةِ أَوْ لَمْ يُخَاصِمْ؛ لِأَنَّهُ بِعَقْدِ الْوَكَالَةِ صَارَ خَصِيمًا فِيهِ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيهِ؛ كَمَا لَوْ خَاصَمَ فِيهِ.
(وَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلٌ فِي شَيْءٍ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ وَنَحْوِهَا (إلَّا مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ) ؛ أَيْ: فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي وُكِّلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ لَا يَصِحُّ أَنْ يَسْتَنِيبَ غَيْرَهُ فِيهِ، فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ سَفِيهٍ فِي نَحْوِ عِتْقِ عَبْدِهِ.
(سِوَى) تَوْكِيلِ (أَعْمَى) رَشِيدٍ (وَمُوَكِّلٍ) غَائِبٍ (فِيمَا) ؛ أَيْ: شِقْصٍ (لَمْ يَرَهُ) ؛ كَمَنْ يُرِيدُ شِرَاءَ عَقَارٍ لَمْ يَرَهُ.
وَكَمَنْ وَكَّلَ (عَالِمًا) بِالْمَبِيعِ بَصِيرًا (فِيمَا يَحْتَاجُ لِرُؤْيَةٍ) ؛ كَجَوْهَرٍ وَعَقَارٍ، فَيَصِحُّ - وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ - لِأَنَّ مَنْعَهُمَا مِنْ التَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ لِعَجْزِهِمَا عَنْ الْعِلْمِ بِالْمَبِيعِ لَا لِمَعْنَى فِيمَا يَقْتَضِي مَنْعَ التَّوْكِيلِ.
(وَمِثْلُهُ) ؛ أَيْ: مِثْلُ التَّوْكِيلِ فِيمَا ذُكِرَ (تَوَكَّلَ) عَنْ غَيْرِهِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَكَّلَ فِي شَيْءٍ إلَّا مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ لِنَفْسِهِ، (فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجِبَ) عَنْ غَيْرِهِ (نِكَاحًا مَنْ لَا يَصِحُّ) مِنْهُ " إيجَابُهُ (لِمُوَلِّيَتِهِ) لِنَحْوِ فِسْقٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّاهُ أَصَالَةً، فَلَمْ يَجُزْ بِالنِّيَابَةِ؛ كَالْمَرْأَةِ، (وَلَا يَقْبَلُهُ) ؛ أَيْ: النِّكَاحَ (مَنْ لَا يَصِحُّ مِنْهُ) قَبُولُهُ (لِنَفْسِهِ) ؛ كَالْكَافِرِ يَتَوَكَّلُ فِي قَبُولِ نِكَاحِ مُسْلِمَةٍ لِمُسْلِمٍ.
(وَيَتَّجِهُ فَلَا) يَصِحُّ أَنْ (يَتَوَكَّلَ مُسْلِمٌ عَنْ كَافِرٍ فِي نِكَاحِ ابْنَته) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شَرْطِ الْوِلَايَةِ اتِّفَاقُ الدِّينَيْنِ إلَّا فِي سَيِّدٍ زَوَّجَ أَمَتَهُ الْكَافِرَةَ لِكَافِرٍ؛ فَيَصِحُّ (مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ الْمُوَكِّلُ الْكَافِرُ كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ (كَعَكْسِهِ) ؛
أَيْ: كَمَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَكَّلَ كَافِرٌ عَنْ مُسْلِمٍ فِي تَزْوِيجِ ابْنَته؛
(وَلَا) يَصِحُّ أَنْ يَتَوَكَّلَ (كَافِرٌ عَنْ مُسْلِمٍ فِي شِرَاءِ مُصْحَفٍ، وَ) لَا فِي شِرَاءِ (قِنٍّ مُسْلِمٍ، وَ)
لَا فِي (مُعَاقَبَتِهِ) ؛ أَيْ: مُعَاقَبَةِ الْمُسْلِمِ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(سِوَى قَبُولِ نِكَاحِ نَحْوِ أُخْتِهِ) ؛ كَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ وَحَمَاتِهِ (لِأَجْنَبِيٍّ) لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لِنَفْسِهِ، إنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّنْزِيهِ، لَا لِمَعْنًى فِيهِ يَقْتَضِي مَنْعَ التَّوْكِيلِ
(وَ) سِوَى تَوَكُّلِ (حُرٍّ وَاجِدِ الطُّولِ نِكَاحَ أَمَةٍ لِمَنْ تُبَاحُ لَهُ) الْأَمَةُ مِنْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ عَادِمِ الطُّولِ خَائِفِ الْعَنَتِ.
وَسِوَى تَوَكُّلِ (مَنْ) ؛ أَيْ: غَنِيٌّ (حَرُمَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فِي قَبْضِهَا) ؛ أَيْ: الزَّكَاةِ (لِمَنْ تَحِلُّ لَهُ) ؛ كَفَقِيرٍ.
(وَ) سِوَى (طَلَاقِ امْرَأَةٍ نَفْسِهَا وَ) طَلَاقِهَا (غَيْرِهَا) ؛ كَضَرَّتِهَا أَوْ غَيْرِهَا (بِوَكَالَةٍ) ؛ فَيَصِحُّ فِيهِنَّ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا مَلَكَتْ طَلَاقَ نَفْسِهَا بِجَعْلِهِ إلَيْهَا مَلَكَتْ طَلَاقَ غَيْرِهَا.
(وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ مُسْلِمٍ كَافِرًا فِيمَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) ؛ أَيْ: الْكَافِرُ فِيهِ كَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ، وَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ (فِي شِرَاءِ خَمْرٍ) ، وَلَا عِنَبٍ يُرَادُ لَهُ، (وَ) لَا فِي شِرَاءِ (خِنْزِيرٍ) وَطُنْبُورٍ وَجُنْكٍ وَعُودٍ وَكُلِّ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُوَكِّلِ اسْتِعْمَالُهُ وَاِتِّخَاذُهُ؛ كَأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ مَا يَمْتَنِعُ عَلَى مُوَكِّلِهِ.
(وَإِنْ وَكَّلَ) إنْسَانٌ [عَبْدَ غَيْرِهِ] ؛ صَحَّ فِيمَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ فِعْلُهُ بِدُونِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ كَالصَّدَقَةِ بِالرَّغِيفِ وَنَحْوِهِ وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ، وَأَمَّا مَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالشِّرَاءِ؛ فَلَا (وَلَوْ فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ سَيِّدِهِ؛ فَيَصِحُّ) إنْ أَذِنَ سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّهِ، فَإِذَا أَذِنَ صَارَ كَالْحُرِّ، وَإِذَا جَازَ الشِّرَاءُ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ جَازَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَإِذْ جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ غَيْرَهُ مِنْ سَيِّدِهِ جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ نَفْسَهُ، (وَإِلَّا) يَأْذَنُ لَهُ سَيِّدُهُ؛ (فَلَا) يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ (فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ) كَعَقْدِ (بَيْعٍ) وَإِجَارَةٍ (وَإِيجَابٍ فِي نِكَاحٍ وَقَبُولِهِ.
وَيَتَّجِهُ وَعِتْقُ) قِنٍّ لِآخَرَ فَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ