مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(وَيَتَّجِهُ) : إنَّمَا يَضْمَنُ مَنْ نَفَّرَ صَيْدًا (مَعَ قَصْدِ تَنْفِيرِهِ) ، أَمَّا إذَا نَفَّرَ الصَّيْدَ فَزَعًا مِنْ شَخْصٍ مَرَّ قَرِيبًا مِنْهُ، أَوْ أَرَادَ ضَرْبَ دَابَّتِهِ وَنَحْوِهَا، فَنَفَّرَ فَتَلِفَ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَنْفِيرَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَكَذَا مُخْرِجُهُ) ، أَيْ: صَيْدِ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ، فَيُقْتَلُ بِهِ، فَيَضْمَنُهُ (إنْ لَمْ يَرُدَّهُ) إلَى الْحَرَمِ، فَإِنْ رَدَّهُ إلَيْهِ؛ فَلَا ضَمَانَ، (فَلَوْ فَدَاهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ الَّذِي نَفَّرَهُ أَوْ أَخْرَجَهُ إلَى الْحِلِّ، (ثُمَّ وَلَدَ) الصَّيْدُ وَقُتِلَ وَلَدُهُ؛ (لَمْ يَضْمَنْ) مُنَفِّرٌ أَوْ مُخْرِجٌ (وَلَدَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدِ حَرَمٍ، وَيُضْمَنُ غُصْنٌ فِي هَوَاءِ الْحِلِّ أَصْلُهُ) ، أَيْ: الْغُصْنُ بِالْحَرَمِ، (أَوْ بَعْضُ أَصْلِهِ بِالْحَرَمِ) ، لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأَصْلِهِ، وَ (لَا) يَضْمَنُ (مَا) قَطَعَهُ مِنْ غُصْنٍ (بِهَوَاءِ الْحَرَمِ، وَأَصْلُهُ بِالْحِلِّ) لِمَا سَبَقَ.
(وَكُرِهَ إخْرَاجُ تُرَابٍ وَ) إخْرَاجُ (حِجَارَتِهِ إلَى الْحِلِّ) نَصًّا، قَالَ: لَا يُخْرَجُ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ، وَلَا يُدْخَلُ مِنْ الْحِلِّ كَذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ: " وَلَا يُخْرَجُ مِنْ حِجَارَةِ مَكَّةَ إلَى الْحِلِّ " وَالْخُرُوجُ أَشَدُّ كَرَاهَةً.
وَ (لَا) يُكْرَهُ إخْرَاجُ (مَاءِ زَمْزَمَ) ، لِأَنَّهُ يَسْتَخْلِفُ، فَهُوَ
كَالثَّمَرَاتِ، قَالَ أَحْمَدُ: أَخْرَجَهُ كَعْبٌ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا " كَانَتْ تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَحْمِلُهُ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
(وَلَا) يُكْرَهُ (وَضْعُ الْحَصَى بِالْمَسَاجِدِ) كَمَا فِي مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَمَنَهُ وَبَعْدَهُ.
(وَيَحْرُمُ إخْرَاجُ تُرَابِهَا) ، أَيْ: الْمَسَاجِدِ، (وَ) إخْرَاجُ (طِيبِهَا) فِي الْحِلِّ والْحَرَمِ لِتَبَرُّكٍ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْمَوْقُوفِ فِي غَيْرِ جِهَتِهِ.
(وَيُتَصَدَّقُ بِثِيَابِ الْكَعْبَةِ إذَا نُزِعَتْ) عَنْهَا (نَصًّا) ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي إبْقَائِهَا، (وَيَجُوزُ بَيْعُهَا) ، أَيْ: الثِّيَابِ، وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا (وَمُتَشَفٍّ بِطِيبِهَا) ، أَيْ: الْكَعْبَةِ، (يُلْصَقُ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى مَحَلِّ الطِّيبِ مِنْ الْحَائِطِ (طِيبًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ، وَلَا) يَجُوزُ لَهُ (أَنْ يَأْخُذَ مِنْ طِيبِهَا) شَيْئًا.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَشَفَّى بِطِيبِ الْكَعْبَةِ؛ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، وَيَلْزَقُ عَلَيْهَا طِيبًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ.
[فَصْلٌ حَدّ حرم مَكَّة]
(فَصْلٌ) (وَحَدُّ حَرَمِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ بُيُوتِ السُّقْيَا) ، وَيُقَالُ: بُيُوتُ نِفَارٍ، بِنُونٍ مَكْسُورَةٍ، ثُمَّ فَاءٌ: دُونَ التَّنْعِيمِ.
(وَحَدُّهُ مِنْ الْيَمَنِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ أَضَاةِ) بِالْمُعْجَمَةِ: عَلَى وَزْنِ قَنَاةٍ، (لِبْنٍ) : بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، (وَ) حَدُّهُ (مِنْ الْعِرَاقِ كَذَلِكَ) ، أَيْ: سَبْعَةُ أَمْيَالٍ، (عَلَى الثَّنِيَّةِ رِجْلٌ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ: (جَبَلٌ بِالْمُنْقَطِعِ وَحَدُّهُ مِنْ الطَّائِفِ وَبَطْنِ نَمِرَةَ كَذَلِكَ)
أَيْ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ (عِنْدَ طَرَفِ عَرَفَةَ وَ) حَدُّهُ (مِنْ) طَرِيقِ (الْجِعْرَانَةِ: تِسْعَةُ) أَمْيَالٍ (فِي شِعْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ وَ) حَدُّهُ (مِنْ) طَرِيقِ (جُدَّةَ: عَشْرَةُ) أَمْيَالٍ (عِنْدَ مُنْقَطِعِ الْأَعْشَاشِ) بِشِينَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ: جَمْعُ عُشٍّ، بِضَمِّ الْعَيْنِ
الْمُهْمَلَةِ.
(وَ) حَدُّهُ (مِنْ بَطْنِ عَرَفَةَ أَحَدَ عَشَرَ) مِيلًا، وَعَلَى تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ أَنْصَابُ الْحَرَمِ لَمْ تَزَلْ مَعْلُومَةً.
[فَائِدَةٌ ابْتِدَاءُ الْأَمْيَالِ فِي الْحَجّ]
فَائِدَةٌ: ابْتِدَاءَ الْأَمْيَالِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، لِأَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ أَضَاءَ نُورُهُ شَرْقًا وَغَرْبًا، فَانْتِهَاءُ الْحَرَمِ حَيْثُ انْتَهَى النُّورُ.
(وَحُكْمُ وَجٍّ) ، وَهُوَ: (وَادٍ بِالطَّائِفِ، كَغَيْرِهِ مِنْ الْحِلِّ) ، فَيُبَاحُ صَيْدُهُ وَشَجَرُهُ وَحَشِيشُهُ بِلَا ضَمَانٍ، وَالْخَبَرُ فِيهِ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَالْأَزْدِيُّ: لَمْ يَصِحَّ حَدِيثُهُ.
(وَتُسْتَحَبُّ الْمُجَاوَرَةُ لِمَنْ يَخَافُ الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ بِمَكَّةَ أَوْ بِالْمَدِينَةِ) ، قَالَ أَحْمَدُ: الْمَقَامُ بِالْمَدِينَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْمَقَامِ بِمَكَّةَ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُهَاجَرُ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا، إلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (وَمَكَّةُ أَفْضَلُ مِنْهَا) ، أَيْ: الْمَدِينَةَ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ ابْنِ الْحَمْرَاءِ «أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ، وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقٍ: وَاَللَّهِ إنَّك لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْت مِنْك مَا خَرَجَتْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَلِمُضَاعَفَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ أَكْثَرُ، وَأَمَّا حَدِيثُ: «الْمَدِينَةِ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ؛ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا قَبْلَ الْفَتْحِ.
وَحَدِيثُ: «اللَّهُمَّ إنَّهُمْ أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيَّ فَامْسِكْنِي فِي أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيْك.» . رُدَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ؛ فَمَعْنَاهُ: أَحَبُّ الْبِقَاعِ إلَيْك بَعْدَ مَكَّةَ.
(فَالصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ) فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْبِقَاعِ، صَحَّتْ الْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ.
(وَ) الصَّلَاةُ (بِمَسْجِدِهِ) ، أَيْ: مَسْجِدِ النَّبِيِّ، (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِأَلْفِ) صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْبِقَاعِ الَّتِي دُونَهُ،
وَدُونَ الْأَقْصَى فِي الْفَضِيلَةِ (وَ) الصَّلَاةُ (فِي) الْمَسْجِدِ (الْأَقْصَى: بِخَمْسِمِائَةِ) صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِمَّا دُونَهُ، لِوُرُودِ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ بِذَلِكَ.
(وَبَقِيَّةُ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ) الْمَكِّيِّ (كَصَلَاةٍ فِيهِ، فَكُلُّ عَمَلِ بِرٍّ) مِنْ صَدَقَةٍ وَذِكْرٍ وَكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْقُرُبَاتِ الَّتِي تَقَعُ (فِيهِ) ، أَيْ: الْحَرَمِ: (بِمِائَةِ أَلْفٍ) فِي غَيْرِهِ.
(وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَام أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ» مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ بِأَلْفٍ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، تَكُونُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْمَكِّيِّ: بِمِائَةِ أَلْفِ أَلْفِ صَلَاةٍ بِمَا سِوَاهُ، عَدَا الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَالْأَقْصَى، وَفَضْلُ اللَّهِ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ.
(وَفِي " الْفُرُوعِ ": وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ، مِنْ إطْلَاقِ فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ (غَيْرُ صَلَاةِ النِّسَاءِ فِي الْبُيُوتِ) ، إذْ صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ، لِحَدِيثِ «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ، وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ أُمِّ حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهَا «جَاءَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَك، قَالَ: قَدْ عَلِمْت أَنَّك تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُك فِي بَيْتِك خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِك فِي حُجْرَتِك، وَصَلَاتُك فِي حُجْرَتِك خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِك فِي دَارِك، وَصَلَاتُك فِي مَسْجِدِ قَوْمِك خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِك فِي مَسْجِدِي» .
قَالَ: فَأَمَرْت، فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهَا، فَكَانَتْ تُصَلِّي فِيهِ حَتَّى لَقِيَتْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ
(وَإِنَّ النَّفَلَ بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ) مِنْ فِعْلِهِ فِي مَسْجِدٍ، حَرَامًا كَانَ أَوْ لَا، لِحَدِيثِ: «عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) أَيْضًا: (أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ نَفْسُ الْمَسْجِدِ) ، وَمَعَ مَا يَزِيدُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، (وَقِيلَ: الْحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ) ، فَتَحْصُلُ فِيهِ الْمُضَاعَفَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
(وَمَعَ هَذَا) ، أَيْ: كَوْنِ الْحَرَمِ كُلِّهِ مَسْجِدًا؛ (فَالْحَرَمُ أَفْضَلُ مِنْ الْحِلِّ) ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَسْتَرِيبُ بِهِ عَاقِلٌ
[فَرْعٌ مَوْضِعُ قَبْرِهِ أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ]
(فَرْعٌ: مَوْضِعُ قَبْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) (أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ) ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُلِقَ مِنْ تُرْبَتِهِ، وَهُوَ خَيْرُ الْبَشَرِ، فَتُرْبَتُهُ خَيْرُ التُّرَبِ، وَأَمَّا نَفْسُ تُرَابِ التُّرْبَةِ؛ فَلَيْسَ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْكَعْبَةِ، بَلْ الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ الْجَسَدِ الشَّرِيفِ.
(وَقَالَ) أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيُّ (بْنُ عَقِيلٍ فِي) كِتَابِهِ (" الْفُنُونِ ") الَّذِي لَمْ يُؤَلَّفْ مِثْلُهُ فِي الدُّنْيَا، وَلَا مِقْدَارُهُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مُجَلَّدٌ لَكِنْ لَمَّا اسْتَوْلَى التَّتَارُ عَلَى بَغْدَادَ طَرَحُوا مُعْظَمَ كُتُبِهَا فِي الدِّجْلَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا هَذَا الْكِتَابُ: (الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ الْحُجْرَةِ، فَأَمَّا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا؛ فَلَا وَاَللَّهِ وَلَا الْعَرْشُ وَحَمَلَتُهُ) وَالْجَنَّةُ، (لِأَنَّ بِالْحُجْرَةِ جَسَدًا لَوْ وُزِنَ بِهِ) سَائِرُ الْمَخْلُوقَاتِ (لَرَجَحَ) .
(وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ يُؤْخَذُ (مِنْ هَذَا) ، أَيْ: مِنْ أَنَّ الْحُجْرَةَ الشَّرِيفَةَ بِمَا فِيهَا مِنْ الْجَسَدِ الشَّرِيفِ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْبِقَاعِ: (أَنَّ الْأَرْضَ أَفْضَلُ مِنْ السَّمَاءِ، لِأَنَّ شَرَفَ الْمَحَلِّ بِشَرَفِ الْحَالِّ فِيهِ) ، قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ فِي
الذَّرِيعَةِ ": اتَّفَقَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ أَفْضَلُ مِنْ السَّمَاءِ بِمَوَاطِئِ أَقْدَامِهِ الشَّرِيفَةِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، خُلِقُوا مِنْهَا، وَلِأَنَّ السَّمَاوَاتِ تُطْوَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ، وَأَمَّا الْأَرْضُ؛ فَإِنَّهَا تَصِيرُ خُبْزَةً يَأْكُلُهَا أَهْلُ الْمَحْشَرِ مَعَ زِيَادَةِ كَبِدِ الْحُوتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَتُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ بِمَكَانٍ) فَاضِلٍ كَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَفِي الْمَسَاجِدِ، (وَبِزَمَانٍ فَاضِلٍ) كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَرَمَضَانَ.
أَمَّا مُضَاعَفَةُ الْحَسَنَةِ؛ فَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَأَمَّا مُضَاعَفَةُ السَّيِّئَةِ؛ فَقَالَ بِهَا جَمَاعَةٌ تَبَعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، ذَكَرَهُ: الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَوَقَعَ خُلْفٌ) بَيْنَ الْعُلَمَاءِ (فِي كَوْنِ السَّيِّئَةِ تُضَاعَفُ) كَمَا تُضَاعَفُ (الْحَسَنَةُ) ، فَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَقَدْ سُئِلَ: هَلْ تُكْتَبُ السَّيِّئَةُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: لَا إلَّا بِمَكَّةَ، لِتَعْظِيمِ الْبَلَدِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بِعَدَنَ، وَهَمَّ أَنْ يَقْتُلَ عِنْدَ الْبَيْتِ؛ أَذَاقَهُ اللَّهُ مِنْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ إنَّ السَّيِّئَةَ تُضَاعَفُ بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ السَّيِّئَةَ تَبْلُغُ فِي التَّضْعِيفِ مَبْلَغَ الْحَسَنَةِ، وَهُوَ: مِائَةُ أَلْفٍ، وَيَدُلُّ.
لِذَلِكَ: مَا رَوَاهُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ "، أَنَّ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ الْحَسَنَةَ تُضَاعَفُ فِيهَا إلَى مِائَةِ أَلْفٍ، وَأَنَّ السَّيِّئَةَ كَذَلِكَ» (وَالْأَظْهَرُ) : أَنَّ السَّيِّئَةَ (لَا) تُضَاعَفُ كَالْحَسَنَةِ، (بَلْ) تُضَاعَفُ (فِي الْجُمْلَةِ) إذْ التَّشْبِيهُ فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ فِي مُطْلَقِ الْمُضَاعَفَةِ، وَأَيْضًا: فَقَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ فِي بَابِ الْمُضَاعَفَةِ الْمُحَقَّقَةِ مُقْتَضِيَةٌ أَنَّ السَّيِّئَةَ عُشْرُ الْحَسَنَةِ، فَإِذَا كَانَتْ الْحَسَنَةُ بِمِائَةِ
أَلْفٍ؛ كَانَتْ السَّيِّئَةُ بِعَشَرَةِ آلَافٍ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ كَذَلِكَ عَائِدًا إلَى التَّضْعِيفِ فَقَطْ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَأَحْمَدَ تَبَعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي تَضْعِيفِ السَّيِّئَاتِ: إنَّمَا أَرَادُوا مُضَاعَفَتَهَا فِي الْكَيْفِيَّةِ دُونَ الْكَمِّيَّةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَقَدْ أَوْضَحْته) ، أَيْ: هَذَا الْمَقَامَ (فِي) كِتَابِي " (تَشْوِيقِ الْأَنَامِ) فِي الْحَجِّ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ "، وَعِبَارَتُهُ: تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ وَفَّقَك اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِمُضَاعَفَةِ الْحَسَنَاتِ هُنَا، بَلْ وَالسَّيِّئَاتُ كَذَلِكَ، فَقَدْ عُلِمَ مِنْ الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ، وَالْمِلَّةِ الزَّهْرَاءِ، تَضَاعُفُ الذَّنْبِ فِي شَرَائِفِ الزَّمَانِ وَالْأَحْوَالِ، فَكَذَا فِي شَرَائِفِ الْأَمْكِنَةِ، أَلَا تَرَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الرَّفَثِ فِي رَمَضَانَ، وَفِي مُدَّةِ الْإِحْرَامِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ مِنْ تَغْلِيظِ دِيَةِ الْخَطَأِ فِي الْحَرَمِ، وَقَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى لِنِسَاءِ نَبِيِّهِ: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: 30] ، فَانْظُرْ كَيْف صَارَتْ مَعْصِيَتُهُنَّ - إنْ وَقَعَتْ - ضِعْفَيْنِ، لِشَرَفِهِنَّ، وَقَالَ تَعَالَى فِي أَجْرِهِنَّ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: 31] فَأَيُّ مَكَان أَوْ زَمَانٍ فِيهِ الشَّرَفُ أَكْثَرُ؛ فَالْمَعْصِيَةُ فِيهِ أَفْظَعُ وَأَشْنَعُ، لِأَنَّ الشَّامَةَ السَّوْدَاءَ فِي الْبَيَاضِ أَظْهَرُ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِمْ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ.
[فَصْلٌ صَيْدُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ]
(فَصْلٌ) (وَيَحْرُمُ صَيْدُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ) ، وَتُسَمَّى: طَابَةٌ وَطِيبَةٌ، لِحَدِيثِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا «إنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَالْأَوْلَى أَنْ لَا تُسَمَّى يَثْرِبَ) ،
لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيَّرَهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّثْرِيبِ، وَهُوَ: التَّعْيِيرُ وَالِاسْتِقْصَاءُ فِي اللَّوْمِ، وَمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حِكَايَةٌ لِمَقَالَةِ الْمُنَافِقِينَ، وَيَثْرِبُ فِي الْأَصْلِ: اسْمٌ لِرَجُلٍ مِنْ الْعَمَالِقَةِ بَنَى الْمَدِينَةِ فَسُمِّيَتْ بِهِ، وَقِيلَ يَثْرِبُ: اسْمُ أَرْضِهَا.
(وَ) إذَا صِيدَ مِنْ حَرَمِ الْمَدِينَةِ صَيْدٌ وَذُكِّيَ فَ (تَصِحُّ تَذْكِيَتُهُ) ، لِعَدَمِ تَأْثِيرِ هَذِهِ الْحُرْمَةِ فِي زَوَالِ مِلْكِ الصَّيْدِ نَصًّا.
(وَ) يَحْرُمُ (قَطْعُ شَجَرِهِ وَحَشِيشِهِ) الرَّطْبِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إلَى كَذَا، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْخَلَى مَقْصُورٌ: الْعُشْبُ الرَّطْبُ مِنْهُ.
(إلَّا لِحَاجَةٍ نَحْوِ مَسَانِدَ) جَمْعُ: مَسْنَدٍ، وَهُوَ: عُودُ الْبَكَرَةِ الَّذِي يَكُونُ مَجْرُورَةُ الْبَكَرَةِ عَلَيْهَا، قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ، وَفِي " الْإِقْنَاعِ ": وَالْمَسَانِدُ مِنْ الْقَائِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُنْصَبُ الْبَكَرَةُ عَلَيْهَا.
(وَآلَةِ حَرْثٍ، وَ) عَوَارِضَ قَتَبٍ، وَ (رَحْلٍ) ، وَعَارِضَةٍ لِسَقْفِ مَحْمَلٍ، وَآلَةِ دِيَاسٍ وَجُذَاذٍ وَحَصَادٍ، فَيَجُوزُ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْ الشَّجَرِ، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَرَّمَ الْمَدِينَةَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا أَصْحَابُ عَمَلٍ، وَأَصْحَابُ نَضْحٍ، وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَرْضًا غَيْرَ أَرْضِنَا، فَرَخِّصْ لَنَا، فَقَالَ: الْقَائِمَتَانِ، وَالْوِسَادَتَانِ، وَالْعَارِضَةُ، وَالْمَسْنَدُ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَا يُعْضَدُ وَلَا يُخْبَطُ مِنْهَا شَيْءٌ» (وَإِلَّا لِعَلَفٍ) مِنْ حَشِيشٍ، لِحَدِيثِ «وَلَا يَصْلُحُ أَنْ تُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَمَنْ أَدْخَلَهَا) ، أَيْ: الْمَدِينَةَ (صَيْدًا، فَلَهُ إمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ وَأَكْلُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ أَنَسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عُمَيْرٍ، قَالَ: أَحْسَبُهُ فَطِيمًا، وَكَانَ إذَا جَاءَ قَالَ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ: طَائِرٌ صَغِيرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَلَا جَزَاءَ فِيمَا حَرُمَ مِنْ نَحْوِ صَيْدٍ وَشَجَرٍ) وَحَشِيشٍ، قَالَ أَحْمَدُ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ حَكَمُوا فِيهِ بِجَزَاءٍ، لِجَوَازِ دُخُولِهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَلِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهَا لِأَدَاءِ النُّسُكِ وَذَبْحِ الْهَدَايَا، فَهِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبُلْدَانِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُرْمَةِ الضَّمَانُ، وَلَا مِنْ عَدَمِهَا عَدَمُهُ.
(وَحَرَمُهَا: بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ) نَصًّا، وَهُوَ: (مَا بَيْنَ ثَوْرٍ: جَبَلٌ صَغِيرٌ يَمِيلُ) لَوْنُهُ (إلَى الْحُمْرَةِ بِتَدْوِيرٍ) ، أَيْ: الِاسْتِطَالَةِ فِيهِ، وَهُوَ (خَلْفَ أُحُدٍ مِنْ جِهَةِ الشِّمَالِ، وَعَيْرٌ) ، وَهُوَ: (جَبَلٌ مَشْهُورٌ بِهَا) ، أَيْ: بِالْمَدِينَةِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «حَرَمُ الْمَدِينَةِ: مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عَيْرٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَذَلِكَ) أَيْ: الْحَدُّ الْمَذْكُورُ: (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَاللَّابَةُ: الْحَرَّةُ، وَهِيَ: أَرْضٌ تَرْكَبُهَا حِجَارَةٌ سُودٌ.
(وَ «جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوْلَ الْمَدِينَةِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالْحِمَى: الْمَكَانُ الْمَمْنُوعُ مِنْ الرَّعْيِ.
[بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ طَوَافٍ وَسَعْيٍ وَغَيْرِهِ]
(يُسَنُّ) دُخُولُهَا (نَهَارًا) ، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، (مِنْ أَعْلَاهَا) ، أَيْ: مَكَّةَ، (مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ، مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ، مَصْرُوفٌ وَغَيْرُ مَصْرُوفٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْمَطَالِعِ " وَيُعْرَفُ الْآنَ بِبَابِ الْمُصَلَّى.
(وَ) سُنَّ خُرُوجٌ مِنْ مَكَّةَ (مِنْ أَسْفَلِهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كُدَيٍّ) بِضَمِّ الْكَافِ وَالتَّنْوِينِ، عِنْدَ ذِي طَوَى، بِقُرْبِ شِعْبِ الشَّامِيِّينَ.
(وَ) سُنَّ
(دُخُولُ الْمَسْجِدِ) الْحَرَمِ (مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) ، وَبِإِزَائِهِ الْبَابُ الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِبَابِ السَّلَامِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ ارْتِفَاعَ الضُّحَى، وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عَنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، ثُمَّ دَخَلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُ.
قَالَ فِي " أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ ": يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دُخُولِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاَللَّهِ، وَمِنْ اللَّهِ، وَإِلَى اللَّهِ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِك.
(فَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ) ، أَيْ: عَلِمَ بِهِ، يَشْمَلُ الْأَعْمَى، وَمَنْ فِي ظُلْمَةٍ (رَفَعَ يَدَيْهِ) نَصًّا، لِحَدِيثِ الشَّافِعِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَأَى الْبَيْتَ، رَفَعَ يَدَيْهِ» وَقَوْلُ جَابِرٍ: " مَا كُنْت أَظُنُّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا إلَّا الْيَهُودَ ". الْحَدِيثَ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
رُدَّ بِأَنَّهُ قَوْلُ جَابِرٍ عَنْ ظَنِّهِ، وَخَالَفَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ.
(وَقَالَ) بَعْدَ رَفْعِ يَدَيْهِ: (" اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْك السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ،) كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ ذَلِكَ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.
وَالسَّلَامُ الْأَوَّلُ: اسْمُ اللَّهِ، وَالثَّانِي، مَنْ: أَكْرَمْته بِالسَّلَامِ، وَالثَّالِثُ: السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ.
(اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا) ، أَيْ: تَبْجِيلًا، (وَتَشْرِيفًا) ، أَيْ: رِفْعَةً وَعُلَا، (وَتَكْرِيمًا) : تَفْضِيلًا، (وَمَهَابَةً) : تَوْقِيرًا، وَإِجْلَالًا، (وَبِرًّا) بِكَسْرِ الْبَاءِ: هُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ، (وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، وَمَهَابَةً وَبِرًّا) رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ مَرْفُوعًا.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ عِزِّ جَلَالِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ، وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ إنَّك دَعَوْت إلَى حَجِّ بَيْتِك الْحَرَامِ) ، سُمِّيَ بِهِ لِانْتِشَارِ حُرْمَتِهِ، وَأُرِيدَ بِتَحْرِيمِهِ سَائِرُ الْحَرَمِ، (وَقَدْ جِئْتُك لِذَلِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ) ، ذَكَرَهُ الْأَثْرَمُ وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ: «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ» «وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» (وَيَرْفَعُ رَجُلٌ بِذَلِكَ) الدُّعَاءِ (صَوْتَهُ) كَالتَّلْبِيَةِ، (وَمَا زَادَ مِنْ الدُّعَاءِ فَحَسَنٌ) ، لِأَنَّ تِلْكَ الْبِقَاعَ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ، (وَيَدْنُو مِنْ الْكَعْبَةِ بِخُضُوعٍ وَخُشُوعٍ) ، لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِالْحَالِ، (ثُمَّ يَطُوفُ ابْتِدَاءً) ، أَيْ: قَبْلَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، (نَدْبًا)
(وَهُوَ) ، أَيْ: الطَّوَافُ: (تَحِيَّةُ الْكَعْبَةِ، وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ: الصَّلَاةُ، وَتُجْزِئُ عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ (رَكْعَتَاهُ) ، أَيْ: الطَّوَافُ (بَعْدَهُ) ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الطَّوَافُ، لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ، وَهَذَا تَفْصِيلُهُ.
(فَإِنْ أُقِيمَتْ) صَلَاةٌ (مَكْتُوبَةٌ، أَوْ ذَكَرَ) فَرِيضَةً (فَائِتَةً، أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ، قَدَّمَهَا) عَلَى الطَّوَافِ، لِاتِّسَاعِ وَقْتِهِ، وَأَمْنِ فَوَاتِهِ.
(وَيَنْوِي مُتَمَتِّعٌ بِطَوَافِهِ الْعُمْرَةَ، وَهُوَ) ، أَيْ: الطَّوَافُ، (رُكْنٌ) مِنْ أَرْكَانِهَا.
(وَ) يَنْوِي (مُفْرِدٌ) بِطَوَافِهِ الْقُدُومَ، (وَ) كَذَا يَنْوِي (قَارِنٌ) بِطَوَافِهِ (الْقُدُومَ، وَهُوَ: الْوُرُودُ، وَهُوَ سُنَّةٌ) فَتُسْتَحَبُّ الْبَدَاءَةَ بِهِ، (وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ) اسْتِحْبَابًا، (غَيْرَ حَامِلِ مَعْذُورٍ فِي كُلِّ أُسْبُوعِهِ) نَصًّا، وَإِنَّمَا شُرِعَ الِاضْطِبَاعُ فِي هَذَا الطَّوَافِ (فَقَطْ) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنْ الْجِعْرَانَةِ، فَرَمَلُوا فِي الْبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ الْيُسْرَى» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَأَشَارَ إلَى صِفَةِ الِاضْطِبَاعِ بِقَوْلِهِ: (فَيَجْعَلُ مِنْ وَسَطِهِ) ، أَيْ: الرِّدَاءِ، (تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، وَ) يَجْعَلُ (طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ) ، لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ مُضْطَبِعًا» ، (وَيَبْتَدِئُ طَوَافَهُ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) ، لِبُدَاءَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ، وَقَوْلِهِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَهُوَ جِهَةُ الْمَشْرِقِ، فَيُحَاذِيهِ) ، أَيْ: الْحَجَرِ، (أَوْ) يُحَاذِي (بَعْضَهُ بِكُلِّ بَدَنِهِ) ، بِأَنْ
يَقِفَ مُقَابِلَ الْحَجَرِ حَتَّى يَكُونَ مُبْصِرًا لِضِلْعَيْ الْبَيْتِ الَّذِي عَنْ أَيْمَنِ الْحَجَرِ وَأَيْسَرِهِ، وَهَذَا احْتِرَازٌ مِنْ أَنْ يَقِفَ فِي ضِلْعِ الْبَابِ وَيَسْتَلِمَهُ مِنْهُ فَلَا يَكُونُ مُحَاذِيًا لَهُ بِبَدَنِهِ كُلِّهِ، فَمَتَى رَأَى الضِّلْعَ الْآخَرَ فَقَدْ حَاذَاهُ بِكُلِّ بَدَنِهِ (وَيَسْتَلِمَهُ) ، أَيْ: يَمْسَحُ الْحَجَرَ (بِيَدِهِ الْيُمْنَى) ، لِقَوْلِ جَابِرٍ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ، فَاسْتَلَمَهُ.» . الْحَدِيثَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالِاسْتِلَامُ: مِنْ السَّلَامِ، وَهُوَ: التَّحِيَّةُ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ: الْمُحَيَّا، لِأَنَّ النَّاسَ يُحَيُّونَهُ بِالِاسْتِلَامِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ الْجَنَّةِ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: " لَمَّا أَخَذَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، الْمِيثَاقَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ، كَتَبَ كِتَابًا فَأَلْقَمَهُ الْحَجَرَ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِلْمُؤْمِنِ بِالْوَفَاءِ وَعَلَى الْكَافِرِ بِالْجُحُودِ ".
(وَيُقَبِّلُهُ بِلَا صَوْتٍ يَظْهَرُ لِلْقُبْلَةِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ، وَوَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي، فَقَالَ: يَا عُمَرُ، هَهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَيَسْجُدُ) ، أَيْ: يُمَرِّغُ الرَّجُلُ وَجْهَهُ (عَلَيْهِ) ، فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبَّاسٍ، (فَإِنْ شَقَّ) اسْتِلَامُهُ وَتَقْبِيلُهُ لِنَحْوِ زِحَامٍ، (لَمْ يُزَاحِمْ، وَاسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ وَقَبَّلَهَا) ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(فَإِنْ شَقَّ) اسْتِلَامُهُ بِيَدِهِ، (فَ) إنَّهُ يَسْتَلِمُهُ (بِشَيْءٍ، وَيُقَبِّلُهُ) ، أَيْ: مَا اسْتَلَمَهُ بِهِ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، (فَإِنْ شَقَّ) عَلَيْهِ اسْتِلَامُهُ أَيْضًا بِشَيْءٍ، (أَشَارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ أَوْ بِشَيْءٍ) ، لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَعِيرٍ، فَلَمَّا أَتَى الْحَجَرَ، أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ، وَكَبَّرَ» ، (وَلَا يُقَبِّلُهُ) ، أَيْ: مَا أَشَارَ بِهِ إلَيْهِ، (وَاسْتَقْبَلَهُ) ، أَيْ الْحَجَرَ، إذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ، (بِوَجْهِهِ، وَقَالَ " بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إيمَانًا بِك، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك وَوَفَاءً بِعَهْدِك، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقُولُ ذَلِكَ كُلَّ مَا اسْتَلَمَهُ)
لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ، (وَزَادَ جَمَاعَةٌ) كَثِيرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى الْأَوَّلِ: (" اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ " فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَجَرُ مَوْجُودًا) وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ؛ (وَقَفَ مُقَابِلًا لِمَكَانِهِ) ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ إذَا هُدِمَتْ، (وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ وَقَبَّلَهُ، فَإِنْ شَقَّ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ) ، لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
(وَيَقْرَبُ طَائِفٌ جَانِبَهُ الْأَيْسَرَ لِلْبَيْتِ، وَشُرِطَ جَعْلُهُ عَنْ يَسَارِهِ) ، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَعَ قَوْلِهِ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (فَأَوَّلُ رُكْنٍ يَمُرُّ بِهِ) ، الطَّائِفُ (يُسَمَّى: الشَّامِيُّ وَالْعِرَاقِيُّ، وَهُوَ) : الرُّكْنُ (جِهَةُ الشَّامِ، ثُمَّ يَلِيهِ الرُّكْنُ الْغَرْبِيُّ وَالشَّامِيُّ، وَهُوَ: جِهَةُ الْمَغْرِب، ثُمَّ الْيَمَانِيُّ: جِهَةُ الْيَمَنِ، فَيَسْتَلِمَهُ إذَا أَتَى عَلَيْهِ وَلَا يُقَبِّلَهُ) .
وَحَدِيثُ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ اسْتَلَمَهُ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ» فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا لَا يَصِحُّ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ التَّقْبِيلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ
(ثُمَّ كُلَّمَا حَاذَى) طَائِفٌ (الْحَجَرَ) الْأَسْوَدَ (وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ، اسْتَلَمَهَا) نَدْبًا، لِحَدِيثِ ابْن عُمَرَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ، الرُّكْنَ الْيَمَانِي، وَالْحَجَرَ فِي طَوَافِهِ» قَالَ نَافِعٌ: " وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
لَكِنْ لَا يُقَبِّلُ إلَّا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ (أَوْ أَشَارَ إلَيْهِمَا) ، أَيْ: الْحَجَرِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ إنْ شَقَّ اسْتِلَامُهُمَا.
وَ (لَا) يُسَنُّ اسْتِلَامُ
الرُّكْنِ (الشَّامِيِّ) ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ أَوَّلُ رُكْنٍ يَمُرُّ بِهِ، (وَ) لَا اسْتِلَامُ الرُّكْنِ (الْغَرْبِيِّ) وَهُوَ: مَا يَلِي الشَّامِيَّ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «لَمْ أَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمَسُّ مِنْ الْأَرْكَانِ إلَّا الْيَمَانِيَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا أَرَاهُ - يَعْنِي: النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ إلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ، وَلَا طَافَ النَّاسُ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ إلَّا لِذَلِكَ.
" وَطَافَ مُعَاوِيَةُ، فَجَعَلَ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِمَ تَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُهُمَا؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: صَدَقَتْ ".
(وَ) لَا يُسَنُّ (تَقْبِيلُ الْمَقَامِ وَ) لَا (مَسْحُهُ وَلَا) تَقْبِيلُ وَمَسْحُ (مَسَاجِدَ وَ) لَا (قُبُورٍ) ؛ فِيهَا أَنْبِيَاءٌ أَوْ صَالِحُونَ (وَ) لَا تَقْبِيلُ وَمَسْحُ (صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) وَلَا غَيْرِهَا، لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمُعَاوِيَةَ، بَلْ هَذَا أَوْلَى
(وَيَقُولُ) طَائِفٌ (كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ) الْأَسْوَدَ ": (اللَّهُ أَكْبَرُ) فَقَطْ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «طَافَ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ بِيَدِهِ وَكَبَّرَ» ، (وَ) يَقُولُ (بَيْنَهُ) ، أَيْ: الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (وَبَيْنَ) الرُّكْنِ (الْيَمَانِيِّ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201] ، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ فِي الْمَنَاسِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «وَحَلَّ بِهِ - يَعْنِي: الرُّكْنَ الْيَمَانِي - سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، قَالُوا: آمِينَ» ، (وَيَقُولُ فِي بَقِيَّةِ طَوَافِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاهْدِنِي السَّبِيلَ الْأَقْوَمَ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ) ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُولُ: " رَبِّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي ".
وَعَنْ عُرْوَةَ: " كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ: لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، وَأَنْتَ تُحْيِي بَعْدَ مَا أَمَتّ " (وَيَذْكُرُ وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدَعُ.
. . " الْحَدِيثَ.
إلَّا ذِكْرًا وَقِرَاءَةً أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، لِحَدِيثِ: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، فَمَنْ تَكَلَّمَ، فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ»
(وَسُنَّ قِرَاءَةٌ فِيهِ) ، أَيْ: الطَّوَافِ نَصًّا، لِأَنَّهَا أَفْضَلُ الذِّكْرِ، لَا الْجَهْرُ بِهَا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ أَيْضًا: جِنْسُ الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ مِنْ الطَّوَافِ.
(وَلَا تُزَاحِمُ امْرَأَةٌ رِجَالًا، لِتَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، وَلَا تُشِيرُ إلَيْهِ) بِيَدِهَا، قَالَ عَطَاءٌ: " كَانَتْ عَائِشَةَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَجْرَةً مِنْ الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ: انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَتْ: انْطَلِقِي عَنْك، وَأَبَتْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَمَعْنَى انْطَلِقِي عَنْك: انْطَلِقِي، وَاتْرُكِي الِاسْتِلَامَ عَنْك.
(وَالْأَوْلَى لَهَا تَأْخِيرُ طَوَافٍ إلَى اللَّيْلِ) ، لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا (إنْ أَمِنَتْ نَحْوَ حَيْضٍ) ، كَنِفَاسٍ وَفَوْتِ رُفْقَةٍ.
(وَسُنَّ أَنْ يَرْمُلَ مَاشٍ غَيْرَ حَامِلِ مَعْذُورٍ، وَ) غَيْرَ نِسَاءٍ، وَغَيْرَ (مُحْرِمٍ مِنْ مَكَّةَ أَوْ) مِنْ (قُرْبِهَا) ، فَلَا يُسَنُّ لَهُمْ الرَّمَلُ، فَالرَّمَلُ هُوَ: أَنْ (يَسْرُعَ الْمَشْيَ، وَيُقَارِبَ الْخَطَأَ فِي ثَلَاثِ طَوْفَاتٍ أُوَلٍ مِنْ غَيْرِ وَثْبٍ) ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «رَمَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عُمَرِهِ كُلِّهَا، وَفِي حَجِّهِ» ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَالْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ "، رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةَ) أَشْوَاطٍ (بِلَا رَمَلٍ) ، لِلْأَخْبَارِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، (وَلَا يُقْضَى فِيهَا) ، أَيْ: فِي هَذِهِ الْأَشْوَاطِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَا فِي طَوَافٍ غَيْرِ هَذَا (رَمَلٌ) ، وَلَا اضْطِبَاعٌ (فَاتَ) لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ.
(وَالرَّمَلُ) مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْبَيْتِ (أَوْلَى مِنْ الدُّنُوِّ لِلْبَيْتِ) بِدُونِهِ، لِعَدَمِ
تَمَكُّنِهِ مِنْهُ مَعَ الْقُرْبِ لِلزِّحَامِ، لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ، أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِهَا أَوْ زَمَانِهَا، (وَالتَّأْخِيرُ) ، أَيْ: تَأْخِيرُ الطَّوَافِ حَتَّى يَزُولَ الزِّحَامُ (لَهُ) ، أَيْ: لِأَجْلِ الرَّمَلِ، (وَلِلدُّنُوِّ) مِنْ الْبَيْتِ، (أَوْلَى) مِنْ تَقْدِيمِهِ مَعَ فَوَاتِ الرَّمَلِ، أَوْ الدُّنُوِّ أَوْ فَوَاتِ أَحَدِهِمَا، لِيَأْتِيَ بِالطَّوَافِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرَّمَلِ مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْبَيْتِ، لِقُوَّةِ الزِّحَامِ، فَالدُّنُوُّ مِنْهُ أَوْلَى، وَيَطُوفُ مَعَ الزِّحَامِ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ، بِحَيْثُ لَا يُؤْذِي أَحَدًا، فَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً، رَمَلَ فِيهَا مَا دَامَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ؛ لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ.
(وَلَا يُسَنُّ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ فِي غَيْرِ هَذَا الطَّوَافِ) ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ إنَّمَا رَمَلُوا وَاضْطَبَعُوا فِيهِ.
(وَمَنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا، لَمْ يُجْزِئْهُ) طَوَافُهُ كَذَلِكَ، (إلَّا) إنْ كَانَ رُكُوبُهُ أَوْ حَمْلُهُ (لِعُذْرٍ) ، لِحَدِيثِ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ، فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهَا رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، كَالصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا طَافَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاكِبًا لِعُذْرٍ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ، حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنْ الْبُيُوتِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرُوا عَلَيْهِ، رَكِبَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَلَا يُجْزِئُ) الطَّوَافُ (عَنْ حَامِلِهِ) ، أَيْ: الْمَعْذُورِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ هُنَا الْفِعْلُ وَهُوَ وَاحِدٌ، فَلَا يَقَعُ عَنْ اثْنَيْنِ، وَوُقُوعُهُ عَنْ الْمَحْمُولِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ إلَّا لِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْحَامِلِ، (إلَّا إنْ نَوَى) حَامِلُ الطَّوَافِ (وَحْدَهُ) ، أَيْ: دُونَ الْمَحْمُولِ، (أَوْ نَوَيَا) ، أَيْ: الْحَامِلُ وَالْمَحْمُولُ.
(جَمِيعًا) الطَّوَافَ (عَنْهُ) ، أَيْ: الْحَامِلِ، فَيُجْزِئُ عَنْهُ، لِخُلُوصِ النِّيَّةِ مِنْهُمَا لِلْحَامِلِ، (فَإِنْ نَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا) الطَّوَافَ عَنْ نَفْسِهِ، (صَحَّ لِمَحْمُولٍ فَقَطْ) ، لِأَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ أَدَّى
بِهَا الْحَامِلُ فَرْضَ غَيْرِهِ، فَلَمْ تَقَعْ عَنْ فَرْضِهِ، كَالصَّلَاةِ، وَصِحَّةُ أَخْذِ الْحَامِلِ عَنْ الْمَحْمُولِ الْأُجْرَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَصْدُهُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَخْذُهُ بِهِ عَنْ شَيْءٍ يَقَعُ لِنَفْسِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
(فَإِنْ نَوَى أَحَدُهُمَا) الطَّوَافَ عَنْ (نَفْسِهِ، وَالْآخَرُ لَمْ يَنْوِ، صَحَّ) الطَّوَافُ (لِنَاوٍ) لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (فَإِنْ لَمْ يَنْوِيَا، أَوْ نَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ، لَمْ يَصِحَّ) الطَّوَافُ (لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا) ، لِخُلُوِّ طَوَافِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ نِيَّةٍ مِنْهُ.
(وَ) حُكْمُ (سَعْيٍ رَاكِبًا كَطَوَافٍ) رَاكِبًا نَصًّا، فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا لِعُذْرٍ، (وَإِنْ طَافَ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ لَا) عَلَى سَطْحِ (الْبَيْتِ) ، تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ، كَصَلَاتِهِ إلَيْهَا، (أَوْ قَصَدَ فِي طَوَافِهِ غَرِيمًا، وَقَصَدَ مَعَهُ طَوَافًا بِنِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ) ، أَيْ: مُقَارَنَةً لِلطَّوَافِ (لَا حُكْمِيَّةً، تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ) فِي قِيَاسِ قَوْلِهِمْ.
وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ كَعَاطِسٍ قَصَدَ بِحَمْدِهِ قِرَاءَةً، (قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ") .
وَالنِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ: أَنْ يَنْوِيَهُ قَبْلُ، وَيَسْتَمِرَّ حُكْمُهَا، وَهِيَ مَعْنَى اسْتِصْحَابِ حُكْمِهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ.
(وَيُجْزِئُ) طَوَافٌ (فِي الْمَسْجِدِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ) نَحْوِ قُبَّةٍ، وَ (لَا) يُجْزِئُ طَوَافُهُ (خَارِجَهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ (أَوْ مَنْسَكًا) ، بِأَنْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ وَطَافَ، لَمْ يُجْزِئْهُ، (أَوْ) طَافَ (مُتَقَهْقِرًا) ، بِأَنْ جَعَلَهُ عَلَى يَسَارِهِ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى، فَلَا يُجْزِئُهُ، لِمُخَالَفَتِهِ فِعْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَوْ) طَافَ (عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَهُوَ: الْقَدْرُ الَّذِي تُرِكَ خَارِجًا عَنْ عَرْضِ الْجِدَارِ، مُرْتَفِعًا عَنْ الْأَرْضِ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ، فَلَا يُجْزِئُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] وَالْحِجْرُ مِنْهُ،
لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «هُوَ مِنْ الْبَيْتِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(أَوْ) طَافَ عَلَى (شَاذَرْوَانَ الْكَعْبَةِ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، (وَهُوَ: مَا فَضَلَ مِنْ جِدَارِهَا) ، فَلَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ، فَإِنْ لَمْ يَطُفْ بِهِ، لَمْ يَطُفْ بِكُلِّ الْبَيْتِ، وَإِنْ مَسَّ الْجِدَارَ بِيَدِهِ فِي مُوَازَاةِ الشَّاذَرْوَانِ، صَحَّ طَوَافُهُ، (أَوْ) طَافَ طَوَافًا (نَاقِصًا، وَلَوْ) نَقْصًا (يَسِيرًا) ، فَلَا يُجْزِئُهُ لِمَا، تَقَدَّمَ، «وَقَدْ طَافَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ، وَالشَّاذَرْوَانُ: مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ» ، (أَوْ) طَافَ (بِلَا نِيَّةٍ) ، لَمْ يُجْزِئْهُ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَكَالصَّلَاةِ، (أَوْ) طَافَ (عُرْيَانَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَعَثَهُ بِالْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ، يُؤَذِّنُ: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(أَوْ) طَافَ (مُحْدِثًا) أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ، (أَوْ) طَافَ (نَجِسًا) ، لِحَدِيثِ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إلَّا أَنَّكُمْ، تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ» (فَيَلْزَمُ النَّاسَ انْتِظَارُ حَائِضٍ) إنْ أَمْكَنَ لَا نُفَسَاءَ، لِطُولِ مُدَّتِهَا.
(وَيُسَنُّ فِعْلُ بَقِيَّةِ الْمَنَاسِكِ كُلِّهَا) مِنْ سَعْيٍ وَوُقُوفٍ وَرَمْيٍ، وَغَيْرِهَا (مُتَطَهِّرًا) لِأَنَّهُ أَكْمَلُ.
(وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) مِنْهُ (عَدَمُ الصِّحَّةِ) ، أَيْ: عَدَمُ صِحَّةِ الطَّوَافِ، (بِحَرِيرٍ وَمَغْصُوبٍ) إذَا كَانَا سَاتِرَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، لِمَا يَجِبُ سَتْرُهُ فِي الصَّلَاةِ، قِيَاسًا عَلَيْهَا إذْ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ بِمُبَاحٍ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ: الطَّوَافُ كَالصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إلَّا فِي إبَاحَةِ النُّطْقِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ.
(وَ) يَتَّجِهُ أَيْضًا: (أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ) حَالَ كَوْنِهِ (طَائِفًا، لَا يَضُرُّ) ذَلِكَ فِي طَوَافِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ، لِإِشْعَارِهِ بِعَدَمِ
الْمُبَالَاةِ فِي الْعِبَادَةِ، أَفَادَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ "، وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَيَصِحُّ) الطَّوَافُ (فِيمَا لَا يَحِلُّ لِمُحْرِمٍ لُبْسُهُ) كَذَكَرٍ فِي مَخِيطٍ أَوْ مُطَيَّبٍ، لِعَوْدِ النَّهْيِ لِخَارِجٍ (وَيَفْدِي) طَائِفٌ (عَامِدٌ) لِفِعْلِ الْمَحْظُورِ، (وَيَبْتَدِئُ) الطَّوَافَ (لِحَدَثٍ فِيهِ) تَعَمَّدَهُ أَوْ سَبَقَهُ بَعْدَ أَنْ يَتَطَهَّرَ كَالصَّلَاةِ، (وَ) يَبْتَدِئُهُ (لِقَطْعٍ طَوِيلٍ) عُرْفًا، لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ فِيهِ كَالصَّلَاةِ، «وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالَى طَوَافَهُ، وَقَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَإِنْ كَانَ) قَطْعُهُ (يَسِيرًا، أَوْ أُقِيمَتْ صَلَاةٌ) وَهُوَ فِي الطَّوَافِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي أُقِيمَتْ نَافِلَةً (كَوِتْرٍ وَتَرَاوِيحَ) ، أَيْ: فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا، وَيَبْنِي عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ الْأَشْوَاطِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِيهِ مَا فِيهِ، إذْ صَرِيحُ الْإِقْنَاعِ: أَنَّهُ يُصَلِّي، وَيَبْنِي إذَا أُقِيمَتْ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، (أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ) وَهُوَ فِيهِ، (صَلَّى وَبَنَى) عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ طَوَافِهِ، لِحَدِيثِ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» وَلِأَنَّ الْجِنَازَةَ تَفُوتُ بِالتَّشَاغُلِ.
وَيَبْتَدِئُ الشَّوْطَ (مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَلَا يَعْتَدَّ بِبَعْضِ شَوْطٍ قَطَعَ فِيهِ) قَالَهُ أَحْمَدُ، وَكَذَا لِسَعْيٍ، أَيْ: حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ كَطَوَافٍ، (فَإِذَا تَمَّ) طَوَافُهُ، (تَنَفَّلَ بِرَكْعَتَيْنِ، وَالْأَفْضَلُ كَوْنُهُمَا خَلْفَ الْمَقَامِ) ، أَيْ: مَقَامِ إبْرَاهِيمَ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَفِيهِ: «ثُمَّ تَقَدَّمَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ وَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] » فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
. "، الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلَا يُشْرَعُ تَقْبِيلُهُ وَلَا مَسْحُهُ، فَسَائِرُ الْمَقَامَاتِ أَوْلَى.
(وَ) وَيَقْرَأُ فِيهِمَا (بِ) : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] فِي) رَكْعَةٍ (أُولَى، وَ) سُورَةِ (الْإِخْلَاصِ) بِرَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ، بَعْدَ) قِرَاءَةِ (الْفَاتِحَةِ) لِلْخَبَرِ.
(وَتُجْزِئُ مَكْتُوبَةٌ، وَرَاتِبَةٌ عَلَيْهِمَا) ، أَيْ: عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، كَرَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.
[فَائِدَةٌ مَا يُدْعَى بِهِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ]
فَائِدَةٌ: وَمِمَّا يُدْعَى بِهِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ: «اللَّهُمَّ أَنَا عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك، أَتَيْتُك بِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ، وَأَعْمَالٍ سَيِّئَةٍ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ النَّارِ، فَاغْفِرْ لِي إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: قَوْلُهُ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِك: كَلَامٌ يَقُولُهُ الْمُسْتَعِيذُ، وَيَعْنِي بِالْعَائِذِ: نَفْسَهُ، وَهُوَ كَمَا يُقَالُ: هَذَا مَقَامُ الذَّلِيلِ، وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ مُصَنِّفِي الْمَنَاسِكِ الْمَشْهُورَةِ مِنْ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ وَقَعَ إلَى بَعْضِ عَوَامِّ مَكَّةَ، رَأَيْت مِنْهُمْ مَنْ يُطَوِّفُ بَعْضَ الْغُرَبَاءِ وَيُشِيرُ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ عِنْدَ انْتِهَائِهِ إلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ دُعَائِهِ.
(وَسُنَّ عَوْدُهُ) ، أَيْ: الطَّائِفِ، (قَبْلَ صَلَاةٍ وَقَبْلَ سَعْيٍ لِلْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ (فَيَسْتَلِمَهُ) نَصًّا، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَهُ جَابِرٌ فِي صِفَةِ حَجِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَ) سُنَّ (الْإِكْثَارُ مِنْ الطَّوَافِ كُلَّ وَقْتٍ) لَيْلًا وَنَهَارًا، وَالطَّوَافُ لِغَرِيبٍ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ نَصًّا، (وَلَهُ) ، أَيْ: الطَّائِفِ، (جَمْعُ أَسَابِيعَ بِرَكْعَتَيْنِ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ) مِنْ تِلْكَ الْأَسَابِيعِ، فَعَلَتْهُ عَائِشَةُ وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، وَكَوْنُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَفْعَلْهُ لَا يُوجِبُ كَرَاهَةً، لِأَنَّهُ لَمْ يَطُفْ أُسْبُوعَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةً، وَذَلِكَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ بِالِاتِّفَاقِ.
وَلَا تُعْتَبَرُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالرَّكْعَتَيْنِ، لِأَنَّ عُمَرَ صَلَّاهُمَا بِذِي طَوَى، وَأَخَّرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ الرَّكْعَتَيْنِ حِينَ طَافَتْ رَاكِبَةً بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَالْأَوْلَى) أَنْ يَرْكَعَهُمَا (عَقِبَ كُلِّ أُسْبُوعٍ) ، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَ) لَطَائِفٍ (تَأْخِيرُ سَعْيِهِ عَنْ طَوَافِهِ بِطَوَافٍ وَغَيْرِهِ، فَلَا تَجِبُ مُوَالَاةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَوَافِهِ) ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَطُوفَ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَيَسْعَى آخِرَهُ.
[تَنْبِيهٌ شُرُوطُ طَوَافٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَيْئًا]
(تَنْبِيهٌ: شُرُوطُ طَوَافٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ) شَيْئًا: (إسْلَامٌ، وَعَقْلٌ، وَنِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ) كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، (وَدُخُولُ وَقْتٍ) لِوَاجِبٍ، (وَلِقَادِرٍ وَسَتْرُ عَوْرَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ، (وَطَهَارَةُ حَدَثٍ) ، لِأَنَّهُ صَلَاةٌ، وَ (لَا) تُشْتَرَطُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ (لِطِفْلٍ) دُونَ التَّمْيِيزِ، لِعَدَمِ إمْكَانِهِ مِنْهُ، (وَطَهَارَةُ خُبْثٍ) حَتَّى لِلطِّفْلِ، (وَتَكْمِيلُ السَّبْعِ يَقِينًا، فَإِنْ شَكَّ أَخَذَ بِالْيَقِينِ) وَهُوَ الْأَقَلُّ، (وَيُقْبَلُ قَوْلُ عَدْلَيْنِ) فِي أَنَّهُ أَكْمَلَهَا، (وَجَعْلُ، الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ غَيْرَ مُتَقَهْقِرٍ) ، وَتَقَدَّمَ، (وَمَشْيٌ لِقَادِرٍ) عَلَيْهِ، (وَمُوَالَاتُهُ) بَيْنَ الْأَشْوَاطِ، إلَّا إذَا حَضَرَتْ جِنَازَةٌ أَوْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ، وَتَقَدَّمَ، (وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ) ، يَعْنِي: أَنَّهُ يَطُوفُ دَاخِلَهُ، (وَأَنْ يَبْتَدِئَهُ) ، أَيْ: الطَّوَافَ، (مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيُحَاذِيهِ) بِكُلِّ بَدَنِهِ، وَتَقَدَّمَ.
(وَسُنَنُهُ) ، أَيْ: الطَّوَافِ: عَشْرًا: (اسْتِلَامُ الْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ، (وَتَقْبِيلُهُ وَنَحْوُهُ) كَالْإِشَارَةِ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِلَامِ، (وَاسْتِلَامُ الرُّكْنِ) الْيَمَانِي، (وَاضْطِبَاعٌ وَرَمَلٌ، وَمَشْيٌ فِي مَوَاضِعِهِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُفَصَّلًا، (وَدُعَاءٌ وَذِكْرٌ، وَدُنُوٌّ مِنْ الْبَيْتِ، وَالرَّكْعَتَانِ بَعْدَهُ) ، وَتَقَدَّمَتْ أَدِلَّةُ ذَلِكَ كُلِّهِ.
(وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ (يُكْرَهُ فِيهِ) ، أَيْ: الطَّوَافِ، (مَا يُكْرَهُ فِي صَلَاةٍ) ، كَعَبَثٍ وَتَخَصُّرٍ وَالْتِفَاتٍ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَفَرْقَعَةِ أَصَابِعَ وَنَحْوِهَا، (لَا مُطْلَقًا) بَلْ غَالِبًا، لِأَنَّهُ يُفْتَقَرُ فِيهِ مَا لَا يُفْتَقَرُ فِيهَا، (وَلَمْ يُرَ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ فَضَّلَ بَيْنَ الْأَرْكَانِ) ، بِأَنْ جَعَلَ بَعْضَهَا أَفْضَلَ
مِنْ بَعْضٍ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا عَلَى حَدٍّ سَوِيٍّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَرْعٌ عَلِمَ مُتَمَتِّعٌ بَعْدَ فَرَاغِ حَجِّهِ بُطْلَانَ أَحَدِ طَوَافَيْهِ]
(فَرْعٌ: لَوْ عَلِمَ مُتَمَتِّعٌ بَعْدَ فَرَاغِ، حَجٍّ، بُطْلَانَ أَحَدِ طَوَافَيْهِ) لِلْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، كَكَوْنِهِ طَافَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، (وَجَهِلَهُ) أَيْ: الطَّوَافَ الَّذِي كَانَ فِيهِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، (لَزِمَهُ الْأَشَدُّ) يُبْرِئُ ذِمَّتَهُ بِيَقِينٍ، (وَهُوَ) ، أَيْ: الْأَشَدُّ (جَعْلُهُ) ، أَيْ: الطَّوَافُ الْكَائِنُ بِلَا طَهَارَةٍ، (لِلْعُمْرَةِ) ، فَلَا يَحِلُّ مِنْهَا بِحَلْقٍ، لِعَدَمِ صِحَّتِهَا بِفَسَادِ طَوَافِهَا، وَيَكُونُ قَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، (فَيَصِيرُ قَارِنًا، كَمَا لَوْ عَلِمَهُ) ، أَيْ: الطَّوَافَ الْبَاطِلَ (لَهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (وَعَلَيْهِ دَمُ قِرَانٍ وَحَلْقٌ) لِبَقَاءِ إحْرَامِهِ
(وَيُجْزِئُهُ الطَّوَافُ لِحَجٍّ) ، أَيْ: طَوَافُ الْإِفَاضَةِ (عَنْ النُّسُكَيْنِ) ، أَيْ: الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، كَالْقَارِنِ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ، وَلَوْ قَدَّرَ الطَّوَافَ الْوَاقِعَ بِلَا طَهَارَةٍ مِنْ الْحَجِّ، لَزِمَهُ إعَادَةُ الطَّوَافِ، لِوُقُوعِهِ غَيْرَ صَحِيحٍ، (وَيُعِيدُ السَّعْيَ) لُزُومًا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، (لِفَقْدِ شَرْطِهِ) ، وَهُوَ: وُقُوعُهُ بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ، وَقَدْ وُجِدَ بَعْدَ طَوَافٍ غَيْرِ مُعْتَدٍّ بِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: نَدْبُ إعَادَةِ طَوَافِ حَجٍّ وَسَعْيِهِ احْتِيَاطًا) ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ الَّذِي قُدِّرَتْ صِحَّتُهُ مُجْزِئٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ غَيْرِ السَّعْيِ فَقَطْ، لَكِنَّ الِاحْتِيَاطَ إعَادَةُ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، لِيَصْدُقَ عَلَيْهِ الْتِزَامُ الْأَشَدِّ، (وَإِنْ كَانَ) الْمُتَمَتِّعُ (وَطِئَ بَعْدَ حِلِّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ) ، ثُمَّ عَلِمَ أَحَدَ طَوَافَيْهِ بِلَا طَهَارَةٍ، وَفَرَضْنَاهُ طَوَافَ الْعُمْرَةِ، (وَإِحْرَامٍ بِهِ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ) مِنْ الْعُمْرَةِ.
(بِفِعْلِهَا ثَانِيًا فَقَدْ) ، حَكَمْنَا بِأَنَّهُ (أَدْخَلَ حَجًّا عَلَى عُمْرَةٍ فَاسِدَةٍ، لِوَطْئِهِ فِيهَا، فَلَمْ يَصِحَّ) إدْخَالُهُ عَلَيْهَا، (فَيَلْغُو حَجُّهُ) ، أَيْ: مَا فَعَلَهُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، لِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِهِ، (وَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافِهِ الَّذِي نَوَاهُ لِلْحَجِّ مِنْ عُمْرَتِهِ الْفَاسِدَةِ، وَعَلَيْهِ) دَمَانِ: (دَمُ حَلْقٍ) فَعَلَهُ قَبْلَ إتْمَامِ عُمْرَتِهِ، (وَ: دَمُ وَطْءٍ فِي عُمْرَتِهِ، وَلَا يَصِحُّ لَهُ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ) ، لِفَسَادِ الْعُمْرَةِ بِالْوَطْءِ.
فِيهَا، وَعَدَمِ صِحَّةِ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ، (فَلَا يَبْرَأُ مِنْ وَاجِبٍ) حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَا) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَقْضِيَ) مُتَمَتِّعٌ كَانَ وَطِئَ قَبْلَ حِلِّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ (تَطَوُّعًا) مِنْ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (لِلشَّكِّ) فِي وُقُوعِهِ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا، - وَالْأَصْلُ صِحَّتُهُ وَالْبَرَاءَةُ مِنْهُ (وَ) لَكِنَّ (الِاحْتِيَاطَ الْقَضَاءُ) لِيَبْرَأَ مِنْهُ بِيَقِينٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (وَلَوْ عَلِمَهُ) ، أَيْ: الطَّوَافَ الَّذِي وَقَعَ بِلَا طَهَارَةٍ أَنَّهُ كَانَ (لِحَجٍّ، لَزِمَهُ طَوَافٌ) ، أَيْ: الْحَجُّ (وَسَعْيُهُ) ، فَيُعِيدُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ بَعْدَهُ، (وَ) يَلْزَمُ مَعَ ذَلِكَ (دَمٌ) ، يَعْنِي لِلْحَلْقِ، (لِحِلِّهِ قَبْلَ وَقْتِهِ) ، فَلَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى "، (وَ) يَلْزَمُهُ (دَمُ تَمَتُّعٍ بِشَرْطِهِ) قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى " عَنْ لُزُومِ الدَّمِ لِلْحَلْقِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إذَا جَعَلَهُ طَوَافَ الْحَجِّ، فَالْعُمْرَةُ قَدْ تَمَّتْ، فَحَلْقُهُ فِي مَحَلِّهِ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ " تَبَعًا " لِلْإِنْصَافِ " وَالْمُغْنِي "، وَلَوْ قَدَّرْنَاهُ لِلْحَجِّ، لَمْ يَلْزَمْ أَكْثَرُ مِنْ إعَادَةِ الطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ، وَيَحْصُلُ لَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ،
يَعْنِي: فِي صُورَةِ مَا لَوْ وَطِئَ بَعْدَ فَرَاغِ عُمْرَتِهِ، وَكَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِمَا فِيمَا إذَا لَمْ يَطَأْ: أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ لِحَلْقِهِ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَعِبَارَةُ الْمَتْنِ تَبِعَ فِيهَا " الْفُرُوعِ " وَلَوْ وَجَّهَ الدَّمَ لِلتَّمَتُّعِ، لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ لَهُمَا.
انْتَهَى.
وَغَيْرُ خَافٍ عَلَى الْمُتَأَمِّلِ أَنَّ هَذَا التَّنْظِيرَ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ، بَلْ الصَّحِيحُ مَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى "، لِوُقُوعِ الْحَلْقِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بَعْدَ فَرَاغِ الْعُمْرَةِ، وَمَرَّةً بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ، فَحَلْقُ الْعُمْرَةِ وَقَعَ فِي مَحَلِّهِ، وَحَلْقُ الْحَجِّ وَقَعَ قَبْلَ تَمَامِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَهَذَا لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، فَالِاعْتِرَاضُ سَاقِطٌ بِالْمَرَّةِ.
[فَصْلٌ فِي الْخُرُوجِ لِلسَّعْيِ]
(فَصْلٌ) (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، (يَخْرُجُ لِلسَّعْيِ بَعْدَ عَوْدِهِ لِلْحَجَرِ، وَاسْتِلَامِهِ مِنْ بَابِ) الْمَسْجِدِ الْمَعْرُوفِ بِبَابِ (الصَّفَا، وَهُوَ) ، أَيْ: الصَّفَا: (طَرَفُ جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ، عَلَيْهِ دَرَجٌ وَفَوْقَهُ أَزَجٌ كَالْإِيوَانِ فَيَرْقَى ذَكَرَ الصَّفَا نَدْبًا، لِيَرَى الْبَيْتَ) إنْ أَمْكَنَهُ، (فَيَسْتَقْبِلَهُ) ، لِحَدِيثِ
أَبِي هُرَيْرَةَ: «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا، فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إلَى الْبَيْتِ، وَرَفَعَ يَدَهُ، وَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيَدْعُو مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: «فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» الْحَدِيثَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
«وَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ ثَلَاثًا: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» أَيْ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، وَهُمْ: قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَالْيَهُودُ، (وَيَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ، وَطَوَاعِيَتِكَ وَطَوَاعِيَةِ رَسُولِكَ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي حُدُودَكَ) ، أَيْ: مَحَارِمَكَ (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُحِبُّكَ، وَيُحِبُّ مَلَائِكَتَكَ وَأَنْبِيَاءَكَ وَرُسُلَكَ وَعِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ يَسِّرْنِي لِلْيُسْرَى، وَجَنِّبْنِي الْعُسْرَى، وَاغْفِرْ لِي فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، اللَّهُمَّ إنَّكَ قُلْتَ: اُدْعُونِي اسْتَجِبْ لَكُمْ، وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، اللَّهُمَّ إذْ هَدَيْتَنِي لِلْإِسْلَامِ، فَلَا تَنْزِعْنِي مِنْهُ، وَلَا تَنْزِعْهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي عَلَى الْإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ لَا تُقَدِّمْنِي إلَى الْعَذَابِ، وَلَا تُؤَخِّرْنِي إلَى سُوءِ الْفِتَنِ) ، هَذَا دُعَاءُ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ أَحْمَدُ: يَدْعُو بِهِ، قَالَ نَافِعٌ بَعْدَهُ: وَيَدْعُو دُعَاءً كَثِيرًا حَتَّى إنَّهُ لَيُمِلَّنَا وَنَحْنُ شَبَابٌ.
(وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) ، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا يُلَبِّي) عَلَى الصَّفَا، لِعَدَمِ وُرُودِهِ، (ثُمَّ يَنْزِلُ مِنْ الصَّفَا، وَيَمْشِي حَتَّى يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَلَمِ - وَهُوَ: الْمِيلُ الْأَخْضَرُ، الْمُعَلَّقُ بِرُكْنِ الْمَسْجِدِ) عَلَى
يَسَارِهِ - (نَحْوَ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، فَيَسْعَى ذَكَرٌ مَاشٍ سَعْيًا شَدِيدًا نَدْبًا، بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤْذِيَ، وَلَا يُؤْذَى إلَى الْعَلَمِ الْآخَرِ، وَهُوَ: الْمِيلُ الْأَخْضَرُ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ حِذَاءَ دَارِ الْعَبَّاسِ، فَيَتْرُكُ شِدَّةَ السَّعْيِ، ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَرْقَى الْمَرْوَةَ نَدْبًا، وَيَسْتَقْبِلَ) الْقِبْلَةَ، (وَيَقُولَ عَلَيْهَا مَا قَالَ عَلَى الصَّفَا) ، لِمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا، قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158] فَبَدَأَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، حَتَّى إذَا صَعِدْنَا مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَيَجِبُ اسْتِيعَابُ مَا بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، (فَيُلْصِقُ عَقِبَهُ بِأَصْلِهِمَا ابْتِدَاءً) أَيْ: فِي ابْتِدَائِهِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، (وَ) يُلْصِقُ (أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ) بِأَصْلِهِمَا (انْتِهَاءً) ، لِيَسْتَوْعِبَ مَا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا لِعُذْرٍ، فَعَلَ ذَلِكَ بِدَابَّتِهِ، لَكِنْ قَدْ حَصَلَ عُلُوٌّ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْأَتْرِبَةِ وَالْأَمْطَارِ بِحَيْثُ تَغَطَّى عِدَّةٌ مِنْ دَرَجِهِمَا، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ قَدْرُ الْمُغَطَّى، فَيَحْتَاطُ لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِيَقِينٍ، (ثُمَّ يَنْقَلِبُ) ، فَيَنْزِلُ عَنْ الْمَرْوَةِ (إلَى الصَّفَا، فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ، يَفْعَلُ) السَّاعِي (ذَلِكَ سَبْعًا، ذَهَابُهُ سَعْيَةٌ، وَرُجُوعُهُ سَعْيَةٌ) ، يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمِ، (فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ، لَمْ يَحْتَسِبْ بِذَلِكَ الشَّوْطِ) ، لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِ، - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» .
(وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ) ، أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، (وَمِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ الدُّعَاءِ: مَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ
أَنَّهُ كَانَ إذَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَ (رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ) ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا جُعِلَ رَمْيُ الْجِمَارِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(وَلَا يُسَنُّ سَعْيٌ مَا بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، (إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) فَهُوَ رُكْنٌ فِيهِمَا كَمَا يَأْتِي، بِخِلَافِ الطَّوَافِ، فَإِنَّهُ مَسْنُونٌ كُلَّ وَقْتٍ، (وَالْمَرْأَةُ لَا تَرْقَى) الصَّفَا، وَلَا الْمَرْوَةَ، لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، (وَلَا تَسْعَى) سَعْيًا (شَدِيدًا) ، لِأَنَّهُ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ، وَلَا يُقْصَدُ ذَلِكَ فِي حَقِّهَا، بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهَا السِّتْرُ، وَذَلِكَ تَعْرِيضٌ لِلِانْكِشَافِ.
(وَتُسَنُّ مُبَادَرَةُ مُعْتَمِرٍ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، (وَ) يُسَنُّ (تَقْصِيرُ مُتَمَتِّعٍ لَا هَدْيَ مَعَهُ، لِيَحْلِقَ) شَعْرَهُ (لِلْحَجِّ، وَيَتَحَلَّلُ مُتَمَتِّعٌ) - لِأَنَّ عُمْرَتَهُ تَمَّتْ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالتَّقْصِيرِ - (لَمْ يَسْقِ هَدْيًا، وَلَوْ لَبَّدَ رَأْسَهُ) ، لِحَدِيثِ ابْن عُمَرَ: «تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ، قَالَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ أَحْرَمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحِلَّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ، أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ مِنْهُمَا جَمِيعًا نَصًّا.
(وَمُعْتَمِرٌ) غَيْرُ مُتَمَتِّعٍ، يَحِلُّ (مُطْلَقًا) ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَوْ لَا، فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِنْ تَرَكَ الْحَلْقَ أَوْ التَّقْصِيرَ فِي عُمْرَتِهِ، وَوَطِئَ قَبْلَهُ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَعُمْرَتُهُ صَحِيحَةٌ، رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ مُعْتَمِرَةٍ وَقَعَ بِهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تُقَصِّرَ، قَالَ: " مَنْ تَرَكَ مِنْ مَنَاسِكِهِ شَيْئًا، أَوْ نَسِيَهُ، فَلْيُهْرِقْ دَمًا، قِيلَ: فَإِنَّهَا مُوسِرَةٌ، قَالَ: فَلْتَنْحَرْ نَاقَةً " (وَلَا يُسَنُّ تَأْخِيرُ تَحَلُّلٍ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَتَقَدَّمَ.
(وَيَسْتَبِيحَانِ) ، أَيْ: الْمُعْتَمِرُ وَالْمُتَمَتِّعُ (بِهِ) ، أَيْ: بِالتَّحَلُّلِ، (جَمِيعَ الْمَحْظُورَاتِ) فِي الْإِحْرَامِ، (وَيَقْطَعَانِ التَّلْبِيَةَ فِي شُرُوعِهِمَا فِي طَوَافٍ) نَصًّا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «كَانَ يُمْسِكُ عَنْ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ إذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
كَقَطْعِ (حَاجٍّ) لَهَا (بِأَوَّلِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) ، لِاشْتِغَالِهِ حِينَئِذٍ بِالدُّعَاءِ.
(وَلَا بَأْسَ بِهَا) ، أَيْ: التَّلْبِيَةِ (فِي طَوَافِ الْقُدُومِ) نَصًّا (سِرًّا) ، قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَيُكْرَهُ الْجَهْرُ بِهَا، لِئَلَّا يَخْلِطَ عَلَى الطَّائِفِينَ، وَكَذَا السَّعْيُ بَعْدَهُ، (وَإِنْ سَاقَهُ) ، أَيْ: الْهَدْيَ، (مُتَمَتِّعٌ، لَمْ يَحِلَّ) مِنْ إحْرَامِهِ، (بَلْ يُحْرِمُ بِحَجٍّ بَعْدَ سَعْيِهِ) وُجُوبًا، (وَتَقَدَّمَ) أَنَّهُ يَصِيرُ قَارِنًا، ثُمَّ يَحِلُّ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا يَوْمَ النَّحْرِ نَصًّا، لِحَدِيثِ حَفْصَةَ، قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنْ الْعُمْرَةِ، وَلَمْ تُحِلَّ أَنْتَ؟ ، قَالَ: إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[تَنْبِيهٌ شُرُوطُ السَّعْيِ فِي الْحَجِّ]
(تَنْبِيهٌ: شُرُوطُ سَعْيٍ تِسْعٌ) : (إسْلَامٌ، وَعَقْلٌ، وَنِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ) كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، (وَمُوَالَاةٌ) بَيْنَ الْأَشْوَاطِ.
(وَيَتَّجِهُ) : كَمُوَالَاةِ (طَوَافٍ) ، فَلَيْسَ لَهُ الْفَصْلُ بَيْنَ أَشْوَاطِ السَّعْيِ، إلَّا لِمَكْتُوبَةٍ أُقِيمَتْ أَوْ جِنَازَةٍ حَضَرَتْ، فَلَهُ فِعْلُهَا وَالْبِنَاءُ عَلَى مَا سَبَقَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَشْيٌ لِقَادِرٍ، وَتَكْمِيلُ السَّبْعِ، وَاسْتِيعَابُ مَا بَيْنَ الصَّفَوَيْنِ) ، أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، (وَكَوْنُهُ) ، أَيْ:
السَّعْيِ، (بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ) مُسْتَكْمِلٍ لِشُرُوطِ الصِّحَّةِ، (وَلَوْ) كَانَ الطَّوَافُ (مَسْنُونًا) ، كَطَوَافِ الْقُدُومِ.
(وَيَتَّجِهُ: أَوْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرَ، سِوَى عُمْرَتِهِ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ، فَكَانَ يَسْعَى بَعْدَ الطَّوَافِ ".
(وَيَتَّجِهُ: وَ) عَلَى السَّاعِي (بَدْءُ أَوْتَارِ) سَعْيِهِ (مِنْ الصَّفَا) كَمَا بَدَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَ) بَدْءُ (إشْفَاعِهِ مِنْ الْمَرْوَةِ) كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ الْمَشْرُوعُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَسُنَنُهُ) ، أَيْ السَّعْيِ: (طَهَارَةُ) سَاعٍ مِنْ (حَدَثٍ، وَ) طَهَارَتُهُ أَيْضًا مِنْ (خَبَثٍ) فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ، (وَسَتْرِ عَوْرَةٍ) ، بِمَعْنَى: أَنَّهُ لَوْ سَعَى عُرْيَانًا أَجْزَأَهُ، وَأَمَّا كَشْفُ الْعَوْرَةِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ، (وَذِكْرٌ وَدُعَاءٌ) ، لِمَا تَقَدَّمَ، (وَإِسْرَاعٌ وَمَشْيٌ بِمَوَاضِعِهِ، وَرُقِيٌّ، وَمُوَالَاةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَوَافٍ فَإِنْ طَافَ بِيَوْمٍ، وَسَعَى فِي) يَوْمٍ (آخَرَ، فَلَا بَأْسَ، وَلَا يُسَنُّ عَقِبَهُ) ، أَيْ: السَّعْيِ، (صَلَاةٌ) ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ.
[بَابٌ صِفَةُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]
(صِفَةُ الْحَجِّ) وَالْعُمْرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
(بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ) (يُسَنُّ لِمُحَلٍّ بِمَكَّةَ وَقُرْبَهَا وَلِمُتَمَتِّعٍ حَلَّ) مِنْ عُمْرَتِهِ (إحْرَامٌ بِحَجٍّ فِي ثَامِنِ ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِيهِ: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ
التَّرْوِيَةِ، تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ» سُمِّيَ الثَّامِنُ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَرَوَّوْنَ فِيهِ الْمَاءَ لِمَا بَعْدَهُ، أَوْ: لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ أَصْبَحَ يَتَرَوَّى فِيهِ فِي أَمْرِ الرُّؤْيَا (إلَّا مَنْ) ، أَيْ: مُتَمَتِّعًا، (لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَصَامَ) ، أَيْ: أَرَادَهُ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ (فِي سَابِعِهِ) ، أَيْ: ذِي الْحِجَّةِ، (لِيُتِمَّ صَوْمَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ) ، فَيَصُومَ السَّابِعَ وَالثَّامِنَ وَالتَّاسِعَ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَفْعَلَ عِنْدَ إحْرَامِهِ) مِنْ مَكَّةَ أَوْ قُرْبَهَا (مَا يَفْعَلُهُ مُحْرِمٌ مِنْ مِيقَاتٍ مِنْ غُسْلٍ وَغَيْرِهِ) ، أَيْ: تَنَظُّفٍ وَتَطَيُّبٍ فِي بَدَنِهِ، وَتَجَرُّدِ ذِكْرٍ مِنْ مَخِيطٍ، وَلُبْسِ إزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ نَظِيفَيْنِ، وَنَعْلَيْنِ، (وَ) بَعْدَ ذَلِكَ (يَطُوفُ) أُسْبُوعًا (وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَلَا يَطُوفُ بَعْدَهُ) أَيْ: إحْرَامِهِ (لِوَدَاعِهِ) نَصًّا، لِعَدَمِ دُخُولِ وَقْتِهِ، (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ طَافَ (وَسَعَى بَعْدَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ) سَعْيُهُ (عَنْ وَاجِبِ سَعْيٍ) لِحَجِّهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ طَوَافٌ وَاجِبٌ وَلَا مَسْنُونٌ، (وَالْأَفْضَلُ) أَنْ يَكُونَ (إحْرَامُهُ) مِنْ الْمَسْجِدِ (مِنْ تَحْتَ الْمِيزَابِ) وَكَانَ عَطَاءٌ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ مُهِلًّا بِالْحَجِّ، (وَجَازَ وَصَحَّ) إحْرَامُهُ (مِنْ خَارِجِهِ) أَيْ: الْحَرَمِ، (وَلَا دَمَ) عَلَيْهِ نَصًّا، (ثُمَّ يَخْرُجُ لِمِنًى) وَهِيَ: (فَرْسَخٌ عَنْ مَكَّةَ) وَيَكُونُ خُرُوجُهُ (قَبْلَ الزَّوَالِ) نَدْبًا، (فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ مَعَ الْإِمَامِ، وَيُقِيمُ بِهَا لِلْفَجْرِ) وَيُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مِنًى، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ، سَارَ مِنْ مِنًى، فَأَقَامَ بِنَمِرَةَ: مَوْضِعٌ بِعَرَفَةَ وَهُوَ: جَبَلٌ عَلَيْهِ أَنْصَابُ الْحَرَمِ عَلَى يَمِينِكَ إذَا خَرَجْتَ مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ تُرِيدُ الْمَوْقِفَ إلَى الزَّوَالِ، فَيَخْطُبُ بِهَا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ خُطْبَةً قَصِيرَةً مُفْتَتَحَةً بِالتَّكْبِيرِ، يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا الْوُقُوفَ وَوَقْتَهُ، وَالدَّفْعَ مِنْهُ، وَالْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَنَحْوَهُ مِنْ الْحَلْقِ
وَالنَّحْرِ» لِحَدِيثِ جَابِرٍ " حَتَّى إذَا جَاءَ عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ " قَالَ الْخَطَّابِيِّ: الْقَصْوَاءُ: مَفْتُوحَةُ الْقَافِ، مَمْدُودَةُ الْأَلِفِ، وَهِيَ: الْمَقْطُوعَةُ طَرَفِ الْأُذُنِ، وَفِي " الصِّحَاحِ ": وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاقَةٌ تُسَمَّى قَصْوَاءَ، وَلَمْ تَكُنْ مَقْطُوعَةَ الْأُذُنِ.
(ثُمَّ يَجْمَعُ تَقْدِيمًا مَنْ يَجُوزُ لَهُ) الْجَمْعُ، وَهُوَ الْمُسَافِرُ، (وَلَوْ) صَلَّى (مُنْفَرِدًا) نَصًّا (بَيْنَ ظُهْرٍ وَعَصْرٍ) بِأَذَانِ الْأُولَى وَإِقَامَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ لِحَدِيثِ جَابِرٍ «ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» «وَقَالَ سَالِمٌ لِلْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ يَوْمَ عَرَفَةَ: إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ، فَقَصِّرْ الْخُطْبَةَ، وَعَجِّلْ الصَّلَاةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: صَدَقَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(ثُمَّ يَأْتِي عَرَفَةَ، وَكُلُّهَا مَوْقِفٌ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَقَدْ وَقَفْت هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
(إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ) لِحَدِيثِ: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
فَلَا يُجْزِئُ وُقُوفُهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَرَفَةَ كَمُزْدَلِفَةَ.
(وَحَدُّ عَرَفَاتٍ: مِنْ الْجَبَلِ الْمُشْرِفِ عَلَى عُرَنَةَ، إلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ لَهُ، إلَى مَا يَلِي بَسَاتِينَ بَنِي عَامِرٍ.
وَسُنَّ وُقُوفُهُ) أَيْ: الْحَاجِّ، بِعَرَفَةَ (رَاكِبًا) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءَ إلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ جَبَلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ» (بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَنَاسِكِ) فَيَفْعَلُهَا غَيْرَ رَاكِبٍ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ طَوَافٍ وَسَعْيٍ رَاكِبًا، (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الْمُفْتَرَشَةِ أَسْفَلَ جَبَلِ الرَّحْمَةِ) ، وَاسْمُهُ: إلَالٌ عَلَى وَزْنِ هِلَالٍ وَيُقَالُ لَهُ: جَبَلُ الدُّعَاءِ، لِقَوْلِ جَابِرٍ
وَتَقَدَّمَ.
(وَلَا يُشْرَعُ صُعُودُهُ) أَيْ: جَبَلِ الرَّحْمَةِ إجْمَاعًا، (فَرَاكِبٌ يَجْعَلُ بَطْنَ رَاحِلَتِهِ لِلصَّخَرَاتِ) لِلْخَبَرِ (وَرَاجِلٌ يَقِفُ عَلَيْهَا) أَيْ: الصَّخَرَاتِ.
[فَائِدَةٌ أَفْضَلِيَّةُ الْمَشْيِ فِي الْحَجِّ عَلَى الرُّكُوبِ]
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي " الِانْتِصَارِ " أَفْضَلِيَّةُ الْمَشْيِ فِي الْحَجِّ عَلَى الرُّكُوبِ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي مُثِيرِ الْعَزْمِ السَّاكِنِ " فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْأَخْبَارَ فِي ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُبَّادِ، وَأَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ حَجَّ خَمْسَ عَشْرَةَ حَجَّةً مَاشِيًا، وَذَكَرَ غَيْرُهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَالْجَنَائِبُ تُقَادُ مَعَهُ.
وَقَالَ فِي " أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ ": فَصْلٌ فِي فَضْلِ الْمَاشِي: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ مَاشِيًا حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ، وَقِيلَ لَهُ: وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ؟ قَالَ: بِكُلِّ حَسَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ» قَالَ: وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتُصَافِحُ رُكْبَانَ الْحَجِّ، وَتَعْتَنِقُ الْمُشَاةَ» .
(وَيَرْفَعُ وَاقِفٌ) بِعَرَفَةَ (يَدَيْهِ نَدْبًا) وَلَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ، (وَيُكْثِرُ مِنْ دُعَاءٍ وَاسْتِغْفَارٍ، وَتَضَرُّعٍ وَخُشُوعٍ، وَإِظْهَارِ ضَعْفٍ وَافْتِقَارٍ، وَيُلِحُّ فِي الدُّعَاءِ، وَيُكَرِّرُ كُلَّ دُعَاءٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيُكْثِرُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا) إلَى آخِرِ (الْآيَةِ، اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً، إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ " عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُرَيْزٍ - بِفَتْحِ الْكَافِ، وَآخِرُهُ زَايٌ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ
دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْت أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» وَلِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عَرَفَةَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .
(وَيُكْثِرُ الْبُكَاءَ مَعَ ذَلِكَ) الذِّكْرِ، وَيُكْثِرُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاءِ، فَإِنَّ الْبُكَاءَ عَلَامَةُ الْقَبُولِ، (فَهُنَالِكَ) أَيْ: فِي هَذَا الْمَقَامِ الْعَظِيمِ، (تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ) إذْ ذَاكَ الْيَوْمُ أَعْظَمُ الْأَيَّامِ، وَمَوْقِفُهُ أَشْرَفُ مَوَاقِفِ الْإِسْلَامِ، (وَتُقَالُ الْعَثَرَاتُ) ، وَتُغْفَرُ الزَّلَّاتُ، فَيَا هَنِيئًا لِمَنْ حَصَلَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، مُخْلِصًا لِلَّهِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ، وَكَانَتْ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالٍ حَلَالٍ، وَاتَّقَى الرَّفَثَ وَالْفُسُوقَ وَالْجِدَالَ، وَوَقَفَ مَوْقِفَ الذَّلِيلِ الْحَقِيرِ وَدَعَا بِمَا وَرَدَ عَنْ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، وَهُوَ: اللَّهُمَّ إنَّك تَرَى مَكَانِي، وَتَسْمَعُ كَلَامِي، وَتَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي، وَلَا يَخْفَى عَلَيْك شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي، أَنَا الْبَائِسُ الْفَقِيرُ، الْمُسْتَغِيثُ الْمُسْتَجِيرُ، الْوَجِلُ الْمُشْفِقُ، الْمُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ، أَسْأَلُك مَسْأَلَةَ الْمَسَاكِينِ، وَأَبْتَهِلُ إلَيْك ابْتِهَالَ الْمُذْنِبِ الذَّلِيلِ وَأَدْعُوك دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ، مَنْ خَشَعَتْ لَك رَقَبَتُهُ، وَذَلَّ لَك جَسَدُهُ، وَفَاضَتْ لَك عَيْنَاهُ، وَرَغِمَ لَك أَنْفُهُ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي بِالْهُدَى، وَقِنِي بِالتَّقْوَى، وَاغْفِرْ لِي فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى.
وَيَرُدُّ يَدَيْهِ، وَيَسْكُتُ قَدْرَ مَا كَانَ إنْسَانٌ قَارِئًا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، ثُمَّ يَعُودُ، فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، لَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى أَفَاضَ.
(وَوَقْتُ وُقُوفٍ: مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) لِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطَّائِيِّ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
بِالْمُزْدَلِفَةِ حِينَ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي جِئْت مِنْ جَبَلَيْ طَيِّئٍ، أَكْلَلْت رَاحِلَتِي، وَأَتْعَبْت نَفْسِي، وَاَللَّهِ مَا تَرَكْت مِنْ جَبَلٍ إلَّا وَقَفْت عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ لَهُ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ كَافَّةِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ.
وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَكَانَ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ كَمَا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَتَرْكُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْوُقُوفَ فِيهِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ، كَمَا بَعْدَ الْعِشَاءِ.
وَإِنَّمَا وَقَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقْتَ الْفَضِيلَةِ.
(فَمَنْ حَصَلَ فِيهِ) أَيْ: فِي وَقْتِ الْوُقُوفِ، (لَا مَعَ سُكْرٍ أَوْ إغْمَاءٍ) مَا لَمْ يُفِقْ بِهَا.
(وَيَتَّجِهُ: أَوْ جُنُونٍ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ، مُصَرَّحٌ بِهِ فِي مَتْنِ الْإِقْنَاعِ " وَغَيْرِهِ (بِعَرَفَةَ) وَلَوْ (لَحْظَةً) مُخْتَارًا، (وَهُوَ) أَيْ: الْحَاصِلُ بِعَرَفَةَ لَحْظَةً (أَهَلَّ) لِلْحَجِّ، بِأَنْ كَانَ مُحْرِمًا بِهِ مُسْلِمًا عَاقِلًا، (وَلَوْ مَارًّا) بِعَرَفَةَ رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا، (أَوْ) مَرَّ بِهَا (نَائِمًا أَوْ جَاهِلًا أَنَّهَا عَرَفَةُ، صَحَّ حَجُّهُ) لِلْخَبَرِ، وَأَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إنْ كَانَ حُرًّا بَالِغًا، وَإِلَّا، فَنَفْلٌ (وَيَأْتِي) قُبَيْلَ بَابِ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيّ، (وَلَوْ أَخْطَئُوا الْوُقُوفَ) مُفَصَّلًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ طَاهِرًا مِنْ الْحَدَثَيْنِ، وَمِنْ نَجَاسَةٍ بِبَدَنِهِ وَثَوْبِهِ، كَسَائِرِ الْمَنَاسِكِ.
(وَيَصِحُّ وُقُوفُ حَائِضٍ إجْمَاعًا كَعَائِشَةَ) الصِّدِّيقَةِ بِنْتِ الصِّدِّيقِ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -) وَعَنْ أَبِيهَا، وَعَنْ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَإِنَّهَا وَقَفَتْ حَائِضًا بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَمَنْ وَقَفَ) بِعَرَفَةَ (نَهَارًا، وَدَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَلَمْ يَعُدْ) بَعْدَ الْغُرُوبِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ إلَى عَرَفَةَ (أَوْ عَادَ) إلَيْهَا (قَبْلَهُ) أَيْ: الْغُرُوبِ (وَلَمْ يَقَعْ)
أَيْ: الْغُرُوبُ (وَهُوَ بِهَا) أَيْ: عَرَفَةَ (فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَرْكِهِ وَاجِبًا، كَمَا لَوْ تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ، فَإِنْ عَادَ إلَيْهَا لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ، وَهُوَ: الْوُقُوفُ فِي النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، كَمَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ (بِخِلَافِ وَاقِفٍ لَيْلًا فَقَطْ) فَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
لِحَدِيثِ: «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» وَلِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا مِنْ النَّهَارِ، فَأَشْبَهَ مِنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ إذَا أَحْرَمَ مِنْهُ
(فَرْعٌ) : وَقْفَةُ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ يَوْمِهَا سَاعَةَ الْإِجَابَةِ (إنْ وَافَقَ) يَوْمُ (عَرَفَةَ) يَوْمَ (الْجُمُعَةِ كَانَ لَهَا مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ) قِيلَ وَلِهَذَا اُشْتُهِرَ الْحَجُّ بِالْأَكْبَرِ إذَا كَانَتْ الْوَقْفَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِأَنَّ فِيهَا مُوَافَقَةَ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ وَقْفَةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِلْحَدِيثَيْنِ الْآتِيَيْنِ.
(قَالَ) ابْنُ الْقَيِّمِ (فِي " الْهَدْيِ) النَّبَوِيِّ ": (مَا اسْتَفَاضَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامّ مِنْ أَنَّهَا) أَيْ: وَقْفَةَ الْجُمُعَةِ (تَعْدِلُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ حَجَّةً، فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ.
انْتَهَى.
وَقَوَاعِدُنَا تَقْتَضِي التَّضْعِيفَ)
لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْحَسَنَةَ تَتَضَاعَفُ بِزَمَنٍ فَاضِلٍ، وَلِحَدِيثِ رَزِينٍ مَرْفُوعًا: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ، إلَّا يَوْمَ عَرَفَةَ وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حَجَّةً فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» ذَكَرَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنَاسِكِهِ، وَالْكَازَرُونِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْمَعْرُوفِ بِالْأَخَوَيْنِ " وَالشَّيْخُ نُورُ الدِّينِ عَلِيٌّ الزِّيَادِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ، وَحَدِيثُ - «إذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، غَفَرَ اللَّهُ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ» - قَدْ يَسْتَشْكِلُ أَنَّهُ وَرَدَ مِثْلُهُ فِي مُطْلَقِ الْحَجِّ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذَا عَلَى مَغْفِرَتِهِ لَهُمْ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَحُمِلَ غَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ يَهَبُ قَوْمًا لِقَوْمٍ، ذَكَرَهُ الْكَازَرُونِيُّ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ جَمَاعَةَ فِي مَنَاسِكِهِ عَنْ أَبِيهِ.
[فَصْلٌ الدَّفْعُ بَعْدَ الْغُرُوبِ مِنْ عَرَفَةَ لِمُزْدَلِفَةَ]
(فَصْلٌ) (ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ الْغُرُوبِ) مِنْ عَرَفَةَ (لِمُزْدَلِفَةَ) مِنْ الزُّلَفِ، وَهُوَ: التَّقْرِيبُ، لِأَنَّ الْحَاجَّ إذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ ازْدَلَفُوا إلَيْهَا أَيْ: تَقَرَّبُوا وَمَضَوْا إلَيْهَا، وَتُسَمَّى جَمْعًا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا (مَعَ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ، كَأَمِيرٍ حَاجٍّ، فَيُكْرَهُ) الدَّفْعُ (قَبْلَهُ) لِقَوْلِ أَحْمَدَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْفَعَ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ لَكِنْ لَوْ دَفَعَ قَبْلَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَهِيَ) أَيْ: مُزْدَلِفَةُ: (مَا بَيْنَ الْمَأْزِمَيْنِ) بِالْهَمْزِ وَكَسْرِ الزَّايِ، وَهُمَا: جَبَلَانِ بَيْنَ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ (وَوَادِي مُحَسِّرٍ) بِالْحَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ: وَادٍ بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَحْسَرُ سَالِكَهُ (بِسَكِينَةٍ) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ شَنَقَ الْقَصْوَاءَ بِالزِّمَامِ حَتَّى إنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» وَقَوْلُهُ: شَنَقَ، أَيْ: كَفَّ رَأْسَهَا إلَى مُقَدَّمَةِ الرَّحْلِ، وَقَوْلُهُ: مَوْرِكَ رَحْلِهِ، الْوَرِكُ: مَا فَوْقَ الْفَخِذِ (يُسْرِعُ فِي الْفُرْجَةِ) لِحَدِيثِ أُسَامَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» ، أَيْ: أَسْرَعَ لِأَنَّ الْعَنَقَ انْبِسَاطُ السَّيْرِ، وَالنَّصُّ: فَوْقَ الْعَنَقِ (فَإِذَا بَلَغَهَا) أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (جَمَعَ الْعِشَاءَيْنِ بِهَا) أَيْ: مَنْ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ (نَدْبًا، وَلَوْ مُنْفَرِدًا قَبْلَ حَطِّ رَحْلِهِ) لِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إذَا كَانَ بِالشِّعْبِ، نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَقُلْت لَهُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَك، فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ مُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[تَنْبِيهٌ صَلَّى الذَّاهِب إلَى مُزْدَلِفَة الْمَغْرِبَ بِالطَّرِيقِ]
تَنْبِيهٌ: لَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِالطَّرِيقِ، تَرَكَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَهُ، لِأَنَّ كُلَّ صَلَاتَيْنِ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جَازَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَفِعْلُهُ، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، مَحْمُولٌ عَلَى الْأَفْضَلِ.
(ثُمَّ يَبِيتُ بِهَا) أَيْ: بِمُزْدَلِفَةَ (وُجُوبًا لِنِصْفِ لَيْلٍ) وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَبْقَى بِهَا إلَى الصَّبَاحِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، بَاتَ بِهَا وَقَالَ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَلَيْسَ بِرُكْنٍ لِحَدِيثِ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» ، أَيْ جَاءَ عَرَفَةَ (وَلَهُ) أَيْ: الْحَاجِّ (الدَّفْعُ مِنْهَا) ، أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «كُنْت فِيمَنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى مِنًى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَفِيهِ) أَيْ: الدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ (قَبْلَهُ) أَيْ: نِصْفِ اللَّيْلِ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِالْحُكْمِ أَوْ جَاهِلًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا (عَلَى غَيْرِ رُعَاةٍ، وَ) غَيْرِ (سُقَاةِ) زَمْزَمَ (دَمٌ) لِتَرْكِهِ نُسُكًا وَاجِبًا، وَالنِّسْيَانُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي جَعْلِ الْمَوْجُودِ كَالْمَعْدُومِ، لَا فِي جَعْلِ الْمَعْدُومِ كَالْمَوْجُودِ، وَأَمَّا السُّقَاةُ وَالرُّعَاةُ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ، وَرَخَّصَ لِلْعَبَّاسِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ، لِأَجْلِ سِقَايَتِهِ وَلِلْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ بِالْمَبِيتِ (مَا لَمْ يَعُدْ إلَيْهَا) أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (قَبْلَ الْفَجْرِ) نَصًّا، فَإِنْ عَادَ إلَيْهَا قَبْلَهُ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ (كَمَنْ لَمْ يَأْتِهَا) أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (إلَّا فِي النِّصْفِ الثَّانِي) مِنْ اللَّيْلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ فِيهَا جُزْءًا مِنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُهُ، كَمَنْ لَمْ يَأْتِ عَرَفَةَ إلَّا لَيْلًا.
(وَمَنْ أَصْبَحَ بِهَا)
أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ «صَلَّى الصُّبْحَ بِهَا حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ» وَلِيَتَّسِعَ وَقْتُ وُقُوفِهِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (ثُمَّ أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ) سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَجِّ، وَهُوَ: (جَبَلٌ صَغِيرٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ) اسْمُهُ فِي الْأَصْلِ: قُزَحٌ (فَرَقَى عَلَيْهِ إنْ أَمْكَنَهُ، أَوْ وَقَفَ عِنْدَهُ وَحَمِدَ اللَّهَ، وَهَلَّلَ وَكَبَّرَ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، وَرَقِيَ عَلَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَهَلَّلَهُ وَكَبَّرَهُ» (وَدَعَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ كَمَا أَوْقَفْتَنَا فِيهِ، وَأَرَيْتَنَا إيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدَتْنَا بِقَوْلِك، وَقَوْلُك الْحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: 198] الْآيَتَيْنِ (إلَى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 199] . ثُمَّ لَا يَزَالُ يَدْعُو إلَى أَنْ يُسْفِرَ جِدًّا) لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَمْ يَزَلْ وَاقِفًا عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا» (فَيَسِيرُ) قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، لِقَوْلِ عُمَرَ: «كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ أَشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالَفَهُمْ، فَأَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» وَثَبِيرُ: جَبَلٌ مَعْرُوفٌ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَاتٍ.
(بِسَكِينَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «ثُمَّ أَرْدَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ، فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» .
(فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا، أَسْرَعَ) قَدْرَ (رَمْيَةِ حَجَرٍ) إنْ كَانَ (مَاشِيًا، أَوْ) حَرَّكَ دَابَّتَهُ إنْ كَانَ (رَاكِبًا) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا» وَعَنْ عُمَرَ: «أَنَّهُ لَمَّا أَتَى مُحَسِّرًا، أَسْرَعَ، وَقَالَ:
إلَيْكَ يَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا ... مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا
مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا
»