مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 363-402
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مُقَدِّمَة الْكتاب

صفحات 363-402
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مُهَلْهَلًا (مُبَاحًا) لَا مَغْصُوبًا (أَوْ غَسَلَ وَجْهَ آجُرّ) ، مَعْجُونٍ بِالنَّجَاسَةِ (وَصَلَّى عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ النَّارَ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُطَهِّرُ، لَكِنَّهَا تَأْكُلُ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةِ، وَيَبْقَى الْأَثَرُ فَيُطَهَّرُ بِالْغُسْلِ، كَظَاهِرِ الْأَرْضِ النَّجِسَةِ، وَيَبْقَى الْبَاطِنُ نَجِسًا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَصِلُ إلَيْهِ.
ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ بِمَعْنَاهُ (أَوْ) صَلَّى (عَلَى بِسَاطِ بَاطِنُهُ فَقَطْ نَجِسٌ) وَظَاهِرُهُ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ طَاهِرٌ (أَوْ) صَلَّى عَلَى (عُلُوٍّ مُبَاحٍ لَهُ) بِأَنْ كَانَ بِنَاؤُهُ قَبْلَ الْغَصْبِ أَوْ بَعْدَهُ، لَكِنْ كَانَ الْبَانِي هُوَ مَالِكُ السُّفْلِ، وَصَلَّى بِالْعُلُوِّ بَعْدَ غَصْبِ السُّفْلُ مِنْهُ صَحَّتْ أَوْ كَانَ (سُفْلُهُ غَصْبٌ لِغَيْرِهِ) وَصَلَّى فِي الْعُلُوِّ؛ صَحَّتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
بِخِلَافِ مَا إذَا غَصَبَ مَحَلًّا وَبَنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى فِي الْعُلُوِّ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ.
تَابِعٌ لِلْقَرَارِ.
(أَوْ) صَلَّى عَلَى (سَرِيرٍ تَحْتَهُ نَجَسٌ) كُرِهَتْ صَلَاتُهُ؛ لِاعْتِمَادِهِ عَلَى مَا لَا تَصِحُّ عَلَيْهِ، وَصَحَّتْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ، وَلَا مُبَاشِرًا لِمَا لَا تَصِحّ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ خِيطَ جُرْحٌ أَوْ جُبِرَ عَظْمٌ) مِنْ آدَمِيٍّ (بِخَيْطٍ) نَجِسٍ، (أَوْ عَظْمٍ نَجِسٍ، فَصَحَّ) الْجُرْحُ أَوْ الْعَظْمُ؛ (لَمْ تَجِبْ إزَالَتُهُ) ، أَيْ: النَّجَسِ مِنْهُمَا (مَعَ) خَوْفِ (ضَرَرٍ) عَلَى نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ، أَوْ حُصُولِ مَرَضٍ؛ لِأَنَّ حِرَاسَةَ النَّفْسِ وَأَطْرَافِهَا وَاجِبٌ، وَأَهَمُّ مِنْ مُرَاعَاةِ شَرْطِ الصَّلَاةِ.
وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ مَاءٍ وَلَا سُتْرَةٍ بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ.
وَإِذَا جَازَ تَرْكُ شَرْطٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ لِحِفْظِ مَالِهِ، فَتَرْكُ شَرْطٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِحِفْظِ بَدَنِهِ أَوْلَى.
فَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا لَزِمَهُ.
(وَ) حَيْثُ لَمْ تَجِبْ إزَالَتُهُ، فَ (لَا يَتَيَمَّمُ لَهُ) أَيْ: لِلْخَطِّ أَوْ الْعَظْمِ النَّجِسِ، (إنْ غَطَّاهُ لَحْمٌ) لِإِمْكَانِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ فِي جَمِيعِ مَحَلِّهَا.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُغَطِّهِ اللَّحْمُ (تَيَمَّمَ) لَهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: وَيُشْبِهُ ذَلِكَ الْوَشْمُ إنْ غَطَّاهُ اللَّحْمُ، غَسَلَهُ بِالْمَاءِ، وَإِلَّا تَيَمَّمَ لَهُ.
(وَتَصِحُّ إمَامَتُهُ) ، أَيْ: مَنْ خِيطَ

جُرْحُهُ، أَوْ جُبِرَ عَظْمُهُ بِنَجِسٍ (بِمِثْلِهِ) قَطْعًا (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (وَ) كَذَلِكَ تَصِحُّ إمَامَتُهُ (بِغَيْرِهِ حَيْثُ صَحَّ تَيَمُّمٌ لِنَجَاسَةٍ) عَلَى بَدَنٍ لِعَدَمِ مَاءٍ، كَمَا لَوْ تَضَرَّرَ مَا وُضِعَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَعَ عَدَمِ ضَرَرٍ) بِإِزَالَتِهِ (تَجِبُ إزَالَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إزَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَلَوْ صَلَّى مَعَهُ لَمْ تَصِحَّ.
(فَلَوْ مَاتَ) مَنْ تَلْزَمُهُ إزَالَتُهُ لِعَدَمِ خَوْفِ الضَّرَرِ (إذَنْ) أَيْ: قَبْلَ إزَالَتِهِ (أُزِيلَ) وُجُوبًا (إلَّا مَعَ مُثْلَةٍ) بِإِزَالَتِهِ، فَلَا تَلْزَمُ إزَالَتُهُ،؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِي الْمَيِّتَ مَا يُؤْذِي الْحَيَّ (وَلَا يَلْزَمُ شَارِبَ خَمْرٍ قَيْءٌ) لِلْخَمْرِ،؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى مَحَلٍّ يَسْتَوِي فِيهِ الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ.
وَكَذَا سَائِرُ النَّجَاسَاتِ تَحْصُلُ بِالْجَوْفِ.
(وَسُؤْرُهُ) أَيْ: شَارِبِ الْخَمْرِ (نَجِسٌ) لِنَجَاسَةِ فَمِهِ (بِخِلَافِ طِفْلٍ) تَنَجَّسَ فَمُهُ فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ، وَتَقَدَّمَ.

(وَإِنْ أُعِيدَ نَحْوُ أُذُنِ) آدَمِيٍّ قُطِعَتْ، أَوْ أُعِيدَ سِنٌّ مِنْهُ قُلِعَتْ، فَطَاهِرٌ.
(وَ) كَذَا لَوْ أُعِيدَ (سِنٌّ) قُلِعَتْ (مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ) أَوْ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ فَأَعَادَهُ بِحَرَارَتِهِ (فَثَبَتَ كَمَا كَانَ فَطَاهِرٌ) ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ جُمْلَةٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُهَا؛ (كَمَا) لَوْ كَانَ ذَلِكَ (مِنْ نَحْوِ آدَمِيٍّ) كَسَمَكٍ (وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ) لِطَهَارَتِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ مَوْضِعَ سِنٍّ قُلِعَتْ سِنُّ شَاةٍ، وَنَحْوِهَا

مُذَكَّاةٍ، وَصَلَّى بِهِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ، بِخِلَافِ سِنِّ شَاةٍ وَنَحْوِهَا، قُلِعَ وَهِيَ حَيَّةٌ أَوْ مَيِّتَةٌ، فَإِنَّهُ نَجِسٌ، إذْ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ كَمَيْتَةٍ.

[فَصْلٌ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا مُطْلَقًا]

(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا مُطْلَقًا، وَمَا يَصِحُّ فِيهِ النَّفَلُ دُونَ الْفَرْضِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
(وَلَا تَصِحُّ تَعَبُّدًا صَلَاةُ غَيْرِ جِنَازَةٍ فِي مَقْبَرَةٍ قَدِيمَةٍ، أَوْ لَا تُقُلِّبَتْ أَوَّلًا) وَهِيَ: مَدْفِنُ الْمَوْتَى، لِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا «لَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَلَا يَضُرُّ) أَيْ: لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ مَكَانٌ فِيهِ (قَبْرَانِ) فَقَطْ، (وَلَوْ كَثُرَ مَدْفُونٌ بِهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْمَقْبَرَةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْبَرَةُ ثَلَاثَةُ قُبُورٍ فَصَاعِدًا نَقَلَهُ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ.
وَبُنِيَ لَفْظُهَا مِنْ الْقَبْرِ،؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا كَثُرَ بِمَكَانٍ جَازَ أَنْ يُبْنَى لَهُ اسْمٌ مِنْ اسْمِهِ، كَمَسْبَعَةٍ وَمَضْبَعَةٍ، لَمَّا كَثُرَ فِيهِ السِّبَاعُ وَالضِّبَاعُ.
وَأَمَّا الْخَشْخَاشَةُ وَتُسَمَّى الْفَسْقِيَّةَ، فِيهَا أَمْوَاتٌ كَثِيرُونَ، فَهِيَ قَبْرٌ وَاحِدٌ، اعْتِبَارًا بِهَا لَا بِمَنْ فِيهَا.
قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَلَا) يَضُرُّ مَا أُعِدَّ لِلدَّفْنِ فِيهِ وَلَمْ يُدْفَنْ فِيهِ، وَلَا (مَا دُفِنَ بِدَارِهِ وَلَوْ) كَانَ (قُبُورًا) كَثِيرَةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْبَرَةٍ (وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ (فِي حَمَّامٍ) دَاخِلَهُ وَخَارِجَهُ وَأُتُونَهُ (وَ) كُلُّ، (مَا يَتْبَعُهُ فِي بَيْعٍ مِمَّا يُغْلَقُ عَلَيْهِ بَابُهُ) لِشُمُولِ الِاسْمِ لِذَلِكَ كُلِّهِ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا قَالَ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ أَسَانِيدُهُ صَحِيحَةٌ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: خَبَرٌ صَحِيحٌ (وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ (فِي حَشٍّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّهَا (وَهُوَ: مَحَلُّ قَضَاءِ حَاجَةٍ مِمَّا هُوَ دَاخِلُ بَابِهِ) وَلَوْ مَعَ طَهَارَتِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَهُوَ لُغَةً: الْبُسْتَانُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى مَحَلِّ قَضَاءِ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ فِي الْبَسَاتِينِ، وَهِيَ الْحُشُوشُ، فَسُمِّيَتْ الْأَخْلِيَةُ فِي الْحَضَرِ حُشُوشًا.
(وَلَا) تَصِحُّ أَيْضًا فِي (أَعْطَانِ إبِلٍ) وَاحِدُهَا: عَطَنٌ - بِفَتْحِ الطَّاءِ - وَهِيَ: الْمَعَاطِنُ، جَمْعُ: مَعْطِنٍ، بِكَسْرِهَا.
(وَهِيَ: مَا تُقِيمُ فِيهَا وَتَأْوِي إلَيْهَا) لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَمْ نَرَ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صَحِيحٌ.
(فَلَا يَضُرُّ) فِعْلُ صَلَاةٍ (مَوْضِعَ وُرُودِهَا) أَيْ: الْإِبِلِ الْمَاءَ (وَ) : لَا مَوْضِعَ (مُنَاخِ عَلَفِهَا وَ) لَا (مَوْضِعَ نُزُولِهَا فِي سَيْرِهَا) ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْأَعْطَانِ لَا يَتَنَاوَلُهَا، فَلَا تَدْخُلُ فِي النَّهْيِ.
(وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (زَوَالُ) حُكْمِ (عَطَنٍ) اُتُّخِذَ مَأْوًى لِلْإِبِلِ مُدَّةً ثُمَّ تُرِكَ، فَيَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الْعَطَنِ (بِ) مُجَرَّدِ (رَحِيلِ) نَحْوِ (عَرَبٍ) عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ لِزَوَالِ الِاسْمِ عَنْهُ بِرَحِيلِهِمْ، فَإِنْ عَادُوا لِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ عَادَ عَطَنًا مُدَّةَ اسْتِقَامَتِهِمْ،؛ لِأَنَّ الْحُكْمِ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ أَيْضًا (فِي مَجْزَرَةٍ، وَهِيَ مَا) أَيْ: مَكَانٌ (أُعِدَّ لِذَبْحٍ فِيهِ وَلَا) فِي (مَزْبَلَةٍ، وَهِيَ مَرْمَى الزُّبَالَةِ، وَلَوْ طَاهِرَةً، وَلَا) فِي (قَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَهِيَ: مَا كَثُرَ سُلُوكُهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ سَالِكٌ أَوْ لَا) لِمَا

رَوَى ابْنُ عُمَرَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «سَبْعُ مَوَاطِنَ لَا تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ: ظَهْرُ بَيْتِ اللَّهِ، وَالْمَقْبَرَةُ، وَالْمَزْبَلَةُ، وَالْمَجْزَرَةُ، وَالْحَمَّامُ، وَمَعْطِنُ الْإِبِلِ، وَمَحَجَّةُ الطَّرِيقِ.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ.
وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
(وَلَا بَأْسَ) بِالصَّلَاةِ (بِطَرِيقِ أَبْيَاتٍ قَلِيلَةٍ، وَبِمَا عَلَا عَنْ جَادَّةِ مُسَافِرٍ يَمْنَةً وَيَسْرَةً) نَصًّا فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ بِلَا كَرَاهَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَجَّةٍ.
(وَأَسْطُحُهُ مَا مَرَّ) مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا (كَهِيَ) ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ، لِمَنْعِ الْجَنْبِ مِنْ اللُّبْثِ بِسَطْحِ الْمَسْجِدِ.
وَحِنْثِ مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا بِدُخُولِ سَطْحِهَا.
(فَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (بِسَابَاطٍ حَدَثَ عَلَى طَرِيقٍ) لِتَبَعِيَّةِ الْهَوَاءِ لِلْقَرَارِ، بِخِلَافِ طَرِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مَوَاضِعِ النَّهْيِ حَدَثَ تَحْتَ مَسْجِدٍ بَعْدَ بِنَائِهِ فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ،؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ مَا حَدَثَ بَعْدَهُ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (يَصِحُّ عَدُّ اجْتِنَابِ أَمَاكِنِ نَهْيٍ شَرْطًا مُسْتَقِلًّا) لِلصَّلَاةِ، (وَكَذَا) يَصِحُّ عَدُّ اجْتِنَابِ (مَكَان) غُصِبَ، (وَثَوْبٍ غُصِبَ مَعَ الذِّكْرِ) شَرْطًا مُسْتَقِلًّا لَهَا، (كَمَا) يَصِحُّ عَدُّ (التَّسْمِيَةِ) مَعَ الذِّكْرِ شَرْطًا (لِوُضُوءٍ) كَذَا قَالَ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَسْقُطُ سَهْوًا وَلَا جَهْلًا، وَالصَّلَاةُ فِيمَا ذُكِرَ تَصِحُّ مِنْ جَاهِلٍ وَنَاسٍ، فَافْتَرَقَا.

. (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (عَلَى سَطْحِ نَهْرٍ) كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ، (لِعَدَمِ وُرُودِ نَهْيٍ) فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا غَيْرِهِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةٍ

ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَاخْتَارَهُ (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى ") فَإِنَّهُ جَزَمَ بِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي سَطْحِ النَّهْرِ، تَبَعًا لِابْنِ عَقِيلٍ الْقَائِلُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ.
مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
وَقَيَّدَ الْقَاضِي وَمَنْ تَابَعَهُ عَدَمَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى سَطْحِ نَهْرٍ تَجْرِي فِيهِ سَفِينَةٌ، وَقَالُوا: كَالطَّرِيقِ، وَعَلَّلُوهُ بِمَا يَأْتِي.
(وَ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: (التَّعْلِيلُ) أَيْ: تَعْلِيلُ الْقَاضِي وَمُتَابِعِيهِ (بِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ؛ يَرُدُّهُ سَفِينَةٌ، وَرَاحِلَةٌ، وَبَيْتٌ) مَبْنِيٌّ (عَلَى بِرْكَةٍ) لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِيهَا.
أُجِيبُ عَنْهُ: بِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ سَطْحِ النَّهْرِ وَبَيْنَ السَّفِينَةِ وَنَحْوِهَا بِأَنَّهَا مَظِنَّةُ حَاجَةٍ، وَلَا حَاجَةَ هُنَا.
(وَلَوْ جَمَدَ الْمَاءُ فَكَسَطْحِهِ) قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنَّهُ كَالطَّرِيقِ، أَيْ: فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ.
قَدَّمَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " خِلَافًا لِابْنِ تَمِيمٍ، وَصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (عَلَى ثَلْجٍ) بِحَائِلٍ أَوْ لَا، (إذَا وَجَدَ حَجْمَهُ) لِاسْتِقْرَارِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ.
وَكَذَا حَشِيشٌ، وَقُطْنٌ، وَصُوفٌ مُنْتَفِشٌ إذَا وَجَدَ حَجْمُهُ.

وَ (لَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي بُقْعَةٍ (غُصِبَ مِنْ أَرْضٍ وَحَيَوَانٍ) بِأَنْ يُغْصَبَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَرْضِ وَالْحَيَوَانِ، وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ الْغَاصِبُ أَوْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ أُتِيَ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَلَمْ تَصِحَّ كَصَلَاةِ الْحَائِضِ (وَغَيْرِهِ) كَمَا لَوْ غَصَبَ سَفِينَةً أَوْ لَوْحًا، فَنَجَّرَهُ سَفِينَةً لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِيهَا.
(وَلَوْ) كَانَ الْمَغْصُوبُ (جُزْءًا مَشَاعًا) مِنْ بُقْعَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ جُزْءًا مُعَيَّنًا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ وَحْدَهُ، فَإِنْ صَلَّى فِيهِ؛ لَمْ تَصِحَّ وَإِنْ صَلَّى فِي غَيْرِهِ: صَحَّتْ (أَوْ) أَيْ: وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى مَغْصُوبٍ، وَلَوْ (بُسِطَ عَلَيْهِ مُبَاحٌ ا) أَوْ بُسِطَ غَصْبًا عَلَى مُبَاحٍ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُبْدِعِ " وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَسَطَ طَاهِرًا صَفِيقًا عَلَى حَرِيرٍ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُسْتَعْمِلًا لِلْحَرِيرِ إذَنْ، بِخِلَافِ الْبُقْعَةِ، فَإِنَّهُ حَالٌّ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ مُبَاحٌ.
وَلَا فَرْقَ

بَيْنَ غَصْبِهِ لِرَقَبَةِ الْأَرْضِ وَنَحْوِهَا (سَوَاءٌ غَصَبَ ذَلِكَ أَوْ ادَّعَى مِلْكَهُ) بِغَيْرِ حَقٍّ، وَبَيْنَ وَضْعِ يَدِهِ عَلَى الْمَغْصُوبِ مُدَّةً ظُلْمًا (أَوْ) غَصَبَ الْمَنَافِعَ، بِأَنْ يَدَّعِيَ (إجَارَتَهُ ظَالِمًا، أَوْ أَخْرَجَ سَابَاطًا بِمَوْضِعٍ لَا يَحِلُّ) إخْرَاجُهُ؛ كَأَنْ يُخْرِجَهُ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ بِلَا إذْنِ أَهْلِهِ، فَإِنْ أَذِنُوا، صَحَّتْ.
أَوْ فِي نَافِذٍ بِغَيْرِ إذْنِ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ أَيْ: فَلَا تَصِحُّ وَلَوْ أَذِنَ، كَمَا تَقَدَّمَ.

. (وَيَصِحُّ وُضُوءٌ وَصَوْمٌ وَأَذَانٌ وَإِخْرَاجُ زَكَاةٍ وَعُقُودٌ) كَبَيْعٍ وَنِكَاحٍ وَغَيْرِهِمَا، وفسوخ: كَطَلَاقٍ، وَخُلْعٍ وَعِتْقٍ (بِمَكَانِ غُصِبَ) ؛ لِأَنَّ الْبُقْعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ.
(وَ) تَصِحُّ (صَلَاةٌ فِي بُقْعَةٍ أَبْنِيَتُهَا غَصْبٌ، وَلَوْ اسْتَنَدَ) إلَى الْأَبْنِيَةِ لِإِبَاحَةِ الْبُقْعَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الصَّلَاةِ.
وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَتُكْرَهُ.
وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ مَا يُبْنَى لِحَرِيمِ الْأَنْهَارِ مِنْ مَسَاجِدَ وَبُيُوتٍ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ الْبِنَاءُ بِهَا، وَأَمَّا الْبُقْعَةُ فَعَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، (أَوْ) أَيْ: وَتَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ (طُولِبَ بِرَدِّ وَدِيعَةٍ أَوْ) رَدِّ (غَصْبٍ وَلَمْ يَفْعَلْ) وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَخْتَصُّ الصَّلَاةَ.
وَتَصِحُّ صَلَاةُ (قِنٍّ خَالَفَ سَيِّدَهُ بِإِقَامَةٍ بِمَكَانٍ) أَوْ ذَهَابٍ إلَى غَيْرِهِ.
وَتَصِحُّ صَلَاةٌ وَنَحْوُهَا مِنْ (مُتَقَوٍّ عَلَى أَدَاءِ عِبَادَةٍ بِأَكْلِ حَرَامٍ) ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَعُودُ إلَى الْعِبَادَةِ، وَلَا إلَى شُرُوطِهَا، بَلْ إلَى خَارِجٍ عَنْهَا، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي فَسَادَهَا.
لَكِنْ لَوْ حَجَّ بِغَصْبٍ عَالِمًا ذَاكِرًا، لَمْ يَصِحَّ حَجُّهُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
(وَ) تَصِحُّ صَلَاةُ (نَحْوِ عِيدٍ وَجُمُعَةٍ وَجِنَازَةٍ وَكُسُوفٍ) وَاسْتِسْقَاءٍ (لِضَرُورَةٍ بِطَرِيقٍ) بِأَنْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ أَوْ الْمُصَلَّى، وَاضْطُرُّوا لِلصَّلَاةِ فِي الطَّرِيقِ لِلْحَاجَةِ.
(وَ) تَصِحُّ صَلَاةُ عِيدٍ وَجُمُعَةٍ وَجِنَازَةٍ وَنَحْوِهَا بِمَوْضِعٍ (غُصِبَ) أَيْ: مَغْصُوبٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَلَّاهَا الْإِمَامُ فِي الْغَصْبِ، وَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ، فَاتَتْهُمْ.
وَلِذَلِكَ صَحَّتْ الْجُمُعَةُ خَلْفَ الْخَوَارِجِ، وَالْمُبْتَدِعَةِ، وَفِي الطَّرِيقِ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا،

وَكَذَا الْأَعْيَادُ وَالْجِنَازَةُ.
(بَلْ وَ) تَصِحُّ الصَّلَاةُ (فِي الْكُلِّ) أَيْ: كُلِّ الْأَمَاكِنِ الْمُتَقَدِّمَةِ (مُطْلَقًا) أَيْ: سَوَاءٌ خَشِيَ فَوْتَ الْوَقْتِ أَوْ لَا.
نُصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": هُوَ الْمَذْهَبُ (لِعُذْرٍ) كَمَا لَوْ حُبِسَ فِيهَا، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا، فَيُصَلِّي وَلَا إعَادَةَ كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ.
(وَيَتَّجِهُ الْأَصَحُّ) أَنَّ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ لِلصَّلَاةِ فِي أَمَاكِنِ النَّهْيِ، (خَوْفُ خُرُوجِ وَقْتٍ) ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ نُصُوصُهُمْ تَأْبَاهُ.
(وَتُكْرَهُ صَلَاةٌ إلَيْهَا) لِحَدِيثِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ مَرْفُوعًا «لَا تُصَلُّوا إلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا إلَيْهَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ مَوَاضِعِ النَّهْيِ إلَّا الْكَعْبَةَ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عِنْدَهُ تَعَبُّدٌ، وَشَرْطُ الْقِيَاسِ فَهْمُ الْمَعْنَى.
فَإِنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ مَنَعَ صِحَّةَ الصَّلَاةِ إلَى الْمَقْبَرَةِ، وَبَعْضُهُمْ وَإِلَى الْحَشِّ، وَالْمَذْهَبُ الصِّحَّةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْإِفَادَاتِ " وَقَدَّمَهُ غَيْرُهُمَا.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ إلَى ذَلِكَ (بِلَا حَائِلٍ) فَإِنْ كَانَ حَائِلٌ لَمْ تُكْرَهْ الصَّلَاةُ، (وَلَوْ) كَانَ (كَمُؤَخِّرَةِ رَحْلٍ) كَسُتْرَةِ الْمُتَخَلِّي، لَا كَسُتْرَةِ صَلَاةٍ.
فَلَا يَكْفِي الْخَطُّ وَنَحْوُهُ، وَلَا مَا دُونَ مُؤَخِّرَةِ رَحْلٍ، بَلْ (وَلَا يَكْفِي حَائِطُ الْمَسْجِدِ نَصًّا) جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: الْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالنَّاظِمُ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي " الرعايتين "، وَ " الْحَاوِيَيْنِ " وَغَيْرِهِمْ، لِكَرَاهَةِ السَّلَفِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ قِبْلَتُهُ حَشٌّ (خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ)

حَيْثُ اعْتَبَرَ أَنَّ حَائِطَ الْمَسْجِدِ كَافٍ فِي السُّتْرَةِ، وَتَأَوَّلَ النَّصَّ عَلَى سِرَايَةِ النَّجَاسَةِ تَحْتَ مَقَامِ الْمُصَلِّي.

(وَلَوْ غُيِّرَتْ أَمَاكِنَ نَهْيٍ غَيْرَ) أَمَاكِنِ (غَصْبٍ بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا، كَجَعْلِ حَمَّامٍ دَارًا، وَمَقْبَرَةٍ مَسْجِدًا) ، أَوْ نُبِشَ الْمَوْتَى وَحُوِّلَتْ عِظَامُهُمْ، (وَصَلَّى فِيهَا) (صَحَّتْ) الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهَا مِنْ مَوَاضِعِ النَّهْيِ (وَكَمَقْبَرَةِ مَسْجِدُ حَدَثَ بِهَا) أَيْ: الْمَقْبَرَةِ، فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ سِوَى صَلَاةِ جِنَازَةٍ، أَوْ لِعُذْرٍ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ (لَا إنْ حَدَثَتْ هِيَ) أَيْ: الْقُبُورُ، (حَوْلَهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ وَكَذَا (لَوْ) حَدَثَتْ (فِي قِبْلَتِهِ فَ) تُكْرَهُ (كَصَلَاةٍ إلَيْهَا) بِلَا حَائِلٍ (وَلَوْ وُضِعَ قَبْرٌ) أَيْ: مَقْبَرَةٌ، (وَمَسْجِدٌ مَعًا، لَمْ يَجُزْ) وَضْعُ ذَلِكَ، (وَلَمْ يَصِحَّ وَقْفٌ، وَ) لَا (صَلَاةٌ) بِهِ.
(قَالَهُ) ابْنُ الْقَيِّمِ (فِي " الْهَدْيِ) النَّبَوِيِّ " (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (بِطَرِيقٍ حَدَثَتْ بِمَسْجِدٍ) وَكَذَا لَوْ حَدَثَ غَيْرُهُ مِنْ مَوَاضِعِ النَّهْيِ، كَحَشٍّ بَعْدَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَالصَّلَاةُ فِيهِ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَابِعٍ لِمَا حَدَثَ بَعْدَهُ.
(وَتُكْرَهُ) الصَّلَاةُ (بِأَرْضِ خَسْفٍ، وَمَا نَزَلَ بِهَا عَذَابٌ) مِنْ الْأَرَاضِي الْمَسْخُوطِ عَلَيْهَا، (كَ) أَرْضِ (بَابِلَ) وَأَرْضِ الْحِجْرِ (وَدِيَارِ ثَمُودَ) " لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَرْضِ بَابِلَ وَقَالَ: إنَّهَا مَلْعُونَةٌ» وَلِأَنَّهَا مَوَاضِعُ مَسْخُوطٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يَوْمَ مَرَّ بِالْحِجْرِ " لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ» (وَ) تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ (بِمَسْجِدِ الضِّرَارِ) إذَا لَمْ تَكُنْ أَرْضُهُ مَغْصُوبَةً.
(وَ) تَصِحُّ أَيْضًا فِي (مَدْبَغَةٍ وَرَحًى وَ) تَصِحُّ (عَلَيْهَا) أَيْ: الرَّحَى مَعَ الْكَرَاهَةِ.
(وَ) تَصِحُّ أَيْضًا (بِأَرْضٍ سَبِخَةٍ) . نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": مَعَ الْكَرَاهَةِ.
(وَ)

تَصِحُّ أَيْضًا مَعَ الْكَرَاهَةِ وَتَصِحُّ أَيْضًا فِي (مَقْصُورَةِ مَسْجِدٍ تُحْمَى لِأَكَابِرَ) مِنْ أُمَرَاءَ (وَسَلَاطِينِ) نَصًّا.
(وَلَا تُكْرَهُ) الصَّلَاةُ (بِبِيَعٍ) وَهِيَ: مَعْبَدُ النَّصَارَى (وَكَنَائِسُ) : مَعْبَدُ الْيَهُودِ، (وَلَوْ مَعَ) وُجُودِ (صُوَرٍ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ " لِلْإِقْنَاعِ "، وَكَانَ عَلَيْهِ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (وَلَيْسَتْ) الْبِيَعُ وَالْكَنَائِسُ (مِلْكًا لِأَحَدٍ، فَلَيْسَ لَهُمْ مَنْعُ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهَا؛ لِأَنَّا صَالَحْنَاهُمْ عَلَيْهِ) . نَقَلَهُ فِي " الْفُرُوعِ " فِي الْوَلِيمَةِ.
(فَرْعٌ: يُثَابُ عَلَى مَا كُرِهَ لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِعَارِضٍ، كَمَا مَرَّ) مِنْ الصَّلَاةِ إلَى أَمَاكِنِ النَّهْيِ، وَأَرْضِ الْخَسْفِ وَمَا نَزَلَ بِهَا عَذَابٌ، وَمَسْجِدِ الضِّرَارِ، وَالْمَدْبَغَةِ، وَالرَّحَى، وَالْأَرْضِ السَّبِخَةِ، وَالْمَقْصُورَةِ الْمَحْمِيَّةِ، (وَكَوُضُوءٍ بِمَا كُرِهَ) اسْتِعْمَالُهُ لِشِدَّةِ حَرِّهِ أَوْ بَرْدِهِ (بِخِلَافِ مَا كُرِهَ لِذَاتِهِ؛ كَسِوَاكِ صَائِمٍ بَعْدَ الزَّوَالِ.
وَلَا يُعَدُّ) مَا كُرِهَ لِذَاتِهِ (عِبَادَةً) ، بِخِلَافِ مَا كُرِهَ لِعَارِضٍ.

[فَصْلٌ الصَّلَاةُ فِي الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ]

(فَصْلٌ) (وَلَا يَصِحُّ فَرْضٌ فِي الْكَعْبَةِ) الْمُشَرَّفَةِ، (وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] وَالشَّطْرُ: الْجِهَةُ.
وَمَنْ صَلَّى فِيهَا، أَوْ عَلَى سَطْحِهَا غَيْرَ مُسْتَقْبِلٍ لِجِهَتِهَا؛ وَلِأَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَدْبِرًا مِنْ الْكَعْبَةِ، مَا لَوْ اسْتَقْبَلَهُ مِنْهَا، وَهُوَ خَارِجُهَا، صَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ وَلِأَنَّ النَّهْيَ عَلَى ظَهْرِهَا قَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ السَّابِقِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى.
وَالْجِدَارُ لَا أَثَرَ لَهُ؛ إذْ الْمَقْصُودُ الْبُقْعَةُ، بِدَلِيلِ: أَنَّهُ يُصَلَّى لِلْبُقْعَةِ حَيْثُ لَا جِدَارَ، (إلَّا إذَا وَقَفَ عَلَى مُنْتَهَاهَا) ، أَيْ: الْكَعْبَةِ (بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ)

مِنْهَا، (أَوْ) وَقَفَ (خَارِجَهَا) ، أَيْ: الْكَعْبَةِ، (وَسَجَدَ فِيهَا) فَيَصِحُّ فَرْضُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ لِطَائِفَةٍ مِنْ الْكَعْبَةِ، غَيْرَ مُسْتَدْبِرٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا، كَمَا لَوْ صَلَّى إلَى أَحَدِ أَرْكَانِهَا.

(وَتَصِحُّ نَافِلَةٌ) فِي الْكَعْبَةِ، وَعَلَيْهَا.
(وَ) تَصِحُّ (مَنْذُورَةٌ فِيهَا وَعَلَيْهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَاخِصٌ مُتَّصِلٌ بِهَا) ، عَلَى الْمَذْهَبِ.
اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ فِي " الْمُغْنِي "، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ "، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ " الْحَاوِي الْكَبِيرِ "، وَالْفَائِقُ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى ". (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَوْ صَلَّى لِغَيْرِ وَجَاهَةٍ إذَا دَخَلَ جَازَ، إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا شَاخِصٌ مُتَّصِلٌ بِهَا كَالْبِنَاءِ، وَالْبَابِ وَلَوْ مَفْتُوحًا، أَوْ عَتَبَتِهِ الْمُرْتَفِعَةِ، فَلَا اعْتِبَارَ بِالْآجُرِّ الْمُعَبَّأِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ، وَلَا بِالْخَشَبِ غَيْرِ الْمَسْمُورِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاخِصٌ، وَسُجُودُهُ عَلَى مُنْتَهَاهَا، لَمْ تَصِحَّ.
انْتَهَى.
(مَا لَمْ يَسْجُدْ عَلَى مُنْتَهَاهَا) أَيْ: الْكَعْبَةِ، وَلَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَاخِصٌ مُتَّصِلٌ بِهَا، فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقْبِلْهَا فِيهِ.
(وَيُسَنُّ نَفْلُهُ فِيهَا، وَالْأَفْضَلُ) أَنْ يَتَنَفَّلَ (وِجَاهَهُ، إذَا - دَخَلَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، الْبَيْتَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ عَنْ يَسَارِكَ إذَا دَخَلْتَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ» ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَأَمَّا مَا رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أُسَامَةَ أَيْضًا، وَالْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ» فَجَوَابُهُ أَنَّ الدُّخُولَ كَانَ مَرَّتَيْنِ، فَلَمْ يُصَلِّ فِي الْأُولَى، وَصَلَّى فِي الثَّانِيَةِ.
كَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ "، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ

(وَيَجُوزُ) التَّنَفُّلُ (لِغَيْرِ وَجَاهَةٍ) إذَا دَخَلَ؛ لِأَنَّ كُلَّ جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِهِ قِبْلَةٌ.
(وَنَفْلٌ سُنَّ جَمَاعَةً) فِعْلُهُ (خَارِجَهَا) ، أَيْ: الْكَعْبَةِ، (بِهَا) أَيْ: بِالْجَمَاعَةِ، (أَفْضَلُ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ فِعْلِهِ (دَاخِلٌ بِدُونِهَا) ، أَيْ: الْجَمَاعَةِ.
(إذْ الْمُحَافَظَةُ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِهَا) إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَنَفْلٌ بِبَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْهُ بِمَسْجِدٍ، وَلَوْ الْحَرَامُ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَبُعْدِهِ مِنْ الرِّيَاءِ، وَقُرْبِهِ مِنْ الْإِخْلَاصِ.
(وَسُنَّ تَنَفُّلٌ فِي الْحِجْرِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ، (وَهُوَ) أَيْ: الْحِجْرُ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْكَعْبَةِ، لِخَبَرِ عَائِشَةَ (وَقَدْرُهُ سِتَّةُ أَذْرُعٍ) بِذِرَاعِ الْيَدِ (وَشَيْءٌ) . قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْحِجْرُ جَمِيعُهُ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ: وَإِنَّمَا الدَّاخِلُ فِي حُدُودِ الْبَيْتِ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَشَيْءٌ، فَمَنْ اسْتَقْبَلَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ أَلْبَتَّةَ انْتَهَى.
وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الطَّوَافِ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ جَمِيعِهِ احْتِيَاطًا، وَيَأْتِي.
(وَيَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الْبَيْتِ، أَشْبَهَ سَائِرَهُ (وَلَوْ لِمَكِّيٍّ) ، سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا.
(وَالْفَرْضُ فِيهِ) ، أَيْ: الْحِجْرِ، (كَدَاخِلِهَا) ، أَيْ: لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا وَقَفَ عَلَى مُنْتَهَاهُ، أَوْ لَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ وَقَفَ خَارِجَهُ وَسَجَدَ فِيهِ قَالَ أَحْمَدُ: الْحِجْرُ مِنْ الْبَيْتِ.
(وَلَوْ نُقِضَ بِنَاءُ الْكَعْبَةِ) أَوْ سَقَطَ (وَجَبَ اسْتِقْبَالُ مَوْضِعِهَا، وَهَوَائِهَا دُونَ أَنْقَاضِهَا) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْبُقْعَةُ لَا الْأَنْقَاضُ.
(وَلَوْ عَلَى جَبَلٍ يَخْرُجُ عَنْ مُسَامَتَةٍ بُنْيَانُهَا) كَأَبِي قُبَيْسٍ (صَحَّتْ) الصَّلَاةُ (لِهَوَائِهَا) وَكَذَا لَوْ حَفَرَ حَفِيرَةً فِي الْأَرْضِ بِحَيْثُ يَنْزِلُ عَنْ مُسَامَتَةٍ بُنْيَانُهَا صَحَّتْ إلَى هَوَائِهَا؛ إذْ الْمَقْصُودُ الْبُقْعَةُ لَا الْجِدَارُ.

(وَلَا بَأْسَ بِتَغَيُّرِ حِجَارَتِهَا) ، أَيْ: الْكَعْبَةِ، وَإِبْدَالِهَا بِحِجَارَةٍ أَقْوَى

مِنْهَا (إنْ احْتَاجَتْ لِمِرَمَّةٍ) ، وَلَمْ تُمَكَّنْ بِدُونِ التَّغْيِيرِ، وَإِلَّا فَلَا.
(لَا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، فَيَحْرُمُ) تَغْيِيرُهُ (لِعَدَمِ قِيَامِ غَيْرِهِ مَقَامَهُ) ، بَلْ يَجِبُ بَقَاؤُهُ عَلَى حَالٍ.
وَلَوْ تَشَعَّثَ أَوْ تَكَسَّرَ يُلْصَقُ فِي مَحَلِّهِ، وَلَا يُنْقَلُ إلَى غَيْرِهِ.
(وَلَا يَنْتَقِلُ النُّسُكُ مَعَهُ) أَيْ: الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، إذَا نُقِلَ مِنْ مَكَانِهِ؛ لِأَنَّ النُّسُكَ إنَّمَا هُوَ الطَّوَافُ بِجُمْلَةِ الْبَيْتِ، لَا بِالْحِجْرِ عَلَى انْفِرَادِهِ.
(وَكُرِهَ نَقْلُ حِجَارَتِهَا) ، أَيْ: الْكَعْبَةِ، (عِنْدَ عِمَارَتِهَا إلَى غَيْرِهَا) مِنْ الْأَمَاكِنِ.
(وَفِي " الْفُنُونِ ": لَا يَجُوزُ أَنْ تُعَلَّى أَبْنِيَتُهَا زِيَادَةً عَلَى مَا وُجِدَ مِنْ عُلُوِّهَا) زَمَنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، (وَفِي " الْفُرُوعِ ": يَتَوَجَّهُ جَوَازُ الْبِنَاءِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) ، (يَعْنِي إدْخَالَ الْحِجْرِ فِي الْبَيْتِ انْتَهَى) كَلَامُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ ". (وَقَدْ فَعَلَهُ) أَيْ: الْبِنَاءَ، عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، ثُمَّ أَعَادَهَا الْحَجَّاجُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ بِنَاءِ قُرَيْشٍ، وَأَخْرَجَ الْحِجْرَ مِنْهَا، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إلَى الْآنِ.
(وَرَأَى) الْإِمَامُ (الشَّافِعِيُّ، وَ) الْإِمَامُ (مَالِكٌ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (تَرْكَهُ) ، أَيْ: الْبِنَاءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ (لِئَلَّا يَصِيرَ الْبَيْتُ مِلْعَبَةً لِلْمَمْلُوكِ) فَيَسْقُطُ تَعْظِيمُهُ مِنْ أَعْيُنِ الْجُهَّالِ.

[بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ]

وَبَيَانُ أَدِلَّتِهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
قَالَ الْوَاحِدِيُّ: الْقِبْلَةُ: الْوَجْهَةُ، وَهِيَ: الْفَعْلَةُ مِنْ الْمُقَابَلَةِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: مَا لَهُ قِبْلَةٌ، وَلَا دَبْرَةٌ، إذَا لَمْ يَهْتَدِ لِجِهَةِ أَمْرِهِ.
وَأَصْلُ الْقِبْلَةِ فِي اللُّغَةِ: الْحَالَةُ الَّتِي يُقَابِلُ الشَّيْءُ غَيْرَهُ عَلَيْهَا، كَالْجِلْسَةِ لِلْحَالَةِ الَّتِي يَجْلِسُ عَلَيْهَا، إلَّا أَنَّهَا صَارَتْ كَالْعِلْمِ لِلْجِهَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُهَا.
وَسُمِّيَتْ قِبْلَةً لِإِقْبَالِ النَّاسِ عَلَيْهَا، أَوْ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَابِلُهَا، وَهِيَ تُقَابِلُهُ.

وَاسْتِقْبَالُهَا (فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ شَرْطٌ لَهَا) ، أَيْ الصَّلَاةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] وَهُوَ الشَّرْطُ الثَّامِنُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ.
(مَعَ قُدْرَةٍ) عَلَيْهِ (لَا مَعَ عُذْرٍ) كَعَجْزٍ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ؛ كَالْتِحَامِ حَرْبٍ، وَهَرَبٍ مِنْ سَيْلٍ أَوْ نَارٍ أَوْ سَبُعٍ وَنَحْوِهِ (وَلَوْ) كَانَ الْعُذْرُ (نَادِرًا، كَمَرِيضٍ) ، وَمَصْلُوبٍ (وَمَرْبُوطٍ عَجَزَ عَنْ اسْتِقْبَالٍ) وَعَمَّنْ يُدِيرُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، فَتَصِحُّ صَلَاتُهُمْ إلَى غَيْرِهَا بِلَا إعَادَةٍ، لِعَجْزِهِمْ عَنْ الشَّرْطِ فَيَسْقُطُ، كَالْقِيَامِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ.
(وَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ) . جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي " شَرْحِ الْخِرَقِيِّ الصَّغِيرِ " وَالسَّامِرِيُّ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَهِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي أَقَامَهَا بِمَكَّةَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ بِنَاءً عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ» الْحَدِيثَ.
وَمَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ هُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ.
قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيرِهِ: اخْتَلَفُوا فِي صَلَاتِهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ قَوْمٌ: كَانَ بِمَكَّةَ يُصَلِّي إلَى الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا صَارَ إلَى الْمَدِينَةِ أُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ كَانَ بِمَكَّةَ يُصَلِّي إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، إلَّا أَنَّهُ يَجْعَلُ الْقِبْلَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ كَانَ يُصَلِّي إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَطْ بِمَكَّةَ وَبِالْمَدِينَةِ أَوَّلًا سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّلَاحِ.
(وَ) صَلَّى أَيْضًا، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ (سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا بِالْمَدِينَةِ) ، وَقِيلَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا.
رُوِيَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ إنَّهُ وَجَّهَ إلَى الْكَعْبَةِ، فَمَرَّ رَجُلٌ كَانَ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ وَجَّهَ إلَى الْكَعْبَةِ، فَانْحَرَفُوا إلَى الْكَعْبَةِ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ "، وَلَمْ يُشِرْ إلَى خِلَافِهِ.
وَقَدْ وَرَدَ (بِالسُّنَّةِ) قَوْلَانِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ.
(وَ) وَرَدَ فِي (الْقُرْآنِ) أَيْضًا (قَوْلَانِ) قِيلَ عَنْ أَحَدِهِمَا: إنَّهُ نَزَلَ بِهِ قُرْآنٌ وَنُسِخَ، وَالثَّانِي: قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115] . (ثُمَّ أُمِرَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِالتَّوَجُّهِ لِلْكَعْبَةِ) بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144] الْآيَةَ.
(فَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (لِقَادِرٍ) عَلَى الِاسْتِقْبَالِ (بِدُونِ اسْتِقْبَالِهَا) أَيْ: الْقِبْلَةِ، (إلَّا فِي نَفْلِ وَرَاتِبَةِ مُسَافِرٍ، فَقِبْلَتُهُ جِهَةُ سَيْرِهِ) عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ لِلْخَبَرِ فِي الرَّاكِبِ، وَيَأْتِي.
(وَلَوْ) كَانَ الْمُسَافِرُ (مَاشِيًا) لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ فِي خَوْفِ الِانْقِطَاعِ عَنْ الْقَافِلَةِ فِي السَّفَرِ (سَفَرًا مُبَاحًا) كَالتِّجَارَةِ، (وَلَوْ قَصِيرًا) كَدُونِ الْمَسَافَةِ (لَا مَكْرُوهًا) كَسِيَاحَةٍ، وَلَا مُحَرَّمًا؛ لِأَنَّ نَفْلَهُ كَذَلِكَ رُخْصَةٌ، وَلَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي.
(أَوْ) تَنَفَّلَ (حَضَرًا) كَالرَّاكِبِ السَّائِرِ فِي مِصْرِهِ، أَوْ قَرْيَتِهِ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الِاسْتِقْبَالُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسَافِرٍ.
(وَلَا) يَسْقُطُ الِاسْتِقْبَالُ فِي نَفْلِ (رَاكِبٍ تَعَاسِيفَ وَهُوَ) ، أَيْ: التَّعَاسِيفُ: (رُكُوبُ فَلَاةٍ وَقَطْعُهَا عَلَى غَيْرِ صَوْبٍ) ، وَمِنْهُ الْهَائِمُ، وَالتَّائِهُ، كَمَا لَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ بِرَمَضَانَ.
(وَلَا) يَسْقُطُ الِاسْتِقْبَالُ عَنْ (رَاكِبِ مِحَفَّةٍ وَاسِعَةٍ) أَوْ عمارية وَهَوْدَجٍ، فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِلَا مَشَقَّةٍ.
(وَلَا)

عَنْ رَاكِبِ (نَحْوِ سَفِينَةٍ) كَزَوْرَقٍ، إذَا كَانَ (غَيْرَ مَلَّاحٍ) ، أَمَّا الْمَلَّاحُ فَمَعْذُورٌ لِانْفِرَادِهِ بِتَدْبِيرِهَا.
(وَإِنْ لَمْ يُعْذَرْ مَنْ عَدَلَتْ بِهِ دَابَّتُهُ) إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ؛ بِأَنْ عَلِمَ بِعُدُولِهَا، وَقَدَرَ عَلَى رَدِّهَا، وَلَمْ يَفْعَلْ؛ بَطَلَتْ، (أَوْ عَدَلَ) هُوَ (إلَى غَيْرِهَا) أَيْ: الْقِبْلَةِ، (عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ مَعَ عِلْمِهِ) بِعُدُولِهِ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهُ عَمْدًا.
وَسَوَاءٌ طَالَ عُدُولُهُ، أَوْ لَا، (أَوْ عُذِرَ) مَنْ عَدَلَتْ بِهِ دَابَّتُهُ لِعَجْزِهِ عَنْهَا كَجِمَاحِهَا، أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ عُذِرَ مَنْ عَدَلَ إلَى غَيْرِهَا لِغَفْلَةٍ، أَوْ نَوْمٍ، أَوْ جَهْلٍ أَوْ ظَنَّهَا جِهَةَ سَيْرِهِ، (وَطَالَ) عُدُولُ دَابَّتِهِ أَوْ عُدُولُهُ عُرْفًا (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ (وَ) إنْ حَصَلَ الْعُدُولُ (بِعُذْرِ سَهْوٍ قَصِيرٍ) زَمَنَهُ، فَإِنَّهُ (يَسْجُدُ لَهُ) . فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ، بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ السَّهْوِ، بِخِلَافِ الْغَفْلَةِ النَّوْمِ.
(وَإِنْ وَقَفَ) الْمُسَافِرُ الْمُتَنَفِّلُ لِجِهَةِ سَيْرِهِ (لِتَعَبِ دَابَّتِهِ، أَوْ) وَقَفَ (مُنْتَظِرًا رُفْقَةً أَوْ) وَقَفَ لِكَوْنِهِ (أَيْسَرَ لِسَيْرِهِمْ) أَيْ: الرُّفْقَةِ، اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.
(أَوْ نَوَى النُّزُولَ بِبَلَدٍ دَخَلَهُ، أَوْ نَزَلَ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ، (اسْتَقْبَلَ) الْقِبْلَةَ حَالَ كَوْنِهِ (نَازِلًا) فِي، الْأَخِيرَةِ (وَيُتِمُّهَا) لِانْقِطَاعِ سَيْرِهِ كَالْخَائِفِ يَأْمَنُ.
(وَيَتَّجِهُ وُجُوبُ نُزُولِ رَاكِبٍ) وَقَفَ لِتَعَبِ دَابَّتِهِ، أَوْ مُنْتَظِرًا رُفْقَةً أَوْ لَمْ يَسِرْ لِسَيْرِهِمْ، أَوْ نَوَى النُّزُولَ بِبَلَدٍ دَخَلَهُ إنْ كَانَ (لَا يَتَمَكَّنُ) وَهُوَ رَاكِبٌ (مِنْ نَحْوِ سُجُودٍ) ، وَرُكُوعٍ وَطُمَأْنِينَةٍ، وَاعْتِدَالٍ (سِيَّمَا مُفْتَرِضٌ) وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِي الْمُفْتَرِضِ ظَاهِرٌ، وَيَأْتِي.
وَأَمَّا الْمُتَنَفِّلُ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّهُ يَكْتَفِي بِالْإِيمَاءِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فِعْلِهِمَا.

(وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً عَلَى دَابَّةٍ، جَازَ وَصَحَّتْ) الصَّلَاةُ (عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الدَّابَّةِ.
(وَشَرْطُ طَهَارَةِ مَحَلِّ رَاكِبٍ) ، مِنْ بَرْدَعَةٍ، وَسَرْجٍ، وَنَحْوِهِ، (وَعَدَمِ مُلَاقَاتِهِ) أَيْ: الرَّاكِبِ (لِنَجِسٍ، كَحِمَارٍ) وَبَغْلٍ، وَفِيلٍ، وَنَحْوِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اعْتِبَارِ طَهَارَةِ الْمَكَانِ.
(وَلَا يَضُرُّ وَطْءُ دَابَّةٍ نَجَاسَةً) . قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إنْ أَمْكَنَ رَدُّهُ عَنْهَا وَلَمْ يَفْعَلْ، بَطَلَتْ.
(بَلْ) يَضُرُّ (وَطْءُ مَاشٍ) نَجَاسَةً (عَمْدًا) كَغَيْرِ الْمُسَافِرِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَطْءُ دَابَّةٍ نَجَاسَةً إذَا كَانَتْ غَيْرَ رَطْبَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَقُ مِنْهَا بِهَا شَيْءٌ، بِخِلَافِ الرَّطْبَةِ، فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِوَطْءِ الدَّابَّةِ لَهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ أَثَرٍ يَصْحَبُ يَدَ الدَّابَّةِ أَوْ رِجْلَهَا مِنْهَا، فَيَكُونُ كَمَنْ صَلَّى بِمَحَلٍّ نَجِسٍ وَلَا يُرَدُّ أَنَّ جَمِيعَ أَعْضَاءِ الدَّابَّةِ نَجِسَةٌ كَمَا لَوْ كَانَتْ بَغْلًا، أَوْ حِمَارًا؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ لَا غِنَاءَ عَنْهَا فِي السَّفَرِ.
وَأَمَّا النَّجَاسَةُ فَيُمْكِنُ اجْتِنَابُهَا وَالتَّحَرُّزُ مِنْهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ رَكِبَ مَاشٍ) مُتَلَبِّسٌ (فِي نَفْلٍ، أَتَمَّهُ) رَاكِبًا، كَمَا لَوْ نَزَلَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ عَنْ الدَّابَّةِ، فَيُتِمُّهَا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ وَلَا اسْتِئْنَافٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَ) كَذَا لَوْ رَكِبَ بَعْدَ شُرُوعِهِ (فِي فَرْضٍ) مَاشِيًا، فَلَهُ

أَنْ يُتِمَّهُ رَاكِبًا، (حَيْثُ جَازَ) الشُّرُوعُ فِيهِ مَاشِيًا، كَخَائِفٍ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ سَبُعٍ، أَوْ نَارٍ أَوْ مَاءٍ، أَوْ فَوْتِ وَقْتِ وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَاجِبَةٌ شَرْعًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَتَبْطُلُ) النَّافِلَةُ (بِرُكُوبِ قَاعِدٍ وَقَائِمٍ) ؛ لِأَنَّ حَالَتَهُ حَالَةُ إقَامَةٍ، فَرُكُوبُهُ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى) مُسَافِرٍ (مَاشٍ إحْرَامٌ) إلَى الْقِبْلَةِ، (وَرُكُوعٌ وَسُجُودٌ إلَيْهَا) بِالْأَرْضِ (إنْ أَمْكَنَ) لِتَيَسُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، (وَيَفْعَلُ مَا سِوَاهُ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ) . (وَكَذَا) (رَاكِبٌ) مُتَنَفِّلٌ، يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي كُلِّ صَلَاتِهِ، وَيَرْكَعُ، وَيَسْجُدُ وُجُوبًا إنْ (أَمْكَنَهُ) ذَلِكَ (بِلَا مَشَقَّةٍ) كَرَاكِبِ الْمِحَفَّةِ الْوَاسِعَةِ، وَالسَّفِينَةِ وَالرَّاحِلَةِ الْوَاقِفَةِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُقِيمِ فِي عَدَمِ الْمَشَقَّةِ، (وَإِلَّا) يُمْكِنَهُ ذَلِكَ بِلَا مَشَقَّةٍ، كَرَاكِبٍ نَحْوِ بَعِيرٍ مَقْطُورٍ تَعَسَّرَ عَلَيْهِ الِاسْتِدَارَةُ بِنَفْسِهِ، أَوْ رَاكِبٍ حَرُونَ تَعَسَّرَ عَلَيْهِ إدَارَتُهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ (فَ) يُحْرِمُ (إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ، وَيُومِئُ) بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ.
(وَيَلْزَمُ قَادِرًا جَعْلُ سُجُودِهِ أَخْفَضَ) مِنْ رُكُوعِهِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ «، قَالَ " بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ، فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَ) تَلْزَمُهُ (طُمَأْنِينَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ قَدَرَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ بِالْأَرْضِ.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ اسْتِقْبَالُهُ وَأَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ]

(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ اسْتِقْبَالُهُ، وَأَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا.
(وَفَرْضُ مَنْ قَرُبَ مِنْ قُرْبٍ مِنْ الْكَعْبَةِ) ، وَهُوَ مَنْ يُمْكِنُهُ الْمُشَاهَدَةُ، أَوْ مَنْ يُخْبَرُهُ عَنْ يَقِينٍ، إصَابَةُ الْعَيْنِ بِبَدَنِهِ، بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْهَا.
فَإِنْ كَانَ

بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ، فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ خَارِجَهُ، فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ بِنَظَرِهِ، أَوْ عِلْمِهِ، أَوْ خَبَرِ عَالَمٍ بِهِ، فَلَوْ خَرَجَ بِبَعْضِ بَدَنِهِ عَنْ مُسَامَتَتِهَا؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
(أَوْ) أَيْ: وَفَرْضُ مَنْ قَرُبَ (مِنْ مَسْجِدِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إصَابَةُ الْعَيْنِ بِكُلِّ بَدَنِهِ) ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
لِأَنَّ قِبْلَتَهُ مُتَيَقَّنَةُ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ.
وَرَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْقِبْلَةِ.
وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ» . قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فِي قَوْلِ الْأَصْحَابِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الصَّفِّ الْمُسْتَطِيلِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، صَحِيحَةٌ، مَعَ خُرُوجِ بَعْضِهِمْ عَنْ اسْتِقْبَالِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ، لِكَوْنِ الصَّفِّ أَطْوَلَ مِنْهَا.
وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ صَحِيحٌ، لَكِنْ إنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ، وَقَدْ فَعَلَهُ، وَهَذَا الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ انْتَهَى.
وَقَدْ يُجَابُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: فَرْضُهُ اسْتِقْبَالُ الْعَيْنِ، أَيْ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي مَسْجِدِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَا قَرُبَ مِنْهُ، الِانْحِرَافُ عَنْهُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً، كَمَنْ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّ قِبْلَتَهُ بِالنَّصِّ، فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ.
قَالَ النَّاظِمُ: وَفِي مَعْنَاهُ، أَيْ: مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كُلُّ مَوْضِعٍ ثَبَتَ أَنَّهُ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، صَلَّى فِيهِ إذَا ضُبِطَتْ جِهَتُهُ.
(وَلَا يَضُرُّ عُلُوٌّ) عَنْ الْكَعْبَةِ، كَالْمُصَلِّي عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ.
(وَ) لَا يَضُرُّ (نُزُولٌ) عَنْهَا، كَمَنْ فِي حَفِيرَةٍ فِي الْأَرْضِ تَنْزِلُ عَنْ مُسَامَتِهَا؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْبُقْعَةِ لَا بِالْجُدْرَانِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(أَوْ) أَيْ: وَلَا يَضُرُّ (حَائِلٌ حَادِثٌ) ، كَالْأَبْنِيَةِ (حَيْثُ أَمْكَنَ تَيَقُّنُ) إصَابَةِ عَيْنِهَا (بِنَظَرٍ أَوْ خَبَرِ ثِقَةٍ عَنْ يَقِينٍ) . فَإِنَّ مَنْ نَشَأَ بِمَكَّةَ، أَوْ أَقَامَ بِهَا كَثِيرًا تَمَكَّنَ مِنْ الْأَمْرِ الْيَقِينِيِّ فِي ذَلِكَ.
(فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِ إصَابَةُ الْعَيْنِ (بِحَائِلٍ أَصْلِيٍّ كَجَبَلٍ) صَلَّى خَلْفَهُ،

(اُجْتُهِدَ إلَى عَيْنِهَا) ، أَيْ: الْكَعْبَةِ؛ لِتَعَذُّرِ الْيَقِينِ عَلَيْهِ.
وَمَعَ حَائِلٍ غَيْرِ أَصْلِيٍّ كَالْمَنَازِلِ، لَا بُدَّ مِنْ مُحَاذَاتِهَا بِبَدَنِهِ بِيَقِينٍ، إمَّا بِنَظَرٍ أَوْ إخْبَارِ ثِقَةٍ.
وَالْأَعْمَى الْمَكِّيُّ وَالْغَرِيبُ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ بِدَارٍ أَوْ نَحْوِهَا مِنْ مَكَّةَ، فَفَرْضُهُ الْخَبَرُ عَنْ يَقِينٍ، أَوْ عَنْ مُشَاهَدَةٍ، كَكَوْنِهِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ، وَعَلَى الْحَائِلِ مَنْ يُخْبِرُهُ، أَوْ أَخْبَرَهُ أَهْلُ الدَّارِ أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ، فَيَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ كَالْحَاكِمِ إذَا وَجَدَ النَّصَّ.

(وَفَرْضُ مَنْ بَعُدَ) عَنْ الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَهُوَ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمُعَايَنَةِ) لِذَلِكَ، (وَلَا) يَقْدِرُ (عَلَى مَنْ يُخْبِرُهُ) بِالْعَيْنِ (عَنْ يَقِينِ إصَابَةِ الْجِهَةِ) أَيْ: جِهَةِ الْكَعْبَةِ (بِالِاجْتِهَادِ) ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الِاثْنَيْنِ الْمُتَبَاعِدَيْنِ يَسْتَقْبِلَانِ قِبْلَةً وَاحِدَةً، وَعَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ عَلَى خَطٍّ مُسْتَوٍ، لَا يُقَالُ مَعَ الْبُعْدِ يَتَّسِعُ الْمُحَاذِي،؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَّسِعُ مَعَ التَّقَوُّسِ، لَا مَعَ عَدَمِهِ.
(وَيُعْفَى عَنْ انْحِرَافٍ يَسِيرٍ) يَمْنَةً وَيَسْرَةً لِلْخَبَرِ، وَإِصَابَةُ الْعَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ مُتَعَذِّرَةٌ، فَسَقَطَتْ، وَأُقِيمَتْ الْجِهَةُ مَقَامَهَا لِلضَّرُورَةِ (فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ) أَيْ: مَعْرِفَةُ فَرْضِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ جِهَةٍ (بِخَبَرِ مُكَلَّفٍ وَلَوْ أُنْثَى عَدْلٌ، ظَاهِرًا بَاطِنًا) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا (عَنْ يَقِينٍ، كَ) قَوْلِهِ: (رَأَيْتُ الْقُطْبَ هُنَا) ، أَوْ: رَأَيْتُ النَّجْمَ الَّذِي تُجَاهَهُ الْجَدْيُ، فَيَعْلَمُ الْقِبْلَةَ مِنْهُ، (أَوْ) قَوْلِهِ: رَأَيْتُ (الْجَمَّ الْغَفِيرَ يُصَلِّي إلَى كَذَا) كَخَطٍّ بِحَائِطٍ، أَوْ عَمُودٍ وَنَحْوِهِ، (لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ) ، وَلَا يَجْتَهِدُ كَالْحَاكِمِ يَقْبَلُ النَّصَّ مِنْ الثِّقَةِ وَلَا يَجْتَهِدُ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ كَافِرٌ، وَلَا غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَلَا فَاسِقٌ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: (وَيَصِحُّ تَوَجُّهٌ لِقِبْلَةِ فَاسِقٍ فِي بَيْتِهِ) . ذَكَرَهُ فِي " الْإِشَارَاتِ "

وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُبْدِعِ ". فَلَوْ شَكَّ فِي حَالِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ شَكَّ فِي إسْلَامِهِ، فَلَا.
وَإِنَّهُ إذَا أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ، لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ فِي الْأَصَحِّ.
(تَتِمَّةٌ) : وَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِدْلَالٌ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ، لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ، إذَا عَلِمَهَا لِلْمُسْلِمِينَ، عُدُولًا كَانُوا أَوْ فُسَّاقًا؛ لِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَيْهَا مَعَ تَكْرَارِ الْأَعْصَارِ إجْمَاعٌ عَلَيْهَا، وَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَلَا يَنْحَرِفُ؛ لِأَنَّ دَوَامَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ كَالْقَطْعِ.
انْتَهَى.
قُلْتُ: إلَّا أَنْ تَكُونَ كَمَحَارِيبِ غَالِبِ الصَّعِيدِ، والفيوم، فَإِنَّ قِبْلَتَهُمْ كَثِيرَةُ الِانْحِرَافِ، كَمَا شُوهِدَ بِأَخْبَارِ الثِّقَاتِ، وَامْتُحِنَ بِالْأَدِلَّةِ.
فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَلْزَمُهُ التَّوَجُّهُ إلَيْهَا، لَتَحَقُّقِ خَطَئِهَا بَلْ يَجْتَهِدُ إنْ كَانَ أَهْلًا، وَإِلَّا قَلَّدَ عَدْلًا.
وَإِنْ وَجَدَ مَحَارِيبَ ببلغد خَرَابٍ لَا يَعْلَمُهَا لِلْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا دَلَالَةَ فِيهَا؛ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا آثَارُ الْإِسْلَامِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْبَانِي لَهَا مُشْرِكًا، عَمِلَهَا لِيُغْرِ بِهَا الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ هَذَا الِاحْتِمَالُ، وَيَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ أَنَّهُ مِنْ مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَسْتَقْبِلُهُ.
(وَمَتَى اُشْتُبِهَتْ) الْقِبْلَةُ (سَفَرًا) ، وَحَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهَا وُجُوبًا (بِدَلَائِلِهَا) ، جَمْعُ: دَلِيلٍ بِمَعْنَى دَالٍّ.
(وَسُنَّ تَعْلَمُهَا) أَيْ: أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ، (مَعَ أَدِلَّةِ وَقْتٍ) وَلَمْ يَجِبْ لِنُدْرَةِ الْتِبَاسِهِ.
وَالْمُكَلَّفُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ مَا يَعُمُّ، لَا مَا يَنْدُرُ.
(فَإِنْ دَخَلَ) الْوَقْتُ، (وَخَفِيَتْ عَلَيْهِ) أَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ، (لَزِمَهُ) تَعَلُّمُهَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ مَعَ قِصَرِ زَمَنِهِ، فَإِنْ صَلَّى قَبْلَهُ، لَمْ تَصِحَّ.
ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ". (وَيُقَلِّدُ) جَاهِلٌ (غَيْرَهُ لِضِيقِهِ) ، أَيْ: الْوَقْتِ، عَنْ تَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ،

وَلَا يُعِيدُ لِجَوَازِ تَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ لِلضَّرُورَةِ، كَشِدَّةِ الْخَوْفِ، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ.

(وَأَصَحُّ الْأَدِلَّةِ النُّجُومُ) ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] ، وَقَالَ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ [الأنعام: 97] ، وَقَالَ عُمَرُ: " تَعَلَّمُوا مِنْ النُّجُومِ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ الْقِبْلَةَ وَالطَّرِيقَ ". وَقَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: مَا تَرَى فِي تَعَلُّمِ هَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا كَمْ مَضَى مِنْ النَّهَارِ، وَكَمْ يَبْقَى؟ فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ تَعَلُّمِهَا.
(وَأَثْبَتَهَا الْقُطْبُ) بِتَثْلِيثِ الْقَافِ.
حَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ عَنْ مَكَانِهِ، وَيُمْكِنُ كُلَّ أَحَدٍ مَعْرِفَتُهُ، (ثُمَّ الْجَدْيُ) نَجْمٌ نَيِّرٌ مَا حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ (وَالْفَرْقَدَانِ.
فَالْقُطْبُ: نَجْمٌ خَفِيٌّ حَوْلُهُ أَنْجُمٌ دَائِرَةٌ كَفَرَاشَةِ رَحًى، أَوْ كَسَمَكَةٍ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا أَحَدُ الْفَرْقَدَيْنِ.
وَ) فِي " الشَّرْحِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى ": فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا الْفَرْقَدَانِ، (وَفِي) الطَّرَفِ (الْآخَرِ الْجَدْيُ) ، قَالُوا: وَبَيْنَ ذَلِكَ أَنْجُمٌ صِغَارٌ مَنْقُوشَةٌ كَنُقُوشِ الْفَرَاشَةِ، ثَلَاثَةٌ مِنْ فَوْقُ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ تَحْتُ، تَدُورُ هَذِهِ الْفَرَاشَةُ حَوْلَ الْقُطْبِ دَوَرَانَ فَرَاشَةِ الرَّحَى حَوْلَ سَفُّودِهَا، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دَوْرَةً نِصْفُهَا بِاللَّيْلِ وَنِصْفُهَا بِالنَّهَارِ، فِي الزَّمَانِ الْمُعْتَدِلِ، فَيَكُونُ الْفَرْقَدَانِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي مَكَانِ الْجَدْيِ عِنْدَ غُرُوبِهَا، وَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى أَوْقَاتِ اللَّيْلِ، وَسَاعَاتِهِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَزْمِنَةِ لِمَنْ عَرَفَهَا، وَفَهِمَ كَيْفِيَّةَ دَوَرَانِهَا.
(وَالْقُطْبُ وَسَطَ الْفَرَاشَةِ لَا يَبْرَحُ مِنْ مَكَانِهِ دَائِمًا) . قَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَفِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " إلَّا قَلِيلًا.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَقِيلَ إنَّهُ يَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا يَسِيرًا لَا يُؤَثِّرُ (يَنْظُرُهُ حَدِيدُ بَصَرٍ فِي غَيْرِ لَيَالِي قَمَرٍ) فَإِذَا قَوِيَ نُورُ الْقَمَرِ، خَفِيَ (وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الْقُطْبِ، إذَا

خَفِيَ (بِجَدْيٍ، وَفَرْقَدَيْنِ، فَإِنَّهُ بَيْنَهُمَا، وَعَلَيْهِ تَدُورُ بَنَاتُ نَعْشٍ) الْكُبْرَى قَالَ الحجاوي فِي حَاشِيَتِهِ ": بَنَاتُ نَعْشٍ: أَرْبَعَةُ كَوَاكِبَ: وَثَلَاثَةٌ تَتْبَعُهَا الْأَرْبَعَةُ، وَالثَّلَاثَةُ بَنَاتٍ.
(فَيَكُونُ) الْقُطْبُ (وَرَاءَ ظَهْرِ مُصَلٍّ بِشَامٍ، وَمَا حَاذَاهَا مِنْ عِرَاقٍ، وَحَرَّان) وَقِيلَ: أَعْدَلُ الْقِبَلِ قِبْلَتُهَا (وَسَائِرُ الْجَزِيرَةِ، لَكِنْ يَنْحَرِفُ بِعِرَاقٍ قَلِيلًا لِمَغْرِبٍ) لِانْحِرَافِهَا عَنْ مُسَامَتَةِ الْقِبْلَةِ لِلْقُطْبِ إلَى الْمَشْرِقِ، فَيَنْحَرِفُ الْمُصَلِّي فِيهَا إلَى الْمَغْرِبِ بِقَدْرِ انْحِرَافِهَا.
(وَكُلَّمَا قَرُبَ مِنْ مَشْرِقٍ انْحَرَفَ أَكْثَرَ) إلَى الْمَغْرِبِ وَإِذَا جَعَلَهُ الْإِنْسَانُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا وَسَطَ السَّمَاءِ فِي كُلِّ بَلَدٍ.
ثُمَّ إنْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَا انْحِرَافَ لَهُ عَنْ مُسَامَتَةِ الْقِبْلَةِ لِلْقُطْبِ مِثْلُ آمد، وَمَا كَانَ عَلَى خَطِّهَا؛ فَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ.
(وَ) إنْ كَانَ الْبَلَدُ مُنْحَرِفًا عَنْهَا إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ، انْحَرَفَ الْمُصَلِّي إلَى الْمَشْرِقِ بِقَدْرِ انْحِرَافِ بَلَدِهِ.
(فَفِي دِمَشْقَ وَمَا قَارَبَهَا يَنْحَرِفُ) الْمُصَلِّي (قَلِيلًا لِمَشْرِقٍ) ؛ لِأَنَّ انْحِرَافَهَا لِمَغْرِبٍ نَحْوِ نِصْفِ سُدُسِ الْفَلَكِ، يَعْرِفُ ذَلِكَ الْفَلَكِيَّةُ.
(وَكُلَّمَا قَرُبَ مِنْ مَغْرِبٍ انْحَرَفَ أَكْثَرَ) لِمَشْرِقٍ بِقَدْرِهِ.
وَعَكْسُ ذَلِكَ بِعَكْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(حَتَّى إنَّ قِبْلَةَ مِصْرَ مَطْلَعُ الشَّمْسِ شِتَاءً) لِكَثْرَةِ انْحِرَافِهَا لِجِهَةِ الْمَغْرِبِ.
(وَ) يَجْعَلُ الْقُطْبَ (بِيُمْنِ قُبَالَتِهِ مِمَّا يَلِي جَانِبَهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي، (الْأَيْسَرَ.
وَ) يَجْعَلُهُ (بِمِصْرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ.
وَ) يَجْعَلُهُ (بِمَشْرِقٍ خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى) ، وَبِمَغْرِبٍ خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُسْرَى.
(وَإِذَا جَعَلَ الشَّامِيُّ الْقُطْبَ بَيْنَ أُذُنِهِ الْيُسْرَى وَنَقْرَةِ الْقَفَا، فَقَدْ اسْتَقْبَلَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الشَّامِيِّ وَالْمِيزَابِ.
قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ ". وَإِنْ جَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فِي الشَّامِ وَمَا حَاذَاهَا، وَانْحَرَفَ قَلِيلًا إلَى الْمَشْرِقِ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ.
(وَمَطْلَعُ سُهَيْلٍ) ، وَهُوَ نَجْمٌ صَغِيرٌ مُضِيءٌ يَطْلُعُ مِنْ مَهَبِّ الْجَنُوبِ،

ثُمَّ يَسِيرُ حَتَّى يَصِيرَ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، ثُمَّ يَتَجَاوَزُهَا فَيَسِيرُ حَتَّى يَغْرُبَ بِقُرْبِ مَحَلِّ الدَّبُورِ، (قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الشَّامِ) . وَمَنْ اسْتَدْبَرَ الْفَرْقَدَيْنِ وَالْجَدْيَ فِي حَالِ عُلُوِّ أَحَدِهِمَا وَهُبُوطِ الْآخَرِ، فَهُوَ كَاسْتِدْبَارِ الْقُطْبِ، وَإِنْ اسْتَدْبَرَ أَحَدَهُمَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ لِلْجِهَةِ، لَكِنَّهُ إنْ اسْتَدْبَرَ الشَّرْقِيَّ مِنْهُمَا، انْحَرَفَ إلَى الْمَشْرِقِ قَلِيلًا، وَإِنْ اسْتَدْبَرَ الْغَرْبِيَّ، انْحَرَفَ قَلِيلًا إلَى الْمَغْرِب، لِيَتَوَسَّطَ الْجِهَةَ، وَيَكُونَ انْحِرَافُهُ الْمَذْكُورُ لِاسْتِدْبَارِ الْجَدْيِ أَقَلَّ مِنْ انْحِرَافِهِ لِاسْتِدْبَارِ الْفَرْقَدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْقُطْبِ مِنْهُمَا.
وَإِنْ اسْتَدْبَرَ بَنَاتِ نَعْشٍ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْجِهَةِ أَيْضًا لَكِنَّهُ عَنْ وَسَطِهَا أَبْعَدُ، فَيَجْعَلُ انْحِرَافَهُ إلَيْهِ أَكْثَرَ.
قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ ".

وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا الْمَجَرَّةُ، فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي الشِّتَاءِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فِي نَاحِيَةِ السَّمَاءِ، مُمْتَدَّةً شَرْقًا وَغَرْبًا عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْسَرِ مِنْ الْإِنْسَانِ، إذَا كَانَ مُتَوَجِّهًا إلَى الْمَشْرِقِ، ثُمَّ تَصِيرُ مِنْ آخِرِهِ مُمْتَدَّةً شَرْقًا وَغَرْبًا أَيْضًا عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ، وَأَمَّا فِي الصَّيْفِ فَإِنَّهَا تَتَوَسَّطُ السَّمَاءَ.

(وَمِنْهَا) أَيْ الْأَدِلَّةِ، (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمَنَازِلُهُمَا وَمَا يَقْتَرِنُ بِهَا) ، أَيْ: بِمَنَازِلِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ (وَيُقَارِبُهَا) ، كُلِّهَا (تَطْلُعُ مِنْ مَشْرِقٍ عَلَى يَسْرَةِ مُصَلٍّ بِشَامٍ، وَتَغِيبُ بِمَغْرِبٍ عَنْ يَمْنَتِهِ) . وَمَنَازِلُ الْقَمَرِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلًا: أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَامِيَّةً، تَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ مَائِلَةً عَنْهُ إلَى الشَّمَالِ.
وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ يَمَانِيَّةً تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ مَائِلَةً إلَى الْيَمِينِ وَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ الشَّامِيَّةِ رَقِيبٌ مِنْ الْيَمَانِيَّةِ، إذَا طَلَعَ أَحَدُهُمَا غَابَ رَقِيبُهُ.
ثُمَّ يَنْتَقِلُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ إلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي يَلِيهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: 39] ، وَالشَّمْسُ تَنْزِلُ بِكُلِّ مَنْزِلٍ مِنْهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ عَوْدُهَا إلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي نَزَلَتْ بِهِ

عِنْدَ تَمَامِ حَوْلٍ كَامِلٍ مِنْ أَحْوَالِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ (وَالْهِلَالُ) يَبْدُو (عَنْ يَمْنَتِهِ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (عِنْدَ غُرُوبِ شَمْسِ) أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ إلَى ثَلَاثَةٍ (وَفِي ثَامِنِ لَيْلَةٍ) مِنْ الشَّهْرِ يَكُونُ (عِنْدَ غُرُوبِ شَمْسٍ عَلَى قِبْلَتِهِ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (وَفِي) لَيْلَةٍ (عَاشِرَةٍ) يَكُونُ (عَلَى سَمْتِ قِبْلَتِهِ) وَقْتَ الْعِشَاءِ، (بَعْدَ مَغِيبِ شَفَقٍ) أَحْمَرَ.
(وَفِي) لَيْلَةِ (ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ) يَكُونُ (عَلَى سَمْتِهَا وَقْتَ طُلُوعِ فَجْرٍ) تَقْرِيبًا فِيهِنَّ بِالشَّامِ.
وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ، وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، وَتَخْتَلِفُ مَطَالِعُهَا وَمَغَارِبُهَا.
وَتَكُونُ فِي الشِّتَاءِ فِي حَالِ تَوَسُّطِهَا فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، وَفِي الصَّيْفِ مُحَاذِيَةً لِقِبْلَتِهِ.

(وَمِنْهَا) ، أَيْ: الْأَدِلَّةِ، (الرِّيَاحُ.
وَيَعْسُرُ اسْتِدْلَالٌ بِهَا، بِصَحَارِي، وَبَيْنَ جِبَالٍ، وَبُنْيَانٍ، تَدُورُ فَتَخْتَلِفُ، وَتَبْطُلُ) دَلَالَتُهَا، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الِاسْتِدْلَال بِهَا ضَعِيفٌ.
انْتَهَى.
(وَأُصُولُهَا) أَيْ: الرِّيَاحِ، (أَرْبَعٌ: الْجَنُوبُ، تَهُبُّ بِقِبْلَةِ شَامٍ مِنْ مَطْلَعِ سُهَيْلٍ لِمَطْلَعِ شَمْسٍ بِشِتَاءٍ) ، أَيْ: فِي زَمَنِهِ، (وَ) تَهُبُّ (بِعِرَاقٍ لِبَطْنِ كَتِفِ مُصَلٍّ يُسْرَى مَارَّةً لِيَمِينِهِ.
وَالشَّمَالُ مُقَابِلَتُهَا: تَهُبُّ مِنْ قُطْبٍ لِمَغْرِبِ شَمْسٍ بِصَيْفٍ.
وَ) رِيحُ (الصَّبَا، وَتُسَمَّى: الْقَبُولَ) ، تَهُبُّ (مِنْ يَسْرَةِ مُصَلٍّ بِشَامٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَطْلَعِ شَمْسٍ صَيْفًا لِمَطْلَعِ: عَيُّوقَ.
وَ) تَهُبُّ (بِعِرَاقٍ خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُسْرَى مَارَّةً لِيَمِينِهِ وَالدَّبُورُ مُقَابِلَتُهَا؛ لِأَنَّهَا تَهُبُّ) بِالشَّامِ، (بَيْنَ قِبْلَةٍ وَمَغْرِبٍ، وَ) تَهُبُّ (بِالْعِرَاقِ مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنِ) . وَبَيْنَ كُلِّ رِيحَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعِ الْمَذْكُورَاتِ رِيحٌ تُسَمَّى النَّكْبَاءَ لِتَنَكُّبِهَا طَرِيقَ الرِّيَاحِ الْمَعْرُوفَةِ.
وَلِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الرِّيَاحِ صِفَاتٌ وَخَوَاصُّ، تُمَيِّزُ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ عِنْدَ ذَوِي الْخِبْرَةِ بِهَا.

(وَمِنْهَا) أَيْ: الْأَدِلَّةِ، (الْجِبَالُ الْكِبَارُ، فَكُلُّهَا مُمْتَدَّةٌ عَنْ يَمْنَةِ مُصَلٍّ لِيَسْرَتِهِ.
وَدَلَالَتُهَا قَوِيَّةٌ) تُدْرَكُ بِالْحِسِّ، (لَكِنَّهَا تَضْعُفُ مِنْ حَيْثُ اشْتِبَاهٍ عَلَى مُصَلٍّ.
هَلْ يَجْعَلُ مُمْتَدَّهَا خَلْفَهُ أَوْ قُدَّامَهُ؟) وَالِاشْتِبَاهُ عَلَى جِهَتَيْنِ.
هَذَا (إذَا لَمْ يَعْرِفْ وَجْهَ الْجَبَلِ) . فَإِنْ عَرَفَهُ.
اسْتَقْبَلَهُ (فَإِنَّ وُجُوهَهَا) أَيْ: الْجِبَالِ (لِلْقِبْلَةِ) وَهُوَ مَا فِيهِ مُصْعَده.
(كَذَا) قَالَهُ (فِي " الْخُلَاصَةِ ") فَهَذَا أَصَحُّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ.

(وَمِنْهَا) أَيْ: الْأَدِلَّةِ (الْأَنْهَارُ الْكِبَارُ) ، فَلَا اعْتِبَارَ بِالْأَنْهَارِ الْمُحْدَثَةِ فَإِنَّهَا تُحْدَثُ بِحَسَبِ الْحَاجَاتِ إلَى الْجِهَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلَا بِالسَّوَاقِي وَالْأَنْهَارِ الصِّغَارِ، فَإِنَّهَا لَا ضَابِطَ لَهَا.
وَالْأَنْهَارُ الْكِبَارُ (كَدِجْلَةَ، وَالْفُرَاتِ وَالنَّهْرَوَانِ) ، وَهُوَ جَيْحُونُ، (وَغَيْرُهَا) كَالنِّيلِ؛ (فَتَجْرِي) هَذِهِ الْأَنْهَارُ (عَنْ يَمْنَةِ مُصَلٍّ لِيَسْرَتِهِ، إلَّا نَهْرًا بِخُرَاسَانَ وَهُوَ الْمَقْلُوبُ) . وَيُسَمَّى سَيَحُونَ، (وَإِلَّا نَهَرَ الْعَاصِي بِالشَّامِ فَيَجْرِيَانِ مِنْ يَسْرَتِهِ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (لِيَمْنَتِهِ) . قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَنْضَبِطُ بِضَابِطٍ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَنْهَارِ الشَّامِ تَجْرِي عَلَى غَيْرِ السَّمْتِ الَّذِي ذَكَرُوهُ.
فَالْأُرْدُنُّ يَجْرِي نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا يَجْرِي نَحْوَ الْبَحْرِ، حَيْثُ كَانَ مِنْهَا، حَتَّى يَصُبَّ فِيهِ.
وَإِنْ اخْتَصَّتْ الدَّلَالَةُ بِمَا ذَكَرَهُ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي الشَّامِ " سِوَى الْعَاصِي، وَالْفُرَاتِ حَدِّ الشَّامِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ.
انْتَهَى.
قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْأَنْهَارِ فَرْعٌ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْجِبَالِ، فَإِنَّهَا تَجْرِي فِي الْخِلَالِ الَّتِي بَيْنَ الْجِبَالِ مُمْتَدَّةً مَعَ امْتِدَادِهَا.

[فَصْلٌ لَا يَتْبَعُ مُجْتَهِدٌ مُجْتَهِدًا خَالَفَهُ فِي معرفة الْقِبْلَة]

(فَصْلٌ) (وَلَا يَتْبَعُ مُجْتَهِدٌ مُجْتَهِدًا خَالَفَهُ) ، بِأَنْ ظَهَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا جِهَةٌ غَيْرٌ الَّتِي ظَهَرَتْ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُعْتَقِدٌ خَطَأَ الْآخَرِ، فَأَشْبَهَا الْمُجْتَهِدَيْنِ فِي الْحَادِثَةِ إذَا اخْتَلَفَا فِيهَا.
وَالْمُجْتَهِدُ هُنَا: الْعَالِمُ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ جَهِلَ أَحْكَامَ الشَّرْعِ.
(يَقْتَدِي) أَيْ: لَا يَأْتَمُّ مُجْتَهِدٌ (بِهِ) أَيْ: بِمُجْتَهِدٍ

خَالَفَهُ جِهَةً، كَمَا لَوْ خَرَجَتْ رِيحٌ مِنْ أَحَدِ اثْنَيْنِ وَاعْتَقَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ مِنْ الْآخَرِ، (إلَّا إنْ اتَّفَقَا عَلَى جِهَةٍ) وَاحِدَةٍ.
(وَلَا يَضُرُّ) بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا (انْحِرَافُ وَاحِدٍ يَمِينًا وَآخَرَ شِمَالًا) ، لِاتِّفَاقِ اجْتِهَادِهِمَا فِي الْجِهَةِ.
وَالْوَاجِبُ الِاجْتِهَادُ إلَى الْجِهَةِ، وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَهَذَا الِانْحِرَافُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
(فَإِنْ اتَّفَقَا) عَلَى جِهَةٍ، وَائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ (فَبَانَ يَقِينًا) ، لَا إنْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ جِهَةٌ أُخْرَى، فَيَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى ذَلِكَ الشَّكِّ أَوْ الظَّنِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَاوِي غَلَبَةَ الظَّنِّ الَّتِي دَخَلَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ.
(لِأَحَدِهِمَا) : مُتَعَلِّقٌ بِبَانٍ (الْخَطَأَ) : فَاعِلُ بَانَ، فِي اجْتِهَادِهِ وَهُوَ إمَامٌ أَوْ مَأْمُومٌ، (انْحَرَفَ) إلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا تَرَجَّحَتْ فِي ظَنِّهِ، فَتَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ.
(وَأَتَمَّ) صَلَاتَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يَنْقُضُ الِاجْتِهَادَ.
وَيَتْبَعُهُ مُقَلِّدُهُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي بَانَتْ لَهُ وُجُوبًا؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ التَّقْلِيدُ.
(وَيَنْوِي مُؤْتَمٌّ مِنْهُمَا الْمُفَارَقَةَ) لِإِمَامِهِ لِلْعُذْرِ الْمَانِعِ لَهُ مِنْ اقْتِدَائِهِ بِهِ.
(وَكَذَا إمَامٌ بَقِيَ مُنْفَرِدًا) فَيُتِمُّهَا لِنَفْسِهِ.
(وَيَتْبَعُ وُجُوبًا جَاهِلٌ) بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ، عَاجِزٌ عَنْ تَعَلُّمِهَا قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ (الْأَوْثَقَ) عِنْدَهُ.
(وَ) وَيَتْبَعُ وُجُوبًا (أَعْمَى لَا يُمْكِنُهُ اجْتِهَادٌ.
الْأَوْثَقَ) مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ (عِنْدَهُ) . لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إصَابَةً فِي نَظَرِهِ.
وَلَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي مُتَابَعَتِهِ،

بِخِلَافِ تَكْلِيفِ الْعَامِّيِّ تَقْلِيدَ الْأَعْلَمِ فِي الْأَحْكَامِ، فَإِنَّ فِيهِ حَرَجًا وَتَضْيِيقًا، ثُمَّ مَا زَالَ عَوَامُّ كُلِّ عَصْرٍ يُقَلِّدُ أَحَدُهُمْ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ فِي مَسْأَلَةٍ، وَلِآخَرَ فِي أُخْرَى، وَالثَّالِثُ فِي ثَالِثَةٍ، وَكَذَلِكَ إلَى مَا لَا يُحْصَى.
وَلَمْ يُنْقَلْ إنْكَارُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
وَلَا أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِتَحَرِّي الْأَعْلَمِ وَالْأَفْضَلِ.
فِي نَظَرِهِمْ.
تَتِمَّةٌ: قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيقَةٍ لَهُ: اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى مَنْعِ جَوَازِ التَّقْلِيدِ، حَيْثُ أَدَّى إلَى التَّلْفِيقِ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ،؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كُلٌّ مِنْ الْمَذْهَبَيْنِ أَوْ الْمَذَاهِبِ يَرَى الْبُطْلَانَ، كَمَنْ تَوَضَّأَ مَثَلًا وَمَسَحَ

شَعْرَةً مِنْ رَأْسِهِ مُقَلِّدًا لِلشَّافِعِيِّ، ثُمَّ لَمَسَ ذَكَرَهُ بِيَدِهِ مُقَلِّدًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، فَلَا يَصِحُّ التَّقْلِيدُ حِينَئِذٍ.
وَكَذَا لَوْ مَسَحَ شَعْرَةً، وَتَرَكَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ مُقَلِّدًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، أَوْ افْتَصَدَ مُخَالِفًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَلَمْ يَقْرَأْ مُقَلِّدًا لَهُمْ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا مِنْ حَيْثُ الْعَقْلِ، وَالتَّعْلِيلُ فِيهِ وَاضِحٌ، لَكِنَّهُ فِيهِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ خُصُوصًا عَلَى الْعَوَامّ، الَّذِي نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ مَذْهَبٌ مُعَيَّنٌ.
وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: لَا يَلْزَمُ الْعَامِّيَّ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، كَمَا لَمْ يَلْزَمْ فِي عَصْرِ أَوَائِلِ الْأُمَّةِ.
وَاَلَّذِي أَذْهَبُ إلَيْهِ وَأَخْتَارُهُ: الْقَوْلُ بِجَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي التَّلْفِيقِ، لَا بِقَصْدِ تَتَبُّعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ تَتَبَّعَ الرُّخَصَ فَسَقَ، بَلْ حَيْثُ وَقَعَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا، خُصُوصًا مِنْ الْعَوَامّ الَّذِينَ لَا يَسْعُهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ.
فَلَوْ تَوَضَّأَ شَخْصٌ، وَمَسَحَ جُزْءًا مِنْ رَأْسِهِ مُقَلِّدًا لِلشَّافِعِيِّ، فَوُضُوءُهُ صَحِيحٌ بِلَا رَيْبٍ.
فَلَوْ لَمَسَ ذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُقَلِّدًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ وُضُوءَ هَذَا الْمُقَلِّدِ صَحِيحٌ، وَلَمْسَ الْفَرْجِ غَيْرُ نَاقِضٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِذَا قَلَّدَهُ فِي عَدَمِ نَقْضِ مَا هُوَ صَحِيحٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، اسْتَمَرَّ الْوُضُوءُ عَلَى حَالِهِ بِتَقْلِيدِهِ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَهَذَا هُوَ فَائِدَةُ التَّقْلِيدِ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا يُقَالُ: الشَّافِعِيُّ يَرَى بُطْلَانَ هَذَا الْوُضُوءِ بِسَبَبِ مَسِّ الْفَرْجِ، وَالْحَنَفِيُّ يَرَى الْبُطْلَانَ لِعَدَمِ مَسْحِ رُبْعِ الرَّأْسِ فَأَكْثَرَ،؛ لِأَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ مُنْفَصِلَتَانِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ قَدْ تَمَّ صَحِيحًا بِتَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ، وَيَسْتَمِرُّ صَحِيحًا بَعْدَ اللَّمْسِ بِتَقْلِيدِ الْحَنَفِيِّ، فَالتَّقْلِيدُ لِأَبِي حَنِيفَةَ إنَّمَا هُوَ فِي اسْتِمْرَارِ الصِّحَّةِ لَا فِي ابْتِدَائِهَا، وَأَبُو حَنِيفَةَ مِمَّنْ يَقُولُ بِصِحَّةِ وُضُوءِ هَذَا الْمُقَلِّدِ قَطْعًا، فَقَدْ قَلَّدَ أَبَا حَنِيفَةَ فِيمَا هُوَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ.
وَكَذَا لَوْ قَلَّدَ الْعَامِّيُّ مَالِكًا وَأَحْمَدَ فِي طَهَارَةِ بَوْلِ وَرَوْثِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَكَانَ قَدْ تَرَكَ التَّدْلِيكَ فِي وُضُوئِهِ الْوَاجِبَ عِنْدَ مَالِكٍ أَوْ مَسَحَ جَمِيعَ الرَّأْسِ مَعَ الْأُذُنَيْنِ الْوَاجِبَ عِنْدَ أَحْمَدَ،؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ صَحِيحٌ عِنْدَ

أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالتَّقْلِيدُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَالرَّوْثُ الْمَذْكُورُ طَاهِرٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ.
وَذَلِكَ فِي الْجَوَازِ نَظِيرُ مَا لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ، غَايَةَ مَا هُنَاكَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ مِنْ حَيْثُ لَا يَسُوغُ لِلْمُخَالِفِ نَقْضُهُ سَدًّا لِلنِّزَاعِ، وَقَطْعًا لِلْخُصُومَاتِ.
وَهُنَا التَّقْلِيدُ نَافِعٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، مُنَجٍّ لِصَاحِبِهِ، وَلَا يَسَعُ النَّاسَ غَيْرُ هَذَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّلْفِيقَ كَمَا يَتَأَتَّى فِي الْعِبَادَاتِ، كَذَلِكَ يَتَأَتَّى فِي غَيْرِهَا، فَلَوْ اسْتَأْجَرَ مَكَانًا مَوْقُوفًا تِسْعِينَ سَنَةً مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، مُقَلَّدًا فِي الْمُدَّةِ لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَفِي عَدَمِ الرُّؤْيَةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: هَذَا مِنْ حَيْثُ التَّقْلِيدِ الْمُنْجِي لِصَاحِبِهِ.
وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ النِّزَاعِ، فَالْأَمْرُ بِحَالِهِ، بِمَعْنَى أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ يَرَى الْبُطْلَانَ، فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِذَلِكَ فِي مَذْهَبِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَ الْحُكْمَ.
انْتَهَى مُلَخَّصًا.
ثُمَّ قَالَ: فَتَدَبَّرْ مَا قُلْتُهُ فَإِنَّهُ الْحَقُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(وَيُخَيَّرُ) جَاهِلٌ وَأَعْمَى وُجِدَا مُجْتَهِدَيْنِ فَأَكْثَرَ (مَعَ تَسَاوٍ عِنْدَهُ) ، بِأَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَفْضَلِيَّةُ وَاحِدٍ عَلَى غَيْرِهِ، فَيَتْبَعُ أَيَّهُمَا شَاءَ (كَ) مَا يُخَيَّرُ (عَامِّيٌّ فِي الْفُتْيَا) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَمَنْ) عَجَزَ عَنْ الِاجْتِهَادِ، (وَقَلَّدَ اثْنَيْنِ) مُجْتَهِدَيْنِ، (لَمْ يَرْجِعْ بِرُجُوعِ أَحَدِهِمَا) عَنْ الْجِهَةِ الَّتِي اتَّفَقَا عَلَيْهَا أَوَّلًا.
(وَإِنْ صَلَّى بَصِيرٌ حَضَرًا فَأَخْطَأَ، أَوْ) صَلَّى (أَعْمَى مُطْلَقًا) حَضَرًا كَانَ أَوْ سَفَرًا (بِلَا دَلِيلٍ، أَعَادَا) ، أَيْ: الْبَصِيرُ الْمُخْطِئُ وَلَوْ اجْتَهَدَ، وَالْأَعْمَى وَلَوْ لَمْ يُخْطِئْ الْقِبْلَةَ؛ لِأَنَّ الْحَضَرَ لَيْسَ مَحِلًّا لِلِاجْتِهَادِ؛ لِقُدْرَةِ مَنْ فِيهِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْمَحَارِيبِ وَنَحْوِهَا، لِوُجُودِ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ غَالِبًا.
وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ عَلَيْهِمَا لِتَفْرِيطِهِمَا بِعَدَمِ الِاسْتِخْبَارِ أَوْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْمَحَارِيبِ، كَمَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
(وَ) إنْ صَلَّى الْأَعْمَى (بِدَلِيلٍ، كَلَمْسِ مِحْرَابٍ، وَبَابِ مَسْجِدٍ، فَلَا)

إعَادَةَ عَلَيْهِ (إنْ أَصَابَ) . وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى بِلَا دَلِيلٍ وَلَا مُخْبِرٍ، يُعِيدُ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ التَّقْلِيدُ، أَوْ الِاسْتِدْلَال، وَلَمْ يَفْعَلْ وَاحِدًا مِنْهُمَا.
(فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِمُجْتَهِدٍ جِهَةٌ) فِي السَّفَرِ، بِأَنْ تَعَادَلَتْ عِنْدَهُ الْأَمَارَاتُ، وَكَذَا لَوْ مَنَعَهُ مِنْ الِاجْتِهَادِ رَمَدٌ وَنَحْوُهُ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَلَا إعَادَةَ، لِحَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ حِيَالَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَنَزَلَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115] » رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَلِأَنَّ خَفَاءَ الْقِبْلَةِ فِي الْأَسْفَارِ لِوُجُودِ نَحْوِ غَيْمٍ يَكْثُرُ، فَيَشُقُّ إيجَابُ الْإِعَادَةِ.
(أَوْ لَمْ يَجِدْ أَعْمَى) مَنْ يُقَلِّدُهُ، (أَوْ) لَمْ يَجِدْ (جَاهِلٌ) بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ مَنْ يُقَلِّدُهُ، (أَوْ) لَمْ يَجِدْ (مَحْبُوسٌ مَنْ يُقَلِّدُهُ، فَتَحَرَّوْا) وَصَلَّوْا، فَلَا إعَادَةَ لِإِتْيَانِهِمْ بِمَا أُمِرُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، فَسَقَطَتْ عَنْهُمْ الْإِعَادَةُ كَالْعَاجِزِ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ.
(أَوْ أَخْطَأَ مُجْتَهِدٌ) فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
(أَوْ قَلَّدَ) جَاهِلٌ مُجْتَهِدًا (فَأَخْطَأَ مُقَلَّدُهُ) : بِفَتْحِ اللَّامِ، (سَفَرًا) فَصَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، (فَلَا إعَادَةَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ قَلَّدَهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَضَرًا، وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ،؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحِلٍّ لِلِاجْتِهَادِ.

(وَيَجِبُ) عَلَى عَالِمٍ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ (تَحَرٍّ لِكُلِّ صَلَاةٍ) مَفْرُوضَةٍ دَخَلَ وَقْتُهَا؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ، فَتَسْتَدْعِي طَلَبًا جَدِيدًا.
وَهَذَا فِي الْمُجْتَهِدِ.
وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُجَدِّدَ تَقْلِيدًا لِكُلِّ صَلَاةٍ (كَحَادِثَةٍ فِي فُتْيَا) لِمُفْتٍ وَمُسْتَفْتٍ، وَكَطَلَبِ الْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ.
(فَإِنْ تَغَيَّرَ) اجْتِهَادُهُ (وَلَوْ فِيهَا) ، أَيْ: فِي الصَّلَاةِ، (عَمِلَ) بِاجْتِهَادٍ (ثَانٍ) لِتَرَجُّحِهِ فِي ظَنِّهِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، وَيَسْتَدِيرُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا ثَانِيًا، (وَبَنَى) عَلَى مَا عَمِلَ بِالْأَوَّلِ نَصًّا، لَمْ يُعِدْ مَا صَلَّاهُ بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ،

لِئَلَّا يُنْقَضَ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ.
وَالْعَمَلُ بِالثَّانِي لَيْسَ نَقْضًا لِلْأَوَّلِ، بَلْ لَمَّا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى غَيْرِهَا.
وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ، لَمَّا قَضَى فِي الْمُشْرِكَةِ فِي الْعَامِ الثَّانِي بِخِلَافِ مَا قَضَى بِهِ فِي الْأَوَّلِ: ذَلِكَ عَلَى مَا قَضَيْنَاهُ، وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي.
(وَإِنْ ظَنَّ الْخَطَأَ) بِأَنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ يُصَلِّي إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ (فَقَطْ) ، بِأَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ جِهَةُ الْقِبْلَةِ، (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ جِهَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا، فَتَعَذَّرَ إتْمَامُهَا.
(وَمَنْ أُخْبِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (فِيهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (بِخَطَأٍ) لِلْقِبْلَةِ، وَكَانَ الْإِخْبَارُ (يَقِينًا لَا ظَنًّا) ، وَالْمُخْبِرُ ثِقَةً، (لَزِمَ قَبُولُهُ) ، أَيْ: الْخَبَرِ، فَيَعْمَلُ بِهِ، وَيَتْرُكُ الِاجْتِهَادَ، كَمَا لَوْ أُخْبِرَ قَبْلَهُ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ تَيَقَّنَ خَطَأَ نَفْسِهِ بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ يَقِينًا تَرَكَ اجْتِهَادَهُ، (وَيَسْتَأْنِفُ) الصَّلَاةَ لِتَبَيُّنِ عَدَمِ انْعِقَادِهَا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

[بَابُ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاة وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]

(بَابُ النِّيَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا) وَهِيَ: الشَّرْطُ التَّاسِعُ، وَبِهَا تَمَّتْ شُرُوطُ الصَّلَاةِ.
وَهِيَ لُغَةً: الْقَصْدُ، يُقَالُ: نَوَاك اللَّهُ بِخَيْرٍ، أَيْ: قَصَدَكَ بِهِ.
وَ (حَقِيقَتُهَا) شَرْعًا: (الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ) مِنْ عِبَادَةٍ، وَغَيْرِهَا.
(وَيُزَادُ فِي حَدِّ) نِيَّةِ (عِبَادَةٍ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى) بِأَنْ يَقْصِدَ بِعَمَلِهِ اللَّهَ تَعَالَى دُونَ شَيْءٍ آخَرَ، مِنْ تَصَنُّعٍ لِمَخْلُوقٍ، أَوْ اكْتِسَابِ مَحْمَدَةٍ عِنْدَ النَّاسِ، أَوْ مَحَبَّةِ مَدْحٍ مِنْهُمْ، أَوْ نَحْوِهِ.
وَهَذَا هُوَ الْإِخْلَاصُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ تَصْفِيَةُ الْفِعْلِ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْمَخْلُوقِينَ وَقَالَ آخَرُ: هُوَ التَّوَقِّي عَنْ مُلَاحَظَةِ الْأَشْخَاصِ.
وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَقَالَ آخَرُ: هُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفِعْلِ لِدَاعِيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يَكُونُ لِغَيْرِهَا

مِنْ الدَّوَاعِي تَأْثِيرٌ فِي الدُّعَاءِ إلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ.
وَفِي الْخَبَرِ: «الْإِخْلَاصُ سِرٌّ مِنْ سِرِّي أَسْتَوْدِعُهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْتُهُ مِنْ عِبَادِي» . وَدَرَجَاتُ الْإِخْلَاصِ ثَلَاثَةٌ: عُلْيَا: وَهِيَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ، وَقِيَامًا بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ.
وَوُسْطَى: أَنْ يَعْمَلَ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ.
وَدُنْيَا: وَهِيَ أَنْ يَعْمَلَ لِلْإِكْرَامِ فِي الدُّنْيَا، وَالسَّلَامَةِ مِنْ آفَاتِهَا.
وَمَا عَدَا الثَّلَاثِ مِنْ الرِّيَاءِ، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ أَفْرَادُهُ، وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: الْعِبَادَةُ مَا وَجَبَتْ لِكَوْنِهَا مُفْضِيَةً إلَى ثَوَابِ الْجَنَّةِ، أَوْ إلَى الْبُعْدِ مِنْ عِقَابِ النَّارِ، بَلْ لِأَجْلِ أَنَّكَ عَبْدٌ وَهُوَ رَبٌّ هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الشَّمْسِ العلقمي فِي حَاشِيَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ".

(وَهِيَ) أَيْ: النِّيَّةُ (شَرْطٌ) لِلصَّلَاةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] وَالْإِخْلَاصُ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَهُوَ مَحْضُ النِّيَّةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقْصِدَ بِعَمَلِهِ أَنَّهُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَلِقَوْلِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ؛ وَلِأَنَّهَا قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ، فَاشْتُرِطَتْ لَهَا النِّيَّةُ.
(لَا رُكْنٌ) أَيْ: لَيْسَتْ النِّيَّةُ رُكْنًا خِلَافًا لِلْقَاضِي وَغَيْرِهِ.
(وَلَوْ) قِيلَ: إنَّ النِّيَّةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ شَرْطٌ، وَ (دَاخِلَهَا) رُكْنٌ، كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ، لَلَزِمَ أَنْ يَقُولَ فِي بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ كَذَلِكَ، وَلَا قَائِلَ بِهِ.
(وَلَا تَسْقُطُ) النِّيَّةُ (بِحَالٍ) ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا الْقَلْبُ، فَلَا يَتَأَتَّى الْعَجْزُ عَنْهَا (كَإِسْلَامٍ، وَعَقْلٍ، وَتَمْيِيزٍ وَدُخُولِ وَقْتٍ) ، فَلَا تَصِحُّ بِدُونِهَا (وَشَرْطُ صِحَّتِهَا إسْلَامٌ، وَعَقْلٌ وَتَمْيِيزٌ) فَلَا تَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ وَمَجْنُونٍ وَغَيْرِ مُمَيِّزٍ وَتَقَدَّمَ.
(وَ) شَرْطُ صِحَّتِهَا أَيْضًا (عِلْمٌ بِمَنْوِيٍّ) ، قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": النِّيَّةُ تَتْبَعُ الْعِلْمَ، فَمَنْ عَلِمَ مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ، قَصَدَهُ ضَرُورَةً.
وَيَحْرُمُ خُرُوجُهُ لِشَكِّهِ فِي النِّيَّةِ، لِعِلْمِهِ أَنَّهُ مَا دَخَلَ إلَّا بِهَا (وَمَحَلُّهَا) أَيْ: النِّيَّةِ: (الْقَلْبُ) وُجُوبًا، وَاللِّسَانُ اسْتِحْبَابًا.
(وَزَمَنُهَا أَوَّلُ عِبَادَةٍ أَوْ قُبَيْلَهُ بِيَسِيرٍ) وَكَيْفِيَّتُهَا: الِاعْتِقَادُ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهَا.
وَلَا يَضُرُّ سَبْقُ لِسَانِهِ بِغَيْرِ قَصْدِهِ، وَتَلَفُّظٌ بِمَا نَوَاهُ تَأْكِيدٌ (سِوَى صَوْمٍ) ، فَتَصِحُّ نِيَّةٌ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَيَأْتِي.

(وَلَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا) ، أَيْ: صِحَّةَ الصَّلَاةِ (بَعْدَ إتْيَانٍ بِهَا) أَيْ: بِنِيَّةٍ (مُعْتَبَرَةٍ، قَصَدَ تَعْلِيمَهَا) ، أَيْ: تَعْلِيمَ الصَّلَاةِ، لِفِعْلِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فِي صَلَاتِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَغَيْرِهِ، (أَوْ) قَصَدَ (خَلَاصًا مِنْ خَصْمٍ، أَوْ إدْمَانِ سَهَرٍ) . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": كَذَا وَجَدْتُ ابْنَ الصَّيْرَفِيِّ نَقَلَهُ.
(وَيُنْقَصُ أَجْرُ) قَاصِدِ ذَلِكَ (كَنِيَّةِ هَضْمِ طَعَامٍ مَعَ صَوْمٍ) . ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ.
(وَ) مِثْلُهُ (رُؤْيَةُ بِلَادٍ) نَائِيَةٍ مَعَ حَجٍّ.
(أَوْ) قَصْدُ (مَتْجَرٍ مَعَ حَجٍّ) ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ مَا يَلْزَمُ ضَرُورَةً.
(وَ) كَذَا قَصْدُ (تَبَرُّدٍ وَنَظَافَةٍ مَعَ وُضُوءٍ) ، وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ تَمَحَّضَتْ) الْعِبَادَةُ (لِذَلِكَ) الْمَذْكُورِ، مِنْ تَعْلِيمِهِ، أَوْ خَلَاصٍ مِنْ خَصْمٍ، وَنَحْوِهِ، (فَعِبَادَةٌ بَاطِلَةٌ كَقَصْدِ رِيَاءٍ، وَيَأْثَمُ) فَاعِلُهَا كَذَلِكَ، لِتَلَبُّسِهِ بِعِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ.
(قَالَ الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ بْنُ رَجَبٍ) : الرِّيَاءُ الْمَحْضُ لَا يَكَادُ يَصْدُرُ مِنْ مُؤْمِنٍ فِي فَرْضِ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ، وَقَدْ يَصْدُرُ فِي نَحْوِ صَدَقَةٍ وَحَجٍّ، وَهَذَا الْعَمَلُ لَا يَشُكُّ مُسْلِمٌ أَنَّهُ حَابِطٌ.
وَتَارَةً تَكُونُ الْعِبَادَةُ لِلَّهِ، وَيُشَارِكُهَا الرِّيَاءُ.
(فَإِنْ شَارَكَ الرِّيَاءُ الْعَمَلَ مِنْ أَصْلِهِ، فَالنُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ) تَدُلُّ عَلَى (بُطْلَانِهِ) ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
(وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، ثُمَّ) بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ (طَرَأَ عَلَيْهِ خَاطِرُ الرِّيَاءِ وَدَفَعَهُ، لَمْ يَضُرَّ) فِي عِبَادَتِهِ، وَيُتِمُّهَا صَحِيحَةً (بِلَا خِلَافٍ) بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ.
(وَإِنْ اسْتَرْسَلَ) خَاطِرُ الرِّيَاءِ (مَعَهُ فَ) هَلْ يَحْبَطُ بِهِ عَمَلُهُ أَوْ لَا يَضُرُّهُ، فِي ذَلِكَ (خِلَافٌ) بَيْنَ السَّلَفِ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
(وَرَجَّحَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَنَّ عَمَلَهُ لَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ) لِبِنَاءِ عِبَادَتِهِ عَلَى أَصْلٍ صَحِيحٍ، فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ طُرُوءُ ذَلِكَ الْخَاطِرِ عَلَيْهِ.

(وَذَكَرَ غَيْرُهُ) ، أَيْ: غَيْرُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: (لَا إثْمَ فِي) عَمَلٍ (مَشُوبٍ بِرِيَاءٍ، إذَا غَلَبَ قَصْدُ الطَّاعَةِ) ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ.
(وَعَكْسُهُ) بِأَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ قَصْدُ الرِّيَاءِ: (يَأْثَمُ) لِلْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ.
(فَإِنْ تَسَاوَى الْبَاعِثَانِ، فَلَا) ثَوَابَ (لَهُ، وَلَا) إثْمَ (عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 102] . (وَلَا تُتْرَكُ عِبَادَةٌ خَوْفَ) نِسْبَةٍ إلَى (رِيَاءٍ) إذَا أُصْلِحَتْ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا لِأَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ كَمَا أَنَّ فِعْلَهَا لِأَجْلِهِمْ رِيَاءٌ.
(وَنَرْجُو الثَّوَابَ لِمَنْ تَلَا) الْقُرْآنَ وَنَحْوَهُ (بِلَا نِيَّةٍ) خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الَّتِي أَدْهَشَتْ نَوَائِبُهَا الْعُقُولَ.
(وَفِي " الْمُبْدِعِ ": لَا ثَوَابَ فِي غَيْرِ مَنْوِيٍّ بِالْإِجْمَاعِ) مَعَ أَنَّ اخْتِيَارَ جَمَاعَةٍ خِلَافُهُ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِفَضْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَإِنَّهُ وَعَدَ أَنْ لَا يُضِيعَ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا.

(وَالْأَفْضَلُ قَرْنُهَا) ، أَيْ: النِّيَّةِ (بِأَوَّلِ عِبَادَةٍ فَهُنَا) ، أَيْ: فِي الصَّلَاةِ، الْأَفْضَلُ قَرْنُهَا (بِتَكْبِيرِ) إحْرَامٍ لِتَقَارُنِ الْعِبَادَةَ، وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
(فَإِنْ تَقَدَّمَتْهُ) ، أَيْ: تَقَدَّمَتْ النِّيَّةُ التَّكْبِيرَ (بِ) زَمَنٍ (يَسِيرٍ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ أَدَاءِ) مَكْتُوبَةٍ (وَرَاتِبَةٍ، صَحَّتْ) الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ نِيَّةِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ لَا تُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مَنْوِيًّا كَالصَّوْمِ، وَكَبَقِيَّةِ الشُّرُوطِ؛ وَلِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْمُقَارَنَةِ حَرَجًا، وَمَشَقَّةً، فَوَجَبَ سُقُوطُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] . فَإِنْ تَقَدَّمَتْ النِّيَّةُ الْوَقْتَ، لَمْ تُعْتَبَرْ لِلِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهَا رُكْنًا، وَهُوَ لَا يَتَقَدَّمُ الْوَقْتَ كَبَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ وَمَحَلُّ صِحَّةِ النِّيَّةِ فِي الْوَقْتِ (مَا لَمْ يَفْسَخْهَا، أَوْ) مَا لَمْ (يَرْتَدَّ) فَإِنْ فَسَخَهَا، أَوْ ارْتَدَّ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
(وَيَجِبُ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا) ، أَيْ: النِّيَّةِ (لِآخِرِ عِبَادَةٍ) ، بِأَنْ

لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا دُونَ ذِكْرِهَا.
فَلَوْ ذُهِلَ عَنْهَا، أَوْ عَزَبَتْ عَنْهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَكَالصَّوْمِ.
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ " عَنْ النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ حُصَاصٌ فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يُخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اُذْكُرْ كَذَا، اُذْكُرْ كَذَا، حَتَّى يَضِلَّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى» وَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا، فَهُوَ أَفْضَلُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ " وَالْحُصَاصُ، بِضَمِّ الْحَاءِ: شِدَّةُ الْعَدْوِ.

(فَتَبْطُلُ) النِّيَّةُ أَوْ الصَّلَاةُ (بِفَسْخِ) النِّيَّةِ (فِي صَلَاةٍ) قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِهَا.
كَذَلِكَ فَإِنَّ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِهَا، وَقَدْ قَطَعَهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَجِّ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِمَحْظُورَاتِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ فَسَخَهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، لَمْ تَبْطُلْ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِتَرَدُّدٍ فِيهِ) ، أَيْ: الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ اسْتِدَامَتَهَا، فَهُوَ كَقَطْعِهَا.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِعَزْمٍ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْفَسْخِ، (وَلَوْ) كَانَ الْعَزْمُ عَلَى الْفَسْخِ (مُعَلَّقًا) عَلَى حُدُوثِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ عَزْمٌ جَازِمٌ، وَمَعَ الْعَزْمِ عَلَى فَسْخِهَا، أَوْ تَعْلِيقِهَا عَلَى شَرْطٍ، لَا جَزْمٍ.
(وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا وُضُوءٌ) فَيَبْطُلُ بِالتَّرَدُّدِ فِي فَسْخِ نِيَّتِهِ فِي أَثْنَائِهِ، وَبِالْعَزْمِ عَلَيْهِ، مُنْجَزًا كَانَ أَوْ مُعَلَّقًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) تَبْطُلُ النِّيَّةُ (بِشَكِّهِ) أَيْ: الْمُصَلِّي، (هَلْ نَوَى) الصَّلَاةَ، (أَوْ كَبَّرَ) لَهَا؟ فَعَمِلَ مَعَهُ عَمَلًا.
(أَوْ) شَكَّهُ: هَلْ (عَيَّنَ) ظُهْرًا، أَوْ عَصْرًا أَوْ مَغْرِبًا، أَوْ عِشَاءً، (فَعَمِلَ مَعَ) شَكِّهِ (عَمَلًا) فَإِنْ كَانَ قَوْلِيًّا (كَقِرَاءَةٍ) ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ نَوَى أَوْ عَيَّنَ، لَمْ تَبْطُلْ، كَتَعَمُّدِ زِيَادَتِهِ، وَلَا يَعْتَدُّ بِهِ.

قَالَهُ الْمَجْدُ.
وَصَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَحِينَئِذٍ فَيُتِمُّهَا نَفْلًا (وَ) إنْ عَمِلَ مَعَ الشَّكِّ عَمَلًا فِعْلِيًّا (كَرُكُوعٍ ثُمَّ ذَكَرَ) أَنَّهُ كَانَ نَوَى أَوْ عَيَّنَ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ مَا عَمِلَهُ خَلَا عَنْ نِيَّةٍ جَازِمَةٍ، فَهُوَ كَتَعَمُّدِهِ عَمَلًا فِي غَيْرِ

مَوْضِعِهِ.
(وَ) إنْ شَكَّ (أَنَوَى الصَّلَاةَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا؟ وَلَمْ يَعْمَلْ) عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ (أَتَمَّ) ذَلِكَ (فَرْضًا) . إنْ ذَكَرَ أَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِهَا عَنْ النِّيَّةِ الْجَازِمَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ عَمِلَ عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِهَا، (فَ) يُتِمُّهَا (نَفْلًا) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى فِيهَا بِمَا يُفْسِدُ الْفَرْضَ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ، فَيُتِمُّهَا نَفْلًا لِخُلُوِّ مَا عَمِلَهُ عَنْ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ الْجَازِمَةِ.
وَ

(لَا) تَبْطُلُ النِّيَّةُ (بِعَزْمٍ عَلَى) فِعْلِ (مَحْظُورٍ) فِي الصَّلَاةِ، (كَ) مَا لَوْ عَزَمَ عَلَى (كَلَامٍ فِيهَا) وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، (أَوْ) عَزَمَ عَلَى فِعْلِ (حَدَثٍ، أَوْ) أَيْ: وَلَا بِ (نِيَّةِ قَطْعِ قِرَاءَةٍ) وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ، لِعَدَمِ مُنَافَاتِهِ الْجَزْمَ الْمُتَقَدِّمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ الْمَحْظُورَ، وَقَدْ لَا يَفْعَلُهُ، وَلَا مُنَاقِضَ لِلْحَالِ فِي النِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَتَسْتَمِرُّ إلَى أَنْ يُوجَدَ مُنَاقِضٌ.
(وَشُرِطَ) ، بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (مَعَ نِيَّةِ صَلَاةٍ) ، أَيْ: نِيَّةِ كَوْنِ الْعِبَادَةِ صَلَاةً (تَعْيِينُ مُعَيَّنَةٍ مِنْ نَحْوِ ظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ فَرْضِ عَيْنٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ) فَرْضِ (كِفَايَةٍ) . كَعِيدٍ وَجِنَازَةٍ (أَوْ رَاتِبَةٍ، أَوْ نَحْوِ وَطَرٍ) ، كَاسْتِسْقَاءٍ (وَكُسُوفٍ) ، لِتَمْتَازَ كُلٌّ عَنْ غَيْرِهَا.
فَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَنْوِيهَا مِمَّا عَلَيْهِ، لَمْ تَصِحَّ.
(وَإِلَّا) تَكُنْ الصَّلَاةُ مُعَيَّنَةً، بِأَنْ كَانَتْ نَفْلًا مُطْلَقًا (أَجْزَأَتْهُ نِيَّةُ صَلَاةٍ) . وَ (لَا) تُشْتَرَطُ (نِيَّةُ قَضَاءٍ فِي فَائِتَةٍ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْآخَرِ، يُقَالُ: قَضَيْتُ الدَّيْنَ، وَأَدَّيْته.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: 200] أَيْ: أَدَّيْتُمُوهَا؛ وَلِأَنَّ حَاصِلَ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى تَعْيِينِ الْوَقْتِ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ تَعْيِينُ يَوْمِهَا.
بَلْ يَكْفِيهِ كَوْنُهَا السَّابِقَةَ، أَوْ الْحَاضِرَةَ فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ ظُهْرَانِ: فَائِتَةً،

وَحَاضِرَةً، وَصَلَّاهُمَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ شَرْطًا مِنْ إحْدَاهُمَا وَجَهِلَهَا، لَزِمَهُ ظُهْرٌ وَاحِدَةٌ، يَنْوِي بِهَا عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ظُهْرَانِ فَائِتَتَانِ، اعْتَبَرَ تَعْيِينَ السَّابِقَةِ لِلتَّرْتِيبِ، بِخِلَافِ الْمَنْذُورَتَيْنِ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ السَّابِقَةِ مِنْ اللَّاحِقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا.

(وَ) لَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ (أَدَاءٍ فِي) صَلَاةٍ (حَاضِرَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ، أَنَّهُ لَوْ صَلَّاهَا يَنْوِيهَا أَدَاءً، فَبَانَ أَنَّ وَقْتَهَا قَدْ خَرَجَ، أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ، وَتَقَعُ قَضَاءً.
وَكَذَا لَوْ نَوَاهَا قَضَاءً، فَبَانَ فِعْلُهَا فِي وَقْتِهَا وَقَعَتْ أَدَاءً.
(وَ) لَا نِيَّةٌ (فَرْضِيَّةٌ) فِي صَلَاةِ (فَرْضٍ) فَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَقُولَ: أُصَلِّي الظُّهْرَ فَرْضًا (وَلَا إضَافَةُ فِعْلٍ لِلَّهِ) تَعَالَى، بِأَنْ يَقُولَ: أُصَلِّي لِلَّهِ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ لَا تَكُونُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، (بَلْ تُسْتَحَبُّ) إضَافَتُهُ لِلَّهِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ.
(وَلَا) يُشْتَرَطُ فِي النِّيَّةِ أَيْضًا تَعْيِينُ (عَدَدِ رَكَعَاتٍ) بِأَنْ يَنْوِيَ الْفَجْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالظُّهْرَ أَرْبَعًا، لَكِنْ إنْ نَوَى الظُّهْرَ مَثَلًا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، لَمْ تَصِحَّ، (أَوْ) أَيْ: وَلَا تُشْتَرَطُ (نِيَّةُ اسْتِقْبَالٍ) بِأَنْ يَقُولَ: أُصَلِّي الْعَصْرَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ إعَادَةٍ فِي مُعَادَةٍ، كَمَا فِي " مُخْتَصَرِ الْمُقْنِعِ ".

(وَيَصِحُّ قَضَاءٌ بِنِيَّةِ أَدَاءٍ) إذَا بَانَ خِلَافُ ظَنِّهِ.
(وَ) يَصِحُّ (عَكْسُهُ) ، أَيْ: الْأَدَاءِ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ، (إذَا بَانَ خِلَافُ ظَنِّهِ) ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَ (لَا) يَصِحُّ ذَلِكَ (إنْ عَلِمَ) أَوْ قَصَدَ مَعْنَاهُ الْمُصْطَلَحَ عَلَيْهِ، (لِتَلَاعُبِهِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
(وَإِنْ أَحْرَمَ) مُصَلٍّ (بِفَرْضٍ) ، كَظُهْرٍ (فِي وَقْتِهِ الْمُتَّسِعِ لَهُ) وَلِغَيْرِهِ، (ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا) بِأَنْ فَسَخَ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ دُونَ نِيَّةِ الصَّلَاةِ، (صَحَّ) ، سَوَاءٌ كَانَ صَلَّى الْأَكْثَرَ مِنْهَا، أَوْ الْأَقَلَّ.
فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ فَرْضِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) صِحَّةُ قَلْبِ الْفَرْضِ نَفْلًا: (وَلَوْ) كَانَتْ صَلَاتُهُ (بِوَقْتِ نَهْيٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ابْتِدَاءً

لِلصَّلَاةِ بِذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدَامَةٌ لَهَا.
وَقَدْ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا.
وَمُقْتَضَى " شَرْحِ الْهِدَايَةِ " عَدَمُ الصِّحَّةِ، وَيَأْتِي.
(أَوْ) كَانَ قَلَبَهُ نَفْلًا (لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ) ، فَيَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ، (كَ) مَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، مِثْلُ إحْرَامِ (مُنْفَرِدٍ) ، ثُمَّ (يُرِيدُ) أَنْ يُصَلِّيَ (جَمَاعَةً) ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ النَّفْلِ تَضَمَّنَتْهَا نِيَّةُ الْفَرْضِ، فَإِذَا قَطَعَ نِيَّةَ الْفَرْضِ، بَقِيَتْ نِيَّةُ النَّفْلِ.
(بَلْ هُوَ) أَيْ: قَلْبُ الْفَرْضِ مِنْ الْمُنْفَرِدِ نَفْلًا لِيُصَلِّيَهُ فِي جَمَاعَةٍ (أَفْضَلُ) مِنْ إتْمَامِهِ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ أُقِيمَتْ؛ لِأَنَّهُ إكْمَالٌ فِي الْمَعْنَى، كَنَقْضِ الْمَسْجِدِ، لِلْإِصْلَاحِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ فَرْضٍ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ: أَعْجَبُ إلَيَّ بِقَطْعِهِ ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَهُمْ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَطْعُ النَّفْلِ أَوْلَى.
(وَكُرِهَ) قَلْبُ الْفَرْضِ نَفْلًا (بِدُونِهِ) ، أَيْ: بِدُونِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، لِكَوْنِهِ أَبْطَلَ عَمَلًا.
(وَإِنْ انْتَقَلَ) مِنْ فَرْضٍ أَحْرَمَ بِهِ كَالظُّهْرِ (لِفَرْضٍ آخَرَ) كَالْعَصْرِ، بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ لِلثَّانِي، (بَطَلَ فَرْضُهُ) الْأَوَّلُ الَّذِي انْتَقَلَ عَنْهُ، لِقَطْعِهِ نِيَّتَهُ، (وَصَارَ نَفْلًا إنْ اسْتَمَرَّ) عَلَى نِيَّةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ بِنِيَّةِ انْتِقَالِهِ عَنْ الْفَرْضِ الَّذِي نَوَاهُ أَوَّلًا دُونَ نِيَّةِ الصَّلَاةِ، فَتَصِيرُ نَفْلًا.
(وَ) لَا يَصِحُّ الْفَرْضُ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ إنْ (لَمْ يَنْوِ) الْفَرْضَ (الثَّانِيَ مِنْ أَوَّلٍ بِتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ) ، لِخُلُوِّ أَوَّلِهِ عَنْ نِيَّةِ تَعَيُّنِهِ.
(فَإِنْ نَوَاهُ) مِنْ أَوَّلِهِ بِتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ، (صَحَّ) كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ إحْرَامٌ بِغَيْرِهِ.

(وَلَوْ ظَنَّ) مُصَلٍّ أَنْ عَلَيْهِ (ظُهْرًا فَائِتَةً، فَقَضَاهَا، ثُمَّ بَانَ عَدَمُهُ) ، أَيْ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ، (لَمْ تُجْزِئْهُ) الظُّهْرُ الَّتِي صَلَّاهَا (عَنْ)

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل