مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 339-378
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مُقَدِّمَة الْكتاب

صفحات 339-378
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فِي «بَيْضِ النَّعَامِ ثَمَنُهُ» الْمُرَادُ: قِيمَتُهُ، وَأَمَّا اللَّبَنُ، فَلِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَكَانَ فِيهِ قِيمَتُهُ يَفْعَلُ بِهَا كَجَزَاءِ صَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ.
وَإِنْ كَسَرَ بَيْضَهُ، فَخَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ، وَعَاشَ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتْلِفُ شَيْئًا.

(وَلَا يَمْلِكُ مُحْرِمٌ صَيْدًا ابْتِدَاءً) ، أَيْ، مِلْكًا مُتَجَدِّدًا (بِغَيْرِ إرْثٍ) ، فَلَا يَمْلِكُهُ بِشِرَاءٍ وَلَا هِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلَوْ بِوَكِيلِهِ، أَوْ بِنَصْبِ أُحْبُولَةٍ قَبْلَ إحْرَامِهِ، فَوَقَعَ فِيهَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ، لِخَبَرِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ السَّابِقِ، وَلِأَنَّ الصَّيْدَ لَيْسَ مَحِلًّا لِتَمَلُّكِ الْمُحْرِمِ؛ لِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ كَالْخَمْرِ، وَيَمْلِكُهُ بِالْإِرْثِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا فِعْلَ مِنْهُ فِيهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَيَمْلِكُ بِهِ الْكَافِرُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ، فَجَرَى مَجْرَى الِاسْتِدَامَةِ.
(وَيَتَّجِهُ) : عَدَمُ دُخُولِ صَيْدٍ فِي مِلْكِ الْمُحْرِمِ ابْتِدَاءً (حَتَّى مَا) ، أَيْ: صَيْدًا وُجِدَ (بِيَدِ مُكَاتَبٍ) حِينَ (عَجَزَ) عَنْ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ مَالِ كِتَابَةً، وَعَادَ رَقِيقًا، فَلَا يَدْخُلُ مَا بِيَدِهِ مِنْ الصَّيْدِ فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ، (وَاحْتَمَلَ: وَ) حَتَّى مَا بِيَدِ (زَوْجَةٍ) مِنْ صَيْدٍ قَبَضَتْهُ مَهْرًا، ثُمَّ (بَانَتْ قَبْلَ دُخُولٍ) ، فَتَنَصَّفَ صَدَاقُهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَلَا يَدْخُلُ نِصْفُ صَيْدٍ فِي مِلْكِ الْمُحْرِمِ، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا بِيَدِ الْمُكَاتَبِ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ ابْتِدَاءً، بَلْ دَخَلَ تَبَعًا، فَهُوَ فِي الْإِرْثِ أَشْبَهُ؛ إذْ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَصْدَقَ زَوْجَتَهُ صَيْدًا، وَهُوَ حَلَالٌ، ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ قَبْلَ دُخُولٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ، عَادَ نِصْفُهُ إلَيْهِ قَهْرًا، كَمَا يَأْتِي فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ مِنْ كِتَابِ الصَّدَاقِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا هُنَاكَ، لَهُ إمْسَاكُهُ - أَيْ: بِيَدِهِ الْحُكْمِيَّةُ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا؛ (فَلَا يَسْتَرِدُّ) مُحْرِمٌ صَيْدًا

(مَبِيعًا) مِنْهُ زَمَنَ حِلِّهِ (بِخِيَارِ) مَجْلِسٍ أَوْ شَرْطٍ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يَسْتَرِدُّهُ (بِعَيْبٍ) ، وَلَا إقَالَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، (وَلِمُشْتَرٍ رَدُّهُ) ، أَيْ: الصَّيْدِ، عَلَى بَائِعٍ مُحْرِمٍ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ؛ لِوُجُودِ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِلرَّدِّ، (وَلَا يَدْخُلُ) فِي (مِلْكِ مُحْرِمٍ إذَا) ، أَيْ: فِي حَالِ إحْرَامِهِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلتَّمَلُّكِ، وَيَمْلِكُ إذَا حَلَّ، كَعَصِيرٍ تَخَمَّرَ، ثُمَّ انْقَلَبَ خَلًّا.
(وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (وَلِكُلِّ حَلَالٍ تَمَلُّكُهُ) بَعْدَ رَدِّهِ عَلَى الْمُحْرِمِ، إذْ لَيْسَ لَهُ إمْسَاكُهُ حِينَئِذٍ، وَحَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ تَرْكُهُ؛ صَارَ فِي حُكْمِ الْمُبَاحِ، فَمَنْ أَمْسَكَهُ كَانَ أَحَقَّ بِهِ وَإِنْ بَقِيَ حَتَّى حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ؛ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَخْذُهُ؛ لِعَوْدِهِ إلَى مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ إحْلَالِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَمَنْ قَبَضَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، (بِنَحْوِ هِبَةٍ أَوْ رَهْنٍ، أَوْ شِرَاءٍ؛ لَزِمَهُ رَدُّهُ) إلَى مَنْ أَقْبَضَهُ إيَّاهُ، لِفَسَادِ الْعَقْدِ، (وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: قَابِضِ الصَّيْدِ (إنْ تَلِفَ قَبْلَ رَدِّ الْجَزَاءِ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ (مَعَ قِيمَتِهِ) لِمَالِكِهِ (فِي هِبَةٍ وَشِرَاءٍ) ؛ لِوُجُودِ مُقْتَضَى الضَّمَانَيْنِ، (وَ) أَمَّا (فِي الرَّهْنِ) ؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا (الْجَزَاءُ، فَقَطْ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ؛ لِمَا سَبَقَ، وَلَا يَضْمَنُهُ لِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّ صَحِيحَ الرَّهْنِ لَا ضَمَانَ فِيهِ، فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ، (كَمَا لَوْ أَرْسَلَهُ) ، أَيْ: الرَّهْنَ، فَتَلِفَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْجَزَاءُ، (مَا لَمْ يَتَعَدَّ) مُرْتَهَنٌ عَلَيْهِ، فَيَتْلَفُ الرَّهْنُ، فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَعَ جَزَائِهِ أَيْضًا.
(وَمَنْ أَحْرَمَ، وَبِمِلْكِهِ صَيْدٌ؛ لَمْ يَزَلْ مِلْكُهُ) عَنْهُ؛ لِقُوَّةِ الِاسْتِدَامَةِ،

(وَلَا) تَزُولُ عَنْهُ (يَدُهُ الْحُكْمِيَّةُ) الَّتِي لَا يُشَاهِدُهَا، (كَكَوْنِهِ) ، أَيْ: الصَّيْدِ (فِي بَلَدِهِ أَوْ بَيْتِهِ، أَوْ فِي يَدِ نَائِبِهِ بِغَيْرِ مَكَانِهِ، وَلَا يَضْمَنُهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ، (مَعَهَا) ، أَيْ: يَدِهِ الْحُكْمِيَّةِ، إذَا تَلِفَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إزَالَتُهَا، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبٌ فِي تَلَفِهِ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِنَحْوِ بَيْعٍ وَهِبَةٍ.
(وَمَنْ غَصَبَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ مِنْ يَدِ مُحْرِمٍ حُكْمِيَّةٍ؛ (لَزِمَهُ رَدُّهُ) إلَيْهَا لِاسْتِدَامَتِهَا عَلَيْهِ.
(وَمَنْ أَدْخَلَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ، مِنْ مُحْرِمٍ أَوْ حَلَالٍ (الْحَرَمَ) الْمَكِّيَّ؛ لَزِمَهُ إرْسَالُهُ، (أَوْ أَحْرَمَ) رَبُّ صَيْدٍ (وَهُوَ بِيَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ، كَفِي قَبْضَتِهِ، أَوْ رَحْلِهِ) ، أَوْ قَفَصِهِ، (أَوْ خَيْمَتِهِ؛ لَزِمَهُ إزَالَتُهَا) ، أَيْ: الْيَدِ الْمُشَاهَدَةِ عَنْهُ، (بِإِرْسَالِهِ) فِي مَوْضِعٍ يَمْتَنِعُ فِيهِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ مُمْسِكًا لَهُ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ.
(وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْ الْأَصْحَابِ: (أَوْ) يُزِيلُ يَدَهُ الْمُشَاهَدَةَ عَنْ الصَّيْدِ، (بِوَضْعِهِ تَحْتَ يَدِ وَكِيلِهِ) الْحَلَالِ، وَهُوَ اخْتِيَارٌ حَسَنٌ، لَكِنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ، (فَإِنْ تَلِفَ) الصَّيْدُ فِي يَدِهِ (قَبْلَ التَّمَكُّنِ) ، أَيْ: تَمَكُّنِ الْمُحْرِمِ (مِنْ إرْسَالِهِ) ، بِأَنْ نَفَرَهُ لِيَذْهَبَ، فَلَمْ يَذْهَبْ حَتَّى تَلِفَ، (لَمْ يَضْمَنْ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ وَلَا مُتَعَدٍّ، فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ إرْسَالِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ؛ ضَمِنَهُ بِالْجَزَاءِ، (وَ) إنْ أَرْسَلَهُ غَيْرُهُ، (فَلَا ضَمَانَ عَلَى مُرْسِلِهِ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا) ، لِزَوَالِ حُرْمَةِ يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، (وَمِلْكُهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ، وَبِيَدِهِ صَيْدٌ (بَاقٍ) عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَرْسَلَهُ، أَوْ اسْتَمَرَّ تَحْتَ يَدِهِ إلَى أَنْ حَلَّ، كَعَدَمِ مَا يُزِيلُهُ، (فَيَرُدُّهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ (أَخْذُهُ) لِمَالِكِهِ (إذَا حَلَّ) مِنْ إحْرَامِهِ، (وَيَضْمَنُهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ، (مُتَعَدٍّ) عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ لِمَالِكِهِ؛ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، وَزَوَالُ الْيَدِ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ، كَالْغَصْبِ وَالْعَارِيَّةِ.

(وَمَنْ قَتَلَ) وَهُوَ مُحْرِمٌ (صَيْدًا صَائِلًا) عَلَيْهِ (دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ)

أَوْ غَيْرِهِ؛ لَمْ يَحِلَّ وَلَمْ يَضْمَنْهُ، لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِالْمُؤْذِيَاتِ طَبْعًا، كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَكَالْآدَمِيِّ الصَّائِلِ، وَسَوَاءٌ خَشِيَ مَعَهُ تَلَفًا أَوْ ضَرَرًا بِجَرْحِهِ، أَوْ إتْلَافَ مَالِهِ، أَوْ بَعْضَ حَيَوَانَاتِهِ أَوْ أَهْلِهِ، (أَوْ) قَتَلَ صَيْدًا (بِتَخْلِيصِهِ مِنْ نَحْوِ سَبُعٍ، أَوْ شَبَكَةٍ لِيُطْلِقَهُ) ، لَمْ يَحِلَّ وَلَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لِحَاجَةِ الْحَيَوَانِ.
(أَوْ قَطَعَ) مُحْرِمٌ (مِنْهُ) ، أَيْ: الصَّيْدِ، (عُضْوًا مُتَآكِلًا، فَمَاتَ، لَمْ يَحِلَّ وَلَمْ يَضْمَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لِمُدَاوَاةِ الْحَيَوَانِ، أَشْبَهَ مُدَاوَاةَ الْوَلِيِّ مَحْجُورَهُ، وَلَيْسَ بِمُتَعَمِّدٍ قَتْلَهُ، فَلَمْ تَتَنَاوَلْهُ الْآيَةُ، (وَلَوْ أَخَذَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ الضَّعِيفَ، مُحْرِمٌ (لِيُدَاوِيَهُ، فَوَدِيعَةٌ) عِنْدَهُ، (فَإِنْ فَرَّطَ) فِي حِفْظِهِ، أَوْ تَعَدَّى؛ (ضَمِنَ) ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ.
(وَلَا تَأْثِيرَ لِحَرَمٍ وَإِحْرَامٍ فِي تَحْرِيمِ) حَيَوَانٍ (إنْسِيٍّ كَخَيْلٍ وَدَجَاجٍ) ، وَبَهِيمَةِ أَنْعَامٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ، وَقَدْ «كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَذْبَحُ الْبُدْنَ فِي إحْرَامِهِ فِي الْحَرَمِ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى» ، وَقَالَ: «أَفْضَلُ الْحَجِّ: الْعَجُّ - رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ - وَالثَّجُّ» ، أَيْ: إسَالَةُ الدِّمَاءِ بِالنَّحْرِ وَالذَّبْحِ.
(وَلَا) تَأْثِيرَ لِحَرَمٍ وَإِحْرَامٍ فِي (مُحْرِمٍ أَكَلَ غَيْرَ مُتَوَلَّدٍ) بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ كَسَمْعٍ، فَيَحْرُمُ قَتْلُهُ فِي الْإِحْرَامِ وَفِي الْحَرَمِ، تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ، وَيَفْدِي.
وَأَشَارَ لِمُحَرَّمِ الْأَكْلُ بِقَوْلِهِ: (كَذِئْبٍ وَثَعْلَبٍ وَرَخَمٍ وَبُومٍ، وَكَالْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ) ، وَهُنَّ: (حِدَأَةٌ وَغُرَابٌ وَفَأْرَةٌ وَعَقْرَبٌ وَكَلْبٌ عَقُورٌ) ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ خَمْسٍ فَوَاسِقَ فِي الْحَرَمِ: الْحِدَأَةِ، وَالْغُرَابِ، وَالْفَأْرَةِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيُسَنُّ قَتْلُهَا) ، أَيْ: الْمَذْكُورَاتِ (حِلًّا وَحُرُمًا) لِلْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ: فِي الْجُمْلَةِ، وَيَأْتِي فِي الصَّيْدِ: أَنَّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ يَجِبُ قَتْلُهُ، (وَ) يُسْتَحَبُّ أَيْضًا (قَتْلُ كُلِّ مُؤْذٍ طَبْعًا) ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ أَذًى (غَيْرَ آدَمِيٍّ، كَأَسَدٍ وَفَهْدٍ) وَذِئْبٍ، (وَمَا فِي مَعْنَاهُ) مِمَّا فِيهِ أَذًى لِلنَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، (وَبَازٍ وَصَقْرٍ وَشَاهِينِ وَعُقَابٍ، وَحَشَرَاتٍ مُؤْذِيَةٍ، كَزُنْبُورٍ وَبَقٍّ وَبَعُوضٍ وَبَرَاغِيثَ) وَطُبُوعٍ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، (وَفِي " الْإِقْنَاعِ ": وَرَخَمٍ وَبُومٍ وَدِيدَانٍ، وَفِيهِ شَيْءٌ) ، فَإِنَّهُ، جَزَمَ فِي " الْمُجَرَّدِ " وَغَيْرِهِ بِكَرَاهَةِ قَتْلِهِ وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد: يَحْرُمُ قَتْلُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْذِي بِطَبْعِهِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مُطْلَقًا) ، أَيْ: فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ، (قَتْلُ) كُلِّ (مَا) أَيْ: حَيَوَانٍ (لَا مَضَرَّةَ فِيهِ، قَالُوا) ، أَيْ: فُقَهَاؤُنَا: (كَنَمْلٍ وَنَحْلٍ، وَهُدْهُدٍ وَصُرَدٍ، وَضَفَادِعَ، وَكِلَابٍ) ، وَلَا جَزَاءَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - إنَّمَا أَوْجَبَ الْجَزَاءَ فِي الصَّيْدِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِصَيْدٍ.
(وَسُئِلَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (هَلْ يَجُوزُ إحْرَاقُ بُيُوتِ النَّمْلِ بِالنَّارِ؟ فَقَالَ: يُدْفَعُ ضَرَرُهُ بِغَيْرِ التَّحْرِيقِ) إنْ انْدَفَعَ، وَإِلَّا؛ جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ، ذَكَرَهُ النَّاظِمُ.
(وَلَا بَأْسَ بِنَزْعِ قُرَادٍ عَنْ دَابَّتِهِ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ كَسَائِرِ الْمُؤْذِي.
(وَيَحْرُمُ) عَلَى مُحْرِمٍ، لَا عَلَى حَلَالٍ، وَلَوْ فِي الْحَرَمِ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَرُمَ فِي الْمُحْرِمِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الرَّفَاهِيَةِ، فَأُبِيحَ لِلْحَلَالِ فِي الْحَرَمِ كَغَيْرِهِ، (بِ) سَبَبِ (إحْرَامٍ، لَا بِ) سَبَبِ (حَرَمٍ، قَتْلُ قَمْلٍ وَصِئْبَانٍ) مِنْ رَأْسِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، (وَلَوْ بِزِئْبَقٍ، وَ) يَحْرُمُ (رَمْيُهُ) ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّرَفُّهِ بِإِزَالَتِهِ، أَشْبَهَ قَطْعَ الشَّعْرِ، (وَلَا جَزَاءَ فِيهِ) ، أَيْ: الْقَمْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ، وَلَا يَحْرُمُ قَتْلُ بَرَاغِيثَ، وَدَلَمٍ وَبَقٍّ، وَنَحْوِهَا مِنْ الْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَةِ.

(وَيُضْمَنُ جَرَادٌ) أَتْلَفَهُ مُحْرِمٌ (بِقِيمَتِهِ) فِي مَكَانِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتْلَفٌ غَيْرُ مِثْلِيٍّ (وَلَوْ بِمَشْيِ) مُحْرِمٍ (عَلَى) جَرَادٍ (مُفْتَرِسٍ بِطَرِيقٍ) ، وَإِنْ لَمْ

يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ (وَكَذَا) كَانَ (بَيْضُ صَيْدٍ أُتْلِفَ) ، أَيْ: أَتْلَفَهُ مُحْرِمٌ، (لِحَاجَةِ مَشْيٍ) عَلَيْهِ؛ فَيَضْمَنُهُ، (وَيُبَاحُ) لِمُحْرِمٍ وَغَيْرِهِ، (لَا بِالْحَرَمِ، صَيْدُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ كَسَمَكٍ، وَلَوْ عَاشَ فِي بَرٍّ أَيْضًا، كَسُلَحْفَاةٍ وَسَرَطَانٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96] ، وَأَمَّا الْبَحْرُ بِالْحَرَمِ؛ فَيَحْرُمُ صَيْدُهُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ فِيهِ لِلْمَكَانِ، فَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ صَيْدِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَطَيْرُ الْمَاءِ بَرِّيٌّ؛ لِأَنَّهُ يَبِيضُ وَيُفَرِّخُ فِي الْبَرِّ، فَيَحْرُمُ عَلَى مُحْرِمٍ صَيْدُهُ، وَفِيهِ الْجَزَاءُ

(وَلِمُحْرِمٍ احْتَاجَ لِفِعْلِ مَحْظُورٍ) غَيْرِ مُفْسِدٍ (فِعْلُهُ) ، وَيَفْدِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: 196] ، وَحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَأُلْحِقَ بِالْحَلْقِ بَاقِي الْمَحْظُورَاتِ.

وَمَنْ بِبَدَنِهِ شَيْءٌ لَا يُحِبُّ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ لَبِسَ، وَفَدَى نَصًّا.
(وَكَذَا لَوْ اُضْطُرَّ كَمَنْ بِحَرَمٍ إلَى ذَبْحِ صَيْدٍ؛ فَلَهُ) ، أَيْ: الْمُضْطَرِّ ذَبْحُهُ (وَأَكْلُهُ، وَيَفْدِي، وَهُوَ مَيْتَةٌ لِغَيْرِهِ) ، أَيْ: كَمَيْتَةٍ فِي التَّحْرِيمِ، لَا فِي النَّجَاسَةِ، فَلَا يُبَاحُ إلَّا لِمَنْ يُبَاحُ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ.
(وَتُقَدَّمُ هِيَ) ، أَيْ: الْمَيْتَةُ (عَلَى صَيْدٍ حَيًّا) ؛ لِأَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِيهَا، (وَيَأْتِي) فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ.

(السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ) ، فَيَحْرُمُ، (وَلَا يَصِحُّ) مِنْ مُحْرِمٍ؛ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ» وَلِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَرَدَّ عُمَرُ نِكَاحَهُ.
وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ الْوَطْءَ وَدَوَاعِيَهُ، فَمُنِعَ عَقْدُ النِّكَاحِ كَالْعِدَّةِ، (إلَّا فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، فَلَا يَكُونُ مَحْظُورًا (إنْ سَلَّمْنَا نِكَاحَهُ مَيْمُونَةَ مُحْرِمًا) ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
لَكِنْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» . قَالَ: وَكَانَتْ خَالَتِي، وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلِأَبِي دَاوُد «وَتَزَوَّجَنِي وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفٍ» وَلِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ، وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ حَلَالًا وَبَنَى بِهَا حَلَالًا» ، وَكُنْتُ الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا " وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهِلَ، وَقَالَ أَيْضًا: أَوْهَمَ رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ، أَيْ: ذَهَبَ وَهْمُهُ إلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: نَقَلَ ابْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ خَطَأٌ، ثُمَّ قِصَّةُ مَيْمُونَةَ مُخْتَلِفَةٌ، فَيَتَعَارَضُ ذَلِكَ، وَمَا سَبَقَ لَا مُعَارِضَ لَهُ، ثُمَّ رِوَايَةُ الْحِلِّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ، وَفِيهَا صَاحِبُ الْقِصَّةِ، وَالسَّفِيرُ فِيهَا، وَلَا مَطْعَنَ فِيهَا، وَيُوَافِقُهَا مَا سَبَقَ، وَفِيهَا زِيَادَةٌ مَعَ صِغَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ إذَنْ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ ظَهَرَ تَزْوِيجُهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ.
(وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ لِلْإِحْرَامِ، كَشِرَاءِ الصَّيْدِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِحْرَامُ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا؛ (فَلَا يَتَزَوَّجُ) الْمُحْرِمُ، (وَلَوْ) كَانَ تَزَوُّجُهُ (بِوَكِيلٍ حَلَالٍ) يُقْبَلُ لَهُ النِّكَاحُ

(وَلَا يُزَوِّجُ) الْمُحْرِمُ غَيْرَهُ (بِوِلَايَةٍ أَوْ) ، أَيْ: وَلَا (بِوَكَالَةٍ) ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَرَفَعَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (وَتُعْتَبَرُ حَالَةَ عَقْدٍ لَا) حَالَةَ (تَوْكِيلٍ، فَلَوْ وَكَّلَ مُحْرِمٌ حَلَالًا؛ صَحَّ عَقْدُهُ) ، أَيْ: الْوَكِيلِ (بَعْدَ حِلِّ مُوَكِّلِهِ) ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا، فَعَقْدُ النِّكَاحِ بَعْدَ حِلِّهِمَا، (وَلَوْ وَكَّلَهُ) ، أَيْ: الْحَلَالَ فِي الْعَقْدِ، (حَلَالًا) - حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي: وَكَّلَ - (فَأَحْرَمَ) مُوَكِّلٌ، (فَعَقَدَهُ) الْوَكِيلُ (حَالَ إحْرَامِهِ) ، أَيْ: الْمُوَكِّلِ؛ (لَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ لِلْخَبَرِ، (وَلَا يَنْعَزِلُ وَكِيلُهُ) ، أَيْ: الْحَلَالِ فِي

الْعَقْدِ (بِإِحْرَامِهِ) ، أَيْ: الْمُوَكِّلِ، (فَإِذَا حَلَّ، عَقَدَهُ) وَكِيلُهُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ.

(وَلَوْ) وَقَعَ الْعَقْدُ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ، فَ (قَالَ زَوْجٌ لِزَوْجَتِهِ: عُقِدَ قَبْلَ إحْرَامِي) ، وَقَالَتْ الزَّوْجَةُ: بَعْدَهُ؛ (قُبِلَ) قَوْلُ الزَّوْجِ لِدَعْوَاهُ صِحَّةَ الْعَقْدِ، ثُمَّ إنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَكَانَ أَقْبَضَهَا نِصْفَ الْمَهْرِ؛ لَا رُجُوعَ لَدَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَقْبَضَهَا؛ فَلَا طَلَبَ لَهَا بِهِ؛ لِتَضَمُّنِ دَعْوَاهَا أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّهُ، لِفَسَادِ الْعَقْدِ، (وَكَذَا إنْ عُكِسَ) ، فَقَالَتْ: عُقِدَ قَبْلَ إحْرَامِكَ، وَقَالَ: بَعْدَهُ؛ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَسْخَهُ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ قُلْتُ: وَيَلْزَمُهُ تَطْلِيقُهَا احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ كَذِبِهِ، (لَكِنْ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الْمَهْرِ) فِي الثَّانِيَةِ (تَبْعِيضًا لِلْحُكْمِ) ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَيْهَا غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي إسْقَاطِ حَقِّهَا؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، (وَيَصِحُّ) النِّكَاحُ (مَعَ جَهْلِهِمَا) ، أَيْ: الزَّوْجَيْنِ (وُقُوعَهُ) ، بِأَنْ جَهِلَا: هَلْ وَقَعَ حَالَ إحْرَامِ أَحَدِهِمَا أَوْ إحْلَالِهِمَا؟ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ عُقُودِ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ

(وَ) إنْ قَالَ الزَّوْجُ: (تَزَوَّجْتُكِ وَقَدْ حَلَلْتِ، فَقَالَتْ: بَلْ) وَأَنَا (مُحْرِمَةٌ؛ صَدَقَ) الزَّوْجُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) لَوْ قَالَ: (تَزَوَّجْتُكِ وَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتك، فَقَالَتْ: بَلْ) تَزَوَّجْتَنِي (فِيهَا) ، أَيْ: الْعِدَّةِ، وَلَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ نَفْسِهَا؛ (صَدَقَتْ) ؛ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ عَلَى نَفْسِهَا، (وَمَتَى أَحْرَمَ الْإِمَامُ) الْأَعْظَمُ (أَوْ نَائِبُهُ؛ امْتَنَعَتْ مُبَاشَرَتُهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ مِنْهُمَا (لَهُ) ، أَيْ: لِلنِّكَاحِ، لِلْخَبَرِ، فَلَا يَعْقِدُ لِنَفْسِهِ وَلَا بِوِلَايَةٍ عَامَّةٍ، وَ (لَا) تُمْنَعُ مُبَاشَرَةُ (نُوَّابِهِ) لِلنِّكَاحِ بِإِحْرَامِهِ (بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ) ، فَلَهُمْ إذَا كَانُوا مُحَلِّينَ تَزْوِيجُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ فِيهِ حَرَجٌ.
(وَيَتَّجِهُ: فَيَمْتَنِعُ) عَقْدُ النِّكَاحِ (عَلَى نُوَّابِهِ بِوِلَايَتِهِ الْخَاصَّةِ، كَنَائِبِهِ فِي تَزْوِيجِ نَحْوِ بِنْتِهِ) مِمَّنْ لَهُ عَلَيْهَا الْوِلَايَةُ، فَلَيْسَ لِلنَّائِبِ عَقْدُهُ بَعْدَ إحْرَامِهِ حَتَّى يَحِلَّ، وَأَمَّا تَزْوِيجُ نُوَّابِهِ لِنَحْوِ بَنَاتِهِمْ وَأَخَوَاتِهِمْ

إذَا كَانُوا حَلَالًا؛ فَصَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا نِيَابَةَ لَهُمْ عَنْهُ فِيهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ

(وَتُكْرَهُ خِطْبَةُ مُحْرِمٍ) بِكَسْرِ الْخَاءِ، أَيْ: أَنْ يَخْطُبَ امْرَأَةً، أَوْ يَخْطُبَ حَلَالٌ مُحْرِمَةً، لِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَتَقَدَّمَ، (كَ) مَا يُكْرَهُ لَهُ (خِطْبَةُ عَقْدِهِ) ، أَيْ: النِّكَاحِ، وَتَأْتِي لِدُخُولِهَا فِي عُمُومٍ، وَلَا يَخْطُبُ، (وَ) كَمَا يُكْرَهُ لَهُ (حُضُورُهُ) عَقْدَ النِّكَاحِ، (وَكَذَا شَهَادَتُهُ فِيهِ) ، أَيْ: النِّكَاحِ بَيْنَ حَلَالَيْنِ نَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَخْطُبُ، قَالَ: مَعْنَاهُ: لَا يَشْهَدُ النِّكَاحَ.
(وَيَتَّجِهُ) : كَرَاهَةُ، شَهَادَةِ الْمُحْرِمِ (لِ) عَقْدِ نِكَاحِ (حَلَالٍ) ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْحَلَالِ لَا يَعْقِدُ لَهُ، وَمُعَاطَاةُ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ حَرَامٌ.
(وَأَلَّا) يَحْمِلَ عَلَى شَهَادَةِ الْمُحْرِمِ عَلَى نِكَاحٍ بَيْنَ حَلَالَيْنِ، بِأَنْ حَمَلَ عَلَى شَهَادَتِهِ عَلَى نِكَاحٍ بَيْن مُحْرِمَيْنِ، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ، (وَالشَّهَادَةُ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ حَرَامٌ) ، وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ

(وَتُبَاحُ رَجْعَتُهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ؛ لِمُطَلَّقَتِهِ الرَّجْعِيَّةِ، لِأَنَّهَا إمْسَاكٌ، وَلِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُبَاحَةٌ قَبْلَ الرَّجْعَةِ، فَلَا إحْلَالَ، وَكَالتَّكْفِيرِ لِلْمُظَاهِرِ (وَ) يُبَاحُ (شِرَاءُ أَمَةٍ لِوَطْءٍ) ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ وَاقِعٌ عَلَى عَيْنِهَا، وَهِيَ تُرَادُ لِلْوَطْءِ وَغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ صَحَّ شِرَاءٌ نَحْوُ الْمَجُوسِيَّةِ، بِخِلَافِ عَقْدِ النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبِضْعِ خَاصَّةً، وَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ نَحْوِ مَجُوسِيَّةٍ.

(وَ) يَصِحُّ (اخْتِيَارُهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ (إنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ) نِسْوَةٍ لِبَعْضِهِنَّ فِي حَالِ إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ إمْسَاكٌ وَاسْتِدَامَةٌ، لَا ابْتِدَاءُ نِكَاحٍ، كَالرَّجْعَةِ وَأَوْلَى.

(الثَّامِنُ: وَطْءٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ﴾ [البقرة: 197] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَدُّ الْجِمَاعِ إلَى قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187] . (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (فَلَا يَفْسُدُ) إحْرَامُ مَنْ أَوْلَجَ (بِلَا إنْزَالٍ) إذَا كَانَ إيلَاجُهُ (بِحَائِلٍ) صَفِيقٍ، بِحَيْثُ لَا يُحِسُّ بِالْحَرَارَةِ، أَمَّا إذَا أَوْلَجَ بِلَا حَائِلٍ، أَوْ بِحَائِلٍ غَيْرِ صَفِيقٍ، فَإِنَّهُ يَفْسُدُ إحْرَامُهُ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَالْوَطْءُ الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ هُوَ: تَغْيِيبُ حَشَفَةٍ أَصْلِيَّةٍ (فِي فَرْجٍ) أَصْلِيٍّ، (أَوْ دُبُرٍ لِآدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ) كَانَ الْوَطْءُ (سَهْوًا أَوْ جَهْلًا أَوْ) كَانَ الْوَاطِئُ (مُكْرَهًا) ، إذْ الْوَطْءُ لَا يَتَأَتَّى مَعَ الْإِكْرَاهِ، (أَوْ) كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ (نَائِمَةً) ، أَوْ مَيِّتَةً، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ: أَوْ) كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ (مَجْنُونَةً) ، لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا.
(وَهُوَ) ، أَيْ: الْوَطْءُ (يُفْسِدُ النُّسُكَ قَبْلَ تَحَلُّلٍ أَوَّلِ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا، (وَلَوْ بَعْدَ وُقُوفٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَضَوْا بِفَسَادِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا، وَحَدِيثُ: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» ، أَيْ: قَارَبَهُ، وَأَمِنَ فَوَاتَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عَامِدٍ وَنَاسٍ، وَجَاهِلٍ وَعَالِمٍ وَمُكْرَهٍ وَغَيْرِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ، (وَعَلَيْهِمَا) ، أَيْ: الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ، (الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ) ، أَيْ: النُّسُكِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِالْوَطْءِ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
(وَحُكْمُهُ) ، أَيْ: الْإِحْرَامِ الَّذِي فَسَدَ بِالْجِمَاعِ، (كَ) حُكْمِ إحْرَامٍ (صَحِيحٍ فِيمَا يُفْعَلُ وَيُتَجَنَّبُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] وَرُوِيَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الْمُجَامِعَ بِذَلِكَ " لِأَنَّهُ مَعْنًى يَجِبُ بِهِ الْقَضَاءُ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ كَالْفَوَاتِ، فَيَفْعَلُ بَعْدَ الْإِفْسَادِ، كَمَا يَفْعَلُ قَبْلَهُ مِنْ وُقُوفٍ وَغَيْرِهِ، وَيَتَجَنَّبُ مَا يَتَجَنَّبُهُ قَبْلَهُ مِنْ وَطْءٍ وَغَيْرِهِ، وَيَفْدِي مَحْظُورَ فِعْلِهِ بَعْدَهُ.
(وَيَقْضِي) مَنْ فَسَدَ نُسُكُهُ بِالْوَطْءِ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا، نَصًّا، وَاطِئًا أَوْ مَوْطُوءًا، فَرْضًا كَانَ الَّذِي أَفْسَدَهُ، أَوْ نَفْلًا، (فَوْرًا وُجُوبًا) ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: فَإِذَا أَدْرَكْتَ قَابِلًا؛ حُجَّ وَاهْدِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَالْأَثْرَمُ.
وَزَادَ: وَحُلَّ إذَا حَلُّوا، فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ؛ فَاحْجُجْ أَنْتَ وَامْرَأَتُكَ، وَاهْدِيَا هَدْيًا، فَإِنْ لَمْ تَجِدَا، فَصُومَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعْتُمَا.
(إنْ كَانَ) الْمُفْسِدُ نُسُكَهُ (مُكَلَّفًا) لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ، (وَإِلَّا) يَكُنْ مُكَلَّفًا، بَلْ كُلِّفَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ، فَيَقْضِي (بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَوْرًا) ؛ لِزَوَالِ عُذْرِهِ.

(وَيُحْرِمُ) مَنْ أَفْسَدَ نُسُكَهُ فِي الْقَضَاءِ (مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ فِي) نُسُكٍ (فَاسِدٍ إنْ كَانَ) أَحْرَمَ بِهِ (قَبْلَ مِيقَاتٍ) ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ، وَلِأَنَّ دُخُولَهُ فِي النُّسُكِ سَبَبٌ لِوُجُوبِهِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَوْضِعِ الْإِيجَابِ، كَالنَّذْرِ، (وَإِلَّا) يَكُنْ أَحْرَمَ بِمَا فَسَدَ قَبْلَ مِيقَاتٍ، بَلْ أَحْرَمَ مِنْهُ، أَوْ دُونَهُ إلَى مَكَّةَ، (فَ) إنَّهُ يُحْرِمُ (مِنْهُ) ، أَيْ: الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُجَاوَزَتُهُ بِلَا إحْرَامٍ، (فَمَنْ نَذَرَ حَجًّا مِنْ دُوَيْرَةٍ أَهْلِهِ، لَزِمَهُ إحْرَامٌ، مِنْهَا) ، لَا مِنْ الْمِيقَاتِ، سَوَاءٌ كَانَتْ قَبْلَهُ أَوْ دُونَهُ.

(وَمَنْ أَفْسَدَ الْقَضَاءَ) فَوَطِئَ فِيهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ؛ (قَضَى الْوَاجِبَ) الَّذِي عَلَيْهِ (أَوَّلًا) ، وَ (لَا) يَقْضِي (الْقَضَاءَ) ، كَقَضَاءِ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَفْسَدَهُ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَزْدَادُ بِفَوَاتِهِ، بَلْ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ قَضَاءُ الْوَاجِبِ فَقَطْ (خَوْفَ تَسَلْسُلٍ) إذْ لَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ قَضَاءَ

الْقَضَاءِ؛ لَوَقَعَ فَاسِدًا؛ لِتَقْدِيمِهِ عَلَى الْوَاجِبِ، فَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ، وَهَلُمَّ جَرًّا، فَيُفْضِي إلَى التَّسَلْسُلِ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
(وَنَفَقَةُ قَضَاءِ) نُسُكِ (مُطَاوِعَةٍ) عَلَى وَطْءٍ (عَلَيْهَا) ، لِقَوْلِ ابْنِ عَمْرٍو: هَدْيًا هَدْيًا.
أَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهِمَا، وَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: اهْدِ نَاقَةً، وَلْتُهْدِ نَاقَةً، وَلِإِفْسَادِهَا نُسُكَهَا بِمُطَاوَعَتِهَا، أَشْبَهَتْ الرَّجُلَ.
(وَ) نَفَقَةُ، قَضَاءِ نُسُكِ (نَحْوِ مُكْرَهَةٍ، عَلَى مُكْرِهٍ) ، وَلَوْ طَلَّقَهَا؛ لِإِفْسَادِهِ نُسُكَهَا، كَنَفَقَةِ نُسُكِهِ، وَقِيَاسُهُ: لَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ نَائِمٍ؛ فَعَلَيْهَا نَفَقَةُ قَضَائِهِ.
(وَلَا فِدْيَةَ) عَلَى مُكْرَهَةٍ عَلَى الْوَطْءِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .

(وَسُنَّ تَفَرُّقُهُمَا) ، أَيْ: وَاطِئٍ وَمَوْطُوءَةٍ (فِي قَضَاءٍ مِنْ مَوْضِعِ وَطْءٍ، فَلَا يَرْكَبْ مَعَهَا فِي مَحْمَلٍ، وَلَا) يَنْزِلْ مَعَهَا فِي (فُسْطَاطٍ) ، أَيْ: (بَيْتٍ مِنْ شَعْرٍ، وَلَا) فِي (خَيْمَةٍ إلَّا أَنْ يَحِلَّا) مِنْ إحْرَامِ الْقَضَاءِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ " أَنَّ رَجُلًا جَامَعَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا، مُحْرِمَانِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «أَتِمَّا حَجَّكُمَا، ثُمَّ ارْجِعَا، وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى مِنْ قَابِلٍ، حَتَّى إذَا كُنْتُمَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ؛ فَأَحْرِمَا وَتَفَرَّقَا، وَلَا يُوَاكِلْ أَحَدُكُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ أَتِمَّا مَنَاسِكَكُمَا، وَاهْدِيَا» وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ.
(وَيَكُونُ قَرِيبًا مِنْهَا، يُرَاعِي أَحْوَالَهَا؛ لِأَنَّهَا مُحْرِمَةٌ وَ) الْوَطْءُ (بَعْدَ تَحَلُّلٍ أَوَّلَ لَا يَفْسُدُ نُسُكٌ) بِهِ، (بَلْ) يَفْسُدُ بِهِ (إحْرَامٌ) ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ يَوْمَ النَّحْرِ: «يَنْحَرَانِ جَزُورًا بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَجٌّ مِنْ قَابِلٍ» رَوَاهُ مَالِكٌ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ.
(وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: الْوَاطِئِ بَعْدَ تَحَلُّلٍ أَوَّلِ (شَاةٌ) ، لِفَسَادِ إحْرَامِهِ، (وَ) عَلَيْهِ (الْمُضِيُّ لِلْحِلِّ، فَيُحْرِمُ) ؛ لِيَجْمَعَ فِي إحْرَامِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، (لِيَطُوفَ لِلْإِفَاضَةِ مُحْرِمًا إحْرَامًا صَحِيحًا) ، لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ، (وَيَسْعَى إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى)

قَبْلَ ذَلِكَ، (وَيَحِلُّ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَلَيْسَ هَذَا عُمْرَةً حَقِيقَةً، وَالْإِحْرَامُ إنَّمَا وَجَبَ لِيَأْتِيَ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْحَجِّ.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: الْخِرَقِيِّ، فَقَوْلُ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ: إنَّهُ يَعْتَمِرُ، يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا هَذَا، وَسَمَّوْهُ عُمْرَةً؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَفْعَالُهَا، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا عُمْرَةً حَقِيقَةً، فَيَلْزَمُهُ سَعْيٌ وَتَقْصِيرٌ، وَعَلَى هَذَا نُصُوصُ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ لِمَا سَبَقَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ إحْرَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، فَكَانَ فِيهِ طَوَافٌ وَسَعْيٌ وَتَقْصِيرٌ، كَالْعُمْرَةِ الْمُفْرَدَةِ، وَهِيَ تَجْرِي مَجْرَى الْحَجِّ، بِدَلِيلِ الْقِرَانِ بَيْنَهُمَا، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ.
(وَالْقَارِنُ كَمُفْرِدٍ) لِأَنَّ التَّرْتِيبَ لِلْحَجِّ لَا لِلْعُمْرَةِ، بِدَلِيلِ تَأْخِيرِ الْحَلْقِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ، (فَإِنْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ) ، أَيْ: وَحَلَقَ، (وَلَمْ يَرْمِ) جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، (ثُمَّ وَطِئَ؛ فَفِي " الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ ": لَا يَلْزَمُهُ إحْرَامٌ مِنْ الْحِلِّ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِوُجُودِ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ كَمَا سَبَقَ) يَعْنِي: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحِلِّ، وَلَوْ كَانَ قَدْ طَافَ لِوُجُودِ الْوَطْءِ قَبْلَ مَا يَتِمُّ بِهِ التَّحَلُّلُ، (وَلِأَنَّهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ مُحْرِمٌ؛ لِبَقَاءِ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ الْمُنَافِي وُجُودُهُ صِحَّةَ الْإِحْرَامِ) ، فَيَفْسُدُ إحْرَامُهُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَالْمُرَادُ فَسَادُ مَا بَقِيَ مِنْهُ، لَا مَا مَضَى، إذْ لَوْ فَسَدَ كُلُّهُ؛ لَوَقَعَ الْوُقُوفُ فِي غَيْرِ إحْرَامٍ.

(وَعُمْرَةٌ) وَطِئَ فِيهَا (كَحَجٍّ) فِيمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ (فَيُفْسِدُهَا) وَطْءٌ (قَبْلَ تَمَامِ سَعْيٍ لَا بَعْدَهُ) ، أَيْ: السَّعْيِ، (وَقَبْلَ حَلْقٍ) ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ تَحَلُّلٍ أَوَّلَ، (وَعَلَيْهِ) بِوَطْئِهِ فِي عُمْرَةٍ (لِإِفْسَادِهَا شَاةٌ) ؛ لِنَقْصِ حُرْمَةِ إحْرَامِهَا عَنْ الْحَجِّ؛ لِنَقْصِ أَرْكَانِهَا، وَدُخُولِهَا فِيهِ، إذَا جَامَعَتْهُ، سَوَاءٌ وَطِئَ قَبْلَ تَمَامِ السَّعْيِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ الْحَلْقِ، (وَلَا فِدْيَةَ عَلَى مُكْرَهَةٍ) فِي وَطْءٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ؛ لِعُمُومِ: «وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَمِثْلُهَا النَّائِمَةُ، وَلَا يَلْزَمُ الْوَاطِئَ أَنْ يَفْدِيَ عَنْهُمَا.

(التَّاسِعُ: الْمُبَاشَرَةُ) مِنْ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ فِيمَا (دُونَ الْفَرْجِ، لِشَهْوَةٍ) بِوَطْءٍ لِلَذَّةٍ، وَاسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ الْمُنَافِي لِلْإِحْرَامِ، (وَلَا تُفْسِدُ) الْمُبَاشَرَةُ (الْمَنْسَكَ) وَلَوْ أَنْزَلَ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ؛ لِأَنَّ نَوْعَهُ يُوجِبُ الْحَدَّ، (وَكَذَا قُبْلَةٌ وَلَمْسٌ، وَنَظَرٌ لِشَهْوَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ، فَكَانَ حَرَامًا.

[فَصْلٌ إحْرَام الْمَرْأَةُ فِي وَجْهِهَا]

فَصْلٌ (وَالْمَرْأَةُ إحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا، فَتَحْرُمُ تَغْطِيَتُهُ بِنَحْوِ بُرْقُعٍ وَنِقَابٍ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: " إحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا، وَإِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
(وَتُسْدِلُ) ، أَيْ: تَضَعُ الثَّوْبَ فَوْقَ رَأْسِهَا، وَتُرْخِيهِ عَلَى وَجْهِهَا، (لِحَاجَةٍ) إلَى سَتْرِ وَجْهِهَا، (كَمُرُورِ رِجَالٍ) أَجَانِبَ (بِهَا) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا، وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا حَاذَوْنَا؛ سَدَلَتْ إحْدَانَا جِلْبَابَهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ.
قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا لَهَا أَنْ تُسْدِلَ عَلَى وَجْهِهَا مِنْهُ فَوْقَ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْفَعَ الثَّوْبَ مِنْ أَسْفَلَ.
(وَلَوْ أَصَابَ) مَسْدُولٌ (وَجْهَهَا، وَلَا يُمْكِنُهَا تَغْطِيَةُ جَمِيعِ رَأْسِهَا إلَّا بِجُزْءٍ مِنْ وَجْهِهَا، وَلَا كَشْفُ جَمِيعِ وَجْهِهَا إلَّا بِجُزْءٍ مِنْ رَأْسِهَا، فَسَتْرُ رَأْسِهَا كُلِّهِ أَوْلَى، لِكَوْنِهِ) أَيْ: الرَّأْسِ (عَوْرَةً) فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا، (وَلَا يَخْتَصُّ سَتْرُهُ بِإِحْرَامٍ) ، وَكَشْفُ الْوَجْهِ بِخِلَافِهِ.

(وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا) ، أَيْ: الْمُحْرِمَةِ (مَا يَحْرُمُ عَلَى رَجُلٍ) مُحْرِمٍ مِنْ

إزَالَةِ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَطِيبٍ، وَقَتْلِ صَيْدٍ، وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ الْخِطَابَ يَشْمَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ (غَيْرَ لِبَاسٍ وَ) غَيْرَ (خُفَّيْنِ، وَغَيْرَ تَظْلِيلٍ بِمَحْمَلٍ) ، لِحَاجَتِهَا إلَيْهِ، لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ إلَى وَجْهِهَا (وَيُبَاحُ لَهَا) أَيْ: الْمُحْرِمَةِ (خَلْخَالٌ، وَنَحْوُهُ مِنْ حُلِيٍّ) ، كَسِوَارٍ وَدُمْلُجٍ، وَقُرْطٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى النِّسَاءَ فِي إحْرَامِهِنَّ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ، وَالنِّقَابِ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنْ الثِّيَابِ، وَلْيَلْبَسْنَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مِنْ مُعَصْفَرٍ أَوْ خَزٍّ أَوْ حُلِيٍّ»

(وَلَهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ، لُبْسُ (خَاتَمٍ) مِنْ فِضَّةٍ أَوْ عَقِيقٍ وَنَحْوِهِمَا، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «لَا بَأْسَ بِالْهِمْيَانِ، وَالْخَاتَمِ لِلْمُحْرِمِ» (وَإِنْ شَدَّتْ) مُحْرِمَةٌ (يَدَيْهَا بِخِرْقَةٍ فَدَتْ) ، كَشَدِّ الرَّجُلِ شَيْئًا عَلَى جَسَدِهِ، (وَكَلُبْسِهَا قُفَّازًا) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ لُبْسُهُمَا كَالْمَرْأَةِ وَأَوْلَى وَالْقُفَّازَانِ كُلُّ مَا يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ، يُدْخِلُهُمَا فِيهِ، يَسْتُرُهُمَا مِنْ الْحَرِّ كَالْجَوْرَبِ لِلرِّجْلَيْنِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ تَغْطِيَةِ يَدَيْهَا بِكُمِّهَا لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ، جَوَازُهُ بِالْقُفَّازَيْنِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ تَغْطِيَةِ الرَّجُلِ قَدَمَهُ بِإِزَارِهِ لَا بِخُفٍّ، وَإِنَّمَا جَازَ تَغْطِيَةُ قَدَمَيْهَا بِكُلِّ شَيْءٍ، لِأَنَّهُمَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ، (لَا إنْ لَفَّتْهَا) ، أَيْ: يَدَهَا، (بِلَا شَدٍّ) ، لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ اللُّبْسُ لَا التَّغْطِيَةُ، كَيَدِ الرَّجُلِ.

(وَكُرِهَ لَهُمَا) ، أَيْ: الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ (اكْتِحَالٌ بِإِثْمِدٍ، وَنَحْوِهِ) مِنْ كُلِّ كُحْلٍ أَسْوَدَ، (لِزِينَةٍ) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِامْرَأَةٍ مُحْرِمَةٍ: " اكْتَحِلِي بِأَيٍّ شِئْت، غَيْرَ الْإِثْمِدِ أَوْ الْأَسْوَدِ، وَ (لَا) يُكْرَهُ اكْتِحَالُهُمَا بِذَلِكَ (لِغَيْرِهَا) ، أَيْ: الزِّينَةِ، كَوَجَعِ عَيْنٍ لِحَاجَةٍ

(وَلَهُمَا) ، أَيْ: لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مُحْرِمَيْنِ، (لُبْسُ مُعَصْفَرٍ) ، أَيْ مَصْبُوغٌ بِعُصْفُرٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ

بِطِيبٍ، وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِهِ وَشَمِّهِ، (وَ) لَهُمَا لُبْسُ (كَحُلِيٍّ) ، وَكُلُّ مَصْبُوغٍ بِغَيْرِ وَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، إلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهِ، أَوْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ.
(وَ) لَهُمَا (قَطْعُ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ بِغَيْرِ طِيبٍ) ، لِمَا تَقَدَّمَ، بَلْ هَذَا مَطْلُوبٌ.

(وَ) لَهُمَا (اتِّجَارٌ وَعَمَلُ صَنْعَةٍ مَا لَمْ يَشْغَلَا) ، أَيْ: الِاتِّجَارُ وَعَمَلُ الصَّنْعَةِ، (عَنْ وَاجِبٍ؛ فَيَحْرُمُ) ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " كَانَتْ عُكَاظٌ، وَمَجَنَّةُ، وَذُو الْمَجَازِ، أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوَاسِمِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مَا لَمْ يَشْغَلْ الِاتِّجَارُ وَعَمَلُ.
الصَّنْعَةِ عَنْ (مُسْتَحَبٍّ) . (وَيَتَّجِهُ: فَيُكْرَهُ) تَعَاطِيهِمَا إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِمَا، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ " الْمُنْتَهَى ". (وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّ كُلَّ) فِعْلٍ (مُبَاحٍ أَشْغَلَ عَنْ) فِعْلٍ (وَاجِبٍ) ضَاقَ، وَقْتُهُ (حَرَامٌ) ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَسْتَرِيبُ بِهِ عَاقِلٌ.

(وَلَهُمَا نَظَرٌ فِي مِرْآةٍ لِحَاجَةٍ، كَإِزَالَةِ شَعْرٍ بِعَيْنٍ) دَفْعًا لِضَرَرِهِ.
(وَكُرِهَ) نَظَرُهُمَا فِي مِرْآةٍ (لِزِينَةٍ) ، وَلَا يُصْلِحُ الْمُحْرِمُ شَعَثًا، وَلَا يُنْفِضُ عَنْهُ غُبَارًا، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبَاهِي الْمَلَائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ: اُنْظُرُوا إلَى عِبَادِي، أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ

(وَيَجِبُ اجْتِنَابُ رَفَثٍ، وَهُوَ: الْجِمَاعُ وَدَوَاعِيهِ) مِنْ تَقْبِيلٍ وَلَمْسٍ لِشَهْوَةٍ، (وَفُسُوقٍ وَهُوَ: السِّبَابُ) ، وَقِيلَ: الْمَعَاصِي، (وَجِدَالٍ) وَهُوَ: الْمِرَاءُ (فِيمَا لَا يَعْنِي) ، أَيْ: يُهِمُّ، لِحَدِيثِ: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ تُمَارِيَ صَاحِبَك حَتَّى تُغْضِبَهُ) ، قَالَ الْمُوَفَّقُ: الْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.

(وَتُسَنُّ قِلَّةُ كَلَامِهِمَا) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ، وَالْمُحْرِمَةِ (إلَّا فِيمَا يَنْفَعُ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وَ) يُسَنُّ لِلْمُحْرِمِ (إشْغَالُهُ بِتَلْبِيَةٍ وَذِكْرٍ وَ) قِرَاءَةِ (قُرْآنٍ، وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وَتَعْلِيمِ جَاهِلٍ، وَنَحْوِهِ) مِنْ الْمَطْلُوبَاتِ.

[بَابُ الْفِدْيَةِ وَبَيَانُ أَقْسَامِهَا]

(بَابُ الْفِدْيَةِ) وَبَيَانُ أَقْسَامِهَا وَهِيَ مَصْدَرُ: فَدَى يَفْدِي فِدَاءً.
وَشَرْعًا: (مَا يَجِبُ بِسَبَبِ نُسُكٍ) كَدَمِ تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ، وَوَاجِبٌ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ فِي إحْرَامٍ، أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ، (أَوْ) بِسَبَبٍ (حَرُمَ) ، كَصَيْدِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ وَنَبَاتِهِ، (وَلَهُ تَقْدِيمُهَا) ، أَيْ: الْفِدْيَةُ (عَلَى فِعْلٍ مَحْظُورٍ) إذَا احْتَاجَ إلَى فِعْلِهِ (لِعُذْرٍ) ، كَأَنْ يَحْتَاجُ إلَى (نَحْوِ حَلْقٍ) وَلُبْسٍ وَطِيبٍ، (وَيَأْتِي) ذَلِكَ.

(وَهِيَ) ، أَيْ: الْفِدْيَةُ (قِسْمَانِ: تَخْيِيرٌ، وَتَرْتِيبٌ) : (فَالتَّخْيِيرُ) نَوْعَانِ: أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ: (كَفِدْيَةِ لُبْسِ) مَخِيطٍ، (وَطِيبٍ، وَتَغْطِيَةِ رَأْسِ) ذَكَرٍ، أَوْ وَجْهِ أُنْثَى، (وَإِزَالَةِ أَكْثَرَ مِنْ شَعْرَتَيْنِ أَوْ) أَكْثَرَ مِنْ (ظُفْرَيْنِ، وَإِمْنَاءٍ بِنَظْرَةٍ، وَمُبَاشَرَةٍ بِغَيْرِ إنْزَالٍ، وَإِمْذَاءٍ بِتَكْرَارِ نَظَرٍ أَوْ تَقْبِيلٍ أَوْ لَمْسٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] ، وَقَوْلِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: «لَعَلَّك آذَاك هَوَامُّ رَأْسِك؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: احْلِقْ رَأْسَك، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ اُنْسُكْ شَاةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ: " أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ ". (فَيُخَيَّرُ) مُحْرِمٌ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ (بَيْنَ ذَبْحِ شَاةٍ، أَوْ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدُّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ) مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ أَقِطٍ.
وَيَتَعَيَّنُ تَمْلِيكُ مَا (يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ) ، وَهُوَ: أَحَدُ هَذِهِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَلَفْظُ " أَوْ " فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ: لِلتَّخْيِيرِ، وَخُصَّتْ الْفِدْيَةُ بِالثَّلَاثَةِ مِنْ الْأَظْفَارِ وَالشَّعَرَاتِ، لِأَنَّهَا جَمْعٌ، وَاعْتُبِرَتْ فِي مَوَاضِعَ بِخِلَافِ رُبْعِ الرَّأْسِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ بِاعْتِبَارِ حَلْقِ الرَّأْسِ فِي الْفِدْيَةِ، وَقِيسَ عَلَى بَاقِي الْمَذْكُورَاتِ، لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا فِيهَا لِلتَّرَفُّهِ أَشْبَهَتْ الْحَلْقَ، وَغَيْرُ الْمَعْذُورِ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ تَبَعًا لَهُ.
(وَيَتَّجِهُ: إجْزَاءُ قُوتِ غَيْرِهِ) ، أَيْ: غَيْرَ مَا يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ (مَعَ عَدَمِهِ) ، أَيْ: الْمُجْزِئِ فَيُجْزِئُ كُلُّ مَا يُقْتَاتُ مِنْ خُبْزٍ وَذُرَةٍ وَأَرُزٍّ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي " خِلَافِهِ "، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَحَيْثُ أَخْرَجَ خُبْزًا؛ فَيَدْفَعُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ رِطْلَيْنِ عِرَاقِيَّةً، وَيَنْبَغِي كَوْنُهُ مَعَ أُدُمٍ، لِيَكْفِيَ الْمَسَاكِينَ

الْمُؤْنَةَ، عَلَى قِيَاسِ الْكَفَّارَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَ) النَّوْعُ الثَّانِي (مِنْ) نَوْعَيْ (التَّخْيِيرِ: جَزَاءُ الصَّيْدِ، يُخَيَّرُ فِيهِ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ (بَيْنَ) : ذَبْحِ (مِثْلِ) الصَّيْدِ مِنْ النَّعَمِ، وَإِعْطَائِهِ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ، أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، فَلَا يَخْتَصُّ بِأَيَّامِ النَّحْرِ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيًّا.
(أَوْ: تَقْوِيمِهِ) ، أَيْ: الْمِثْلِ، (بِمَحَلٍّ تَلَفِ) الصَّيْدِ (وَبِقُرْبِهِ) ، أَيْ: مَحَلِّ التَّلَفِ (بِدَرَاهِمَ) مَثَلًا (يَشْتَرِي بِهَا) ، أَيْ: الدَّرَاهِمِ الَّتِي هِيَ قِيمَةُ الْمِثْلِ (طَعَامًا، إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ) فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ؛ أَخْرَجَ مِنْهُ (مَا يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ) كَوَاجِبٍ فِي فِدْيَةِ أَذًى وَكَفَّارَةٍ، (فَيُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ) مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ أَقِطٍ، (أَوْ يَصُومُ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] ، (وَإِنْ بَقِيَ دُونَ طَعَامِ مِسْكِينٍ صَامَ) عَنْهُ (يَوْمًا) كَامِلًا، لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ.
(وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ، فَأَخْرَجَ مَا وَجَدَهُ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ دُونَ طَعَامِ مِسْكِينٍ؛ صَوْمُ يَوْمٍ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ شِرَاءُ طَعَامٍ لَيْسَ عِنْدَهُ، (وَيُخَيَّرُ فِي شِرَاءِ) طَعَامٍ (رَخِيصٍ، أَوْ) شِرَاءِ طَعَامٍ (غَالٍّ) ، فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ شِرَاءُ الْأَنْفَعِ، وَلَا الْأَجْوَدِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ ذَلِكَ وَإِخْرَاجُهُ، (لِقِلَّةِ الصَّوْمِ) ، إذْ هُوَ يَوْمٌ وَاحِدٌ،

وَنَفْعُهُ قَاصِرٌ عَلَى فَاعِلِهِ، بِخِلَافِ الْإِطْعَامِ، فَإِنَّ فِيهِ دَفْعًا لِحَاجَةِ الْفَقِيرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَيُخَيَّرُ فِيمَا) ، أَيْ: صَيْدٍ (لَا مِثْلَ لَهُ) مِنْ النَّعَمِ، إذَا قَتَلَهُ (بَيْنَ إطْعَامِ) مَا اشْتَرَاهُ بِقِيمَتِهِ، أَوْ إخْرَاجِهِ عَنْهَا مِنْ طَعَامِهِ بِعَدْلِهَا، (وَصِيَامٍ) كَمَا تَقَدَّمَ.
لِعُذْرِ الْمِثْلِ، (وَلَا يَجِبُ تَتَابُعٌ فِيهِ) ، أَيْ: فِي هَذَا الصَّوْمِ، لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَالْأَمْرُ بِهِ مُطْلَقٌ، فَيَتَنَاوَلُ الْحَالَيْنِ.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ عَنْ بَعْضِ الْجَزَاءِ، وَيُطْعِمَ عَنْ بَعْضٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهَا كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ.

(وَ) الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْفِدْيَةِ (قِسْمٌ) يَجِبُ عَلَى (التَّرْتِيبِ، كَدَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ) ، فَيَجِبُ الْهَدْيُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ، وَقِيسَ الْقَارِنُ عَلَيْهِ، (وَ) كَدَمٍ وَجَبَ (لِتَرْكِ وَاجِبٍ) كَتَرْكِهِ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَالْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ إلَى اللَّيْلِ لِمَنْ وَقَفَ نَهَارًا، وَسَائِرَ الْوَاجِبَاتِ لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَتَأْتِي (وَ) كَدَمٍ وَجَبَ (لِفَوَاتِ) حَجٍّ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ: إنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي، (وَلَا حِصَارَ) إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ (وَ) كَدَمٍ وَجَبَ (لِوَطْءٍ، وَإِنْزَالِ مَنِيٍّ بِمُبَاشَرَةٍ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ) إنْزَالِ مَنِيٍّ (بِتَكْرَارِ نَظَرٍ، أَوْ تَقْبِيلٍ، أَوْ لَمْسٍ لِشَهْوَةِ، أَوْ اسْتِمْنَاءٍ وَلَوْ خَطَأً فِي الْكُلِّ) ، أَيْ: كُلُّ مَا تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ مِنْ قِسْمِ التَّرْتِيبِ.
(وَأُنْثَى مَعَ شَهْوَةٍ) فِيمَا سَبَقَ، (كَرَجُلٍ) فِيمَا يَجِبُ مِنْ الْفِدْيَةِ، كَالْوَطْءِ، (فَعَلَى مُتَمَتِّعٍ وَقَارِنٍ وَتَارِكِ وَاجِبٍ)

دَمٌ، (وَ) كَذَا عَلَى مَنْ لَزِمَهُ هَدْيٌ، (لِفَوَاتِ) حَجٍّ (دَمٌ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] الْآيَةَ، وَقِيسَ عَلَيْهِ الْقَارِنُ، (فَإِنْ عَدِمَهُ) ، أَيْ: الدَّمَ، مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ، (أَوْ) عَدِمَ (ثَمَنَهُ، وَلَوْ وَجَدَ مُقْرِضًا) نَصًّا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ اسْتِمْرَارُ عُسْرَتِهِ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الشِّرَاءِ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ مُوسِرٌ بِبَلَدِهِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ "؛ (صَامَ ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ) ، أَيْ: وَقْتَهُ، لِأَنَّ الْحَجَّ أَفْعَالٌ لَا يُصَامُ فِيهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] أَيْ: فِيهَا (وَالْأَفْضَلُ كَوْنُ آخِرِهَا) ، أَيْ: الثَّلَاثَةِ: (يَوْمَ عَرَفَةَ) نَصًّا، فَيُقَدَّمُ الْإِحْرَامُ لِيَصُومَهَا فِي إحْرَامِ الْحَجِّ، وَاسْتُحِبَّ لَهُ هُنَا صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ، (وَلَهُ تَقْدِيمُهَا) ، أَيْ: الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ (قَبْلَ إحْرَامٍ بِحَجٍّ) ، فَيَصُومَهَا (بَعْدَ إحْرَامٍ بِعُمْرَةٍ) ، لِأَنَّهُ أَحَدُ إحْرَامِ التَّمَتُّعِ، فَجَازَ الصَّوْمُ فِيهِ، كَإِحْرَامِ الْحَجِّ، وَلِجَوَازِ تَقْدِيمِ الْوَاجِبِ هُنَا عَلَى وَقْتِ وُجُوبِهِ، حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ، وَهُوَ هُنَا: الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، (إذْ الظَّاهِرُ مِنْ الْمُعْسِرِ اسْتِمْرَارُ إعْسَارِهِ) ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُهَا قَبْلَ إحْرَامِ عُمْرَةٍ.

(وَوَقْتُ وُجُوبِهَا) ، أَيْ: الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَيْ: صَوْمُهَا: (كَ) وَقْتِ وُجُوبِ (هَدْيٍ) ، لِأَنَّهَا بَدَلُهُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجِبُ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ.
(وَ) صَامَ (سَبْعَةَ) أَيَّامٍ (إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196] (وَإِنْ صَامَهَا) ، أَيْ: السَّبْعَةَ أَيَّامٍ (قَبْلَ رُجُوعِهِ) إلَى أَهْلِهِ (قَبْلَ

فَرَاغِ حَجٍّ؛ أَجْزَأَهُ) صَوْمُهَا، وَالْأَفْضَلُ إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ.
(وَكَلَامُ " الْمُنْتَهَى ") هُنَا (غَيْرُ مُحَرَّرٍ) ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ صَامَهَا قَبْلَ إحْرَامٍ بِحَجٍّ، أَجْزَأَ.
مَعَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْإِحْرَامُ بِحَجٍّ، وَفَرَاغُهُ مِنْهُ وَمِنْ أَيَّامِ مِنًى، هَذَا مُرَادُهُ قَطْعًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: لَكِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَيَّامَ مِنًى، قَالَ فِي " شَرْحِهِ ": لِبَقَاءِ أَعْمَالٍ مِنْ الْحَجِّ، فَفِي عِبَارَتِهِ مِنْ الْإِيهَامِ مَا لَا يَخْفَى.

(وَمَنْ لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ فِي أَيَّامِ مِنًى) وَهِيَ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، (صَامَ بَعْدَ) ذَلِكَ (عَشَرَةً) كَامِلَةً، (وَعَلَيْهِ دَمٌ) ، لِتَأْخِيرِهِ وَاجِبًا عَنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ عَنْ وَقْتِهِ، كَتَأْخِيرِ رَمْيِ جِمَارٍ عَنْهَا (مُطْلَقًا) ، أَيْ: لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، (وَكَذَا إنْ أَخَّرَ الْهَدْيَ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ بِلَا عُذْرٍ) ، فَيَلْزَمُهُ دَمٌ بِتَأْخِيرِهِ لِذَلِكَ، لِمَا مَرَّ.

(وَلَا يَجِبُ تَتَابُعٌ، وَلَا تَفْرِيقٌ فِي) صَوْمِ (الثَّلَاثَةِ، وَ) لَا فِي صَوْمِ (السَّبْعَةِ، وَلَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ إذَا قَضَا) هَا، وَكَذَا لَوْ صَامَ الثَّلَاثَةَ أَيَّامٍ بِمِنًى، وَأَتْبَعَهَا بِالسَّبْعَةِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِهَا مُطْلَقٌ، فَلَا يَقْتَضِي جَمْعًا، (وَلَا يَلْزَمُ مَنْ قَدَرَ عَلَى هَدْيٍ بَعْدَ وُجُوبِ صَوْمٍ) ، بِأَنْ كَانَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، (انْتِقَالٌ عَنْهُ) ، أَيْ: الصَّوْمِ، (شَرَعَ فِيهِ أَوْ لَا) ، اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْوُجُوبِ، فَقَدْ اسْتَقَرَّ الصَّوْمُ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ أَخْرَجَ الْهَدْيَ إذَنْ، أَجْزَأَهُ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.

(وَمَنْ لَزِمَهُ صَوْمُ مُتْعَةٍ، فَمَاتَ قَبْلَ فِعْلِهِ) كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، (لِغَيْرِ عُذْرٍ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) مِنْ تَرِكَتِهِ إنْ كَانَتْ، وَإِلَّا، اُسْتُحِبَّ لِوَلِيِّهِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَلَا يُصَامُ عَنْهُ، لِوُجُوبِهِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، بِخِلَافِ النَّذْرِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ تَرْكُهُ الصَّوْمَ لِعُذْرٍ، (فَلَا) إطْعَامَ عَنْهُ، لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ.

(وَعَلَى مُحْصِرٍ دَمٌ) ، بِنَحْرِهِ مَكَانَ الْإِحْصَارِ بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ، وَيَأْتِي (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُحْصِرُ الدَّمَ، (صَامَ عَشَرَةَ

أَيَّامٍ) قِيَاسًا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ (بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ) ، لِمَا تَقَدَّمَ، (ثُمَّ حَلَّ وَلَا إطْعَامَ فِيهِ) ، أَيْ: هَذَا النَّوْعِ، وَيَأْتِي.

(وَعَلَى وَاطِئٍ قَبْلَ تَحَلُّلٍ أَوَّلِ) بَدَنَةٌ، (وَ) كَذَا عَلَى (مُنْزِلِ مَنِيٍّ بِنَحْوِ تَكْرَارِ نَظَرٍ) ، كَلَمْسٍ لِشَهْوَةٍ، أَوْ مُبَاشَرَةٍ دُونَ فَرْجٍ (بَدَنَةٌ، أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهَا) ، كَبَقَرَةٍ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْبَدَنَةَ، أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهَا، (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ) أَيْ فَرَغَ مِنْ إهْلَالِ الْحَجِّ (وَ) يَجِبُ بِوَطْءٍ (فِي عُمْرَةٍ شَاةٌ) ، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَامْرَأَةٌ طَاوَعَتْ لِرَجُلٍ) فِيمَا ذُكِرَ، وَ (لَا) فِدْيَةَ عَلَى مَنْ وُطِئَتْ فِي الْعُمْرَةِ، وَهِيَ (نَائِمَةٌ وَمُكْرَهَةٌ) ، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا فِدْيَةَ) أَيْضًا (عَلَى مُكْرِهِهَا) عَنْهَا (كَهِيَ) ، أَيْ: كَمَا أَنَّهَا لَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا.
(وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ، أَوْ احْتَلَمَ، أَوْ أَمْذَى بِنَظْرَةٍ) لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ.

[فَصْلٌ مَنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا فِي الْإِحْرَام]

(فَصْلٌ) (وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسٍ غَيْرِ قَتْلِ صَيْدٍ، بِأَنْ حَلَقَ) شَعْرًا وَأَعَادَهُ، (أَوْ قَلَّمَ) ظُفْرًا وَأَعَادَهُ، (أَوْ لَبِسَ) . مَخِيطًا وَأَعَادَهُ، (أَوْ تَطَيَّبَ) وَأَعَادَهُ، (أَوْ وَطِئَ وَأَعَادَهُ بِالْمَوْطُوءَةِ أَوْ غَيْرِهَا، قَبْلَ تَكْفِيرٍ) عَنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ (وَاحِدَةٌ) ، سَوَاءٌ تَابَعَ الْفِعْلَ أَوْ فَرَّقَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ فِدْيَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِي دُفْعَةٍ أَوْ دَفَعَاتٍ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَفَّرَ لِلْمَرَّاتِ الْأُولَى، (لَزِمَهُ) ، لِإِعَادَةِ الْفِعْلِ، كَفَّارَةٌ (أُخْرَى) لِلْمَرَّاتِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْكَفَّارَةِ الثَّانِيَةِ غَيْرُ عَيْنِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْكَفَّارَةِ الْأُولَى، أَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَقَ، ثُمَّ حَنِثَ وَكَفَّرَ، ثُمَّ حَلَفَ وَحَنِثَ.
(وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا لَوْ قَلَّمَ ظُفْرًا) وَاحِدًا مِنْ أَظْفَارِهِ (مَرَّاتٍ) مُتَعَدِّدَةً؛ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ، لِمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ يُعَارَضُ

قَوْلُهُمْ: لَوْ قَطَعَ بَعْضَ شَعْرِهِ، ثُمَّ قَطَعَهَا ثَانِيًا، ثُمَّ ثَالِثًا؛ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِابْتِنَاءِ الْوَاحِدِ عَلَى الْوَاحِدِ فِي تَكْمِيلِ الدَّمِ، وَهُوَ بِتَمَامِ الْفِعْلَةِ الْوَاحِدَةِ؛ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا فِيهَا، وَالْبَاقِي حُرْمَتُهُ بَاقِيَةٌ، فَإِذَا أَعَادَهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِدَاؤُهُ ثَانِيًا إلَى أَنْ يَبْلُغَ الثَّالِثَةَ، فَيَسْتَقِرَّ الْجَزَاءُ

(وَ) إنْ فَعَلَ مَحْظُورًا (مِنْ أَجْنَاسٍ؛ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ جِنْسٍ فِدَاءٌ) ، سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا، اتَّحَدَتْ فِدْيَتُهَا أَوْ اخْتَلَفَتْ، لِأَنَّهَا مَحْظُورَاتٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَجْنَاسِ، فَلَمْ يَتَدَاخَلْ مُوجِبُهَا، كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ.

(وَ) تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَاتُ (فِي الصُّيُودِ، وَلَوْ قُتِلَتْ مَعًا) ، فَيَجِبُ كَفَّارَاتٌ (بِعَدَدِهَا) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] ، (وَيُكَفِّرُ مَنْ حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ أَوْ وَطِئَ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا نَاسِيًا) ، أَوْ مُخْطِئًا، (أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا، أَوْ نَائِمًا، كَأَنْ عَبِثَ بِشَعْرِهِ فَقَطَعَهُ) أَوْ صَوَّبَ رَأْسَهُ إلَى تَنُّورٍ فَأَحْرَقَ اللَّهَبُ شَعْرَهُ، إذْ هَذِهِ إتْلَافَاتٌ يَسْتَوِي عَمْدُهَا، أَوْ سَهْوُهَا، وَجَهْلُهَا، كَإِتْلَافِ مَالٍ لِآدَمِيٍّ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِأَذًى فِيهِ، وَهُوَ مَعْذُورٌ، فَكَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ، وَدَلِيلًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمَعْذُورِ بِنَوْعٍ آخَرَ، كَالْمُحْتَجِمِ يَحْلِقُ مَوْضِعَ مَحَاجِمِهِ.

وَ (لَا) يُكَفِّرُ (مَنْ لَبِسَ) مَخِيطًا نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا، (أَوْ تَطَيَّبَ) نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا، (أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ فِي حَالِ مِنْ ذَلِكَ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا

اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (وَلَا) كَفَّارَةَ (عَلَى مُكْرَهَةٍ) عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
(وَمَتَى زَالَ عُذْرُهُ) مِنْ جَهْلٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ إكْرَاهٍ (أَزَالَهُ) ، أَيْ: اللُّبْسَ أَوْ الطِّيبَ وَنَحْوَهُ (فِي الْحَالِ) ، لِخَبَرِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَعَلَيْهِ أَثَرُ خَلُوقٍ، أَوْ قَالَ: أَثَرُ مَغْرَةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ قَالَ: اخْلَعْ عَنْك هَذِهِ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ عَنْك أَثَرَ الْخَلُوقِ، أَوْ قَالَ: الصُّفْرَةِ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِك كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْفِدْيَةِ مَعَ سُؤَالِ عَمَّا يَصْنَعُ.
وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ غَيْرُ جَائِزٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَذَرَهُ لِجَهْلِهِ، وَالنَّاسِي وَالْمُكْرَهُ فِي مَعْنَاهُ

(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً لِغَسْلِ طِيبٍ مَسَحَهُ) بِنَحْوِ خِرْقَةٍ، (أَوْ حَكَّهُ بِنَحْوِ تُرَابٍ) ، كَنُخَالَةٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إزَالَتُهُ (حَسَبَ الْإِمْكَانِ) . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي إزَالَتِهِ بِحَلَالٍ لِئَلَّا يُبَاشِرَهُ الْمُحْرِمُ، (وَلَهُ غَسْلُهُ بِيَدِهِ بِلَا حَائِلٍ) ، لِعُمُومِ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِغَسْلِهِ، وَلِأَنَّهُ تَارِكٌ لَهُ، (وَ) لَهُ غَسْلُهُ (بِمَائِعٍ) لِمَا مَرَّ، (فَإِنْ أَخَّرَهُ) ، أَيْ: غَسْلَ الطِّيبِ عَنْهُ (بِلَا عُذْرٍ؛ حَرُمَ) عَلَيْهِ، (وَفَدَى) لِلِاسْتِدَامَةِ، أَشْبَهَ الِابْتِدَاءَ، وَإِنْ وَجَدَ مَا لَا يَكْفِي لِوُضُوئِهِ وَغَسْلِ الطِّيبِ؛ غَسَلَهُ بِهِ، وَتَيَمَّمَ، إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَطْعِ رَائِحَتِهِ بِغَيْرِ الْمَاءِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إزَالَةِ الطِّيبِ قَطْعُ الرَّائِحَةِ.

(وَيَفْدِي مَنْ رَفَضَ إحْرَامَهُ، ثُمَّ فَعَلَ مَحْظُورًا) لِلْمَحْظُورِ، لِأَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْ الْإِحْرَامِ إمَّا بِكَمَالِ النُّسُكِ أَوْ عِنْدَ الْحَصْرِ أَوْ بِالْعُذْرِ إذَا شُرِطَ وَمَا عَدَاهَا لَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ بِهِ، وَلَا يَفْسُدُ الْإِحْرَامُ بِرَفْضِهِ، كَمَا لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِفَسَادِهِ، فَإِحْرَامُهُ بَاقٍ، وَتَلْزَمُهُ أَحْكَامُهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِرَفْضِ الْإِحْرَامِ، لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ نِيَّةٍ، لَمْ تُؤَثِّرْ شَيْئًا.

(وَمَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إحْرَامِهِ؛ فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ فِيهِ) ، لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

وَهُوَ مُحْرِمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَبِي دَاوُد عَنْهَا «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مَكَّةَ، فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالسُّكِ الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا؛ سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَنْهَانَا» .

وَ (لَا) يَجُوزُ لِمُحْرِمٍ (لُبْسُ مُطَيَّبٍ بَعْدَهُ) ، أَيْ: الْإِحْرَامِ، لِحَدِيثِ: «لَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ فَعَلَ) ، أَيْ: لَبِسَ مُطَيَّبًا بَعْدَ إحْرَامٍ؛ فَدَى، (أَوْ اسْتَدَامَ لُبْسَ مَخِيطٍ أَحْرَمَ فِيهِ، وَلَوْ لَحْظَةً فَوْقَ) الْوَقْتِ (الْمُعْتَادِ مِنْ خَلْعِهِ؛ فَدَى) لِأَنَّ اسْتِدَامَتَهُ كَابْتِدَائِهِ، (وَلَا يَشُقُّهُ) ، لِأَنَّهُ إتْلَافُ مَالٍ بِلَا حَاجَةٍ، وَلَوْ وَجَبَ الشَّقُّ أَوْ الْفِدْيَةُ بِالْإِحْرَامِ فِيهِ؛ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: (وَيَتَّجِهُ: وَ) إنْ احْتَاجَ مُحْرِمٌ اسْتِدَامَةَ لُبْسِ مَخِيطٍ لِلسُّتْرَةِ (مَعَ عَدَمِ إزَارٍ إذَنْ) ، أَيْ: وَقْتَ إحْرَامِهِ؛ فَلَهُ أَنْ (يُرْخِيَ قَمِيصًا) ، بِأَنْ يُخْرِجَ يَدَيْهِ مِنْهُ تَغْيِيرًا لِهَيْئَةِ لُبْسِهِ، وَيُدْخِلَ بَعْضَ أَطْرَافِهِ فِي بَعْضٍ لِيَصِيرَ سَاتِرًا (لِوَسَطِهِ) وَعَوْرَتِهِ، (كَسَرَاوِيلَ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَإِنْ لَبِسَ) مُحْرِمٌ، (أَوْ افْتَرَشَ مَا كَانَ مُطَيَّبًا وَانْقَطَعَ رِيحُهُ) ، أَيْ: الطِّيبِ مِنْهُ، (وَيَفُوحُ) رِيحُهُ (بِرَشِّ مَاءٍ) عَلَى مَا كَانَ مُطَيَّبًا، وَانْقَطَعَ رِيحُهُ، (وَلَوْ) افْتَرَشَهُ (تَحْتَ حَائِلٍ غَيْرِ ثِيَابِهِ، لَا يَمْنَعُ) الْحَائِلُ (رِيحَهُ، وَ) لَا (مُبَاشَرَتَهُ؛ فَدَى) ، لِأَنَّهُ مُطَيَّبٌ، اسْتَعْمَلَهُ لِظُهُورِ رِيحِهِ عِنْدَ رَشِّ الْمَاءِ، وَالْمَاءُ لَا رِيحَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الطِّيبِ فِيهِ.

(وَلَوْ مَسَّ طِيبًا يَظُنُّهُ يَابِسًا، فَبَانَ رَطْبًا، لَا فِدْيَةَ) عَلَيْهِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ".

[فَصْلٌ يَلْزَم ذبح الْهَدْي بالحرم وَجَوَانِبه]

(فَصْلٌ) (وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إطْعَامٍ يَتَعَلَّقُ بِحَرَمٍ أَوْ إحْرَامٍ كَجَزَاءِ صَيْدِ) حَرَمٍ أَوْ إحْرَامٍ، (وَمَا وَجَبَ) مِنْ فِدْيَةٍ (لِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فَوَاتِ حَجٍّ، أَوْ) وَجَبَ (بِفِعْلِ مَحْظُورٍ بِحَرَمٍ) ، كَلُبْسٍ وَوَطْءٍ فِيهِ؛ فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْهَدْيُ وَالْإِطْعَامُ بِمَكَّةَ.
(وَ) كَذَا (هَدْيُ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ مَنْذُورٌ) وَنَحْوُهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33] وَقَالَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي.
(يَلْزَمُ ذَبْحُهُ) ، أَيْ: الْهَدْيِ، (بِالْحَرَمِ وَجَوَانِبِهِ) ، أَيْ: الْحَرَمِ، (كَهُوَ) قَالَ أَحْمَدُ: مَكَّةُ وَمِنًى وَاحِدٌ، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ: " مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ ". وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَرَمَ، لِأَنَّهُ كُلُّهُ طَرِيقٌ إلَيْهَا، وَالْفَجُّ: الطَّرِيقُ.

(وَ) يَلْزَمُ (تَفْرِقَةُ لَحْمِهِ) ، أَيْ: الْهَدْيِ الْمَذْكُورِ لِمَسَاكِينِهِ، (أَوْ إطْلَاقُهُ لِمَسَاكِينِهِ) أَيْ: الْحَرَمِ، (مَيِّتًا) ، أَيْ: مَذْبُوحًا، أَوْ مَنْحُورًا، (أَوْ) دَفْعُهُ إلَيْهِمْ (حَيًّا لِيَنْحَرُوهُ) بِالْحَرَمِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَبْحِهِ بِالْحَرَمِ التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَحْصُلُ بِإِعْطَاءِ غَيْرِهِمْ، وَكَذَا الْإِطْعَامُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْهَدْيُ وَالْإِطْعَامُ بِمَكَّةَ.
وَلِأَنَّهُ يَنْفَعُهُمْ كَالْهَدْيِ، قَالَ فَإِنْ سَلَّمَهُ إلَيْهِمْ حَيًّا، فَنَحَرُوهُ فِي الْحَرَمِ؛ أَجْزَأَ، (وَإِلَّا) يَنْحَرُوهُ، أَوْ أَرَادُوا نَحْرَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ؛ (اسْتَرَدَّهُ) مِنْهُمْ وُجُوبًا (وَنَحَرَهُ) وَفَرَّقَ لَحْمَهُ أَوْ أَطْلَقَهُ لَهُمْ (فَإِنْ أَبَى) اسْتِرْدَادُهُ (أَوْ عَجَزَ) عَنْهُ (ضَمِنَهُ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، لِعَدَمِ خُرُوجِهِ مِنْ عُهْدَتِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: فَلَا يُجْزِئُ اقْتِصَارُهُ عَلَى) مِسْكِينٍ (وَاحِدٍ، بَلْ) لَا بُدَّ مِنْ (ثَلَاثَةِ) مَسَاكِينَ، لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ، كَذَا قَالَ (وَاحْتَمَلَ: أَوْ اثْنَيْنِ) ، لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ فِي قَوْلٍ.
(وَقِيَاسُ الْفِطْرَةِ: يُجْزِئُ

اقْتِصَارُهُ عَلَى) مِسْكِينٍ (وَاحِدٍ) ، وَهُوَ قِيَاسٌ جَيِّدٌ، إذْ كُلٌّ مِنْ الْهَدْيِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ تُجْزِئُ لِوَاحِدٍ، وَعَلَيْهِ؛ فَلَفْظُ أَلْ فِي الْمَسَاكِينِ: لِلْجِنْسِ، كَمَا فِي الزَّكَاةِ، وَعُدُولُ الْأَصْحَابِ عَنْ ذِكْرِ الْعَدَدِ يَدُلُّ عَلَى إجْزَاءِ الِاقْتِصَارِ عَلَى وَاحِدٍ.

(وَمَسَاكِينُ الْحَرَمِ هُمْ: الْمُقِيمُ بِهِ، وَالْمُجْتَازُ بِهِ مِنْ حَاجٍّ، وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ أَخْذُ زَكَاةٍ لِحَاجَةٍ) وَلَوْ تَبَيَّنَ غِنَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَكَزَكَاةٍ (وَيُجْزِئُ) هَدْيٌ أَوْ إطْعَامٌ (لَوْ ظَنَّهُ فَقِيرًا، فَبَانَ غَنِيًّا) كَالزَّكَاةِ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
(وَيَتَّجِهُ: لَا) يُجْزِئُ (إنْ) دَفَعَهُ مَذْبُوحًا لِمَنْ (ظَنَّهُ نَحْوَ مُسْلِمٍ) ، كَمُبْتَدِعٍ غَيْرِ دَاعِيَةٍ، (فَبَانَ) مَدْفُوعًا لَهُ (عَكْسُهُ) ، بِأَنْ كَانَ كَافِرًا، أَوْ مُبْتَدِعًا دَاعِيَةً، وَلَهُ اسْتِرْدَادُهُ مِنْهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِلَّا؛ فَيَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَتَهُ يَشْتَرِي بِهَا هَدْيًا يُفَرِّقُهُ، أَوْ يُطْلِقُهُ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ

(وَالْأَفْضَلُ نَحْرُ مَا وَجَبَ بِحَجٍّ بِمِنًى، وَ) نَحْرُ (مَا وَجَبَ بِعُمْرَةٍ بِالْمَرْوَةِ) ، خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَالِكٍ وَمَنْ تَبِعَهُ.

(وَالْعَاجِزُ عَنْ إيصَالِهِ) ، أَيْ: مَا وَجَبَ ذَبَحَهُ بِالْحَرَمِ، (لِلْحَرَمِ حَتَّى بِوَكِيلِهِ، يَنْحَرُهُ حَيْثُ قَدَرَ،

وَيُفَرِّقُهُ بِمَنْحَرِهِ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] (وَتُجْزِئُ فِدْيَةُ أَذًى، وَ) فِدْيَةُ (لُبْسٍ، وَ) فِدْيَةُ (طِيبٍ وَتَغْطِيَةِ رَأْسٍ، وَمُوجِبِ شَاةٍ بِنَحْوِ مُبَاشَرَةٍ) دُونَ فَرْجٍ (بِلَا إنْزَالٍ وَمَا وَجَبَ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ غَيْرِ) جَزَاءِ (صَيْدٍ) ؛ فِعْلُهُ (خَارِجَ؛ الْحَرَمِ، وَلَوْ) فَعَلَهُ (بِلَا عُذْرٍ) ؛ فَلَهُ تَفْرِقَتُهَا (حَيْثُ وَجَبَ السَّبَبُ) ، لِأَنَّهُ، «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ بِالْفِدْيَةِ بِالْحُدَيْبِيَةِ» وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ، وَاشْتَكَى الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَأْسَهُ، فَحَلَقَهُ عَلِيٌّ، وَنَحَرَ عَنْهُ جَزُورًا بِالسُّقْيَا " رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُمَا (وَ) لَهُ تَفْرِقَتُهَا (بِالْحَرَمِ أَيْضًا) كَسَائِرِ الْهَدَايَا.
(وَيَدْخُلُ وَقْتُ ذَبْحِ فِدْيَةِ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْأَذَى وَالْمَلْبَسِ، وَالطِّيبِ، وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ، (مِنْ حِينِ فَعَلَهُ) ، أَيْ: الْمَحْظُورَ.

(وَلَهُ) الذَّبْحُ (قَبْلَهُ، بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ الْمُبِيحِ) لِفِعْلِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِعْلُهُ لِعُذْرٍ، (كَكَفَّارَةِ يَمِينٍ وَ) وَقْتِ (جَزَاءِ صَيْدٍ بَعْدَ جَرْحِهِ) ، وَلَا يَضُرُّ تَلَفُهُ بَعْدَ إخْرَاجِ جَزَائِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ آخَرُ، كَمَا لَوْ قَدَّمَ مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْحَلْقُ فِدْيَتَهُ قَبْلَ الْحَلْقِ، (وَ) وَقْتَ فِدْيَةِ (وَاجِبٍ، لِتَرْكِ وَاجِبٍ، عِنْدَ تَرْكِهِ) أَيْ: ذَلِكَ الْوَاجِبِ.

(وَيُجْزِئُ) إخْرَاجُ (دَمِ إحْصَارٍ حَيْثُ أُحْصِرَ) مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ نَصًّا، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ هَدْيَهُ فِي مَوْضِعِهِ بِالْحُدَيْبِيَةِ» وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: 25] وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ حِلِّهِ، فَكَانَ مَوْضِعَ نَحْرِهِ كَالْحَرَمِ

(وَ) يُجْزِئُ (صَوْمٌ وَحَلْقٌ بِكُلِّ مَكَانٍ) ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إلَى أَحَدٍ، فَلَا فَائِدَةَ فِي تَخْصِيصِهِ بِالْحَرَمِ، وَلِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.

(وَالدَّمُ الْمُطْلَقُ كَأُضْحِيَّةٍ) ، فَيُجْزِئُ فِيهِ مَا يُجْزِئُ فِيهَا - فَإِنْ

قَيَّدَ بِنَحْوِ بَدَنَةٍ، تَقَيَّدَ - (جَذَعُ ضَأْنٍ) لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، (أَوْ ثَنِيُّ مَعْزٍ) لَهُ سَنَةٌ، (أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ، أَوْ) سُبْعُ (بَقَرَةٍ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمُتَمَتِّعِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ.
وَقَوْلُهُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] ، وَفَسَّرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ بِذَبْحِ شَاةٍ، وَمَا سِوَى هَذَيْنِ مَقِيسٌ عَلَيْهِمَا.
(فَإِنْ ذَبَحَ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ مُطْلَقٌ (إحْدَاهُمَا) ، أَيْ: بَدَنَةً، أَوْ بَقَرَةً، فَهُوَ (أَفْضَلُ) مِمَّا تَقَدَّمَ، لِأَنَّهَا أَوْفَرُ لَحْمًا، وَأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ (وَتَجِبُ كُلُّهَا) ، لِأَنَّهُ اخْتَارَ الْأَعْلَى لِأَدَاءِ فَرْضِهِ، فَكَانَ كُلُّهُ وَاجِبًا، كَمَا لَوْ اخْتَارَ الْأَعْلَى مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ.
(وَيَتَّجِهُ) : مَحَلُّ وُجُوبِهَا كُلِّهَا: (إنْ كَانَتْ كُلُّهَا مِلْكَهُ) ، أَمَّا إنْ كَانَ يَمْلِكُ بَعْضَهَا، وَذَبَحَهَا بِنِيَّةِ إخْرَاجِ ذَلِكَ الْبَعْضِ الْمَمْلُوكِ لَهُ، فَلَا وَجْهَ لِوُجُوبِهَا كُلِّهَا عَلَيْهِ، إذْ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا مَا آتَاهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ

(وَتُجْزِئُ عَنْ بَدَنَةٍ وَجَبَتْ وَلَوْ فِي) جَزَاءِ (صَيْدٍ وَنَذْرٍ) مُطْلَقٍ، فَإِنْ نَوَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ، لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ (بَقَرَةٌ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ «عَنْ جَابِرٍ: كُنَّا نَنْحَرُ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: وَالْبَقَرَةُ؟ فَقَالَ: وَهَلْ هِيَ إلَّا مِنْ الْبُدْنِ؟» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(كَعَكْسِهِ) ، أَيْ: كَمَا تُجْزِئُ بَدَنَةٌ عَنْ بَقَرَةٍ وَجَبَتْ وَلَوْ فِي صَيْدٍ، (وَ) يُجْزِئُ (عَنْ سَبْعِ شِيَاهٍ، وَلَوْ لَمْ تَتَعَذَّرْ) الشِّيَاهُ، (بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

[بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى طَرِيقِ التَّفْصِيلِ]

(بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى طَرِيقِ التَّفْصِيلِ) جَزَاؤُهُ: (مَا يُسْتَحَقُّ بَدَلَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدِ (مِنْ مِثْلِهِ، وَمُقَارِبِهِ، وَشِبْهِهِ) ، لَعَلَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِلْمُرَادِ مِنْ الْمِثْلِ، دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ إرَادَةِ الْمُمَاثَلَةِ اللُّغَوِيَّةِ، وَهِيَ: اتِّحَادُ الِاثْنَيْنِ فِي النَّوْعِ.
(وَيَجْتَمِعُ) عَلَى مُتْلِفِ صَيْدٍ (ضَمَانُ) قِيمَته لِمَالِكِهِ (وَجَزَاؤُهُ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ (فِي) صَيْدِ (مَمْلُوكٍ) ، لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مَضْمُونٌ بِالْكَفَّارَةِ، فَجَازَ التَّقْوِيمُ وَالتَّكْفِيرُ فِي ضَمَانِهِ، كَالْعَبْدِ إذَا قُتِلَ.

(وَهُوَ) أَيْ: الصَّيْدُ (ضَرْبَانِ: الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: مَا) ، أَيْ: ضَرْبٌ (لَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ) خِلْقَةً لَا قِيمَةً (فَيَجِبُ فِيهِ) ذَلِكَ (الْمِثْلُ) نَصًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] (وَهُوَ) أَيْ: الصَّيْدُ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ، (نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ) ، أَيْ: وَلَوْ بَعْضُهُمْ، (فَيُتَّبَعُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» وَلِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ، وَأَعْرَفُ بِمَوَاقِعِ الْخِطَابِ، فَكَانَ حُكْمُهُمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ، كَالْعَامِّيِّ مَعَ الْعَالِمِ.
(فَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ) حَكَمَ بِهِ: عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ، " لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْبَعِيرَ فِي خَلْقِهِ، فَكَانَ مِثْلًا لَهَا، (وَفِي حِمَارِ وَحْشٍ) بَقَرَةٌ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، (وَ) فِي (بَقَرَةٍ) ، أَيْ: الْوَحْشِ، بَقَرَةٌ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، (وَ) فِي (أُيَّلٍ) بِوَزْنِ: قُنَّبٍ وَحَلَبٍ وَسَيِّدٍ، وَهُوَ: ذَكَرُ الْأَوْعَالِ - بَقَرَةٌ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، (وَ) فِي (تيشل) - بِوَزْنِ: جَعْفَرٍ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْوَعْلُ الْمُسِنُّ -

بَقَرَةٌ، (وَ) فِي (وَعَل) - بِفَتْحِ الْوَاوِ مَعَ الْعَيْنِ، وَكَسْرِهَا، وَسُكُونِهَا: تَيْسُ الْجَبَلِ، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ "، وَفِي " الصِّحَاحِ " هُوَ: الْأَرْوَى، وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: الْأَرْوَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، جَمْعُ: أُرْوِيَّةٍ بِضَمِّهَا، وَكَسْرِ الْوَاوِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ: هِيَ الْأُنْثَى مِنْ الْوُعُولِ - (بَقَرَةٌ) ، يُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ: " فِي الْأَرْوَى بَقَرَةٌ ". (وَفِي ضَبُعٍ كَبْشٌ) ، لِقَوْلِ «جَابِرٍ: سَأَلْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الضَّبُعِ، فَقَالَ: هُوَ صَيْدٌ، وَفِيهِ كَبْشٌ إذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَضَى بِهِ عُمَرُ وابْنُ عَبَّاسٍ.
(وَفِي غَزَالٍ شَاةٌ) ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ، وَرَوَى جَابِرٌ مَرْفُوعًا «فِي الظَّبْيِ شَاةٌ» ، (وَفِي وَبْرٍ) : بِسُكُونِ الْبَاءِ، وَالْأُنْثَى: وَبْرَةٌ، قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": وَهُوَ دُوَيْبَّةٌ كَحْلَاءُ دُونَ السِّنَّوْرِ، لَا ذَنَبَ لَهَا، (وَ) فِي (ضَبٍّ جَدْيٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ، وَأَرْبَدُ، وَالْوَبْرُ مَقِيسٌ عَلَى الضَّبِّ، وَالْجَدْيُ مِنْ أَوْلَادِ (الْمَعْزِ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَفِي يَرْبُوعٍ جَفَرَةٌ، لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) ، قَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَجَابِرٌ (وَفِي أَرْنَبٍ عَنَاقٌ) ، أَيْ: (أُنْثَى) مِنْ (مَعْزٍ أَصْغَرَ مِنْ الْجَفَرَةِ) يُرْوَى عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ، (وَفِي) كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ (حَمَامٍ - وَهُوَ: كُلُّ مَا عَبَّ الْمَاءَ) أَيْ: وَضَعَ مِنْقَارَهُ فِيهِ، وَكَرَعَ كَمَا تَكْرَعُ الشَّاةُ، وَلَا يَأْخُذُ قَطْرَةً، كَالدَّجَاجِ وَالْعَصَافِيرِ، (وَهَدَرَ) ، أَيْ: صَوَّتَ - (شَاةٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُهُ، وَعُثْمَانُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَنَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ، وَقِيسَ عَلَيْهِ حَمَامُ الْإِحْرَامِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَضَى بِهِ فِي حَمَامِ الْإِحْرَامِ، (فَدَخَلَ فِيهِ نَحْوُ فَوَاخِتَ، وَقَطَا، وَقَمَرِيٌّ، وَرَاشِينُ) ، وَدُبْسِيٌّ، بِضَمِّ الدَّالِ: طَائِرٌ لَوْنُهُ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ يُقَرْقِرُ، وَالْأُنْثَى دِبْسِيَّةٌ، وَكَذَلِكَ السِّفَانِينُ، جَمْعُ: سِفَنَّةٍ، بِكَسْرِ السِّينِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَتَشْدِيدِ النُّونِ، قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": طَائِرٌ بِمِصْرَ، لَا يَقَعُ عَلَى شَجَرَةٍ

إلَّا أَكَلَ جَمِيعَ وَرَقِهَا.
لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّيهَا حَمَامًا، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كُلُّ مُطَوَّقٌ حَمَامٌ، فَدَخَلَ فِيهِ الْحَجَلُ، لِأَنَّهُ مُطَوَّقٌ.

(الثَّانِي: مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ) الصَّحَابَةُ، وَلَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ، (فَيُرْجَعُ فِيهِ لِقَوْلِ عَدْلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] ، (خَبِيرَيْنِ) ، لِأَنَّهُ لَا يُتَمَكَّنُ مِنْ الْحُكْمِ بِالْمِثْلِ إلَّا بِهِمَا، فَيَعْتَبِرَانِ الشَّبَهَ خِلْقَةً لَا قِيمَةً، كَفِعْلِ الصَّحَابَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَقِيهًا، لِظَاهِرِ الْآيَةِ، (وَيَجُوزُ كَوْنُ الْقَاتِلِ أَحَدَهُمَا) ، أَيْ الْعَدْلَيْنِ، (أَوْ هُمَا) ، فَيَحْكُمَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالْمِثْلِ، لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ عُمَرَ أَمَرَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْجَرَادَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَادَهُمَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَأَمَرَ أَيْضًا، أَرْبَدَ بِذَلِكَ، حِينَ وَطِئَ الضَّبَّ، فَحَكَمَ عَلَى نَفْسِهِ بِجَدْيٍ، فَأَقَرَّهُ، وَكَتَقْوِيمِهِ عَرْضَ التِّجَارَةِ لِإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ، وَحَمَلَهُ (ابْنُ عَقِيلٍ) عَلَى مَا إذَا قَتَلَهُ (خَطَأً، أَوْ) قَتَلَهُ (لِحَاجَةِ) أَكْلِهِ، لِأَنَّهُ قَتْلٌ مُبَاحٌ يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ، (أَوْ) قَتَلَهُ (جَاهِلًا تَحْرِيمَهُ) ، لِعَدَمِ فِسْقِهِ، قَالَ (الْمُنَقِّحُ: وَهُوَ قَوِيٌّ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ) ، أَيْ: الْأَصْحَابِ، (لِأَنَّ قَتْلَ الْعَمْدِ يُنَافِي الْعَدَالَةَ) إنْ لَمْ يَتُبْ، وَهُوَ شَرْطُ الْحُكْمِ.
(وَيَتَّجِهُ: عَدَمُ) اعْتِبَارِ (هَذَا) ، أَيْ: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، (وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ مِنْ الْعَدَالَةِ حَالَ الْحُكْمِ) ، لَا حَالَ الْقَتْلِ، إذْ لَا رَيْبَ فِي الْفِسْقِ حِينَئِذٍ، (فَلَوْ تَابَا) ، أَيْ: الْحَاكِمَانِ، بَعْدَ أَنْ قَتَلَا صَيْدًا، عَامِدَيْنِ، عَالِمَيْنِ تَحْرِيمَ قَتْلِهِ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: تَابَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِهِ (قُبِلَ) حُكْمُهُمَا بِهِ، (كَالشَّهَادَةِ) إذَا تَحَمَّلَهَا وَهُوَ فَاسِقٌ، ثُمَّ تَابَ وَأَدَّاهَا؛ فَلَا رَيْبَ فِي قَبُولِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَيُضْمَنُ صَغِيرٌ) بِمِثْلِهِ، (وَكَبِيرٌ) بِمِثْلِهِ، (وَصَحِيحٌ) بِمِثْلِهِ، (وَمَعِيبٌ) بِمِثْلِهِ، (وَمَاخِضٌ، وَهِيَ: الْحَامِلُ) مِنْ صَيْدٍ (بِمِثْلِهِ) مِنْ النَّعَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] . وَمِثْلُ الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وَمِثْلُ الْمَعِيبِ مَعِيبٌ، وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْيَدِ، وَالْجِنَايَةِ، يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بِالصِّغَرِ وَالْعَيْبِ وَغَيْرِهِمَا، كَالْبَهِيمَةِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] ؛ مُقَيَّدٌ بِالْمِثْلِ، وَقَدْ اجْتَمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى إيجَابِ مَا لَا يَصِحُّ هَدْيًا كَالْجَفَرَةِ وَالْعَنَاقِ وَالْجَدْيِ، وَإِنْ فَدَى الصَّغِيرَ وَالْمَعِيبَ مَا لَا يَصِحُّ هَدْيًا كَالْجَفَرَةِ وَالْعَنَاقِ وَالْجَدْيِ، وَإِنْ فَدَى الصَّغِيرَ وَالْمَعِيبَ بِكَبِيرٍ صَحِيحٍ فَاضِلٍ.
(وَ) يَجُوزُ فِدَاءُ (ذَكَرٍ بِأُنْثَى) ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ فِدَائِهِ بِذَكَرٍ كَمَا فِي " الْإِقْنَاعِ "، لِأَنَّ لَحْمَهَا أَطْيَبُ وَأَرْطَبُ، (وَ) يَجُوزُ (عَكْسُهُ) ، أَيْ: فِدَاءُ أُنْثَى بِذَكَرٍ، لِأَنَّ لَحْمَهُ أَوْفَرُ، (وَيَجُوزُ فِدَاءُ) صَيْدٍ (أَعْوَرَ مِنْ عَيْنٍ) يُمْنَى أَوْ يُسْرَى، (وَ) فِدَاءُ صَيْدٍ (أَعْرَجَ مِنْ قَائِمَةٍ) يُمْنَى أَوْ يُسْرَى بِمِثْلِهِ مِنْ النَّعَمِ، (أَعْوَرَ) عَنْ الْأَعْوَرِ مِنْ أُخْرَى، كَفِدَاءِ أَعْوَرَ يُمْنَى بِأَعْوَرَ يَسَارٍ وَعَكْسُهُ، (وَ) أَعْرَجَ مِنْ قَائِمَةٍ بِمِثْلِهِ (أَعْرَجَ مِنْ) قَائِمَةٍ (أُخْرَى) ، كَأَعْرَجِ يُمْنَى بِأَعْرَجِ يَسَارٍ، وَعَكْسُهُ، لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ يَسِيرٌ، وَنَوْعُ الْعَيْبِ وَاحِدٌ.
وَ (لَا) يَجُوزُ فِدَاءُ (أَعْوَرَ بِأَعْرَجَ وَنَحْوِهِ) ، لِاخْتِلَافِ نَوْعِ الْعَيْبِ وَمَحَلِّهِ.

ب - (الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا مِثْلَ لَهُ) مِنْ النَّعَمِ، (وَهُوَ: بَاقِي الطَّيْرِ، وَ) يَجِبُ (فِيهِ قِيمَةُ مَكَانِهِ) ، أَيْ: مَكَانِ التَّلَفِ، (وَلَوْ أَكْبَرَ مِنْ الْحَمَامِ، كَإِوَزٍّ، وَحُبَارَى، وَحَجَلٍ وَكُرْكِيٍّ، وَكَبِيرِ طَيْرِ مَاءٍ) ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ تَرَكْنَاهُ فِي الْحَمَامِ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ.

[فَصْلٌ أَتْلَفَ مُحْرِمٌ جَزَاءً مِنْ صَيْدٍ فَانْدَمَلَ]

(فَصْلٌ) (وَإِنْ أَتْلَفَ) مُحْرِمٌ أَوْ مَنْ بِالْحَرَمِ (جَزَاءً مِنْ صَيْدٍ، فَانْدَمَلَ) جُرْحُهُ، (وَهُوَ) ، أَيْ: الصَّيْدُ، (مُمْتَنِعٌ، وَلَهُ مِثْلٌ) مِنْ النَّعَمِ؛ (ضُمِنَ) الْجُزْءُ الْمُتْلَفُ (بِمِثْلِهِ مِنْ مِثْلِهِ) مِنْ النَّعَمِ (لَحْمًا) ، لِأَنَّ مَا وَجَبَ ضَمَانُ جُمْلَتِهِ بِالْمِثْلِ، وَجَبَ فِي بَعْضِهِ مِثْلُهُ كَالْمَكِيلَاتِ، (أَوْ عَدْلُهُ مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَوْمٍ) كَمَا سَبَقَ، (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ؛ (فَ) إنَّهُ يَضْمَنُهُ (بِنَقْصِهِ مِنْ قِيمَتِهِ) ، لِأَنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ بِالْقِيمَةِ، فَكَذَلِكَ أَبْعَاضُهُ، فَيُقَوَّمُ الصَّيْدُ سَلِيمًا، ثُمَّ مَجْنِيًّا عَلَيْهِ، فَيَجِبُ مَا بَيْنَهُمَا، يَشْتَرِي بِهِ طَعَامًا كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ جَنَى بِحَرَمٍ أَوْ مُحْرِمٌ عَلَى حَامِلٍ، فَأَلْقَتْ مَيِّتًا؛ ضَمِنَ نَقْصَهَا) ، أَيْ: الْإِمَامُ (فَقَطْ، كَمَا لَوْ جَرَحَهَا) ، لِأَنَّ الْحَمْلَ زِيَادَةٌ فِي الْبَهَائِمِ، (وَإِنْ وَلَدَتْهُ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ) ، ثُمَّ مَاتَ؛ (فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ) ، وَإِلَّا، فَكَالْمَيِّتِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ".

(وَمَا أُمْسِكَ) مِنْ صَيْدٍ، (فَتَلِفَ فَرْخُهُ) أَوْ وَلَدُهُ، ضَمِنَهُ، (أَوْ نَفَرَ) مِنْ صَيْدٍ، (فَتَلِفَ) حَالَ نُفُورِهِ، (وَلَوْ بِآفَةٍ) سَمَاوِيَّةٍ، (أَوْ نَقَصَ حَالَ نُفُورِهِ لَا بَعْدَهُ) ، أَيْ: إلَّا إنْ تَلِفَ، أَوْ نَقَصَ بَعْدَ أَمْنِهِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، (فَمِنْهُ) لِحُصُولِ تَلَفِهِ، أَوْ نَقْصِهِ بِسَبَبِهِ.

(وَإِنْ جَرَحَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ جُرْحًا (غَيْرَ مُوحٍ، فَغَابَ وَلَمْ يَعْلَمْ خَبَرَهُ) ضَمِنَهُ بِمَا نَقَصَهُ، (أَوْ وَجَدَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ، بَعْدَ أَنْ جَرَحَهُ (مَيِّتًا، وَلَمْ يُعْلَمْ مَوْتُهُ بِجِنَايَتِهِ، قُوِّمَ الصَّيْدُ صَحِيحًا وَجَرِيحًا غَيْرَ مُنْدَمِلٍ، ثُمَّ يُخْرَجُ بِقِسْطِهِ مِنْ مِثْلِهِ، فَإِنْ نَقَصَ رُبْعُ الْقِيمَةِ مَثَلًا، وَجَبَ إخْرَاجُ رُبْعِ مِثْلِهِ) ، أَوْ سُدُسًا أُخْرِجَ كَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ، فَعَلَ بِأَرْشَدَ مَا يُفْعَلُ بِقِيمَةِ مَا لَا مِثْلَ لَهُ، لِأَنَّهُ مُوجِبُ جِنَايَتِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ كُلُّهُ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَوْتُهُ

بِفِعْلِهِ.

(وَإِنْ وَقَعَ) صَيْدٌ جَرَحَهُ (فِي مَاءٍ) يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ، أَوْ لَا، فَمَاتَ، ضَمِنَهُ، (أَوْ تَرَدَّى) بَعْدَ، جُرْحِهِ مِنْ عُلُوٍّ (فَمَاتَ؛ ضَمِنَهُ) جَارِحُهُ، لِتَلَفِهِ بِسَبَبِهِ.

(وَإِنْ رَمَى) الْمُحْرِمُ (صَيْدًا) فَأَصَابَهُ، ثُمَّ (سَقَطَ) الْمَرْمِيُّ (عَلَى آخَرَ فَمَاتَا؛ ضَمِنَهُمَا) ، لِتَلَفِهَا بِجِنَايَتِهِ.
(فَلَوْ مَشَى مَجْرُوحٌ فَسَقَطَ عَلَى آخَرَ) فَمَاتَا، (ضَمِنَ الْمَجْرُوحَ) ، لِمَوْتِهِ بِجِنَايَتِهِ (فَقَطْ) ، أَيْ: دُونَ مَا أُسْقِطَ، لِأَنَّ سُقُوطَهُ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ.
(وَ) يَجِبُ (فِيمَا انْدَمَلَ) جُرْحُهُ مِنْ الصُّيُودِ (غَيْرَ مُمْتَنِعٍ) مِنْ قَاصِدِهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ، لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ، (أَوْ جُرِحَ) جُرْحًا (مُوحِيًا) لَا تَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ غَالِبَةٌ (جَزَاءُ جَمِيعِهِ) ، لِمَا سَبَقَ.

(وَإِنْ نَتَفَ) مُحْرِمٌ أَوْ مَنْ بِالْحَرَمِ (رِيشَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدِ، (أَوْ شَعْرَهُ أَوْ وَبَرَهُ فَعَادَ، فَلَا شَيْءَ) عَلَيْهِ (فِيهِ) ، لِزَوَالِ نَقْصِهِ، (وَإِنْ صَارَ) الصَّيْدُ بِمَا ذُكِرَ (غَيْرَ مُمْتَنِعٍ؛ فَكَجُرْحٍ مُوحٍ) صَارَ بِهِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، فَعَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ، (وَإِنْ) نَتَفَهُ (فَغَابَ، فَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ) ، فَعَلَيْهِ (مَا نَقَصَهُ) بِجِنَايَتِهِ.
(وَمَا أَتْلَفَتْهُ دَابَّتُهُ) مِنْ صَيْدٍ؛ (فَمَضْمُونٌ بِشَرْطِهِ) ، وَهُوَ: كَوْنُهُ رَاكِبَهَا أَوْ قَائِدَهَا أَوْ سَائِقَهَا لِلتَّصَرُّفِ فِيهَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُتْلِفُ آدَمِيًّا، (عَلَى مَا فَصَّلَ فِي بَابِ الْغَصْبِ) وَمَا جَنَتْ بِرِجْلِهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ كَذَنَبِهَا، بِخِلَافِ وَطْئِهَا بِهَا.

(وَعَلَى جَمَاعَةٍ اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِ صَيْدٍ) وَاحِدٍ (مَعًا) جَزَاءٌ وَاحِدٌ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
(أَوْ جَرَحَاهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ مُحْرِمَانِ، أَوْ حَلَالٌ وَمُحْرِمٌ (مُرَتَّبًا) ، بِأَنْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ (وَمَاتَ مِنْهُمَا) ، أَيْ: مِنْ الْجُرْحَيْنِ بِالسِّرَايَةِ (جَزَاءٌ وَاحِدٌ) عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْجُرْحِ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ جِهَةُ التَّحْرِيمِ فِي أَحَدِهِمَا، وَاتَّحَدَتْ فِي الْآخَرِ، (وَلَوْ كَفَّرُوا) ، أَيْ: الْجَمَاعَةُ الْمُشْتَرِكُونَ فِي قَتْلِ صَيْدٍ، (بِصَوْمٍ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْمِثْلَ أَوْ عَدْلَهُ مِنْ الصِّيَامِ،

أَوْ الطَّعَامَ بِقَتْلِهِ، فَلَا يَجِبُ غَيْرُهُ، وَلِأَنَّهُ جَزَاءٌ عَنْ مَقْتُولٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ، وَيَحْتَمِلُ التَّبْعِيضَ، فَكَانَ وَاحِدًا كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَالدِّيَةُ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، (أَوْ) أَيْ: وَلَوْ (كَانَ بَعْضُهُمْ مُمْسِكًا) لِصَيْدٍ، وَالْآخَرُ قَاتِلًا، (أَوْ) كَانَ بَعْضُهُمْ (مُتَسَبِّبًا) كَالْمُشِيرِ وَالدَّالِّ وَالْمُعِينِ، وَالْآخَرُ أَيْ: الصَّيْدُ، (أَحَدُهُمَا، وَقَتَلَهُ الْآخَرُ؛ فَعَلَى جَارِحٍ مَا نَقَصَ) ، أَيْ: أَرْشُ نَقْصِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُشَارِكْ فِي الْقَتْلِ، (وَ) عَلَى (قَاتِلٍ جَزَاؤُهُ مَجْرُوحًا) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ كَذَلِكَ، وَإِذَا قَتَلَ الْقَارِنُ صَيْدًا، فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، لِعُمُومِ الْآيَةِ.

[بَابُ صَيْدِ الْحَرَمَيْنِ وَنَبَاتِهِمَا]

(بَابُ صَيْدِ الْحَرَمَيْنِ وَنَبَاتِهِمَا) أَيْ: حَرَمُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَحُكْمُ ذَلِكَ.
(حُكْمُ صَيْدِ حَرَمِ مَكَّةَ حُكْمُ صَيْدِ الْإِحْرَامِ) فَيَحْرُمُ حَتَّى عَلَى مُحِلٍّ إجْمَاعًا، لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
. . الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيُضْمَنُ بَرِّيُّهُ بِالْجَزَاءِ نَصًّا لِمَا سَبَقَ عَنْ الصَّحَابَةِ.
وَيَدْخُلُهُ الصَّوْمُ كَصَيْدِ الْإِحْرَامِ، وَصَغِيرٌ وَكَافِرٌ كَغَيْرِهِمَا (حَتَّى فِي تَمَلُّكِهِ) ، فَلَا يَمْلِكُهُ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ إرْثٍ، (إلَّا أَنَّهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمُ (يَحْرُمُ صَيْدُ بَحْرِيِّهِ، وَلَا جَزَاءَ فِيهِ) ، أَيْ: صَيْدِ بَحْرٍ بِالْحَرَمِ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ.

(فَإِنْ قَتَلَ مُحِلٌّ مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ، كُلَّهُ أَوْ جُزْأَهُ) ، ضَمِنَهُ، لِعُمُومِ: «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» وَتَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ؛ لَا يَضْمَنُهُ مُحِلٌّ قَتَلَهُ، إنْ كَانَ بِالْحَرَمِ، (غَيْرَ قَوَائِمِهِ) ، أَيْ: الصَّيْدِ، (قَائِمًا)

كَذَنَبِهِ وَرَأْسِهِ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ قَائِمًا بِالْحِلِّ بِقَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ، لَمْ يَكُنْ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ، كَشَجَرَةٍ أَصْلُهَا بِالْحِلِّ وَأَغْصَانُهَا بِالْحَرَمِ، وَإِنْ كَانَ رَأْسُهُ أَوْ ذَنَبُهُ بِالْحَرَمِ، وَهُوَ غَيْرُ قَائِمٍ، فَقَتَلَهُ (بِسَهْمٍ أَوْ كَلْبٍ) أَوْ غَيْرِهِمَا، ضَمِنَهُ، تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ.

(أَوْ قَتَلَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ (عَلَى غُصْنٍ بِالْحَرَمِ، وَلَوْ أَنْ أَصْلِهِ بِالْحِلِّ) ، ضَمِنَهُ، لِأَنَّهُ فِي الْحَرَمِ، (أَوْ أَمْسَكَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ، (بِالْحِلِّ، فَهَلَكَ فَرْخُهُ) بِالْحَرَمِ، (أَوْ) هَلَكَ (وَلَدُهُ بِالْحَرَمِ، أَوْ أَمْسَكَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ (بِالْحِلِّ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْحَرَمَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ) مِنْ الْحَرَمِ (أَوْ لَا، وَهَلَكَ، ضَمِنَ) ذَلِكَ الصَّيْدَ (فِي الْكُلِّ) ، لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِهِ، (وَلَوْ) كَانَ الْمُتْلِفُ (كَافِرًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ عَبْدًا) ، لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ كَالْمَالِ وَأَوْلَى.
(وَيَتَّجِهُ: ضَمَانُ مَنْ غَصَبَ حَيَوَانًا فَهَلَكَ وَلَدُهُ) ، سَوَاءٌ اسْتَعْمَلَهُ أَوْ لَا، فَيَضْمَنُهُ، لِتَعَدِّيهِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لَكِنَّ الْمَنْقُولَ خِلَافُهُ، قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْكَافِي " نَقْلًا عَنْ الْقَاضِي: ضَمَانُ الصَّيْدِ آكَدُ مِنْ ضَمَانِ الْمَالِ.
. . إلَى أَنْ قَالَ: وَلَوْ أَمْسَكَهُ فَتَلِفَ فَرْخُهُ؛ ضَمِنَهُ، وَلَوْ غَصَبَهُ فَمَاتَ فَرْخُهُ؛ فَلَا ضَمَانَ لِفَرْخِهِ، وَذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَيْضًا.

(وَإِنْ قَتَلَهُ) - أَيْ: الصَّيْدَ، (فِي الْحِلِّ مُحِلٌّ بِالْحَرَمِ، وَلَوْ) كَانَ الصَّيْدُ (عَلَى غُصْنٍ) فِي هَوَاءِ الْحِلِّ، (أَصْلُهُ) ، أَيْ: الْغُصْنِ، (بِالْحَرَمِ - بِسَهْمٍ، أَوْ كَلْبٍ) أَوْ غَيْرِهِمَا، لَمْ يَضْمَنْ، (أَوْ أَمْسَكَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ حَلَالٌ (بِالْحَرَمِ، فَهَلَكَ فَرْخُهُ) بِالْحِلِّ، (أَوْ) هَلَكَ (وَلَدُهُ بِالْحِلِّ) ؛ لَمْ يَضْمَنْ، لِأَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْحِلِّ، (أَوْ أَرْسَلَ) حَلَالٌ (كَلْبَهُ مِنْ الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ بِهِ) ، أَيْ: الْحِلِّ، (فَقَتَلَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ الَّذِي كَانَ بِالْحِلِّ فِي الْحَرَمِ، (أَوْ) قَتَلَ (غَيْرَهُ) ، أَيْ: الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِ الْكَلْبُ (فِي الْحَرَمِ) ؛ لَمْ يَضْمَنْ، (أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَهْمِهِ، بِأَنْ) رَمَى مُحِلٌّ بِهِ

صَيْدًا بِالْحِلِّ فَ (شَطَحَ) السَّهْمُ (فَقَتَلَ) صَيْدًا (فِي الْحَرَمِ) ؛ لَمْ يَضْمَنْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْمِ وَلَمْ يُرْسِلْ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ بِالْحَرَمِ، وَإِنَّمَا دَخَلَ الْكَلْبُ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ، وَكَذَا سَهْمُهُ إذَا شَطَحَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، (أَوْ دَخَلَ سَهْمُهُ) ، أَيْ: الرَّامِي، لِصَيْدٍ فِي الْحِلِّ.

(أَوْ) دَخَلَ (كَلْبُهُ الْحَرَمَ، ثُمَّ خَرَجَ) مِنْهُ، (فَقَتَلَ) صَيْدًا (أَوْ جَرَحَهُ) مُحِلٌّ (بِالْحِلِّ) ، ثُمَّ دَخَلَ الصَّيْدُ الْحَرَمَ، (فَمَاتَ فِي الْحَرَمِ، لَمْ يَضْمَنْ) ، لِأَنَّ الْقَتْلَ وَالْجُرْحَ بِالْحِلِّ (كَمَا لَوْ جَرَحَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ، (ثُمَّ أَحْرَمَ، ثُمَّ مَاتَ) الصَّيْدُ فِي إحْرَامِهِ؛ فَلَا يَضْمَنُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ عَلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ، (وَلَا يَحِلُّ مَا) ، أَيْ: صَيْدٌ، (وُجِدَ لِسَبَبِ مَوْتِهِ بِالْحَرَمِ) ، تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ، كَمَا لَوْ وُجِدَ سَبَبُهُ فِي الْإِحْرَامِ، فَهُوَ مَيْتَةٌ.

[فَصْلٌ فِي قلع شَجَرَة مِنْ حرم مَكَّة]

(فَصْلٌ) (وَيَحْرُمُ قَلْعُ شَجَرِهِ) ، أَيْ: حَرَمِ مَكَّةَ الَّذِي لَمْ يَزْرَعْهُ آدَمِيٌّ إجْمَاعًا، لِقَوْلِهِ، «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا» (وَ) يَحْرُمُ قَلْعُ (حَشِيشِهِ) ، أَيْ: الْحَرَمِ، لِحَدِيثِ: «وَلَا يُحَشُّ حَشِيشُهَا» (حَتَّى الشَّوْكُ وَلَوْ ضَرَّ) ، لِعُمُومِ " لَا تُخْلَى شَوْكُهَا " (وَ) حَتَّى (الْمِسْوَاكُ وَنَحْوُهُ وَالْوَرَقُ) لِدُخُولِهِ فِي مُسَمَّى الشَّجَرِ (إلَّا الْيَابِسَ) مِنْ شَجَرٍ وَحَشِيشٍ، لِأَنَّهُ كَمَيِّتٍ، (وَ) إلَّا (الْإِذْخِرَ) ، لِقَوْلِ «الْعَبَّاسِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إلَّا الْإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ، قَالَ: إلَّا الْإِذْخِرَ» ، وَهُوَ: نَبْتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، وَالْقَيْنُ: الْحَدَّادُ.
(وَ) إلَّا (الْكَمْأَةَ وَالْفَقْعَ) ، وَهِيَ: الْبَيْضَاءُ مِنْ الْكَمْأَةِ، وَهُمَا مَعْرُوفَانِ، لِأَنَّهُمَا لَا أَصْلَ لَهُمَا، (وَ) إلَّا (الثَّمَرَةَ) ، لِأَنَّهَا سَتُخْلَقُ، (وَ) إلَّا (مَا زَرَعَهُ آدَمِيٌّ مِنْ نَحْوِ بَقْلٍ وَرَيَاحِينَ وَزَرْعٍ) ، إجْمَاعًا نَصًّا (حَتَّى مِنْ الشَّجَرِ) ، لِأَنَّهُ أَنْبَتَهُ آدَمِيٌّ،

كَزَرْعٍ وَعَوْسَجٍ، (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: مَا زَرَعْته أَنْتَ؛ فَلَا بَأْسَ) ، أَيْ: فَيُبَاحُ أَخْذُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ، لِأَنَّهُ مَمْلُوكُ الْأَصْلِ كَالْأَنْعَامِ، (وَمَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ؛ فَلَا) يُبَاحُ أَخْذُهُ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ.

(وَيُبَاحُ رَعْيُ حَشِيشِهِ) ، أَيْ: الْحَرَمِ، لِأَنَّ الْهَدَايَا كَانَتْ تَدْخُلُ الْحَرَمَ، فَتَكْثُرُ فِيهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ سَدُّ أَفْوَاهِهَا، وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، أَشْبَهَ قَطْعَ الْإِذْخِرِ، بِخِلَافِ الِاحْتِشَاشِ لَهَا.

(وَ) يُبَاحُ (انْتِفَاعٌ بِمَا زَالَ) مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ، (أَوْ انْكَسَرَ) مِنْهُ (بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ) نَصًّا، (وَلَوْ لَمْ يَبْنِ) ، أَيْ: يَنْفَصِلُ لِتَلَفِهِ، فَصَارَ كَالظُّفْرِ الْمُنْكَسِرِ، (وَ) إنْ انْكَسَرَ (بِفِعْلِهِ) ، أَيْ: الْآدَمِيِّ، فَإِنَّهُ (يَحْرُمُ انْتِفَاعٌ بِهِ مُطْلَقًا) ، أَيْ: لَا يَنْتَفِعُ بِهِ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إتْلَافِهِ، لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ.
(وَتُضْمَنُ شَجَرَةٌ) قُلِعَتْ أَوْ كُسِرَتْ (صَغِيرَةٌ عُرْفًا بِشَاةٍ، وَ) يُضْمَنُ (مَا فَوْقَهَا) ، أَيْ: الصَّغِيرَةُ مِنْ الشَّجَرِ، وَهِيَ: الْمُتَوَسِّطَةُ وَالْكَبِيرَةُ، (بِبَقَرَةٍ) ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «فِي الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ، وَفِي الْجَزْلَةِ شَاةٌ» وَقَالَهُ عَطَاءٌ.
وَالدَّوْحَةُ: الشَّجَرَةُ الْعَظِيمَةُ، وَالْجَزْلَةُ: الصَّغِيرَةُ، (وَيُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ) ، أَيْ: الشَّاةِ أَوْ الْبَقَرِ، فَيَذْبَحُهَا وَيُفَرِّقُهَا أَوْ يُطْلِقُهَا لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، (وَبَيْنَ تَقْوِيمِ) مَا ذُكِرَ مِنْ (الْجَزَاءِ) بِدَرَاهِمَ، (وَيَفْعَلُ بِقِيمَتِهِ كَجَزَاءِ صَيْدٍ) ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ، فَيُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ يَصُومُ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا، (وَ) يُضْمَنُ (حَشِيشٌ وَوَرَقٌ بِقِيمَتِهِ) نَصًّا، لِأَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ، وَيَفْعَلُ بِقِيمَتِهِ كَمَا سَبَقَ، (وَ) يُضْمَنُ (غُصْنٌ بِمَا نَقَصَ) كَأَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ، وَكَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مَالِ آدَمِيٍّ، فَنَقَصَ، وَيَفْعَلُ بِأَرْشِهِ كَمَا مَرَّ، (فَإِنْ اُسْتُخْلِفَ شَيْءٌ مِنْهَا) ، أَيْ: الْحَشِيشُ وَالْوَرَقُ وَالشَّجَرُ وَنَحْوُهُ؛ (سَقَطَ ضَمَانُهُ) كَرِيشِ صَيْدٍ نَتَفَهُ وَعَادَ، (كَرَدِّ شَجَرَةٍ، فَثَبَتَتْ وَيُضْمَنُ نَقْصُهَا) ، أَيْ: الْمَرْدُودَةِ (إنْ كَانَ) لِتَسَبُّبِهِ فِيهِ.

(وَ) لَوْ قَلَعَ شَجَرَةً، ثُمَّ (غَرَسَهَا فِي الْحِلِّ، وَتَعَذَّرَ رَدُّهَا، أَوْ يَبِسَتْ؛ ضَمِنَهَا) لِإِتْلَافِهَا، (فَلَوْ قَلَعَهَا) ، أَيْ: الْمَنْقُولَةَ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ (غَيْرُهُ مِنْ الْحِلِّ) بَعْدَ أَنْ غَرَسَهَا قَالِعُهَا مِنْ الْحَرَمِ؛ (ضَمِنَهَا) ذَلِكَ (الْغَيْرُ) ، وَهُوَ قَالِعُهَا مِنْ الْحِلِّ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَحْدَهُ، بَدَلُ الْغَيْرِ، لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا.
(وَيَتَّجِهُ) : مَحَلُّ ضَمَانِ قَالِعِهَا مِنْ الْحِلِّ (مَعَ إمْكَانِ رَدِّهَا) مِنْ الْحَرَمِ (لَا بِدُونِهِ) ، أَيْ: لَا بِدُونِ إمْكَانِ الرَّدِّ، (وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّهُ) يُبَاحُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ (يَنْتَفِعَ بِهَا إذَنْ) ، لِتَعَذُّرِ رَدِّهَا، كَذَا قَالَ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِيهِ مَا فِيهِ، إذْ حُرْمَةُ الشَّجَرَةِ بَاقِيَةٌ لَا تَزُولُ بِنَقْلِهَا لِغَيْرِ مَحَلِّهَا، وَغَرَسَهَا فِيهِ، فَمَنْ قَلَعَهَا؛ لَزِمَهُ جَزَاؤُهَا، وَاَلَّذِي غَرَسَهَا خَارِجَ الْحَرَمِ، قَدْ عَرَّضَهَا لِلتَّلَفِ؛ فَيَكُونُ ضَامِنًا لَهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ، لَكِنْ لَمَّا اجْتَمَعَ السَّبَبُ وَالْمُبَاشَرَةُ، قُدِّمَتْ الْمُبَاشَرَةُ لِقُوَّتِهَا، فَإِنْ كَانَ مَنْ قَلَعَهَا مِنْ الْحَرَمِ، وَغَرَسَهَا خَارِجَهُ، قَدْ أَخْرَجَ جَزَاءَهَا، فَقَلَعَهَا غَيْرُهُ مِنْ الْحِلِّ؛ لَزِمَ الثَّانِيَ جَزَاءٌ آخَرُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّجَرِ وَالطَّيْرِ: أَنَّ الشَّجَرَ لَهُ نَبَاتٌ فِي مَوْضِعِهِ، لَا يُنْقَلُ بِنَفْسِهِ، فَحُرْمَتُهُ لَا تَزُولُ عَنْهُ، وَالصَّيْدُ حُرْمَتُهُ بَاقِيَةٌ مَا دَامَ فِي الْحَرَمِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ زَالَتْ حُرْمَتُهُ، لِأَنَّ لَهُ اخْتِيَارًا فِي الْحَرَكَةِ، بِخِلَافِ الشَّجَرِ، أَفَادَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ وَغَيْرُهُ.

(وَيَضْمَنُ مُنَفِّرٌ صَيْدًا) مِنْ الْحَرَمِ (قُتِلَ بِالْحِلِّ) ، لِتَفْوِيتِهِ حُرْمَتَهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى قَاتِلِهِ بِالْحِلِّ.

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل