مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
غَرِمَ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَهَذَا يُعْطِي أَنَّ أَحْمَدَ جَعَلَ ضَمَانَ مَعْرِفَتِهِ تَوْثِقَةً لِمَنْ لَهُ الْمَالُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: ضَمِنْتُ لَكَ حُضُورَهُ مَتَى حَضَرْتَ كَأَنَّكَ أَنْتَ لَا تَعْرِفُهُ وَلَا يُمْكِنُكَ إحْضَارُ مَنْ لَا تَعْرِفُهُ فَأَنَا أَعْرِفُهُ فَأُحْضِرُهُ لَكَ مَتَى أَرَدْتَ فَصَارَ كَقَوْلِهِ تَكَفَّلْتُ بِبَدَنِهِ.
انْتَهَى.
فَطَالَبَ ضَامِنَ الْمَعْرِفَةِ بِإِحْضَارِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ مَعَ حَيَاتِهِ؛ لَزِمَهُ لِمَنْ ضَمِنَ مَعْرِفَتَهُ لَهُ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى فَإِنْ قِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أُخِذَ بِهِ؛ أَيْ: بِدَلِّ رَبِّ الدَّيْنِ عَلَى اسْمِهِ وَمَكَانِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ.
الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَقَالَ الْإِمَامُ أُمِرَ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ، أَوْ قَالَ أُخِذَ بِمَعْرِفَتِهِ، وَقَالَ كُلِّفَ تَعْرِيفَهُ، وَفِي قَوْلِهِ أُخِذَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ ذَلِكَ.
الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَاسْتَغْنَى رَبُّ الدَّيْنِ؛ بِسُؤَالِهِ عَنْ نِسْبَةِ الْمُسْتَدِينِ وَمَكَانِهِ وَإِنْ ارْتَابَ فِي صِحَّةِ قَوْلِهِ حَصَلَ زَوَالُ الرِّيبَةِ بِصِدْقِهِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ مَعْرِفَتِهِ.
الثَّالِثُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ضَمَانِ الْمَعْرِفَةِ التَّوَثُّقُ، فَإِنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِرَبِّ الدَّيْنِ أَنْ يُنْسَبَ لَهُ أَوْ يُذْكَرَ لَهُ أَنَّهُ سَاكِنٌ بِمَحَلَّةِ كَذَا، وَلَوْ مَعَ غَنَائِهِ، مَعَ غَيْبَتِهِ وَغَيْبَةِ مَالِهِ الرَّاجِحُ أَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ ضَمِنَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَالتَّعْرِيفُ قَادِرٌ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ طُلِبَ مِنْهُ، إمَّا بِلَفْظِهِ أَوْ بِكِتَابَتِهِ، أَوْ إشَارَتِهِ إنْ عَرَضَ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ التَّلَفُّظِ انْتَهَى.
(فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ) مَنْ هُوَ وَأَيْنَ هُوَ؛ (ضَمِنَ) مَا عَلَيْهِ، وَإِنْ عَرَّفَهُ ذَلِكَ؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِ
أَنْ يُحْضِرَهُ.
هَذَا تَتِمَّةُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ، فَرَّعَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى اخْتِيَارِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا فِيهِ.
(وَتَصِحُّ) الْكَفَالَةُ (بِبَدَنِ مَنْ عِنْدَهُ عَيْنٌ مَضْمُونَةٌ أَوْ أَمَانَةٌ) أَوْ عَارِيَّةٌ أَوْ غَصْبٌ، (وَكَفَلَهُ فِي التَّعَدِّي، أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) وَجَبَ أَوْ يَجِبُ غَيْرُ جِزْيَةٍ وَدَيْنِ سَلَمٍ، وَتَصِحُّ بِبَدَنِ كُلِّ مَنْ يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ لِمَجْلِسِ الْحُكْمِ (وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، وَيَحْضُرَانِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا) بِالْإِتْلَافِ، وَبِبَدَنِ مَحْبُوسٍ وَغَائِبٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَثِيقَةٍ صَحَّتْ مَعَ الْإِطْلَاقِ وَالْحُضُورِ؛ صَحَّتْ مَعَ الْحَبْسِ وَالْغَيْبَةِ؛ كَالدَّيْنِ وَضَمَانِ الْمَالِ.
وَ (لَا) تَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ (حَدٌّ) لِلَّهِ؛ كَحَدِّ الزِّنَا أَوْ لِآدَمِيٍّ؛ كَحَدِّ قَذْفٍ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ» وَلِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْإِسْقَاطِ وَالدَّرْءِ بِالشُّبْهَةِ، فَلَا يَدْخُلُهُ الِاسْتِيثَاقُ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ الْجَانِي (أَوْ) عَلَيْهِ (قِصَاصٌ) ؛ فَلَا تَصِحُّ كَفَالَتُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَدِّ (وَلَا بِزَوْجَةٍ) لِزَوْجِهَا فِي حَقِّ الزَّوْجِيَّةِ لَهُ عَلَيْهَا، (وَ) لَا (بِشَاهِدٍ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِمَا لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْكَفِيلِ، وَلَا بِمُكَاتَبٍ لِدَيْنِ كِتَابَةٍ؛ لِأَنَّ الْحُضُورَ لَا يَلْزَمُهُ؛ إذْ لَهُ تَعْجِيزُ نَفْسِهِ، وَلَا وَلَدٍ بِوَالِدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إحْضَارُهُ لِمَجْلِسِ الْحُكْمِ؛ (وَلَا إلَى أَجَلٍ أَوْ بِشَخْصٍ مَجْهُولِينَ) ، أَمَّا عَدَمُ صِحَّتِهَا إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ؛ فَلِأَنَّ الْمَكْفُولَ لَهُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ فِيهِ، وَأَمَّا عَدَمُ صِحَّتِهَا بِشَخْصٍ مَجْهُولٍ؛ فَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ؛ فَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ، بِخِلَافِ ضَمَانِ دَيْنٍ مَجْهُولٍ يَئُولُ إلَى الْعِلْمِ، (وَلَوْ فِي ضَمَانٍ؛ كَإِلَى مَجِيءِ الْمَطَرِ وَهُبُوبِ الرِّيحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ يُسْتَحَقُّ طَلَبٌ فِيهِ) .
(وَكَذَا) لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ (لِحَصَادٍ وَجُذَاذٍ وَعَطَاءٍ) ؛ لِلْجَهَالَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، (وَفِي الْإِقْنَاعِ كَالْمُغْنِي " وَالشَّرْحِ " وَالْأَوْلَى صِحَّتُهُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِلَا عِوَضٍ) جَعَلَ لَهُ أَجَلًا لَا يَمْنَعُ حُصُولَ الْمَقْصُودِ مِنْهُ؛ فَصَحَّ؛ كَالنَّذْرِ، وَهَكَذَا
كُلُّ مَجْهُولٍ لَا يَمْنَعُ مَقْصُودَ الْكَفَالَةِ.
(وَإِنْ كَفَلَ) رَشِيدٌ (بِجُزْءٍ مُشَاعٍ) ؛ كَثُلُثِ مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ وَرُبُعِهِ، (أَوْ) كَفَلَ (بِعُضْوٍ) مِنْهُ ظَاهِرًا؛ كَرَأْسِهِ وَيَدِهِ، (وَيَتَّجِهُ) أَوْ كَانَ الْعُضْوُ جِسْمًا بَاطِنًا؛ كَقَلْبِهِ أَوْ كَبِدِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ (كَرُوحِهِ أَوْ نَفْسِهِ) ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إحْضَارُهُ إلَّا بِإِحْضَارِ الْكُلِّ.
وَالنَّفْسُ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الذَّاتِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ) تَكَفَّلَ (بِشَخْصٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَ بِهِ) فَقَدْ بَرِئَ (وَإِلَّا) يَجِئْ بِهِ (فَهُوَ كَفِيلٌ بِآخَرَ) مُعَيَّنٍ، (أَوْ) فَهُوَ (ضَامِنٌ مَا عَلَيْهِ) مِنْ الْمَالِ؛ لِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الْكَفَالَةِ وَالضَّمَانِ عَلَى شَرْطٍ؛ كَضَمَانِ الْعُهْدَةِ، (أَوْ) قَالَ (إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَأَنَا كَفِيلٌ بِزَيْدٍ شَهْرًا؛ صَحَّ) ذَلِكَ (وَ) الْمَسْأَلَةُ (الْأُخْرَى جَمَعَتْ تَعْلِيقًا وَتَوْقِيتًا) وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ مَعَ الِانْفِرَادِ، فَكَذَا مَعَ الِاجْتِمَاعِ.
(وَيَبْرَأُ) مَنْ كَفَلَ شَهْرًا أَوْ نَحْوَهُ (إنْ لَمْ يُطَالِبْ) مَكْفُولٌ لَهُ بِإِحْضَارِهِ (فِيهِ) ؛ أَيْ: الشَّهْرِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمُضِيِّهِ لَا يَكُونُ كَفِيلًا، وَأَمَّا تَوْقِيتُ الضَّمَانِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، لَكِنْ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " وَإِنْ عَلَّقَ الضَّمَانَ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ؛ صَحَّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " " وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " " وَالْمُنَوِّرِ " وَغَيْرِهِمَا، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ " وَصَاحِبُ " الْفَائِقِ " وَأَبُو الْخَطَّابِ وَالشَّرِيفُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَغَيْرُهُمْ.
(وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ) الْكَفَالَةِ (بِسَبَبِ الْحَقِّ) ؛ كَالْعُهْدَةِ وَالدَّرَكِ وَمَا لَمْ يَجِبْ وَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُهُ (بِلَا نِزَاعٍ) فِي ذَلِكَ (كَإِنْ أَقْرَضْتَ فُلَانًا كَذَا فَضَمَانُهُ عَلَيَّ، أَوْ) يَقُولُ (وَأَنَا كَفِيلٌ) بِهِ، (وَ) إنْ قَالَ: (أَبْرِئْ الْكَفِيلَ وَأَنَا كَفِيلٌ؛ فَسَدَ الشَّرْطُ) ، وَهُوَ قَوْلُهُ أَبْرِئْ الْكَفِيلَ؛ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ أَنَا كَفِيلٌ بِبَدَنِ فُلَانٍ إنْ أَبْرَأْتَ فُلَانًا الْكَفِيلَ؛ (فَيَفْسُدُ عَقْدُ الْكَفَالَةِ) لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ) لَوْ أَجَابَهُ لِمَا سَأَلَهُ وَأُبْرِئَ الْكَفِيلُ، ثُمَّ امْتَنَعَ السَّائِلُ مِنْ الْكَفَالَةِ؛
يَفْسُدُ الْعَقْدُ، (وَتَصِحُّ الْبَرَاءَةُ) ، لَكِنْ نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ: لَا يَبْرَأُ مَكْفُولٌ بِهَذِهِ الْبَرَاءَةِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ إنَّمَا أَبْرَأَهُ اعْتِمَادًا عَلَى صِدْقِ السَّائِلِ، (وَكَذَا كَفَلْتُ أَوْ ضَمِنْتُ فُلَانًا عَلَى أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ كَفَالَةِ فُلَانٍ) الْآخَرِ (أَوْ) مِنْ (ضَمَانِهِ، أَوْ) قَالَ: ضَمِنْتُ لَكَ (هَذَا الدَّيْنَ عَلَى أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ) ضَمَانِ الدَّيْنِ (الْآخَرِ) ، أَوْ قَالَ: ضَمِنْتُ لَكَ هَذَا الْمَدِينَ عَلَى أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ الْكَفَالَةِ بِفُلَانٍ؛ فَيَفْسُدُ الشَّرْطُ وَالْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطُ فَسْخٍ فِي عَقْدٍ؛ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ فَسْخِ بَيْعٍ آخَرَ، (وَكَذَا لَوْ شَرَطَ فِي كَفَالَةٍ وَضَمَانٍ أَنْ يَتَكَفَّلَ الْمَكْفُولَ لَهُ أَوْ الْمَكْفُولَ بِهِ آخَرُ) ؛ بِأَنْ قَالَ: أَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ عَلَى أَنْ يَتَكَفَّلَ لِي بِفُلَانٍ أَوْ يَضْمَنَهُ لِي، أَوْ أَنَا ضَامِنٌ مَا عَلَى فُلَانٍ عَلَى أَنْ يَتَكَفَّلَ لِي بِفُلَانٍ أَوْ يَضْمَنَهُ لِي (أَوْ) كَفَلَ؛ أَوْ ضَمِنَ عَلَى أَنْ (يَضْمَنَ) الْمَكْفُولُ بِهِ أَوْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ (دَيْنًا عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى الْكَفِيلِ أَوْ الضَّامِنِ، (أَوْ) ضَمِنَ أَوْ كَفَلَ عَلَيَّ (بِبَيْعِهِ) الْمَكْفُولَ بِهِ أَوْ الْمَضْمُونَ عَنْهُ شَيْئًا عَيَّنَهُ الْكَفِيلُ أَوْ الضَّامِنُ، (أَوْ) عَلَى أَنْ (يُؤَجِّرَهُ كَذَا) ؛ أَيْ: دَارِهِ مَثَلًا، أَوْ عَلَى أَنْ يَهَبَهُ كَذَا؛ فَلَا يَصِحُّ الضَّمَانُ وَلَا الْكَفَالَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ كَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
[فَصْلٌ سَلَّمَ كَفِيلٌ مَكْفُولًا بِهِ لِمَكْفُولٍ لَهُ]
(فَصْلٌ: وَمَتَى سَلَّمَ كَفِيلٌ مَكْفُولًا) بِهِ لِمَكْفُولٍ لَهُ، (وَلَوْ لَمْ يَقُلْ) : بَرِئْتُ إلَيَّ مِنْهُ أَوْ قَدْ (أَسْلَمْتُ) أَوْ قَدْ أَخْرَجْتُ نَفْسِي مِنْ كَفَالَتِهِ (بِمَحَلِّ عَقْدٍ)
إنْ عَيَّنَ مَحَلَّ الْعَقْدِ، أَوْ وَقَعَتْ الْكَفَالَةُ مُطْلَقَةً؛ بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ فِيهَا مَوْضِعَ التَّسْلِيمِ (لَا بِغَيْرِهِ) ، فَإِنْ سَلَّمَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْعَقْدِ وَمَوْضِعِ شَرْطِهِ؛ لَمْ يَبْرَأْ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْحَقِّ قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى إثْبَاتِ الْحُجَّةِ فِيهِ لِغَيْبَةِ نَحْوِ شُهُودِهِ، (إلَّا إنْ عَيَّنَ) غَيْرَ مَحَلِّ الْعَقْدِ فَيَتَعَيَّنُ - (وَقَدْ حَلَّ أَجَلُ كَفَالَةٍ إنْ كَانَ) عَقْدُهَا مُؤَجَّلًا - بَرِئَ الْكَفِيلُ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ عَقْدٌ عَلَى عَمَلٍ فَبَرِئَ مِنْهُ بِعَمَلِهِ؛ كَالْإِجَارَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ أَوْ لَا؛ كَمَا لَوْ حَضَرَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ فِي مَحَلِّ الْعَقْدِ، (أَوْ لَا) ؛ أَيْ: أَوْ سَلَّمَهُ وَلَمْ يَحِلَّ أَجَلُ الْكَفَالَةِ؛ بِأَنْ كَانَتْ مُؤَجَّلَةً إلَى رَمَضَانَ مَثَلًا، فَسَلَّمَهُ فِي رَجَبٍ - (وَلَا ضَرَرَ) عَلَى مَكْفُولٍ لَهُ (فِي قَبْضِ مَكْفُولٍ) - بَرِئَ كَفِيلٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَادَ خَيْرًا بِتَعْجِيلِ حَقِّهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ (مِنْ غَيْبَةِ بَيِّنَةٍ أَوْ تَأْجِيلِ دَيْنٍ) لَا يُمْكِنُ اقْتِضَاؤُهُ مِنْهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ مَجْلِسِ الْحُكْمِ؛ لَمْ يَبْرَأْ كَفِيلٌ، (وَلَيْسَ ثَمَّ) - بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ - (يَدٌ حَائِلَةٌ) بَيْنَ رَبِّ الْحَقِّ وَالْمَكْفُولِ (ظَالِمَةً) ، فَإِنْ كَانَتْ لَمْ يَبْرَأْ الْكَفِيلُ؛ لِأَنَّهُ كَلَا تَسْلِيمٍ، (أَوْ سَلَّمَ مَكْفُولٌ نَفْسَهُ) لِرَبِّ الْحَقِّ (بِمَحَلِّ عَقْدٍ) ؛ بَرِئَ الْكَفِيلُ؛ لِأَنَّ الْأَصِيلَ أَدَّى مَا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَضَى مَضْمُونٌ عَنْهُ الدَّيْنَ، (أَوْ مَاتَ) الْمَكْفُولُ؛ بَرِئَ الْكَفِيلُ، سَوَاءٌ تَوَانَى الْكَفِيلُ فِي تَسْلِيمِهِ حَتَّى مَاتَ أَوْ لَا؛ لِسُقُوطِ الْحُضُورِ عَنْهُ بِمَوْتِهِ، (أَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ الْأَمَانَةُ) الَّتِي تَكَفَّلَ بِبَدَنِ مَنْ هِيَ عِنْدَهُ (بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى) .
وَيَتَّجِهُ (أَوْ ضَاعَتْ) الْأَمَانَةُ (بِلَا تَقْصِيرٍ) فِي حِفْظِهَا.
.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(قَبْلَ طَلَبٍ؛ بَرِئَ كَفِيلٌ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِ الْمَكْفُولِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِتَلَفِهَا بَعْدَ طَلَبِهِ بِهَا، وَلَا بِتَلَفِهَا بِفِعْلِ آدَمِيٍّ، وَلَا بِغَصْبِهَا، (وَيَسْتَرِدُّ الْكَفِيلُ مَا دَفَعَهُ إنْ ثَبَتَ مَوْتُ مَكْفُولٍ قَبْلَ غُرْمِهِ) ؛ أَيْ: الْكَفِيلِ مَا عَلَى الْمَكْفُولِ؛ لِظُهُورِ بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ بِمَوْتِ الْمَكْفُولِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَخْذَ مِنْهُ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى مَكْفُولٍ بَعْدَ أَدَائِهِ عَنْهُ
مَا لَزِمَهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ فِي رُجُوعِهِ عَلَيْهِ كَضَامِنٍ، وَأَنَّهُ يُسَلِّمُهُ إلَى الْمَكْفُولِ لَهُ، ثُمَّ يَسْتَرِدُّ مَا أَدَّاهُ، بِخِلَافِ مَغْصُوبٍ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ مَعَ بَقَائِهِ؛ لِامْتِنَاعِ بَيْعِهِ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ " (وَكَذَا لَوْ تَلِفَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ عَيْنٌ مَضْمُونَةٌ) ؛ كَعَارِيَّةٍ وَنَحْوِهَا (تَكَفَّلَ بِإِحْضَارِهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِ الْمَكْفُولِ بِهِ، صَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " (لَا إنْ مَاتَ كَفِيلٌ) ؛ أَيْ: لَا يَبْرَأُ بِمَوْتِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ مَا كَفَلَ بِهِ حَيْثُ تَعَذَّرَ إحْضَارُ مَكْفُولٍ بِهِ؛ كَمَا لَوْ مَاتَ الضَّامِنُ، (وَ) لَا يَبْرَأُ كَفِيلٌ بِمَوْتِ (مَكْفُولٍ لَهُ) ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ أَحَدُ نَوْعَيْ الضَّمَانِ، فَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ مَكْفُولٍ لَهُ كَالضَّمَانِ، (وَوَارِثُ كَفِيلٍ كَهُوَ فِي إحْضَارِ مَكْفُولٍ) ، فَيَلْزَمُهُ إحْضَارُهُ أَوْ دَفْعُ مَا عَلَيْهِ مِنْ تَرِكَةِ الْكَفِيلِ، مَا لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، وَيُوَثَّقُ مَكْفُولٌ لَهُ بِرَهْنٍ يُحْرَزُ.
أَوْ كَفِيلٍ مَالِيٍّ، (وَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى كَفِيلٍ (إحْضَارُهُ) ؛ أَيْ: الْمَكْفُولِ (مَعَ حَيَاتِهِ) بِأَنْ تَوَارَى، (أَوْ غَابَ) عَنْ الْبَلَدِ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا (غَيْبَةً تُعْلَمُ) أَخْبَارُهُ، (وَلَوْ) كَانَتْ غَيْبَتُهُ (مُنْقَطِعَةً) ؛ كَمَا لَوْ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِدَارِ حَرْبٍ مُقِيمًا.
هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، (خِلَافًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ حَيْثُ قَالَ: غَيْبَةً تُعْلَمُ غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ (وَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ) كَفِيلًا (رَدُّهُ) ؛ أَيْ: الْمَكْفُولِ (فِيهِ، أَوْ مَضَى زَمَنٌ عَيَّنَهُ) كَفِيلٌ (لِإِحْضَارِهِ) ؛ أَيْ: الْمَكْفُولِ (فِيهِ) ؛ أَيْ: الزَّمَنِ؛ (كَقَوْلِ) كَفِيلٍ (كَفَلْتُهُ عَلَى أَنْ أُحْضِرَهُ) لَكَ (غَدًا، فَمَضَى) الْغَدُ (وَلَمْ يُحْضِرْهُ؛ ضَمِنَ) الْكَفِيلُ (مَا عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمَكْفُولِ نَصًّا، (وَلَوْ أَحْضَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ) ؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْمَالُ بِإِحْضَارِهِ؛ بَعْدَ الْوَقْتِ الْمُسَمَّى، قَالَهُ فِي شَرْحِهِ؛ (كَمَا لَوْ غَابَ) الْمَكْفُولُ (غَيْبَتَهُ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ خَبَرٌ؛ فَيَلْزَمُ الْكَفِيلَ) ؛ أَيْ: يُلْزِمُهُ الْحَاكِمُ (بِمَا عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمَكْفُولِ (بِلَا مُهْلَةٍ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، (إلَّا إذَا شَرَطَ) الْكَفِيلُ (الْبَرَاءَةَ مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِمَّا عَلَى الْمَكْفُولِ (إنْ عَجَزَ) عَنْ إحْضَارِهِ، (أَوْ) شَرَطَ الْكَفِيلُ (أَنْ لَا مَالَ عَلَيْهِ بِتَلَفِ عَيْنٍ مَكْفُولٍ بِهَا) بِفِعْلِ آدَمِيٍّ أَوْ هَرَبِهِ وَنَحْوِهِ، (وَأَفْتَى ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ بِعَدَمِ بَرَاءَةِ كَفِيلٍ بِمَوْتِ مَكْفُولٍ مَعَ شَرْطِ الْقِيَامِ بِمَا عَلَيْهِ، أَوْ عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ) .
قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَلَوْ قَالَ فِي الْكَفَالَةِ: إنْ عَجَزْتُ عَنْ إحْضَارِهِ أَوْ مَتَى عَجَزْتُ عَنْ إحْضَارِهِ كَانَ عَلَيَّ الْقِيَامُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، فَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: لَمْ يَبْرَأْ بِمَوْتِ الْمَكْفُولِ، وَلَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ، قَالَ: وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَأَفْتَيْتُ فِيهَا بِلُزُومِ الْمَالِ.
(وَالسَّجَّانُ كَالْكَفِيلِ) عَلَيْهِ إحْضَارُ الْخَصْمِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ؛ ضَمِنَ مَا عَلَيْهِ، (أَطْلَقَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَتَبِعَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " (وَقَيَّدَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ) ، فَقَالَ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَالْوَكِيلِ يُجْعَلُ فِي حِفْظِ الْغَرِيمِ (إنْ هَرَبَ مَنْ فِي السِّجْنِ؛ بِتَفْرِيطِهِ) ؛ لَزِمَهُ إحْضَارُهُ، وَإِلَّا فَلَا؛ (وَكَذَا رَسُولُ الشَّرْعِ وَنَحْوُهُ) مِمَّنْ هُوَ وَكِيلٌ عَلَى بَدَنِ الْغَرِيمِ بِمَنْزِلَةِ كَفِيلِ الْبَدَنِ، فَإِنْ هَرَبَ غَرِيمٌ مِنْهُ فَعَلَيْهِ إحْضَارُهُ، أَوْ يَغْرَمُ مَا عَلَيْهِ عَلَى الْأَوَّلِ مُطْلَقًا وَعَلَى الثَّانِي إنْ كَانَ بِتَفْرِيطِهِ؛ لَزِمَهُ إحْضَارُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَإِذَا طَالَبَ كَفِيلٌ مَكْفُولًا بِهِ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ) لِيُسَلِّمَهُ لِغَرِيمِهِ وَيَبْرَأَ مِنْهُ؛ لَزِمَهُ الْحُضُورُ، (أَوْ) طَالَبَ (ضَامِنٌ مَضْمُونًا بِتَخْلِيصِهِ مِنْ ضَمَانِهِ بِتَوْفِيَةِ الْحَقِّ) إلَى رَبِّهِ؛ (لَزِمَهُ) ؛ أَيْ: الْمَكْفُولُ أَوْ الْمَضْمُونُ، (وَطُولِبَ) كَفِيلٌ أَوْ ضَامِنٌ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ ذِمَّتَهُ مِنْ أَجَلِهِ بِإِذْنِهِ، فَلَزِمَهُ تَخْلِيصُهَا؛ كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ عَبْدَهُ، فَرَهَنَهُ بِإِذْنِهِ، ثُمَّ طَالَبَهُ سَيِّدُهُ بِفَكِّهِ، (وَيَكْفِي فِي) الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهِيَ مَسْأَلَةُ (الْكَفَالَةِ أَحَدُهُمَا) ؛ أَيْ: الْإِذْنُ أَوْ مُطَالَبَةُ رَبِّ الدَّيْنِ الْكَفِيلَ، أَمَّا مَعَ الْإِذْنِ فَلِمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا مَعَ الْمُطَالَبَةِ؛ فَلِأَنَّ حُضُورَ الْمَكْفُولِ حَقٌّ لِلْمَكْفُولِ لَهُ - وَقَدْ اسْتَنَابَ الْكَفِيلَ فِي ذَلِكَ بِمُطَالَبَتِهِ بِهِ - أَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِالْوَكَالَةِ.
(وَمَنْ كَفَلَهُ اثْنَانِ) مَعًا أَوْ لَا، (فَسَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا بِمَا لَمْ يُبْرِئْ الْآخَرَ) ، لِإِحْلَالِ إحْدَى الْوَثِيقَتَيْنِ بِلَا اسْتِيفَاءٍ، فَلَا تَنْحَلُّ الْأُخْرَى؛ كَمَا لَوْ أَبْرَأَ أَحَدَهُمَا أَوْ انْفَكَّ أَحَدُ الرَّهْنَيْنِ بِلَا قَضَاءٍ، (وَإِنْ أَسْلَمَ) مَكْفُولٌ (نَفْسَهُ بَرِئَ) ؛ أَيْ: الْكَفِيلَانِ
لِأَدَاءِ الْأَصْلِ مَا عَلَيْهِمَا، (وَإِنْ كَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَكْفُولَيْنِ) الْأَوْلَى كَفِيلَيْنِ.
فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ ارْتَكَبَ مَجَازَ الْأَوَّلِ، لِشَخْصٍ (آخَرَ فَأَحْضَرَ) هَذَا الْآخَرُ (الْمَكْفُولَ) بِهِ؛ أَيْ: مَكْفُولَ مَكْفُولِهِ (بَرِئَ) مَنْ أَحْضَرَهُ (هُوَ وَمَنْ تَكَفَّلَ بِهِ) مِنْ الْكَفِيلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا عَلَيْهِمَا؛ كَمَا لَوْ سَلَّمَهُ مَنْ تَكَفَّلَ بِهِ (فَقَطْ) ؛ أَيْ: دُونَ الْكَفِيلِ الثَّانِي وَكَفِيلِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ تَكَفَّلَ ثَلَاثَةٌ بِوَاحِدٍ وَكُلٌّ مِنْهُمْ بِصَاحِبِهِ؛ صَحَّ، وَمَتَى سَلَّمَهُ أَحَدُهُمْ؛ بَرِئَ هُوَ وَصَاحِبَاهُ مِنْ كَفَالَتِهِمَا بِهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ لَهُمَا وَهُمَا فَرْعَانِ لَهُ، وَيَبْقَى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْكَفَالَةُ بِالْمَدِينِ؛ لِأَنَّهُمَا أَصْلَانِ فِيهَا.
(وَمَنْ كَفَلَ لِاثْنَيْنِ فَأَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا) مِنْ الْكَفَالَةِ، أَوْ سَلَّمَ الْمَكْفُولَ بِهِ لِأَحَدِهِمَا؛ (لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْآخَرِ) ؛ لِبَقَاءِ حَقِّهِ؛ كَمَا لَوْ ضَمِنَ دَيْنًا لِاثْنَيْنِ فَوَفَّى أَحَدُهُمَا.
(وَإِنْ كَفَلَ الْكَفِيلَ) شَخْصٌ (آخَرُ وَ) كَفَلَ (الْآخَرُ آخَرَ) وَهَكَذَا؛ (أُبْرِئَ كُلٌّ) مِنْ الْكُفَلَاءِ (بِبَرَاءَةِ مَنْ قَبْلَهُ) ، فَيَبْرَأُ الثَّانِي بِبَرَاءَةِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثُ بِبَرَاءَةِ الثَّانِي، وَهَكَذَا؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ، (وَلَا عَكْسَ) ، فَلَا يَبْرَأُ وَاحِدٌ بِبَرَاءَةِ مَنْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُهُ؛ (كَضَمَانٍ، لَكِنْ لَوْ سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا) ؛ أَيْ: الْمَكْفُولَ (أَحَدُهُمْ فِي الْكَفَالَةِ؛ بَرِئَ الْجَمِيعُ) لِأَنَّهُ أَدَّى مَا عَلَيْهِمْ؛ (كَمَا لَوْ سَلَّمَ) مَكْفُولٌ (نَفْسَهُ) .
(وَلَوْ ضَمِنَ اثْنَانِ وَاحِدًا) فِي مَالٍ، (وَقَالَ كُلٌّ) لِرَبِّ الْحَقِّ: (ضَمِنْت لَك الدَّيْنَ) ، فَهُوَ (ضَمَانُ اشْتِرَاكٍ) ؛ لِاشْتِرَاكِهِمْ (فِي الِالْتِزَامِ) بِالدَّيْنِ (فِي انْفِرَادٍ بِالطَّلَبِ) ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِجَمِيعِ الدَّيْنِ عَلَى انْفِرَادِهِ؛ (فَلَهُ) ؛ أَيْ: رَبِّ الدَّيْنِ (طَلَبُ كُلٍّ) مِنْهُمَا (بِالدَّيْنِ كُلِّهِ) ؛ لِالْتِزَامِهِ (بِهِ، وَإِنْ قَالَا) ؛ أَيْ: الِاثْنَانِ (ضَمِنَّا لَكَ الدَّيْنَ؛ فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِالْحِصَصِ) عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهُ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَعَلَى كُلٍّ ثُلُثُهُ، (وَ) إنْ قَالَ أَحَدُهُمْ: (أَنَا وَهَذَانِ ضَامِنُونَ لَكَ الْأَلْفَ) مَثَلًا
(فَسَكَتَا) ؛ أَيْ: الْآخَرَانِ (فَعَلَيْهِ) ؛ أَيْ: قَائِلِ ذَلِكَ (فَقَطْ ثُلُثُهُ) ؛ أَيْ: ثُلُثُ الْأَلْفِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ أَدَّى أَحَدُهُمَا الْأَلْفَ أَوْ حِصَّتَهُ مِنْهُ حَيْثُ صَحَّ؛ لَمْ يَرْجِعْ إلَّا عَلَى مَضْمُونٍ عَنْهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ أَصْلِيٌّ، لَا ضَامِنٌ عَنْ الضَّامِنِ.
[فَرْعٌ قَالَ لِآخَرَ اضْمَنْ فُلَانًا فَفَعَلَ]
(فَرْعٌ: لَوْ قَالَ) شَخْصٌ لِآخَرَ: (اضْمَنْ) فُلَانًا (أَوْ) قَالَ: (اُكْفُلْ فُلَانًا) ، أَوْ اضْمَنْ عَنْ فُلَانٍ، أَوْ اُكْفُلْ عَنْهُ، (فَفَعَلَ؛ لَزِمَ) الضَّمَانُ أَوْ الْكَفَالَةُ (الْمُبَاشِرَ، لَا الْآمِرَ) ؛ لِأَنَّهُ كَفِيلٌ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا الْآمِرُ لِلْإِرْشَادِ، فَلَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ (وَ) إنْ قَالَ شَخْصٌ آخَرُ: (أَعْطِهِ) [أَيْ:] فُلَانًا (كَذَا) ؛ أَيْ: أَلْفًا مَثَلًا، (فَفَعَلَ) ؛ أَيْ أَعْطَاهُ الْأَلْفَ؛ (لَمْ يَرْجِعْ) الْمُعْطِي (عَلَى الْآمِرِ) بِشَيْءٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا أَنْ يَقُولَ: أَعْطِهِ عَنِّي) ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ.
(وَيَتَّجِهُ وَمِثْلُهُ) ؛ أَيْ: مِثْلُ أَعْطِهِ كَذَا فِي الْحُكْمِ لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَر: (أَطْعِمْ هَذَا الْفَقِيرَ، أَوْ أَعْطِهِ) كَذَا، (أَوْ) أَعْطِ (هَذَا الشَّاعِرَ) كَذَا، (أَوْ) أَعْطِ هَذَا (الظَّالِمَ كَذَا) ، فَفَعَلَ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآمِرِ بِشَيْءٍ.
(وَ) يَتَّجِهُ أَيْضًا (أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ: أَعْطِهِ) ؛ أَيْ: فُلَانًا (مِنْ جِهَتِي أَلْفًا وَأُعْطِيكَ بِهَا) ؛ أَيْ: الْأَلْفِ (حِنْطَةً) مَثَلًا، (فَفَعَلَ) ؛ أَيْ: أَعْطَاهُ الْأَلْفَ؛ (لَزِمَهُ الْأَلْفُ) ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهَا بِقَوْلِهِ مِنْ جِهَتِي، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي دَفْعِهَا عَنْ ذِمَّتِهِ، (وَلَا) يَلْزَمُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ بِهَا (الْحِنْطَةَ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ لَهُ وَعْدٌ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
.
[بَابُ الْحَوَالَةِ]
(بَابُ الْحَوَالَةِ) (الْحَوَالَةُ) : - بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا - مُشْتَقَّةٌ مِنْ التَّحَوُّلِ؛ لِأَنَّهَا تُحَوِّلُ الْحَقَّ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ.
وَهِيَ (عَقْدُ إرْفَاقٍ) مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ مَحْمُولًا عَلَى غَيْرِهِ، (لَا خِيَارَ فِيهِ) وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ الْأَصَمِّ، وَسَنَدُهُ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، فَمِنْهَا مَا خَرَّجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ» .
وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» .
(وَلَيْسَتْ) الْحَوَالَةُ (بَيْعًا) ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَكَانَتْ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَلَمَا جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهَا بَيْعُ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ، وَلَجَازَتْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَبَيْنَ جِنْسَيْنِ كَالْبَيْعِ كُلِّهِ، وَلِأَنَّ لَفْظَهَا يُشْعِرُ بِالتَّحَوُّلِ، وَلَيْسَتْ أَيْضًا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ؛ لِعَدَمِ الْعَيْنِ فِيهَا، (بَلْ هِيَ) ؛ أَيْ: الْحَوَالَةُ (انْتِقَالُ مَالٍ) مُحَالٍ بِهِ (مِنْ ذِمَّةِ) مُحِيلٍ (إلَى ذِمَّةِ) مُحَالٍ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا رُجُوعَ [لِلْمُحْتَالِ] عَلَى الْمُحِيلِ بِحَالٍ إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهَا؛ لِأَنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنْ دَيْنٍ لَيْسَ فِيهَا قَبْضٌ مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ، وَلَا مِمَّنْ يَدْفَعُ عَنْهُ؛ أَشْبَهَ الْإِبْرَاءَ مِنْهُ.
وَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ (بِلَفْظِهَا أَوْ بِمَعْنَاهَا الْخَاصِّ) بِهَا؛ (كَ ابْتَعْتُكَ بِدَيْنِكَ عَلَى فُلَانٍ أَوْ خُذْ) دَيْنَكَ (أَوْ اُطْلُبْ دَيْنَكَ مِنْهُ) ؛ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْمَقْصُودِ.
(وَشَرْطُ) الْحَوَالَةِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا (رِضَى مُحِيلٍ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ مِنْ جُمْلَةِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
(وَ) الثَّانِي (عِلْمُ) مَالٍ (مُحَالٍ بِهِ) وَاسْتِقْرَارُهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ (عَلَيْهِ) ؛ لِاعْتِبَارِ التَّسْلِيمِ، وَالْجَهَالَةُ تَمْنَعُ مِنْهُ.
(وَ) الثَّالِثُ إمْكَانُ (الْمُقَاصَّةِ؛ بِأَنْ يَسْتَوِيَ الدَّيْنَانِ جِنْسًا وَصِفَةً وَحُلُولًا وَأَجَلًا وَقَدْرًا؛ فَلَا تَصِحُّ) الْحَوَالَةُ (بِذَهَبٍ عَلَى فِضَّةٍ، وَلَا بِصِحَاحٍ عَلَى مُكَسَّرَةٍ، وَعَكْسُهُ) كَمُكَسَّرَةٍ عَلَى صِحَاحٍ، وَلَا بِحَالٍّ عَلَى مُؤَجَّلٍ، (وَلَا مَعَ اخْتِلَافِ أَجَلٍ) ؛ لِأَنَّهَا عَقْدُ إرْفَاقٍ كَالْقَرْضِ، فَلَوْ جُوِّزَتْ مَعَ الِاخْتِلَافِ؛ لَصَارَ الْمَطْلُوبُ مِنْهَا الْأَفْضَلَ، فَتَخْرُجُ عَنْ مَوْضُوعِهَا، (وَلَوْ كَانَا) ؛ أَيْ: الدَّيْنَانِ الْمُحَالُ بِهِ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ (حَالَّيْنِ، فَشُرِطَ عَلَى مُحْتَالٍ تَأْخِيرُ حَقِّهِ أَوْ) تَأْخِيرُ (بَعْضِهِ) إلَى أَجَلٍ - وَلَوْ مَعْلُومًا - (لَمْ تَصِحَّ) الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّ الْحَالَّ لَا يَتَأَجَّلُ، (لَكِنْ إذَا صَحَّتْ) الْحَوَالَةُ، (فَرَضِيَا) ؛ أَيْ: الْمُحْتَالُ وَالْمُحْتَالُ عَلَيْهِ (بِدَفْعِ أَدْنَى) مِنْ الدَّيْنِ، (أَوْ) بِدَفْعِ (أَعْلَى) مِنْهُ، (أَوْ) رَضِيَا (بِتَأْجِيلِهِ) وَهُوَ مُعَجَّلٌ، (أَوْ تَعْجِيلِهِ) وَهُوَ مُؤَجَّلٌ، (أَوْ بِدَفْعِ عِوَضٍ عَنْهُ، جَازَ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ فَهُنَا أَوْلَى، لَكِنْ إنْ جَرَى بَيْنَ الْعِوَضَيْنِ رِبَا النَّسِيئَةِ كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ الْمُحَالُ بِهِ مِنْ الْمَوْزُونَاتِ فَعِوَضُهُ عَنْهُ مَوْزُونًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، أَوْ كَانَ مَكِيلًا، فَعِوَضُهُ عَنْهُ مَكِيلًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ؛ اشْتَرَطَ فِيهِ التَّقَابُضَ بِمَجْلِسِ التَّعْوِيضِ (وَ) يُشْتَرَطُ [فِي] الْحَوَالَةِ تَمَاثُلُ الدَّيْنَيْنِ فِي الْقَدْرِ؛ (فَلَا يَصِحُّ بِقَلِيلٍ عَلَى كَثِيرٍ) كَعَشَرَةٍ عَلَى خَمْسَةٍ، (وَ) لَا (عَكْسُهُ) كَخَمْسَةٍ عَلَى عَشَرَةٍ؛ لِلِاخْتِلَافِ، (وَتَصِحُّ) الْحَوَالَةُ، (بِقَلِيلٍ عَلَى قَدْرِهِ مِنْ كَثِيرٍ) ؛ بِأَنْ أَحَالَهُ بِخَمْسَةٍ عَلَى خَمْسَةٍ، (وَعَكْسُهُ) ؛ بِأَنْ أَحَالَهُ بِخَمْسَةٍ مِنْ الْعَشَرَةِ عَلَى خَمْسَةٍ، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ سَبَبِ الدَّيْنَيْنِ؛ كَكَوْنِ أَحَدِهِمَا مِنْ قَرْضٍ وَالْآخَرِ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ.
(الرَّابِعُ اسْتِقْرَارُ) دَيْنٍ فِي ذِمَّةِ (مُحَالٍ عَلَيْهِ) نَصًّا كَبَدَلِ قَرْضٍ وَثَمَنِ مَبِيعٍ بَعْدَ لُزُومِ بَيْعٍ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُسْتَقِرِّ عُرْضَةٌ لِلسُّقُوطِ وَمُقْتَضَى الْحَوَالَةِ إلْزَامُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ مُطْلَقًا، وَيُشْتَرَطُ اسْتِقْرَارُ دَيْنٍ مُحَالٍ (بِهِ) ، فَتَصِحُّ بِجَعْلٍ قَبْلَ عَمَلٍ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِمَنْزِلَةِ وَفَائِهِ، وَيَصِحُّ الْوَفَاءُ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ، (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ الْقَاضِي وَالْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا؛ (فَلَا تَصِحُّ) الْحَوَالَةُ، (عَلَى صَدَاقٍ قَبْلَ دُخُولٍ)
وَنَحْوِهِ مِمَّا يُقَرِّرُ الصَّدَاقَ؛ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارٍ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى (مَالِ كِتَابَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ أَيْضًا، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا عَلَى (أُجْرَةٍ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةٍ) فِيمَا إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ لِعَمَلٍ (أَوْ) قَبْلَ (فَرَاغِ مُدَّةٍ) إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ إلَى مُدَّةٍ؛ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا.
(وَلَا) تَصِحُّ الْحَوَالَةُ (عَلَى ثَمَنِ مَبِيعٍ عَلَى مُشْتَرٍ فِي مُدَّةِ خِيَارِ) مَجْلِسٍ أَوْ شَرْطٍ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ (عَلَى قِيمَةِ مُتْلَفٍ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا) وَجَهَالَتِهَا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) تَصِحُّ الْحَوَالَةُ (عَلَى مَالِ مُسْلَمٍ) ؛ أَيْ: مُسْلَمٍ فِيهِ (أَوْ) عَلَى (رَأْسِهِ) ؛ أَيْ: رَأْسِ مَالِ سُلِّمَ (بَعْدَ فَسْخِ) عَقْدِ سَلَمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مُقَاصَّةَ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ.
.
(أَوْ) أَيْ: وَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى (عَيْنٍ مِنْ نَحْوِ وَدِيعَةٍ) كَمُضَارَبَةٍ أَوْ شَرِكَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ عَلَى دَيْنٍ (أَوْ) أَيْ: وَلَا عَلَى (اسْتِحْقَاقٍ فِي وَقْفٍ أَوْ عَلَى نَاظِرِهِ أَوْ عَلَى نَاظِرِ بَيْتِ الْمَالِ) ؛ لِعَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ فِي كُلٍّ، (فَلَوْ أَحَالَ نَاظِرٌ لِوَقْفٍ وَنَحْوِهِ) كَصَاحِبِ الْعَطَاءِ فِي الدُّيُونِ (بَعْضَ الْمُسْتَحَقِّينَ) فِي الْوَقْفِ (عَلَى جِهَةٍ) مِنْ جِهَاتِ الْوَقْفِ؛ (لَمْ تَصِحَّ) الْحَوَالَةُ، لَكِنَّ ذَلِكَ وِكَالَةٌ؛ كَالْحَوَالَةِ عَلَى مَالِهِ فِي الدِّيوَانِ.
(وَتَصِحُّ) الْحَوَالَةُ مِنْ مُكَاتَبٍ (إنْ أَحَالَ سَيِّدَهُ) بِمَالِ كِتَابَةٍ، (أَوْ) أَحَالَ (زَوْجَ امْرَأَتِهِ) بِصَدَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ (وَنَحْوُهُ) ؛ كَمَا لَوْ أَحَالَ مُشْتَرٍ بَائِعًا بِثَمَنِ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اسْتِقْرَارُ مُحَالٍ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَ (لَا) تَصِحُّ الْحَوَالَةُ (بِجِزْيَةٍ) عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ؛ لِفَوَاتِ الصَّغَارِ مِنْ
الْمُحِيلِ، وَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهَا لِذَلِكَ، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِأَخْذِ (دَيْنِ سَلَمٍ) ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
(وَلَا) يَصِحُّ (أَنْ يُحِيلَ وَلَدٌ عَلَى أَبِيهِ) إلَّا بِرِضَى الْأَبِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ طَلَبَ أَبِيهِ.
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ لِحَقِّ الْأَبِ، فَإِذَا رَضِيَ بِهِ جَازَ، وَظَاهِرُهُ صِحَّةُ الْحَوَالَةِ عَلَى أُمِّهِ وَلَوْ بِغَيْرِ رِضَاهَا، (وَلَا يَلْزَمُهُ) ؛ أَيْ: رَبَّ الدَّيْنِ، (أَنْ يَحْتَالَ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى وَالِدِ الْمُحِيلِ.
(الْخَامِسُ كَوْنُ مُحَالٍ عَلَيْهِ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ مِنْ مِثْلِيٍّ) ؛ كَمَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ لَا صِنَاعَةَ فِيهِ غَيْرَ جَوْهَرٍ وَنَحْوِهِ، (وَغَيْرِهِ) ؛ أَيْ: غَيْرِ الْمِثْلِيِّ (كَمَعْدُودٍ) بِيعَ بِوَصْفٍ (وَمَذْرُوعٍ بِيعَ بِوَصْفٍ) ؛ فَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِمَا (أَوْ خُولِعَ) زَوْجٌ (بِهِ) ؛ بِأَنْ خَالَعَتْهُ عَلَى ثَوْبٍ ذَرْعُهُ كَذَا وَصِفَتُهُ كَذَا، فَتَجُوزُ الْحَوَالَةُ عَلَى الثَّوْبِ، (أَوْ أَصْدَقَ) زَوْجَتَهُ الْمَدْخُولَ بِهَا عَبْدًا صِفَتُهُ كَذَا، فَتَجُوزُ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ؛ لِاسْتِقْرَارِهِ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ بِالدُّخُولِ وَنَحْوِهِ.
(وَلَا تَصِحُّ) الْحَوَالَةُ (بِإِبِلِ الدِّيَةِ) عَلَى إبِلِ الْقَرْضِ؛ لِوُجُوبِ رَدِّ الْمِثْلِ عَلَى الْمُقْرِضِ، وَكَذَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِإِبِلِ الدِّيَةِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مِثْلُهَا.
قَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِأَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فِي السِّنِّ وَالْقِيمَةِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ.
وَ (لَا) تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِإِبِلِ الْقَرْضِ (عَلَيْهَا) ؛ أَيْ: عَلَى إبِلِ الدِّيَةِ الَّتِي عَلَى الْعَاقِلَةِ قَبْلَ مُضِيِّ الْحَوْلِ؛ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ رِضَى الْمُحَالّ عَلَيْهِ]
(فَصْلٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ) لِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ (رِضَى مُحَالٍ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُحِيلَ أَقَامَ الْمُحْتَالَ مُقَامَ نَفْسِهِ فِي الْقَبْضِ مَعَ جَوَازِ اسْتِيفَائِهِ بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ، فَلَزِمَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ كَالْوَكِيلِ.
(وَلَا) يُشْتَرَطُ رِضَى (مُحَالٍ.
وَيَتَّجِهُ وَلَا) يُشْتَرَطُ (حُضُورُهُ) ؛ أَيْ:
الْمُحْتَالِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَمَحَلُّ ذَلِكَ (إنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ وَيَجْبُرُهُ) مُحْتَالٌ (عَلَى اتِّبَاعِهِ) نَصًّا؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ.
وَتَقَدَّمَ (أَوْ) كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ (مَيِّتًا) ، فَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ بِمَا ضَمِنَهُ، وَوَجَبَ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ مُسْتَقِرٌّ، بِخِلَافِ مَا إذَا ضَمِنَ مَا يَئُولُ إلَى الْوُجُوبِ؛ فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ قَبْلَ وُجُوبِهِ، (أَوْ) كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ (مَيِّتًا) ؛ فَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ كَالْحَيِّ وَفِي " الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى " (" وَالْحَاوِيَيْنِ " إنْ قَالَ: أَحَلْتُك) [بِمَا عَلَيْهِ] أَيْ: الْمَيِّتِ؛ (صَحَّ، لَا أَحَلْتُكَ بِهِ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمَيِّتِ، فَلَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ قَدْ خَرِبَتْ.
(وَيَبْرَأُ مُحِيلٌ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ، وَلَوْ أَفْلَسَ مُحَالٌ عَلَيْهِ) بَعْدَهَا، (أَوْ مَاتَ) خَلَّفَ تَرِكَةً أَوْ لَا؛ إذْ الْحَوَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْإِيفَاءِ، (أَوْ جَحَدَ) مُحَالٌ عَلَيْهِ الدَّيْنَ (بَعْدَ ثُبُوتِهِ) عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ، فَمَاتَتْ (أَوْ تَصْدِيقِ مُحْتَالٍ) مُحِيلًا، (وَإِلَّا) يَثْبُتُ الدَّيْنُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ يُصَدِّقُ الْمُحِيلُ الْمُحْتَالَ؛ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ مُحِيلٍ فِيهِ بِمُجَرَّدِهِ، فَلَا يَبْرَأُ بِهَا، (فَيَرْجِعُ) مُحْتَالٌ (عَلَى مُحِيلٍ كَمَا) يَرْجِعُ عَلَيْهِ (لَوْ أُحِيلَ بِلَا رِضَاهُ عَلَى مَنْ ظَنَّهُ مَلِيئًا، فَبَانَ عَدَمُهُ، أَوْ أُحِيلَ بِرِضَاهُ، وَاشْتَرَطَ) الْمُحْتَالُ (الْمَلَاءَةَ) ؛ أَيْ: مَلَاءَةَ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ، (فَانْتَفَتْ) الْمَلَاءَةُ بِأَنْ ظَهَرَ غَيْرَ مَلِيءٍ، وَلَا يَرْجِعُ مُحْتَالٌ عَلَى مُحِيلٍ إذَا أَحَالَهُ عَلَى شَخْصٍ بِرِضَاهُ، فَبَانَ غَيْرَ مَلِيءٍ (بِلَا شَرْطِ) الْمَلَاءَةِ (وَالْمَلِيءُ) الَّذِي يُجْبِرُ مُحْتَالًا عَلَى اتِّبَاعِهِ (نَصًّا: هُوَ الْقَادِرُ بِمَالِهِ وَقَوْلِهِ وَبَدَنِهِ فَقَطْ) ؛ أَيْ: دُونَ فِعْلِهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ الْأَدَاءِ (فَعِنْدَ الزَّرْكَشِيّ) فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ: الْقُدْرَةُ (بِمَالِهِ) هِيَ (الْقُدْرَةُ عَلَى الْوَفَاءِ، وَ) الْقُدْرَةُ (بِقَوْلِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُمَاطِلًا وَ) ، الْقُدْرَةُ (بِبَدَنِهِ إمْكَانُ حُضُورِهِ لِمَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَلَا يَلْزَمُهُ) ؛ أَيْ: رَبَّ الدَّيْنِ (احْتِيَالٌ عَلَى وَالِدِهِ أَوْ) احْتِيَالٌ (عَلَى مَنْ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ) ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إحْضَارُهُمَا إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَا) يَلْزَمُ رَبَّ الدَّيْنِ احْتِيَالٌ (عَلَى ذِي شَوْكَةٍ) ؛ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إحْضَارِهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِذَا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ بَيْعٍ) كَأَنْ بَانَ مَبِيعٌ مُسْتَحَقًّا أَوْ حُرًّا (وَقَدْ أُحِيلَ بَائِعُ) الثَّمَنَ، أَيْ: أَحَالَهُ مُشْتَرِيهِ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ دَيْنٌ مُمَاثِلٌ لَهُ؛ بَطَلَتْ، (أَوْ أَحَالَ) بَائِعٌ مَدِينًا لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي (بِالثَّمَنِ؛ بَطَلَتْ) الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنْ لَا ثَمَنَ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ، فَيَرْجِعُ مُشْتَرٍ عَلَى مَنْ كَانَ دَيْنُهُ عَلَيْهِ فِي الْأُولَى وَعَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي الثَّانِيَةِ، لَا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِبَقَاءِ الْحَقِّ عَلَى مَا كَانَ بَالِغًا الْحَوَالَةَ.
وَلَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ (إنْ فُسِخَ) الْبَيْعُ بَعْدَ أَنْ أُحِيلَ بَائِعٌ أَوْ أَحَالَ بِالثَّمَنِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ الْفَسْخُ؛ كَكَوْنِهِ (لِعَيْبٍ وَخِيَارِ) مَجْلِسٍ أَوْ شَرْطٍ (وَإِقَالَةٍ) وَغَيْرِهَا، (وَإِنْ لَمْ يُقْبَضْ ثَمَنٌ) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُقْبِضْهُ الْمُحْتَالُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَرْتَفِعْ مِنْ أَصْلِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ الثَّمَنُ، وَلِمُشْتَرٍ الرُّجُوعُ فِيهِمَا؛ أَيْ: فِيمَا إذَا أُحِيلَ بَائِعٌ أَوْ أَحَالَ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَدَّ الْمُعَوَّضَ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِالْعِوَضِ - وَقَدْ تَعَذَّرَ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِهِ لِلُزُومِ الْحَوَالَةِ - فَوَجَبَ فِي بَدَلِهِ.
(وَكَذَا نِكَاحٌ فُسِخَ) - وَقَدْ أُحِيلَتْ الزَّوْجَةُ بِالْمَهْرِ - (وَإِجَارَةٌ) فُسِخَتْ وَقَدْ أُحِيلَ مُؤَجِّرٌ أَوْ أَحَالَ بِأُجْرَةٍ - فَلَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ.
(وَلِبَائِعٍ) أُحِيلَ بِثَمَنٍ، ثُمَّ فُسِخَ الْبَيْعُ؛ (أَنْ يُحِيلَ الْمُشْتَرِيَ) بِالثَّمَنِ الَّذِي عَادَ إلَيْهِ بِالْفَسْخِ (عَلَى مَنْ أَحَالَهُ) الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ (فِي) الْمَسْأَلَةِ (الْأُولَى) ، وَهِيَ مَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِي أَحَالَ الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ لِثُبُوتِ دَيْنِهِ عَلَى مَنْ أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ؛ أَشْبَهَ سَائِرَ الدُّيُونِ الْمُسْتَقِرَّةِ.
(وَلِمُشْتَرٍ أَنْ يُحِيلَ مُحَالًا عَلَيْهِ) مِنْ قِبَلِ بَائِعٍ (عَلَى بَائِعٍ فِي) الْمَسْأَلَةِ
(الثَّانِيَةُ) : [وَهِيَ] مَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ أَحَالَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ؛ لِاسْتِقْرَارِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ؛ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَيُعْتَبَرُ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ) الْمَذْكُورِ (ثُبُوتُهُ) ؛ أَيْ: الْبُطْلَانِ (بِبَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ بِأَنَّ الْعَبْدَ الْمَبِيعَ حُرًّا، (أَوْ اتِّفَاقِهِمْ) ؛ أَيْ: الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ وَالْمُحْتَالِ عَلَى حُرِّيَّتِهِ، (فَلَوْ اتَّفَقَ الْبَائِعَانِ عَلَى حُرِّيَّةِ بَيْعٍ، وَكَذَّبَهُمَا مُحْتَالٌ؛ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُمَا يُبْطِلَانِ حَقَّهُ (أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ) ؛ أَيْ: الْعَبْدَ الْمَذْكُورَ (مُشْتَرِيهِ لِثَانٍ، ثُمَّ اعْتَرَفَ هُوَ) ؛ أَيْ: مُشْتَرِيهِ الَّذِي بَاعَهُ لِثَانٍ (وَبَائِعُهُ) الْأَوَّلُ (بِحُرِّيَّتِهِ؛ فَلَا يُقْبَلُ) قَوْلُهُمَا (عَلَى) الْمُشْتَرِي (الثَّانِي، وَإِنْ أَقَامَا) ؛ أَيْ: الْمُحِيلُ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ (بَيِّنَةً بِحُرِّيَّتِهِ؛ لَمْ تُسْمَعْ) بَيِّنَتُهُمَا؛ (لِأَنَّهُمَا كَذَّبَاهَا بِدُخُولِهِمَا فِي التَّبَايُعِ، وَإِنْ أَقَامَهَا) ؛ أَيْ: الْبَيِّنَةَ (الْعَبْدُ أَوْ شَهِدَتْ) بِحُرِّيَّتِهِ (حِسْبَةٌ) لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ طَلَبِ الْعَبْدِ اسْتِشْهَادَهَا؛ (قُبِلَتْ) الْبَيِّنَةُ؛ لِعَدَمِ مَا يَمْنَعُهَا، (وَبَطَلَتْ الْحَوَالَةُ) ؛ لِأَنَّ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ ظَهَرَ أَنْ لَا ثَمَنَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَالْحَوَالَةُ فَرْعٌ عَلَى سَلَامَةِ الثَّمَنِ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) فِي عَدَمِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ (كُلُّ بَائِعٍ ادَّعَى عَدَمَ اسْتِحْقَاقِ مَا بَاعَهُ، وَ) قَدْ كَانَ (اعْتَرَفَ بِمِلْكِهِ) ؛ أَيْ: الْمَبِيعِ وَقْتَ الْعَقْدِ؛ (كَبَائِعِ دَارٍ) عَلَى أَنَّهَا مِلْكُهُ، ثُمَّ (ادَّعَى وَقْفَهَا) وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً؛ (فَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ) ؛ لِتَكْذِيبِهِ لَهَا بِاعْتِرَافِهِ بِمِلْكِيَّةِ الدَّارِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ إنْ) بَاعَ الدَّارَ عَلَى أَنَّهَا مِلْكُهُ، ثُمَّ (ادَّعَى) أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الْبَيْعِ وَقْفًا، لَكِنَّهُ حَصَلَ لَهُ (نَحْوُ ذُهُولٍ) عَنْ كَوْنِهَا وَقْفًا (وَنِسْيَانٍ) لِوَقْفِيَّتِهَا، (فَشَهِدَتْ) الْبَيِّنَةُ (بِهِ) ؛ أَيْ: الْوَقْفِ عَلَى عَقْدِ الْبَيْعِ؛ (قُبِلَتْ) بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الظَّاهِرِ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي تَكْذِيبَهَا، وَالذُّهُولُ وَالنِّسْيَانُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَالْخَطَإِ؛ لِلْخَبَرِ، وَهَذَا أَيْضًا لَوْلَا إطْلَاقُهُمْ لَكَانَ مُتَّجِهًا
(وَإِنْ صَدَّقَهُمَا) ؛ أَيْ: الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِيَ (مُحْتَالٌ) عَلَى حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ (وَادَّعَاهَا) ؛ أَيْ: ادَّعَى أَنْ الْحَوَالَةَ (بِغَيْرِ ثَمَنِ الْعَبْدِ) الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَى حُرِّيَّتِهِ؛ فَالْقَوْلُ (قَوْلُهُ) مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي سَلَامَةَ الْعَقْدِ وَهِيَ الْأَصْلُ (حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا) ؛ أَيْ: لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِثَمَنِ الْعَبْدِ، فَإِنْ كَانَتْ؛ عَمِلَ بِهَا، (وَإِنْ اتَّفَقَ مُحِيلٌ وَمُحْتَالٌ عَلَى حُرِّيَّتِهِ) ؛ أَيْ؛ الْعَبْدِ، (وَكَذَّبَهُمَا مُحَالٌ عَلَيْهِ؛ لَمْ يُقْبَلَا) ؛ أَيْ: قَوْلَاهُمَا (عَلَيْهِ فِي الْحُرِّيَّةِ) ؛ أَيْ: حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِمَا، (وَبَطَلَتْ الْحَوَالَةُ؛ لِاعْتِرَافِ مُحْتَالٍ بِعَدَمِ الدَّيْنِ) وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ يَعْتَرِفُ لِلْمُحْتَالِ بِدَيْنٍ لَا يُصَدِّقُهُ الْمُحْتَالُ فِيهِ، فَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا
(وَإِنْ اعْتَرَفَ مُحَالٌ عَلَيْهِ وَمُحْتَالٌ بِحُرِّيَّةِ الْعَبْدِ؛ عَتَقَ) الْعَبْدُ؛ (لِإِقْرَارِ ذِي الْيَدِ بِحُرِّيَّتِهِ، وَبَطَلَتْ الْحَوَالَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمَا) مُؤَاخَذَةً إلَيْهِمَا بِحُكْمِ إقْرَارِهِمَا.
(وَلَا يَرْجِعُ مُحْتَالٌ عَلَى مُحِيلٍ لِاعْتِرَافِهِ بِبَرَاءَتِهِ) بِدُخُولِهِ مَعَهُ فِي الْحَوَالَةِ.
[فَرْعٌ اتَّفَقَ رَبُّ دَيْنٍ وَمَدِينٍ عَلَى قَوْلِ مَدِينٍ لِرَبِّ دَيْنٍ أَحَلْتُكَ عَلَى فُلَانٍ]
(فُرُوعٌ: لَوْ اتَّفَقَا) ؛ أَيْ: رَبُّ دَيْنٍ وَمَدِينٍ (عَلَى) قَوْلِ مَدِينٍ لِرَبِّ دَيْنٍ: (أَحَلْتُك) عَلَى فُلَانٍ، (أَوْ) عَلَى قَوْلِهِ: (أَحَلْتُك بِدَيْنِي) عَلَى فُلَانٍ، (وَادَّعَى أَحَدُهُمَا إرَادَةَ الْوَكَالَةِ) ، وَادَّعَى الْآخَرُ إرَادَةَ الْحَوَالَةِ؛ (صُدِّقَ) مُدَّعٍ إرَادَةَ الْوَكَالَةِ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الدَّيْنِ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَمُدَّعِي الْحَوَالَةِ يَدَّعِي نَقْلَهُ، وَمُدَّعِي الْوَكَالَةِ يُنْكِرُهُ، وَلَا مَوْضِعَ لِلْبَيِّنَةِ هُنَا؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي النِّيَّةِ، (وَ) إنْ اتَّفَقَا (عَلَى) قَوْلِ مَدِينٍ لِرَبِّ دَيْنٍ: (أَحَلْتُك بِدَيْنِكَ) ، وَادَّعَى أَحَدُهُمَا إرَادَةَ الْحَوَالَةِ، وَالْآخَرُ إرَادَةَ الْوَكَالَةِ؛ (فَقَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ) ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِدَيْنِهِ لَا تَحْتَمِلُ الْوَكَالَةَ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ مُدَّعِيهَا.
(وَلَوْ قَالَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو: أَحَلْتنِي بِدَيْنِي عَلَى بَكْرٍ) ، وَاخْتَلَفَا هَلْ جَرَى بَيْنَهُمَا لَفْظُ الْحَوَالَةِ أَوْ الْوَكَالَةِ؛ بِأَنْ قَالَ زَيْدٌ: أَحَلْتَنِي بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ، (فَقَالَ عَمْرٌو: بَلْ وَكَّلْتُكَ) بِلَفْظِ الْوَكَالَةِ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ؛ عُمِلَ بِهَا؛ لِأَنَّ
الِاخْتِلَافَ هُنَا فِي اللَّفْظِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ؛ (صُدِّقَ عَمْرو) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي بَقَاءَ الْحَقِّ عَلَى مَا كَانَ، وَهُوَ الْأَصْلُ، (فَلَا يَقْبِضُ زَيْدٌ مِنْ بَكْرٍ لِعَزْلِهِ) نَفْسَهُ (بِالْإِنْكَارِ) لِلْوَكَالَةِ، (وَمَا قَبَضَهُ) زَيْدٌ مِنْ بَكْرٍ قَبْلَ ذَلِكَ وَالْمَقْبُوضُ قَائِمٌ لَمْ يَتْلَفْ؛ (فَلِعَمْرٍو أَخْذُهُ) مِنْ زَيْدٍ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ فِيهِ، (وَلِزَيْدٍ طَلَبُ عَمْرٍو بِدَيْنِهِ) عَلَيْهِ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِبَقَائِهِ فِي ذِمَّتِهِ بِإِنْكَارِهِ الْحَوَالَةَ (وَالتَّالِفُ بِيَدِ زَيْدٍ) سَوَاءٌ كَانَ (بِتَفْرِيطٍ أَوْ لَا؛ يَبْرَأُ بِهِ كُلٌّ) مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو (مِنْ صَاحِبِهِ) ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، صَحَّحَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " " وَالْفُرُوعِ " (خِلَافًا لِلْمُنْتَهَى) حَيْثُ قَالَ: وَالتَّالِفُ مِنْ عَمْرٍو لِزَيْدٍ طَلَبُهُ بِدَيْنِهِ.
.
(وَلَوْ قَالَ عَمْرٌو) لِزَيْدٍ مَثَلًا: (أَحَلْتُك) بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ، (وَقَالَ زَيْدٌ: وَكَّلْتَنِي) فِي قَبْضِهِ بِلَفْظِ الْوَكَالَةِ - وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا - (صُدِّقَ زَيْدٌ) بِيَمِينِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَهُ) ؛ أَيْ: زَيْدٌ (الْقَبْضُ) ؛ لِأَنَّهُ إمَّا وَكِيلٌ أَوْ مُحْتَالٌ (ثُمَّ لَا يُخْفِي الْحُكْمَ) ، فَإِنْ قَبَضَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَالِهِ عَلَى عَمْرٍو فَأَقَلَّ قَبْلَ أَخْذِ دَيْنِهِ؛ فَلَهُ أَخْذُهُ لِنَفْسِهِ؛ لِقَوْلِ عَمْرٍو: هُوَ لَكَ، وَقَوْلِ زَيْدٍ: هُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِي، وَلِي مِثْلُهُ عَلَى عَمْرٍو، فَإِذَا أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ؛ حَصَلَ غَرَضُهُ، وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ قَبَضَهُ وَأَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ بِتَفْرِيطِهِ؛ سَقَطَ حَقُّهُ، وَبِلَا تَفْرِيطٍ؛ فَالتَّالِفُ مِنْ عَمْرٍو، وَلِزَيْدٍ طَلَبُهُ بِحَقِّهِ، وَلَيْسَ لِعَمْرٍو الرُّجُوعُ عَلَى بَكْرٍ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِبَرَاءَتِهِ.
(وَالْحَوَالَةُ) مِنْ مَدِينٍ (عَلَى مَالِهِ فِي الدِّيوَانِ أَوْ) مِنْ (النَّاظِرِ لِلْمُسْتَحِقِّ) عَلَى مَالِهِ فِي الْوَقْفِ (إذْنٌ) لَهُ (فِي الِاسْتِيفَاءِ) فَقَطْ، لَا حَوَالَةٌ حَقِيقَةٌ؛ (لِأَنَّ الْحَوَالَةَ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى ذِمَّةٍ) ؛ فَلَا تَصِحُّ بِمَالِ الْوَقْفِ، وَلَا عَلَيْهِ حِينَئِذٍ،
(فَلِلْمُحْتَالِ) بِذَلِكَ (طَلَبُ مُحِيلِهِ) بِحَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ بِوَفَاءٍ وَلَا إبْرَاءٍ وَلَا حَوَالَةٍ صَحِيحَةٍ.
(وَإِحَالَةُ مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ) شَخْصًا (مَنْ دَيْنُهُ عَلَيْهِ وَكَالَةٌ لَهُ فِي الِاسْتِيفَاءِ) - وَلَوْ جَرَتْ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ - إذْ لَيْسَ فِيهَا تَحْوِيلُ حَقٍّ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ، وَإِنَّمَا جَازَتْ الْوَكَالَةُ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الْوَكِيلِ مُطَالَبَةَ مَنْ عَلَيْهِ؛ الدَّيْنُ كَاسْتِحْقَاقِ الْمُحْتَالِ مُطَالَبَةَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَتَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْوَكَالَةِ مِنْ عَزْلِ الْوَكِيلِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَعَزْلِهِ وَنَحْوِهِ.
(وَ) إحَالَةُ (مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ عَلَى مِثْلِهِ) ؛ أَيْ: مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ (وَكَالَةٌ فِي اقْتِرَاضٍ، وَكَذَا) إحَالَةُ (مَدِينٍ عَلَى بَرِيءٍ) وَكَالَةٌ فِي اقْتِرَاضٍ (فَلَا يُصَارِفُهُ) الْمُحْتَالُ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ وَكَالَةٌ فِي الِاقْتِرَاضِ لَا فِي الْمُصَارَفَةِ، فَإِنْ قَبَضَ الْمُحْتَالُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ؛ رَجَعَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ إذَنْ عَلَى الْمُحِيلِ بِمَا دَفَعَهُ عَنْهُ لِلْمُحْتَالِ؛ لِأَنَّهُ قَرَضَ وَلَمْ يَتَبَرَّعْ، وَإِنْ أَبْرَأَ الْمُحْتَالُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ مِنْهُ؛ لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ؛ لِأَنَّهَا بَرَاءَةٌ لِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَبَضَ الْمُحْتَالُ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ مِنْهُ؛ مَلَكَهُ، وَرَجَعَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ بِمَا دَفَعَهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَرْضٌ، وَهِبَةُ الْمُحْتَالِ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُ نَافِعَةٍ.
[بَابُ الصُّلْحِ]
(بَابُ الصُّلْحِ) (الصُّلْحُ) : لُغَةً (التَّوْفِيقُ وَالسَّلْمُ) - بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا -؛ أَيْ: قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ، (وَهُوَ) ؛ أَيْ: الصُّلْحُ (مِنْ أَكْبَرِ الْعُقُودِ فَائِدَةً) ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الِائْتِلَافِ، بَعْدَ الِاخْتِلَافِ وَقَطْعِ النِّزَاعِ وَالشِّقَاقِ، (وَلِذَلِكَ حَسُنَ) ؛ أَيْ: أُبِيحَ (فِيهِ الْكَذِبُ) كَمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ مُوَضَّحًا.
وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] .
وَلِحَدِيثِ
أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
وَهُوَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ:.
أَحَدُهَا (يَكُونُ بَيْنَ مُسْلِمِينَ وَأَهْلِ حَرْبٍ) لِعَقْدِ الذِّمَّةِ أَوْ الْهُدْنَةِ أَوْ الْأَمَانِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ.
(وَ) الثَّانِي (بَيْنَ أَهْلِ عَدْلٍ وَ) أَهْلِ (بَغْيٍ) وَيَأْتِي فِي قِتَالِ أَهْل الْبَغْيِ.
(وَ) الثَّالِثُ (بَيْنَ زَوْجَيْنِ خِيفَ شِقَاقٌ بَيْنَهُمَا أَوْ خَافَتْ) الزَّوْجَةُ (إعْرَاضَهُ) ؛ أَيْ: الزَّوْجِ عَنْهَا.
وَيَأْتِي فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
(وَ) الرَّابِعُ (بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ فِي غَيْرِ مَالٍ) وَالْخَامِسُ بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ فِيهِ.
وَ (هُوَ) ؛ أَيْ: الصُّلْحُ (فِيهِ) ؛ أَيْ: الْمَالِ شَرْعًا (مُعَاقَدَةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مُوَافَقَةٍ بَيْنَ مُخْتَلِفَيْنِ) فِيهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، (وَلَا يَقَعُ) هَذَا الصُّلْحُ (غَالِبًا إلَّا بِأَقَلَّ مِنْ الْمُدَّعَى بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْمُدَارَةِ) مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ؛ (لِبُلُوغِ) بَعْضِ (الْغَرَضِ وَهُوَ) أَيْ: الصُّلْحُ عَلَى مَالٍ (قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا) صُلْحٌ (عَلَى إقْرَارٍ وَهُوَ) ؛ أَيْ: الصُّلْحُ عَلَى إقْرَارٍ (نَوْعَانِ: نَوْعٌ) يَقَعُ (عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ، مِثْلُ أَنْ يُقِرَّ) جَائِزُ التَّصَرُّفِ (أَوْ) ؛ أَيْ: لِمَنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ (بِدَيْنٍ) مَعْلُومٍ، (أَوْ) يُقِرُّ لَهُ (بِعَيْنٍ) بِيَدِهِ، (فَيَضَعُ) الْمُقَرُّ لَهُ عَنْ الْمُقِرِّ بَعْضَ الدَّيْنِ كَنِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ أَوْ رُبُعِهِ، (أَوْ يَهَبُ) لَهُ (الْبَعْضَ) مِنْ الْعَيْنِ الْمُقَرِّ بِهَا، (وَيَأْخُذُ) الْمُقَرُّ لَهُ (الْبَاقِيَ) مِنْ الدَّيْنِ أَوْ الْعَيْنِ؛ (فَيَصِحُّ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ جَائِزَ التَّصَرُّفِ لَا يُمْنَعُ مِنْ إسْقَاطِ بَعْضِ حَقِّهِ أَوْ هِبَتِهِ، كَمَا لَا يُمْنَعُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ، «وَقَدْ كُلِّمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - غُرَمَاءُ جَابِرٍ لِيَضَعُوا عَنْهُ» ، وَقَضِيَّةُ كَعْبٍ مَعَ أَبِي حَدْرَدٍ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ.
وَ (لَا) يَصِحُّ (بِلَفْظِ الصُّلْحِ) ؛ لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ (أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يُعْطِيَهُ الْبَاقِيَ) وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الشَّرْطَ كَعَلَيَّ أَنْ تُعَوِّضَنِي كَذَا مِنْهُ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِمَا يَأْتِي فِي الْهِبَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا وَلَا تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ بِشَرْطٍ وَلِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْمُعَاوَضَةَ، فَكَأَنَّهُ عَاوَضَ بِبَعْضِ حَقِّهِ عَنْ بَعْضٍ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَلْحُوظٌ فِي لَفْظِ الصُّلْحِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ لَفْظٍ يَتَعَدَّى بِهِ كَالْبَاءِ وَعَلَى، وَهُوَ يَقْتَضِي الْمُعَاوَضَةَ، وَحَيْثُ لَمْ يَصِحَّ بِلَفْظِ الصُّلْحِ وَالشَّرْطِ؛ فَلِرَبِّ الْحَقِّ الْمُطَالَبَةُ بِجَمِيعِهِ بَعْدَ وُقُوعِ الصُّلْحِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّهِ، (أَوْ يَمْنَعُهُ) ؛ أَيْ: يَمْنَعُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ رَبَّهُ (حَقَّهُ بِدُونِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْهُ) ، فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ فَإِنْ أَعْطَاهُ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ أَوْ الْهِبَةِ؛ صَحَّ.
(وَلَا) يَصِحُّ الصُّلْحُ بِأَنْوَاعِهِ (مِمَّنْ لَا يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ؛ كَمُكَاتَبٍ وَ) قِنٍّ (مَأْذُونٍ) لَهُ فِي التِّجَارَةِ (وَوَلِيٍّ) نَحْوُ صَغِيرٍ وَسَفِيهٍ (وَنَاظِرِ) وَقْفٍ وَوَكِيلٍ فِي اسْتِيفَاءِ حَقٍّ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، وَهُمْ لَا يَمْلِكُونَهُ (إلَّا إنْ أَنْكَرَ الْخَصْمُ) - وَهُوَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ - (وَلَا بَيِّنَةَ) لِمُدَّعِيهِ؛ فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْبَعْضِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِيفَاءِ الْكُلِّ أَوْلَى مِنْ التَّرْكِ
. (وَيَصِحُّ) مِنْ وَلِيِّ الصُّلْحِ وَيَجُوزُ (عَمَّا اُدُّعِيَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - بِهِ (عَلَيْهِمْ) ؛ أَيْ؛ عَلَى مُوَلِّيهِ مِنْ صَغِيرٍ وَسَفِيهٍ وَقِنٍّ تَحْتَ نِظَارَتِهِ، (وَبِهِ بَيِّنَةٌ) ، فَيَدْفَعُ الْبَعْضَ وَيَقَعُ الْإِبْرَاءُ أَوْ الْهِبَةُ فِي الْبَاقِي؛
لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ
، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِهِ بَيِّنَةٌ لَمْ يُصَالِحْ عَنْهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَلِمَهُ الْوَلِيُّ.
(وَيَتَّجِهُ أَوْ كَانَ الْمُدَّعِي شِرِّيرًا يُخْشَى) أَذَاهُ؛ فَيَصِحُّ الصُّلْحُ حِينَئِذٍ مِنْ وَلِيٍّ عَمَّا ادَّعَى بِهِ عَلَى مُوَلِّيهِ - وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بِهِ بَيِّنَةٌ - دَرْءًا لَلْمَفْسَدَةِ، وَمَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يَصِحُّ) الصُّلْحُ (عَنْ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ بِبَعْضِهِ) ؛ أَيْ: الْمُؤَجَّلِ (حَالًا) نَصًّا؛ لِأَنَّ الْمَحْطُوطَ عِوَضٌ عَنْ التَّعْجِيلِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحُلُولِ وَالْأَجَلِ (إلَّا فِي) دَيْنِ (كِتَابَةٍ) إذَا عَجَّلَ مُكَاتَبٌ لِسَيِّدِهِ بَعْضَ مَالِ كِتَابَتِهِ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الرِّبَا لَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ، (وَإِنْ وَضَعَ) رَبُّ دَيْنٍ (بَعْضَ) دَيْنٍ (حَالٍّ، وَأَجَّلَ بَاقِيَهُ؛ صَحَّ الْوَضْعُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مُقَابَلَةِ تَأْجِيلٍ كَمَا لَوْ وَضَعَهُ كُلَّهُ، وَ (لَا) يَصِحُّ (التَّأْجِيلُ) ؛ لِأَنَّ الْحَالَّ لَا يَتَأَجَّلُ؛ وَلِأَنَّهُ وَعْدٌ، وَكَذَا لَوْ صَالَحَ عَنْ مِائَةٍ صِحَاحٍ بِخَمْسِينَ مُكَسَّرَةٍ؛ فَهُوَ إبْرَاءٌ مِنْ الْخَمْسِينَ وَوَعْدٌ فِي الْأُخْرَى، فَلَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ.
(وَلَا يَصِحُّ) صُلْحٌ (عَنْ حَقٍّ كَدِيَةٍ خَطَإٍ) عَمْدًا، وَعَمْدٍ لَا قَوْدَ فِيهِ كَجَائِفَةٍ وَمَأْمُومَةٍ (أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ غَيْرِ مِثْلِيٍّ) ؛ كَمَعْدُودٍ وَمَذْرُوعٍ (بِأَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ) لِمُصَالِحٍ عَنْهُ (مِنْ جِنْسِهِ) ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ وَالْقِيمَةَ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِقَدْرِهِ، وَالزَّائِدُ لَا مُقَابِلَ لَهُ، فَيَكُونُ حَرَامًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ؛ كَالثَّابِتِ عَنْ قَرْضٍ
(وَيَصِحُّ) الصُّلْحُ (عَنْ مُتْلَفٍ مِثْلِيٍّ) ؛ كَبُرٍّ (بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ) مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ.
(وَ) يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ حَقٍّ كَدِيَةٍ خَطَإٍ وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ، وَعَنْ مِثْلِيٍّ (بِعِوَضٍ قِيمَتِهِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ) أَوْ مِثْلِيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَا رِبَا بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ عَنْهُ؛ فَصَحَّ كَمَا لَوْ بَاعَهُ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِدِرْهَمٍ.
(وَلَوْ) (صَالَحَهُ عَنْ بَيْتٍ) ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ، (وَأَقَرَّ لَهُ بِهِ عَلَى بَعْضِهِ) ؛ أَيْ: الْبَيْتِ (أَوْ) عَلَى (سُكْنَاهُ) ؛ أَيْ: سُكْنَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَيْتَ (مُدَّةً) مَعْلُومَةً؛ كَسَنَةِ كَذَا أَوْ مَجْهُولَةً كَمَا عَاشَ، (أَوْ عَلَى بِنَاءِ غُرْفَةٍ لَهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فَوْقَهُ) أَيْ: الْبَيْتِ، لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ صَالَحَهُ عَنْ مِلْكِهِ عَلَى مِلْكِهِ أَوْ عَلَى مَنْفَعَةِ مِلْكِهِ.
(أَوْ ادَّعَى) مُكَلَّفٌ (رِقَّ مُكَلَّفٍ أَوْ) ادَّعَى (زَوْجِيَّةً مُكَلَّفَةً فَأَقَرَّ) أَيْ: الْمُدَّعِي رِقَّهُ وَالْمُدَّعِي زَوْجِيَّتَهَا (لَهُ) أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَى الرِّقِّ الزَّوْجِيَّةَ (بِعِوَضٍ مِنْهُ) أَيْ: الْمُدَّعِي؛ (لَمْ يَصِحَّ) الصُّلْحُ وَالْإِقْرَارُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: [ «إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا» . لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الرِّقَّ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِرَقِيقٍ وَالزَّوْجِيَّةَ عَلَى] مَنْ لَمْ يَنْكِحْهَا، وَلَوْ أَرَادَ الْحُرُّ بَيْعَ نَفْسِهِ أَوْ الْمَرْأَةُ بَذْلَ نَفْسِهَا؛ لَمْ يَجُزْ (وَيَرْجِعُ) الْمُقَرُّ لَهُ (عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى الْمُقِرِّ (بِأُجْرَةِ سُكْنَاهُ) فِي الْبَيْتِ، أَوْ بِأُجْرَةِ مَا كَانَ فِي يَدِهِ بَعْضُهُ (إنْ اعْتَقَدَ) الْمُقَرُّ لَهُ (وُجُوبَهُ) ؛ أَيْ: مَا ذَكَرَ مِنْ السُّكْنَى أَوْ بَعْضِ الْبَيْتِ أَوْ الْبِنَاءِ (عَلَيْهِ بِالصُّلْحِ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، (وَإِلَّا) يَعْتَقِدُ الْمُقَرُّ لَهُ وُجُوبَ ذَلِكَ؛ (فَلَا) يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ، (وَيُجْبَرُ) الْمُقِرُّ (عَلَى نَقْضِ غُرْفَتِهِ) الَّتِي بَنَاهَا؛ لِأَنَّهُ وَضَعَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيُجْبَرُ أَيْضًا عَلَى (أَدَاءِ أُجْرَةِ السَّطْحِ) مُدَّةَ مَقَامِهِ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ بِيَدِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، (وَيَأْخُذُ) الْمُقِرُّ (آلَتَهُ) الَّتِي بَنَى بِهَا الْغَرْفَةَ، لِبَقَائِهَا فِي مِلْكِهِ.
(وَإِنْ بَذَلَا) ؛ أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعُبُودِيَّةَ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهَا الزَّوْجِيَّةَ (مَالًا) (صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ) ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَأْخُذُهُ عَنْ دَعْوَاهُ الرِّقَّ أَوْ النِّكَاحَ، وَالدَّافِعُ يَقْطَعُ بِهِ الْخُصُومَةَ عَنْ نَفْسِهِ؛ فَجَازَ كَعِوَضِ الْخُلْعِ، لَكِنْ يَحْرُمُ عَلَى الْآخِذِ إنْ عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِهِ لِأَخْذِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، (أَوْ بَذَلَتْ) امْرَأَةٌ مَالًا (لِمُبِينِهَا لِيُقِرَّ) لَهَا (بِبَيْنُونَتِهَا؛ صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَاضَ عَنْهَا (فَإِنْ ثَبَتَتْ الزَّوْجِيَّةُ فِي) الْمَسْأَلَةِ (الْأُولَى) ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ دَعْوَاهُ الزَّوْجِيَّةَ (بَعْدَ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: بَعْدَ أَنْ دَفَعَتْ لَهُ الْعِوَضَ صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ الزَّوْجِيَّةَ (بِإِقْرَارِهَا أَوْ بَيِّنَةٍ؛ فَالنِّكَاحُ) بَاقٍ (بِحَالِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الزَّوْجِ طَلَاقٌ وَلَا خُلْعٌ (وَيَتَّجِهُ وَفِي) الْمَسْأَلَةِ (الثَّانِيَةِ) وَهِيَ دَعْوَاهَا أَنَّهُ أَبَانَهَا، وَأَنْكَرَ فَدَفَعَتْ لَهُ مَالًا لِيُقِرَّ لَهَا بِالْبَيْنُونَةِ، فَأَقَرَّ بِهَا (لَا تُسْمَعُ بَيِّنَةٌ) بِالزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِالْبَيْنُونَةِ، [وَلَا] يُسْمَعُ مِنْهَا (إقْرَارٌ) بِهَا كَذَلِكَ لِسَبْقِ إقْرَارِ
الزَّوْجِ بِبَيْنُونَةِ الزَّوْجَةِ قَبْلَ ثُبُوتِ الزَّوْجِيَّةِ.
(بَلْ إنْ وَافَقَهَا) ؛ أَيْ: شَهَادَةَ الْبَيِّنَةِ نِكَاحٌ صَحِيحٌ، وَكَانَ الزَّوْجُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْبَيْنُونَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَصَدَّقَتْهُ الزَّوْجَةُ عَلَى ذَلِكَ (دِينَا) فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يُقْبَلْ حُكْمًا وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
.
(وَلَمْ يُمْكِنْ مَا أَخَذَهُ) الزَّوْجُ مِنْ الْعِوَضِ (صُلْحًا) عَنْ دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ فِي الْأُولَى (خُلْعًا) ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَبْذُلْهُ فِي مُقَابَلَةِ إبَانَتِهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْتَرِفْ بِالزَّوْجِيَّةِ حَتَّى تَطْلُبَ الْإِبَانَةَ، (وَلَوْ أَبَانَهَا) بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ أَوْ أَقَلَّ (فَصَالَحَهَا عَلَى مَالٍ لِتَتْرُكَ دَعْوَاهَا) الطَّلَاقَ؛ (لَمْ يَجُزْ) الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ يُحِلُّ حَرَامًا.
(وَ) مَنْ قَالَ لِغَرِيمِهِ: (أَقِرَّ لِي بِدَيْنِي، وَأُعْطِيكَ) مِنْهُ مِائَةً، (أَوْ) أَقِرَّ لِي بِدَيْنِي، وَ (خُذْ مِنْهُ مِائَةً) مَثَلًا؛ (فَفَعَلَ) أَيْ: أَقَرَّ؛ (لَزِمَهُ) أَيْ: الْمُقِرَّ مَا أَقَرَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لِمَنْ أَقَرَّ، (وَلَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ) ؛ لِوُجُوبِ الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ، فَلَمْ يُبَحْ لَهُ الْعِوَضُ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ.
(النَّوْعُ الثَّانِي) مَنْ قِسْمِ الصُّلْحِ عَلَى إقْرَارِ أَنْ يُصَالِحَ (عَلَى غَيْرِ جِنْسِهِ) ؛ بِأَنْ أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ، ثُمَّ صَالَحَهُ عَنْهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، (وَهُوَ بَيْعٌ يَصِحُّ بِلَفْظِ الصُّلْحِ) ؛ كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ عَنْ الشَّيْءِ بِبَعْضِهِ مَمْنُوعَةٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَشَارَ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: فَالصُّلْحُ (بِنَقْدٍ عَنْ نَقْدٍ) ؛ بِأَنْ أَقَرَّ لَهُ بِدِينَارٍ، فَصَالَحَهُ عَنْهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مَثَلًا (صَرْفٌ) يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِقَمْحٍ وَعَوَّضَهُ عَنْهُ شَعِيرًا أَوْ نَحْوَهُ، مِمَّا لَا يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً (وَ) الصُّلْحُ عَنْ نَقْدٍ بِأَنْ أَقَرَّ لَهُ
بِدِينَارٍ فَصَالَحَهُ عَنْهُ (بِعِوَضٍ) ؛ كَثَوْبٍ بِيعَ، (أَوْ) صَالَحَهُ (عَنْهُ) ؛ أَيْ: عَنْ عِوَضٍ أَقَرَّ لَهُ بِهِ؛ كَفَرَسٍ (بِنَقْدِ) ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةِ بَيْعٍ، (أَوْ) صَالَحَهُ عَنْ عِوَضٍ كَثَوْبٍ (بِعِوَضِ بَيْعٍ) تُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطُهُ، كَالْعِلْمِ بِهِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَالتَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ فِيمَا يَجْرِي فِيهِ رِبَا، (فَلَوْ ادَّعَى زَرْعًا فَصُولِحَ عَلَى دَرَاهِمَ؛ جَازَ ذَلِكَ حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُ الزَّرْعِ عَلَى مَا مَرَّ) مِنْ كَوْنِهِ بَعْدَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ أَوْ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ.
(وَ) الصُّلْحُ عَنْهُ أَوْ عِوَضٌ مُقَرٌّ بِهِ (بِمَنْفَعَةٍ كَسُكْنَى) دَارٍ (وَخِدْمَةِ) عَبْدٍ (مُعَيِّنِينَ إجَارَةً) ، فَيَعْتَبِرُ لَهُ شُرُوطَهَا، (وَتَبْطُلُ بِتَلَفِ دَارٍ أَوْ مَوْتِ عَبْدٍ) ؛ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ، وَ (لَا) تَبْطُلُ بِعِتْقِهِ أَوْ بَيْعِهِ أَوْ هِبَتِهِ أَوْ بَيْعِ الدَّارِ، (فَإِنْ كَانَ) التَّلَفُ (قَبْلَ اسْتِيفَاءِ شَيْءٍ مِنْ الْمَنْفَعَةِ) ؛ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ، وَ (رَجَعَ بِمَا صَالَحَ عَنْهُ) مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ، (وَ) إنْ كَانَ التَّلَفُ (بَعْدَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِهَا) ؛ أَيْ: بَعْضِ الْمَنْفَعَةِ؛ انْفَسَخَتْ فِيمَا بَقِيَ، وَ (يَرْجِعُ بِقِسْطِ مَا بَقِيَ) مِنْ الْمُدَّةِ.
(وَ) الصُّلْحُ (عَنْ دَيْنٍ يَصِحُّ بِغَيْرِ جِنْسِهِ بِأَقَلَّ) مِنْهُ (وَأَكْثَرَ) مِنْهُ وَمُسَاوٍ لَهُ، وَ (لَا) يَصِحُّ صُلْحٌ عَنْ حَقٍّ (بِجِنْسِهِ) كَعَنْ بُرٍّ بِبُرٍّ (أَوْ أَقَلَّ) مِنْهُ (أَوْ أَكْثَرَ) مِنْهُ (عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ) ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى رِبَا الْفَضْلِ، (لَا) عَلَى وَجْهِ (الْإِبْرَاءِ وَالْهِبَةِ) ، فَإِنْ كَانَ بِأَقَلَّ عَلَى وَجْهِ الْإِبْرَاءِ أَوْ الْهِبَةِ؛ صَحَّ لَا بِلَفْظِ الصُّلْحِ.
(وَ) الصُّلْحُ عَنْ دَيْنٍ (بِشَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ) كَمَا لَوْ صَالَحَهُ عَنْ دِينَارٍ فِي ذِمَّةٍ بِإِرْدَبِّ قَمْحٍ أَوْ نَحْوِهِ فِي الذِّمَّةِ؛ يَصِحُّ، (وَيَحْرُمُ تَفَرُّقٌ قَبْلَ قَبْضٍ؛ لِأَنَّهُ) يَصِيرُ (بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ) ، وَهُوَ حَرَامٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ صَالَحَهُ) ؛ أَيْ: صَالَحَ الْمُقِرُّ الْمُقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ (لِيُزَوِّجَهُ أَمَتَهُ، وَحَلَّ لَهُ) ؛ أَيْ: لِلْمُقَرِّ لَهُ (نِكَاحُهَا) ، كَكَوْنِهِ عَادِمَ الطَّوْلِ خَائِفَ الْعَنَتِ؛ (صَحَّ) الصُّلْحُ، (وَكَانَ الْمُصَالَحُ عَنْهُ) مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ (صَدَاقَهَا) ؛ لِأَنَّهُمَا
جَعَلَاهُ نَظِيرَ تَزْوِيجِهَا، (فَإِنْ حَصَلَ فَسْخٌ مُسْقِطٌ لَهُ) ؛ أَيْ: الصَّدَاقِ، كَفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ؛ (رَجَعَ) الزَّوْجُ الْمُقَرُّ لَهُ (بِمُصَالِحٍ عَنْهُ) مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ؛ لِعَوْدِهِ إلَيْهِ بِالْفَسْخِ، (وَ) إنْ [حَصَلَ] فَسْخٌ (مُنَصَّفُ) ؛ كَأَنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ؛ تَنَصَّفَ الصَّدَاقُ، وَرَجَعَ الزَّوْجُ (بِنِصْفِهِ) ؛ أَيْ: بِنِصْفِ مَا صَالَحَ عَنْهُ (وَ) إنْ حَصَلَ فَسْخٌ (بَعْدَ تَقَرُّرِهِ) ؛ أَيْ: الصَّدَاقِ؛ بِأَنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَنَحْوِهِ؛ (فَلَا) رُجُوعَ لَهُ بِشَيْءٍ؛ لِتَقَرُّرِ الصَّدَاقِ بِنَحْوِ الدُّخُولِ.
(وَمَنْ صَالَحَتْ) عَنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ أَقَرَّتْ بِهِ (بِتَزْوِيجِ نَفْسِهَا) ؛ صَحَّ الصُّلْحُ وَالنِّكَاحُ (وَكَانَ مَا أَقَرَّتْ بِهِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ صَدَاقَهَا) ؛ لِأَنَّ عَقْدَ التَّزْوِيجِ يَقْتَضِي عِوَضًا، وَلَمْ يُنَبِّهُوا عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ.
. (وَمَنْ صَالَحَ عَنْ عَيْبٍ فِي مَبِيعِهِ) ؛ أَيْ: صَالَحَ عَنْ عَيْبِ مَبِيعِهِ (بِشَيْءٍ) ؛ أَيْ: بِعَيْنٍ كَدِينَارٍ وَمَنْفَعَةٍ كَسُكْنَى دَارٍ مُعَيَّنَةٍ؛ صَحَّ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ عَيْبِ الْمَبِيعِ، وَ (رَجَعَ) الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي (بِهِ) ؛ أَيْ: بِمَا صَالَحَ بِهِ (إنْ بَانَ عَدَمُهُ) ؛ أَيْ: الْعَيْبِ، كَانْتِفَاخِ بَطْنِ أَمَةٍ ظَنَّ أَنَّهُ حَمْلٌ، فَتَبَيَّنَ عَدَمُهُ، (أَوْ زَالَ) الْعَيْبُ (سَرِيعًا عُرْفًا بِلَا كُلْفَةٍ وَلَا عِلَاجٍ) ؛ لِظُهُورِ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْمُشْتَرِي لَهُ؛ لِعَدَمِ الْعَيْبِ فِي الْأُولَى وَزَوَالِهِ فِي الثَّانِيَةِ بِلَا ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ.
(وَتَرْجِعُ امْرَأَةٌ صَالَحَتْ عَنْهُ) ؛ أَيْ: عَنْ عَيْبٍ أَقَرَّتْ بِهِ فِي مَبِيعِهَا (بِتَزْوِيجِهَا) إنْ لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ، وَتَبَيَّنَ عَدَمُ الْعَيْبِ؛ كَبَيَاضٍ فِي عَيْنِ الْعَبْدِ الَّذِي بَاعَتْهُ ظَنَّتْهُ عَمًى، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُ عَمًى، أَوْ زَالَ الْبَيَاضُ سَرِيعًا بِغَيْرِ كُلْفَةٍ وَعِلَاجٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ تَعْطِيلُ نَفْعٍ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ (بِأَرْشِهِ) عَلَى الزَّوْجِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ أَصْدَقَهَا الَّذِي رَضِيَتْ بِهِ؛ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ، فَبَانَ حُرًّا وَنَحْوُهُ، وَ (لَا) تَرْجِعُ (بِمَهْرِ مِثْلِهَا) ؛ لِأَنَّهُ مُسَمًّى لَهَا؛ (فَإِنْ فَسَخَ نِكَاحَهَا بِمُقْسِطٍ لَهُ) ؛ أَيْ: الصَّدَاقِ؛ لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا كَفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ؛ (رَجَعَ)
الزَّوْجُ (عَلَيْهَا بِأَرْشِهِ) ؛ أَيْ: الْعَيْبِ، وَهُوَ قِسْطُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَمَعِيبًا مِنْ ثَمَنِهِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ صَدَاقُهَا.
(وَلَوْ صَالَحَ وَرَثَةً مَنْ وَصَّى لَهُ) مِنْ قِبَلِ مُوَرِّثِهِمْ (بِخِدْمَةِ) رَقِيقٍ مِنْ التَّرِكَةِ، (أَوْ سُكْنَى) دَارٍ مُعَيَّنَةٍ (أَوْ حَمْلِ أَمَةٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ) كَدَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ؛ (جَازَ ذَلِكَ صُلْحًا) ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ، فَيَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ لِلْحَاجَةِ، (لَا بَيْعًا) ؛ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمَبِيعِ.
(وَيَصِحُّ) (الصُّلْحُ عَمَّا) ؛ أَيْ: مَجْهُولٍ لَهُمَا أَوْ لِلْمَدِينِ (تَعَذَّرَ عِلْمُهُ مِنْ دَيْنٍ) ؛ كَمَنْ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةٌ وَحِسَابٌ مَضَى عَلَيْهِ زَمَنٌ طَوِيلٌ، (أَوْ) تَعَذَّرَ عِلْمُهُ مِنْ (عَيْنٍ) ؛ كَقَفِيزِ حِنْطَةٍ وَقَفِيزِ شَعِيرٍ اُخْتُلِطَا وَطُحِنَا، (بِ) مَالٍ (مَعْلُومٍ نَقْدٍ) ؛ أَيْ: حَالٍّ (وَنَسِيئَةٍ) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِرَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَوَارِيثَ دَرَسَتْ بَيْنَهُمَا: «اسْتَهِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ، وَلْيَحْلِلْ أَحَدُكُمَا صَاحِبَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ؛ فَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ لِلْحَاجَةِ؛ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، وَلَوْ قِيلَ بِعَدَمِ جَوَازِهِ
لَأَفْضَى إلَى ضَيَاعِ الْحَقِّ
، وَبَقَاءِ شَغْلِ الذِّمَّةِ؛ إذْ لَا طَرِيقَ إلَى التَّخَلُّصِ إلَّا بِهِ؛ (كَصُلْحِهَا) ؛ أَيْ: الزَّوْجَةِ (عَنْ صَدَاقِهَا) الَّذِي لَا بَيِّنَةَ لَهَا بِهِ، (وَلَا عِلْمَ لَهَا وَلَا وَارِثَ بِقَدْرِهِ، وَكَالرَّجُلَيْنِ) أَوْ الْمَرْأَتَيْنِ أَوْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ (بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةٌ وَحِسَابٌ) قَدْ مَضَى عَلَيْهِ زَمَنٌ طَوِيلٌ (وَلَا عِلْمَ لِكُلٍّ) مِنْهُمَا (بِمَا عَلَيْهِ لِصَاحِبِهِ، أَوْ لَا عِلْمَ لِمَنْ عَلَيْهِ) الدَّيْنُ؛ بِأَنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ لَا عِلْمَ لَهُ بِقَدْرِهِ، (وَلَوْ عَلِمَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ) ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ بِمَا يَدَّعِيهِ، (وَيَتَّجِهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَأْخُذَ) صَاحِبُ الْحَقِّ الْعَالِمُ بِهِ (أَكْثَرَ مِمَّا عَلَيْهِ) ، فَإِنْ أَخَذَ زِيَادَةً عَمَّا يَعْلَمُ؛ حُرِّمَ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ الصُّلْحُ بَاطِلًا فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ صُلْحٌ أَحَلَّ حَرَامًا، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّ قِيَاسَهُ عَكْسُهُ) ؛ أَيْ: بِأَنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ يَعْلَمُ قَدْرَهُ، وَصَاحِبُ الْحَقِّ لَا يَعْلَمُ؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَالِحَ بِأَقَلَّ مِمَّا يَعْلَمُهُ؛ لِلْخَبَرِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
فَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ بِمَجْهُولٍ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ وَاجِبٌ، وَالْجَهْلُ
يَمْنَعُهُ، (فَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ) الْمَجْهُولُ، بَلْ أَمْكَنَتْ مَعْرِفَتُهُ (فَكَبَرَاءَةٍ مِنْ مَجْهُولٍ تَصِحُّ فِي الدَّيْنِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْهِبَةِ) . جَزَمَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَقَدْ نَزَّلَ أَصْحَابُنَا الصُّلْحَ عَنْ الْمَجْهُولِ الْمُقَرِّ بِهِ بِمَعْلُومٍ مَنْزِلَةَ الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَجْهُولِ؛ فَيَصِحُّ عَلَى الْمَشْهُورِ لِقَطْعِ النِّزَاعِ انْتَهَى.
[ثُمَّ ذَكَرَ] مَا لَمْ يَتَعَذَّرْ عِلْمُهُ، فَقَالَ: (وَلَوْ صَالَحَ بَعْضَ الْوَرَثَةِ عَنْ مِيرَاثِهِ) الَّذِي لَا يَعْرِفُ كَمِّيَّتَهُ (فِي تَرِكَةٍ مَوْجُودَةٍ لَمْ يَتَعَذَّرْ عِلْمُهَا بِشَيْءٍ؛ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ) فِي ظَاهِرِ نُصُوصِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ "، وَقَطَعَ بِهِ الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ وَالشَّارِحُ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إنْ صُولِحَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ ثَمَنِهَا لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ شُرَيْحٍ (وَتَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْعَيْنِ كَالدَّيْنِ حَيْثُ كَانَتْ) الْعَيْنُ (فِي يَدِ الْمُبْرَأِ) كَالْوَدِيعَةِ وَالْمَغْصُوبِ، صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " " وَالْمُبْدِعِ " (خِلَافًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ قَالَ هُنَا: وَلَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْ عَيْنٍ بِحَالٍ؛ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَتْ مَعْلُومَةً أَوْ مَجْهُولَةً بِيَدِ الْمُبْرِئِ أَوْ الْمُبْرَأِ مَعَ أَنَّهُ قَالَ فِي الصَّدَاقِ: إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَعَفَا الَّذِي لَيْسَ بِيَدِهِ؛ يَصِحُّ بِلَفْظِ الْعَفْوِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا.
(الْقِسْمُ الثَّانِي) مِنْ قِسْمَيْ الصُّلْحِ فِي الْمَالِ الصُّلْحُ (عَلَى إنْكَارٍ، وَشَرْطُ صِحَّتِهِ) ؛ أَيْ: الصُّلْحِ عَلَى إنْكَارٍ (اعْتِقَادُ مُدَّعٍ حَقِيقَةَ مَا ادَّعَاهُ) عَلَى غَرِيمِهِ، (وَ) اعْتِقَادُ (الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَكْسَهُ) ؛ أَيْ: بُطْلَانَ جَمِيعِ مَا ادَّعَى بِهِ أَوْ بَعْضِهِ، بَيَانُ ذَلِكَ (بِأَنْ يَدَّعِيَ) شَخْصٌ عَلَى آخَرَ (عَيْنًا أَوْ دَيْنًا) فِي ذِمَّتِهِ، (فَيُنْكِرُ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (أَوْ يَسْكُتُ، وَهُوَ) أَيْ: الْمُدَّعِي (يَجْهَلُهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعَى بِهِ، (ثُمَّ يُصَالِحُهُ عَلَى نَقْدٍ أَوْ نَسِيئَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ مُلْجَأٌ إلَى التَّأْخِيرِ بِتَأْخِيرِ خَصْمِهِ؛ (فَيَصِحُّ) الصُّلْحُ؛ لِلْخَبَرِ، لَا يُقَالُ: هَذَا يُحِلُّ حَرَامًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَحَلَّ بِالصُّلْحِ؛ لِأَنَّ هَذَا يُوجَدُ فِي الصُّلْحِ بِمَعْنَى
الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يُحِلُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ قَبْلَهُ، وَكَذَا الصُّلْحُ بِمَعْنَى الْهِبَةِ؛ فَيُحِلُّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ قَبْلَهَا، وَالْإِبْرَاءُ يُحِلُّ لَهُ تَرْكَ أَدَاءِ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَأَيْضًا لَوْ حَلَّ بِهِ الْمُحَرَّمَ لَكَانَ الصُّلْحُ صَحِيحًا، فَإِنَّ الصُّلْحَ الْفَاسِدَ لَا يُحِلُّ الْحَرَامَ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى تَنَاوُلِ الْمُحَرَّمِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى تَحْرِيمِهِ؛ كَمَا لَوْ صَالَحَهُ عَلَى اسْتِرْقَاقِ حُرٍّ أَوْ إحْلَالِ بُضْعٍ مُحَرَّمٍ، أَوْ صَالَحَهُ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، وَلَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ صُلْحٌ يَصِحُّ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ؛ فَصَحَّ مَعَ الْخَصْمِ؛ كَالصُّلْحِ مَعَ الْإِقْرَارِ.
(وَيَكُونُ) الصُّلْحُ عَلَى إنْكَارِ (إبْرَاءٍ فِي حَقِّهِ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لِدَفْعِهِ الْمَالَ افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ، فِي مُقَابَلَةِ حَقٍّ ثَبَتَ عَلَيْهِ، فَلَا شُفْعَةَ فِي عَقَارِهِ) ؛ أَيْ: الْمُصَالَحِ عَنْهُ إنْ كَانَ شِقْصًا مِنْ عَقَارٍ، (وَلَا يَسْتَحِقُّ) مُدَّعًى عَلَيْهِ (لِعَيْبٍ) وَجَدَهُ فِي مُصَالَحٍ عَنْهُ (شَيْئًا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْذُلْ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَتِهِ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ مَلَكَهُ قَبْلَ الصُّلْحِ فَلَا مُعَاوَضَةَ، (وَ) يَكُونُ الصُّلْحُ (بَيْعًا فِي حَقِّ مُدَّعٍ، فَلَهُ رَدُّ مَا أَخَذَهُ بِعَيْبٍ) يَجِدُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عِوَضًا عَمَّا ادَّعَاهُ، (وَفَسْخُ الصُّلْحِ) إنْ وَقَعَ عَلَى عَيْنِهِ، وَإِلَّا رَدَّهُ، وَطَالَبَهُ بِبَدَلِهِ، وَلَهُ الْأَرْشُ مَعَ الْإِمْسَاكِ.
(وَثَبَتَ فِي) شِقْصٍ (مَشْفُوعٍ) صُولِحَ بِهِ (الشُّفْعَةُ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عِوَضًا عَمَّا ادَّعَاهُ؛ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِهِ (إلَّا إذَا صَالَحَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُدَّعِيَ (بِبَعْضِ عَيْنٍ مُدَّعٍ بِهَا) ؛ كَمَنْ ادَّعَى نِصْفَ دَارٍ بِيَدِ آخَرَ، فَأَنْكَرَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى رُبْعِهَا، فَالْمُدَّعِي فِي الصُّلْحِ الْمَذْكُورِ كَالْمُنْكِرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، (فَلَا) يُؤْخَذُ مِنْهُ بِشُفْعَةٍ، وَلَا يَسْتَحِقُّ لِعَيْبٍ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ أَخَذَ بَعْضَ عَيْنِ مَالِهِ مُسْتَرْجِعًا لَهُ مِمَّنْ هُوَ عِنْدَهُ.
(وَمَنْ عَلِمَ بِكَذِبِ نَفْسِهِ) مِنْ مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ؛ (فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِي حَقِّهِ) ، أَمَّا الْمُدَّعِي فَلِأَنَّ الصُّلْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى دَعْوَاهُ الْبَاطِلَةِ، وَأَمَّا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى جَحْدِهِ حَقَّ الْمُدَّعِي لِيَأْكُلَ مَا يَنْتَقِصُهُ بِالْبَاطِلِ، (وَمَا أَخَذَهُ) مُدَّعٍ
عَالِمٌ كَذِبَ نَفْسِهِ مِمَّا صُولِحَ بِهِ، أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِ مِمَّا انْتَقَصَهُ مِنْ الْحَقِّ بِجَحْدِهِ؛ فَهُوَ (حَرَامٌ) ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ مَالَ الْغَيْرِ بِالْبَاطِلِ.
(وَلَا يَشْهَدُ لَهُ إنْ عَلِمَ ظُلْمَهُ) نَصًّا، وَإِنْ صَالَحَ الْمُنْكِرُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ أَقَامَ مُدَّعٍ بَيِّنَةً أَنْ الْمُنْكِرَ أَقَرَّ قَبْلَ الصُّلْحِ بِالْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي؛ لَمْ تُسْمَعْ الْبَيِّنَةُ، وَلَوْ شَهِدَتْ بِأَصْلِ الْمِلْكِ وَلَمْ يَنْقُصْهُ الصُّلْحُ؛ لِاحْتِمَالِ انْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَيْهِ بَعْدَ إشْهَادِهَا بِمَا ذَكَرَ.
(وَمَنْ قَالَ) لِآخَرَ: (صَالِحْنِي عَنْ الْمِلْكِ الَّذِي تَدَّعِيهِ، أَوْ) قَالَ لَهُ (بِعَيْنِهِ؛ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِهِ) ؛ أَيْ: بِالْمِلْكِ لِلْمَقُولِ لَهُ؛ لِاحْتِمَالِ إرَادَةِ صِيَانَةِ نَفْسِهِ عَنْ التَّبَذُّلِ وَحُضُورِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ.
(وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ أَوْ) قَالَ لَهُ: صَالِحْنِي عَنْ مِلْكِك الَّذِي تَدَّعِيهِ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ فِي مَحَلِّ الْمُشَاجَرَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ لَوْ سَاعَدَتْهُ النُّصُوصُ.
(وَإِنْ صَالَحَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ مُتَنَكِّرٍ لِدَيْنٍ) بِإِذْنِهِ أَوْ بِدُونِهِ؛ صَحَّ؛ لِجَوَازِ قَضَائِهِ عَنْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِفِعْلِ عَلِيٍّ وَأَبِي قَتَادَةَ، وَأَقَرَّهُمَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَتَقَدَّمَ، (أَوْ) صَالَحَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ مُنْكِرٍ (لِعَيْنٍ بِإِذْنِهِ) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ اعْتَرَفَ الْأَجْنَبِيُّ لِلْمُدَّعِي بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ عَلَى الْمُنْكِرِ أَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ؛ (صَحَّ) الصُّلْحُ (وَرَجَعَ) الْأَجْنَبِيُّ (بِالْأَقَلِّ) مِمَّا دَفَعَهُ أَوْ ادَّعَى بِهِ، أَمَّا مَعَ الْإِذْنِ فِي الْأَدَاءِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَعَ الْإِذْنِ فِي الصُّلْحِ فَقَطْ؛ فَلِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَدَاءُ عَلَيْهِ بِعَقْدِ الصُّلْحِ فَإِذَا أَدَّى فَقَدْ أَدَّى وَاجِبًا عَنْهُ غَيْرُهُ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ، (وَ) إنْ صَالَحَ الْأَجْنَبِيُّ (بِدُونِهِ) ؛ أَيْ: إذْنِ الْمُنْكِرِ؛ (صَحَّ) الصُّلْحُ، (وَلَمْ يَرْجِعْ)
الْأَجْنَبِيُّ بِشَيْءٍ مِمَّا صَالَحَ عَنْ الْمُنْكِرِ - وَلَوْ نَوَى الرُّجُوعَ - لِأَنَّهُ أَدَّى عَنْهُ مَا لَا يَلْزَمُهُ، فَكَانَ مُتَبَرِّعًا كَمَا لَوْ تَصَدَّقَ عَنْهُ.
(وَإِنْ صَالَحَ الْأَجْنَبِيُّ) الْمُدَّعِيَ (لِنَفْسِهِ لِيَكُونَ الطَّلَبُ لَهُ) ؛ أَيْ: الْأَجْنَبِيِّ - وَقَدْ (أَنْكَرَ) الْأَجْنَبِيُّ (الدَّعْوَى -) ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ الْمُدَّعِي مَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ، وَلَمْ تَتَوَجَّهْ إلَيْهِ خُصُومَةٌ يَفْتَدِي مِنْهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ مِلْكَ غَيْرِهِ، (أَوْ لَا) ؛ أَيْ: وَلَمْ يُنْكِرْ الْأَجْنَبِيُّ (وَالْمُدَّعَى بِهِ دَيْنٌ) ؛ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، (أَوْ) الْمُدَّعَى بِهِ (عَيْنٌ) ، وَأَقَرَّ الْأَجْنَبِيُّ بِهَا، (وَعَلِمَ) الْأَجْنَبِيُّ (عَجْزَهُ عَنْ اسْتِنْقَاذِهَا) مِنْ مُدَّعًى عَلَيْهِ؛ (لَمْ يَصِحَّ) الصُّلْحُ؛ (لِأَنَّهُ) فِي مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ (بَيْعُ دَيْنٍ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَ) فِي الْعَيْنِ بَيْعُ (مَغْصُوبٍ لِغَيْرِ قَادِرٍ عَلَى أَخْذِهِ) ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، بَعْضُهَا فِي الْبَيْعِ، وَبَعْضُهَا فِي السَّلَمِ، بَلْ مَسْأَلَةُ الدَّيْنِ تَكَرَّرَتْ فِيهِمَا، (وَإِنْ ظَنَّ) الْأَجْنَبِيُّ (الْقُدْرَةَ) عَلَى اسْتِنْقَاذِهَا؛ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ مَالِكٍ مِلْكَهُ الْقَادِرِ عَلَى أَخْذِهِ فِي اعْتِقَادِهِ، (أَوْ) ظَنَّ (عَدَمَهَا) ؛ أَيْ؛ الْقُدْرَةِ، (ثُمَّ تَبَيَّنَتْ) قُدْرَتُهُ عَلَى اسْتِنْقَاذِهَا؛ (صَحَّ) الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَنَاوَلَ مَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ ظَنُّ عَدَمِهِ، (ثُمَّ إنْ عَجَزَ الْأَجْنَبِيُّ) بَعْدَ الصُّلْحِ ظَانًّا الْقُدْرَةَ عَلَى اسْتِنْقَاذِهَا؛ (خُيِّرَ بَيْنَ فَسْخِ) الصُّلْحِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ لَهُ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى بَدَلِهِ (وَ) بَيْنَ (إمْضَاءِ) الصُّلْحِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ كَخِيَارِ الْعَيْبِ، وَإِنْ قَالَ الْأَجْنَبِيُّ لِلْمُدَّعِي: أَنَا وَكِيلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي مُصَالَحَتِك عَنْ الْعَيْنِ، وَهُوَ مُقِرٌّ لَك بِهَا فِي الْبَاطِنِ وَإِنَّمَا يَجْحَدُك فِي الظَّاهِرِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ.
[فَصْلٌ فِي الصُّلْحِ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ]
(فَصْلٌ:) فِي الصُّلْحِ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ (وَيَصِحُّ) (صُلْحٌ مَعَ إقْرَارٍ وَمَعَ إنْكَارٍ عَنْ قَوْلٍ فِي نَفْسٍ وَعُضْوٍ وَعَنْ سُكْنَى) دَارٍ وَنَحْوِهَا (وَ) عَنْ (عَيْبٍ) فِي عِوَضٍ أَوْ مُعَوَّضٍ.
قَالَ فِي " الْمُجَرَّدِ ": وَإِنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ، فَيَصِحُّ عَنْ قَوْلِ (بِفَرْقِ دِيَةٍ) ، وَلَوْ بَلَغَ دِيَاتٍ، أَوْ قِيلَ: الْوَاجِبُ
إحْدَى شَيْئَيْنِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ بَذَلُوا لِلَّذِي وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى هُدْبَةَ بْنِ خَشْرَمٍ سَبْعَ دِيَاتٍ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَلِأَنَّ الْمَالَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، فَلَمْ يَقَعْ الْعِوَضُ فِي مُقَابَلَتِهِ.
وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَمَّا تَقَدَّمَ (مَهْرًا) فِي نِكَاحٍ مِنْ عِوَضٍ أَوْ نَقْدٍ، قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ (بِمَا يَثْبُتُ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ إسْقَاطُهُ.
وَ (لَا) يَصِحُّ الصُّلْحُ (بِعِوَضٍ عَنْ خِيَارٍ) فِي بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ (أَوْ) عَنْ (شُفْعَةٍ أَوْ) عَنْ (حَدِّ قَذْفٍ) وَلِأَنَّهَا لَمَا تَشْرَعُ لِاسْتِفَادَةِ مَالٍ، بَلْ الْخِيَارُ لِلنَّظَرِ فِي الْأَحُظِّ، وَالشُّفْعَةِ لِإِزَالَةِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ، وَحَدُّ الْقَذْفِ لِلزَّجْرِ عَنْ الْوُقُوعِ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ، (وَتَسْقُطُ جَمِيعًا) أَيْ: الْخِيَارُ وَالشُّفْعَةُ وَحَدُّ الْقَذْفِ بِالصُّلْحِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِتَرْكِهَا.
(وَلَا) يَصِحُّ أَنْ يُصَالِحَ (سَارِقًا أَوْ شَارِبًا لِيُطْلِقَهُ) وَلَا يَرْفَعُهُ لِلسُّلْطَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَخْذُ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَتِهِ، (أَوْ يُصَالِحَ شَاهِدًا لِيَكْتُمَ شَهَادَتَهُ) ؛ لِتَحْرِيمِ كِتْمَانِهَا، فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ، (أَوْ) يُصَالِحَهُ عَلَى أَنْ (لَا يَشْهَدَ) عَلَيْهِ (بِزُورٍ) ، فَهُوَ حَرَامٌ؛ كَمَا لَوْ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ لَا يَقْتُلَهُ، أَوْ يَغْصِبَهُ مَالَهُ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ يَلْزَمُهُ الشَّهَادَةُ بِهِ كَدَيْنِ آدَمِيٍّ أَوْ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالزَّكَاةِ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا كَزِنًا وَسَرِقَةٍ، فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ فِي الْكَدِّ.
(وَمَنْ صَالَحَ) آخَرَ (عَنْ نَحْوِ دَارٍ) ؛ كَكِتَابٍ أَوْ حَيَوَانٍ (بِعِوَضٍ مُعَيَّنٍ، فَبَانَ) الْعِوَضُ (مُسْتَحَقًّا) لِغَيْرِ الْمُصَالِحِ، أَوْ بَانَ الْقِنُّ حُرًّا؛ (رَجَعَ بِالدَّارِ) الْمُصَالَحِ عَنْهَا إنْ بَقِيَتْ، (أَوْ) رَجَعَ (بِقِيمَتِهَا) ؛ أَيْ: الدَّارِ وَنَحْوِهَا حَيْثُ كَانَتْ (تَالِفَةً) إنْ كَانَ الصُّلْحُ (مَعَ إقْرَارِ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ حَقِيقَةً - وَقَدْ تَبَيَّنَ فَسَادُهُ لِفَسَادِ عِوَضِهِ - فَرَجَعَ فِيمَا كَانَ لَهُ، (وَ) رَجَعَ بِالدَّعْوَى؛ أَيْ: إلَى دَعْوَاهُ قَبْلَ الصُّلْحِ (مَعَ إنْكَارٍ) ، لِتَبَيُّنِ بُطْلَانِهِ، (وَ) رَجَعَ الْمُصَالِحُ (عَنْ قَوْدٍ) مِنْ نَفْسٍ أَوْ دُونِهَا بِعِوَضٍ بَانَ مُسْتَحَقًّا (بِقِيمَةِ عِوَضٍ) مُصَالَحٍ بِهِ؛ لِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِ مَا جُعِلَ عِوَضًا عَنْهُ، وَكَذَا لَوْ صَالَحَ عَنْهُ بِقِنٍّ، فَخَرَجَ حُرًّا.
(وَإِنْ عَلِمَا) ؛ أَيْ: عَلِمَ الْمُتَصَالِحَانِ الْعِوَضَ [مُسْتَحَقًّا] أَوْ حُرًّا حَالَ الصُّلْحِ، (فَبِالدِّيَةِ) يَرْجِعُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ؛ لِحُصُولِ الرِّضَى عَلَى تَرْكِ الْقِصَاصِ، فَيَسْقُطُ إلَى الدِّيَةِ؛ وَكَذَا لَوْ كَانَ مَجْهُولًا كَدَارٍ وَشَجَرَةٍ، فَتَبْطُلُ التَّسْمِيَةُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ، وَإِنْ صَالَحَ فِي الْقَوْدِ عَلَى عَبْدٍ أَوْ بَعِيرٍ وَنَحْوِهِ مُطْلَقًا؛ صَحَّ وَلَهُ الْوَسَطُ.
(وَحَرُمَ أَنْ يُجْرِيَ) شَخْصٌ (فِي أَرْضِ غَيْرِهِ أَوْ فِي سَطْحِهِ) ؛ أَيْ: الْغَيْرِ (مَاءً) - وَلَوْ تَضَرَّرَ بِتَرْكِهِ - (بِلَا إذْنِهِ) ؛ أَيْ: رَبِّ الْأَرْضِ أَوْ السَّطْحِ؛ لِتَضَرُّرِهِ أَوْ تَضَرُّرِ أَرْضِهِ، وَكَزَارِعِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا اسْتِعْمَالٌ لِمَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، (وَلَوْ لَمْ يَتَضَرَّرْ) رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّطْحِ (بِذَلِكَ) ؛ أَيْ: بِالْإِجْرَاءِ، وَلَمْ تَتَضَرَّرْ الْأَرْضُ أَوْ السَّطْحُ، (وَاضْطُرَّ الْمُجْرِي) إلَى الْإِجْرَاءِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ؛ (جَازَ) ؛ كَوَضْعِ خَشَبٍ عَلَى جِدَارِ جَارِهِ، كَمَا يَأْتِي.
.
قَطَعَ بِهِ الْمُغْنِي " " وَالشَّرْحِ " " وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْفَائِقِ " وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَإِنْ لَمْ يُضَرَّ بَدَلَ قَوْلِهِ وَلَوْ لَمْ يَتَضَرَّرْ، وَهُوَ مَرْجُوحٌ، وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْجَوَازِ.
(وَيَصِحُّ صُلْحُهُ عَلَى ذَلِكَ) ؛ أَيْ: إجْرَاءِ مَائِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ أَوْ سَطْحِهِ (بِعِوَضٍ) مَعْلُومٍ، فَإِنْ صَالَحَهُ (مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ) ؛ أَيْ: رَبِّ الْمَحَلِّ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ، بِأَنْ تَصَالَحَا عَلَى إجْرَائِهِ فِيهِ، وَمِلْكِهِ فِيهِ، وَمَلَكَهُ بِحَالِهِ؛ فَهُوَ (إجَارَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ، (وَإِلَّا) ؛ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقَعْ الصُّلْحُ عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْمَحَلِّ بَاقٍ لَهُ؛ فَهُوَ (بَيْعٌ) ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ الْمَحَلِّ، (وَيُعْتَبَرُ)
لِصِحَّةِ ذَلِكَ إذَا وَقَعَ إجَارَةً (عِلْمُ قَدْرِ الْمَاءِ) الَّذِي يُجْرِيهِ لِاخْتِلَافِ ضَرَرِهِ بِكَثْرَتِهِ وَقِلَّتِهِ (بِسَاقِيَتِهِ) ؛ أَيْ: الْمَاءِ (الَّتِي يَجْرِي فِيهَا) ، وَهِيَ الْأُنْبُوبَةُ، لَا الْقَنَاةُ - وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُتَعَارَفُ - لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ مِلْئِهَا (وَعِلْمُ) قَدْرِ (مَاءِ مَطَرٍ بِرُؤْيَةِ مَا) ؛ أَيْ: مَحَلٍّ (يَزُولُ عَنْهُ) مِنْ سَطْحٍ أَوْ أَرْضٍ (أَوْ مِسَاحَتِهِ) ؛ أَيْ: ذِكْرُ قَدْرِ طُولِهِ وَعَرْضِهِ لِيُعْلَمَ مَبْلَغُهُ، (وَتَقْدِيرِ مَا يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ) مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ، وَ (لَا) يُعْتَبَرُ عِلْمُ قَدْرِ (عُمْقِهِ، وَلَوْ بِأُجْرَةٍ) ؛ أَيْ: فَلَا لَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِجَارَةِ أَيْضًا عِلْمُ قَدْرِ الْعُمْقِ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ عَيْنَ الْأَرْضِ أَوْ نَفْعَهَا فَلَهُ أَنْ يُنْزِلَ فِيهَا مَا شَاءَ، (خِلَافًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ إجَارَةً اُشْتُرِطَ ذِكْرُ الْعُمْقِ.
(وَلَا) يُعْتَبَرُ أَيْضًا عِلْمُ قَدْرِ (مُدَّتِهِ لِلْحَاجَةِ كَنِكَاحٍ، فَيَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِمُدَّةٍ) قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": لَا قَدْرَ مُدَّتِهِ لِلْحَاجَةِ كَالنِّكَاحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ وَتَبِعَهُمْ فِي الْمُنْتَهَى "، وَفِي " الْإِقْنَاعِ " يُشْتَرَطُ فِيهِ تَقْدِيرُ الْمُدَّةِ.
وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ خِلَافًا لَهُ، وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةِ وَالثَّمَانِينَ: لَيْسَ بِأُجْرَةٍ مَحْضَةٍ؛ لِعَدَمِ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ، بَلْ هُوَ بِالْبَيْعِ.
(وَلِمُسْتَأْجِرٍ وَمُسْتَعِيرٍ الصُّلْحُ عَلَى سَاقِيَةٍ؛ أَيْ: قَنَاةٍ مَحْفُورَةٍ) فِي أَرْضٍ اسْتَأْجَرَهَا أَوْ اسْتَعَارَهَا لِيُجْرِيَ الْغَيْرُ مَاءَهُ فِيهَا؛ لِدَلَالَتِهِ عَلَى رَسْمٍ قَدِيمٍ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ إلَّا (بِقَدْرِ مُدَّةِ [الْإِجَارَةِ] ) فَإِنْ لَمْ تَكُنْ السَّاقِيَّةُ مَحْفُورَةً؛ لَمْ يَجُزْ إحْدَاثُهَا فِيهَا.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (كَوْنُ عِوَضٍ) مُصَالَحٍ بِهِ عَلَى السَّاقِيَةِ الْمُؤَجَّرَةِ (لِمُسْتَأْجِرٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَفْعَهَا وَانْتِفَاعَهَا، وَأَمَّا الْعِوَضُ الَّذِي صَالَحَ بِهِ الْمُسْتَعِيرُ؛ فَهُوَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ، كَمَا يَأْتِي فِي الْعَارِيَّةِ فِيمَا لَوْ أَجَرَهَا بِإِذْنِ مُعِيرٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ
لَا يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ أَوْ يُعِيرَ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَيَجُوزُ لِمُسْتَأْجِرٍ وَمُسْتَعِيرٍ الصُّلْحُ (عَلَى إجْرَاءِ مَاءِ مَطَرٍ عَلَى سَطْحٍ أَوْ) عَلَى (أَرْضٍ) ؛ لِأَنَّ السَّطْحَ يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ - وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ - وَالْأَرْضُ يُجْعَلُ لِغَيْرِ صَاحِبِهَا رَسْمًا؛ فَرُبَّمَا ادَّعَى رَبُّ الْمَاءِ الْمِلْكَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ (وَ) أَرْضٌ (مَوْقُوفَةٌ - وَلَوْ عَلَيْهِ - كَمُؤَجَّرَةٍ) فِي الصُّلْحِ عَنْ ذَلِكَ، فَيَجُوزُ عَلَى سَاقِيَةٍ مَحْفُورَةٍ، لَا عَلَى إحْدَاثِ سَاقِيَةٍ أَوْ إجْرَاءِ مَاءِ مَطَرٍ عَلَيْهَا.
قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " (وَ) قَالَ (فِي " الْمُغْنِي ": الْأَوْلَى الْجَوَازُ) ؛ أَيْ: يَجُوزُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ حَفْرُ السَّاقِيَةِ؛ (لِأَنَّ الْأَرْضَ لَهُ) ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا كَيْفَ شَاءَ، مَا لَمْ يَنْتَقِلْ الْمِلْكُ فِيهَا إلَى غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْجِرِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَدَلَّ أَنَّ الْبَابَ وَالْخَوْخَةَ وَالْكُوَّةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ، وَفِي مَوْقُوفِهِ الْخِلَافُ أَوْ يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ تَعْلِيلَ صَاحِبِ " الْمُغْنِي " لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا لَمْ يُفْدَ،
وَظَاهِرُهُ لَا تُعْتَبَرُ الْمَصْلَحَةُ وَإِذْنُ الْحَاكِمِ
، بَلْ عَدَمُ الضَّرَرِ، وَأَنَّ إذْنَهُ، يُعْتَبَرُ لِرَفْعِ الْخِلَافِ.
وَجَعَلَ ابْنُ عَقِيلٍ إذْنَ الْحَاكِمِ فِيهِ
لِمَصْلَحَةِ الْمَأْذُونِ
الْمُمْتَازِ بِأَمْرٍ شَرْعِيٍّ، فَلِمَصْلَحَةِ الْمَوْقُوفِ أَوْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْلَى، وَهُوَ مَعْنَى نَصِّهِ فِي تَجْدِيدِهِ لِمَصْلَحَةٍ كالحكورة، وَعَمِلَهُ حُكَّامُ الشَّامِ حَتَّى صَاحِبُ الشَّرْعِ فِي الْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ، وَقَدْ زَادَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيَّرَا بِنَاءَهُ، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَزَادَ فِيهِ أَبْوَابًا، ثُمَّ الْمَهْدِيُّ، ثُمَّ الْمَأْمُونُ قُلْتُ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ أَنَّ الْمَوْقُوفَةَ كَمُؤَجَّرَةٍ شَامِلٌ لِلْمَوْقُوفَةِ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلِلنَّاظِرِ فِعْلُ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ
(وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى سَقْيِ أَرْضِهِ) ؛ أَيْ: زَيْدٍ مَثَلًا (مِنْ نَهْرِهِ) ؛ أَيْ: عَمْرٍو (أَوْ) مِنْ (عَيْنِهِ) أَوْ بِئْرِهِ الْمُعَيَّنِ (مُدَّةً - وَلَوْ) كَانَتْ مُدَّةُ السَّقْيِ (مُعَيَّنَةً - لَمْ يَصِحَّ) الصُّلْحُ بِعِوَضٍ؛ (لِعَدَمِ مِلْكِهِ الْمَاءَ) ؛ لِأَنَّ مَاءَ الْعَيْنِ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى سَهْمٍ مِنْهَا) ؛ أَيْ: مِنْ النَّهْرِ أَوْ الْعَيْنِ أَوْ الْبِئْرِ (كَثُلُثٍ) وَرُبْعٍ وَخُمُسٍ؛ (جَازَ) الصُّلْحُ، (وَكَانَ) ذَلِكَ (بَيْعًا لِ) الْجُزْءِ الْمُسَمَّى مِنْ (الْقَرَارِ، وَالْمَاءُ تَابِعٌ لَهُ) ؛ أَيْ: لِلْقَرَارِ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِيهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) إنْ صَالَحَهُ عَلَى سَاقِيَةٍ (بِأَرْضٍ) مَوْقُوفَةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (نَحْوُ) أَرْضِ (مِصْرَ) كَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا مِمَّا فُتِحَ عَنْوَةً، وَلَمْ يُقْسَمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ (إنْ كَانَتْ) السَّاقِيَةُ (مَبْنِيَّةً، فَكَذَلِكَ) يَجُوزُ الصُّلْحُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعًا لِلْبِنَاءِ، وَالْمَاءُ تَابِعٌ لَهُ، (وَإِلَّا) تَكُنْ السَّاقِيَةُ مَبْنِيَّةً؛ (فَلَا) يَجُوزُ الصُّلْحُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَمْلُوكَةٍ لَهُ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَصِحُّ شِرَاءُ مَمَرٍّ فِي دَارٍ) وَنَحْوِهَا (وَ) شِرَاءُ (مَوْضِعٍ بِحَائِطٍ يُفْتَحُ بَابًا) وَنَحْوَهُ.
(وَيَتَّجِهُ وَأَحْجَارُهُ) ؛ أَيْ: الْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْقَضُ مِنْهُ (لِبَائِعٍ) ؛ لِأَنَّ غَرَضَ الْمُشْتَرِي الْمَحَلُّ الَّذِي يَفْتَحُهُ، لَا الْأَحْجَارُ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
. (وَ) يَصِحُّ (شِرَاءُ بُقْعَةٍ تُحْفَرُ بِئْرًا) ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ، فَجَازَ بَيْعُهَا؛ كَالْأَعْيَانِ.
(وَ) يَصِحُّ شِرَاءُ (عُلْوِ بَيْتٍ) مَمْلُوكٍ - (وَلَوْ لَمْ يُبْنَ) الْبَيْتُ الَّذِي اشْتَرَى عُلْوَهُ - (إذَا وَصَفَ) الْعُلْوَ وَالسُّفْلَ لِيَكُونَا مَعْلُومَيْنِ؛ (لِيَبْنِيَ) الْمُشْتَرِي (أَوْ يَضَعَ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْعُلْوِ (بُنْيَانًا أَوْ خَشَبًا مَوْصُوفَيْنِ) ، وَإِنَّمَا صَحَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعُلْوَ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ، فَكَانَ لَهُ بَيْعُهُ وَالِاعْتِيَاضُ عَنْهُ كَالْقَرَارِ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ عَلَى الْعِوَضِ، (وَمَعَ زَوَالِهِمَا) ؛
أَيْ: الْمَأْجُورِ عُلْوُهُ؛ أَيْ: الْبُنْيَانِ وَالْخَشَبِ عَنْ الْعُلْوِ (يَرْجِعُ) رَبُّهُمَا عَلَى رَبِّ السُّفْلِ الْمَأْجُورِ (مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مُدَّةِ الزَّوَالِ) ؛ أَيْ: زَوَالِ بِنَائِهِ أَوْ خَشَبِهِ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ سُقُوطًا لَا يَعُودُ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْإِنْصَافِ " " وَالْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِمَا، فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ فِي مَسْأَلَةِ الْبَائِعِ وَالصُّلْحِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَلَا فِيمَا إذَا كَانَ سُقُوطًا يُمْكِنُ عَوْدُهُ وَهُوَ وَاضِحٌ.
وَمَحَلُّ الرُّجُوعِ إذَا حَصَلَ الزَّوَالُ بِفِعْلِ رَبِّ الْبَيْتِ أَوْ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِمَا، أَمَّا إنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ فَلَا رُجُوعَ لَهُ.
(وَلَهُ إعَارَتُهُ) لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ إبْقَاءَهُ بِعِوَضٍ، (سَوَاءٌ زَالَ بِسُقُوطِهِ أَوْ سُقُوطِ مَا تَحْتَهُ أَوْ لِهَدْمِهِ إيَّاهُ) أَوْ غَيْرِهِ، (وَلَهُ) ؛ أَيْ: رَبِّ الْبَيْتِ: (الصُّلْحُ عَلَى عَدَمِ إعَادَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ بَيْعُهُ مِنْهُ جَازَ صُلْحُهُ عَنْهُ، كَمَا لَهُ الصُّلْحُ (عَلَى زَوَالِهِ) ؛ أَيْ: رَفْعِ مَا عَلَى الْعُلْوِ مِنْ بُنْيَانٍ أَوْ خَشَبٍ، سَوَاءٌ كَانَ صَالَحَهُ عَنْهُ بِمِثْلِ الْعِوَضِ الْمُصَالَحِ بِهِ عَلَى وَضْعِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ لَهُ، فَصَحَّ بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ لَهُ (مَسِيلُ مَاءٍ) فِي أَرْضِ غَيْرِهِ (أَوْ مِيزَابٌ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ؛ فَصُولِحَ) ؛ أَيْ: صَالَحَ رَبُّ الْأَرْضِ صَاحِبَ الْمَسِيلِ أَوْ الْمِيزَابِ (لِتَرْكِ ذَلِكَ) بِعِوَضٍ؛ جَازَ.
(وَلَهُ وَضْعُ بِنَاءٍ وَخَشَبٍ عَلَى بِنَاءِ غَيْرِهِ صُلْحًا أَبَدًا) ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِجَارَتُهُ؛ فَجَازَ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ بِالصُّلْحِ؛ وَكَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَمَرِّ وَفَتْحِ الْبَابِ بِالْحَائِطِ وَحَفْرِ الْبُقْعَةِ بِالْأَرْضِ بِئْرًا، (أَوْ) فَعَلَ ذَلِكَ (إجَارَةً مُدَّةً مُعَيَّنَةً) ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مُبَاحٌ مَقْصُودٌ؛ (وَإِذَا مَضَتْ) الْمُدَّةُ (بَقِيَ وُجُوبًا؛ وَلَهُ) ؛ أَيْ: مَالِكِ الْعُلْوِ (أُجْرَةُ الْمِثْلِ) ، وَلَا يُطَالِبُ بِإِزَالَةِ بِنَائِهِ وَخَشَبِهِ؛ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تُسْتَأْجَرُ لِذَلِكَ إلَّا لِلتَّبَايُعِ؛ وَمَعَ التَّسَاكُتِ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
ذَكَرَ مَعْنَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ.
قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْتُ: وَعَلَى قِيَاسِهِ الحكورة الْمَعْرُوفَةُ.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْجِوَارِ]
(فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْجِوَارِ) - بِكَسْرِ الْجِيمِ - مَصْدَرُ جَاوَرَ، وَأَصْلُهُ
الْمُلَازَمَةُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمُعْتَكِفِ مُجَاوِرًا؛ لِمُلَازَمَةِ الْجَارِ جَارَهُ فِي الْمَسْكَنِ.
.
وَفِي الْحَدِيثِ «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ (إذَا حَصَلَ فِي هَوَائِهِ) ؛ أَيْ: الْإِنْسَانِ أَوْ عَلَى جِدَارِهِ الْمَمْلُوكِ لَهُ هُوَ أَوْ مَنْفَعَتِهِ، (أَوْ فِي أَرْضِهِ) الَّتِي يَمْلِكُهَا أَوْ بَعْضَهَا أَوْ يَمْلِكُ نَفْعَهَا أَوْ بَعْضَهُ (غُصْنُ شَجَرِ غَيْرِهِ أَوْ عِرْقُهُ) ؛ أَيْ: حَصَلَ فِي هَوَائِهِ غُصْنُ شَجَرِ غَيْرِهِ، أَوْ حَصَلَ فِي أَرْضِهِ عِرْقُ شَجَرِ غَيْرِهِ، فَطَالَبَ رَبُّ الْعَقَارِ أَوْ مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ رَبَّ الْغُصْنِ بِإِزَالَتِهِ؛ (لَزِمَهُ) ؛ أَيْ: رَبَّ الْغُصْنِ أَوْ الْعِرْقِ (إزَالَتُهُ) بِرَدِّهِ إلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى أَوْ قَطْعِهِ؛ سَوَاءٌ أَثَّرَ ضَرَرًا أَوْ لَا، لِيُخْلِيَ لَا مِلْكُهُ الْوَاجِبُ إخْلَاؤُهُ، وَالْهَوَاءُ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ؛ (فَيَأْثَمُ) رَبُّ الْغُصْنِ أَوْ الْعِرْقِ (بِتَرْكِهِ) فِي هَوَاءِ جَارِهِ، أَوْ أَرْضِهِ، (وَلَا يُجْبَرُ) رَبُّ الْغُصْنِ أَوْ الْعِرْقِ عَلَى إزَالَتِهِ بِصَيْرُورَتِهِ مُتَعَدِّيًا بِإِبْقَائِهِ.
قَطَعَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى " وَهُوَ الْمَذْهَبُ، بِخِلَافِ مَنْ مَالَ حَائِطُهُ، فَلَمْ يَهْدِمْهُ حَتَّى أَتْلَفَ شَيْئًا، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ - وَلَوْ طُولِبَ بِنَقْضِهِ وَأَمْكَنَهُ - كَمَا يَأْتِي.
.
(فَإِنْ أَبَى) رَبُّ عِرْقٍ أَوْ غُصْنٍ إزَالَتَهُ؛ (فَلِرَبِّ الْهَوَاءِ) وَالْأَرْضِ (قَطْعُهُ) ؛ أَيْ: الْغُصْنِ أَوْ الْعِرْقِ بِلَا حُكْمِ حَاكِمٍ (حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْهُ إزَالَتُهُ بِدُونِهِ) ؛ أَيْ: الْقَطْعِ، (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ إزَالَتُهُ بِلَا إتْلَافٍ وَلَا قَطْعٍ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ وَلَا غَرَامَةٍ؛ مِثْلُ أَنْ يَلْوِيَهُ وَنَحْوِهِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ إتْلَافُهُ؛ كَالْبَهِيمَةِ الصَّائِلَةِ إذَا انْدَفَعَتْ بِدُونِ الْقَتْلِ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ غَرِمَهُ؛ لِتَعَدِّيهِ، وَ (لَا) يَصِحُّ (صُلْحُهُ) ؛ أَيْ: رَبِّ الْغُصْنِ أَوْ الْعِرْقِ (عَنْ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: بَقَائِهِ كَذَلِكَ (بِعِوَضٍ) ؛ لِأَنَّ شَغْلَهُ لِمِلْكِ الْآخَرِ لَا يَنْضَبِطُ، (وَلَا) صُلْحَ (مَنْ مَالِ حَائِطُهُ لِمِلْكِ غَيْرِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ) ؛ أَيْ: رَبَّ الْحَائِطِ الْمَائِلِ (نَقْضُهُ) ؛ لِأَنَّ مَيْلَهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يَصِحُّ صُلْحُ مَنْ (زَلِقَ) ؛ أَيْ: زَلَّ (خَشَبُهُ) إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ بِعِوَضٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيُزَالُ زَائِدٌ مِنْهُ) ؛ أَيْ: الْحَائِطِ وَالْخَشَبِ.
(وَإِنْ اتَّفَقَ ذُو غُصْنٍ وَهَوَاءٍ) وَأَرْضٍ وَعِرْقٍ عَلَى (أَنْ الثَّمَرَةَ) ؛ أَيْ: ثَمَرَةَ الْغُصْنِ (لَهُ) ؛ أَيْ: لِصَاحِبِ الْهَوَاءِ، (أَوْ أَنْ) الثَّمَرَةَ (بَيْنَهُمَا؛ جَازَ) الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مِنْ الْقَطْعِ، (وَلَمْ يَلْزَمْ) الصُّلْحُ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا إبْطَالُهُ مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى ضَرَرِ رَبِّ الشَّجَرِ؛ لِتَأْبِيدِ اسْتِحْقَاقِ الثَّمَرَةِ عَلَيْهِ، أَوْ مَالِكِ الْهَوَاءِ أَوْ الْأَرْضِ؛ لِتَأْبِيدِ بَقَاءِ الْغُصْنِ أَوْ الْعِرْقِ فِي مِلْكِهِ؛ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهُ، فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ، ثُمَّ امْتَنَعَ رَبُّ الشَّجَرِ مِنْ دَفْعِ مَا صَالَحَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَةِ؛ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، (وَكَذَلِكَ) الْحُكْمُ فِي (الِاتِّفَاقِ فِيمَا نَبَتَ مِنْ عِرْقٍ) ؛ أَيْ: لَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ مَا نَبَتَ فِي الْعِرْقِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَوْ لَهُمَا؛ جَازَ، وَلَمْ يَلْزَمْ.
وَصِحَّةُ الصُّلْحِ هُنَا مَعَ جَهَالَةِ الْعِوَضِ وَهُوَ الثَّمَرَةُ أَوْ النَّابِتُ؛ خِلَافُ، الْقِيَاسِ؛ لِخَبَرِ مَكْحُولٍ يَرْفَعُهُ: «أَيُّمَا شَجَرَةٍ ظَلَّلَتْ عَلَى قَوْمٍ؛ فَهُمْ بِالْخِيَارِ بَيْنَ قَطْعِ مَا ظَلَّلَ وَأَكْلِ ثَمَرِهَا» .
(وَفِي " الْمُبْهِجِ ") فِي الْأَطْعِمَةِ (ثَمَرَةُ غُصْنٍ فِي هَوَاءِ طَرِيقٍ عَامٍّ لِلْمُسْلِمِينَ) ؛ لِأَنَّ إبْقَاءَهُ إذْنٌ فِي تَنَاوُلِ مَا سَقَطَ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ بِمَعْنَاهُ: وَإِنْ امْتَدَّ عُرُوقُ شَجَرِهِ إلَى أَرْضِ جَارِهِ، فَأَثَّرَتْ الْعُرُوقُ ضَرَرًا كَتَأْثِيرِ الْمُمْتَدِّ فِي الْمَصَانِعِ.
(وَيَتَّجِهُ بَلْ) تَكُونُ الثَّمَرَةُ الَّتِي غُصْنُهَا فِي هَوَاءِ الطَّرِيقِ الْعَامِّ (لِلْمَارَّةِ) مُطْلَقًا، (وَ) أَمَّا إذَا كَانَ الْغُصْنُ بِهَوَاءِ (الْمَسْجِدِ) ؛ فَثَمَرَتُهُ (لِلْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ) تَكُونُ لَهُمْ (بَعْدَ طَلَبِ حَاكِمٍ) رَبَّ الْغُصْنِ (بِزَوَالِهِ) ؛ أَيْ: إزَالَتِهِ عَنْ هَوَاءِ الْمَسْجِدِ لِئَلَّا يَضُرَّ بَقَاؤُهُ بِالْمَسْجِدِ؛ فَلَمْ يَفْعَلْ (أَوْ اتِّفَاقِ) رَبِّ الْغُصْنِ مَعَ الْحَاكِمِ عَلَى إبْقَائِهِ عَلَى حَالِهِ - وَلَا ضَرَرَ - وَتَكُونُ ثَمَرَتُهُ لَهُمْ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ؛ كَمَا مَرَّ آنِفًا؛ جَازَ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَطَيُّ الْآبَارِ وَأَسَاسَاتُ الْحِيطَانِ أَوْ كَتَأْثِيرِهِ فِي مَنْعِ الْأَرْضِ الَّتِي امْتَدَّتْ إلَيْهَا الْعُرُوقُ مِنْ نَبَاتِ شَجَرٍ أَوْ زَرْعٍ؛ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، أَوْ لَمْ يُؤَثِّرْ الْمُمْتَدُّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ فَالْحُكْمُ فِي قَطْعِهِ وَفِي الصُّلْحِ عَنْهُ كَالْحُكْمِ فِي الْأَغْصَانِ فِيمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلًا.
(وَحَرُمَ) (إخْرَاجُ نَحْوِ دَكَّةٍ) كَدُكَّانٍ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالدَّكَّةُ - بِالْفَتْحِ - وَالدُّكَّانُ - بِالضَّمِّ - بِنَاءٌ يَصْلُحُ أَعْلَاهُ لِلْمَقْعَدِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَرُمَّانِ الْحَانُوتِ (بِطَرِيقٍ نَافِذٍ - وَلَوْ) كَانَ الطَّرِيقُ (وَاسِعًا) - سَوَاءٌ ضَرَّ بِالْمَارَّةِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَضُرَّ حَالًا فَقَدْ يَضُرُّ مَآلًا - (وَ) لَوْ (أَذِنَ فِيهِ إمَامٌ) - لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ؛ لَا سِيَّمَا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَضُرَّ؛ (فَيَضْمَنُ) مُخْرِجُ دُكَّانٍ أَوْ دَكَّةٍ (مَا تَلِفَ بِهِ) ؛ لِتَعَدِّيهِ؛ كَمَا يَحْرُمُ (حَفْرُ بِئْرٍ بِطَرِيقٍ ضَيِّقٍ) ، وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ.
[تَتِمَّةٌ لَا يَحْفِر فِي الطَّرِيقِ النَّافِذِ بِئْرًا لِنَفْسِهِ]
تَتِمَّةٌ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْفِرَ فِي الطَّرِيقِ النَّافِذِ بِئْرًا لِنَفْسِهِ، سَوَاءٌ جَعَلَهَا لِمَاءِ الْمَطَرِ أَوْ اسْتَخْرَجَ مِنْهَا مَاءً عَذْبًا يَنْتَفِعُ بِهِ بِلَا ضَرَرٍ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ مِلْكٌ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ وَإِذْنُهُمْ كُلُّهُمْ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، وَإِذَا أَرَادَ حَفْرَهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَنَفْعَهُمْ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ، أَوْ كَانَتْ الطَّرِيقُ وَاسِعَةً، وَأَرَادَ حَفْرَهَا فِي مَمَرِّ النَّاسِ بِحَيْثُ يُخَافُ سُقُوطُ إنْسَانٍ أَوْ دَابَّةٍ فِيهَا، أَوْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ مَمَرَّهُمْ؛ لَمْ يَجُزْ.
وَإِنْ حَفَرَهَا فِي زَاوِيَةٍ مِنْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ، وَجَعَلَ عَلَيْهَا مَا يَمْنَعُ الْوُقُوفَ فِيهَا؛ جَازَ؛ كَتَمْهِيدِهَا وَبِنَاءِ رَصِيفٍ فِيهَا.
وَحَفْرُ الْبِئْرِ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُخْرِجَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا مِنْ أَجْزَاءِ الْبِنَاءِ حَتَّى إنَّهُ يُنْهَى عَنْ تَجْصِيصِ الْحَائِطِ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ) رَبُّ الْحَائِطِ بِهِ (فِي حَدِّهِ بِقَدْرِ غِلَظِ الْجِصِّ) انْتَهَى.
(وَكَذَا جَنَاحٌ - وَهُوَ الرَّوْشَنُ) عَلَى أَطْرَافِ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ مَدْفُونَةٍ فِي الْحَائِطِ - (وَسَابَاطٌ - وَهُوَ سَقِيفَةٌ) مُسْتَوْفِيَةٌ لِلطَّرِيقِ (بَيْنَ حَائِطَيْنِ) ؛ أَيْ: عَلَى جِدَارَيْنِ - (وَمِيزَابٌ) ؛ فَيَحْرُمُ إخْرَاجُهَا بِنَافِذٍ