مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(وَ) الثَّانِي عَشَرَ (اعْتِدَادٌ بِأَشْهُرٍ) ، يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَحِيضُ لَا تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ بَلْ بِالْحَيْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] فَأَوْجَبَ الْعِدَّةَ بِالْقُرُوءِ، وَلِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: 4] الْآيَةَ.
(إلَّا) الِاعْتِدَادُ (لِوَفَاةٍ) فَبِالْأَشْهُرِ إنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، وَلَوْ أَنَّهَا تَحِيضُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] .
(وَيَجِبُ بِهِ) أَيْ: الْحَيْضِ (خَمْسَةُ) أَشْيَاءَ: (غُسْلٌ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) يَجِبُ بِهِ (بُلُوغٌ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
فَأَوْجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَتِرَ لِأَجْلِ الْحَيْضِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ حَصَلَ بِهِ.
(وَ) يَجِبُ عَلَى حَائِضٍ (اعْتِدَادٌ) بِالْحَيْضِ (إلَّا لِوَفَاةٍ) ، وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ.
(وَ) يَجِبُ (الْحُكْمُ بِبَرَاءَةِ رَحِمٍ فِي اعْتِدَادٍ) بِهِ، إذْ الْعِلَّةُ مَشْرُوعِيَّةُ الْعِدَّةِ فِي الْأَصْلِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، (وَ) يَجِبُ الْحُكْمُ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ فِي (اسْتِبْرَاءِ) الْإِمَاءِ، إذْ فَائِدَتُهُ ذَلِكَ (وَ) تَجِبُ (كَفَّارَةٌ بِوَطْءٍ فِيهِ) - أَيْ: فِي الْحَيْضِ - قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: قَدْ يُقَالُ الْمُوجِبُ الْوَطْءُ وَالْحَيْضُ شَرْطٌ كَمَا قَالُوا فِي الزِّنَا إنَّهُ مُوجِبٌ.
وَالْإِحْصَانُ شَرْطٌ، وَالْخَطْبُ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ.
(وَنِفَاسٌ مِثْلُهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ - (فِي كُلِّ مَا مَرَّ) مِمَّا يَمْنَعُهُ وَيُوجِبُهُ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ اُحْتُبِسَ لِأَجْلِ الْوَلَدِ، (إلَّا فِي) ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ (اعْتِدَادٌ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْءٍ، فَلَا تَتَنَاوَلُهُ الْآيَةُ.
(وَوُجُوبُ بُلُوغٍ، لِحُصُولِهِ بِ) إنْزَالٍ سَابِقٍ: لِ (حَمْلٍ وَعَدَمُ احْتِسَابٍ بِهِ فِي مُدَّةِ إيلَاءٍ) ، أَيْ: الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ الَّتِي تُضْرَبُ لِلْمُولِي لِطُولِ مُدَّتِهِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ.
(وَلَا يُبَاحُ قَبْلَ غُسْلٍ أَوْ تَيَمُّمٍ بِانْقِطَاعِ دَمِ) حَيْضٍ (غَيْرِ صَوْمٍ) ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ لَا يَمْنَعُ فِعْلَهُ كَالْجَنَابَةِ، (وَ) غَيْرِ (طَلَاقٍ) ، لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ، (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ (لُبْثٌ بِمَسْجِدٍ بِوُضُوءٍ) ، وَتَقَدَّمَ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ) زَوْجٌ وَسَيِّدٌ (مِنْ حَائِضٍ) زَمَنَ حَيْضٍ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) مِنْ (نُفَسَاءَ) كَذَلِكَ، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(بِدُونِ فَرْجٍ) مِمَّا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا، لِمَا " رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] أَيْ: اعْتَزِلُوا نِكَاحَ فُرُوجِهِنَّ وَلِأَنَّ الْمَحِيضَ اسْمٌ لِمَكَانِ الْحَيْضِ، كَالْمَقِيلِ وَالْمَبِيتِ، فَيَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بِهِ، وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي لَفْظٍ " إلَّا الْجِمَاعَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَحِلُّ مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: لَك مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ، وَعَلَى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِالْمَفْهُومِ، وَالْمَنْطُوقُ رَاجِحٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ «إنَّهُ كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَتَّزِرَ فَيُبَاشِرَنِي وَأَنَا حَائِضٌ» فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ أَيْضًا لِلتَّحْرِيمِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُبَاحِ تَعَذُّرًا، كَتَرْكِهِ أَكْلَ الضَّبِّ.
(وَيُسَنُّ سَتْرُهُ) - أَيْ: الْفَرْجِ - (إذَنْ) أَيْ: حِينِ اسْتِمْتَاعِهِ بِمَا دُونَهُ، لِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ مِنْ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا خِرْقَةً» رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد.
(فَإِنْ) (أَوْلَجَ) مَنْ يُجَامِعُ مِثْلُهُ (الْحَشَفَةَ أَوْ قَدْرَهَا) مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي فَرْجِ حَائِضٍ (قَبْلَ انْقِطَاعِهِ) أَيْ: الْحَيْضِ - (أَوْ حَاضَتْ) مُجَامَعَةً (فِي أَثْنَاءِ وَطْءِ مَنْ يُجَامِعُ مِثْلُهُ) وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ (وَلَوْ بِحَائِلٍ) لَفَّهُ عَلَى ذَكَرِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) سَوَاءٌ كَانَ إيلَاجُهُ بِمَنْ تُبَاحُ لَهُ أَوْ بِشُبْهَةٍ (أَوْ زِنًى) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَعَلَيْهِ) - أَيْ: الْمُولِجِ - (كَفَّارَةُ دِينَارٍ، زِنَتُهُ مِثْقَالٌ خَالٍ مِنْ غِشٍّ أَوْ نِصْفُهُ عَلَى التَّخْيِيرِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَتَخَيُّرُهُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَنِصْفِهِ كَتَخْيِيرِ الْمُسَافِرِ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ.
(أَوْ قِيمَتُهُ مِنْ فِضَّةٍ لَا) مِنْ (غَيْرِهَا) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ جَامَعَ طَاهِرًا فَحَاضَتْ، فَنَزَعَ فِي الْحَالِ، لِأَنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ.
(وَلَوْ) كَانَ الْمُولِجُ (مُكْرَهًا) ، لِأَنَّ الْإِيلَاجَ لَا يَتَأَتَّى مَعَ الْإِكْرَاهِ.
(وَيَتَّجِهُ مَا لَمْ) (يُدْخِلْهُ) - أَيْ: ذَكَرَهُ - بِأُصْبُعِهِ (إذَنْ) أَيْ: حَالَ الْإِكْرَاهِ (بِلَا انْتِشَارٍ) فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنَّهُ مُكْرَهٌ، وَالْمُكْرَهُ غَيْرُ آثِمٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ) كَانَ (نَاسِيًا) الْحَيْضَ.
(أَوْ) كَانَ (جَاهِلَ حَيْضٍ وَتَحْرِيمٍ) ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ.
وَكَالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ، (وَكَذَا هِيَ) ، أَيْ: وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي الْكَفَّارَةِ قِيَاسًا عَلَيْهِ (إنْ طَاوَعَتْهُ) عَلَى الْوَطْءِ فَإِنْ أَكْرَهَهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، وَقِيَاسُهُ لَوْ كَانَتْ نَاسِيَةً أَوْ جَاهِلَةً.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى وَاطِئٍ وَمَوْطُوءٍ اخْتِيَارًا، (وَلَوْ) كَانَا (قِنَّيْنِ) لِتَكْلِيفِهِمَا بِالْأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ، فَتَتَعَلَّقُ الْكَفَّارَةُ بِرَقَبَتِهِمَا يُؤَدِّيَانِهَا بَعْدَ عِتْقِهِمَا، مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُمَا السَّيِّدُ بِالتَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ، (فَإِنْ) أَذِنَ لَهُمَا، وَأَجْزَأَهُمَا، (وَلَا يُعَزَّرَانِ لِوُجُوبِهَا) - أَيْ: الْكَفَّارَةِ - عَلَيْهِمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَتَسْقُطُ) الْكَفَّارَةُ (بِعَجْزٍ) عَنْهَا، كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَإِنْ كَرَّرَ الْوَطْءَ فِي حَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ فَكَالصَّوْمِ، فَلَوْ جَامَعَ فِي يَوْمٍ ثُمَّ فِي آخَرَ وَلَمْ يُكَفِّرْ، لَزِمَتْهُ ثَانِيَةٌ، كَمَنْ أَعَادَ فِي يَوْمِهِ بَعْدَ أَنْ كَفَّرَ.
(وَمَصْرِفُهَا) - أَيْ: هَذِهِ الْكَفَّارَةِ - (كَغَيْرِهَا) مِنْ بَقِيَّةِ الْكَفَّارَاتِ، أَيْ: لِمَنْ لَهُ أَخْذُ زَكَاةٍ لِحَاجَتِهِ، (وَتُجْزِئُ لِمِسْكِينٍ) وَاحِدٍ (كَنَذْرِ مُطْلَقٍ) ، أَيْ: كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَنْ يَتَصَدَّقُ
عَلَيْهِ.
(وَوَطْءُ حَائِضٍ) فِي فَرْجِهَا (كَبِيرَةٌ،) (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (هُنَا) وَأَمَّا فِي " الشَّهَادَاتِ " فَإِنَّهُ عَدَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ.
(وَلَا كَفَّارَةَ بِوَطْءِ) حَائِضٍ (بَعْدَ انْقِطَاعِ) الدَّمِ (وَقَبْلَ غُسْلِهَا) مِنْهُ، لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ «وَهِيَ حَائِضٌ» وَهَذِهِ لَيْسَتْ بِحَائِضٍ (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا كَفَّارَةَ (بِوَطْءِ) الْحَائِضِ (فِي دُبُرِهَا) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ.
[فَرْعٌ أَرَادَ وَطْأَهَا فَادَّعَتْ حَيْضًا وَأَمْكَنَ]
(فَرْعٌ: لَوْ أَرَادَ وَطْأَهَا فَادَّعَتْ حَيْضًا وَأَمْكَنَ) بِأَنْ كَانَتْ فِي سِنٍّ يَتَأَتَّى فِيهِ الْحَيْضُ (قُبِلَ) قَوْلُهَا (نَصًّا لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ) فَيَجِبُ الْكَفُّ عَنْهَا.
(وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: اتَّفَقُوا) - أَيْ: الْعُلَمَاءُ - (عَلَى قَبُولِ) (قَوْلِ الْمَرْأَةِ) - أَيْ: الْمَاشِطَةِ وَنَحْوِهَا - (تَزِفُّ الْعَرُوسَ إلَى زَوْجِهَا فَتَقُولُ: هَذِهِ زَوْجَتُك) ، وَعَلَى اسْتِبَاحَةِ وَطْئِهَا بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ، (وَ) عَلَى تَصْدِيقِ مَنْ أُرِيدَ وَطْؤُهَا (فِي قَوْلِهَا: أَنَا حَائِضٌ، أَوْ) قَوْلُهَا: (قَدْ طَهُرْت) ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا.
[فَصْلٌ سِنُّ الْحَيْضِ وَقَدْره]
(فَصْلٌ) (وَأَقَلُّ سِنِّ حَيْضٍ) ، أَيْ: سِنُّ امْرَأَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَحِيضَ: (تَمَامُ تِسْعِ سِنِينَ) تَحْدِيدًا لِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ قَبْلَ هَذَا السِّنِّ، وَلِأَنَّهُ خُلِقَ لِحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ، وَهَذِهِ لَا تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ، فَلَا تُوجَدُ فِيهَا حِكْمَتُهُ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ " إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ " وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَالْمُرَادُ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَرْأَةِ، فَمَتَى رَأَتْ دَمًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا حُكِمَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا وَبِبُلُوغِهَا.
وَإِنْ رَأَتْهُ قَبْلَ.
هَذَا السِّنِّ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا.
(وَأَكْثَرُهُ) ، أَيْ: أَكْثَرُ سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ النِّسَاءُ: (خَمْسُونَ سَنَةً) ، هَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " " وَالْمَذْهَبِ " " وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ " " وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ " " وَالطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ "
وَالْهَادِي " " وَالْخُلَاصَةِ " " وَالتَّرْغِيبِ " " وَنَظْمِ نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ " " وَالْإِفَادَاتِ " " وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ " وَهُوَ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: هُوَ اخْتِيَارُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ.
قَالَ فِي " الْبُلْغَةِ " هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ " قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ لِقَوْلِ عَائِشَةَ " إذَا بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ " وَعَنْهَا أَيْضًا " لَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ " رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّالَنْجِيُّ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِنَّ.
لِاسْتِوَائِهِنَّ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) ، أَيْ: سِنِّ الْحَيْضِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
(وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ) ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ: لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ الْقَاضِي فَجَعَلَ الْحَيْضَ عَلَمًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَقِّ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ «لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» فَجَعَلَ الْحَمْلَ عَلَمًا عَلَى عَدَمِ الْحَيْضِ كَالطُّهْرِ، احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
(فَلَا يَثْبُتُ لَهَا) - أَيْ: الْحَامِلِ - (وَلَا لِمَنْ جَاوَزَتْ خَمْسِينَ سَنَةً حُكْمُ حَائِضٍ) وَلَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ حَيْضُهَا عَنْ عَادَتِهَا الَّتِي كَانَتْ تَرَاهُ فِيهَا، فَلَا تَتْرُكُ الْعِبَادَةَ (بِدَمٍ تَرَاهُ) ، لِأَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ لَا حَيْضٍ، وَلَا يُمْنَعُ زَوْجُهَا أَوْ سَيِّدُهَا وَطْأَهَا.
قَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ ": إنْ خَافَ الْعَنَتَ، أَيْ: مِنْهُ أَوْ مِنْهَا، إلَّا أَنْ تَرَاهُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَهُوَ نِفَاسٌ، وَيَأْتِي.
وَتَغْتَسِلُ الْحَامِلُ إذَا رَأَتْ دَمًا عِنْدَ انْقِطَاعِهِ نَصًّا اسْتِحْبَابًا لِلِاحْتِيَاطِ، وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
(وَأَقَلُّ حَيْضٍ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ عَلَى الْحَيْضِ أَحْكَامًا وَلَمْ يُبَيِّنْهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ رَدَّهُ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحَرْزِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مُعْتَادٌ يَوْمًا، وَلَمْ يُوجَدْ أَقَلُّ مِنْهُ، قَالَ عَطَاءٌ: رَأَيْت مَنْ
تَحِيضُ يَوْمًا لَا تَزِيدُهُ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْدِيُّ: كَانَ فِي نِسَائِنَا مَنْ تَحِيضُ، أَيْ: بِلَيْلَتِهِ، لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقِ الْيَوْمِ، وَالْمُرَادُ مِقْدَارُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَيْ: أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً، (فَلَوْ انْقَطَعَ) الدَّمُ (لِأَقَلَّ) مِنْ يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ، (فَ) لَيْسَ بِحَيْضٍ، بَلْ هُوَ (دَمُ فَسَادٍ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَأَكْثَرُهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ - (خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) بِلَيَالِيِهِنَّ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ " مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ " وَأَقَلُّ الْحَيْضِ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، قَالَ عَطَاءٌ: رَأَيْت مَنْ تَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي سُنَنِهِ " عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ، قِيلَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ؟ ، قَالَ: تَمْكُثُ إحْدَاهُنَّ شَطْرَ عُمُرِهَا لَا تُصَلِّي» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: لَا يَثْبُتُ هَذَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِهَذَا قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنَجَّى أَنَّهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(وَغَالِبُهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ (سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ لَمَّا سَأَلَتْهُ «تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُك وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَاهُ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَأَقَلُّ طُهْرٍ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا) ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ: قُلْ فِيهَا، فَقَالَ شُرَيْحٌ: إنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ
يُرْجَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ، وَإِلَّا: فَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قالون " - أَيْ: جَيِّدٌ بِالرُّومِيَّةِ - وَهَذَا لَا يَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا، وَهُوَ قَوْلُ صَحَابِيٍّ اشْتَهَرَ وَلَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ، وَوُجُودُ ثَلَاثِ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرٌ صَحِيحٌ يَقِينًا، قَالَ أَحْمَدُ: لَا نَخْتَلِفُ أَنَّ الْعِدَّةَ يَصِحُّ أَنْ تَنْقَضِيَ فِي شَهْرٍ إذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ.
(وَأَقَلُّهُ) - أَيْ: الطُّهْرِ - (بِزَمَنِ حَيْضٍ) - أَيْ: فِي أَثْنَائِهِ - (حُصُولُ نَقَاءٍ خَالِصٍ بِأَنْ لَا تَتَغَيَّرَ قُطْنَةٌ احْتَشَتْ بِهَا) ، طَالَ زَمَنُهُ أَوْ قَصُرَ، (وَلَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا) ، أَيْ: مَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا وَاغْتَسَلَتْ، (زَمَنَهُ) ، أَيْ: زَمَنَ طُهْرِهَا فِي أَثْنَاءِ حَيْضِهَا، لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى، فَإِذَا انْقَطَعَ وَاغْتَسَلَتْ فَقَدْ زَالَ الْأَذَى.
(وَغَالِبُهُ) - أَيْ: الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ - (بَقِيَّةُ الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ) بَعْدَ مَا حَاضَتْهُ مِنْهُ إذْ الْغَالِبُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَحِيضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً، فَمَنْ تَحِيضُ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً مِنْ الشَّهْرِ، فَغَالِبُ طُهْرِهَا: أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا.
(وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) - أَيْ: الطُّهْرِ - لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ تَحْدِيدُهُ شَرْعًا.
وَمِنْ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ الشَّهْرَ وَالثَّلَاثَ وَالسِّتَّةَ فَأَكْثَرَ، وَمِنْهُنَّ مَنْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا.
[فَرْعٌ أَحَبَّتْ حَائِضٌ قَضَاءَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَرَكَتْهَا أَيَّامَ حَيْضِهَا]
(فَرْعٌ: لَوْ أَحَبَّتْ حَائِضٌ قَضَاءَ الصَّلَاةِ) الَّتِي تَرَكَتْهَا أَيَّامَ حَيْضِهَا: (فَظَاهِرُ نَقْلِ الْأَثْرَمُ) عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: (الْمَنْعُ) مِنْ الْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ.
[فَصْلٌ الْمُبْتَدَأَةُ بِدَمٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ]
(فَصْلٌ) (وَالْمُبْتَدَأَةُ بِدَمٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ) ، أَيْ: الَّتِي ابْتَدَأَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ (تَجْلِسُ) ، أَيْ: تَدَعُ نَحْوَ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ
وَقِرَاءَةٍ وَطَوَافٍ (بِمُجَرَّدِ مَا تَرَاهُ) ، أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ دَمٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ، لِأَنَّ الْحَيْضَ جِبِلَّةٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْفَسَادِ فَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ بُلُوغِ أَقَلِّ الْحَيْضِ لَمْ يَجِبْ لَهُ غُسْلٌ، لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا، وَإِلَّا جَلَسَتْ (أَقَلَّهُ) : يَوْمًا وَلَيْلَةً، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ وَاجِبَةٌ فِي ذِمَّتِهَا بِيَقِينٍ، وَمَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْحَيْضِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا نُسْقِطُهَا بِالشَّكِّ، وَلَوْ لَمْ نُجْلِسْهَا الْأَقَلَّ لَأَدَّى إلَى عَدَمِ جُلُوسِهَا أَصْلًا.
(وَيَتَّجِهُ) بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ (أَنَّهُ) - أَيْ: الْأَقَلُّ (حَيْضٌ) فَلَا تُعِيدُ بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْهُ نَحْوَ صَلَاةٍ تَرَكَتْهَا زَمَنَهُ، لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ حَيْضٌ (وَلَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (بِخِلَافِ مَا زَادَ) عَلَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَكَرُّرِهِ إذْ لَا يَكُونُ حَيْضًا إلَّا بِتَكَرُّرِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(ثُمَّ تَغْتَسِلُ) بَعْدَهُ سَوَاءٌ انْقَطَعَ لِذَلِكَ أَوْ لَا، (وَتُصَلِّي وَنَحْوَهُ) ، أَيْ: تَصُومُ وَتَطُوفُ، لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّهِ يَحْتَمِلُ الِاسْتِحَاضَةَ، فَلَا تَتْرُكُ الْوَاجِبَ بِالشَّكِّ وَلَا تُصَلِّي قَبْلَ الْغُسْلِ لِوُجُوبِهِ لِلْحَيْضِ.
(فَإِذَا) جَاوَزَ الدَّمُ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثُمَّ (انْقَطَعَ وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ - بِأَنْ انْقَطَعَ لِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا دُونَ، (اغْتَسَلَتْ أَيْضًا) وُجُوبًا لِصَلَاحِيَّتِهِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، تَفْعَلُهُ، أَيْ: مَا ذُكِرَ، وَهُوَ: جُلُوسُهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَغُسْلُهَا عِنْدَ آخِرِهَا، وَغُسْلُهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، (تَفْعَلُهُ ثَلَاثًا) - أَيْ: فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ - لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِك» وَهِيَ صِيغَةُ جَمْعٍ.
وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ، (فَلَا تَثْبُتُ عَادَةٌ بِدُونِهَا) - أَيْ: الثَّلَاثِ - عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا مَا اُعْتُبِرَ لَهُ التَّكْرَارُ اُعْتُبِرَ فِيهِ الثَّلَاثُ كَالْأَقْرَاءِ وَالشُّهُورِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَكَخِيَارِ الْمُصَرَّاةِ وَمُهْلَةِ الْمُرْتَدِّ.
(فَإِنْ
لَمْ يَخْتَلِفْ) حَيْضُهَا فِي الشُّهُورِ الثَّلَاثَةِ (صَارَ عَادَةً تَنْتَقِلُ إلَيْهِ) فَتَجْلِسُ جَمِيعَهُ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ، لِتَيَقُّنِهِ حَيْضًا، (وَتُعِيدُ نَحْوَ صَوْمِ فَرْضٍ) كَرَمَضَانَ وَقَضَائِهِ وَنَذْرٍ وَطَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ وَاجِبِينَ إذَا وَقَعَ ذَلِكَ (فِيهِ) . لِأَنَّا تَبَيَّنَّا فَسَادَهُ، لِكَوْنِهِ فِي الْحَيْضِ وَإِنْ اخْتَلَفَ، فَمَا تَكَرَّرَ مِنْهُ ثَلَاثًا: فَحَيْضٌ، مُرَتَّبًا كَانَ كَخَمْسَةٍ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ وَسِتَّةٍ فِي ثَانٍ وَسَبْعَةٍ فِي ثَالِثٍ، أَوْ غَيْرَ مُرَتَّبٍ، وَ (لَا) تُعِيدُ ذَلِكَ (إنْ أَيِسَتْ قَبْلَ تَكْرَارِهِ ثَلَاثًا) بِلَيَالِيِهَا، (أَوْ لَمْ يَعُدْ) الدَّمُ إلَيْهَا حَتَّى أَيِسَتْ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ حِينَئِذٍ، لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ كَوْنَهُ حَيْضًا وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهَا.
(وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا فِيهِ) ، أَيْ: فِي الدَّمِ الزَّائِدِ، أَيْ: زَمَنِهِ، الْمُجَاوِزِ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ قَبْلَ تَكْرَارِهِ نَصًّا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حَيْضٌ، وَإِنَّمَا أَمَرْنَاهَا بِالْعِبَادَةِ احْتِيَاطًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا، فَتَعَيَّنَ تَرْكُ وَطْئِهَا احْتِيَاطًا.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِمَا فِي وَطْءٍ.
زَمَنَ حَيْضٍ مُجَاوِزٍ لِأَقَلِّهِ.
(إلَّا إنْ تَكَرَّرَ) ثَلَاثًا.
إذْ تَكْرَارُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَيْضٌ يَقِينًا، فَتَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ حِينَئِذٍ، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " " وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يُكْرَهُ) وَطْؤُهَا بَعْدَ غُسْلِهَا (إنْ حَصَلَ نَقَاءٌ خَالِصٌ) فِي أَثْنَائِهِ، (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ النَّقَاءُ (دُونَ يَوْمٍ) ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حُصُولِهِ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، لِأَنَّهَا رَأَتْ النَّقَاءَ الْخَالِصَ، (خِلَافًا
لِلْمُنْتَهَى ") .
فَإِنَّهُ قَالَ وَلَا يُكْرَهُ إنْ طَهُرَتْ يَوْمًا فَأَكْثَرَ.
وَهَذَا فِي الْمُبْتَدَأَةِ.
وَمَا سَبَقَ فِي الْمُعْتَادَةِ فَلَا مُعَارَضَةَ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَ) الدَّمُ بِأَنْ صَارَ عَلَى أَعْدَادٍ مُخْتَلِفَةٍ.
(فَعَادَتُهَا مَا تَكَرَّرَ) مِنْهُ دُونَ مَا لَمْ يَتَكَرَّرْ.
فَإِنْ كَانَ مُرَتَّبًا (كَخَمْسَةٍ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ وَسِتَّةٍ بِ) شَهْرٍ (ثَانٍ وَسَبْعَةٍ بِ) شَهْرٍ (ثَالِثٍ: فَتَجْلِسُ الْخَمْسَةَ) لِتَكَرُّرِهَا ثَلَاثًا كَمَا لَوْ لَمْ يَخْتَلِفْ.
(وَكَذَا عَكْسُهُ) : كَأَنْ تَرَى فِي الْأَوَّلِ سَبْعَةً، وَفِي الثَّانِي سِتَّةً، وَفِي الثَّالِثِ خَمْسَةً: فَتَجْلِسُ الْخَمْسَةَ لِأَنَّهَا الْمُتَكَرِّرَةُ، (وَ) إنْ رَأَتْ (خَمْسَةً بِ) شَهْرٍ (أَوَّلٍ وَأَرْبَعَةً بِ) شَهْرٍ (ثَانٍ وَسِتَّةً بِ) شَهْرٍ ثَالِثٍ: (فَتَجْلِسُ الْأَرْبَعَةَ) لِتَكَرُّرِهَا، ثُمَّ كُلَّمَا تَكَرَّرَ شَيْءٌ جَلَسَتْهُ.
(وَإِنْ جَاوَزَ) دَمُهَا (أَكْثَرَهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ - (فَ) هِيَ (مُسْتَحَاضَةٌ) ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ الدَّمَ كُلَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَالِاسْتِحَاضَةُ كَمَا تَقَدَّمَ: سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ مِنْ أَدْنَى الرَّحِمِ دُونَ قَعْرِهِ، إذْ الْمَرْأَةُ لَهَا فَرْجَانِ: دَاخِلٌ بِمَنْزِلَةِ الدُّبُرِ مِنْهُ الْحَيْضُ، وَخَارِجٌ كَالْأَلْيَتَيْنِ مِنْهُ الِاسْتِحَاضَةُ.
ثُمَّ هِيَ لَا تَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا أَوْ غَيْرَهُ، (فَمَا بَعْضُهُ ثَخِينٌ) وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ، (أَوْ) بَعْضُهُ (أَسْوَدُ) وَبَعْضُهُ أَحْمَرُ (أَوْ) بَعْضُهُ (مُنْتِنٌ) وَبَعْضُهُ غَيْرُ مُنْتِنٍ، (وَصَلُحَ) : بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِهَا، أَيْ: الثَّخِينُ أَوْ الْأَسْوَدُ أَوْ الْمُنْتِنُ (حَيْضًا، لِبُلُوغِهِ أَقَلَّهُ) : يَوْمًا وَلَيْلَةً، (وَعَدَمُ مُجَاوَزَةِ أَكْثَرِهِ) خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (تَجْلِسُهُ) ، أَيْ: تَدَعُ زَمَنَهُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ، فَإِذَا مَضَى اغْتَسَلَتْ وَفَعَلَتْ ذَلِكَ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ: «إذَا كَانَ الْحَيْضُ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ وَيُعْرَفُ، فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ وَإِذَا كَانَ الْآخَرَ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي، فَإِنَّمَا هُوَ دَمُ عِرْقٍ»
وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَرَجَعَ إلَى صِفَتِهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ كَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ، وَحَيْثُ صَلُحَ لِذَلِكَ جَلَسَتْهُ، (وَلَوْ لَمْ يَتَوَالَ) : بِأَنْ كَانَتْ تَرَى يَوْمًا أَسْوَدَ وَيَوْمًا أَحْمَرَ، إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فَمَا دُونَ، ثُمَّ أَطْبَقَ الْأَحْمَرُ: فَتَضُمُّ الْأَسْوَدَ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ وَتَجْلِسُهُ، وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ، وَكَذَا لَوْ رَأَتْ يَوْمًا أَسْوَدَ وَسِتَّةً أَحْمَرَ، ثُمَّ يَوْمًا أَسْوَدَ ثُمَّ سِتَّةً أَحْمَرَ، ثُمَّ يَوْمًا أَسْوَدَ ثُمَّ أَطْبَقَ الْأَحْمَرُ: فَتَجْلِسُ الثَّلَاثَةَ زَمَنَ الْأَسْوَدِ.
(أَوْ) لَمْ (يَتَكَرَّرْ) ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (فَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً) دَمًا (أَسْوَدَ، ثُمَّ) رَأَتْ دَمًا (أَحْمَرَ وَجَاوَزَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ) ، أَيْ: جَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، (فَحَيْضُهَا زَمَنُ) الدَّمِ (الْأَسْوَدِ) فَتَجْلِسُهُ، وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ، لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا، (أَوْ رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) دَمًا (أَسْوَدَ وَفِي) الشَّهْرِ (الثَّانِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَفِي) الشَّهْرِ (الثَّالِثِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَحَيْضُهَا زَمَنُ الْأَسْوَدِ فَقَطْ) لِصَلَاحِيَّتِهِ لِذَلِكَ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) دَمُهَا (مُتَمَيِّزًا) بِأَنْ كَانَ كُلُّهُ أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ وَنَحْوَهُ، (أَوْ كَانَ) مُتَمَيِّزًا (وَلَمْ يَصْلُحْ) الْأَسْوَدُ وَنَحْوُهُ أَنْ يَكُونَ (حَيْضًا) بِأَنْ نَقَصَ عَنْ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَوْ زَادَ عَنْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا: (فَتَجْلِسُ أَقَلَّ حَيْضٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) ، لِأَنَّهُ الْيَقِينُ (حَتَّى تَتَكَرَّرَ اسْتِحَاضَتُهَا ثَلَاثًا) ، لِأَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِدُونِهَا، (ثُمَّ تَجْلِسُ بَعْدَ) التَّكْرَارِ (مِنْ) مِثْلِ (أَوَّلِ وَقْتِ ابْتِدَاءٍ بِهَا) إنْ عَلِمَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِتَحَرٍّ، (أَوْ) تَجْلِسُ مِنْ (أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ إنْ جَهِلَتْهُ) ، أَيْ: وَقْتَ ابْتِدَائِهَا بِالدَّمِ (سِتًّا أَوْ سَبْعًا) مِنْ الْأَيَّامِ بِلَيَالِيِهَا، (بِتَحَرٍّ) - أَيْ: بِاجْتِهَادٍ - فِي حَالِ الدَّمِ، وَعَادَةِ أَقَارِبِهَا النِّسَاءِ وَنَحْوِهِ،
لِحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ «قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، فَقَالَ: تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، ثُمَّ اغْتَسِلِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَعَمَلًا بِالْغَالِبِ.
(وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (وُجُوبُ قَضَاءِ) مَنْ جَهِلَتْ وَقْتَ ابْتِدَائِهَا بِالدَّمِ (نَحْوَ صَوْمٍ) كَطَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ وَاجِبَيْنِ (فِيمَا) - أَيْ: زَمَنَ - (فَعَلَتْهُ) ، أَيْ: الصَّوْمَ وَنَحْوَهُ.
(قَبْلَ) التَّحَرِّي، كَمَنْ جَهِلَ الْقِبْلَةَ وَصَلَّى بِلَا تَحَرٍّ فَيَقْضِي وَلَوْ أَصَابَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَصْلٌ اُسْتُحِيضَتْ مَنْ لَهَا عَادَةٌ جَلَسَتْهَا]
(فَصْلٌ) (وَإِنْ اُسْتُحِيضَتْ مَنْ لَهَا عَادَةٌ جَلَسَتْهَا) - أَيْ: عَادَتَهَا - (إنْ عَلِمَتْهَا بِأَنْ تَعْرِفَ شَهْرَهَا وَوَقْتَ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا وَعَدَدَ أَيَّامِهَا وَلَوْ كَانَ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا) ، لِعُمُومِ «قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمِّ حَبِيبَةَ إذْ سَأَلَتْهُ عَنْ الدَّمِ اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ أَقْوَى لِكَوْنِهَا لَا تَبْطُلُ دَلَالَتُهَا، بِخِلَافِ نَحْوِ اللَّوْنِ إذَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ بَطَلَتْ دَلَالَتُهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ مُتَّفِقَةً أَوْ مُخْتَلِفَةً، و (لَا) تَجْلِسُ (مَا نَقَصَتْهُ عَادَتُهَا قَبْلُ) ، أَيْ: قَبْلَ اسْتِحَاضَتِهَا، فَإِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ فَصَارَتْ أَرْبَعَةً ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ: جَلَسَتْ الْأَرْبَعَةَ فَقَطْ، (وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ) النَّقْصُ (كَمَنْ عَادَتُهَا عَشْرَةُ)
أَيَّامٍ (فَرَأَتْ خَمْسَةَ) أَيَّامٍ.
(ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ: فَتَجْلِسُ الْخَمْسَةَ) حَيْثُ عَلِمَتْهَا عَادَتَهَا، (وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْهَا) - أَيْ: عَادَتَهَا - بِأَنْ جَهِلَتْ شَهْرَهَا وَوَقْتَ حَيْضِهَا وَعَدَدَ أَيَّامِهَا (عَمِلَتْ) وُجُوبًا (بِتَمْيِيزٍ صَالِحٍ لِحَيْضٍ) بِأَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَا يَزِيدَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ، وَتَقَدَّمَ.
(وَلَوْ تَنَقَّلَ) التَّمْيِيزُ بِأَنْ لَمْ يَتَوَالَ (أَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ، (فَإِنْ لَمْ يَكُ) لِدَمِهَا (تَمْيِيزٌ) بِأَنْ كَانَ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ، (أَوْ كَانَ) لَهَا تَمْيِيزٌ (وَ) لَكِنَّهُ (لَيْسَ بِصَالِحٍ) بِأَنْ نَقَصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَوْ جَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ: (فَ) هِيَ (مُتَحَيِّرَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَحَيَّرَتْ فِي حَيْضِهَا بِجَهْلِ عَادَتِهَا وَعَدَمِ تَمْيِيزِهَا، (لَا تَفْتَقِرُ اسْتِحَاضَتُهَا إلَى تَكْرَارٍ) ، بِخِلَافِ الْمُبْتَدَأَةِ.
وَلِلْمُتَحَيِّرَةِ أَحْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنْ تَنْسَى عَدَدَ أَيَّامِهَا دُونَ مَوْضِعِ حَيْضِهَا، وَقَدْ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: (فَتَجْلِسُ نَاسِيَةً عَدَدًا فَقَطْ فِي مَوْضِعِ حَيْضِهَا مِنْ أَوَّلِهِ غَالِبَ حَيْضٍ) سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِالتَّحَرِّي (إنْ اتَّسَعَ شَهْرُهَا لَهُ) ، أَيْ: لِغَالِبِ الْحَيْضِ، (كَ) أَنْ يَكُونَ شَهْرُهَا (عِشْرِينَ) فَأَكْثَرَ، فَتَجْلِسُ فِي أَوَّلِهَا سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِالتَّحَرِّي، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّيَ بَقِيَّةَ الْعِشْرِينَ، ثُمَّ تَعُودُ إلَى فِعْلِ ذَلِكَ أَبَدًا.
(وَإِلَّا) يَتَّسِعْ شَهْرُهَا لِغَالِبِ الْحَيْضِ وَأَقَلِّ الطُّهْرِ، (فَ) إنَّهَا تَجْلِسُ (الْفَاضِلَ) مِنْ شَهْرِهَا (بَعْدَ أَقَلِّ طُهْرٍ) بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ، كَأَنْ يَكُونَ شَهْرُهَا (ثَمَانِيَةَ عَشَرَ) يَوْمًا، (فَ) إنَّهَا (تَجْلِسُ) الزَّائِدَ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ، وَهُوَ (خَمْسَةُ) أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهَا الْبَاقِي مِنْ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ بَعْدَ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ فَتَجْلِسُهَا فَقَطْ، (لِئَلَّا يَنْقُصَ طُهْرٌ عَنْ أَقَلِّهِ) فَيَخْرُجَ عَنْ كَوْنِهِ طُهْرًا.
(وَشَهْرُهَا) - أَيْ: الْمَرْأَةِ - (مَا اجْتَمَعَ لَهَا فِيهِ حَيْضٌ وَطُهْرٌ صَحِيحَانِ) ، أَيْ: تَامَّانِ (كَأَرْبَعَةَ عَشَرَ) يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا: يَوْمٌ بِلَيْلَتِهِ لِلْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّهُ، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ بِلَيَالِيِهَا لِلطُّهْرِ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّهَا.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ تَذْكُرَ عَدَدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا وَتَنْسَى مَوْضِعَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ: (وَ) تَجْلِسُ (نَاسِيَةً وَقْتَ " فَقَطْ " الْعَدَدِ بِهِ) ، أَيْ: بِشَهْرِهَا مِنْ أَوَّلِ مُدَّةٍ عُلِمَ الْحَيْضُ فِيهَا وَضَاعَ مَوْضِعُهُ، كَنِصْفِ الشَّهْرِ الثَّانِي، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ لِحَيْضِهَا مُدَّةً: بِأَنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ هَلْ كَانَ حَيْضُهَا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ؟ فَإِنَّهَا تَجْلِسُ الْعَدَدَ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ حَمْلًا عَلَى الْغَالِبِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا تَذْكُرَ عَدَدًا وَلَا وَقْتًا لِحَيْضِهَا، وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَ) تَجْلِسُ (نَاسِيَتُهُمَا) ، أَيْ: الْعَدَدِ وَالْوَقْتِ، (غَالِبَ حَيْضٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ مُدَّةٍ عُلِمَ) الْحَيْضُ (فِيهَا وَضَاعَ مَوْضِعُهُ، كَنِصْفِ الشَّهْرِ الثَّانِي) أَوْ نِصْفِ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ أَوْ الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ الشَّهْرِ، (فَإِنْ جَهِلَتْ) كَوْنَ مَوْضِعِهَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (فَ) إنَّهَا تَجْلِسُ غَالِبَ الْحَيْضِ (مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ كَمُبْتَدَأَةٍ) ، أَيْ: كَمَا تَفْعَلُ الْمُبْتَدَأَةُ ذَلِكَ، لِحَدِيثِ حَمْنَةَ، وَتَقَدَّمَ.
(وَمَتَى ذَكَرَتْ) النَّاسِيَةُ (عَادَتَهَا رَجَعَتْ إلَيْهَا) فَجَلَسَتْهَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْجُلُوسِ فِيهَا كَانَ لِعَارِضِ النِّسْيَانِ، وَقَدْ زَالَ، فَرَجَعَتْ إلَى الْأَصْلِ، (وَقَضَتْ الْوَاجِبَ زَمَنَهَا) أَيْ: زَمَنَ عَادَتِهَا - (مِنْ نَحْوِ صَوْمٍ) وَطَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ وَاجِبٍ، لِتَبَيُّنِ فَسَادِهِ بِكَوْنِهِ صَادَفَ حَيْضَهَا.
(وَلَا) يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ (صَلَاةٍ) تَرَكَتْهَا زَمَنَ عَادَتِهَا، (وَ) تَقْضِي الْوَاجِبَ أَيْضًا (زَمَنَ جُلُوسِهَا فِي غَيْرِهَا) ، أَيْ: غَيْرِ عَادَتِهَا مِنْ نَحْوِ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَمَنِ حَيْضٍ.
فَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا سِتَّةً إلَى آخِرِ الْعَشْرِ الْأَوَّلِ، فَجَلَسَتْ سَبْعَةً مِنْ أَوَّلِهِ ثُمَّ ذَكَرَتْ: لَزِمَهَا قَضَاءُ مَا تَرَكَتْ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ الْوَاجِبِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأُولَى، وَقَضَاءُ مَا صَامَتْ مِنْ الْوَاجِبِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ.
(وَمَا تَجْلِسُهُ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا مِنْ حَيْضٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ) فَهُوَ (كَحَيْضٍ يَقِينًا) فِي أَحْكَامِهِ مِنْ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْوَطْءِ وَنَحْوِهَا.
(وَيَتَّجِهُ: وَمَا زَادَ) عَلَى مَا تَجْلِسُهُ، وَانْتَهَتْ الزِّيَادَةُ إلَى أَكْثَرِهِ (فَ) حُكْمُهُ (كَاسْتِحَاضَةٍ يَقِينًا) ، وَيَأْتِي (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ: " لِلْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " (حَيْثُ جَعَلَا مَا زَادَ) عَلَى مَا تَجْلِسُهُ، (أَيْ أَكْثَرَهُ) أَيْ: الْحَيْضَ طُهْرًا مَشْكُوكًا فِيهِ، وَحُكْمُهُ (كَطُهْرٍ مُتَيَقَّنٍ) فِي أَحْكَامِهِ، (فَيُوهِمُ) قَوْلُهُمَا (حِلَّ وَطْءٍ) فِيهِ، (وَلَيْسَ) الْحُكْمُ (كَذَلِكَ) ، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": هُوَ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الطُّهْرِ يَتَعَيَّنُ إلَّا فِي جَوَازِ وَطْئِهَا، فَإِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ انْتَهَى.
وَمَا قَالَاهُ جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ تَمِيمٍ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": وَالْحَيْضُ وَالطُّهْرُ مَعَ الشَّكِّ فِيهِمَا كَالْيَقِينِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيُكْرَهُ وَيَجِبُ وَيُسْتَحَبُّ وَيَسْقُطُ.
[فَرْعٌ جَاوَزَ الدَّمُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ]
(فَرْعٌ: لَا يُعْتَبَرُ تَمْيِيزٌ إلَّا مَعَ اسْتِحَاضَةِ) الْمَرْأَةِ (فَتَجْلِسُ جَمِيعَ) مُدَّةِ (دَمٍ لَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ حَيْضٍ) لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ فِي الْعَادَةِ، (وَلَوْ كَانَ) الدَّمُ (مُخْتَلِفًا) : كَكَوْنِ بَعْضِهِ أَسْوَدَ وَبَعْضِهِ أَحْمَرَ، وَبَعْضِهِ ثَخِينًا أَوْ مُنْتِنًا، (فَإِنْ جَاوَزَهُ) أَيْ: جَاوَزَ الدَّمُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ (اُعْتُبِرَ تَمْيِيزًا) لِمَا تَقَدَّمَ، (وَلَا تَبْطُلُ دَلَالَتُهُ) - أَيْ: التَّمْيِيزُ - (بِزِيَادَةِ الدَّمَيْنِ) ، أَيْ: الدَّمِ الَّذِي يَصْلُحُ حَيْضًا كَالْأَسْوَدِ أَوْ الثَّخِينِ أَوْ الْمُنْتِنِ إذَا بَلَغَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلَمْ يُجَاوِزْ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَالدَّمِ الْآخَرِ (عَلَى شَهْرٍ) هِلَالِيٍّ أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، (فَلَوْ رَأَتْ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا دَمًا أَسْوَدَ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ) يَوْمًا دَمًا (أَحْمَرَ: فَالْأَسْوَدُ كُلُّهُ حَيْضٌ لِصَلَاحِيَّتِهِ) - أَيْ: الْأَسْوَدِ - (لَهُ) - أَيْ الْحَيْضِ - وَأَمَّا الْأَحْمَرُ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الطُّهْرِ، (وَتَبْطُلُ دَلَالَتُهُ) - أَيْ: التَّمْيِيزِ - (إنْ زَادَ) الدَّمُ الْأَسْوَدُ (عَلَى أَكْثَرِهِ) ، أَيْ: الْحَيْضِ.
[فَصْلٌ تَغَيَّرَتْ عَادَةُ مُعْتَادَةٍ بِزِيَادَةٍ]
(فَصْلٌ) (وَإِنْ تَغَيَّرَتْ عَادَةُ مُعْتَادَةٍ بِزِيَادَةٍ) بِأَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ فَرَأَتْ الدَّمَ ثَمَانِيَةً، (أَوْ) تَغَيَّرَتْ عَادَتُهَا (بِتَقَدُّمٍ) ، بِأَنْ كَانَتْ تَرَى الدَّمَ مِنْ وَسَطِ الشَّهْرِ، فَرَأَتْهُ فِي أَوَّلِهِ (أَوْ) تَغَيَّرَتْ عَادَتُهَا (بِتَأَخُّرٍ) بِأَنْ كَانَتْ تَرَاهُ فِي أَوَّلِهِ فَتَأَخَّرَ إلَى آخِرِهِ: فَمَا تَغَيَّرَ (كَدَمٍ زَائِدٍ عَلَى أَقَلِّ حَيْضٍ مِنْ مُبْتَدَأَةٍ فِي إعَادَةِ صَوْمٍ وَنَحْوِهِ) : فَلَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا، فَتَصُومُ فِيهِ وَتُصَلِّي قَبْلَ التَّكْرَارِ، وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ غُسْلًا ثَانِيًا، فَإِذَا تَكَرَّرَ صَارَ عَادَةً تَجْلِسُهُ، وَتُعِيدُ صَوْمَ فَرْضٍ وَنَحْوِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّاهُ حَيْضًا، (فَلَوْ لَمْ يَعُدْ أَوْ أَيِسَتْ قَبْلَ تَكْرَارِهِ ثَلَاثًا لَمْ تَقْضِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ.
(وَعَنْهُ) - أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ - (تَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ) أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، (وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَلَا يَسَعُ النِّسَاءَ الْعَمَلُ بِغَيْرِهِ) .
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الصَّوَابُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَشْبَهُ، قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ فِي " الْفَائِقِ ": وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّارِحِ.
(وَمَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا وَلَوْ) كَانَ انْقِطَاعُهُ (أَقَلَّ مُدَّةٍ) فَلَا يُعْتَبَرُ بُلُوغُهُ يَوْمًا (فَ) هِيَ (طَاهِرٌ تَغْتَسِلُ) ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَّا مَا رَأَتْ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ (وَتُصَلِّي وَنَحْوُهُ) وَتَفْعَلْ مَا تَفْعَلُهُ الطَّاهِرَاتُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى، فَإِذَا ذَهَبَ الْأَذَى وَجَبَ زَوَالُ الْحَيْضِ، (وَلَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا) بَعْدَ الِاغْتِسَالِ كَسَائِرِ الطَّاهِرَاتِ، (فَإِنْ عَادَ) الدَّمُ (فِي عَادَتِهَا جَلَسَتْهُ) ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ عَادَتَهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَ (لَا) تَجْلِسُ (مَا جَاوَزَهَا) - أَيْ: الْعَادَةَ - (وَلَوْ لَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ - (حَتَّى يَتَكَرَّرَ) فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَتَجْلِسَهُ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيْضٌ، (فَإِنْ جَاوَزَهُ) - أَيْ: جَاوَزَ أَكْثَرَهُ - (فَلَيْسَ بِحَيْضٍ) ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، فَيَكُونُ كُلُّهُ اسْتِحَاضَةً لِاتِّصَالِهِ بِهِ وَانْفِصَالِهِ عَنْ الْحَيْضِ، (وَإِنْ عَادَ) إلَيْهَا الدَّمُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ عَنْهَا (بَعْدَ عَادَتِهَا) : فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُمْكِنَ جَعْلُهُ حَيْضًا أَوْ لَا، (وَ) حَيْثُ (أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا) : إمَّا بِضَمٍّ إلَى مَا قَبْلَهُ، أَوْ بِنَفْسِهِ بِأَنْ لَا يُجَاوِزَ أَكْثَرَهُ: (عُمِلَ بِهِ) فَيُلَفَّقُ الدَّمَانِ وَيُجْعَلَانِ حَيْضَةً وَاحِدَةً إنْ تَكَرَّرَ الدَّمُ الَّذِي بَعْدَ الْعَادَةِ ثَلَاثًا، (وَإِلَّا) يُمْكِنْ جَعْلُهُ حَيْضًا لِعُبُورِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ الْأَوَّلِ أَقَلُّ الطُّهْرِ، فَلَا يَكُونُ حَيْضًا بَلْ اسْتِحَاضَةً سَوَاءٌ تَكَرَّرَ أَوْ لَا لِمُجَاوَزَتِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِالْمِثَالِ: (فَلَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا، فَرَأَتْ) مِنْهَا (خَمْسَةً دَمًا وَطَهُرَتْ) الْخَمْسَةَ (الْبَاقِيَةَ ثُمَّ رَأَتْ خَمْسَةً) أُخْرَى (دَمًا، وَتَكَرَّرَ) ذَلِكَ ثَلَاثًا: (فَالْخَمْسَةُ الْأُولَى وَ) الْخَمْسَةُ (الثَّالِثَةُ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ بِالتَّلْفِيقِ) ؛ لِأَنَّهُمَا مَعَ مَا بَيْنَهُمَا لَا يُجَاوِزَانِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، (وَلَوْ كَانَتْ رَأَتْ يَوْمًا) بِلَيْلَتِهِ (دَمًا، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ) رَأَتْ (يَوْمًا) بِلَيْلَتِهِ (دَمًا وَتَكَرَّرَ) الثَّانِي (فَ) هُمَا (حَيْضَتَانِ) لِوُجُودِ طُهْرٍ صَحِيحٍ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، (وَلَوْ رَأَتْ فِي) الصُّورَةِ (الْأُولَى) الدَّمَ، (الثَّانِيَ سِتَّةَ) أَيَّامٍ (أَوْ سَبْعَةً: لَمْ يَكُنْ حَيْضًا) ، لِمُجَاوَزَتِهِ مَعَ الْأَوَّلِ وَمَا بَيْنَهُمَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ.
(أَوْ) رَأَتْ (فِي) الصُّورَةِ (الثَّانِيَةِ يَوْمَيْنِ دَمًا وَاثْنَيْ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ) رَأَتْ (يَوْمَيْنِ دَمًا فَكَذَلِكَ) ، أَيْ: لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُمَا (حَيْضَةً) وَاحِدَةً (لِزِيَادَةِ الدَّمَيْنِ مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ طُهْرٍ عَلَى أَكْثَرِ حَيْضٍ) ؛ لِأَنَّ مَجْمُوعَ ذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، (وَلَا) يُمْكِنُ جَعْلُهَا (حَيْضَتَيْنِ لِانْتِفَاءِ طُهْرٍ صَحِيحٍ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، (فَيَكُونُ الْحَيْضُ مِنْهُمَا مَا وَافَقَ الْعَادَةَ) لِتَقَوِّيهِ بِمُوَافَقَتِهَا، (وَ) يَكُونُ (الْآخَرُ اسْتِحَاضَةً) وَلَوْ تَكَرَّرَ.
(وَصُفْرَةٌ وَكُدْرَةٌ) - وَهِيَ: شَيْءٌ كَالصَّدِيدِ يَعْلُوهُ صُفْرَةٌ وَكُدْرَةٌ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ "، (فِي أَيَّامِ عَادَةِ) (حَيْضٍ) ، لِدُخُولِهَا فِي عُمُومِ النَّصِّ، وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ - وَكَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إلَيْهَا بِالدَّرَجَةِ فِيهَا الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ " لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ " تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضِ وَفِي " الْكَافِي " قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: هِيَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَتْبَعُ الْحَيْضَ (لَا بَعْدَهَا) ، أَيْ: لَيْسَتْ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الْعَادَةِ حَيْضًا، (وَلَوْ تَكَرَّرَ) ذَلِكَ فَلَا تَجْلِسُهُ، لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ " كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَ الطُّهْرِ.
(وَمَنْ تَرَى دَمًا) مُتَفَرِّقًا (يَبْلُغُ مَجْمُوعُهُ) - أَيْ: الدَّمِ (أَقَلَّ حَيْضٍ) : يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ، (وَ) تَرَى (نَقَاءً مُتَخَلِّلًا) لِذَلِكَ الدَّمِ، (وَلَمْ يُجَاوِزْ) الدَّمُ وَالنَّقَاءُ (أَكْثَرَهُ) - أَيْ: أَكْثَرَ الْحَيْضِ - خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا: (فَالدَّمُ) الَّذِي رَأَتْهُ (حَيْضٌ مُلَفَّقٌ) فَتَجْلِسُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ حَيْضَةً ضَرُورَةَ كَوْنِهِ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَوْ كَوْنُ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ تَعَيَّنَ الضَّمُّ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ فِي زَمَنٍ يَصْلُحُ كَوْنُهُ حَيْضًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا طُهْرٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَقَصَتْ الدِّمَاءُ الْمَوْجُودَةُ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ لَمْ يَجُزْ التَّلْفِيقُ.
قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " بِمَعْنَاهُ.
(وَالْبَاقِي) - أَيْ: النَّقَاءُ - (طُهْرٌ) ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الطُّهْرَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ صَحِيحٌ (تَغْتَسِلُ فِيهِ وَتُصَلِّي وَنَحْوُهُ) ، أَيْ: تَصُومُ وَتَطُوفُ وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؛ لِأَنَّهُ طُهْرٌ حَقِيقَةً.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا) زَمَنَ طُهْرِهَا.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": حُكْمُهَا حُكْمُ الطَّاهِرَاتِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَفَائِدَةُ التَّلْفِيقِ أَنَّهُ مَتَى عَاوَدَهَا الدَّمُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا، وَكَانَ وَطْءُ زَوْجِهَا لَهَا مُبَاحًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ،
(خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ صَرَّحَ بِكَرَاهَةِ وَطْئِهَا.
(وَإِنْ جَاوَزَ) زَمَنُ الدَّمِ وَزَمَنُ النَّقَاءِ (أَكْثَرَهُ) - أَيْ: أَكْثَرَ الْحَيْضِ - (كَمَنْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَثَلًا، فَ) تَكُونُ (مُسْتَحَاضَةً) ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ: (فَتَجْلِسُ عَادَتَهَا إنْ عَلِمَتْهَا وَإِلَّا) لَمْ تَعْلَمْ عَادَتَهَا (عَمِلَتْ بِتَمْيِيزٍ صَالِحٍ إنْ كَانَ) ، وَإِلَّا يَكُنْ تَمْيِيزٌ صَالِحٌ فَهِيَ مُتَحَيِّرَةٌ، (وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً وَلَا تَمْيِيزَ؛ جَلَسَتْ أَقَلَّهُ) - أَيْ: أَقَلَّ الْحَيْضِ - (فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ لِغَالِبِ حَيْضٍ) . قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهَلْ تُلَفَّقُ لَهَا سَبْعَةٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ تَجْلِسُ أَرْبَعَةً مِنْ سَبْعَةٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
انْتَهَى، وَجَزَمَ فِي " الْكَافِي " بِالثَّانِي.
[فَصْلٌ يَلْزَمُ مُسْتَحَاضَةً وَكُلَّ دَائِمِ حَدَثٍ صَلَاةٌ]
(فَصْلٌ) (يَلْزَمُ مُسْتَحَاضَةً وَكُلَّ دَائِمِ حَدَثٍ) ، أَيْ: غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ.
(وَيَتَّجِهُ وَيَثْبُتُ) عُذْرُ مَنْ ابْتَدَأَهُ الْحَدَثُ (بِدَوَامِهِ) - أَيْ: الْحَدَثِ وَاسْتِمْرَارِهِ - (لِآخِرِ وَقْتِ صَلَاةٍ) ، فَلَيْسَ لَهُ فِعْلُهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ وَسَطِهِ، بَلْ عَلَيْهِ تَأْخِيرُهُ لَقُرْبِ وَقْتِ خُرُوجِهِ، فَلَوْ أَخَّرَهُ رَجَاءَ انْقِطَاعِ الْحَدَثِ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ، (فَلَهُ طُهْرٌ وَصَلَاةٌ بِأَوَّلِ) وَقْتٍ (ثَانٍ) ، لِثُبُوتِ
حُكْمِ دَوَامِ الْحَدَثِ بِاسْتِمْرَارِهِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَلَوْ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِاسْتِقْرَارِ حُكْمِ دَوَامِ الْحَدَثِ لَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(بِسَلِسِ بَوْلٍ) - مُتَعَلِّقٌ بِدَائِمٍ - (أَوْ مَذْيٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ جُرْحٍ لَا يَرْقَأُ دَمُهُ) وَمِثْلُهُ رُعَافٌ دَائِمٌ: (غَسْلُ) - فَاعِلُ: يَلْزَمُ - (الْمَحَلِّ) الْمُلَوَّثِ بِالْحَدَثِ لِإِزَالَتِهِ عَنْهُ، (وَتَعْصِيبُهُ مَعَ إمْكَانٍ بِطَاهِرٍ يَمْنَعُ الْخَارِجَ حَسَبَ الْإِمْكَانِ بِحَشْوِ) الْمَحَلِّ (بِقُطْنٍ، وَ) شَدِّهِ (بِخِرْقَةٍ عَرِيضَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَيْنِ لِمُسْتَحَاضَةٍ تَتَلَجَّمُ بِهَا) ، وَتُوثِقُ طَرَفَيْهَا بِشَيْءٍ آخَرَ قَدْ شَدَّتْهُ عَلَى وَسَطِهَا، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَمْنَةَ حِينَ شَكَتْ إلَيْهِ كَثْرَةَ الدَّمِ أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ» - يَعْنِي: الْقُطْنَ - تَحْشِينَ بِهِ الْمَكَانَ، «قَالَتْ: إنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: تَلَجَّمِي» فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ شَدُّهُ، كَبَاسُورٍ وَنَاصُورٍ وَجُرْحٍ لَا يُمْكِنُ شَدُّهُ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، فَإِنْ غَلَبَ الدَّمُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَطَرَ لَمْ تَبْطُلْ الطَّهَارَةُ، لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ.
(وَلَا يَلْزَمُ إعَادَةُ غُسْلٍ، وَلَا) إعَادَةُ (تَعْصِيبٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ حَيْثُ لَا تَفْرِيطَ) فِي الشَّدِّ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ مَعَ غَلَبَتِهِ وَقُوَّتِهِ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ قَالَتْ عَائِشَةُ: «اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا، وَهِيَ تُصَلِّي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَإِنْ فَرَّطَ فِي
الشَّدِّ، وَخَرَجَ الدَّمُ بَعْدَ الْوُضُوءِ لَزِمَتْ إعَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ حَدَثٌ أُمْكِنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، (وَيَلْزَمُ) مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٍ (وُضُوءٌ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ) إنْ خَرَجَ شَيْءٌ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «وَلِقَوْلِهِ أَيْضًا لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، فَلَا يَجُوزُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةُ عُذْرٍ فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ كَالتَّيَمُّمِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ فَلَا يَتَوَضَّأُ، (وَيَبْطُلُ) الْوُضُوءُ (بِخُرُوجِهِ) - أَيْ: الْوَقْتِ - كَمَا يَبْطُلُ وُضُوءُ مَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الْوَقْتِ لِغَيْرِ فَرْضِ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِدُخُولِهِ، وَجَزَمَ النَّاظِمُ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، فَقَالَ فِي " مُفْرَدَاتِهِ ": وَبِدُخُولِ الْوَقْتِ طُهْرٌ يَبْطُلُ ... لِمَنْ بِهَا اسْتِحَاضَةٌ قَدْ نَقَلُوا لَا بِالْخُرُوجِ مِنْهُ لَوْ تَطَهَّرَتْ ... لِلْفَجْرِ لَمْ يَبْطُلْ بِشَمْسٍ ظَهَرَتْ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": وَهِيَ شَبِيهَةٌ بِمَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ، وَالصَّحِيحُ فِيهِ: أَنَّهُ يَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَبْطُلُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَبِخُرُوجِهِ أَيْضًا، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " الْكَافِي " وَ " الشَّرْحِ " فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَالتَّيَمُّمِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ ". (وَيَتَّجِهُ) بُطْلَانُ الْوُضُوءِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ خُرُوجِ شَيْءٍ، (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ (فِي غَيْرِ صَلَاةِ جُمُعَةٍ) ، قِيَاسًا عَلَى التَّيَمُّمِ حَيْثُ قَالُوا: إنَّهُ لَا يَبْطُلُ فِيهَا، لِعَدَمِ إمْكَانِ إعَادَتِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيُصَلِّي عَقِبَ طُهْرٍ نَدْبًا) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، (فَإِنْ أَخَّرَ) الصَّلَاةَ عَنْ طُهْرِهِ، (وَلَوْ) كَانَ التَّأْخِيرُ (لِغَيْرِ حَاجَةٍ لَمْ يَضُرَّ) مَا دَامَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ كَالْمُتَيَمِّمِ، (وَيُصَلِّي) بِوُضُوئِهِ (مَا شَاءَ) مَا دَامَ الْوَقْتُ، (حَتَّى جَمَعَا بَيْنَ فَرْضَيْنِ) ، لِبَقَاءِ وُضُوئِهِ إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَكَالتَّيَمُّمِ وَأَوْلَى.
(وَلَهَا) - أَيْ: الْمُسْتَحَاضَةِ - (الطَّوَافُ) فَرْضًا وَنَفْلًا (وَلَوْ لَمْ تَطُلْ اسْتِحَاضَتُهَا) ، كَالصَّلَاةِ وَأَوْلَى.
(وَإِنْ اُعْتِيدَ انْقِطَاعُ حَدَثٍ) دَائِمٍ (زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلْفِعْلِ) - أَيْ: الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ لَهَا - (فِيهِ) - أَيْ: الزَّمَنِ - (تَعَيَّنَ) فِعْلُ الْمَفْرُوضَةِ فِيهِ، ظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَزِمَ عَلَيْهِ خُرُوجُ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا عُذْرَ مَعَهُ وَلَا ضَرُورَةَ، فَتَعَيَّنَ كَمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ، (وَإِنْ عَرَضَ هَذَا الِانْقِطَاعُ) - أَيْ: انْقِطَاعُ الْحَدَثِ - زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلْفِعْلِ (لِمَنْ عَادَتُهُ الِاتِّصَالُ) لِلْحَدَثِ، وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ؛ (بَطَلَ وُضُوءُهُ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ مَنْ حَدَثُهُ غَيْرُ دَائِمٍ، (فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ) لِتَبَيُّنِ بُطْلَانِ طَهَارَتِهِ بِالِانْقِطَاعِ، (وَ) إنْ وُجِدَ هَذَا الِانْقِطَاعُ (قَبْلَهَا) - أَيْ: قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ - فَإِنَّهُ (يَحْرُمُ شُرُوعٌ فِيهَا) حَتَّى يَتَوَضَّأَ، لِبُطْلَانِ الْوُضُوءِ بِالِانْقِطَاعِ، فَإِنْ خَالَفَ وَاسْتَمَرَّ فِي الصَّلَاةِ، وَاسْتَمَرَّ الِانْقِطَاعُ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، (وَلَا أَثَرَ لِانْقِطَاعِ) حَدَثٍ دَائِمٍ زَمَنًا (لَا يَتَّسِعُ لِفِعْلِ) وُضُوءٍ وَصَلَاةٍ، لَكِنَّهُ يَمْنَعُ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ وَالْمُضِيَّ فِيهَا، لِاحْتِمَالِ اسْتِمْرَارُهُ (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا أَثَرَ لِانْقِطَاعٍ (مُخْتَلِفٍ بِتَقَدُّمٍ وَتَأَخُّرٍ، وَقِلَّةٍ وَكَثْرَةٍ، وَوُجُودِ مَرَّةٍ وَانْعِدَامِ أُخْرَى، وَعَدَمِ عَادَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ) بِاتِّصَالٍ أَوْ انْقِطَاعٍ، فَهَذِهِ كَمَنْ عَادَتُهَا الِاتِّصَالُ فِي الدَّمِ فِي بُطْلَانِ الْوُضُوءِ بِالِانْقِطَاعِ الْمُتَّسَعِ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ دُونَ مَا يَتَّسِعُ لَهُمَا، وَحُكْمُهَا كَمَنْ عَادَتُهَا اتِّصَالُ الْمُتَّسَعِ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ دُونَ مَا يَتَّسِعُ لَهُمَا، وَحُكْمُهَا كَمَنْ عَادَتُهَا الِاتِّصَالُ فِي سَائِرِ مَا تَقَدَّمَ، إلَّا أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا مِنْ الْمُضِيِّ فِيهَا بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ قَبْلَ تَبَيُّنِ اتِّسَاعِهِ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، لِعَدَمِ انْضِبَاطِ هَذَا الِانْقِطَاعِ، فَيَقْضِي لُزُومُ اعْتِبَارِهِ إلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، (وَمُجَرَّدُ الِانْقِطَاعِ يُوجِبُ الِانْصِرَافَ) مِنْ الصَّلَاةِ، لِبُطْلَانِ الطَّهَارَةِ بِهِ، (إلَّا أَنْ يَكُونَ اُعْتِيدَ) لَهَا (انْقِطَاعٌ يَسِيرٌ) فَلَا يَلْزَمُهَا الِانْصِرَافُ مِنْ الصَّلَاةِ بِمُجَرَّدٍ؛ لِأَنَّ
الظَّاهِرَ حَمْلُهُ عَلَى مَا اعْتَادَتْهُ وَهُوَ لَا أَثَرَ لَهُ.
(وَمَنْ تَمْتَنِعُ قِرَاءَتُهُ) فِي الصَّلَاةِ قَائِمًا لَا قَاعِدًا، (أَوْ يَلْحَقُهُ السَّلَسُ) فِي الصَّلَاةِ (قَائِمًا) لَا قَاعِدًا (صَلَّى قَاعِدًا) ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا بَدَلَ لَهَا، وَالْقِيَامُ بَدَلُهُ الْقُعُودُ، وَإِنْ كَانَ لَوْ قَامَ وَقَعَدَ لَمْ يَحْبِسْهُ، وَإِنْ اسْتَلْقَى حَبَسَهُ صَلَّى قَائِمًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَلْقِيَ لَا نَظِيرَ لَهُ اخْتِيَارًا.
(وَمَنْ لَمْ يَلْحَقْهُ) السَّلَسُ (إلَّا رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ) نَصًّا كَالْمَكَانِ النَّجِسِ، وَلَا يَكْفِيهِ الْإِيمَاءُ.
[فَصْلٌ حَرُمَ وَطْءُ مُسْتَحَاضَةٍ]
(فَصْلٌ) (وَحَرُمَ وَطْءُ مُسْتَحَاضَةٍ) عَلَى الْمَذْهَبِ، (خِلَافًا لِأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ) الْقَائِلِينَ بِإِبَاحَتِهِ، مُحْتَجِّينَ " بِأَنَّ حَمْنَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ وَكَانَ زَوْجُهَا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُجَامِعُهَا، وَأُمُّ حَبِيبَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَغْشَاهَا " رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد.
(وَ) حَيْثُ حَرُمَ (لَا كَفَّارَةَ) فِيهِ، (بِلَا خَوْفِ عَنَتٍ) - مُتَعَلِّقٌ بِحَرُمَ - (مِنْهُ أَوْ مِنْهَا) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ " الْمُسْتَحَاضَةُ لَا يَغْشَاهَا زَوْجُهَا " فَإِنْ خَافَهُ أَوْ خَافَتْهُ، وَطَلَبَتْهُ مِنْهُ أُبِيحَ وَطْؤُهَا.
(وَأَلْحَقَ ابْنُ حَمْدَانَ بِهِ) - أَيْ: خَوْفِ الْعَنَتِ - (خَوْفَ شَبَقٍ، وَهُوَ) - أَيْ: إلْحَاقُ ابْنِ حَمْدَانَ - (حَسَنٌ) لَا تَأْبَاهُ الْقَوَاعِدُ.
(وَيُبَاحُ) وَطْؤُهَا (إذَنْ) ، أَيْ: حِينَ خَوْفِ الْعَنَتِ، (وَلَوْ لِقَادِرٍ عَلَى نِكَاحِ غَيْرِهَا) خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ الْحَيْضِ وَمُدَّتُهُ تَطُولُ.
(وَلِرَجُلٍ شُرْبُ دَوَاءٍ مُبَاحٍ يَمْنَعُ الْجِمَاعَ) كَكَافُورٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ، (وَلِأُنْثَى شُرْبُهُ) - أَيْ: الْمُبَاحِ (لِإِلْقَاءِ نُطْفَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ بَعْدُ وَقَدْ لَا تَنْعَقِدُ وَلَدًا.
(وَلَا) يَجُوزُ شُرْبُ دَوَاءٍ لِإِلْقَاءِ (عَلَقَةٍ) لِانْعِقَادِهَا، (وَ) لَهَا شُرْبُهُ (لِحُصُولِ حَيْضٍ) ، إذْ الْأَصْلُ الْحِلُّ حَتَّى يَرِدَ التَّحْرِيمُ وَلَمْ يَرِدْ،
وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ الْحَاصِلِ بِشُرْبِهَا الدَّوَاءَ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَرَ، وَ (لَا) تَشْرَبُ مُبَاحًا لِحُصُولِ حَيْضٍ (قُرْبَ رَمَضَانَ لِتَفْطُرَهُ) كَالسَّفَرِ لِلْفِطْرِ (وَيَتَّجِهُ وَتُفْطِرُ) إذَا حَصَلَ الْحَيْضُ (وُجُوبًا) ، كَمَنْ نَفِسَتْ بِتَعَدِّيهَا بِضَرْبِ بَطْنِهَا، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) يَجُوزُ شُرْبُ دَوَاءٍ مُبَاحٍ (لِقَطْعِ حَيْضٍ مَعَ أَمْنِ ضَرَرٍ نَصًّا) كَالْعَزْلِ (وَلَوْ بِلَا إذْنِ زَوْجٍ) ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي.
(وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ جَوَازِ شُرْبِهَا الْمُبَاحِ لِقَطْعِ الْحَيْضِ (مَا لَمْ يَنْهَهَا) زَوْجُهَا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ نَهَاهَا امْتَنَعَ عَلَيْهَا فِعْلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْوَلَدِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَحَرُمَ) عَلَى زَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ إسْقَاؤُهُ إيَّاهَا دَوَاءً مُبَاحًا (لِقَطْعِهِ) - أَيْ: الْحَيْضِ - (بِلَا عِلْمِهَا) بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ حَقَّهَا مِنْ النَّسْلِ الْمَقْصُودِ.
(وَ) حَرُمَ (شُرْبُ مَا يَقْطَعُ الْحَمْلَ) ، قَالَ فِي " الْفَائِقِ " ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ.
[فَصْلٌ فِي النِّفَاسِ]
(فَصْلٌ) فِي النِّفَاسِ، وَهُوَ: بَقِيَّةُ الَّذِي احْتَبَسَ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ لِأَجْلِهِ، وَأَصْلُهُ لُغَةً مِنْ التَّنَفُّسِ، وَهُوَ: الْخُرُوجُ مِنْ الْجَوْفِ، أَوْ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَفَّسَ اللَّهُ كُرْبَتَهُ، أَيْ: فَرَّجَهَا.
(وَالنِّفَاسُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ تَحْدِيدُهُ فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ، وَقَدْ وُجِدَ قَلِيلًا وَكَثِيرًا، وَرُوِيَ «أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ تَرَ دَمًا فَسُمِّيَتْ ذَاتَ الْجُفُوفِ» وَلِأَنَّ الْيَسِيرَ دَمٌ وُجِدَ عَقِبَ سَبَبِهِ فَكَانَ نِفَاسًا كَالْكَثِيرِ (وَهُوَ) - أَيْ: النِّفَاسُ - فِي الْعُرْفِ: دَمٌ (تُرْخِيهِ الرَّحِمُ مَعَ وِلَادَةٍ وَقَبْلَهَا) - أَيْ: الْوِلَادَةِ - (بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِأَمَارَةٍ) - أَيْ: عَلَامَةٍ - عَلَى الْوِلَادَةِ كَالتَّأَلُّمِ، وَإِلَّا فَلَا تَجْلِسُهُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُهُ أَعَادَتْ مَا تَرَكَتْهُ، (وَبَعْدَهَا) - أَيْ: الْوِلَادَةِ - (إلَى تَمَامِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مِنْ ابْتِدَاءِ خُرُوجِ بَعْضِ وَلَدٍ) . حَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَتَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: هُوَ السُّنَّةُ الْمَجْمَعُ عَلَيْهِ.
(فَلَوْ وَضَعَتْ تَوْأَمَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَأَوَّلُ نِفَاسٍ وَآخِرُهُ مِنْ) ابْتِدَاءِ خُرُوجِ بَعْضِ (الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ خَرَجَ عَقِبَ الْوِلَادَةِ، فَكَانَ نِفَاسًا وَاحِدًا كَحَمْلٍ وَاحِدٍ وَوَضْعِهِ، (فَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا) - أَيْ: التَّوْأَمَيْنِ - (أَرْبَعُونَ) يَوْمًا (فَأَكْثَرُ فَلَا نِفَاسَ لِلثَّانِي) نَصًّا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الثَّانِيَ تَبَعٌ لِلْأَوَّلِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي آخِرِ النِّفَاسِ كَأَوَّلِهِ، بَلْ هُوَ دَمُ فَسَادٍ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا.
(وَيَثْبُتُ حُكْمُهُ) - أَيْ: النِّفَاسِ - (بِوَضْعِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ إنْسَانٍ)
وَلَوْ خَفِيًّا نَصًّا، فَلَوْ وَضَعَتْ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً لَا تَخْطِيطَ فِيهَا لَمْ يَثْبُتْ لَهَا بِذَلِكَ حُكْمُ النِّفَاسِ، وَأَقَلُّ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ يَوْمًا، وَغَالِبُهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ: ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ.
قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ ": فَمَتَى رَأَتْ دَمًا عَلَى طَلْقٍ قَبْلَهَا لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْهِ، وَبَعْدَهَا تُمْسِكُ عَنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، ثُمَّ إنْ انْكَشَفَ الْأَمْرُ بَعْدَ الْوَضْعِ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ رَجَعَتْ فَاسْتَدْرَكَتْ، وَإِنْ لَمْ يَنْكَشِفْ، بِأَنْ دُفِنَ وَلَمْ يَفْتَقِدْ أَمْرَهُ، اسْتَمَرَّ حُكْمُ الظَّاهِرِ، إذْ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ خَطَأٌ.
(وَمَنْ جَاوَزَ دَمُهَا الْأَرْبَعِينَ) يَوْمًا، (وَصَادَفَ عَادَةَ حَيْضِهَا وَلَمْ يَزِدْ) عَنْ الْعَادَةِ فَالْمُجَاوِزُ حَيْضٌ؛ لِأَنَّهُ فِي عَادَتِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتَّصِلْ بِنِفَاسٍ، (أَوْ زَادَ) الدَّمُ الْمُجَاوِزُ لِلْأَرْبَعَيْنِ عَنْ الْعَادَةِ، (وَتَكَرَّرَ) ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ (وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ - (فَ) هُوَ (حَيْضٌ) ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ مُتَكَرِّرٌ صَالِحٌ لِلْحَيْضِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ نِفَاسٌ، (وَإِلَّا) بِأَنْ زَادَ وَلَمْ يَتَكَرَّرْ أَوْ جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَتَكَرَّرَ أَوْ لَا، أَوْ لَمْ يُصَادِفْ عَادَةَ حَيْضٍ (فَ) هُوَ (اسْتِحَاضَةٌ) إنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا، فَإِنْ تَكَرَّرَ وَصَلُحَ حَيْضًا فَحَيْضٌ.
(وَلَا تَدْخُلُ اسْتِحَاضَةٌ فِي مُدَّةِ نِفَاسٍ) كَمَا لَا تَدْخُلُ فِي مُدَّةِ حَيْضٍ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَقْوَى، فَلَوْ وَلَدَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ وَاسْتَمَرَّ الدَّمُ عَلَيْهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَهُوَ نِفَاسٌ لَا تَصُومُ فِيهِ وَلَا تُصَلِّي.
(وَالنَّقَاءُ وَلَوْ دُونَ يَوْمٍ زَمَنَ نِفَاسٍ طُهْرٌ) كَالْحَيْضِ فَتَغْتَسِلُ وَتَفْعَلُ مَا تَفْعَلُ الطَّاهِرَاتُ، (وَكُرِهَ وَطْءٌ فِيهِ) ، أَيْ: النَّقَاءِ زَمَنَهُ بَعْدَ الْغُسْلِ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْتِيَهَا زَوْجُهَا عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ " أَنَّهَا أَتَتْهُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ فَقَالَ: لَا تَقْرَبِينِي " وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْعَوْدَ زَمَنَ الْوَطْءِ.
(وَإِنْ عَادَ الدَّمُ فِي الْأَرْبَعِينَ) بَعْدَ انْقِطَاعِهِ، (أَوْ لَمْ تَرَهُ) عِنْدَ الْوِلَادَةِ، (ثُمَّ رَأَتْهُ فِيهَا) أَيْ الْأَرْبَعِينَ، (فَ) هُوَ (مَشْكُوكٌ فِيهِ) - أَيْ: فِي كَوْنِهِ
نِفَاسًا أَوْ فَسَادًا - لِتَعَارُضِ الْأَمَارَتَيْنِ فِيهِ، (فَتَصُومُ وَتُصَلِّي وَنَحْوُهُ) مَعَهُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ مُتَيَقَّنٌ، وَسُقُوطُهُ بِهَذَا الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَلَيْسَ كَالْحَيْضِ لِتَكَرُّرِهِ، (وَتَقْضِي نَحْوَ صَوْمٍ) مَفْرُوضٍ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهَا تَيَقَّنَتْ شَغْلَ ذِمَّتِهَا بِهِ، فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ (وَلَا تُوطَأُ) فِي هَذَا الدَّمِ كَالْمُبْتَدَأَةِ فِي الزَّائِدِ عَلَى أَقَلِّ الْحَيْضِ قَبْلَ تَكَرُّرِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَا كَفَّارَةَ) بِوَطْئِهَا زَمَنَ الدَّمِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، لِعَدَمِ تَيَقُّنِ كَوْنِهِ نِفَاسًا (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهَا تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ نَدْبًا) كَالْمُسْتَحَاضَةِ (لَا وُجُوبًا) صَوَّبَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(بِخِلَافِ) الْوَطْءِ فِي دَمِ نِفَاسٍ (مُتَيَقَّنٍ فَ) يَجِبُ (فِيهِ مَا) يَجِبُ (فِي وَطْءِ حَائِضٍ) مِنْ الْكَفَّارَةِ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
(وَمَنْ صَارَتْ نُفَسَاءَ بِتَعَدِّيهَا) عَلَى نَفْسِهَا بِضَرْبٍ أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ وَنَحْوِهِمَا (لَمْ تَقْضِ الصَّلَاةَ) زَمَنَ نِفَاسِهَا، كَمَا لَوْ كَانَ التَّعَدِّي مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ وُجُودَ الدَّمِ لَيْسَ مَعْصِيَةً مِنْ جِهَتِهَا، وَلَا يُمْكِنُهَا قَطْعُهُ بِخِلَافِ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ يُمْكِنُ قَطْعُهُ بِالتَّوْبَةِ، وَأَمَّا السُّكْرُ فَجُعِلَ شَرْعًا كَمَعْصِيَةٍ مُسْتَدَامَةٍ بِفِعْلِهَا شَيْئًا فَشَيْئًا بِدَلِيلِ جَرَيَانِ الْإِثْمِ وَالتَّكْلِيفِ، وَالشُّرْبُ أَيْضًا يُسْكِرُ غَالِبًا فَأُضِيفَ إلَيْهِ، كَالْقَتْلِ يَحْصُلُ مَعَهُ خُرُوجُ الرُّوحِ فَأُضِيفَ إلَيْهِ.
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
ِ وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ الصَّلَوَيْنِ، وَاحِدُهُمَا: صَلًا كَعَصًا، وَهُمَا: عِرْقَانِ مِنْ جَانِبَيْ الذَّنَبِ، وَقِيلَ عَظْمَانِ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: مِنْ صَلَيْتُ الْعُودَ إذَا لَيَّنْتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَلِينُ وَيَخْشَعُ، وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ: بِأَنَّ لَامَ الْكَلِمَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَاوٌ، وَمِنْ صَلَّيْتُ يَاءٌ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْوَاوَ وَقَعَتْ رَابِعَةً فَقُلِبَتْ يَاءً، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّ صَلَيْتُ الْمُخَفَّفَ، تَقُولُ: صَلَيْتُ اللَّحْمَ صَلْيًا إذَا شَوَيْتَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ فَارِسٍ الْمُضَعَّفَ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: صَلَيْتُ الْعَصَا تَصْلِيَةً: أَدَرْتُهُ عَلَى النَّارِ لِتُقَوِّمَهُ.
وَالصَّلَاةُ لُغَةً: الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103]
أَيْ: اُدْعُ لَهُمْ، وَعُدِّيَ بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْإِنْزَالِ، أَيْ: أَنْزِلْ رَحْمَتَكَ عَلَيْهِمْ.
«وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» وَقَالَ الشَّاعِرُ:
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرُبْتُ مُرْتَحِلًا ... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي ... نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعًا
وَشَرْعًا: (أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ مَعْلُومَةٌ مُفْتَتَحَةٌ بِتَكْبِيرٍ مُخْتَتَمَةٌ بِتَسْلِيمٍ) ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْأَخْرَسِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْأَقْوَالَ فِيهَا مُقَدَّرَةٌ وَالْمُقَدَّرُ كَالْمَوْجُودِ، أَوْ التَّعْرِيفُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ، فَلَا يَرِدُ أَيْضًا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ.
(وَهِيَ آكَدُ فُرُوضِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ " كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(وَفُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ) قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ «فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَوَاتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ خَمْسِينَ، ثُمَّ نُقِصَتْ حَتَّى جُعِلَتْ خَمْسًا، ثُمَّ نُودِيَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، وَإِنَّ لَك بِهَذِهِ الْخَمْسِ خَمْسِينَ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
(وَسُمِّيَتْ صَلَاةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ) ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا ثَانِيَةُ الشَّهَادَتَيْنِ، كَالْمُصَلِّي مِنْ خَيْلِ الْحَلَبَةِ.
(وَتَجِبُ) الصَّلَوَاتُ (الْخَمْسُ) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مُبَعَّضٍ، (مُكَلَّفٍ) - أَيْ: بَالِغٍ عَاقِلٍ - (غَيْرِ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ) فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِلَّا لَأُمِرَتَا بِقَضَائِهَا، (وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ) - أَيْ: الْمُسْلِمَ الْمَذْكُورَ - (شَرْعٌ) ، كَمَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ حَرْبٍ وَلَمْ يَبْلُغْهُ أَحْكَامُ الصَّلَاةِ فَيَقْضِيهَا إذَا عَلِمَ كَالنَّائِمِ، (أَوْ) كَانَ (نَائِمًا) أَوْ نَاسِيًا، لِحَدِيثِ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، (أَوْ) كَانَ (مُغَطًّى عَقْلُهُ بِإِغْمَاءٍ) ، لِمَا رُوِيَ " أَنَّ عَمَّارًا غُشِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: هَلْ صَلَّيْتُ؟ قَالُوا: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلَاثٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى تِلْكَ الثَّلَاثَ " وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ نَحْوُهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ الْإِغْمَاءَ لَا تَطُولُ مُدَّتُهُ غَالِبًا، وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِهِ، وَيَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يَسْقُطْ الصَّوْمُ، فَكَذَا الصَّلَاةُ كَالنَّوْمِ، (أَوْ) كَانَ مُغَطًّى عَقْلُهُ بِتَنَاوُلِ (سُكْرٍ مُبَاحٍ) مِنْ دَوَاءٍ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ خَاصًّا بِالْمُسْكِرِ، فَيَقْضِي كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَأَوْلَى، (أَوْ) كَانَ مُغَطًّى عَقْلُهُ بِشُرْبِ (مُحَرَّمٍ)
اخْتِيَارًا؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ فَلَا يُنَاسِبُهَا إسْقَاطُ الْوَاجِبِ، أَوْ كُرْهًا إلْحَاقًا لَهُ بِمَا تَقَدَّمَ، (فَيَقْضِي) السَّكْرَانُ الصَّلَاةَ زَمَنَ سُكْرِهِ (حَتَّى زَمَنِ جُنُونٍ) .
(وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ لَا) إنْ اسْتَعْمَلَتْ دَوَاءً وَلَوْ مُحَرَّمًا فَاسْتُطْلِقَ دَمٌ (زَمَنَ نَحْوِ حَيْضٍ) مِنْهَا؛ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ مَانِعٌ مِنْ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ قَضَائِهَا أَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(طَرَأَ) - أَيْ: الْجُنُونُ عَلَى السَّكْرَانِ - (مُتَّصِلًا بِسُكْرٍ مُحَرَّمٍ) تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَقِيَاسُهُ الصَّوْمُ وَغَيْرُهُ.
(وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ (مَا لَمْ يَرْتَدَّ) زَمَنُ سُكْرِهِ (ثُمَّ يُجَنُّ) ، فَإِنْ ارْتَدَّ فَجُنَّ فَأَفَاقَ فَلَا يَقْضِي، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (إذْ لَا تَجِبُ) الصَّلَاةُ (عَلَى مُرْتَدٍّ زَمَنَ رِدَّتِهِ) فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا حَالَ إسْلَامِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَضَاءِ، وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]
؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالُ عَلَى إسْقَاطِ الْعِبَادَةِ فِي حَقِّ الْأَصْلِيِّ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّ، فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ حُكْمُهُ عَمَلًا بِالْمُقْتَضِي الشَّامِلِ لَهُمَا، وَأَمَّا مَا تَرَكَهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَلَا) تَجِبُ الصَّلَاةُ (عَلَى كَافِرٍ أَصْلِيٍّ وُجُوبَ أَدَاءً) ، بِمَعْنَى أَنَّا لَا نَأْمُرُهُ بِهَا فِي كُفْرِهِ، وَلَا
بِقَضَائِهَا إذَا أَسْلَمَ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يُؤْمَرُ أَحَدٌ بِقَضَائِهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ عَنْ الْإِسْلَامِ، (بَلْ) تَجِبُ عَلَيْهِ (وُجُوبَ عِقَابٍ، لِمُخَاطَبَتِهِ) - أَيْ: الْكَافِرِ - (بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ) مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ عَلَى الصَّحِيحِ كَالتَّوْحِيدِ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: 43] الْآيَةَ
[تَتِمَّةُ عِبَادَاتُ الْمُرْتَدِّ الَّتِي فَعَلَهَا قَبْلَ رِدَّتِهِ]
تَتِمَّةُ: لَا تَبْطُلُ عِبَادَاتُ الْمُرْتَدِّ الَّتِي فَعَلَهَا قَبْلَ رِدَّتِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا إذَا أَسْلَمَ، وَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا حَبِطَتْ وَإِنْ ارْتَدَّ فِي أَثْنَاءِ عِبَادَةٍ بَطَلَتْ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] وَلَا تَبْطُلُ اسْتِطَاعَةُ قَادِرٍ عَلَى الْحَجِّ بِهَا، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْعَوْدِ لِلْإِسْلَامِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِاسْتِطَاعَتِهِ فِي الرِّدَّةِ.
(وَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (مِنْ مَجْنُونٍ) ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةَ، وَلَا تُمْكِنُ مِنْهُ (وَ) لَا مِنْ (سَكْرَانَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43]
(وَ) لَا مِنْ (أَبْلَهَ لَا يَعْقِلُ) ، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، وَغَيْرُهُ كَالْمَجْنُونِ يُقَالُ: بَلِهَ بَلَهًا: كَتَعِبِ تَعَبًا، وَتَبَالَهَ أَرَى نَفْسَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِهِ، وَيُقَالُ: الْأَبْلَهُ أَيْضًا لِمَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ سَلَامَةُ الصَّدْرِ، وَفِي الْحَدِيثِ «أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ» أَيْ: لِأَنَّهُمْ أَغْفَلُوا أَمْرَ دُنْيَاهُمْ وَجَهِلُوا حِذْقَ التَّصَرُّفِ فِيهَا وَأَقْبَلُوا عَلَى آخِرَتِهِمْ فَشَغَلُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَا فَاسْتَحَقُّوا أَنْ يَكُونُوا أَكْثَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يَعْنِي الْبُلْهَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، لِقِلَّةِ اهْتِمَامِهِمْ بِهَا، وَهُمْ أَكْيَاسٌ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ.
(وَيَلْزَمُ) مُسْتَيْقِظًا (إعْلَامُ نَائِمٍ بِدُخُولِ وَقْتِهَا) - أَيْ الصَّلَاةِ - (مَعَ ضِيقِهِ) أَيْ الْوَقْتِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ نَامَ قَبْلَ دُخُولِهِ (وَيَتَّجِهُ) : إنَّمَا يَلْزَمُ إعْلَامُ نَائِمٍ (إنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُصَلِّي) ، أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّ إعْلَامَهُ لَا يُفِيدُ، فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ
عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ لَا يَجِبُ إلَّا إذَا ظَنَّ امْتِثَالَ الْمَأْمُورِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ، وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ أَفَادَ أَوْ لَمْ يُفِدْ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [لقمان: 17] .
(وَإِذَا) (صَلَّى) كَافِرٌ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «نُهِيَتْ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْعِصْمَةَ ثَبَتَتْ بِالصَّلَاةِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ بِدُونِ الْإِسْلَامِ وَلِقَوْلِ أَنَسٍ " مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مَوْقُوفًا.
وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ: صَلَّى صَلَاتَنَا: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُصَلِّيًا بِدُونِهَا، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَشْرُوعَةِ تَخْتَصُّ بِشَرْعِنَا أَشْبَهَتْ الْأَذَانَ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْحَرْبِ، جَمَاعَةً أَوْ مُنْفَرِدًا بِمَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ، (أَوْ أَذَّنَ أَوْ أَقَامَ) الصَّلَاةَ (وَلَوْ فِي غَيْرِ وَقْتِ) أَذَانٍ أَوْ إقَامَةٍ (كَافِرٌ) (يَصِحُّ إسْلَامُهُ) ، وَهُوَ الْمُمَيِّزُ الَّذِي يَعْقِلُهُ (حُكِمَ بِهِ) - أَيْ: إسْلَامِهِ - لِإِتْيَانِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَمَعْنَى الْحُكْمِ بِهِ: أَنَّهُ لَوْ مَاتَ عَقِبَ ذَلِكَ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَدُفِنَ بِمَقَابِرِنَا، وَوَرِثَهُ أَقَارِبُهُ الْمُسْلِمُونَ دُونَ الْكُفَّارِ، وَلَوْ أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى الْكُفْرِ، وَقَالَ: صَلَّيْت مُسْتَهْزِئًا وَنَحْوُهُ: لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ، (وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ) - أَيْ: الْكَافِرِ - (ظَاهِرًا) ، فَيُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهَا لِفَقْدِ
شَرْطِهَا، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ، وَاغْتَسَلَ، وَصَلَّى بِنِيَّةٍ فَهِيَ صَحِيحَةٌ، (وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِهِ) لِفَقْدِ شَرْطِهِ، (وَ) لَا (إقَامَتِهِ) ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي صَلَاةٍ وَفِطْرٍ، وَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ مَالِهِ وَلَا حَجِّهِ وَلَا صَوْمِهِ قَاصِدًا رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَحُجُّونَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28]
وَلَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِمْ بِذَلِكَ، وَكَذَا فِي بَاقِي الْعِبَادَاتِ غَيْرِ الشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ شَرْعَنَا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: كَانَ لِمَنْ قَبْلنَا مِنْ الْأُمَمِ صَلَوَاتٌ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، لَكِنْ لَيْسَتْ مُمَاثَلَةً لِصَلَاتِنَا فِي الْأَوْقَاتِ وَالْهَيْئَاتِ وَغَيْرِهَا.
(وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (مِنْ مُمَيِّزٍ، وَهُوَ: مَنْ بَلَغَ) - أَيْ: اسْتَكْمَلَ - (سَبْعَ سِنِينَ) وَفِي " الْمُطْلِعِ ": مَنْ يَفْهَمُ الْخِطَابَ، وَيَرُدُّ الْجَوَابَ، وَلَا يَنْضَبِطُ بِسِنٍّ، بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَفْهَامِ، وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَقَالَ: إنَّ الِاشْتِقَاقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهَا مِنْ الْمُمَيِّزِ، (وَالثَّوَابُ) - أَيْ: ثَوَابُ عَمَلِ الْمُمَيِّزِ (لَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: 46]
(كَعَمَلِ بِرٍّ غَيْرَهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - (فَيُكْتَبُ لَهُ) ، وَ (لَا) يُكْتَبُ (عَلَيْهِ) ، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ، (وَشُرِطَ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ) - أَيْ: الْمُمَيِّزِ - (مَا شُرِطَ لِ) صِحَّةِ (صَلَاةِ كَبِيرٍ) بَالِغٍ (إلَّا فِي سُتْرَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي) تَفْصِيلُهُ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ.
(وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (وَ) إلَّا فِي (تَرْكِ قِيَامٍ) فِي مَفْرُوضَةٍ فَلَا يُشْتَرَطُ قِيَامُهُ بِهَا (مَعَ قُدْرَةٍ) عَلَيْهِ (لِأَنَّهَا نَفْلٌ) فِي حَقِّهِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَلْزَمُ وَلِيُّهُ) - أَيْ: الصَّغِيرِ - (أَمْرُهُ بِهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - (لِتَمَامِ سَبْعِ) سِنِينَ، (وَ) يَلْزَمُهُ (تَعْلِيمُهُ إيَّاهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - (وَ) تَعْلِيمُهُ (الطَّهَارَةَ) ، كَمَا يَلْزَمُ الْوَلِيَّ فِعْلُ مَا فِيهِ (إصْلَاحُ مَالِهِ) ، وَكَمَا يَلْزَمُهُ (كَفُّهُ عَنْ الْمَفَاسِدِ) لِيَنْشَأَ عَلَى الْكَمَالِ، (وَ) يَلْزَمُهُ أَيْضًا (ضَرْبُهُ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرِ) سِنِينَ تَامَّةٍ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
قَالَ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيّ: قَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِعَدَدِ مَا يُضْرَبُ عَلَى التَّعْلِيمِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُضْرَبُ فَوْقَ ثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ: «غَطَّ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ» وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَضْرِبَ الْمُؤَدِّبُ فَوْقَ ثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ» وَالْأَمْرُ بِالتَّأْدِيبِ لِتَمْرِينِهِ عَلَيْهَا حَتَّى يَأْلَفَهَا وَيَعْتَادَهَا فَلَا يَتْرُكَهَا.
وَأَمَّا وُجُوبُ تَعْلِيمِهِ إيَّاهَا وَالطَّهَارَةَ فَلِتَوَقُّفِ فِعْلِهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَى أُجْرَةٍ فَمِنْ مَالِ الصَّغِيرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
(وَإِنْ بَلَغَ) الصَّغِيرُ (فِي) صَلَاةٍ (مَفْرُوضَةٍ) بِأَنْ تَمَّتْ مُدَّةُ الْبُلُوغِ، وَهُوَ فِيهَا فِي وَقْتِهَا لَزِمَهُ إعَادَتُهَا، وَسُمِّيَ بُلُوغًا لِبُلُوغِهِ حَدَّ التَّكْلِيفِ (أَوْ) بَلَغَ (بَعْدَهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - (فِي وَقْتِهَا لَزِمَهُ إتْمَامُهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ، قَدَّمَهُ " أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ "، وَتَبِعَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ دَخَلَ فِي نَفْلٍ هَلْ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الصَّوْمِ؟ ، وَالْمَذْهَبُ لَا يَلْزَمُهُ.
(وَيَتَّجِهُ) : عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا (مَعَ سَعَةِ وَقْتٍ، وَعَدَمِ تَيَمُّمٍ)
أَمَّا لَوْ تَيَمَّمَ الصَّغِيرُ لِصَلَاةِ فَرْضٍ، ثُمَّ بَلَغَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِتَيَمُّمٍ فَرْضًا؛ لِأَنَّ مَا نَوَاهُ كَانَ نَفْلًا جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَابْنِ رَزِينٍ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ، وَ " مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ "، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَلَغَ، وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ فَلَهُ إتْمَامُهَا بِذَلِكَ الْوُضُوءِ لَا لُزُومًا.
(وَ) لَزِمَ مَنْ بَلَغَ فِي مَفْرُوضَةٍ أَوْ بَعْدَهَا فِي وَقْتِهَا (إعَادَتُهَا) كَالْحَجِّ، وَلِأَنَّهَا نَافِلَةٌ فِي حَقِّهِ فَلَمْ تُجْزِئْهُ عَنْ الْفَرِيضَةِ، فَإِنْ بَلَغَ بَعْدَ الْوَقْتِ فَلَا إعَادَةَ (مَعَ مَجْمُوعَةٍ إلَيْهَا بِإِعَادَةِ تَيَمُّمٍ) لَفَرْضٍ؛ لِأَنَّ تَيَمُّمَهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ كَانَ لِنَافِلَةٍ فَلَا يَسْتَبِيحُ بِهِ الْفَرْضَ، وَ (لَا) يَلْزَمُهُ إعَادَةُ (وُضُوءٍ) ، وَلَا غُسْلُ جَنَابَةٍ؛ لِأَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ لِنَافِلَةٍ اسْتَبَاحَ بِهِ الْفَرِيضَةَ، لِرَفْعِهِ الْحَدَثَ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ، (وَ) لَا إعَادَةُ (إسْلَامٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ الدِّينِ، فَلَا يَصِحُّ نَفْلًا، فَإِذَا وُجِدَ فَعَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ بِفِعْلِ غَيْرِهِ كَإِسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ.
(وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَزِمَتْهُ) فَرِيضَةٌ مِنْ الصَّلَوَاتِ (تَأْخِيرُهَا أَوْ) تَأْخِيرُ (بَعْضِهَا عَنْ وَقْتِ جَوَازٍ) ، أَيْ: وَقْتِ الصَّلَاةِ، إنْ كَانَ لَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ (إلَى وَقْتِ ضَرُورَةٍ) ، أَيْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ إنْ كَانَ لَهَا وَقْتَانِ، وَمَحِلُّهُ إذَا كَانَ (ذَاكِرًا قَادِرًا عَلَى فِعْلِهَا) ، بِخِلَافِ نَائِمٍ قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": إجْمَاعًا، لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ أَنْ تُؤَخِّرَ صَلَاةً إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّهُ يَجِبُ إيقَاعُهَا فِي الْوَقْتِ، فَإِذَا خَرَجَ، وَلَمْ يَأْتِ بِهَا كُلِّهَا كَانَ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ مُخَالِفًا لِلْأَمْرِ، وَتَأْخِيرُهَا مِنْ الْقَادِرِ عَلَى فِعْلِهَا كَبِيرَةٌ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، (لَا إنْ طَرَأَ مَانِعٌ) مِنْ فِعْلِهَا فِي وَقْتِهَا (كَحَيْضٍ) فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إلَى انْقِطَاعِهِ، وَالتَّطَهُّرِ مِنْهُ (إلَّا لِمَنْ لَهُ الْجَمْعُ) بَيْنَ صَلَاتَيْنِ لِنَحْوِ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ، (وَيَنْوِيهِ) ، أَيْ: الْجَمْعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى الْمُتَّسِعِ لَهَا، فَيَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُؤَخِّرُ الْأُولَى فِي الْجَمْعِ، وَيُصَلِّيهَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَلِأَنَّ وَقْتَيْهِمَا يَصِيرَانِ وَقْتًا وَاحِدًا لَهُمَا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِثْنَائِهِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقْتٌ مَعْلُومٌ، فَيَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إلَيْهِ فَتَعَيَّنَ إخْرَاجُهُ، (أَوْ لِمُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - (الَّذِي يُحَصِّلُهُ) - أَيْ الشَّرْطَ - (قَرِيبًا كَمُشْتَغِلٍ بِوُضُوءٍ وَغُسْلٍ وَخِيَاطَةِ سُتْرَةٍ) انْخَرَقَتْ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُهَا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا بُدَّ لَهُ، وَ (لَا) يَجُوزُ التَّأْخِيرُ لِتَحْصِيلِ شَرْطِهَا حَيْثُ كَانَ (بَعِيدًا كَذَهَابِ) عُرْيَانَ لِبَلَدٍ أُخْرَى (لِشِرَاءِ سُتْرَةٍ) ، وَلَا تَحْصُلُ لَهُ إلَّا (بَعْدَ) خُرُوجِ (وَقْتٍ) فَيُصَلِّي عُرْيَانَ، (أَوْ) عَلِمَ عَدَمَ وُصُولِ (نَوْبَةِ مُسَافِرٍ) إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ، فَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي كَعَادِمِ الْمَاءِ، (وَ) كَذَا (عَاجِزٌ عَنْ تَعَلُّمِ نَحْوِ تَكْبِيرٍ وَتَشَهُّدٍ) وَفَاتِحَةٍ وَأَدِلَّةِ قِبْلَةٍ خَفِيَتْ عَلَيْهِ، فَيُصَلِّي فِي الْوَقْتِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ تَقْدِيمًا لِلْوَقْتِ، لِسُقُوطِ الشَّرْطِ إذَنْ بِالْعَجْزِ عَنْهُ.
(وَلَهُ) - أَيْ: لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ - (تَأْخِيرُ فِعْلِهَا فِي الْوَقْتِ مَعَ الْعَزْمِ عَلَيْهِ) - أَيْ: الْفِعْلِ - فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ وَنَحْوِهِ مِمَّا وَقْتُهُ مُوَسَّعٌ، (مَا لَمْ يَظُنَّ مَانِعًا) مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ (كَمَوْتٍ وَقَتْلٍ وَحَيْضٍ) فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ نَامَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَظَنَّ أَنَّهُ لَا يُفِيقُ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا قَبْلَ النَّوْمِ، لِئَلَّا تَفُوتَهُ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ أَدَاؤُهَا، (أَوْ) مَا لَمْ (يُعَرْ سُتْرَةً أَوَّلَهُ) - أَيْ: أَوَّلَ الْوَقْتِ - (فَقَطْ) ، فَيَلْزَمُهُ أَدَاؤُهَا إذَنْ، لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا بِشَرْطِهَا، (أَوَّلًا) لَا (يَبْقَى وُضُوءُ عَادِمِ مَاءٍ لِآخِرِهِ) ، أَيْ: آخِرِ الْوَقْتِ، (وَلَا يَرْجُو وُجُودَهُ) - أَيْ: الْمَاءِ - فِي الْوَقْتِ فَيَتَعَيَّنُ أَوَّلَ الْوَقْتِ، لِئَلَّا يَفُوتَهُ شَرْطُهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَوْ) كَانَ عَدَمُ الْمَاءِ (حَضَرًا) كَقَطْعِ عَدُوٍّ مَاءَ بَلَدِهِ وَنَحْوِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّفَرِ، (خِلَافًا لَهُمَا) - أَيْ: " لِلْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " - (فِيمَا يُوهِمُ) مِنْ عِبَارَتَيْهِمَا حَيْثُ قَيَّدَا عَدَمَ الْمَاءِ فِي السَّفَرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَنَحْوُ مُسْتَحَاضَةٍ) مِمَّنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ (اُعْتِيدَ انْقِطَاعُ) دَمِهَا، أَوْ حَدَثُهُ (أَوَّلَهُ) - أَيْ الْوَقْتِ - فَيَتَعَيَّنُ فِعْلُهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَذَا لَوْ اُعْتِيدَ الِانْقِطَاعُ وَسَطَ الْوَقْتِ أَوْ آخِرَهُ فَيَتَعَيَّنُ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ.
(وَمَنْ لَهُ التَّأْخِيرُ) ، أَيْ: تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ، فَأَخَّرَهَا فَإِنَّهَا (تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ قَبْلَ فِعْلِهَا) فِيهِ، (وَلَا إثْمَ) عَلَيْهِ، بِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ (بِخِلَافِ عَكْسِهِ) ، وَهُوَ: مَنْ لَيْسَ لَهُ التَّأْخِيرُ فَلَا تَسْقُطُ هِيَ، وَلَا إثْمُ تَأْخِيرِهَا عَنْهُ بِمَوْتِهِ.
[فَصْلٌ جَحَدُ وُجُوب الصَّلَاة]
(فَصْلٌ) (وَمَنْ جَحَدَهَا) - أَيْ: الصَّلَاةَ - بِأَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا كَفَرَ، (أَوْ) جَحَدَ وُجُوبَ (جُمُعَةٍ كَفَرَ) إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَجْهَلُهُ، كَمَنْ نَشَأَ بِدَارِ إسْلَامٍ، (وَلَوْ فَعَلَهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْحَدُهَا إلَّا تَكْذِيبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَيَصِيرُ مُرْتَدًّا، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجْهَلُ وُجُوبَهَا، كَحَدِيثِ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ، أَوْ مَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ عُرِّفَ وُجُوبَهَا، وَلَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، فَإِنْ قَالَ أُنْسِيتُهَا، قِيلَ لَهُ: صَلِّ الْآنَ، وَإِنْ قَالَ: أَعْجَزُ عَنْهَا، لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ عَجَزَ عَنْ أَرْكَانِهَا أُعْلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطَ الصَّلَاةَ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ، فَإِنْ أَصَرَّ
عَلَى الْجَحْدِ كَفَرَ، لِمَا سَبَقَ.
(أَوْ) كَانَ جَحْدُهُ لِوُجُوبِهَا (جَهْلًا) بِهِ (وَعَرَفَ) الْوُجُوبَ، (فَعَلِمَ وَأَصَرَّ) عَلَى جُحُودِهِ كَفَرَ، لِمَا تَقَدَّمَ، (وَكَذَا تَارِكُهَا، أَوْ) تَارِكُ (شَرْطٍ) لَهَا كَالْوُضُوءِ (أَوْ رُكْنٍ لَهَا مَجْمَعٍ عَلَيْهِ) كَالرُّكُوعِ (تَهَاوُنًا أَوْ كَسَلًا إذَا دَعَاهُ إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ لِفِعْلِهَا) ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تَرَكَهَا لِعُذْرٍ يَعْتَقِدُ سُقُوطَهَا بِهِ كَالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ، (وَأَبَى) فِعْلَهَا (حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا) بِأَنْ يُدْعَى لِلظُّهْرِ مَثَلًا فَيَأْبَى حَتَّى يَتَضَايَقَ وَقْتُ الْعَصْرِ عَنْهَا فَيُقْتَلُ كُفْرًا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِقَوْلِهِ «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِقَوْلِهِ «أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمْ الْأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاةُ» قَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ شَيْءٍ ذَهَبَ آخِرُهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَقَالَ عُمَرُ: لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَقَالَ عَلِيٌّ: مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَهُوَ كَافِرٌ.
(وَيُسْتَتَابَانِ) ، أَيْ: الْجَاحِدُ لِوُجُوبِهَا، وَالتَّارِكُ لَهَا تَهَاوُنًا أَوْ كَسَلًا بَعْدَ الدِّعَايَةِ وَالْإِبَاءِ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) بِلَيَالِيِهَا، وَيُضِيفُ عَلَيْهِمَا، وَيُدْعَيَانِ كُلَّ وَقْتِ صَلَاةٍ إلَيْهَا، (فَإِنْ تَابَا بِفِعْلِهَا، وَرُجُوعِ جَاحِدٍ) لِوُجُوبِهَا خُلِّيَ سَبِيلُهُمَا، وَإِنْ قَالَ: أُصَلِّي بِمَنْزِلِي مَثَلًا تُرِكَ وَأُمِرَ بِهَا، وَوُكِّلَتْ إلَى أَمَانَتِهِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتُوبَا بِذَلِكَ (قُتِلَا) بِضَرْبِ عُنُقِهِمَا بِالسَّيْفِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» أَيْ: الْهَيْئَةَ مِنْ الْقَتْلِ، وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ (كُفْرًا) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالشِّيرَازِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ مُقْتَضَى نَصِّ أَحْمَدَ، وَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَرِثُ مُسْلِمًا وَلَا يَرِثُهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ الْآجُرِّيُّ: مَنْ قُتِلَ مُرْتَدًّا يُتْرَكُ بِمَكَانِهِ وَلَا يُدْفَنُ، وَلَا كَرَامَةَ، وَلَا يُرَقُّ وَلَا يُسَمَّى لَهُ أَهْلٌ وَلَا وَلَدٌ.