مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[فَصْلٌ بَاعَ نَخْلًا أَوْ رَهَنَ نَخْلًا أَوْ وَهَبَ نَخْلًا]
(فَصْلٌ وَمَنْ) (بَاعَ نَخْلًا، أَوْ رَهَنَ) نَخْلًا، (أَوْ وَهَبَ) نَخْلًا، (أَوْ أَخَذَ بِشُفْعَةٍ نَخْلًا تَشَقَّقَ طِلْعُهُ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا - وِعَاءُ الْعُنْقُودِ، وَهُوَ مَا يَطْلُعُ مِنْ النَّخْلَةِ، ثُمَّ يَصِيرُ تَمْرًا إنْ كَانَ أُنْثَى، وَإِنْ كَانَتْ ذَكَرًا، لَمْ يَصِرْ تَمْرًا، بَلْ يُؤْكَلُ طَرِيًّا، وَيُتْرَكُ عَلَى النَّخْلَةِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً حَتَّى يَصِيرَ فِيهِ شَيْءٌ أَبْيَضُ مِثْلُ الدَّقِيقِ، وَلَهُ رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ فَيُلَقَّحُ بِهِ الْأُنْثَى (وَلَوْ لَمْ يُؤَبَّرْ) ، أَيْ: يُلَقَّحْ، (أَوْ) بَاعَ، أَوْ وَهَبَ، أَوْ رَهَنَ نَخْلًا بِهِ (طَلْعُ فُحَّالٍ) يُرَادُ لِتَلْقِيحٍ، (أَوْ صَالَحَ بِهِ) ، أَيْ: بِنَخْلٍ بِهِ ذَلِكَ، (أَوْ جَعَلَهُ صَدَاقًا أَوْ أُجْرَةً، أَوْ عِوَضَ خُلْعٍ) أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ (فَثَمَرٌ) وَطَلْعُ فُحَّالٍ (لَمْ يَشْتَرِطْهُ) كُلُّهُ (أَوْ بَعْضُهُ لِمَعْلُومٍ) ، كَنِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ أَوْ ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ (آخِذٍ لِمُعْطٍ مَتْرُوكًا إلَى جَذَاذٍ) ، لِحَدِيثِ «مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ يُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ لِمُشْتَرٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ التَّأْبِيرَ حَدًّا لِمِلْكِ الْبَائِعِ لِلثَّمَرَةِ، وَنَصَّ عَلَى التَّأْبِيرِ، وَالْحُكْمُ مَنُوطٌ بِالتَّشَقُّقِ؛ لِمُلَازَمَتِهِ لَهُ غَالِبًا، وَأُلْحِقَ بِالْبَيْعِ بَاقِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهُ، وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ الْهِبَةُ، لِزَوَالِ الْمِلْكِ فِيهَا بِغَيْرِ فَسْخٍ وَتَصَرُّفِ الْمُتَّهِبِ بِمَا شَاءَ، أَشْبَهَ الْمُشْتَرَى وَالرَّهْنَ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلْبَيْعِ لِيُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْ ثَمَنِهِ، وَتُرِكَ
إلَى الْجِذَاذِ إذَنْ؛ لِأَنَّ تَفْرِيغَ الْمَبِيعِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، كَدَارٍ فِيهَا أَطْعِمَةٌ أَوْ مَتَاعٌ، وَإِنْ اشْتَرَطَهُ كُلَّهُ مُشْتَرٍ، أَوْ اشْتَرَطَ بَعْضًا مَعْلُومًا، فَلَهُ مَا شَرَطَ، لِلْخَبَرِ، (مَا لَمْ تَجْرِ عَادَةٌ بِأَخْذِهِ) ، أَيْ: التَّمْرِ بُسْرًا، أَوْ يَكُنْ بُسْرُهُ (خَيْرًا مِنْ رُطَبِهِ) ، فَيَجُذَّهُ بَائِعٌ إذَا اسْتَحْكَمَتْ حَلَاوَةُ بُسْرِهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَةُ أَخْذِهِ، (وَإِنْ تَضَرَّرَ الْأَصْلُ بِبَقَائِهِ، أَوْ شَرَطَ عَلَى بَائِعٍ الْقَطْعَ، قَطَعَ) ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، بِخِلَافِ وَقْفٍ وَوَصِيَّةٍ.
(وَيَتَّجِهُ وَإِقْرَارٌ) مِثْلُ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ فِي الْحُكْمِ، لَكِنَّ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ " فِي بَابِ الْإِقْرَارِ أَنَّ الثَّمَرَةَ كَالْبَيْعِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ اتِّجَاهِ الْمُصَنِّفِ، (فَتَدْخُلُ ثَمَرَةٌ فِيهَا) ، أَيْ: فِي الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ، (نَصًّا) ، أُبِّرَتْ أَوْ لَمْ تُؤَبَّرْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقَصْدُ مِنْ وَقْفِ الشَّجَرَةِ الِانْتِفَاعُ بِثَمَرَتِهَا، دَخَلَتْ، وَلَوْ بَعْدَ التَّشَقُّقِ، وَالْوَصِيَّةُ شَبِيهَةٌ بِالْوَقْفِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، (كَفَسْخِ) بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ قَبْلَ دُخُولٍ (لِعَيْبٍ، وَإِقَالَةِ بَيْعٍ، وَرُجُوعِ أَبٍ فِي هِبَةٍ) وَهَبَهَا لِوَلَدِهِ حَيْثُ لَا مَانِعَ مِنْهُ، فَتَدْخُلُ الثَّمَرَةُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهَا نَمَاءٌ مُتَّصِلٌ، أَشْبَهَتْ السِّمَنَ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ "، (وَكَلَامُهُ هُنَا فِيهِ نَظَرٌ) ، فَإِنَّهُ جَعَلَهَا زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً، فَلَا تَدْخُلُ الثَّمَرَةُ فِي الْفَسْخِ، وَرُجُوعِ الْأَبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَالَ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ أَيْضًا بِكَوْنِهِ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً فِيمَا تَقَدَّمَ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ تَبَعًا لِلْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ فِي التَّفْلِيسِ، وَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الصَّدَاقِ، وَصَاحِبُ " الْمُغْنِي " " وَالشَّرْحِ " " وَالْكَافِي " " وَالْمُنَقَّحِ "؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ مَا دَامَتْ عَلَى الشَّجَرَةِ، فَهِيَ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وَلَا تَصِيرُ مُنْفَصِلَةً إلَّا بِجَذِّهَا.
(وَكَنَخْلٍ مَا بَدَا) ، أَيْ: ظَهَرَ (مِنْ ثَمَرَةٍ) لَا قِشْرَ عَلَيْهَا وَلَا نَوْرَ لَهَا،
(كَعِنَبٍ) قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": الْعِنَبُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَهُ نَوْرٌ لِأَنَّهُ يُبْدَأُ فِي قُطُوفِهِ شَيْءٌ صِغَارٌ كَحَبِّ الدَّخَنِ، ثُمَّ يَتَفَتَّحُ وَيَتَنَاثَرُ كَتَنَاثُرِ النَّوْرِ، فَهُوَ مِنْ قِسْمِ مَا لَهُ نَوْرٌ يَتَنَاثَرُ نَوْرُهُ، فَتَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ، كَالتُّفَّاحِ وَنَحْوِهِ، وَمِثْلُهُ الزَّيْتُونُ.
وَالْمُصَنِّفُ تَبِعَ فِيهِ " الْمُنْتَهَى " " وَالْكَافِي " وَفِيهِ مِنْ النَّظَرِ مَا لَا يَخْفَى، فَعَلَى هَذَا كَانَ مَحَلُّ ذِكْرِهِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُ نَوْرُهُ.
(وَتِينٍ وَتُوتٍ) ، وَجُمَّيْزٍ (وَ) كَذَا مَا بَدَا فِي قِشْرِهِ وَبَقِيَ فِيهِ إلَى أَكْلِهِ، (كَرُمَّانٍ) وَمَوْزٍ، (وَ) مَا بَدَا فِي قِشْرَيْنِ، (كَجَوْزٍ، أَوْ ظَهَرَ مِنْ نَوْرِهِ كَمِشْمِشٍ وَتُفَّاحٍ وَسَفَرْجَلٍ وَلَوْزٍ وَخَوْخٍ وَإِجَّاصٍ أَوْ خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ) جَمْعُ كِمٍّ - بِكَسْرِ الْكَافِ - وَهُوَ الْغِلَافُ، (كَوَرْدٍ وَيَاسَمِينٍ وَنَرْجِسِ وَبَنَفْسَجٍ وَقُطْنٍ يُحْمَلُ كُلُّ عَامٍ كَالْحِجَازِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلُّهُ بِمَثَابَةِ تَشَقُّقِ الطَّلْعِ، (وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ) ، أَيْ: قَبْلَ الْبُدُوِّ، فِي نَحْوِ عِنَبٍ، وَالْخُرُوجِ مِنْ النَّوْرِ فِي نَحْوِ مِشْمِشٍ، وَالظُّهُورِ مِنْ الْأَكْمَامِ فِي نَحْوِ الْوَرْدِ، فَهُوَ (لِآخِذٍ) مِنْ مُشْتَرٍ وَمُتَّهِبٍ وَنَحْوِهِمَا، (كَوَرَقِ) شَجَرٍ (مُطْلَقًا) ، سَوَاءٌ كَانَ مَقْصُودًا، كَوَرَقِ التُّوتِ أَوْ لَا، كَوَرَقِ الْمِشْمِشِ، وَكَذَا الْعَرَاجِينُ وَنَحْوُهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَجْزَائِهَا خُلِقَتْ لِمَصْلَحَتِهَا كَأَجْزَاءِ سَائِرِ الْمَبِيعِ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ مُعْطٍ) مِنْ بَائِعٍ وَنَحْوِهِ (بِيَمِينِهِ فِي بُدُوِّ ذَلِكَ) ، أَيْ: الثَّمَرَةِ قَبْلَ عَقْدٍ، لِتَكُونَ بَاقِيَةً لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ انْتِفَائِهَا عَنْهُ (حَيْثُ اُحْتُمِلَ) صِدْقُهُ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ خُرُوجَهَا عَنْ مِلْكِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، (وَكَزَرْعٍ قُطْنٌ يُحْصَدُ كُلَّ عَامٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ، أَشْبَهَ الْبُرَّ، وَمِنْهُ نَوْعٌ لَهُ أَصْلٌ يَبْقَى فِي الْأَرْضِ أَعْوَامًا، فَحُكْمُهُ كَالشَّجَرَةِ.
(وَيَصِحُّ شَرْطُ مُعْطٍ لِنَفْسِهِ مَا لِآخِذٍ، أَوْ) شَرْطِهِ (جُزْءًا مِنْهُ مَعْلُومًا)
نَحْوَ رُبْعٍ أَوْ خُمُسٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي طَلْعِ النَّخْلِ، وَلَهُ تَبْقِيَتُهُ إلَى جِذَاذِهِ، مَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ قَطْعَ غَيْرِ الْمُشَاعِ
(وَإِنْ ظَهَرَ، أَوْ تَشَقَّقَ بَعْضُ ثَمَرِهِ، أَوْ) بَعْضُ (طَلْعٍ - وَلَوْ مِنْ نَوْعٍ -) ، فَمَا ظَهَرَ أَوْ تَشَقَّقَ (لِمُعْطٍ) ، لِمَا سَبَقَ، (وَغَيْرُهُ) ، أَيْ: الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ أَوْ يَتَشَقَّقْ (لِآخِذٍ) ، لِلْخَبَرِ، (إلَّا) إنْ ظَهَرَ أَوْ تَشَقَّقَ بَعْضُ ثَمَرَةٍ (فِي شَجَرَةٍ، فَالْكُلُّ) ، أَيْ: كُلُّ ثَمَرِ الشَّجَرَةِ مَا ظَهَرَ وَتَشَقَّقَ، وَمَا لَمْ يَظْهَرْ أَوْ يَتَشَقَّقْ، (لِمُعْطٍ) ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ يَتْبَعُ بَعْضَهُ.
(وَلِكُلٍّ) مِنْ مُعْطٍ وَآخِذٍ (السَّقْيُ) لِمَالِهِ (لِمَصْلَحَتِهِ) ، وَيُرْجَعُ فِيهَا إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ (- وَلَوْ تَضَرَّرَ الْآخَرُ) بِالسَّقْيِ - لِدُخُولِهِمَا فِي الْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَصْلَحَتُهُ فِي السَّقْيِ مُنِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ السَّقْيَ يَتَضَمَّنُ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَالْأَصْلُ الْمَنْعُ، وَإِبَاحَتُهُ لِلْمَصْلَحَةِ.
(وَمَنْ اشْتَرَى شَجَرًا) فِي أَرْضٍ لَمْ تَتْبَعْهُ الْأَرْضُ، وَإِنْ (لَمْ يَشْتَرِطْ قَطْعَهُ) ، أَيْ: الشَّجَرِ (أَبْقَاهُ فِي أَرْضِ بَائِعٍ) ، كَتَمْرٍ عَلَى الشَّجَرِ (بِلَا أُجْرَةٍ، وَلَا يَغْرِسُ مَكَانَهُ لَوْ بَادَ، لِعَدَمِ مِلْكِهِ الْأَرْضَ تَبَعًا لِلشَّجَرِ،) فَإِنْ تَكَسَّرَ الشَّجَرُ، أَوْ احْتَرَقَ وَنَحْوُهُ وَنَبَتَ شَيْءٌ مِنْ عُرُوقِهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِصَاحِبِهِ، وَيَبْقَى إلَى أَنْ يَبِيدَ، (وَلَهُ) ، أَيْ: لِآخِذٍ (الدُّخُولُ لِمَصَالِحِهِ) ، أَيْ، مَصَالِحِ أَشْجَارِهِ، لِثُبُوتِ حَقِّ الِاجْتِيَازِ لَهُ، وَلَا يَدْخُلُ لِتَفَرُّجٍ وَنَحْوِهِ.
[فَصْلٌ لَا يَصِحُّ بَيْعُ ثَمَرَةٍ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا]
(فَصْلٌ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ ثَمَرَةٍ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا) : «؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أُجْمِعَ عَلَى الْقَوْلِ بِجُمْلَةِ هَذَا الْحَدِيثِ، (وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (زَرْعٍ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى تُزْهِيَ، وَعَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَعْدِلُ
عَنْ الْقَوْلِ بِهِ، (لِغَيْرِ مَالِكِ الْأَصْلِ) ، أَيْ: الشَّجَرِ، (أَوْ) لِغَيْرِ مَالِكِ (الْأَرْضِ، وَيَتَّجِهُ، أَوْ) لِغَيْرِ مَالِكِ (مَنْفَعَتِهَا) ، أَيْ: الْأَرْضِ (بِإِجَارَةٍ فَقَطْ) ، كَأَنْ يَسْتَأْجِرَ زَيْدٌ مِنْ عَمْرٍو أَرْضَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ يُعِيرَهَا لِبَكْرٍ سَنَةً مَثَلًا، فَيَزْرَعَهَا بَكْرٌ، فَقَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ يَبِيعُهُ لِزَيْدٍ، فَالظَّاهِرُ الصِّحَّةُ، خِلَافًا لِمَا مَالَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمُحَشِّينَ، وَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ بَكْرٌ الزَّرْعَ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - لِعَمْرٍو الْمَالِكِ لِرَقَبَةِ الْأَرْضِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ لِزَيْدٍ، وَعَمْرٌو لَا يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ بِالْأَرْضِ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(إلَّا مَعَهُمَا) ، أَيْ: الْأَصْلِ وَالْأَرْضِ، فَلَوْ بَاعَ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا لِمَالِكِ أَصْلِهَا، أَوْ بَاعَ الزَّرْعَ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ لِمَالِكِ أَرْضِهِ، صَحَّ الْبَيْعُ لِحُصُولِ التَّسْلِيمِ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْكَمَالِ، لِمِلْكِ الْأَصْلِ وَالْقَرَارِ، فَصَحَّ، كَبَيْعِهِمَا مَعًا، وَلِأَنَّهُ إذَا بِيعَ مَعَ الْأَصْلِ، دَخَلَ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ، فَلَمْ يَضُرَّ احْتِمَالُ الضَّرَرِ فِيهِ، كَمَا احْتَمَلَتْ الْجَهَالَةُ فِي بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ مَعَ الشَّاةِ، وَالنَّوَى فِي الثَّمَرِ مَعَ التَّمْرِ، (أَوْ) ، أَيْ وَإِلَّا إذَا بِيعَتْ الثَّمَرَةُ وَالزَّرْعُ (بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِخَوْفِ التَّلَفِ، وَحُدُوثِ الْعَاهَةِ قَبْلَ الْأَخْذِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: «أَرَأَيْتَ إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ؟ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَهَذَا مَأْمُونٌ فِيمَا يَقْطَعُ، فَصَحَّ بَيْعُهُ، كَمَا لَوْ بَدَا صَلَاحُهُ (إنْ انْتَفَعَ بِهِمَا) ، أَيْ: الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ الْمَبِيعَيْنِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِمَا
كَثَمَرَةِ الْجَوْزِ وَزَرْعِ التُّرْمُسِ - وَهُوَ حَبٌّ عَرِيضٌ أَصْغَرَ مِنْ الْبَاقِلَّا، لَمْ يَصِحَّ (وَلَيْسَا) ، أَيْ: الثَّمَرَةُ وَالزَّرْعُ (مُشَاعَيْنِ) ، فَإِنْ كَانَا كَذَلِكَ، بِأَنْ بَاعَهُ النِّصْفَ وَنَحْوَهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، لَمْ يَصِحَّ، إذْ لَا يُمْكِنُهُ الْقَطْعُ إلَّا بِقَطْعِ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، (فَإِنْ) اشْتَرَى الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، ثُمَّ (اسْتَأْجَرَ الْأُصُولَ أَوْ اسْتَعَادَهَا) ، أَيْ: الْأُصُولَ (مُشْتَرٍ بِشَرْطِ الْقَطْعِ لِتَبْقِيَةِ) الثَّمَرَةِ (لِجِذَاذٍ، لَمْ يَصِحَّ،) وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى الزَّرْعَ الْأَخْضَرَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ، ثُمَّ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ، وَاسْتَعَادَهَا لِتَبْقِيَتِهَا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ بِأَوَّلِ الزِّيَادَةِ، (وَكَذَا رَطْبَةٌ وَبُقُولٌ، فَلَا تُبَاعُ مُفْرَدَةً عَنْ أَرْضٍ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا) لِغَيْرِ مَالِكِ الْأَرْضِ، (إلَّا جِزَّةً جِزَّةً بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ مَعْلُومٌ لَا جَهَالَةَ فِيهِ وَلَا غَرَرَ، بِخِلَافِ مَا فِي الْأَرْضِ مَسْتُورٌ مَغِيبٌ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ مَعْدُومٌ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَاَلَّذِي يَحْدُثُ مِنْ الثَّمَرَةِ (وَظَاهِرُ " الْمُبْدِعِ " مَا لَمْ تُبَعْ) رَطْبَةٌ وَبُقُولٌ (مَعَ أَصْلٍ) أَوْ أَرْضٍ أَوْ لِرَبِّ الْأَرْضِ، فَإِنْ بِيعَتْ كَذَلِكَ، صَحَّ، لِعَدَمِ الْمَانِعِ.
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ نَحْوِ قِثَّاءٍ وَبِطِّيخٍ) ، كَبَاذِنْجَانٍ وَبَامْيَاءَ (إلَّا لَقْطَةً لَقْطَةً) مَوْجُودَةً؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يُخْلَقْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، (أَوْ إلَّا مَعَ أَصْلِهِ) ، فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ تَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ، أَشْبَهَ الشَّجَرَ، (وَلَوْ) أُبِيعَ مَعَ أَصْلِهِ (بِدُونِ أَرْضِهِ) ، كَالثَّمَرِ إذَا بِيعَ مَعَ الشَّجَرِ، (أَوْ لَمْ تَبْدُ ثَمَرَتُهُ) ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأُصُولِ، وَأَمَّا الثَّمَرَةُ، فَهِيَ تَابِعَةٌ، كَالْحَمْلِ مَعَ أُمِّهِ (وَإِنْ تَلِفَ بِجَائِحَةٍ) - وَهِيَ مَا لَا صُنْعَ لِآدَمِيٍّ فِيهَا - (مَا بِيعَ لَقْطَةً، أَوْ) تَلِفَ مَا بِيعَ (بِشَرْطِ قَطْعٍ قَبْلَ تَمَكُّنِ) الْمُشْتَرِي مِنْ (أَخْذِهِ، فَمِنْ) ضَمَانِ (بَائِعٍ، وَإِلَّا) ، بِأَنْ تَلِفَ بَعْدَ تَمَكُّنٍ مِنْ أَخْذِهِ، فَمِنْ ضَمَانِ (مُشْتَرٍ) ، لِتَفْرِيطِهِ فِي أَخْذِهِ.
(وَحَصَادُ) زَرْعِ بَيْعٍ حَيْثُ صَحَّ عَلَى مُشْتَرٍ، (وَجِذَاذُ) ثَمَرِ بَيْعٍ حَيْثُ يَصِحُّ عَلَى مُشْتَرٍ، (وَلُقَاطُ) مَا يُبَاعُ لَقْطَةً لُقْطَةً (عَلَى مُشْتَرٍ وَنَحْوِهِ،) كَمُتَّهَبٍ،
لِأَنَّ نَقْلَ الْمَبِيعِ وَتَفْرِيغَ مِلْكِ الْبَائِعِ مِنْهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، كَنَقْلِ مَبِيعٍ مِنْ مَحَلِّ بَائِعٍ، بِخِلَافِ كَيْلِ وَزْنٍ فَعَلَى بَائِعٍ، كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مُؤْنَةِ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَهِيَ عَلَى الْبَائِعِ، وَهُنَا حَصَلَ التَّسْلِيمُ بِالتَّخْلِيَةِ بِدُونِ الْقَطْعِ، لِجَوَازِ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَرَةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ.
(وَيَصِحُّ شَرْطُهُ) ، أَيْ: الْحَصَادِ وَالْجِذَاذِ وَاللُّقَاطِ (عَلَى بَائِعٍ) ، كَشَرْطِ حَمْلِ الْحَطَبِ أَوْ تَكْسِيرِهِ، (وَإِنْ تَرَكَ) مُشْتَرٍ (مَا) ، أَيْ: تَمْرًا أَوْ زَرْعًا (شَرَطَ قَطْعَهُ) حَيْثُ لَا يَصِحُّ بِدُونِهِ، (بَطَلَ بَيْعٌ) فِي رِوَايَةٍ، وَهِيَ أَشْبَهَ بِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) كَذَا يَبْطُلُ (مَا بِمَعْنَاهُ) ، أَيْ: الْمَبِيعِ، كَهِبَةٍ عَلَى عِوَضٍ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(بِزِيَادَتِهِ) لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَتَرْكُهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَوَسَائِلُ الْحَرَامِ حَرَامٌ، كَبَيْعِ الْعِينَةِ (غَيْرَ خَشَبٍ) اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَيَأْتِي.
(وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا) ، أَيْ: الزِّيَادَةِ (عُرْفًا) لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَكَذَا يَبْطُلُ بَيْعُ رُطَبٍ اشْتَرَاهَا عَرِيَّةً لِيَأْكُلَهَا، فَتَرَكَهَا - وَلَوْ لِعُذْرٍ - حَتَّى صَارَتْ تَمْرًا - لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا» ، وَلِأَنَّ شِرَاءَهَا كَذَلِكَ إنَّمَا جَازَ لِحَاجَةِ أَكْلِ الرُّطَبِ، فَإِذَا أَتْمَرَ تَبَيَّنَّا عَدَمَ الْحَاجَةِ، وَحَيْثُ بَطَلَ الْمَبِيعُ عَادَتْ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِبَائِعٍ، تَبَعًا لِأَصِلْهَا.
(وَإِنْ حَدَثَ مَعَ ثَمَرَةٍ اُشْتُرِيَتْ) بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا (ثَمَرَةٌ أُخْرَى) غَيْرَ الْمُشْتَرَاةِ، (كَلَيْمُونٍ وَعَفْصٍ وَنَحْوِ قِثَّاءٍ) ، كَبَاذِنْجَانٍ، فَاخْتَلَطَا، (أَوْ اخْتَلَطَتْ) ثَمَرَةٌ (مُشْتَرَاةٌ بِغَيْرِهَا، وَلَمْ تَتَمَيَّزْ) ، إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى، (فَإِنْ عَلِمَ قَدْرَهَا) ، أَيْ: الْحَادِثَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُولَى، كَثُلُثٍ أَوْ رُبْعٍ (فَالْآخِذُ) ،
أَيْ: الْمُسْتَحِقُّ لِلْحَادِثَةِ (شَرِيكٌ بِهِ) ، أَيْ: بِذَلِكَ الْقَدْرِ الْمَعْلُومِ، (وَإِلَّا) يُعْلَمُ قَدْرُهَا (اصْطَلَحَا) عَلَى الثَّمَرَةِ، (وَلَا يَبْطُلُ بَيْعٌ) ، لِعَدَمِ تَعَذُّرِ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى صُبْرَةً، وَاخْتَلَطَتْ بِغَيْرِهَا، وَلَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ كُلٍّ مِنْهُمَا، بِخِلَافِ شِرَاءِ ثَمَرَةٍ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِشَرْطِ قَطْعٍ، فَتَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ، كَمَا تَقَدَّمَ، لِاخْتِلَاطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ بِارْتِكَابِ نَهْيٍ، وَكَوْنِهِ يُتَّخَذُ حِيلَةً عَلَى شِرَاءِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَيُفَارِقُ أَيْضًا مَسْأَلَةَ الْعَرِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تُتَّخَذُ حِيلَةً عَلَى شِرَاءِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ بِلَا حَاجَةٍ إلَى أَكْلِهِ رُطَبًا، وَحَيْثُ بَقِيَ الْبَيْعُ، فَهُوَ (كَتَأْخِيرِ قَطْعِ خَشَبٍ) اُشْتُرِيَ، وَ (شَرَطَ قَطْعَهُ) [فَلَمْ يُقْطَعْ] حَتَّى نَمَا، وَزَادَ، فَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ (وَيَشْتَرِكَانِ) ، أَيْ: الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي (فِي زِيَادَتِهِ) ، أَيْ: الْخَشَبِ، نَصًّا، لِحُصُولِهَا فِي مِلْكَيْهِمَا، إذْ الْخَشَبُ مِلْكُ الْمُشْتَرِي، وَأَصْلُهُ مِلْكُ الْبَائِعِ، وَهُمَا سَبَبُ الزِّيَادَةِ، فَيُقَوَّمُ الْخَشَبُ يَوْمَ الْعَقْدِ وَيَوْمَ الْأَخْذِ، فَالزِّيَادَةُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ يَشْتَرِكَانِ فِيهَا.
(وَمَتَى بَدَا صَلَاحُ ثَمَرٍ) جَازَ بَيْعُهُ، (أَوْ اشْتَدَّ حَبٌّ، جَازَ بَيْعُهُ مُطْلَقًا) ، أَيْ: بِلَا شَرْطِ قَطْعٍ، (وَ) جَازَ بَيْعُهُ (بِشَرْطِ تَبْقِيَةِ) ثَمَرٍ إلَى جِذَاذٍ، وَزَرْعٍ إلَى حَصَادٍ، لِمَفْهُومِ الْخَبَرِ وَأَمْنِ الْعَاهَةِ.
(وَلِمُشْتَرٍ بَيْعُهُ) ، أَيْ: الثَّمَرِ الَّذِي بَدَا صَلَاحُهُ، وَالزَّرْعِ الَّذِي اشْتَدَّ حَبُّهُ (قَبْلَ جَذِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِالتَّخْلِيَةِ، فَجَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ.
(وَ) لِمُشْتَرٍ (قَطْعَهُ) فِي الْحَالِ، (وَ) لَهُ (تَبْقِيَتُهُ لِحَصَادٍ وَجِذَاذٍ، لِاقْتِضَاءِ الْعُرْفِ ذَلِكَ) ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَهُ فِي الْحَالِ لَاحْتَاجَ لِعَمَلٍ كَثِيرٍ، وَقَدْ يَنْضَرُّ بِعَدَمِ تَمَامِ نُمُوِّهِ وَنُضْجِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) لَا يَلْزَمُهُ جَذُّهُ فِي الْحَالِ (إلَّا مَعَ شَرْطِ قَطْعٍ) ، فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ أَخْذَهُ فِي الْحَالِ، وَكَانَ ذَلِكَ (لِغَرَضٍ) صَحِيحٍ، أَجَابَهُ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ، عَمَلًا بِالشَّرْطِ، لِلْخَبَرِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَعَلَى نَحْوِ بَائِعٍ) ، كَوَاهِبٍ (سَقْيَهُ) ، أَيْ: الثَّمَرَ، بِسَقْيِ شَجَرِهِ - وَلَوْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ -؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ كَامِلًا، بِخِلَافِ شَجَرِ بَيْعٍ وَعَلَيْهِ ثَمَرٌ لِبَائِعٍ، فَلَا يَلْزَمُ مُشْتَرِيًا سَقْيَهُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَمْلِكْهُ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مِلْكُهُ عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) عَلَيْهِ أَيْضًا (حِرَاسَتُهُ) ، أَيْ: الثَّمَرَ، إلَى أَنْ يَتِمَّ نُضْجُهُ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ (وَلَوْ تَضَرَّرَ أَصْلٌ) ، أَيْ: شَجَرٌ بِالسَّقْيِ، (وَيُجْبَرُ) بَائِعٌ عَلَى سَقْيٍ (إنْ أَبَى) السَّقْيَ، لِدُخُولِهِ عَلَيْهِ، (مَا لَمْ تُبَعْ ثَمَرَةٌ بِأَصْلٍ) ، أَيْ: مَعَهُ، فَإِنْ بِيعَتْ مَعَ أَصْلِهَا صَارَتْ مِنْ ضَمَانِ مُشْتَرٍ.
(وَمَا تَلِفَ مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ) عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ فِي الزَّرْعِ، (وَنَحْوِ قِثَّاءٍ) ، كَخِيَارٍ وَبَاذِنْجَانٍ بِيعَ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ، (سِوَى يَسِيرٍ) مِنْهُ (لَا يَنْضَبِطُ) لِقِلَّتِهِ (بِجَائِحَةٍ) - مُتَعَلِّقٌ بِتَلَفٍ - (وَهِيَ) ، أَيْ: الْجَائِحَةُ (مَا) ، أَيْ: آفَةٌ (لَا صُنْعَ لِآدَمِيٍّ فِيهَا) كَجَرَادٍ وَحَرٍّ وَبَرْدٍ وَعَطَشٍ - (وَلَوْ) كَانَ تَلَفُهُ (بَعْدَ قَبْضٍ بِتَخْلِيَةٍ) - فَضَمَانُهُ (عَلَى بَائِعِ) الثَّمَرَةِ التَّالِفَةِ وَنَحْوِهَا، (وَيُوضَعُ مِنْ الثَّمَنِ) ، أَيْ: ثَمَنِ مَا تَلِفَ بَعْضُهُ (بِقِسْطِهِ) مِنْ الثَّمَنِ، (وَبِتَلَفِ) الثَّمَرِ أَوْ الزَّرْعِ (كُلِّهِ يَبْطُلُ الْعَقْدُ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ» ، وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا.
بِمَ تَأْخُذُ مِنْ مَالِ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّ مُؤْنَتَهُ عَلَى الْبَائِعِ وَنَحْوِهِ إلَى تَتِمَّةِ صَلَاحِهِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مِنْ ضَمَانِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ بَائِعٍ فِي قَدْرٍ تَالِفٍ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، (مَا لَمْ يُبَعْ) ثَمَرٌ (مَعَ أَصْلِهِ) ، فَإِنْ بِيعَ مَعَهُ، فَمِنْ ضَمَانِ مُشْتَرٍ
(وَيَتَّجِهُ أَوْ) ، أَيْ: وَكَذَا لَوْ بِيعَ الثَّمَرُ (لِمَالِكِ أَصْلِهِ) ، ثُمَّ تَلِفَ، فَمِنْ ضَمَانِ مُشْتَرٍ، لِحُصُولِ الْقَبْضِ التَّامِّ، وَانْقِطَاعِ عَلَاقَةِ الْبَائِعِ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا بِيعَ مُنْفَرِدًا عَنْ أَصْلِهِ، وَخُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَذَاكَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ لَيْسَتْ بِقَبْضٍ تَامٍّ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ يُؤَخِّرُ) مُشْتَرٍ (أَخَذَهُ) ، أَيْ: الثَّمَرَ (عَنْ عَادَتِهِ) ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهَا، فَمِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، لِتَلَفِهِ بِتَقْصِيرِهِ.
(وَإِنْ يُعَبْ) ثَمَرٌ (بِهَا) ، أَيْ: الْجَائِحَةِ، قَبْلَ أَوَانِ جِذَاذِهِ، (خُيِّرَ) مُشْتَرٍ (بَيْنَ إمْضَاءِ) بَيْعٍ (وَ) أَخْذِ (أَرْشٍ، أَوْ رَدِّ) مَبِيعٍ، (وَأَخْذِ ثَمَنٍ كَامِلًا) ؛ لِأَنَّ مَا ضُمِنَ تَلَفُهُ بِسَبَبٍ فِي وَقْتٍ كَانَ ضَمَانُ تَعَيُّبِهِ فِيهِ بِذَلِكَ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
(وَ) إنْ تَلِفَ (بِصُنْعِ آدَمِيٍّ - وَلَوْ كَعَسْكَرٍ وَلِصٍّ) - فَحَرَقَهُ وَنَحْوَهُ، (خُيِّرَ مُشْتَرٍ بَيْنَ فَسْخِ) بَيْعٍ، وَطَلَبِ بَائِعٍ بِمَا قَبَضَهُ وَنَحْوَهُ مِنْ ثَمَنٍ، (أَوْ إمْضَاءِ) بَيْعٍ (وَطَلَبِ مُتْلِفٍ) ، وَلَوْ بَائِعًا بِبَدَلِهِ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ مُشْتَرٍ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، كَمَبِيعٍ بِكَيْلٍ وَنَحْوِهِ.
(وَيَتَّجِهُ أَنَّ مَا بِمَعْنَى بَيْعٍ فِيمَا مَرَّ) ، كَهِبَةٍ عَلَى عِوَضٍ حُكْمُهَا (كَبَيْعٍ) ، إذْ مَا كَانَ بِمَعْنَى شَيْءٍ فَهُوَ تَابِعٌ لَهُ فِي الْحُكْمِ، (وَكَذَا غَيْرُهُ) ، كَالْإِجَارَةِ فَلَوْ اسْتَأْجَرَ بُسْتَانًا أَوْ أَرْضًا، وَسَاقَاهُ عَلَى الشَّجَرِ بِجُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ، فَتَلِفَ الثَّمَرُ بِجَرَادٍ وَنَحْوِهِ مِنْ الْآفَاتِ السَّمَاوِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ وَضْعُ الْجَائِحَةِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ صُورَةَ الْمُشْتَرِي حَقِيقَةً، فَيَحُطُّ عَنْهُ مِنْ الْعِوَضِ مَا تَلِفَ مِنْ الثَّمَرَةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا أَوْ صَحِيحًا.
قَالَ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: وَيَكُونُ حُكْمُ مَا بِمَعْنَى بَيْعٍ، كَبَيْعٍ (فِي فَسْخِ عَقْدٍ بِتَلَفِ) مَعْقُودٍ عَلَيْهِ كُلِّهِ.
(وَيَلْزَمُ) نَحْوَ وَاهِبٍ ثَمَرَةٌ عَلَى عِوَضٍ أَوْ مَكِيلٌ لَمْ يَتِمَّ قَبْضُهُ، وَفَسْخُ عَقْدٍ بِتَلَفِهِ كُلِّهِ (مِثْلُهُ) إنْ كَانَ مِثْلِيًّا،
(أَوْ قِيمَتُهُ) إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ، فَلَا تُعْطَى حُكْمَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَهَذَا الِاتِّجَاهُ مُصَرَّحٌ [بِهِ] فِي الْجُمْلَةِ.
تَنْبِيهٌ: أَصْلُ كُلِّ نَبَاتٍ يَتَكَرَّرُ حَمْلُهُ مِنْ شَجَرٍ وَقِثَّاءٍ وَنَحْوِهِ، كَثَمَرِ شَجَرٍ فِي جَائِحَةٍ وَغَيْرِهَا مِمَّا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ، بِخِلَافِ زَرْعِ بُرٍّ وَنَحْوِهِ إذَا تَلِفَ بِجَائِحَةٍ، فَمِنْ ضَمَانِ مُشْتَرٍ حَيْثُ صَحَّ الْمَبِيعُ.
(وَصَلَاحُ [بَعْضِ] ثَمَرِ شَجَرَةٍ إنْ بِيعَتْ صَلَاحٌ لِجَمِيعِ) ثَمَرِ أَشْجَارِ (نَوْعِهَا الَّذِي بِالْبُسْتَانِ) ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الصَّلَاحِ فِي الْجَمِيعِ يَشُقُّ، وَكَالشَّجَرَةِ الْوَاحِدَةِ وَلِأَنَّهُ يَتَتَابَعُ غَالِبًا، (وَكَذَا صَلَاحُ) ، أَيْ: اشْتِدَادُ (بَعْضِ حَبِّ نَوْعِ زَرْعِ بُسْتَانٍ) صَلَاحٌ لِجَمِيعِهِ، فَيَصِحُّ بَيْعُ الْكُلِّ تَبَعًا، لَا إفْرَادُ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ بِالْبَيْعِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ صَلَاحَ نَوْعٍ لَيْسَ صَلَاحًا لِنَوْعِ غَيْرِهِ (وَالصَّلَاحُ فِيمَا يَظْهَرُ) مِنْ الثَّمَرِ (فَمًا وَاحِدًا كَبَلَحٍ وَعِنَبٍ وَبَقِيَّةِ ثَمَرٍ [طِيبُ] أَكْلِهِ وَظُهُورُ نُضْجِهِ) ، لِحَدِيثِ: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تَطِيبَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(أَوْ يَحْمَرَّ لَوْنُهُ) .
(وَيَتَّجِهُ أَوْ يَصْفَرَّ) ، قَالَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " فَلَا حَاجَةَ لِاتِّجَاهِهِ (أَوْ يَتَمَوَّهُ عِنَبٌ بِحُلْوٍ) ، أَيْ: يَصْفَرُّ لَوْنُهُ، وَيَظْهَرُ مَاؤُهُ، وَتَذْهَبُ عُفُوصَتُهُ مِنْ الْحَلَاوَةِ.
قَالَهُ فِي " حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ " وَقَالَ: إنْ كَانَ أَبْيَضَ، حَسُنَ قِشْرُهُ، وَضَرَبَ إلَى الْبَيَاضِ، وَإِنْ كَانَ أَسْوَدَ، فَحِينَ يَظْهَرُ فِيهِ السَّوَادُ (وَ) الصَّلَاحُ (فِيمَا يَظْهَرُ فَمًا بَعْدَ فَمٍ، كَقِثَّاءٍ أَنْ يُؤْكَلَ عَادَةً) ، كَالثَّمَرَةِ، (وَ) الصَّلَاحُ (فِي حَبٍّ أَنْ يَشْتَدَّ، أَوْ يَبْيَضَّ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ اشْتِدَادَهُ غَايَةً لِصِحَّةِ بَيْعِهِ، كَبُدُوِّ صَلَاحِ ثَمَرٍ.
[فَصَلِّ يَشْمَلُ بَيْعُ دَابَّةٍ كَفَرَسٍ عِذَارًا]
(فَصْلٌ: وَيَشْمَلُ بَيْعُ دَابَّةٍ) ، كَفَرَسٍ (عِذَارًا - وَهُوَ اللِّجَامُ - وَمِقْوَدًا) - بِكَسْرِ الْمِيمِ - (وَنَعْلًا) ، لِتَبَعِيَّتِهِ لَهَا عُرْفًا.
(وَ) يَشْمَلُ بَيْعُ (قِنٍّ لِبَاسًا مُعْتَادًا) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى عَلَى الْعَادَةِ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ حَاجَةُ الْمَبِيعِ وَمَصْلَحَتُهُ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِبَيْعِهِ مَعَهُ.
(وَلَا يَأْخُذُ) مُشْتَرٍ (مَا لِجَمَالٍ) مِنْ لُبْسٍ وَحُلِيٍّ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ [عَلَى الْعَادَةِ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ حَاجَةُ الْمَبِيعِ، وَإِنَّمَا يُلْبِسُهُ إيَّاهُ لِيُنْفِقَهُ بِهِ، وَهَذِهِ حَاجَةُ] الْبَائِعِ، لَا حَاجَةُ الْمَبِيعِ، (وَ) لَا يَشْمَلُ الْبَيْعُ (مَالًا مَعَهُ) ، أَيْ: الرَّقِيقِ (أَوْ بَعْضِ ذَلِكَ) ، أَيْ: بَعْضِ مَا لِجَمَالٍ وَبَعْضِ الْمَالِ، (إلَّا بِشَرْطٍ) ، بِأَنْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ، أَوْ بَعْضَهُ فِي الْعَقْدِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، (ثُمَّ إنْ قَصَدَ) مَا اشْتَرَطَ، وَلَا يَتَنَاوَلُهُ بَيْعٌ لَوْلَا الشَّرْطُ، بِأَنْ لَمْ يُرَدَّ تَرَكَهُ لِلْقِنِّ، (اشْتَرَطَ لَهُ شُرُوطَ بَيْعٍ) مِنْ الْعِلْمِ بِهِ، وَأَنْ لَا يُشَارِكَ الثَّمَنَ فِي عِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ وَنَحْوِهِ، كَمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الْمُعَيَّنَيْنِ الْمَبِيعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَقْصُودٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ ضَمَّ إلَى الْقِنِّ عَيْنًا أُخْرَى، وَبَاعَهُمَا.
(وَلَهُ) ، أَيْ: الْمُبْتَاعِ (الْفَسْخُ بِعَيْبِ مَالِهِ) ، أَيْ: مَالِ الرَّقِيقِ الْمَقْصُودِ، (كَهُوَ) ، أَيْ: كَمَا أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ بِعَيْبٍ يَجِدُهُ فِي الرَّقِيقِ.
(وَإِنْ رَدَّ) الرَّقِيقَ (بِإِقَالَةٍ أَوْ خِيَارِ) شَرْطٍ، (أَوْ) خِيَارِ (عَيْبٍ) ، أَوْ غَبْنٍ، أَوْ تَدْلِيسٍ، (رَدَّ مَالَهُ) مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالٍ أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي بِهِ، فَيَرُدَّهُ بِالْفَسْخِ، كَالْعَبْدِ، (وَ) رَدَّ (بَدَلَ) ، أَيْ: قِيمَةَ (مَا تَلِفَ) مِنْ الْمَالِ عِنْدَهُ، كَمَا لَوْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ، ثُمَّ رَدَّهُ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَامْرَأَتِهِ بِبَيْعِهِ، بَلْ النِّكَاحُ بَاقٍ مَعَ الْبَيْعِ، لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ التَّفْرِيقَ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ مَالَ الْقِنِّ أَوْ ثِيَابَ جَمَالِهِ
أَوْ حِلْيَةً، فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطُ الْبَيْعِ، لِدُخُولِهِ تَبَعًا غَيْرَ مَقْصُودٍ، أَشْبَهَ أَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ وَتَمْوِيهَ سَقْفٍ بِذَهَبٍ، وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ بِالتَّمْلِيكِ.
[بَابُ السَّلَمِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الدَّيْنِ وَمَا يَلْحَقُ بِهِ]
ِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: السَّلَمُ وَالسَّلَفُ وَاحِدٌ فِي قَوْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ، إلَّا أَنَّ السَّلَفَ يَكُونُ قَرْضًا، لَكِنَّ السَّلَمَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالسَّلَفَ لُغَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَسُمِّيَ سَلَمًا لِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ، وَسَلَفًا لِتَقْدِيمِهِ.
وَالسَّلَمُ شَرْعًا (عَقْدٌ عَلَى) مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ (مَوْصُوفٌ) بِمَا يَضْبِطُهُ (بِذِمَّةٍ) ، وَهِيَ وَصْفٌ يَصِيرُ بِهِ الْمُكَلَّفُ أَهْلًا لِلْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامِ (مُؤَجَّلٌ) أَيْ: الْمَوْصُوفُ (بِثَمَنٍ) - مُتَعَلِّقٌ بِعَقْدٍ - (مَقْبُوضٍ) ذَلِكَ الثَّمَنُ (بِمَجْلِسِ عَقْدٍ) .
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ قَبْضَ الثَّمَنِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهِ؛ لَا أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي حَقِيقَتِهِ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ بَيْعٌ مَوْصُوفٌ فِي الذِّمَّةِ إلَى أَجَلٍ، وَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282] . وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وَأَذِنَ فِيهِ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ " وَهَذَا اللَّفْظُ يَصْلُحُ لِلسَّلَمِ، وَيَشْمَلُهُ بِعُمُومِهِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَلِأَنَّ الْمُثَمَّنَ أَحَدُ عِوَضَيْ الْبَيْعِ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ، كَالثَّمَنِ، وَلِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ.
(وَيَصِحُّ) السَّلَمُ (بِلَفْظِهِ) ؛ كَأَسْلَمْتُكَ هَذَا الدِّينَارَ فِي كَذَا مِنْ الْقَمْحِ، (وَ) يَصِحُّ (بِلَفْظِ سَلَفٍ) ؛ كَأَسْلَفْتُكَ كَذَا فِي كَذَا؛ لِأَنَّهُمَا حَقِيقَةٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمَا
لِلْبَيْعِ الَّذِي عُجِّلَ ثَمَنُهُ وَأُجِّلَ مُثَمَّنُهُ.
(وَ) بِلَفْظِ (بَيْعٍ وَبِمَا) ؛ أَيْ: لَفْظٍ (صَحَّ بِهِ) الْبَيْعُ.
(وَهُوَ) ؛ أَيْ: السَّلَمُ (نَوْعٌ مِنْهُ) ؛ أَيْ: الْبَيْعِ، (فَيُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطُهُ) ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ إلَى أَجَلٍ، فَيُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِلْبَيْعِ (إلَّا أَنَّهُ) ؛ أَيْ: السَّلَمَ (لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمَعْدُومِ) ؛ لَمَا يَأْتِي، بِخِلَافِ الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي الْمَوْجُودِ وَفِي الْمَعْدُومِ بِالصِّفَةِ؛ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمُرَادُ بِالْمَعْدُومِ هُنَا الْمَوْصُوفُ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ كَانَ جِنْسُهُ مَوْجُودًا.
(وَشُرُوطُهُ) ؛ أَيْ: السَّلَمِ (سَبْعَةٌ) تَأْتِي مُفَصَّلَةً (أَحَدُهَا) كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِمَّا يُمْكِنُ (انْضِبَاطُ صِفَاتِهِ) ؛ لِأَنَّ مَا لَا تَنْضَبِطُ صِفَاتُهُ يَخْتَلِفُ كَثِيرًا، فَيُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ الْمَطْلُوبِ عَدَمُهَا شَرْعًا (كَمَكِيلٍ) مِنْ حُبُوبٍ وَأَدْهَانٍ وَأَلْبَانٍ، (وَمَوْزُونٍ) مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ وَلَوْ كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ (شَهِدَا بِشَمْعِهِ، أَوْ شَحْمًا، أَوْ لَحْمًا نِيئًا - وَلَوْ مَعَ عَظْمِهِ -) لِأَنَّهُ كَالنَّوَى فِي التَّمْرِ، (إنْ عُيِّنَ مَوْضِعٌ قُطِعَ؛ كَلَحْمِ فَخِذٍ وَجَنْبٍ) وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يُعَيَّنْ؛ لَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ فِيهِ بِعَظْمِهِ؛ لِاخْتِلَافِهِ، (وَيُعْتَبَرُ قَوْلُهُ) إذَا أَسْلَمَ فِي لَحْمٍ (لَحْمِ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مَعَ بَيَانِ نَوْعٍ) ؛ كَبَقَرٍ أَوْ جَوَامِيسَ أَوْ ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ (وَ) بَيَانِ صِفَةٍ مِنْ (سِمَنٍ وَهُزَالٍ وَخَصْيٍ أَوْ غَيْرِهِ، رَضِيعٍ أَوْ فَطِيمٍ، مَعْلُوفٍ أَوْ رَاعٍ) مِنْ الْكَلَأِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَاعْتُبِرَ بَيَانُهَا، (وَإِنْ كَانَ لَحْمَ صَيْدٍ لَمْ يَحْتَجْ) فِي الْوَصْفِ (لِذِكْرِ عَلَفٍ وَخِصَاءٍ) وَذُكُورِيَّةٍ وَأُنُوثِيَّةٍ، (لَكِنْ يَذْكُرُ الْآلَةَ أُحْبُولَةً أَوْ كَلْبًا أَوْ غَيْرَهَا) مِنْ الْجَوَارِحِ، وَالشَّبَكَةَ وَالْفَخَّ؛ (لِأَنَّ الْأُحْبُولَةَ يُؤْخَذُ فِيهَا الصَّيْدُ سَلِيمًا، وَنَكْهَةُ الْكَلْبِ أَطْيَبُ مِنْ) نَكْهَةِ (الْفَهْدِ) . (وَيَلْزَمُ) الْمُسْلِمَ إذَا أَسْلَمَ فِي لَحْمٍ وَأَطْلَقَ (قَبُولُ لَحْمًا بِعَظْمٍ؛) لِأَنَّ اتِّصَالَهُ بِالْعَظْمِ اتِّصَالُ خِلْقَةٍ؛ (كَنَوًى بِتَمْرٍ) ، وَ (لَا) يَلْزَمُ (قَبُولُ رَأْسٍ وَسَاقَيْنِ) ،
لِأَنَّهُ لَا لَحْمَ بِهَا (فَإِنْ أَسْلَمَ فِي لَحْمِ طَيْرٍ؛ لَمْ يَحْتَجْ) فِي وَصْفِهِ (لِذِكْرِ ذُكُورَةٍ وَأُنُوثَةٍ، إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ) اللَّحْمُ (بِذَلِكَ) ؛ أَيْ: بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ؛ (كَلَحْمِ دَجَاجٍ) ، فَيُحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ (وَلَا) يُحْتَاجُ أَيْضًا فِي السَّلَمِ فِي الطَّيْرِ (لِذِكْرِ مَوْضِعِ قَطْعٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ) الطَّيْرُ (كَبِيرًا يَأْخُذُ مِنْهُ بَعْضَهُ) ؛ كَخَمْسَةِ أَرْطَالٍ مِنْ لَحْمِ نَعَامٍ فَيُبَيِّنُ مَوْضِعَ الْقَطْعِ؛ لِاخْتِلَافِ الْعَظْمِ.
(وَيَذْكُرُ فِي سَمَكٍ) إذَا أَسْلَمَ فِيهِ (النَّوْعَ وَالنَّهْرَ) وَيَذْكُرُ (نَحْوَ سِمَنٍ) وَهُزَالٍ (وَصِغَرٍ وَطَرِيٍّ وَمِلْحٍ، وَلَا يُقْبَلُ رَأْسٌ وَذَنَبٌ، بَلْ) يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ أَنْ يَقْبَلَ (مَا بَيْنَهَا) ؛ أَيْ: بَيْنَ الذَّنَبِ وَالرَّأْسِ بِعِظَامِهِ (وَلَا يَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي لَحْمٍ طُبِخَ أَوْ لَحْمٍ شُوِيَ) ؛ لِاخْتِلَافِهِ، وَيَصِحُّ فِي شُحُومٍ؛ كَلُحُومٍ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: إنَّهُ يَخْتَلِفُ، فَقَالَ: كُلُّ سَلَفٍ يَخْتَلِفُ.
(وَيَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي مَذْرُوعِ ثِيَابٍ) وَخُيُوطٍ؛ (وَ) فِي (مَعْدُودِ حَيَوَانٍ، وَلَوْ) كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ (آدَمِيًّا) وَ (لَا) يَصِحُّ اشْتِرَاطُ كَوْنِ حَيَوَانٍ مُسْلَمٍ فِيهِ (حَامِلًا) ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ مَجْهُولٌ غَيْرُ مُحَقَّقٍ (أَوْ) كَوْنِهِ (لَبُونًا) ؛ لِأَنَّهُ كَالْحَمْلِ، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يَصِحُّ سَلَمٌ فِي (أَمَةٍ وَوَلَدِهَا وَنَحْوِ عَمَّتِهَا؛) كَخَالَتِهَا؛ (لِنُدْرَةِ جَمْعِهِمَا فِي الصِّفَةِ، وَلَا) يَصِحُّ (فِي مَعْدُودِ فَوَاكِهَ؛ كَرُمَّانٍ) وَسَفَرْجَلٍ وَخَوْخٍ وَنَحْوِهَا؛ لِاخْتِلَافِهَا صِغَرًا وَكِبَرًا، (بَلْ) يَصِحُّ فِي (الْمَكِيلِ) مِنْهَا، كَرُطَبٍ، (وَ) فِي (الْمَوْزُونِ، كَعِنَبٍ) ، كَسَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ.
(وَلَا) يَصِحُّ السَّلَمُ فِي (بُقُولٍ) ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهَا بِالْحَزْمِ، (وَ) لَا فِي (جُلُودٍ) ؛ لِاخْتِلَافِ أَطْرَافِهَا وَلَا يُمْكِنُ زَرْعُهَا، (وَ) لَا (فِي رُءُوسٍ وَأَكَارِعَ) ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهَا عِظَامٌ وَمَشَافِرُ، وَاللَّحْمُ فِيهَا قَلِيلٌ، وَلَيْسَتْ مَوْزُونَةً.
(وَ) لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي (بِيضٍ) ؛ لِاخْتِلَافِهِ كِبَرًا وَصِغَرًا، (وَ) لَا فِي (كُتُبٍ) ؛ لِلِاخْتِلَافِ أَيْضًا
(وَ) لَا فِي (أَوَانِي مُخْتَلِفَةٍ رُءُوسًا وَأَوْسَاطًا؛ كَقَمَاقِمَ) جَمْعِ قُمْقُمٍ بِضَمِّ الْقَافَيْنِ، (وَكَأَسْطَالٍ) ضَيِّقَةِ رُءُوسٍ؛ لِاخْتِلَافِهَا (وَلَا) يَصِحُّ (فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ؛ كَجَوْهَرٍ وَعَقِيقٍ) وَلُؤْلُؤٍ وَمَرْجَانَ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا صِغَرًا وَكِبَرًا، وَحُسْنَ تَدْوِيرٍ وَزِيَادَةَ ضَوْءٍ وَصَفَاءً، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهَا بِبِيضِ عُصْفُورٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ، وَلَا بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ.
(وَ) (لَا فِي مَغْشُوشِ أَثْمَانٍ) ؛ لِأَنَّ غِشَّهُ يَمْنَعُ الْعِلْمَ بِالْمَقْصُودِ مِنْهُ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ، (أَوْ يُجْمَعُ أَخْلَاطًا) مَقْصُودَةً (غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ؛ كَمَعَاجِينَ) مُبَاحَةٍ، (وَ) لَا فِي (نُدُوِّ غَالِيَةٍ) - نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ مَرْكَبٌ مِنْ مِسْكٍ وَعَنْبَرٍ، وَعُودٍ، وَدُهْنٍ - لِعَدَمِ ضَبْطِهَا فِي الصِّفَةِ.
(وَ) لَا فِي (قِسِيٍّ) مُشْتَمِلَةٍ عَلَى الْخَشَبِ، وَالْعَصَبِ، وَالْعُرَى، (وَ) لَا (فِي تُرْسٍ) لِعَدَمِ انْضِبَاطِ مِقْدَارِهِ.
(وَيَصِحُّ) السَّلَمُ (فِيمَا) ؛ أَيْ: شَيْءٍ (فِيهِ لِمَصْلَحَةِ شَيْءٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ؛ كَجُبْنٍ) فِيهِ إنْفَحَةٌ، (وَكَخُبْزٍ) فِيهِ مِلْحٌ أَوْ مَاءٌ، (وَكَخَلِّ تَمْرٍ) وَزَبِيبٍ فِيهِ مَاءٌ، (وكسكنجيل) فِيهِ خَلٌّ، (وَكَشَيْرَجٍ) فِيهِ مِلْحٌ؛ لِأَنَّ الْخَلْطَ يَسِيرٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْمُعَاوَضَةِ لِمَصْلَحَةِ الْمَخْلُوطِ؛ فَلَمْ يُؤَثِّرْ.
(وَ) يَصِحُّ (فِيمَا يُجْمَعُ أَخْلَاطًا مُتَمَيِّزَةً؛ كَثَوْبٍ نُسِجَ مِنْ نَوْعَيْنِ) كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ، أَوْ إبْرَيْسَمٍ وَقُطْنٍ، (وَكَنُشَّابٍ وَنَبْلٍ مُرَيَّشَيْنِ، وَخِفَافٍ وَرِمَاحٍ متوزة) ؛ أَيْ: مَصْنُوعَةٍ؛ لِإِمْكَانِ ضَبْطِهَا بِصِفَةٍ لَا يَخْتَلِفُ ثَمَنُهَا مَعَهَا غَالِبًا.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أَنَّهُ (لَا) يَصِحُّ السَّلَمُ فِي (ثِيَابٍ مَخِيطَةٍ) ؛ لِاخْتِلَافِهَا كِبَرًا وَصِغَرًا وَطُولًا وَعَرْضًا، وَالتَّفْصِيلُ وَالْخِيَاطَةُ تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا كُلِّيًّا.
(وَلَا) فِي ثِيَابٍ (مَنْقُوشَةٍ) بِالطِّبَاعَةِ أَوْ التَّطْرِيزِ أَوْ الْحِيَاكَةِ؛ لِعَدَمِ انْضِبَاطِ عُرُوقِهَا كَثْرَةً وَقِلَّةً، وَصِنَاعَاتُهَا تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَ) يَصِحُّ السَّلَمُ (فِي أَثْمَانٍ) خَالِصَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ثَمَنًا، فَتَثْبُتُ سَلَمًا؛ كَعُرُوضٍ، (وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ غَيْرَهَا) ؛ أَيْ: الْأَثْمَانِ؛ كَثَوْبٍ وَفَرَسٍ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى رِبَا النَّسِيئَةِ.
(وَ) يَصِحُّ (فِي فُلُوسٍ) ، وَلَوْ نَافِقَةٍ وَزْنًا وَعَدَدًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (وَيَكُونُ رَأْسُ مَالِهَا) أَيْ: الْفُلُوسِ (عَرْضًا، لَا أَثْمَانًا) ؛ لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالنَّقْدَيْنِ هُنَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (خِلَافًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ صَحَّحَ فِيهَا السَّلَمَ عَدَدًا وَوَزْنًا.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ رَأْسُ مَالِهَا أَثْمَانًا، وَقَالَ: إنَّهُ أَصْوَبُ.
وَيَصِحُّ السَّلَمُ (فِي عَرْضٍ بِعَرْضٍ) ؛ كَتَمْرٍ فِي فَرَسٍ، وَحِمَارٍ فِي حِمَارٍ، وَ (لَا) يَصِحُّ (إنْ جَرَى بَيْنَهُمَا) ؛ أَيْ: الْمُسْلَمِ فِيهِ وَرَأْسِ مَالِهِ (رِبًا) فِي إسْلَامٍ؛ (كَبُرٍّ فِي شَعِيرٍ، وَنُحَاسٍ فِي فُلُوسٍ) ، وَزَيْتٍ فِي شَيْرَجٍ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ مَكِيلٍ بِمَكِيلٍ، وَمَوْزُونٍ بِمَوْزُونٍ نَسِيئَةً.
(وَمَنْ جِيءَ لَهُ بِعَيْنِ مَا أَسْلَمَهُ عِنْدَ مَحَلِّهِ) ؛ أَيْ: السَّلَمِ؛ كَمَنْ أَسْلَمَ عَبْدًا صَغِيرًا فِي عَبْدٍ كَبِيرٍ إلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَجَاءَهُ بِعَيْنِ الْعَبْدِ عِنْدَ الْحُلُولِ، وَقَدْ كَبِرَ وَاتَّصَفَ بِصِفَاتِ السَّلَمِ؛ (لَزِمَ) الْمُسْلِمَ (قَبُولُهُ) ؛ لِاتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْمُسْلَمِ فِيهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ جَاءَهُ بِغَيْرِهِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ اتِّخَاذُ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي الذِّمَّةِ وَهَذَا عِوَضٌ عَنْهُ.
وَمَحَلُّهُ (مَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً وَلِوَطْءٍ؛ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ جَارِيَةً صَغِيرَةً فِي) جَارِيَةٍ (كَبِيرَةٍ) إلَى أَمَدٍ تَكْبَرُ فِيهِ، وَوَصَفَهَا، (فَلَمْ يَأْتِ الْأَجَلُ إلَّا وَهِيَ) ؛ أَيْ: الْجَارِيَةُ (بِصِفَةِ مُسْلَمٍ فِيهِ) ، وَهُوَ الْجَارِيَةُ الْكَبِيرَةُ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ حِيلَةً لِيَنْتَفِعَ بِالْعَيْنِ، أَوْ يَسْتَمْتِعَ بِالْجَارِيَةِ، ثُمَّ يَرُدَّهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَحْرِيمِ الْحِيَلِ.
وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي السُّكَّرِ وَالْفَانِيذِ وَالدِّبْسِ وَنَحْوِهِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ؛ لِأَنَّ عَمَلَ النَّارِ فِيهِ مَعْلُومٌ عَادَةً يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالنِّشَافِ وَالرُّطُوبَةِ؛ أَشْبَهَ الْمُجَفَّفَ بِالشَّمْسِ.
والفانيذ مُعَرَّبُ يانيد هُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْحَلْوَى، قَالَهُ فِي " السَّبْعَةِ أَبْحُرٍ ".
الشَّرْطُ (الثَّانِي ذِكْرُ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ) مِنْ صِفَاتٍ (ثَمَنُهُ) ؛ أَيْ: الْمُسْلَمِ فِيهِ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي الذِّمَّةِ، فَاشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِهِ؛ كَالثَّمَنِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ النَّادِرَ لَا أَثَرَ لَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذِكْرِ الصِّفَاتِ فِي الْعَقْدِ أَوْ قَبْلَهُ؛ (كَنَوْعِ) الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِذِكْرِ جِنْسِهِ، (وَ) ذِكْرِ (قَدْرِ حَبٍّ) ؛ كَصِغَارِ حَبٍّ أَوْ كِبَارِهِ، مُتَطَاوِلِ الْحَبِّ أَوْ مُدَوَّرِهِ، وَذِكْرِ (لَوْنٍ) ؛ كَأَحْمَرَ أَوْ أَبْيَضَ (إنْ اخْتَلَفَ) ثَمَنُهُ بِذَلِكَ؛ لِيَتَمَيَّزَ بِالْوَصْفِ، وَذِكْرِ (بَلَدِهِ) ؛ أَيْ: الْحَبِّ، فَيَقُولُ مِنْ بَلَدِ كَذَا؛ بِشَرْطِ أَنْ تَبْعُدَ الْآفَةُ فِيهَا، (وَ) ذِكْرِ (حَدَاثَتِهِ وُجُودَتِهِ أَوْ ضِدِّهِمَا) ، فَيَقُولُ: حَدِيثٌ أَوْ قَدِيمٌ، جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ، وَيُبَيِّنُ قَدِيمَ سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ وَنَحْوَهُ، وَيُبَيِّنُ كَوْنَهُ بِهِ شَعِيرٌ وَنَحْوُهُ أَوْ زَرْعِيٌّ، (وَ) ذِكْرِ (سِنِّ حَيَوَانٍ) وَيُرْجَعُ فِي سِنِّ رَقِيقٍ بَالِغٍ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَقَوْلُ سَيِّدِهِ، وَإِنْ جَهِلَهُ؛ رُجِعَ إلَى قَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ تَقْرِيبًا بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَبِذِكْرِ نَوْعِهِ؛ كَضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ ثَنِيٍّ أَوْ جَذَعٍ (وَ) ذِكْرِ مَا يُمَيَّزُ بِهِ مُخْتَلِفُهُ؛ كَذَكَرٍ أَوْ سَمِينٍ أَوْ مَعْلُوفٍ [أَوْ] ضِدِّهَا؛ [كَأُنْثَى وَهَزِيلٍ وَرَاعٍ أَوْ مَعْلُوفٍ] ، (وَذِكْرِ جِنْسٍ) مُسْلَمٍ فِيهِ فَيَقُولُ: تَمْرًا أَوْ حِنْطَةً، (وَ) ذِكْرِ (قَدْرٍ) ؛ كَقَفِيزٍ أَوْ رِطْلٍ، وَذِكْرِ (جُودَةٍ) ؛ كَحَرِيرٍ بَلَدِيٍّ، (وَ) ذِكْرِ (رَدَاءَةٍ) كَحَرِيرٍ حِصْنِيٍّ؛ (شَرْطٌ) - خَبَرُ قَوْلِهِ ذِكْرُ جِنْسٍ إلَى آخِرِهِ - (فِي كُلِّ مُسْلَمٍ فِيهِ) ، مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ، (فَيَصِفُ التَّمْرَ بِنَوْعِهِ؛ كَبَرْنِيِّ أَوْ مَعْقِلِيٍّ، صَغِيرِ حَبٍّ أَوْ كَبِيرِهِ، وَ) يَصِفُهُ (بِذِكْرِ لَوْنِهِ إنْ اخْتَلَفَ) لَوْنُهُ، (كَأَحْمَرَ أَوْ أَسْوَدَ) ، وَيُقَالُ لَهُ: الطبرزد، (وَ) يَصِفُهُ بِذِكْرِ (بَلَدِهِ، كَبَصْرِيٍّ أَوْ كُوفِيٍّ) أَوْ حِجَازِيٍّ، (وَ) بِذِكْرِ (قِدَمِهِ وَحَدَاثَتِهِ، فَإِنْ أَطْلَقَ الْعَتِيقَ) ، فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِعَامٍ أَوْ أَكْثَرَ (أَجْزَأَ، أَيَّ عَتِيقٍ كَانَ) ، لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهُ، (مَا لَمْ يَكُنْ مُسَوَّسًا أَوْ مُتَغَيِّرًا) ؛ فَلَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ، (وَإِنْ شُرِطَ) فِي الْعَقْدِ (عَتِيقُ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ؛ فَهُوَ عَلَى مَا شُرِطَ) ؛ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ، (وَيُذْكَرُ)
تَمْرٌ (جَيِّدٌ) ؛ كَبَرْنِيِّ (أَوْ رَدِيءٌ) ؛ كَحَشْفٍ.
(وَرُطَبٌ كَتَمْرٍ فِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ) ، إلَّا الْحَدِيثَ وَالْعَتِيقَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ (وَلَهُ) أَيْ: الْمُسْلِمِ فِي رُطَبٍ (مَا أَرْطَبَ كُلُّهُ) ؛ لِانْصِرَافِ الِاسْمِ إلَيْهِ، وَ (لَا) يَأْخُذُ رُطَبًا (مُشَدَّخًا) ؛ كَمُعَظَّمٍ بُسْرٌ يُغْمَرُ حَتَّى يَنْشَدِخَ، (وَلَا) يَلْزَمُ أَخْذُ (مَا قَارَبَ أَنْ يُتْمِرَ) ؛ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهُ، (وَهَكَذَا) ؛ أَيْ: كَالرُّطَبِ فِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ (مَا يُشْبِهُهُ مِنْ عِنَبٍ وَفَوَاكِهَ) يَصِحُّ فِيهَا السَّلَمُ، (وَ) كَذَلِكَ (سَائِرُ الْأَجْنَاسِ) الَّتِي يُسْلَمُ فِيهَا.
(وَلَا يَلْزَمُ أَخْذُ نَحْوِ تَمْرٍ) ؛ كَزَبِيبٍ (إلَّا جَافًّا) الْجَفَافَ الْمُعْتَادَ (لَا أَنْ يَتَنَاهَى جَفَافُهُ) ؛ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ؛ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِ إلَّا أَقَلُّ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ الصِّفَةُ.
(وَيَصِفُ الْخُبْزَ بِنَوْعٍ كَخُبْزِ) [بُرٍّ] أَوْ شَعِيرٍ أَوْ ذُرَةٍ، مَعَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الرِّبَا أَنَّ خُبْزَ الْبُرِّ جِنْسٌ، وَخُبْزَ الشَّعِيرِ جِنْسٌ، فَفِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ تَدَافُعٌ، وَيَذْكُرُ فِي وَصْفِهِ (نَشَافَتَهُ وَرُطُوبَتَهُ وَلَوْنَهُ كَحُوَّارَى) - بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الرَّاءِ -، أَيْ: أَبْيَضَ خَالِصَ مِنْ النُّخَالَةِ، (وخشكار) ؛ أَيْ: أَسْمَرَ، (وَ) لَا بُدَّ مِنْ وَصْفِ (جُودَةٍ وَرَدَاءَةٍ، وَيَصِفُ الْحِنْطَةَ بِالنَّوْعِ؛ كَسَلْمُونِيٍّ، وَالْبَلَدِ كَحُورَانِيٍّ وَبِقَاعِيٍّ) ، إذَا كَانَ بِالشَّامِ وَبَحِيرِيٍّ إذَا كَانَ بِمِصْرَ، (وَبِالْقَدْرِ، كَصَغِيرِ حَبٍّ أَوْ كَبِيرِهِ، وَحَدِيثٍ أَوْ عَتِيقٍ، وَإِنْ كَانَ النَّوْعُ الْوَاحِدُ يَخْتَلِفُ لَوْنُهُ ذَكَرَهُ) ؛ لَمَا تَقَدَّمَ، (وَلَا يُسْلَمُ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْبُرِّ (إلَّا مُصَفًّى) مِنْ تِبْنِهِ وَعُقَدِهِ، (وَكَذَلِكَ الشَّعِيرُ وَالْقُطْنِيَّاتُ وَسَائِرُ الْحُبُوبِ) ، فَيَضْمَنُهَا بِأَوْصَافِ الْبُرِّ.
(وَيَلْزَمُ) مُسْلَمًا إلَيْهِ (دَفْعُ حَبٍّ) مُسْلَمٍ فِيهِ (بِلَا تِبْنٍ، وَ) لَا (عُقَدٍ فَإِنْ كَانَ بِهِ) أَيْ: الْحَبِّ (نَحْوُ تُرَابٍ يَأْخُذُ مَوْضِعًا مِنْ الْمِكْيَالِ؛ لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا) ؛ بِأَنْ كَانَ فِيهِ تُرَابٌ يَسِيرٌ لَا يَأْخُذُ مَوْضِعًا مِنْ الْمِكْيَالِ؛ (لَزِمَ) مُسْلِمًا
(أَخْذُهُ) ؛ لِأَنَّ الْحُبُوبَ لَا تَخْلُو مِنْ يَسِيرِ التُّرَابِ غَالِبًا، (وَيَصِفُ الْعَسَلَ بِالْبَلَدِ) ؛ كَمِصْرِيٍّ وَثَقَفِيٍّ وَحَلَبُونِيٍّ، (وَرَبِيعِيٌّ أَوْ صَيْفِيٌّ، أَبْيَضُ أَوْ أَشْقَرُ أَوْ أَسْوَدُ) ، جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا مُصَفًّى مِنْ الشَّمْعِ، (وَيَصِفُ السَّمْنَ بِالنَّوْعِ، كَمِنْ ضَأْنٍ) أَوْ مَعْزٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ جَامُوسٍ، (وَ) يَصِفُهُ (بِاللَّوْنِ، كَأَبْيَضَ) أَوْ أَصْفَرَ، وَجَيِّدٍ أَوْ رَدِيءٍ.
(قَالَ الْقَاضِي: وَيَذْكُرُ الْمَرْعَى، وَلَا يُحْتَاجُ لِذِكْرِ عَتِيقٍ أَوْ حَدِيثٍ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي الْحَدِيثَ، وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي عَتِيقِهِ) ؛ أَيْ: السَّمْنِ؛ (لِأَنَّهُ عَيْبٌ، وَلَا يَنْتَهِي إلَى حَدٍّ يُضْبَطُ بِهِ، وَيَصِفُ الزُّبْدَ؛ كَالسَّمْنِ) ؛ أَيْ: بِأَوْصَافِ السَّمْنِ، (وَيَزِيدُ) عَلَى وَصْفِ السَّمْنِ (زُبْدَ يَوْمِهِ، أَوْ) زُبْدَ (أَمْسَهُ) .
(وَلَا يَلْزَمُهُ) ؛ أَيْ: الْمُسْلِمَ (قَبُولُ مُتَغَيِّرٍ مِنْ سَمْنٍ وَزُبْدٍ) ، وَلَا قَبُولُ سَمْنٍ أَوْ زُبْدٍ رَقِيقٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ رِقَّتُهُمَا مِنْ الْحَرِّ، (وَيَصِفُ اللَّبَنَ بِنَوْعٍ وَمَرْعًى، وَلَا يُحْتَاجُ لِلَّوْنِ) ؛ لِعَدَمِ اخْتِلَافِهِ، وَلَا إلَى كَوْنِهِ (حَلِيبَ يَوْمِهِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ) ، فَإِنْ ذَكَرَ كَانَ مُؤَكِّدًا.
وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ لَبَنٍ مُتَغَيِّرٍ بِنَحْوِ حُمُوضَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ.
(وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْمَخِيضِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ يَسِيرٌ لِمَصْلَحَتِهِ، وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ، فَهُوَ كَالْمِلْحِ فِي الْجُبْنِ.
(وَيَصِفُ الْجُبْنَ بِنَوْعٍ وَمَرْعًى، وَرَطْبٍ، أَوْ يَابِسٍ) ، جَيِّدٍ أَوْ رَدِيءٍ.
(وَ) يَصِفُ (اللِّبَأَ) كَمَا يَصِفُ (اللَّبَنَ) ؛ أَيْ: بِالنَّوْعِ وَالْمَرْعَى، (وَيَزِيدُ) ذِكْرَ (اللَّوْنِ وَالطَّبْخِ أَوْ عَدَمِهِ، وَيُسْلِمُ فِيهِ) ؛ أَيْ: اللِّبَأِ (وَزْنًا) ؛ لِأَنَّهُ يَجْمُدُ عَقِبَ حَلْبِهِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْكَيْلُ.
(وَيَصِفُ الْحَيَوَانَ مُطْلَقًا) آدَمِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرِهِ (بِالنَّوْعِ وَالسِّنِّ وَالذُّكُورَةِ وَضِدِّهَا) - وَهِيَ الْأُنُوثَةُ - (فَإِنْ كَانَ) الْحَيَوَانُ الْمُسْلَمُ فِيهِ (رَقِيقًا ذَكَرَ نَوْعَهُ؛ كَتُرْكِيٍّ) وَزِنْجِيٍّ، (وَ) ذَكَرَ (سِنَّهُ، وَيُرْجَعُ فِي سِنِّ الْغُلَامِ) ، وَكَذَا
الْجَارِيَةُ (إلَيْهِ إنْ كَانَ بَالِغًا) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا، فَيُرْجَعُ إلَى (قَوْلِ سَيِّدِهِ) فِي قَدْرِ سِنِّهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّغِيرِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) سَيِّدُهُ سِنَّهُ، فَيُرْجَعُ إلَى (قَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِمْ تَقْرِيبًا) ؛ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ، (وَيُعْتَبَرُ ذِكْرُ طُولِ) رَقِيقٍ؛ (كَخُمَاسِيٍّ أَوْ سُدَاسِيٍّ، يَعْنِي خَمْسَةَ أَشْبَارٍ أَوْ سِتَّةً، أَسْوَدَ أَوْ أَبْيَضَ، أَعْجَمِيٍّ أَوْ فَصِيحٍ، وَ) الْجَارِيَةُ (كَحْلَاءَ وَدَعْجَاءَ) - وَالْكَحَلُ مُحَرَّكٌ: سَوَادُ الْعَيْنِ مَعَ سِعَتِهَا وَالدَّعَجُ سَوَادٌ يَعْلُو الْأَجْفَانَ خِلْقَةً مَوْضِعَ الْكُحْلِ - (وَتَكَلْثُمِ وَجْهٍ) ؛ أَيْ: اسْتِدَارَتِهِ، (وَبَكَارَةٍ وَثُيُوبَةٍ، وَنَحْوِهَا، وَيَذْكُرُ كَوْنَ الْجَارِيَةِ خَمِيصَةً ثَقِيلَةَ الْأَرْدَافِ [أَوْ] سَمِينَةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُقْصَدُ، وَلَا يُشَدِّدُ) فِي الْأَوْصَافِ بِحَيْثُ يَنْتَهِي إلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ، (فَإِنْ اسْتَقْصَى الصِّفَاتِ حَتَّى انْتَهَى إلَى حَالٍ يَنْدُرُ وُجُودُ مُسْلَمٍ فِيهِ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ؛ بَطَلَ) السَّلَمُ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ عَامَّ الْوُجُودِ عِنْدَ الْحُلُولِ، وَاسْتِقْصَاءُ الصِّفَاتِ يَمْنَعُ مِنْهُ؛ كَمَا يَبْطُلُ السَّلَمُ بِقَوْلِهِ: أَسْلَمْتُكَ (فِي مِثْلِ هَذَا الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ) ؛ لِعَدَمِ الضَّبْطِ.
(وَلَا يُحْتَاجُ فِي) وَصْفِ (شَعْرِ الْجَارِيَةِ) الْمُسْلَمِ فِيهَا لِقَوْلِهِ: ذَاتُ شَعْرٍ (جَعْدٍ أَوْ سَبْطٍ، أَوْ أَسْوَدَ أَوْ أَشْقَرَ) ؛ لِأَنَّهُ [لَا] يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ اخْتِلَافًا بَيِّنًا؛ (كَمَا لَا تُرَاعَى صِفَاتُ حُسْنٍ وَمَلَاحَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ بِهَا اخْتِلَافًا ظَاهِرًا، (فَإِنْ ذَكَرَ) الْمُسْلَمُ إلَيْهِ شَيْئًا مِنْ (ذَلِكَ) ، وَعَقَدَ عَلَيْهِ؛ (لَزِمَ) الْوَفَاءُ بِهِ.
(وَيَصِفُ الْإِبِلَ بِالنِّتَاجِ؛ كَمِنْ نِتَاجِ بَنِي فُلَانٍ، وَاللَّوْنِ؛ كَبِيضٍ وَحُمْرٍ) ، وَبِالسِّنِّ؛ كَبِنْتِ مَخَاضٍ أَوْ لَبُونٍ أَوْ حِقَّةٍ، وَبِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ.
(وَأَوْصَافُ الْخَيْلِ كَإِبِلٍ) . (وَتُنْسَبُ بِغَالٌ وَحَمِيرٌ لِبَلَدِهَا) ؛ كَشَامِيٍّ وَمِصْرِيٍّ وَيَمَنِيٍّ، لِأَنَّهَا لَا تُنْسَبُ لِنِتَاجٍ.
(وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ إنْ عُرِفَ لَهَا نِتَاجٌ نُسِبَتْ إلَيْهِ) ؛ كَبَلَدِيٍّ وَجَبَلِيٍّ، إذَا كَانَ
بِالشَّامِ، (وَإِلَّا) يُعْرَفْ لَهَا [نِتَاجٌ] ؛ (فَكَحَمِيرٍ) تُنْسَبُ إلَى بَلَدِهَا.
(وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ نَوْعِ) هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ؛ كَأَنْ يَقُولَ فِي وَصْفِ (إبِلٍ بُخْتِيَّةٍ أَوْ عَرَابِيَّةٍ، وَ) فِي وَصْفِ (خَيْلٍ عَرَبِيَّةٍ أَوْ هَجِينٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ) ، وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهَا فِي قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ، (وَ) : يَقُولُ فِي وَصْفِ (غَنَمٍ ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ، إلَّا الْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ فَلَا أَنْوَاعَ فِيهِمَا) غَالِبًا.
(وَيَصِفُ غَزْلَ قُطْنٍ وَ) غَزْلَ (كَتَّانٍ بِبَلَدٍ وَلَوْنٍ، وَرِقَّةٍ، وَنُعُومَةٍ وَخُشُونَةٍ، وَيَصِفُ الْقُطْنَ بِذَلِكَ) ؛ أَيْ: بِالْبَلَدِ وَاللَّوْنِ، (وَيَجْعَلُ مَكَانَ غِلَظٍ وَدِقَّةٍ طَوِيلَ شَعْرَةٍ أَوْ قَصِيرَهَا، وَإِنْ شَرَطَ فِيهِ مَنْزُوعَ الْحَبِّ؛ جَازَ) ، وَلَهُ شَرْطُهُ، (وَإِنْ أَطْلَقَ كَانَ لَهُ) الْقُطْنُ (بِحَبِّهِ؛ كَالتَّمْرِ بِنَوَاهُ) . (وَيَصِفُ الْإِبْرَيْسَمَ بِبَلَدٍ وَلَوْنٍ وَغِلَظٍ وَدِقَّةٍ) . (وَ) يَصِفُ (الصُّوفَ بِبَلَدٍ وَلَوْنٍ وَطَوِيلِ شَعْرِهِ وَقَصِيرِهِ، وَ) يَصِفُهُ بِزَمَانٍ؛ كَقَوْلِهِ: (خَرِيفِيٌّ أَوْ رَبِيعِيٌّ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) ، وَفِي " الْمُغْنِي " " وَالشَّرْحِ " احْتِمَالُ أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِ يَسِيرٌ.
(وَعَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمُسْلَمِ إلَيْهِ (تَسْلِيمُهُ) ؛ أَيْ: الصُّوفِ (نَقِيًّا مِنْ شَوْكٍ وَبَعْرٍ) ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ، (وَكَذَا شَعْرٌ وَوَبَرٌ) ، فَيُوصَفَانِ بِأَوْصَافِ الصُّوفِ، وَيُسْلَمَانِ نَقِيَّيْنِ مِنْ الشَّوْكِ وَالْبَعْرِ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ.
(وَيَصِفُ الثِّيَابَ) إذَا أَسْلَمَ فِيهَا (بِنَوْعٍ وَقُطْنٍ) وَكَتَّانٍ وَصُوفٍ وَحَرِيرٍ (وَ) يَصِفُهُ (بِبَلَدٍ؛ كَبَغْدَادِيٍّ) وَشَامِيٍّ وَمِصْرِيٍّ (وَ) يَصِفُهُ (بِطُولٍ وَعَرْضٍ، وَصَفَاقَةٍ وَرِقَّةٍ، وَغِلَظٍ وَنُعُومَةٍ وَخُشُونَةٍ، وَلَا يَذْكُرُ الْوَزْنَ فَإِنْ ذَكَرَهُ؛ لَمْ يَصِحَّ) السَّلَمُ؛ لِنُدْرَةِ جَمْعِ الْأَوْصَافِ مَعَ الْوَزْنِ، (وَإِنْ ذَكَرَ) فِي الْوَصْفِ الْخَامَ (أَوْ الْمَقْصُودَ؛ فَلَهُ شَرْطُهُ) ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ لَا يَخْتَلِفُ
بِذَلِكَ، (وَمَعَ الْإِطْلَاقِ فَلَهُ خَامٌ) ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
(وَإِنْ ذَكَرَ) فِي وَصْفِ الثَّوْبِ (مَغْسُولًا أَوْ لَبِيسًا؛ لَمْ يَصِحَّ) السَّلَمُ؛ لِأَنَّ اللُّبْسَ يَخْتَلِفُ، وَلَا يَنْضَبِطُ، (وَإِنْ أَسْلَمَ فِي مَصْبُوغٍ مِمَّا يُصْبَغُ غَزْلُهُ؛ صَحَّ) السَّلَمُ؛ لِأَنَّهُ مَضْبُوطٌ، وَ (لَا) يَصِحُّ (فِيمَا يُصْبَغُ بَعْدَ نَسْجِهِ) ؛ لِأَنَّ الصَّبْغَ لَا يَنْضَبِطُ، وَلِأَنَّ صَبْغَ الثَّوْبِ يَمْنَعُ الْوُقُوفَ عَلَى نُعُومَتِهِ وَخُشُونَتِهِ.
[وَإِنْ أَسْلَمَ] (فِي) ثَوْبٍ (مُخْتَلِفِ غَزْلٍ) ؛ أَيْ: مِنْ نَوْعَيْنِ فَأَكْثَرَ؛ (كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ أَوْ) قُطْنٍ و (إبْرَيْسَمٍ) ، أَوْ قُطْنٍ وَصُوفٍ وَكَتَّانٍ (وَكَانَ الْغَزْلُ) مِنْ كُلِّ نَوْعٍ (مَضْبُوطًا) ، كَكَوْنِ (السُّدَى) مِنْ (إبْرَيْسَمٍ وَاللُّحْمَةِ مِنْ كَتَّانِ أَوْ نَحْوِهِ) ؛ كَقُطْنٍ وَصُوفٍ؛ (صَحَّ) السَّلَمُ؛ لِلْعِلْمِ بِالسَّلَمِ فِيهِ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ.
(وَيَصِفُ الْكَاغَدَ بِطُولٍ وَعَرْضٍ، وَدِقَّةٍ وَغِلَظٍ وَاسْتِوَاءِ صَنْعَةٍ) ، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافٌ يَسِيرٌ جِدًّا فِي دِقَّةٍ وَغِلَظٍ؛ لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ عَنْ ذَلِكَ.
(وَيَصِفُ نَحْوَ نُحَاسٍ) - بِضَمِّ النُّونِ - (وَرَصَاصٍ) - بِفَتْحِ الرَّاءِ - (بِنَوْعٍ؛ كَرَصَاصٍ قَلْعِيٍّ أَوْ أُسْرُبٍ) - وَالْقَلْعِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى بَلَدٍ بِالْهِنْدِ أَوْ بِالْأَنْدَلُسِ - وَالْأُسْرُبُّ كَقُنْفُذٍ الْآنُكُ.
قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ، (وَ) يَصِفُهُ (بِنُعُومَةٍ وَخُشُونَة، وَلَوْنٍ إنْ كَانَ يَخْتَلِفُ) لَوْنُهُ، (وَيَزِيدُ) فِي وَصْفِ (حَدِيدٍ بِذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، فَإِنَّ الذَّكَرَ أَحَدُّ) وَأَمْضَى مِنْ الْأُنْثَى، (وَيَصِفُ السَّيْفَ بِنَوْعِ حَدِيدٍ، وَ) ضَبْطِ (طُولِهِ وَعَرْضِهِ، وَبَلَدِهِ وَقِدَمِهِ) ؛ أَيْ: قَدِيمِ الطَّبْعِ أَوْ حَدِيثِهِ (مَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَصِفُ قَبِيعَتَهُ) وَقِرَابَهُ.
(وَيَصِفُ خَشَبَ بِنَاءٍ بِذِكْرِ نَوْعٍ، كَجَوْزٍ وَحَوَرٍ، وَرُطُوبَةٍ وَيُبْسٍ، وَطُولٍ وَدَوْرٍ) إنْ كَانَ مُدَوَّرًا (أَوْ سُمْكٍ وَعَرْضٍ) إنْ لَمْ يَكُنْ مُدَوَّرًا، (وَيَلْزَمُ دَفْعُهُ) ؛ أَيْ الْخَشَبِ (كُلِّهِ) ؛ أَيْ: مِنْ طَرَفِهِ إلَى طَرَفِهِ (كَذَلِكَ) ؛ أَيْ: بِالْعَرْضِ وَالدَّوْرِ الْمَوْصُوفَيْنِ، (فَإِنْ كَانَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ أَغْلَظَ مِمَّا وَصَفَ لَهُ)
وَالْآخَرُ كَمَا وَصَفَ؛ (فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا) ، وَيَلْزَمُهُ قَبُولُهُ، (وَإِلَّا) ؛ بِأَنْ كَانَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ أَدَقَّ مِمَّا وَصَفَ لَهُ؛ (لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ) ؛ لِأَنَّهُ دُونَ مَا أَسْلَمَ فِيهِ، (وَإِنْ ذَكَرَ الْوَزْنَ) ؛ أَيْ: وَزْنَ الْخَشَبِ، أَوْ كَوْنَهُ سَمْحًا أَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ؛ (جَازَ) السَّلَمُ وَصَحَّ، وَلَهُ سَمْحٌ، أَيْ: خَالٍ مِنْ الْعُقَدِ؛ لِأَنَّهُ؛ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ، (وَإِنْ كَانَ) الْخَشَبُ الْمُسْلَمُ فِيهِ (لِلْقِسِيِّ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ، وَزَادَ سَهْلِيًّا أَوْ جَبَلِيًّا) ، أَوْ خُوطًا؛ أَيْ: قَضِيبًا، أَوْ فَلَقَةً؛ فَإِنَّ الْجَبَلِيَّ أَقْوَى مِنْ السَّهْلِيِّ، وَالْخُوطَ أَقْوَى مِنْ الْفَلَقَةِ (وَيَصِفُ حَطَبَ وُقُودٍ بِغِلَظٍ) وَدِقَّةٍ، (وَيُبْسٍ وَرُطُوبَةٍ، وَوَزْنٍ، وَ) يَصِفُ (مَا) يُرِيدُهُ (لِلنَّصَبِ بِغِلَظٍ وَضِدِّهِ) ؛ أَيْ: دِقَّةٍ (وَسَائِرَ مَا يُحْتَاجُ لِمَعْرِفَتِهِ) مِنْ نَوْعٍ وَأَرْضٍ وَغَيْرِهِمَا.
(وَيَصِفُ نَحْوَ نُشَّابٍ وَنَبْلٍ بِنَوْعِ خَشَبِهِ، وَطُولٍ وَقِصَرٍ، وَدِقَّةٍ وَغِلَظٍ، وَلَوْنٍ وَنَصْلٍ وَرِيشٍ) . (وَيَصِفُ نَحْوَ قِصَاعٍ وَأَقْدَاحٍ) مِنْ خَشَبٍ (بِذِكْرِ نَوْعِ خَشَبٍ) ، فَيَقُولُ: مِنْ جَوْزٍ أَوْ تُوتٍ أَوْ نَحْوِهِ، (وَقَدْرٍ) مِنْ (صِغَرٍ وَكِبَرٍ، وَعُمْقٍ وَضِيقٍ، وَثَخَانَةٍ وَرِقَّةٍ) ، وَيَصِفُ الْأَوَانِيَ الْمُتَسَاوِيَةَ الرُّءُوسِ وَالْأَوْسَاطِ بِقَدْرٍ مِنْ كِبَرٍ وَصِغَرٍ، وَطُولٍ، وَسُمْكٍ وَدَوْرٍ؛ كَالْأَسْطَالِ الْقَائِمَةِ الْحِيطَانِ.
(وَيَصِفُ حَجَرَ رَحًى بِدَوْرٍ وَثَخَانَةٍ، وَبَلَدٍ وَنَوْعٍ إنْ كَانَ يَخْتَلِفُ) . (وَ) يَصِفُ (حَجَرَ بِنَاءٍ بِلَوْنٍ، وَقَدْرٍ وَنَوْعٍ وَوَزْنٍ،) وَيَصِفُ حِجَارَةَ الْآنِيَةِ بِالنَّوْعِ وَاللَّوْنِ وَاللِّينِ، وَالْقَدْرِ وَالْوَزْنِ، (وَيَصِفُ الْآجُرَّ وَاللَّبِنَ بِمَوْضِعِ تُرْبَةٍ وَلَوْنٍ، وَدَوْرٍ وَثَخَانَةٍ) .
(وَيَصِفُ الْجِصَّ وَالنُّورَةَ بِلَوْنٍ وَوَزْنٍ) هَكَذَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الْمُبْدِعِ " وَ " الْإِقْنَاعِ " وَغَيْرِهِمْ، وَتَقَدَّمَ فِي الرِّبَا أَنَّهُمَا مِنْ الْمَكِيلَاتِ، وَقَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " هُنَاكَ، وَعَلَيْهِ فَيُبَدَّلُ الْوَزْنُ بِالْكَيْلِ، (وَلَا يَقْبَلُ) الْمُسْلِمُ مِنْ الْجِصِّ وَالنُّورَةِ
(مَا أَصَابَهُ الْمَاءُ فَجَفَّ) ؛ لِذَهَابِ الْمَقْصُودِ مِنْهُمَا (وَلَا) يَقْبَلُ أَيْضًا مِنْهُمَا (قَدِيمًا بِمَا يُؤَثِّرُ فِيهِ) الْقِدَمُ تَغْيِيرًا.
(وَيَصِفُ الْبَلُّورَ بِأَوْصَافِهِ) الْمَعْلُومَةِ لَهُ.
(وَ) يَصِفُ (الْعَنْبَرَ بِلَوْنٍ وَوَزْنٍ وَبَلَدٍ، وَإِنْ شَرَطَهُ قِطْعَةً أَوْ قِطْعَتَيْنِ) أَوْ أَكْثَرَ؛ (جَازَ) ، وَلَهُ شَرْطُهُ، (وَإِلَّا) يَشْرِطْهُ كَذَلِكَ؛ (فَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُسْلَمِ إلَيْهِ (إعْطَاؤُهُ صِغَارًا) بِالْوَزْنِ.
(وَيَصِفُ الْعُودَ الْهِنْدِيَّ بِبَلَدِهِ، وَمَا يُعْرَفُ بِهِ وَ) يَصِفُ (الْمِسْكَ وَنَحْوَهُ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ، وَاللُّبَانَ وَالْمُصْطَكَى، وَصَمْغَ الشَّجَرِ) بِاللَّوْنِ وَالْبَلَدِ وَمَا يَخْتَلِفُ بِهِ.
(وَ) يَصِفُ (السُّكَّرَ وَالدِّبْسَ وَسَائِرَ مَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ) الثَّمَنُ.
وَمَا لَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ لَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ (وَلَا يَصِحُّ شَرْطُهُ أَجْوَدَ أَوْ أَرْدَأَ) ؛ لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَيْهِ إلَّا نَادِرًا؛ إذْ مَا مِنْ جَيِّدٍ إلَّا وَيُحْتَمَلُ أَجْوَدُ مِنْهُ وَلَا رَدِيءٍ إلَّا وَيُحْتَمَلُ أَرْدَأُ مِنْهُ.
(وَلِمُسْلِمٍ أَخْذُ دُونَ مَا وَصَفَ) لَهُ، (وَ) لَهُ أَيْضًا أَخْذُ (غَيْرِ نَوْعِهِ) ؛ أَيْ: الْمُسْلَمِ فِيهِ إذَا كَانَ (مِنْ جِنْسِهِ) ؛ كَتَمْرٍ مَعْقِلِيٍّ عَنْ إبْرَاهِيمِيٍّ وَعَكْسِهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، وَقَدْ رَضِيَ بِدُونِهِ، وَمَعَ اتِّحَادِهِمَا فِي الْجِنْسِ هُمَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، بِدَلِيلِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ أَخْذُ دُونَ مَا وَصَفَ لَهُ، وَلَا أَخْذُ نَوْعٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى إسْقَاطِ حَقِّهِ، وَإِنْ جَاءَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِجِنْسٍ آخَرَ؛ بِأَنْ اسْتَلَمَ فِي بُرٍّ فَجَاءَ بِأُرْزٍ أَوْ شَعِيرٍ؛ لَمْ يَجُزْ لِلْمُسْلِمِ أَخْذُهُ؛ لِحَدِيثِ: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ فِي غَيْرِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ
(وَيَلْزَمُهُ) ؛ أَيْ: الْمُسْلِمَ إنْ جَاءَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِأَجْوَدَ مِمَّا وَصَفَ لَهُ (أَخْذُ أَجْوَدَ مِنْهُ) إذَا كَانَ (مِنْ نَوْعِهِ) ؛ أَيْ: نَوْعِ مَا أَسْلَمَهُ فِيهِ لِأَنَّهُ جَاءَهُ بِمَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ وَزَادَهُ نَفْعًا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ، وَلَوْ أَجْوَدَ
كَضَأْنٍ عَنْ مَعْزٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَنَاوَلَ مَا وَصَفَاهُ عَلَى شَرْطَيْهِمَا، وَالنَّوْعُ صِفَةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَاتَ غَيْرَهُ مِنْ الصِّفَاتِ، فَإِنْ رَضِيَا؛ جَازَ؛ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَجُوزُ لِمُسْلِمٍ رَدُّ) سَلَمٍ (مَعِيبٍ) أَخَذَهُ غَيْرَ عَالَمٍ بِعَيْبِهِ، وَيَطْلُبُ بَدَلَهُ، (وَ) لَهُ (أَخْذُ أَرْشِهِ) مَعَ؛ إمْسَاكِهِ؛ كَمَبِيعٍ غَيْرِ سَلَمٍ.
(وَ) لِمُسْلَمٍ إلَيْهِ أَخْذُ (عِوَضِ زِيَادَةِ قَدْرٍ دُفِعَتْ) ؛ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي قَفِيزٍ فَجَاءَهُ بِقَفِيزَيْنِ.
لِجَوَازِ إفْرَادِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ بِالْبَيْعِ، وَ (لَا) يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ (عِوَضِ جُودَةٍ) إنْ جَاءَهُ بِأَجْوَدَ مِمَّا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجُودَةَ صِفَةٌ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْمَبِيعِ، (وَلَا) أَخْذُ عِوَضِ (نَقْصِ رَدَاءَةٍ) ، لَوْ جَاءَهُ بِأَرْدَأ؛ لِمَا سَبَقَ.
(وَلَيْسَ لِمُسْلِمٍ إلَّا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الصِّفَةُ) الَّتِي عَقَدَ عَلَيْهَا، فَإِذَا أَتَاهُ بِهِ لَا يَطْلُبُ مِنْهُ أَعْلَى مِنْهُ، لِأَنَّهُ أَتَاهُ بِمَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ فَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهُ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ ذِكْرُ) قَدْرِ (كَيْلٍ فِي مَكِيلٍ) ، (وَ) قَدْرُ (وَزْنٍ فِي مَوْزُونٍ) ، (وَ) قَدْرِ (ذَرْعٍ فِي مَذْرُوعٍ مُتَعَارَفٍ) ؛ أَيْ: الْمِكْيَالِ وَالرِّطْلِ مَثَلًا وَالذِّرَاعِ (أَوْ) قَدْرِ (عَدٍّ فِي مَعْدُودٍ) ؛ لِحَدِيثِ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي الذِّمَّةِ فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ؛ كَالثَّمَنِ، (فَلَا يَصِحُّ) سَلَمٌ (فِي مَكِيلٍ) ؛ كَلَبَنٍ وَزَيْتٍ وَشَيْرَجٍ وَتَمْرٍ (وَزْنًا أَوْ) فِي (مَوْزُونٍ كَيْلًا) ، نَصًّا.
اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمُخْتَارُ لِلْعَامَّةِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْهَادِي وَالْمُذَهَّبِ لِأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ فِي الْأَصْلِ؛ كَبَيْعِ الرِّبَوِيَّاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَلِأَنَّ قَدْرَهُ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ فِي الْأَصْلِ، فَلَمْ يَجُزْ؛ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي مَذْرُوعٍ وَزْنًا.
(وَعَنْهُ) ؛ أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ (يَصِحُّ) نَقَلَهَا الْمَرْوَزِيِّ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ وَإِمْكَانُ تَسْلِيمِهِ مِنْ غَيْرِ تَنَازُعٍ، فَبِأَيِّ قَدْرٍ قَدَّرَهُ؛ جَازَ، (اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ، وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ الشَّارِحُ،
وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ " وَمُنْتَخَبِ الْأَزَجِيِّ " و (لَا) يَصِحُّ سَلَمٌ (بِنَحْوِ ذِرَاعٍ) ؛ كَصَنْجَةٍ أَوْ مِكْيَالٍ (لَا عُرْفَ لَهُ عِنْدَ الْعَامَّةِ) مِنْ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَلِفَ تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ بِهِ، وَذَلِكَ مُخِلٌّ بِالْحِكْمَةِ الَّتِي اُشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ الْقَدْرِ لِأَجْلِهَا، (وَإِنْ عَيَّنَ فَرْدٌ مِمَّا لَهُ عُرْفٌ) ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: (بِمِكْيَالِ فُلَانٍ) أَوْ رِطْلِهِ أَوْ ذِرَاعِهِ أَوْ مِيزَانِهِ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ؛ (صَحَّ عَقْدٌ) ؛ لِلْعِلْمِ بِهِ وَ (لَا) يَصِحُّ (تَعْيِينٌ) ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ مَا لَا يَلْزَمُ.
فَائِدَةٌ: الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ وَزْنُهُ بِمِيزَانٍ؛ كَالْأَحْجَارِ الْكِبَارِ يُجْعَلُ فِي سَفِينَةٍ وَنَحْوِهَا؛ وَيُنْظَرُ إلَى أَيْ مَوْضِعٍ تَغُوصُ فِي الْمَاءِ فَيُعْلَمُ، ثُمَّ يُرْفَعُ، وَيُحَطُّ رَمْلٌ وَأَحْجَارٌ إلَى صِغَارٍ أَنْ يَبْلُغَ الْمَاءُ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ بَلَغَهُ، ثُمَّ يُوزَنُ، فَمَا بَلَغَ كَانَ زِنَةَ ذَلِكَ الْحَجَرِ.
الشَّرْطُ (الرَّابِعُ ذِكْرُ أَجَلٍ مَعْلُومٍ) ، نَصًّا؛ لِلْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ، فَأُمِرَ بِالْأَجَلِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَلِأَنَّ السَّلَمَ رُخْصَةٌ، جَازَ لِلرِّفْقِ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْأَجَلِ، فَإِذَا انْتَفَى الْأَجَلُ انْتَفَى الرِّفْقُ؛ فَلَا يَصِحُّ؛ كَالْكِتَابَةِ، وَالْحُلُولُ، يُخْرِجُهُ عَنْ اسْمِهِ وَمَعْنَاهُ؛ بِخِلَافِ بُيُوعِ الْأَعْيَانِ (لَهُ) ؛ أَيْ: الْأَجَلِ (وَقْعٌ فِي الثَّمَنِ عَادَةً) ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْأَجَلِ لِتَحَقُّقِ الرِّفْقِ، وَلَا يَحْصُلُ بِمُدَّةٍ لَا وَقْعَ لَهَا فِي الثَّمَنِ؛ (كَشَهْرٍ) ، مِثَالٌ لِمَا لَهُ وَقْعٌ فِي الثَّمَنِ، (وَفِي " الْكَافِي " أَوْ نِصْفِهِ) وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَمَا قَارَبَ الشَّهْرَ، (قَالَ بَعْضُهُمْ) ؛ أَيْ: بَعْضُ الْأَصْحَابِ: (وَ) يُشْتَرَطُ (أَنْ تَفِيَ بِهِ مُدَّتُهُ؛ فَلَا يَصِحُّ؛ كَمِائَتَيْ سَنَةٍ) ؛ لِأَنَّ آجَالَ النَّاسِ لَا تَبْلُغُهَا غَالِبًا.
وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَإِنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ حَالًّا، لَمْ يَصِحَّ بَيْعًا؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(وَيَتَّجِهُ هَذَا) ؛ أَيْ: عَدَمُ صِحَّةِ بَيْعِهِ حَالًّا (فِيمَا) أَيْ: فِي مَبِيعٍ مَوْصُوفٍ (فِي ذِمَّةٍ) ؛ أَيْ: فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا وُصِفَ كَذَلِكَ بِلَفْظِ سَلَمٍ
اُشْتُرِطَ حُلُولُهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ السَّلَمِ يَقْتَضِي التَّأْجِيلَ، وَقَدْ اُشْتُرِطَ فِيهِ الْحُلُولُ؛ فَلَمْ يَصِحَّ سَلَمًا وَلَا بَيْعًا، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ فِي الْحَالِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ لَفْظِ السَّلَمِ فِيهِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَيَصِحُّ أَنْ يُسْلِمَ (فِي جِنْسَيْنِ) ؛ كَأُرْزٍ وَعَسَلٍ (إلَى أَجَلٍ) وَاحِدٍ (إنْ بَيَّنَ ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ) مِنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهُ؛ لَمْ يَصِحَّ.
وَيَصِحُّ أَنْ يُسْلِمَ (فِي جِنْسٍ) وَاحِدٍ (إلَى أَجَلَيْنِ) ؛ كَسَمْنٍ يَأْخُذُ بَعْضَهُ فِي رَجَبٍ وَبَعْضَهُ فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيْعٍ جَازَ إلَى أَجَلٍ جَازَ إلَى أَجَلَيْنِ وَآجَالٍ (إنْ بَيَّنَ قِسْطَ كُلِّ أَجَلٍ وَثَمَنَهُ) ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ الْأَبْعَدَ لَهُ زِيَادَةُ وَقْعٍ عَلَى الْأَقْرَبِ، فَمَا يُقَابِلُهُ أَقَلُّ، فَاعْتُبِرَ مَعْرِفَةُ قِسْطِهِ وَثَمَنِهِ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهُمَا؛ لَمْ يَصِحَّ، وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ جِنْسَيْنِ؛ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فِي جِنْسٍ؛ كَأُرْزٍ؛ لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يُبَيِّنَ حِصَّةَ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ.
(وَ) يَصِحُّ (أَنْ يُسْلِمَ فِي شَيْءٍ) كَلَحْمٍ وَخُبْزٍ وَعَسَلٍ (يَأْخُذُ كُلَّ يَوْمٍ جُزْءًا مَعْلُومًا مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ بَيَّنَ ثَمَنَ كُلِّ قِسْطٍ أَوْ لَا؛ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
وَمَتَى قَبَضَ الْبَعْضَ، وَتَعَذَّرَ الْبَاقِي؛ رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَا يَجْعَلُ لِلْمَقْبُوضِ فَضْلًا عَلَى الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ وَاحِدٌ مُتَمَاثِلُ الْأَجْزَاءِ، فَقَسَّطَ الثَّمَنَ عَلَى أَجْزَائِهِ بِالسَّوِيَّةِ؛ كَمَا لَوْ اتَّفَقَ أَجَلُهُ.
(وَمَنْ أَسْلَمَ، أَوْ بَاعَ) مُطْلَقًا، أَوْ لِمَجْهُولٍ، (أَوْ أَجَرَ، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ مُطْلَقًا) بِأَنْ لَمْ يُغَيِّهِ بِغَايَةٍ، (أَوْ) جَعَلَهَا لِأَجَلٍ (مَجْهُولٍ) ؛ (كَحَصَادٍ وَجُذَاذٍ) وَنُزُولِ مَطَرٍ؛ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ وَالْعَقْدُ فِي السَّلَمِ؛ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْأَجَلُ الْمَعْلُومُ؛ لِاخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَكَذَا لَوْ أَبْهَمَ الْأَجَلَ؛ كَإِلَى وَقْتٍ أَوْ
زَمَنٍ، (أَوْ) جَعَلَهَا إلَى (عِيدٍ أَوْ رَبِيعٍ أَوْ جُمَادَى) - بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ - قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ: لَيْسَ فِي الشُّهُورِ مُؤَنَّثٌ سِوَى جُمَادَى، وَلِذَلِكَ كَانَ نَعْتُهَا مُؤَنَّثًا فَيُقَالُ: جُمَادَى الْأُولَى وَجُمَادَى الْآخِرَةُ، وَلَا يَجُوزُ الْأَوَّلُ وَالْآخَرُ (أَوْ) جَعَلَهَا إلَى (النَّفْرِ؛ لَمْ يَصِحَّ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ سَلَمٍ وَإِجَارَةٍ وَخِيَارِ شَرْطٍ؛ لِلْجَهَالَةِ، (غَيْرُ الْبَيْعِ) ، فَيَصِحُّ (لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِ) ؛ أَيْ: الْبَيْعِ (بِالْأَجَلِ) ، وَيَكُونُ الثَّمَنُ حَالًّا، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ إمْضَاءِ الْبَيْعِ مَعَ اسْتِرْجَاعِ الزِّيَادَةِ عَلَى قِيمَةِ الْمَبِيعِ حَالًّا، وَبَيْنَ الْفَسْخِ، فَإِنْ عَيَّنَ عِيدَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى أَوْ رَبِيعَ أَوَّلٍ أَوْ ثَانٍ أَوْ جُمَادَى كَذَلِكَ، أَوْ النَّفْرَ الْأَوَّلَ وَهُوَ ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، أَوْ الثَّانِيَ وَهُوَ ثَالِثُهَا؛ صَحَّتْ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ.
(وَإِنْ قَالَا) ؛ أَيْ عَاقِدَا سَلَمٍ: (مَحَلُّهُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالْكَسْرُ لُغَةٌ -: مَوْضِعُ الْحُلُولِ (رَجَبٌ، أَوْ) مَحَلُّهُ (إلَيْهِ) ؛ أَيْ: رَجَبٌ مَحَلُّهُ (أَوْ فِيهِ) ؛ أَيْ: فِي رَجَبٍ؛ (صَحَّ) السَّلَمُ، (وَحَلَّ) مُسْلَمٌ فِيهِ (بِأَوَّلِهِ) ؛ أَيْ: رَجَبٍ، وَهُوَ غُرُوبُ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَى رَجَبٍ أَوْ فِيهِ، وَلَيْسَ مَجْهُولًا؛ لِتَعَلُّقِهِ؛ بِأَوَّلِهِ.
(وَ) إنْ قَالَا مَحَلُّهُ (إلَى أَوَّلِهِ) ؛ أَيْ: شَهْرِ كَذَا، (أَوْ) إلَى (آخِرِهِ؛ يَحِلُّ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهَا) ؛ أَيْ: مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ؛ كَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ، (وَلَا يَصِحُّ) إنْ قَالَا: (يُؤَدِّيه فِيهِ) ؛ أَيْ فِي شَهْرِ كَذَا؛ لِجَعْلِهِ كُلِّهِ ظَرْفًا، فَيُحْتَمَلُ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ؛ فَهُوَ مَجْهُولٌ.
(وَ) إنْ قَالَا (إلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَإِلَى انْقِضَائِهَا) وَإِنْ كَانَتْ مُبْهَمَةً فَابْتِدَاؤُهَا حِينَ تَلَفُّظِهِ بِهَا، وَإِنْ قَالَ إلَى شَهْرٍ انْصَرَفَ إلَى الْهِلَالِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَثْنَائِهِ؛ فَإِنَّهُ يُكْمِلُ الْعَدَدَ، وَيَنْصَرِفُ إطْلَاقُ الْأَشْهُرِ إلَى الْأَشْهُرِ (الْهِلَالِيَّةِ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: 36] .
(وَيَصِحُّ) تَأْجِيلُ السَّلَمِ (بِشَهْرٍ وَعِيد رُومِيَّيْنِ إنْ عُرِفَا؛ كَشُبَاطَ وَآذَارَ وَالنَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ؛ أَشْبَهَ الْأَشْهُرَ الْعَرَبِيَّةَ وَأَعْيَادَ الْمُسْلِمِينَ؛ (وَإِلَّا) ؛ بِأَنْ اخْتَلَفَ ذَلِكَ الْعِيدُ الْمَشْهُورُ؛ (فَلَا) يَصِحُّ السَّلَمُ؛ (كَالسَّعَانِينَ وَعِيدِ الْفَطِيرِ) وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَجْهَلُهُ الْمُسْلِمُونَ غَالِبًا، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيهِ، وَالسَّعَانِينُ - بِسِينٍ ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَتَيْنِ - قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَغَيْرُهُ: هُوَ عِيدٌ لِلنَّصَارَى قَبْلَ عِيدِهِمْ الْكَبِيرِ بِأُسْبُوعٍ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَقُولُ الْعَوَامُّ وَشِبْهُهُمْ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ: بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَذَلِكَ خَطَأٌ.
تَتِمَّةٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ مُسْلَمٍ إلَيْهِ فِي قَدْرِ أَجَلٍ وَمُضِيِّهِ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ اقْتَضَى الْأَجَلَ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَلِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ التَّسْلِيمِ، وَهُوَ الْأَصْلُ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ أَيْضًا فِي مَكَانِ التَّسْلِيمِ، نَصًّا؛ إذْ الْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ مُؤْنَةِ نَقْلِهِ إلَى مَوْضِعٍ ادَّعَى الْمُسْلِمُ شَرْطَ التَّسْلِيمِ فِيهِ (وَمَنْ أُتِيَ لَهُ) - الْبِنَاءُ لِلْمَفْعُولِ - (بِمَا) ؛ أَيْ: دَيْنٍ (لَهُ مِنْ سَلَمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ قَبْلَ مَحِلِّهِ) - بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - أَيْ: حُلُولِهِ، (وَلَا ضَرَرَ) عَلَيْهِ؛ أَيْ: الْمُسْلِمِ؛ كَخَوْفٍ وَتَحَمُّلِ مُؤْنَةٍ، أَوْ اخْتِلَافِ قَدِيمِ مُسْلَمٍ فِيهِ وَحَدِيثِهِ (فِي قَبْضِهِ) ؛ كَحَدِيدٍ وَرَصَاصٍ وَزَيْتٍ وَعَسَلٍ وَنَحْوِهَا؛ (لَزِمَهُ) ؛ أَيْ: رَبَّ الدَّيْنِ قَبْضُهُ نَصًّا؛ لِحُصُولِ غَرَضِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ؛ كَالْأَطْعِمَةِ وَالْحُبُوبِ وَالْحَيَوَانِ، أَوْ الزَّمَنُ مَخُوفًا؛ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْضُهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَإِنْ أَحْضَرَهُ فِي مَحِلِّهِ؛ لَزِمَهُ قَبْضُهُ مُطْلَقًا؛ كَمَبِيعٍ مُعَيَّنٍ، (فَإِنْ أَبَى) قَبْضَهُ حَيْثُ لَزِمَهُ؛ (قَالَ لَهُ حَاكِمٌ: إمَّا أَنْ تَقْبِضَ أَوْ تُبَرِّئَ) مِنْ الْحَقِّ، (فَإِنْ أَبَاهُمَا) ؛ أَيْ: الْقَبْضَ وَالْإِبْرَاءَ؛ (قَبَضَهُ) الْحَاكِمُ (لَهُ) ؛ أَيْ: لِرَبِّ الدَّيْنِ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ، كَمَا يَأْتِي فِي السَّيِّدِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ قَبْضِ مَالِ الْكِتَابَةِ، (وَمَعَ ضَرَرٍ) فِي قَبْضِهِ؛ لِكَوْنِهِ مِمَّا يَتَغَيَّرُ؛ (كَالْفَاكِهَةِ) الَّتِي يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا مِنْ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ وَنَحْوِهِمَا؛ فَإِنَّهَا (تَتْلَفُ) سَرِيعًا، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، أَوْ كَانَ الْمُسْلَمُ
فِيهِ قَدِيمُهُ دُونَ حَدِيثِهِ؛ كَالْحُبُوبِ؛ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبْضُهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَكَذَلِكَ مَا يُحْتَاجُ فِي حِفْظِهِ لِكُلْفَةٍ؛ كَقُطْنٍ (وَحَيَوَانٍ يَحْتَاجُ لِمُؤْنَةٍ، أَوْ) يَخْشَى الْمُسْلِمُ عَلَى مَا يَقْبِضُهُ مِنْ (خَوْفٍ) فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان؛ (فَلَا) يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ؛ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ فِيهِ.
(وَ) إنْ جَاءَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ الْمُسْلِمَ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ (بَعْدَ مَحِلِّهِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ) الْمُسْلِمَ قَبُولُ الْمُسْلَمِ فِيهِ (مُطْلَقًا) ، تَضَرَّرَ بِقَبْضِهِ، أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ.
(وَمَنْ أَرَادَ قَضَاءَ دَيْنٍ عَنْ مَدِينٍ غَيْرِهِ، فَأَبَى رَبُّهُ) ؛ أَيْ: الدَّيْنِ قَبْضَهُ مِنْ غَيْرِ مَدِينِهِ، (أَوْ أَعْسَرَ زَوْجٌ بِنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ) ، وَكَذَا إنْ لَمْ يُعْسِرْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، (فَبَذَلَهَا أَجْنَبِيٌّ) ؛ أَيْ: لَمْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ هِبَةً لَا دَيْنًا وَهُوَ (غَيْرُ وَكِيلِ) الْمَدِينِ، وَلَا الزَّوْجِ، فَأَبَتْ الزَّوْجَةُ قَبُولَ نَفَقَتِهَا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ؛ (لَمْ تُجْبَرْ) ؛ أَيْ: الزَّوْجَةُ وَلَا رَبُّ الدَّيْنِ عَلَى قَبُولِ ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْبَاذِلُ لِذَلِكَ وَكِيلًا وَنَحْوَهُ؛ لَزِمَ الْقَبُولُ تَبْرِئَةً لِذِمَّةِ الْمَبْذُولِ عَنْهُ، (وَتَمْلِكُ) الزَّوْجَةُ (الْفَسْخَ) لِإِعْسَارِ زَوْجِهَا؛ كَمَا لَوْ لَمْ يَبْذُلْهَا أَحَدٌ، فَإِنْ مَلَّكَهُ لِمَدِينٍ وَزَوْجٍ، وَقَبَضَاهُ، وَدَفَعَاهُ لَهُمَا؛ أُجْبِرَا عَلَى قَبُولِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ إلَّا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الصِّفَةُ.
الشَّرْطُ (الْخَامِسُ غَلَبَةُ مُسْلَمٍ فِيهِ وَقْتَ مَحِلِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتَ وُجُوبِ تَسْلِيمِهِ، وَإِنْ عُدِمَ وَقْتَ عَقْدٍ؛ كَسَلَمٍ فِي رُطَبٍ وَعِنَبٍ فِي الشِّتَاءِ إلَى الصَّيْفِ، بِخِلَافِ عَكْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ غَالِبًا عِنْدَ وُجُوبِهِ؛ أَشْبَهَ بَيْعَ الْآبِقِ، بَلْ أَوْلَى.
(وَيَصِحُّ) سَلَمٌ (إنْ عَيَّنَ) مُسْلِمٌ مُسْلَمًا فِيهِ مِنْ (نَاحِيَةٍ تَبْعُدُ فِيهَا آفَةٌ) ؛ كَتَمْرِ الْمَدِينَةِ، وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ إنْ عَيَّنَ (قَرْيَةً صَغِيرَةً أَوْ بُسْتَانًا - وَلَوْ) كَانَ الْبُسْتَانُ الْمُعَيَّنُ (كَبِيرًا - وَلَا) إنْ أَسْلَمَ فِي شَاةٍ (مِنْ غَنَمِ زَيْدٍ، أَوْ) أَسْلَمَ فِي
بَعِيرٍ مِنْ (نِتَاجِ فَحْلِهِ) ، أَوْ فِي عَبْدٍ مِثْلِ هَذَا الْعَبْدِ وَنَحْوِهِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ: «أَنَّهُ أَسْلَفَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ دَنَانِيرَ فِي تَمْرٍ مُسَمًّى، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ مِنْ تَمْرِ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَّا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَلَا، وَلَكِنْ كَيْلٌ مُسَمًّى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى» وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ، وَلَا تَلَفُ الْمُسْلَمِ فِي مِثْلِهِ، أَشْبَهَ تَقْدِيرَهُ بِمِكْيَالٍ لَا يُعْرَفُ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ لِمَحِلٍّ) ؛ أَيْ: وَقْتٍ (يُوجَدُ فِيهِ) مُسْلَمٌ فِيهِ (عَامًا، فَانْقَطَعَ وَتَحَقَّقَ بَقَاؤُهُ؛ لَزِمَهُ تَحْصِيلُهُ - وَلَوْ شَقَّ -) كَبَقِيَّةِ الدُّيُونِ.
(فَإِنْ هَرَبَ) مُسْلَمٌ إلَيْهِ (أُخِذَ) مُسْلَمٌ فِيهِ (مِنْ مَالِهِ) ؛ كَغَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ تَعَذَّرَ) مُسْلَمٌ فِيهِ (أَوْ) تَعَذَّرَ (بَعْضُهُ) ؛ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ؛ (خُيِّرَ مُسْلِمٌ بَيْنَ صَبْرٍ) إلَى وُجُودِهِ، فَيُطَالِبُ بِهِ، (أَوْ فَسْخٍ فِيمَا تَعَذَّرَ) مِنْهُ؛ كَمَنْ اشْتَرَى قِنًّا، فَأَبَقَ قَبْلَ قَبْضِهِ، (وَيَرْجِعُ) إنْ فَسَخَ، لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ كُلِّهِ (بِرَأْسِ مَالِهِ) إنْ وُجِدَ، (أَوْ عِوَضِهِ؛ لِعَدَمِ) مُسْلَمٍ فِيهِ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ لِذِمِّيٍّ فِي خَمْرٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا؛ رَدَّ) لِمُسْلِمٍ (رَأْسَ مَالِهِ) إنْ وُجِدَ أَوْ عِوَضَهُ إنْ تَعَذَّرَ.
الشَّرْطُ (السَّادِسُ قَبْضُ رَأْسِ مَالِهِ) ؛ أَيْ: الْمُسْلِمِ (قَبْلَ تَفَرُّقٍ) مِنْ مَجْلِسِ عَقْدِهِ تَفَرُّقًا يُبْطِلُ خِيَارَ مَجْلِسٍ؛ لِئَلَّا يَصِيرَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَاسْتَنْبَطَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ» أَيْ: فَلِيُعْطِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ اسْمُ السَّلَفِ فِيهِ حَتَّى يُعْطِيَهُ مَا سَلَفَهُ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَ مَنْ أَسْلَفَهُ، (فَإِنْ قَبَضَ) مُسْلَمٌ إلَيْهِ (بَعْضَهُ) ؛ أَيْ: بَعْضَ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ؛ (صَحَّ فِيهِ) ؛ أَيْ: فِيمَا قَبَضَ بِقِسْطِهِ (فَقَطْ) ؛ أَيْ: وَبَطَلَ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ؛ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
(وَإِنْ بَانَ) ؛ أَيْ: ظَهَرَ رَأْسُ مَالٍ مُسْلِمٍ مَقْبُوضٍ (غَصْبًا أَوْ مَعِيبًا) عَيْبًا (مِنْ الْجِنْسِ أَوْ غَيْرِهِ) ؛ فَحُكْمُهُ (كَمَا مَرَّ فِي صَرْفٍ) مِنْ أَنَّهُ إنْ ظَهَرَ
أَنَّهُ مَغْصُوبٌ، أَوْ الْعَيْبُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، بَطَلَ؛ كَمَا لَوْ ظَهَرَ ثَمَنُ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ الْجِنْسِ؛ فَلِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ إمْسَاكُهُ وَأَخْذُ أَرْشِ عَيْبِهِ، أَوْ رَدُّهُ وَأَخْذُ بَدَلِهِ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ، لَا مِنْ جِنْسِ السَّلِيمِ، وَإِنْ اخْتَارَ أَخْذُ بَدَلِهِ بَعْدَ الْمَجْلِسِ؛ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، (وَكَقَبْضٍ) فِي الْحُكْمِ (مَا بِيَدِهِ) ؛ أَيْ: الْمُسْلَمِ إلَيْهِ (أَمَانَةٌ أَوْ غَصْبٌ) وَنَحْوُهُ، فَيَصِحُّ جَعْلُهُ رَأْسَ مَالٍ مُسْلِمٍ فِي ذِمَّةِ مَنْ هُوَ تَحْتَ يَدِهِ، وَقَوْلُهُ أَمَانَةٌ أَوْ غَصْبٌ بَدَلٌ مِنْ مَا.
(وَيَتَّجِهُ) إنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ (مَعَ رُؤْيَةِ) مَا جَعَلَاهُ مِنْ الْأَمَانَةِ أَوْ الْغَصْبِ رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ (أَوْ تَقَدُّمُهَا) ؛ أَيْ: الرُّؤْيَةِ عَلَى الْعَقْدِ (بِزَمَنٍ يَسِيرٍ) ؛ لِئَلَّا يَصِيرَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ (لَا) يَصِحُّ جَعْلُ (مَا فِي ذِمَّةٍ) رَأْسَ مَالِ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ فَإِنْ كَانَ رَأْسُ مَالِهِ دَيْنًا كَانَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، بِخِلَافِ أَمَانَةٍ وَغَصْبٍ.
(وَشَرْطِ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ) ؛ أَيْ: رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، (وَ) مَعْرِفَةِ (صِفَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ فَسْخُ الْمُسْلِمِ، لِتَأَخُّرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ مَعْرِفَةُ رَأْسِ مَالِهِ؛ لِيُرَدَّ بَدَلُهُ؛ كَالْقَرْضِ، وَاعْتُبِرَ التَّوَهُّمُ هُنَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ جَوَازِهِ، وَإِنَّمَا جَوَّزَهُ مَعَ الْأَمْنِ مِنْ الْغَرَرِ، وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا.
(فَلَا تَكْفِي مُشَاهَدَتُهُ) أَيْ: رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ؛ كَمَا لَوْ عَقَدَهُ بِصُبْرَةٍ لَا يَعْلَمَانِ قَدْرَهَا وَوَصْفَهَا، (وَلَا يَصِحُّ بِمَا لَا يَنْضَبِطُ كَجَوْهَرٍ) وَثَوْبٍ غَرِيبِ النَّسْجِ وَكُتُبٍ (وَمَغْشُوشٍ، وَيَرُدُّ) مَا قَبَضَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ رَأْسُ مَالِ سَلَمٍ؛ لِفَسَادِ الْعَقْدِ (إنْ وُجِدَ، وَإِلَّا يُوجَدْ فَقِيمَتُهُ) إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا، وَمِثْلُهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا؛ كَصُبْرَةٍ مِنْ نَحْوِ حُبُوبٍ؛ (فَإِنْ اخْتَلَفَا) فِيهَا؛ أَيْ: الْقِيمَةِ، فِي قِيمَةِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ الْبَاطِلِ، أَوْ فِي قَدْرِ الصُّبْرَةِ الْمَجْعُولَةِ رَأْسَ مَالِ
سَلَمٍ؛ (فَقَوْلُ مُسْلَمٍ إلَيْهِ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) قَوْلُ مُسْلَمٍ إلَيْهِ؛ بِأَنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ قِيمَةَ مَا قَبَضْتُهُ؛ (فَقِيمَةُ مُسْلَمٍ فِيهِ مُؤَجَّلًا) إلَى الْأَجَلِ الَّذِي عَيَّنَاهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْأَشْيَاءِ أَنْ تُبَاعَ بِقِيمَتِهَا؛ وَيُقْبَلُ قَوْلُ مُسْلَمٍ إلَيْهِ فِي قَبْضِ رَأْسِ مَالِهِ، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَبَضَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَالْآخَرُ بَعْدَهُ؛ فَقَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ، وَتُقَدَّمُ بَيِّنَتُهُ عِنْدَ التَّعَارُضِ.
(فَرْعٌ: لَوْ تَعَاقَدَا عَلَى) نَحْوِ (مِائَةِ دِرْهَمٍ فِي كُرِّ بُرٍّ، وَشَرَطَا تَعْجِيلَ خَمْسِينَ وَتَأْجِيلَ أُخْرَى؛ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ فِي الْكُلِّ) - وَلَوْ قُلْنَا بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ - (لِأَنَّ مَا عُجِّلَ يُقَابَلُ بِأَكْثَرَ مِمَّا أُجِّلَ، وَهُوَ مَجْهُولٌ) ؛ فَلَمْ يَصِحَّ لِذَلِكَ.
الشَّرْطُ (السَّابِعُ أَنْ يُسْلَمَ فِي ذِمَّةٍ؛ فَلَا يَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي عَيْنٍ) نَابِتَةٍ؛ كَشَجَرَةٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ فِي الْحَالِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى السَّلَمِ فِيهِ، (وَبَعْضُهُمْ) ؛ أَيْ: بَعْضُ الْأَصْحَابِ (نَفَاهُ) ؛ أَيْ: نَفَى هَذَا الشَّرْطَ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ اسْتِغْنَاءً عَنْهُ بِذَكَرِ الْأَجَلِ؛ (لِأَنَّ الْمُؤَجَّلَ لَا يَكُونُ إلَّا بِذِمَّةٍ) . قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": فَائِدَةٌ هَذِهِ الشُّرُوطُ السَّبْعَةُ هِيَ الْمُشْتَرَطَةُ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ لَا غَيْرُ، لَكِنْ هَذِهِ زَائِدَةٌ عَلَى شُرُوطِ الْبَيْعِ.
[فَصْلٌ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي السَّلَمِ ذِكْرُ مَكَانِ الْوَفَاءِ]
(فَصْلٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ) فِي السَّلَمِ (ذِكْرُ مَكَانِ الْوَفَاءِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ، وَكَبَاقِي الْبُيُوعِ (إنْ لَمْ يُعْقَدْ بِنَحْوِ بَرِّيَّةٍ وَسَفِينَةٍ) وَنَحْوِهِمَا؛ كَدَارِ حَرْبٍ وَجَبَلٍ غَيْرِ مَسْكُونٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّسْلِيمُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَيَكُونُ مَحَلُّ التَّسْلِيمِ مَجْهُولًا فَاشْتُرِطَ تَعْيِينُهُ بِالْقَوْلِ كَالزَّمَانِ (وَيَجِبُ مَعَ تَشَاحٍّ وَفَاءُ مَكَانِ عَقْدِ) السَّلَمِ إذَا كَانَ مَحِلُّ إقَامَةٍ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ التَّسْلِيمُ فِي مَكَانِهِ، (وَشَرْطُهُ) ؛ أَيْ: الْوَفَاءِ (فِيهِ) ؛ أَيْ: مَكَانِ الْعَقْدِ مُؤَكَّدٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَلَا يُؤَثِّرُ (وَإِنْ دَفَعَ) مُسْلَمٌ إلَيْهِ السَّلَمَ (فِي غَيْرِهِ) ؛ أَيْ: الْمَكَانِ الَّذِي شُرِطَ بِهِ إنْ عُقِدَ بِنَحْوِ بَرِّيَّةٍ، أَوْ مَكَانِ الْعَقْدِ إنْ عُقِدَ بِغَيْرِ نَحْوِ بَرِّيَّةٍ، (لَا مَعَ أُجْرَةِ حَمْلِهِ إلَيْهِ) ؛ أَيْ: إلَى مَا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ فِيهِ؛ (صَحَّ) ؛ أَيْ: جَازَ الدَّفْعُ؛ لِتَرَاضِيهِمَا عَلَيْهِ،
وَبَرِئَ دَافِعٌ؛ كَمَا يَصِحُّ (شَرْطُهُ) ؛ أَيْ: الْوَفَاءِ (فِيهِ) ؛ أَيْ: غَيْرِ مَحَلِّ الْعَقْدِ؛ كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ، فَإِنْ دَفَعَهُ، فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَدَفَعَ مَعَهُ أُجْرَةَ حَمْلِهِ إلَيْهِ؛ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ تَرَاضَيَا؛ لِأَنَّهُ كَالِاعْتِيَاضِ عَنْ بَعْضِ السَّلَمِ.
(وَلَا يَصِحُّ أَخْذُ رَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ أَوْ ضَمَانٍ بِمُسْلِمٍ فِيهِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيِّ فِي خِصَالِهِ " وَصَاحِبُ " الْمُبْهِجِ " وَالْإِيضَاحِ "، وَنَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ.
قَالَ فِي " الْخُلَاصَةِ ": لَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَرُوِيَتْ كَرَاهَتُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ إنَّمَا يَجُوزُ بِشَيْءٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ، وَالضَّمَانُ يُقِيمُ مَا فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ مَقَامَ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْعِوَضِ وَالْبَدَلِ عَنْهُ، وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ؛ لِلْخَبَرِ، (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ " وَالْوَجِيزِ " وَالتَّصْحِيحِ " وَغَيْرُهُمْ؛ (وَلَا يَصِحُّ اعْتِيَاضٌ عَنْهُ) ؛ أَيْ: الْمُسْلَمِ فِيهِ، (وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُهُ، أَوْ) بَيْعُ (رَأْسِ مَالِهِ) الْمَوْجُودِ (بَعْدَ فَسْخِ) عَقْدٍ (وَقَبْلَ قَبْضٍ) عَلَى غَيْرِهِ حَوَالَةُ رَأْسِ مَالِهِ - (وَلَوْ) كَانَ الْبَيْعُ (لِمَنْ) هُوَ (عَلَيْهِ - وَلَا حَوَالَةَ بِهِ) مِنْ جَانِبِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ عَلَى غَيْرِهِ، (وَلَا) حَوَالَةَ (عَلَيْهِ) مِنْ جَانِبِ الْمُسْلِمِ؛ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَحَدِيثِ: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ، فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ» وَلِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ؛ أَشْبَهَ الْمَكِيلَ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَأَيْضًا فَرَأْسُ مَالِ السَّلَمِ بَعْدَ فَسْخِهِ وَقَبْلَ قَبْضِهِ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِعَقْدِ السَّلَمِ؛ أَشْبَهَ الْمُسْلَمَ فِيهِ.
وَتَصِحُّ هِبَةُ كُلِّ دَيْنٍ - وَلَوْ سَلَمًا - لِمَدِينٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ، فَإِنْ وَهَبَهُ دَيْنَهُ حَقِيقَةً؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِانْتِفَاءِ مَعْنَى الْإِسْقَاطِ وَاقْتِضَاءِ الْهِبَةِ وُجُودَ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ مُنْتَفٍ، وَمِنْ هُنَا امْتَنَعَ هِبَتُهُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَ (لَا) يَصِحُّ هِبَةُ الدَّيْنِ (لِغَيْرِهِ) ؛ أَيْ: غَيْرِ الْمَدِينُ، (إلَّا لِضَامِنِهِ) بِهِ، فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْإِسْقَاطِ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَوْ ضَمِنَهُ حِيلَةً) ؛ لِإِسْقَاطِ الدَّيْنِ؛ كَمَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ إذَا ضَمِنَ الْمَدِينَ لَدَائِنِهِ، وَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ تَحْصِيلُهُ مِنْهُ، يُسْقِطُهُ الدَّائِنُ عَنْهُ؛ فَيَصِحُّ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَصِحُّ دَيْنٌ مُسْتَقِرٌّ مِنْ ثَمَنٍ وَقَرْضٍ وَمَهْرٍ بَعْدَ دُخُولٍ) أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يُقَرِّرُهُ، (وَأُجْرَةٌ اُسْتُوْفِيَ نَفْعُهَا، وَأَرْشُ جِنَايَةٍ، وَقِيمَةُ مُتْلَفٍ) ، وَجُعْلٌ بَعْدَ عَمَلٍ، (وَعِوَضٌ نَحْوَ خَلْعٍ لِمَدِينٍ فَقَطْ، وَشُرِطَ) لِصِحَّةِ الْبَيْعِ (قَبْضُ عِوَضِهِ قَبْلَ تَفَرُّقٍ) لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ.
وَتَقَدَّمَ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ مَا فِي الذِّمَّةِ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ عِوَضَهُ؛ لِمَجْلِسٍ؛ لَمْ يَصِحَّ (إنْ بِيعَ) الدَّيْنُ (بِمَا لَا يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً) ؛ كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ، وَبُرٍّ بِشَعِيرٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) بِيعَ الدَّيْنُ (بِمَوْصُوفٍ بِذِمَّةٍ) ، سَوَاءٌ كَانَ يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً، أَوْ لَا، وَلَمْ يُقْبَضْ بِالْمَجْلِسِ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، فَإِنْ بِيعَ مَكِيلٌ بِمَوْزُونٍ مُعَيَّنٍ، وَعَكْسُهُ؛ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَضْ عِوَضُهُ بِالْمَجْلِسِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَيَتَّجِهُ بَلْ) وَلَا يَصِحُّ؛ بَيْعُ دَيْنٍ بِمَوْصُوفٍ (- وَلَوْ بِغَيْرِ ذِمَّةٍ -) إذَا لَمْ يُقْبَضْ بِالْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ قَبْضُ عِوَضِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ بِالْمَجْلِسِ، (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " وَالْإِقْنَاعِ " فِي تَقْيِيدِهِمَا اشْتِرَاطَ الْقَبْضِ فِيمَا إذَا كَانَ مَوْصُوفًا بِالذِّمَّةِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ فِيمَ إذَا كَانَ الْعِوَضُ بِعَيْنٍ مَوْصُوفَةٍ بِغَيْرِ ذِمَّةٍ؛ كَمَا لَوْ كَانَ مُشَاهَدًا بِحَيْثُ لَوْ أَرَادَ قَبْضَهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ أَحَدٌ؛ وَكَذَا مُتَقَدِّمًا رُؤْيَتُهُ يَسِيرٌ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِعَيِّنٍ، فَلَا وَجْهَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ وَيَصِحُّ بَيْعُ دَيْنٍ مُطْلَقًا (لِغَيْرِهِ) ؛ أَيْ:
غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَرْضُهُ مِمَّا يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً، أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ أَشْبَهَ الْآبِقَ، (وَلَا) بَيْعُ دَيْنٍ [غَيْرِ] (مُسْتَقِرٍّ؛ كَدَيْنِ كِتَابَةٍ، وَأُجْرَةٍ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ، وَصَدَاقٍ قَبْلَ دُخُولٍ) لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ غَيْرُ تَامٍّ.
(وَيَتَّجِهُ صِحَّةُ مُصَالَحَةٍ عَنْ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: عَنْ الدَّيْنِ غَيْرِ الْمُسْتَقِرِّ، دَفْعًا لِلنِّزَاعِ، وَطَلَبًا لِلسُّهُولَةِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَتَصِحُّ إقَالَةٌ فِي سَلَمٍ) ؛ لِأَنَّهَا فَسْخٌ، وَتَصِحُّ إقَالَةٌ فِي (بَعْضِهِ) ؛ لِأَنَّهَا مَنْدُوبٌ إلَيْهَا، وَكُلُّ مَنْدُوبٍ إلَيْهِ صَحَّ فِي شَيْءٍ؛ صَحَّ فِي بَعْضِهِ؛ كَالْإِبْرَاءِ (بِدُونِ) - مُتَعَلِّقٌ بِ تَصِحُّ - (قَبْضِ رَأْسِ مَالِهِ) ؛ أَيْ: السَّلَمِ إنْ وُجِدَ (أَوْ) بِدُونِ قَبْضِ (عِوَضِهِ) ؛ أَيْ: رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ مُسْلَمٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا فَسْخٌ، فَإِذَا حَصَلَتْ بَقِيَ الثَّمَنُ بِيَدِ الْبَائِعِ أَوْ ذِمَّتِهِ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ، كَالْقَرْضِ
(وَبِفَسْخِ) سَلَمٍ (يَجِبُ) عَلَى مُسْلَمٍ إلَيْهِ (رَدُّ مَا أَخَذَ) مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إنْ؛ بَقِيَ لِرُجُوعِهِ لِمُسْلِمٍ، (وَإِلَّا) يَكُنْ بَاقِيًا؛ فَعَلَيْهِ (مِثْلُهُ) إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، (ثُمَّ قِيمَتُهُ) إنْ مُتَقَوِّمًا، أَوْ تَعَذَّرَ الْمِثْلُ؛ لِأَنَّ مَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ يَرْجِعُ بِبَدَلِهِ، (فَإِنْ أَخَذَ بَدَلَهُ) ؛ أَيْ: بَدَلَ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ (ثَمَنًا) ؛ أَيْ: نَقْدًا، (وَهُوَ ثَمَنٌ؛ فَهُوَ صَرْفٌ) لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ، (وَإِلَّا جَازَ فِي عِوَضٍ مُعَيَّنٍ تَفَرُّقٌ قَبْلَ قَبْضٍ إنْ لَمْ يَجُزْ) بَيْنَ الْعِوَضَيْنِ (رِبَا نَسَاءٍ) بِأَنْ كَانَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ عَرْضًا، فَأَخَذَ الْمُسْلِمُ عَنْهُ عَرْضًا أَوْ ثَمَنًا بَعْدَ الْفَسْخِ؛ فَيَجُوزُ فِيهِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَيَكُونُ بَيْعًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْعِوَضُ مَكِيلًا عَنْ مَكِيلٍ، أَوْ مَوْزُونًا عَنْ مَوْزُونٍ؛ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، كَالصَّرْفِ.
(وَمَنْ لَهُ سَلَمٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ جِنْسِهِ، فَقَالَ لِغَرِيمِهِ: اقْبِضْ سَلَمِي لِنَفْسِك) ، فَفَعَلَ؛ (لَمْ يَصِحَّ) قَبْضُهُ (لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ حَوَالَةٌ) بِالسَّلَمِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ
بِهِ] ، (وَلَا) قَبْضُهُ (لِلْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَكِّلْهُ) فِي قَبْضِهِ، فَلَمْ يَقَعْ لَهُ، فَيُرَدُّ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ، (وَصَحَّ) قَبْضُهُ لَهُمَا إنْ قَالَ: اقْبِضْهُ (لِي، ثُمَّ) اقْبِضْهُ (لَكَ) ؛ لِاسْتِنَابَتِهِ فِي قَبْضِهِ لَهُ، ثُمَّ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا أُقْبِضَهُ لِمُوَكِّلِهِ؛ جَازَ أَنْ يَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ؛ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، وَتَقَدَّمَ يَصِحُّ قَبْضُ وَكِيلٍ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ دَيْنِهِ، (وَ) إنْ دَفَعَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو دَرَاهِمَ، وَعَلَى زَيْدٍ طَعَامٌ لِعَمْرٍو، فَقَالَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو: (اشْتَرِ لَك بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ مِثْلَ الطَّعَامِ الَّذِي عَلَيَّ، فَفَعَلَ؛ لَمْ يَصِحَّ) الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّهُ فُضُولِيٌّ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": لِأَنَّهُ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ بِمَالِ غَيْرِهِ، (وَ) إنْ قَالَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو: اشْتَرِ لِي بِالدَّرَاهِمِ طَعَامًا (ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِك) ، فَفَعَلَ؛ (صَحَّ شِرَاؤُهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ، (دُونَ قَبْضِ) ذَلِكَ (لِنَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ لِنَفْسِهِ فَرْعٌ عَنْ قَبْضِ مُوَكِّلِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
وَإِنْ قَالَ لَهُ: اشْتَرِ لِي بِالدَّرَاهِمِ مِثْلَ الطَّعَامِ الَّذِي عَلَيَّ وَ (اقْبِضْهُ لِي، ثُمَّ) اقْبِضْهُ (لِنَفْسِك) ، فَفَعَلَ؛ (صَحَّا) ؛ أَيْ: الْقَبْضَانِ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ فِي الشِّرَاءِ وَالْقَبْضِ، ثُمَّ الْقَبْضِ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ.
(وَيَتَّجِهُ لَوْ قَبَضَ دَيْنَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ) ؛ أَيْ: إذْنِ رَبِّ الدَّيْنِ (بِشَرْطِ كَوْنِهِ) ؛ أَيْ: الدَّيْنِ الْمَقْبُوضِ (قَرْضًا أَوْ) بِشَرْطِ كَوْنِ قَبْضِهِ لِذَلِكَ (بَيْعًا) ؛ أَيْ: مَبِيعًا؛ (لَمْ يَصِحَّا) ؛ أَيْ: الْقَرْضُ وَالْبَيْعُ، (وَلَهُ) ؛ أَيْ: الْقَابِضِ (أَجْرُ مِثْلِ التَّقَاضِي) ؛ أَيْ: أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ اشْتِغَالِهِ بِالتَّقَاضِي؛ لِأَنَّهُ حَبَسَ نَفْسَهُ عَنْ الْعَمَلِ أَنْ لَوْ كَانَ لِتَحْصِيلِ مَالِ غَيْرِهِ بِإِذْنٍ، فَوَجَبَ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
.
وَإِنْ قَالَ رَبُّ سَلَمٍ لِغَرِيمِهِ: (أَنَا أَقْبِضُهُ) ؛ أَيْ: السَّلَمَ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ (لِنَفْسِي، وَخُذْهُ بِالْكَيْلِ الَّذِي تُشَاهِدُ؛ صَحَّ) قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ؛ لِوُجُودِ قَبْضِهِ مِنْ مُسْتَحِقِّهِ.
وَإِنْ قَالَ رَبُّ سَلَمٍ لِغَرِيمِهِ: (أَحْضِرْ اكْتِيَالِي مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ الْحَقُّ، (لِأَقْبِضَهُ لَك) ، فَفَعَلَ (صَحَّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ،) وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِهِ لِأَقْبِضَهُ لَكَ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ مَعَ نِيَّتِهِ لِغَرِيمِهِ كَمَعَ نِيَّتِهِ لِنَفْسِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بُدِّلَ قَوْلُهُ صَحَّ إلَى قَوْلِهِ وَاقْبِضْ لِغَرِيمِهِ صَحَّ لَهُمَا؛ لَمْ يَصِحَّ؛ أَيْ: الْقَبْضُ لَهُمَا؛ أَيْ: لِرَبِّ السَّلَمِ.
وَغَرِيمِهِ، خِلَافًا لَهُمَا؛ أَيْ: " لِلْإِقْنَاعِ " وَالْمُنْتَهَى " حَيْثُ قَالَا بِصِحَّتِهِ تَبَعًا لِتَصْحِيحِ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَتَذْكِرَةِ " ابْنِ عَبْدُوسٍ "، وَقَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الْمَذْهَبُ، فَإِنْ صَحَّ نِسْبَةُ مَا فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ إلَى الْمُصَنِّفِ؛ فَمَحْمُولٌ عَلَى رِوَايَةِ مَرْجُوحَةٍ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهَا، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ صَحَّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ، أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَبْضًا " لِغَرِيمٍ " مَقُولٍ لَهُ ذَلِكَ؛ لِعَدَمِ كَيْلِهِ إيَّاهُ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَهُ جُزَافًا إنْ عَلِمَا، (فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) ؛ أَيْ: مَنْ حَضَرَ الِاكْتِيَالَ [ (فِيهِ) ؛ أَيْ: الْمَكِيلِ] (بِدُونِ اعْتِبَارِهِ، وَإِنْ بَرَأَتْ ذِمَّةُ دَافِعٍ) ؛ لِفَسَادِ الْقَبْضِ، (وَإِنْ تَرَكَهُ) ؛ أَيْ: تَرَكَ الْقَابِضُ الْمَقْبُوضَ (بِمِكْيَالِهِ، وَأَقْبَضَهُ لِغَرِيمِهِ؛ صَحَّ) الْقَبْضُ (لَهُمَا) ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْكَيْلِ كَابْتِدَائِهِ، وَقَبْضُ الْآخَرِ فِي مِكْيَالِهِ جَرَى لِمُصَاعِهِ فِيهِ، (وَلَوْ أَذِنَ لِغَرِيمِهِ بِالصَّدَقَةِ فِي دَيْنِهِ) الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ (عَنْهُ، أَوْ) أَذِنَ لَهُ فِي (صَرْفِهِ) وَالْمُضَارَبَةِ أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ قَالَ: اعْزِلْهُ وَضَارِبْ بِهِ، فَفَعَلَ؛ (لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، وَلَمْ يَبْرَأْ) الْغَرِيمُ مِنْ الدَّيْنِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ لَا يَمْلِكُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَلَوْ قَالَ رَبُّ الدَّيْنَ لِغَرِيمِهِ: (تَصَدَّقْ عَنِّي بِكَذَا، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ دَيْنِي) أَوْ قَالَ: أَعْطِ فُلَانًا كَذَا، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ دَيْنِي؛ ذَلِكَ، (وَكَانَ اقْتِرَاضًا) ، لَا تَصَرُّفًا فِي الدَّيْنِ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ كَمَا لَوْ قَالَهُ لِغَيْرِ غَرِيمِهِ، (لَكِنْ يَسْقُطُ مِنْ دَيْنِ غَرِيمِهِ بِقَدْرِهِ) ؛ أَيْ: قَدْرِ مَا قَالَ لَهُ تَصَدَّقْ عَنِّي وَنَحْوِهِ.
(بِالْمُقَاصَّةِ) الْآتِيَةِ:
(وَ) لَوْ قَالَ لِغَرِيمِهِ (اشْتَرِ لِي بِدَيْنِي) الَّذِي لِي (عَلَيْك طَعَامًا) ، فَفَعَلَ؛ لَمْ يَصِحَّ، (أَوْ) قَالَ لَهُ (أَسْلِفْ لِي أَلْفًا مِنْ مَالِكَ فِي كُرِّ طَعَامٍ، فَفَعَلَ، لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِقَبْضِهِ، (فَإِنْ قَالَ لَهُ اشْتَرِ لِي فِي ذِمَّتِك أَوْ قَالَ لَهُ أَسْلِفْ لِي أَلْفًا فِي كُرِّ طَعَامٍ، وَاقْبِضْ الثَّمَنَ عَنِّي مِنْ مَالِكَ، أَوْ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَيْك؛ صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ عَنْهُ مِنْ نَفْسِهِ وَفِي السَّلَفِ.
(وَمَنْ قَبَضَ) مِنْ غَرِيمِهِ (دَيْنًا جُزَافًا فَاقْبَلْ قَوْلَهُ) ؛ أَيْ: الْقَابِضِ (فِي قَدْرِهِ) ؛ أَيْ: الْمَقْبُوضِ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزَّائِدَ؛ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَلَا يَتَصَرَّفُ مَنْ قَبَضَ مَكِيلًا وَنَحْوَهُ جُزَافًا فِي قَدْرِ حَقِّهِ (بِلَا اعْتِبَارِهِ) بِمِعْيَارِهِ؛ لِفَسَادِ الْقَبْضِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ قَابِضٍ (إنْ قَبَضَهُ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ، ثُمَّ ادَّعَى نَحْوَ غَلَطٍ) ؛ كَسَهْوٍ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(وَمَا قَبَضَهُ) أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، فَأَكْثَرُ (مِنْ دَيْنٍ مُشْتَرَكٍ بِإِرْثٍ أَوْ إتْلَافِ) عَيْنٍ مُشْتَرَكَةٍ (أَوْ بِعَقْدٍ) ؛ كَبَيْعِ مُشْتَرَكٍ أَوْ إجَارَتِهِ (أَوْ بِضَرِيبَةٍ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهَا وَاحِدٌ) ؛ كَوَقْفٍ عَلَى عَدَدٍ مَحْصُورٍ، وَوَظِيفَةٍ لِكُلِّ مِنْهُمَا اسْتِحْقَاقٌ فِيهَا؛ (فَشَرِيكُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذٍ مِنْ غَرِيمٍ) ؛ لِبَقَاءِ اشْتِغَالِ ذِمَّتِهِ، (أَوْ) أَخْذٍ مِنْ (قَابِضٍ) ؛ لِلِاسْتِوَاءِ فِي الْمِلْكِ، وَعَدَمِ تَمْيِيزِ حِصَّةِ الْآخَرِ، فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ بِهِ (- وَلَوْ بَعْدَ تَأْجِيلِ الطَّالِبِ لِحَقِّهِ -) لِمَا سَبَقَ؛ (مَا لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ) ؛ أَيْ: الشَّرِيكُ فِي الْقَبْضِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ مِنْ غَيْرِ تَوْكِيلٍ فِي: نَصِيبِهِ، فَقَبَضَهُ لِنَفْسِهِ؛ لَمْ يُحَاصِصْهُ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: اقْبِضْ لَكَ (أَوْ) مَا لَمْ (يَتْلَفْ) مَقْبُوضٌ (فَيَتَعَيَّنُ غَرِيمٌ) ، وَالتَّالِفُ مِنْ حِصَّةِ قَابِضٍ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ شَيْئًا، وَظَاهِرُهُ - وَلَوْ كَانَ التَّلَفُ بِفِعْلِ قَابِضِهِ - لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْرُ حَقِّهِ، وَإِنَّمَا شَارَكَهُ لِثُبُوتِهِ مُشْتَرَكًا، مَعَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا: لَوْ أَخْرَجَهُ الْقَابِضُ بِرَهْنٍ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ؛ فَلَهُ أَخْذُهُ مِنْ يَدِهِ؛ كَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".