مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَلَا تَسْقُطُ الشُّفْعَةُ (بِبَيْعِ) الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ قَبْلَ الطَّلَبِ، (فَيَأْخُذُهُ) - أَيْ: الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ - (شَفِيعٌ بِثَمَنِ أَيِّ الْبَيْعَيْنِ شَاءَ) ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الشُّفْعَةِ الشِّرَاءُ - وَقَدْ وُجِدَ كُلٌّ مِنْهُمَا - وَلِأَنَّهُ شَفِيعٌ فِي الْعَقْدَيْنِ، وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ صِحَّةُ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي مِنْ الشِّقْصِ قَبْلَ الطَّلَبِ؛ وَكَوْنُ الشَّفِيعِ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَصَرُّفِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ مَعِيبًا؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْآخَرِ، وَكَالِابْنِ يَتَصَرَّفُ فِي الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ لَهُ وَإِنْ جَازَ لِأَبِيهِ الرُّجُوعُ فِيهَا.
(وَيَرْجِعُ مَنْ) - أَيْ: الَّذِي (أَخَذَ مِنْهُ الشِّقْصَ بِبَيْعٍ قَبْلَ بَيْعِهِ) ، وَهُوَ مَنْ كَانَ الشِّقْصُ بِيَدِهِ حَالَ الْأَخْذِ (عَلَى بَائِعِهِ بِمَا أَعْطَاهُ) مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ الْعِوَضُ؛ (كَأَنْ يَشْتَرِيَهُ) أَيْ: الشِّقْصَ - الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ (بِخَمْسَةِ) دَنَانِيرَ، مَثَلًا، (وَيَبِيعَهُ) مِنْ آخَرَ (بِعَشَرَةِ) دَنَانِيرَ، (وَيَأْخُذُهُ) - أَيْ: الشِّقْصَ - (شَفِيعٌ) مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ (بِخَمْسَةِ) دَنَانِيرَ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِمَا دَفَعَهُ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَهُوَ الْعَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ الثَّانِي.
وَإِنْ كَانَ مُشْتَرٍ ثَالِثٌ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دَنَانِيرَ مَثَلًا، وَلَمْ يَعْلَمْ الشَّفِيعُ حَتَّى تَبَايَعَ ثَلَاثَةٌ فَأَكْثَرُ، وَأَخَذَ الشَّفِيعُ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ؛ رَجَعَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْمُشْتَرِي الثَّالِثُ عَلَى الثَّانِي، وَهَلُمَّ جَرَّا، وَيَنْفَسِخُ مَا بَعْدَ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ أَخَذَ الشَّفِيعُ بِالْبَيْعِ الْأَخِيرِ؛ فَلَا رُجُوعَ، وَاسْتَقَرَّتْ الْعُقُودُ وَإِنْ أَخَذَ بِالْمُتَوَسِّطِ اسْتَقَرَّ مَا قَبْلَهُ، وَانْفَسَخَ مَا بَعْدَهُ.
(وَلَا تَسْقُطُ) الشُّفْعَةُ بِرُجُوعِ الشِّقْصِ إلَى الشَّرِيكِ بِسَبَبِ (فَسْخِ) الْبَيْعِ (لِتَحَالُفٍ) عَلَى قَدْرِ الثَّمَنِ بِسَبَبِ اخْتِلَافِهِمَا فِيهِ؛ لِسَبْقِ اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ الْفَسْخَ، (وَيُؤْخَذُ) الشِّقْصُ (بِهِ) - أَيْ: بِثَمَنٍ - (حَلَفَ عَلَيْهِ بَائِعٌ) ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ مُقِرٌّ بِالْبَيْعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ وَمُقِرٌّ لِلشَّفِيعِ بِاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ بِذَلِكَ، فَإِذَا بَطَلَ حَقُّ الْمُشْتَرِي بِإِنْكَارِهِ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّ الشَّفِيعِ بِذَلِكَ، فَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ فَسْخَهُمَا وَيَأْخُذَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ.
(وَلَا) تَسْقُطُ الشُّفْعَةُ أَيْضًا بِرُجُوعِ الشِّقْصِ إلَى الشَّرِيكِ بِسَبَبِ (فَسْخِ إقَالَةٍ أَوْ) بِسَبَبِ فَسْخِ الْبَيْعِ؛ لِوُجُودِ (عَيْبٍ فِي شِقْصٍ) ؛ فَلِلشَّفِيعِ إبْطَالُ الْإِقَالَةِ وَالرَّدُّ وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ سَابِقٌ عَلَيْهِمَا.
(وَ) فَسْخُ الْبَائِعِ الْبَيْعَ (لِعَيْبٍ فِي نَفْسِهِ) - أَيْ: ثَمَنِ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ - (الْمُعَيَّنِ) كَمَا لَوْ اشْتَرَى الشِّقْصَ بِعَبْدٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ عَلِمَ الْبَائِعُ عَيْبَهُ، وَفَسَخَ الْبَيْعَ (قَبْلَ أَخْذِهِ) - أَيْ: الشَّفِيعِ - الشِّقْصَ (بِهَا) - أَيْ: بِالشُّفْعَةِ - (يُسْقِطُهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ) ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْبَائِعِ بِإِسْقَاطِهِ حَقَّهُ مِنْ الْفَسْخِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ بِوُجُودِ الْعَيْبِ، وَالشُّفْعَةُ تَثْبُتُ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ فِي الْفَسْخِ أَسْبَقُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى وُجُودِ الْعَيْبِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ حَالَ الْبَيْعِ، وَالشُّفْعَةُ تَثْبُتُ بِالْبَيْعِ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا كَانَ الشِّقْصُ مَعِيبًا فَإِنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي إنَّمَا هُوَ فِي اسْتِرْجَاعِ الثَّمَنِ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ مِنْ الشَّفِيعِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الرَّدِّ.
وَ (لَا) تَسْقُطُ الشُّفْعَةُ بِالْفَسْخِ لِعَيْبِ الثَّمَنِ (بَعْدَهُ) - أَيْ: بَعْدَ الْأَخْذِ بِهَا؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ مَلَكَ الشِّقْصَ بِالْأَخْذِ فَلَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ إبْطَالَ مِلْكِهِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي لِأَجْنَبِيٍّ، فَإِنَّ الشُّفْعَةَ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ.
(وَلِبَائِعٍ) إذَا فَسَخَ بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ (إلْزَامُ مُشْتَرٍ بِقِيمَةِ شِقْصٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ بِمَنْزِلَةِ تَلَفِ الشِّقْصِ [لَا] ؛ أَيْ: لَيْسَ لِبَائِعٍ إلْزَامُ مُشْتَرٍ بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ (بِالثَّمَنِ) الَّذِي قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الشَّفِيعِ بَدَلًا عَنْ عَبْدِهِ (الْمَعِيبِ) ؛ لِعَدَمِ وُقُوعِ الْعَقْدِ عَلَى مَا أَقَبَضَهُ الشَّفِيعُ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا دَفَعَ لِلْمُشْتَرِي قِيمَةَ الْعَبْدِ غَيْرَ مَعِيبٍ.
(وَيَتَرَاجَعُ مُشْتَرٍ وَشَفِيعٌ بِمَا بَيْنَ قِيمَةِ) شِقْصٍ (وَثَمَنِهِ) الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَهُوَ قِيمَةُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ أَخَذَهُ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَى عَيْبِ الْعَبْدِ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ الثَّمَنُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَبَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى عَيْبِ الْعَبْدِ وَفَسْخِ الْبَيْعِ وَتَعَذُّرِ رَدِّ الشِّقْصِ؛ اسْتَقَرَّ الْعَقْدُ عَلَى قِيمَةِ الشِّقْصِ، وَالشَّفِيعُ لَا يَلْزَمُهُ
إلَّا مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَلِلْمُشْتَرِي الْمُطَالَبَةُ بِمَا أَدَّاهُ زِيَادَةً عَلَيْهِ، (فَيَرْجِعُ دَافِعُ الْأَكْثَرِ) مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ (بِالْفَضْلِ) ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الشِّقْصِ مِائَةً، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ، وَكَانَ الْمُشْتَرِي أَخَذَ الْمِائَةَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ الشَّفِيعِ؛ رَجَعَ الشَّفِيعُ عَلَيْهِ بِالْعِشْرِينَ؛ لِأَنَّ الشِّقْصَ إنَّمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بِالْمِائَةِ.
(وَلَا يَرْجِعُ شَفِيعٌ عَلَى مُشْتَرٍ بِأَرْشِ عَيْبٍ فِي ثَمَنٍ عَفَى عَنْهُ بَائِعٌ) ؛ أَيْ: لَوْ أَبْرَأَ الْبَائِعُ مُشْتَرِيَ الشِّقْصِ مِنْ الْعَيْبِ الَّذِي وَجَدَهُ بِالْعَبْدِ؛ فَلَا رُجُوعَ لِلشَّفِيعِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي لَا يَمْلِكُ فَسْخَهُ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ حَطَّ الْبَائِعُ عَنْهُ بَعْضَ الثَّمَنِ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ.
وَإِنْ اخْتَارَ الْبَائِعُ أَخْذَ أَرْشِ الْعَيْبِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَرْجِعُ مُشْتَرٍ عَلَى شَفِيعٍ بِشَيْءٍ إنْ دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ الْعَبْدِ سَلِيمًا، وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ بِبَدَلِ مَا أَدَّى مِنْ أَرْشِهِ، وَإِنْ عَادَ الشِّقْصُ بَعْدَ فَسْخِ الْعَقْدِ لِعَيْبِ الثَّمَنِ، وَأَخَذَ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ إلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي أَوْ غَيْرِهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إرْثٍ وَنَحْوِهِ؛ لَمْ يَمْلِكْ الْبَائِعُ اسْتِرْجَاعَهُ بِمُقْتَضَى الْفَسْخِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي زَالَ عَنْهُ، وَانْقَطَعَ حَقُّهُ مِنْهُ إلَى الْقِيمَةِ، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ، بِخِلَافِ غَاصِبٍ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّ مَغْصُوبٍ فَأَدَّى قِيمَتَهُ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ، وَيَسْتَرْجِعُ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ.
(وَلِشَفِيعٍ) أَخْذُ الشِّقْصِ بِالشُّفْعَةِ، ثُمَّ (ظَهَرَ) ؛ أَيْ: اطَّلَعَ (عَلَى عَيْبٍ) بِهِ لَمْ يَعْلَمْهُ الْمُشْتَرِي، وَلَا الشَّفِيعُ (رَدَّهُ) - أَيْ: الشِّقْصَ - (عَلَى مُشْتَرٍ، أَوْ أَخَذَ أَرْشَهُ) مِنْهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ، (وَ) يَرْجِعُ (الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ) بِالثَّمَنِ، وَيَرُدُّ الشِّقْصَ إنْ رَدَّهُ الشَّفِيعُ عَلَيْهِ، أَوْ يَأْخُذُ الْأَرْشَ.
وَمَنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ قَبْلَهُ مِنْ شَفِيعٍ وَمُشْتَرٍ؛ لَمْ يَرُدَّ الشِّقْصَ الْمَعِيبَ، وَلَمْ يُطَالِبْ بِأَرْشِهِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَلَكِنْ إذَا عَلِمَ الشَّفِيعُ وَحْدَهُ؛ فَلَا رَدَّ لِلْمُشْتَرِي لِخُرُوجِ الشِّقْصِ عَنْ مِلْكِهِ.
وَلِلْمُشْتَرِي الْأَرْشُ لِلْعَيْبِ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْهُ.
(وَإِنْ بَانَ ثَمَنٌ مُعَيَّنٌ مُسْتَحَقًّا؛ بَطَلَ بَيْعٌ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ،
(وَلَا شُفْعَةَ) فِيهِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَثْبُتُ فِي عَقْدٍ يَنْقُلُ الْمِلْكَ إلَى الْمُشْتَرِي، فَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ قَدْ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ لَزِمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَالشَّفِيعِ، فَإِنْ أَقَرَّا وَأَنْكَرَ الشَّفِيعُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا عَلَيْهِ، وَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ؛ وَيَرُدُّ الْبَائِعُ الْعَبْدَ لِصَاحِبِهِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ الشِّقْصِ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَى الشِّقْصَ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ نَقَدَ الثَّمَنَ، فَبَانَ مُسْتَحَقًّا كَانَتْ الشُّفْعَةُ وَاجِبَةً؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ، فَإِنْ تَعَذَّرَ قَبْضُ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي لِإِعْسَارِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَلِلْبَائِعِ فَسْخُ الْبَيْعِ، (وَيُقَدَّمُ) حَقُّ الشَّفِيعِ إذَا بِالْأَخْذِ بِهَا يَحْصُلُ لِلْمُشْتَرِي مَا يُؤَدِّيهِ ثَمَنًا، فَتَزُولُ عُسْرَتُهُ، وَيَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ.
وَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُ الثَّمَنِ مُسْتَحَقًّا بَطَلَ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ وَمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الشِّقْصِ؛ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ، وَصَحَّ فِي الْبَاقِي، وَثَبَتَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، (وَكَذَا) إذَا كَانَ الثَّمَنُ (نَحْوَ مَكِيلٍ) كَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ (تَلَفَ قَبْلَ قَبْضِهِ) ؛ بَطَلَ الْبَيْعُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَانْتَفَتْ الشُّفْعَةُ إنْ كَانَ التَّلَفُ قَبْلَ الْأَخْذِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ، فَتَعَذَّرَ إمْضَاءُ الْعَقْدِ، فَلَمْ تَثْبُتْ الشُّفْعَةُ كَالْفَسْخِ بِخِيَارٍ، وَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ (أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ) قَبْلَ التَّلَفِ؛ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ اسْتِرْدَادَ الشِّقْصِ؛ لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِ الشَّفِيعِ عَلَيْهِ، وَيَغْرَمُ مُشْتَرِيهِ لِبَائِعِهِ قِيمَةَ الْمَبِيعِ، وَيَأْخُذُ مِنْ الشَّفِيعِ بَدَلَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ.
تَتِمَّةٌ: وَلَا تَصِحُّ الْإِقَالَةُ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بَيْعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مُشْتَرٍ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَالْإِقَالَةُ إنَّمَا تَكُونُ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ، فَإِنْ بَاعَهُ إيَّاهُ صَحَّ؛ لِأَنَّ الْعَقَارَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَإِنْ اسْتَغَلَّ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ مُشْتَرٍ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ بِأَنْ أَخَذَ ثَمَرَتَهُ أَوْ أُجْرَتَهُ؛ فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ مُطَالَبَةُ الْمُشْتَرِي بِرَدِّهَا؛ لِحَدِيثِ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» .
(وَإِنْ أَدْرَكَهُ) ؛ أَيْ: أَدْرَكَ الشِّقْصَ الْمَبِيعَ (شَفِيعٌ، وَقَدْ اسْتَغَلَّ) الشِّقْصَ (بِزَرْعٍ مُشْتَرٍ) ، وَكَانَ الشِّقْصُ مِنْ أَرْضٍ وَنَخْلٍ، فَلَمْ يُدْرِكْهُ الشَّفِيعُ حَتَّى
(ظَهَرَ ثَمَرٌ) فِي شَجَرِهِ بَعْدَ شِرَائِهِ، أَوْ أَدْرَكَهُ شَفِيعٌ وَقَدْ (أُبِّرَ طَلْعٌ) لِلنَّخْلِ الْمَبِيعِ، وَلَوْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَهُ بِلَا تَأْبِيرٍ (وَنَحْوِهِ) ؛ كَمَا لَوْ كَانَ الشِّقْصُ مِنْ أَرْضٍ بِهَا أُصُولُ بَاذِنْجَانٍ أَوْ قِثَّاءٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، وَلَمْ يُدْرِكْهُ الشَّفِيعُ حَتَّى ظَهَرَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي لُقَطَةً؛ فَالزَّرْعُ وَالثَّمَرُ وَالطَّلْعُ الْمُؤَبَّرُ وَالْبَاذِنْجَانُ وَنَحْوُهُ (لَهُ) - أَيْ: لِلْمُشْتَرِي - دُونَ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ نَمَاءُ بَذْرِهِ، وَالثَّمَرُ وَنَحْوُهُ حَدَثَ فِي مِلْكِهِ (بِسَقْيٍ بِلَا أُجْرَةٍ) عَلَى مُشْتَرٍ لِشَفِيعٍ (لِحَصَادِ) زَرْعٍ (وَجِذَاذِ) ثَمَرٍ وَإِلَى أَخْذِ (لُقَطَةٍ أَوْلَى مِنْ نَحْوِ قِثَّاءٍ) كَبَاذِنْجَانٍ وَبَامْيَاءَ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ كَالشِّرَاءِ الثَّانِي مِنْ الْمُشْتَرِي؛ فَحُكْمُهُ كَالْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ الطَّلْعُ مَوْجُودًا حَالَةَ الشِّرَاءِ غَيْرَ مُؤَبَّرٍ، ثُمَّ أُبِّرَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي؛ فَهُوَ لَهُ أَيْضًا مُبْقًى إلَى أَوَانِ جُذَاذِهِ، لَكِنَّ الشَّفِيعَ هُنَا لَا يَلْزَمُهُ أَخْذُ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُهَا بِحِصَّتِهِمَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَا شَمِلَهُ عَقْدُ الشِّرَاءِ، وَهُوَ الطَّلْعُ الَّذِي لَمْ يُؤَبَّرْ حَالَةَ الْعَقْدِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَمِلَ الْعَقْدُ الشِّقْصَ وَعَرْضًا مَعَهُ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي نَمَاءً مُتَّصِلًا كَالشَّجَرِ يَكْبَرُ وَالنَّخْلُ يَطْلُعُ، وَلَوْ لَمْ يُؤَبَّرْ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ بِزِيَادَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ تَتْبَعُ الْأَصْلَ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْإِقَالَةِ وَالْخِيَارِ، فَتَبِعَتْهُ فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَلَمَّا كَانَ الشِّقْصُ الْمَشْفُوعُ قَبْلَ أَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ مِلْكًا لِمُنْتَقِلٍ إلَيْهِ، وَقُلْنَا لِمَالِكِ زَرْعِهِ وَإِصْلَاحِهِ كَعَادَةِ الْمُلَّاكِ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ إنْ تَلِفَ؛ كَانَ مَا زُرِعَ فِيهِ مِنْ أُصُولِ قِثَّاءٍ وَنَحْوِهَا لِزَارِعٍ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَيَتَّجِهُ أَوْ) ؛ أَيْ: وَإِنْ أَدْرَكَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ - وَقَدْ اُشْتُغِلَ بِزَرْعِ أُصُولِ قِثَّاءٍ أَوْ بَاذِنْجَانٍ أَوْ بَامْيَاءَ - فَعَلَى الشَّفِيعِ تَرْكُهُ (لِفَرَاغِ اللُّقُطَاتِ) بِلَا أُجْرَةٍ، هَذَا (إنْ كَانَتْ الْأُصُولُ لِمُشْتَرٍ) ، وَأُمًّا إذَا كَانَتْ لِمُسْتَأْجِرٍ أَوْ مُسْتَعِيرٍ
مِنْ الْمُشْتَرِي؛ فَلَيْسَ لَهُ سِوَى اللُّقَطَةِ الْأُولَى فَقَطْ، كَذَا قَالَ، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ.
(وَإِنْ قَاسَمَ مُشْتَرٍ شَفِيعًا) أَوْ قَاسَمَ وَكِيلَ الشَّفِيعِ فِي غَيْبَتِهِ (لِإِظْهَارِ) الْمُشْتَرِي (زِيَادَةَ ثَمَنٍ) عَلَى الثَّمَنِ الْمُبْتَاعِ بِهِ الشِّقْصَ (وَنَحْوَهُ) ؛ كَإِظْهَارِهِ أَنَّ الشَّرِيكَ وَهَبَهُ لَهُ، أَوْ وَقَفَهُ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّ الشِّرَاءَ لِغَيْرِهِ، (ثُمَّ غَرَسَ) الْمُشْتَرِي، (أَوْ بَنَى) فِيمَا خَرَجَ لَهُ بِالْقِسْمَةِ؛ (لَمْ تَسْقُطْ) الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ لَمْ يَتْرُكْ الْأَخْذَ بِهَا إعْرَاضًا عَنْهَا، بَلْ لِمَا أَظْهَرهُ الْمُشْتَرِي، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ كَانَ الشَّفِيعُ غَائِبًا أَوْ صَغِيرًا، وَطَالَبَ الْمُشْتَرِي الْحَاكِمَ بِالْقِسْمَةِ، فَقَاسَمَ، ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ، وَبَلَغَ الصَّغِيرُ؛ فَلَهُمَا الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ، (وَلِرَبِّهِمَا) - أَيْ: الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ - إذَا أَخَذَ الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ؛ (أَخَذَهُمَا) ؛ أَيْ: قَلَعَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مِلْكَهُ عَلَى انْفِرَادِهِ، (وَلَوْ ضَرَّ) قَلْعُهُمَا (الْأَرْضَ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلَمْ يَعْتَبِرْ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ الضَّرَرَ وَعَدَمَهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ، بَلْ الَّذِي جَزَمُوا بِهِ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَخْلِيصٌ لِعَيْنِ مَالِهِ مِمَّا كَانَ حِينَ الْوَضْعِ فِي مِلْكِهِ.
(وَلَا يَضْمَنُ) مُشْتَرٍ قَلْعَ غِرَاسِهِ أَوْ بِنَاءَهُ (نَقْصًا) حَصَلَ (بِقَلْعٍ) ؛ لِانْتِفَاءِ عُدْوَانِهِ، فَيُخَيَّرُ الشَّفِيعُ بَيْنَ أَخْذِ الشِّقْصِ نَاقِصًا بِكُلِّ الثَّمَنِ أَوْ تَرْكِهِ، (وَلَا يُسَوِّي) الْمُشْتَرِي (حَفْرًا) إذَا قَلَعَ غَرْسَهُ أَوْ بِنَاءَهُ؛ لِعَدَمِ عِدْوَانِهِ، (فَإِنْ أَبَى) مُشْتَرٍ قَلْعَ غِرَاسِهِ أَوْ بِنَائِهِ؛ (فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ) - أَيْ: الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ - إذَا
عَلِمَ الْحَالَ (بِقِيمَتِهِ حِينَ تَقْوِيمِهِ) - أَيْ: الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ -، (وَصِفَتُهُ أَنْ تُقَوَّمَ الْأَرْضُ) مَشْغُولَةً (بِنَحْوِ غَرْسٍ) : كَبِنَاءٍ (ثُمَّ تُقَوَّمَ) الْأَرْضُ (خَالِيَةً) مِنْ الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ، (فَمَا بَيْنَهُمَا فَهُوَ قِيمَةُ نَحْوِ بِنَاءٍ) كَغِرَاسٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي زَادَ بِالْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ.
جَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَفِي " الْإِقْنَاعِ " (وَلَا) يَلْزَمُ الشَّفِيعَ إذَا أَخَذَ الْغِرَاسَ أَوْ الْبِنَاءَ، سَوَاءٌ كَانَ مَا أَنْفَقَهُ الْمُشْتَرِي أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا، بَلْ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ فَقَطْ (أَوْ قَلْعُهُ) - أَيْ: الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ (وَيَضْمَنُ نَقْصَهُ) مِنْ الْقِيمَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الْأَرْضِ مَغْرُوسَةً أَوْ مَبْنِيَّةً وَبَيْنَ قِيمَتِهَا خَالِيَةً، وَيَلْزَمُ الشَّفِيعَ (إبْقَاؤُهُ) - أَيْ: الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ (بِأُجْرَةٍ) ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ وَلَا يُعْلَمُ مَتَى تَنْقَضِي، (فَإِنْ أَبَى) الشَّفِيعُ أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ؛ (فَلَا شُفْعَةَ) لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُضَارٌّ.
(وَإِنْ حَفَرَ) الْمُشْتَرِي فِي الْبُقْعَةِ الْمَشْفُوعَةِ (بِئْرًا) لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ الشَّفِيعِ لِإِظْهَارِ زِيَادَةِ ثَمَنٍ، ثُمَّ عَلِمَ، فَأَخَذَ بِالشُّفْعَةِ (أَخَذَهَا) ؛ أَيْ: أَخَذَ (شَفِيعٌ) الْبِئْرَ مَعَ الشِّقْصِ، (وَلَزِمَهُ) - أَيْ: الشَّفِيعَ - لِلْمُشْتَرِي (أُجْرَةُ مِثْلِ حَفْرِهَا) ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَتَعَدَّ بِحَفْرِهَا.
(وَإِنْ بَاعَ شَفِيعٌ شِقْصَهُ) مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي أُبِيعَ مِنْهَا الشِّقْصُ الْمَشْفُوعُ، (أَوْ) بَاعَ (بَعْضَهُ) - أَيْ: بَعْضَ شِقْصِهِ مِنْهَا - (قَبْلَ عِلْمِهِ) بِبَيْعِ شَرِيكِهِ؛ (فَعَلَى شُفْعَتِهِ) ؛ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ لَهُ حِينَ بَاعَ شَرِيكُهُ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى عَفْوِهِ عَنْهَا.
(وَثَبَتَتْ) الشُّفْعَةُ (لِمُشْتَرٍ أَوَّلٍ) وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ الشَّفِيعُ بِشِرَائِهِ حِينَ بَاعَ شِقْصَهُ (فِيمَا بَاعَهُ شَفِيعٌ) ، سَوَاءٌ أَخَذَ مِنْهُ مَا اشْتَرَاهُ بِالشُّفْعَةِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي الرَّقَبَةِ؛ أَشْبَهَ الْمَالِكَ الَّذِي لَمْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ شُفْعَةٌ، وَإِنْ بَاعَ شَفِيعٌ جَمِيعَ حِصَّتِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِبَيْعِ شَرِيكِهِ؛ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ.
(وَتَبْطُلُ) ؛ أَيْ: تَسْقُطُ الشُّفْعَةُ (بِمَوْتِ شَفِيعٍ لَمْ يَطْلُبْ) الْأَخْذَ بِهَا (مَعَ قُدْرَةٍ) أَوْ إشْهَادٍ مَعَ عُذْرٍ؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ خِيَارٍ شُرِطَ لِلتَّمْلِيكِ أَشْبَهَ الْقَبُولَ، فَإِنَّهُ
لَوْ مَاتَ مَنْ يُرِيدُ الْقَبُولَ بَعْدَ إيجَابِ صَاحِبِهِ لَمْ يَقُمْ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْقَبُولِ، وَلِأَنَّا لَا نَعْلَمُ بَقَاءَهُ عَلَى الشُّفْعَةِ؛ لِاحْتِمَالِ رَغْبَتِهِ عَنْهَا، وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ مَا شُكَّ فِي ثُبُوتِهِ.
وَ (لَا) تَسْقُطُ الشُّفْعَةُ بِمَوْتِ شَفِيعٍ (بَعْدَ طَلَبِهِ) أَيْ: الْمُشْتَرِي بِهَا - (أَوْ بَعْدَ إشْهَادٍ بِهِ) - أَيْ: الطَّلَبِ - (حَيْثُ اُعْتُبِرَ) الْإِشْهَادُ، كَمَرَضِ شَفِيعٍ أَوْ غَيْبَتِهِ عَنْ الْبَلَدِ، (وَتَكُونُ) الشُّفْعَةُ إذَا مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ (لِوَرَثَتِهِ كُلِّهِمْ بِقَدْرِ إرْثِهِمْ) كَسَائِرِ حُقُوقِهِ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ يَنْتَقِلُ بِهِ الْمِلْكُ لِلشَّفِيعِ.
ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَالسَّامِرِيُّ وَابْنُ رَجَبٍ وَغَيْرُهُمْ.
وَلَا فَرْقَ فِي الْوَارِثِ بَيْنَ ذِي الرَّحِمِ وَالزَّوْجِ وَالْمَوْلَى الْمُعْتَقِ وَعَصَبَتِهِ الْمُتَعَصِّبِينَ بِأَنْفُسِهِمْ وَبَيْتِ الْمَالِ، فَيَأْخُذُهُ الْإِمَامُ بِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ وَارِثٌ خَاصٌّ يَسْتَغْرِقُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ أَوْ رَدٍّ أَوْ رَحِمٍ.
صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
(فَإِنْ تَرَكَ بَعْضُهُمْ) - أَيْ: الْوَرَثَةِ - حَقَّهُ مِنْ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ؛ (فَكَمَا مَرَّ) مِنْ أَنَّهُ يَتَوَفَّرُ الْحَقُّ عَلَى بَاقِي الْوَرَثَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَأْخُذُوا الْكُلَّ أَوْ يَتْرُكُوا الْكُلَّ؛ لِأَنَّ فِي أَخْذِ الْبَعْضِ وَتَرْكِ الْبَعْضِ إضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي، لَكِنْ عَلَى الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ الشَّفِيعَ يَمْلِكُ الشِّقْصَ بِالطَّلَبِ لَا يَتَأَتَّى الْعَفْوُ بَعْدَهُ، بَلْ يَنْتَقِلُ الشِّقْصُ إلَى الْوَرَثَةِ كُلِّهِمْ عَلَى حَسَبِ إرْثِهِمْ قَهْرًا عَلَيْهِمْ، وَيُؤْخَذُ ثَمَنُهُ مِنْ التَّرِكَةِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ.
(وَلَوْ بِيعَ شِقْصٌ لَهُ شَفِيعَانِ، فَعَفَا أَحَدُهُمَا) عَنْ الشُّفْعَةِ، (وَطَلَبَ الْآخَرُ، ثُمَّ مَاتَ الطَّالِبُ؛ فَوَرِثَهُ) الشَّرِيكُ (الْعَافِي) عَنْ الشُّفْعَةِ؛ (فَلَهُ أَخْذُ الشِّقْصِ بِهَا) - أَيْ: بِالشُّفْعَةِ - لِأَنَّ عَفْوَهُ أَوَّلًا عَنْ حَقِّهِ الثَّابِتِ بِالْبَيْعِ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ الْمُتَجَدِّدَ بِالْإِرْثِ، وَإِذَا حَقَّقْتَ النَّظَرَ فَالْمِلْكُ قَدْ انْتَقَلَ إلَى الطَّالِبِ بِالطَّلَبِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى وَارِثِهِ وِرَاثَةً.
فَقَوْلُهُ: فَلَهُ الْأَخْذُ إنَّمَا هُوَ مُجَارَاةٌ لِلْخَصْمِ، وَإِلَّا فَهُوَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ قَهْرًا.
تَنْبِيهٌ: ثَلَاثَةٌ يَسْقُطُ حَقُّهُمْ قَبْلَ أَنْ يُطَالِبُوا: الشَّفِيعُ، وَالْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ، وَالْمَقْذُوفُ.
[فَصْلٌ يَمْلِكُ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ شَفِيعٌ مَلِيءٌ بِلَا حُكْمِ حَاكِمٍ]
(فَصْلٌ: وَيَمْلِكُ الشِّقْصَ) الْمَشْفُوعَ (شَفِيعٌ مَلِيءٌ بِلَا حُكْمِ) حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ؛ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ (بِقَدْرِ ثَمَنِهِ) الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ شِرَاؤُهُ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «هُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ» . رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ فِي الْمُتَرْجَمِ.
وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الشِّقْصَ بِالْبَيْعِ، فَكَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِالثَّمَنِ كَالْمُشْتَرِي.
لَا يُقَالُ الشَّفِيعُ اسْتَحَقَّ أَخْذَ الشِّقْصِ بِغَيْرِ رِضَى مَالِكِهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ؛ كَالْمُضْطَرِّ إلَى طَعَامِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُضْطَرَّ اسْتَحَقَّهُ بِسَبَبِ حَاجَتِهِ، فَكَانَ الْمَرْجِعُ فِي بَدَلِهِ إلَى قِيمَتِهِ، وَالشَّفِيعُ اسْتَحَقَّهُ بِالْبَيْعِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِالْعِوَضِ الثَّابِتِ بِهِ (الْمَعْلُومِ) لِلشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ أَخْذٌ بِعِوَضِهَا، فَاشْتُرِطَ أَنْ يَعْلَمَهُ بَاذِلٌ قَبْلَ الْإِقْدَامِ عَلَى الْتِزَامِهِ؛ كَمُشْتَرِي الْمَبِيعِ، وَحَيْثُ تَقَرَّرَ هَذَا فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ كَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ (يَدْفَعُ) لِمُشْتَرٍ (مِثْلَ) ثَمَنِ (مِثْلِيٍّ) - أَيْ: قَدْرَهُ مِنْ جِنْسِهِ - (بِمِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ) ؛ لِأَنَّ هَذَا مِثْلٌ مِنْ طَرِيقِ الصُّورَةِ وَالْقِيمَةِ، فَكَانَ أَوْلَى مِمَّا سِوَاهُ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ بَدَلُ الثَّمَنِ، فَكَانَ مِثْلُهُ كَبَدَلِ الْقَرْضِ وَالْمُتْلَفِ.
وَيَدْفَعُ لِمُشْتَرٍ (قِيمَةَ) ثَمَنٍ (مُتَقَوِّمٍ) مِنْ حَيَوَانٍ وَثِيَابٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهَا بَدَلَهُ فِي الْإِتْلَافِ، وَالْمُرَادُ قِيمَتُهُ وَقْتَ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ اسْتِحْقَاقِ الْأَخْذِ، وَالِاعْتِبَارُ بِزِيَادَةِ الْقِيمَةِ أَوْ نَقْصِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَيْعِ خِيَارٌ اُعْتُبِرَتْ الْقِيمَةُ عِنْدَ لُزُومِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ اسْتِحْقَاقِ الْأَخْذِ.
وَيَأْتِي.
(فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى شَفِيعٍ مِثْلُ (مِثْلِيٍّ) ؛ بِعَدَمِهِ فَعَلَيْهِ (قِيمَتُهُ إذَنْ) - أَيْ: يَوْمَ إعْوَازِهِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلَهُ فِي الْإِتْلَافِ، (أَوْ) تَعَذَّرَتْ (مَعْرِفَةُ قِيمَةِ) ثَمَنٍ (مُتَقَوِّمٍ) بِتَلَفٍ أَوْ نَحْوِهِ؛ فَعَلَى شَفِيعٍ (قِيمَةُ شِقْصٍ) مَشْفُوعٍ إذَنْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ فِيهَا بِقَدْرِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ وَقَعَتْ؛ بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَكَانَتْ مُحَابَاةً وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَةُ قِيمَةِ الشِّقْصِ (يَوْمَ عَقْدٍ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ اسْتِحْقَاقِ الْأَخْذِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ جَهِلَ ثَمَنَ) - أَيْ: قَدْرَهُ - كَمَا لَوْ كَانَ صُبْرَةَ نَقْدٍ، فَتَلِفَتْ، أَوْ اخْتَلَطَتْ بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ، (وَلَا) حِيلَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ؛ (سَقَطَتْ) كَمَا لَوْ عَلِمَ قَدْرَ الثَّمَنِ عِنْدَ الشِّرَاءِ ثُمَّ نَسِيَ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تُسْتَحَقُّ بِغَيْرِ بَدَلٍ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا لَا يَدِّعِيهِ: فَإِنْ اتَّهَمَهُ الشَّفِيعُ بِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ تَحَيُّلًا عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ؛ حَلَّفَهُ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ؛ لِاحْتِمَالِ صِدْقِ الشَّفِيعِ.
وَإِنْ جَهِلَ الثَّمَنَ (مَعَهَا) - أَيْ: الْحِيلَةِ - فَعَلَى شَفِيعٍ (قِيمَةُ شِقْصٍ) ، وَيَأْخُذُهُ؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أُبِيعَ بِقِيمَتِهِ.
(وَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي تَسْلِيمُ شِقْصٍ) لِلشَّفِيعِ (قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ) ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ أَمْرٌ قَهْرِيٌّ وَالْبَيْعُ عَنْ رِضًى، (وَإِنْ عَجَزَ شَفِيعٌ) عَنْ دَفْعِ ثَمَنِ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ - (وَلَوْ) كَانَ عَجْزُهُ (عَنْ بَعْضِ ثَمَنِهِ) - لِأَنَّ فِي أَخْذِهِ بِدُونِ دَفْعِ جَمِيعِ الثَّمَنِ إضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي، وَلَا يُزَالُ الضَّرَرُ بِالضَّرَرِ.
وَالْعَجْزُ الْمُسْقِطُ لَهَا إنَّمَا يُعْتَبَرُ (بَعْدَ إنْظَارِهِ) بِالثَّمَنِ مِنْ حِينِ أَخَذَهُ بِالشُّفْعَةِ (ثَلَاثًا) - أَيْ: لَيَالٍ - بِأَيَّامِهِنَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ عَجْزُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَالنَّظْمِ " وَ " تَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ "؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ مَعَهُ تَعَدٍّ، فَيُمْهَلُ بِقَدْرِ مَا يَعُدُّهُ فِيهِ، وَالثَّلَاثُ آخِرُ حَدِّ جَمْعِ الْقِلَّةِ، وَيُمْكِنُ الْأَعْدَادُ فِيهَا غَالِبًا.
(وَلَوْ) كَانَ الشَّفِيعُ (مُفْلِسًا) ، لِاحْتِمَالِ تَحْصِيلِ الثَّمَنِ بِاتِّهَابٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ مَضَى عَلَيْهِ الْأَمَدُ، وَلَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ؛ (فَلِمُشْتَرٍ) لَمْ يَرْضَ بِتَأْخِيرِ الثَّمَنِ حَيْثُ عَجَزَ الشَّفِيعُ عَنْهُ أَوْ هَرَبَ، وَقَدْ أَخَذَ [الشِّقْصَ] بِالشُّفْعَةِ (الْفَسْخُ) ؛ [لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ
إلَى الثَّمَنِ، فَمَلَكَ الْفَسْخَ؛ كَبَائِعٍ بِثَمَنٍ حَالٍّ تَعَذَّرَ وُصُولُهُ إلَيْهِ بِلَا حُكْمِ] حَاكِمٍ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ لَا يَقِفُ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ؛ فَلَا يَقِفُ فَسْخُ الْأَخْذِ بِهَا عَلَيْهِ؛ كَفَسْخِ غَيْرِهَا مِنْ الْبُيُوعِ وَكَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ
(وَلَوْ أُتِيَ) الشَّفِيعُ (لَهُ) - أَيْ: الْمُشْتَرِي (بِرَهْنٍ) عَلَى الثَّمَنِ - وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ مُحْرَزًا - (أَوْ أَتَى بِضَامِنٍ) لَهُ فِيهِ - وَلَوْ مَلِيًّا - لِأَنَّ الضَّرَرَ بِتَحْصِيلِ الثَّمَنِ حَاصِلٌ مَعَهَا، وَالشُّفْعَةُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ؛ فَلَا تَثْبُتُ مَعَهُ، وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ الشِّقْصِ قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ: وَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ.
(وَمَنْ) أَخَذَ الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ، وَ (بَقِيَ) ثَمَنُهُ (بِذِمَّتِهِ حَتَّى فُلِّسَ) ؛ أَيْ: حَجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ لِفَلَسٍ؛ (خُيِّرَ مُشْتَرٍ بَيْنَ فَسْخٍ) لِلْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ أَوْ إمْضَائِهِ، (وَضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ) بِالثَّمَنِ كَالْبَائِعِ إذَا أَفْلَسَ مُشْتَرٍ، (وَ) ثَمَنٍ (مُؤَجَّلٍ) أَخَذَ بِهِ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ، وَلَمْ يُدْرِكْ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ حَتَّى (حَلَّ) عَلَى مُشْتَرٍ كَثَمَنٍ (حَالٍّ) ؛ أَيْ: كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِهِ حَالًّا، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": (وَإِلَّا) يَحِلُّ الثَّمَنُ الْمُؤَجَّلُ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِهِ (إلَى أَجَلِهِ إنْ كَانَ) الشَّفِيعُ (مَلِيئًا) - أَيْ: قَادِرًا - (أَوْ كَفَّلَهُ) فِيهِ كَفِيلٌ (مَلِيءٌ) نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ وَصِفَتِهِ، وَالتَّأْجِيلُ مِنْ صِفَاتِهِ، وَيَنْتَفِي عَنْهُ الضَّرَرُ بِكَوْنِهِ مَلِيئًا، أَوْ كَفِيلُهُ مَلِيءٌ، وَإِذَا أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ مُؤَجَّلًا، ثُمَّ مَاتَ هُوَ أَوْ مُشْتَرٍ، فَحَلَّ عَلَى أَحَدِهِمَا لَمْ يَحِلَّ عَلَى الْآخَرِ.
(وَيَتَّجِهُ وَإِلَّا) يَكُنْ الشَّفِيعُ مَلِيئًا؛ (فَسَخَ) الْمُشْتَرِي عَقْدَ التَّمَلُّكِ بِالشُّفْعَةِ (إنْ لَمْ يُوَثِّقْهُ) الشَّفِيعُ بِكَفِيلٍ مَلِيءٍ؛ إذْ التَّوْثِقَةُ شَرْطٌ لِلُّزُومِ التَّمَلُّكِ كَالْمَلَاءَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[ (وَيُعْتَدُّ) فِي قَدْرِ ثَمَنٍ] (بِمَا زِيدَ) فِي قَدْرِ ثَمَنٍ (بِمَا زِيدَ) فِيهِ زَمَنَ خِيَارِ مَجْلِسٍ أَوْ شَرْطٍ، (أَوْ حَطَّ) مِنْهُ (زَمَنَ خِيَارٍ) ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْخِيَارِ بِمَنْزِلَةِ حَالَةِ الْعَقْدِ، وَالتَّغْيِيرُ يَلْحَقُ بِالْعَقْدِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمَا عَلَى اخْتِيَارِهِمَا فِيهِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا لَزِمَ الْعَقْدُ، فَاعْتُبِرَ الْقَدْرُ الَّذِي لَزِمَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ هِبَةٌ وَالنَّقْصُ إبْرَاءٌ، فَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهُمَا فِي حَقِّ الشَّفِيعِ.
(وَيُصَدَّقُ مُشْتَرٍ بِيَمِينِهِ) فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ هُوَ وَالشَّفِيعُ (فِي قَدْرِ ثَمَنٍ) اشْتَرَى بِهِ الشِّقْصَ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ؛ (لِمُبَاشَرَتِهِ) الْعَقْدَ، وَهُوَ أَعْرَفُ بِالثَّمَنِ، وَلِأَنَّ الشِّقْصَ مِلْكُهُ؛ فَلَا يُنْتَزَعُ مِنْهُ بِدُونِ مَا يَدَّعِي بِهِ مِنْ قَدْرِ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ.
(وَ) كَذَا (لَوْ) كَانَ الثَّمَنُ (قِيمَةَ عَرْضٍ) اشْتَرَى بِهِ الشِّقْصَ، وَقَالَ الشَّفِيعُ: قِيمَتُهُ عِشْرُونَ.
وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ ثَلَاثُونَ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ قِيمَةِ الْعَرْضِ الْمُشْتَرَى بِهِ بِيَمِينِهِ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَمَحَلُّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْعَرْضُ مَوْجُودًا، فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا عُرِضَ عَلَى الْمُقَوِّمِينَ لِيَشْهَدُوا بِمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ قَدْرِ قِيمَتِهِ، وَيُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ أَيْضًا (فِي جَهْلِ قَدْرِ ثَمَنٍ) ، كَتَصْدِيقِهِ بِيَمِينِهِ فِي جَهْلٍ بِقِيمَةِ الْعَرْضِ الْمُشْتَرَى بِهِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ جُزَافًا أَوْ بِثَمَنٍ نَسِيَ مَبْلَغَهُ، وَيُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي أَيْضًا بِيَمِينِهِ فِي (أَنَّهُ غَرَسَ أَوْ بَنَى) فِي الْأَرْضِ الَّتِي مِنْهَا الشِّقْصُ الْمَشْفُوعُ فِيمَا إذَا أَنْكَرَ الشَّفِيعُ أَنَّهُ أَحْدَثَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعُ يُرِيدُ تَمَلُّكَهُ عَلَيْهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ (إلَّا مَعَ بَيِّنَةِ شَفِيعٍ) فَيُعْمَلُ بِهَا.
(وَتُقَدَّمُ) بَيِّنَةُ شَفِيعٍ (عَلَى بَيِّنَةِ مُشْتَرٍ) إنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ.
(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَائِعٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا) - أَيْ الشَّفِيعِ أَوْ الْمُشْتَرِي - لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، وَيُقْبَلُ عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ.
(وَإِنْ قَالَ) مُشْتَرٍ لِشِقْصٍ: (اشْتَرَيْته بِأَلْفٍ وَأَثْبَتَهُ) - أَيْ: الشِّرَاءَ - (بَائِعٌ بِأَكْثَرَ) مِنْ أَلْفٍ؛ (أَخَذَهُ) - أَيْ:
الشِّقْصَ - (شَفِيعٌ بِأَلْفٍ) ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُقِرٌّ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِ أَخْذِهِ بِأَلْفٍ؛ فَلَمْ يُسْتَحَقَّ الرُّجُوعُ بِأَكْثَرَ، وَلِأَنَّ دَعْوَى الْمُشْتَرِي تَتَضَمَّنُ دَعْوَى كَذِبِ الْبَيِّنَةِ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ ظَلَمَهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَلْفِ؛ فَلَا يُحْكَمُ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الشَّفِيعِ بِمَا زَادَ عَلَى الْأَلْفِ، وَإِنَّمَا حُكِمَ بِهِ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكَذِّبُهَا.
(فَإِنْ قَالَ) مُشْتَرٍ: صَدَقَتْ الْبَيِّنَةُ (وَغَلِطْت) أَنَا (أَوْ نَسِيت أَوْ كَذَبْت؛ لَمْ يُقْبَلْ) رُجُوعُهُ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ إقْرَارٍ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ.
(وَإِنْ ادَّعَى شَفِيعٌ) عَلَى مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ شِقْصٌ كَانَ لِشَرِيكِهِ (شِرَاءَهُ) - أَيْ: الشِّقْصِ الْمُشْتَرَى - قَائِلًا: إنَّك اشْتَرَيْت هَذَا الشِّقْصَ (بِأَلْفٍ) فَلِي الشُّفْعَةُ احْتَاجَ إلَى تَحْرِيرِ الدَّعْوَى، فَيُحَدِّدُ الْمَكَانَ الَّذِي مِنْهُ الشِّقْصُ، وَيَذْكُرُ قَدْرَهُ وَثَمَنَهُ، فَإِنْ اعْتَرَفَ غَرِيمُهُ وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ، وَإِنْ أَنْكَرَ الشِّرَاءَ (فَقَالَ: بَلْ اتَّهَبْته أَوْ وَرِثْته) ، فَلَا شُفْعَةَ لَك فِيهِ؛ (حَلَفَ) عَلَيْهِ، وَلَا شُفْعَةَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ، وَالْمُثْبِتُ لِلشُّفْعَةِ الْبَيْعُ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ، (فَإِنْ نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ ثَبَتَتْ، (أَوْ قَامَتْ لِشَفِيعٍ بَيِّنَةٌ) بِالْبَيْعِ ثَبَتَتْ، (أَوْ أَنْكَرَ) مُدَّعًى عَلَيْهِ الشِّرَاءَ (أَوْ أَقَرَّ بَائِعٌ) بِهِ (ثَبَتَتْ) الشُّفْعَةُ؛ لِثُبُوتِ مُوجِبِهَا، وَمَتَى انْتَزَعَ مِنْهُ الشِّقْصَ، وَأَبَى قَبْضَ الثَّمَنِ، فَإِنَّهُ (يَبْقَى الثَّمَنُ حَتَّى فِي) الْمَسْأَلَةِ (الْأَخِيرَةِ إنْ أَقَرَّ بَائِعٌ بِقَبْضِهِ) - أَيْ الثَّمَنِ - مِمَّا انْتَزَعَ مِنْهُ الشِّقْصَ (فِي ذِمَّةِ شَفِيعٍ) مُتَعَلِّق بِيَبْقَى؛ لِوُصُولِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى مَقْصُودِهِ بِدُونِ الْمُحَاكَمَةِ (حَتَّى يَدَّعِيَهُ مُشْتَرٍ) ، فَيُدْفَعَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ غَيْرُهُ، وَلَا يَكُونُ إنْكَارُ الْمُشْتَرِي لِلْبَيْعِ مُسْقِطًا لِحَقِّهِ؛ لِئَلَّا يَلْزَمَ أَخْذُ الشَّفِيعِ الشِّقْصَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ.
(وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بَائِعٌ بِقَبْضِهِ) الثَّمَنَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ (أَخَذَ) الشَّفِيعُ (هُوَ - أَيْ: الشِّقْصَ - مِنْهُ) - أَيْ مِنْ الْبَائِعِ - (وَدَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ) ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِالْبَيْعِ الْمُوجِبِ لِلشُّفْعَةِ، وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُهُ، فَأُخِذَ بِإِقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقَّيْنِ حَقٍّ لِلشَّفِيعِ وَحَقٍّ لِلْمُشْتَرِي، فَإِذَا سَقَطَ حَقُّ الْمُشْتَرِي بِإِنْكَارِهِ ثَبَتَ حَقُّ الْآخَرِ.
(وَلَوْ ادَّعَى شَرِيكٌ) فِي عَقَارٍ فِيهِ الشُّفْعَةُ (عَلَى) إنْسَانٍ (حَاضِرٍ بِيَدِهِ نَصِيبُ شَرِيكِ الْغَائِبِ أَنَّهُ) - أَيْ: الْحَاضِرَ - (اشْتَرَاهُ) - أَيْ: الشِّقْصَ - (مِنْهُ) - أَيْ: مِنْ الْغَائِبِ - (وَأَنَّهُ) أَيْ: الْمُدَّعِيَ - (يَسْتَحِقُّهُ) - أَيْ: الشِّقْصَ - (بِالشُّفْعَةِ، فَصَدَّقَهُ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (أَخَذَهُ) ؛ أَيْ: أَخَذَ الْمُدَّعِي الشِّقْصَ مِمَّنْ هُوَ بِيَدِهِ عَلَى حِصَّتِهِ مِمَّا سَبَقَ مِنْ أَنَّهَا بِقَدْرِ الْمِلْكِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَخَذَهُ كَامِلًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَيْرَ شَرِيكٍ لَهُمَا، لِأَنَّ مَنْ بِيَدِهِ الْعَيْنُ يُصَدِّقُهُ فِي تَصَرُّفِهِ فِيمَا هُوَ بِيَدِهِ، (وَكَذَا لَوْ ادَّعَى) الشَّرِيكُ عَلَى حَاضِرٍ (إنَّك بِعْت نَصِيبَ الْغَائِبِ بِإِذْنِهِ، فَقَالَ: نَعَمْ) ، فَإِنَّ لِلْمُدَّعِي أَخْذَ الشِّقْصِ بِالشُّفْعَةِ، (فَإِذَا قَدِمَ) الْغَائِبُ، (وَأَنْكَرَ) الْإِذْنَ فِي الْبَيْعِ (حَلَفَ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، (وَأَخَذَ شِقْصَهُ) ، وَطَلَبَ بِالْأُجْرَةِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، (وَيَضْمَنُ الشَّفِيعُ) ؛ أَيْ: يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ.
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ ادَّعَى الشَّرِيكُ عَلَى الْوَكِيلِ: أَنَّك اشْتَرَيْت الشِّقْصَ الَّذِي فِي يَدِك، فَأَنْكَرَ، وَقَالَ: إنَّمَا أَنَا وَكِيلٌ فِيهِ أَوْ مُسْتَوْدَعٌ لَهُ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَقُضِيَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ إذَا نَكَلَ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُغْنِي ".
[فَصْلٌ تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِيمَا ادَّعَى شِرَاءَهُ لِمُوَلِّيهِ]
(فَصْلٌ: وَتَجِبُ الشُّفْعَةُ فِيمَا) - أَيْ: فِي شِقْصٍ - (ادَّعَى) مُشْتَرٍ (شِرَاءَهُ لِمُوَلِّيهِ) - أَيْ: لِمَحْجُورِهِ - لِأَنَّ الشُّفْعَةَ حَقٌّ ثَبَتَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ، فَاسْتَوَى فِيهِ جَائِزُ التَّصَرُّفِ وَغَيْرِهِ، وَقُبِلَ إقْرَارُ وَلِيِّهِ فِيهِ بِعَيْبٍ فِي مَبِيعِهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ مُشْتَرِي الشِّقْصِ: إنَّمَا اشْتَرَيْته لِفُلَانٍ الْغَائِبِ؛ فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ، وَيَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ، وَيَدْفَعُهُ إلَى الشَّفِيعِ، وَيَكُونُ الْغَائِبُ عَلَى حُجَّتِهِ إذَا قَدِمَ؛ لِأَنَّنَا لَوْ وَقَفْنَا الْأَمْرَ فِي الشُّفْعَةِ إلَى حُضُورِ الْمُقِرِّ لَهُ لَكَانَ فِي ذَلِكَ إسْقَاطُ الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُشْتَرٍ يَدَّعِي أَنَّ الشِّرَاءَ لِغَائِبٍ وَأَمَّا إذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ لِمُوَكَّلِهِ الْغَائِبِ أَوْ الْمَحْجُورِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِالشِّرَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لَمْ تَثْبُتْ الشُّفْعَةُ حَتَّى يَقُومَ
بِالشِّرَاءِ بَيِّنَةٌ، أَوْ يَقْدَمَ الْغَائِبُ، أَوْ يَنْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْ الْمَحْجُورِ.
وَيَعْتَرِفَا بِالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ إنَّمَا ثَبَتَ لَهُمَا بِالْإِقْرَارِ، فَإِقْرَارُهُ بِالشِّرَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ إقْرَارٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ؛ فَلَا يُقْبَلُ.
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ الْمِلْكِ لَمْ يَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ، وَلَمْ يُطَالَبْ بِبَيَانٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالشِّرَاءِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ شُفْعَةٌ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْكَشْفِ عَنْهُ.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي ".
وَ (لَا) تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ (مَعَ خِيَارِ مَجْلِسٍ أَوْ) مَعَ خِيَارِ (شَرْطٍ قَبْلَ انْقِضَائِهِ) - أَيْ: الْخِيَارِ - سَوَاءٌ كَانَ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا؛ لِمَا فِي الْأَخْذِ مِنْ إبْطَالِ خِيَارِهِ وَإِلْزَامِ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ قَبْلَ رِضَاهُ بِالْتِزَامِهِ وَإِيجَابِ الْعُهْدَةِ عَلَيْهِ، وَتَفْوِيتِ حَقِّهِ مِنْ الرُّجُوعِ فِي غَيْرِ الثَّمَنِ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ.
تَنْبِيهٌ: بَيْعُ الْمَرِيضِ - وَلَوْ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ - كَبَيْعِ الصَّحِيحِ فِي الصِّحَّةِ وَفِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ رَشِيدٌ، لَكِنْ فِي الْمُحَابَاةِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي بَيَانُهُ فِي عَطِيَّةِ الْمَرِيضِ، وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ بِمَا صَحَّ الْبَيْعُ فِيهِ إذَا كَانَ فِيهِ مُحَابَاةٌ مِنْ الْمَرِيضِ عَلَى مَا يَأْتِي.
(وَعُهْدَةُ شَفِيعٍ) فِيمَا إذَا ظَهَرَ الشِّقْصُ مُسْتَحَقًّا أَوْ مَعِيبًا، وَأَرَادَ الشَّفِيعُ الرُّجُوع بِالثَّمَنِ أَوْ الْأَرْشِ (عَلَى مُشْتَرٍ) ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ مَلَكَهُ مِنْ جِهَتِهِ، فَرَجَعَ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ كَبَائِعِهِ، وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَحُصُولِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي؛ فَكَانَتْ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، وَالْعُهْدَةُ فِي الْأَصْلِ كِتَابُ الشِّرَاءِ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا رُجُوعُ مَنْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ إلَيْهِ مِنْ شَفِيعٍ أَوْ مُشْتَرٍ عَلَى مَنْ انْتَقَلَ عَنْهُ الْمِلْكُ مِنْ بَائِعٍ أَوْ مُشْتَرٍ بِالثَّمَنِ أَوْ الْأَرْشِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الشِّقْصِ أَوْ عَيْبِهِ، فَإِذَا ظَهَرَ الشِّقْصُ مُسْتَحَقًّا، رَجَعَ الشَّفِيعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، ثُمَّ اشْتَرَى عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ ظَهَرَ الشِّقْصُ مَعِيبًا، وَاخْتَارَ الشَّفِيعُ الْإِمْسَاكَ مَعَ الْأَرْشِ، رَجَعَ بِالْأَرْشِ عَلَى الْمُشْتَرِي، ثُمَّ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
فَائِدَةٌ: فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي الْعَيْبَ عِنْدَ الْبَيْعِ وَلَمْ يَعْلَمْهُ الشَّفِيعُ عِنْدَ الْأَخْذِ؛ فَلَا شَيْءَ لِلْمُشْتَرِي، وَلِلشَّفِيعِ الرَّدُّ وَأَخْذُ الْأَرْشِ، وَإِنْ عَلِمَهُ الشَّفِيعُ وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْمُشْتَرِي؛ فَلَا رَدَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا أَرْشَ.
[وَ] مَحَلُّ كَوْنِ الْعُهْدَةِ لِلشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي إنْ (أَقَرَّ) الْمُشْتَرِي (بِالْبَيْعِ) - أَيْ: بِشِرَائِهِ الشِّقْصَ، (فَإِنْ أَنْكَرَ) مُشْتَرٍ الشِّرَاءَ - وَلَا بَيِّنَةَ بِهِ - (وَأَخَذَ الشِّقْصَ مِنْ بَائِعٍ) مُقِرٍّ بِالْبَيْعِ؛ فَالْعُهْدَةُ إذَنْ (عَلَيْهِ) - أَيْ: عَلَى بَائِعٍ - لِحُصُولِ الْمِلْكِ لِلشَّفِيعِ مِنْ جِهَتِهِ.
قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ وَاضِحٌ.
كَمَا أَنَّ (عُهْدَةَ مُشْتَرٍ) عَلَى بَائِعٍ، (فَإِنْ أَبَى مُشْتَرٍ) لِشِقْصٍ مَشْفُوعٍ (قَبْضَ مَبِيعٍ) لِيُسَلِّمَهُ لِشَفِيعٍ (خَوْفَ الْعُهْدَةِ؛ أَجْبَرَهُ حَاكِمٌ) عَلَى قَبْضِ الشِّقْصِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ وَاجِبٌ لِيَحْصُلَ حَقُّ الْمُشْتَرِي مِنْ تَسْلِيمِهِ، وَمِنْ شَأْنِ الْحَاكِمِ أَنْ يُجْبِرَ الْمُمْتَنِعَ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي [وَابْنُهُ أَبُو الْحُسَيْنِ وَالشَّرِيفَانِ أَبُو جَعْفَرٍ وَالزَّيْدِيُّ وَالْقَاضِي يَعْقُوبُ وَالشِّيرَازِيُّ] وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَكْرُوسٍ، (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ) فِي " الْهِدَايَةِ ": (قِيَاسُ الْمَذْهَبِ) لَا يُجْبِرُ الْحَاكِمُ الْمُشْتَرِيَ عَلَى قَبْضِ الشِّقْصِ الْمَبِيعِ وَتَسْلِيمِهِ لِلشَّفِيعِ، بَلْ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَأْخُذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ مِنْ الْبَائِعِ، وَيَكُونَ كَأَخْذِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي (لِلُّزُومِ الْعَقْدِ فِي) بَيْعِ (الْعَقَارِ وَصِحَّةِ تَصَرُّفِ مُشْتَرٍ فِيهِ) - أَيْ: الْمَبِيعِ - (بِدُونِ قَبْضِهِ) بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَالدُّخُولِ فِي ضَمَانِهِ بِهِ.
صَحَّحَهُ الْحَارِثِيُّ وَاخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَيَتَّجِهُ وَهُوَ) - أَيْ: مَا قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ - (أَصْوَبُ) ؛ لِأَنَّهُ لِلْقَوَاعِدِ أَقْرَبُ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَذْهَبُ.
(وَإِنْ وَرِثَ اثْنَانِ شِقْصًا) عَنْ أَبِيهِمَا وَنَحْوِهِ، (فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ) لَلْآخِر أَوْ غَيْرِهِ؛ (فَالشُّفْعَةُ) فِي الْمَبِيعِ (بَيْنَ) الْوَارِثِ (الثَّانِي) الَّذِي لَمْ يَبِعْ، وَبَيْنَ
(شَرِيكِ مُوَرِّثِهِ) عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا شَرِيكَانِ حَالَ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ تَمَلَّكَاهَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِيكِ الدَّاخِلِ عَلَى شُرَكَائِهِ بِسَبَبِ شَرِكَتِهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ.
وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى اثْنَانِ نِصْفَ دَارٍ، ثُمَّ اشْتَرَى اثْنَانِ نِصْفَهَا الْآخَرَ، أَوْ وِرْثَاهُ، أَوْ اتَّهَبَاهُ، أَوْ وَصَلَ إلَيْهِمَا بِسَبَبٍ مَا مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ.
أَوْ وَرِثَ ثَلَاثَةٌ دَارًا، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْ اثْنَيْنِ، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُ الْمُشْتَرِيَيْنِ نَصِيبَهُ؛ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ جَمِيعِ الشُّرَكَاءِ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ رَجُلٌ، وَخَلَفَ ابْنَتَيْنِ وَأُخْتَيْنِ، فَبَاعَتْ إحْدَى الِابْنَتَيْنِ نَصِيبَهَا أَوْ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ؛ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ جَمِيعِ الشُّرَكَاءِ.
(وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ حَالَ بَيْعٍ) عَلَى مُسْلِمٍ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ بَعْدَ الْبَيْعِ أَوْ لَمْ يُسْلِمْ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا شُفْعَةَ لِنَصْرَانِيٍّ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَخُصُّ الْعَقَارَ فَأَشْبَهَ الِاسْتِعْلَاءَ فِي الْبُنْيَانِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ مِلْكِهِ، فَقُدِّمَ دَفْعُ ضَرَرِ الْمُشْتَرِي، وَلَا يَلْزَمُ تَقْدِيمُ دَفْعِ ضَرَرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ تَقْدِيمَ دَفْعِ الضَّرَرِ لِذِمِّيٍّ، فَإِنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِ أَرْجَحُ، وَرِعَايَتُهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ فِي مَحَلِّ الِاجْتِمَاعِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ؛ رِعَايَةً لِحَقِّ الشَّرِيكِ الْمُسْلِمِ، وَلَيْسَ الذِّمِّيُّ فِي مَعْنَى الْمُسْلِمِ، فَيَبْقَى فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ، وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَلِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَثْبُتْ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ مَعَ عِظَمِ حُرْمَتِهِ فَلَأَنْ تَثْبُتَ عَلَى الذِّمِّيِّ مَعَ دَنَاءَتِهِ أَوْلَى.
(وَ) لَا شُفْعَةَ لِمُبْتَدِعٍ (مُكَفَّرٍ بِبِدْعَةٍ عَلَى مُسْلِمٍ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَأَهْلُ الْبِدَعِ الْغُلَاةُ كَالْمُعْتَقِدِ أَنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ فِي الرِّسَالَةِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا أُرْسِلَ إلَى عَلِيٍّ وَنَحْوِهِ، وَكَمَنْ يَعْتَقِدُ أُلُوهِيَّةَ [عَلِيٍّ] ؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَثْبُتْ لِلذِّمِّيِّ الَّذِي يُقِرُّ عَلَى كُفْرِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَكَذَا حُكْمُ مِنْ حُكِمَ بِكُفْرِهِ مِنْ الدُّعَاةِ إلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ، وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ قَوْلُهُمْ وَيُكَفَّرُ مُجْتَهِدُهُمْ الدَّاعِيَةُ.
وَتَثْبُتُ
الشُّفْعَةُ لِمَنْ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ مِنْهُمْ كَالْفَاسِقِ بِالْأَفْعَالِ مِنْ زِنًا وَلِوَاطٍ وَشُرْبِ خَمْرٍ وَنَحْوِهِ.
فَائِدَةٌ: ذُكِرَ لِأَحْمَدَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لِلرَّافِضَةِ شُفْعَةٌ فَضَحِكَ وَقَالَ: أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ الْإِسْلَامِ.
(وَيَتَّجِهُ ثُبُوتُهَا) - أَيْ: الشُّفْعَةِ - (لِمَجُوسِيٍّ) وَهُوَ مَنْ يَعْبُدُ النَّارَ (عَلَى كِتَابِيٍّ) يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ، وَمَنْ تَدَيَّنَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِمْ، فَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلْكَافِرِ - وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ لِلشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ مُسْلِمًا - لِاسْتِوَائِهِمَا، (وَ) لِأَنَّ (الْكُفْرَ هُنَا) - أَيْ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ - (مِلَّةٌ) وَاحِدَةٌ، وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ مِنْ الْمُشْتَرِي الْمُسَاوِي لَهُ، لَا مِنْ الْبَائِعِ.
وَلَوْ تَبَايَعَ كَافِرَانِ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ نَحْوِهِمَا وَتَقَابَضَا قَبْلَ إسْلَامِهِمَا وَتَرَافَعَا إلَيْنَا؛ لَمْ يُنْقَضْ الْبَيْعُ، وَكَذَا سَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِمْ، وَلَا شُفْعَةَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ لَيْسَ بِمَالٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) شُفْعَةَ (لِمُضَارِبٍ عَلَى رَبِّ الْمَالِ إنْ ظَهَرَ رِبْحٌ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ لَهُ جُزْءٌ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَلَا تَثْبُتُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ (كَأَنْ يَكُونَ لَهُ) - أَيْ: لِلْمُضَارِبِ - (شِقْصٌ فِي دَارٍ) وَلَا تَنْقَسِمُ إجْبَارًا.
(فَيَشْتَرِي) الْمُضَارِبُ (بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ بَقِيَّتَهَا) - أَيْ: الدَّارِ -، (وَإِلَّا بِأَنْ) لَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ (وَجَبَتْ) الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ.
(وَلَا) شُفْعَةَ (لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى مُضَارِبٍ كَأَنْ يَكُونَ لِرَبِّ الْمَالِ شِقْصٌ فِي دَارٍ فَيَشْتَرِي الْمُضَارِبُ بِمَالِهَا) - أَيْ: مَالِ الْمُضَارَبَةِ (بَقِيَّتَهَا) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِرَبِّ الْمَالِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَلَا) شُفْعَةَ (لِمُضَارِبٍ فِيمَا) - أَيْ: شِقْصٍ - (بَاعَهُ مِنْ مَالِهَا) - أَيْ: الْمُضَارَبَةِ - (وَلَهُ) - أَيْ: الْمُضَارِبِ - (فِيهِ) - أَيْ: الَّذِي مِنْهُ الشِّقْصُ الْمَبِيعُ -
(مِلْكٌ لِتُهْمَتِهِ) أَشْبَهَ شِرَاءَهُ مِنْ نَفْسِهِ، (وَلَهُ) - أَيْ: الْمُضَارِبِ - (الشُّفْعَةُ فِيمَا) ؛ أَيْ: فِي شِقْصِ - (بِيعَ) ؛ أَيْ: بَاعَهُ مَالِكُهُ الْأَجْنَبِيُّ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ مَكَان فِيهِ الشُّفْعَةُ (شَرِكَةً لِمَالِ الْمُضَارَبَةِ إنْ كَانَ) فِي أَخْذِهِ (حَظٌّ) كَكَوْنِهِ بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةَ الرِّبْحِ، (فَإِنْ أَبَى) مُضَارِبٌ أَخَذَهُ بِالشُّفْعَةِ (أَخَذَ بِهَا) - أَيْ: الشُّفْعَةِ - (رَبُّ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُضَارَبَةِ مِلْكُهُ، وَالشَّرِكَةُ حَقِيقَةٌ لَهُ، وَلَا يَنْفُذُ عَفْوُ مُضَارِبٍ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِغَيْرِهِ أَشْبَهَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ.
وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلسَّيِّدِ عَلَى مُكَاتَبِهِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ مَا فِي يَدِهِ وَلَا يُزَكِّيهِ وَلِهَذَا جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَا شُفْعَةَ لِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَا بِيَدِهِ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ.
[تَتِمَّةٌ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِكُلٍّ مِنْ الْبَدْوِيِّ وَالْقَرَوِيِّ عَلَى الْآخَرِ]
تَتِمَّةٌ: وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِكُلٍّ مِنْ الْبَدْوِيِّ وَالْقَرَوِيِّ عَلَى الْآخَرِ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ الشُّفْعَةِ.
[بَابُ الْوَدِيعَةِ]
(بَابُ الْوَدِيعَةِ) الْوَدِيعَةُ: وَهِيَ فَعَيْلَةٌ مِنْ وَدَعَ الشَّيْءَ إذَا تَرَكَهُ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ مَتْرُوكَةً عِنْدَ الْمُودَعِ، وَقِيلَ: مُشْتَقَّةٌ مِنْ الدَّعَةِ، فَكَأَنَّهَا عِنْدَ الْمُودَعِ غَيْرُ مُبْتَذَلَةٍ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا، وَقِيلَ: مِنْ وَدَعَ الشَّيْءُ إذَا سَكَنَ وَاسْتَقَرَّ، فَكَأَنَّهَا سَاكِنَةٌ عِنْدَ الْمُودَعِ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَسُمِّيَتْ وَدِيعَةً - بِالْهَاءِ - لِأَنَّهُمْ ذَهَبُوا بِهَا إلَى الْأَمَانَةِ، وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] : وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283] .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرُوِيَ «عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: أَنَّهُ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدَائِعُ فَلَمَّا أَرَادَ الْهِجْرَةَ أَوْدَعَهَا عِنْدَ أُمِّ أَيْمَنَ، وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَرُدَّهَا إلَى أَهْلِهَا» .
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَأَجْمَعَ كُلُّ عَصْرٍ عَلَى جَوَازِ الْإِيدَاعِ وَالِاسْتِيدَاعِ، وَالْعِبْرَةُ تَقْتَضِيهَا لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا، فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَى جَمِيعِهِمْ حِفْظُ أَمْوَالِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَيَحْتَاجُونَ إلَى مَنْ يَحْفَظُهَا لَهُمْ.
ثُمَّ الْوَدِيعَةُ شَرْعًا (الْمَالُ) أَوْ الْمُخْتَصُّ كَكَلْبِ الصَّيْدِ (الْمَدْفُوعِ) مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ (إلَى مَنْ) ؛ أَيْ: إنْسَانٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ (يَحْفَظُهُ) ، فَخَرَجَ بِقَيْدِ الْمَالِ أَوْ الْمُخْتَصِّ الْكَلْبُ الَّذِي لَا يُقْتَنَى وَالْخَمْرُ وَنَحْوُهُمَا مِمَّا لَا يُحْتَرَمُ، وَبِقَيْدِ الْمَدْفُوعِ مَا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ إلَى دَارٍ مِنْ نَحْوِ ثَوْبٍ وَمَا أَخَذَهُ بِالتَّعَدِّي، وَبِقَيْدِ الْحِفْظِ الْعَارِيَّةُ وَنَحْوُهَا.
(وَيَتَّجِهُ) حِفْظُ الْمَالِ الْمُودَعِ (وَلَوْ بِعِوَضٍ) يُؤْخَذُ عَلَى حِفْظِهِ، وَعَلَيْهِ يَدْخُلُ الْأَجِيرُ لِحِفْظِ الْمَالِ، (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى ") فَإِنَّهُ قَالَ: الْوَدِيعَةُ الْمَالُ الْمَدْفُوعُ إلَى مَنْ يَحْفَظُهُ بِلَا عِوَضٍ.
وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ " نَقْلًا عَنْ " الْفَائِقِ ": الْوَدِيعَةُ عِبَارَةٌ عَنْ تَوَكُّلٍ لِحِفْظِ مَالِ غَيْرِهِ، وَنُقِلَ عَنْ " الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى " إنَّهَا عَقْدُ تَبَرُّعٍ بِحِفْظِ مَالِ غَيْرِهِ، وَلَمْ أَرَ لِغَيْرِهِ هَذَا الِاتِّجَاهَ وَلَا مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ.
(وَالْإِيدَاعُ التَّوْكِيلُ) مِنْ رَبِّ الْمَالِ (فِي حِفْظِهِ) حَالَ كَوْنِ الْحِفْظِ (تَبَرُّعًا) مِنْ الْحَافِظِ، (وَالِاسْتِيدَاعُ التَّوَكُّلُ) مِنْ إنْسَانٍ (فِي حِفْظِهِ) أَيْ: حِفْظِ مَالِ غَيْرِهِ - (كَذَلِكَ) - أَيْ: تَبَرُّعًا - (بِغَيْرِ تَصَرُّفٍ) فِي الْمَالِ الْمَحْفُوظِ؛ لِعَدَمِ الْإِذْنِ
فِي التَّصَرُّفِ بِغَيْرِ الْحِفْظِ، وَيَكْفِي الْقَبْضُ قَبُولًا لِلْوَدِيعَةِ؛ كَالْوَكَالَةِ.
(وَيُعْتَبَرُ لَهَا) - أَيْ: لِلْوَدِيعَةِ لِعَقْدِهَا - (أَرْكَانُ وَكَالَةٍ) ؛ أَيْ: مَا يُعْتَبَرُ فِيهَا مِنْ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا جَائِزَ التَّصَرُّفِ، وَتَعْيِينِ وَدِيعٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْهَا.
(وَتَبْطُلُ) الْوَدِيعَةُ (بِمَا تَبْطُلُ بِهِ وَكَالَةٌ) ، إلَّا إذَا عَزَلَهُ الْمَالِكُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِعَزْلِهِ، وَلَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ؛ فَهِيَ بِيَدِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَمَانَةً حُكْمُهَا فِي يَدِهِ حُكْمُ الثَّوْبِ إذَا أَطَارَتْهُ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ يَجِبُ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ
(وَيُسْتَحَبُّ قَبُولُهَا) - أَيْ: الْوَدِيعَةِ - (لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْأَمَانَةَ) ؛ أَيْ: أَنَّهُ ثِقَةٌ قَادِرٌ عَلَى حِفْظِهَا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» . قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ إلَّا بِرِضَى رَبِّهَا، قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ ": وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بَعْدَ إعْلَامِهِ بِذَلِكَ إنْ كَانَ لَا يَعْلَمُهُ لِئَلَّا يَغُرَّهُ.
(وَهِيَ) - أَيْ: الْوَدِيعَةُ - (أَمَانَةٌ) بِيَدِ الْمُودِعَ (لَا تُضْمَنُ) ؛ أَيْ: لَا يَضْمَنُهَا الْمُودَعُ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
، وَلِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ يَحْفَظُهَا لِمَالِكِهَا، فَلَوْ ضُمِنَتْ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الدُّخُولِ فِيهَا، وَذَلِكَ مُضِرٌّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا (بِلَا تَعَدٍّ) مِنْ الْوَدِيعِ (أَوْ تَفْرِيطٍ) - أَيْ: تَقْصِيرٍ فِي حِفْظِ الْوَدِيعَةِ - فَيَضْمَنُهَا؛ لِأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ مُتْلِفٌ لِمَالِ غَيْرِهِ، فَضَمِنَهُ؛ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ مِنْ غَيْرِ إيدَاعٍ، وَالْمُفَرِّطُ مُتَسَبِّبٌ بِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِهَا.
(وَلَوْ تَلِفَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ) سَوَاءٌ ذَهَبَ مَعَهَا مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ أَوْ لَا، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ ضَمَّنَ أَنَسًا وَدِيعَةً ذَهَبَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْرِيطِ.
(وَيَلْزَمُهُ) - أَيْ: الْوَدِيعَ - (حِفْظُهَا) - أَيْ: الْوَدِيعَةِ - بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً كَزَوْجَةٍ وَعَبْدٍ كَمَا يَحْفَظُ مَالَهُ (فِي حِرْزِ مِثْلِهَا عُرْفًا) ؛ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ الْإِيدَاعِ الْحِفْظُ، وَالِاسْتِيدَاعُ الْتِزَامُ ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَحْفَظْهَا لَمْ يَفْعَلْ مَا الْتَزَمَهُ (كَحِرْزِ سَرِقَةٍ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا بِالْحِفْظِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": مَنْ اُسْتُوْدِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ فِي حِرْزِ مِثْلِهِ عَاجِلًا مَعَ الْقُدْرَةِ، وَإِلَّا ضَمِنَ.
وَإِنْ شَرَطَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ ضَمَانَهَا عَلَى الْوَدِيعِ؛ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ، وَلَمْ يَضْمَنْهَا؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ؛ فَلَمْ يَصِحَّ.
أَوْ قَالَ الْوَدِيعُ: أَنَا ضَامِنٌ لِلْوَدِيعَةِ؛ لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْأَمَانَاتِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَكَذَلِكَ مَا أَصْلُهُ الْأَمَانَةُ كَالرَّهْنِ وَالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ وَالْمُوصَى بِنَفْعِهَا، فَلَا يَصِحُّ شَرْطُ ضَمَانِهَا وَلَا ضَمَانُهَا.
(وَلَا يَضُرُّ نَقْلُهَا) - أَيْ: الْوَدِيعَةِ (مِنْ حِرْزِ مِثْلِهَا) لِحِرْزِ (مِثْلِهِ) - أَيْ: مِثْلِ الْحِرْزِ الْأَوَّلِ - (وَلَوْ) نَقَلَهَا إلَى حِرْزٍ (دُونَ) الْحِرْزِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا رَدَّ حِفْظَهَا إلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ، وَأَذِنَ لَهُ فِي إحْرَازِهَا بِمَا شَاءَ مِنْ إحْرَازِ مِثْلِهَا، وَلِهَذَا لَوْ تَرَكَهَا فِي الثَّانِي أَوَّلًا؛ لَمْ يَضْمَنْهَا، فَكَذَلِكَ إذَا نَقَلَهَا إلَيْهِ، (فَإِنْ عَيَّنَهُ) - أَيْ: الْحِرْزَ (رَبُّهَا) - أَيْ: الْوَدِيعَةِ - بِأَنْ قَالَ: احْفَظْهَا بِهَذَا الْبَيْتِ أَوْ الْحَانُوتِ، (فَأَحْرَزَهَا بِدُونِهِ) - أَيْ: دُونِ الْمُعَيَّنِ رُتْبَةً فِي الْحِفْظِ -.
(وَيَتَّجِهُ وَلَوْ أَنَّهُ) - أَيْ: الْحِرْزَ الَّذِي جَعَلَهَا فِيهِ - (حِرْزُ مِثْلِهَا) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، فَضَاعَتْ، (ضَمِنَ) لِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَالِكَ فِي حِفْظِ مَالِهِ، وَلِأَنَّ بُيُوتَ الدَّارِ تَخْتَلِفُ، فَمِنْهَا مَا هُوَ أَسْهَلُ نَقْبًا وَنَحْوُهُ مِمَّا لَهُ أَثَرٌ؛ فَيَضْمَنُهَا بِوَضْعِهَا فِي غَيْرِهِ.
(وَلَوْ رَدَّهَا) لِلْحِرْزِ (الْمُعَيَّنِ) بَعْدَ ذَلِكَ وَتَلِفَتْ فِيهِ؛ فَيَضْمَنُهَا؛ لِتَعَدِّيهِ بِوَضْعِهَا فِي الدُّونِ، فَلَا تَعُودُ أَمَانَةً إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، (وَ) إنْ أَحْرَزَهَا (بِمِثْلِهِ) - أَيْ: بِحِرْزٍ مِثْلِ الَّذِي عَيَّنَهُ صَاحِبُهَا فِي الْحِفْظِ - (أَوْ) أَحْرَزَهَا بِحِرْزٍ (فَوْقَهُ) ؛ لَمْ يَضْمَنْ،
(وَلَوْ) أَخْرَجَهَا (لِغَيْرِ حَاجَةٍ) ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَهُ الْحِرْزَ إذْنٌ فِيمَا هُوَ مِثْلُهُ؛ كَمَنْ اكْتَرَى أَرْضًا لِزَرْعِ حِنْطَةٍ؛ فَلَهُ زَرْعُهَا وَزَرْعُ مِثْلِهَا فِي الضَّرَرِ، وَاقْتِضَاءُ الْإِذْنِ فِيمَا هُوَ أَحْفَظُ مِنْ بَابِ أَوْلَى؛ كَزَرْعِ مَا هُوَ دُونَ الْحِنْطَةِ، (أَوْ زَادَهَا إقْفَالًا) ؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا.
(وَلَوْ نَهَاهُ) عَنْ إحْرَازِهَا بِمِثْلِ الْمُعَيَّنِ أَوْ فَوْقَهُ أَوْ عَنْ نَقْلِهَا مِمَّا عَيَّنَ لَهُ أَوْ عَنْ زِيَادَةِ الْإِقْفَالِ، وَفَعَلَ؛ (لَا يَضْمَنُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُفَرِّطًا.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذُكِرَ بَيْنَ الْجَعْلِ أَوَّلًا فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَبَيْنَ النَّقْلِ إلَيْهِ.
(وَلَوْ تَلِفَتْ) الْوَدِيعَةُ (بِسَبَبِ نَقْلٍ كَانْهِدَامِ مَا) - أَيْ مَحَلٍّ نُقِلَتْ إلَيْهِ - ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ خِلَافًا لِصَاحِبِ " التَّلْخِيصِ " وَلَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ فِي بَيْتِ صَاحِبِهَا، فَقَالَ الْآخَرُ (احْفَظْهَا بِبَيْتِي مَوْضِعَهَا) ، وَلَا تَنْقُلْهَا (فَنَقَلَهَا) مِنْ مَوْضِعِهَا (لَا لِخَوْفٍ) عَلَيْهَا ضَمِنَهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَدِيعٍ بَلْ وَكِيلٌ فِي حِفْظِهَا، فَلَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ مِلْكِ صَاحِبِهَا وَلَا مِنْ مَوْضِعٍ اسْتَأْجَرَهُ لَهَا إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهَا، فَعَلَيْهِ إخْرَاجُهَا؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا.
وَقَدْ تَعَيَّنَ حِفْظُهَا فِي إخْرَاجِهَا، وَيَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا لَوْ حَضَرَ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَخْرَجَهَا، وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا عَلَى صِفَةٍ، فَإِذَا تَعَذَّرَتْ الصِّفَةُ لَزِمَهُ حِفْظُهَا؛ كَالْمُسْتَوْدَعِ إذَا خَافَ عَلَيْهَا (وَإِذَا نَهَاهُ) ؛ أَيْ: نَهَى الْمُودِعُ الْوَدِيعَ (عَنْ إخْرَاجِهَا) مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي عَيَّنَهُ لِحِفْظِهَا (فَأَخْرَجَهَا) وَدِيعٌ مِنْهُ (لِحِرْزِ مِثْلٍ أَوْ) لِحِرْزٍ (أَعْلَى) مِنْ حِرْزِ الْمِثْلِ (أَوْ) لِحِرْزٍ (دُونَهُ لِعُذْرٍ) بِأَنْ تَعَذَّرَ وُجُودُ حِرْزٍ خَيْرٍ مِنْهُ، (وَيَلْزَمُهُ) إخْرَاجُهَا، فَأَخْرَجَهَا (لِغَشَيَانِ) نَارٍ أَوْ سَيْلٍ أَوْ (شَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ) التَّوَى بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ أَيْ: (الْهَلَاكُ) - فَتَلِفَتْ؛ (لَمْ يَضْمَنْ) مَا تَلِفَ بِنَقْلِهَا.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْحَارِثِيُّ، لِأَنَّهُ إذَنْ أَحْفَظُ وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ سِوَاهُ (وَإِنْ تَرَكَهَا) فِي الْحِرْزِ الَّذِي عَيَّنَهُ رَبُّهَا (إذَنْ) أَيْ مَعَ غَشَيَانِ مَا الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكُ، فَتَلِفَتْ؛ ضَمِنَ سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِالْأَمْرِ الْمَخُوفِ أَوْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِهِ، (أَوْ أَخْرَجَهَا) - أَيْ: الْوَدِيعَةَ - مِنْ الْمَكَانِ
الَّذِي عَيَّنَهُ رَبُّهَا، وَنَهَاهُ عَنْ إخْرَاجِهَا مِنْهُ (لِغَيْرِ خَوْفٍ) وَيَحْرُمُ إخْرَاجُهَا إذَنْ.
(وَلَوْ) كَانَ إخْرَاجُهُ إيَّاهَا لِحِرْزٍ (أَعْلَى) مِنْ الْحِرْزِ الَّذِي عَيَّنَهُ لَهُ الْمَالِكُ (فَتَلِفَتْ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ أَخْرَجَهَا إلَى مِثْلِهِ أَوْ أَحْرَزَ مِنْهُ؛ (ضَمِنَ) لِأَنَّهُ خَالَفَ رَبَّهَا لِغَيْرِ فَائِدَةٍ، فَكَانَ مُتَعَدِّيًا بِذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَنْهَهُ (فَإِنْ) عَيَّنَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ حِرْزًا أَوْ (قَالَ) لِلْوَدِيعِ (لَا تُخْرِجْهَا) مِنْهُ (وَإِنْ خِفْت عَلَيْهَا، فَحَصَلَ خَوْفٌ؛ فَأَخْرَجَهَا) خَوْفًا عَلَيْهَا؛ لَمْ يَضْمَنْهَا، لِأَنَّهُ زِيَادَةُ خَيْرٍ وَحِفْظٍ (أَوْ لَا) ؛ أَيْ: أَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا مَعَ الْخَوْفِ، فَتَلِفَتْ مَعَ إخْرَاجِهَا وَتَرْكِهِ؛ (لَمْ يَضْمَنْهَا) الْوَدِيعُ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَرَكَهَا فَهُوَ مُمْتَثِلٌ أَمْرَ صَاحِبِهَا، لِنَهْيِهِ عَنْ إخْرَاجِهَا مَعَ الْخَوْفِ؛ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: أَتْلِفْهَا فَأَتْلَفَهَا.
وَإِنْ أَخْرَجَهَا فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا وَحِفْظًا، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: أَتْلِفْهَا فَلَمْ يُتْلِفْهَا وَالْحُكْمُ فِي إخْرَاجِهَا مِنْ الْخَرِيطَةِ أَوْ الصُّنْدُوقِ كَالْحُكْمِ فِي إخْرَاجِهَا مِنْ الْبَيْتِ فِيمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.
(وَإِنْ) أَوْدَعَهُ بَهِيمَةً وَلَمْ يَأْمُرْهُ رَبُّهَا بِعَلَفِهَا وَلَا سَقْيِهَا، لَزِمَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مِنْ كَمَالِ الْحِفْظِ، بَلْ هُوَ الْحِفْظُ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي عَلَفَهَا وَسَقْيَهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ حِفْظِهَا، فَإِنْ (لَمْ يَعْلِفْهَا) الْوَدِيعُ أَوْ لَمْ يَسْقِهَا (حَتَّى مَاتَتْ) جُوعًا أَوْ عَطَشًا؛ (ضَمِنَهَا) بِالتَّفْرِيطِ فِي حِفْظِهَا وَتَعَدِّيهِ بِهِ بِتَرْكِ مَا أُمِرَ بِهِ عُرْفًا أَوْ نُطْقًا (إلَّا إنْ نَهَاهُ) - أَيْ: الْوَدِيعَ - (مَالِكٌ) عَنْ عَلَفِهَا وَسَقْيِهَا، فَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَتْ، فَلَا يَضْمَنُ الْوَدِيعُ، لِأَنَّ مَالِكَهَا أَذِنَ بِإِتْلَافِهَا، فَامْتَثَلَ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِقَتْلِهَا، فَقَتَلَهَا (وَيَحْرُمُ) عَلَى الْوَدِيعِ تَرْكُ عَلَفِهَا وَسَقْيِهَا حَتَّى مَعَ الْأَمْرِ بِتَرْكِهَا، لِحُرْمَتِهَا فِي نَفْسِهَا فَيَجِبُ إحْيَاؤُهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَيَتَّجِهُ وَيَرْجِعُ مُنْفِقٌ) عَلَى بَهِيمَةٍ نَهَاهُ مَالِكُهَا عَنْ عَلَفِهَا وَسَقْيِهَا (إذَنْ) أَيْ حَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ (إنْ نَوَاهُ) أَيْ: الرُّجُوعَ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ (مَعَ تَعَذُّرِ اسْتِئْذَانِ مَالِكٍ) لِلْبَهِيمَةِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا إمَّا لِغَيْبَةٍ أَوْ اسْتِتَارِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ
وَإِنْ قَدَرَ الْوَدِيعُ عَلَى صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ أَوْ وَكِيلِهِ طَالَبَهُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، أَوْ رَدَّهَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى وَكِيلِهِ أَوْ طَالَبَهُ بِالْإِذْنِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا لِيَرْجِعَ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْحَيَوَانِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَالِكِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ صَاحِبِهَا وَعَنْ وَكِيلِهِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَتَوَصَّلَ إلَى أَحَدِهِمَا لِيُطَالِبَهُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَوْ اسْتِرْدَادِهَا أَوْ أَنْ يَأْذَنَهُ فِي النَّفَقَةِ؛ أَنْفَقَ الْمُسْتَوْدَعُ عَلَيْهَا (وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ حَاكِمًا أَمْكَنَ) اسْتِئْذَانُهُ بَلْ نَوَى الرُّجُوعَ فَقَطْ؛ فَلَهُ الرُّجُوعُ جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُنْتَخَبِ " وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ " وَصَحَّحَهُ الْحَارِثِيُّ وَصَاحِبُ " الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى " " وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ " " وَالْفَائِقِ ".
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الصَّوَابُ (خِلَافًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ؛ أَيْ: أَنْفَقَ مَعَ إمْكَانِ إذْنِ الْحَاكِمِ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُ بَلْ نَوَى الرُّجُوعَ؛ لَمْ يَرْجِعْ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ - أَيْ: الْوَدِيعِ - (فِي قَدْرِ مَا أَنْفَقَ) بِأَنْ قَالَ الْوَدِيعُ: أَنْفَقْت عَشَرَةً.
قَالَ رَبُّهَا: بَلْ ثَمَانِيَةً؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَدِيعِ بِيَمِينِهِ إذَا ادَّعَى النَّفَقَةَ (بِمَعْرُوفٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَإِنْ ادَّعَى الْوَدِيعُ زِيَادَةً عَنْ النَّفَقَةِ بِمَعْرُوفٍ؛ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ لِمُنَافَاةِ الْعُرْفِ لَهَا.
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مُدَّةِ الْإِنْقَاقِ بِأَنْ قَالَ رَبُّهَا: أَنْفَقْت مُنْذُ سَنَةٍ، فَقَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: بَلْ مِنْ سَنَتَيْنِ؛ فَقَوْلُ صَاحِبِهَا بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِمَّا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُدَّةِ الزَّائِدَةِ.
(وَيَلْزَمُ) الْوَدِيعَ (عَلَفُ بَهِيمَةٍ وَلَوْ لَمْ يُؤْمَرْ) ؛ أَيْ: وَلَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ رَبُّهَا (بِهِ) - أَيْ: الْعَلَفِ - لِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ حُرْمَةً فِي نَفْسِهِ تُوجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ أَحْيَانًا (خِلَافًا لِلْمُنْتَهَى فِيمَا يُوهِمُ) مِنْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْمُرْ مَالِكُ الْبَهِيمَةِ الْوَدِيعَ فِي عَلَفِهَا وَسَقْيِهَا؛ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَعِبَارَتُهُ: وَإِنْ أَمَرَهُ بِهِ لَزِمَهُ قَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ قَوْلِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلِفْ الْبَهِيمَةَ حَتَّى مَاتَتْ؛ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يَبْقَى عَادَةً بِدُونِ الْعَلَفِ وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أُمِرَ الْوَدِيعُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُؤْمَرْ، وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ.
فَائِدَةٌ: لَوْ خَافَ عَلَى الثَّوْبِ الْعُثَّ وَجَبَ عَلَيْهِ نَشْرُهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَلِفَ
ضَمِنَهُ.
قَالَ رَبُّ وَدِيعَةٍ لِوَدِيعٍ: (اُتْرُكْهَا فِي جَيْبِك فَتَرَكَهَا فِي يَدِهِ) أَوْ تَرَكَهَا (فِي كُمِّهِ) ؛ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّ الْجَيْبَ أَحْرَزُ وَرُبَّمَا نَسِيَ فَسَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ أَوْ كُمِّهِ، (أَوْ قَالَ: اُتْرُكْهَا فِي كُمِّك، فَتَرَكَهَا فِي يَدِهِ) ؛ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّ الْيَدَ يَسْقُطُ مِنْهَا الشَّيْءُ بِالنِّسْيَانِ بِخِلَافِ الْكُمِّ، (أَوْ عَكْسَهُ) بِأَنْ قَالَ: اُتْرُكْهَا فِي يَدِك، فَتَرَكَهَا فِي كُمِّهِ؛ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّ الْكُمَّ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الْبَطُّ، بِخِلَافِ الْيَدِ فَكُلٌّ مِنْهَا أَدْنَى مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ فَضَمِنَ لِمُخَالَفَتِهِ (أَوْ أَخَذَهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةَ - الْوَدِيعُ (بِسُوقِهِ) أَوْ أُمِرَ - بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ؛ أَيْ: أَمَرَهُ مَالِكُهَا - (بِحِفْظِهَا فِي بَيْتِهِ، فَتَرَكَهَا) الْوَدِيعُ عِنْدَهُ (لِحِينِ مُضِيِّهِ) إلَى مَنْزِلِهِ أَوْ فَوْقَ مَا يُمْكِنُهُ الذَّهَابُ بِهَا، فَتَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ بِهَا إلَى بَيْتِهِ؛ (ضَمِنَ) ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ أَحْفَظُ لَهَا، وَتَرَكَهَا فَوْقَ مَا يَمْضِي بِهَا تَفْرِيطُهُ
وَ (لَا) يَضْمَنُ الْوَدِيعُ (إنْ قَالَ) لَهُ الْمُودِعَ: (اُتْرُكْهَا فِي كُمِّك أَوْ) قَالَ لَهُ: اُتْرُكْهَا فِي (يَدِك) لِأَنَّهُ أَحْرَزُ (أَوْ أَلْقَاهَا) ؛ أَيْ: الْوَدِيعُ (عِنْدَ هُجُومِ نَحْوِ نَاهِبٍ) كَقَاطِعِ طَرِيقٍ (إخْفَاءً لَهَا) ؛ فَلَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ عَادَةُ النَّاسِ فِي حِفْظِ أَمْوَالِهِمْ، (وَمَعَ إطْلَاقٍ) بِأَنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِوَضْعِهَا فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ (يَضَعُهَا أَيْنَ شَاءَ مِنْ نَحْوِ كُمٍّ وَيَدٍ) كَجَيْبٍ مَزْرُورٍ أَوْ ضَيِّقِ الْفَمِ، لَا إنْ كَانَ الْجَيْبُ وَاسِعًا غَيْرَ مَزْرُورٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَإِنْ شَدَّهَا فِي كُمِّهِ أَوْ فِي عَضُدِهِ أَوْ تَرَكَهَا فِي كُمِّهِ مُودِعًا ثَقِيلًا حَيْثُ يَشْعُرُ بِهِ إذَا سَقَطَ بِلَا شَدٍّ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ حَيْثُ لَمْ يُعَيِّنْ رَبُّهُ حِرْزًا لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهِ، وَإِنْ تَرَكَهَا فِي وَسَطِهِ وَشَدَّ عَلَيْهَا سَرَاوِيلَهُ؛ لَمْ يَضْمَنْ إنْ ضَاعَتْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُفَرِّطًا.
وَإِنْ أَمَرَهُ رَبُّ الْوَدِيعَةِ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي صُنْدُوقٍ وَقَالَ لَهُ: لَا تَقْفِلْ عَلَيْهَا، أَوْ لَا تَنَمْ فَوْقَهَا، فَخَالَفَهُ وَقَفَلَ عَلَيْهَا الصُّنْدُوقَ، أَوْ نَامَ عَلَيْهَا؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ، أَوْ قَالَ: اجْعَلْهَا فِي صُنْدُوقٍ؛ وَلَا تَقْفِلْ عَلَيْهَا إلَّا قُفْلًا وَاحِدًا فَجَعَلَ عَلَيْهَا قُفْلَيْنِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) إنْ قَالَ مُودَعٌ لِوَدِيعٍ: (اجْعَلْ) هَذَا (الْخَاتَمَ فِي الْبِنْصِرِ فَجَعَلَهُ فِي الْخِنْصِرِ) - بِكَسْرِ الصَّادِ فِيهِمَا - فَضَاعَ؛ (فَضَمِنَهُ لَا عَكْسَهُ) بِأَنْ قَالَ: اجْعَلْهُ فِي
الْخِنْصِرِ، فَجَعَلَهُ فِي الْبِنْصِرِ؛ فَلَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهَا أَغْلَظُ فَهِيَ أَحْرَزُ، (إلَّا إنْ انْكَسَرَ) الْخَاتَمُ (لِغِلَظِهَا) - أَيْ: الْبِنْصِرِ - فَيَضْمَنُهُ لِإِتْلَافِهِ لَهُ بِمَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ مَالِكُهُ "، وَإِنْ جَعَلَهُ فِي الْوُسْطَى، وَأَمْكَنَ إدْخَالُهُ فِي جَمِيعِهَا، فَضَاعَ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي جَمِيعِهَا، فَجَعَلَهُ فِي بَعْضِهَا ضَمِنَ، لِأَنَّهُ أَدْنَى مِنْ الْمَأْمُورِ بِهِ (أَوْ جَعَلَهُ) - أَيْ: الْخَاتَمَ - (فِي أُنْمُلَتِهَا) - أَيْ: أُنْمُلَةِ الْبِنْصِرِ - (الْعُلْيَا) وَكَذَا الْوُسْطَى وَلَمْ يُدْخِلْهُ فِي جَمِيعِهَا، ضَمِنَ، لِأَنَّهُ دُونَ الْمَأْمُورِ بِهِ.
(وَ) إنْ قَالَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ: (احْفَظْهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ وَلَا تُدْخِلْهُ أَحَدًا، فَخَالَفَ) بِأَنْ جَعَلَهَا فِي الْبَيْتِ، وَأَدْخَلَ إلَيْهِ قَوْمًا (فَتَلِفَتْ) الْوَدِيعَةُ (بِنَحْوِ حَرْقٍ) كَنَهْبٍ (وَسَرِقَةٍ - وَلَوْ مِنْ غَيْرِ دَاخِلٍ) إلَيْهِ - (ضَمِنَ) لِأَنَّ الدَّاخِلَ رُبَّمَا شَاهَدَ الْوَدِيعَةَ فِي دُخُولِهِ الْبَيْتَ وَعَلِمَ مَوْضِعَهَا وَطَرِيقَ الْوُصُولِ إلَيْهَا، فَسَرَقَهَا، أَوْ دَلَّ غَيْرَهُ عَلَيْهَا، وَقَدْ خَالَفَ مَالِكَهَا بِإِدْخَالِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ إخْرَاجِهَا، فَأَخْرَجَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقُ وَمَالَ إلَيْهِ الشَّارِحُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " لِمُخَالَفَتِهِ.
[فَرْعٌ بَيْعُ الْوَدِيعَة الَّتِي تَعَذَّرَ عَلَى الْوَدِيع رَدُّهَا لِمَالِكِهَا]
(فَرْعٌ: يَتَّجِهُ لِمُودِعٍ بَيْعُ وَدِيعَةٍ) تَعَذَّرَ عَلَى وَدِيعٍ رَدُّهَا لِمَالِكِهَا أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ لِحَاكِمٍ ثِقَةٍ حَيْثُ (خَافَ عَلَيْهَا) التَّلَفَ، (بَلْ يَجِبُ) بَيْعُهَا (مَعَ خَوْفِ تَلَفٍ) وَحِفْظُ ثَمَنِهَا إلَى حُضُورِ رَبِّهَا، لِأَنَّ حِفْظَ الْأَمْوَالِ مَطْلُوبٌ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَلِفَتْ ضَمِنَهَا؛ لِتَفْرِيطِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[تَتِمَّةٌ أَمَرَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ الْوَدِيعَ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي مَنْزِلِهِ فَخَرَجَ بِهَا]
تَتِمَّةٌ: وَلَوْ أَمَرَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ الْوَدِيعَ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي مَنْزِلِهِ، فَتَرَكَهَا فِي ثِيَابِهِ وَخَرَجَ بِهَا؛ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ أَحْرَزُ لَهَا، وَلَوْ أَمَرَهُ بِشَدِّهَا، مِمَّا يَلِي الْجَيْبَ، فَشَدَّهَا
مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ؛ ضَمِنَ؛ وَإِنْ أَمَرَهُ بِشَدِّهَا مِمَّا يَلِي الْجَانِبَ الْآخَرَ فَشَدَّهَا مِمَّا يَلِي الْجَيْبَ؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَزُ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِشَدِّهَا عَلَى عَضُدِهِ مُطْلَقًا أَوْ أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا مَعَهُ، فَشَدَّهَا مِنْ أَيِّ الْجَانِبَيْنِ كَانَ؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَثِلٌ أَمْرَ مَالِكِهَا مُحْرِزٌ لَهَا بِحِرْزِ مِثْلِهَا، وَإِنْ شَدَّهَا عَلَى وَسَطِهِ فَهُوَ أَحْرَزُ لَهَا، وَكَذَلِكَ إنْ تَرَكَهَا فِي بَيْتِهِ فِي حِرْزِهَا.
[فَصْلٌ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً وَتَلِفَتْ]
(فَصْلٌ: وَإِنْ دَفَعَهَا) - أَيْ: الْوَدِيعَةَ - (إلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ) - أَيْ: الْمُسْتَوْدَعِ - (عَادَةً) أَوْ دَفَعَهَا إلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَ رَبِّهَا (كَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ وَخَادِمِهِ) وَنَحْوهمْ كَخَازِنِهِ، وَتَلِفَتْ؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ حِفْظُهَا فَلَهُ تَوَلِّيهِ بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ؛ كَمَا لَوْ دَفَعَ الْمَاشِيَةَ إلَى الرَّاعِي، وَالْبَهِيمَةَ إلَى غُلَامِهِ لِيَسْقِيَهَا، وَلِقِيَامِهِمْ مَقَامَ الْمَالِكِ فِي الرَّدِّ، أَوْ دَفَعَهَا (لِعُذْرٍ) كَمَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْ أَرَادَ سَفَرًا وَلَيْسَ السَّفَرُ أَحْفَظَ لَهَا (إلَى أَجْنَبِيٍّ ثِقَةٍ) ؛ لَمْ يَضْمَنْ.
(وَ) حُكْمُ دَفْعِ الْمُسْتَوْدَعِ الْوَدِيعَةَ (إلَى شَرِيكِهِ) نَفْسِهِ أَوْ شَرِيكِ رَبِّهَا فِي غَيْرِهَا أَوْ فِيهَا كَحُكْمِ دَفْعِهَا (لِأَجْنَبِيٍّ) مَحْضٍ، فَإِنْ كَانَ بِلَا عُذْرٍ، ضَمِنَ، وَلِعُذْرٍ وَهُوَ ثِقَةٌ؛ لَمْ يَضْمَنْ، أَوْ دَفَعَهَا (لِحَاكِمٍ) فَتَلِفَتْ؛ (لَمْ يَضْمَنْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ، وَلَمْ يُفَرِّطْ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ مَنْ قَبَضَ مِنْ يَدِ الْأُمَنَاءِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ فِي حَالَةٍ يَجُوزُ إقْبَاضُهَا فَأَمَانَةٌ عِنْدَ الثَّانِي، قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ حِينَ دَفَعَهَا إلَى الْأَجْنَبِيِّ الْمَحْضِ، وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِيهَا شَرِيكٌ، وَلَا هُوَ مِمَّنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَ؛ (ضَمِنَ) لِتَعَدِّيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُودِعَ بِلَا عُذْرٍ؛ كَمَا لَوْ نَهَاهُ عِنْدَ إيدَاعِهَا، وَلِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَرْضَ لَهَا غَيْرَهُ، (وَلِمَالِكِ) الْوَدِيعَةِ إذَنْ (مُطَالَبَةُ الْأَجْنَبِيِّ أَيْضًا) بِبَدَلِ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ مَا لَيْسَ لَهُ قَبْضُهُ أَشْبَهَ الْمُودِعَ مِنْ الْغَاصِبِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الْأَجْنَبِيِّ (الْقَرَارُ) أَيْ: قَرَارُ الضَّمَانِ - (إنْ عَلِمَ) الْحَالَ، لِتَعَدِّيهِ، وَلِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ عِنْدَهُ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَى أَنْ يَضْمَنَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْحَالَ فَلَهُ تَضْمِينُ
الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ الرُّجُوعُ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَهُ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنَّهُ أَمِينٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) حُكْمُ (كُلِّ أَمَانَةٍ) كَعَارِيَّةٍ وَعَيْنٍ مَرْهُونَةٍ وَمَا بِيَدِ وَكِيلٍ وَمُضَارِبٍ إذَا دَفَعَهَا مَنْ هِيَ بِيَدِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ إلَى أَجْنَبِيٍّ، وَتَلِفَتْ، فَمَعَ عِلْمِ الْأَجْنَبِيِّ يَضْمَنُ؛ لِحُصُولِ التَّلَفِ عِنْدَهُ، وَمَعَ جَهْلِهِ الْحَالَ لَا يَضْمَنُ، لِدُخُولِهِ عَلَى أَنَّهَا أَمَانَةٌ.
وَيَتَّجِهُ (أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يُطَالِبُ) بِبَدَلِ أَمَانَةٍ دُفِعَتْ إلَيْهِ وَتَلِفَتْ عِنْدَهُ بِلَا تَفْرِيطٍ (إلَّا مَعَ عِلْمٍ) بِالْحَالِ فَقَطْ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ، فَإِنَّهُ يُطَالَبُ بِالْبَدَلِ عَلِمَ الْحَالَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، لَكِنْ عَلَيْهِ الْقَرَارُ إنْ عَلِمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ دَلَّ) وَدِيعٌ (لِصًّا) عَلَى الْوَدِيعَةِ، فَسَرَقَهَا (ضَمِنَا) - أَيْ: الْوَدِيعُ وَاللِّصُّ - أَمَّا الْوَدِيعُ؛ فَلِمُنَافَاةِ دَلَالَتِهِ الْحِفْظَ الْمَأْمُورَ بِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهَا لِغَيْرِهِ وَأَمَّا اللِّصُّ، فَلِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ لَهَا، (وَعَلَى اللِّصِّ الْقَرَارُ) ؛ لِمُبَاشَرَتِهِ وَوُجُودُ التَّلَفِ فِي يَدِهِ.
(وَلَهُ) - أَيْ: الْوَدِيعِ - (الِاسْتِعَانَةُ بِأَجْنَبِيٍّ فِي حَمْلٍ وَنَقْلٍ) مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ (وَسَقْيٍ وَعَلَفِ دَابَّةٍ) ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْحَارِثِيُّ.
(وَ) لَهُ (السَّفَرُ بِوَدِيعَةٍ) - وَلَوْ مَعَ حُضُورِ مَالِكِهَا نَصًّا - فَلَا يَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ مَعَهُ، سَوَاءٌ كَانَ بِهِ ضَرُورَةٌ إلَى السَّفَرِ أَوْ لَا (خِلَافًا لَهُمَا) - أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " وَ " الْإِقْنَاعِ " - (فِيمَا يُوهِمُ) امْتِنَاعَ السَّفَرِ بِهَا مَعَ حُضُورِ مَالِكِهَا، وَمَحَلُّ ذَلِكَ (إنْ كَانَ) السَّفَرُ بِهَا (أَحْفَظَ لَهَا) - أَيْ: الْوَدِيعَةِ - (وَلَمْ يَنْهَهُ) رَبُّهَا عَنْ السَّفَرِ بِهَا، فَإِنْ نَهَاهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ السَّفَرُ بِهَا، فَإِنْ سَافَرَ بِهَا؛ ضَمِنَ لِمُخَالَفَتِهِ، [ (وَلَمْ يُفَاجِئْ الْبَلَدَ عَدُوٌّ) ، فَإِنْ فَجَأَهُ عَدُوٌّ، أَوْ جَلَا أَهْلُهُ، أَوْ حَدَثَ فِيهِ حَرِيقٌ أَوْ غَرِيقٌ، وَأَرَادَ السَّفَرَ بِهَا؛ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، فَإِنْ تَرَكَهَا] إذَنْ؛ [وَتَلِفَتْ] فَإِنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِتَرْكِهِ فِعْلَ الْأَصْلَحِ، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَعِبَارَةُ " الْمُنْتَهَى ": وَلَا يُسَافِرُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا أَوْ كَانَ أَحْفَظَ لَهَا " الْمُنَقِّحُ " وَالْمَذْهَبُ بَلَى؛ أَيْ: لَهُ السَّفَرُ بِهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، قَالَ شَارِحُهُ؛ أَيْ: إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا فِي السَّفَرِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ مَعَ حُضُورِهِ انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ الْإِقْنَاعِ " وَلَهُ السَّفَرُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا السَّفَرَ بِهَا، فَإِنْ سَافَرَ بِهَا؛ ضَمِنَ، وَمَا قَالَاهُ تَبِعَا فِيهِ الْمُوَفَّقَ فِي ثَانِي قَوْلَيْهِ فِي " الْمُغْنِي ".
وَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ تَبِعَ فِيهِ الْقَاضِي وَابْنَ عَقِيلٍ وَالْمُقَدَّمُ فِي " النَّظْمِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَ " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَنَصَرَاهُ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الْمَذْهَبُ [وَإِلَّا] يَكُنْ السَّفَرُ أَحْفَظَ لَهَا، أَوْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ، أَوْ نَهَاهُ الْمَالِكُ عَنْ السَّفَرِ بِهَا، أَوْ فَجَأَ الْبَلَدَ عَدُوٌّ؛ (دَفَعَهَا لِمَالِكِهَا) الْحَاضِرِ (أَوْ مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً) كَزَوْجَتِهِ وَخَازِنِهِ (أَوْ وَكِيلِهِ فِي قَبْضِهَا كَحَاضِرٍ خَافَ عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَخْلِيصًا لَهُ مِنْ دَرْكِهَا وَإِيصَالًا لِلْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ السَّفَرُ بِهَا، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى الْوَدِيعِ الْمُرِيدِ لِلسَّفَرِ دَفَعَهَا إلَى مَالِكِهَا أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ؛ فَعَلَيْهِ دَفْعُهَا (لِحَاكِمٍ) مَأْمُونٍ؛ لِأَنَّ فِي السَّفَرِ بِهَا عُذْرًا؛ لِأَنَّهُ عُرْضَةٌ لِلنَّهْبِ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهَا عِنْدَ غَيْبَتِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا أَوْدَعَهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْحَاكِمِ أَنَّهُ يَضْمَنُهَا، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَاكِمٌ؛ أَوْ كَانَ، وَتَعَذَّرَ دَفْعُهَا إلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَأْمُونٍ، أَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ، وَلَمْ يَقْبَلْهَا؛ فَعَلَيْهِ دَفْعُهَا (لِثِقَةٍ) ؛ «لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ أَوْدَعَ الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِأُمِّ أَيْمَنَ وَأَمَرَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يَرُدَّهَا إلَى أَهْلِهَا» ؛ (كَمَنْ) - أَيْ: كَوَدِيعٍ - (حَضَرَهُ الْمَوْتُ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ السَّفَرِ وَالْمَوْتِ سَبَبٌ لِخُرُوجِ الْوَدِيعَةِ عَنْ يَدِهِ، (أَوْ دَفَنَهَا) - أَيْ: الْوَدِيعَةَ - إنْ لَمْ يَضُرَّ بِهَا الدَّفْنُ، (وَأَعْلَمَ) بِهَا (سَاكِنًا) بِالدَّارِ الَّتِي دَفَنَهَا بِهَا إنْ كَانَ (ثِقَةً) ؛ لِحُصُولِ الْحِفْظِ بِهِ، وَإِعْلَامُ الثِّقَةِ كَإِيدَاعِهِ، (فَإِنْ) دَفَنَهَا، وَلَمْ (يُعْلِمْهُ) - أَيْ: السَّاكِنَ - (أَوْ كَانَ) مَنْ أَعْلَمَهُ (غَيْرَ سَاكِنٍ) فِي الدَّارِ، أَوْ كَانَ مَنْ أَعْلَمَهُ غَيْرَ ثِقَةٍ.
قَالَ شَيْخُنَا: أَوْ دَفَنَهَا خَارِجَ الدَّارِ، وَلَوْ رَآهُ أَحْفَظُ لَهَا، فَضَاعَتْ؛ ضَمِنَهَا الْوَدِيعُ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي الْحِفْظِ بِعَدَمِ إعْلَامِهِ أَحَدًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ فِي سَفَرِهِ، أَوْ يَضِلُّ عَنْ مَوْضِعِهَا؛ فَلَا يَصِلُ لِمَوْضِعِهَا، وَإِذَا أَعْلَمَ غَيْرَ ثِقَةٍ رُبَّمَا أَخَذَهَا، وَمَنْ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ لَا يَتَأَتَّى حِفْظُهُ مَا فِيهَا، وَلَمْ يُودِعْهُ إيَّاهَا، وَلَا يُمْكِنُهُ حِفْظُهَا.
(وَلَا يَضْمَنُ مُسَافِرٌ أُودِعَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ - وَدِيعَةً فِي سَفَرِهِ، (فَسَافَرَ بِهَا) الْوَدِيعُ؛ أَيْ: أَتَمَّ سَفَرَهُ، (فَتَلِفَتْ فِي السَّفَرِ) ؛ لِأَنَّ إيدَاعَ الْمَالِكِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَقْتَضِي الْإِذْنَ فِي السَّفَرِ بِهَا.
(وَمَنْ تَعَدَّى) فِي وَدِيعَةٍ كَانَتْ دَابَّةً، (فَرَكِبَهَا) لِغَيْرِ نَفْعِهَا؛ كَرُكُوبِهِ (لَا لِسَقْيِ) الدَّابَّةِ أَوْ عَلَفِهَا، وَلَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِالْأَجَانِبِ فِي ذَلِكَ وَفِي الْحَمْلِ وَالنَّقْلِ، أَوْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ ثِيَابًا، (فَلَبِسَهَا وَنَحْوَهُ) ؛ كَافْتِرَاشِهِ فُرُشًا (لَا لِخَوْفِ عُثٍّ) - بِضَمِّ الْعَيْنِ - جَمْعُ عُثَّةٍ سُوسَةٌ تَلْحَسُ الصُّوفَ، وَكَاسْتِعْمَالِهِ آلَةَ صِنَاعَةٍ مِنْ خَشَبٍ لَا لِخَوْفٍ مِنْ الْأَرَضَةِ؛ بَطَلَتْ أَمَانَتُهُ.
(وَيَضْمَنُ) وَدِيعٌ ثِيَابَ نَقَصَهَا بِحُصُولِ عُثٍّ بِهَا (إنْ لَمْ يَنْشُرْهَا) ؛ لِأَنَّهُ مُفْرِطٌ، (وَيَتَّجِهُ) أَنَّ الْوَدِيعَ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ أَوْ نَقَصَ مِنْ الْوَدِيعَةِ بِسَبَبِ عُثٍّ، (مَا لَمْ يَقُلْ) لَهُ مَالِكُهَا: (لَا تَنْشُرْهَا) - أَيْ: الثِّيَابَ أَوْ الْفُرُشَ - (وَإِنْ خِفْت عَلَيْهَا) ؛ لِتَضَمُّنِ نَهْيِهِ الْإِذْنَ فِي إتْلَافِهَا.
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْوَدِيعَةُ آلَةَ صِنَاعَةٍ
مِنْ خَشَبٍ، وَنَهَاهُ عَنْ اسْتِعْمَالِهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى أَكَلَتْهَا الْأَرَضَةُ؛ فَلَا يَضْمَنُهَا؛ لِامْتِثَالِهِ أَمْرَ مَالِكِهَا الْمُتَضَمِّنِ لِذَلِكَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ أَخْرَجَ الدَّرَاهِمَ) أَوْ الدَّنَانِيرَ الْمُودَعَةَ (لِيُنْفِقَهَا) ، أَوْ لِيَخُونَ فِيهَا، (أَوْ) أَخْرَجَهَا (لِيَنْظُرَ إلَيْهَا) شَهْوَةً إلَى رُؤْيَتِهَا، (ثُمَّ رَدَّهَا) إلَى وِعَائِهَا - وَلَوْ بِنِيَّةِ الْأَمَانَةِ - بِطَلَبِ أَمَانَتِهِ، وَضَمِنَ؛ لِتَصَرُّفِهِ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ، (أَوْ كَسَرَ) الْوَدِيعُ (خَتْمَهَا، أَوْ حَلَّ كِيسَهَا) مِنْ غَيْرِ إخْرَاجٍ؛ ضَمِنَهَا؛ لِهَتْكِهِ الْحِرْزَ، أَوْ كَانَتْ مَصْرُورَةً فِي خِرْقَةٍ، فَفَتَحَ الصُّرَّةَ، أَوْ مَقْفُولَةً فَأَزَالَ قُفْلَهَا؛ ضَمِنَ سَوَاءٌ أَخْرَجَ مِنْهَا شَيْئًا أَوْ لَا؛ لِتَعَدِّيهِ، (أَوْ جَحَدَهَا) - أَيْ: الْوَدِيعَةَ - (ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا) ؛ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ بِجَحْدِهَا خَرَجَ عَنْ الِاسْتِئْمَانِ عَنْهَا، فَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ الضَّمَانُ بِالْإِقْرَارِ بِهَا؛ لِأَنَّ يَدَهُ صَارَتْ يَدَ عُدْوَانٍ، أَوْ مَنَعَهَا مَالِكَهَا بَعْدَ طَلَبِهِ لَهَا أَوْ وَلِيَّهُ أَوْ وَكِيلَهُ الثَّابِتَةُ وَكَالَتُهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ دَفْعِهَا إلَى طَالِبِهَا الشَّرْعِيِّ؛ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَادِيَةٌ إذَنْ بِمَنْعِهَا، (أَوْ خَلْطِهَا) - أَيْ: الْوَدِيعَةِ - بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ كَزَيْتٍ بِزَيْتٍ أَوْ شَيْرَجٍ، (وَلَوْ) كَانَ الْمَخْلُوطُ (نَقْدًا بِنَقْدٍ) كَدَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ (لَا يَتَمَيَّزُ) بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ؛ (بَطَلَتْ أَمَانَتُهُ فِيمَا تَعَدَّى) فِيهِ (فَقَطْ) ، وَلَوْ كَانَ التَّعَدِّي بِشَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ فِي إحْدَى عَيْنَيْنِ مُودَعَتَيْنِ، وَكَانَ فَعَلَ مَا تَقَدَّمَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ؛ بَطَلَتْ الْوَدِيعَةُ، وَضَمِنَ الْوَدِيعُ، لِأَنَّهُ صَيَّرَهَا فِي حُكْمِ التَّالِفِ، وَفَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ رَدَّهَا؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْقَاهَا فِي بَحْرٍ، وَسَوَاءٌ خَلَطَهَا بِمَالِهِ أَوْ مَالِ غَيْرِهِ مِثْلِهَا أَوْ دُونِهَا أَوْ أَجْوَدَ مِنْهَا، (وَ) حَيْثُ بَطَلَتْ؛ (وَجَبَ رَدُّهَا فَوْرًا) ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ مَحْضَةٌ، وَقَدْ زَالَتْ بِالتَّعَدِّي.
(وَلَا تَعُودُ وَدِيعَةٌ) بَعْدَ التَّعَدِّي فِيهَا (بِغَيْرِ عَقْدٍ مُتَجَدِّدٍ) وَلِبُطْلَانِ الِاسْتِئْمَانِ بِالْعُدْوَانِ.
(وَلَا ضَمَانَ) عَلَى وَدِيعٍ (بِنِيَّةِ تَعَدٍّ) فِي الْوَدِيعَةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَقْطُوعُ بِهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ.
قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " لِأَنَّهُ لَمْ يَخُنْ فِيهَا بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا كَاَلَّذِي لَمْ يَنْوِ، وَفَارَقَ الْمُلْتَقِطَ بِقَصْدِ التَّمْلِيكِ، فَإِنَّهُ عَمِلَ فِيهَا بِأَخْذِهَا نَاوِيًا لِلْخِيَانَةِ فِيهَا، فَوَجَبَ الضَّمَانُ بِفِعْلِهِ الْمَنْوِيِّ، لَا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَلَوْ الْتَقَطَهَا قَاصِدًا لِتَعْرِيفِهَا، ثُمَّ نَوَى بَعْدَ ذَلِكَ إمْسَاكَهَا لِنَفْسِهِ كَانَتْ كَمَسْأَلَتِنَا.
وَلَوْ أَخْرَجَهَا بِنِيَّةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهَا؛ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِإِخْرَاجِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَعْمَلَهَا.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي ".
[تَتِمَّةٌ خَلَطَ الْوَدِيعَةَ غَيْرُ الْوَدِيعِ بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ]
[تَتِمَّةٌ: وَإِنْ خَلَطَ الْوَدِيعَةَ غَيْرُ الْوَدِيعِ] بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْخَالِطِ دُونَ الْوَدِيعِ؛ لِوُجُودِ الْعُدْوَانِ مِنْ الْخَالِطِ، وَمَتَى جَدَّدَ الْوَدِيعُ اسْتِئْمَانًا؛ بَرِئَ، فَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدُ؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِي الِاسْتِئْمَانِ الَّذِي تَلِفَتْ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ قَدْ زَالَ، أَوْ أَبْرَأَهُ الْمَالِكُ مِنْ الضَّمَانِ بِتَعَدِّيهِ؛ بَرِئَ، فَلَا يَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ بَعْدُ؛ لِإِمْسَاكِهِ إيَّاهَا بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَزَالَ حُكْمُ التَّعَدِّي بِالْبَرَاءَةِ.
وَنَقَلَ مُهَنَّا عَنْ رَجُلٍ اسْتَوْدَعَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَاسْتَوْدَعَهُ آخَرُ عَشَرَةً، وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْلِطَهَا، فَخَلَطَهَا، فَضَاعَتْ الدَّرَاهِمُ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَمَرَهُ أَحَدُهُمَا بِخَلْطِ دَرَاهِمِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ الْآخَرُ؛ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ دَرَاهِمَ مَنْ لَمْ يَأْمُرْهُ دُونَ الْأُخْرَى، وَإِنْ خَلَطَهَا بِمُتَمَيِّزٍ كَدَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ بِيضٍ بِسُودٍ أَوْ بُرٍّ بِشَعِيرٍ أَوْ عَدَسٍ؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِإِمْكَانِ التَّمَيُّزِ؛ فَلَا يَعْجِزُ بِذَلِكَ عَنْ رَدِّهَا؛ فَلَمْ يَضْمَنْهَا كَمَا لَوْ تَرَكَهَا فِي صُنْدُوقٍ فِيهِ أَكْيَاسٌ لَهُ.
(وَصَحَّ) قَوْلُ مَالِكٍ لِوَدِيعٍ؛ (كُلَّمَا خُنْت ثُمَّ عُدْت لِلْأَمَانَةِ فَأَنْتَ أَمِينٌ) ؛ لِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الْإِيدَاعِ عَلَى الشَّرْطِ كَالْوَكَالَةِ، (وَ) إنْ قَالَ رَبُّ مَالٍ لِوَدِيعٍ: (رُدَّهُ) - أَيْ: الْمَالَ - (غَدًا وَبَعْدَهُ) - أَيْ: بَعْدَ غَدٍ - (يَعُودُ) الْمَالُ (وَدِيعَةً)
عِنْدَك (تَعَيَّنَ) عَلَى الْوَدِيعِ (رَدُّهُ غَدًا) امْتِثَالًا، فَإِنْ أَخَّرَ رَدَّهُ عَنْ الْغَدِ، وَتَلِفَ ضَمِنَ، لِمُخَالَفَتِهِ، وَلَا يَعُودُ أَمَانَةً بَعْدَ رَدِّهِ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ؛ لِبُطْلَانِ الْعَقْدِ بِمُجَرَّدِ الرَّدِّ.
فَائِدَةٌ: وَمَنْ اسْتَأْمَنَهُ أَمِيرٌ عَلَى مَالِهِ، فَخَشِيَ مِنْ حَاشِيَتِهِ إنْ مَنَعَهُمْ مِنْ عَادَتِهِمْ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لَزِمَهُ فِعْلُ مَا يُمْكِنُهُ، وَهُوَ أَصْلَحُ لِلْأَمِيرِ مِنْ تَوْلِيَةِ غَيْرِهِ فَيَرْتَعَ مَعَهُمْ، لَا سِيَّمَا وَلِلْأَخْذِ شُبْهَةٌ.
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَلَوْ اخْتَلَطَتْ) الْوَدِيعَةُ (لَا بِفِعْلِهِ) - أَيْ: الْوَدِيعِ - بِأَنْ تَدَحْرَجَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ بِفِعْلِ حَيَوَانٍ كَهِرٍّ وَنَحْوِهِ، (فَضَاعَ) مِنْ الْوَدِيعَةِ (الْبَعْضُ) ؛ فَالضَّائِعُ (مِنْهُ) - أَيْ: مِنْ مَالِ الْوَدِيعِ - وَالْبَاقِي مِنْ الْوَدِيعَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَلِفَ الْكُلُّ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ.
(وَإِنْ أَخَذَ) الْوَدِيعُ (دِرْهَمًا) بِلَا إذْنٍ مِنْ وَدِيعَةٍ غَيْرِ مَخْتُومَةٍ وَلَا مَشْدُودَةٍ وَلَا مَصْرُورَةٍ، (ثُمَّ رَدَّهُ) وَتَلِفَتْ ضَمِنَهُ وَحْدَهُ، أَوْ أَخَذَ مِنْهَا دِرْهَمًا، ثُمَّ رَدَّ (بَدَلَهُ مُتَمَيِّزًا) ، وَضَاعَتْ ضَمِنَهُ وَحْدَهُ.
(أَوْ أَذِنَ) الْمَالِكُ لِلْوَدِيعِ (فِي أَخْذِهِ) دِرْهَمًا مِنْهُمَا، فَأَخَذَهُ، وَ (رَدَّ بَدَلَهُ بِلَا إذْنِهِ) - أَيْ: الْمَالِكِ - (فَضَاعَ الْكُلُّ؛ ضَمِنَهُ) - أَيْ: الدَّرَاهِمَ - (وَحْدَهُ) ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ تَعَلَّقَ بِالْأَخْذِ، فَلَمْ يَضْمَنْ غَيْرَ مَا أَخَذَهُ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ رَدِّهِ، (مَا لَمْ تَكُنْ) الْوَدِيعَةُ دَرَاهِمَ (مَخْتُومَةً أَوْ مَشْدُودَةً) أَوْ مَصْرُورَةً، فَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ ضَمِنَ الْجَمِيعَ لِهَتْكِ الْحِرْزِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ، (أَوْ) يَكُنْ الْبَدَلُ الَّذِي رَدَّهُ (غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ) ، وَضَاعَتْ الْوَدِيعَةُ، (فَيَضْمَنُ الْجَمِيعَ) ؛ لِخَلْطِهِ الْوَدِيعَةَ بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا ضَاعَ، هَلْ هُوَ الْمَرْدُودُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْوَدِيعَةِ؟ فَيَضْمَنُهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ بَرَاءَتِهِ.
(وَيَضْمَنُ) وَدِيعٌ (بِخَرْقِ كِيسٍ) فِيهِ وَدِيعَةٌ (مِنْ فَوْقِ شَدٍّ) - أَيْ: رِبَاطٍ - (أَرْشَهُ) - أَيْ: الْكِيسِ - (فَقَطْ) أَيْ: دُونَ مَا فِي الْكِيسِ
لِأَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ حِرْزَهُ، وَيَضْمَنُ بِخَرْقِهِ (مِنْ تَحْتِهِ) - أَيْ: الشَّدِّ - (أَرْشَهُ وَمَا فِيهِ) إنْ ضَاعَ؛ لِهَتْكِهِ الْحِرْزَ.
(وَمَنْ أَوْدَعَهُ صَغِيرٌ) مُمَيَّزٌ أَوْ لَا، (وَيَتَّجِهُ أَوْ) أَوْدَعَهُ (مَجْنُونٌ أَوْ أَوْدَعَهُ سَفِيهٌ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَدِيعَةً) ؛ [لَمْ يَبْرَأْ] الْوَدِيعُ مِنْ صَغِيرٍ وَنَحْوِهِ (إلَّا بِرَدِّهَا لِوَلِيِّهِ) فِي مَالِهِ؛ كَدَيْنِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ (وَيَضْمَنُهَا) قَابِضُهَا مِنْ الصَّغِيرِ وَنَحْوِهِ (إنْ تَلِفَتْ مُطْلَقًا) ، تَعَدَّى أَوْ فَرَّطَ أَوْ لَا؛ لِتَعَدِّيهِ بِأَخْذِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَسْلِيطَ مِنْ الْمَالِكِ، وَقَدْ تَلِفَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَالْعَمْدُ وَالسَّهْوُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ، وَأَوْضَحَهُ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ " بَحْثًا، (مَا لَمْ يَكُنْ) الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَحْظَهُ مُمَيَّزًا (مَأْذُونًا لَهُ) فِي الْإِيدَاعِ، (أَوْ يَخَفْ) الْآخِذُ (هَلَاكَهَا مَعَهُ) إنْ تَرَكَهَا، (فَأَخَذَهَا لِحِفْظِهَا) حَتَّى يُسَلِّمَهَا لِوَلِيِّهِ حِسْبَةً؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَمَالٍ (ضَائِعٍ وَمَوْجُودٍ فِي مَهْلَكَةٍ) إذَا أَخَذَهُ لِحِفْظِهِ لِرَبِّهِ، وَتَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ رَدِّهِ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِأَخْذِهِ؛ لِقَصْدِهِ بِهِ التَّخَلُّصَ مِنْ الْهَلَاكِ، فَالْحَظُّ فِيهِ لِمَالِكِهِ، وَ (كَأَخْذِهِ) مَالًا (مَغْصُوبًا) مِنْ الْغَاصِبِ (تَخْلِيصًا لَهُ لِيَرُدَّهُ لِمَالِكِهِ) ، فَتَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ رَدِّهِ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (وَكَذَا) لَوْ وَجَدَ إنْسَانٌ (مَا) - أَيْ: حَيَوَانًا (حَرُمَ الْتِقَاطُهُ) ؛ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ صِغَارِ الْبَاعِ (بِمَضِيعَةٍ) - أَيْ: فَلَاةٍ بَعِيدَةٍ مِنْ الْعُمْرَانِ، (وَعَلِمَ رَبُّهُ) - أَيْ: مَالِكُهُ - (فَأَخَذَهُ لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ) ، وَتَلِفَ، لَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ صَنَعَ مَعْرُوفًا، فَلَا يُجَازَى بِضِدِّهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
لَكِنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ.
(وَمَا أُودِعَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - (وَنَحْوُهُ) بِأَنْ أُعِيرَ؛ أَيْ: أَوْدَعَهُ مَالِكُهُ، أَوْ أَعَارَهُ، وَهُوَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ (لِنَحْوِ صَغِيرٍ) كَمَعْتُوهٍ (وَمَجْنُونٍ وَسَفِيهٍ) ، أَوْ أَوْدَعَ (قِنٌّ) صَغِيرٌ؛ (لَمْ يَضْمَنْ) ذَلِكَ الْمُعَارَ أَوْ الْمُودَعَ (بِتَلَفٍ) فِي يَدِ قَابِضِهِ، وَلَوْ حَصَلَ التَّلَفُ مِنْهُ - أَيْ: مِنْ الْقَابِضِ - أَوْ حَصَلَ التَّلَفُ (بِتَفْرِيطِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ يُسَلِّطُهُ عَلَى الْإِتْلَافِ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ، (لَكِنْ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ) مِنْ وَدِيعَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ (قِنٌّ مُكَلَّفٌ) وَمُدَبَّرٌ وَمُكَاتَبٌ وَمُعَلَّقٌ عِتْقُهُ عَلَى صِفَةٍ وَأُمُّ وَلَدٍ (فِي رَقَبَتِهِ) إذَا أَتْلَفَهُ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) يَضْمَنُهُ قِنٌّ وَنَحْوُهُ (لَوْ فَرَّطَ) فِي حِفْظِهِ حَتَّى تَلِفَ، لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ فَصَحَّ اسْتِحْفَاظُهُ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ، وَكَوْنُهَا فِي رَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّ إتْلَافَهُ مِنْ جِنَايَتِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[تَنْبِيهٌ مَاتَ وَثَبَتَ أَنَّ عِنْدَهُ وَدِيعَةً وَلَمْ تُوجَدْ بِعَيْنِهَا فِي تَرِكَتِهِ]
تَنْبِيهٌ: وَإِذَا مَاتَ إنْسَانٌ، وَثَبَتَ أَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةً أَوْ مُضَارَبَةً أَوْ رَهْنًا وَنَحْوَهَا مِنْ الْأَمَانَاتِ، وَلَمْ يُوجَدْ تِلْكَ وَنَحْوُهَا بِعَيْنِهَا فِي تَرِكَتِهِ فَهِيَ دَيْنٌ عَلَيْهِ تَغْرَمُهَا الْوَرَثَةُ مِنْ تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ بَرَاءَتُهُ مِنْهَا؛ كَبَقِيَّةِ الدُّيُونِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ سِوَاهُمَا؛ فَهُمَا سَوَاءٌ
[فَصْلٌ الْمُودِعُ أَمِينٌ]
(فَصْلٌ) (وَالْمُودَعُ أَمِينٌ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا أَمَانَةً بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] (يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي رَدِّ) الْوَدِيعَةِ، لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي قَبْضِهَا، فَقُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ أَشْبَهَ الْوَكِيلَ بِلَا جُعْلٍ، وَيُصَدَّقُ الْوَدِيعُ فِي رَدٍّ (لِمَالِكِهِ) ؛ كَوَكِيلِهِ فِي حِفْظِهَا (وَزَوْجَتِهِ) - أَيْ: الْمَالِكِ - وَخَازِنُهُ وَمَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً؛ لِأَنَّ يَدَهُمْ كَيَدِ الْمَالِكِ، فَالدَّفْعُ لَهُمْ كَالدَّفْعِ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْوَدِيعُ الرَّدَّ (عَلَى يَدِ قِنِّهِ) - أَيْ: قِنٌّ مُدَّعِي الرَّدِّ (أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ خَازِنِهِ) - أَيْ: الْوَدِيعِ - قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " لَوْ ادَّعَى الْأَدَاءَ عَلَى يَدِ عَبْدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ خَازِنِهِ فَكَدَعْوَى الْأَدَاءِ بِنَفْسِهِ انْتَهَى.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ الْوَدِيعَ لَوْ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى يَدِ حَافِظِهِ (أَوْ وَكِيلِهِ) نَفْسِهِ يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ حِفْظُهَا بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ كَانَ لَهُ دَفْعُهَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَيْدِيَهُمْ كَيَدِهِ، قَالَهُ فِي " الْقَوَاعِدِ "، وَيُقْبَلُ قَوْلُ مُدَّعِي الرَّدِّ مِمَّنْ ذَكَرَ بِيَمِينِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
أَوْ كَانَتْ دَعْوَى الرَّدِّ مِنْ الْوَدِيعِ (بَعْدَ مَوْتِ رَبِّهَا) - أَيْ: الْوَدِيعَةِ - (إلَيْهِ) - أَيْ: إلَى رَبِّ الْوَدِيعَةِ بِأَنْ ادَّعَى وَرَثَةُ الْمَالِكِ عَلَى الْوَدِيعِ الْوَدِيعَةِ، فَقَالَ: رَدَدْتهَا إلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ؛ قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ؛ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَالِكُ هُوَ الْمُدَّعِي وَأَنْكَرَ، وَيُصَدَّقُ الْوَدِيعُ أَيْضًا بِيَمِينِهِ (فِي قَوْلِهِ) لِمَالِكِهَا (أَذِنْتَ لِي) فِي دَفْعِهَا.
(وَيَتَّجِهُ أَوْ) أَيْ: وَيُصَدَّقُ قَوْلُهُ (أَذِنَ لِي) مَالِكُهَا (قَبْلَ مَوْتِهِ) كَدَعْوَاهُ الدَّفْعَ إلَى رَبِّهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فِي دَفْعِهَا لِفُلَانٍ أَمَانَةً وَفَعَلْتُ) ؛ أَيْ: وَدَفَعَتْهَا إلَيْهِ، وَأَنْكَرَ الْمَالِكُ الْإِذْنَ فِي دَفْعِهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَقُطِعَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمُذَهَّبِ " وَ " مَسْبُوكِ الذَّهَبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْخُلَاصَةِ " وَ " الْمُغْنِي " وَ " التَّلْخِيصِ " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفَائِقِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمْ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يُصَدَّقُ مِنْ ادَّعَى أَنَّهُ مَأْذُونٌ مِنْ قِبَلِ الْمَالِكِ قَبْلَ مَوْتِهِ فِي الدَّفْعِ لِفُلَانٍ، (وَلَوْ كَذَّبَهُ فُلَانٌ) ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى تَكْذِيبِهِ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَ ادَّعَى دَفْعًا يَبْرَأُ بِهِ مِنْ الْوَدِيعَةِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيهِ؛ كَمَا لَوْ ادَّعَى رَدَّهَا إلَى مَالِكِهَا، وَلَا يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمَالِكِ غَيْرُ الْيَمِينِ لَمَّا لَمْ يُقِرَّ بِقَبْضِهِ؛ وَكَذَا إنْ اعْتَرَفَ الْمَالِكُ بِالْإِذْنِ فِي الدَّفْعِ لَهُ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ دَفَعَ لَهُ قُبِلَ قَوْلُ الْوَدِيعِ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِالْقَبْضِ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ أَنْكَرَ حَلَفَ وَبَرِئَ، وَفَاتَتْ عَلَى رَبِّهَا إنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ وَدِيعًا، وَإِنْ كَانَ دَائِنًا قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ
يَمِينِهِ، وَضَمِنَ الدَّافِعُ إنْ لَمْ يَشْهَدْ؛ لِتَقْصِيرِهِ، صَدَّقَ الْمَالِكَ أَوْ كَذَّبَهُ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ.
.
وَيُصَدَّقُ وَدِيعٌ بِيَمِينِهِ (فِي) دَعْوَى (تَلَفٍ) لِلْوَدِيعَةِ (بِسَبَبٍ خَفِيٍّ) كَالسَّرِقَةِ؛ لِتَعَذُّرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مِثْلِ هَذَا السَّبَبِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ قَبُولِ الْأَمَانَاتِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُسْتَوْدِعَ إذَا أَحْرَزَ الْوَدِيعَةَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا ضَاعَتْ؛ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَذْكُرْ السَّبَبَ.
(أَوْ) دَعْوَى تَلَفِ الْوَدِيعَةِ بِسَبَبٍ (ظَاهِرٍ) كَحَرِيقٍ وَغَرَقٍ وَنَهْبِ جَيْشٍ إنْ (ثَبَتَ وُجُودُهُ) بِبَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِوُجُودِ ذَلِكَ السَّبَبِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ؛ قُبِلَتْ دَعْوَاهُ، ثُمَّ يَحْلِفُ مَعَ الْبَيِّنَةِ أَنَّ الْوَدِيعَةَ تَلِفَتْ بِذَلِكَ السَّبَبِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ ضَمِنَ الْوَدِيعَةَ، لِأَنَّهُ لَا تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَيَكْفِي فِي ثُبُوتِ السَّبَبِ الظَّاهِرِ الِاسْتِفَاضَةُ.
قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَ " الرِّعَايَتَيْنِ " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَغَيْرِهَا، فَعَلَى هَذَا إذَا عَلِمَهُ الْقَاضِي بِالِاسْتِفَاضَةِ قُبِلَ قَوْلُ الْوَدِيعِ بِيَمِينِهِ، وَلَمْ يُكَلَّفْ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِالسَّبَبِ، وَلَا يَكُونُ الْقَضَاءُ بِالْعِلْمِ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ فِي الْحُكْمِ بِالِاسْتِفَاضَةِ أَوْ بِخُصُوصِ هَذِهِ، وَيُصَدَّقُ الْوَدِيعُ بِيَمِينِهِ أَيْضًا (فِي عَدَمِ خِيَانَةٍ وَ) عَدَمِ (تَفْرِيطٍ وَفِي حِرْزِ مِثْلٍ) بِلَا نِزَاعٍ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فِيمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ.
(وَإِنْ ادَّعَى) الْوَدِيعُ: (رَدَّهَا) - أَيْ الْوَدِيعَةِ (لِحَاكِمٍ أَوْ وَرَثَةِ مَالِكٍ) لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتَمِنُوهُ، (أَوْ) ادَّعَى (رَدًّا بَعْدَ مَطْلِهِ) أَيْ: تَأْخِيرِ دَفْعِهَا إلَى مُسْتَحَقِّهِ (بِلَا عُذْرٍ) ثُمَّ ادَّعَى تَلَفًا؛ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ بِالْمَطْلِ بَطَلَ الِاسْتِئْمَانُ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى رَدًّا بَعْدَ مَنْعِهِ مِنْهَا؛ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْغَاصِبِ
(أَوْ وَعَدَهُ) ؛ أَيْ: وَعَدَ الْوَدِيعُ الْمَالِكَ (رَدَّهُ) - أَيْ: مَا أَوْدَعَهُ - (ثُمَّ ادَّعَاهُ) ؛ أَيْ: ادَّعَى الْوَدِيعُ الرَّدَّ، أَوْ ادَّعَى (تَلَفَهُ قَبْلَ وَعْدِهِ) بِرَدِّهِ [إلَيْهِ] أَوْ ادَّعَى (وَرَثَتُهُ) - أَيْ: الْوَدِيعِ - (رَدًّا) مِنْهُمْ أَوْ مِنْ مُوَرِّثِهِمْ (وَلَوْ لِمَالِكٍ) (أَوْ) ادَّعَى وَرَثَةُ الْوَدِيعِ (أَنَّ مُوَرِّثَهُمْ رَدَّهَا) - أَيْ: الْوَدِيعَةَ - قَبْلَ مَوْتِهِ؛ (لَمْ يُقْبَلْ) ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُؤْتَمَنِينَ عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ مَالِكِهَا وَكَذَا لَوْ ادَّعَاهُ مُلْتَقِطٌ أَوْ مَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبًا أَوْ نَحْوَهُ، فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) فِي الْحُكْمِ (كُلُّ مَنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ) بِيَمِينِهِ مِنْ الْأُمَنَاءِ كَالشَّرِيكِ وَالْوَكِيلِ مَجَّانًا وَالْمُرْتَهِنِ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْوَدِيعِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَإِنْ أَنْكَرَ الْوَدِيعُ الْوَدِيعَةَ بِأَنْ (قَالَ) لَمْ يُودِعْنِي (ثُمَّ أَقَرَّ) بِالْإِيدَاعِ أَوْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الْوَدِيعَةُ (بِبَيِّنَةٍ، فَادَّعَى رَدًّا أَوْ تَلَفًا سَابِقَيْنِ لِجُحُودِهِ؛ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ ضَامِنًا بِجُحُودِهِ مُعْتَرِفًا عَلَى نَفْسِهِ بِالْكَذِبِ الْمُنَافِي لِلْأَمَانَةِ، (وَلَوْ) أَتَى عَلَيْهِ (بِبَيِّنَةٍ) بِالرَّدِّ أَوْ التَّلَفِ، (وَأَطْلَقَتْ) الْبَيِّنَةُ الشَّهَادَةَ، بِأَنْ لَمْ تُقَلْ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ؛ فَلَا تُسْمَعُ؛ لِتَكْذِيبِهِ لَهَا بِجُحُودِهِ؛ وَإِنْ ادَّعَى رَدًّا أَوْ تَلَفًا بَعْدَ جُحُودِهِ؛ كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْوَدِيعَةِ يَوْمَ الْأَحَدِ، فَجَحَدَهَا، ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ رَدَّهَا أَوْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً شَاهِدَيْنِ؛ قُبِلَا، وَلِهَذَا أُشِيرَ بِقَوْلِهِ (وَيُقْبَلَانِ) - أَيْ الرَّدُّ وَالتَّلَفُ - إذَا أَدَّاهُمَا (بِهَا) - أَيْ: الْبَيِّنَةِ - (بَعْدَهُ) - أَيْ: الْجُحُودِ - لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِمُكَذِّبٍ لَهَا.
(وَلَا ضَمَانَ) عَلَى وَدِيعٍ (بِتَرْكِهَا) - أَيْ: الْوَدِيعَةِ - (عِنْدَهُ اخْتِيَارًا) - أَيْ: بِاخْتِيَارِ رَبِّهَا بَقَاءَهَا - (بَعْدَ ثُبُوتِهَا) عِنْدَ الْوَدِيعِ؛ لِأَنَّهَا بِإِبْقَاءِ رَبِّهَا لَهَا بِاخْتِيَارِهِ تَعُودُ أَمَانَةً (وَإِنْ قَالَ) مُدَّعَى عَلَيْهِ بِوَدِيعَةٍ فِي جَوَابِهِ (مَالك عِنْدِي شَيْءٌ وَنَحْوَهُ) ؛ كَلَا حَقَّ لَك قِبَلِي، ثُمَّ أَقَرَّ بِالْإِيدَاعِ، أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ؛ (قُبِلَ) مِنْهُ (بِيَمِينِهِ رَدٌّ أَوْ تَلَفٌ سَبَقَا جُحُودَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُنَافٍ لِجَوَابِهِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أُودِعَهُ، ثُمَّ تَلِفَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، أَوْ رَدَّهَا، فَلَا يَكُونُ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ وَ (لَا يُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى) وُقُوعِ الرَّدِّ وَالتَّلَفِ (بَعْدَهُ) - أَيْ: بَعْدَ جُحُودِهِ - (بِلَا بَيِّنَةٍ) لِاسْتِقْرَارِ حُكْمِهِ بِالْجُحُودِ، فَيُشْبِهُ الْغَاصِبَ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ وَدِيعَةٍ تَثْبُتُ أَنَّهَا تَلِفَتْ بِبَيِّنَةٍ، مَا لَمْ يَكُنْ جَدَّدَ عَقْدًا بَعْدَ الْجُحُودِ (وَ) إنْ قَالَ إنْسَانٌ لِآخَرَ: (لَك عِنْدِي وَدِيعَةٌ، ثُمَّ ادَّعَى) الْمُقِرُّ (ظَنَّ الْبَقَاءِ) - أَيْ: قَالَ: كُنْت أَظُنُّهَا بَاقِيَةً ثُمَّ عَلِمْت (تَلَفَهَا، قُبِلَ قَوْلُهُ) بِيَمِينِهِ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فِي قَوْلِهِ: لَوْ قَالَ: لَك عِنْدِي وَدِيعَةٌ، ثُمَّ ادَّعَى ظَنَّ الْبَقَاءِ، ثُمَّ عَلِمَ تَلَفَهَا؛ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
(وَإِذَا مَاتَ نَحْوُ مُودَعٍ) كَوَكِيلٍ وَشَرِيكٍ (وَمُرْتَهِنٍ وَمُضَارِبٍ) وَانْتَقَلَتْ نَحْوُ الْوَدِيعَةِ إلَى يَدِ مَنْ بَعْدَهُ؛ فَالْوَاجِبُ (عَلَى وَارِثِهِ) الْمُنْتَقَلِ إلَيْهِ ذَلِكَ فَوْرًا مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ (أَحَدُ شَيْئَيْنِ، خِلَافًا لِلْمُنْتَهَى) حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى الرَّدِّ فَقَطْ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَ وَارِثٍ قَبْلَ إمْكَانِ رَدِّهَا؛ لَمْ يَضْمَنْهَا، وَإِلَّا ضَمِنَ، فَإِنَّهُ حَصَرَ الضَّمَانَ بِالتَّلَفِ بَعْدَ إمْكَانِ الرَّدِّ مَعَ أَنَّ صَرِيحَ كَلَامِهِمْ قَاضٍ بِوُجُوبِ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ، إمَّا (إعْلَامِ مَالِكٍ) بِمَوْتِ الْوَدِيعِ (أَوْ رَدِّهَا) ؛ كَمَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْمُغْنِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الشَّرْحِ " (مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ لِرَدِّهَا مُؤْنَةٌ أَوْ لَا، (وَلَا) يَجُوزُ لِمَنْ هِيَ بِيَدِهِ أَنْ (يُمْسِكَهَا) قَبْلَ إعْلَامِ رَبِّهَا بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنْهُ عَلَيْهَا؛ وَإِنَّمَا حَصَّلَ مَالَ غَيْرِهِ بِيَدِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبًا، وَعَلِمَ بِهِ، فَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ مَعَ الْإِمْكَانِ؛ ضَمِنَ.
قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ مَالِكِهَا (لِزَوَالِ حُكْمِ الِائْتِمَانِ) بِمُجَرَّدِ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ (فَإِنْ تَلِفَتْ) الْوَدِيعَةُ عِنْدَ وَارِثٍ (قَبْلَ إمْكَانِ ذَلِكَ) - أَيْ: الْإِعْلَامِ - أَوْ الرَّدِّ إلَى رَبِّهَا لِنَحْوِ جَهْلٍ