مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، (أَوْ حَدَثَ بِقِنٍّ بَرَصٌ، أَوْ) حَدَثَ بِهِ (جُنُونٌ أَوْ) حَدَثَ بِهِ (جُذَامٌ قَبْلَ مُضِيِّ سَنَةٍ) (وَهُوَ) ، أَيْ: الْقِنُّ الَّذِي حَدَثَ بِهِ الْعَيْبُ بَعْدَ الْقَبْضِ (مِنْ ضَمَانِ مُشْتَرٍ) ، فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ عَلَى بَائِعِهِ، وَلَا أَرْشُ نَقْصٍ، لِبَرَاءَتِهِ مِنْ عُهْدَتِهِ بِإِقْبَاضِهِ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا رَدٌّ إنْ (زِنَا قِنٌّ عِنْدَهُ) ، أَيْ: عِنْدَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ (فَقَطْ) ، أَيْ: دُونَ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الزِّنَا عَيْبٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَلَا مَدْخَلَ لِلْبَائِعِ بِذَلِكَ.
(وَمَا كَسَبَ مَبِيعٌ مَعِيبٌ قَبْلَ رَدٍّ فَ [هُوَ] لِمُشْتَرٍ) ، لِحَدِيثِ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» ) . وَلَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ، لَكَانَ مِنْ ضَمَانِهِ.
(وَلَا يَرُدُّ) مُشْتَرٍ رَدَّ مَعِيبًا لِعَيْبِهِ (نَمَاءً مُنْفَصِلًا) مِنْهُ كَثَمَرَةٍ وَوَلَدِ بَهِيمَةٍ (إلَّا لِعُذْرٍ، كَوَلَدِ أَمَةٍ) ، فَيَرُدُّ مَعَهَا، لِتَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ، (وَلَهُ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي (قِيمَتُهُ) ، أَيْ: الْوَلَدِ عَلَى بَائِعٍ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ.
(وَيَرُدُّ) مُشْتَرٍ رَدَّ مَعِيبًا لِعَيْبِهِ نَمَاءً (مُتَّصِلًا، كَسِمَنٍ، وَكِبَرٍ، وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، وَعُودِ حَبٍّ زَرْعًا، وَ) صَيْرُورَةِ (بَيْضَةٍ فَرْخًا) فَتَتْبَعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمَبِيعَ إذَا رُدَّ، لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ بِدُونِهَا.
وَفِي (" الْإِقْنَاعِ " وَ) يَرُدُّ مُشْتَرٍ رَدَّ شَجَرًا لِعَيْبِهِ (ثَمَرَةً) عَلَيْهِ (قَبْلَ ظُهُورِهَا) ؛ لِأَنَّهَا نَمَاءٌ مُتَّصِلٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُبْدِعِ " وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهَا بَعْدَ ظُهُورِهَا زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً - وَلَوْ لَمْ تُجَذَّ - وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّفْلِيسِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَجَعَلَهُ مَنْصُوصَ أَحْمَدَ.
(وَيَتَّجِهُ الْأَصَحُّ) أَنَّ الثَّمَرَةَ (قَبْلَ جَذِّهَا) زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، سَوَاءٌ أُبِّرَتْ أَوْ لَمْ تُؤَبَّرْ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي: وَابْنُ عَقِيلٍ، فِي الصَّدَاقِ.
وَقَالَ فِي " الْكَافِي ": كُلُّ ثَمَرَةٍ عَلَى شَجَرَةٍ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، (وَإِلَّا) تُجَذَّ فَهِيَ زِيَادَةٌ (مُتَّصِلَةٌ) مِنْ بَابِ أَوْلَى قَوْلًا وَاحِدًا، (وَلَوْ ظَهَرَتْ) ، فَتُرَدُّ مَعَ أَهْلِهَا؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُ، وَلَا تَصِيرُ مُنْفَصِلَةً إلَّا بِجَذِّهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَهُ) ، أَيْ: لِمُشْتَرٍ (رَدُّ) أَمَةٍ (ثَيِّبٍ) لِعَيْبِهَا [إنْ] (وَطِئَهَا) الْمُشْتَرِي قَبْلَ عِلْمِهِ عَيْبَهَا، وَلَمْ تَحْبَلْ مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ، فَلَوْ حَبِلَتْ، فَلَا رَدَّ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَمْلَ عَيْبٌ فِي الْإِمَاءِ (مَجَّانًا) ، أَيْ: بِلَا عِوَضٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ نَقْصُ جُزْءٍ وَلَا عَيْبٌ، وَلَا نَقْصُ صِفَةٍ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ.
(وَإِنْ وَطِئَ مُشْتَرٍ بِكْرًا) ، ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهَا، (أَوْ تَعَيَّبَ) الْمَبِيعُ عِنْدَهُ، كَثَوْبٍ قَطَعَهُ، (أَوْ نَسِيَ) رَقِيقٌ (صَنْعَتَهُ عِنْدَهُ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي، ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ، أَوْ (زَوَّجَ) الْمُشْتَرِي (الْأَمَةَ) الْمَعِيبَةَ، (وَدَامَتْ الْعِصْمَةُ) ، بِأَنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا الزَّوْجُ، ثُمَّ عَلِمَ الْمُشْتَرِي عَيْبَهَا، (أَوْ قَطَعَ) الْمُشْتَرِي (الثَّوْبَ) ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهَا، (فَلَهُ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا (الْأَرْشُ) لِلْعَيْبِ الْأَوَّلِ، (أَوْ رَدُّهُ) ، أَيْ: الْمَبِيعِ عَلَى بَائِعِهِ (مَعَ أَرْشِ نَقْصِهِ) الْحَادِثِ عِنْدَهُ لِقَوْلِ عُثْمَانَ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى ثَوْبًا، وَلَبِسَهُ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ: فَرَدَّهُ وَمَا نَقَصَ.
فَأَجَازَ الرَّدَّ مَعَ النُّقْصَانِ.
رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، (وَهُوَ) ، أَيْ: الْأَرْشُ (هُنَا مَا نَقَصَهُ) الْمَبِيعُ بَيْنَ قِيمَتِهِ بِالْعَيْبِ الْأَوَّلِ وَقِيمَتِهِ بِالْعَيْبَيْنِ.
فَلَوْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ (بِكْرًا بِمِائَةٍ وَثَيِّبًا بِثَمَانِينَ، يَرُدُّ مَعَهَا عِشْرِينَ) أَرْشَ نَقْصِهَا (بِثَمَانِينَ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ) أَيْ: بِأَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ (مُشْتَرٍ) رَدَّ مَعِيبًا مَعَ أَرْشِ عَيْبٍ حَدَثَ عِنْدَهُ، لَوْ (زَالَ) عَيْبُهُ (سَرِيعًا بَعْدَ رَدِّهِ) ، كَتَذَكُّرِهِ صَنْعَةً نَسِيَهَا (لِأَنَّهُ) ، أَيْ: الْمَبِيعَ (بِمُجَرَّدِ عَقْدٍ) عَلَى مَا لَيْسَ قَبْضُهُ شَرْطًا لِصِحَّتِهِ، صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، (أَوْ بِمُجَرَّدِ قَبْضِ) مَا قَبَضَهُ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ، (صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي بِقِيمَتِهِ، (بِخِلَافِ بَائِعٍ أُخِذَ مِنْهُ أَرْشٌ) ، أَيْ أَخَذَهُ مِنْهُ مُشْتَرٍ (لِعَيْبٍ، فَزَالَ) الْعَيْبُ (سَرِيعًا) ، فَيَرُدُّهُ الْمُشْتَرِي، لِزَوَالِ النَّقْصِ الَّذِي لِأَجْلِهِ وَجَبَ الْأَرْشُ.
(وَإِنْ دَلَّسَ بَائِعٌ) عَيْبًا، بِأَنْ عَلِمَهُ، وَكَتَمَهُ، (فَلَا أَرْشَ لَهُ) عَلَى مُشْتَرٍ (بِعَيْبٍ حَدَثَ عِنْدَ مُشْتَرٍ، وَلَوْ) كَانَ الْعَيْبُ الْحَادِثُ (بِفِعْلِهِ) ، أَيْ:
الْمُشْتَرِي (مِمَّا أُذِنَ لَهُ فِيهِ شَرْعًا، كَوَطْءِ بِكْرٍ وَخَتْنٍ) ، بِخِلَافِ قَطْعِ عُضْوٍ وَقَلْعِ سِنٍّ، فَإِنَّهُ لَا يَذْهَبُ هَدَرًا.
(وَذَهَبَ) مَبِيعٌ (عَلَى بَائِعٍ) مُدَلِّسٍ، (إنْ تَلِفَ) الْمَبِيعُ بِغَيْرِ فِعْلِ الْمُشْتَرِي، (أَوْ أَبَقَ) نَصًّا، وَأَخَذَ الثَّمَنَ كَامِلًا مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ غَشَّهُ.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا، فَأَبَقَ، فَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنْ إبَاقَهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي يَدِ الْبَائِعِ: يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّ الْمُشْتَرِيَ، وَيَتْبَعُ الْبَائِعُ عَبْدَهُ) ، فَإِنْ وَجَدَهُ، كَانَ لَهُ وَإِنْ فَاتَ ضَاعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ بِتَدْلِيسِهِ، وَسَوَاءٌ تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، أَوْ تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّهِ، كَالْمَرَضِ، أَوْ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي كَوَطْءِ الْبِكْرِ، أَوْ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ، مِثْلُ أَنْ يَجْنِيَ عَلَيْهِ، أَوْ بِفِعْلِ الْعَبْدِ، كَالسَّرِقَةِ إذَا قُطِعَ بِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ مُذْهِبًا لِلْجُمْلَةِ أَوْ بَعْضِهَا.
(وَإِنْ لَمْ يُدَلِّسْ) الْبَائِعُ الْعَيْبَ، (فَتَلِفَ) مَبِيعٌ بِعَيْبٍ بِيَدِ مُشْتَرٍ، (بِنَحْوِ أَكْلِ) الْمَبِيعِ، تَعَيَّنَ أَرْشٌ (أَوْ عِتْقٍ) ، بِأَنْ عَتَقَ عَلَيْهِ بِقَرَابَةٍ أَوْ تَعْلِيقٍ، ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ، (أَوْ أَعْتَقَ) الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ الْمَبِيعَ، ثُمَّ عَلِمَ [عَيْبَهُ] ، (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ مُشْتَرٍ عَيْبَهُ حَتَّى صَبَغَ) الثَّوْبَ، (أَوْ نَسَجَ) الثَّوْبَ، (أَوْ رَهَنَهُ) ، أَيْ: الْمَبِيعَ، (أَوْ وَقَفَهُ، أَوْ وَهَبَهُ أَوْ بَاعَهُ، أَوْ) بَاعَ، أَوْ وَهَبَ، أَوْ وَقَفَ، أَوْ رَهَنَ (بَعْضَهُ) ، أَيْ: الْمَبِيعِ، (أَوْ اسْتَوْلَدَ الْأَمَةَ) ، ثُمَّ عَلِمَ، (تَعَيَّنَ أَرْشٌ) ، وَسَقَطَ رَدٌّ، لِتَعَذُّرِهِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ، لَمْ يُوفِ مَا أَوْجَبَهُ لَهُ الْعَقْدُ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الرِّضَا بِهِ نَاقِصًا، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَالِمًا بِعَيْبِهِ، فَلَا أَرْشَ لَهُ، لِرِضَاهُ بِالْمَبِيعِ نَاقِصًا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا رَدَّ لَهُ فِي الْبَاقِي بَعْدَ تَصَرُّفِهِ فِي الْبَعْضِ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي إنْ تَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ عِلْمِ عَيْبِهِ (فِي قِيمَتِهِ) ، لِاتِّفَاقِ الْعَاقِدَيْنِ عَلَى عَدَمِ قَبْضِ جُزْءٍ مِنْ الْمَبِيعِ، وَهُوَ مَا قَابَلَ الْأَرْشَ، فَقُبِلَ قَوْلُ مُشْتَرٍ فِي قَدْرِهِ، (لَكِنْ لَوْ بَاعَ) مُشْتَرٍ الْمَبِيعَ قَبْلَ عِلْمِهِ، و (رُدَّ عَلَيْهِ) قَبْلَ أَخَذَهُ أَرْشَهُ، (فَلَهُ) ، أَيْ: الْمَرْدُودِ عَلَيْهِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ، (أَرْشُهُ) ، أَيْ الْمَعِيبِ، (أَوْ رَدُّهُ) ، لِزَوَالِ الْمَانِعِ، كَمَا لَوْ [لَمْ] يَبِعْهُ.
(وَإِنْ بَاعَهُ) ، أَيْ: الْمَعِيبَ (مُشْتَرِيهِ) قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهِ (لِبَائِعِهِ) لَهُ، وَكَانَ هُوَ وَبَائِعُهُ (غَيْرَ عَالِمَيْنِ) بِالْعَيْبِ، (ثُمَّ بَانَ) لَهُمَا عَيْبُهُ، (فَلَهُ) ، أَيْ: الْبَائِعِ الْأَوَّلِ - وَهُوَ الْمُشْتَرِي - لَهُ ثَانِيًا (رَدُّهُ) عَلَى الْبَائِعِ الثَّانِي، (ثُمَّ لِلْبَائِعِ الثَّانِي رَدُّهُ) ، أَيْ: الْمَبِيعِ الْمَرْدُودِ (عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ (وَفَائِدَتُهُ) ، أَيْ: الرَّدِّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ (اخْتِلَافُ الثَّمَنَيْنِ) إذْ اخْتَارَ الرَّدَّ أَوْ الْأَرْشَ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْأَرْشَ قِسْطُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَمَعِيبًا مِنْ ثَمَنِهِ سَوَاءٌ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا (قَدْرًا) ، بِأَنْ بَاعَهُ أَحَدُهُمَا بِثَمَانِينَ وَالْآخَرُ بِمِائَةٍ (أَوْ جِنْسًا) ، بِأَنْ كَانَ بَاعَهُ أَحَدُهُمَا بِدَرَاهِمَ وَالْآخَرُ بِعُرُوضٍ.
وَإِنْ كَانَا (عَالِمَيْنِ) بِالْعَيْبِ، (فَلَا تَرَادَّ) لَهُمَا، وَكَذَا لَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ، فَلَا رَدَّ، لِمَا سَبَقَ.
(وَإِنْ كَسَرَ) مُشْتَرٍ (مَا مَأْكُولَهُ فِي جَوْفِهِ، فَوَجَدَهُ) ، أَيْ: الْمَأْكُولَ (فَاسِدًا، وَلَيْسَ لِمَكْسُورِهِ قِيمَةٌ، كَبِيضِ دَجَاجٍ وَبِطِّيخٍ وَرُمَّانٍ، رَجَعَ بِثَمَنِهِ كُلِّهِ) ، لِتَبَيُّنِ فَسَادِ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ، وَإِنْ وَجَدَ الْبَعْضَ فَاسِدًا، رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، (وَلَيْسَ عَلَيْهِ [رَدُّ] مَبِيعٍ) وَجَدَ مَا فِي جَوْفِهِ فَاسِدًا إلَى بَائِعِهِ (حَيْثُ لَا نَفْعَ فِيهِ يَقْصِدُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، (وَإِنْ كَانَ لَهُ) ، أَيْ: لِمَكْسُورِهِ (قِيمَةٌ، كَبِيضِ نَعَامٍ وَجَوْزِ هِنْدٍ، خُيِّرَ) مُشْتَرٍ (بَيْنَ) أَخْذِ (أَرْشِهِ) لِنَقْصِهِ بِكَسْرِهِ (وَبَيْنَ رَدِّهِ مَعَ أَرْشِ كَسْرِهِ) الَّذِي يَبْقَى لَهُ مِنْ قِيمَةٍ، إنْ لَمْ يُدَلِّسْ بَائِعٌ، كَمَا مَرَّ، (وَأَخَذَ ثَمَنَهُ) ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ، (وَيَتَعَيَّنُ) لِمُشْتَرٍ أَخْذُ (أَرْشٍ مَعَ كَسْرٍ لَا تَبْقَى مَعَهُ قِيمَةٌ) ، كَجَوْزِ هِنْدٍ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ.
[فَرْعٌ أَنْعَلَ مُشْتَرٍ الدَّابَّةَ ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهَا بِعَيْبٍ]
(فَرْعٌ: لَوْ أَنْعَلَ مُشْتَرٍ الدَّابَّةَ، ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهَا بِعَيْبٍ) ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَنَزَعَ النَّعْلَ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ، (وَإِنْ كَانَ نَزْعُ النَّعْلِ يَعِيبُهَا، لَمْ يَنْزِعْ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ إدْخَالًا
لِلضَّرَرِ عَلَى الْبَائِعِ، (وَلَا) يَأْخُذُ الْمُشْتَرِي (قِيمَةَ) النَّعْلِ مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِفِعْلِهِ، (بَلْ) عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ (يَصْبِرَ لِسُقُوطِهِ) ، أَيْ: النَّعْلِ، أَوْ مَوْتِ الدَّابَّةِ، (فَيَأْخُذَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ.
[تَتِمَّةٌ اشْتَرَى ثَوْبًا مَطْوِيًّا فَنَشَرَهُ فَوَجَدَهُ مَعِيبًا]
تَتِمَّةٌ: لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا مَطْوِيًّا، إمَّا بِالصِّفَةِ، أَوْ بِرُؤْيَةِ بَعْضِهِ الدَّالِّ عَلَى بَقِيَّتِهِ، فَنَشَرَهُ فَوَجَدَهُ مَعِيبًا، فَلَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقِصُهُ النَّشْرُ، فَلَهُ رَدُّهُ مَجَّانًا، وَإِنْ كَانَ يُنْقِصُهُ النَّشْرُ، كالهسنجاني الَّذِي يُطْوَى عَلَى طَاقَيْنِ، فَكَجَوْزِ هِنْدٍ كَسَرَهُ ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهُ، فَلَهُ ذَلِكَ مَعَ رَدِّ أَرْشِهِ، لِنَقْصِهِ بِالنَّشْرِ، وَلَهُ أَخْذُ أَرْشِهِ إنْ أَمْسَكَهُ
[فَصْلٌ خِيَارُ عَيْبٍ مُتَرَاخٍ]
(فَصْلٌ: وَخِيَارُ عَيْبٍ مُتَرَاخٍ) ، كَخِيَارٍ (لِإِفْلَاسِ مُشْتَرٍ) بِالثَّمَنِ (وَ) خِيَارِ (خُلْفٍ فِي صِفَةٍ) أَوْ لِغَيْرِ مَا تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ مُتَرَاخٍ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ رَدُّ ضَرَرٍ مُسْتَحَقٍّ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِالتَّأْخِيرِ، كَالْقِصَاصِ، (لَا يَسْقُطُ إلَّا إنْ وُجِدَ دَلِيلُ رِضَا مُشْتَرٍ) ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الرِّضَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ بِهِ، (كَتَصَرُّفِهِ) فِي مَبِيعٍ (بَعْدَ عِلْمِهِ) بِعَيْبِهِ (وَقَبْلَ فَسْخٍ) بِنَحْوِ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ، (أَوْ قَبْلَ اخْتِيَارِ إمْسَاكٍ) فِي مَبِيعٍ، (وَكَاسْتِعْمَالِهِ) الْمَبِيعَ (لِغَيْرِ، تَجْرِبَةٍ) ، كَوَطْءٍ وَحَمْلٍ عَلَى دَابَّةٍ، (فَيَسْقُطُ أَرْشٌ، كَرَدٍّ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا.
وَإِنْ تَصَرَّفَ فِي بَعْضِهِ، فَلَهُ أَرْشُ الْبَاقِي، لَا رَدُّهُ (وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ (لَهُ الْأَرْشُ) فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
(اخْتَارَهُ جَمْعٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ " الرِّعَايَةِ " وَاسْتَظْهَرَهُ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَ عَنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: فِيهِ بُعْدٌ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، (وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ") قَالَ فِي " الشَّرْحِ " " وَالْفَائِق " وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ.
(وَيَتَّجِهُ صِحَّتُهُ) ، أَيْ: الْقَوْلِ بِالْإِمْسَاكِ مَعَ الْأَرْشِ، إنْ وُجِدَ دَلِيلُ الرِّضَا (مِنْ جَاهِلٍ) بِالْحُكْمِ، أَمَّا إذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ، فَلَا خِيَارَ لَهُ وَلَا أَرْشَ.
وَفِي هَذَا الِاتِّجَاهِ مِنْ صِنَاعَةِ التَّعْبِيرِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى النَّاقِدِ الْبَصِيرِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَتَصْحِيحِ كِلْتَا الْعِبَارَتَيْنِ، بِفَهْمٍ أَنِيقً وَنَظَرٍ دَقِيقٍ.
(وَلَا يَفْتَقِرُ رَدُّ) مُشْتَرٍ مَبِيعًا لِنَحْوِ عَيْبٍ (إلَى حُضُورِ بَائِعٍ، وَلَا إلَى رِضَاهُ، وَلَا لِحُكْمِ) حَاكِمٍ، كَالطَّلَاقِ، (وَكَذَا كُلُّ مَوْضِعٍ) فِي الْمُعَامَلَاتِ (قُلْنَا إنَّ لَهُ) ، أَيْ: الْعَاقِدِ (الْفَسْخَ، فَإِنَّهُ يُفْسَخُ بِلَا حُكْمِ حَاكِمٍ) ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ.
(وَلِمُشْتَرٍ مَعَ غَيْرِهِ) ، بِأَنْ اشْتَرَى شَخْصَانِ فَأَكْثَرُ (مَعِيبًا) صَفْقَةً وَاحِدَةً، أَوْ اشْتَرَيَا مَعِيبًا (بِشَرْطِ خِيَارٍ) ، أَوْ غُبِنَا، أَوْ دُلِّسَ عَلَيْهِمَا (إذَا رَضِيَ الْآخَرُ) بِالْبَيْعِ، وَأَمْضَاهُ (الْفَسْخُ فِي نَصِيبِهِ) مِنْ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ جَمِيعَ مَا مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ، فَجَازَ، (كَشِرَاءِ وَاحِدٍ مِنْ اثْنَيْنِ) شَيْئًا، ثُمَّ بَانَ عَيْبُهُ، أَوْ بِشَرْطِ خِيَارٍ وَنَحْوِهِ، فَلَهُ رَدُّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا بَاعَهُ لَهُ، وَلَا تَشْقِيصَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُشَقَّصًا قَبْلَ الْبَيْعِ، و (لَا) يَرُدُّ وَاحِدٌ نَصِيبَهُ مِنْ مَعِيبٍ أَوْ مَبِيعٍ بِشَرْطِ خِيَارٍ أَوْ نَحْوِهِ (إذَا وَرِثَ) الْمَعِيبَ أَوْ خِيَارَ الشَّرْطِ، (فَرَضِيَ بَعْضُ وَرَثَةٍ) ، لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ تَشْقِيصِ السِّلْعَةِ عَلَى الْبَائِعِ بِرَدِّ أَحَدِهِمْ دُونَ الْبَاقِي، وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْبَائِعُ عَنْ مِلْكِهِ غَيْرَ مُنْتَقِصَةٍ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهَا لِوَاحِدٍ، لَكِنْ لِمَنْ لَمْ يَرْضَ مِنْ الْوَرَثَةِ الْمُطَالَبَةُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْأَرْشِ لَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ.
(وَيَتَّجِهُ مَا لَمْ يَكُنْ) الْمَبِيعُ الْمَعِيبُ (نَحْوَ مَكِيلٍ) ، كَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ وَمَذْرُوعٍ، رَضِيَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِنَصِيبِهِ مِنْهُ مَعِيبًا، فَلِمَنْ سَخِطَهُ رَدُّ حِصَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ [وَهُوَ مُتَّجِهٌ] .
(وَلِحَاضِرٍ [مِنْ] مُشْتَرِي نَحْوِ مَكِيلٍ) ، كَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ وَمَذْرُوعٍ (نَقْدُ ثَمَنِ نِصْفِهِ) ، أَيْ: الْمَبِيعِ لَهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً، (وَقَبْضُ نِصْفِهِ) ، لِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ مُشَقَّصًا.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ، أَيْ: مِنْ جَوَازِ فَسْخِ الْحَاضِرِ وَرَدِّ حِصَّتِهِ، وَمِنْ نَقْدِهِ ثَمَنَ النِّصْفِ وَأَخْذِهِ، (جَوَازُ تَصَرُّفِ شَرِيكٍ فِي مَبِيعٍ مِثْلِيٍّ) ، كَمَكِيلٍ وَنَحْوِهِ (بِلَا إذْنِ شَرِيكِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا نَقْصَ فِيهِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ نَقَدَهُ) ، أَيْ: الثَّمَنَ (كُلَّهُ) عَنْ نَفْسِهِ وَشَرِيكِهِ، (لَمْ يَقْبِضْ إلَّا نِصْفَهُ) ، أَيْ: الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ بِالْعَقْدِ غَيْرَهُ، وَهَذَا فِي الْمَكِيلِ وَنَحْوِهِ، فَإِذَا كَانَ عَبْدًا أَوْ نَحْوَهُ، فَلَيْسَ لِبَائِعٍ إقْبَاضُهُ، بِغَيْرِ إذْنِ الْآخَرِ، (وَرَجَعَ) مُقْبِضُ كُلِّ الثَّمَنِ (عَلَى غَائِبٍ) بِنَظِيرِ مَا عَلَيْهِ مِنْهُ، إنْ نَوَى الرُّجُوعَ.
وَلَوْ قَالَ وَاحِدٌ لِاثْنَيْنِ: (بِعْتُكُمَا) بِكَذَا وَكَذَا، (فَقَالَ: أَحَدُهُمَا قَبِلْت) وَسَكَتَ الْآخَرُ، صَحَّ الْبَيْعُ (لَهُ) ، أَيْ: لِلْقَائِلِ: قَبِلْتُ: (فِي نِصْفِهِ) ، أَيْ: نِصْفِ الْمَبِيعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، لِتَعَدُّدِ الْعَقْدِ، بِتَعَدُّدِ الْمَعْقُودِ مَعَهُ.
(وَمَنْ اشْتَرَى مَعِيبَيْنِ) مِنْ وَاحِدٍ صَفْقَةً، (أَوْ) اشْتَرَى (مَعِيبًا فِي وِعَاءَيْنِ صَفْقَةً، لَمْ يَمْلِكْ رَدَّ أَحَدِهِمَا) ، أَيْ: أَحَدِ الْمَعِيبَيْنِ أَوْ مَا فِي أَحَدِ الْوِعَاءَيْنِ (بِقِسْطِهِ) مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ لِلصَّفْقَةِ مَعَ إمْكَانِ عَدَمِهِ، أَشْبَهَ رَدَّ بَعْضَ الْمَعِيبِ الْوَاحِدِ، وَلَهُ مَعَ الْإِمْسَاكِ الْأَرْشُ، (إلَّا إنْ تَلِفَ الْآخَرُ) فَلَهُ رَدُّ الْبَاقِي بِقِسْطِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْبَائِعِ، كَرَدِّ الْجَمِيعِ، (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي (بِيَمِينِهِ فِي قِيمَةِ تَالِفٍ) لِيُوَزِّعَ الثَّمَنَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لَمَا يَدَّعِيه الْبَائِعُ مِنْ زِيَادَةِ قِيمَتِهِ (وَمَعَ عَيْبِ أَحَدِهِمَا) ، أَيْ: أَحَدِ الْمَعِيبَيْنِ أَوْ مَا فِي الْوِعَاءَيْنِ (فَقَطْ) دُونَ الْآخَرِ (لَهُ رَدُّهُ) ، أَيْ: الْمَعِيبِ (بِقِسْطِهِ)
مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْبَائِعِ، وَلَا يَرُدُّ أَحَدَهُمَا (إنْ نَقَصَ) مَبِيعٌ (بِتَفْرِيقٍ، كَمِصْرَاعَيْ بَابٍ، وَزَوْجَيْ خُفٍّ) بِيعَا، وَوُجِدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبٌ، فَلَا يَرُدُّهُ وَحْدَهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى الْبَائِعِ بِنَقْصِ الْقِيمَةِ، (أَوْ حَرُمَ) بِتَفْرِيقٍ، (كَأَخَوَيْنِ) ، وَجَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ بِيعَا صَفْقَةً وَاحِدَةً، وَبَانَ أَحَدُهُمَا مَعِيبًا، (فَيَرُدُّهُمَا) مَعًا، (أَوْ) يَأْخُذُ مِنْ الْبَائِعِ (الْأَرْشَ) ، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ وَحْدَهُ، لِتَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، (وَمِثْلُهُ) ، أَيْ: مِثْلُ مَا ذُكِرَ فِي الْأَخَوَيْنِ، رَقِيقٌ (جَانٍ لَهُ وَلَدٌ) أَوْ أَخٌ وَنَحْوُهُ، وَأُرِيدَ بَيْعُ الْجَانِي فِي الْجِنَايَةِ، فَلَا يُبَاعُ وَحْدَهُ، لِتَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ، بَلْ (يُبَاعَانِ) وَقِيمَةُ جَانٍ تُصْرَفُ فِي أَرْشِ جِنَايَةٍ، عَلَى مَا يَأْتِي، (وَقِيمَةُ الْوَلَدِ) أَوْ نَحْوِهِ (لِمَوْلَاهُ) ، لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْجِنَايَةِ بِهِ، وَإِنَّمَا بِيعَ ضَرُورَةَ تَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ.
(وَالْمَبِيعُ بَعْدَ فَسْخٍ) لِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَمَانَةٌ بِيَدِ مُشْتَرٍ) ، لِحُصُولِهِ فِي يَدِهِ بِلَا تَعَدٍّ، (لَكِنْ يَرُدُّهُ) مُشْتَرٍ (فَوْرًا، فَإِنْ قَصَّرَ فِي رَدِّهِ) ، فَتَلِفَ، (ضَمِنَهُ) ، كَثَوْبٍ أَطَارَتْهُ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ.
[فَصْلٌ اخْتَلَفَا بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ عِنْدَ مَنْ حَدَثَ الْعَيْبُ]
(فَصْلٌ: وَإِنْ اخْتَلَفَا) ، أَيْ: بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ (عِنْدَ مَنْ حَدَثَ الْعَيْبُ) فِي الْمَبِيعِ (مَعَ الِاحْتِمَالِ) ، لِحُصُولِهِ عِنْدَ بَائِعٍ وَحُدُوثِهِ عِنْدَ مُشْتَرٍ، كَخَرْقِ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ، (وَلَا بَيِّنَةَ) لِأَحَدِهِمَا [ف] الْقَوْلُ (قَوْلُ مُنْتَقَلٍ إلَيْهِ) ، وَهُوَ الْمُشْتَرِي إنْ كَانَ الْعَيْبُ فِي الْمَبِيعِ، وَالْبَائِعُ إنْ كَانَ الْعَيْبُ فِي الثَّمَنِ (بِيَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الْقَبْضَ، فِي الْجُزْءِ الْفَائِتِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، كَقَبْضِ الْمَبِيعِ (عَلَى الْبَتِّ) ، فَيَحْلِفُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَبِهِ الْعَيْبُ، أَوْ أَنَّهُ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ، (إنْ لَمْ يَخْرُجْ) الْمَبِيعُ (عَنْ يَدِهِ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي، إلَى يَدِ غَيْرِهِ بِحَيْثُ لَا يُشَاهِدُهُ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ، ثُمَّ رُدَّ إلَيْهِ بِعَيْبِ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ يَدِهِ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهُ الْحَلِفُ وَلَا رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا غَابَ عَنْهُ اُحْتُمِلَ حُدُوثُهُ عِنْدَ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ، (وَإِلَّا) ، بِأَنْ خَرَجَ عَنْ يَدِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَحْلِيفُهُ، فَلَوْ اُسْتُحْلِفَ، حَلَفَ (عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ) ، وَامْتَنَعَ رَدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِوُجُودِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ قَبْلَ شِرَائِهِ،
فَإِذَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، حَلَفَ الْبَائِعُ، وَأُلْزِمَ بِهِ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ خِلَافُ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَفْهُومَهُ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِمُخَالَفَتِهِ نُصُوصَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ.
(وَإِنْ لَمْ يُحْتَمَلْ إلَّا قَوْلُ أَحَدِهِمَا) ، أَيْ: الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي، (كَإِصْبَعٍ زَائِدَةٍ) ، وَشَجَّةٍ مُنْدَمِلَةٌ لَا يُمْكِنُ حُدُوثُ مِثْلِهَا إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ حُدُوثَهَا، قُبِلَ قَوْلُ مُشْتَرٍ بِلَا يَمِينٍ، (وَكَجُرْحٍ طَرِيٍّ) لَا يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ قَدِيمًا، (قُبِلَ) قَوْلُ بَائِعٍ (بِلَا يَمِينٍ) ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى اسْتِحْلَافِهِ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ بَائِعِ) شِقْصٍ (مُعَيَّنٍ) بِيَمِينِهِ (أَنَّهُ) ، أَيْ: الْمَعِيبَ الْمُعَيَّنَ بِعَقْدٍ، (لَيْسَ الْمَرْدُودَ) نَصًّا؛؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ كَوْنَ هَذِهِ سِلْعَتَهُ، وَيُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ الْفَسْخِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ بِيَمِينِهِ، (إلَّا فِي خِيَارِ شَرْطٍ) إذَا أَرَادَ الْمُشْتَرِي رَدَّ مَبِيعٍ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ كَوْنَهُ الْمَبِيعَ، فَالْقَوْلُ (قَوْلُ مُشْتَرٍ) بِيَمِينِهِ أَنَّهُ الْمَرْدُودُ؛ لِأَنَّهُمَا هُنَا اتَّفَقَا عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْفَسْخِ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَكَذَا اعْتِرَافُ الْبَائِعِ بِعَيْبٍ مَا بَاعَهُ، فَفَسَخَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْبَائِعُ أَنْ الْمَبِيعَ هُوَ الْمَرْدُودُ، فَقَوْلُ الْمُشْتَرِي، لِمَا تَقَدَّمَ.
صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " فِي التَّفْلِيسِ، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ (قَابِضٍ) مِنْ بَائِعٍ وَغَيْرِهِ بِيَمِينِهِ فِي (ثَابِتٍ فِي ذِمَّةٍ مِنْ ثَمَنِ) مَبِيعٍ.
(وَيَتَّجِهُ وَمُثَمَّنٌ) أَقَرَّ بِقَبْضِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْإِنْصَافِ " " وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " " وَفُرُوقِ السَّامِرِيِّ " وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُنْدُسٍ فِي " حَوَاشِي الْفُرُوعِ " [وَأَنَّهُ مُرَادُهُمْ] وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَقَرْضٌ وَسَلَمٌ وَأُجْرَةٌ وَقِيمَةُ مُتْلَفٍ وَصَدَاقٌ وَنَحْوُهُ) ، كَجَعَالَةٍ مِمَّا هُوَ فِي ذِمَّةِ دَافِعٍ إذَا دَفَعَهُ لِمُسْتَحِقِّهِ، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ، وَأَنْكَرَ مَقْبُوضٌ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَأْخُوذَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ بِيَمِينِهِ إنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ يَدِهِ بِحَيْثُ يَغِيبُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ فِي الذِّمَّةِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ حُكْمَ (كُلٍّ عِوَضٌ مُعَيَّنٌ قُبِضَ) وَاخْتَلَفَا فِي أَنَّهُ لَيْسَ الْمَرْدُودَ، (كَمَبِيعٍ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ آنِفًا وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيُقْبَلُ إقْرَارُ وَكِيلٍ بِعَيْبٍ مُحْتَمَلٍ عَلَى مُوَكِّلِهِ الْمُنْكِرِ) لَهُ، أَيْ: إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ شَيْئًا، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ فِيهِ، وَكَانَ يُمْكِنُ حُدُوثُهُ، فَأَقَرَّ الْوَكِيلُ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَالَةَ الْعَقْدِ، وَأَنْكَرَهُ الْمُوَكِّلُ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِالْعَيْبِ كَمَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ (بِخِيَارِ شَرْطٍ) ، وَتَقَدَّمَ، فَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْعَقْدِ، وَيَرُدُّهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ جَزَمَ بِعَدَمِ قَبُولِ إقْرَارِ الْوَكِيلِ (هُنَا.
وَيَأْتِي) تَفْصِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمُوَافَقَةُ " الْإِقْنَاعِ " لِغَيْرِهِ (فِي بَابِ الْوَكَالَةِ) مُسْتَوْفًى.
(وَمَنْ بَاعَ قِنًّا) عَبْدًا أَوْ أَمَةً - وَلَوْ مُدَبَّرًا وَنَحْوَهُ - (تَلْزَمُهُ عُقُوبَةٌ مِنْ نَحْوِ قِصَاصٍ) ، كَحَدٍّ (وَلِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ) ، أَيْ: لُزُومَ الْعُقُوبَةِ لَهُ، (فَلَا شَيْءَ لَهُ) ؛ لِرِضَاهُ بِهِ مَعِيبًا، (وَإِنْ عَلِمَ) بِذَلِكَ (بَعْدَ الْبَيْعِ، خُيِّرَ بَيْنَ رَدٍّ) وَأَخْذِ مَا دَفَعَ مِنْ ثَمَنٍ، (وَ) بَيْنَ أَخْذِ (أَرْشٍ) ؛ لِتَعَذُّرِ الرَّدِّ، (وَهُوَ) ، أَيْ: الْأَرْشُ قِسْطُ (مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ جَانِيًا وَسَلِيمًا) ، فَلَوْ قُوِّمَ سَلِيمًا بِمِائَةٍ، وَجَانِيًا بِثَمَانِينَ، فَمَا بَيْنَهُمَا الْخُمُسُ، فَالْأَرْشُ إذَا خَمَّسَ الْمِائَةَ، وَهُوَ عِشْرُونَ، وَإِنْ دَلَّسَ بَائِعٌ، فَاتَ عَلَيْهِ وَرَجَعَ مُشْتَرٍ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ عَلِمَ مُشْتَرٍ (بَعْدَ قَطْعٍ) قِصَاصًا، أَوْ لِسَرِقَةٍ وَنَحْوِهَا (وَلَا تَدْلِيسَ، فَحُكْمُهُ، كَمَا لَوْ) اشْتَرَى مَبِيعًا
مَعِيبًا عَلَى أَنَّهُ سَلِيمٌ فَظَهَرَ أَنَّهُ مَعِيبٌ، ثُمَّ (عَابَ عِنْدَهُ) ، أَيْ الْمُشْتَرِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لَهُ الْأَرْشَ لِلْعَيْبِ الْأَوَّلِ مَعَ الْإِمْسَاكِ، وَلَهُ الرَّدُّ مَعَ أَرْشِ نَقْصِهِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، قَالَهُ " الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْقَطْعِ دُونَ حَقِيقَةٍ، وَقَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْتُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ يَعْنِي الْقَطْعَ لَيْسَ بِحُدُوثِ عَيْبٍ عِنْدَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ قَبْلَ الْبَيْعِ، غَايَتُهُ أَنَّهُ اسْتَوْفَى مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا، فَلَا يُسْقِطُ ذَلِكَ حَقَّ الْمُشْتَرِي مِنْ الرَّدِّ، انْتَهَى.
فَعَلَيْهِ يَكُونُ تَشْبِيهُهُ بِمَا تَعَيَّبَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ فَقَطْ، لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَائِعُ قَدْ دَلَّسَ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَإِنْ دَلَّسَ عَلَيْهِ رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، وَذَهَبَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ إنْ قُتِلَ أَوْ قُطِعَ.
(وَيَتَّجِهُ وَأَرْشُهُ) قِسْطُ (مَا بَيْنَ كَوْنِهِ) أَيْ: الْعَبْدِ (مَقْطُوعًا) طَرَفُهُ (بِالْفِعْلِ، أَوْ) كَوْنِهِ (مُسْتَحِقًّا لِلْقَطْعِ) ، فَيُقَوَّمُ مُسْتَحِقَّ الْقَطْعِ وَمَقْطُوعًا، وَيُرَدُّ مَا بَيْنَهُمَا؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ لَزِمَهُ) ، أَيْ: الْقِنَّ الْمَبِيعَ، أَيْ: تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ (مَالٌ) أَوْجَبَتْهُ جِنَايَتُهُ (قَبْلَ بَيْعِهٍ) ، أَوْ جَنَى عَمْدًا، وَعَفَا عَنْهُ إلَى مَالٍ - وَالسَّيِّدُ مُعْسِرٌ - (قَدَّمَ بِهِ حَقُّ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ) ؛ لِسَبَقِهِ عَلَى مُشْتَرٍ، فَيُبَاعُ فِيهَا، وَيُوَفِّي الْمَالَ الْوَاجِبَ بِالْجِنَايَةِ، (وَلِمُشْتَرٍ) جَهِلَ الْحَالَ (الْخِيَارُ) ، لِتَمَكُّنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنْ انْتِزَاعِهِ، كَسَائِرِ الْعُيُوبِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْإِمْسَاكَ، وَاسْتَوْعَبَتْ الْجِنَايَةُ رَقَبَةَ الْمَبِيعِ، وَأَخَذَ بِهَا، رَجَعَ مُشْتَرٍ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ أَرْشَ مِثْلِ ذَلِكَ جَمِيعُ الثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَوْعِبَةً، فَيَرْجِعُ بِقَدْرِ أَرْشِهِ، أَيْ: نِسْبَتِهِ إلَى قِيمَتِهِ مِنْ ثَمَنِهِ، فَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْجَانِي مِائَةً وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ خَمْسِينَ، رَجَعَ مُشْتَرٍ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، (وَإِنْ كَانَ) بَائِعٌ (مُوسِرًا، تَعَلَّقَ الْأَقَلُّ مِنْ أَرْشٍ) وَجَبَ بِجِنَايَةِ مَبِيعٍ قَبْلَ بَيْعٍ، (وَقِيمَةُ) الْجَانِي (بِذِمَّتِهِ) ، أَيْ: الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ تَسْلِيمِهِ فِي الْجِنَايَةِ
وَفِدَائِهِ، فَإِذَا بَاعَهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِدَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَى الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُهُ أَرْشُهُ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ، (وَلَا خِيَارَ لِمُشْتَرٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ، لِرُجُوعِ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ عَلَى بَائِعٍ.
[فَرْعٌ مَنْ اشْتَرَى مَتَاعًا فَوَجَدَهُ خَيْرًا مِمَّا اشْتَرَى]
(فَرْعٌ: مَنْ اشْتَرَى مَتَاعًا، فَوَجَدَهُ خَيْرًا مِمَّا اشْتَرَى، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ لِبَائِعِهِ الْجَاهِلِ) بِأَنَّهُ خَيْرٌ مِمَّا اشْتَرَى بِهِ، أَمَّا لَوْ كَانَ الْبَائِعُ عَالِمًا بِذَلِكَ، فَلَا رَدَّ، لِرِضَاهُ بِذَلِكَ، (كَمَا أَنَّ لَهُ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي (رَدَّهُ) ، أَيْ: الْمَبِيعَ (لَوْ وَجَدَهُ أَرْدَأَ) . نَصَّ عَلَيْهِ.
الْقِسْمُ (السَّادِسُ) مِنْ أَقْسَامِ الْخِيَارِ (خِيَارٌ فِي الْمَبِيعِ بِتَخْبِيرِ الثَّمَنِ) ، إذَا أَخْبَرَ بَائِعٌ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ، (وَبَيْعُ الْمُسَاوَمَةِ أَسْهَلُ مِنْهُ نَصًّا) ، لِبُعْدِهِ عَنْ الرِّيبَةِ، وَقَالَ فِي " الْحَاوِي الْكَبِيرِ " لِضِيقِ الْمُرَابَحَةِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُعْلِمَ الْمُشْتَرِيَ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ النَّقْدِ وَالْوَزْنِ وَتَأْخِيرِ الثَّمَنِ، وَمِمَّنْ اشْتَرَاهُ، وَيَلْزَمُهُ الْمُؤْنَةُ وَالرَّقْمُ وَالْقِصَارَةُ وَالسُّمْرَةُ وَالْحَمْلُ، وَلَا يُغَرُّ فِيهِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا بَيَّنَهُ لَهُ، لِيَعْلَمَ الْمُشْتَرِي بِكُلِّ مَا يَعْلَمُهُ الْبَائِعُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ [الْمُسَاوَمَةُ] انْتَهَى.
(وَيَثْبُتُ) الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ بِتَخْبِيرِ الثَّمَنِ فِي أَرْبَعِ صُوَرٍ: وَهِيَ التَّوْلِيَةُ وَالشَّرِكَةُ وَالْمُرَابَحَةُ وَالْمُوَاضَعَةُ، وَاخْتَصَّتْ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ كَاخْتِصَاصِ السَّلَمِ بِاسْمِهِ (فِي تَوْلِيَةٍ، كَقَوْلِهِ: وَلَّيْتُكَهُ) ، أَيْ: الْمَبِيعَ (أَوْ بِعْتُكَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ، أَوْ) بِعْتُكَهُ (بِمَا اشْتَرَيْتُهُ) بِهِ، (أَوْ) بِعْتُكَهُ (بِرَقْمِهِ) أَيْ: بِثَمَنِهِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ، (وَ) هُمَا (يَعْلَمَانِهِ) ، أَيْ: الثَّمَنَ أَوْ الرَّقْمَ.
(وَفِي شَرِكَةٍ، وَهِيَ بَيْعُ بَعْضِهِ) ، أَيْ: الْمَبِيعِ (بِقِسْطِهِ) مِنْ الثَّمَنِ، كَقَوْلِهِ: (أَشْرَكْتُكَ فِي ثُلُثِهِ) ، أَوْ أَشْرَكْتُكَ فِي (رُبْعِهِ) ، أَوْ ثُلُثَيْهِ، أَوْ ثُمُنِهِ.
(وَأَشْرَكْتُكَ فَقَطْ، يَنْصَرِفُ لِنِصْفِهِ) ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، (فَإِنْ) قَالَ لِوَاحِدٍ: أَشْرَكْتُكَ، ثُمَّ (قَالَ لِآخَرَ عَالِمٍ بِشَرِكَةِ الْأَوَّلِ، فَلَهُ نِصْفُ نَصِيبِهِ) ، أَيْ: الرَّبْعُ؛ لِأَنَّ إشْرَاكَهُ لَهُ
إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَمْلِكُهُ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا، (وَإِلَّا) يَعْلَمْ مَقُولٌ لَهُ بِشَرِكَةِ الْأَوَّلِ، (أَخَذَ نَصِيبَهُ كُلَّهُ) - وَهُوَ النِّصْفُ -؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ فَقَدْ طَلَبَ مِنْهُ نِصْفَ الْمَبِيعِ، وَأَجَابَهُ إلَيْهِ، (وَإِنْ قَالَ) ثَالِثُ لَهُمَا ابْتِدَاءً (أَشْرِكَانِي فَأَشْرَكَاهُ مَعًا، أَخَذَ ثُلُثَهُ) ، لِاقْتِضَائِهِ التَّسْوِيَةَ، وَإِنْ أَشْرَكَاهُ (فُرَادَى) ، بِأَنْ أَشْرَكَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ، (فَلَهُ نِصْفُ مَا لِكُلٍّ) مِنْهَا، وَهُوَ رَبْعُ الْكَامِلِ، فَيَتِمُّ لَهُ النِّصْفُ، وَلَهُمَا النِّصْفُ، (وَمَنْ أَشْرَكَ آخَرَ فِي قَفِيزٍ) اشْتَرَاهُ مِنْ نَحْوِ بُرٍّ، أَوْ شَعِيرٍ (أَوْ نَحْوِهِ) ، كَرِطْلِ حَدِيدٍ، أَوْ ذِرَاعٍ مِنْ نَحْوِ ثَوْبٍ، (قَبَضَ) الَّذِي أُشْرِكَ (بَعْضَهُ) ، أَيْ: الْقَفِيزَ وَنَحْوَهُ، (أَخَذَ) الَّذِي أَشْرَكَهُ (نِصْفَ الْمَقْبُوضِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ) ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ بِنَحْوِ كَيْلٍ، لَا يَصِحُّ إلَّا فِيمَا قُبِضَ مِنْهُ، (وَإِنْ بَاعَهُ) مُشْتَرِي الْقَفِيزِ، (كُلَّهُ، أَوْ) بَاعَهُ (مِنْ كُلِّهِ) ، أَيْ: كُلِّ الْقَفِيزِ (جُزْءًا) ، كَنِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ (يُسَاوِي مَا قَبَضَ) قَدْرًا، (انْصَرَفَ) الْبَيْعِ (إلَى الْمَقْبُوضِ) ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ.
(وَفِي مُرَابَحَةٍ وَهِيَ بَيْعُهُ) ، أَيْ: الْمَبِيعَ (بِثَمَنِهِ) ، أَيْ رَأْسِ مَالِهِ، (وَبِرِبْحٍ مَعْلُومٍ) ، بِأَنْ يَقُولَ مَثَلًا ثَمَنُهُ مِائَةٌ بِعْتُكَهُ بِهَا وَبِرِبْحِ خَمْسَةٍ، (وَلَا كَرَاهَةَ) فِي ذَلِكَ.
(وَإِنْ قَالَ) بِعْتُكَهُ بِثَمَنِهِ (عَلَى أَنْ أَرْبَحَ فِي كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا كُرِهَ) نَصًّا، وَاحْتَجَّ بِكَرَاهَةِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَأَنَّهُ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ، كَمَا يُكْرَهُ قَوْلُهُ لَهُ (ده يازده) ، أَيْ الْعَشْرُ أَحَدَ عَشَرَ (أَوْ) قَوْلُهُ (ده دوازده) ، أَيْ: الْعَشَرَةُ اثْنَا عَشَرَ.
قَالَ أَحْمَدُ: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ الْأَعَاجِمِ، وَلِأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ لَا يُعْلَمُ فِي الْحَالِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (اعْتِبَارُ الْخِطَابِ بِغَيْرِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مَكْرُوهٌ، فَإِنَّهُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ، قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ: إيَّاكُمْ وَرَطَانَةَ الْأَعَاجِمِ) .
(وَفِي مُوَاضِعَةٍ: وَهِيَ بَيْعٌ بِخُسْرَانٍ) ، كَبِعْتَكَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ وَوَضِيعَةِ عَشَرَةٍ (وَكُرِهَ فِيهَا) ، أَيْ: الْمُوَاضَعَةِ (مَا كُرِهَ فِي مُرَابَحَةٍ) ، كَعَلَيَّ أَنْ
أَضَعَ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا، (فَمَا ثَمَنُهُ) الَّذِي اشْتَرَى بِهِ (مِائَةٌ، وَبَاعَهُ بِهِ) ، أَيْ: بِثَمَنِهِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ، (وَوَضِيعَةِ دِرْهَمٍ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ، وَقَعَ) الْبَيْعُ (بِتِسْعِينَ) ، لِسُقُوطِ عَشَرَةٍ مِنْ الْمِائَةِ (وَ) إنْ بَاعَهُ بِثَمَنِهِ الْمِائَةِ وَوَضِيعَةِ دِرْهَمَ (لِكُلِّ) عَشَرَةٍ، (أَوْ عَنْ كُلِّ عَشَرَةٍ، وَقَعَ) الْبَيْعُ (بِتِسْعِينَ وَعَشَرَةِ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْحَطَّ) فِي الصُّورَتَيْنِ (مِنْ أَحَدَ عَشَرَ) ، لَا مِنْ الْعَشَرَةِ، فَيُحَطُّ مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، فَيَسْقُطُ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ تِسْعَةٌ، وَمِنْ دِرْهَمٍ جُزْءٌ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْهُ، فَيَبْقَى مَا ذُكِرَ، (وَلَا تَضُرُّ الْجَهَالَةُ حِينَئِذٍ) وَقَعَ الْعَقْدُ، (لِزَوَالِهَا بِالْحِسَابِ) بَعْدَ ذَلِكَ.
(وَيُعْتَبَرُ لِلْأَرْبَعَةِ) ، أَيْ: التَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُرَابَحَةِ وَالْمُوَاضَعَةِ (عِلْمُهُمَا) ، أَيْ: الْعَاقِدَيْنِ (بِرَأْسِ الْمَالِ وَلَوْ) كَانَ الْعِلْمُ (بِإِخْبَارِ بَائِعٍ) ثِقَةٍ (لِمُشْتَرٍ) - لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ الْعِلْمُ بِالثَّمَنِ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ.
وَمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا ظَهَرَ الثَّمَنُ أَقَلَّ مِمَّا أَخْبَرَ بَائِعٌ، تَبِعَ فِيهِ " الْمُقْنِعَ " وَهُوَ رِوَايَةُ حَنْبَلٍ.
(وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ مَتَى بَانَ رَأْسُ مَالٍ أَقَلَّ) مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ بَائِعٌ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ (أَوْ) بَانَ (مُؤَجَّلًا) وَلَمْ يُبَيِّنْهُ، (حُطَّ الزَّائِدُ) عَنْ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ فَقَطْ، أَوْ مَعَ قَدْرِهِ مِنْ رِبْحٍ أَوْ وَضِيعَةٍ، فَإِذَا بَانَ رَأْسُ مَالِهِ دُونَ مَا أَخْبَرَ بِهِ كَانَ مَبِيعًا بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَلَا خِيَارَ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِسْقَاطِ قَدْ زِيدَ خَيْرًا، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ مَعِيبًا، فَبَانَ سَلِيمًا، وَكَمَا لَوْ وَكَّلَ مَنْ يَشْتَرِيهِ بِمِائَةِ، فَاشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ.
(وَيُحَطْ) أَيْضًا (قِسْطُهُ) ، أَيْ: الزَّائِدُ (فِي مُرَابَحَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ، (وَيَنْقُصُ) قِسْطُ الزِّيَادَةِ (فِي مُوَاضَعَةٍ) ، كَأَنْ: يَقُولَ: هِيَ بِمِائَةٍ، فَتَبِينُ بِخَمْسِينَ، وَيَكُونُ قَدْ وَضَعَ لَهُ عِشْرِينَ، فَإِنَّهُ يَحُطُّ الزِّيَادَةَ، وَيَحُطُّ مِنْ الْوَضِيعَةِ عَشَرَةً قِسْطَ الزِّيَادَةِ مِنْهَا، فَتَبْقَى [عَلَيْهِ] بِأَرْبَعِينَ، كَمَا فِي " حَوَاشِي ابْنِ نَصْرِ اللَّهِ ".
(وَأَجَلُ) ثَمَنٍ (فِي مُؤَجَّلٍ) لَمْ يُخَيَّرْ بِهِ [بَائِعٌ] عَلَى وَجْهِهِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ، فَيَكُونُ عَلَى حُكْمِهِ، وَأَجَلِهِ الَّذِي اشْتَرَاهُ إلَيْهِ بَائِعُهُ.
(وَلَا خِيَارَ) لِمُشْتَرٍ، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَى بَائِعٍ غَلَطًا) فِي إخْبَارٍ بِرَأْسِ مَالٍ، كَأَنْ قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ قَالَ غَلِطْتُ، بَلْ اشْتَرَيْتُهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ (بِلَا بَيِّنَةٍ) قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى "؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالثَّمَنِ وَتَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، وَكَوْنُهُ مُؤْتَمَنًا لَا يَجِبُ قَبُولَ دَعْوَاهُ الْغَلَطَ، أَشْبَهَ الْمُضَارِبَ إذَا ادَّعَى الْغَلَطَ فِي الرِّبْحِ بَعْدَ إقْرَارِهِ.
(وَيَتَّجِهُ كَهِيَ) ، أَيْ: كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (قَوْلُ مُدَّعٍ) أَنْكَرَ خَصْمُهُ مَا ادَّعَاهُ (لَا بَيِّنَةَ لِي، ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ أَتَى بِبَيِّنَةٍ، و (ادَّعَى عَدَمَ عِلْمِهِ بِهَا) ، أَيْ: الْبَيِّنَةِ، (وَأَقَامَ بِذَلِكَ) الشَّيْءِ الَّذِي ادَّعَى بِهِ عَلَى خَصْمِهِ (بَيِّنَةً) ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ، وَيُحْكَمُ لَهُ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ شَهَادَتُهُمَا، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ وَلَا يَعْلَمُهَا، وَنَفْيُ الْعِلْمِ بِهَا، لَيْسَ نَفْيًا لَهَا، فَلَا يَكُونُ مُكَذِّبًا لَهَا، وَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ مُسْتَوْفًى.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَاخْتَارَ الْأَكْثَرُ) مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ: الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ " قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: وَهُوَ الْقِيَاسُ.
وَجَزَمَ فِي " الْمُنَوِّرِ " وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ (يُقْبَلُ قَوْلُ بَائِعٍ بِيَمِينِهِ) ، فَيَحْلِفُ، بِطَلَبِ مُشْتَرٍ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمَّا دَخَلَ مَعَ الْبَائِعِ فِي الْمُرَابَحَةِ، فَقَدْ ائْتَمَنَهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ بِيَمِينِهِ، (لَا سِيَّمَا) إنْ كَانَ الْبَائِعُ مِمَّنْ هُوَ (مَعْرُوفٌ بِصِدْقِ) الْمَقَالِ، فَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ: مُشْتَرَاهُ مِائَةٌ ثُمَّ قَالَ: غَلِطْتُ وَالثَّمَنُ زَائِدٍ عَمَّا أَخْبَرْتُ بِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَيَحْلِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ وَقْتَ الْبَيْعِ أَنَّ ثَمَنَهَا أَكْثَرُ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ، (وَيُخَيَّرُ مُشْتَرٍ إذَنْ) ، أَيْ: بَعْدَ حَلِفِ بَائِعٍ (بَيْنَ رَدٍّ وَ) بَيْنَ (دَفْعِ زِيَادَةٍ) ادَّعَاهَا الْبَائِعُ، وَإِنْ نَكَلَ الْبَائِعُ عَنْ الْيَمِينِ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا مَا
وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِعَدَمِ الْغَلَطِ، (وَلَا يَحْلِفُ مُشْتَرٍ بِدَعْوَى بَائِعٍ عَلَيْهِ عِلْمَ غَلَطٍ) ، أَيْ: لَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ غَلَطًا، وَقَالَ إنَّ الْمُشْتَرِيَ يَعْلَمُ، وَالْتَمَسَ مِنْ الْحَاكِمِ تَحْلِيفَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَلَا يَجِبُ تَحْلِيفُهُ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ لَهُ فَيَسْتَغْنِي بِالْإِقْرَارِ عَنْ الْيَمِينِ.
(وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِدُونِ ثَمَنِهَا) الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ (عَالِمًا) بِالنَّقْصِ عَنْ ثَمَنِهَا، (لَزِمَهُ) الْبَيْعُ، وَلَا خِيَارَ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ غَيْرُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ - (وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً) بِأَنَّ مَا بَاعَهَا بِهِ دُونَ ثَمَنِهَا - (وَإِلَّا) نَقَلَ بِإِلْزَامِهِ الْبَيْعَ، (فَالْجَاهِلُ مِثْلُهُ) ، وَهَذَا لَا قَائِلَ بِهِ، وَلَا يَبْقَى مَزِيَّةٌ لِقَوْلِهِمْ عَالِمًا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ اشْتَرَاهُ) ، أَيْ: الْمَبِيعَ تَوْلِيَةً أَوْ شَرِكَةً أَوْ مُرَابَحَةً أَوْ مُوَاضَعَةً (مِمَّنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ) ، كَأَحَدِ عَمُودَيْ نَسَبِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ، لَزِمَهُ بَيَانُ الْحَالِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ حَابَاهُمْ، وَسَمَحَ لَهُمْ بِزِيَادَةٍ فِي الثَّمَنِ، (أَوْ) اشْتَرَاهُ (مِمَّنْ حَابَاهُ) ، أَيْ: اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ، لَزِمَهُ بَيَانُ الْحَالِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ غُلَامِ دُكَّانِهِ الْحُرِّ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ حِيلَةً، فَيَلْزَمُهُ بَيَانُ الْحَالِ، (أَوْ) اشْتَرَاهُ (لِرَغْبَةٍ تَخُصُّهُ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِيَ، (كَسَمْنِ) جَارِيَةٍ، أَوْ كَانَ الْمَبِيعُ دَارًا بِجِوَارِ مَنْزِلِهِ، أَوْ أَمَةً لِرَضَاعِ وَلَدِهِ، لَزِمَهُ بَيَانُ الْحَالِ، (أَوْ) اشْتَرَاهُ (لِمَوْسِمٍ ذَهَبَ) ، كَاَلَّذِي يُبَاعُ عَلَى الْعِيدِ، [أَنَّهُ اشْتَرَاهُ قُرْبَهُ، وَبَقِيَ عِنْدَهُ لَزِمَهُ بَيَانُ الْحَالِ، أَوْ اشْتَرَاهُ بِدَنَانِيرَ فَأَخْبَرَ فِي الْبَيْعِ] بِتَخْبِيرِ الثَّمَنِ، أَنَّهُ اشْتَرَاهُ (بِدَرَاهِمَ، أَوْ) أَخْبَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِعَرَضٍ وَعَكْسِهِ، بِأَنْ اشْتَرَاهُ بِدَرَاهِمَ أَوْ عَرَضٍ، لَزِمَهُ
بَيَانُ الْحَالِ.
(أَوْ بَاعَ بَعْضَهُ) ، أَيْ: الْمَبِيعِ (بِقِسْطِهِ) مِنْ الثَّمَنِ، (وَلَيْسَ) الْمَبِيعُ (مِثْلِيًّا) ، كَمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ مُتَسَاوِي الْأَجْزَاءِ، (لَزِمَهُ بَيَانُ الْحَالِ) لِمُشْتَرٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَرْضَى بِهِ إذَا عَلِمَهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَجَرَةً مُثْمِرَةً، وَأَرَادَ بَيْعَهَا دُونَ ثَمَرَتِهَا مُرَابَحَةً، وَنَحْوَهَا، وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا وَنَحْوَهُ، جَازَ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً وَنَحْوَهَا، وَإِنْ لَمْ يَبِنْ الْحَالُ.
(فَإِنْ كَتَمَ) بَائِعٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، (خُيِّرَ مُشْتَرٍ بَيْنَ رَدٍّ وَإِمْسَاكٍ بِلَا أَرْشٍ) ، كَالتَّدْلِيسِ، وَهُوَ حَرَامٌ، كَتَدْلِيسِ الْعَيْبِ، وَهَذَا إنْ نَقَصَ الْمَبِيعُ بِمَرَضٍ، أَوْ وِلَادَةٍ، أَوْ عَيْبٍ، أَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ، أَوْ أَخَذَ مُشْتَرٍ صُوفًا أَوْ لَبَنًا وَنَحْوَهُ كَانَ حِينَ بِيعَ، أَخْبَرَ بِالْحَالِ، وَإِنْ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ أَرَادَ بَيْعَ أَحَدِهِمَا بِتَخْبِيرِ الثَّمَنِ، أَوْ اشْتَرَى اثْنَانِ شَيْئًا وَتَقَاسَمَا، وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا بَيْعَ نَصِيبِهِ مُرَابَحَةً أَوْ تَوْلِيَةً أَوْ مُوَاضَعَةً، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُتَقَوِّمَاتِ الَّتِي لَا يَنْقَسِمُ عَلَيْهَا الثَّمَنُ بِالْأَجْزَاءِ، كَالثِّيَابِ وَالْعَبِيدِ وَنَحْوِهَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَ بِتَخْبِيرِ الثَّمَنِ حَتَّى يُبَيِّنَ الْحَالَ عَلَى وَجْهِهِ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الثَّمَنِ عَلَى ذَلِكَ تَخْمِينٌ، وَاحْتِمَالُ الْخَطَأِ فِيهِ كَثِيرٌ.
(لَكِنْ لَوْ أَسْلَمَ فِي ثَوْبَيْنِ) وَنَحْوِهِمَا (بِصَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ) ، وَأَخَذَهُمَا عَلَى الصَّفْقَةِ، (فَلَهُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا) بِتَخْبِيرِ ثَمَنِهِ (مُرَابَحَةً) أَوْ مُوَاضَعَةً (بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ) ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، فَهُمَا كَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ الْمُتَمَاثِلَةِ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَابَلَهُ فِي أَحَدِهِمَا، أَوْ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ، كَانَ لَهُ نِصْفُ الثَّمَنِ، وَإِنْ حَصَّلَ فِي أَحَدِهِمَا زِيَادَةً عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَوْقَعَ عَلَيْهَا الْعَقْدُ، جَرَتْ مَجْرَى النَّمَاءِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَلَا يُؤَثِّرُ عَدَمُ الْإِخْبَارِ بِهِ فِي بَيْعِ الثَّانِي بِتَخْبِيرِ الثَّمَنِ.
[تَتِمَّةٌ إذَا أَرَادَ الْبَائِعُ الْإِخْبَارَ بِثَمَنِ سِلْعَةٍ]
ٍ، وَكَانَتْ بِحَالِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ بِزِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، أَوْ زَادَتْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، كَسِمَنٍ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ أَخْبَرَ بِثَمَنِهَا [الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ، سَوَاءٌ غَلَتْ أَوْ رَخُصَتْ، فَإِنْ رَخُصَتْ وَأَخْبَرَهُ بِدُونِ ثَمَنِهَا] ، وَلَمْ يُبِنْ الْحَالَ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ وَالْكَذِبُ حَرَامٌ.
.
(وَمَا يُزَادُ فِي ثَمَنٍ) زَمَنَ الْخِيَارَيْنِ (أَوْ) يُزَادُ فِي (مُثَمَّنٍ) زَمَنَ الْخِيَارَيْنِ، (أَوْ) يُزَادُ فِي (أَجَلٍ) زَمَنَ الْخِيَارَيْنِ (أَوْ) يُزَادُ فِي (خِيَارِ) شَرْطٍ فِي بَيْعٍ، يَلْحَقُ بِالْعَقْدِ، فَيُخَيَّرُ بِهِ، كَأَصْلِهِ، (أَوْ) ، أَيْ: وَمَا (يُحَطُّ) ، أَيْ: يُوضَعُ مِنْ ثَمَنٍ أَوْ مُثَمَّنٍ أَوْ أَجَلٍ أَوْ خِيَارٍ (زَمَنَ الْخِيَارَيْنِ) ، أَيْ: خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ، (يَلْحَقُ بِهِ) ، أَيْ: الْعَقْدِ، فَيَجِبُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ، كَأَصْلِهِ، تَنْزِيلًا لِحَالِ الْخِيَارِ مَنْزِلَةَ حَالِ الْعَقْدِ، وَإِنْ حُطَّ الثَّمَنُ كُلُّهُ، فَهِبَةٌ، وَلَا يَلْحَقُ بِعَقْدِ مَا زِيدَ، أَوْ حُطَّ فِيمَا ذُكِرَ (بَعْدَ لُزُومِهِ) ، أَيْ: الْعَقْدِ، فَلَا يَجِبُ [أَنْ يُخْبِرَ بِهِ، (وَلَا إنْ جَنَى مَبِيعٌ فَفَدَاهُ مُشْتَرٍ، أَوْ مَرِضَ فَدَاوَاهُ) ، فَلَا يَلْحَقُ] ذَلِكَ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ بِهِ الْمَبِيعُ ذَاتًا وَلَا قِيمَةً، وَإِنَّمَا هُوَ مُزِيلٌ لِنَقْصِهِ بِالْجِنَايَةِ أَوْ الْمَرَضِ، (أَوْ) ، أَيْ: وَكَذَا لَوْ (مَانَهُ) أَوْ كَسَاهُ، لَا تَلْحَقُ بِالثَّمَنِ، (وَإِنْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ، فَحَسَنٌ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَمُّ فِي الصِّدْقِ.
(وَإِنْ أَخَذَ) الْمُشْتَرِي (أَرْشًا لِعَيْبٍ أَوْ) أَرْشًا (لِجِنَايَةٍ) عَلَى مَبِيعٍ، (أَخْبَرَ بِهِ) إذَا بَاعَ بِتَخْبِيرِ الثَّمَنِ عَلَى وَجْهِهِ - وَلَوْ كَانَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارَيْنِ -؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ فِي مُقَابَلَةِ جُزْءٍ مِنْ الْمَبِيعِ، فَيُخْبِرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِهَذَا، أَوْ أَخَذَ أَرْشَهُ كَذَا.
و (لَا) يَلْزَمُ إخْبَارٌ (بِأَخْذِ نَمَاءٍ حَادِثٍ، وَاسْتِخْدَامٍ، وَوَطْءٍ، مَا لَمْ يُنْقِصْهُ) الْوَطْءُ، كَبِكْرٍ، فَيَلْزَمُهُ الْإِخْبَارُ بِهِ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا غَيْرُهُ وَأَخَذَ الْأَرْشَ.
(وَهِبَةُ مُشْتَرٍ لِوَكِيلٍ بَاعَهُ) شَيْئًا مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ غَيْرِهِ، (كَزِيَادَةٍ) فِي الثَّمَنِ، فَتَكُونُ لِبَائِعٍ وَيُخَيَّرُ بِهَا.
(وَهِبَةُ بَائِعٍ لِوَكِيلٍ) اشْتَرَى مِنْهُ، (كَنَقْصٍ) مِنْ الثَّمَنِ، فَتَلْحَقُ بِالْعَقْدِ (لِأَنَّهَا لِمُوَكِّلِهِ) ، وَهُوَ الْمُشْتَرِي، وَيُخَيَّرُ بِهَا.
(وَإِنْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ، [وَعَمِلَ] ) فِيهِ بِنَفْسِهِ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً، (أَوْ) عَمِلَ (غَيْرُهُ فِيهِ) ، أَيْ: الثَّوْبِ، فَصَبَغَهُ، أَوْ قَصَّرَهُ (- وَلَوْ بِأُجْرَةٍ - مَا يُسَاوِي عَشَرَةً، أَخْبَرَ بِهِ) عَلَى وَجْهِهِ، فَإِنْ ضَمَّهُ إلَى الثَّمَنِ، وَأَخْبَرَ بِهِ، كَانَ كَاذِبًا، وَتَغْرِيرًا لِلْمُشْتَرِي.
(وَلَا يَجُوزُ) قَوْلُهُ: (تَحَصَّلَ) عَلَيَّ (بِعِشْرِينَ) ؛ لِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ.
(وَمِثْلُهُ أُجْرَةُ نَحْوِ مَكَانِ) الْمَبِيعِ، (وَ) أُجْرَةُ (كَيْلِهِ) ، وَأُجْرَةُ (وَزْنِهِ، وَ) أُجْرَةُ (حَمْلِهِ) وَسِمْسَارِهِ، فَيُخْبِرُ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَا يَضُمُّهُ إلَى الثَّمَنِ، فَيُخَيِّرُ بِهِ، وَلَا يَقُولُ تَحَصَّلَ عَلَيَّ بِكَذَا، وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِدَنَانِيرَ، فَأَخْبَرَ بِدَرَاهِمَ وَعَكْسِهِ، أَوْ بِنَقْدٍ، وَأَخْبَرَ بِعَرَضٍ وَنَحْوِهِ، فَلِمُشْتَرٍ الْخِيَارُ.
(وَإِنْ بَاعَ مَا اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ، لَمْ يَبْقَ مُرَابَحَةٌ، بَلْ يُخَيَّرُ بِالْحَالِ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الصِّدْقِ، وَأَقْرَبُ إلَى الْحَقِّ، (أَوْ يَحُطُّ الرِّبْحَ مِنْ) الْعَشَرَةِ (الثَّمَنِ الثَّانِي، وَيُخْبِرُ أَنَّهُ) تَحَصَّلَ (عَلَيْهِ بِخَمْسَةٍ) ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ أَحَدُ نَوْعَيْ النَّمَاءِ، فَوَجَبَ الْإِخْبَارُ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ وَنَحْوِهَا، كَالنَّمَاءِ مِنْ نَفْسِ الْمَبِيعِ، كَالثَّمَرَةِ وَنَحْوِهَا، و (لَا) يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ (أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةٍ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ) ، وَهُوَ حَرَامٌ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
(وَقِيلَ يَجُوزُ) أَنْ يُخْبِرَ (أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ، وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " " وَالْإِنْصَافِ ") وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ - (لَوْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ) ، بِأَنْ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ بَاعَهُ بِعِشْرِينَ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ، (أَخْبَرَ بِالْحَالِ) عَلَى وَجْهِهِ قَوْلًا وَاحِدًا عِنْدَهُمْ، (وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ بَاعَهُ بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ بَيْنَهُ) ، أَيْ: الثَّمَنِ الثَّانِي، إذْ بَاعَ بِتَخْبِيرِ الثَّمَنِ، (وَلَا يَضُمُّ الْخَسَارَةَ لِثَمَنٍ ثَانٍ) ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ.
(وَمَا بَاعَهُ اثْنَانِ) مِنْ عَقَارٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا (مُرَابَحَةً، فَثَمَنُهُ) بَيْنَهُمَا (بِحَسَبِ مِلْكِيَّتِهَا) ، كَمُسَاوَمَةٍ، و (لَا) يَكُونُ ثَمَنُهُ (عَلَى رَأْسِ مَالَيْهِمَا) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ عِوَضُ الْمَبِيعِ فَهُوَ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا، (وَلَوْ اشْتَرَيَا) ، أَيْ: اثْنَانِ (ثَوْبًا بِعِشْرِينَ، فَسِيمَ) الثَّوْبُ مِنْهُمَا (بِاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ، فَاشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِذَلِكَ) السِّعْرِ الْمَبْذُولِ لَهُمَا، (أَخْبَرَ فِي الْمُرَابَحَةِ) وَنَحْوِهَا (بِأَحَدٍ وَعِشْرِينَ) ، عَشَرَةٍ ثَمَنِ نَصِيبِهِ الْأَوَّلِ،
وَأَحَدَ عَشَرَ ثَمَنِ نَصِيبِ صَاحِبِهِ، (لَا بِاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ) ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ.
الْقِسْمُ (السَّابِعُ) مِنْ أَقْسَامِ الْخِيَارِ (خِيَارٌ) يَثْبُتُ (لِاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعِينَ) فِي الثَّمَنِ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ.
(إذَا) (اخْتَلَفَا، أَوْ) اخْتَلَفَ (وَرَثَتُهُمَا) ، أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَرَثَةُ الْآخَرِ (فِي قَدْرِ ثَمَنٍ) قَبْلَ قَبْضِهِ، بِأَنْ قَالَ: بَائِعٌ أَوْ وَارِثُهُ: الثَّمَنُ أَلْفٌ، وَقَالَ مُشْتَرٍ أَوْ وَارِثُهُ: ثَمَانِمِائَةٍ، (وَلَا بَيِّنَةَ) لِأَحَدِهِمَا، تَحَالَفَا، أَوْ كَانَ (لَهُمَا) ، أَيْ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ بِمَا ادَّعَاهُ، (وَتَعَارَضَتَا) ، أَيْ: الْبَيِّنَتَانِ، (تَحَالَفَا) ، أَيْ، الْمُتَعَاقِدَانِ، وَسَقَطَتْ بَيِّنَتَاهُمَا، فَيَصِيرَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُ (- وَلَوْ بَعْدَ تَلَفِ مَبِيعٍ -؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ صُورَةً، وَكَذَا حُكْمًا لِسَمَاعِ بَيِّنَتِهِمَا) ، لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ: «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ، وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ، وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا تَحَالَفَا» ) وَإِنَّمَا قُلْنَا يَتَحَالَفَانِ - وَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ تَالِفَةً - لِقَوْلِ الْإِمَامِ فِي الْجَوَابِ عَنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: لَمْ يَقُلْ فِيهِ وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ إلَّا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَقَدْ أَخْطَأَ.
رَوَاهُ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ لَمْ يَقُولُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ، وَلَكِنَّهَا فِي حَدِيثِ مَعْنٍ.
(وَلَا يُسْمَعُ فِي الدَّيْنِ إلَّا بَيِّنَةُ مُدَّعٍ بِاتِّفَاقِنَا) . قَالَهُ " فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ". إذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، (فَيَحْلِفُ بَائِعٌ أَوَّلًا) ، لِقُوَّةِ بَيِّنَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ يُرَدُّ إلَيْهِ (مُقَدَّمَا لِلنَّفْيِ عَلَى الْإِثْبَاتِ) قَائِلًا فِي حَلِفِهِ: (مَا بِعْتُهُ بِكَذَا، أَوْ إنَّمَا بِعْتُهُ بِكَذَا) ، فَالنَّفْيُ لِمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ وَالْإِثْبَاتُ لِمَا ادَّعَاهُ، (ثُمَّ) يَحْلِفُ (مُشْتَرٍ مَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا، وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا) ، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَحْلِفُ وَارِثٌ حَضَرَ الْعَقْدَ عَلَى الْبَتِّ) ، إنْ عَلِمَ الثَّمَنَ، (وَإِلَّا) يَحْضُرْ الْعَقْدَ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ الثَّمَنَ، فَيَحْلِفُ (عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ) ؛ لِأَنَّهُ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ.
ثُمَّ بَعْدَ التَّحَالُفِ (إنْ) (رَضِيَ أَحَدُهُمَا) ، أَيْ: الْعَاقِدَيْنِ (بِقَوْلِ الْآخَرِ) ، أَخَّرَ الْعَقْدَ؛ لِأَنَّ مَنْ رَضِيَ صَاحِبُهُ بِقَوْلِهِ مِنْهُمَا، حَصَلَ مَا ادَّعَاهُ، فَلَا خِيَارَ لَهُ، (أَوْ نَكَلَ) أَحَدُهُمَا عَنْ الْيَمِينِ، (وَحَلَفَ الْآخَرُ) ، (أَقَرَّ الْعَقْدَ) بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ،
(وَلَزِمَ نَاكِلًا) مِنْهُمَا (مَا حَلَفَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) لِقَضَاءِ عُثْمَانَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّ النُّكُولَ كَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ نَكَلَ، وَبِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ بَدَّلَ أَحَدَ شِقَّيْ الْيَمِينِ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ نَاكِلًا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ فِيهَا بِالْمَجْمُوعِ، (وَإِلَّا) يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ الْآخَرِ بَعْدَ التَّحَالُفِ، (فَلِكُلٍّ) مِنْهُمَا (الْفَسْخُ) ، وَلَوْ (بِلَا حَاكِمٍ) ؛ لِأَنَّهُ لِاسْتِدْرَاكِ الظُّلَامَةَ، أَشْبَهَ رَدَّ الْمَعِيبِ.
(وَيُفْسَخُ) الْبَيْعُ بِفَسْخِ أَحَدِهِمَا (ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فِي حَقِّهِمَا - وَلَوْ مَعَ ظُلْمِ أَحَدِهِمَا -) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ.
(وَلَا يُفْسَخُ) الْعَقْدُ (بِتَحَالُفٍ أَوْ جُحُودٍ) ، بَلْ مِنْ تَصْرِيحِ أَحَدِهِمَا بِالْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ، فَلَمْ يُفْسَخْ بِاخْتِلَافِهِمَا وَتَعَارُضِهِمَا فِي الْحُجَّةِ، كَمَا لَوْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً.
قَالَ الْمُنَقِّحُ: (فَإِنْ نَكَلَا) ، أَيْ: امْتَنَعَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي مِنْ الْحَلِفِ، (صَرَفَهُمَا) حَاكِمٌ، (كَمَا لَوْ نَكَلَ مَنْ تُرَدُّ عَلَيْهِ الْيَمِينُ) عَلَى الْقَوْلِ بِرَدِّهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
(وَكَذَا إجَارَةٌ) اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرَانِ أَوْ وَرَثَتُهُمَا فِي قَدْرِ الْأُجْرَةِ، (فَإِذَا تَحَالَفَا) - كَمَا تَقَدَّمَ - (وَفُسِخَتْ) الْإِجَارَةُ (بَعْدَ فَرَاغِ مُدَّةٍ) ، فَعَلَى مُسْتَأْجِرٍ (أُجْرَةُ مِثْلِ) الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، (وَ) إنْ فُسِخَتْ أَثْنَاءَهَا، أَيْ: مُدَّةِ الْإِجَارَةِ يُؤْخَذُ مِنْ مُسْتَأْجِرٍ (بِالْقِسْطِ) مِنْ أُجْرَةِ مِثْلٍ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مَا اسْتَوْفَى مِنْ الْمَنْفَعَةِ.
(وَيَحْلِفُ بَائِعٌ فَقَطْ، إنْ كَانَ التَّحَالُفُ) فِي قَدْرِ الثَّمَنِ (بَعْدَ قَبْضِ ثَمَنٍ وَفَسْخِ عَقْدٍ، بِنَحْوِ إقَالَةٍ أَوْ عَيْبٍ) ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْقَبْضِ.
(وَإِذَا تَحَالَفَا) ، أَيْ الْمُتَبَايِعَانِ (بَعْدَ تَلَفِ بَيْعٍ قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنٍ، غَرِمَ مُشْتَرٍ مِثْلَهُ) أَيْ: الْمَبِيعِ، إنْ كَانَ مِثْلِيًّا (أَوْ قِيمَتَهُ) إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا.
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَكِنَّ الْجَمَاعَةَ، وَصَاحِبَ " الْمُنْتَهَى " أَوْجَبُوا الْقِيمَةَ، وَأَطْلَقُوا.
وَقَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ ": وَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ تَالِفَةً، وَتَحَالَفَا، رَجَعَا إلَى قِيمَةِ مِثْلِهَا، إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَإِلَّا فَقِيمَتُهَا.
وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى الْخِلَافِ، كَمَا الْتَزَمَ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ (فِيهَا) ، أَيْ: قِيمَةِ الْمَبِيعِ التَّالِفِ، نَصًّا؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، (إذَا لَمْ تُعْرَفْ قِيمَةُ مِثْلِهِ) فَلَوْ عُرِفَتْ، رَجَعَ إلَيْهَا.
(وَ) يُقْبَلُ قَوْلُ مُشْتَرٍ (فِي قَدْرِهِ) ، أَيْ: الْمَبِيعِ التَّالِفِ، (وَفِي صِفَتِهِ) : بِأَنْ قَالَ بَائِعٌ: كَانَ الْعَبْدُ كَاتِبًا، وَأَنْكَرَهُ مُشْتَرٍ، فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَلَوْ وَصَفَ السِّلْعَةَ التَّالِفَةَ مُشْتَرٍ بِعَيْبٍ، كَبَرَصٍ وَجُنُونٍ وَخَرْقِ ثَوْبٍ وَقَطْعِ إصْبَعٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَيْبِ.
(وَإِنْ تَعَيَّبْ) مَبِيعٌ عِنْدَ مُشْتَرٍ (قَبْلَ تَلَفِهِ، ضَمَّ أَرْشَهُ إلَيْهِ) إلَى قِيمَتِهِ حَالَ عَقْدٍ، لِاعْتِبَارِهَا حِينَئِذٍ، لَا حِينَ تَلَفٍ.
قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَاسْتَظْهَرَهُ فِي " حَاشِيَةِ الْإِقْنَاعِ ".
(وَكَذَا كُلُّ غَارِمٍ) يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي قِيمَةِ مَا يَغْرَمُهُ وَقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ، كَمُشْتَرٍ، (وَلَا) يُقْبَلُ (وَصْفُهُ) ، أَيْ: وَصْفُ مُشْتَرٍ الْمَبِيعَ التَّالِفَ، وَالْغَارِمِ لِمَا يَغْرَمُ (بِعَيْبٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ، (وَإِنْ ثَبَتَ عَيْبُهُ، قَبْلَ قَوْلِهِ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي، أَوْ الْغَارِمِ (فِي تَقَدُّمِهِ) ، أَيْ: الْعَيْبِ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ التَّلَفِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِمَّا يُدَّعَى عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ قَبُولِهِ قَوْلُهُ (حَيْثُ اُحْتُمِلَ) صِدْقُهُ، بِأَنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ الظَّاهِرُ، كَمَا لَوْ وُجِدَ بِهِ جُرْحٌ طَرِيٌّ، وَادَّعَى قِدَمَهُ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
.
الْقِسْمُ (الثَّامِنُ) مِنْ أَقْسَامِ الْخِيَارِ (خِيَارٌ يَثْبُتُ لِلْخُلْفِ فِي الصِّفَةِ) إذَا
بَاعَهُ بِالْوَصْفِ، (وَلِتَغَيُّرِ مَا تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ الْعَقْدَ، وَتَقَدَّمَ) فِي السَّادِسِ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ.
(وَيَتَّجِهُ أَنْ يُزَادَ) عَلَى أَقْسَامِ الْخِيَارِ قِسْمًا تَاسِعًا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: الْقِسْمُ (التَّاسِعُ) مِنْ أَقْسَامِ الْخِيَارِ (خِيَارٌ يَثْبُتُ) لِلْمُشْتَرِي (لِفَقْدِ شَرْطٍ صَحِيحٍ أَوْ) فَقْدِ شَرْطٍ (فَاسِدٍ) سَوَاءٌ كَانَ يُبْطِلُ الْعَقْدَ أَوْ لَا يُبْطِلُهُ، فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا اشْتِرَاطَهُ، وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ، فَقَوْلُ مُنْكِرِهِ (عَلَى مَا مَرَّ) تَفْصِيلُهُ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ.
(وَ) يَثْبُتُ الْخِيَارُ أَيْضًا (لِفَوَاتِ غَرَضٍ مِنْ ظَنٍّ) مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (دُخُولَ مَا لَمْ يَدْخُلْهُ فِي شِرَاءٍ، أَوْ) ظَنِّ (عَدَمِهِ) ، أَيْ: الدُّخُولِ (فِي بَيْعٍ كَمَا يَأْتِي) قَرِيبًا.
(وَ) يَثْبُتُ أَيْضًا (بِظُهُورِ عُسْرِ مُشْتَرٍ - وَلَوْ بِبَعْضِ الثَّمَنِ -) سَوَاءٌ (هَرَبَ) الْمُشْتَرِي (أَوْ لَا) ، فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ فِي الْحَالِ (أَوْ) ، أَيْ: وَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ (حُجِرَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الْمُشْتَرِي (لِفَلَسٍ) ، وَيَأْتِي فِي الْحَجْرِ أَنَّهُ لَهُ الرُّجُوعُ بِعَيْنِ مَالِهِ بِشُرُوطِهِ، وَلَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ إذَا ظَهَرَ الْإِعْسَارُ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي إنْظَارِهِ، (أَوْ) ، أَيْ: وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ إذَا (غَيَّبَ) مُشْتَرٍ (مَالَهُ) بِمَحَلٍّ (بَعِيدٍ) ، كَمَسَافَةِ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ.
(وَلَا فَسْخَ لِبَائِعٍ بِكَوْنِ مُشْتَرٍ مُوسِرًا مُمَاطِلًا) ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ يَنْدَفِعُ بِرَفْعِهِ إلَى الْحَاكِمِ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: بَلْ (لَهُ) أَيْ: الْبَائِعِ (الْفَسْخُ) إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُوسِرًا مُمَاطِلًا، دَفْعًا لِضَرَرِ الْمُخَاصَمَةِ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الصَّوَابُ.
قُلْتُ لَوْ رَأَى فُقَهَاؤُنَا أَهْلَ زَمَانِنَا وَحُكَّامَنَا، لَحَذَفُوا هَذَا الْفَرْعَ مِنْ أَصْلِهِ، وَحَكَمُوا بِعَدَمِ صِحَّةِ الْعَقْدِ مَعَ الْمُوسِرِ الْمُمَاطِلِ.
(وَلَا) فَسْخَ لِلْبَائِعِ (بِهُرُوبِهِ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي الْمُوسِرِ قَبْلَ دَفْعِ الثَّمَنِ،
(وَيُوفِي حَاكِمٌ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ إنْ وُجِدَ) لَهُ مَالٌ، (وَإِلَّا بَاعَ الْمَبِيعَ، وَوَفَّى ثَمَنَهُ مِنْهُ) ، وَحَفِظَ الْبَاقِيَ إنْ كَانَ؛ لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ وِلَايَةَ مَالِ الْغَائِبِ، كَمَا يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ.
وَإِنْ لَمْ يُوفِ الْمَبِيعُ بِالثَّمَنِ، فَيَتْبَعُ بَائِعٌ مُشْتَرِيًا بِمَا بَقِيَ لَهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ هَرَبِهِ.
[فَصْلٌ اخْتَلَفَا الْبَائِعَانِ فِي صِفَةِ الثَّمَن]
(فَصْلٌ: وَإِنْ اخْتَلَفَا) ، أَيْ: الْبَائِعَانِ (فِي صِفَةِ ثَمَنٍ) اتَّفَقَا عَلَى ذِكْرِهِ فِي الْبَيْعِ (وَيَتَّجِهُ أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (جِنْسِهِ) ، كَمَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَقَدَ بِذَهَبٍ، وَالْآخَرُ بِفِضَّةٍ، أَوْ أَحَدُهُمَا بِنَقْدٍ وَالْآخَرُ بِعَرَضٍ، أَيْ: فَالْحُكْمُ فِيهِمَا كَاخْتِلَافٍ فِي الصِّفَةِ، وَهَذَا لَيْسَ بِوَجِيهٍ، إذْ الْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ أَوْ عَيْنِهِ.
وَتَقَدَّمَ، (أُخِذَ بِيَمِينِ مُدَّعِي نَقْدِ الْبَلَدِ) إنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا إلَّا نَقْدٌ وَاحِدٌ وَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا، فَيَقْضِي لَهُ بِهِ عَمَلًا بِالْقَرِينَةِ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُ الْعَقْدِ بِهِ، فَلَوْ أَبْطَلَ السُّلْطَانُ ذَلِكَ النَّقْدَ، لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ إلَّا ذَلِكَ النَّقْدُ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ حِنْطَةً، فَرَخُصَتْ، فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا.
(ثُمَّ) إنْ كَانَ بِالْبَلَدِ نُقُودٌ وَاخْتَلَفَتْ رَوَاجًا، أَخَذَ (غَالِبَهُ رَوَاجًا) ، لِغَلَبَتِهِ وَكَثْرَةِ الْمُعَامَلَةِ بِهِ، (فَإِنْ اسْتَوَتْ) النُّقُودُ رَوَاجًا (فَالْوَسَطُ) مِنْهَا، تَسْوِيَةً بَيْن حَقَّيْهِمَا، وَدَفْعًا لِلْمِيلِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا عَلَى مُدَّعِي الْمَأْخُوذِ الْيَمِينَ، لِاحْتِمَالِ مَا قَالَهُ خَصْمُهُ.
(وَيَتَّجِهُ) إنَّمَا يَرْجِعُ إلَى مَا ذُكِرَ حَيْثُ ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا، (وَإِلَّا) بِأَنْ ادَّعَيَا غَيْرَهُ، (تَحَالَفَا، أَوْ تَفَاسَخَا) - ذَكَرَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ - (لِعَدَمِ) دَلِيلٍ (ظَاهِرٍ) يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ أَحَدِهِمَا، (وَاحْتُمِلَ) لَوْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا (مَعَ تَفَاوُتِ الثَّمَنَيْنِ قِيمَةً، أَنْ يَكُونَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْقَدْر) ، أَيْ: فِي قَدْرِ الثَّمَنِ،
وَتَقَدَّمَ إذَا تَخَالَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ صُورَةً وَحُكْمًا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي شَرْطٍ صَحِيحٍ أَوْ) شَرْطٍ (فَاسِدٍ) يُبْطِلُ الْعَقْدَ، أَوْ لَا، بِأَنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا اشْتِرَاطَهُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَقَوْلُ مُنْكِرِهِ، (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (أَجَلٍ فِي غَيْرِ سَلَمٍ) - إذْ السَّلَمُ لَا يَكُونُ حَالًّا، وَيَأْتِي - (وَ) فِي غَيْرِ (إقْرَارٍ) - إذْ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ عَلَى كَذَا مُؤَجَّلَةً إلَى كَذَا، وَلَوْ عَزَاهُ إلَى سَبَبٍ قَابِلٍ لِأَمْرَيْنِ، كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ - (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (رَهْنٍ، أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (قَدْرِهِمَا) ، أَيْ: الْأَجَلِ وَالرَّهْنِ، (أَوْ) فِي شَرْطِ (ضَمِينٍ) بِالثَّمَنِ أَوْ بِعُهْدَتِهِ أَوْ عُهْدَةِ الْمَبِيعِ، (فَقَوْلُ مُنْكِرِهِ بِيَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، كَمَا يُقْبَلُ (مُنْكِرٌ مُفْسِدٌ) لِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ، فَإِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا مَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ (مِنْ نَحْوِ إكْرَاهٍ) ، كَسَفَهٍ (أَوْ جُنُونٍ) . (وَلَوْ عَمَلًا لَهُ حَالَةَ جُنُونٍ) ، وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ، فَقَوْلُ الْمُنْكِرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ الصِّحَّةُ، (وَنَصَّ عَلَيْهِ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (فِي دَعْوَى عَبْدٍ عَدِمَ الْإِذْنِ) مِنْ سَيِّدِهِ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إنْكَارُ الْمُشْتَرِي، (وَ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي دَعْوَى (بَائِعِ الصِّغَرِ) ، بِأَنْ ادَّعَى أَنَّهُ حَالَ الْعَقْدِ كَانَ صَغِيرًا، وَأَنْكَرَهُ
الْمُشْتَرِي، فَقَوْلُهُ مَا لَمْ يُكَذِّبْهُ الظَّاهِرُ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ قَوْلُ الْمُنْكِرِ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ أَنَّهُ لَا يَتَعَاطَى إلَّا عَقْدًا صَحِيحًا.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَبِيعٍ) ، بِأَنْ قَالَ بَائِعٌ: بِعْتُكَ قَفِيزَيْنِ، فَقَالَ مُشْتَرٍ: بَلْ ثَلَاثَةً (فَقَوْلُ بَائِعٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ، وَالْبَيْعُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمَبِيعِ، فَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي عَقْدًا آخَرَ يُنْكِرُهُ الْبَائِعُ، بِخِلَافِ الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ.
(وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ قَبُولِ قَوْلِ الْبَائِعِ (إنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ الْحِسُّ) ، فَإِنْ كَذَّبَهُ الْحِسُّ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَكَذَا) لَوْ اخْتَلَفَا (فِي عَيْنِهِ) ، أَيْ: الْمَبِيعِ، كَبِعْتَنِي هَذِهِ الْجَارِيَةَ، فَيَقُولُ: بَلْ الْعَبْدَ، فَقَوْلُ بَائِعٍ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ كَالْغَارِمِ.
وَوَرَثَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَتِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
(فَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ) مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ (بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، ثَبَتَ الْعَقْدَانِ مَعًا، لِعَدَمِ تَنَافِيهِمَا) ، إذْ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَى الْجَارِيَةَ، ثُمَّ الْعَبْدَ، (وَكَذَا حُكْمُ إجَارَةٍ) فِي سَائِرِ مَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ تَشَاحَّا فِي أَيِّهِمَا يُسَلِّمُ قَبْلَ) الْآخَرِ، فَقَالَ الْبَائِعُ: لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَتَسَلَّمَ الثَّمَنَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أُسَلِّمُ الثَّمَنَ حَتَّى أَتَسَلَّمَ الْمَبِيعَ، (وَالثَّمَنُ عَيْنٌ) ، أَيْ: مُعَيَّنٌ فِي الْعَقْدِ، (نُصِبَ عَدْلٌ) ، أَيْ: نَصَّبَهُ الْحَاكِمُ، لِيَقْطَعَ النِّزَاعَ (يَقْبِضُ مِنْهُمَا الْمَبِيعَ وَالثَّمَنَ، وَيُسَلِّمُ الْمَبِيعَ) لِمُشْتَرٍ، (ثُمَّ) يُسَلِّمُ (الثَّمَنَ)
لِبَائِعٍ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمَبِيعِ مِنْ تَتِمَّاتِ الْبَيْعِ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ، وَاسْتِحْقَاقُ الثَّمَنِ مُرَتَّبٌ عَلَى تَمَامِ الْبَيْعِ، وَلِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ، (وَإِنْ بَادَرَ أَحَدَهُمَا بِالتَّسْلِيمِ) ، أَيْ: تَسْلِيمِ مَا عَلَيْهِ، (أُجْبِرَ الْآخَرُ) عَلَى قَبْضِهِ وَتَسْلِيمِ مَا عَلَيْهِ أَيْضًا.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يُؤْخَذُ (مِنْهُ) ، أَيْ: تَشَاحِّهِمَا فِي أَيِّهِمَا يُسَلِّمُ مَا بِيَدِهِ قَبْلَ الْآخَرِ (جَوَازُ حَبْسِ الْمَبِيعِ عَلَى ثَمَنِهِ الْمُعَيَّنِ، وَإِنْ صَحَّ قَبْضُهُ) ، أَيْ: الْمَبِيعِ (بِلَا رِضَا بَائِعٍ) ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ جَوَازَ حَبْسِهِ عَلَى ثَمَنِهِ، (فَمِنْ ضَمَانِهِ) ، أَيْ: الْبَائِعِ، كَمَا لَوْ كَانَ غَاصِبًا فَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا حَالًّا، أُجْبِرَ بَائِعٌ) عَلَى تَسْلِيمِ مَبِيعٍ، لِتَعَلُّقِ حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بِعَيْنِهِ، (وَلَا يُحْبَسُ الْمَبِيعُ عَلَى قَبْضِ ثَمَنِهِ إذَنْ، نَصًّا) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ، وَحَقَّ الْبَائِعِ تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُ مَا تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ، كَتَقْدِيمِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، (ثُمَّ أُجْبِرَ مُشْتَرٍ) عَلَى تَسْلِيمِ ثَمَنٍ (إنْ كَانَ الثَّمَنُ حَاضِرًا) مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ وَمَطْلُهُ ظُلْمٌ، (وَ) إنْ كَانَ الثَّمَنُ الْحَالُّ (غَائِبًا دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ، حَجَرَ حَاكِمٌ عَلَى مُشْتَرٍ فِي مَالِهِ كُلِّهِ) حَتَّى الْمَبِيعِ (حَتَّى يُسَلِّمَهُ) ، أَيْ: الثَّمَنَ، خَوْفًا مِنْ تَصَرَّفْهُ، فَيَضُرُّ بِبَائِعٍ.
وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ غَائِبًا (أَوْ) غَيَّبَهُ مُشْتَرٍ (فَوْقَهَا) ، أَيْ: فَوْقَ مَسَافَةِ قَصْرٍ، (أَوْ ظَهَرَ مُعْسِرًا، فَيَفْسَخُ) الْبَائِعُ، لِتَعَذُّرِ قَبْضِ الثَّمَنِ عَلَيْهِ، (وَتَقَدَّمَ) قَرِيبًا.
(وَكَذَا) ، أَيْ: كَبَائِعٍ فِيمَا ذُكِرَ (مُؤَجِّرٌ بِنَقْدٍ حَالٍّ) ، فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا، لَمْ يُطَالَبْ بِهِ حَتَّى يَحِلَّ.
(وَإِنْ أَحْضَرَ مُشْتَرٍ بَعْضَ الثَّمَنِ، لَمْ يَمْلِكْ أَخْذَ مَا يُقَابِلُهُ) مِنْ مَبِيعٍ (إنْ نَقَصَ) مَبِيعٌ (بِتَشْقِيصٍ) ، كَمِصْرَاعَيْ بَابٍ، وَقُلْنَا: لِبَائِعٍ حَبْسُ مَبِيعٍ عَلَى ثَمَنِهِ لِئَلَّا يَتَصَرَّفَ فِيهِ، وَلَا يَقْدِرَ عَلَى بَاقِي الثَّمَنِ، فَيَتَضَرَّرَ بَائِعٌ بِنَقْصِ قِيمَةِ مَا بِيَدِهِ.
(وَيَتَّجِهُ هَذَا) الْمَذْكُورُ مِنْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا حَضَرَ بَعْضَ الثَّمَنِ لَا يَمْلِكُ أَخْذَ مَا يُقَابِلُهُ (فِي) مُشْتَرٍ (مُعْسِرٍ) بِبَاقِي الثَّمَنِ، (وَإِلَّا) يَكُنْ مُعْسِرًا، (فَلَا) يُمْنَعُ مِنْ أَخْذِ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ، (لِمَا مَرَّ) قَرِيبًا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يَمْلِكُ بَائِعٌ مُطَالَبَةً بِثَمَنٍ بِذِمَّةٍ [زَمَنَ] خِيَارِ شَرْطٍ، وَلَا) يَمْلِكُ (أَحَدُهُمَا قَبْضَ مُعَيَّنٍ) مِنْ ثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ (زَمَنَهُ) ، أَيْ: زَمَنَ خِيَارِ شَرْطٍ (بِغَيْرِ إذْنٍ صَرِيحٍ) فِي قَبْضِهِ (مِمَّنْ الْخِيَارُ لَهُ) ، لِعَدَمِ انْقِطَاعِ عَلَقِهِ عَنْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَى بَائِعٍ تَسْلِيمُ مَبِيعٍ، فَلِمُشْتَرٍ الْفَسْخُ.
(وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ لَا خِيَارَ مَجْلِسٍ) فِيمَا يَمْلِكُ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَبْضَ مُعَيَّنٍ فِي الْمَجْلِسِ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ صَاحِبُهُ - إذْ قَبْضُهُ لِذَلِكَ لَا يَقْطَعُ خَيْرَ صَاحِبِهِ، فَإِنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَصْلٌ فِي التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ]
(فَصْلٌ) فِي التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ (وَمَا) (اُشْتُرِيَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (بِكَيْلٍ) ، كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ، (أَوْ) اُشْتُرِيَ (بِوَزْنٍ) ، كَرَطْلٍ مِنْ زُبْرَةِ حَدِيدٍ، (أَوْ) اُشْتُرِيَ (بِذِرَاعٍ) ، كَثَوْبٍ عَلَى أَنَّهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ (أَوْ) اُشْتُرِيَ (بِعَدٍّ) ، كَبَيْضٍ عَلَى أَنَّهُ مِائَةٌ، (مُلِكَ) الْمَبِيعُ بِمُجَرَّدِ عَقْدٍ، فَنَمَاؤُهُ لِمُشْتَرٍ أَمَانَةٌ بِيَدِ بَائِعٍ، (وَلَزِمَ) الْبَيْعُ فِيهِ (بِمُجَرَّدِ عَقْدٍ) لَا خِيَارَ فِيهِ كَسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ، (وَلَوْ) كَانَ الْمَبِيعُ (قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ، أَوْ) كَانَ (رَطْلًا مِنْ زُبْرَةِ) حَدِيدٍ، أَوْ نَحْوَهُ، (لَكِنْ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي، فَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَمِنْ ضَمَانِ بَائِعٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَهَى عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُقْبَضْ» ) . وَالْمُرَادُ بِهِ رِبْحُ مَا بِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ.
قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " لَكِنْ لَوْ عَرَضَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَامْتَنَعَ مِنْ قَبْضِهِ، ثُمَّ تَلِفَ، كَانَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِكَلَامِ " الْكَافِي " (بَلْ) عَلَى الْبَائِعِ (ضَمَانُ نَمَائِهِ) إنْ تَلِفَ بِتَعَدِّيهِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ بِيَدِهِ.
(وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) ، أَيْ الْمُشْتَرِي فِيهِ، أَيْ: الْمَبِيعِ بِنَحْوِ كَيْلٍ (قَبْلَ قَبْضِهِ - وَلَوْ أُقْبِض ثَمَنَهُ - بِإِجَارَةٍ) - مُتَعَلِّقٌ بِتَصَرُّفِهِ - (وَلَا بِبَيْعٍ - وَلَوْ لِبَائِعِهِ - وَلَا بِهِبَةٍ - وَلَوْ بِلَا عِوَضٍ - وَلَا بِرَهْنٍ - وَلَوْ عَلَى ثَمَنِهِ - وَلَا بِاعْتِيَاضٍ عَنْهُ) ، أَيْ: أَخْذِ بَدَلِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ.
(وَيَتَّجِهُ تَصِحُّ حَوَالَةٌ) مِنْ مُشْتَرٍ (عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى بَائِعٍ بِمَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ، (وَ) تَصِحُّ حَوَالَةُ بَائِعٍ مُشْتَرِيًا (بِهِ) ، أَيْ: بِمَا شَرَاهُ مِنْهُ عَلَى مَنْ لِلْبَائِعِ عَلَيْهِ مِثْلُهُ (حَيْثُ كَانَ) الْمَبِيعُ ثَابِتًا (فِي الذِّمَّةِ) ، أَيْ: ذِمَّةِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، كَكَوْنِهِ مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْحَوَالَةُ عَلَى الْبَائِعِ، أَوْ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَحْوُ قَرْضٍ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا حَوَالَةٌ عَلَى ثَابِتٍ مُسْتَقِرٍّ فِي الذِّمَّةِ، (خِلَافًا لَهُمَا) ، أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " " وَالْإِقْنَاعِ " (فِيمَا يُوهَمُ) مِنْ عِبَارَتَيْهِمَا، فَإِنَّ ظَاهِرَ مَا قَالَاهُ مَنْعُ الْحَوَالَةِ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ، وَلَوْ كَانَتْ بِثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ، كَبَدَلِ قَرْضٍ وَمُتْلَفٍ وَثَمَنِ مَبِيعٍ، كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ.
وَأَمَّا الْحَوَالَةُ عَلَى مَا لَيْسَ بِثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ، فَلَا تَصِحُّ بِاتِّفَاقِ فُقَهَائِنَا، لِحَدِيثِ: «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهُوَ يَشْمَلُ بَيْعَهُ مِنْ بَائِعِهِ وَغَيْرِهِ، وَقِيسَ عَلَى الْبَيْعِ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ، وَلِأَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ بَائِعِهِ، فَلَمْ يَجُزْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ بِيعَ مَكِيلٌ وَنَحْوُهُ جُزَافًا، كَصُبْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَثَوْبٍ، جَازَ تَصَرُّفٌ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، نَصًّا لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَبًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي، وَلِأَنَّ التَّعْيِينَ
كَالْقَبْضِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ) قَبْلَ قَبْضِهِ (بِعِتْقٍ) ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَشَرَةَ عَبِيدٍ مَثَلًا، فَأَعْتَقَهَا قَبْلَ قَبْضِهَا، فَيَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا، لِقُوَّةِ الْعِتْقِ وَسِرَايَتِهِ.
(وَ) يَصِحُّ جَعْلُ مَبِيعٍ بِنَحْوِ كَيْلٍ عِوَضًا عَنْ (مَهْرٍ، وَ) يَصِحُّ (خُلْعٌ) عَلَيْهِ، (وَوَصِيَّةٌ) ، لِاغْتِفَارِ الْغَرَرِ فِيهَا.
(وَيَنْفَسِحُ الْعَقْدُ) ، أَيْ: عَقْدُ الْبَيْعِ (فِيمَا) ، أَيْ: مَبِيعٍ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدٍّ أَوْ ذَرْعٍ (تَلِفَ مِنْهُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ) ، لَا صُنْعَ لِآدَمِيٍّ فِيهَا قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَهَى عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ» ) . وَالْمُرَادُ بِهِ رِبْحُ مَا بِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ.
(وَيُخَيَّرُ مُشْتَرٍ إنْ) تَلِفَ بَعْضُهُ و (بَقِيَ) مِنْهُ (شَيْءٌ، بَيْنَ أَخْذِهِ) ، أَيْ: الْبَاقِي (بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، أَوْ رَدِّهِ) وَأَخْذِ الثَّمَنِ كُلِّهِ، لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، (كَمَا لَوْ تَعَيَّبَ) عِنْدَ الْبَائِعِ (بِلَا فِعْلِ) آدَمِيٍّ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ.
(وَ) تَقَدَّمَ هُنَاكَ أَيْضًا أَنَّ (لَهُ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي (الْأَرْشَ إنْ رَضِيَ بِهِ مَعِيبًا) ، خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى " هُنَاكَ حَيْثُ قَالَ: وَلَا أَرْشَ، قَالَ مُحَشِّيهِ: يَعْنِي لِلْمُشْتَرِي إذَا أَخَذَهُ مَعِيبًا؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ أَخَذَهُ مَعِيبًا، فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ رَاضِيًا بِعَيْبِهِ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ: أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الرَّدِّ وَالْإِمْسَاكِ مَعَ الْأَرْشِ، وَوَجْهُهُ وَاضِحٌ، فَالْأَوْلَى عَوْدٌ، وَلَا أَرْشَ لِلْمُشَبَّهِ، دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ،
أَيْ: وَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ، خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَخْذِهِ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَا أَرْشَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَكِيلَ وَنَحْوَهُ لَا يَنْقُصُ بِالتَّفْرِيقِ.
انْتَهَى.
(وَيَبْرَأُ) مُشْتَرٍ (بِمُجَرَّدِ اخْتِيَارِ الرَّدِّ مِنْ جَمِيعِ الثَّمَنِ) ، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ خَلَطَ) الْمَبِيعَ بِنَحْوِ كَيْلٍ (بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ) ، كَزَيْتٍ بِشَيْرَجٍ، (لَمْ يَنْفَسِخْ) الْبَيْعُ، لِبَقَاءِ عَيْنِ الْمَبِيعِ (وَهُمَا) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي وَمَالِكُ مَا اخْتَلَطَ بِهِ الْمَبِيعُ (شَرِيكَانِ) فِيهِ بِقَدْرِ مِلْكَيْهِمَا، (وَلِمُشْتَرٍ الْخِيَارُ) ، لِعَيْبِ الشَّرِكَةِ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) إنْ خُلِطَ مَبِيعٌ مِنْ نَحْوِ مَكِيلٍ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ (بِأَجْوَدَ) مِنْهُ، فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ (لِبَائِعٍ) ، إزَالَةً لِضَرَرِهِ بِنَقْصِ سِلْعَتِهِ، وَأَمَّا لَوْ خُلِطَ (بِمُمَاثِلٍ، فَلَا خِيَارَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا) ، لِعَدَمِ الضَّرَرِ، وَحِينَئِذٍ فَيُبَاعُ الْمُخْتَلِطُ، وَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ مِلْكَيْهِمَا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) إنْ تَلِفَ مَبِيعٌ بِنَحْوِ كَيْلٍ، أَوْ عَابَ قَبْلَ قَبْضِهِ (بِإِتْلَافِ مُشْتَرٍ أَوْ تَعْيِيبِهِ لَهُ، فَلَا خِيَارَ) لَهُ؛ لِأَنَّ إتْلَافَهُ كَقَبْضِهِ، وَإِذَا عَيَّبَهُ فَقَدْ عَيَّبَ مَالَ نَفْسِهِ، فَلَا يَرْجِعُ بِأَرْشِهِ عَلَى غَيْرِهِ.
(وَ) إنْ تَلِفَ، أَوْ تَعَيَّبَ (بِفِعْلِ بَائِعٍ، أَوْ) بِفِعْلِ (أَجْنَبِيٍّ) غَيْرِ بَائِعٍ وَمُشْتَرٍ، (يُخَيَّرُ مُشْتَرٍ بَيْنَ فَسْخِ) بَيْعٍ، وَيَرْجِعُ عَلَى بَائِعٍ بِمَا أَخَذَهُ مِنْ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ إلَى قَبْضِهِ، (وَ) بَيْنَ (إمْضَاءِ) بَيْعٍ، (وَيُطَالِبُ مُتْلِفَهُ بِمِثْلِ مِثْلِيٍّ، أَوْ قِيمَةِ مُتَقَوِّمٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَسَخَ الْمُشْتَرِي، عَادَ الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ، فَكَانَ لَهُ الطَّلَبُ عَلَى الْمُتْلِفِ، (وَ) بَيْنَ إمْضَاءِ الْبَيْعِ، وَمُطَالَبَةِ مَنْ عَيَّبَهُ بِأَرْشٍ (نَقَصَ مَعَ تَعَيُّبٍ) ، أَيْ: فِي مَسْأَلَةِ التَّعَيُّبِ، لِتَعَدِّيهِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ بِتَلَفِهِ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ، بِخِلَافِ تَلَفِهِ بِفِعْلِهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَا مُقْتَضِي لِلضَّمَانِ سِوَى حُكْمِ الْعَقْدِ، بِخِلَافِ إتْلَافِ الْآدَمِيِّ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الضَّمَانَ بِالْبَدَلِ إنْ أُمْضِيَ الْعَقْدُ.
وَحُكْمُ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الضَّمَانَ بِالثَّمَنِ إنْ فُسِخَ، فَكَانَتْ الْخِيرَةُ لِلْمُشْتَرِي بَيْنَهُمَا.
(وَ) حُكْمُ (شَاةٍ بِيعَتْ بِشَعِيرٍ، فَأَكَلَتْهُ) الشَّاةُ (قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَيْسَتْ) الشَّاةُ (بِيَدِ أَحَدٍ) ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ، كَمَا لَوْ تَلِفَ الشَّعِيرُ (بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ) ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ هُنَا لَا يُنْسَبُ إلَى آدَمِيٍّ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَتْ الشَّاةُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ يَدِ أَجْنَبِيٍّ، (فَيَضْمَنُ) الشَّعِيرَ (مَنْ هِيَ بِيَدِهِ) ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ.
(وَلَوْ بِيعَ أَوْ أُخِذَ بِشُفْعَةٍ مَا) ، أَيْ: مَبِيعٌ (اُشْتُرِيَ بِمَكِيلٍ وَنَحْوِهِ) كَمَوْزُونٍ أَوْ مَعْدُودٍ أَوْ مَذْرُوعٍ، بِأَنْ اشْتَرَى عَبْدًا أَوْ شِقْصًا مَشْفُوعًا بِنَحْوِ صُبْرَةِ بُرٍّ عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ، ثُمَّ بَاعَ الْعَبْدَ، أَوْ أَخَذَ الشِّقْصَ بِشُفْعَةٍ، (ثُمَّ تَلِفَ الثَّمَنُ) - وَهُوَ الصُّبْرَةُ - بِآفَةٍ (قَبْلَ قَبْضِهِ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ) الْوَاقِعُ بِالصُّبْرَةِ بِتَلَفِهَا قَبْلَ قَبْضِهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ مُثَمَّنًا فَقَطْ، أَيْ: دُونَ الثَّانِي الْوَاقِعِ عَلَى الْعَبْدِ ثَانِيًا، وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ، لِتَمَامِهِ قَبْلَ فَسْخِ الْأَوَّلِ، (فَيَغْرَمُ مُشْتَرِيهِ) ، أَيْ: مُشْتَرِي الْعَبْدِ أَوْ الصُّبْرَةِ (لِبَائِعٍ) لَهَا (قِيمَةَ الْمَبِيعِ) ، أَيْ: الْعَبْدِ أَوْ الشِّقْصِ، لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ عَلَيْهِ.
وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَوْ أَحْبَلَ أَمَةً اشْتَرَاهَا بِذَلِكَ، ثُمَّ تَلِفَ، (وَيَأْخُذُ) الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ (مِنْ الشَّفِيعِ مِثْلَ الطَّعَامِ أَوْ نَحْوَهُ) ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنُ الشِّقْصِ، وَمِنْ مُشْتَرِي الْعَبْدِ مِنْهُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ عَقْدُهُ، (وَمَا عَدَا ذَلِكَ) ، أَيْ: مَا اُشْتُرِيَ بِوَزْنٍ أَوْ كَيْلٍ أَوْ عَدٍّ أَوْ ذَرْعٍ، (كَعَبْدٍ وَصُبْرَةٍ وَدَارٍ، يَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ مُطْلَقًا) بِبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَهِبَةٍ وَرَهْنٍ وَعِتْقٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ (بِمُجَرَّدِ عَقْدٍ قَبْلَ قَبْضِهِ) ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ، كَالْقَبْضِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «كُنَّا نَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ بِالدَّرَاهِمِ، فَنَأْخُذُ عَنْهَا الدَّنَانِيرَ وَبِالْعَكْسِ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تُؤْخَذَ بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» ) ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.
(إلَّا الْمَبِيعَ بِصِفَةٍ) - وَلَوْ مُعَيَّنًا - (أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ) عَلَى الْعَقْدِ، (فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ) مُشْتَرٍ قَبْلَ قَبْضِهِ (مُطْلَقًا) ، أَيْ: لَا بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ.
(وَيَتَّجِهُ لَكِنْ يَصِحُّ عِتْقُ) مَبِيعٍ بِصِفَةٍ أَوْ رُؤْيَةٍ، لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّهُ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ وَعَلَيْهِ حَيْثُ كَانَ ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَاحْتُمِلَ لَا) يَصِحُّ جَعْلُهُ (نَحْوَ صَدَاقٍ) ، فَهَذَا الِاحْتِمَالُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ وَصَرِيحِ غَيْرِهِ مَا يُخَالِفُهُ، فَيَكُونُ إمَّا غَلَطًا مِنْ النُّسَّاخِ، أَوْ سَبْقُ قَلَمٍ مِنْ الْمُصَنِّفِ.
وَمَا عَدَا مَا اُشْتُرِيَ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدٍّ أَوْ ذَرْعٍ أَوْ بِوَصْفٍ أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ (مِنْ ضَمَانِ مُشْتَرٍ) - وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِهِ - (لِحَدِيثِ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» ) . وَهَذَا الْمَبِيعُ رِبْحُهُ لِلْمُشْتَرِي، فَضَمَانُهُ عَلَيْهِ، (إلَّا إنْ مَنْعَهُ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِيَ (بَائِعٌ مِنْ قَبْضِهِ) - وَلَوْ لِقَبْضِ ثَمَنِهِ - فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ كَغَاصِبٍ.
(وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ كَوْنِ الْمَبِيعِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ إذَا مَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبْضِهِ (بِغَيْرِ حَقٍّ) ، بِأَنْ مَنَعَهُ عِنَادًا مِنْهُ، (بِخِلَافِ) مَا لَوْ مَنَعَهُ (لِنَحْوِ رَهْنِهِ) ، أَيْ: الْمَبِيعِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِإِذْنِ مُرْتَهِنٍ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، أَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي رَهَنَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ (عَلَى ثَمَنِهِ، و) كَذَلِكَ لَوْ مَنَعَ الْبَائِعُ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ (لِظُهُورِ عُسْرِ مُشْتَرٍ) بِثَمَنِهِ، فَيَكُونُ ضَمَانُهُ عَلَى مُشْتَرٍ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَهُ مِنْهُ بِحَقٍّ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ كَانَ الْمَبِيعُ ثَمَرًا عَلَى شَجَرٍ) عَلَى مَا يَأْتِي، (أَوْ) كَانَ مَبِيعًا (بِصِفَةٍ أَوْ بِرُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، فَتَلَفُهُ مِنْ ضَمَانِ بَائِعٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ تَوَفِّيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اُشْتُرِيَ بِنَحْوِ كَيْلٍ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ الْحُكْمَ (فِي تَلَفِهِ) ، أَيْ: الْمَبِيعِ الْمَذْكُورِ (بِآفَةٍ) سَمَاوِيَّةٍ لَا صُنْعَ لِآدَمِيٍّ فِيهَا، (أَوْ) تَلَفِهِ بِفِعْلِ (آدَمِيٍّ مَا مَرَّ) مِنْ التَّفْصِيلِ مِنْ أَنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِي الْأُولَى، أَوْ بِقَدْرِ مَا تَلِفَ مِنْهُ، وَيُخَيَّرُ فِيمَا بَقِيَ بَيْنَ أَخْذِهِ بِقِسْطِهِ وَرَدِّهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ يُخَيَّرُ بَيْنَ فَسْخٍ، وَيَرْجِعُ عَلَى بَائِعٍ بِمَا أَقْبَضَهُ لَهُ، وَبَيْنَ إمْضَاءٍ وَمُطَالَبَةِ مُتْلِفٍ بِمِثْلِ مِثْلِيٍّ أَوْ قِيمَةِ مُتَقَوِّمٍ، (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى " فِي إطْلَاقِهِ) مِنْ أَنَّ مَا لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ مُشْتَرٍ فِيهِ، يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَإِطْلَاقُهُ لَيْسَ مُرَادًا؛ لِأَنَّ الِانْفِسَاخَ بِالتَّلَفِ قَبْلَ الْقَبْضِ خَاصٌّ بِالْمَوْصُوفِ، فَلَا يَنْفَسِخُ بِهِ الْمَوْصُوفُ فِي الذِّمَّةِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَثَمَنٌ لَيْسَ فِي ذِمَّةٍ) وَهُوَ الْمُعَيَّنُ، (كَمُثَمَّنٍ) فِي كُلِّ مَا سَبَقَ مِنْ أَحْكَامِ التَّلَفِ، وَجَوَازِ الْقَبْضِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُشْتَرِي.
(وَمَا فِي الذِّمَّةِ) مِنْ ثَمَنٍ أَوْ مُثَمَّنٍ إذَا تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ، (لَهُ أَخْذُ بَدَلِهِ) ، وَيَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ غَيْرُ سَلَمٍ - وَيَأْتِي - (لِاسْتِقْرَارِهِ) فِي ذِمَّتِهِ، فَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ - وَلَوْ مَكِيلًا وَنَحْوَهُ -؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الذِّمَّةِ، لَا عَيْنُ التَّالِفِ.
(وَكَبَيْعِ مَا) ، أَيْ: عَرَضٍ (مَلَكَ مِنْ نَحْوِ مَكِيلٍ) ، كَمَوْزُونٍ (بِعَقْدٍ مَوْصُوفٍ) بِأَنَّهُ يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِ الْعِوَضِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي (إجَارَةٍ، وَعِوَضٍ) مُعَيَّنٍ فِي (صُلْحٍ) بِمَعْنَى بَيْعٍ، بِأَنْ أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ وَصَالَحَهُ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ مُعَيَّنٍ، (وَ) عِوَضٍ مُعَيَّنٍ فِي (هِبَةٍ) بِمَعْنَى بَيْعٍ، (وَقِسْمَةٍ، بِمَعْنَى بَيْعٍ فِي انْفِسَاخِ) الْعَقْدِ (بِتَلَفِهِ) قَبْلَ قَبْضِهِ، (وَفِي صِحَّةِ تَصَرُّفٍ) فِيهِ إنْ لَمْ يَحْتَجْ لِحَقِّ تَوْفِيَةٍ، (وَمَنْعِهِ) ، أَيْ: التَّصَرُّفِ، إنْ كَانَ كَذِبًا بِمُعَيَّنٍ عَتَقَ.
(وَكَذَا) الْحُكْمُ (فِي غَيْرِ انْفِسَاخِ) عَقْدِهِ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، (كَمَا مَلَكَ بِعِوَضِ عِتْقٍ، وَصَدَاقٍ، وَخُلْعٍ، وَطَلَاقٍ، وَمَهْرٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ، وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ، وَصُلْحٍ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ) ، فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ نَحْوِ عِتْقٍ قَبْلَ قَبْضِهِ، إنْ احْتَاجَ لِحَقِّ تَوْفِيَةٍ، وَإِلَّا جَازَ، (وَيَجِبُ بِتَلَفِهِ) عَلَى مَنْ تَلِفَ ذَلِكَ بِيَدِهِ قَبْلَ إقْبَاضِهِ (مِثْلُهُ) إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، (أَوْ قِيمَتُهُ) إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ ضَمَانِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ مُسْتَحِقُّهُ، إلْحَاقًا لَهُ بِالْمَبِيعِ، وَلَا فَسْخَ بِتَلَفِ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِهِ.
(وَلَوْ تَعَيَّنَ مِلْكُهُ) ، أَيْ: الْجَائِزِ التَّصَرُّفِ (فِي شَيْءٍ مَلَكَهُ بِلَا عِوَضٍ، كَمَوْرُوثٍ، وَوَصِيَّةٍ، وَغَنِيمَةٍ، وَصَدَقَةٍ، فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ) ، لِتَمَامِ مِلْكِهِ، وَعَدَمِ تَوَهُّمِ عَدَمِ الْفَسْخِ فِيهِ، (وَكَوَدِيعَةٍ، وَعَارِيَّةٍ، وَمَالِ شَرِكَةٍ) ، فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْلَ قَبْضِهَا، لِمَا تَقَدَّمَ، و [لَا] تَصَرُّفَ قَبْلَ قَبْضٍ (فِيمَا قَبْضُهُ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ، كَصَرْفٍ وَ) رَأْسِ مَالِ (سَلَمٍ، وَرِبَوِيٍّ) بِرِبَوِيٍّ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ تَامٍّ، أَشْبَهَ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ.
[فَصْلٌ فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ]
(فَصْلٌ) فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ (وَيَحْصُلُ قَبْضُ مَا بِيعَ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدٍّ أَوْ ذَرْعٍ بِذَلِكَ) ، أَيْ: بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ أَوْ الْعَدِّ أَوْ الذَّرْعِ، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا: «إذَا بِعْتُ فَكِلْ، وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.
وَحَدِيثِ: «إذَا سَمَّيْتَ الْكَيْلَ فَكِلْ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَلَا
يُعْتَبَرُ نَقْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، (بِشَرْطِ - حُضُورِ مُسْتَحِقِّهِ) لِمَكِيلٍ وَنَحْوِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ» ) . (أَوْ) حُضُورِ (نَائِبِهِ) ، أَيْ: الْمُسْتَحِقِّ، لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ.
(وَوِعَاؤُهُ) ، أَيْ: الْمُسْتَحِقِّ (كَيَدِهِ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ تَنَازَعَا مَا فِيهِ كَانَ لِرَبِّهِ.
(وَيَصِحُّ الْقَبْضُ جُزَافًا إنْ عَلِمَا) ، أَيْ الْمُتَبَايِعَانِ (قَدْرَهُ) ، أَيْ: (الْمَقْبُوضِ، كَمَا لَوْ شَاهَدَا كَيْلَهُ، ثُمَّ بَاعَهُ بِهِ) ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي إعَادَةِ كَيْلِهِ ثَانِيًا، (لَا إنْ اُشْتُرِيَ مَعْدُودًا) ، كَجَوْزٍ وَنَحْوِهِ، (فَعَدَّ مِنْهُ أَلْفًا، وَوَضَعَهُ) ، أَيْ: الْأَلْفَ (بِكَيْلٍ) ، أَيْ: مِكْيَالٍ، (ثُمَّ اكْتَالَ بِهِ) ، أَيْ: بِذَلِكَ الْمِكْيَالِ (بِلَا عَدٍّ.
وَتَقَدَّمَ) فِي أَوَاخِرِ السَّادِسِ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، لِعَدَمِ انْضِبَاطِهِ.
(وَتُكْرَهُ زَلْزَلَةُ الْكَيْلِ) عِنْدَ الْقَبْضِ، نَصًّا، لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْوَاجِبِ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي كَيْفِيَّةِ الِاكْتِيَالِ إلَى عُرْفِ النَّاسِ فِي أَسْوَاقِهِمْ، وَلَمْ تُعْهَدْ فِيهَا.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهَا تُكْرَهُ زَلْزَلَةُ الْكَيْلِ (مَا لَمْ يَحْصُلْ بِهَا زِيَادَةٌ مُحَقَّقَةٌ) ، فَإِنْ حَصَلَ بِهَا زِيَادَةٌ مُحَقَّقَةٌ عَلَى الْوَاجِبِ، (فَيَحْرُمُ) فِعْلُهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1] الْآيَةَ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ لَا تَسْمَحُ بِالزِّيَادَةِ عَادَةً، وَكَلَامُ الْإِمَامِ مَحْمُولٌ عَلَى زِيَادَةٍ يُتَسَامَحُ بِهَا فِي الْعَادَةِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يَكُونُ) الْكَيْلُ (مَمْسُوحًا) بَلْ مُعَرَّمًا، (مَا لَمْ تَكُنْ عَادَةٌ) ، فَيُعْمَلُ بِهَا.
(وَيَصِحُّ قَبْضُ وَكِيلٍ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ) ، بِأَنْ يَكُونَ لِمَدِينٍ وَدِيعَةٌ عِنْدَ
رَبِّ الدَّيْنِ مِنْ جِنْسِهِ، فَيُوَكِّلُهُ فِي أَخْذِ قَدْرِهِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَهُ فِي الْبَيْعِ مِنْ نَفْسِهِ، فَيَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَهُ فِي الْقَبْضِ مِنْهَا، (إلَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَالِهِ) ، أَيْ: الْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، بِأَنْ كَانَ الدَّيْنُ دَنَانِيرَ، الْوَدِيعَةُ دَرَاهِمَ، فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمَا عِوَضُ الدَّنَانِيرِ، (لِافْتِقَارِهِ) ، أَيْ: الْأَخْذِ (لِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ) ، وَلَمْ يُوجَدْ.
(وَيَتَّجِهُ الصِّحَّةُ) ، أَيْ: صِحَّةُ قَبْضِ الْوَكِيلِ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ فِي صُورَةِ مَا (لَوْ وَكَّلَهُ) ، أَيْ: وَكَّلَ مُسْتَدِينٌ دَرَاهِمَ مَدِينَهُ الَّذِي عِنْدَهُ دَنَانِيرُ وَوَدِيعَةٌ (فِي عَقْدٍ) مَعَ نَفْسِهِ، بِأَنْ يَقْبِضَ الدَّنَانِيرَ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى أَنَّهَا لِمُوَكِّلِهِ، (وَقَبْضٍ) لِلدَّنَانِيرِ عِوَضًا عَنْ مَالِهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ وَكَّلَ فِي قَبْضٍ مِنْ نَفْسِهِ وَصَرْفِهِ مِنْهَا، وَذَلِكَ جَائِزٌ، فَيَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ وَجَدَ مَا قَبَضَهُ) مِنْ نَحْوِ مَكِيلٍ (زَائِدًا مَا) ، أَيْ: قَدْرًا (لَا يُتَغَابَنُ بِهِ) عَادَةً، (أَعْلَمَ رَبَّهُ وُجُوبًا) ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الرَّدُّ بِلَا طَلَبٍ، (وَ) إنْ وَجَدَهُ (نَاقِصًا، فَإِنْ) كَانَ (قَبَضَهُ ثِقَةٌ بِقَوْلِ بَاذِلٍ: أَنَّهُ قَدْرُ حَقِّهِ، وَلَمْ يَحْصُرْ نَحْوَ كَيْلٍ) ، كَعَدٍّ وَذَرْعٍ (وَوَزْنٍ) ، ثُمَّ اخْتَبَرَهُ، وَوَجَدَهُ نَاقِصًا، (قُبِلَ قَوْلُهُ) ، أَيْ: الْقَابِضِ (فِي) قَدْرِ نَقْصِهِ، إنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، إنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَتَلِفَ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي بَقَائِهِ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى بَقَائِهِ بِحَالِهِ، اُعْتُبِرَ بِالْكَيْلِ وَنَحْوِهِ، (وَإِنْ صَدَّقَهُ) قَابِضٌ فِي قَدْرِ نَحْوِ الْمَكِيلِ، بَرِئَ مُقْبِضٌ مِنْ عُهْدَتِهِ، (فَلَا) تُقْبَلُ دَعْوَى نَقْصِهِ بَعْدَ تَصْدِيقِهِ وَتَلَفِهِ عَلَيْهِ، (وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَابِضٌ بِنَحْوِ بَيْعٍ قَبْلَ اعْتِبَارِهِ، لِفَسَادِ الْقَبْضِ) ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ لِكَيْلِهِ وَنَحْوِهِ مَعَ حُضُورِ مُسْتَحِقِّهِ، أَوْ نَائِبِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
[تَتِمَّةٌ لَوْ أَذِنَ رَبُّ دَيْنٍ لِغَرِيمِهِ بِالصَّدَقَةِ عَنْهُ بِدَيْنِهِ]
ِ، أَوْ صَرْفِ الدَّيْنِ، أَوْ الشِّرَاءِ بِهِ، لَمْ يَصِحَّ الْإِذْنُ، وَلَمْ يَبْرَأْ مَدِينٌ بِفِعْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْآذِنَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِمَّا فِي يَدِ غَرِيمِهِ، إلَّا بِقَبْضِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَإِذَا تَصَدَّقَ، أَوْ صَرَفَ، أَوْ اشْتَرَى بِمَا مَيَّزَهُ لِذَلِكَ، فَقَدْ حَصَلَ بِغَيْرِ مَالِ الْإِذْنِ، فَلَمْ يَبْرَأْ بِهِ، وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ - وَلَوْ لِغَرِيمِهِ - تَصَدَّقْ عَنِّي بِكَذَا، أَوْ اشْتَرِ لِي بِهِ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ دَيْنِي، صَحَّ، وَكَانَ اقْتِرَاضًا مِنْ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَتَوْكِيلًا لَهُ فِي الصَّدَقَةِ وَنَحْوِهَا بِهِ، لَكِنْ يَسْقُطُ مِنْ دَيْنِ غَرِيمٍ بِقَدْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ بِالْمُقَاصَّةِ بِشَرْطِهَا.
(وَإِتْلَافُ مُشْتَرٍ) لِمَبِيعٍ - وَلَوْ غَيْرَ عَمْدٍ - قَبْضٌ، (وَ) وَإِتْلَافُ (مُتَّهَبٍ) لِعَيْنٍ مَوْهُوبَةٍ (بِإِذْنِ وَاهِبٍ قَبْضٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَالُهُ وَقَدْ أَبْلَغَهُ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) إتْلَافُ مُتَّهَبِ الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ (بِلَا إذْنِهِ) ، أَيْ: الْوَاهِبِ لَهُ فِي قَبْضِهَا (يَضْمَنُ) ذَلِكَ، تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْغَاصِبِ.
(وَفِيهِ) ، أَيْ: هَذَا الِاتِّجَاهِ (تَأَمُّلٌ) ، لَمَا يَأْتِي فِي الْهِبَةِ: أَنَّهُ يَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْلَ قَبْضِهَا (وَلَيْسَ غَصْبُهُ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي مَعِيبًا لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ إلَّا بِقَبْضِهِ، وَلَا غَصْبُ مَوْهُوبٍ لَهُ عَيْنًا وُهِبَتْ لَهُ (قَبْضًا) ، فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي ذَلِكَ، لِعُدْوَانِهِ.
(وَكَذَا) (غَصْبُ بَائِع) مِنْ مُشْتَرٍ (ثَمَنًا بِذِمَّةٍ) لَيْسَ مُعَيَّنًا، (أَوْ) كَانَ (مُعَيَّنًا مِنْ نَحْوِ مَكِيلٍ) ، كَمَوْزُونٍ قَبْلَ اعْتِبَارِهِ، (أَوْ أَخَذَهُ) ، أَيْ: الْبَائِعُ الثَّمَنَ مِنْ مَالِ مُشْتَرٍ (بِلَا إذْنٍ) مِنْهُ، (لَيْسَ قَبْضًا) لِلثَّمَنِ، بَلْ غَصْبٌ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ فِيمَا قَبَضَهُ بِعَيْنِهِ، كَغَصْبِ الْبَائِعِ ثَمَنًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، (إلَّا مَعَ الْمُقَاصَّةِ) ، بِأَنْ أَتْلَفَهُ، أَوْ تَلِفَ بِيَدِهِ، وَكَانَ مُوَافِقًا لِمَالِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي نَوْعًا
وَقَدْرًا، فَيَتَسَاقَطَانِ، وَكَذَا إنْ رَضِيَ مُشْتَرٍ بِجَعْلِهِ عِوَضًا عَمَّا عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ.
(وَأُجْرَةِ كَيْلٍ وَوَزْنٍ وَعَدٍّ وَذَرْعٍ وَنَقْدٍ) قَبْلَ قَبْضٍ (عَلَى بَاذِلٍ) بَائِعٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَلَا تَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ، أَشْبَهَ السَّعْيَ عَلَى بَائِعِ الثَّمَرَةِ.
(وَأُجْرَةُ نَقْلٍ) لِمَبِيعٍ مَنْقُولٍ (عَلَى آخِذٍ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، وَأُجْرَةُ دَلَّالٍ عَلَى بَائِعٍ، إلَّا مَعَ شَرْطٍ، (لَكِنْ لَوْ نَقَدَهُ) ، أَيْ: الثَّمَنَ الْبَائِعُ (بَعْدَ أَخَذَهُ) مِنْ الْمُشْتَرِي، فَأُجْرَةُ نَقْدِهِ (عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِقَبْضِهِ.
(وَلَا يَضْمَنُ نَاقِلٌ حَاذِقٌ أَمِينٌ خَطَأً) مُتَبَرِّعًا كَانَ، أَوْ بِأُجْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاذِقًا أَوْ أَمِينًا، ضَمِنَ، كَمَا لَوْ كَانَ عَمْدًا.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا نَحْوُ كَيَّالٍ) ، كَوَزَّانٍ وَعَدَّادٍ وَذَرَّاعٍ أَمِينٍ، لَا يَضْمَنُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثِقَةً، ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) يَحْصُلُ (قَبْضُ صُبْرَةٍ) بِيعَتْ جُزَافًا بِنَقْلٍ.
(وَ) قَبْضُ مَا يُنْقَلُ، كَأَحْجَارِ طَوَاحِينَ (بِنَقْلٍ) .
وَقَبْضُ حَيَوَانٍ بِتَمْشِيَتِهِ.
(وَ) قَبْضُ (مَا يُتَنَاوَلُ) كَدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ وَكُتُبٍ وَنَحْوِهَا (بِتَنَاوُلِهِ) بِالْيَدِ.
(وَ) قَبْضُ (غَيْرِهِ) ، أَيْ: الْمَذْكُورِ، كَأَرْضٍ وَبِنَاءٍ وَشَجَرٍ (بِتَخْلِيَةِ) بَائِعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُشْتَرٍ بِلَا حَائِلٍ، وَلَوْ كَانَ الدَّارُ مَتَاعَ بَائِعٍ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ مُطْلَقٌ فِي الشَّرْعِ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ، كَالْحِرْزِ وَالتَّفَرُّقِ، وَالْعُرْفُ فِي ذَلِكَ مَا سَبَقَ.
(وَيَتَّجِهُ فَائِدَةُ هَذَا) الْقَبْضِ تَظْهَرُ (فِي رَهْنٍ وَقَرْضٍ وَهِبَةٍ) لِمَقْبُوضٍ، فَكُلُّ مَا قُبِضَ بِنَوْعٍ مِمَّا ذُكِرَ، يَصِحُّ رَهْنُهُ وَقَرْضُهُ وَهِبَتُهُ، كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَمْلُوكَاتِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيُعْتَبَرُ لِجَوَازِ قَبْضٍ) ، كَثُلُثٍ وَنِصْفٍ مِمَّا (يُنْقَلُ) ، كَنِصْفِ فَرَسٍ أَوْ بَعِيرٍ (إذْنُ شَرِيكِهِ) ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ نَقْلُهُ، وَلَا يَتَأَتَّى إلَّا بِنَقْلِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْغَيْر بِغَيْرِ إذْنِهِ حَرَامٌ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ قَبْضَ مَشَاعٍ لَا يُنْقَلُ، كَنِصْفِ عَقَارٍ، لَا يُعْتَبَرُ لَهُ إذْنُ شَرِيكٍ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ تَخْلِيَةٌ، وَلَيْسَ فِيهَا تَصَرُّفٌ، (فَإِنْ أَبَى) الشَّرِيكُ الْإِذْنَ لِلْبَائِعِ فِي تَسْلِيمِ الْكُلِّ، قِيلَ لِلْمُشْتَرِي: وَكِّلْ الشَّرِيكَ فِي الْقَبْضِ، لِيَصِلَ إلَى مَقْصُودِهِ، فَإِنْ (تَوَكَّلَ) الشَّرِيكُ (فِيهِ) ، أَيْ: الْقَبْضِ (عَنْ مُشْتَرٍ) ، قَبَضَهُ نِيَابَةً عَنْهُ.
وَفِي نُسْخَةٍ: عَنْ بَاذِلِهِ بَدَلَ قَوْلِهِ عَنْ مُشْتَرٍ، وَلَعَلَّهَا سَبْقُ قَلَمٍ، أَوْ تَحْرِيفٌ مِنْ النُّسَّاخِ.
(فَإِنْ أَبَى) الْمُشْتَرِي أَنْ يُوَكِّلَ، أَوْ أَبَى الشَّرِيكُ أَنْ يَتَوَكَّلَ، (نَصَّبَ حَاكِمٌ مَنْ يَقْبِضُ) الْكُلَّ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، فَيَكُونُ فِي يَدِ الْقَابِضِ أَمَانَةً، أَوْ بِأُجْرَةٍ، وَأُجْرَتُهُ عَلَيْهِمَا، (فَلَوْ سَلَّمَهُ) بَائِعٌ (بِلَا إذْنِ شَرِيكِهِ) ، فَالْبَائِعُ (غَاصِبٌ) لِحِصَّةِ شَرِيكِهِ، لِتَعَدِّيهِ بِتَسْلِيمِهَا بِلَا إذْنِهِ، (وَقَرَارُ الضَّمَانِ) - فِيهِ إنْ تَلِفَ - (عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْبَائِعِ، لِتَغْرِيرِهِ الْمُشْتَرِيَ، (مَا لَمْ يَعْلَمْ آخِذٌ) وَهُوَ الْمُشْتَرِي، أَنَّ لِلْبَائِعِ شَرِيكًا لَمْ يَأْذَنْ فِي تَسْلِيمِ حِصَّتِهِ، فَإِنْ عَلِمَ، فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ عَلِمَ الشَّرِكَةَ، وَجَهِلَ وُجُوبَ الْإِذْنِ، وَتَسَلَّمَ الْمَبِيعَ، فَتَلِفَ أَوْ بَعْضُهُ، فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْبَائِعِ، لِمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ إقَالَةُ النَّادِمِ]
(فَصْلٌ: وَإِقَالَةُ النَّادِمِ مُسْتَحَبَّةٌ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
(وَهِيَ) ، أَيْ: الْإِقَالَةُ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ، لَا بَيْعٌ؛ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ الرَّفْعِ وَالْإِزَالَةِ.
يُقَالُ: أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَكَ، أَيْ: أَزَالَهَا، وَبِدَلِيلِ جَوَازِهَا فِي السَّلَمِ مَعَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، (فَتَصِحُّ) الْإِقَالَةُ (قَبْلَ قَبْضِ) مَا بِيعَ مِنْ (نَحْوِ مَكِيلٍ) ، كَمَوْزُونٍ