بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(وَ) الرَّابِعُ (صِنَاعَةٌ غَيْرُ رَزِيَّةٍ) أَيْ: دَنِيئَةٍ (فَلَا تُزَوَّجُ بِنْتُ بَزَّازٍ) أَيْ: تَاجِرٍ فِي الْبَزِّ وَهُوَ الْقُمَاشُ (بِحَجَّامٍ، وَلَا) تُزَوَّجُ (بِنْتُ تَانِئٍ صَاحِبَ عَقَارٍ بِحَائِكٍ) وَنَحْوِهِ كَكَسَّاحٍ وَزَبَّالٍ وَنَفَّاطٍ وَدَبَّاغٍ وَحَارِسٍ وَمُكَارٍ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ؛ أَشْبَهَ نَقْصَ النَّسَبِ، وَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ «الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءُ إلَّا حَائِكًا أَوْ حَجَّامًا» قِيلَ لِأَحْمَدَ: كَيْف تَأْخُذُ بِهِ وَأَنْتَ تُضَعِّفُهُ؟ قَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ يَعْنِي أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِأَهْلِ الْعُرْفِ.
(وَ) الْخَامِسُ (يَسَارٌ بِحَسَبِ مَا يَجِبُ لَهَا مِنْ مَهْرٍ وَنَفَقَةٍ) فَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا، وَإِنْ كَانَ مَالُ الْمَرْأَةِ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْمَالِ هُوَ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ) : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا يَتَقَدَّرَ الْمَالُ بِمِقْدَارِ مِلْكِ النِّصَابِ أَوْ غَيْرِهِ، بَلْ إنْ كَانَ حَالُ أَبِيهَا مِمَّنْ لَا يُزْرِي عَلَيْهَا بِتَزْوِيجِهَا بِالزَّوْجِ، بِأَنْ يَكُونَ مُوَازِيًا أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْمَالِ الَّذِي يَقْدِرُ بِهِ عَلَى نَفَقَةِ الْمُوسِرِينَ (بِحَيْثُ لَا تَتَغَيَّرُ عَلَيْهَا عَادَتُهَا عِنْدَ أَبِيهَا فِي بَيْتِهِ) فَذَلِكَ الْمُعْتَبَرُ.
انْتَهَى.
(فَلَا تُزَوَّجُ مُوسِرَةٌ بِمُعْسِرٍ) لِأَنَّ عَلَيْهَا ضَرَرًا فِي إعْسَارِ زَوْجِهَا؛ لِإِخْلَالِهِ بِنَفَقَتِهَا وَمُؤْنَةِ أَوْلَادِهِ، وَلِهَذَا مَلَكَتْ الْفَسْخَ بِإِعْسَارِهِ بِالنَّفَقَةِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصًا فِي عُرْفِ النَّاسِ يَتَفَاضَلُونَ بِهِ كَتَفَاضُلِهِمْ فِي النَّسَبِ (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (وَ) مِمَّا يَنْبَغِي اشْتِرَاطُهُ فِي الْكَفَاءَةِ (فَقْدُ الْعُيُوبِ) الْمُثْبَتَةِ لِخِيَارِ الْفَسْخِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُنَا، لَكِنْ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ وَأَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ شَرْطٌ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ أَنَّهَا لَا تُزَوَّجُ بِمَعِيبٍ، وَإِنْ أَرَادَتْ، فَعَلَى هَذَا السَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ مِنْ جُمْلَةِ خِصَالِ الْكَفَاءَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا الْكَفَاءَةُ هُنَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا، لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا الْكَفَاءَةَ الْمُخْتَلَفِ فِي اشْتِرَاطِهَا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ الَّتِي هِيَ حَقٌّ لِلَّهِ، أَوْ لِمَنْ يَحْدُثُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، وَالسَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ لَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ بِفَقْدِهَا مَعَ رِضَى الْمَرْأَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ قَوْلًا وَاحِدًا.
انْتَهَى.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَلَا تُزَوَّجُ صَحِيحَةٌ بِنَحْوِ مَجْذُومٍ) كَمَنْ
بِهِ بَرَصٌ وَجُنُونٌ (كَمَا يَأْتِي) فِي بَابِ الْعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا تُعْتَبَرُ هَذِهِ الصِّفَاتُ) وَهِيَ الدِّينُ وَالْمَنْصِبُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالصِّنَاعَةُ غَيْرُ الرَّزِيَّةِ وَالْيَسَارُ (فِي الْمَرْأَةِ) لِأَنَّ الْوَلَدَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ أَبِيهِ لَا بِشَرَفِ أُمِّهِ، فَلَيْسَتْ الْكَفَاءَةُ شَرْطًا فِي حَقِّهَا لِلرَّجُلِ (فَيَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ بِمَنْ شَاءَ) «وَقَدْ تَزَوَّجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ، وَتَسَرَّى بِالْإِمَاءِ» (وَلَيْسَ مَوْلَى الْقَوْمِ كُفْئًا لَهُمْ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمْ (وَالْعَرَبُ مِنْ قُرَشِيٍّ وَغَيْرِهِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ قَالَ: إنَّ الْهَاشِمِيَّةَ لَا تُزَوَّجُ بِغَيْرِ هَاشِمِيٍّ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ فَهَذَا مَارِقٌ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ؛ إذْ قِصَّةُ تَزْوِيجِ الْهَاشِمِيَّاتِ مِنْ بَنَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِنَّ بِغَيْرِ الْهَاشِمَيْنِ ثَابِتٌ فِي السُّنَّةِ ثُبُوتًا لَا يَخْفَى، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَى هَذَا خِلَافًا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَلَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَا أُصُولُهُ تَقْتَضِيهِ.
انْتَهَى.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمِقْدَادِ بْنَ الْأَسْوَدَ الْكِنْدِيَّ تَزَوَّجَ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَزَوَّجَ أَبُو بَكْرٍ أُخْتَهُ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ الْكِنْدِيَّ، وَزَوَّجَ عَلِيٌّ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَسَائِرُ النَّاسِ) أَيْ: بَاقِيهِمْ بَعْدَ الْعَرَبِ (بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ السَّابِقِ.
[بَابُ مَوَانِعِ النِّكَاحِ]
ِ (الْمُحَرَّمَاتُ فِي النِّكَاحِ ضَرْبَانِ) أَيْ: صِنْفَانِ (ضَرْبٌ) يَحْرُمُ (عَلَى الْأَبَدِ وَهُنَّ) أَيْ: الْمُحَرَّمَاتُ عَلَى الْأَبَدِ (أَقْسَامٌ) سِتَّةٌ.
(قِسْمٌ) يَحْرُمُ (بِالنَّسَبِ وَهُنَّ سَبْعٌ: الْأُمُّ وَالْجَدَّةُ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَتْ لِأَبٍ
أَوْ لِأُمٍّ (وَإِنْ عَلَتْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] وَأُمَّهَاتُك كُلُّ مَنْ انْتَسَبْت إلَيْهَا بِوِلَادَةٍ، سَوَاءٌ وَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ الْأُمِّ حَقِيقَةً وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْك أَوْ مَجَازًا وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَك وَإِنْ عَلَتْ، وَارِثَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ وَارِثَةٍ.
ذَكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، هَاجَرَ أُمَّ إسْمَاعِيلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ» . وَبَنُو مَاءِ السَّمَاءِ طَائِفَةٌ مِنْ الْعَرَبِ، وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى أَبِينَا آدَمَ وَأُمِّنَا حَوَّاءَ " (وَالْبَنَاتُ) لِصُلْبٍ (وَبَنَاتُ الْوَلَدِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (وَإِنْ سَفَلَ) وَارِثَاتٍ كُنَّ أَوْ غَيْرَ وَارِثَاتٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] (وَلَوْ مَنْفِيَّاتٍ بِلِعَانٍ، أَوْ) كُنَّ (مِنْ زِنًا) أَوْ شُبْهَةٍ؛ لِدُخُولِهِنَّ فِي عُمُومِ، اللَّفْظِ، وَلِأَنَّ بِنْتَهُ مِنْ الزِّنَا خُلِقَتْ مِنْ مَائِهِ، فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ كَتَحْرِيمِ الزَّانِيَةِ عَلَى وَلَدِهَا مِنْ الزِّنَا، وَكَبِنْتِهِ مِنْ النِّكَاحِ، وَتَخَلُّفُ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يَنْفِي كَوْنَهَا بِنْتًا، كَمَا لَوْ تَخَلَّفَ لِرِقٍّ أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ عِلْمِهِ بِكَوْنِهَا مِنْهُ، مِثْلَ أَنْ يَطَأَ امْرَأَةً، فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ غَيْرُهُ، ثُمَّ يَحْفَظُهَا حَتَّى تَضَعَ، أَوْ يَشْتَرِكَ جَمَاعَةٌ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ، فَتَأْتِي بِوَلَدٍ لَا يَعْلَمُ هَلْ هُوَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى جَمِيعِهِمْ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بِنْتُ مَوْطُوءَتِهِ الثَّانِي: أَنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّهَا بِنْتُ بَعْضِهِمْ فَتَحْرُمُ عَلَى الْجَمِيعِ كَمَا لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ، وَلَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا، وَحُرِّمَتْ عَلَى أَوْلَادِهِمْ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُ بَعْضِهِمْ غَيْرَ مَعْلُومٍ، فَإِنْ أَلْحَقْتهَا الْقَافَةُ بِأَحَدِهِمْ؛ حَلَّتْ لِأَوْلَادِ الْبَاقِينَ، وَالْمَنْفِيَّةُ بِلِعَانٍ لَا يَسْقُطُ احْتِمَالُ كَوْنِهَا خُلِقَتْ مِنْ مَائِهِ (وَيَكْفِي فِي التَّحْرِيمِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا بِنْتُهُ ظَاهِرًا، وَإِنْ كَانَ النَّسَبُ لِغَيْرِهِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الشَّبَهَ يَكْفِي فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: «أَلَيْسَ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَوْدَةَ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْ، ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ وَقَالَ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» وَقَالَ: إنَّمَا حَجَبَهَا لِلشَّبَهِ الَّذِي رَآهُ بِعَيْنِهِ (وَالْأُخْتُ مِنْ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ) أَيْ:
سَوَاءٌ كَانَتْ شَقِيقَةً أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] (وَبِنْتٌ لَهَا) أَيْ " الْأُخْتِ مُطْلَقًا (أَوْ) بِنْتٌ (لِابْنِهَا) أَيْ: ابْنِ الْأُخْتِ (أَوْ) بِنْتُ (بِنْتِهَا) أَيْ بِنْتُ الْأُخْتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: 23] (وَبِنْتُ كُلِّ أَخٍ) شَقِيقٍ، أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ (وَبِنْتُهَا) أَيْ: بِنْتُ الْأَخِ وَ (وَبِنْتُ) ابْنِهَا (وَإِنْ نَزَلْنَ كُلُّهُنَّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ﴾ [النساء: 23] (وَالْعَمَّةِ) مِنْ كُلِّ جِهَةٍ (وَالْخَالَةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَإِنْ عَلَتَا) أَيْ الْعَمَّةُ وَالْخَالَةُ (كَعَمَّةِ أَبِيهِ وَ) عَمَّةِ (أُمِّهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى.
﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] (وَعَمَّةُ الْعَمِّ لِأَبٍ، لِأَنَّهَا عَمَّةُ أَبِيهِ) وَ (لَا) تَحْرُمُ (عَمَّةُ) الْعَمِّ (لِأُمٍّ) بِأَنْ يَكُونَ لِلْعَمِّ أَخِي أَبِيهِ لِأُمِّهِ عَمَّةٌ، فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ (لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ، وَكَعَمَّةِ الْخَالَةِ لِأَبٍ) هِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَا جُرَّ بِالْكَافِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْخَالَةَ لِأَبٍ هِيَ أُخْتُ الْأُمِّ لِأَبِيهَا إذَا كَانَ لَهَا عَمَّةٌ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ؛ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ (لِأَنَّهَا عَمَّةٌ لِأُمٍّ) وَ (لَا) تَحْرُمُ (عَمَّةُ خَالَةٍ لِأُمٍّ) يَعْنِي أَنَّ الْخَالَةَ أُخْتُ الْأُمِّ لِأُمِّهَا إذَا كَانَ لَهَا عَمَّةٌ لَا تَحْرُمُ عَلَى ابْنِ أُخْتِهَا لِأُمِّهَا، وَصُورَتُهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ الْجَدَّةُ أُمُّ الْأُمِّ بِغَيْرِ الْجَدِّ أَبِي الْأُمِّ، فَإِذَا أَتَتْ مِنْهُ بِبِنْتٍ فَهِيَ خَالَةٌ لِأُمٍّ، فَإِذَا كَانَ لَهَا عَمَّةٌ لَا تَحْرُمُ عَلَى ابْنِ أُخْتِهَا لِأُمِّهَا؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ، إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَتَحْرُمُ كُلُّ نَسِيبَةٍ سِوَى بِنْتِ عَمٍّ وَ) بِنْتُ (عَمَّةٍ، بِنْتُ خَالٍ وَ) بِنْتُ (خَالَةٍ) وَإِنْ نَزَلْنَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ [الأحزاب: 50] الْآيَةَ.
الْقِسْمُ (الثَّانِي) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى الْأَبَدِ الْمُحَرَّمَاتُ (بِالرَّضَاعِ وَلَوْ حَصَلَ) الْإِرْضَاعُ (بِإِكْرَاهٍ) كَمَنْ أَكْرَهَ امْرَأَةً عَلَى إرْضَاعِ طِفْلٍ فَأَرْضَعَتْهُ؛ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ لِوُجُودِ سَبَبِ التَّحْرِيمِ وَهُوَ الْإِرْضَاعُ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي سَبَبِ التَّحْرِيمِ كَوْنُهُ مُبَاحًا بِدَلِيلِ ثُبُوتِ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ بِالزِّنَا، وَكَذَا لَوْ غَصَبَ لَبَنَ امْرَأَةٍ وَسَقَاهُ طِفْلًا سَقْيًا مُحَرَّمًا (وَتَحْرِيمُهُ) أَيْ: الرَّضَاعِ (كَ) تَحْرِيمِ (نَسَبٍ) يَعْنِي أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ، مِنْ النَّسَبِ حَرُمَ مِثْلُهَا مِنْ الرَّضَاعِ حَتَّى مَنْ ارْتَضَعَتْ مِنْ لَبَنٍ ثَابَ مِنْهُ مِنْ زِنًا كَبِنْتِهِ مِنْ زِنًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ فَقَالَ: إنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي إنَّهَا ابْنَتُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّحِمِ» وَفِي لَفْظٍ: مِنْ النَّسَبِ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنْ الرَّضَاعِ مَا حَرَّمَ مِنْ النَّسَبِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَلِأَنَّ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِنَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23] وَالْبَاقِيَاتُ يَدْخُلْنَ فِي عُمُومِ سَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ، فَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَنَاتُ وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ وَبَنَاتُ الْأَخَوَاتِ، وَأَخَوَاتُ الْمُرْضِعَةِ وَأُمَّهَاتُهَا وَأُمَّهَاتُ صَاحِبِ اللَّبَنِ وَأَخَوَاتُهُ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ مِنْ أَنْسَابِهِ أَوْ أَنْسَابِ الْمُرْضِعَةِ؛ كَعَمَّتِهِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهِ وَخَالَتِهَا (حَتَّى فِي مُصَاهَرَةٍ، فَتَحْرُمُ زَوْجَةُ أَبِيهِ وَ) وَزَوْجَةُ (ابْنِهِ مِنْ رَضَاعٍ) كَمَا تَحْرُمُ زَوْجَةُ أَبِيهِ (وَ) ابْنِهِ (مِنْ نَسَبٍ) وقَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: 23] احْتِرَازٌ عَمَّنْ تَبَنَّاهُ وَ (لَا) يَحْرُمُ عَلَى رَجُلٍ (أُمُّ أَخِيهِ) مِنْ رَضَاعٍ (وَلَا أُخْتُ ابْنِهِ مِنْ رَضَاعٍ) أَيْ: فَتَحِلُّ مُرْضِعَةٌ وَبِنْتُهَا لِأَبِي مُرْتَضِعٍ وَأَخِيهِ مِنْ نَسَبٍ، وَتَحِلُّ أُمُّ مُرْتَضِعِ وَأُخْتِهِ مِنْ نَسَبٍ لِأَبِيهِ مِنْ رَضَاعٍ؛ لِأَنَّهُنَّ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ يَحْرُمُ بِالْمُصَاهَرَةِ، لَا فِي مُقَابَلَةِ مَنْ يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ وَالشَّارِعُ إنَّمَا حَرَّمَ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يُحَرَّمُ مِنْ النَّسَبِ لَا مَا يُحَرَّمُ بِالْمُصَاهَرَةِ.
الْقِسْمُ (الثَّالِثُ) الْمُحَرَّمَاتُ (بِالْمُصَاهَرَةِ، وَهُنَّ أَرْبَعٌ) عَلَى التَّأْبِيدِ
: إحْدَاهُنَّ (أُمَّهَاتُ زَوْجَتِهِ، وَإِنْ عَلَوْنَ) مِنْ نَسَبٍ، وَمِثْلُهُنَّ مِنْ رَضَاعٍ؛ فَيُحَرَّمْنَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ نَصًّا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهَا مِنْ نِسَائِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ الْقُرْآنُ؛ أَيْ: عَمِّمُوا حُكْمَهَا فِي كُلِّ حَالٍ، وَلَا تُفَصِّلُوا بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ رَبِيبَتَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ
أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا» . رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ.
(وَ) الثَّانِيَةُ (حَلَائِلُ عَمُودَيْ نَسَبِهِ) أَيْ: زَوْجَاتُ آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، سُمِّيَتْ امْرَأَةُ، الرَّجُلِ حَلِيلَةً، لِأَنَّهَا تَحِلُّ إزَارَ زَوْجِهَا، وَهِيَ مُحَلَّلَةٌ لَهُ (وَمِثْلُهُنَّ) أَيْ: مِثْلُ حَلَائِلِ عَمُودَيْ نَسَبِهِ زَوْجَاتُ آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ (مِنْ رَضَاعٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: 23] مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» (خِلَافًا لِلشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: لَمْ يَقُلْ الشَّارِعُ: مَا يَحْرُمُ بِالْمُصَاهَرَةِ، فَأُمُّ امْرَأَتِهِ بِرَضَاعٍ وَامْرَأَةُ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ الَّتِي لَمْ تُرْضِعْهُ، وَبِنْتُ امْرَأَتِهِ بِلَبَنِ غَيْرِهِ حُرِّمْنَ مِنْ الْمُصَاهَرَةِ، لَا بِالنَّسَبِ، وَلَا مُصَاهَرَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ، فَلَا تَحْرِيمَ.
انْتَهَى.
وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ زَوْجَةُ ابْنِهِ مِنْ صُلْبِهِ أَوْ مِنْ الرَّضَاعِ، لَا زَوْجَةُ ابْنِهِ الَّذِي تَبَنَّاهُ، وَلَا زَوْجَةَ ابْنِهِ (مِنْ زِنًا) ، لِأَنَّهُ يُنْسَبُ لِأُمِّهِ؛ فَزَوْجَتُهُ أَجْنَبِيَّةٌ مِنْ الزَّانِي، وَكَذَلِكَ لَا يَحْرُمُ عَلَى وَلَدِ الزِّنَا زَوْجَةُ أَبِيهِ الزَّانِي؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ، كَذَا قَالَ.
وَفِي حَاشِيَةِ الْإِقْنَاعِ حَلِيلَةُ الْأَبِ أَوْ الِابْنِ مِنْ الزِّنَا حَرَامٌ، أَخَذَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مِنْ تَحْرِيمِ بِنْتِهِ مِنْ الزِّنَا عَلَى ابْنِهِ وَأَخِيهِ وَأَبِيهِ.
انْتَهَى.
(فَيُحَرَّمْنَ) أَيْ: الْمَذْكُورَاتُ مِنْ زَوْجَاتِ آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ (بِمُجَرَّدِ عَقْدٍ) قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَيَدْخُلُ فِيهِ زَوْجَةُ الْأَبِ وَإِنْ عَلَا وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرِهِ، وَزَوْجَةُ الِابْنِ وَزَوْجَةُ ابْنِهِ وَابْنُ ابْنَتِهِ وَإِنْ نَزَلَ، وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ،
(وَ) يَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ بِالْوَطْءِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، أَمَّا ثُبُوتُ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ بِالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ؛ فَإِجْمَاعٌ، وَتَصِيرُ مُحَرَّمًا لِمَنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ لِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ؛ أَشْبَهَ النَّسَبَ، وَأَمَّا ثُبُوتُ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ (بِ) الْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ (فَاسِدٍ) أَوْ شِرَاءٍ فَاسِدٍ أَوْ وَطِئَ امْرَأَةً ظَنَّهَا امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ، أَوْ وَطِئَ الْأَمَةَ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَفِيهِ (خِلَافٌ) قِيلَ: لَا يَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الْقَاضِي، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَهُ غَيْرُهُ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " " وَالشَّرْحِ " " وَالرِّعَايَتَيْنِ " " وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": فَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ كَتَعَلُّقِهِ بِالْوَطْءِ الْمُبَاحِ إجْمَاعًا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَطِئَ امْرَأَةً بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ شِرَاءٍ فَاسِدٍ أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ وَأَجْدَادِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ، لِأَنَّهُ وَطْءٌ يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ، فَأَثْبَتَ التَّحْرِيمَ كَالْوَطْءِ الْمُبَاحِ، وَلَا يَصِيرُ بِهِ الرَّجُلُ مَحْرَمًا لِمَنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ وَلَا يُبَاحُ لَهُ بِهِ النَّظَرُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَيْسَ بِمُبَاحٍ، وَلِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِكَمَالِ حُرْمَةِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةٌ، وَلِأَنَّ الْمَوْطُوءَةَ لَمْ نَسْتَبِحْ النَّظَرَ إلَيْهَا، فَلَأَنْ لَا نَسْتَبِيحَ النَّظَرَ إلَى غَيْرِهَا بِهِ أَوْلَى انْتَهَى (وَلَا) تُحَرَّمُ (بَنَاتُهُنَّ) أَيْ: بَنَاتُ حَلَائِلِ عَمُودَيْ نَسَبِهِ (وَأُمَّهَاتُهُنَّ) فَتَحِلُّ لَهُ رَبِيبَةُ وَالِدِهِ، وَوَلَدِهِ، وَأُمُّ زَوْجَةِ
وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] (وَ) الرَّابِعَةُ (الرَّبَائِبُ) وَلَوْ كُنَّ فِي غَيْرِ حِجْرِهِ؛ لِأَنَّ التَّرْبِيَةَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي التَّحْرِيمِ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: 23] فَإِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الشَّرْطِ، وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِذَلِكَ تَعْرِيفًا لَهَا بِغَالِبِ أَحْوَالِهَا، وَمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِمَفْهُومِهِ (وَهُنَّ) أَيْ: الرَّبَائِبُ الْمُحَرَّمَاتُ (بَنَاتُ زَوْجَةٍ دَخَلَ بِهَا وَإِنْ سَفَلْنَ) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] (أَوْ كُنَّ) بَنَاتٍ (لِرَبِيبٍ أَوْ) كُنَّ بَنَاتٍ (لِابْنٍ) قَرِيبَاتٍ كُنَّ أَوْ بَعِيدَاتٍ، وَارِثَاتٍ أَوْ غَيْرِ وَارِثَاتٍ (فَإِنْ مَاتَتْ) الزَّوْجَةُ (قَبْلَ دُخُولٍ) لَمْ تَحْرُمْ بَنَاتُهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23] (أَوْ أَبَانَهَا) أَيْ: الزَّوْجَةَ (بَعْدَ خَلْوَةٍ وَقَبْلَ وَطْءٍ لَمْ يُحَرَّمْنَ) أَيْ بَنَاتُهَا لِلْآيَةِ، وَالْخَلْوَةُ لَا تُسَمَّى دُخُولًا (وَتَحِلُّ زَوْجَةُ رَبِيبٍ) بَانَتْ مِنْهُ لِزَوْجِ أُمِّهِ (وَ) تَحِلُّ (بِنْتُ زَوْجِ أُمٍّ) لِابْنِ امْرَأَةٍ (وَ) تَحِلُّ (زَوْجَةُ زَوْجِ أُمٍّ) لِابْنِ امْرَأَتِهِ (وَ) تَحِلُّ (لِأُنْثَى ابْنِ زَوْجَةٍ) لِابْنِهَا كَشَخْصٍ، لَهُ أُمٌّ مُتَزَوِّجَةٌ بِشَخْصٍ، وَهَذَا الشَّخْصُ لَهُ زَوْجَةٌ أُخْرَى، فَأَبَانَهَا؛ فَلِابْنِ زَوْجَتِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِمُبَانَتِهِ (وَ) يَحِلُّ (لِأُنْثَى ابْنِ زَوْجَةٍ ابْنُهَا) كَامْرَأَةٍ لَهَا ابْنٌ مُتَزَوِّجٌ بِامْرَأَةٍ وَلِزَوْجَةِ ابْنِهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهِ؛ فَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ (وَ) يَحِلُّ لِأُنْثَى (زَوْجُ زَوْجَةِ أَبِيهَا وَ) كَذَلِكَ يَحِلُّ لَهَا (زَوْجُ زَوْجَةِ ابْنِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْفُرُوجِ الْحِلُّ؛ إلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهِ (وَلَا يُحَرِّمُ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَطْءٌ (فِي مُصَاهَرَةٍ، إلَّا تَغْيِيبَ حَشَفَةٌ أَصْلِيَّةٌ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ وَلَوْ دُبُرًا) قَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ فَرْجٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ إذَا وُجِدَ فِي الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ، وَكَذَا فِي الزِّنَا، وَفِيهِ مَعَ مَا يَأْتِي نَوْعُ تَنَاقُضٍ، فَإِنَّ هَذَا يُعْطِي أَنَّ اسْتِدْخَالَ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ لَا يَكْفِي فِي التَّحْرِيمِ، مَعَ أَنَّهُ يَأْتِي فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ فِي فَصْلٍ وَيُسْقِطُ الصَّدَاقَ كُلَّهُ إلَى آخِرِهِ
لَا إنْ تَحَمَّلَتْ بِمَائِهِ، وَيَثْبُتُ بِهِ عِدَّةٌ إلَى أَنْ قَالَ: وَكَذَا مُصَاهَرَةٌ.
وَمَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ مَشَى بِهِ عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ الرِّعَايَةِ "، وَمَا هُنَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ فَتَنَبَّهْ لَهُ، (أَوْ) كَانَ الْوَطْءُ (بِشُبْهَةٍ أَوْ بِزِنًا) فَلَوْ زِنَا بِامْرَأَةٍ حُرِّمَتْ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا كَوَطْءِ الْحَلَالِ وَالشُّبْهَةِ؛ وَلَوْ وَطِئَ أُمَّ امْرَأَتِهِ أَوْ بِنْتَ امْرَأَتِهِ؛ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يُثْبِتُ هَذَا الْوَطْءُ مَحْرَمِيَّةً وَلَا إبَاحَةَ نَظَرٍ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أَنَّ الْوَطْءَ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ مُوجِبٌ لِلتَّحْرِيمِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُبَاحًا (أَوْ) مُحَرَّمًا (بِحَائِلٍ) غَيْرِ صَفِيقٍ إنْ أَحَسَّ بِالْحَرَارَةِ (أَوْ) بِدُونِهِ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، وَهُوَ يُسَمَّى نِكَاحًا؛ فَدَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] الْآيَةَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (بِشَرْطِ حَيَاتِهِمَا) أَيْ: الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ، فَلَوْ أَوْلَجَ ذَكَرَهُ فِي فَرْجِ مَيِّتَةٍ (أَوْ) أَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ حَشَفَةَ مَيِّتٍ فِي فَرْجِهَا؛ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ وَيَأْتِي (وَ) بِشَرْطِ (كَوْنُ مِثْلِهِمَا يَطَأُ وَيُوطَأُ) فَلَا يَتَعَلَّقُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ بِوَطْءِ صَغِيرٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ.
قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: اشْتِرَاطُ كَوْنِ مِثْلِهَا يَطَأُ وَيُوطَأُ (فَلَوْ عَقَدَ ابْنُ تِسْعٍ عَلَى امْرَأَةٍ وَأَصَابَهَا وَفَارَقَهَا؛ حَلَّتْ لَهُ بِنْتُهَا) إذْ لَا تَأْثِيرَ لِهَذِهِ الْإِصَابَةِ؛ فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا (وَكَذَا عَكْسُهُ) كَمَا لَوْ أَصَابَ ابْنُ عَشْرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ دُونِ تِسْعِ سِنِينَ، وَفَارَقَهَا، فَبَلَغَتْ، وَاتَّصَلَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ وَأَتَتْ مِنْهُ بِبِنْتٍ، حَلَّتْ تِلْكَ الْبِنْتُ لِمُصِيبِ أُمِّهَا حَالَ صِغَرِهَا، لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ، وَلَا يَثْبُتُ
التَّحْرِيمُ بِذَلِكَ، هَذَا الْمَذْهَبُ اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " التَّصْحِيحِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ الزَّرْكَشِيُّ (وَلَا تَحْرِيمَ بِوَطْءِ مَيِّتَةٍ وَمُبَاشَرَةٍ وَنَظَرٍ) إلَى (فَرْجٍ لِشَهْوَةٍ) أَوْ غَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ، (وَ) لَا تَحْرِيمَ أَيْضًا (بِمُسَاحَقَةِ نِسَاءٍ) ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ مَحَلُّ وِفَاقٍ.
(وَيَحْرُمُ بِوَطْءِ ذَكَرٍ) لَا بِدَوَاعِيهِ مِنْ قُبْلَةٍ وَنَحْوِهَا (مَا يَحْرُمُ بِوَطْءِ أُنْثَى، فَلَا يَحِلُّ لِكُلٍّ مِنْ لَائِطٍ وَمُلُوطٍ بِهِ) بَالِغًا كَانَ الْمَلُوطُ بِهِ أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ (أُمَّ الْآخَرِ وَلَا ابْنَتَهُ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ فَنَشَرَ الْحُرْمَةَ كَوَطْءِ الْمَرْأَةِ (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى كُلٍّ مِنْ لَائِطٍ وَمُلُوطٍ بِهِ أُمَّ الْآخَرِ (وَإِنْ عَلَتْ) كَأُمِّ أُمِّ أُمِّهِ وَأُمِّ أُمِّ أَبِيهِ (أَوْ نَزَلَتْ) كَبِنْتِهِ وَبِنْتِ بِنْتِ بِنْتِهِ وَبِنْتِ ابْنِهِ (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ) يَحْرُمُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أُمُّ الْآخَرِ وَبِنْتُهُ (بِشَرْطِ) كَوْنِ مَلُوطٍ بِهِ يَتَأَتَّى إمْكَانُ (وَطْءِ مِثْلِهِ) بِأَنْ كَانَ يُطِيقُ الْجِمَاعَ (وَإِلَّا) يُوطَأُ مِثْلُهُ؛ كَكَوْنِهِ صَغِيرًا لَا يُطِيقُ الْجِمَاعَ (فَلَيْسَ) وَطْؤُهُ (أَوْلَى) بِعَدَمِ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ (بِ) اعْتِبَارِ أَنَّهُ مَقِيسٌ عَلَى وَطْءِ الصَّغِيرَةِ (الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ) عِنْدَ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ بِأَنَّهُ لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ أَلْبَتَّةَ، فَهُوَ بِالنَّظَرِ أَشْبَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[تَتِمَّةٌ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ الزِّنَا]
، وَبِنْتَ ابْنِهِ وَبِنْتَ بِنْتِهِ وَإِنْ نَزَلَتْ، وَبِنْتَ أَخِيهِ وَبِنْتَ أُخْتِهِ مِنْ الزِّنَا، وَعَمَّتَهُ وَخَالَتَهُ، وَكَذَا الْأَبُ وَالِابْنُ مِنْ الزِّنَا، لِدُخُولِهِنَّ فِي الْعُمُومَاتِ السَّابِقَةِ.
الْقِسْمُ (الرَّابِعُ) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى الْأَبَدِ الْمُحَرَّمَةُ (بِاللِّعَانِ) نَصًّا (فَمَنْ لَاعَنَ زَوْجَتَهُ، وَلَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ) لِنَفْيِ وَلَدٍ (أَوْ) لَاعَنَ زَوْجَةً (بَعْدَ إبَانَةٍ لِنَفْيِ وَلَدٍ) ؛ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أَبَدًا وَلَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لَا يَرْتَفِعُ قَبْلَ الْجَلْدِ وَالتَّكْذِيبِ فَلَمْ يَرْتَفِعْ بِهِمَا.
الْقِسْمُ (الْخَامِسُ) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى الْأَبَدِ (زَوْجَاتُ نَبِيِّنَا) مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُحَرَّمْنَ (عَلَى غَيْرِهِ) أَبَدًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53] : (وَلَوْ مَنْ فَارَقَهَا) فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ زَوْجَاتِهِ (وَهُنَّ أَزْوَاجُهُ دُنْيَا وَأُخْرَى) كَرَامَةً لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) إمَاؤُهُ الْمَوْطُوآتُ فَيُحَرَّمْنَ عَلَى غَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَدًا وَيَتَّجِهُ (أَنَّهُ يُزَادُ) فِي إكْرَامِهِ إذَا خَطَبَ امْرَأَةً خَلِيَّةً مِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ، وَرَغِبَ، فِيهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَبَ عَلَيْهَا إجَابَتُهُ، وَحَرُمَ عَلَى غَيْرِهِ خِطْبَتُهَا احْتِرَامًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
الْقِسْمُ (السَّادِسُ) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى الْأَبَدِ (مُرْتَدَّةٌ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهَا كَ) مَا لَوْ كَانَ ارْتِدَادُهَا (بِسَبِّ نَحْوِ نَبِيٍّ) مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ مَلَكٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي فِي بَابِ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ.
(وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: وَكَذَا قَاتِلُ رَجُلٍ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ) لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا؛ عُقُوبَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ الْمُحَرَّمِ؛ كَحِرْمَانِ الْقَاتِلِ الْمِيرَاثَ.
ذَكَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ " إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى بُطْلَانِ التَّحْلِيلِ " (وَقَالَ) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (فِي) جَوَابِ سُؤَالٍ صُورَتُهُ (مَنْ خَبَّبَ) أَيْ: خَدَعَ (امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا) حَتَّى طَلُقَتْ؛ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا يُعَاقَبُ عُقُوبَةً؛ لِارْتِكَابِهِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ وَ (نِكَاحُهُ بَاطِلٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ) الْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ (مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا) وَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا (انْتَهَى.
وَكَذَا) الْحُكْمُ فِي التَّحْرِيمِ عَلَى الْأَبَدِ (فِي قَوْلٍ) الْمَذْهَبُ خِلَافُهُ (لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا، وَدَخَلَ بِهَا، وَهُوَ) أَيْ الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ (مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ) وَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ.
[فَصْلٌ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُؤَقَّتَة فِي النِّكَاحُ]
[النَّوْع الْأَوَّل يُحَرَّمُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ]
فَصْلٌ (الضَّرْبُ الثَّانِي) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ النِّكَاحُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ (إلَى أَمَدٍ، وَهُنَّ نَوْعَانِ نَوْعٌ) مِنْهُمَا يُحَرَّمُ (لِأَجْلِ الْجَمْعِ؛ فَيُحَرَّمُ) الْجَمْعُ (بَيْنَ أُخْتَيْنِ) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ حُرَّتَيْنِ كَانَتَا أَوْ أَمَتَيْنِ أَوْ حُرَّةً وَأَمَةً قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] (وَ) يَحْرُمُ الْجَمْعُ أَيْضًا (بَيْنَ امْرَأَةٍ وَعَمَّتِهَا أَوْ) بَيْنَ امْرَأَةٍ (وَخَالَتِهَا) وَلَوْ رَضِيَتَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْعَمَّةُ وَالْخَالَةُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا كَعَمَّاتِ آبَائِهَا وَخَالَاتِهِمْ، وَعَمَّاتِ أُمَّهَاتِهَا وَخَالَاتِهِنَّ (وَإِنْ عَلَتَا) أَيْ: الْخَالَةُ وَالْعَمَّةُ (مِنْ كُلِّ جِهَةٍ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ - بِحَمْدِ اللَّهِ - اخْتِلَافٌ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبِدَعِ مِمَّنْ لَا تُعَدُّ مُخَالَفَتُهُ حَكَى خِلَافَهُ، وَهُوَ الرَّافِضَةُ وَالْخَوَارِجُ، لَمْ يُحَرِّمُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُولُوا بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَهِيَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا، وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا وَلَا تُنْكَحُ الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى، وَلَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى» وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إيقَاعُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ، وَإِفْضَاءُ ذَلِكَ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ، فَإِنْ احْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] خَصَّصْنَاهُ بِمَا رُوِيَ مِنْ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
(وَ) يَحْرُمُ الْجَمْعُ أَيْضًا (بَيْنَ خَالَتَيْنِ بِأَنْ يَنْكِحَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (ابْنَةَ الْآخَرِ، فَيُولَدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (بِنْتٌ) فَكُلٌّ مِنْ الْبِنْتَيْنِ خَالَةُ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهَا أُخْتُ أُمِّهَا لِأَبِيهَا (وَ) يَحْرُمُ الْجَمْعُ أَيْضًا (بَيْنَ عَمَّتَيْنِ، بِأَنْ يَنْكِحَ كُلٌّ) مِنْهُمَا (أُمَّ الْآخَرِ، فَيُولَدُ لِكُلِّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا (بِنْتٌ) فَكُلٌّ مِنْ الْبِنْتَيْنِ عَمَّةُ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهَا أُخْتُ أَبِيهَا لِأُمِّهِ (أَوْ) أَيْ: وَيَحْرُمُ الْجَمْعُ أَيْضًا بَيْنَ عَمَّةٍ (وَخَالَةٍ، بِأَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ) امْرَأَةً وَيَنْكِحَ ابْنُهُ أُمَّهَا، فَيُولَدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (بِنْتٌ) فَبِنْتُ الِابْنِ خَالَةُ بِنْتِ الْأَبِ، وَبِنْتُ الْأَبِ عَمَّةُ بِنْتِ الِابْنِ.
(وَ) يَحْرُمُ الْجَمْعُ (بَيْنَ كُلِّ امْرَأَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا ذَكَرًا وَالْأُخْرَى أُنْثَى حَرُمَ نِكَاحُهُ) أَيْ: الذَّكَرُ (لَهَا) أَيْ: الْأُنْثَى (لِقَرَابَةٍ أَوْ رَضَاعٍ) لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي حَرُمَ الْجَمْعُ مِنْ أَجْلِهِ، إفْضَاؤُهُ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْقَرِيبَةِ؛ لِمَا فِي الطِّبَاعِ مِنْ التَّنَافُرِ وَالْغَيْرَةِ بَيْنِ الضَّرَائِرِ، وَأُلْحِقَ بِالْقَرَابَةِ الرَّضَاعُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» .
وَ (لَا) يَحْرُمُ الْجَمْعُ (بَيْنَ مُبَانَةِ شَخْصٍ وَبِنْتِهِ مِنْ غَيْرِهَا) وَلَوْ فِي عَقْدٍ، لِأَنَّهُ وَإِنْ حُرِّمَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى لَوْ قُدِّرَتْ ذَكَرًا، لَمْ يَكُنْ تَحْرِيمُهَا إلَّا مِنْ أَجْلِ الْمُصَاهَرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا رَضَاعَ
(أَوْ) أَيْ: وَلَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ (بَيْنَ أَمَةٍ وَسَيِّدَتُهَا) فِي نِكَاحٍ، لِأَنَّهُمَا أَجْنَبِيَّتَيْنِ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمَا (وَلَا بَيْنَ أُخْتِ شَخْصٍ
مِنْ أَبِيهِ وَأُخْتِهِ مِنْ أُمِّهِ) وَلَوْ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا ذَكَرًا حَلَّتْ لَهُ الْأُخْرَى، فَإِنْ وُلِدَ لَهَا وَلَدٌ فَالرَّجُلُ عَمُّهُ وَخَالُهُ (وَكُرِهَ جَمْعٌ بَيْنَ بِنْتَيْ عَمَّيْهِ أَوْ) بِنْتَيْ (عَمَّتَيْهِ وَ) بَيْنَ بِنْتَيْ (خَالَيْهِ وَ) بِنْتَيْ (خَالَتَيْهِ أَوْ) بَيْنَ (بِنْتِ عَمِّهِ وَ) بِنْتِ (عَمَّتِهِ أَوْ) بَيْنَ (بِنْتِ خَالِهِ وَ) بِنْتِ (خَالَتِهِ) لِمَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُزَوَّجَ الْمَرْأَةُ عَلَى ذِي قَرَابَتِهَا مَخَافَةَ الْقَطِيعَةِ» ؛ أَيْ: لِإِفْضَائِهِ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ لَمْ يَحْرُمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] وَلِبُعْدِ الْقَرَابَةِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْرُمْ نِكَاحُهَا وَكَانَتْ الْأَجْنَبِيَّةُ أَوْلَى كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ كَانَ لِكُلِّ رَجُلٍ بِنْتٌ وَوَطِئَا) أَمَةً لَهُمَا أَوْ (امْرَأَةً) بِشُبْهَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ ذَكَرٍ، وَ (أُلْحِقَ وَلَدُهَا بِهِمَا فَتَزَوَّجَ رَجُلٌ بِالْمَرْأَةِ) الْمَوْطُوءَةِ (وَبِالْبِنْتَيْنِ) أَوْ بِهِمَا وَبِالْأَمَةِ (فَقَدْ تَزَوَّجَ أُمَّ شَخْصٍ وَأُخْتَيْهِ) وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِيمَنْ تَزَوَّجَ مُبَانَةَ شَخْصٍ وَبِنْتِهِ، وَقَدْ نَظَّمَهَا بَعْضُهُمْ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْحَبْرُ الَّذِي يَجْلُو ذَكَاهُ كُلَّ غُمَّهْ ... أَفْتِنَا فِي رَجُلٍ زَوَّجَ أُخْتَيْهِ وَأُمَّهْ رَجُلًا حُرًّا بِعَقْدٍ وَاحِدٍ وَالْعَقْدُ ثَمَّهُ ... جَائِزَ لَا خُلْفَ فِيهِ بَيْنَ أَعْيَانِ الْأَئِمَّهْ (فَمَنْ تَزَوَّجَ نَحْوَ أُخْتَيْنِ) كَامْرَأَةٍ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا (فِي عَقْدٍ) وَاحِدٍ؛ بَطَلَا (أَوْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ مَعًا) فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (بَطَلَا) أَيْ الْعَقْدَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُمَا، (وَلَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى؛ فَيَبْطُلُ فِيهِمَا؛ كَ) مَا لَوْ تَزَوَّجَ (خَمْسَ) زَوْجَاتٍ (بِعَقْدٍ) وَاحِدٍ؛ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ فِي الْكُلِّ، وَلَا مَزِيَّةَ لِوَاحِدَةِ عَلَى غَيْرِهَا، (فَيَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ، (وَإِنْ تَزَوَّجَ
الْأُخْتَيْنِ) أَوْ نَحْوَهُمَا (فِي عَقْدَيْنِ فِي زَمَنَيْنِ) وَاحِدَةً بَعْدَ الْأُخْرَى؛ فَإِنَّهُ (يَبْطُلُ) عَقْدُ (مُتَأَخِّرٍ) لِأَنَّ الْجَمْعَ حَصَلَ بِهِ (فَقَطْ) أَيْ: دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا جَمْعَ فِيهِ؛ (كَ) عَقْدٍ (وَاقِعٍ) عَلَى نَحْوِ أُخْتٍ (فِي عِدَّةِ) الْأُخْتِ (الْأُخْرَى وَلَوْ) كَانَتْ الْمُعْتَدَّةُ (بَائِنًا) كَالْمُعْتَدَّةِ مِنْ خُلْعٍ أَوْ طَلَاقِ ثَلَاثٍ أَوْ عَلَى عِوَضٍ، وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً فِي عِدَّةِ رَابِعَةٍ، وَلَوْ مُبَانَةً؛ لِأَنَّ الْبَائِنَةَ مَحْبُوسَةٌ عَنْ النِّكَاحِ لِحَقِّهِ، فَأَشْبَهَتْ الرَّجْعِيَّةَ (فَإِنْ جَهِلَ) أَسْبَقَ الْعَقْدَيْنِ (فُسِخَا) أَيْ: فَسَخَهُمَا الْحَاكِمُ إنْ لَمْ يُطَلِّقْهُمَا لِبُطْلَانِ النِّكَاحِ فِي إحْدَاهُمَا وَتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ وَلَا تُعْرَفُ الْمُحَلَّلَةُ لَهُ: فَقَدْ أَشْتَبَهَتَا عَلَيْهِ وَنِكَاحُ إحْدَاهُمَا صَحِيحٌ، وَلَا يُتَيَقَّنُ بَيْنُونَتُهَا مِنْهُ إلَّا بِطَلَاقِهَا أَوْ فَسْخِ نِكَاحِهِمَا، فَوَجَبَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ، وَجُهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُفَارِقَ إحْدَاهُمَا، ثُمَّ يُجَدَّدُ عَقْدَ الْأُخْرَى، وَيُمْسِكُهَا؛ فَلَا بَأْسَ، وَسَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ بِقُرْعَةٍ أَوْ لَا (وَلِإِحْدَاهُمَا) أَيْ: إحْدَى مَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إذَا عَقَدَ عَلَيْهِمَا فِي زَمَنَيْنِ، وَجَهِلَ أَسْبِقَهُمَا، وَطَلَّقَهَا أَوْ فَسَخَ نِكَاحَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ (نِصْفُ) مَهْرِهَا (الْمُسَمَّى بِقُرْعَةٍ) بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ، فَتَأْخُذُ مَنْ تَخْرُجُ لَهَا الْقُرْعَةُ، وَلَهُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى إحْدَاهُمَا فِي الْحَالِ بَعْدَ فِرَاقِ الْأُخْرَى قَبْلَ الدُّخُولِ، لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ، (فَإِنْ) كَانَ (أَصَابَ إحْدَاهُمَا) دُونَ الْأُخْرَى: ثُمَّ طَلَّقَهَا، أَوْ فَسَخَ الْحَاكِمُ نِكَاحَهُمَا، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا (فَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لَهَا) أَيْ: الْمُصَابَةِ (فَ) لَهَا الْمَهْرُ (الْمُسَمَّى) جَمِيعُهُ؛ لِتَقَرُّرِهِ بِالدُّخُولِ، وَلَا شَيْءَ لِلْأُخْرَى، (وَإِلَّا) تَخْرُجَ الْقُرْعَةُ لِلْمُصَابَةِ بِأَنْ خَرَجَتْ لِغَيْرِهَا (فَ) لِلْمُصَابَةِ (مَهْرُ مِثْلِهَا) بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا (وَنِصْفُ) مَهْرٍ (مُسَمًّى لِلْأُخْرَى) ، لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ فَارَقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَهُ نِكَاحُ الْمُصَابَةِ فِي الْحَالِ، لَا الْأُخْرَى حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُصَابَةِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِمَا وَأَصَابَهُمَا، فَلِإِحْدَاهُمَا الْمُسَمَّى، وَلِلْأُخْرَى مَهْرُ الْمِثْلِ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا: لِتَمْيِيزِ مَنْ تَأْخُذُ مِمَّنْ تَأْخُذُ مَهْرَ الْمِثْلِ إنْ تَفَادَتَا وَلَا يَنْكِحُ إحْدَاهُمَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْأُخْرَى (وَإِنْ وَلَدَتَا مِنْهُ) كِلْتَاهُمَا أَوْ وَلَدَتْ مِنْهُ إحْدَاهُمَا (لَحِقَهُ النَّسَبُ) لِأَنَّهُ إمَّا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَةِ نِكَاحٍ.
(وَمَنْ مَلَكَ أُخْت زَوْجَتِهِ أَوْ) مَلَكَ (عَمَّتَهَا أَوْ) مَلَكَ (خَالَتَهَا) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ (صَحَّ) مِلْكُهُ لَهَا، لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلِاسْتِمْتَاعِ وَغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ صَحَّ شِرَاؤُهُ أُخْتَهُ مِنْ رَضَاعٍ (وَحَرُمَ أَنْ يَطَأَهَا) أَيْ: الَّتِي مَلَكَهَا (أَوْ يُبَاشِرَهَا وَنَحْوَهُ) كَأَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا بِشَهْوَةٍ؛ إذْ دَوَاعِي الْوَطْءِ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ (حَتَّى يُفَارِقَ زَوْجَتَهُ، وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) لِئَلَّا يَجْمَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ؛ وَنَحْوِهِمَا، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ، لِحَدِيثِ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْمَعُ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ» . وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْخَلْوَةِ.
[تَتِمَّةٌ اشْتَرَى جَارِيَةً وَوَطِئَهَا حَلَّ لَهُ شِرَاءُ أُمِّهَا وَأُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا]
تَتِمَّةٌ وَإِنْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَوَطِئَهَا حَلَّ لَهُ شِرَاءُ أُمِّهَا وَأُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا؛ كَمَا يَحِلُّ لَهُ شِرَاءُ الْمُعْتَدَّةِ وَالْمُزَوَّجَةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَالْمُحَرَّمَةِ لِنَحْوِ رَضَاعٍ.
[فَصْلٌ مَنْ مَلَكَ نَحْوَ أُخْتَيْنِ كَامْرَأَةٍ وَعَمَّتِهَا أَوْ وَخَالَتِهَا فِي عَقْدِ وَاحِد]
فَصْلٌ (وَمَنْ مَلَكَ نَحْوَ أُخْتَيْنِ) كَامْرَأَةٍ وَعَمَّتِهَا أَوْ وَخَالَتِهَا (مَعًا) وَلَوْ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ (صَحَّ) الْعَقْدُ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا انْتَهَى (وَلَهُ وَطْءُ أَيِّهِمَا شَاءَ) لِأَنَّ الْأُخْرَى لَمْ تَصِرْ فِرَاشًا؛ كَمَا لَوْ مَلَكَ إحْدَاهُمَا وَحْدَهَا (وَتَحْرُمُ بِهِ) أَيْ: بِوَطْءِ إحْدَاهُمَا (الْأُخْرَى) نَصًّا.
قَالَ الْقَاضِي: وَدَوَاعِي الْوَطْءِ تَحْرُمُ كَالْوَطْءِ، وَقَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ بَحْثًا فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَقَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ الْجَمْعُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِمُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ مَكْرُوهٌ لَا مُحَرَّمٌ؛ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ وَطْءِ إحْدَاهُمَا؛ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِ الْقَاضِي، فَإِنْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا؛ فَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ وَالْوَطْءَ جَمِيعًا كَسَائِرِ الْمَذْكُورَاتِ
فِي الْآيَةِ، يَحْرُمُ وَطْؤُهُنَّ وَالْعَقْدُ عَلَيْهِنَّ، وَلِأَنَّهَا امْرَأَةٌ صَارَتْ فِرَاشًا؛ فَحُرِّمَتْ أُخْتُهَا كَالزَّوْجَةِ، وَيَسْتَمِرُّ التَّحْرِيمُ (حَتَّى يُحَرِّمَ الْمَوْطُوءَةَ) مِنْهُمَا عَلَى نَفْسِهِ (بِإِخْرَاجِهَا أَوْ بَعْضِهَا عَنْ مِلْكِهِ بِعِتْقٍ أَوْ وَقْفٍ) ، أَوْ إزَالَةِ مِلْكِهِ (وَلَوْ بِبَيْعٍ لِلْحَاجَةِ) إلَى التَّفْرِيقِ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ فِي النِّكَاحِ، وَيَحْرُمُ التَّفْرِيقُ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ أَحَدِهِمَا، وَكَلَامُ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ بِعُمُومِهِ يَقْتَضِي هَذَا.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الْمَوْطُوءِ، لِلْحَاجَةِ، وَمَحِلُّ جَوَازِ ذَلِكَ (مَا لَمْ يَتَحَيَّلْ عَلَى بَيْعِ) هَا لِأَجْلِ (التَّفْرِقَةِ) بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَحِمِهَا، فَإِنَّ قَصَدَ بِبَيْعِهَا التَّفْرِقَةَ بِأَنْ بَاعَهَا مِنْ شَخْصٍ ظَاهِرًا لِتَبْقَى الْأُخْرَى مُنْفَرِدَةً، فَيَطَأُ أُخْتَهَا، ثُمَّ يَسْتَرِدُّهَا؛ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ) أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ (بِهِبَةٍ) مَقْبُوضَةٍ لِغَيْرِ وَلَدِهِ لِئَلَّا يَمْلِكَ اسْتِرْجَاعَهَا (أَوْ تَزْوِيجٍ بَعْدَ اسْتِبْرَاءٍ) ، لِيَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ حَامِلًا مِنْهُ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَا يَكْفِي فِي إبَاحَتِهَا مُجَرَّدُ إزَالَةِ الْمِلْكِ حَتَّى تَنْقَضِيَ حَيْضَةُ الِاسْتِبْرَاءِ؛ فَتَكُونُ الْحَيْضَةُ كَالْعِدَّةِ (وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ تَحْرِيمِ) مَوْطُوءَةٍ بِأَنْ يَقُولَ: هِيَ حَرَامٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، وَلَوْ كَانَ نَصًّا يُحَرِّمُهَا، إلَّا أَنَّهُ لِعَارِضٍ مَتَى شَاءَ أَزَالَهُ بِالْكَفَّارَةِ.
(وَيَتَّجِهُ) وَلَا يَكْفِي تَحْرِيمُهَا (بِنَحْوِ إحْرَامٍ) مِنْهُ أَوْ مِنْهَا، وَكَالْحَيْضِ وَالصِّيَامِ وَالِاعْتِكَافِ؛ فَإِنَّهَا وَإِنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِتَلَبُّسِهَا بِمَا ذُكِرَ إلَّا أَنَّ مُدَّتَهُ تَنْقَضِي؛
فَلَا يُؤْمَنُ الْعَوْدُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ تُمَجَّسُ) فَلَا يَكْفِي تَحْرِيمُهَا بِتَمَجُّسِهَا؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ بِالْعِدَّةِ وَالرِّدَّةِ كَالتَّحْرِيمِ بِالْإِحْرَامِ، قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْمُحَرَّرِ ".
(أَوْ كِتَابَةٍ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَكْفِيهِ أَنْ يُكَاتِبَهَا؛ لِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ اسْتِبَاحَتِهَا بِمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غَيْرِهِمَا (أَوْ رَهْنٍ) لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ وَطِئَهَا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، لَا لِتَحْرِيمِهَا، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، وَلِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ مَتَى شَاءَ (أَوْ بَيْعٍ بِشَرْطِ خِيَارٍ لَهُ) لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِرْجَاعِهَا مَتَى شَاءَ بِفَسْخِ الْبَيْعِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِمُشْتَرٍ وَحْدَهُ (أَوْ هِبَةِ) الْمَوْطُوءَةِ لِمَنْ يُمْكِنُ اسْتِرْجَاعُهَا مِنْهُ كَهِبَتِهَا (لِوَلَدِهِ) قَالَ فِي " الْوَجِيزِ " فَإِنْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الْمَوْطُوءَةَ بِمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْفَعَهُ وَحْدَهُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ "، فَإِنْ أَخْرَجَ الْمِلْكَ لَازِمًا ثُمَّ عَرَضَ لَهُ فِي الْمُبِيحِ لِلْفَسْخِ مِثْلَ أَنْ يَبِيعَهَا بِسِلْعَةٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ مَعِيبَةً، أَوْ يُفْلِسُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، أَوْ يَظْهَرُ فِي الْعِوَضِ تَدْلِيسٌ، أَوْ يَكُونُ مَغْبُونًا، فَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ: يُقَالَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ: إنَّهُ يُبَاحُ وَطْءُ الْأُخْتِ بِكُلِّ حَالٍ عَلَى عُمُومِ كَلَامِ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ، أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، قَالَهُ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " (فَلَوْ خَالَفَ) مُشْتَرِي الْأُخْتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا (وَوَطِئَ الْأُخْرَى) قَبْلَ إخْرَاجِ الْمَوْطُوءَةِ أَوَّلًا، أَوْ بِبَعْضِهَا عَنْ مِلْكِهِ (لَزِمَهُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْهَا) أَيْ: الْمَوْطُوءَةِ أَوَّلًا، وَالْمَوْطُوءَةِ ثَانِيًا (حَتَّى يُحَرِّمَ إحْدَاهُمَا) بِإِخْرَاجٍ لَهَا أَوْ لِبَعْضِهَا عَنْ مِلْكِهِ وَحَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا (كَمَا تَقَدَّمَ) لِأَنَّ الثَّانِيَةَ صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا، فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا أَوْ نَحْوُهَا؛ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا ابْتِدَاءً؛ وَاسْتِدْلَالُ مَنْ قَالَ: الْأُولَى بَاقِيَةٌ عَلَى الْحِلِّ بِحَدِيثِ: «إنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ» لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ إذَا وَطِئَ الْأُولَى وَطْئًا مُحَرَّمًا، كَفِي حَيْضٍ أَوْ إحْرَامٍ أَوْ صَوْمِ فَرْضٍ؛ فَإِنَّ أُخْتَهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ (فَإِنْ عَادَتْ) الَّتِي أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ
(لِمِلْكِهِ وَلَوْ) كَانَ عَوْدُهَا (قَبْلَ وَطْءِ الْبَاقِيَةِ) فِي مِلْكِهِ (لَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً) مِنْهُمَا (حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى) عَلَى نَفْسِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا عَنْ مِلْكِهِ (قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ) : هَذَا (إنْ لَمْ يَجِبْ اسْتِبْرَاءٌ كَبِنْتٍ دُونَ تِسْعٍ) وَكَمَا لَوْ زَوَّجَهَا فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَيَكُفُّ عَنْهَا وَعَنْ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا (فَإِنْ وَجَبَ) الِاسْتِبْرَاءُ بِأَنْ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ (لَمْ يَلْزَمْ تَرْكُ الْبَاقِيَةِ فِيهِ) أَيْ: زَمَنَ الِاسْتِبْرَاءِ (فَقَطْ) لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ زَمَنَهُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِهِ (قَالَ الْمُنَقِّحُ وَهُوَ) أَيْ: قَوْلُ ابْنِ نَصْرِ اللَّهِ (حَسَنٌ) وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ مُعْتَدَّةً؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَرْكُ الْبَاقِيَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْعَائِدَةِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهَا إنْ عَادَتْ إلَيْهِ مَوْطُوءَتُهُ الَّتِي أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ لِحِلِّ وَطْءِ نَحْوِ أُخْتِهَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْءُ إحْدَاهُمَا؛ سَوَاءٌ وُجِدَ اسْتِبْرَاءٌ أَوْ لَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى (وَإِلَّا) ؛ نُوجِبُ عَلَيْهِ اجْتِنَابَهُمَا (لَحَلَّتْ) لَهُ مَنْ أَصَابَ نَحْوَ أُخْتِهَا (بِوَطْءِ نَحْوِ شُبْهَةٍ) كَزِنًا (بِلَا نَقْلِ مِلْكٍ) فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ لِنَصِّ الْإِمَامِ عَلَى أَنَّهَا إذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَ خُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ لَا تَحِلُّ لَهُ إحْدَاهُمَا مَعَ تَعَيُّنِ الِاسْتِبْرَاءِ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " الْمُسَوَّدَةِ "؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ تَزَوَّجَ أُخْت سُرِّيَّتِهِ، وَلَوْ بَعْدَ إعْتَاقِهَا زَمَنَ اسْتِبْرَائِهَا؛ لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ تَصِيرُ بِهِ الْأَمَةُ فِرَاشًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَرِدَ عَلَى فِرَاشِ الْأُخْتِ كَالْوَطْءِ، وَيُفَارِقُ النِّكَاحَ شِرَاءُ أُخْتِهَا وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ لِلْوَطْءِ وَغَيْرِهِ،
بِخِلَافِ النِّكَاحِ، وَلِهَذَا صَحَّ شِرَاءُ الْأُخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَشِرَاءُ مَنْ تُحَرَّمُ بِرَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَلَهُ) أَيْ: الْمُتَسَرِّي (نِكَاحُ أَرْبَعٍ سِوَاهَا) أَيْ: سِوَى أُخْتِ سُرِّيَّتِهِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ نَحْوِ أُخْتِهَا لِمَعْنًى لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا) أَيْ؛ نَحْوَ أُخْتِ سُرِّيَّتِهِ (بَعْدَ تَحْرِيمِ السُّرِّيَّةِ) بِنَحْوِ بَيْعٍ (وَ) بَعْدَ (اسْتِبْرَائِهَا؛ صَحَّ، ثُمَّ إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ السُّرِّيَّةُ) بِنَحْوِ بَيْعٍ (فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ) لَا يَنْفَسِخُ بِذَلِكَ؛ لِصِحَّتِهِ وَقُوَّتِهِ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: وَحِلُّهَا مِنْ حَيْثُ الزَّوْجِيَّةِ بَاقٍ لِقُوَّةِ الزَّوْجِيَّةِ.
(وَحَرُمَ) عَلَيْهِ (وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) حَتَّى يُحَرِّمَ عَلَيْهِ الْأُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ لَا يُنَافِي بَقَاءَ الزَّوْجِيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ الْعَارِضَ لَا يَرْفَعُ الزَّوْجِيَّةَ، فَلَا يَرْفَعُ أَثَرَهَا كَالزَّوْجَةِ الْحَائِضِ.
(وَيَتَّجِهُ) عَلَى مُقْتَضَى (بَحْثِهِمَا) أَيْ: بَحْثِ الْمَجْدِ وَابْنِ نَصْرِ اللَّهِ وَالْمُنَقِّحِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفُّ عَنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ إحْدَاهُمَا (إنْ لَمْ يَلْزَمْ) الرَّاجِعَةَ إلَيْهِ (اسْتِبْرَاءٌ) كَكَوْنِهَا دُونَ تِسْعٍ، أَوْ زَوَّجَهَا كَبِيرَةً، وَطَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَمَّا إذَا لَزِمَهَا الِاسْتِبْرَاءُ فَلَهُ عَلَى قَوْلِهِمَا وَطْءُ الزَّوْجَةِ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ الْأَمَةُ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَرْتَضِ مَا قَالَاهُ، وَرَدَّهُ بِالِاتِّجَاهِ السَّابِقِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَائِدَةٌ)
وَإِنْ اشْتَرَى رَجُلٌ أُخْتَيْنِ مُسْلِمَةً وَمَجُوسِيَّةً أَوْ وَثَنِيَّةً أَوْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ لِنَحْوِ رَضَاعٍ، فَلَهُ وَطْءُ الْمُسْلِمَةِ الَّتِي لَا مَانِعَ بِهَا، بِخِلَافِ الْأُخْرَى.
(وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا حَرُمَ) عَلَيْهِ (فِي عِدَّتِهَا) فِي مَوْطُوءَةِ شُبْهَةٍ أَوْ زِنًا (نِكَاحُ أُخْتِهَا) وَنَحْوِهَا (وَ) حَرُمَ عَلَيْهِ (وَطْؤُهَا) أَيْ: أُخْتِ مَوْطُوءَتِهِ (إنْ كَانَتْ) أُخْتُهَا (زَوْجَةً أَوْ أَمَةً) لَهُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَحِلُّ لِمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَجْمَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ» (وَحَرُمَ) عَلَى وَاطِئِ امْرَأَةٍ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا (أَنْ يَزِيدَ عَلَى ثَلَاثٍ غَيْرِهَا) أَيْ:
الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا (بِعَقْدٍ) فَإِنْ كَانَ مَعَهُ ثَلَاثُ زَوْجَاتٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُ رَابِعَةٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ مَوْطُوءَتِهِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا (أَوْ وَطِئَ) أَيْ: (إنْ كَانَ مَعَهُ أَرْبَعُ) زَوْجَاتٍ وَوَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَطَأَ مِنْهُنَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ مَوْطُوءَتِهِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا؛ لِئَلَّا يَجْمَعَ مَاءَهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ (وَيَتَّجِهُ لَا) إنْ وَطِئَ (مَنْ لَا عِدَّةَ لَهَا لِصِغَرٍ) بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا، أَيْ؛ فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثٍ غَيْرِهَا: لِأَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ مِنْ الزِّيَادَةِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا؛ وَهَذِهِ الْبَرَاءَةُ مُتَيَقَّنَةٌ فِي الصَّغِيرَةِ، فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ عَلَى غَيْرِهَا، وَلَا وَطْءُ أَرْبَعٍ كُنَّ مَعَهُ حِينَ وَطِئَهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ مَوْطُوءَةٍ بِشُبْهَةٍ فِي عِدَّتِهَا) كَمُعْتَدَّةٍ مِنْ نِكَاحٍ (إلَّا مِنْ وَاطِئٍ) لَهَا بِشُبْهَةٍ، فَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، لِأَنَّ مَنْعَهَا مِنْ النِّكَاحِ لِإِفْضَائِهِ إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَهُوَ مَأْمُونٌ هُنَا؛ لِأَنَّ النَّسَبَ كَمَا يَلْحَقُ فِي النِّكَاحِ يَلْحَقُ فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَكَحَ مُعْتَدَّتَهُ مِنْ طَلَاقٍ، وَمَحِلُّ جَوَازِ نِكَاحِهَا لِوَاطِئِهَا بِالشُّبْهَةِ، (إنْ لَمْ تَلْزَمْهَا عِدَّةٌ مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ: الْوَاطِئِ، فَإِنْ لَزِمَتْهَا عِدَّةٌ مِنْ غَيْرِهِ؛ فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّتَانِ كَمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ.
(وَلَيْسَ لِحُرٍّ جَمْعُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ) ؛ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ حِينَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» . وَقَالَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: «أَسْلَمْت وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَارِقْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ» رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ "، وَإِذَا مُنِعَ مِنْ اسْتِدَامَةِ زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ، فَالِابْتِدَاءُ أَوْلَى وقَوْله تَعَالَى
﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3] : أُرِيدَ بِهِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: 1] وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ لِكُلٍّ تِسْعَةَ أَجْنِحَةٍ، وَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ: تِسْعَةً، وَلَمْ يَكُنْ لِلتَّطْوِيلِ مَعْنًى، وَمَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ جَهِلَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ (إلَّا نَبِيُّنَا) مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَتَقَدَّمَ) أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَيِّ عَدَدٍ شَاءَ؛ تَكْرِمَةً لَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ.
(وَلَا لِعَبْدٍ جَمَعَ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْنِ) أَيْ: زَوْجَتَيْنِ، لِقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
وَقَدْ رَوَى لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ قُتَيْبَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْكِحُ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْنِ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّاسَ: كَمْ يَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: اثْنَتَيْنِ، وَطَلَاقُ اثْنَتَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَلَمْ يُنْكَرْ، وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ مَعَ أَنَّ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْأَحْرَارِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّفْضِيلِ، وَلِهَذَا فَارَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ أُمَّتَهُ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ التَّسَرِّي، وَلَوْ أَذِنَهُ سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ.
(وَلِمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ فَأَكْثَرُ جَمْعٍ ثَلَاثُ) زَوْجَاتٍ نَصًّا اثْنَتَيْنِ بِنِصْفِهِ الْحُرِّ، وَوَاحِدَةٍ بِنِصْفِهِ الرَّقِيقِ، فَإِنْ كَانَ دُونَ نِصْفِهِ حُرٌّ؛ فَلَهُ نِكَاحُ اثْنَتَيْنِ فَقَطْ، فَإِنْ مَلَكَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ جَارِيَةً فَمِلْكُهُ تَامٌّ، وَلَهُ الْوَطْءُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي ". وَفِي " الْفُنُونِ " قَالَ فَقِيهٌ: شَهْوَةُ الْمَرْأَةِ فَوْقَ شَهْوَةٍ الرَّجُلِ تِسْعَةَ أَجْزَاءٍ، فَقَالَ حَنْبَلِيٌّ: لَوْ كَانَ هَذَا مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَرْبَعٍ، وَيَنْكِحَ مِنْ الْإِمَاءِ مَا يَشَاءُ، وَلَا تَزِيدُ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ، وَلَهَا مِنْ الْقَسْمِ الرُّبُعُ، وَحَاشَا حِكْمَتِهِ أَنْ يُضَيِّقَ عَلَى الْأَحْوَجِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبَعْضُهُمْ يَرْفَعُهُ: «فُضِّلَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الرَّجُلِ بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ جُزْءًا مِنْ اللَّذَّةِ.
أَوْ قَالَ: مِنْ الشَّهْوَةِ.
وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلْقَى عَلَيْهِنَّ الْحَيَاءَ» .
(وَمَنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِهَايَةِ جَمْعِهِ) كَحُرٍّ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ أَرْبَعٍ، أَوْ عَبْدٍ وَاحِدَةً مِنْ اثْنَتَيْنِ (حَرُمَ عَلَيْهِ تَزَوُّجُهُ بَدَلَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَدَّةَ فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ أَثَرُ النِّكَاحِ، فَكَأَنَّهُ بَاقٍ، فَلَوْ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا لَكَانَ جَامِعًا بَيْنَ أَكْثَرَ مِمَّنْ يُبَاحُ لَهُ (بِخِلَافِ مَوْتِهَا) فَإِنْ مَاتَتْ، فَلَهُ نِكَاحُ غَيْرِهَا فِي الْحَالِ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِنِكَاحِهَا أَثَرٌ (فَإِنْ قَالَ) مُطَلِّقُ وَاحِدَةٍ مِنْ نِهَايَةِ جَمْعِهِ عَنْهَا (أَخْبَرَتْنِي بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا) فِي مُدَّةٍ يُمْكِنُ انْقِضَاؤُهَا فِيهَا (فَكَذَّبَتْهُ) لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا عَلَيْهِ فِي عَدَمِ جَوَازِ نِكَاحِ غَيْرِهَا، لِأَنَّهَا لَا حَقَّ لَهَا فِي هَذِهِ الدَّعْوَى، وَإِنَّمَا الْحَقُّ فِي ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ فِي ذَلِكَ بِإِرَادَةِ مَنْعِهِ نِكَاحَ غَيْرِهَا.
إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ (فَلَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا وَ) لَهُ نِكَاحُ (بَدَلِهَا) وَإِنْ كَانَتْ مِنْ نِهَايَةِ جَمْعِهِ فِي الظَّاهِرِ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَ كَاذِبًا، أَوْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا.
(وَتَسْقُطُ الرَّجْعَةُ) فَلَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا إنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَ (لَا) تَسْقُطُ عَنْهُ (السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لَهَا) إنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً مَعَ تَكْذِيبِهَا لَهُ فِي أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ فِي انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّهُمَا حَقٌّ لَهَا عَلَيْهِ يَدَّعِي سُقُوطَهُ، وَهِيَ مُنْكِرَةٌ لَهُ، وَالْأَصْلُ مَعَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِيهِ دُونَهُ.
(وَلَا) يَسْقُطُ (نَسَبُ الْوَلَدِ) إذَا أَتَتْ بِهِ الْمُطَلَّقَةُ لِفَوْقِ أَرْبَعِ سِنِينَ مَا لَمْ يَثْبُتْ إقْرَارُهَا بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْقُرْءِ، ثُمَّ تَأْتِي بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَهَا، لِأَنَّ إقْرَارَ الْمُطَلِّقِ لَا يُقْبَلُ عَلَيْهَا.
[فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ إلَى أَمَدٍ الْمُحَرَّمَاتُ لِعَارِضٍ يَزُولُ]
فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ (النَّوْعُ الثَّانِي) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ إلَى أَمَدٍ: الْمُحَرَّمَاتُ (لِعَارِضٍ يَزُولُ، فَتَحْرُمُ) عَلَيْهِ (زَوْجَةُ غَيْرِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] (وَ) تَحْرُمُ (مُعْتَدَّتُهُ) أَيْ: غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235] (وَ) تَحْرُمُ (مُسْتَبْرَأَةٌ) مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُعْتَدَّةِ؛ لِأَنَّ تَزَوُّجَهَا زَمَنَ اسْتِبْرَائِهَا يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُعْتَدَّةُ وَالْمُسْتَبْرَأَة مِنْ وَطْءٍ مُبَاحٍ أَوْ مُحَرَّمٍ كَشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا أَوْ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ (وَ) كَذَا تَحْرُمُ (مُرْتَابَةٌ بَعْدَ عِدَّةٍ بِحَمْلٍ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْحَمْلِ، فَلَوْ وَضَعَتْ وَلَدًا وَشَكَّتْ فِي وُجُودِ ثَانٍ، لَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ وَيُتَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهَا حَمْلٌ (وَ) تَحْرُمُ (زَانِيَةٌ عَلَى زَانٍ وَغَيْرِهِ حَتَّى تَتُوبَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: 3] وَهُوَ خَبَرٌ مَعْنَاهُ النَّهْيُ، وَالْمَفْهُومُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [المائدة: 5] وَهُنَّ الْعَفَائِفُ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: يَوْمَ حُنَيْنٌ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» يَعْنِي إتْيَانَ الْحَبَالَى.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
فَإِنْ كَانَتْ الزَّانِيَةُ حَامِلًا مِنْ الزِّنَا، لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُهَا قَبْلَ الْوَضْعِ؛ لِمَا سَبَقَ وَتَوْبَتِهَا (بِأَنْ تُرَاوَدَ) عَلَى الزِّنَا (فَتَمْنَعَ) مِنْهُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ: كَيْف تَعْرِفُ تَوْبَتَهَا؟ قَالَ: يُرَاوِدُهَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ طَاوَعَتْهُ، فَلَمْ تَتُبْ، وَإِنْ أَبَتْ فَقَدْ تَابَتْ، فَصَارَ أَحْمَدُ إلَى قَوْلِ
عُمَرَ اتِّبَاعًا لَهُ.
قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ "، وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَرَادَ مُخَالَطَةَ إنْسَانٍ امْتَحَنَهُ حَتَّى يَعْرِفَ بِرَّهُ أَوْ فُجُورَهُ أَوْ تَوْبَتَهُ، وَيَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ مَنْ يَعْرِفُهُ (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ: لَا يَنْبَغِي امْتِحَانُهَا بِطَلَبِ الزِّنَا مِنْهَا بِحَالٍ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ تَوْبَتُهَا كَتَوْبَةِ غَيْرِهَا، فَإِذَا نَدِمَتْ، وَأَقْلَعَتْ وَعَزَمَتْ عَلَى أَنْ لَا تَعُودَ؛ فَإِنَّهَا تَصِحُّ تَوْبَتُهَا (وَلَوْ لَمْ تُرَاوَدْ) لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ فِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْأَحْكَامِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، فَكَذَلِكَ هُنَا، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِنَصِّ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ هَانِئٍ وَقَدْ سُئِلَ: مَا عِلْمُهُ بِأَنَّهَا قَدْ تَابَتْ؟ قَالَ: يُرِيدُهَا عَلَى مَا كَانَ أَرَادَهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ امْتَنَعَتْ فَهِيَ تَائِبَةٌ يَتَزَوَّجُهَا، وَإِنْ طَاوَعَتْهُ فَلَا يَتَزَوَّجُهَا، وَكَذَلِكَ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنْ تَابَتْ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، حَلَّتْ لِزَانٍ كَغَيْرِهِ، لَا يُقَالُ: الْمُرَاوَدَةُ مِنْ التَّجَسُّسِ عَلَى الْعَيْبِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12] لِأَنَّا نَقُولُ: الْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا، وَالْقَصْدُ بِمُرَاوَدَتِهَا الْعِلْمُ بِأَنَّهَا فِرَاشًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَيَقْدُمُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ بِعَدَمِهِ فَلَا يَقْدُمُ هُوَ عَلَيْهِ، وَيَنْصَحُ مَنْ كَانَ غَافِلًا، أَوْ مَنْ اسْتَنْصَحَهُ فِي ذَلِكَ؛ إذَا النَّصِيحَةُ وَاجِبَةٌ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ الْغَرَضُ الْعِلْمَ بِعَيْبِهَا فَقَطْ، كَمَا تَوَهَّمَهُ الْمُوَفَّقُ، فَقَالَ بِحُرْمَةِ الْمُرَاوَدَةِ، قَالَهُ الْخَلْوَتِيُّ.
(وَ) تَحْرُمُ عَلَيْهِ (مُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا) بِكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَاتٍ (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهُمَا) أَيْ: الزَّانِيَةِ وَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا مِنْ زَوْجٍ نَكَحَتْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] وَالْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ هُنَا الْوَطْءُ، «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِامْرَأَةِ رِفَاعَةَ لَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَتَزَوَّجَتْ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ: لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» .
(وَ) تَحْرُمُ (مُحْرِمَةٌ حَتَّى تَحِلَّ) مِنْ إحْرَامِهَا؛ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ، وَلَمْ يَذْكُرْ التِّرْمِذِيُّ الْخِطْبَةَ، وَلِأَنَّهُ عَارَضَ مَنْعَ الطِّيبِ فَمَنَعَ النِّكَاحَ كَالْعِدَّةِ.
(وَ) تَحْرُمُ (مُسْلِمَةٌ عَلَى كَافِرٍ حَتَّى يُسْلَمَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221] . وَقَوْلُهُ ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] .
(وَ) يَحْرُمُ (عَلَى مُسْلِمٍ وَلَوْ) كَانَ (عَبْدًا) نِكَاحُ (كَافِرَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] وَلِقَوْلِهِ ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] (غَيْرِ حُرَّةٍ كِتَابِيَّةٍ أَبَوَاهَا كِتَابِيَّانِ وَلَوْ) كَانَتْ (حَرْبِيَّةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] فَهُوَ مُخَصِّصٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ مَنْ دَانَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ خَاصَّةً، (أَوْ) كَانَ أَبَوَاهَا (مِنْ بَنِي تَغْلِبَ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ) مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيَهُودِهِمْ؛ فَهَؤُلَاءِ تَحِلُّ نِسَاؤُهُمْ، لِأَنَّهُنَّ كِتَابِيَّاتٌ، فَيَدْخُلْنَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ هُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ كَالْيَهُودِ وَالسَّامِرَةِ وَالنَّصَارَى وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْإِفْرِنْجِ وَالْأَرْمَنِ وَغَيْرِهِمْ (حَتَّى تُسْلِمَ) فَتَحِلُّ بَعْدَ إسْلَامِهَا لِلْمُسْلِمِ؛ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ كَانَتْ غَيْرَ حُرَّةٍ كِتَابِيَّةً أَوْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهَا غَيْرَ كِتَابِيٍّ مِمَّنْ سَيَأْتِي بَيَانُهُمْ لَا تَحِلُّ لِمُسْلِمٍ (وَلَوْ اخْتَارَتْ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ) لِأَنَّهَا لَمْ تَتَمَحَّضْ كِتَابِيَّةً، أَوْ لِأَنَّهَا مُتَوَلَّدَةٌ بَيْنَ مَنْ يَحِلُّ وَبَيْنَ مَنْ لَا يَحِلُّ، فَلَمْ تَحِلَّ كَالسِّمْعِ وَالْبَغْلِ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " " وَالْمُبْدِعِ " وَهُوَ الْمَذْهَبُ (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ حَيْثُ قَالُوا: إذَا كَانَ أَبَوَاهَا غَيْرَ كِتَابِيَّيْنِ، وَاخْتَارَتْ هِيَ دِينُ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا تَحْرُمُ (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً، وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (يُكْرَهُ) نِكَاحُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ سَأَلَهُ: تَرَى لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ نَصْرَانِيَّةً أَوْ يَهُودِيَّةً؟ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَهَا الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ "، وَمَحِلُّ كَرَاهَةِ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ الْحَرَائِرِ الْمُسْلِمَاتِ (وَ) كَمَا يُكْرَهُ أَكْلُ (ذَبَائِحِهِمْ بِلَا حَاجَةٍ) تَدْعُو إلَيْهِ (وَكَوَثَنِيٍّ) فِي الْحُكْمِ (مَنْ تَمَسَّكَ بِصُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَشِيثٍ وَزَبُورِ دَاوُد) مِنْ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ، وَلَا ذَبَائِحُهُمْ كَالْمَجُوسِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ، وَلِأَنَّ تِلْكَ الْكُتُبَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ لَيْسَتْ بِشَرَائِعَ، وَإِنَّمَا هِيَ مَوَاعِظُ وَأَمْثَالٌ (أَوْ كَمُرْتَدٍّ) فِي الْحُكْمِ (نَحْوِ دُرْزِيٍّ) وَإِسْمَاعِيلِيٍّ (وَنُصَيْرِيٍّ؛ فَلَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا مُنَاكَحَتُهُمْ) وَلَا يُقَرُّونَ عَلَى دِينٍ، وَإِنْ تَدَيَّنُوا بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا يَحِلُّ وَطْءُ نِسَائِهِمْ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ؛ كَمَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، وَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي بَابِ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ (وَمُنِعَ نَبِيُّنَا) مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مِنْ نِكَاحِ كِتَابِيَّةٍ) إكْرَامًا لَهُ؛ (كَ) مَا مُنِعَ مِنْ (نِكَاحِ أَمَةٍ، وَلَوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ) وَتَقَدَّمَ فِي الْخَصَائِصِ.
(وَ) يَحِلُّ (لِكِتَابِيٍّ نِكَاحُ مَجُوسِيَّةٍ وَ) يَحِلُّ لَهُ أَيْضًا (وَطْؤُهَا بِمِلْكِ) يَمِينٍ قِيَاسًا عَلَى الْمُسْلِمِ يَنْكِحُ الْكِتَابِيَّةَ وَيَطَؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَ (لَا) يَحِلُّ نِكَاحُ (مَجُوسِيٍّ لِلْكِتَابِيَّةِ) نَصًّا، لِأَنَّهَا أَشْرَفُ مِنْهُ، فَإِنْ مَلَكَهَا؛ فَلَهُ وَطْؤُهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (وَيَتَّجِهُ جَوَازُ نِكَاحِ يَهُودِيٍّ لِنَصْرَانِيَّةٍ وَ) يَجُوزُ (عَكْسُهُ) أَيْ: نِكَاحُ نَصْرَانِيٍّ لِيَهُودِيَّةٍ؛ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ كِلَا الطَّائِفَتَيْنِ أَهْلُ كِتَابٍ يَتَدَيَّنُونَ بِهِ، وَيُقِرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ بِالْجِزْيَةِ، وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ بِأَشْرَفَ مِنْ بَعْضٍ، فَجَازَ لِذَلِكَ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[تَنْبِيهٌ تَزَوَّجَ الْمُرْتَدُّ كَافِرَةً مُرْتَدَّةً ثُمَّ أَسْلَمَا]
تَنْبِيهٌ إذَا تَزَوَّجَ الْمُرْتَدُّ كَافِرَةً مُرْتَدَّةً أَوْ غَيْرَهَا أَوْ تَزَوَّجَتْ الْمُرْتَدَّةُ كَافِرًا، ثُمَّ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ، فَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هُنَا أَنَّا نُقِرُّهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا كَالْحَرْبِيِّ إذَا نَكَحَ نِكَاحًا فَاسِدًا، ثُمَّ أَسْلَمَا، فَإِنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَقَدْ «عَادَ الْمُرْتَدُّونَ إلَى الْإِسْلَامِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ: فَلَمْ يُؤْمَرُوا بِاسْتِئْنَافِ أَنْكِحَتِهِمْ» ، وَهَذَا جَيِّدٌ فِي الْقِيَاسِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَلَا يَحِلُّ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ) وَلَوْ خَصِيًّا أَوْ مَجْبُوبًا (نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ، وَلَوْ مُبَعَّضَةً إلَّا إنْ خَافَ عَنَتَ الْعُزُوبَةِ؛ لِحَاجَةِ مُتْعَةٍ أَوْ) حَاجَةِ (خِدْمَةٍ) لِكِبَرٍ أَوْ سَقَمٍ أَوْ نَحْوِهِمَا نَصًّا (وَلَوْ) كَانَ خَوْفَ عَنَتِ الْعُزُوبَةِ (مَعَ صِغَرِ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ أَوْ غَيْبَتِهَا أَوْ مَرَضِهَا) أَيْ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ نَصًّا (وَلَا يَجِدُ طَوْلًا) أَيْ (مَالًا حَاضِرًا يَكْفِي لِنِكَاحِ حُرَّةٍ) (وَلَوْ) كَانَتْ الْحُرَّةُ (كِتَابِيَّةً، فَتَحِلُّ) لَهُ الْأَمَةُ بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ خَوْفَ الْعَنَتِ وَعَدَمُ الطَّوْلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25]- إلَى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25] (وَصَبْرُهُ) عَنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ (أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: 25] وَلَهُ تَزَوُّجُ الْأَمَةِ بِالشَّرْطَيْنِ مَعَ سَفَرِ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ أَوْ غَيْبَتِهَا أَوْ مَرَضِهَا بِحَيْثُ تَعْجِزُ بِهِ عَنْ الْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ الَّتِي لَا تُعِفُّهُ كَالْعَدَمِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَادَّعَى أَنَّهُ وَدِيعَةٌ أَوْ مُضَارَبَةٌ؛ قُبِلَ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ؛ فَإِنْ عُدِمَ أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ، أَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ كَافِرَةً، وَلَوْ كِتَابِيَّةً لَمْ تَحِلَّ لِلْمُسْلِمِ، لِلْآيَةِ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": أَوْ وَجَدَ مَالًا، وَلَكِنْ لَمْ يُزَوَّجْ حُرَّةً لِقُصُورِ نَسَبِهِ؛ فَلَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعِ الطَّوْلِ إلَى حُرَّةٍ تُعِفُّهُ؛ فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَكِنَّهُ غَائِبٌ (وَلَوْ قَدَرَ) عَادِمُ الطَّوْلِ خَائِفُ الْعَنَتِ (عَلَى ثَمَنِ أَمَةٍ) ؛ فَيَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، قَدَّمَهُ فِي
التَّنْقِيحِ " وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " وَمَنْ تَبِعَهُمْ، هُوَ فِي قَوْلِهِ: وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ثَمَنِ أَمَةٍ، وَلَوْ كِتَابِيَّةً فَتَحِلُّ.
انْتَهَى وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (وَلَا يَبْطُلُ نِكَاحُهَا) أَيْ: الْأَمَةِ إذَا تَزَوَّجَهَا بِالشَّرْطَيْنِ (إنْ أَيْسَرَ) فَمَلَكَ مَا يَكْفِيهِ لِنِكَاحِ حُرَّةٍ (وَلَوْ نَكَحَ حُرَّةً عَلَيْهَا أَوْ زَالَ خَوْفُ الْعَنَتِ وَنَحْوِهِ) كَمَا لَوْ تَزَوَّجَا لِغَيْبَةِ زَوْجَتِهِ فَحَضَرَتْ، أَوْ لِصِغَرِهَا فَكَبُرَتْ، أَوْ لِمَرَضِهَا فَعُوفِيَتْ، لِأَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ لِابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، لَا لِاسْتِدَامَتِهِ، وَهِيَ تُخَالِفُ ابْتِدَاءَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْعِدَّةَ وَالرِّدَّةَ يَمْنَعَانِ ابْتِدَاءَهُ، دُونَ اسْتِدَامَتِهِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: إذَا تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ قَسَّمَ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةً (وَلَهُ) أَيْ: لِمَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً بِشَرْطَيْهِ إنْ لَمْ تُعِفَّهُ الْأَمَةُ (نِكَاحُ) أَمَةٍ أُخْرَى عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ تُعِفَّاهُ؛ فَلَهُ نِكَاحُ ثَالِثَةٍ، وَهَكَذَا (إلَى أَنْ يَصِرْنَ أَرْبَعًا) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ﴾ [النساء: 25] إلَى آخِرِهِ (وَكَذَا) لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً (عَلَى حُرَّةٍ لَمْ تُعِفَّهُ) الْحُرَّةُ (بِشَرْطِهِ) بِأَنْ لَا يَجِدَ طَوْلًا لِنِكَاحِ حُرَّةٍ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا لَمْ يَصِرْنَ كَيْف يَصْنَعُ؟ ، وَإِنْ نَكَحَ أَمَتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَهُوَ يَسْتَعِفُّ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ فَنِكَاحُهُمَا بَاطِلٌ؛ لِبُطْلَانِهِ فِي إحْدَاهُمَا، وَلَيْسَتْ بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى؛ فَبَطَلَ فِيهِمَا، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ (وَكِتَابِيٌّ حُرٌّ فِي ذَلِكَ) أَيْ: فِي تَزَوُّجِ الْأَمَةِ (كَمُسْلِمٍ) فَلَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بِالشَّرْطَيْنِ، وَكَوْنُهَا كِتَابِيَّةً.
(وَمَنْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ) مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةً؛ لَمْ يَلْزَمْهُ، لِأَنَّ الْمُقْرِضَ يُطَالِبُهُ بِهِ فِي الْحَالِ (أَوْ رَضِيَتْ الْحُرَّةُ بِتَأَخُّرِ صَدَاقٍ) لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهَا تُطَالِبُهُ (أَوْ) رَضِيَتْ الْحُرَّةُ (بِدُونِ مَهْرِ مِثْلٍ) أَوْ رَضِيَتْ بِتَفْوِيضِ بَعْضِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّ لَهَا طَلَبَ فَرْضِهِ (أَوْ وَهَبَ لَهُ) الصَّدَاقَ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ (أَوْ لَمْ يَجِدْ) مَنْ يُزَوِّجُهُ (إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ بِمَا يُجْحِفُ مَالَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَنْ يَتَزَوَّجَ الْحُرَّةَ، وَجَازَ لَهُ
نِكَاحُ الْأَمَةِ حَيْثُ خَافَ الْعَنَتَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ طَوْلًا لِنِكَاحِ حُرَّةٍ بِلَا ضَرَرٍ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي خَشْيَةِ الْعَنَتِ وَعَدَمِ الطَّوْلِ بِلَا يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِحَالِ نَفْسِهِ.
فَائِدَةٌ وَنِكَاحُ مَنْ بَعْضُهَا حُرٌّ مَعَ وُجُودِ الشَّرْطَيْنِ أَوْلَى مِنْ نِكَاحِ أَمَةٍ، لِأَنَّ اسْتِرْقَاقَ بَعْضِ الْوَلَدِ أَخَفُّ مِنْ اسْتِرْقَاقِ كُلِّهِ.
(وَمَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ مُوسِرًا حَالَ النِّكَاحِ) أَوْ لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ فَارَقَهَا وُجُوبًا، لِاعْتِرَافِهِ بِفَسَادِ نِكَاحِهِ (وَلَا مَهْرَ) لَهَا (إنْ) كَانَ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَ (صَدَّقَهُ سَيِّدٌ) لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى بُطْلَانِ النِّكَاحِ، (وَإِلَّا) يُصَدِّقَهُ سَيِّدٌ فِي ذِكْرِهِ أَنَّهُ كَانَ مُوسِرًا، وَلَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ (لَزِمَهُ) لِلسَّيِّدِ (النِّصْفُ) أَيْ: نِصْفُ الْمَهْرِ، لِأَنَّ إقْرَارَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى السَّيِّدِ (أَوْ) عَلَيْهِ لِلسَّيِّدِ (الْكُلُّ) أَيْ: كُلُّ الْمَهْرِ (إنْ) كَانَ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ (دَخَلَ) بِهَا بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ مِنْ الْمُسَمَّى؛ لَزِمَهُ، لِإِقْرَارِهِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَكْثَرَ، وَجَبَ لِلسَّيِّدِ إلَّا أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ فِيمَا قَالَ؛ فَيَكُونُ لَهُ مِنْ الْمَهْرِ مَا يَجِبُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ.
(وَيَصِحُّ نِكَاحُ أَمَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) مَعَ أَنَّ فِيهِ شُبْهَةً تُسْقِطُ الْحَدَّ وَلَا تَصِيرُ أَمَةً مَنْكُوحَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (إنْ وَلَدَتْ أُمُّ وَلَدٍ) ذَكَرَهُ فِي " الْفُنُونِ "، لِأَنَّهُ مِنْ زَوْجٍ وَلَوْ كَانَ يَمْلِكُهَا أَوْ شَيْئًا مِنْهَا لَمَا صَحَّ النِّكَاحُ.
(وَلَا يَكُونُ وَلَدُ الْأَمَةِ) مِنْ زَوْجِهَا (حُرًّا) إنْ لَمْ يَكُنْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ لِسَيِّدِهَا (إلَّا بِاشْتِرَاطِ) الزَّوْجِ (حُرِّيَّتَهُ) فَإِنْ اشْتَرَطَهَا فَحُرٌّ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» . وَلِقَوْلِ عُمَرَ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ.
وَلِأَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ، فَكَانَ لَازِمًا كَشَرْطِ سَيِّدِهَا زِيَادَةً فِي مَهْرِهَا.
تَنْبِيهٌ: لَيْسَ لِلزَّوْجِ اشْتِرَاطُ حُرِّيَّةِ وَلَدٍ يَحْدُثُ لَهُ مِنْ أَمَةٍ مَوْقُوفَةٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ لِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ عَلَى نَاظِرٍ وَوَلِيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ، وَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ لِلْغَيْرِ بِمَا فِيهِ حَظٌّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَلَا أَثَرَ لِاشْتِرَاطِهِ.
(وَ) يُبَاحُ (لِقِنٍّ وَمُدَبَّرٍ) (وَمُكَاتَبٍ وَمُبَعَّضٍ نِكَاحُ أَمَةٍ، وَلَوْ) كَانَتْ الْأَمَةُ (لِابْنِهِ) الْحُرِّ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ قَطَعَ وِلَايَةَ وَالِدِهِ عَنْهُ وَعَنْ مَالِهِ، وَلِهَذَا لَا يَلِي مَالَهُ وَلَا نِكَاحَهُ وَلَا يَرِثُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ؛ فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ مِنْهُ (حَتَّى) وَلَوْ تَزَوَّجَهَا (عَلَى حُرَّةٍ) وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ النِّكَاحِ، وَأَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَا تُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَ) لِلْعَبْدِ (جَمْعٌ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ (فِي عَقْدٍ) وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ إفْرَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْعَقْدِ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَالْأَمَتَيْنِ.
وَ (لَا) يُبَاحُ لِلْعَبْدِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ (نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ) وَلَوْ مَلَكَتْ بَعْضَهُ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا، لِأَنَّ أَحْكَامَ الْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ تَتَنَاقَضُ؛ إذْ مِلْكُهَا إيَّاهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ نَفَقَتِهِ عَلَيْهَا، وَأَنْ يَكُونَ بِحُكْمِهَا، وَنِكَاحُهُ إيَّاهَا يَقْتَضِي عَكْسَ ذَلِكَ، وَلِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَنَحْنُ بِالْجَابِيَةِ وَقَدْ نَكَحَتْ عَبْدَهَا، فَانْتَهَرَهَا عُمَرُ، وَهَمَّ أَنْ يَرْجُمَهَا، وَقَالَ: لَا يَحِلُّ لَك.
(وَ) يُبَاحُ (لِأَمَةٍ نِكَاحُ عَبْدٍ وَلَوْ) كَانَ الْعَبْدُ (لِابْنِهَا) لِقَطْعِ رِقِّهَا التَّوَارُثَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ابْنِهَا؛ فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ مِنْهَا.
وَ (لَا) يَصِحُّ (أَنْ تَتَزَوَّجَ) أَمَةٌ (سَيِّدَهَا) لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ يُفِيدُ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ وَإِبَاحَةَ الْبُضْعِ؛ فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَقْدٌ أَضْعَفُ مِنْهُ (وَلَا) يُبَاحُ (لِحُرٍّ أَوْ حُرَّةٍ نِكَاحُ أَمَةٍ أَوْ عَبْدِ وَلَدِهِمَا) مِنْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةَ مِلْكٍ؛ لِحَدِيثِ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَلَا لِلْحُرَّةِ نِكَاحُ عَبْدِ وَلَدِهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ، أَنَّ الِابْنَ لَوْ مَلَكَ جُزْءًا مِنْ أَمَةٍ لَمْ يَجُزْ لِأَبِيهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مَا دَامَ لِلِابْنِ فِيهَا مِلْكٌ وَلَوْ مَلَكَ جُزْءًا مِنْ عَبْدٍ لَمْ يَجُزْ لِوَالِدَتِهِ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ مَا دَامَ لِابْنِهَا فِيهِ مِلْكٌ؛ فَمَعَ كَوْنِهَا أَوْ كَوْنِهِ كُلِّهِ أَوْ كُلِّهَا لِلْوَلَدِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ.
(وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ) أَنَّهَا لَا تُحَرَّمُ أَمَةُ وَلَدِ الْوَلَدِ عَلَى جَدِّ الْوَلَدِ، وَإِنْ عَلَا، وَلَا جَدَّةُ الْوَلَدِ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهَا.
(وَإِنْ نَزَلَ) لِأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ لَيْسَ كَالْوَلَدِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ مَلَكَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ) الزَّوْجَ الْآخَرَ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ نَحْوِهَا، انْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِتَنَافِي أَحْكَامِ الْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) مَلَكَ (وَلَدُهُ الْحُرُّ) أَيْ: وَلَدُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الزَّوْجَ الْآخَرَ؛ أَوْ بَعْضَهُ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ وَلَدِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ كَمِلْكِ أَصْلِهِ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ، فَكَانَ كَمِلْكِهِ فِي إسْقَاطِ الزَّوْجِ (أَوْ) مَلَكَ (مُكَاتَبُهُ) أَيْ: مُكَاتَبُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ مَلَكَ (مُكَاتَبُ وَلَدِهِ) أَيْ: وَلَدِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ (الزَّوْجَ الْآخَرَ أَوْ) مَلَكَ (بَعْضَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ الْآخَرِ (انْفَسَخَ النِّكَاحُ) لِمَا سَبَقَ، فَلَوْ بَعَثَتْ إلَيْهِ زَوْجَتُهُ: حُرِّمْتَ عَلَيْك، وَنَكَحْت غَيْرَك وَعَلَيْك نَفَقَتِي وَنَفَقَةُ زَوْجِي؛ فَقَدْ مَلَكَتْ زَوْجَهَا، وَتَزَوَّجَتْ ابْنَ عَمِّهَا، وَهَذَا الْفَسْخُ لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ، فَلَوْ أَعْتَقَتْهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا؛ لَمْ يُحْتَسَبْ بِتَطْلِيقِهِ.
(وَمَنْ جَمَعَ فِي عَقْدٍ بَيْنَ مُبَاحَةٍ وَمُحَرَّمَةٍ كَأَيِّمٍ) بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، أَيْ: مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا (وَمُزَوَّجَةٍ صَحَّ فِي الْأَيِّمِ) لِأَنَّهَا مَحِلٌّ قَابِلٌ لِلنِّكَاحِ أُضِيفَ إلَيْهَا عَقْدٌ مِنْ أَهْلِهِ لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهَا فِيهِ مِثْلُهَا، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ أُفْرِدَتْ بِهِ، وَفَارَقَ الْعَقْدَ عَلَى الْأُخْتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَهُنَا قَدْ تَعَيَّنَتْ الَّتِي بَطَلَ فِيهَا النِّكَاحُ، وَلَهَا مِنْ الْمُسَمَّى بِقِسْطِ مَهْرِ مِثْلِهَا مِنْهُ.
(وَ) مَنْ جَمَعَ فِي عَقْدٍ (بَيْنَ أُمٍّ وَبِنْتٍ؛ صَحَّ) الْعَقْدُ (فِي الْبِنْتِ) دُونَ الْأُمِّ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ تَضَمَّنَ عَقْدَيْنِ يُمْكِنُ تَصْحِيحُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَصَحَّ فِيمَا يَصِحُّ، وَبَطَلَ فِيمَا يَبْطُلُ؛ إذْ لَوْ فَرَضْنَا سَبْقَ عَقْدِ الْأُمِّ ثُمَّ بُطْلَانَهُ، ثُمَّ عَقَدَ عَلَى الْبِنْتِ، صَحَّ نِكَاحُ الْبِنْتِ، بِخِلَافِ عَكْسِهِ، فَإِذَا وَقَعَا مَعًا، فَنِكَاحُ الْبِنْتِ أَبْطَلَ نِكَاحَ الْأُمِّ، لِأَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ زَوْجَتِهِ، وَنِكَاحُ الْأُمِّ لَا يُبْطِلُ نِكَاحَ الْبِنْتِ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ رَبِيبَةً مِنْ زَوْجَةٍ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا (وَكَذَا لَوْ) جَمَعَ كَافِرٌ فِي عَقْدٍ بَيْنَ أُمٍّ وَبِنْتٍ وَ (أَسْلَمَ الْكَافِرُ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهِمَا) أَيْ: الْأُمِّ وَبِنْتِهَا، صَحَّ فِي الْبِنْتِ دُونَ أُمِّهَا، لِمَا سَبَقَ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ دُخُولِهِ بِالْبِنْتِ وَحْدَهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا.
وَبَعْدَ دُخُولِهِ بِهِمَا حَرُمَتَا عَلَيْهِ مَعًا بِلَا نِزَاعٍ.
(وَمَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا) كَالْمَجُوسِيَّةِ وَالدُّرْزِيَّةِ وَالنُّصَيْرِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّة وَشَبَهِهَا
وَمُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا (حَرُمَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ يَمِينٍ) لِأَنَّ النِّكَاحَ إذَا حَرُمَ لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إلَى الْوَطْءِ فَلَأَنْ يَحْرُمَ الْوَطْءُ نَفْسُهُ أَوْلَى (إلَّا الْأَمَةَ الْكِتَابِيَّةَ) فَيَحْرُمُ نِكَاحُهَا لَا وَطْؤُهَا بِمِلْكِ يَمِينٍ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] وَلِأَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ إنَّمَا حَرُمَ لِأَجْلِ إرْقَاقِ الْوَلَدِ وَبَقَائِهِ مَعَ كَافِرٍ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ.
(وَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ) نَصًّا؛ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ مَا يُبِيحُهُ، فَغَلَبَ الْحَظْرُ كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ.
تَتِمَّةٌ: قَالَ الْخِرَقِيِّ: إذَا قَالَ الْخُنْثَى: أَنَا رَجُلٌ؛ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاءِ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا امْرَأَةٌ؛ لَمْ يَنْكِحْ إلَّا رَجُلًا، فَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ قَالَ: أَنَا امْرَأَةٌ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ لِإِقْرَارِهِ بِبُطْلَانِهِ، وَلَزِمَهُ نِصْفُ الْمَهْرِ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ جَمِيعُهُ إنْ كَانَ بَعْدَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْكِحَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقَوْلِهِ: أَنَا رَجُلٌ بِتَحْرِيمِ الرِّجَالِ، وَأَقَرَّ بِقَوْلِهِ: أَنَا امْرَأَةٌ بِتَحْرِيمِ النِّسَاءِ، وَإِنْ تَزَوَّجَ رَجُلًا ثُمَّ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي فَسْخِ نِكَاحِهِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَإِذَا زَالَ نِكَاحُهُ؛ فَلَا مَهْرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ، سَوَاءٌ دُخِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُدْخَلْ، وَيَحْرُمُ النِّكَاحُ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا، أَفَادَهُ الشَّارِحُ.
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ:
(وَلَا يَحْرُمُ فِي الْجَنَّةِ زِيَادَةُ الْعَدَدِ وَلَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَحَارِمِ وَغَيْرِهِ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ دَارَ تَكْلِيفٍ.
(وَيَتَّجِهُ) وَكَذَلِكَ لَا يَحْرُمُ فِيهَا تَنَاوُلُ مَا نُهِيَ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، كَشُرْبِ خَمْرٍ وَعَدَمِ فِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ (وَلُبْسِ حَرِيرٍ) وَاسْتِعْمَالُ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ (وَتَرْكُ صَلَاةٍ) وَصَوْمٌ وَعَدَمُ اغْتِسَالٍ مِنْ جَنَابَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ اجْتِنَابُهَا فِي الدُّنْيَا أَوْ فِعْلُهَا فِيهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[بَابُ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ]
ِ أَيْ مَا يَشْتَرِطُهُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِمَّا لَهُ فِيهِ غَرَضٌ وَ (مَحِلُّ الْمُعْتَبَرِ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الشُّرُوطِ (صُلْبُ الْعَقْدِ) أَيْ: عَقْدِ النِّكَاحِ (وَكَذَا لَوْ اتَّفَقَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ (عَلَيْهِ) أَيْ: الشَّرْطِ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْعَقْدِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَأَبِي مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَعَلَى هَذَا جَوَابُ أَحْمَدَ فِي مَسَائِلِ الْحِيَلِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْوَفَاءِ بِالشُّرُوطِ وَالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ تَنَاوُلًا وَاحِدًا، وَقِيلَ فِي فَتَاوِيه: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَمَنْصُوصُ أَحْمَدَ، وَظَاهِرُ قَوْلِ قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ وَمُحَقِّقِي الْمُتَأَخِّرِينَ.
قَالَ: فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " وَظَاهِرُ هَذَا وَصَرِيحُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخُصُّ النِّكَاحَ، بَلْ الْعُقُودُ كُلُّهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
وَ (لَا) يَلْزَمُ الشَّرْطُ (بَعْدَ) لُزُومِ (عَقْدٍ) لِفَوَاتِ مَحِلِّهِ.
(وَهِيَ) أَيْ: الشُّرُوطُ فِي النِّكَاحِ (قِسْمَانِ) (أَحَدُهُمَا: صَحِيحٌ لَازِمٌ لِلزَّوْجِ، فَلَيْسَ لَهُ فَكُّهُ) وَهُوَ مَا لَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ (بِدُونِ إبَانَتِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ، فَإِنْ بَانَتْ مِنْهُ انْفَكَّتْ الشُّرُوطُ، لِأَنَّهُ بِزَوَالِ الْعَقْدِ يَزُولُ مَا هُوَ مُرْتَبِطٌ بِهِ (وَيُشْرَعُ وَفَاؤُهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (بِهِ) أَيْ: الشَّرْطِ نَدْبًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْوَفَاءُ لَأُجْبِرَ الزَّوْجُ عَلَيْهِ، وَمَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ (كَ) اشْتِرَاطِ الْمَرْأَةِ أَوْ وَلِيِّهَا عَلَى زَوْجِهَا (زِيَادَةَ مَهْرٍ) قَدْرًا مُعَيَّنًا (أَوْ) اشْتِرَاطِ كَوْنِ مَهْرِهَا مِنْ (نَقْدٍ مُعَيَّنٍ) فَيَتَعَيَّنُ كَثَمَنِ مَبِيعٍ (أَوْ) اشْتِرَاطِ
(أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا، أَوْ لَا يَتَزَوَّجَ) عَلَيْهَا (أَوْ لَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا، أَوْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَبَوَيْهَا، أَوْ) لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ (أَوْلَادِهَا، أَوْ أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهَا الصَّغِيرَ، أَوْ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى وَلَدِهَا (مُدَّةً مَعْلُومَةً) وَتَكُونُ النَّفَقَةُ مِنْ الْمَهْرِ، وَظَاهِرُهُ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْمُدَّةَ؛ لَمْ يَصِحَّ، لِلْجَهَالَةِ.
(وَيُرْجَعُ) بِالْإِنْفَاقِ (لِعُرْفٍ أَوْ) اشْتِرَاطِ (أَنْ يُطَلِّقَ ضَرَّتَهَا أَوْ أَنْ يَبِيعَ أَمَتَهُ) لِأَنَّ لَهَا فِيهِ قَصْدًا صَحِيحًا.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ وَلَا يَكْفِي) مَنْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ طَلَاقَ ضَرَّتِهَا طَلَاقٌ (رَجْعِيٍّ إنْ رَاجَعَهَا) بَعْدَ طَلَاقِهِ لَهَا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُرَاجِعْهَا، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا؛ فَيَكْفِيهِ ذَلِكَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنْهُ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَكْفِيهِ بَيْعُ أَمَتِهِ (بِشَرْطِ خِيَارٍ إنْ رَدَّهَا) لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِذَلِكَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَيُرْوَى صِحَّةُ الشَّرْطِ فِي النِّكَاحِ، وَكَوْنُ الزَّوْجِ لَا يَمْلِكُ فَكَّهُ، عَنْ عُمَرَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: «إنَّ أَحَقَّ مَا وَفَّيْتُمْ بِهِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحَدِيثُ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» . وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّى مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَشَرَطَ لَهَا دَارَهَا، ثُمَّ أَرَادَ نَقْلَهَا، فَتَخَاصَمُوا إلَى عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَهَا شَرْطُهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: إذَنْ يُطَلِّقُنَا، فَقَالَ عُمَرُ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ لَهَا مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً لَا تَمْنَعُ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ فَكَانَ لَازِمًا؛ كَمَا لَوْ اشْتَرَطَتْ كَوْنَ الْمَهْرِ مِنْ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» أَيْ: لَيْسَ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ، وَهَذَا مَشْرُوعٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَعَلَى مَنْ نَفَى
ذَلِكَ الدَّلِيلَ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ هَذَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ، لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْمَرْأَةِ إذَا لَمْ يَفِ بِهِ خِيَارُ الْفَسْخِ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ، مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمَرْأَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَاقِدِ؛ كَانَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ، كَاشْتِرَاطِ الرَّهْنِ فِي الْبَيْعِ (فَإِنْ لَمْ يَفِ) زَوْجٌ لَهَا بِمَا شَرَطَتْهُ (فَلَهَا الْفَسْخُ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لَازِمٌ فِي عَقْدٍ، فَثَبَتَ حَقُّ الْفَسْخِ بِتَرْكِ الْوَفَاءِ بِهِ كَالرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِي الْبَيْعِ (عَلَى التَّرَاخِي) لِأَنَّهُ خِيَارٌ يَثْبُتُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ؛ أَشْبَهَ خِيَارَ الْقِصَاصِ.
وَحَيْثُ قُلْنَا: لَهَا الْفَسْخُ، فَإِنَّهَا تَفْسَخُ (بِفِعْلِهِ) أَيْ: الزَّوْجِ مَا شَرَطَتْ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ كَالتَّزَوُّجِ وَالتَّسَرِّي وَالسَّفَرِ بِهَا، وَ (لَا) تَمْلِكُ الْفَسْخَ (بِعَزْمِهِ) عَلَى الْفِعْلِ قَبْلَهُ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُخَالَفَةِ.
(وَلَا يَسْقُطُ) خِيَارُهَا (إلَّا بِمَا يَدُلُّ عَلَى رِضًى مِنْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ تَمْكِينٍ) مِنْ نَفْسِهَا (مَعَ الْعِلْمِ بِعَدَمِ وَفَائِهِ بِمَا شَرَطَ) أَنْ لَا يَفْعَلَهُ، فَإِنْ مَكَّنَتْهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ، لَمْ يَسْقُطْ لِفَسْخِهَا، لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهَا بِتَرْكِ الْوَفَاءِ فَلَا أَثَرَ لَهُ كَإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَإِذَا شَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ أَوْ لَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَبْلَ أَنْ تَفْسَخَ طَلَّقَ أَوْ بَاعَ.
قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ: " قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ.
فَائِدَةٌ: وَلَا تَلْزَمُ هَذِهِ الشُّرُوطُ إلَّا فِي النِّكَاحِ الَّذِي شُرِطَتْ فِيهِ، فَإِنْ بَانَتْ مِنْهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا؛ لَمْ تَعُدْ الشُّرُوطُ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْدِ زَوَالٌ لِمَا هُوَ مُرْتَبِطٌ بِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَيُقْبَلُ قَوْلُهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ بِيَمِينِهَا (فِي عَدَمِ عِلْمِهَا) بِفِعْلِهِ مَا شَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا (وَ) يُقْبَلُ قَوْلُهَا أَيْضًا فِي (نَفْيِ تَمْكِينٍ) مِنْ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى.
(وَيَتَّجِهُ: أَنَّ هَذِهِ) (الشُّرُوطَ) الْمُتَقَدِّمَةَ (تَلْزَمُ) الزَّوْجَ (حَيْثُ الْتَزَمَهَا) مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ قَبْلَ الْتِزَامِهَا، فَلَمَّا الْتَزَمَهَا صَارَتْ لَازِمَةً لَهُ (وَإِنْ لَمْ تَسْأَلْهُ) أَيْ: تَلْتَمِسْ مِنْهُ الزَّوْجَةُ (فِيهَا) أَيْ: فِي الشُّرُوطِ الِالْتِزَامَ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَقْدِ، فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ لِحَدِيثِ «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(لَكِنْ لَوْ شَرَطَ) لَهَا (أَنْ لَا يُسَافِرَ بِهَا فَخَدَعَهَا، وَسَافَرَ بِهَا؛ ثُمَّ كَرِهَتْهُ، وَلَمْ تُسْقِطْ حَقَّهَا مِنْ الشَّرْطِ لَمْ) يَكُنْ لَهُ أَنْ (يُكْرِهَهَا بَعْدَ) ذَلِكَ عَلَى السَّفَرِ؛ لِبَقَاءِ حُكْمِ الشَّرْطِ، فَإِنْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مِنْ الشَّرْطِ؛ يَسْقُطُ مُطْلَقًا.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " إنَّهُ الصَّوَابُ.
(وَمَنْ شَرَطَ) لِزَوْجَتِهِ (أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ مَنْزِلِ أَبَوَيْهَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَحَدُ أَبَوَيْهَا (بَطَلَ الشَّرْطُ) لِأَنَّ الْمَنْزِلَ صَارَ لِأَحَدِهِمَا بَعْدَ أَنْ كَانَ لَهُمَا، فَاسْتَحَالَ إخْرَاجُهَا مِنْ مَنْزِلِ أَبَوَيْهَا فَبَطَلَ الشَّرْطُ.
(وَمَنْ شَرَطَ سُكْنَاهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (مَعَ أَبِيهِ) فَسَكَنَتْ (ثُمَّ أَرَادَتْهَا) أَيْ: السُّكْنَى (مُنْفَرِدَةً؛ فَلَهَا ذَلِكَ) أَيْ طَلَبُهُ بِإِسْكَانِهَا مُنْفَرِدَةً، لِأَنَّهُ لِحَقِّهَا لِمَصْلَحَتِهَا، لَا لِحَقِّهِ لِمَصْلَحَتِهِ، فَلَا يَلْزَمُ فِي حَقِّهَا، وَلِهَذَا لَوْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا مَنْ شَرَطَتْ دَارَهَا فِيهَا أَوْ فِي دَارِهِ لَزِمَهُ تَسَلُّمُهَا (لَا إنْ عَجَزَ) عَنْ إفْرَادِهَا بِمَنْزِلٍ وَحْدَهَا؛ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَتَبِعْهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " (وَلَوْ تَعَذَّرَ سُكْنَى مَنْزِلٍ شُرِطَ) عَلَى الزَّوْجِ (بِنَحْوِ خَرَابِ) مَسَاكِنِهِ أَوْ تَعْطِيلِ مَحَلَّتِهِ (سَكَنَ بِهَا) الزَّوْجُ (حَيْثُ أَرَادَ) سَوَاءٌ رَضِيَتْ أَوْ لَا (وَسَقَطَ حَقُّهَا) مِنْ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ عَارِضٌ، وَقَدْ زَالَ، فَرَجَعْنَا إلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ مَحْضُ حَقِّهِ.
(ثَانِيهِمَا) أَيْ: ثَانِي قِسْمَيْ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ (فَاسِدٌ، وَهُوَ نَوْعَانِ: نَوْعٌ) مِنْهُمَا (يُبْطِلُ النِّكَاحَ مِنْ أَصْلِهِ وَهُوَ) أَيْ: الْمُبْطِلُ لِلنِّكَاحِ مِنْ أَصْلِهِ (أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ) أَحَدُهَا - (نِكَاحُ الشِّغَارِ) بِكَسْرِ الشِّينِ، قِيلَ: سُمِّيَ بِهِ لِقُبْحِهِ تَشْبِيهًا بِرَفْعِ الْكَلْبِ رِجْلَهُ لِيَبُولَ، وَقِيلَ: هُوَ الرَّفْعُ، كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ رَفَعَ رِجْلَهُ لِلْآخَرِ عَمَّا يُرِيدُ، وَقِيلَ: هُوَ الْبُعْدُ كَأَنَّهُ بَعُدَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ الْخُلُوِّ، يُقَالُ: شَغَرَ الْمَكَانُ إذَا خَلَا، وَمَكَانٌ شَاغِرٌ أَيْ خَالٍ - وَشَغَرَ الْكَلْبُ إذَا رَفَعَ رِجْلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخْلَى ذَلِكَ الْمَكَانَ مِنْ رِجْلِهِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ الْإِمَامُ بِأَنَّهُ فَرْجٌ بِفَرْجٍ، فَالْفُرُوجُ كَمَا لَا تُورَثُ وَلَا تُوهَبُ فَلِئَلَّا تُعَاوَضَ بِبُضْعٍ أَوْلَى (وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَهُ) أَيْ: يُزَوِّجُ رَجُلٌ رَجُلًا (وَلِيَّتَهُ) أَيْ: بِنْتَهُ أَوْ أُخْتَهُ وَنَحْوَهُمَا (عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ وَلِيَّتَهُ، وَلَا مَهْرَ بَيْنَهُمَا) أَيْ: سَكَتَا عَنْهُ، أَوْ شَرَطَا نَفْيَهُ وَلَوْ لَمْ يَقُولَا: وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرٌ لِلْأُخْرَى (أَيْ: يُجْعَلُ بُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَعَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ مَهْرًا لِلْأُخْرَى) وَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ فَاسِدٌ، قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُمَا فَرَّقَا فِيهِ بَيْنَ الْمُتَنَاكِحَيْنِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نَهَى عَنْ الشِّغَارِ.
وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ بِنْتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَالَ: «لَا جَلَبَ وَلَا جَنْبَ وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ سَلَفًا فِي الْآخَرِ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْنِي ثَوْبَك عَلَى أَنْ أَبِيعُك ثَوْبِي، وَلَيْسَ فَسَادُهُ مِنْ قِبَلِ التَّسْمِيَةِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ وَقَفَهُ عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ، وَلِأَنَّهُ شَرْطُ تَمْلِيكِ الْبُضْعِ لِغَيْرِ الزَّوْجِ؛ فَإِنَّهُ جَعَلَ تَزْوِيجَهُ إيَّاهَا مَهْرًا لِلْأُخْرَى فَكَأَنَّهُ مَلَّكَهُ إيَّاهَا بِشَرْطِ انْتِزَاعِهَا مِنْهُ.
(فَإِنْ سَمَّوْا) لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (مَهْرًا) كَأَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتك، وَمَهْرُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِائَةٌ، أَوْ قَالَ
أَحَدُهُمَا: وَمَهْرُ ابْنَتِي مِائَةٌ، وَمَهْرُ ابْنَتِك خَمْسُونَ، أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ؛ صَحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهِمَا بِالْمُسَمَّى نَصًّا.
قَالَ فِي " الْمُجَرَّدِ " " وَالْفُصُولِ " فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي هَذَا الْعَقْدِ تَشْرِيكٌ، وَإِنَّمَا حَصَلَ فِيهِ شَرْطٌ؛ فَبَطَلَ الشَّرْطُ، وَصَحَّ الْعَقْدُ، وَمَحِلُّ الصِّحَّةِ: إنْ كَانَ الْمُسَمَّى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (مُسْتَقِلًّا) عَنْ بُضْعِ الْأُخْرَى، فَإِنْ جُعِلَ الْمُسَمَّى دَرَاهِمَ وَبُضْعَ الْأُخْرَى لَمْ يَصِحَّ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ قَلَّ) صَحَّ النِّكَاحُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ (خِلَافًا لِلْمُنْتَهَى) بِقَوْلِهِ: فَإِنْ سَمَّوْا مَهْرًا مُسْتَقِلًّا غَيْرَ قَلِيلٍ، وَلَا حِيلَةَ؛ صَحَّ.
فَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالْقَلِيلِ سَوَاءٌ كَانَ حِيلَةً أَوْ لَا؛ لِجَعْلِهِ إيَّاهُ قَسِيمًا لِلْحِيلَةِ، كَمَا فِي " التَّنْقِيحِ " وَغَيْرِهِ، وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَهْرُ قَلِيلًا وَلَمْ يَكُنْ حِيلَةً؛ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَا حِيلَةَ) (فَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ قَلِيلًا حِيلَةً؛ لَمْ يَصِحَّ؛) لِمَا تَقَدَّمَ فِي بُطْلَانِ الْحِيَلِ عَلَى مُحَرَّمٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ " وَالْإِقْنَاعِ " وَغَيْرِهِمَا (إنْ كَانَ كَثِيرًا صَحَّ) وَلَوْ حِيلَةً، وَعِبَارَةُ " الْمُنْتَهَى " تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ " التَّنْقِيحِ " وَاعْتَرَضَ الْحَجَّاوِيُّ " التَّنْقِيحَ " فِي حَاشِيَتِهِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ سَمَّى) الْمَهْرَ (لِإِحْدَاهُمَا) دُونَ الْأُخْرَى (صَحَّ نِكَاحُهَا) أَيْ: مَنْ سَمَّى الْمَهْرَ لَهَا (فَقَطْ) لِأَنَّ فِي نِكَاحِ الْمُسَمَّى لَهَا تَسْمِيَةً وَشَرْطًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سُمِّيَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرٌ.
وَإِنْ قَالَ: زَوَّجْتُك جَارِيَتِي هَذِهِ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتك، وَتَكُونُ رَقَبَتُهَا صَدَاقًا لِابْنَتِك؛ لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُ الْجَارِيَةِ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا صَدَاقًا سِوَى تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ.
وَإِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ رَقَبَةَ الْجَارِيَةِ صَدَاقًا لَهَا؛ صَحَّ، لِأَنَّ الْجَارِيَةَ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ صَدَاقًا.
وَإِنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ امْرَأَةً وَجَعَلَ رَقَبَتَهُ صَدَاقًا لَهَا، لَمْ يَصِحَّ الصَّدَاقُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ، فَيَفْسُدُ الصَّدَاقُ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ".
(وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ) وَهُوَ الثَّانِي مِنْ الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْمُبْطِلَةِ لِلنِّكَاحِ مِنْ أَصْلِهِ، سُمِّيَ
مُحَلِّلًا لِقَصْدِهِ الْحِلَّ فِي مَوْضِعٍ لَا يَحْصُلُ فِيهِ الْحِلُّ (وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا) أَيْ: الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا (عَلَى أَنَّهُ إذَا أَحَلَّهَا) لِمُطَلَّقِهَا أَيْ وَطِئَهَا (طَلَّقَهَا أَوْ) يَتَزَوَّجُهَا عَلَى أَنَّهُ إذَا أَحَلَّهَا لِلْأَوَّلِ (فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا) وَهُوَ حَرَامٌ بَاطِلٌ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ مِنْهُمْ عُمَرُ، وَابْنُهُ، وَعُثْمَانُ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ مِنْ التَّابِعِينَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «الْمُحَلِّلُ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ مَلْعُونَانِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» .
(أَوْ يَنْوِيَهُ) أَيْ: التَّحْلِيلَ (الزَّوْجُ) وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّرْطَ فِي الْعَقْدِ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ أَيْضًا.
قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعْدٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَفِي نَفْسِهِ أَنْ يُحِلَّهَا لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ وَلَمْ تَعْلَمْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ.
قَالَ: هُوَ مُحَلِّلٌ، إذَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْإِحْلَالَ؛ فَهُوَ مَلْعُونٌ، وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الصَّحَابَةِ.
وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: تَزَوَّجْتهَا أَحِلُّهَا لِزَوْجِهَا لَمْ يَأْمُرنِي، وَلَمْ يَعْلَمْ، قَالَ: لَا، الْإِنْكَاحُ رَغْبَةٌ إنْ أَعْجَبَتْك أَمْسَكْتهَا، وَإِنْ كَرِهْتهَا فَارَقْتهَا، وَإِنْ كُنَّا نَعُدُّهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِفَاحًا.
وَقَالَ: لَا يَزَالَا زَانِيَيْنِ وَلَوْ مَكَثَا عِشْرِينَ سَنَةً، إذَا عُلِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُحِلَّهَا، وَهَذَا قَوْلُ عُثْمَانَ.
وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا أَيَحِلُّهَا لَهُ رَجُلٌ؟ قَالَ: مَنْ يُخَادِعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ.
(أَوْ يَتَّفِقَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَنَّهُ نِكَاحُ مُحَلِّلٍ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْعَقْدِ، وَلَمْ يُذْكَرْ حَالَ الْعَقْدِ؛ فَلَا يَصِحُّ إنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ، وَيَنْوِي حَالَ الْعَقْدِ أَنَّهُ نِكَاحُ رَغْبَةٍ، فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ حَالَ الْعَقْدِ، صَحَّ؛ لِخُلُوِّهِ عَنْ نِيَّةِ التَّحْلِيلِ وَشَرْطِهِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ ذِي الرُّقْعَتَيْنِ الْآتِي
(أَوْ يُزَوِّجُ عَبْدَهُ بِمُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا بِنِيَّةِ تَمْلِيكِهِ) أَيْ الْعَبْدِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ (لَهَا) أَيْ: لِلزَّوْجَةِ أَوْ بِنِيَّتِهِ بَيْعَهُ أَوْ بَعْضِهِ مِنْهَا (لِيَفْسَخَ نِكَاحُهَا) بِمِلْكِهَا زَوْجَهَا أَوْ بَعْضَهُ (فَيَحْرُمُ الْكُلُّ وَلَا يَصِحُّ) النِّكَاحُ.
قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا نَهَى عَنْهُ عُمَرُ، يُؤَدَّبَانِ جَمِيعًا، وَعَلَّلَ فَسَادَهُ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ يُشْبِهُ الْمُحَلِّلَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا زَوَّجَهَا إيَّاهُ لِيُحَلِّلَهَا لَهُ، وَالثَّانِي كَوْنُهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لَهَا.
انْتَهَى.
وَلَا يَحْصُلُ بِنِكَاحِ الْمُحَلِّلِ الْإِحْصَانُ (وَلَا تَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ) الْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا لِفَسَادِهِ، وَيَلْحَقُ فِيهِ النَّسَبُ لِلشُّبْهَةِ بِالِاخْتِلَافِ فِيهِ.
(وَلَوْ نَوَى الزَّوْجُ عِنْدَ الْعَقْدِ غَيْرَ مَا شُرِطَ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ نِكَاحُ رَغْبَةٍ، صَحَّ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) . وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ ذِي الرُّقْعَتَيْنِ، وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ قَدَمَ مَكَّةَ رَجُلٌ وَمَعَهُ إخْوَةٌ لَهُ صِغَارًا، وَعَلَيْهِ إزَارٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ رُقْعَةٌ، وَمِنْ خَلْفِهِ رُقْعَةٌ، فَسَأَلَ عُمَرَ، فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ نَزَعَ الشَّيْطَانُ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَتْ: هَلْ لَك أَنْ تُعْطِيَ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ شَيْئًا وَيُحِلَّك لِي؟ قُلْت: نَعَمْ إنْ شِئْت فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ، قَالَ: نَعَمْ، فَتَزَوَّجَهَا وَدَخَلَ بِهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَتْ أَدْخَلَتْ إخْوَتَهُ الدَّارَ، فَجَاءَ الْقُرَشِيُّ يَحُومُ حَوْلَ الدَّارِ، وَقَالَ: يَا وَيْلَاهُ غَلَبَ عَلَى امْرَأَتِي، فَأَتَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ غُلِبْتُ عَلَى امْرَأَتِي قَالَ: مَنْ غَلَبَك؟ قَالَ ذُو الرُّقْعَتَيْنِ، قَالَ: أَرْسِلُوا إلَيْهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: كَيْف مَوْضِعُك مِنْ قَوْمِك؟ قَالَ: لَيْسَ بِمَوْضِعِي بَأْسٌ، قَالَتْ: إنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَك: طَلِّقْ امْرَأَتَك، فَقُلْ: لَا وَاَللَّهِ لَا أُطَلِّقُهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يُكْرِهُك، فَأَلْبَسَتْهُ حُلَّةً فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ مِنْ بَعِيدٍ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَتُطَلِّقُ امْرَأَتَك؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ لَا أُطَلِّقُهَا؛ قَالَ عُمَرُ: لَوْ طَلَّقْتهَا لَأَوْجَعْت رَأْسَك بِالسَّوْطِ.
وَرَوَاهُ سَعِيدٌ أَيْضًا بِسَنَدِهِ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا وَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.