مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 606-645
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ

صفحات 606-645
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَهُوَ نِصْفُ صَدَاقِهَا الْمُسَمَّى أَوْ الْمُتْعَةِ إنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا (أَوْ قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنَايَةِ أُمِّ وَلَدِهِ) وَجِنَايَتُهَا تُضْمَنُ كَذَلِكَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِلِابْنِ عَلَى أَبِيهِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا إذْ لَيْسَ لَهُ طَلَبُهُ بِالدَّيْنِ وَنَحْوِهِ (وَإِنْ أَرْضَعَتْ) أُمُّ وَلَدِهِ (وَاحِدَةً مِنْهُمَا بِغَيْرِ لَبَنِ سَيِّدِهَا، لَمْ تُحَرِّمْهَا) عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا (لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَارَتْ بِنْتَ أُمِّ وَلَدِهِ) وَهِيَ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ.

(وَمَنْ لِامْرَأَتِهِ ثَلَاثُ بَنَاتٍ مِنْ غَيْرِهِ، فَأَرْضَعْنَ) أَيْ: بَنَاتُهَا (ثَلَاثَ نِسْوَةٍ لَهُ) أَيْ: لِزَوْجِ أُمِّهِنَّ (كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ) مِنْ رَبَائِبِهِ أَرْضَعَتْ (وَاحِدَةً إرْضَاعًا كَامِلًا) فِي الْعَامَيْنِ، (وَلَمْ يَدْخُلْ بِالْكُبْرَى) أَيْ: أُمِّ الرَّبَائِبِ (حَرُمَتْ عَلَيْهِ) الْكُبْرَى أَبَدًا.
لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ جَدَّاتِ نِسَائِهِ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] . (وَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْ الصِّغَارِ) الْمُرْتَضِعَاتِ؛ لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ أَخَوَاتٍ (وَ) إنَّمَا (هُنَّ بَنَاتُ خَالَاتٍ) وَلَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ بَنَاتِ الْخَالَاتِ وَلَا يَحْرُمْنَ بِكَوْنِهِنَّ رَبَائِبَ؛ لِأَنَّ الرَّبِيبَةَ لَا تَحْرُمُ إلَّا بِالدُّخُولِ بِأُمِّهَا أَوْ جَدَّتِهَا وَلَمْ يَحْصُلْ، وَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُ مَنْ كَمُلَ رَضَاعُهَا أَوْ لَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ حَرُمَ الصِّغَارُ أَبَدًا أَيْضًا، لِأَنَّهُنَّ رَبَائِبُ دَخَلَ بِجَدَّتِهِنَّ.
(وَإِنْ أَرْضَعْنَ) أَيْ: بَنَاتُ زَوْجَتِهِ (وَاحِدَةً) مِنْ زَوْجَاتِهِ الصِّغَارِ أَرْضَعَتْهَا (كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَتَيْنِ حَرُمَتْ الْكُبْرَى) لِأَنَّهَا صَارَتْ جَدَّةَ امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّ الطِّفْلَةَ رَضَعَتْ مِنْ اللَّبَنِ الَّذِي نَشَرَ الْحُرْمَةَ إلَيْهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْخَمْسُ مِنْ بِنْتٍ وَاحِدَةٍ قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " تَبَعًا لِمَا قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَالرِّعَايَتَيْنِ " وَالْحَاوِي " وَقَوَّاهُ النَّاظِمُ (وَصَحَّحَ فِي الْإِنْصَافِ) أَنَّهَا (لَا تَحْرُمُ) وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمَهُ فِي الْمُنْتَهَى " مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ كَانَتْ الْمُرْضِعَاتُ بَنَاتِهِ أَوْ بَنَاتِ زَوْجَتِهِ فَلَا أُمُومَةَ أَيْ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لِأَنَّهَا لَمْ تُرْضِعْ خَمْسًا.
(وَيَتَّجِهُ وَهُوَ) أَيْ: مَا صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " هُوَ (الْأَصَحُّ) اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ

وَالشَّارِحُ " لِأَنَّ كَوْنَهَا جَدَّةً فَرْعٌ عَلَى كَوْنِ ابْنَتِهَا أُمًّا، وَلَمْ تَثْبُتْ الْأُمُومَةُ؛ فَمَا هُوَ فَرْعٌ عَلَيْهَا أَوْلَى أَنْ لَا يَثْبُتَ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَوْلَى.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَإِذَا طَلَّقَ) رَجُلٌ (زَوْجَةً لَهَا لَبَنٌ مِنْهُ، فَتَزَوَّجَتْ بِصَبِيٍّ) لَمْ يَتِمَّ لَهُ حَوْلَانِ (فَأَرْضَعَتْهُ) أَيْ: الصَّبِيَّ (بِلَبَنِهِ) أَيْ: الْمُطَلِّقِ (إرْضَاعًا كَامِلًا انْفَسَخَ نِكَاحُهَا) مِنْ الصَّبِيِّ لِصَيْرُورَتِهَا أُمَّهُ مِنْ الرَّضَاعِ (وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ) أَبَدًا، لِمَا تَقَدَّمَ (وَ) حَرُمَتْ (عَلَى) الزَّوْجِ (الْأَوَّلِ أَبَدًا) لِأَنَّهَا مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ (وَلَوْ تَزَوَّجَتْ الصَّبِيَّ أَوَّلًا) أَيْ: قَبْلَ الرَّجُلِ (ثُمَّ فَسَخَتْ نِكَاحَهُ) أَيْ: الصَّبِيِّ (لِمُقْتَضٍ) لِفَسْخِهِ كَإِعْسَارٍ بِمُقَدَّمِ صَدَاقٍ أَوْ فَقْدِ نَفَقَةٍ أَوْ عَيْبٍ (ثُمَّ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا كَبِيرًا فَصَارَ لَهَا) بِحَمْلِهَا (مِنْهُ لَبَنٌ، فَأَرْضَعَتْ بِهِ الصَّبِيَّ) حَرُمَتْ عَلَيْهِمَا أَبَدًا، أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي هِيَ زَوْجَتُهُ فَلِصَيْرُورَتِهَا مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّهَا أُمُّهُ.

(أَوْ زَوَّجَ رَجُلٌ أَمَتَهُ بِعَبْدٍ لَهُ رَضِيعٍ، ثُمَّ عَتَقَتْ) الْأَمَةُ (فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ) أَيْ: زَوْجِهَا الْعَبْدِ الرَّضِيعِ (ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِمَنْ أَوْلَدَهَا، فَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ) فِي الْعَامَيْنِ (حَرُمَتْ عَلَيْهَا أَبَدًا) لِمَا تَقَدَّمَ أَمَّا الصَّغِيرُ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّهُ، وَأَمَّا الْكَبِيرُ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ بِالنِّسْبَةِ لَهُ.

[فَصْلٌ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا بِرَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ]

فَصْلٌ (وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا بِرَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَلَا مَهْرَ لَهَا) لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ (وَإِنْ كَانَتْ طِفْلَةً بِأَنْ تَدِبَّ) الطِّفْلَةُ (فَتَرْضَعَ) رَضَاعًا مُحَرِّمًا لَهَا عَلَى زَوْجِهَا (مِنْ) امْرَأَةٍ (نَحْوَ نَائِمَةٍ) كَمَجْنُونَةٍ (أَوْ) مِنْ (مُغْمًى عَلَيْهَا) لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لِلزَّوْجِ فِي الْفَسْخِ؛ فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) كَذَا لَوْ دَبَّتْ تِلْكَ الطِّفْلَةُ فَارْتَضَعَتْ مِنْ امْرَأَةٍ (يَقِظَةٍ فَأَقَرَّتْهَا) حَتَّى أَكْمَلَتْ خَمْسَ رَضَعَاتٍ (فَلَا مَهْرَ لَهَا) أَيْ الْكَبِيرَةِ إنْ كَانَتْ أَرْضَعَتْهَا (قَبْلَهُ) أَيْ الدُّخُولِ؛ لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا، وَلَهُ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِأُمِّهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يَسْقُطُ) الْمَهْرُ (بَعْدَهُ) أَيْ: الدُّخُولِ بِوَطْءٍ أَوْ خَلْوَةٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُقَرِّرُهُ لِتَقَرُّرِهِ (وَلَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (بِخِلَافِ أَجْنَبِيٍّ) وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أَفْسَدَهُ) أَيْ: النِّكَاحَ (غَيْرُهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (لَزِمَهُ) أَيْ.
الزَّوْجَ (قَبْلَ دُخُولٍ نِصْفُهُ) أَيْ: الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُمَا فِي الْفَسْخِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا، (وَ) لَزِمَهُ (بَعْدَهُ) أَيْ: الدُّخُولِ (كُلُّهُ) أَيْ: الْمَهْرِ؛ لِتَقَرُّرِهِ (وَيَرْجِعُ)

زَوْجٌ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ مَهْرٍ أَوْ نِصْفِهِ (فِيهِمَا) أَيْ: فِيمَا إذَا أُفْسِدَا لِغَيْرِ النِّكَاحِ قَبْلَ دُخُولٍ وَبَعْدَهُ (عَلَى مُفْسِدٍ) لِنِكَاحِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ قَاسِمٍ؛ لِأَنَّ (الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ كُلَّهُ) عَلَى زَوْجِهَا، فَيَرْجِعُ بِمَا لَزِمَهُ كَنِصْفِ الْمَهْرِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (لَوْ قَتَلَ سَيِّدَ أَمَتِهِ؛ رَجَعَ عَلَيْهِ) زَوْجُهَا بِالْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ أَغْرَمَهُ الْمَالَ الَّذِي بُذِلَ فِي نَظِيرِ الْبُضْعِ بِإِتْلَافِهِ عَلَيْهِ وَمَنْعِهِ مِنْهُ كَشُهُودِ الطَّلَاقِ إذَا رَجَعُوا وَقَدْ شَهِدُوا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَهَا) أَيْ: الْمُنْفَسِخِ نِكَاحُهَا بِالرَّضَاعِ مِنْ غَيْرِهَا (الْأَخْذُ مِنْ الْمُفْسِدِ) لِنِكَاحِهَا مَا وَجَبَ لَهَا نَصًّا؛ لِأَنَّ قَرَارَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ (وَيُوَزِّعُ) مَا لَزِمَ زَوْجًا (مَعَ تَعَدُّدِ) مُفْسِدٍ لِنِكَاحٍ (عَلَى) عَدَدِ (رَضَعَاتِهِنَّ الْمُحَرِّمَةِ لَا عَلَى) عَدَدِ (رُءُوسِهِنَّ) أَيْ: الْمُرْضِعَاتِ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ اشْتَرَكْنَ فِيهِ، فَلَزِمَهُنَّ بِقَدْرِ مَا أَتْلَفَتْ كُلٌّ مِنْهُنَّ كَإِتْلَافِهِنَّ عَيْنًا مُتَفَاوِتَاتٍ فِيهَا.
(فَلَوْ أَرْضَعَتْ امْرَأَتُهُ الْكُبْرَى الصُّغْرَى) رَضَاعًا مُحَرِّمًا (وَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا) بِأَنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكُبْرَى (فَعَلَيْهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (نِصْفُ مَهْرِ الصُّغْرَى يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْكُبْرَى) لِإِفْسَادِهَا نِكَاحَهَا، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهَا (وَلَمْ يَسْقُطْ مَهْرُ الْكُبْرَى) لِتَقَرُّرِهِ بِالدُّخُولِ (وَإِنْ كَانَتْ الصُّغْرَى دَبَّتْ إلَى الْكُبْرَى فَارْتَضَعَتْ) مِنْهَا خَمْسًا (وَهِيَ نَائِمَةٌ) أَوْ مُغْمًى عَلَيْهَا (فَلَا مَهْرَ لِلصُّغْرَى) لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا (وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا) أَيْ: الصُّغْرَى فِي مَالِهَا (بِمَهْرِ الْكُبْرَى) كُلِّهِ (إنْ دَخَلَ بِهَا) أَيْ: الْكُبْرَى؛ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِلَّا) يَكُنْ دَخَلَ بِالْكُبْرَى (فَبِنِصْفِهِ) أَيْ: مَهْرِ الْكُبْرَى يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الصُّغْرَى؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ بِذَلِكَ، وَلَا تَحْرُمُ الصُّغْرَى حَيْثُ لَمْ يَدْخُلْ بِالْكُبْرَى.
(وَإِنْ دَبَّتْ) الصُّغْرَى (فَارْتَضَعَتْ رَضْعَتَيْنِ مِنْ نَائِمَةٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَتْ) النَّائِمَةُ (فَأَتَمَّتْ لَهَا ثَلَاثًا) فَقَدْ حَصَلَ الْفَسَادُ بِفِعْلِهِمَا (فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ نِصْفِ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ) وَيَسْقُطُ خُمُسٌ فِي مُقَابَلَةِ مَا ارْتَضَعَتْ مِنْهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ (وَيَرْجِعُ بِهِ) أَيْ: بِمَا يَغْرَمُهُ لِلصَّغِيرَةِ (عَلَى الْكَبِيرَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ، (وَ) عَلَيْهِ (مَهْرُ الْكَبِيرَةِ) لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِدُخُولِهِ بِهَا، وَ (يَرْجِعُ بِخُمُسَيْهِ عَلَى الصَّغِيرَةِ) لِأَنَّهَا تَسَبَّبَتْ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ وَإِتْلَافِ الْبُضْعِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ) بِالْكَبِيرَةِ فَعَلَيْهِ خُمُسُ مَهْرِهَا وَ (يَسْقُطُ الْبَاقِي) فِي نَظِيرِ فِعْلِهَا بَعْدَ انْتِبَاهِهَا (وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الصَّغِيرَةِ) لِكَوْنِهَا تَسَبَّبَتْ بِدَبِيبِهَا.
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ أَرْضَعَتْ بِنْتُ الزَّوْجَةِ الْكَبِيرَةِ الزَّوْجَةَ الصَّغِيرَةَ؛ فَالْحُكْمُ فِي التَّحْرِيمِ وَالْفَسْخِ كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْهَا الْكَبِيرَةُ، فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا وَحَرُمَتَا أَبَدًا، وَإِلَّا حَرُمَتْ الْكُبْرَى، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا وَحْدَهَا، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الرُّجُوعِ عَلَى الْمُرْضِعَةِ الَّتِي أَفْسَدَتْ النِّكَاحَ؛ فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا يَغْرَمُهُ لَهُمَا أَوْ لِإِحْدَاهُمَا لِتَسَبُّبِهَا فِي غُرْمِهِ، وَتَفْوِيتِهَا الْبُضْعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْ أُمُّ زَوْجَتِهِ الْكَبِيرَةِ زَوْجَةً لَهُ صَغِيرَةً؛ انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّهُمَا أُخْتَانِ اجْتَمَعَتَا فِي النِّكَاحِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ؛ فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لِأَجْلِ الْجَمْعِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ بِنِصْفِ صَدَاقِهَا الَّذِي غَرِمَهُ لِتَسَبُّبِهَا، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ؛ فَلَهُ نِكَاحُهَا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مَاؤُهُ، وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْكَبِيرَةِ، لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ أُخْتَهَا؛ فَلَا يَنْكِحُهَا فِي عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّ

زَمَنَ الْعِدَّةِ كَالزَّوْجِيَّةِ كَمَا سَبَقَ فِي النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ أَرْضَعَتْهَا جَدَّةُ الْكَبِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ عَمَّةَ الْكَبِيرَةِ إنْ كَانَتْ الْجَدَّةُ لِأَبٍ أَوْ تَصِيرُ خَالَتَهَا إنْ كَانَتْ جَدَّةً لِأُمٍّ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا مُحَرَّمٌ كَالنَّسَبِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَرْضَعَتْهَا أُخْتُ الْكَبِيرَةِ أَوْ زَوْجَةُ أَخِيهَا بِلَبَنِهِ، أَوْ أَرْضَعَتْهَا بِنْتُ أَخِيهَا أَوْ بِنْتُ أُخْتِهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَ أُخْتِ الْكَبِيرَةِ أَوْ بِنْتَ أَخِيهَا أَوْ بِنْتَ بِنْتِ أَخِيهَا أَوْ بِنْتَ بِنْتِ أُخْتِهَا وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُحَرَّمٌ، وَلَا تَحْرِيمَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا عَلَى التَّأْبِيدِ؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيمُ جَمْعٍ إلَّا إذَا أَرْضَعَتْهَا بِنْتُ الْكَبِيرَةِ وَقَدْ دَخَلَ بِأُمِّهَا فَيَحْرُمُ عَلَى الْأَبَدِ كُلٌّ مِنْهُمَا، أَمَّا الْكُبْرَى، فَلِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ، فَلِأَنَّهَا بِنْتُ رَبِيبَةٍ دَخَلَ بِأُمِّهَا.

(وَمَنْ لَهُ ثَلَاثَةُ نِسْوَةٍ لَهُنَّ لَبَنٌ مِنْهُ، فَأَرْضَعْنَ زَوْجَةً لَهُ صُغْرَى) أَرْضَعَتْهَا (كُلُّ وَاحِدَةٍ) مِنْهُنَّ (رَضْعَتَيْنِ؛ لَمْ تَحْرُمْ الْمُرْضِعَاتُ) لِأَنَّهُ لَا أُمُومَةَ لِإِحْدَاهُنَّ عَلَيْهَا (وَحَرُمَتْ الصُّغْرَى) عَلَيْهِ أَبَدًا؛ لِأَنَّهَا بِنْتُهُ؛ لِارْتِضَاعِهَا مِنْ لَبَنِهِ خَمْسًا (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (نِصْفُ مَهْرِهَا) أَيْ: الصُّغْرَى (يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِنَّ) أَيْ: نِسَائِهِ الثَّلَاثِ (أَخْمَاسًا) لِأَنَّ الرَّضَعَاتِ الْمُحَرِّمَةَ خَمْسٌ (خُمُسَاهُ عَلَى مَنْ أَرْضَعَتْ مَرَّتَيْنِ) أَيْ: عَلَى كُلٍّ مِنْ الْمُرْضِعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ خُمُسَا النِّصْفِ؛ لِوُجُودِ رَضْعَتَيْنِ مُحَرِّمَتَيْنِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا (وَخُمُسُهُ) أَيْ: النِّصْفِ (عَلَى مَنْ أَرْضَعَتْ مَرَّةً) وَهِيَ الثَّالِثَةُ؛ لِحُصُولِ التَّحْرِيمِ بِإِرْضَاعِهَا؛ لِأَنَّهَا تَتِمَّةُ الْخَمْسِ؛ فَلَا أَثَرَ لِلسَّادِسَةِ.

[فَرْعٌ أَرْضَعَتْ زَوْجَتُهُ الْأَمَةُ زَوْجَةً لَهُ صُغْرَى]

(فَرْعٌ لَوْ أَرْضَعَتْ زَوْجَتُهُ الْأَمَةُ زَوْجَةً لَهُ صُغْرَى) رَضَاعًا مُحَرِّمًا (فَحَرَّمَتْهَا) عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأَمَةِ (فَمَا لَزِمَهُ) مِنْ صَدَاقِ الصَّغِيرَةِ وَهُوَ نِصْفٌ لَهُ (فَفِي رَقَبَةِ الْأَمَةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنَايَتِهَا.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا) أَيْ: زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ (أُمُّ وَلَدِهِ حَرُمَتَا عَلَيْهِ أَبَدًا) أَمَّا الزَّوْجَةُ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَهُ أَوْ رَبِيبَتَهُ، وَأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ فَلِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ (وَلَا غُرْمَ عَلَيْهَا) أَيْ: أُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا أَفْسَدَتْ عَلَى سَيِّدِهَا نِكَاحَ الزَّوْجَةِ الصَّغِيرَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا غُرْمٌ (وَتَغْرَمُ مُكَاتَبَتُهُ) إنْ كَانَتْ هِيَ الْمُفْسِدَةُ لِنِكَاحِ الزَّوْجَةِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُهَا أَرْشُ جِنَايَتِهَا.

[فَصْلٌ شَكَّ الزَّوْج فِي وُجُودِ رَضَاعٍ]

فَصْلٌ (وَإِنْ شَكَّ فِي) وُجُودِ (رَضَاعٍ بُنِيَ عَلَى الْيَقِينِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.

(أَوْ) شَكَّ فِي (عَدَدِهِ) أَيْ: الرَّضَاعِ (بُنِيَ عَلَى الْيَقِينِ، وَهُوَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحِلِّ وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي وُقُوعِهِ فِي الْعَامَيْنِ أَوْ كَمَالِهِ وَلَا بَيِّنَةَ فَلَا تَحْرِيمَ، وَتَقَدَّمَ (وَ) تَكُونُ الَّتِي لَوْ ثَبَتَ رَضَاعُهَا خَمْسًا حَرُمَتْ مِنْ الشُّبُهَاتِ (تَرْكُهَا أَوْلَى) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِحَدِيثِ: «مَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» .

(وَإِنْ شَهِدَ بِهِ) أَيْ الرَّضَاعِ الْمُحَرَّمِ امْرَأَةٌ (مَرْضِيَّةٌ) عَلَى فِعْلِهَا بِأَنْ شَهِدَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُ خَمْسًا فِي الْحَوْلَيْنِ، أَوْ شَهِدَتْ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهَا بِأَنْ شَهِدَتْ أَنَّ فُلَانَةَ أَرْضَعَتْهُ خَمْسًا فِي الْحَوْلَيْنِ، (أَوْ) شَهِدَ بِذَلِكَ (رَجُلٌ عَدْلٌ ثَبَتَ) الرَّضَاعُ بِذَلِكَ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ وَلَا عَلَى الشَّاهِدِ لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: «تَزَوَّجَتْ أُمُّ يَحْيَى بِنْتُ أَبِي إهَابٍ فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ؛ فَنَهَاهُ عَنْهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ: دَعْهَا عَنْكَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: فُرِّقَ بَيْنَ أَهْلِ أَبْيَاتٍ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ لِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى عَوْرَةٍ فَتُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ كَالْوِلَادَةِ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ، وَالْمُتَبَرِّعَةُ وَغَيْرُهَا سَوَاءٌ، وَغَيْرُ الْمَرْضِيَّةِ لَا تُقْبَلُ.

(وَمَنْ تَزَوَّجَ) امْرَأَةً (ثُمَّ قَالَ) قَبْلَ الدُّخُولِ (هِيَ أُخْتِي مِنْ رَضَاعٍ انْفَسَخَ النِّكَاحُ) وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ (حُكْمًا) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ؛ فَلَزِمَهُ

ذَلِكَ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ أَوْ أَنَّ أَمَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ النَّسَبِ، (وَ) انْفَسَخَ أَيْضًا (فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ إنْ كَانَ صَادِقًا) أَيْ: تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا نِكَاحَ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُهُ؛ فَلَا تَحِلُّ لَهُ (وَإِلَّا) يَكُنْ صَادِقًا (فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ) فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ كَذِبَهُ لَا يُحَرِّمُهَا، وَالْمُحَرَّمُ حَقِيقَةً الرَّضَاعُ لَا الْقَوْلُ (وَلَهَا) أَيْ: الَّتِي أَقَرَّ زَوْجُهَا أَنَّهَا أُخْتُهُ الْمَهْرُ إنْ أَقَرَّ بِأُخُوَّتِهَا (بَعْدَ الدُّخُولِ) بِهَا (وَلَوْ صَدَّقَتْهُ) أَنَّهُ أَخُوهَا بِمَا نَالَ مِنْهَا (مَا لَمْ تُطَاوِعْهُ) الْحُرَّةُ عَلَى الْوَطْءِ (عَالِمَةً بِالتَّحْرِيمِ) فَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ.
(وَيَسْقُطُ) مَهْرُ مَنْ أَقَرَّ بِأُخُوَّتِهَا (قَبْلَهُ) أَيْ: الدُّخُولِ (إنْ صَدَّقَتْهُ) وَهِيَ حُرَّةٌ عَلَى إقْرَارِهِ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى بُطْلَانِ النِّكَاحِ مِنْ أَصْلِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْهُ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ فَلَهَا نِصْفُ مَهْرِهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا يَقْبَلُ عَلَيْهَا.
(وَإِنْ قَالَتْ هِيَ ذَلِكَ) أَيْ: هُوَ أَخِي مِنْ الرَّضَاعِ (وَأَكْذَبَهَا؛ فَهِيَ زَوْجَتُهُ حُكْمًا) حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لَهَا؛ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا عَلَيْهِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ قَوْلُهَا ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ لَهَا لِأَنَّهَا تُقِرُّ بِأَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّهُ، وَإِنْ كَانَتْ قَبَضَتْهُ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ أَخْذُهُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا، فَإِنْ عَلِمَتْ صِحَّةَ مَا أَقَرَّتْ بِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهَا مُسَاكَنَتُهُ وَلَا تَمْكِينُهُ مِنْ وَطْئِهَا وَلَا مِنْ دَوَاعِيهِ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَفْتَدِيَ وَتَفِرَّ مِنْهُ كَمَا قُلْنَا فِي الَّتِي عَلِمَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَتَقَدَّمَ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَا مَهْرَ) عَلَيْهِ لِمَنْ ظَهَرَتْ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ (لَوْ أَبَانَهَا قَبْلَ وَطْءٍ) وَلَا خَلْوَةٍ؛ لِأَنَّ وُجُودَ عَقْدِهِ عَلَيْهَا كَعَدَمِهِ، (وَ) يَتَّجِهُ أَنَّهُ (لَا يَرْجِعُ) الزَّوْجُ (بِنِصْفِهِ) أَيْ: الصَّدَاقِ (لَوْ قَبَضَ) لِأَنَّهَا مَلَكَتْهُ بِالْقَبْضِ (كَمَا لَا) : يَسُوغُ لَهَا أَنْ (تُطَالِبَ بِهِ) أَيْ: الْمَهْرِ (لَوْ لَمْ يُقْبَضْ) لِبُطْلَانِ نِكَاحِهَا؛ فَلَا تَسْتَحِقُّ

الْمُطَالَبَةَ بِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَإِنْ قَالَ) عَنْ زَوْجَتِهِ (هِيَ ابْنَتِي مِنْ رَضَاعٍ وَهِيَ فِي سِنٍّ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ) أَيْ: كَوْنَهَا بِنْتَه كَأَنْ كَانَتْ قَدْرَهُ فِي السِّنِّ أَوْ أَكْبَرَ (لَمْ تَحْرُمْ) عَلَيْهِ (لِتَيَقُّنِ كَذِبِهِ) بِعَدَمِ احْتِمَالِ صِدْقِهِ (وَإِنْ اُحْتُمِلَ) صِدْقُهُ فِي أَنَّهَا بِنْتُهُ بِأَنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهَا بِأَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ (فَكَمَا لَوْ قَالَ هِيَ أُخْتِي مِنْ رَضَاعٍ) عَلَى مَا مَرَّ مُفَصَّلًا.
(وَلَوْ ادَّعَى) مَنْ أَقَرَّ مِنْهُمَا بِمَا يُؤَاخَذُ بِهِ (بَعْدَ ذَلِكَ خَطَأً، لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ إقْرَارٍ بِحَقٍّ عَلَيْهِ (كَقَوْلِهِ ذَلِكَ) أَيْ: هِيَ أُخْتِي (لِأَمَتِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ) فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ (وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَحَدُ اثْنَيْنِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ (ذَلِكَ قَبْلَ النِّكَاحِ) بِأَنْ قَالَ: هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعِ، أَوْ قَالَتْ هُوَ أَخِي مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ أَوْ قَالَتْ: كَذَبْت (لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ) عَنْ إقْرَارِهِ بِذَلِكَ (ظَاهِرًا) فَلَا يُمَكَّنَانِ مِنْ النِّكَاحِ، وَإِنْ تَنَاكَحَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا لَوْ ادَّعَتْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَأَنْكَرَ وَاعْتَرَفَ بِالْبَيْنُونَةِ، فَلَا يُمَكَّنَانِ مِنْ النِّكَاحِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إنْ تَنَاكَحَا.

(وَمَنْ ادَّعَى أُخُوَّةَ أَجْنَبِيَّةٍ) غَيْرِ زَوْجَتِهِ، أَوْ ادَّعَى بُنُوَّتَهَا مِنْ رَضَاعٍ (وَيَتَّجِهُ لِيَصِيرَ) بِدَعْوَاهُ (مَحْرَمًا) لَهَا؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَكَذَّبَتْهُ، قُبِلَتْ شَهَادَةُ أُمِّهَا) مِنْ نَسَبٍ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَيْهَا (وَ) شَهَادَةُ (بِنْتِهَا مِنْ نَسَبٍ) عَلَى إقْرَارِهَا

(بِذَلِكَ) عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ مَرْضِيَّةً، وَتَثْبُتُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ بَيْنَهُمَا، وَ (لَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (أُمِّهِ وَلَا) شَهَادَةُ (بِنْتِهِ) مِنْ نَسَبٍ عَلَيْهَا كَسَائِرِ شَهَادَاتِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لِوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ.
(وَإِنْ ادَّعَتْ ذَلِكَ) هِيَ بِأَنْ قَالَتْ: فُلَانٌ أَخِي مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ أَبِي أَوْ ابْنِي مِنْهُ، وَسِنُّهَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ (وَكَذَّبَهَا) فُلَانٌ (فَبِالْعَكْسِ) فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أُمِّهِ وَبِنْتِهِ مِنْ نَسَبٍ عَلَيْهِ، لَا أُمِّهَا وَبِنْتِهَا؛ لِمَا سَبَقَ.

(وَيَتَّجِهُ وَ) لَوْ ادَّعَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أُخُوَّةَ أَوْ بُنُوَّةَ صَاحِبِهِ مِنْ رَضَاعٍ (مَعَ تَصْدِيقِ) الزَّوْجِ (لِلْآخَرِ) فَإِنَّهُ (يَصِيرُ) كُلٌّ مِنْهُمَا (مُحَرَّمًا) عَلَى الْآخَرِ لِإِقْرَارِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ الْأَغْلَظُ فِي حَقِّهِ فَيُقْبَلُ مِنْهُ، وَمَحَلُّ قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُمَا (مَعَ عَدَالَتِهِمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ؛ لِأَنَّ الدِّيَانَة تَحْمِلُهُمَا عَلَى اجْتِنَابِ مَا لَا يَنْبَغِي (وَاحْتُمِلَ) أَيْضًا (وَإِلَّا) يَكُونَا عَدْلَيْنِ (مُنِعَا) مِنْ الْبَقَاءِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ بَاطِنًا (لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى) وَأَمَّا فِي الظَّاهِرِ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ وُجُودَ قَوْلِ الْفَاسِقِ وَعَدَمِهِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَلَوْ ادَّعَتْ أَمَةٌ أُخُوَّةَ) سَيِّدِهَا لَهَا (بَعْدَ وَطْئِهِ) لَهَا مُطَاوَعَةً (لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا مُطْلَقًا) ؛ لِدَلَالَةِ تَمْكِينِهَا عَلَى كَذِبِهَا (وَ) إنْ ادَّعَتْ أُخُوَّةَ سَيِّدِهَا (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ وَطْئِهِ لَهَا مُطَاوَعَةً (يُقْبَلُ) قَوْلُهَا (فِي تَحْرِيمِ وَطْءٍ) كَدَعْوَاهَا أَنَّهَا

مُزَوَّجَةٌ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا وَ (لَا) يُقْبَلُ (قَوْلُهَا فِي ثُبُوتِ عِتْقٍ وَإِرْثٍ) لِدَعْوَاهَا زَوَالَ مِلْكِهِ كَمَا لَوْ قَالَتْ اعْتِقْنِي.

(وَكُرِهَ اسْتِرْضَاعُ فَاجِرَةٍ وَ) اسْتِرْضَاعُ (مُشْرِكَةٍ وَحَمْقَاءَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَزَوَّجُوا الْحَمْقَاءَ فَإِنَّ صُحْبَتَهَا بَلَاءٌ وَفِي وَلَدِهَا ضَيَاعٌ، وَلَا تَسْتَرْضِعُوهَا فَإِنَّ لَبَنَهَا يُغَيِّرُ الطِّبَاعَ» (وَسَيِّئَةُ خُلُقٍ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْحَمْقَاءِ.

(وَ) كُرِهَ اسْتِرْضَاعُ (جَذْمَاءَ وَبَرْصَاءَ) خَشْيَةَ وُصُولِ أَثَرِ ذَلِكَ إلَى الرَّضِيعِ، وَفِي " الْمُجَرَّدِ " (وَبَهِيمَةٍ) لِأَنَّهُ يَكُونُ بِهِ بَلَدُ الْبَهِيمَةِ (وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَعَمْيَاءَ فَإِنَّهُ يُقَالُ: الرَّضَاعُ يُغَيَّرُ الطِّبَاعَ) وَيُؤَيِّدُ مَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ، بَلْ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْسُوسًا.

(وَلَيْسَ لِزَوْجَةٍ إرْضَاعُ غَيْرِ وَلَدِهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجٍ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّهِ عَلَيْهِ.

[كِتَابُ النَّفَقَاتِ]

ِ (النَّفَقَاتُ جَمْعُ نَفَقَةٍ) وَتُجْمَعُ عَلَى نِفَاقٍ كَثَمَرَةٍ وَثِمَارٍ (وَهِيَ) فِي الْأَصْلِ الدَّرَاهِمُ وَنَحْوُهَا مِنْ الْأَمْوَالِ.
وَشَرْعًا (كِفَايَةُ مَنْ يُمَوِّنُهُ خُبْزًا وَأُدْمًا) بِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِهَا (وَمَسْكَنًا وَتَوَابِعَهَا) أَيْ: تَوَابِعَ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ وَالْكِسْوَةِ وَالْمَسْكَنِ كَثَمَنِ الْمَاءِ وَالْمُشْطِ وَالسُّتْرَةِ وَدُهْنِ الْمِصْبَاحِ وَالْغِطَاءِ وَالْوِطَاءِ وَنَحْوِهَا، وَأَصْلُهَا الْإِخْرَاجُ مِنْ النَّافِقَاءِ وَهُوَ مَوْضِعٌ يَجْعَلُهُ الْيَرْبُوعُ فِي مُؤَخَّرِ الْجُحْرِ رَقِيقًا يُعِدُّهُ لِلْخُرُوجِ إذَا أَتَى مِنْ بَابِهِ رَفَعَهُ بِرَأْسِهِ، وَخَرَجَ، وَمِنْهُ سُمِّيَ النِّفَاقُ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ الْإِيمَانِ، أَوْ خُرُوجُ الْإِيمَانِ مِنْ الْقَلْبِ، فَسُمِّيَ الْخُرُوجُ نَفَقَةً كَذَلِكَ.

وَهِيَ أَصْنَافٌ: نَفَقَةُ الزَّوْجَاتِ، وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ هُنَا، وَنَفَقَةُ الْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ وَتَأْتِي (فَعَلَى زَوْجٍ مَا لَا غِنَاءَ لِزَوْجَتِهِ عَنْهُ) إجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: 7] الْآيَةَ.
وَمَعْنَى (قُدِرَ) ضُيِّقَ.
لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.
وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ إذَا كَانَا بَالِغَيْنِ وَلَمْ تَكُنْ نَاشِزًا.
ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ، وَلِأَنَّ الزَّوْجَةَ مَحْبُوسَةٌ لِحَقِّ الزَّوْجِ، يَمْنَعُهَا ذَلِكَ عَنْ التَّصَرُّفِ وَالْكَسْبِ، فَتَجِبُ نَفَقَتُهَا عَلَيْهِ (وَلَوْ) كَانَتْ (مُعْتَدَّةً مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، وَيَتَّجِهُ وَلَمْ تَحْمِلْ) مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ، أَمَّا إذَا حَمَلَتْ فَنَفَقَتُهَا عَلَى مَنْ أَحْبَلَهَا مُدَّةَ الْحَمْلِ، لِأَنَّ الْوَلَدَ لَاحِقٌ بِهِ وَالنَّفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ إلَى الْوَضْعِ، وَهَذَا مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ " فَلَا حَاجَةَ لِجَعْلِهِ اتِّجَاهًا، وَمَحَلُّ وُجُوبِ نَفَقَةِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ عَلَى الزَّوْجِ إنْ كَانَتْ (غَيْرَ مُطَاوِعَةٍ) لِوَاطِئٍ كَمَا لَوْ أَكْرَهَهَا أَوْ وَطِئَهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ فَإِنْ طَاوَعَتْ عَالِمَةً أَنَّهُ غَيْرُ زَوْجِهَا، أَوْ تَظُنُّهُ غَيْرَهُ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا (مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَكِسْوَةٍ وَسُكْنَى بِالْمَعْرُوفِ) بَيَانٌ لِمَا لَا غِنَاءَ لَهَا عَنْهُ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ.
(وَيَعْتَبِرُ حَاكِمٌ ذَلِكَ إنْ تَنَازَعَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ فِي قَدْرِ ذَلِكَ أَوْ صِفَتِهِ (بِحَالِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ يَسَارًا وَإِعْسَارًا لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا، لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ لِلزَّوْجَةِ؛ فَكَانَ النَّظَرُ يَقْتَضِي أَنْ يُعْتَبَرَ ذَلِكَ بِحَالِهَا كَالْمَهْرِ، لَكِنْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: 7] الْآيَةَ فَأَمَرَ الْمُوسِرَ بِالسَّعَةِ فِي النَّفَقَةِ، وَرَدَّ الْفَقِيرَ إلَى اسْتِطَاعَتِهِ،

فَاعْتُبِرَ حَالُ الزَّوْجَيْنِ بِذَلِكَ رِعَايَةً لِكِلَا الْجِنْسَيْنِ، وَلِاخْتِلَافِ حَالِ الزَّوْجَيْنِ رَجَعَ فِيهِ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ (فَيَفْرِضُ) حَاكِمٌ (لِمُوسِرَةٍ) وَلَوْ ذِمِّيَّةً (مَعَ مُوسِرٍ) عِنْدَ الشِّقَاقِ كِفَايَتَهَا (وَلَا يَقْبَلُ دَعْوَاهَا يَسَارَهُ) لِيَفْرِضَ لَهَا الْحَاكِمُ نَفَقَةَ الْمُوسِرِينَ (إلَّا إنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ) فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ.
وَيَفْرِضُ لَهَا (كِفَايَتَهَا خُبْزًا خَاصًّا بِأُدْمِهِ الْمُعْتَادِ لِمِثْلِهَا) أَيْ: الْمُوسِرَةِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ (وَ) يَفْرِضُ لَهَا (لَحْمًا) وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي طَبْخِهِ (عَادَةَ الْمُوسِرِينَ بِمَحَلِّهِمَا) أَيْ بَلَدِ الزَّوْجَيْنِ، لِاخْتِلَافِهِ بِحَسَبِ الْمَوَاضِعِ (فَلَا يَتَقَيَّدُ اللَّحْمُ بِرِطْلٍ عِرَاقِيٍّ) وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْمِيَاهِ قَالَ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ (كُلُّ جُمُعَةٍ مُرَّتَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَالْمَذْهَبِ " وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ " وَالْمُسْتَوْعِبِ " وَالْخُلَاصَةِ " وَالْهَادِي " وَغَيْرِهِمْ (وَتُنْقَلُ) زَوْجَةٌ (مُتَبَرِّمَةٌ مِنْ أُدْمٍ إلَى) أُدْمٍ (غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ (وَلَا بُدَّ مِنْ مَاعُونِ الدَّارِ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَيُكْتَفَى بِمَاعُونٍ خَزَفٍ وَخَشَبٍ وَالْعَدْلُ مَا يَلِيقُ بِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ.
(وَ) يَفْرِضُ حَاكِمٌ لِمُوسِرَةٍ مِنْ الْكِسْوَةِ (مَا يُلْبَسُ مِثْلُهَا مِنْ حَرِيرٍ وَخَزٍّ وَجَيِّدِ كَتَّانٍ وَجَيِّدِ قُطْنٍ) عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ مِثْلِهَا مِنْ الْمُوسِرَاتِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ (وَأَقَلُّهُ) أَيْ مَا يُفْرَضُ مِنْ الْكِسْوَةِ (قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَطَرْحَةٌ) وَهِيَ مَا تَضَعُهُ فَوْقَ الْمِقْنَعَةِ، وَتُسَمَّى الْوِقَايَةُ (وَمِقْنَعَةٌ) تُقَنِّعُ بِهَا الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا (وَمَدَاسٌ وَجُبَّةٌ) أَيْ: مَضْرَبِيَّةٌ (لِلشِّتَاءِ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا تَقَعُ بِهِ الْكِفَايَةُ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ شَيْءٍ يُوَارِي جَسَدَهُ وَهُوَ الْقَمِيصُ، وَمِنْ شَيْءٍ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَهُوَ السَّرَاوِيلُ، وَمِنْ شَيْءٍ يُدْفِئُهُ وَهُوَ جُبَّةٌ لِلشِّتَاءِ (وَتُزَادُ مِنْ عَدَدِ ثِيَابِ مَا جَرَتْ عَادَةٌ بِلُبْسِهِ مِمَّا لَا غَنَاءَ لَهَا عَنْهُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ دَفْعُ الْحَاجَةِ الْغَالِبَةِ وَ (لَا) يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ ثِيَابٍ مُعَدَّةٍ (لِتَجَمُّلٍ وَزِينَةٍ، وَلَا) يَجِبُ عَلَيْهِ شِرَاءُ (خُفٍّ وَإِزَارٍ لِلزَّوْجِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ أَمْرُهَا عَلَى الْخُرُوجِ) وَلِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْخُرُوجِ لِحَقِّ الزَّوْجِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ مَا هِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ لِأَجْلِهِ.
(وَ) أَقَلُّ

مَا يُفْرَضُ (لِلنَّوْمِ فِرَاشٌ وَلِحَافٌ وَمِخَدَّةٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (مَحْشُوٌّ ذَلِكَ بِالْقُطْنِ إنْ كَانَ عُرْفَ الْبَلَدِ) لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ وَمِلْحَفَةٌ لِلِّحَافِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ وَإِزَارٌ تَنَامُ فِيهِ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِالنَّوْمِ فِيهِ كَأَرْضِ الْحِجَازِ وَنَحْوِهَا (وَ) أَقَلُّ مَا يُفْرَضُ (لِلْجُلُوسِ بِسَاطٌ) مِنْ صُوفٍ (وَرَفِيعُ الْحَصِيرِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا غَنَاءَ عَنْهُ.

(وَ) يَفْرِضُ حَاكِمٌ (لِفَقِيرَةٍ مَعَ فَقِيرٍ كِفَايَتَهَا خُبْزًا خشكارا) ضِدُّ النَّاعِمِ (بِأُدْمِهِ) الْمُلَائِمِ لَهُ عُرْفًا (كَخَلٍّ وَبَاقِلَاءَ) مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهَا؛ لِأَنَّهَا إحْدَى الزَّوْجَيْنِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُ حَالِهَا كَالْمُوسِرَةِ (وَزَيْتِ مِصْبَاحٍ وَلَحْمِهِ عَادَةً وَلَا يَتَقَيَّدُ بِكُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً) بَلْ الْعُرْفُ وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ لَا يَقْطَعُهَا اللَّحْمَ فَوْقَ أَرْبَعِينَ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إيَّاكُمْ وَاللَّحْمَ فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: يَعْنِي إذَا أَكْثَرَ مِنْهُ.
وَمِنْهُ كَلْبٌ ضَارٍ.

(وَ) يُفْرَضُ لَهَا مِنْ كِسْوَةٍ (مَا يُلْبَسُ مِثْلُهَا) مِنْ غَلِيظِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ (وَيَنَامُ فِيهِ) مِنْ فِرَاشٍ وَصُوفٍ وَكِسَاءٍ وَعَبَاءَةٍ لِلْغِطَاءِ (وَيَجْلِسُ عَلَيْهِ) مِنْ بَارِيَةٍ وَخَيْشٍ عَلَى قَدْرِ عَادَتِهَا وَعَادَةِ أَمْثَالِهَا.
(وَيَفْرِضُ لِمُتَوَسِّطَةٍ مَعَ مُتَوَسِّطٍ وَمُوسِرَةٍ مَعَ فَقِيرٍ وَعَكْسِهَا) أَيْ: مُعْسِرَةٍ تَحْتَ، مُوسِرٍ (مَا بَيْنَ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِحَالِهِمَا؛ لِأَنَّ فِي إيجَابِ الْأَعْلَى لِمُوسِرَةٍ تَحْتَ فَقِيرٍ ضَرَرًا عَلَيْهِ بِتَكْلِيفِهِ مَا لَا يَسَعُهُ حَالُهُ، وَإِيجَابُ الْأَدْنَى ضَرَرٌ عَلَيْهَا؛ فَالتَّوَسُّطُ أَوْلَى، وَإِيجَابُ الْأَعْلَى لِفَقِيرَةٍ تَحْتَ مُوسِرٍ زِيَادَةً عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ حَالُهَا، وَقَدْ أَمَرَ بِالْإِنْفَاقِ مِنْ سَعَتِهِ، فَالتَّوَسُّطُ أَوْلَى.

(وَمُوسِرٌ نِصْفُهُ حُرٌّ) فِي ذَلِكَ (كَمُتَوَسِّطَيْنِ) فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ (وَمُعْسِرٌ كَذَلِكَ) أَيْ: نِصْفُهُ حُرٌّ (كَ) زَوْجَيْنِ (مُعْسِرَيْنِ) فِي النَّفَقَةِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ (مُؤْنَةُ نَظَافَتِهَا مِنْ دُهْنٍ وَسِدْرٍ وَثَمَنِ مَاءِ شُرْبٍ وَطَهَارَةِ حَدَثٍ وَخُبْثٍ وَتَنْظِيفٍ وَثَمَنِ مُشْطٍ وَأُجْرَةِ قَيِّمَةٍ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ الَّتِي تَغْسِلُ شَعْرَهَا

وَتُسَرِّحُهُ وَتُضَفِّرُهُ (وَكَنْسٌ بِبَيْتٍ) وَتَنْظِيفُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ حَوَائِجِهَا الْمُعْتَادَةِ.

وَ (لَا) يَلْزَمُهُ (دَوَاءٌ وَلَا أُجْرَةُ طَبِيبٍ) إنْ مَرِضَتْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ حَاجَتِهَا الضَّرُورِيَّةِ الْمُعْتَادَةِ، بَلْ لِعَارِضٍ، (وَ) كَذَا: (لَا) يَلْزَمُهُ (ثَمَنُ طِيبٍ وَحِنَّاءَ وَخِضَابٍ وَنَحْوِهِ) كَثَمَنِ مَا يُحَمَّرُ بِهِ وَجْهٌ أَوْ يُسَوَّدُ بِهِ شَعْرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ (وَإِنْ أَرَادَ مِنْهَا تَزَيُّنًا بِهِ) أَيْ: بِمَا ذَكَرَ (أَوْ) أَرَادَ (قَطْعَ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ وَأَتَى بِهِ) أَيْ: بِمَا يُرِيدُ مِنْهَا التَّزَيُّنَ بِهِ أَوْ بِمَا يَقْطَعُ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ (لَزِمَهَا) اسْتِعْمَالُهُ (وَعَلَيْهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (تَرْكُ حِنَّاءَ، وَزِينَةٍ نَهَاهَا عَنْهُمَا) الزَّوْجُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.

(وَعَلَيْهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (لِمَنْ) أَيْ: زَوْجَتِهِ (بِلَا خَادِمٍ) ذَكَرٍ وَأُنْثَى (وَيُخْدَمُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (مِثْلُهَا) لِيَسَارٍ أَوْ كِبَرٍ أَوْ صِغَرٍ (وَلَوْ) كَانَ احْتِيَاجُهَا إلَيْهِ (لِمَرَضِ خَادِمٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] وَمِنْ الْمَعْرُوفِ أَنْ يُقِيمَ لَهَا خَادِمًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَاجَتِهَا؛ فَيَلْزَمُ الزَّوْجَ كَالنَّفَقَةِ (وَاحِدٌ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ خِدْمَتُهَا فِي نَفْسِهَا وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْوَاحِدِ، فَلَمْ يَجِبْ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَلَا يَكُونُ الْخَادِمُ إلَّا مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا، إمَّا (ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ أَوْ امْرَأَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْخَادِمَ يَلْزَمُ الْمَخْدُومَ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ فَلَا يَسْلَمُ مِنْ النَّظَرِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَمْلِكَ الْخَادِمُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْإِخْدَامُ لَا التَّمْلِيكُ وَلَا إخْدَامَ عَلَيْهِ لِرَقِيقَةٍ وَلَوْ كَانَتْ جَمِيلَةً؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالزَّوْجَةِ، فَإِنْ طَلَبَتْ الزَّوْجَةُ مِنْهُ أُجْرَةَ خَادِمِهَا فَوَافَقَهَا، جَازَ، وَإِنْ أَبَى وَقَالَ: أَنَا آتِيك بِخَادِمٍ سِوَاهُ فَلَهُ ذَلِكَ إذَا أَتَى بِمَنْ يَصْلُحُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْخَادِمُ مِلْكَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ أَوْ اسْتَعَارَهُ؛ فَتَعْيِينُهُ إلَيْهِ.
(وَتَجُوزُ) خِدْمَةُ امْرَأَةٍ (كِتَابِيَّةٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ إلَى الْمُسْلِمَةِ قَالَ الْبُهُوتِيُّ قُلْت وَكَذَا مَجُوسِيَّةٌ وَوَثَنِيَّةٌ وَنَحْوُهُمَا (وَتُلْزَمُ) الزَّوْجَةُ (بِقَبُولِهَا) أَيْ: الْخَادِمَةِ الْكَافِرَةِ لِصَلَاحِيَّتِهَا لِلْخِدْمَةِ، وَلَهُ تَبْدِيلُ خَادِمٍ أَلِفَتْهَا؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ إلَيْهِ (وَنَفَقَتُهُ) أَيْ الْخَادِمِ (وَكِسْوَتُهُ)

عَلَى الزَّوْجِ (كَفَقِيرَيْنِ) أَيْ: كَنَفَقَةِ فَقِيرَةٍ مَعَ فَقِيرٍ (مَعَ خُفٍّ وَمِلْحَفَةٍ) لِلْخَادِمِ (لِحَاجَةِ خُرُوجٍ، وَلَوْ أَنَّهُ) أَيْ الْخَادِمَ (لَهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (إلَّا فِي نَظَافَةٍ) فَلَا يَجِبُ لِلْخَادِمِ دُهْنٌ وَلَا سِدْرٌ وَمُشْطٌ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلزِّينَةِ وَالتَّنْظِيفِ وَهَذَا غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ الْخَادِمِ (وَنَفَقَةُ) خَادِمٍ (مُكْرِيٍّ وَ) خَادِمٍ (مُعَارٍ عَلَى مُكْرٍ وَمُعِيرٍ) لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُكْرِيَ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْأُجْرَةُ؛ وَالْمُعِيرَ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ النَّفَقَةُ بِإِعَارَتِهِ (وَتَعْيِينُ خَادِمٍ لَهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (إلَيْهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ؛ فَإِنْ رَضِيَا بِخِدْمَتِهِ لَهَا وَأَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الزَّوْجِ، جَازَ (وَ) تَعْيِينُ (سِوَاهُ) أَيْ: سِوَى خَادِمِهَا (إلَيْهِ) أَيْ: الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ أُجْرَتَهُ عَلَيْهِ (وَإِنْ قَالَتْ) الزَّوْجَةُ (أَنَا أَخْدُمُ نَفْسِي وَآخُذُ مَا يَجِبُ لِخَادِمِي، أَوْ قَالَ) الزَّوْجُ (أَنَا أَخْدُمُك نَفْسِي وَأَبَى الْآخَرُ) أَيْ: الزَّوْجُ فِي الْأُولَى وَالزَّوْجَةُ فِي الثَّانِيَةِ (لَمْ يُجْبَرْ) الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا أَمَّا كَوْنُ الزَّوْجِ لَا يُجْبَرُ عَلَى مَا أَرَادَتْهُ؛ لِأَنَّ فِي كَوْنِهَا يَخْدُمُهَا غَيْرُهَا تَوْفِيرًا لَهَا عَلَى حُقُوقِهِ وَتَرَفُّهًا لَهَا وَرَفْعًا لِقَدْرِهَا، وَذَلِكَ يَفُوتُ بِخِدْمَتِهَا لِنَفْسِهَا وَأَمَّا كَوْنُهَا لَا تُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهَا بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ غَرَضَهَا مِنْ الْخِدْمَةِ قَدْ لَا يَحْصُلُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَشِمُ، وَفِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَيْهَا، لِكَوْنِ زَوْجِهَا خَادِمًا لَهَا.
(وَلَوْ اتَّخَذَتْ مَنْ لَا تَخْدُمُ خَادِمًا؛ وَتُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهَا؛ لَمْ يَجُزْ) لَهَا ذَلِكَ (بِلَا إذْنِ زَوْجِهَا) فِيهِ

(وَتَلْزَمُهُ مُؤْنِسَةٌ لِحَاجَةٍ) إلَى ذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ فِي مَكَان مَخُوفٍ؛ أَوْ لَهَا عَدُوٌّ تَخَافُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ تُقِيمَ وَحْدَهَا بِمَكَانٍ لَا تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا فِيهِ، وَتَعْيِينُ الْمُؤْنِسَةِ لِلزَّوْجِ، وَيُكْتَفَى بِتَأْنِيسِهِ هُوَ لَهَا.

وَ (لَا) يَلْزَمُهُ (أُجْرَةُ مَنْ يُوَضِّئُ) زَوْجَةً (مَرِيضَةً) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حَوَائِجِهَا الْمُعْتَادَةِ (بِخِلَافِ رَقِيقِهِ) الْمَرِيضِ (فَيَلْزَمُهُ) أُجْرَةُ مَنْ يُوَضِّئُهُ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْوُضُوءُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ لِمِلْكِهِ إيَّاهُ؛ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَهِيَ لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَلَا دَخْلَ لِلْوُضُوءِ فِيهِ.

[فَصْلٌ الْوَاجِبُ عَلَى الزَّوْجِ دَفْعُ قُوتٍ لِزَوْجَةٍ وَخَادِمِهَا]

فَصْلٌ (وَالْوَاجِبُ) عَلَى الزَّوْجِ (دَفْعُ قُوتٍ) مِنْ خُبْزٍ وَأُدْمٍ وَنَحْوِهِ لِزَوْجَةٍ وَخَادِمِهَا وَكُلِّ مَنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ (لَا) دَفْعُ (بَدَلِهِ) أَيْ: الْقُوتِ مِنْ نَقْدٍ أَوْ فُلُوسٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ عَلَيْهَا إلَى مَنْ يَبْتَاعُهُ لَهَا، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ، أَوْ فِيهِ مَشَقَّةٌ بِخُرُوجِهَا لَهُ أَوْ تَكْلِيفُ مَنْ يَمُنُّ عَلَيْهَا بِهِ (وَلَا دَفْعُ حَبٍّ) ، وَلَا يَلْزَمُهَا قَبُولُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْلِيفِهَا طَحْنَهُ وَعَجْنَهُ وَخَبْزَهُ، وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] قَالَ: الْخُبْزُ وَالزَّيْتُ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ الْخُبْزُ وَالسَّمْنُ وَالْخُبْزُ وَالزَّيْتُ وَالْخُبْزُ وَالتَّمْرُ وَأَفْضَلُ مَا تُطْعِمُوهُنَّ الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْإِيجَابِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ وَلَا تَقْيِيدٍ، فَرَجَعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ، وَهُوَ دَفْعُ الْقُوتِ وَكَنَفَقَةِ الْمَمَالِيكِ؛ فَإِنْ طَلَبَتْ مَكَانَ الْخُبْزِ حَبًّا أَوْ دَقِيقًا أَوْ دَرَاهِمَ وَنَحْوَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ، وَيَكُونُ الدَّفْعُ (أَوَّلَ نَهَارِ كُلِّ يَوْمٍ بِطُلُوعِ شَمْسِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ (وَيَجُوزُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ تَعْجِيلٍ وَتَأْخِيرٍ) عَنْ وَقْتِ وُجُوبٍ (وَ) مِنْ (دَفْعِ عِوَضٍ) كَدَرَاهِمَ عَنْ نَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا (وَلِكُلٍّ) مِنْهُمَا (الرُّجُوعُ) عَنْهُ بَعْدَ التَّرَاضِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ (وَمَا رَضِيَتْهُ) الزَّوْجَةُ (حَبًّا فَعَلَيْهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (أُجْرَةُ طَحْنِهِ وَخَبْزِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَئُونَتِهِ؛ وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ (وَلَا يَمْلِكُ الْحَاكِمُ) الَّذِي تَرَافَعَ إلَيْهِ الزَّوْجَانِ (فَرْضَ غَيْرِ الْوَاجِبِ كَدَرَاهِمَ مَثَلًا إلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ؛ فَلَا يُجْبَرُ مَنْ امْتَنَعَ مِنْهُمَا (وَلَا يَلْزَمُهُ فَرْضُهُ) أَيْ الْحَاكِمِ دَرَاهِمَ قَالَ فِي " الْهَدْيِ " أَمَّا فَرْضُ الدَّرَاهِمِ فَلَا أَصْلَ لَهُ فِي كِتَابٍ وَلَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ بِغَيْرِ الرِّضَى عَنْ غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ (وَلَوْ مَعَ شِقَاقٍ وَحَاجَةٍ كَغَائِبٍ) . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " عَنْ قَوْلِ " الْهَدْيِ " وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ مَعَ عَدَمِ الشِّقَاقِ وَعَدَمِ الْحَاجَةِ فَأَمَّا مَعَ الشِّقَاقِ وَالْحَاجَةِ كَالْغَائِبِ مَثَلًا فَيَتَوَجَّهُ الْفَرْضُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
(وَلَا يُعْتَاضُ عَنْ) الْوَاجِبِ (الْمَاضِي بِرِبَوِيٍّ كَحِنْطَةٍ عَنْ خُبْزٍ) أَيْ: كَمَا لَوْ عَوَّضَهَا (عَنْ الْخُبْزِ حِنْطَةً أَوْ دَقِيقًا) ؛ فَلَا يَصِحُّ وَلَوْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رِبًا.

(وَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (الِاحْتِسَابُ بِدَيْنِهِ عَلَى) زَوْجَةٍ (مُوسِرَةٍ) بِالدَّيْنِ (مَكَانُ النَّفَقَةِ) لِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُوسِرَةً فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا بِدَيْنِهِ مِنْ نَفَقَتِهَا؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ إنَّمَا يَكُونُ بِمَا فَضَلَ عَنْ الْكِفَايَةِ.

(وَالْوَاجِبُ دَفْعُ نَحْوِ كِسْوَةٍ) كَسِتَارَةٍ يَحْتَاجُ إلَيْهَا (وَغِطَاءٍ وَوِطَاءٍ أَوَّلِ كُلِّ عَامٍ مِنْ زَمَنِ وُجُوبٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فَيُعْطِيهَا السَّنَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَرْدِيدُ الْكِسْوَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا، بَلْ هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ يُسْتَدَامُ إلَى أَنْ: يَبْلَى (وَتَمْلِكُ) زَوْجَةٌ (ذَلِكَ) أَيْ: وَاجِبَ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ (بِقَبْضٍ) كَمَا يَمْلِكُ رَبُّ الدَّيْنِ دَيْنَهُ بِقَبْضِهِ (فَلَا بَدَلَ) عَلَى زَوْجٍ (لِمَا سُرِقَ) مِنْ ذَلِكَ (أَوْ بَلِيَ) مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا قَبَضَتْ حَقَّهَا؛ فَلَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهُ كَالدَّيْنِ إذَا وَفَّاهَا إيَّاهُ ثُمَّ رَضَاعٍ مِنْهَا، لَكِنْ لَوْ بُلِيَتْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَبْلَى فِيهِ مِثْلُهَا لَزِمَهُ بَدَلُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ كِسْوَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَمْضِ زَمَنٌ تَبْلَى عَادَةً وَإِنَّمَا بُلِيَتْ فِيهِ لِكَثْرَةِ دُخُولِهَا وَخُرُوجِهَا؛ فَلَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَتْهَا.
(وَتَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ) أَيْ: مَا قَبَضَتْهُ مِنْ وَاجِبِ نَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا عَلَى زَوْجِهَا (عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِهَا) وَلَا يُنْهِكُ بَدَنَهَا مِنْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ وَنَحْوِهِ كَسَائِرِ مَالِهَا، فَإِنْ ضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهَا أَوْ نَقَصَ فِي اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا لَمْ تَمْلِكْهُ، بَلْ تُمْنَعُ مِنْهُ، لِتَفْوِيتِ حَقِّ زَوْجِهَا.

(وَلَا تَمْلِكُ) الزَّوْجَةُ (نَحْوَ مَاعُونٍ) كَقَدَحٍ وَأَوَانٍ مُعَدَّةٍ لِطَعَامٍ (وَمُشْطٍ؛ لِأَنَّهُ إمْتَاعٌ.
قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَإِنْ أَكَلْتِ) الزَّوْجَةُ (مَعَهُ) أَيْ: زَوْجِهَا (عَادَةً أَوْ كَسَاهَا غَيْرُ مُتَبَرِّعٍ بِلَا إذْنِهَا وَلَا إذْنِ وَلِيِّهَا) . وَكَانَ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ (سَقَطَتْ) نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا عَمَلًا بِالْعُرْفِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي نِيَّةِ التَّبَرُّعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ التَّبَرُّعَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَهُوَ أَدْرَى بِنِيَّتِهِ (وَإِنْ أَعْطَاهَا) الزَّوْجُ (شَيْئًا زَائِدًا عَنْ الْكِسْوَةِ كَمَصَاغٍ وَقَلَائِدَ) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (تَبَرُّعًا مَلَكَتْهُ) بِقَبْضِهِ كَسَائِرِ الْهِبَاتِ، وَلَيْسَ لَهُ إذَا فَارَقَهَا أَنْ يُطَالِبَهَا بِهِ لِلُزُومِ الْهِبَةِ بِالْقَبْضِ (وَ) إنْ كَانَ قَدْ أَعْطَاهَا ذَلِكَ (لِتَتَجَمَّلَ بِهِ) كَمَا يُرْكِبُهَا دَابَّتَهُ وَيُخْدِمُهَا غُلَامَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ (فَلَا) تَمْلِكُهُ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ بِشَيْءٍ يَقْتَضِيهِ، (وَ) لَهُ أَنْ (يَرْجِعَ بِهِ مَتَى شَاءَ) سَوَاءٌ فَارَقَهَا أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي كَوْنِهِ لِلتَّجَمُّلِ أَوْ تَمْلِيكًا وَلَا بَيِّنَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ.

(وَمَتَى انْقَضَى الْعَامُ وَالْكِسْوَةُ) الَّتِي قَبَضَتْهَا لِذَلِكَ الْعَامِ (بَاقِيَةٌ فَعَلَيْهِ كِسْوَةٌ لِ) لِعَامٍ (الْجَدِيدِ) ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِمُضِيِّ الزَّمَانِ دُونَ حَقِيقَةِ الْحَاجَةِ كَمَا لَوْ أَنَّهَا بُلِيَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهَا، وَلَوْ أَهْدَى إلَيْهَا كِسْوَةً لَمْ تَسْقُطْ كِسْوَتُهَا، وَكَذَا، لَوْ أَهْدَى إلَيْهَا مَا أَكَلَتْهُ وَبَقِيَ قُوتُهَا إلَى الْغَدِ لَمْ: يَسْقُطْ قُوتُهَا فِيهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) لَوْ انْقَضَى الْعَامُ الْمَقْبُوضُ لَهُ (غِطَاءٌ وَوِطَاءٌ) وَلَمْ يُبْلَيَا فَعَلَيْهِ بَدَلُهُمَا لِلْعَامِ الْجَدِيدِ، كَمَا لَوْ تَلِفَا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ " خِلَافًا لِابْنِ نَصْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ جَعَلَهُمَا، كَمَاعُونِ الدَّارِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (بِخِلَافِ مَاعُونٍ وَمُشْطٍ) إذَا انْقَضَى الْعَامُ وَهُوَ بَاقٍ، فَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهُ اعْتِبَارًا بِحَقِيقَةِ الْحَاجَةِ.
(وَإِنْ قَبَضَتْهَا) أَيْ: الْكِسْوَةَ (ثُمَّ) مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ مُضِيِّ الْعَامِ، أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ مُضِيِّهِ، أَوْ (بَانَتْ قَبْلَ مُضِيِّهِ، رَجَعَ بِقِسْطِ مَا بَقِيَ) مِنْ الْعَامِ، لِتَبَيُّنِ

عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهَا لَهُ (وَكَذَا نَفَقَةٌ تَعَجَّلَتْهَا) بِأَنْ دَفَعَ إلَيْهَا نَفَقَةَ مُدَّةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، ثُمَّ مَاتَ أَوْ مَاتَتْ، أَوْ بَانَتْ قَبْلَ مُضِيِّهَا، فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِسْطِ مَا بَقِيَ (لَكِنْ لَا يَرْجِعُ) زَوْجٌ عَجَّلَ نَفَقَةً (بِبَقِيَّةِ يَوْمِ الْفُرْقَةِ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ بِطُلُوعِ نَهَارِهِ، فَإِنْ أَعَادَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لَمْ يَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُ.
ثَانِيًا اسْتَظْهَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى (إلَّا عَلَى نَاشِزٍ) فِي أَثْنَاءِ يَوْمِ قَبَضَتْ نَفَقَتَهُ؛ فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِبَاقِيهِ، لِتَمَكُّنِهَا مِنْ طَاعَتِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهَا (وَيُرْجَعُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ عَلَى زَوْجَةٍ (بِ) بَقِيَّةِ (نَفَقَتِهَا مِنْ مَالٍ غَائِبٍ بَعْدَ إبَانَةٍ) مِنْ حِينِهَا أَيْ: الْإِبَانَةِ؛ لِارْتِفَاعِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا بِإِبَانَتِهِ إيَّاهَا؛ فَلَا تَسْتَحِقُّ مَا قَبَضَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَقَضَاءِ وَكِيلٍ حَقًّا يَظُنُّهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ، فَبَانَ أَنْ لَا حَقَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَنْفَقَتْ فِي غَيْبَتِهِ، وَبَانَ مَيِّتًا رَجَعَ عَلَيْهَا الْوَارِثُ بِمَا أَنْفَقَتْهُ مُنْذُ مَاتَ لِمَا سَبَقَ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَعَلَى قِيَاسِهِ كُلُّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ شَيْءٌ، وَزَالَتْ الْإِبَاحَةُ بِفِعْلِ اللَّهِ أَوْ بِفِعْلِ الْمُبِيحِ كَالْمُعِيرِ إذَا مَاتَ وَرَجَعَ وَالْمَانِحُ وَأَهْلُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.

(وَمَنْ غَابَ) عَنْ زَوْجَتِهِ مُدَّةً (وَلَمْ يُنْفِقْ) عَلَيْهَا فِيهَا (لَزِمَهُ) نَفَقَةُ الزَّمَنِ (الْمَاضِي) لِاسْتِقْرَارِهَا فِي ذِمَّتِهِ (وَلَوْ لَمْ يَفْرِضْهَا حَاكِمٌ) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا، فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا مَضَى، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ؛ فَلَمْ يَسْقُطْ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ كَأُجْرَةِ الْعَقَارِ (بِخِلَافِ نَفَقَةِ قَرِيبٍ) فَإِنَّهَا صِلَةٌ يُعْتَبَرُ فِيهَا يَسَارُ الْمُنْفِقِ وَإِعْسَارُ مَنْ تَجِبُ لَهُ، وَسَوَاءٌ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ حَاضِرٌ، وَالذِّمِّيَّةُ فِيمَا يَجِبُ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَمَسْكَنٍ كَالْمُسْلِمَةِ، لِعُمُومِ النُّصُوصِ.

[فَصْلٌ مُطَلَّقَةٌ رَجْعِيَّةٌ كَزَوْجَةٍ فِي نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَسُكْنَى]

فَصْلٌ (وَ) مُطَلَّقَةٌ (رَجْعِيَّةٌ) كَزَوْجَةٍ فِي نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَسُكْنَى، لَا فِيمَا يَعُودُ بِنَظَافَتِهَا؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] وَلِأَنَّهُ يَلْحَقُهَا، طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ؛ أَشْبَهَ مَا قَبْلَ الطَّلَاقِ.

(وَبَائِنٌ حَامِلٌ كَزَوْجَةٍ إلَّا فِيمَا يَعُودُ بِنَظَافَتِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وَفِي بَعْضِ أَخْبَارِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «لَا نَفَقَةَ لَكِ إلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا» وَلِأَنَّ الْحَمْلَ وَلَدُ الْمُبِينِ، فَلَزِمَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ؛ وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِنْفَاقٍ عَلَيْهَا، فَوَجَبَ كَأُجْرَةِ الرَّضَاعِ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ وُجُوبِ نَفَقَةِ الْحَامِلِ عَلَى الزَّوْجِ إذَا لَمْ يَزِدْ بَقَاؤُهَا حَامِلًا عَلَى أَكْثَرِ مُدَّتِهِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى أَكْثَرِهَا، وَلَمْ تَضَعْهُ؛ سَقَطَتْ النَّفَقَةُ، لِعَدَمِ لُحُوقِهِ بِهِ

(وَتَجِبُ) النَّفَقَةُ (لِحَمْلِ مُلَاعَنَةٍ) لُوعِنَتْ وَهِيَ حَامِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِ بِلِعَانِهَا إذَنْ (إلَى أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ آخَرَ بَعْدَ وَضْعِهِ) فَإِنْ نَفَاهُ بَعْدَ وَضْعِهِ (فَلَا نَفَقَةَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) لِانْقِطَاعِ نَسَبِهِ عَنْهُ (إلَّا إنْ اسْتَلْحَقَهُ) الْمُلَاعِنُ بَعْدَ نَفْيِهِ (فَ) يَلْحَقُهُ وَ (تَرْجِعُ) عَلَيْهِ (الْأُمُّ بِمَا أَنْفَقَتْهُ) وَبِأُجْرَةِ السَّكَنِ وَالرَّضَاعِ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً عَلَيْهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَعْلَمْهُ ثُمَّ عَلِمَهُ.

(وَمَنْ أَنْفَقَ) عَلَى بَائِنٍ مِنْهُ (يَظُنُّهَا حَامِلًا، فَبَانَتْ حَائِلًا) غَيْرَ حَامِلٍ (رَجَعَ) عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا لِأَخْذِهَا مِنْهُ مَا لَا تَسْتَحِقُّهُ، كَأَخْذِ دَيْنٍ ادَّعَاهُ، ثُمَّ ظَهَرَ كَذِبُهُ، وَكَذَا إنْ ادَّعَتْهُ رَجْعِيَّتُهُ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ عِدَّتِهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ عَدَمُهُ رَجَعَ بِالزَّائِدِ.

(وَمَنْ تَرَكَهُ) أَيْ الْإِنْفَاقَ عَلَى مُبَانَةٍ (يَظُنُّهَا حَائِلًا، فَبَانَتْ حَامِلًا، لَزِمَهُ)

نَفَقَةُ (مَا مَضَى) لِتَبَيُّنِ اسْتِحْقَاقِهَا لِلنَّفَقَةِ فِيهِ، فَتَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهَا كَالدَّيْنِ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ قُلْنَا النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ، وَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ.
(وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَى مُبِينٍ تَرَكَهُ يَظُنُّهَا حَائِلًا فَبَانَتْ حَامِلًا إذَا كَانَ مُوسِرًا حَاضِرًا (لَا) إنْ كَانَ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ مِنْ غَائِبٍ (أَوْ) حَاضِرٍ (مُعْسِرٍ وَلَمْ تُفْرَضْ) أَيْ: لَمْ يَفْرِضْهَا حَاكِمٌ، فَلَا تَلْزَمُهُ (أَوْ لَمْ تُنْفِقْ) الزَّوْجَةُ (بِنِيَّةِ) رُجُوعٍ؛ بَلْ مُتَبَرِّعَةٍ أَوْ لَمْ تَنْوِ شَيْئًا، أَمَّا لَوْ أَنْفَقَتْ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا، لِقِيَامِهَا عَنْهُ بِوَاجِبٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَمَنْ) أَيْ: مُبَايَنَةٌ وَنَحْوُهَا (ادَّعَتْ حَمْلًا) دُونَ ثَلَاثِ أَشْهُرٍ (وَجَبَ) عَلَيْهِ (إنْفَاقُ تَمَامِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ ابْتِدَاءِ زَمَنٍ ذَكَرَتْ أَنَّهَا حَامِلٌ) مِنْهُ (فَإِنْ مَضَتْ) الثَّلَاثَةُ أَشْهُرٍ (وَلَمْ يَبِنْ) الْحَمْلُ كَأَنْ أُرِيَتْ الْقَوَابِلَ فَقُلْنَ لَيْسَ بِهَا حَمْلٌ (أَوْ حَاضَتْ) وَلَوْ قَبْلَ مُضِيِّهَا (رَجَعَ عَلَيْهَا) بِنَظِيرِ مَا أَنْفَقَهُ سَوَاءٌ دَفَعَ إلَيْهَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ أَوْ بِغَيْرِهِ شَرَطَ لَهَا نَفَقَةً أَوْ لَمْ يَشْرِطْ ذَلِكَ، لِتَبَيُّنِ عَدَمِ وُجُوبِهِ.
وَإِنْ ادَّعَتْ حَمْلًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أُرِيَتْ الْقَوَابِلَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَادَةً بَعْدَهَا، (فَإِنْ شَهِدَتْ بِهَا الْقَوَابِلُ، أَنْفَقَ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَلَا بِخِلَافِ نَفَقَةٍ فِي نِكَاحٍ تَبَيَّنَ فَسَادُهُ) لِنَحْوِ رَضَاعٍ أَوْ عِدَّةٍ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِمَا أَنْفَقَ، سَوَاءٌ كَانَتْ النَّفَقَةُ قَبْلَ مُفَارَقَتِهَا أَوْ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِالِاتِّفَاقِ، (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا) فَهُوَ مُفَرِّطٌ؛ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ (وَ) بِخِلَافِ نَفَقَةٍ (عَلَى أَجْنَبِيَّةٍ) لَمْ نَأْذَنْ (فَلَا رُجُوعَ) لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ.

(وَالنَّفَقَةُ) عَلَى الْحَامِلِ (لِلْحَمْلِ) نَفْسِهِ، لَا لَهَا مِنْ أَجْلِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ بِوُجُودِهِ وَتَسْقُطُ عِنْدَ انْقِضَائِهِ؛ قَالَ الْبُهُوتِيُّ قُلْت: فَلَوْ مَاتَ بِبَطْنِهَا انْقَطَعَتْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ لِمَيِّتٍ (فَتَجِبُ) النَّفَقَةُ (لِنَاشِزٍ حَامِلٍ) ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ فَلَا تَسْقُطُ بِنُشُوزِ أُمِّهِ

(وَ) تَجِبُ (لِحَامِلٍ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ) لِلُحُوقِ نَسَبِهِ فِيهِمَا (وَ) لِحَامِلٍ فِي (مِلْكِ يَمِينٍ وَلَوْ أَعْتَقَهَا) ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ وَهُوَ وَلَدُهُ.
(وَ) تَجِبُ (عَلَى وَارِثٍ) حَمْلٌ (مِنْ زَوْجٍ) أَوْ سَيِّدٍ أَوْ وَاطِئٍ بِشُبْهَةِ (مَيِّتٍ) لِلْقَرَابَةِ، (وَ) تَجِبُ نَفَقَةُ حَامِلٍ (مِنْ مَالٍ حَمْلٍ مُوسِرٍ) بِأَنْ كَانَ قَدْ وَصَّى لَهُ بِشَيْءٍ وَقَبِلَهُ لَهُ أَبُوهُ (فَتَسْقُطُ عَنْ أَبِيهِ) وَعَنْ وَارِثَةٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُوسِرًا.
وَالْمُوسِرُ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ

(وَلَوْ تَلِفَتْ) نَفَقَةُ حَامِلٍ بِلَا تَفْرِيطٍ (وَجَبَ) عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ الْحَمْلِ (بَدَلُهَا) ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ؛ فَلَا تَضْمَنُهَا (وَلَا فِطْرَةَ لَهَا) ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ، وَالْحَمْلُ لَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ.

(وَيَصِحُّ جَعْلُ نَفَقَةِ الْحَامِلِ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ) ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمَالِكَةِ لَهَا، وَلِأَنَّهَا الَّتِي تَقْبِضُهَا وَتَسْتَحِقُّهَا وَتَتَصَرَّفُ فِيهَا؛ فَإِنَّهَا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ هِيَ الْآكِلَةُ لَهَا، وَبَعْدَ الْوِلَادَةِ هِيَ أُجْرَةُ رَضَاعِهَا إيَّاهُ، وَهِيَ الْآخِذُ لَهَا.

(وَلَا تَجِبُ) نَفَقَةُ حَمْلٍ (عَلَى زَوْجِ رَقِيقٍ) لِوَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حُرًّا، فَنَفَقَتُهُ عَلَى وَارِثِهِ بِشَرْطِهِ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا فَعَلَى مَالِكِهِ (أَوْ مُعْسِرٍ أَوْ غَائِبٍ) أَيْ: لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ حَمْلِهِ، بَلْ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ كَالْمَوْلُودِ.

(وَلَا) تَجِبُ نَفَقَةُ حَمْلٍ (عَلَى وَارِثِ) الْحَمْلِ كَأَخِيهِ (مَعَ عُسْرِ زَوْجٍ) هُوَ أَبُوهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ بِالْأَبِ، وَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْأَبِ لِإِعْسَارِهِ.
قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْت: بَلْ تَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِ الْحَمْلِ كَأُمِّهِ وَجَدِّهِ وَجَدَّتِهِ؛ لِأَنَّ عَمُودَيْ النَّسَبِ تَجِبُ عَلَيْهِمَا النَّفَقَةُ وَإِنْ حَجَبَهُ مُعْسِرٌ كَمَا يَأْتِي.

(وَتَسْقُطُ) نَفَقَةُ حَمْلٍ (بِمُضِيِّ الزَّمَانِ) كَسَائِرِ الْأَقَارِبِ (مَا لَمْ تَسْتَدِنْ) حَامِلٌ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْحَمْلِ (وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) لَوْ كَانَتْ اسْتِدَانَتُهَا (بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ) فَتَرْجِعُ؛ لِقِيَامِهَا عَنْهُ بِوَاجِبٍ.
نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ هَاشِمٍ عَنْ الْإِمَامِ، وَذَكَرَهُ فِي الْإِرْشَادِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ، (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى "

وَالْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُمَا قَالَا: مَا لَمْ تَسْتَدِنْ بِإِذْنِ حَاكِمٍ.
وَهَذَا الْقَيْدُ تَبِعَا فِيهِ صَاحِبَ " التَّنْقِيحِ " وَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مُتَّجِهٌ صَحِيحٌ (أَوْ تُنْفِقُ بِنِيَّةِ رُجُوعٍ) إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ؛ فَتَرْجِعُ؛ لِأَنَّهَا صَنَعَتْ مَعْرُوفًا بِأَدَائِهَا مَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِهَا عَنْهُ.

(وَإِنْ وُطِئَتْ) مُطَلَّقَةٌ (رَجْعِيَّةٌ بِشُبْهَةٍ أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، ثُمَّ بَانَ بِهَا حَمْلٌ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُمَا) أَيْ: الْمُطَلِّقِ وَالْوَاطِئِ (فَنَفَقَتُهَا حَتَّى تَضَعَ عَلَيْهَا، لَا عَلَى الزَّوْجِ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَهُوَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَعَلَيْهِمَا النَّفَقَةُ بَعْدَ الْوَضْعِ حَتَّى يَتَمَيَّزَ الْأَبُ مِنْهُمَا (وَلَا تَرْجِعُ عَلَى زَوْجِهَا) إذَا تَرَكَ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا نَفَقَةُ قَرِيبٍ (كَبَائِنٍ مُعْتَدَّةٍ) وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ (وَمَتَى ثَبَتَ نَسَبُهُ) أَيْ: الْحَمْلِ (مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ: مِنْ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ الْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ (رَجَعَ عَلَيْهِ الْآخَرُ) الَّذِي لَمْ يَلْحَقْ بِهِ (بِمَا أَنْفَقَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَنْفَقَ؛ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْحَمْلِ مِنْهُ لَا مُتَبَرِّعًا، فَإِذَا ثَبَتَ لِغَيْرِهِ مَلَكَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ.
وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ الزَّوْجَةَ إذَا حَمَلَتْ مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا عَلَى الْوَاطِئِ دُونَ زَوْجِهَا، إذْ الرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ، فَلَوْلَا سُقُوطُ نَفَقَتِهَا بِالْحَمْلِ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ لَرَجَعَتْ عَلَى مُطَلِّقِهَا بِنَفَقَتِهَا.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا زَوْجَةُ الْكَافِرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا أَسْلَمَتْ وَلَمْ يُسْلِمْ زَوْجُهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَإِنَّ الْبَيْنُونَةَ ثَبَتَتْ مِنْ حِينِ اخْتِلَافِ الدِّينِ، وَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ.
أَفَادَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ.

(وَلَا نَفَقَةَ لِبَائِنٍ غَيْرِ حَامِلٍ) لِمَا رَوَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: «أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ لَهَا وَكِيلَهُ بِشَعْرٍ فَخَطَّتْهُ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَك عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَيْسَ لَك عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَلَا سُكْنَى، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اُنْظُرِي يَا بِنْتَ قَيْسٍ إنَّمَا النَّفَقَةُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا مَا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ؛ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّجْعَةُ فَلَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَثْرَمُ وَالْحُمَيْدِيُّ.
وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى مُرَادَهُ، وَلَا شَيْءَ يَدْفَعُ ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6] .

(وَلَا نَفَقَةَ مِنْ تَرِكَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا) زَوْجُهَا وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ تَجِبُ لِلتَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَقَدْ فَاتَ.
(وَنَفَقَةُ الْحَمْلِ مِنْ نَصِيبِهِ) ، فَيُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ نَصِيبِ (كَ) مَا نَقَلَهُ الْكَحَّالُ فِي (حَمْلِ أُمِّ الْوَلَدِ) فِي أَنَّهَا تُنْفِقُ مِنْ مَالِ حَمْلِهَا نَصًّا، وَاسْتَشْكَلَهُ الْمَجْدُ بِأَنَّ الْحَمْلَ إنَّمَا يَرِثُ بِشَرْطِ خُرُوجِهِ حَيًّا، وَيُوقَفُ نَصِيبُهُ فَكَيْفَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَبْلَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا النَّصَّ يَشْهَدُ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ بِالْإِرْثِ مِنْ حِينِ مَوْتِ مُورِثِهِ، وَإِنَّمَا خُرُوجُهُ حَيًّا يَتَبَيَّنُ بِهِ وُجُودُ ذَلِكَ، فَإِذَا حَكَمْنَا لَهُ بِالْمِلْكِ ظَاهِرًا جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، لَا سِيَّمَا وَالنَّفَقَةُ عَلَى أُمِّهِ يَعُودُ نَفْعُهَا إلَيْهِ كَمَا يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ الْمَفْقُودِ (خِلَافًا لِلْمُنْتَهَى) فِيمَا يُوهَمُ (وَعِبَارَتُهُ وَلَا نَفَقَةَ) لِبَائِنٍ غَيْرِ حَامِلٍ وَلَا مِنْ تَرِكَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَوْ لِأُمِّ وَلَدٍ انْتَهَى.
فَكَأَنَّهُ مَشَى عَلَى مَا نَقَلَهُ حَرْبٌ وَابْنُ بُخْتَانَ مِنْ أَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ مَرْجُوحَةٌ.

[فَصْلٌ مَا يَلْزَم الزَّوْج مِنْ تُسَلِّمهُ زَوْجَته]

فَصْلٌ: (وَمَتَى تَسَلَّمَ) زَوْجٌ (مَنْ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا) وَهِيَ الَّتِي يُوطَأُ مِثْلُهَا (كَبِنْتِ تِسْعٍ) فَأَكْثَرَ لَزِمَهُ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا (أَوْ بَذَلَتْهُ) أَيْ: تُسَلِّمُ نَفْسَهَا لِلزَّوْجِ تَسْلِيمًا تَامًّا بِأَنْ لَا تُسَلِّمَ فِي مَكَان دُونَ آخَرَ، أَوْ: بَلَدٍ دُونَ آخَرَ (هِيَ أَوْ وَلِيٌّ لَهَا، وَيَتَّجِهُ) إنْ كَانَ الْبَذْلُ حَصَلَ مِنْهَا أَوْ مِنْ وَلِيِّهَا (فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ) إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْبَذْلِ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ كَعَدَمِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (لِمَحَلِّ طَاعَتِهِ) أَيْ: بَذَلَتْ نَفْسَهَا حَيْثُ شَاءَ مِمَّا يَلِيقُ بِهَا (وَلَوْ مَعَ صِغَرِ زَوْجٍ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ عُنَّتِهِ أَوْ جَبِّ ذَكَرِهِ) أَيْ: قَطْعَهُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بِهِ (أَوْ) مَعَ (تَعَذُّرِ وَطْءٍ مِنْهَا لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ رَتْقٍ أَوْ لِقَرْنٍ أَوْ لِكَوْنِهَا نِضْوَةً) أَيْ: نَحِيفَةً (أَوْ مَرِيضَةً أَوْ حَدَثَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ؛ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» وَيُجْبَرُ وَلِيٌّ مَعَ صِغَرِ زَوْجٍ عَلَى بَذْلِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ لِنِيَابَتِهِ عَنْهُ فِي أَدَاءِ وَاجِبَاتِهِ كَأُرُوشِ جِنَايَاتِهِ وَدُيُونِهِ (لَكِنْ لَوْ امْتَنَعَتْ) زَوْجَةٌ مِنْ بَذْلِ نَفْسِهَا وَهِيَ صَحِيحَةٌ (ثُمَّ مَرِضَتْ فَبَذَلَتْهُ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) مَا دَامَتْ مَرِيضَةً، عُقُوبَةً لَهَا بِمَنْعِهَا نَفْسَهَا فِي حَالٍ يُمْكِنُهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِيهَا وَبَذْلِهَا فِيهَا فِي ضِدِّهَا.

(وَمَنْ بَذَلَتْهُ) أَيْ: التَّسْلِيمَ (وَزَوْجُهَا غَائِبٌ فَلَا نَفَقَةَ، أَيْ: لَمْ يَفْرِضْ لَهَا) حَاكِمٌ شَيْئًا (لَوْ.
قُلْنَا بِهِ) أَيْ: الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهَا بَذَلَتْ نَفْسَهَا فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُ زَوْجُهَا تَسَلُّمَهَا

فِيهِ (حَتَّى يُرَاسَلَهُ حَاكِمٌ) بِأَنْ يَكْتُبَ إلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ، فَيُعْلِمُهُ، وَيَسْتَدْعِيهِ (وَيَتَّجِهُ أَوْ) يُرَاسِلُهُ (غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْحَاكِمِ، كَمَا لَوْ رَاسَلَتْهُ هِيَ أَوْ وَلِيُّهَا لَكِنْ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: لَوْ رَاسَلَتْهُ هِيَ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِ حَاكِمٍ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُفْرَضُ لَهَا (وَيَمْضِي زَمَنٌ يُمْكِنُ قُدُومُهُ) أَيْ: الْغَائِبِ (فِي مِثْلِهِ) أَيْ: مِثْلِ ذَلِكَ الزَّمَنِ.
فَإِنْ سَارَ إلَيْهَا أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَجُوزُ لَهُ حَمْلُهَا إلَيْهِ، وَجَبَتْ النَّفَقَةُ حِينَئِذٍ بِوُصُولِهِ أَوْ وُصُولِ وَكِيلِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَرَضَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ نَفَقَتَهَا مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يُمْكِنُ وُصُولُهُ إلَيْهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ امْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهَا؛ لِإِمْكَانِهِ وَبَذْلِهَا إيَّاهُ فَتَسْتَحِقُّ أَخْذَ نَفَقَتِهَا كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا.
فَأَمَّا إنْ غَابَ الزَّوْجُ بَعْدَ تَمْكِينِهَا إيَّاهُ وَوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ؛ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ، بَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ غَيْبَتِهِ؛ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ بِالتَّمْكِينِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يُسْقِطُهُ، وَإِنْ تَسَلَّمَ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ الَّتِي يُمْكِنُ وَطْؤُهَا أَوْ الْمَجْنُونَةَ الَّتِي يُوطَأُ مِثْلُهَا وَلَوْ بِدُونِ إذْنِ وَلِيِّهَا؛ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا كَالْكَبِيرَةِ وَالْعَاقِلَةِ.
وَمَنْ امْتَنَعَتْ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا.
أَوْ مَنَعَهَا غَيْرُهَا وَلِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (بَعْدَ دُخُولٍ وَلَوْ لِقَبْضِ صَدَاقِهَا) الْحَالِّ (فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) وَكَذَا إنْ تَسَاكَنَا بَعْدَ الْعَقْدِ، فَلَمْ تَبْذُلْ نَفْسَهَا هِيَ أَوْ وَلِيُّهَا، وَلَمْ يَطْلُبْهَا الزَّوْجُ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِنْ طَالَ مُقَامُهَا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ الْمُسْتَحَقِّ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، فَإِذَا وُجِدَ اسْتَحَقَّتْ، وَإِذَا فُقِدَ لَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا.
وَإِنْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا قَبْلَهُ أَيْ: الدُّخُولِ حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَّ؛ فَلَهَا ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهَا، قَبْلَ تَسْلِيمِ صَدَاقِهَا يُفْضِي إلَى تَسْلِيمِ مَنْفَعَتِهَا الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا بِالْوَطْءِ ثُمَّ لَا تُسَلِّمُ صَدَاقَهَا فَلَا يُمْكِنُهَا الرُّجُوعُ فِيمَا إذَا اُسْتُوْفِيَ مِنْهَا بِخِلَافِ الْمَبِيعِ إذَا تَسَلَّمَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَعْسَرَ بِثَمَنِهِ؛ فَإِنَّهُ

يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا فَعَلَتْ مَا لَهَا أَنْ تَفْعَلَهُ، وَلَوْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا لِمَرَضٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ امْتِنَاعَهَا لِقَبْضِ صَدَاقِهَا امْتِنَاعٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، فَهُوَ يُشْبِهُ تَعَذُّرَ الِاسْتِمْتَاعِ لِصِغَرِ الزَّوْجِ، بِخِلَافِ الِامْتِنَاعِ لِمَرَضِهَا؛ لِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ مِنْ جِهَتِهَا فَهُوَ يُشْبِهُ تَعَذُّرَ الِاسْتِمْتَاعِ لِصِغَرِهَا.

(وَمَنْ سَلَّمَ أَمَتَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا فَ) هِيَ (كَحُرَّةٍ فِي نَفَقَةٍ) يَعْنِي فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَى زَوْجِهَا نَفَقَتُهَا كَالْحُرَّةِ؛ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ الْبَالِغِينَ، وَالْأَمَةُ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِهِنَّ (وَلَوْ أَبَى زَوْجٌ) مِنْ تَسْلِيمِهَا نَهَارًا؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ مُمَكِّنَةٌ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَجَبَ عَلَى زَوْجِهَا نَفَقَتُهَا كَالْحُرَّةِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ زَوْجُهَا مَمْلُوكًا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَتَوَابِعَهَا عِوَضٌ وَاجِبٌ فِي النِّكَاحِ؛ فَوَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ كَالْمَهْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا عِوَضٌ أَنَّهَا تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ، وَلِهَذَا تَسْقُطُ عَنْ الْحُرِّ بِفَوَاتِ التَّمْكِينِ وَبِذَلِكَ فَارَقَتْ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ، وَحَيْثُ ثَبَتَ وُجُوبُهَا عَلَى الْمَمْلُوكِ؛ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ سَيِّدَهُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ أَذِنَ فِي النِّكَاحِ الْمُفْضِي إلَى إيجَابِ النَّفَقَةِ.
(وَ) مَنْ سَلَّمَ أَمَتَهُ لِزَوْجِهَا (لَيْلًا فَقَطْ؛ فَنَفَقَةُ نَهَارٍ عَلَى سَيِّدٍ) وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ مَمْنُوعٌ مِنْهَا فِيهِ فَتَكُونُ عَلَى سَيِّدِهَا؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ (وَ) نَفَقَةُ (لَيْلٍ كَعَشَاءٍ وَوِطَاءٍ وَغِطَاءٍ وَدُهْنِ مِصْبَاحٍ وَوِسَادَةٍ عَلَى زَوْجٍ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ حَاجَةِ اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ، وَهِيَ مُسَلِّمَةٌ لَهُ فِيهِ (وَلَا يَصِحُّ شَرْطُ تَسْلِيمِهَا نَهَارًا فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلتَّفَرُّغِ لِلِاسْتِمْتَاعِ وَالِاحْتِيَاجِ لِلْإِينَاسِ، وَلِهَذَا كَانَ عِمَادُ قَسْمِ الزَّوْجَاتِ اللَّيْلَ (وَيَتَّجِهُ إلَّا) أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطُ تَسْلِيمِهَا نَهَارًا (لِحَارِسٍ) فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ قَائِمٌ مَقَامَ اللَّيْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَلَا نَفَقَةَ لِ) زَوْجَةٍ (نَاشِزٍ) غَيْرِ حَامِلٍ (مُكَلَّفَةٍ أَوْ لَا، وَلَوْ) كَانَ

نُشُوزُهَا (بِتَزَوُّجِهَا فِي الْعِدَّةِ) الرَّجْعِيَّةِ قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الرَّجْعِيَّةُ فِي عِدَّتِهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ لَا تَصِيرُ بِهِ فِرَاشًا لِلثَّانِي، وَلَا تَنْقَطِعُ بِهِ عِدَّةُ الْأَوَّلِ، وَلَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا نَاشِزٌ بِتَزَوُّجِهَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُجَرَّدِ " (أَوْ حَبَسَهَا لَهُ) أَيْ: لِزَوْجِهَا (بِحَقِّهَا) عَلَيْهِ (مَعَ إعْسَارِهِ) فَلَا نَفَقَةَ لَهَا مُدَّةَ حَبْسِهِ؛ لِأَنَّهَا ظَالِمَةٌ مَانِعَةٌ لَهُ مِنْ التَّمْكِينِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ مَا حَبَسَتْهُ عَلَيْهِ فَمَنَعَهُ بُعْدُ الطَّلَبِ؛ فَلَهَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ حَبْسِهِ إذَا كَانَتْ بَاذِلَةً لِلتَّمْكِينِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لَا مِنْهَا.

(وَتُشْطَرُ) النَّفَقَةُ (لِنَاشِزٍ لَيْلًا) بِأَنْ تُطِيعَ نَهَارًا وَتَمْتَنِعَ لَيْلًا (أَوْ نَاشِزٍ نَهَارًا) فَقَطْ بِأَنْ تُطِيعَهُ لَيْلًا وَتَعْصِيَهُ نَهَارًا؛ فَتُعْطَى نِصْفَ نَفَقَتِهَا (أَوْ) نَاشِزٍ (بَعْضَ أَحَدِهِمَا) أَيْ: اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ فَتُعْطَى نِصْفَ نَفَقَتِهَا أَيْضًا، لَا بِقَدْرِ الْأَزْمِنَةِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْأَزْمِنَةِ يَعْسُرُ جِدًّا.

(وَبِمُجَرَّدِ إسْلَامِ) زَوْجَةٍ (مُرْتَدَّةٍ مَدْخُولٍ بِهَا) تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا (وَبِمُجَرَّدِ إسْلَامِ مَجُوسِيَّةٍ) وَنَحْوِهَا (مُتَخَلِّفَةٍ) عَنْ زَوْجِهَا فِي عِدَّتِهَا بِأَنْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا (وَلَوْ فِي غَيْبَةِ زَوْجٍ؛ تَلْزَمُهُ) نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّ إسْقَاطَ النَّفَقَةِ فِيهِمَا لِحُصُولِ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا كَسُقُوطِهَا بِالطَّلَاقِ، فَإِذَا رَجَعَتْ عَنْ ذَلِكَ، فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ فَعَادَتْ النَّفَقَةُ، وَلَا تَلْزَمُ زَوْجًا غَائِبًا النَّفَقَةُ (إنْ أَطَاعَتْ نَاشِزٌ) فِي غَيْبَتِهِ (حَتَّى يَعْلَمَ) الزَّوْجُ بِطَاعَتِهَا (وَيَمْضِيَ مَا) أَيْ: زَمَنٌ (يَقْدُمُ) الزَّوْجُ (فِي مِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّمْكِينِ؛ فَالْمَنْعُ مُسْتَمِرٌّ فِي جِهَتِهِ، فَإِذَا قَدِمَ وَعَلِمَ؛ عَادَتْ النَّفَقَةُ؛ لِحُصُولِ التَّمْكِينِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدُمْ وَمَضَى زَمَنٌ يَقْدُمُ فِي مِثْلِهِ؛ عَادَتْ النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ حِينَئِذٍ مِنْ جِهَتِهِ.

(وَلَا نَفَقَةَ لِمَنْ سَافَرَتْ بِلَا زَوْجٍ لِحَاجَتِهَا) وَلَوْ بِإِذْنِهِ، (أَوْ) سَافَرَتْ (لِنُزْهَةٍ) وَلَوْ بِإِذْنِهِ (أَوْ) سَافَرَتْ (لِزِيَارَةٍ وَلَوْ بِإِذْنِهِ) لِتَفْوِيتِهَا التَّمْكِينَ لِحَظِّ نَفْسِهَا وَقَضَاءِ إرْبِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا مَعَهَا مُتَمَكِّنًا مِنْهَا (أَوْ) سَافَرَتْ (لِتَغْرِيبٍ) بِأَنْ زَنَتْ فَغُرِّبَتْ، وَكَذَا لَوْ قَطَعَتْ الطَّرِيقَ فَشَرَدَتْ؛ فَلَا نَفَقَةَ؛ لِعَدَمِ التَّمْكِينِ (أَوْ حُبِسَتْ) عَنْ زَوْجِهَا (وَلَوْ) كَانَ حَبْسُهَا (ظُلْمًا) فَتَسْقُطُ نَفَقَتُهَا زَمَنَ حَبْسِهَا؛ لِفَوَاتِ التَّمْكِينِ الْمُقَابِلِ لِلنَّفَقَةِ؛ لِلزَّوْجِ الْبَيْتُوتَةُ مَعَهَا فِي حَبْسِهَا؛ لِثُبُوتِ حَقِّهِ بِالْبَيْتُوتَةِ مَعَهَا؛ فَلَا يَسْقُطُ بِحَبْسِهَا (أَوْ صَامَتْ لِكَفَّارَةٍ، أَوْ) صَامَتْ (لِقَضَاءِ رَمَضَانَ وَوَقْتِهِ) أَيْ: الْقَضَاءِ (مُتَّسَعٌ.
وَيَتَّجِهُ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا) قَضَاءُ صَوْمٍ (بِلَا إذْنِهِ) ؛ لِأَنَّهَا فَعَلَتْ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (أَوْ صَامَتْ) نَفْلًا (أَوْ حَجَبَتْ نَفْلًا) فَتَسْقُطُ نَفَقَتُهَا لِمَنْعِ نَفْسِهَا بِسَبَبٍ لَا مِنْ جِهَتِهِ، أَوْ صَامَتْ (أَوْ) حَجَّتْ (نَذْرًا مُعَيَّنًا فِي وَقْتِهِ فِيهِمَا) أَيْ: الصَّوْمِ وَالْحَجِّ (بِلَا إذْنِهِ) ، وَلَوْ أَنَّ نَذْرَهُمَا بِإِذْنِهِ (لِتَفْوِيتِهَا حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِاخْتِيَارِهَا) بِالنَّذْرِ الَّذِي لَمْ يُوجِبْهُ الشَّرْعُ عَلَيْهَا وَلَا نَدَبَهَا إلَيْهِ (بِخِلَافِ مَنْ أَحْرَمَتْ) مِنْ الزَّوْجَاتِ (بِحَجِّ فَرْضٍ وَيَتَّجِهُ) اعْتِبَارُ كَوْنِ الْإِحْرَامِ (مِنْ مِيقَاتٍ إنْ كَانَ الزَّوْجُ مَعَهَا) فَلَوْ أَحْرَمَتْ قَبْلَ وُصُولِهَا الْمِيقَاتِ، أَوْ أَحْرَمَتْ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا زَوْجٌ، أَوْ أَحْرَمَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ؛ فَكَالْمُحْرِمَةِ بِتَطَوُّعٍ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِفِعْلِهَا غَيْرَ الْمَشْرُوعِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَقَدْرُهَا أَيْ: النَّفَقَةِ (فِيهِ) أَيْ: فِي سَفَرِهَا لِحَجِّ الْفَرْضِ (كَ) نَفَقَةِ (حَضَرٍ) وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ عَلَيْهِ (أَوْ) أَحْرَمَتْ (بِمَكْتُوبَةِ) صَلَاةٍ (وَلَوْ بِأَوَّلِ وَقْتِهَا بِنَفْسِهَا) لِفِعْلِهَا، وَمَا

أَوْجَبَ الشَّرْعُ عَلَيْهَا وَنَدَبَهَا، إلَيْهِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ (أَوْ) سَافَرَتْ (لِحَاجَتِهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (بِإِذْنِهِ) فَلَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا سَافَرَتْ فِي شُغْلِهِ وَمُرَادَهُ؛ (أَوْ) طَرَدَهَا الزَّوْجُ وَ (أَخْرَجَهَا مِنْ مَنْزِلِهِ) فَلَهَا النَّفَقَةُ؛ لِوُجُودِ التَّمْكِينِ مِنْهَا، وَإِنَّمَا الْمَانِعُ مِنْهُ (وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ (وَلَا بَيِّنَةَ) لِأَحَدِهِمَا بِمَا ادَّعَاهُ (فِي بَذْلِ تَسْلِيمِ) زَوْجَةٍ لِزَوْجٍ (أَوْ) اخْتَلَفَا (فِي وَقْتِهِ) بِأَنْ قَالَتْ: بَذَلْت التَّسْلِيمَ مِنْ سَنَةٍ، فَقَالَ: بَلْ مِنْ شَهْرٍ (حَلَفَ) زَوْجٌ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّسْلِيمِ (وَ) إنْ اخْتَلَفَا (فِي نُشُوزِهَا) بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِالتَّسْلِيمِ، حَلَفَتْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ، (وَ) كَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي (أَخْذِ نَفَقَةٍ) كَدَعْوَى الزَّوْجِ أَنَّهَا أَخَذَتْ نَفَقَتَهَا وَأَنْكَرَتْ (حَلَفَتْ) ؛ لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ، وَالْأَصْلُ مَعَهَا، لَكِنْ لَوْ كَانَتْ مَثَلًا بِدَارِ أَبِيهَا، وَادَّعَتْ أَنَّهَا خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، وَابْنُ الْقَيِّمِ (فِي النَّفَقَةِ: الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الْعُرْفُ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ، وَالْغَالِبُ أَنَّهَا تَكُونُ رَاضِيَةً، وَإِنَّمَا تُطَالِبُهُ عِنْدَ الشِّقَاقِ (وَيَتَّجِهُ) مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَابْنُ الْقَيِّمِ (هُوَ الصَّوَابُ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلْعَدْلِ، لَكِنَّ الْمَذْهَبَ مَا تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ مَتَى أَعْسَرَ زَوْجٌ بِنَفَقَةِ مُعْسِرٍ فَلَمْ يَجِدْ الْقُوتَ أَوْ أَعْسَرَ بِكِسْوَتِهِ]

فَصْلٌ (وَمَتَى أَعْسَرَ) زَوْجٌ (بِنَفَقَةِ مُعْسِرٍ) فَلَمْ يَجِدْ الْقُوتَ (أَوْ) أَعْسَرَ (بِكِسْوَتِهِ) أَيْ: الْمُعْسِرِ (أَوْ) أَعْسَرَ (بِبَعْضِهِمَا) أَيْ: بَعْضِ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ أَوْ بَعْضِ كِسْوَتِهِ (أَوْ) أَعْسَرَ (بِمَسْكَنِهِ) أَيْ: الْمُعْسِرِ خُيِّرَتْ (أَوْ صَارَ) الزَّوْجُ (لَا يَجِدُ نَفَقَةً)

لِزَوْجَتِهِ (لَا يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ خُيِّرَتْ) الزَّوْجَةُ لِلُحُوقِ الضَّرَرِ الْغَالِبِ بِذَلِكَ بِهَا إذْ الْبَدَنُ لَا يَقُومُ بِدُونِ كِفَايَتِهِ (وَلَوْ غَيْرَ حُرَّةٍ مُكَلَّفَةٍ) إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا حُرَّةً بَالِغَةً رَشِيدَةً أَوْ رَقِيقَةً أَوْ سَفِيهَةً أَوْ صَغِيرَةً (دُونَ سَيِّدِهَا أَوْ وَلِيِّهَا) فَلَا خِيرَةَ لَهُ؛ وَلَوْ كَانَتْ مَجْنُونَةً؛ لِاخْتِصَاصِ الضَّرَرِ بِهَا (بَيْنَ فَسْخِ) نِكَاحِ الْمُعْسِرِ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وَلَيْسَ الْإِمْسَاكُ مَعَ تَرْكِ الْإِنْفَاقِ إمْسَاكًا بِمَعْرُوفٍ، فَتَعَيَّنَ التَّسْرِيحُ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «امْرَأَتُك تَقُولُ أَطْعِمْنِي وَإِلَّا فَارِقْنِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ،.
وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَسَعِيدٌ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلِأَنَّ هَذَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ مِنْ الْعَجْزِ بِالْوَطْءِ فَتَمْلِكُ الْفَسْخَ (فَوْرًا وَمُتَرَاخِيًا) ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ لِدَفْعِ ضَرَرٍ أَشْبَهَ خِيَارَ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ؛ (وَ) بَيْنَ مُقَامٍ مَعَهُ (مَعَ مَنْعِ نَفْسِهَا) بِأَنْ لَا تُمَكِّنُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ عِوَضُهُ (وَبِدُونِهِ) أَيْ: بِدُونِ مَنْعِ نَفْسِهَا مِنْهُ بِأَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا (وَلَا يَمْنَعُهَا تَكَسُّبُ وَلَدِ مُوسِرَةٍ وَلَا يَحْبِسُهَا) مَعَ عُسْرَتِهِ إذَا لَمْ تَفْسَخْ؛ لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِهَا، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ حَبْسَهَا إذَا كَفَاهَا الْمُؤْنَةَ وَأَغْنَاهَا عَمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ (وَلَا يَلْزَمُهَا الْمُقَامُ بِمَنْزِلِهِ) بَلْ لَهَا أَنْ تُقِيمَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَتْ حَيْثُ كَانَ مَأْمُونًا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهَا عِوَضَ الِاسْتِمْتَاعِ (وَلَهَا أَيْ: زَوْجَةِ الْمُعْسِرِ الْفَسْخُ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ رِضَاهَا بِالْمُقَامِ مَعَهُ (وَكَذَا لَوْ قَالَتْ: رَضِيت بِعُسْرَتِهِ أَوْ تَزَوَّجْتُهُ عَالِمَةً بِهِ) أَيْ بِعُسْرَتِهِ فَلَهَا الْفَسْخُ لِمَا يَتَجَدَّدُ لَهَا مِنْ النَّفَقَةِ كُلَّ يَوْمٍ (أَوْ قَالَتْ أَسْقَطْت النَّفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ ثُمَّ بَدَا لَهَا الْفَسْخُ فَلَهَا ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ يَتَجَدَّدُ وُجُوبُهَا كُلَّ يَوْمٍ فَيَتَجَدَّدُ لَهَا الْفَسْخُ كَذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ إسْقَاطُ نَفَقَتِهَا فِيمَا لَمْ يَجِبْ لَهَا كَالشَّفِيعِ يُسْقِطُ شُفْعَتَهُ، قَبْلَ الْبَيْعِ، وَكَذَا لَوْ أَسْقَطَتْ الْمَهْرَ أَوْ النَّفَقَةَ قَبْلَ النِّكَاحِ.
(وَتَبْقَى نَفَقَةُ مُعْسِرٍ وَكِسْوَتُهُ وَمَسْكَنُهُ) لِزَوْجَتِهِ (إنْ أَقَامَتْ) مَعَهُ

(وَلَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا) مِنْهُ (دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ) لِوُجُوبِهَا عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ كَالْأُجْرَةِ، وَيَسْقُطُ مَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ مُعْسِرٍ (وَمَنْ قَدَرَ يَكْتَسِبُ) مَا يُنْفِقُ عَلَى زَوْجَتِهِ فَتَرَكَهُ (أُجْبِرَ) كَالْمُفْلِسِ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ وَأَوْلَى.
(وَيَتَّجِهُ) إجْبَارُهُ عَلَى اكْتِسَابٍ (فِي) عَمَلٍ (لَائِقٍ بِهِ) فَالتَّاجِرُ يُجْبَرُ عَلَى الِاكْتِسَابِ فِي التِّجَارَةِ، وَكُلُّ مُحْتَرِفٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحِرْفَتِهِ؛ فَلَا يُكَلَّفُ صَاحِبُ الْحِرْفَةِ الْجَيِّدَةِ تَعَاطِي حِرْفَةٍ رَزِيَّةٍ بِحَيْثُ يَضَعُ تَعَاطِيَهُ إيَّاهَا مِقْدَارَهُ عِنْدَ أَقْرَانِهِ كَالْبَزَّازِ يَتَعَاطَى الْكُسَاحَةَ؛ فَإِنَّ هَذَا تَكْلِيفٌ فَوْقَ الْوُسْعِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَمَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ) مِنْ الْأَزْوَاجِ (كَسْبٌ) فِي بَعْضِ زَمَنِهِ (أَوْ) تَعَذَّرَ عَلَيْهِ (بَيْعٌ فِي بَعْضِ زَمَنِهِ) أَيَّامًا يَسِيرَةً؛ فَلَا فَسْخَ (أَوْ مَرِضَ) أَيَّامًا يَسِيرَةً، فَعَجَزَ عَنْ الْكَسْبِ؛ فَلَا فَسْخَ لِزَوْجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاقْتِرَاضُ إلَى زَوَالِ الْعَارِضِ (أَوْ عَجْزٍ عَنْ اقْتِرَاضٍ أَيَّامًا يَسِيرَةً عُرْفًا) فَلَا فَسْخَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ عَنْ قَرِيبٍ، وَلَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ (أَوْ أَعْسَرَ) بِنَفَقَةِ (مَاضِيهِ) أَوْ أَعْسَرَ (بِنَفَقَةِ مُوسِرٍ أَوْ) بِنَفَقَةٍ (مُتَوَسِّطَةٍ أَوْ) أَعْسَرَ (بِأُدْمٍ أَوْ) أَعْسَرَ (بِنَفَقَةِ خَادِمٍ فَلَا فَسْخَ) لِإِمْكَانِ الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ (وَتَبْقَى نَفَقَةُ الْمُوسِرِ أَوْ الْمُتَوَسِّطِ) وَالْخَادِمِ (وَ) يَبْقَى (الْأُدْمُ) دَيْنًا (فِي ذِمَّتِهِ) لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ كَالصَّدَاقِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ مِنْ جِنْسِ وَاجِبِ نَفَقَتِهَا؛ فَلَهُ احْتِسَابُهُ مِنْ نَفَقَتِهَا إنْ كَانَتْ مُوسِرَةً، وَإِلَّا فَلَا.

(وَمَنْ مَنَعَ نَفَقَةً أَوْ كِسْوَةً أَوْ بَعْضَهُمَا) عَنْ زَوْجَتِهِ (وَقَدَرَتْ عَلَى) أَخْذِ ذَلِكَ مِنْ (مَالِهِ) وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْوَاجِبِ (أَخَذَتْ كِفَايَتَهَا وَكِفَايَةَ وَلَدِهَا الصَّغِيرِ عُرْفًا) أَيْ: بِالْمَعْرُوفِ.

(وَيَتَّجِهُ وَ) لَهَا أَخْذُ كِفَايَةِ وَلَدِهَا (الْمَجْنُونِ لِعَجْزِهِ عَنْ تَحْصِيلِ مَا يَقْتَاتُ بِهِ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَ) أَخَذَتْ نَفَقَةَ (خَادِمِهَا بِالْمَعْرُوفِ بِلَا إذْنِهِ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ حِينَ قَالَتْ لَهُ: إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِنِي وَوَلَدِي خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعْطِيهَا بَعْضَ الْكِفَايَةِ، وَلَا يُتِمُّهَا لَهَا؛ فَرَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا فِي أَخْذِ تَمَامِ الْكِفَايَةِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ؛ إذْ لَا غَنَاءَ عَنْهَا وَلَا قِوَامَ إلَّا بِهَا، وَلِأَنَّهَا تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الزَّمَانِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَتَشُقُّ الْمُرَافَعَةُ بِهَا إلَى الْحَاكِمِ وَالْمُطَالَبَةُ بِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ.

(وَلَا تَقْتَرِضُ) امْرَأَةٌ (لِوَلَدِهَا عَلَى أَبٍ وَيَتَّجِهُ) أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ الِاقْتِرَاضِ لِلْوَلَدِ عَلَى أَبِيهِ (مَعَ حُضُورِهِ) ؛ لِأَنَّهُ إشْغَالٌ لِذِمَّتِهِ بِدُونِ سَبَبٍ يَقْتَضِيهِ، أَمَّا لَوْ غَابَ فَاسْتَدَانَتْ لَهَا وَلِأَوْلَادِهَا الصِّغَارِ، رَجَعَتْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ بَلْ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْفَصْلِ الْآتِي بَعْدَ الْبَابِ.

(وَلَا يُنْفَقُ عَلَى مَحْجُورٍ) عَلَيْهِ (مِنْ مَالِهِ بِلَا إذْنِ وَلِيِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَدٍّ، فَيَضْمَنُهُ الْمُنْفِقُ، لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ (وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ) زَوْجَةُ مُوسِرٍ مَنَعَهَا مَا وَجَبَ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ بَعْضِهِمَا عَلَى الْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ؛ فَلَهَا رَفْعُهُ إلَى حَاكِمٍ فَيَأْمُرُهُ بِدَفْعِهِ لَهَا فَإِنْ امْتَنَعَ (أَجْبَرَهُ حَاكِمٌ) عَلَيْهِ (فَإِنْ أَبَى) الدَّفْعَ (حَبَسَهُ أَوْ دَفَعَهَا) أَيْ: النَّفَقَةَ لِزَوْجَتِهِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ مَالِهِ (يَوْمًا بِيَوْمٍ) حَيْثُ أَمْكَنَ، لِقِيَامِ الْحَاكِمِ مَقَامَهُ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا عُرُوضًا أَوْ عَقَارًا، بَاعَهُ وَأَنْفَقَ مِنْهُ (فَإِنْ)

(غَيَّبَ مَالَهُ أَوْ صَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ) فَلَهَا الْفَسْخُ؛ لِتَعَذُّرِ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا مِنْ جِهَتِهِ كَالْمُعْسِرِ (أَوْ غَابَ مُوسِرٌ) عَنْ زَوْجَتِهِ فَوْقَ نِصْفِ سَنَةٍ، وَتَقَدَّمَ فِي أَثْنَاءِ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ بَابِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ (وَتَعَذَّرَتْ نَفَقَةٌ) عَلَيْهَا بِأَنْ لَمْ يَتْرُكْ لَهَا النَّفَقَةَ، وَلَمْ تَقْدِرْ لَهُ عَلَى مَالٍ، وَلَمْ يُمْكِنْهَا تَحْصِيلُ نَفَقَتِهَا (بِاسْتِدَانَةٍ أَيْ اقْتَرَضَ عَلَى ذِمَّةِ زَوْجِهَا، أَوْ تَعَذَّرَ عَلَى الْحَاكِمِ أَخْذُهَا مِنْ وَكِيلِهِ) أَيْ: وَكِيلِ زَوْجِهَا الْغَائِبِ (فَلَهَا الْفَسْخُ) لِتَعَذُّرِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ كَحَالِ الْإِعْسَارِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ، وَفِي الْإِقْنَاعِ " وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا، وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا نَفَقَةً، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَالٍ لَهُ وَلَا اسْتِدَانَةَ وَلَا الْأَخْذَ مِنْ وَكِيلِهِ إنْ كَانَ لَهُ وَكِيلٌ كَتَبَ الْحَاكِمُ إلَيْهِ.
قَالَ شَارِحُهُ لَمْ أَجِدْ الْكِتَابَةَ إلَيْهِ فِي كَلَامِهِمْ، بَلْ الْكُتُبُ الْمَشْهُورَةُ لَمْ يَذْكُرُوهَا.
وَعَمِلَ قُضَاتُنَا عَلَى عَدَمِ الْكِتَابَةِ، وَكَذَا أَفْتَى بِهِ مَشَايِخُنَا وَقَالَ فِي الْإِقْنَاعِ " فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ قَالَ شَارِحُهُ: قُلْت: أَوْ عُلِمَ إذْ لَمْ نَرَ فِي كَلَامِهِمْ هَذَا الْقَيْدَ، وَقَالَ فِي الْإِقْنَاعِ " وَتَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ كَمَا تَقَدَّمَ؛ فَلَهَا الْفَسْخُ انْتَهَى.
وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ خِلَافًا لَهُ، وَلَوْ فَسَخَ الْحَاكِمُ نِكَاحَ الزَّوْجَةِ لِفَقْدِ مَالٍ لِزَوْجِهَا الْغَائِبِ يُنْفَقُ مِنْهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ مَالٌ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: الظَّاهِرُ صِحَّةُ الْفَسْخِ وَعَدَمُ نَقْضِهِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا، وَأَمَّا مَا كَانَ غَائِبًا عَنْهَا لَا عِلْمَ لَهَا بِهِ؛ فَلَا تُكَلَّفُ الصَّبْرَ لِاحْتِمَالِهِ، وَلَا تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الْمُتَيَمِّمِ إذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ فِي قَبْضَتِهِ وَيَدِهِ، وَنِسْيَانُهُ لَا يَخْلُو مِنْ تَقْصِيرٍ وَتَفْرِيطٍ، بِخِلَافِ هَذِهِ، قَالَ: وَلَمْ أَجِدْ فِي الْمَسْأَلَةِ نَقْلًا.
(وَلَا يَصِحُّ) الْفَسْخُ (فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِلَا حَاكِمٍ) ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَافْتَقَرَ

إلَى الْحَاكِمِ كَالْفَسْخِ لِلْعُنَّةِ (فَيَفْسَخُ) الْحَاكِمُ (بِطَلَبِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَحِقَهَا؛ فَلَا تَسْتَوْفِيهِ إلَّا بِطَلَبِهَا (أَوْ تَفْسَخُ) هِيَ (بِأَمْرِهِ) أَيْ: الْحَاكِمِ (وَهُوَ) أَيْ: فَسْخُ الْحَاكِمِ (تَفْرِيقٌ لَا رَجْعَةَ فِيهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْت وَكَذَا فَسْخُهَا بِأَمْرِهِ كَالْفَسْخِ لِلْعُنَّةِ (قَالَ) الْإِمَامُ (مَالِكٌ: سَمِعْت النَّاسَ يَقُولُونَ إذَا لَمْ يُنْفِقْ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ؛ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) فَقِيلَ لَهُ قَدْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ يَغْزُونَ وَيَحْتَاجُونَ، فَقَالَ: لَيْسَ النَّاسُ الْيَوْمَ كَذَلِكَ إنَّمَا تَزَوَّجَتْهُ رَجَاءً، يَعْنِي أَنَّ نِسَاءَ الصَّحَابَةِ كُنَّ يُرِدْنَ الدَّارَ الْآخِرَةَ، وَالنِّسَاءُ الْيَوْمَ يَتَزَوَّجْنَ رَجَاءَ الدُّنْيَا.
(وَلَهُ) أَيْ: الْحَاكِمِ (بَيْعُ عَقَارٍ وَعَرْضٍ لِغَائِبٍ وَ) تَرَكَ زَوْجَتَهُ بِلَا نَفَقَةٍ وَلَا مُنْفِقٍ (إنْ لَمْ يَجِدْ) الْحَاكِمُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا (غَيْرُهُ) أَيْ: ثَمَنِ الْعَقَارِ وَالْعَرْضِ؛ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(وَيُنْفِقُ) الْحَاكِمُ (عَلَيْهَا يَوْمًا بِيَوْمٍ) كَمَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى الْغَائِبِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: إذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ صِحَّةُ النِّكَاحِ وَمَبْلَغُ الْمَهْرِ فَإِنْ عُلِمَ مَكَانُهُ كَتَبَ إلَيْهِ: إنْ سَلَّمْت إلَيْهَا حَقَّهَا، وَإِلَّا بِعْت عَلَيْك بِقَدْرِهِ؛ فَإِنْ أَبَى، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَكَانِهِ بَاعَ بِقَدْرِ نِصْفِهِ؛ لِجَوَازِ طَلَاقِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ.

(وَلَا يَجُوزُ) أَنْ يُعَجِّلَ لَهَا (أَكْثَرَ) مِنْ نَفَقَةِ يَوْمٍ بِيَوْمٍ كَنَفَقَةِ أُسْبُوعٍ أَوْ شَهْرٍ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، وَقَدْ يَقْدُمُ، أَوْ تَبِينُ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ (ثُمَّ إنْ بَانَ) الْغَائِبُ (مَيِّتًا قَبْلَ إنْفَاقِهِ) أَيْ: الْحَاكِمِ عَلَيْهَا أَوْ فِي أَثْنَائِهِ (حُسِبَ عَلَيْهَا) مِنْ مِيرَاثِهَا مِنْ زَوْجِهَا (مَا أَخَذَتْهُ) وَأَنْفَقَتْهُ بِنَفْسِهَا أَوْ بِأَمْرِ حَاكِمٍ، لِتَبَيُّنِ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهَا لَهُ.

(وَمَنْ أَمْكَنَهُ أَخْذُ دَيْنِهِ) الَّذِي يَصِيرُ بِأَخْذِهِ مُوسِرًا (فَ) هُوَ (مُوسِرٌ) كَمَا لَوْ كَانَ بِيَدِهِ (وَيَتَّجِهُ فَيَلْزَمُهُ) حِينَئِذٍ (نَفَقَةُ مُوسِرٍ لِمَا مَضَى) ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ مَالِهِ عِنْدَ مَنْ يُمْكِنُهُ أَخْذُهُ مِنْهُ أَوْ مُتَعَمِّدٌ إبْقَاءَهُ تَحْتَ يَدِهِ، وَعَلَى كُلٍّ فَعَلَيْهِ

بَعْدَ أَخْذِهِ مِنْهُ أَنْ يُعْطِيَهَا تَمَامَ نَفَقَةِ مُوسِرٍ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَالُ بِحَانُوتِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

تَتِمَّةٌ: يَصِحُّ ضَمَانُ النَّفَقَةِ مَا وَجَبَ مِنْهَا وَمَا يَجِبُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَضَمَانِ السُّوقِ.

وَمَنْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ الْوَاجِبَ لِامْرَأَتِهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ مُدَّةً؛ لَمْ تَسْقُطْ النَّفَقَةُ كَالدَّيْنِ وَلَوْ لَمْ يَفْرِضْهَا حَاكِمٌ وَكَانَتْ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ.

[بَابُ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ]

بَابُ النَّفَقَةِ بَابُ (نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَ) الْعَتِيقِ وَنَفَقَةِ (الْمَمَالِيكِ) مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَقَارِبِ مَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ كَمَا يَأْتِي؛ فَيَدْخُلُ فِيهِمْ الْعَتِيقُ.
(وَتَجِبُ) النَّفَقَةُ كَامِلَةً إنْ كَانَ الْمُنْفِقُ عَلَيْهِ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُنْفِقِ مَنْ يُشْرِكُهُ فِي الْإِنْفَاقِ (أَوْ إكْمَالُهَا) إنْ وَجَدَ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ بَعْضَهَا (وَكِسْوَةٌ وَسُكْنَى) بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ.
الْأَوَّلُ: كَوْنُ مُنْفِقٍ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ أَوْ وَارِثًا لَهُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (لِأَبَوَيْهِ وَإِنْ عَلَوَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23] وَمِنْ الْإِحْسَانِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] وَمِنْ الْمَعْرُوفِ الْقِيَامُ بِكِفَايَتِهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا.
وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ نَفَقَةَ الْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا كَسْبَ لَهُمَا وَلَا مَالَ وَاجِبَةٌ فِي مَالِ الْوَلَدِ.

(وَ) تَجِبُ عَلَيْهِ

أَيْضًا نَفَقَةُ (وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ فَكَذَا عَلَى بَعْضِهِ (حَتَّى ذِي الرَّحِمِ مِنْهُمْ) أَيْ: الْوَالِدَيْنِ الْأَوْلَادَ (حَجَبَهُ) أَيْ: الْغَنِيُّ مِنْهُمْ (مُعْسِرٌ) كَجَدٍّ مُوسِرٍ مَعَ أَبٍ مُعْسِرٍ، وَكَابْنِ مُعْسِرٍ وَابْنِ ابْنٍ مُوسِرٍ (أَوْ لَا) أَيْ: أَوْ لَمْ يَحْجُبْهُ مُعْسِرٌ كَجَدٍّ مُوسِرٍ مَعَ عَدَمِ أَبٍ، وَكَذَا جَدٌّ مَعَ ابْنِ بِنْتِهِ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةً قَوِيَّةً تُوجِبُ الْعِتْقَ وَرَدَّ الشَّهَادَةِ فَأَشْبَهَ الْوَلَدَ وَالْوَالِدَيْنِ الْقَرِيبَيْنِ.

(وَ) تَجِبُ النَّفَقَةُ (لِكُلٍّ مِنْ) أَيْ: فَقِيرٌ (يَرِثُهُ) قَرِيبٌ غَنِيٌّ (بِفَرْضٍ) كَأَخٍ لِأُمٍّ (أَوْ تَعْصِيبٍ) كَابْنِ عَمٍّ لِغَيْرِ أُمٍّ (لَا بِرَحِمٍ) كَخَالٍ (مِمَّنْ سِوَى عَمُودَيْ نَسَبِهِ، سَوَاءٌ وَرِثَهُ الْآخَرُ كَأَخٍ) لِلْغَنِيِّ (أَوْ لَا، كَعَمَّةٍ وَعَتِيقٍ، لَا عَكْسُهُ) فَإِنَّ الْعَمَّةَ لَا تَرِثُ مِنْ ابْنِ أَخِيهَا بِفَرْضٍ وَلَا تَعْصِيبٍ، وَهُوَ يَرِثُهَا بِالتَّعْصِيبِ، وَكَذَا الْعَتِيقُ لَا يَرِثُ مَوْلَاهُ وَهُوَ يَرِثُهُ، فَتَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْوَارِثِ (بِمَعْرُوفٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] فَأَوْجَبَ عَلَى الْأَبِ نَفَقَةَ الرَّضَاعِ، ثُمَّ أَوْجَبَ عَلَى الْوَارِثِ مِثْلَ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى الْأَبِ، «وَلِحَدِيثِ: مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: أُمَّك وَأَبَاك وَأُخْتَك وَأَخَاك وَفِي لَفْظِ: وَمَوْلَاك الَّذِي هُوَ أَدْنَاك حَقًّا وَاجِبًا وَرَحِمًا مَوْصُولًا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَأَلْزَمَهُ الْبِرَّ وَالصِّلَةَ، وَقَدْ جَعَلَهَا حَقًّا وَاجِبًا قَدْرَ كِفَايَتِهِ عَادَةً خُبْزٌ وَأُدْمٌ وَكِسْوَةٌ، كَالزَّوْجَةِ بِشَرْطِ كَوْنِ الْإِنْقَاقِ مِنْ حَلَالٍ.
(الشَّرْطُ الثَّانِي) حَاجَةُ مُنْفَقٍ عَلَيْهِ (مَعَ فَقْرِ مَنْ تَجِبُ لَهُ وَعَجْزِهِ عَنْ تَكَسُّبٍ وَمَعَ غِنًى مُنْفِقٍ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ وَالْغَنِيُّ يَمْلِكُهُ وَالْقَادِرُ عَلَى التَّكَسُّبِ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا (وَكَوْنُهُ) أَيْ: الْمُنْفِقِ (وَارِثًا) لِلْمُنْفِقِ عَلَيْهِ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ، وَهُوَ

الشَّرْطُ الثَّالِثُ (غَيْرُ مَا مَرَّ) مِنْ عَمُودَيْ النَّسَبِ، أَمَّا عَمُودَيْ النَّسَبِ فَتَجِبُ وَلَوْ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، أَوْ حَجَبَهُ مُعْسِرٌ.
قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " وَعَلَى الْوَلَدِ الْمُوسِرِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى أَبِيهِ الْمُعْسِرِ وَزَوْجَةِ أَبِيهِ وَعَلَى إخْوَتِهِ الصِّغَارِ (وَلَا يُشْتَرَطُ نَقْصُهُ) أَيْ: الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ فِي خَلْقِهِ كَزَمِنٍ أَوْ حُكْمٍ كَصِغَرٍ وَجُنُونٍ (فَتَجِبُ) النَّفَقَةُ (لِصَحِيحٍ مُكَلَّفٍ لَا حِرْفَةَ لَهُ) لِأَنَّهُ فَقِيرٌ (إذَا فَضَلَ عَنْ قُوتِ نَفْسِهِ) أَيْ: الْمُنْفِقِ (وَ) قُوتِ (زَوْجَتِهِ وَرَقِيقِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً) وَكِسْوَةٌ وَسَكَنٌ لَهُمْ (مِنْ حَاصِلٍ) بِيَدِهِ (أَوْ مُتَحَصِّلٍ) مِنْ صِنَاعَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ، أَوْ أُجْرَةٍ أَوْ رِيعِ وَقْفٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عِنْدَهُ عَمَّنْ ذُكِرَ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا.
«إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ فَعَلَى عِيَالِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ فَعَلَى قَرَابَتِهِ» وَفِي لَفْظٍ: «ابْدَأْ بِنَفْسِك ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ.» حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَلِأَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ.

وَهِيَ (لَا) تَجِبُ مَعَ الْحَاجَةِ، وَ (لَا) تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى قَرِيبٍ (مِنْ رَأْسِ مَالِ) تِجَارَةٍ لِنَقْصِ الرِّبْحِ بِنَقْصِ رَأْسِ مَالِهِ، وَبِمَا أَفْنَتْهُ النَّفَقَةُ، فَيَحْصُلُ لَهُ الضَّرَرُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ شَرْعًا.
(وَ) لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ (مِنْ ثَمَنِ مِلْكٍ وَ) لَا مِنْ (ثَمَنِ آلَةِ عَمَلٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَمِنْ قَدْرٍ يُكْتَسَبُ) بِحَيْثُ يَفْضُلُ عَنْ كَسْبِهِ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى قَرِيبِهِ (أُجْبِرَ) عَلَى تَكَسُّبٍ (لِنَفَقَةِ قَرِيبِهِ) لِأَنَّ تَرْكَ التَّكَسُّبِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فِيهِ تَضْيِيعٌ لِمَنْ يَعُولُ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.

وَ (لَا) تُجْبَرُ (امْرَأَةٌ عَلَى نِكَاحٍ) إذَا رَغِبَ فِيهَا بِمَهْرٍ لِتُنْفِقَهُ عَلَى قَرِيبِهَا الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ الرَّغْبَةَ فِي النِّكَاحِ قَدْ تَكُونُ لِغَيْرِ الْمَالِ؛ بِخِلَافِ التَّكَسُّبِ.
(وَزَوْجَةُ مَنْ تَجِبُ لَهُ) النَّفَقَةُ كَأَبٍ وَابْنِ أَخٍ (كَهُوَ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَاجَةِ الْفَقِيرِ الْيَوْمِيَّةِ؛ لِدُعَاءِ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ، فَإِذَا احْتَاجَ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ رُبَّمَا دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلَى الزِّنَا، وَلِذَلِكَ وَجَبَ إعْفَافُهُ.

(وَمَنْ لَهُ) مِنْ الْمُحْتَاجِينَ لِلنَّفَقَةِ (وَلَوْ) كَانَ (حَمْلًا وَارِثٌ دُونَ أَبٍ فَنَفَقَتُهُ) عَلَيْهِمْ (عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ مِنْهُ) أَيْ: الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى رَتَّبَ النَّفَقَةَ عَلَى الْإِرْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] (وَالْأَبُ) الْغَنِيُّ (يَنْفَرِدُ بِهَا) أَيْ: بِنَفَقَةِ وَلَدِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: 233] : وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] ". وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِهِنْدَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» . (ف) مَنْ لَهُ (جَدٌّ وَأَخٌ) لِغَيْرِ أُمٍّ النَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ، لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ كَذَلِكَ تَعْصِيبًا (أَوْ لَهُ أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ) فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ (بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ) ؛ لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ كَذَلِكَ فَرْضًا وَرَدًّا، (وَ) مَنْ لَهُ (أُمٌّ وَجَدٌّ) النَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا (أَوْ لَهُ ابْنٌ وَبِنْتٌ) النَّفَقَةَ عَلَيْهِمَا (أَثْلَاثًا) كَإِرْثِهِمَا لَهُ (وَ) مَنْ لَهُ (بِنْتٌ وَأُمٌّ) النَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا أَرْبَاعًا رُبْعُهَا عَلَى الْأُمِّ وَبَاقِيهَا عَلَى الْبِنْتِ؛ لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ كَذَلِكَ فَرْضًا وَرَدًّا (أَوْ) لَهُ (جَدَّةٌ) وَبِنْتٌ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمَا (أَرْبَاعًا) كَإِرْثِهِمَا كَذَلِكَ فَرْضًا وَرَدًّا (أَوْ) مَنْ لَهُ (جَدَّةٌ، وَعَاصِبٌ غَيْرُ أَبٍ) كَابْنٍ وَأَخٍ وَعَمٍّ؛ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمَا (أَسْدَاسًا) سُدُسُهَا عَلَى الْجَدَّةِ وَبَاقِيهَا عَلَى الْعَاصِبِ؛ لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الْأَبُ فَيَنْفَرِدُ بِهَا، وَتَقَدَّمَ.
(وَعَلَى هَذَا) الْعَمَلِ (حِسَابُهَا) أَيْ: النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْإِرْثِ (فَلَا تَلْزَمُ) النَّفَقَةُ، (أَبَا أُمٍّ) مَعَ أُمٍّ ظَاهِرُهُ مُعْسِرَةً كَانَتْ أَوْ مُوسِرَةً، وَكَذَلِكَ لَا تَلْزَمُ ابْنَ بِنْتٍ مَعَ بِنْتٍ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ عَنْ الْمِيرَاثِ بِهَا (أَوْ) أَيْ: وَلَا تَلْزَمُ (ابْنَ بِنْتٍ مَعَ أُمِّ) بَلْ تَكُونُ جَمِيعُ النَّفَقَةِ عَلَى الْأُمِّ؛ لِأَنَّ إرْثَ ابْنِهَا لَهَا إذَا انْفَرَدَتْ فَرْضًا وَرَدًّا (وَلَا) تَلْزَمُ (أَخًا مَعَ ابْنٍ) مُنْفَقٍ عَلَيْهِ، وَلَوْ مُعْسِرًا (أَوْ) مَعَ (أَبٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَخَ مَحْجُوبٌ

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل