بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
لَا يَقُومُ بِهَا، وَيَشْتَغِلُ عَنْ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
(وَيَجِبُ) النِّكَاحُ بِنَذْرٍ وَ (عَلَى مَنْ يَخَافُ) بِتَرْكِهِ (زِنًا) وَقَدَرَ عَلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ وَلَوْ كَانَ خَوْفُهُ ذَلِكَ (ظَنًّا، مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ،) لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إعْفَافُ نَفْسِهِ وَصَرْفِهَا عَنْ الْحَرَامِ، وَطَرِيقُهُ النِّكَاحِ (وَيُقَدَّمُ) النِّكَاحُ (إذَنْ) أَيْ حِينَ وُجُوبِهِ (عَلَى حَجٍّ وَاجِبٍ) زَادَ أَحْمَدُ: نَصًّا، خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي مَحْذُورٍ بِتَأْخِيرِهِ، بِخِلَافِ الْحَجِّ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَإِنْ كَانَتْ الْعِبَادَاتُ فَرْضَ كِفَايَةٍ كَالْعِلْمِ وَالْجِهَادِ قُدِّمَتْ عَلَى النِّكَاحِ إذَا لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ (وَلَا يُكْتَفَى) فِي الْخُرُوجِ مِنْ وُجُوبِ النِّكَاحِ حَيْثُ وَجَبَ الْعَقْدُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ يَكُونُ التَّزْوِيجُ (فِي مَجْمُوعِ الْعُمْرِ) لِيَحْصُلَ الْإِعْفَافُ وَصَرْفُ النَّفْسِ عَنْ الْحَرَامِ (وَيُجْزِئُ تَسَرٍّ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] لَكِنَّ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ مِنْ التَّسَرِّي وِفَاقًا إنْ مَلَكَ نَفْسَهُ.
(وَيَجُوزُ) نِكَاحُ مُسْلِمَةٍ (بِدَارِ حَرْبٍ لِضَرُورَةٍ لِغَيْرِ أَسِيرٍ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ". قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْبُهُوتِيُّ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِدَارِ الْحَرْبِ مِنْ الْكُفَّارِ، بَلْ حَيْثُ احْتَاجَ يَتَزَوَّجُ الْمُسْلِمَةَ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ لِسَلَامَةِ الْوَلَدِ مِنْ أَنْ يَسْتَعْبِدَ انْتَهَى.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ لَمْ يَتَزَوَّجْ وَلَوْ مُسْلِمَةً، نَصًّا وَأَمَّا الْأَسِيرُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: لَا يَحِلُّ لَهُ التَّزْوِيجُ مَا دَامَ أَسِيرًا، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ إذَا أُسِرَتْ مَعَهُ مَعَ صِحَّةِ نِكَاحِهِمَا، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " (وَيَصِحُّ النِّكَاحُ بِدَارِ الْحَرْبِ لِلضَّرُورَةِ) ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ (وَيَعْزِلُ نَدْبًا) إنْ أُبِيحَ لَهُ نِكَاحُ مُسْلِمَةٍ بِأَنْ دَخَلَ دِيَارَ كُفْرٍ بِأَمَانٍ، أَوْ لِتِجَارَةٍ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّهْوَةُ.
قَالَهُ فِي " الْفُصُولِ " (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ "؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَجِبُ عَزْلُهُ، فَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ
حَرُمَ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ أَوْ جَازَ (وَإِنْ) تَزَوَّجَ (بِلَا ضَرُورَةٍ) فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْزِلَ (وُجُوبًا) لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّزَوُّجِ وَالتَّسَرِّي بِلَا ضَرُورَةٍ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَحَيْثُ حَرُمَ نِكَاحُهُ بِلَا ضَرُورَةٍ وَفِعْلٍ؛ وَجَبَ عَزْلُهُ، وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ (وَمُقْتَضَى تَعْلِيلِهِمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ (جَوَازُ نِكَاحِ نَحْوِ آيِسَةٍ) كَصَغِيرَةٍ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: مِنْ أَجْلِ الْوَلَدِ، لِئَلَّا يُسْتَعْبَدَ.
قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَهُ أَنْ: يَتَزَوَّجَ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ: أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ أَبَا بَكْرٍ وَهُمْ تَحْتَ الرَّايَاتِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ
، وَلِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَدَ لَهُمْ عَلَيْهِ؛ أَشْبَهَ مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
(وَسُنَّ) لِمَنْ أَرَادَ نِكَاحًا (تَخَيُّرُ ذَاتِ دِينٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، (وَ) ذَاتِ (عَقْلٍ) لَا حَمْقَاءَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُرَادُ لِلْعِشْرَةِ الْحَسَنَةِ وَلَا تَصْلُحُ الْعِشْرَةُ مَعَ الْحَمْقَاءِ، وَلَا يَطِيبُ مَعَهَا عَيْشٌ، وَرُبَّمَا تَعَدَّى ذَلِكَ إلَى وَلَدِهَا وَقَدْ قِيلَ: اجْتَنِبُوا الْحَمْقَاءَ؛ فَإِنَّ وَلَدَهَا ضَيَاعٌ وَصُحْبَتَهَا بَلَاءٌ، (وَ) أَنْ تَكُونَ مِنْ بَيْتٍ مَعْرُوفٍ بِالْ (قَنَاعَةِ) لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ دِينِهَا وَقَنَاعَتِهَا، (وَ) أَنْ تَكُونَ ذَاتَ (جَمَالٍ) لِأَنَّهُ أَسْكَنُ لِنَفْسِهِ، وَأَغَضُّ لِبَصَرِهِ، وَأَكْمَلُ لِمَوَدَّتِهِ، وَلِذَلِكَ جَازَ النَّظَرُ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: الَّتِي تَسُرُّهُ إذَا نَظَرَ إلَيْهَا، وَتُطِيعُهُ إذَا أَمَرَهَا، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَلَا فِي مَالِهِ بِمَا يَكْرَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «خَيْرُ فَائِدَةٍ أَفَادَهَا الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَعْدَ إسْلَامِهِ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ تَسُرُّهُ إذَا نَظَرَ إلَيْهَا، وَتُطِيعُهُ إذَا أَمَرَهَا، وَتَحْفَظُهُ فِي غَيْبَتِهِ فِي مَالِهِ وَنَفْسِهَا» رَوَاهُ سَعِيدٌ (الْوَلُودُ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَيُعْرَفُ كَوْنُ الْبِكْرِ وَلُودًا بِكَوْنِهَا مِنْ نِسَاءٍ يُعْرَفْنَ بِكَثْرَةِ الْأَوْلَادِ (الْحَسِيبَةُ) وَهِيَ طَيِّبَةُ الْأَصْلِ لِيَكُونَ وَلَدُهَا نَجِيبًا، فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَشْبَهَ
أَهْلَهَا وَنَزَعَ إلَيْهِمْ (الْأَجْنَبِيَّةُ) لِأَنَّ وَلَدَهَا يَكُونُ أَنْجَبَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْفِرَاقَ، فَيُفْضِي مَعَ الْقَرَابَةِ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمَأْمُورِ بِصِلَتِهَا.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْغَرَائِبَ أَنْجَبُ وَبَنَاتِ الْعَمِّ أَصْبَرُ (الْبِكْرُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِجَابِرٍ: «فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(إلَّا أَنْ تَكُونَ مَصْلَحَتُهُ فِي نِكَاحِ ثَيِّبٍ أَرْجَحُ) فَيُقَدِّمُهَا عَلَى الْبِكْرِ مُرَاعَاةً
لِلْمَصْلَحَةِ.
وَ (لَا) يَنْبَغِي تَزَوُّجُ (بِنْتِ زِنًا وَلَقِيطَةٍ وَحَمْقَاءَ وَدَنِيئَةِ نَسَبٍ) وَمَنْ لَا يُعْرَفُ أَبُوهَا (وَلَا يَصْلُحُ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ قَدْ طَالَ لُبْثُهَا مَعَ رَجُلٍ، وَمِنْ التَّفْضِيلِ تَزَوُّجُ شَيْخٍ بِصَبِيَّةٍ) ، أَيْ شَابَّةٍ (وَيَمْنَعُ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ مِنْ مُخَالَطَةِ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهُنَّ يُفْسِدْنَهَا عَلَيْهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَسْكُنَ الرَّجُلُ بِهَا) أَيْ بِزَوْجَتِهِ (عِنْدَ أَهْلِهَا) لِسُقُوطِ حُرْمَتِهِ عِنْدَهَا بِذَلِكَ (وَأَنْ لَا يُدْخِلَ بَيْتَهُ مُرَاهِقًا وَلَا يَأْذَنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ) مِنْ بَيْتِهِ؛ لِأَنَّهَا إذَا اعْتَادَتْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ مَنْعِهَا بَعْدَ ذَلِكَ (وَلَا يَسْأَلُ عَنْ دِينِهَا حَتَّى يُحْمَدَ لَهُ جَمَالُهَا) قَالَ أَحْمَدُ: إذَا خَطَبَ الرَّجُلُ امْرَأَةً سَأَلَ عَنْ جَمَالِهَا أَوَّلًا، فَإِنْ حُمِدَ سَأَلَ عَنْ دِينِهَا، فَإِنْ حُمِدَ تَزَوَّجَ، وَإِنْ لَمْ يُحْمَدْ يَكُونُ رَدًّا لِأَجْلِ الدِّينِ، وَلَا يَسْأَلُ أَوَّلًا عَنْ الدِّينِ، فَإِنْ حُمِدَ سَأَلَ عَنْ الْجَمَالِ، فَإِنْ لَمْ يُحْمَدْ رَدَّهَا لِلْجَمَالِ لَا لِلدِّينِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَمَنْ اُبْتُلِيَ بِالْهَوَى فَأَرَادَ التَّزْوِيجَ، فَلْيَجْتَهِدْ فِي نِكَاحِ الَّتِي اُبْتُلِيَ بِهَا إنْ صَحَّ ذَلِكَ وَجَازَ، وَإِلَّا فَلْيَتَخَيَّرْ مَا يَظُنُّهُ مِثْلَهَا انْتَهَى.
وَمَنْ أَمَرَهُ بِهِ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَأَبِي دَاوُد: أَمَرْتُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ كَانَ شَابًّا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ، أَمَرْتُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ، فَجَعَلَ أَمْرَ الْأَبَوَيْنِ لَهُ بِذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ، وَلِوُجُوبِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: وَاَلَّذِي يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ لَا يَتَزَوَّجُ أَبَدًا، إنْ أَمَرَهُ بِهِ أَبُوهُ تَزَوَّجَ (وَلَيْسَ لِوَالِدَيْهِ إلْزَامُهُ بِنِكَاحِ مَنْ لَا يُرِيدُ) نِكَاحَهَا؛ لِعَدَمِ حُصُولِ الْغَرَضِ بِهَا (فَلَا يَكُونُ عَاقًّا) بِمُخَالَفَتِهِمَا ذَلِكَ (كَأَكْلِ مَا لَا يُرِيدُ) أَكْلَهُ (قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (وَلَا يَزِيدُ عَلَى وَاحِدَةٍ نَدْبًا إنْ عَفَّتْهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْرِيضِ لِلْمُحَرَّمِ.
قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129] .
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.
وَأَرَادَ أَحْمَدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ يَتَسَرَّى، فَقَالَ: يَكُونُ لَهُمَا لَحْمٌ، يُرِيدُ كَوْنَهُمَا سَمِينَتَيْنِ، وَكَانَ يُقَالُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ فَلْيَسْتَجِدْ شَعْرَهَا، فَإِنَّ الشَّعْرَ وَجْهٌ، فَتَخَيَّرُوا أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ.
وَأَحْسَنُ النِّسَاءِ التُّرْكِيَّاتُ، وَأَصْلُحُهُنَّ الْجَلْبُ الَّتِي لَمْ تَعْرِفْ أَحَدًا.
وَلْيَعْزِلْ عَنْ الْمَمْلُوكَةِ إلَى أَنْ يَتَيَقَّنَ جَوْدَةَ دِينِهَا وَقُوَّةَ مَيْلِهَا، وَلْيَحْذَرْ الْعَاقِلُ إطْلَاقَ الْبَصَرِ؛ فَإِنَّ الْعَيْنَ تَرَى غَيْرَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الْعِشْقُ فَيُهْلِكُ الْبَدَنَ وَالدِّينَ، فَمَنْ اُبْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُفَكِّرْ فِي عُيُوبِ النِّسَاءِ.
[تَنْبِيهٌ مِنْ يَكْرَه نِكَاحهَا]
تَنْبِيهٌ: نَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَالْغَزَالِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا: يُكْرَهُ نِكَاحُ الْحَنَّانَةِ وَالْمَنَّانَةِ وَالْأَنَّانَةِ وَالْحَدَّاقَةِ وَالْبَرَّاقَةِ وَالشَّدَّاقَةِ وَالْمِمْرَاضَةِ.
فَالْحَنَّانَةُ الَّتِي لَهَا وَلَدٌ تَحِنُّ إلَيْهِ، وَالْمَنَّانَةُ الَّتِي تَمُنُّ عَلَى الزَّوْجِ بِمَا تَفْعَلُهُ وَالْأَنَّانَةُ كَثِيرَةُ الْأَنِينِ، وَالْحَدَّاقَةُ الَّتِي تَسْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ بِحَدَقَتِهَا وَتُكَلِّفُ الزَّوْجَ، وَالْبَرَّاقَةُ الَّتِي تَشْتَغِلُ غَالِبَ أَوْقَاتِهَا بِبَرِيقِ وَجْهِهَا وَتَحْسِينِهِ.
وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي يُصِيبُهَا الْغَضَبُ عِنْدَ الطَّعَامِ فَلَا تَأْكُلُ إلَّا وَحْدَهَا، وَالشَّدَّاقَةُ كَثِيرَةُ الْكَلَامِ، وَالْمِمْرَاضَةُ الَّتِي تَتَمَارَضُ غَالِبَ أَوْقَاتِهَا مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ، «وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ: لَا تَتَزَوَّجْ خَمْسًا: شَهْبَرَةٌ، وَهِيَ الزَّرْقَاءُ الْبَدِينَةُ، وَلَا لَهْبَرَةٌ وَهِيَ الطَّوِيلَةُ الْمَهْزُولَةُ، وَلَا نَهْبَرَةٌ وَهِيَ الْعَجُوزُ الْمُدْبِرَةُ، وَلَا هَنْدَرَةٌ وَهِيَ الْقَصِيرَةُ الذَّمِيمَةُ، وَلَا لَفُوتٌ وَهِيَ ذَاتُ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِك» .
وَلَوْ تَعَارَضَتْ تِلْكَ الصِّفَاتُ فَالْأَظْهَرُ تَقْدِيمُ ذَاتِ الدِّينِ مُطْلَقًا، ثُمَّ الْعَقْلِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ انْتَهَى.
(قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ) فِي كِتَابِ
النِّسَاءِ (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ أَنْ يَنْظُرَ لَهَا شَابًّا حَسَنَ الصُّورَةِ) وَ (لَا) يُزَوِّجُهَا (دَمِيمًا) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْقَبِيحُ
(وَعَلَى مَنْ اُسْتُشِيرَ فِي خَاطِبٍ أَوْ مَخْطُوبَةٍ أَنْ يَذْكُرَ مَا فِيهِ مِنْ مَسَاوِئَ) أَيْ: عُيُوبٍ (وَغَيْرِهَا) وَلَا يَكُونُ ذِكْرُ الْمَسَاوِئِ (غِيبَةً) مُحَرَّمَةً (مَعَ قَصْدِ) هـ بِذِكْرِ ذَلِكَ (النَّصِيحَةَ) لِحَدِيثِ «الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» . وَحَدِيثِ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . وَإِنْ اُسْتُشِيرَ فِي أَمْرِ نَفْسِهِ بَيَّنَهُ وُجُوبًا، كَقَوْلِهِ: عِنْدِي شُحٌّ، وَخُلُقِي شَدِيدٌ، وَنَحْوُهُمَا؛ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ
[فَصْلٌ النَّظَر لِمَنْ أَرَادَ الْخِطْبَةَ]
فَصْلٌ (وَيُبَاحُ) لِمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إجَابَتُهُ، نَظَرَ مَا يَظْهَرُ غَالِبًا جَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمَذْهَبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْخُلَاصَةِ " وَ " الْكَافِي " وَ " الرِّعَايَتَيْنِ " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَ " الْفَائِقِ " وَغَيْرِهِمْ (وَلَا يُسَنُّ) النَّظَرُ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ جَعَلَهُ مَنْسُوبًا.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَيَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ النَّظَرُ.
هَذَا الْمَذْهَبُ، وَذَلِكَ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِالنَّظَرِ بَعْدَ الْحَظْرِ.
رَوَى «الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اُنْظُرْ إلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد.
قَالَ فِي " النِّهَايَةِ " يُقَالُ: آدَمَ اللَّهُ بَيْنَكُمَا يَأْدَمُ أُدْمًا بِالسُّكُونِ.
أَيْ: أَلَّفَ وَوَفَّقَ (لِمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ) بِكَسْرِ الْخَاءِ (وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إجَابَتُهُ نَظَرَ مَا يَظْهَرُ) مِنْهَا (غَالِبًا كَوَجْهٍ وَرَقَبَةٍ وَيَدٍ وَقَدَمٍ) لِحَدِيثِ: «إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ فَقَدَرَ أَنْ يَرَى مِنْهَا بَعْضَ مَا يَدْعُوهُ إلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَقَوْلُهُ: «إذَا أَلْقَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَلْبِ امْرِئٍ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَيُكَرِّرُهُ) أَيْ النَّظَرَ (وَيَتَأَمَّلُ الْمَحَاسِنَ بِلَا إذْنٍ) مِنْ الْمَرْأَةِ، وَلَعَلَّ عَدَمَ الْإِذْنِ أَوْلَى؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إلَى مَا يَدْعُوهُ إلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ قَالَ: فَخَطَبْت جَارِيَةً مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَكُنْت أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْت مِنْهَا بَعْضَ مَا دَعَانِي إلَى نِكَاحِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (إنْ أَمِنَ) مُرِيدُ خِطْبَةِ الْمَرْأَةِ (الشَّهْوَةَ) أَيْ: ثَوَرَانَهَا (مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ) فَإِنْ كَانَ مَعَ خَلْوَةٍ أَوْ مَعَ خَوْفِ ثَوَرَانِ (الشَّهْوَةِ) ؛ لَمْ يَجُزْ (فَإِنْ شَقَّ) عَلَيْهِ النَّظَرُ (أَوْ كَرِهَتْ بَعَثَ) إلَيْهَا (امْرَأَةً) ثِقَةً تَتَأَمَّلُهَا ثُمَّ (تَصِفُهَا لَهُ) لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ (وَلِرَجُلٍ نَظَرُ ذَلِكَ) أَيْ: الْوَجْهِ وَالرَّقَبَةِ وَالْيَدِ وَالْقَدَمِ (وَ) نَظَرُ (رَأْسٍ وَسَاقٍ مِنْ أَمَةٍ وَلَوْ غَيْرَ مُسْتَامَةٍ) إذْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ فِي الْمُسْتَامَةِ كَالْمَخْطُوبَةِ وَأَوْلَى، لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلِاسْتِمْتَاعِ وَغَيْرِهِ مِنْ التِّجَارَةِ وَحُسْنُهَا يَزِيدُ فِي ثَمَنِهَا، وَالْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ فَاكْتُفِيَ بِهِ، وَكَذَا غَيْرُ الْمُسْتَامَةِ يَنْظُرُ مِنْهَا إلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ السِّتَّةِ.
قَطَعَ بِهِ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " وَاخْتَارَهُ فِي " الْمُغْنِي " لِأَنَّهُ يَرْوِي عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى أَمَةً مُتَلَمْلِمَةً فَضَرَبَهَا بِالدِّرَّةِ وَقَالَ: أَتَتَشَبَّهِينَ بِالْحَرَائِرِ يَا لُكَاعُ؟ وَرَوَى أَنَسٌ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ قَالَ النَّاسُ: لَا نَدْرِي أَجَعَلَهَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ أُمَّ وَلَدٍ؟ فَقَالُوا: إنْ حَجَبَهَا فَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ، فَلَمَّا رَكِبَ وَطِئَ لَهَا خَلْفَهُ، وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ حَجْبِ الْإِمَاءِ كَانَ مُسْتَفِيضًا عِنْدَهُمْ (خِلَافًا لِلْمُنْتَهَى) لِتَقْيِيدِهِ جَوَازَ النَّظَرِ لِلْأَمَةِ الْمُسْتَامَةِ تَبَعًا لِ " التَّنْقِيحِ " حَيْثُ قَالَ: وَمِنْ أَمَةٍ غَيْرِ مُسْتَامَةٍ إلَى غَيْرِ عَوْرَةِ صَلَاةٍ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَصْوَبُ مِمَّا فِي " التَّنْقِيحِ "، (وَ) لِرَجُلٍ أَيْضًا نَظَرُ وَجْهٍ وَرَقَبَةٍ وَيَدٍ وَقَدَمٍ وَرَأْسٍ وَسَاقٍ مِنْ (ذَاتِ مَحْرَمٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: 31] الْآيَةَ.
قَالَ الْقَاضِي: يُبَاحُ عَلَى رِوَايَةٍ مَا يَظْهَرُ غَالِبًا كَالرَّأْسِ وَالْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ (وَهِيَ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا بِنَسَبٍ) كَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ (أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ) كَأُخْتِهِ مِنْ رَضَاعٍ وَزَوْجَةِ أَبِيهِ وَابْنِهِ وَأُمِّ زَوْجَتِهِ، بِخِلَافِ أُخْتِهَا وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا إلَى أَمَدٍ، وَيُبَاحُ النَّظَرُ إلَى رَبِيبَةٍ دَخَلَ بِأُمِّهَا (لِحُرْمَتِهَا) إخْرَاجٌ لِلْمُلَاعَنَةِ؛ لِأَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى الْمَلَاعِنِ أَبَدًا عُقُوبَةً عَلَيْهِ، لَا لِحُرْمَتِهَا (إلَّا نِسَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَلَا يُبَاحُ النَّظَرُ إلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ الْمَذْكُورِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53] (وَلَا) يُبَاحُ لَهُ أَنْ (يَنْظُرَ) إلَى (نَحْوِ أُمٍّ مَزْنِيٍّ بِهَا) كَبِنْتِهَا وَأُمٍّ مَلُوطٍ بِهِ وَبِنْتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُنَّ مَحْرَمًا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ) أَنَّ أُمَّ الْمَزْنِيِّ بِهَا لَا يُبَاحُ لِلزَّانِي النَّظَرُ إلَيْهَا (وَلَوْ نَكَحَهَا) أَيْ: الْمَزْنِيَّ بِهَا (بَعْدَ) ذَلِكَ، (لِأَنَّ التَّحْرِيمَ) أَيْ: تَحْرِيمَ نَظَرِهِ لِأُمِّهَا (قَدْ سَبَقَ) مِنْهُ (بِسَبَبِ مَحْرَمٍ) وَهُوَ الزِّنَا، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ النَّظَرُ؛ عُقُوبَةً لَهُ، وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ؛ لِتَضَمُّنِهِ (الْوَرَعَ) (وَكَذَا مُحَرَّمَةٌ بِلِعَانٍ) يَحْرُمُ عَلَى الْمُلَاعِنِ النَّظَرُ إلَيْهَا، (وَ) كَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرٌ (نَحْوَ بِنْتِ مَوْطُوءَةٍ، بِشُبْهَةٍ) كَأُمِّهَا، لِأَنَّ السَّبَبَ لَيْسَ مُبَاحًا.
[تَنْبِيهٌ لَا تُسَافِرُ مُسْلِمَةٌ مَعَ أَبِيهَا الْكَافِرِ]
تَنْبِيهٌ: وَلَا تُسَافِرُ مُسْلِمَةٌ مَعَ أَبُوهَا الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحْرَمًا لَهَا فِي السَّفَرِ، نَصًّا، وَإِنْ كَانَ مَحْرَمًا فِي النَّظَرِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ جَمِيلَةً وَخِيفَتْ الْفِتْنَةُ بِهَا؛ حَرُمَ النَّظَرُ إلَيْهَا، كَالْغُلَامِ الْأَمْرَدِ الَّذِي تُخْشَى الْفِتْنَةُ بِنَظَرِهِ (لِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِي تَحْرِيمِ) النَّظَرِ، وَهُوَ الْخَوْفُ مِنْ الْفِتْنَةِ، وَالْفِتْنَةُ تَسْتَوِي فِيهَا الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّ الْأَمَةَ الْجَمِيلَةَ تَتَنَقَّبُ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى الْمَمْلُوكَةِ، فَكَمْ نَظْرَةٍ أَلْقَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا الْبَلَابِلَ
(وَلِعَبْدٍ لَا مُبَعَّضٍ وَمُشْتَرَكٍ خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ) فِي جَعْلِهِ الْمُشْتَرَكَ كَالْعَبْدِ (نَظَرُ ذَلِكَ) أَيْ: الْوَجْهِ وَالرَّقَبَةِ وَالْيَدِ وَالْقَدَمِ وَالسَّاقِ وَالرَّأْسِ (مِنْ مَوْلَاتِهِ) أَيْ: مَالِكَةِ كُلِّهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: 31] الْآيَةَ إلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: 31] ؛ وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى رَبَّةِ الْعَبْدِ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (وَكَذَا) أَيْ كَالْعَبْدِ وَالْمَحْرَمِ، (غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ) مِنْ الرِّجَالِ - أَيْ: غَيْرِ أُولِي الْحَاجَةِ مِنْ النِّسَاءِ - قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ الْمُخَنَّثُ الَّذِي لَا يَقُومُ عَلَيْهِ زُبُّهُ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ: الَّذِي لَا إرْبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ، وَهُوَ مَنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ (كَعِنِّينٍ وَكَبِيرٍ) وَمُخَنَّثٍ شَدِيدِ التَّأْنِيثِ فِي الْخِلْقَةِ حَتَّى يُشْبِهَ الْمَرْأَةَ فِي اللِّينِ وَالْكَلَامِ وَالنَّغْمَةِ وَالنَّظَرِ وَالْعَقْلِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي النِّسَاءِ إرْبٌ (وَمَرِيضٍ) وَهُوَ مَنْ ذَهَبَتْ شَهْوَتُهُ لِمَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: 31] (وَيُنْظَرُ مِمَّنْ لَا تُشْتَهَى كَعَجُوزٍ وَبَرْزَةٍ) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: الْبَرْزَةُ هِيَ تَخْرُجُ وَتَدْخُلُ آمِنَةً عَلَى نَفْسِهَا، وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً (وَقَبِيحَةٍ) وَهِيَ الشَّوْهَاءُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى، وَمَرِيضَةٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهَا (لِلْوَجْهِ خَاصَّةً) . جَزَمَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": نَظَرُ كُلِّ عَجُوزَةٍ بَرْزَةٍ هِمَّةٍ، وَمَنْ لَا يُشْتَهَى مِثْلُهَا غَالِبًا، وَمَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ مِنْهَا، وَلَمْسُهُ، وَمُصَافَحَتُهَا وَالسَّلَامُ عَلَيْهَا، إنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَلِشَاهِدٍ) نَظَرُ وَجْهٍ مَشْهُودٍ عَلَيْهَا تَحَمُّلًا، وَأَدَاءً عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ مِنْهُ؛ لِتَكُونَ الشَّهَادَةُ وَاقِعَةً عَلَى عَيْنِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا (وَ) كَذَا (مُعَامِلٌ) فِي بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَنَحْوِهِ يُبَاحُ (نَظَرُهُ) وَجْهَ مَنْ يُعَامِلُهَا (مَعَ كَفَّيْهَا) فَيَنْظُرُ لِوَجْهِهَا لِيَعْرِفَهَا بِعَيْنِهَا، فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالدَّرْكِ، وَإِلَى كَفَّيْهَا
(لِحَاجَةٍ) نَصًّا.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا إذَا كَانَتْ تُعَامِلُهُ.
انْتَهَى.
وَأَمَّا الشَّاهِدُ فَلَيْسَ لَهُ النَّظَرُ إلَى غَيْرِ الْوَجْهِ؛ إذْ الشَّهَادَةُ لَا دَخْلَ لَهَا فِي الْكَفَّيْنِ.
أَفَادَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَلِطَبِيبٍ وَمَنْ يَلِي خِدْمَةَ مَرِيضٍ) أَوْ أَقْطَعَ يَدَيْنِ (وَلَوْ أُنْثَى فِي وُضُوءٍ وَاسْتِنْجَاءٍ نَظَرٌ وَمَسُّ مَا دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ) حَتَّى الْفَرْجَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ ذِمِّيًّا قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " " وَالْمُبْدِعِ " (وَكَذَا لَوْ حَلَقَ عَانَةَ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ) أَيْ: حَلَقَ عَانَةَ نَفْسِهِ، نَصًّا، فَيُبَاحُ لِلْحَلَّاقِ النَّظَرُ إلَى الْمَحَلِّ الَّذِي يَحْلِقُهُ (وَيَسْتُرُ غَيْرَ مَوْضِعِ الْحَاجَةِ) وُجُوبًا؛ لِأَنَّهَا عَلَى الْأَصْلِ فِي التَّحْرِيمِ، وَكَذَا لِمَعْرِفَةِ بَكَارَةٍ وَثُيُوبَةٍ وَبُلُوغٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَمَّا حَكَّمَ سَعْدًا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ كَانَ يَكْشِفُ عَنْ مُؤْتَزِرِهِمْ» . وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ أُتِيَ بِغُلَامٍ قَدْ سَرَقَ، فَقَالَ: اُنْظُرُوا إلَى مُؤْتَزَرِهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ أَنْبَتَ الشَّعْرِ، فَلَمْ يَقْطَعْهُ (وَلْيَكُنْ) نَظَرُ مَنْ يُطَبِّبُ أُنْثَى (مَعَ حُضُورِ مَحْرَمٍ) لَهَا أَوْ زَوْجٍ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَ الْخَلْوَةِ مُوَاقَعَةُ الْمَحْظُورِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَا امْرَأَةٌ مَعَ امْرَأَةٍ وَلَوْ كَافِرَةٌ مَعَ مُسْلِمَةٍ) نَظَرُ غَيْرِ مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ، لِأَنَّ النِّسَاءَ الْكَوَافِرَ كُنَّ يَدْخُلْنَ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَكُنَّ يَحْجُبْنَ، وَلَا أَمَرَ بِحِجَابٍ.
فَائِدَةٌ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْكَافِرَةُ قَابِلَةً لِلْمُسْلِمَةِ لِلضَّرُورَةِ، وَإِلَّا فَلَا.
نَصَّ عَلَيْهِ (وَلِرَجُلٍ مَعَ رَجُلٍ وَلَوْ أَمْرَدَ وَسَيِّدٌ مَعَ أَمَتِهِ الْمَحْرَمَةِ كَمُزَوَّجَةٍ، وَمَجُوسِيَّةٍ نَظَرُ غَيْرِ مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ) لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «احْفَظْ عَوْرَتَك إلَّا مِنْ زَوْجَتِك أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُك» (وَلِامْرَأَةٍ نَظَرُ ذَلِكَ) أَيْ غَيْرِ مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ (مِنْ رَجُلٍ) «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَك فَلَا يَرَاك» . وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتُرنِي بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا «فَرَغَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خُطْبَةِ الْعِيدِ مَضَى إلَى النِّسَاءِ فَذَكَّرَهُنَّ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ» . وَلِأَنَّهُنَّ لَوْ مُنِعْنَ النَّظَرَ لَوَجَبَ الْحِجَابُ عَلَى الرِّجَالِ كَمَا وَجَبَ عَلَى النِّسَاءِ؛ لِئَلَّا يَنْظُرْنَ إلَيْهِمْ.
فَأَمَّا حَدِيثُ نَبْهَانَ عَنْ «أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كُنْت قَاعِدَةً عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَا وَحَفْصَةُ، فَاسْتَأْذَنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجِبَا مِنْهُ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ ضَرِيرٌ لَا يُبْصِرُ، فَقَالَ: أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا، أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ» ؟ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَقَالَ أَحْمَدُ: نَبْهَانُ رَوَى حَدِيثَيْنِ عَجِيبَيْنِ، هَذَا الْحَدِيثُ، وَالْآخَرُ: «إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبًا فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» . كَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى ضَعْفِ حَدِيثِهِ، إذْ لَمْ يَرْوِ إلَّا هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الْمُخَالِفَيْنِ لِلْأُصُولِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: نَبْهَانُ مَجْهُولٌ، لَا يُعْرَفُ إلَّا بِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثُ.
وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ صَحِيحٌ، فَالْحُجَّةُ بِهِ لَازِمَةٌ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ حَدِيثَ نَبْهَانَ خَاصٌّ بِأَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، قَالَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، لَكِنَّهُ يُعَارِضُ حَدِيثَ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ
(وَمُمَيِّزٌ لَا شَهْوَةَ لَهُ مَعَ امْرَأَةٍ كَامْرَأَةٍ) لِأَنَّهُ لَا شَهْوَةَ لَهُ؛ أَشْبَهَ الطِّفْلَ، وَلِأَنَّ الْمُحَرِّمَ لِلرُّؤْيَةِ فِي حَقِّ الْبَالِغِ كَوْنُهُ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ هُنَا، وَمُمَيِّزٌ (ذُو شَهْوَةٍ مَعَهَا) أَيْ: الْمَرْأَةِ كَمُحَرَّمٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59] وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ النَّظَرُ لَمَّا كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ.
(وَبِنْتُ تِسْعٍ مَعَ رَجُلٍ كَمُحَرَّمٍ) لِأَنَّ عَوْرَتَهَا مُخَالِفَةٌ لِعَوْرَةِ الْبَالِغَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ لَمْ تَحِضْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، وَكَقَوْلِنَا فِي الْغُلَامِ الْمُرَاهِقِ مَعَ النِّسَاءِ.
(وَخُنْثَى مُشْكِلٌ فِي نَظَرِ) رَجُلٍ (إلَيْهِ كَامْرَأَةٍ) تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ.
قَالَ الْمُنَقِّحُ: (وَنَظَرُهُ) أَيْ: الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ (لِرَجُلٍ كَنَظَرِ امْرَأَةٍ إلَيْهِ، وَ) نَظَرُهُ لِامْرَأَةٍ (كَنَظَرِ رَجُلٍ إلَيْهَا) تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ (وَلِكُلِّ) وَاحِدٍ (مِنْ الزَّوْجَيْنِ نَظَرُ جَمِيعِ بَدَنِ الْآخَرِ وَلَمْسِهِ بِلَا كَرَاهَةٍ حَتَّى فَرْجِهَا) لِمَا رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ، قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَك إلَّا مِنْ زَوْجِك أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُك» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ الْفَرْجَ مَحَلُّ الِاسْتِمْتَاعِ فَجَازَ النَّظَرُ إلَيْهِ كَبَقِيَّةِ الْبَدَنِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ لَا يَنْظُرَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى فَرْجِ الْآخَرِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: «مَا رَأَيْت فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطُّ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَفِي لَفْظٍ «قَالَتْ: مَا رَأَيْتُهُ مِنْ النَّبِيِّ وَلَا رَآهُ مِنِّي»
(كَ) مَا لَا يُكْرَهُ النَّظَرُ إلَى عَوْرَةِ (وَلَدٍ دُونَ سَبْعِ) سِنِينَ نَصًّا وَلَا يَجِبُ سَتْرُهَا مَعَ أَمْنِ الشَّهْوَةِ؛ لِأَنَّ «إبْرَاهِيمَ ابْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَسَلَهُ النِّسَاءُ» (وَكُرِهَ نَظَرُ فَرْجٍ حَالَ طَمْثٍ) أَيْ: حَيْضٍ، يُقَالُ: طَمِثَتْ الْمَرْأَةُ تَطْمِثُ، كَبَصِرَ وَسَمِعَ، إذَا حَاضَتْ، فَهِيَ طَامِثٌ، فَيَكُونُ أَيْضًا بِمَعْنَى الْجِمَاعِ، وَزَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " وَحَالَ الْوَطْءِ (وَ) كُرِهَ (تَقْبِيلُهُ) أَيْ: الْفَرْجِ (بَعْدَ جِمَاعٍ لَا قَبْلَهُ) قَالَهُ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ " وَذَكَرَهُ عَنْ عَطَاءٍ (وَكَذَا سَيِّدٌ مَعَ أَمَتِهِ الْمُبَاحَةِ لَهُ) لِكُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرُ بَدَنِ الْآخَرِ وَلَمْسُهُ بِلَا كَرَاهَةٍ حَتَّى فَرْجِهَا؛ لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ.
وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ الْمُبَاحَةُ عَنْ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُزَوَّجَةِ وَالْوَثَنِيَّةِ وَنَحْوِهَا مِمَّنْ لَا
تَحِلُّ لَهُ (وَمَنْ لَا يَمْلِكُ إلَّا بَعْضًا) وَلَوْ أَكْثَرَهَا (كَمَنْ لَا حَقَّ لَهُ) فِيهَا فِي تَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ وَالنَّظَرِ إلَى الْعَوْرَةِ؛ لِأَنَّ مَا حَرَّمَ الْوَطْءَ حَرَّمَ دَوَاعِيَهُ (وَحَرُمَ فِي غَيْرِ مَا مَرَّ قَصْدُ نَظَرِ حُرَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا النَّظَرُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْأُولَى لَك» أَيْ: مَا كَانَ فَجْأَةً مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ (حَتَّى) قَصْدِ نَظَرِ (شَعْرٍ مُتَّصِلٍ) بِهَا كَسَائِرِ أَجْزَائِهَا وَ (لَا) يَحْرُمُ قَصْدُ نَظَرِ شَعْرٍ (بَائِنٍ) أَيْ: مُنْفَصِلٍ مِنْهَا؛ لِزَوَالِ حُرْمَتِهِ بِالِانْفِصَالِ (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: ظُفْرُهَا) الْمُتَّصِلُ بِهَا (عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتْ فَلَا يَبِنْ) أَيْ: يَظْهَرُ مِنْهَا (شَيْءٌ وَلَا خُفَّهَا) غَيْرَ الصَّفِيقِ (فَإِنَّهُ يَصِفُ الْقَدَمَ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَجْعَلَ لِكُمِّهَا زِرًّا عِنْدَ يَدَيْهَا) انْتَهَى.
(وَعِنْدَ الْقَاضِي يَجُوزُ النَّظَرُ لِوَجْهِ وَكَفِّ أَجْنَبِيَّةٍ لِغَيْرِ) حَاجَةٍ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ (مَعَ أَمْنِ فِتْنَةٍ) انْتَهَى.
(وَ) قَالَ (فِي " الْإِنْصَافِ ") قُلْت: وَ (هَذَا الَّذِي لَا يَسَعُ النَّاسُ غَيْرَهُ خُصُوصًا الْجِيرَانُ) وَالْأَقَارِبُ غَيْرُ الْمَحَارِمِ الَّذِي نَشَأَ بَيْنَهُمْ
(وَنَظَرُ خَصِيٍّ وَمَجْبُوبٍ وَمَمْسُوحٍ كَفَحْلٍ) فَيَحْرُمُ، وَلِذَلِكَ لَا تُبَاحُ خَلْوَةُ الْفَحْلِ بِالرَّتْقَاءِ مِنْ النِّسَاءِ (وَاسْتَعْظَمَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ إدْخَالُ الْخُصْيَانِ عَلَى النِّسَاءِ) لِأَنَّ الْعُضْوَ وَإِنْ تَعَطَّلَ أَوْ عُدِمَ، فَشَهْوَةُ الرَّجُلِ لَا تَزُولُ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَلَا يُؤْمَنُ التَّمَتُّعُ بِالْقُبْلَةِ وَغَيْرِهَا (وَحَرُمَ نَظَرٌ لِشَهْوَةٍ أَوْ مَعَ خَوْفِ ثَوَرَانِهَا) أَيْ: الشَّهْوَةِ نَصًّا (لِأَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا) أَيْ: مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَخُنْثَى غَيْرِ زَوْجَةٍ وَسُرِّيَّةٍ؛ لِمَا فِي النَّظَرِ مِنْ الدُّعَاءِ إلَى الْفِتْنَةِ (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَمَنْ اسْتَحَلَّهُ) أَيْ: النَّظَرَ (لِشَهْوَةٍ كَفَرَ إجْمَاعًا.
وَحَرُمَ نَظَرُهُ لِدَابَّةٍ بِشَهْوَةٍ) وَلَا يُعْفَ عَنْهَا (وَخَلْوَةٌ لَهُ بِهَا) لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ (كَ) مَا تَحْرُمُ الْخَلْوَةُ (بِقِرْدٍ تَشْتَهِيهِ الْمَرْأَةُ) أَوْ يَشْتَهِيهَا.
ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ؛ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ (وَمَعْنَى الشَّهْوَةِ التَّلَذُّذُ بِالنَّظَرِ)
إلَى الشَّيْءِ (قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ")
وَيَجُوزُ النَّظَرُ إلَى الْغُلَامِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، لِأَنَّهُ ذَكَرٌ أَشْبَهَ الْمُلْتَحِي، مَا لَمْ يَخَفْ ثَوَرَانَ الشَّهْوَةِ، فَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ إذَا كَانَ مُمَيِّزًا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفِتْنَةِ (وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ) فِي كِتَابِ " الْقَضَاءِ " (تَكْرَارُ النَّظَرِ لِلْأَمْرَدِ مُحَرَّمٌ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (مَنْ كَرَّرَ النَّظَرَ إلَى الْأَمْرَدِ أَوْ دَاوَمَهُ، وَقَالَ: إنِّي لَا أَنْظُرُ لِشَهْوَةٍ فَقَدْ كَذَبَ فِي ذَلِكَ وَقَالَ: الْخَلْوَةُ بِأَمْرَدَ حَسَنٌ وَمُضَاجَعَتُهُ كَامْرَأَةٍ)
أَيْ: فَتَحْرُمُ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ (وَلَوْ لِمَصْلَحَةِ تَعْلِيمٍ وَتَأْدِيبٍ وَالْمُقِرُّ مُوَلِّيهِ عِنْدَ مَنْ يُعَاشِرُهُ كَذَلِكَ) أَيْ: مَعَ الْخَلْوَةِ أَوْ الْمُضَاجَعَةِ (مَلْعُونٌ وَدَيُّوثٌ، وَمَنْ عُرِفَ بِمَحَبَّتِهِمْ أَوْ مُعَاشَرَةٍ بَيْنَهُمْ مُنِعَ مِنْ تَعْلِيمِهِمْ انْتَهَى.
قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ لِرَجُلٍ) صَدِيقٍ لَهُ قَدِمَ مِنْ خُرَاسَانَ وَ (مَعَهُ غُلَامٌ جَمِيلٌ هُوَ ابْنُ أُخْتِهِ: الَّذِي أَرَى لَك أَنْ لَا يَمْشِيَ مَعَك فِي طَرِيقٍ) وَقَالَ لَهُ: إذَا جِئْتنِي لَا يَكُونُ مَعَك، فَقَالَ لَهُ: إنَّهُ ابْنُ أُخْتِي.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ، لَا يَأْثَمُ النَّاسُ فِيك (وَكَرِهَ أَحْمَدُ مُجَالَسَةَ الْغُلَامِ الْحَسَنِ الْوَجْهِ) خَشْيَةَ الِافْتِتَانِ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: كَانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ فِي الْأَمْرَدِ: هُوَ أَشَدُّ فِتْنَةً مِنْ الْعَذَارَى، فَإِطْلَاقُ الْبَصَرِ مِنْ أَعْظَمِ الْفِتْنَةِ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ " قَالَ: مَنْ أُعْطِيَ أَسْبَابَ الْفِتْنَةِ مِنْ نَفْسِهِ أَوَّلًا؛ لَمْ يَنْجُ مِنْهَا آخِرًا، وَإِنْ كَانَ جَاهِدًا.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَالْأَمْرَدُ يُنْفِقُ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَهُوَ شَبَكَةُ الشَّيْطَانِ فِي حَقِّ النَّوْعَيْنِ.
تَكْمِلَةٌ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذَبَارِيُّ: قَالَ لِي أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ الْمُؤَدِّبُ: يَا أَبَا عَلِيٍّ مِنْ أَيْنَ أَخَذَ صُوفِيَّةُ عَصْرِنَا هَذَا الْأُنْسَ بِالْأَحْدَاثِ؟ فَقُلْت لَهُ: يَا سَيِّدِي أَنْتَ بِهِمْ أَعْرَفُ، وَقَدْ تَصْحَبُهُمْ السَّلَامَةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأُمُورِ فَقَالَ: هَيْهَاتَ قَدْ رَأَيْنَا مَنْ كَانَ أَقْوَى إيمَانًا مِنْهُمْ إذَا رَأَى الْحَدَثَ قَدْ
أَقْبَلَ يَفِرُّ كَفِرَارِهِ مِنْ الزَّحْفِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تَغْلِبُ الْأَحْوَالُ عَلَى أَهْلِهَا، فَتَأْخُذُهَا عَنْ تَصَرُّفِ الطِّبَاعِ، مَا أَكْثَرَ الْخَطَرَ، مَا أَكْثَرَ الْغَلَطَ.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَسَمِعْته حِينَئِذٍ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَمَعَهُ غُلَامٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، فَقَالَ لَهُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: ابْنِي، فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: لَا تَجِئْ بِهِ مَعَك مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا قَامَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَافِظُ: أَيَّدَ اللَّهُ الشَّيْخَ، إنَّهُ رَجُلٌ مَسْتُورٌ، وَابْنُهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، فَقَالَ أَحْمَدُ: الَّذِي قَصَدْنَا لَهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ لَيْسَ يَمْنَعُ مِنْهُ سِتْرُهُمَا، عَلَى هَذَا رَأَيْنَا أَشْيَاخَنَا، وَبِهِ أَخْبَرُونَا عَنْ أَشْيَاخِهِمْ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: سَمِعْت إبْرَاهِيمَ بْنَ هَانِئٍ يَقُولُ: سَمِعْت يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: مَا طَمِعَ أَمْرَدُ بِصُحْبَتِي وَلَا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي طَرِيقٍ، وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ: لَا تُجَالِسُوا أَوْلَادَ الْأَغْنِيَاءِ، فَإِنَّ لَهُمْ صُوَرًا كَصُوَرِ النِّسَاءِ، وَهُمْ أَشَدُّ فِتْنَةً مِنْ الْعَذَارَى.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: النَّظَرُ إلَى الْمُرْدَانِ جَائِزٌ عَلَى طَرِيقِ الْجُمْلَةِ إذَا لَمْ تَعْرِضْ شَهْوَةٌ، وَلَمْ يُوقَظْ نَظَرُهُمْ مِنْ النَّفْسِ الْتِذَاذًا أَوْ مَيْلًا؛ لِكَوْنِ الشَّرْعِ لَمْ يَأْمُرْ؛ بِتَغْطِيَتِهِمْ، وَجَوَّزَ دُخُولَهُمْ وَخُرُوجَهُمْ، وَالِاجْتِمَاعَ بِالرِّجَالِ فِي الْحَمَّامَاتِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ الشَّرْعُ مَبْنِيًّا عَلَى شَهَوَاتِ الْفُسَّاقِ، فَصَارَتْ الشَّهْوَةُ لَهُمْ كَمَنْ يَشْتَهِي الْبَهَائِمَ وَالرِّجَالَ.
انْتَهَى، أَفَادَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُحَرَّرِ ".
(وَلَمْسٌ كَنَظَرٍ) فَيَحْرُمُ حَيْثُ يَحْرُمُ النَّظَرُ، (بَلْ) اللَّمْسُ (أَوْلَى) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ النَّظَرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حِلِّ النَّظَرِ حِلُّ اللَّمْسِ كَالشَّاهِدِ وَنَحْوِهِ (وَكَرِهَ أَحْمَدُ مُصَافَحَةَ النِّسَاءِ، وَشَدَّدَ أَيْضًا حَتَّى لِمَحْرَمٍ، وَجَوَّزَهُ لِوَالِدٍ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ: وَمَحْرَمٌ (وَ) جُوِّزَ (أُخِذَ يَدِ عَجُوزٍ) وَفِي " الرِّعَايَةِ " (وَشَوْهَاءَ) ، (وَلَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ مَعَ أَمْنِ فِتْنَةٍ لِقَادِمٍ مِنْ سَفَرٍ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَذَكَرَ حَدِيثَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَدِمَ مِنْ غَزْوٍ فَقَبَّلَ فَاطِمَةَ» (لَكِنْ لَا يَفْعَلُهُ عَلَى الْفَمِ أَبَدًا، بَلْ الْجَبْهَةِ وَالرَّأْسِ) وَنَقَلَ حَرْبٌ فِيمَنْ تَضَعُ يَدَهَا عَلَى بَطْنِ رَجُلٍ لَا تَحِلُّ لَهُ، قَالَ: لَا يَنْبَغِي إلَّا لِضَرُورَةٍ؛ وَنَقَلَ المروذي: تَضَعُ يَدَهَا عَلَى صَدْرِهِ، قَالَ: ضَرُورَةً.
(وَكُرِهَ نَوْمُ رَجُلَيْنِ أَوْ امْرَأَتَيْنِ أَوْ مُرَاهِقَيْنِ مُتَجَرِّدَيْنِ تَحْتَ ثَوْبٍ أَوْ لِحَافٍ وَاحِدٍ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الرِّعَايَةِ ". وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مُبَاشَرَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَالْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ» . قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا ثَوْبٌ، فَلَا يُكْرَهُ نَوْمُهَا تَحْتَ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، أَوْ لِحَافٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ: مُتَجَرِّدَيْنِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ كَرَاهَةَ (هَذَا) النَّوْمِ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ (مَعَ أَمْنِ فِتْنَةٍ) عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا (وَ) أَمْنِ (نَظَرِ عَوْرَةٍ) (وَ) أَمْنِ (لَمْسِ) بَشَرَةٍ (وَإِلَّا) يُؤْمَنُ ذَلِكَ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ زَوْجٍ وَسَيِّدٍ، وَالْآخَرُ أُنْثَى، أَوْ كَانَ رَجُلٌ مَعَ أَمْرَدَ (حَرُمَ) نَوْمُهُمَا تَحْتَ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، أَوْ لِحَافٍ وَاحِدٍ؛ لِمَا يَأْتِي فِي الْإِخْوَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِذَا بَلَغَ الْإِخْوَةُ عَشْرَ سِنِينَ) ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا، أَوْ إنَاثًا وَذُكُورًا (فَرَّقَ) أَيْ: فَرَّقَ وَلِيُّهُمْ (بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» أَيْ: حَيْثُ كَانُوا يَنَامُونَ مُتَجَرِّدِينَ كَمَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الرِّعَايَةِ ". قَالَ فِي الْآدَابِ: هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ.
وَالْمَنْصُوصُ: وَاخْتَارَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وُجُوبَ التَّفْرِيقِ فِي ابْن سَبْعٍ فَأَكْثَرَ، وَأَنَّ لَهُ عَوْرَةً يَجِبُ حِفْظُهَا، أَيْ: عَنْ الْمُبَاشَرَةِ
(وَصَوْتُ الْأَجْنَبِيَّةِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَيَحْرُمُ تَلَذُّذٌ بِسَمَاعِهِ) أَيْ: صَوْتِ الْمَرْأَةِ غَيْرِ زَوْجَتِهِ وَسُرِّيَّتِهِ، (وَلَوْ) كَانَ صَوْتُهَا (بِقِرَاءَةٍ) لِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى الْفِتْنَةِ بِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهَا تُسِرُّ بِالْقِرَاءَةِ إنْ سَمِعَهَا أَجْنَبِيٌّ.
(وَحَرُمَ خَلْوَةُ غَيْرِ مَحْرَمٍ) بِذَاتِ مَحْرَمِهِ (عَلَى الْجَمِيعِ مُطْلَقًا) أَيْ: بِشَهْوَةٍ وَدُونِهَا وَ (كَرَجُلٍ) وَاحِدٍ يَخْلُو (مَعَ عَدَدٍ مِنْ نِسَاءٍ وَعَكْسُهُ) بِأَنْ يَخْلُوَ عَدَدٌ مِنْ رِجَالٍ بِامْرَأَةٍ (وَلَوْ) كَانَتْ خَلْوَتُهُمْ (بِرَتْقَاءَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَ) حَرُمَ (تَزَيُّنُ امْرَأَةٍ لِمَحْرَمٍ، كَأَبٍ وَأَخٍ، غَيْرِ زَوْجٍ وَسَيِّدٍ) لِدُعَائِهِ إلَى الِافْتِتَانِ بِهَا
[فَصْلٌ التَّصْرِيحُ بِالنِّكَاحِ لِمُعْتَدَّةٍ]
فَصْلٌ (يَحْرُمُ تَصْرِيحٌ وَهُوَ) أَيْ التَّصْرِيحُ: (مَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ النِّكَاحِ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ) بَائِنٍ إجْمَاعًا، وَمِثْلُهَا مُسْتَبْرَأَةٌ، عَتَقَتْ بِمَوْتِ سَيِّدٍ وَنَحْوِهِ، كَقَوْلِهِ: أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَك، أَوْ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُك تَزَوَّجْتُك، أَوْ زَوِّجِينِي نَفْسَك، لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: 235] إذْ تَخْصِيصُ التَّعْرِيضِ بِنَفْيِ الْحَرَجِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّصْرِيحِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنَّهُ يَحْمِلُهَا الْحِرْصُ عَلَى النِّكَاحِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا قَبْلَ، انْقِضَائِهَا (إلَّا لِزَوْجٍ تَحِلُّ لَهُ) كَالْمُخْتَلِعَةِ وَالْمُطَلَّقَةِ دُونَ ثَلَاثٍ عَلَى عِوَضٍ، لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ نِكَاحُهَا فِي عِدَّتِهَا، أَشْبَهَتْ غَيْرَ الْمُعْتَدَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كَالْمَزْنِيِّ، بِهَا وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ،
فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ وَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا أَوْ أَعْتَقَهَا فَإِنَّهَا فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا.
(وَ) يَحْرُمُ أَيْضًا (تَعْرِيضٌ) وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ النِّكَاحُ مَعَ احْتِمَالِ غَيْرِهِ (بِخِطْبَةِ) مُطَلَّقَةٍ (رَجْعِيَّةٍ) لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ أَشْبَهَتْ الَّتِي فِي صُلْبِ النِّكَاحِ (وَيَجُوزُ تَعْرِيضٌ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ) لِلْآيَةِ، «وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ مُتَأَيِّمٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْت أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَمَوْضِعِي مِنْ قَوْمِي» وَكَانَتْ تِلْكَ خِطْبَتَهُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِالنِّكَاحِ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ، (وَ) يَجُوزُ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ (بَائِنٍ وَلَوْ بِغَيْرِ طَلَاقٍ) (ثَلَاثٍ، وَفَسْخٌ لِعُنَّةٍ وَعَيْبٍ) لِأَنَّهَا بَائِنٌ أَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا وَالْمُنْفَسِخَ نِكَاحُهَا لِنَحْوِ رَضَاعٍ وَلِعَانٍ مِمَّا تَحْرُمُ بِهِ أَبَدًا (وَهِيَ) أَيْ: (الْمَرْأَةُ فِي جَوَابٍ) لِلْمُخَاطَبِ (كَهُوَ) أَيْ: الْخَاطِبِ (فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ) مِنْ تَصْرِيحٍ وَتَعْرِيضٍ فَيَجُوزُ لِلْبَائِنِ التَّعْرِيضُ فِي عِدَّتِهَا دُونَ التَّصْرِيحِ لِغَيْرِ مَنْ تَحِلُّ لَهُ إذَنْ، وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجْعِيَّةِ التَّعْرِيضُ وَالتَّصْرِيحُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ (وَالتَّعْرِيضُ) مِنْ الْخَاطِبِ (نَحْوَ) أَنْ يَقُولَ: (إنِّي فِي مِثْلِك لَرَاغِبٌ، وَلَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِك، وَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُك فَأَعْلِمِينِي) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّهَا عَلَى رَغْبَتِهِ فِيهَا، نَحْوَ: مَا أَحْوَجَنِي إلَى مِثْلِك (وَتُجِيبُهُ) تَعْرِيضًا (بِنَحْوِ: مَا يُرْغَبُ عَنْك، وَإِنْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ) وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَإِنْ يَكُنْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَمْضِهِ
وَ (تَحْرُمُ خِطْبَةٌ عَلَى خِطْبَةِ مُسْلِمٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَلِأَنَّ فِي خِطْبَةِ الثَّانِي إفْسَادًا عَلَى الْأَوَّلِ وَإِيقَاعًا لِلْعَدَاوَةِ.
وَ (لَا) تَحْرُمُ خِطْبَةٌ عَلَى خِطْبَةِ (كَافِرٍ) لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ (كَمَا لَا)
يَجِبُ أَنْ (يَنْصَحَهُ نَصًّا) لِحَدِيثِ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِالْمُسْلِمِ، وَإِلْحَاقَ غَيْرِهِ بِهِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ مِثْلَهُ، وَلَيْسَ الذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ وَلَا حُرْمَتُهُ كَحُرْمَتِهِ (إنْ أُجِيبَ) (الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ وَلَوْ تَعْرِيضًا إنْ عَلِمَ) الثَّانِي بِخِطْبَةِ الْأَوَّلِ وَإِجَابَتِهِ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ كَانَ مَعْذُورًا بِالْجَهْلِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِجَابَةِ، فَلَوْ أَجَابَتْهُ الْمَرْأَةُ ثُمَّ جَنَتْ أَوْ أَجَابَهُ الْوَلِيُّ ثُمَّ زَالَتْ وِلَايَتُهُ بِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ.
سَقَطَتْ الْإِجَابَةُ.
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ الثَّانِي إجَابَةَ الْأَوَّلِ جَازَ (أَوْ تَرَكَ) الْأَوَّلَ الْخِطْبَةَ، وَكَذَا لَوْ أَخَّرَ الْعَقْدَ، وَطَالَتْ الْمُدَّةُ، وَتَضَرَّرَتْ الْمَخْطُوبَةُ (أَوْ اُسْتُؤْذِنَ) الْأَوَّلُ (فَأَذِنَ) لِلثَّانِي فِي الْخِطْبَةِ، جَازَ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَطَبَ الْأَوَّلُ، وَرَدَّ، جَازَ، وَلَوْ كَانَ رَدُّهُ بَعْدَ الْإِجَابَةِ فَلِلثَّانِي الْخِطْبَةُ، لِأَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنْ الْأَوَّلِ لَيْسَ مِنْ قِبَلِهِ، لِمَا رَوَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ «أَنَّهَا أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَاهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(أَوْ سَكَتَ) الْأَوَّلُ عَنْهُ بِأَنْ اسْتَأْذَنَ الثَّانِي الْأَوَّلَ، فَسَكَتَ عَنْهُ (جَازَ) لِأَنَّ سُكُوتَهُ عِنْدَ اسْتِئْذَانِهِ فِي مَعْنَى التَّرْكِ (وَالتَّعْوِيلِ فِي رَدٍّ وَإِجَابَةٍ عَلَى وَلِيٍّ مُجْبِرٍ) وَهُوَ الْأَبُ وَوَصِيُّهُ فِي النِّكَاحِ إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ حُرَّةً بِكْرًا، وَكَذَا سَيِّدٌ، أَمَتُهُ بِكْرٌ أَوْ ثَيِّبٌ فَلَا أَثَرَ لِإِجَابَةِ الْمُجْبَرَةِ؛ لِأَنَّ وَلِيَّهَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا، فَكَانَتْ الْعِبْرَةُ بِهِ لَا بِهَا، (وَإِلَّا) تَكُنْ مُجْبَرَةً كَحُرَّةٍ ثَيِّبٍ عَاقِلَةٍ تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ فَ (التَّعْوِيلُ) فِي رَدٍّ وَإِجَابَةٍ (عَلَيْهَا) أَيْ: الْمَخْطُوبَةِ، دُونَ وَلِيِّهَا؛ لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِنَفْسِهَا، فَكَانَ الْأَمْرُ أَمْرَهَا، وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُرْوَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ عَائِشَةَ إلَى أَبِي بَكْرٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا مُرْسَلًا.
(وَلَا يُكْرَهُ لِوَلِيٍّ) مُجْبِرٍ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِجَابَةِ لِغَرَضٍ، (وَلَا) يُكْرَهُ (لِامْرَأَةٍ) غَيْرِ مُجْبَرَةٍ، (رُجُوعٌ عَنْ إجَابَةٍ لِغَرَضٍ) صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَمَّنْ يَدُومُ الضَّرَرُ فِيهِ، فَكَانَ لَهَا الِاحْتِيَاطُ لِنَفْسِهَا وَالنَّظَرُ فِي حَظِّهَا وَالْوَلِيُّ قَائِمٌ مَقَامَهَا فِي ذَلِكَ (وَإِلَّا) يَكُنْ الرُّجُوعُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ (كُرِهَ) مِنْهُ وَمِنْهَا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إخْلَافِ الْوَعْدِ، وَالرُّجُوعِ عَنْ الْقَوْلِ، وَلَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ بَعْدُ لَمْ يَلْزَمْ، كَمَنْ سَاوَمَ سِلْعَتَهُ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَبِيعَهَا.
وَإِنْ كَرِهَتْ الْمُجْبَرَةُ الْمُجَابَ، وَاخْتَارَتْ كُفُؤًا غَيْرَهُ (وَ) عَيَّنَتْهُ سَقَطَ حُكْمُ إجَابَةِ وَلِيِّهَا إذْ (اخْتِيَارُهَا) إذَا تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ (مُقَدَّمٌ عَلَى اخْتِيَارِ خِطْبَةِ وَلِيٍّ) وَإِنْ كَرِهَتْهُ، وَلَمْ تَخْتَرْ سِوَاهُ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ حُكْمُ الْإِجَابَةِ
(وَمَنْ خَطَبَ امْرَأَةً فَخَطَبَتْهُ) امْرَأَةٌ (أُخْرَى) أَوْ خَطَبَهُ وَلِيُّهَا يَنْبَغِي التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّهُ إيذَاءٌ لِلْمَخْطُوبِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، أَوْ خَطَبَتْهُ امْرَأَةٌ (أَوْ) خَطَبَهُ (وَلِيُّهَا ابْتِدَاءً، فَأَجَابَ، فَخَطَبَهَا) رَجُلٌ (آخَرُ، يَنْبَغِي التَّحْرِيمُ.
قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ إيذَاءٌ لِلْخَاطِبِ، كَمَا أَنَّ ذَلِكَ إيذَاءٌ لِلْمَخْطُوبِ، إلَّا أَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْخَاطِبُ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ فِي الْإِيذَاءِ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ قَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَرَامًا، انْتَهَى.
تَتِمَّةٌ: قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَقْتَضِي جَوَازَ خِطْبَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى خِطْبَةِ أُخْتِهَا وَصَرَّحَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " بِالْمَنْعِ، وَلَعَلَّ الْعِلَّةَ تُسَاعِدُهُ، وَأَمَّا السَّعْيُ مِنْ الْأَبِ لِلْأَيِّمِ فِي التَّزْوِيجِ وَاخْتِيَارُ الْأَكْفَاءِ فَمُسْتَحَبٌّ؛ لِفِعْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ عَرَضَ حَفْصَةَ عَلَى عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: (وَفِي تَحْرِيمِ خِطْبَةِ مَنْ أَذِنَتْ) هِيَ (لِوَلِيِّهَا بِتَزْوِيجِهَا مِنْ) شَخْصٍ (مُعَيَّنٍ) مُسْلِمٍ (احْتِمَالَانِ) : أَحَدُهُمَا - يَحْرُمُ كَمَا لَوْ خَطِبَتْ، فَأَجَابَتْ.
قَالَ التَّقِيُّ الْفَتُوحِيُّ: الْأَظْهَرُ التَّحْرِيمُ.
وَالثَّانِي - لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْطُبْهَا أَحَدٌ، وَهُمَا لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهَذَا دَلِيلٌ مِنْ الْقَاضِي أَنَّ سُكُوتَ الْمَرْأَةِ عِنْدَ الْخِطْبَةِ لَيْسَ خِطْبَةً بِحَالٍ.
(وَيَصِحُّ عَقْدٌ مَعَ خِطْبَةٍ حَرُمَتْ) عَلَى خَاطِبٍ، بِأَنْ عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ خَطَبَهَا غَيْرُهُ قَبْلَهُ، فَأَجَابَتْهُ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي ذَلِكَ تَقْدِيمُ الْحَظْرِ عَلَى الْعَقْدِ، وَهُوَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَدَّمَ عَلَى الْعَقْدِ تَصْرِيحًا أَوْ تَعْرِيضًا مُحَرَّمًا، بِخِلَافِ الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ مُسْلِمٍ.
(وَيُسَنُّ عَقْدُ) النِّكَاحِ (مَسَاءَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «أَمْسُوا بِالْأَمْلَاكِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ» . رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ، وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِمَقْصُودِهِ، وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ شَرِيفٌ وَيَوْمُ عِيدٍ، وَالْبَرَكَةُ فِي النِّكَاحِ مَطْلُوبَةٌ، فَاسْتُحِبَّ لَهُ أَشْرَفُ الْأَيَّامِ طَلَبًا لِلْبَرَكَةِ وَالْإِمْسَاءِ بِهِ؛ لِأَنَّ فِي آخِرِ النَّهَارِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَخْطُبَ) الْعَاقِدُ (قَبْلَهُ) أَيْ: النِّكَاحِ (بِخُطْبَةِ) عَبْدِ اللَّهِ (ابْنُ مَسْعُودٍ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَكَانَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ إذَا حَضَرَ الْعَقْدَ، وَلَمْ يَخْطَبْ فِيهِ بِهَا قَامَ وَتَرَكَهُمْ) وَهَذَا مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِحْبَابِهَا، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً؛ لِأَنَّ «رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: زَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ خُطْبَةً.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ «رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: خَطَبْت إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَامَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأَنْكَحَنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَشَهَّدَ» . وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ؛ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ خُطْبَةٌ كَالْبَيْعِ.
(وَهِيَ) أَيْ: خُطْبَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّشَهُّدَ فِي الْحَاجَةِ إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَفَتْحِهَا عَلَى أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يَضْلِلْ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ» فَفَسَّرَهَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70] (الْآيَةَ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ.
وَاقْتَصَرَ فِي " الْمُقْنِعِ " " وَالْمُنْتَهَى " عَلَى خُطْبَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
زَادَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " (وَبَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالنِّكَاحِ، وَنَهَى عَنْ السِّفَاحِ، فَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا وَآمِرًا: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] الْآيَةَ) . قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ هَذِهِ الْآيَةَ أَيْضًا (وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَشَهَّدَ وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ) إنَّ فُلَانًا يَخْطُبُ إلَيْكُمْ فُلَانَةَ، فَإِنْ أَنْكَحْتُمُوهُ فَالْحَمْدُ
لِلَّهِ؛ وَإِنْ رَدَدْتُمُوهُ فَسُبْحَانَ اللَّهِ.
وَالْمُسْتَحَبُّ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَعَنْ السَّلَفِ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ أَوْلَى مَا اُتُّبِعَ، وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْمُتَقَدِّمِ (وَيُقَالُ لِمُتَزَوِّجٍ نَدْبًا: بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا وَعَلَيْكُمَا، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَفَأَ إنْسَانًا، إذَا تَزَوَّجَ، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَك وَبَارَكَ عَلَيْك وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
«وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: بَارَكَ اللَّهُ لَك، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» .
(فَإِذَا زُفَّتْ) الزَّوْجَةُ (إلَيْهِ قَالَ نَدْبًا: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتهَا عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتهَا عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوْ اشْتَرَى خَادِمًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتهَا عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتهَا عَلَيْهِ، وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيرًا أَخَذَهُ بِذِرْوَةِ سَنَامِهِ، وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أَسِيدٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَ فَحَضَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو ذَرٍّ وَحُذَيْفَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا لَهُ: إذَا دَخَلْت عَلَى أَهْلِك فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خُذْ بِرَأْسِ أَهْلِك، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِي أَهْلِي وَبَارِكْ لِأَهْلِي فِي، وَارْزُقْنِي مِنْهُمْ، ثُمَّ شَأْنَك وَشَأْنَ أَهْلِك.
رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ فِي مَسَائِلِهِ " عَنْ أَبِيهِ.
[فَصْلٌ فِي خَصَائِصِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَام]
فَصْلٌ فِي خَصَائِصِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي ذَكَرَهَا أَصْحَابُنَا: ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا، وَاحْتِيجَ إلَى بَيَانِهَا لِئَلَّا يَرَى جَاهِلٌ بَعْضَ الْخَصَائِصِ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ، فَيَعْمَلَ بِهَا أَخْذًا بِأَصْلِ التَّأَسِّي، فَوَجَبَ بَيَانُهَا لِتُعْرَفَ، وَأَيُّ فَائِدَةٍ أَهَمُّ مِنْ هَذِهِ.
وَمَا يَقَعُ فِي ضِمْنِ الْخَصَائِصِ مِمَّا لَا فَائِدَةَ، فِيهِ الْيَوْمَ، فَقَلِيلٌ لَا تَخْلُو أَبْوَابُ الْفِقْهِ عَنْ مِثْلِهِ؛ لِلتَّدَرُّبِ وَمَعْرِفَةِ الْأَدِلَّةِ.
(خُصَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَاجِبَاتٍ وَمَحْظُورَاتٍ وَمُبَاحَاتٍ وَكَرَامَاتٍ قَالَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) وَقَدْ بَدَأَ بِالْوَاجِبَاتِ، فَقَالَ: (وَجَبَ عَلَيْهِ وِتْرٌ) لِخَبَرِ: «ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ، وَلَكُمْ تَطَوُّعٌ: النَّحْرُ وَالْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الضُّحَى» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَضَعَّفَهُ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَقَلُّ الضُّحَى لَا أَكْثَرُهُ، وَقِيَاسُهُ فِي الْوِتْرِ كَذَلِكَ، قِيلَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى رَكْعَةٍ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ " وَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ الضُّحَى.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا غَلَطٌ، وَلَمْ يَكُنْ يُوَاظِبُ عَلَى الضُّحَى بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ بِسُنَّتِهِ.
(وَ) وَجَبَ عَلَيْهِ (قِيَامُ لَيْلٍ) وَلَمْ يُنْسَخْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ.
قَالَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْوِتْرُ غَيْرُ قِيَامِ اللَّيْلِ؛ لِحَدِيثٍ سَاقَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: «الْوِتْرُ وَالتَّهَجُّدُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ» . قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ:
فَرَّقَ أَصْحَابُنَا هُنَا بَيْنَ الْوِتْرِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ.
انْتَهَى.
وَأَكْثَرُ الْوَاصِفِينَ لِتَهَجُّدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْتَصَرُوا عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَذَلِكَ هُوَ الْوِتْرُ، وَتَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ أَنَّ التَّهَجُّدَ بَعْدَ نَوْمٍ، وَعَلَيْهِ فَإِنْ نَامَ ثُمَّ أَوْتَرَ، فَتَهَجَّدَ وَوَتَرَ، وَإِنْ أَوْتَرَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ فَوَتَرَ لَا تَهَجُّدَ.
(وَ) وَجَبَ عَلَيْهِ (سِوَاكٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ) ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ بِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ.
(وَ) وَجَبَ عَلَيْهِ (أُضْحِيَّةٌ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا، وَلَوْ عَبَّرَ بِالتَّضْحِيَةِ لَكَانَ أَوْلَى، لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ اسْمٌ لِلشَّاةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُضَحَّى بِهِ.
(وَ) وَجَبَ عَلَيْهِ أَيْضًا (رَكْعَتَا فَجْرٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ: الْوِتْرُ وَالنَّحْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
(وَ) وَجَبَ عَلَيْهِ أَيْضًا (تَخْيِيرُ نِسَائِهِ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ - (بَيْنَ فِرَاقِهِ) طَلَبًا لِلدُّنْيَا (وَالْإِقَامَةِ مَعَهُ) طَلَبًا لِلْآخِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: 28] الْآيَتَيْنِ.
وَلِئَلَّا يَكُونَ مُكْرِهًا لَهُنَّ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى مَا آثَرَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ الْفَقْرِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ تَعَوَّذَ مِنْ الْفَقْرِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ تَعَوُّذٌ مِنْ فِتْنَةِ فِتْنَتِهِ كَمَا تَعَوَّذَ مِنْ الْغِنَى وَتَعَوَّذَ مِنْ فَقْرِ الْقَلْبِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: «لَيْسَ الْغِنَى بِكَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَإِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» .
«وَخَيَّرَهُنَّ، وَبَدَأَ مِنْهُنَّ بِعَائِشَةَ، فَاخْتَرْنَ الْمُقَامَ» .
(وَ) وَجَبَ عَلَيْهِ أَيْضًا (إنْكَارُ مُنْكَرٍ رَآهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ) فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْخَوْفِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ وَعَدَهُ بِالْعِصْمَةِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَا إذَا كَانَ الْمُرْتَكِبُ يَزِيدُهُ الْإِنْكَارُ إغْرَاءً؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ إبَاحَتُهُ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأُمَّةِ.
ذَكَرَهُ السَّمْعَانِيُّ فِي الْقَوَاطِعِ.
(وَ) وَجَبَ عَلَيْهِ أَيْضًا (مُشَاوَرَةٌ فِي الْأَمْرِ مَعَ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ) ذَوِي الْأَحْلَامِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» وَالْحِكْمَةُ أَنْ يَسْتَنَّ بِهَا الْحُكَّامُ بَعْدَهُ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَنِيًّا عَنْهَا بِالْوَحْيِ.
(وَ) وَجَبَ عَلَيْهِ أَيْضًا (مُصَابَرَةُ عَدُوٍّ كَثِيرٍ) إذَا كَانَ زَائِدًا عَلَى الضِّعْفِ (لِلْوَعْدِ بِالنَّصْرِ) أَيْ: لِأَنَّهُ مَوْعُودٌ بِالْعِصْمَةِ وَالنَّصْرِ، بَلْ رَوَى الدَّمِيرِيِّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ أُمِرَ بِالْقِتَالِ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْمَحْظُورِ بِقَوْلِهِ: (وَمُنِعَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مِنْ رَمْزٍ بِعَيْنٍ وَإِشَارَةٍ بِهَا) لِحَدِيثِ: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَهِيَ الْإِيمَاءُ إلَى مُبَاحٍ مِنْ نَحْوِ ضَرْبٍ وَقَتْلٍ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَسُمِّيَ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ، لِشَبَهِهِ بِالْخِيَانَةِ وَبِإِخْفَائِهِ، وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا فِي مَحْظُورٍ.
(وَ) مِنْ (نَزْعِ لَأْمَةِ حَرْبٍ) أَيْ: سِلَاحِهِ كَدِرْعِهِ إذَا (لَبِسَهَا قَبْلَ لِقَاءِ عَدُوٍّ) وَيُقَاتِلُهُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِصَّةِ أُحُدٍ لَمَّا أُشِيرَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْحَرْبِ بَعْدَ أَنْ لَبِسَ لَأْمَتَهُ: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَلْبَسَ لَأْمَةَ الْحَرْبِ ثُمَّ يَنْزِعَهَا حَتَّى يُنْجِزَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ» . وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ اخْتِصَاصِ الْأَنْبِيَاءِ (وَ) مِنْ (إمْسَاكِ مَنْ كَرِهْت نِكَاحَهُ) كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ تَخْيِيرِ نِسَائِهِ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِخَبَرِ الْعَائِذَةِ بِقَوْلِهَا: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقَدْ اسْتَعَذْتِ بِمَعَاذٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَ) مِنْ (شِعْرٍ وَخَطٍّ وَتَعَلُّمِهِمَا) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69] وَقَالَ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: 48]
الْآيَةَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» . وَنَحْوُهُ فَلَيْسَ بِشِعْرٍ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مَوْزُونٌ بِلَا قَصْدِ زِنَتِهِ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعَرُوضِ وَالْأَدَبِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ شِعْرًا إلَّا بِالْقَصْدِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجَزِ، أَشِعْرٌ هُوَ أَمْ لَا؟ وَكَانَ يُمَيِّزُ بَيْنَ جَيِّدِ الشِّعْرِ وَرَدِيئِهِ.
(وَ) مِنْ (نِكَاحِ كِتَابِيَّةٍ) لِأَنَّهَا تَكْرَهُ صُحْبَتَهُ، وَلِأَنَّهُ أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَضَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ كَافِرَةٍ.
وَفِي الْخَبَرِ: «سَأَلْت رَبِّي أَنْ لَا أُزَوَّجَ إلَّا مَنْ كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ فَأَعْطَانِي» ) . رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ.
(وَ) مِنْ نِكَاحِ (أَمَةٍ) وَلَوْ مُسْلِمَةً، لِأَنَّ نِكَاحَهَا مُعْتَبَرٌ بِخَوْفِ الْعَنَتِ، وَهُوَ مَعْصُومٌ، وَبِفِقْدَانِ مَهْرِ الْحُرَّةِ وَنِكَاحُهُ غِنًى عَنْ الْمَهْرِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، وَخَرَجَ بِالنِّكَاحِ التَّسَرِّي.
وَمِنْ أَخْذِ (صَدَقَةٍ) لِنَفْسِهِ وَلَوْ تَطَوُّعًا، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ، وَكَذَا لِكَفَّارَةٍ؛ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «إنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» ) . وَصِيَانَةً لِمَنْصِبِهِ الشَّرِيفِ؛ لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ ذُلِّ الْآخِذِ وَعِزِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، وَأُبْدِلَ بِهَا الْفَيْءَ الَّذِي يُؤْخَذُ عَلَى سَبِيلِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ الْمُنْبِئِ عَنْ عِزِّ الْآخِذِ وَذُلِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ.
(وَ) مِنْ (زَكَاةٍ عَلَى أَقَارِبِهِ) وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ عَلَى قَوْلٍ فِي بَنِي الْمُطَّلِبِ، وَكَذَا مَوَالِيهِمْ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا، وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هُوَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَيَكُونُ تَحْرِيمُهَا عَلَى هَؤُلَاءِ بِسَبَبِ انْتِسَابِهِمْ إلَيْهِ، عُدَّ مِنْ خَصَائِصِهِ، أَمَّا صَدَقَةُ النَّفْلِ فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ.
(وَ) مِنْ (أَنْ يُهْدِيَ لِيُعْطَى أَكْثَرَ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ» . لَا تُهْدِ لِتُعْطَى أَكْثَرَ، هَذَا
الْأَدَبُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً، وَأَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَى أُمَّتِهِ فِي ذَلِكَ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: 50] إلَى قَوْلِهِ: ﴿اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: 50] الْآيَةَ، تَدُلُّ عَلَى (أَنَّ مَنْ لَمْ تُهَاجِرْ) مَعَهُ (لَمْ تَحِلَّ لَهُ: قَالَهُ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي قَرَابَاتِهِ فِي الْآيَةِ، لَا الْأَجْنَبِيَّاتِ، فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ نَسْخَهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ.
(وَكَانَ) - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (لَا يُصَلِّي) فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ (عَلَى مَدِينٍ) مَاتَ وَ (لَا وَفَاءَ لَهُ) كَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ إذَا كَانَ (بِلَا ضَامِنٍ) وَيَأْذَنُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأَصْحَابِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (ثُمَّ نُسِخَ) الْمَنْعُ (فَكَانَ) آخِرًا (يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَيُوفِي دَيْنَهُ مِنْ عِنْدِهِ) لِخَبَرِ " الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ» (وَلَا يُوَرَّثُ بَلْ تَرِكَتُهُ صَدَقَةٌ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «إنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِنَبِيِّنَا، بَلْ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلُهُ، فَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ.
(وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ أَنَّهُ (لَا يُمْنَعُ مِنْ الْإِرْثِ.
وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " لَا يَرِثُ؛ وَلَا يَعْقِلُ بِالْإِجْمَاعِ) وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ فِي " الْإِنْصَافِ ".
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْمُبَاحَاتِ بِقَوْلِهِ: (وَأُبِيحَ لَهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (التَّزَوُّجُ بِأَيِّ عَدَدٍ شَاءَ،) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: 51] الْآيَةَ، وَلِأَنَّهُ مَأْمُونُ الْجَوْرِ.
وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " كَانَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَيِّ عَدَدٍ شَاءَ ثُمَّ مُنِعَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: 52] انْتَهَى (ثُمَّ نُسِخَ تَحْرِيمُ الْمَنْعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: 50] الْآيَةَ.
(لِتَكُونَ الْمِنَّةُ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) بِتَرْكِ التَّزَوُّجِ عَلَيْهِنَّ، وَقِيلَ: نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: 51] الْآيَةَ.
(وَ) لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (التَّزَوُّجُ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ) لِأَنَّ اعْتِبَارَ الشُّهُودِ لَأَمِنَ الْجُحُودِ، وَهُوَ مَأْمُونٌ مِنْهُ، وَالْمَرْأَةُ لَوْ جَحَدَتْ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا، وَاعْتِبَارُ الْوَلِيِّ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْكَفَاءَةِ، وَهُوَ فَوْقَ الْأَكْفَاءِ.
وَلَهُ التَّزَوُّجُ أَيْضًا بِلَا (مَهْرٍ) وَهُوَ بِمَعْنَى الْهِبَةِ، فَلَا يَجِبُ مَهْرٌ ابْتِدَاءً وَلَا انْتِهَاءً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 50] ، الْآيَةَ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي زَمَنِ الْإِحْرَامِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» لَكِنَّ أَكْثَرَ الرَّوِيَّاتِ أَنَّهُ كَانَ حَلَالًا، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا.
وَفِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ قَالَتْ: «تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفَ» . وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ: «تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْت السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَقَدْ رَدَّ بِهَذَا رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأُولَى.
وَلَهُ التَّزَوُّجُ (بِلَفْظِ هِبَةٍ) لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ (وَيَحِلُّ لَهُ) نِكَاحُ الْمَرْأَةِ (بِتَزْوِيجِ اللَّهِ) تَعَالَى مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ بِعَقْدٍ (كَزَيْنَبِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] وَإِذَا تَزَوَّجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَفْظِ الْهِبَةِ لَا يَجِبُ مَهْرٌ بِالْعَقْدِ وَلَا بِالدُّخُولِ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ.
وَلَهُ أَنْ (يُرْدِفَ الْأَجْنَبِيَّةَ خَلْفَهُ) لِقِصَّةِ أَسْمَاءَ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ «امْرَأَةٍ مِنْ غِفَارٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْدَفَهَا عَلَى حَقِيبَتِهِ» . وَلَهُ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا لِقِصَّةِ أُمِّ حَرَامٍ.
(وَ) لَهُ أَنْ (يُزَوِّجَهَا) أَيْ الْأَجْنَبِيَّةَ (لِمَنْ شَاءَ بِلَا إذْنِهَا وَإِذْنِ وَلِيِّهَا، وَأَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6] .
(وَإِنْ كَانَتْ) الْمَرْأَةُ (خَلِيَّةً) مِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ (وَرَغِبَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فِيهَا، وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْإِجَابَةُ، وَحَرُمَ عَلَى غَيْرِهِ خِطْبَتُهَا) لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ.
وَأُبِيحَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وِصَالُ صَوْمٍ) لِخَبَرِ " الصَّحِيحَيْنِ ": «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْوِصَالِ.
فَقِيلَ: إنَّك تُوَاصِلُ، فَقَالَ: إنِّي لَسْت مِثْلَكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» ؛ أَيْ: أُعْطِيَ قُوَّةَ الطَّاعِمِ وَالشَّارِبِ.
(وَ) أُبِيحَ لَهُ (خُمُسُ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ) وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْوَقْعَةَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41] .
وَأُبِيحَ لَهُ (الصَّفِيُّ مِنْ الْمَغْنَمِ) وَهُوَ شَيْءٌ يَخْتَارُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، كَجَارِيَةٍ وَسَيْفٍ وَدِرْعٍ، وَمِنْهُ صَفِيَّةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -.
وَأُبِيحَ لَهُ (دُخُولُ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ) مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَأُبِيحَ لَهُ (الْقِتَالُ فِيهَا) أَيْ: فِي مَكَّةَ (سَاعَةً) مِنْ النَّهَارِ، وَكَانَتْ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الْعَصْرِ (وَ) لَهُ (أَخْذُ الْمَاءِ مِنْ الْعَطْشَانِ) وَالطَّعَامِ مِنْ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
وَأُبِيحَ لَهُ (أَنْ يَقْتُلَ بِغَيْرِ إحْدَى الثَّلَاثِ) نَصًّا، يَعْنِي بِالثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ، الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ
عَنْ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ " وَابْنِ عَقِيلٍ: وَيُبَاحُ لَهُ مِلْكُ الْيَمِينِ مُسْلِمَةً كَانَتْ الْأَمَةُ أَوْ مُشْرِكَةً كِتَابِيَّةً، وَلَا يَسْتَشْكِلُ جَوَازُ التَّسَرِّي بِالْكِتَابِيَّةِ بِمَا عَلَّلُوا بِهِ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّةِ مِنْ كَوْنِهَا تَكْرَهُ صُحْبَتَهُ، لِأَنَّ التَّسَرِّيَ لَا يَسْتَلْزِمُ الصُّحْبَةَ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ كَرَاهَتَهَا، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ بِالنِّكَاحِ أَصَالَةُ التَّوَالُدِ فَاحْتِيطَ لَهُ، وَيَلْزَمُ فِي النِّكَاحِ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ الْمُشْرِكَةُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، بِخِلَافِ الْمِلْكِ
ثُمَّ ذَكَرَ الْكَرَامَاتِ بِقَوْلِهِ (وَأُكْرِمَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " بِأَنْ جُعِلَ خَاتَمَ (الْأَنْبِيَاءِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40] (وَ) جُعِلَ (خَيْرَ الْخَلْقِ وَسَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ) لِحَدِيثِ «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ» ؛ أَيْ وَلَا فَخْرَ أَكْمَلُ مِنْ هَذَا الْفَخْرِ الَّذِي أُعْطِيتُهُ، أَوْ لَا أَقُولُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِافْتِخَارِ، بَلْ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ أَوْ لِلتَّبْلِيغِ، وَحَدِيثِ «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ» . وَنَحْوِهِ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ تَفْضِيلٌ يُؤَدِّي إلَى التَّنْقِيصِ، وَنَوْعُ الْآدَمِيِّ أَفْضَلُ الْخَلْقِ.
(وَ) هُوَ (أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ» . (وَأَوَّلُ شَافِعٍ) وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَأَوَّلُ (قَارِعٍ) يَقْرَعُ (بَابَ الْجَنَّةِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ.
(وَ) هُوَ (أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَابِعًا» ) . وَحَدِيثِ الْبَزَّارِ: «يَأْتِي مَعِي مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ السَّيْلِ وَاللَّيْلِ» .
وَحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «مَا صُدِّقَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْت؛ إذْ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ إلَّا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ» ) ". (" وَأُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ") رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
أَيْ أَلْفَاظًا قَلِيلَةً تُفِيدُ مَعَانِيَ كَثِيرَةً.
(وَصُفُوفُ أُمَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «أَلَّا تُصَفُّونَ كَمَا تُصَفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا، يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْمُتَقَدِّمَةَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ» .
(وَأُمَّتُهُ أَفْضَلُ الْأُمَمِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] (وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى الْأُمَمِ (بِتَبْلِيغِ رُسُلِهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143] .
(وَأَصْحَابُهُ خَيْرُ الْقُرُونِ) لِحَدِيثِ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَأُمَّتُهُ مَعْصُومَةٌ مِنْ اجْتِمَاعٍ عَلَى الضَّلَالَةِ) لِحَدِيثِ: «لَا تَجْتَمِعُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ضَلَالَةٍ أَبَدًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعِيفٌ.
لَكِنْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ لَهُ شَوَاهِدَ، (وَ) لِذَلِكَ كَانَ (إجْمَاعُهُمْ) أَيْ: إجْمَاعُ مُجْتَهِدِيهِمْ (حُجَّةً) وَاخْتِلَافُهُمْ رَحْمَةً.
(وَنَسَخَ شَرْعُهُ الشَّرَائِعَ) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ أَمَرَ بِتَرْكِ شَرَائِعِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، (وَلَا يُنْسَخُ) شَرْعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ (وَكِتَابُهُ مُعْجِزٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: 88] الْآيَةَ.
(وَمَحْفُوظٌ عَنْ التَّبْدِيلِ) وَالتَّحْرِيفِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: 42] بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ، وَقَدْ اشْتَمَلَ عَلَى جَمِيعِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَزِيَادَةً، وَجَمَعَ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُسِّرَ لِلْحِفْظِ، وَنَزَلَ مُنَجَّمًا، وَعَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ - أَيْ أَوْجُهٍ - مِنْ الْمَعَانِي الْمُتَّفِقَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ، وَبِكُلِّ لُغَةٍ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ، لَكِنَّ أَكْثَرَهُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ، فَفِيهِ خَمْسُونَ لُغَةً ذَكَرَهَا الْوَاسِطِيُّ فِي الْإِرْشَادِ ".
(وَإِذَا ادَّعَى) عَلَى غَيْرِهِ (أَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ) بِشَيْءٍ؛ (فَالْقَوْلُ) (قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) (بِلَا يَمِينٍ) لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ، وَالصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ.
(وَكَانَ لَهُ الْقَضَاءُ بِعِلْمِهِ) لِأَنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ، فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ خَطَأٌ يُقَرُّ عَلَيْهِ.
وَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقْضِيَ وَيُفْتِيَ (وَهُوَ غَضْبَانُ) ، (وَ) لَهُ أَنْ (يَحْكُمَ) لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ (وَيَشْهَدُ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ) أَوْ لِوَلَدِهِ، لِحَدِيثِ خُزَيْمَةَ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَشْهَدُ وَيَقْبَلُ وَيَحْكُمُ عَلَى عَدُوِّهِ وَبِإِبَاحَةِ الْحِمَى لِنَفْسِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي (إحْيَاءِ الْمَوَاتِ) ؛ (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ " (وُجُوبُ قَسْمٍ عَلَيْهِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ) وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ (كَغَيْرِهِ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَذَكَرَهُ فِي " الْمُجَرَّدِ " وَ " الْفُنُونِ " وَ " الْفُصُولِ " انْتَهَى؛ لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» . رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَرُوِيَ مُرْسَلًا وَهُوَ أَصَحُّ (وَابْنُ الْجَوْزِيِّ قَالَ: الْقَسْمُ غَيْرُ وَاجِبٍ) عَلَيْهِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْمُسَوَّدَةِ: وَأُبِيحَ لَهُ تَرْكُ الْقَسْمِ، قَسْمِ الِابْتِدَاءِ وَقَسْمِ الِانْتِهَاءِ.
قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ "
(وَجُعِلَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6] .
(وَيَلْزَمُ كُلَّ أَحَدٍ أَنْ يَقِيَهُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ) وَلَهُ طَلَبُ ذَلِكَ حَتَّى مِنْ الْمُحْتَاجِ، وَيَفْدِي بِمُهْجَتِهِ مُهْجَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَإِنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمِثْلُهُ لَوْ قَصَدَهُ ظَالِمٌ فَعَلَى مَنْ حَضَرَهُ أَنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ دُونَهُ.
(وَ) يَلْزَمُ كُلَّ أَحَدٍ (أَنْ يُحِبَّهُ أَكْثَرَ مِنْ نَفْسِهِ) - لِحَدِيثِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «لَنْ يُؤْمِنَ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَحَبَّةُ الْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ، لَا مَحَبَّةُ الشَّوْقِ النَّاشِئَةِ فِي الْغَالِبِ عَنْ الْعِشْقِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَشَوَّقُ لِمَحْبُوبِهِ وَوَلَدِهِ وَيَوْلَعُ بِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَّا الْإِجْلَالُ وَالتَّعْظِيمُ فَكُلُّ مُسْلِمٍ يُجِلُّهُ وَيُعَظِّمُهُ وُجُوبًا؛ وَيُقَدِّمُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ.
أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ - (وَ) أَكْثَرُ مِنْ (مَالِهِ وَوَلَدِهِ) وَوَالِدِهِ
(وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
زَادَ النَّسَائِيُّ: «وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .
(وَحَرُمَ) عَلَى غَيْرِهِ (نِكَاحُ زَوْجَاتِهِ بَعْدَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53] حَتَّى مَنْ فَارَقَهَا فِي الْحَيَاةِ، دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ "؛ وَأَمَّا تَحْرِيمُ سَرَارِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى غَيْرِهِ، فَلَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِيهِ وَجْهَانِ؛ وَجَزَمَ الطَّاوُسِيُّ وَالْبَارِزِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْهُمْ بِالتَّحْرِيمِ قِيَاسًا عَلَى زَوْجَاتِهِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ ": وَظَاهِرُ الْأَدِلَّةِ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ وَلَا أُمٍّ لِلْمُؤْمِنِينَ، لَكِنَّ الْمَنْعَ أَقْوَى مَنْعًا انْتَهَى.
(وَهُنَّ أَزْوَاجُهُ دُنْيَا وَأُخْرَى) لِلْخَبَرِ (وَ) جُعِلْنَ (أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالزَّوْجِيَّةُ بَاقِيَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ مَنْ مَاتَتْ عَنْهُ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] فِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ، وَ (فِي وُجُوبِ احْتِرَامِهِنَّ وَطَاعَتِهِنَّ وَتَحْرِيمِ عُقُوقِهِنَّ) دُونَ الْخَلْوَةِ وَالنَّظَرِ وَالْمُسَافَرَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَا يَتَعَدَّى تَحْرِيمُ نِكَاحِهِنَّ إلَى قَرَابَتِهِنَّ؛ فَلَا تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ، وَلَا أُمَّهَاتُهُنَّ، وَلَا أَخَوَاتُهُنَّ وَنَحْوُهُنَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إجْمَاعًا: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] (وَجُعِلَ ثَوَابُهُنَّ وَعِقَابُهُنَّ ضِعْفَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: 30] الْآيَتَيْنِ.
(وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُسْأَلْنَ شَيْئًا إلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53] (وَيَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ غَيْرُهُنَّ) مِنْ النِّسَاءِ مُشَافَهَةً.
وَأَفْضَلُهُنَّ خَدِيجَةُ وَعَائِشَةُ، وَمَا ثَبَتَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ قَالَتْ لَهُ: قَدْ رَزَقَك اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا: لَا وَاَللَّهِ مَا رَزَقَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا، آمَنَتْ بِي حِينَ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَأَعْطَتْنِي مَالَهَا حِينَ حَرَمَنِي النَّاسُ» . وَمَا رُوِيَ «أَنَّ عَائِشَةَ أَقْرَأَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جِبْرِيلَ، وَخَدِيجَةُ أَقْرَأَهَا جِبْرِيلُ مِنْ رَبِّهَا السَّلَامَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ» ، يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ خَدِيجَةَ، وَخَبَرِ: «فَاطِمَةُ بُضْعَةٌ مِنِّي» وَقَوْلُهُ لَهَا: «أَمَّا تَرْضِينَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاطِمَةَ أَفْضَلُ.
وَاحْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ عَائِشَةَ بِمَا احْتَجَّتْ بِهِ مِنْ أَنَّهَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الدَّرَجَةِ، وَفَاطِمَةُ مَعَ عَلِيٍّ فِيهَا، (وَأَوْلَادُ بَنَاتِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يُنْسَبُونَ إلَيْهِ) لِحَدِيثِ «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ مُشِيرًا إلَى الْحَسَنِ» . رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى (دُونَ أَوْلَادِ بَنَاتِ غَيْرِهِ؛ لِحَدِيثِ) : «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ إلَّا جَعَلَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ صُلْبِهِ، غَيْرِي، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ ذُرِّيَّتِي مِنْ صُلْبِ عَلِيٍّ» ذَكَرَهُ فِي " الْخَصَائِصِ الصُّغْرَى "
(وَالنَّجَسُ مِنَّا طَاهِرٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ) ، وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَشْفَى بِبَوْلِهِ وَدَمِهِ، رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ: «أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ شَرِبَتْ بَوْلَهُ، فَقَالَ: إذَنْ لَا تَلِجُ النَّارُ بَطْنَك» . لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ: «أَنَّ غُلَامًا حَجَمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حِجَامَتِهِ شَرِبَ دَمَهُ، فَقَالَ: وَيْحَك مَا صَنَعْت بِالدَّمِ؟ قَالَ: غَيَّبْتُهُ فِي بَطْنِي.
قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ أَحْرَزْت نَفْسَك مِنْ النَّارِ» . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَانَ السِّرُّ فِي ذَلِكَ مَا صَنَعَهُ الْمَلَكَانِ مِنْ غَسْلِهِمَا جَوْفَهُ (وَهُوَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (طَاهِرٌ بَعْدَ مَوْتِهِ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ) وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ غَيْرَهُ أَيْضًا طَاهِرٌ
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَيْءٌ) أَيْ: ظِلٌّ فِي شَمْسٍ وَلَا قَمَرٍ (لِأَنَّهُ نُورَانِيٌّ، وَالظِّلُّ نَوْعُ ظُلْمَةٍ) ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي جَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَجِهَاتِهِ نُورًا، وَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: «وَاجْعَلْنِي نُورًا» (وَكَانَتْ الْأَرْضُ تَجْذِبُ أَتْفَالَهُ) لِلْأَخْبَارِ (وَسَاوَى الْأَنْبِيَاءَ فِي مُعْجِزَاتِهِمْ، وَانْفَرَدَ بِالْقُرْآنِ) فَآدَمُ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَمُحَمَّدٌ شَقَّ صَدْرَهُ وَمَلَأَهُ ذَلِكَ الْخُلُقَ النَّبَوِيَّ، وَأَعْطَى إدْرِيسَ عُلُوَّ الْمَكَانِ، وَمُحَمَّدًا الْمِعْرَاجَ وَلَمَّا نَجَّى إبْرَاهِيمَ مِنْ النَّارِ نَجَّى
مُحَمَّدًا مِنْ نَارِ الْحَرْبِ، وَلَمَّا أَعْطَاهُ مَقَامَ الْخُلَّةِ أَعْطَى مُحَمَّدًا مَقَامَ الْمَحَبَّةِ؛ بَلْ جَمَعَهُ لَهُ مَعَ الْخُلَّةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي يَعْلَى فِي الْمِعْرَاجِ.
فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَتَّخِذُهُ خَلِيلًا وَحَبِيبًا، وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ: مُحَمَّدٌ حَبِيبُ الرَّحْمَنِ، وَلَمَّا أَعْطَى مُوسَى قَلْبَ الْعَصَا حَيَّةً أَعْطَى مُحَمَّدًا حُنَيْنَ الْجِذْعِ الَّذِي هُوَ أَغْرَبُ، وَلَمَّا أَعْطَاهُ انْفِلَاقَ الْبَحْرِ أَعْطَى مُحَمَّدًا انْشِقَاقَ الْقَمَرِ الَّذِي هُوَ أَبْهَرُ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، وَلَمَّا أَعْطَاهُ تَفْجِيرَ الْمَاءِ مِنْ الْحَجَرِ، أَعْطَى مُحَمَّدًا نَبْعَ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ، وَلَمَّا أَعْطَاهُ الْكَلَامَ أَعْطَى مُحَمَّدًا الدُّنُوَّ وَالرُّؤْيَةَ، وَأَعْطَى يُوسُفَ شَطْرَ الْحُسْنِ، وَأَعْطَى مُحَمَّدًا الْحُسْنَ كُلَّهُ، وَلَمَّا أَعْطَى دَاوُد تَلْيِينَ الْحَدِيدِ، أَعْطَى مُحَمَّدًا اخْضِرَارَ الْعُودِ الْيَابِسِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَمَّا أَعْطَى سُلَيْمَانَ كَلَامَ الطَّيْرِ أَعْطَى مُحَمَّدًا أَنْ كَلَّمَ الْحَجَرَ وَالشَّجَرَ وَالزَّرْعَ وَالضَّبَّ، وَلَمَّا أَعْطَى عِيسَى إبْرَاءَ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ وَإِحْيَاءَ الْمَوْتَى، أَعْطَى مُحَمَّدًا رَدَّ الْعَيْنِ بَعْدَ سُقُوطِهَا، وَهَكَذَا.
(وَ) أُحِلَّتْ لَهُ (الْمَغَانِمُ) وَلَمْ تَحُلَّ لِنَبِيٍّ قَبْلَهُ؛ لِحَدِيثِ: «أُعْطِيت خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ مِنْ قَبْلِي» وَالْأَنْبِيَاءُ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْجِهَادِ فَلَمْ تَكُنْ لَهُ غَنَائِمُ وَالْمَأْذُونُ لَهُ مَمْنُوعٌ مِنْهَا، فَتَأْتِي نَارٌ مِنْ السَّمَاءِ فَتُحْرِقُهَا إلَّا الذُّرِّيَّةَ.
(وَجُعِلَتْ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا) أَيْ: مَحَلَّ سُجُودٍ، فَأَيَّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي مَكَان صَلَّى، وَلَمْ تَكُنْ الْأُمَمُ الْمُتَقَدِّمَةُ تُصَلِّي إلَّا فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ (وَ) جُعِلَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ «تُرَابُهَا طَهُورًا» ) أَيْ: مُطَهِّرًا وَهُوَ التَّيَمُّمُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمَاءِ شَرْعًا رَوَى ذَلِكَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا.
«وَنُصِرَ بِالرُّعْبِ» ) أَيْ: بِسَبَبِ خَوْفِ الْعَدُوِّ مِنْهُ (مَسِيرَةَ شَهْرٍ) أَمَامَهُ وَشَهْرٍ خَلْفَهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِ الْمَدِينَةِ.
رَوَى ذَلِكَ الشَّيْخَانِ، وَجُعِلَتْ الْغَايَةُ شَهْرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذَاكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْدَائِهِ أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ.
(وَبُعِثَ لِلنَّاسِ كَافَّةً) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: 28] وَأَمَّا عُمُومُ رِسَالَةِ نُوحٍ بَعْدَ الطُّوفَانِ؛ فَلِانْحِصَارِ الْبَاقِينَ فِيمَا كَانُوا مَعَهُ، وَأُرْسِلَ إلَى الْجِنِّ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِلَى الْمَلَائِكَةِ عَلَى قَوْلٍ.
(وَأُعْطِيَ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ) وَهُوَ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى؛ لِأَنَّ فِيهِ يَحْمَدُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ، وَعَلَى مَا فِي " الْمَوَاهِبِ " وَ " الْخَصَائِصِ " وَغَيْرِهِمَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ: جُلُوسُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْعَرْشِ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: عَلَى الْكُرْسِيِّ.
(وَمُعْجِزَاتُهُ بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) كَالْقُرْآنِ، وَانْقَطَعَتْ مُعْجِزَاتُ الْأَنْبِيَاءِ بِمَوْتِهِمْ؛ إذْ أَكْثَرُ مُعْجِزَاتِ بَنْيِ إسْرَائِيلَ كَانَتْ حِسِّيَّةً تُشَاهَدُ بِالْأَبْصَارِ؛ كَنَاقَةِ صَالِحٍ، وَعَصَا مُوسَى، فَانْقَرَضَتْ بِانْقِرَاضِ أَعْصَارِهِمْ، وَلَمْ يُشَاهِدْهَا إلَّا مَنْ حَضَرَهَا، وَمُعْجِزَةُ الْقُرْآنِ تُشَاهَدُ بِالْبَصِيرَةِ، فَتَسْتَمِرُّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَمُرُّ عَصْرٌ إلَّا وَيَظْهَرُ فِيهِ شَيْءٌ أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيَكُونُ؛ إذْ مَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ يَعْلَمُهُ مَنْ جَاءَ بَعْدَ الْأَوَّلِ
(وَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ بِبَرَكَةٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى حَلَّتْ فِيهِ) أَيْ: الْمَاءِ (بِوَضْعِ أَصَابِعِهِ، فَجَعَلَ يَفُورُ؛ وَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ) حِينَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وُقُوعُهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَنَفَذَ الْمَاءُ، فَجَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ، فَفَارَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أُصْبُعَيْهِ، فَشَرِبُوا، وَتَوَضَّئُوا وَهُمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ (لَا أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ نَفْسِ اللَّحْمِ وَالدَّمِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ، قَالَهُ فِي " الْهَدْيِ ") قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ، وَبِهِ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ "، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ جَابِرٍ: فَرَأَيْت الْمَاءَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ.
قَالَ فِي " الْمَوَاهِبِ ": وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَكِلَاهُمَا مُعْجِزَةٌ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ غَيْرِ مُلَابَسَةِ مَاءٍ وَلَا وَضْعِ إنَاءٍ، تَأَدُّبًا مَعَ
اللَّهِ تَعَالَى؛ إذَا هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِابْتِدَاعِ الْمَعْدُومَاتِ وَإِيجَادِهَا مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ.
(وَيَجِبُ عَلَى مَنْ دَعَاهُ) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَطْعُ صَلَاتِهِ وَإِجَابَتُهُ) : لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: 24] .
(وَتَطَوُّعُهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَاعِدًا) بِلَا عُذْرٍ (كَتَطَوُّعِهِ قَائِمًا فِي الْأَجْرِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد عَنْ «ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي جَالِسًا، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: مَالَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قُلْت: حُدِّثْت أَنَّك قُلْت: صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ» . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَحَمْلُهُ عَلَى الْعُذْرِ لَا يَصِحُّ؛ لِعَدَمِ الْفَرْقِ (وَقَالَ الْقَفَّالُ) تَطَوُّعُهُ بِالصَّلَاةِ قَاعِدًا (عَلَى النِّصْفِ) مِنْ أَجْرِ الْقَائِمِ (كَغَيْرِهِ) وَيَرُدُّهُ مَا سَبَقَ.
(وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ رَفْعُ صَوْتِهِ فَوْقَ صَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: 2] (وَلَا أَنْ يُنَادِيَهُ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: 4] أَوْ أَيْ: وَلَا أَنْ يُنَادِيَهُ (بِاسْمِهِ كَيَا مُحَمَّدُ، بَلْ) يَقُولُ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63] قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْكُنْيَةُ مِنْ الِاسْمِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ مِنْ نِدَائِهِ بِكُنْيَتِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ قَائِلُهُ، أَوْ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ.
(وَيُخَاطَبُ فِي الصَّلَاةِ) بِقَوْلِهِ: (السَّلَامُ عَلَيْك أَيَّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) وَتَبْطُلُ بِخِطَابِ مَخْلُوقٍ غَيْرِهِ، «وَخَاطَبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إبْلِيسَ بِقَوْلِهِ: أَلْعَنُك بِلَعْنَةِ اللَّهِ» وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَفِي " الْفُرُوعِ " قَبْلَ التَّحْرِيمِ أَوْ مُؤَوَّلٌ انْتَهَى فَظَاهِرُهُ
عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ
وَكَانَتْ الْهَدِيَّةُ حَلَالًا لَهُ (فَكَانَ إذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ، أَهَدِيَّةٌ أَوْ صَدَقَةٌ؟ فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ) ، قَالَهُ لِأَصْحَابِهِ: " كُلُوا " وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ وَأَكَلَ مَعَهُمْ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ فَلَا تَحِلُّ لَهُمْ هَدِيَّةُ رَعَايَاهُمْ) لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ
(وَمَنْ رَآهُ فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآهُ حَقًّا؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِهِ) لِأَنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنْهُ، لَكِنْ لَا يَعْمَلُ الرَّائِي بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ لِعَدَمِ الضَّبْطِ، لَا لِلشَّكِّ فِي رُؤْيَتِهِ.
(وَكَانَ لَا يَتَثَاءَبُ) لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَاَللَّهُ عَصَمَهُ مِنْهُ (وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ مِنْ آدَمَ إلَى مَنْ بَعْدَهُ) كَمَا عَلَّمَ آدَمَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ؛ (لِحَدِيثِ الدَّيْلَمِيِّ: «مُثِّلَتْ لِي الدُّنْيَا بِالْمَاءِ وَالطِّينِ، وَعُلِّمْت الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا؛ كَمَا عُلِّمَ آدَم الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا» ) وَعَرَضَ عَلَيْهِ أُمَّتَهُ بِأَسْرِهِمْ حَتَّى رَآهُمْ؛ لِحَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي الْبَارِحَةَ لَدَى هَذِهِ الْحُجْرَةِ أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا، صُوِّرُوا لِي بِالْمَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى إنِّي لَأَعْرَفُ بِالْإِنْسَانِ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ بِصَاحِبِهِ» . وَعَرَضَ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا هُوَ كَائِنٌ فِي أُمَّتِهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: «أَرَأَيْت مَا تَلْقَى أُمَّتِي بَعْدِي وَسَفْكَ بَعْضِهِمْ دِمَاءَ بَعْضٍ» . (وَيَبْلُغُهُ سَلَامُ النَّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِ) لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» .
(وَالْكَذِبُ عَلَيْهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ عَلَيْهِ كَبِيرَةٌ؛ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مَعْنَاهُ، وَالْكَذِبُ عَلَى غَيْرِهِ صَغِيرَةٌ، إلَّا فِيمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ «وَمَنْ تَعَمَّدَهُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ فِي النَّارِ» )
(وَتَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ) لِخَبَرِ " الصَّحِيحَيْنِ ": «إنَّ عَيْنَايَ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» . وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي خَبَرِ الْإِسْرَاءِ: «وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ، وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ» . وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ نَوْمُهُ فِي الْوَادِي عِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ؛ لِأَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ إنَّمَا يُدْرَكُ بِالْعَيْنِ، وَهِيَ نَائِمَةٌ، أَوْ يُقَالُ: كَانَ لَهُ نُوَمَانِ أَحَدُهُمَا تَنَامُ عَيْنُهُ وَقَلْبُهُ، وَالثَّانِي عَيْنُهُ دُونَ قَلْبِهِ، وَكَانَ نَوْمُ الْوَادِي مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِهِ: «وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» ، وَالْفِعْلُ كَالنَّكِرَةِ؛ فَيَعُمُّ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَلَا نَقْضَ بِنَوْمِهِ وَلَوْ كَانَ مَضْجَعًا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اضْطَجَعَ، وَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» (وَ) كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَ) مَا يَرَى مِنْ (أَمَامِهِ رُؤْيَةً بِالْعَيْنِ حَقِيقَةً نَصًّا) كَمَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِيهِ مُقَيَّدَةٌ بِحَالِ الصَّلَاةِ، فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ؛ لِقَوْلِهِ: «لَا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ جِدَارِي هَذَا» .
قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ
(وَالدَّفْنُ فِي الْبُنْيَانِ مُخْتَصٌّ بِهِ لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا) وَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَرْفُوعًا: «لَمْ يُقْبَرْ نَبِيٌّ إلَّا حَيْثُ قُبِضَ» . (وَاسْتُحِبَّتْ زِيَارَتُهُ لِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ) لِعُمُومِ مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» . وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» . وَكَقَبْرِهِ الشَّرِيفِ وَفِي عُمُومِ الزِّيَارَةِ تَبَعًا لَهُ قَبْرُ صَاحِبَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَتُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ زِيَارَةُ مَنْ عَدَاهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَتَقَدَّمَ.
(وَخُصَّ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ) اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
قَالَ ابْنُ بَطَّةَ: كَانَ خَاصًّا بِهِ، وَكَذَا أَجَابَ الْقَاضِي؛ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَنْهَى عَنْهُمَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَوَى الْحُمَيْدِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْهَا: «مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ» . وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِمْ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ أَنَّهُ مِنْ قَضَاءِ الرَّاتِبَةِ إذَا فَاتَتْ، وَلَيْسَ بِخُصُوصِيَّةٍ حَيْثُ اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى جَوَازِ قَضَاءِ الرَّاتِبَةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ (وَقَدْ ذُكِرَ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ مُفَرَّقًا فِي مَوَاضِعِهِ) . وَخَصَائِصُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -