بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(وَلِلْمُقَرِّ لَهُ قِيمَتُهَا عَلَى الْمُقِرِّ) قَالَ فِي شَرْحِ (الْمُنْتَهَيْ) وَلَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ لِغَيْرِ صَاحِبِ " الرَّوْضَةِ " انْتَهَى.
وَلَوْ قَالَ: بَدَلُهَا لَكَانَ أَوْلَى، إذْ الْبَدَلُ يَشْمَلُ الْمِثْلَ وَالْقِيمَةَ قِيَاسًا عَلَى مَا قَبْلَهَا.
(وَإِنْ قَالَ) مَنْ الْعَيْنُ بِيَدِهِ (هِيَ لِأَحَدِهِمَا) أَيْ: الْمُدَّعِيَيْنِ (وَأَجْهَلُهُ فَصَدَّقَاهُ) عَلَى جَهْلِهِ بِهِ (لَمْ يَحْلِفْ) لِتَصْدِيقِهِمَا لَهُ فِي دَعْوَاهُ (وَإِلَّا) يُصَدِّقَاهُ (حَلَفَ) لَهُمَا (يَمِينًا وَاحِدَةً) لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ مِنْهُمَا وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ إلَّا بِطَلَبِهِمْ جَمِيعًا، لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ مِنْهُمَا لِلْيَمِينِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ (وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِيَيْنِ لِلْعَيْنِ (فَمَنْ قُرِعَ صَاحِبُهُ حَلَفَ وَأَخَذَهَا) نَصًّا؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ فَصَارَ ذَلِكَ الْمُقَرُّ لَهُ؛ هُوَ صَاحِبُ الْيَدِ دُونَ الْآخَرِ، فَبِالْقُرْعَةِ تَعَيَّنَ الْمُقَرُّ لَهُ، فَيَحْلِفُ عَلَى دَعْوَاهُ، وَيَقْتَضِي لَهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ عَيْنًا (فَإِنْ أَبَى) مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (الْيَمِينَ أَخَذَهَا) الْآخَرُ (بِدُونِهِ) لِأَنَّ إعْرَاضَ الْقَارِعِ عَنْ الْيَمِينِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَتْ لَهُ (ثُمَّ إنْ بَيَّنَهُ) ؛ أَيْ: بَيَّنَ مَنْ كَانَتْ الْعَيْنُ بِيَدِهِ الْمُسْتَحِقَّ لَهَا مِنْهُمَا بَعْدَ قَوْلِهِ هِيَ لِأَحَدِهِمَا وَأَجْهَلُهُ (وَيَتَّجِهُ لَا) إنْ كَانَ تَبْيِينُهُ الْمُسْتَحِقَّ (بَعْدَ قُرْعَةٍ) فَإِنْ بَيَّنَ بَعْدَ الْقُرْعَةِ؛ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (قُبِلَ) لِتَبْيِينِهِ ابْتِدَاءً، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِقْرَارِ بِهَا لِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ وَالشَّهَادَةِ بِهَا كَذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَصِحُّ لِمَجْهُولٍ وَلَا بِهِ (وَلَهُمَا) ؛ أَيْ: الْمُتَنَازِعَيْنِ اللَّذَيْنِ ادَّعَيَا الْعَيْنَ، وَقَالَ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ: هِيَ لِأَحَدِهِمَا وَأَجْهَلُهُ الْقُرْعَةُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى يَمِينِهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ صَدَّقَاهُ لَمْ تَجِبْ الْيَمِينُ (فَإِنْ نَكَلَ) مَنْ الْعَيْنُ بِيَدِهِ عَنْ حَلِفِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ عَيْنَ الْمُسْتَحِقِّ مِنْهُمَا (قُدِّمَتْ الْقُرْعَةُ) لِأَنَّهَا تُعَيِّنُ
الْمُقَرَّ لَهُ مِنْهُمَا، فَإِذَا أَقْرَعَ صَاحِبُهُ كَانَ كَمَنْ أُقِرَّ لَهُ؛ فَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ حَقَّهُ (وَيَحْلِفُ) الْمُقِرُّ (لِلْمَقْرُوعِ إنْ كَذَّبَهُ) فِي عَدَمِ الْعِلْمِ (فَإِنْ نَكَلَ) الْمُقِرُّ عَنْ الْيَمِينِ (أُخِذَ مِنْهُ بَدَلُهَا) كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ الْآخَرِ (وَإِنْ أَنْكَرَهُمَا) الثَّالِثُ، فَقَالَ لَيْسَتْ لَهُمَا وَلَا لِأَحَدِهِمَا (وَلَمْ يُنَازِعْ) وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا كَإِقْرَارِهِ لِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ (فَلَوْ عُلِمَ أَنَّهَا) ؛ أَيْ: الْعَيْنَ (لِلْآخَرِ) الْمَقْرُوعِ (فَقَدْ مَضَى الْحُكْمُ) لِمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى مَنْ كَانَتْ الْعَيْنُ بِيَدِهِ إنْكَارُهُ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ (وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ) لِرَبِّهَا بَدَلَهَا بِإِنْكَارِهِ إيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ إنْكَارُهُ سَبَبًا لِتَضْيِيعِهَا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ وَلَا ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ، (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ) بَعْدَ إنْكَارِهِ لَهَا (وَحَلَفَ الْآخَرُ) وَهُوَ الْمَقْرُوعُ يَمِينًا أَنَّ الْعَيْنَ الْمُدَّعَى بِهَا لَهُ لَا حَقَّ لِلْآخَرِ فِيهَا (أَخَذَهَا) لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهَا بِحَلِفِهِ مَعَ شَاهِدٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ) مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ (بَيِّنَةٌ تَعَارَضَتَا) لِتَسَاوِيهِمَا فِي عَدَمِ الْيَدِ؛ فَيَسْقُطَانِ؛ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِإِحْدَاهُمَا (سَوَاءٌ أَقَرَّ) رَبُّ الْيَدِ لَهُمَا (أَوْ) أَقَرَّ (لِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، أَوْ) كَانَتْ الْعَيْنُ الْمُدَّعَى بِهَا (لَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدٍ) فَيَصِيرَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا.
(وَإِنْ أَنْكَرَهَا) رَبُّ الْيَدِ (فَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ثُمَّ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ لَمْ تُرَجَّحْ) بَيِّنَةُ الْمُقَرِّ لَهُ (بِذَلِكَ، وَحُكْمُ التَّعَارُضِ بِحَالِهِ) اعْتِبَارًا بِحَالِ قِيَامِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَرُجُوعُ الْيَدِ إلَى صَاحِبِهَا طَارِئٌ، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ (وَإِقْرَارُهُ) لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ (صَحِيحٌ فَيُعْمَلُ بِهِ) كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ (وَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ) بِالْعَيْنِ لِأَحَدِهِمَا (قَبْلَ إقَامَتِهِمَا) الْبَيِّنَتَيْنِ (فَالْمُقَرُّ لَهُ كَدَاخِلٍ) لِانْتِقَالِ الْيَدِ إلَيْهِ بِإِقْرَارِ مَنْ الْعَيْنُ بِيَدِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِيَدِهِ ابْتِدَاءً (وَالْآخَرُ) غَيْرُ الْمُقَرِّ لَهُ (كَخَارِجٍ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِيَدِهِ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا.
.
(وَإِنْ) جَهِلَ مَنْ الْعَيْنُ بِيَدِهِ لِمَنْ هِيَ (وَلَمْ يَدَّعِهَا) لِنَفْسِهِ (وَلَمْ يُقِرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ، وَلَا بَيِّنَةَ) لِوَاحِدٍ مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ (فَهِيَ لِأَحَدِهِمَا بِقُرْعَةٍ) لِتَسَاوِيهِمَا فِي الدَّعْوَى وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ وَالْيَدِ.
(فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ مُكَلَّفًا، وَأَقَامَا بَيِّنَةً بِرِقِّهِ، وَأَقَامَ هُوَ) أَيْ: الْمُكَلَّفُ (بَيِّنَةً بِحُرِّيَّتِهِ، تَعَارَضَتَا) لِتَسَاوِيهِمَا، وَرُجِعَ إلَى الْأَصْلِ وَهِيَ الْحُرِّيَّةُ (وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ) الْمُكَلَّفُ (حُرِّيَّةً، فَأَقَرَّ) بِالرِّقِّ (لِأَحَدِهِمَا، فَهُوَ لَهُ) كَمُدَّعٍ وَاحِدٍ، وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ إقْرَارِ الْمُكَلَّفِ بِالرِّقِّ، وَهَذَا فِي غَيْرِ اللَّقِيطِ، فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِهِ مُطْلَقًا (وَإِنْ أَقَرَّ) بِالرِّقِّ (لَهُمَا فَهُوَ لَهُمَا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ) إنْ قَالَ: أَنَا عَبْدُهُمَا أَوْ عَبْدُ أَحَدِهِمَا (لَا يُلْتَفَتُ لِقَوْلِهِ) بِالرِّقِّ، لِعَدَمِ اعْتِبَارِ قَوْلِهِ.
(وَمَنْ ادَّعَى دَارًا، وَادَّعَى آخَرُ نِصْفَهَا، فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ بِيَدَيْهِمَا) أَيْ: الْمُدَّعِيَيْنِ، (وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ) أَيْ: أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ (فَهِيَ لِمُدَّعِي الْكُلِّ) لِأَنَّ مُدَّعِيَ النِّصْفِ مُقِرٌّ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ لِصَاحِبِهِ، فَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَدَّعِيهِ صَاحِبُ الْكُلِّ وَيَدُ مُدَّعِي النِّصْفِ عَلَيْهِ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْيَدِ، فَيَكُونُ لَهُ (لِأَنَّهُ خَارِجٌ) وَبَيِّنَتُهُ مُقَدَّمَةٌ.
(وَإِنْ كَانَتْ) الدَّارُ (إذَنْ بِيَدِ ثَالِثٍ، فَإِنْ نَازَعَ) الثَّالِثُ (فَلِمُدَّعٍ كُلَّهَا نِصْفُهَا) لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لَهُ، وَالنِّصْفُ (الْآخَرُ لِرَبِّ الْيَدِ بِيَمِينِهِ) لِرُجْحَانِهِ بِالْيَدِ، وَلَا
بَيِّنَةَ عَلَيْهِ؛ لِسُقُوطِ الْبَيِّنَتَيْنِ بِالتَّعَارُضِ (وَإِنْ لَمْ يُنَازِعْ) الثَّالِثُ (فَقَدْ ثَبَتَ أَخْذُ نِصْفِهَا لِمُدَّعِي الْكُلِّ؛ لِمَا سَبَقَ، وَيَقْتَرِعَانِ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِيَانِ عَلَى النِّصْفِ (الْبَاقِي) لِسُقُوطِ الْبَيِّنَتَيْنِ بِالتَّعَارُضِ وَعَدَمِ الْمُرَجِّحِ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ) لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا - وَهِيَ بِيَدِ ثَالِثٍ - لَمْ يُنَازِعْ (فَلِمُدَّعِي كُلِّهَا نِصْفُهَا بِلَا يَمِينٍ) لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ، وَيَقْتَرِعَانِ عَلَى النِّصْفِ الْآخَرِ (فَمَنْ قُرِعَ) ؛ أَيْ: خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (فِي النِّصْفِ الْآخَرِ؛ حَلَفَ) أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْآخَرِ فِيهِ (وَأَخَذَهُ) كَالْعَيْنِ الْكَامِلَةِ (وَلَوْ ادَّعَى) كُلٌّ مِنْهُمَا (نِصْفَهَا) ؛ أَيْ: الدَّارِ وَنَحْوِهَا، أَوْ صَدَّقَ مَنْ بِيَدِهِ الْعَيْنُ (أَحَدَهُمَا) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِيَيْنِ (وَكَذَّبَ الْآخَرَ، وَلَمْ يُنَازِعْ) مَنْ كَذَّبَهُ فِي نِصْفِهِ؛ أَخَذَ الْمُصَدِّقُ نِصْفَهُ وَأَمَّا النِّصْفُ الْآخَرُ (فَقِيلَ يُسَلَّمُ إلَيْهِ) ؛ أَيْ: مُدَّعِيهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَهُوَ) ؛ أَيْ: تَسْلِيمُهُ لِمُدَّعِيهِ (أَوْلَى) لِأَنَّهُ لَا مُدَّعِيَ لَهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَقِيلَ يَحْفَظُهُ حَاكِمٌ) كَمَالٍ ضَائِعٍ (وَقِيلَ يَبْقَى بِحَالِهِ) بِيَدِ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ؛ لِيَظْهَرَ مُسْتَحِقُّهُ.
(وَيَتَّجِهُ فَإِنْ فَسَّرَهُ ذُو الْيَدِ بِلَفْظِهِ يَجُوزُ) كَوْنُهُ لِي، فَيَبْقَى ذَلِكَ النِّصْفُ بِحَالِهِ بِيَدِ ذِي الْيَدِ (وَإِلَّا) يُفَسِّرْهُ ذُو الْيَدِ حِينَ الدَّعْوَى (فَ) يُدْفَعُ (لِحَاكِمٍ) يَحْفَظُهُ إلَى ظُهُورِ رَبِّهِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ لَمْ أَرَهُ بِغَيْرِهِ.
[فَصْلٌ بِيَدِهِ عَبْدٌ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَادَّعَى الْبَائِع اعتاقه]
فَصْلٌ (وَمَنْ بِيَدِهِ عَبْدٌ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ، وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنْ زَيْدًا أَعْتَقَهُ) وَأَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً؛ صَحَّحْنَا أَسْبَقَ التَّصَرُّفَيْنِ إنْ عُلِمَ التَّارِيخُ (أَوْ ادَّعَى شَخْصٌ أَنَّ زَيْدًا بَاعَهُ) أَيْ: الْعَبْدَ لَهُ (أَوْ وَهَبَهُ لَهُ وَادَّعَى آخَرُ مِثْلَهُ، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً) بِدَعْوَاهُ (صَحَّحْنَا أَسْبَقَ التَّصَرُّفَيْنِ إنْ عُلِمَ التَّارِيخُ) لِمُصَادَفَةِ التَّصَرُّفِ الثَّانِي مِلْكَ غَيْرِهِ، فَوَجَبَ بُطْلَانُهُ، (وَإِلَّا) يُعْلَمْ التَّارِيخُ، أَوْ اتَّفَقَ (تَسَاقَطَتَا) لِتَعَارُضِهِمَا وَعَدَمِ الْمُرَجِّحِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ مَحَلَّ صِحَّةِ أَسْبَقِ التَّصَرُّفَيْنِ (بِشَرْطِ أَنْ يَقُولَ) مَنْ شَهِدَ بِالسَّبْقِ بَاعَهُ الْعَبْدَ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ (وَهُوَ مِلْكُهُ) وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ يَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ، فَإِنَّهُ إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ، وَعُلِمَ السَّابِقُ يُحْكَمُ لَهُ بِهِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِ الْبَيِّنَةِ وَهُوَ مِلْكُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالسَّبْقِ أَنَّ الْعَبْدَ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِ الْمُدَّعِي الثَّانِي وَقْتَ انْتِقَالِهِ لِلْأَوَّلِ.
بَقِيَ لَوْ اتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا، وَزَادَ كُلٌّ وَهُوَ مِلْكُهُ، فَهَلْ يَتَنَاصَفَاهُ كَمَا ذَكَرُوا فِي الْعَيْنِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمَا أَمْ هَذَا الْحُكْمُ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِمْ وَإِلَّا تَسَاقَطَتَا؟ الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ.
(وَيَتَّجِهُ أَنَّهُ مَعَ تَسَاقُطِ) الْبَيِّنَتَيْنِ بِالتَّعَارُضِ (يُقْبَلُ مِنْ زَيْدٍ دَعْوَاهُ) الْعَبْدَ (لِنَفْسِهِ) بِيَمِينِهِ، فَيَحْلِفُ لَهُمَا يَمِينًا وَاحِدَةً أَنَّ الْعَبْدَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ (وَيَأْخُذُهُ كَمَا يَأْتِي) وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَكَذَا إنْ كَانَ الْعَبْدُ بِيَدِ نَفْسِهِ) نَصًّا
إلْغَاءً لِهَذِهِ الْيَدِ لِلْعِلْمِ بِمُسْتَنَدِهَا، وَهُوَ الدَّعْوَى، وَلَمْ تَثْبُتْ كَمَنْ بِيَدِهِ عَبْدٌ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ وَأَنْكَرَهُ زَيْدٌ، فَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِهَذِهِ الْيَدِ.
(وَلَوْ ادَّعَيَا) ؛ أَيْ: اثْنَانِ (زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ) فَأَنْكَرَتْهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ (وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا) الْبَيِّنَةَ بِدَعْوَاهُ (وَلَوْ كَانَتْ) الْمَرْأَةُ (بِيَدِ أَحَدِهِمَا) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِيَيْنِ؛ (سَقَطَتَا) ؛ أَيْ: الْبَيِّنَتَانِ؛ لِتَعَارُضِهِمَا، وَالْيَدُ لَا تَثْبُتُ عَلَى الْحُرِّ، وَإِنْ أَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا؛ لَمْ يُقْبَلْ، لِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ وَحْدَهُ؛ حُكِمَ لَهُ بِهَا، وَإِنْ ادَّعَاهَا وَاحِدٌ فَصَدَّقَتْهُ؛ قُبِلَ إقْرَارُهَا لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَّهَمَةٍ (إذَنْ، وَلَوْ أَقَامَ كُلٌّ مِمَّنْ الْعَيْنُ بِيَدَيْهِمَا بَيِّنَةً بِشِرَائِهَا مِنْ زَيْدٍ بِشَرْطِ أَنْ يَقُولَ: وَهِيَ) ؛ أَيْ: الْعَيْنُ (مِلْكُهُ بِكَذَا، وَاتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا) ؛ أَيْ: الْبَيِّنَتَيْنِ (تَحَالَفَا، وَتَنَاصَفَاهَا) لِأَنَّ بَيِّنَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا دَاخِلَةٌ فِي أَحَدِ النِّصْفَيْنِ خَارِجَةٌ فِي الْآخَرِ (وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ عَلَى زَيْدٍ بِنِصْفِ الثَّمَنِ) الَّذِي دَفَعَهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ سِوَى نِصْفِ الْمَبِيعِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا (أَنْ يَفْسَخَ) الْبَيْعَ؛ لِتَبَعُّضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ (وَيَرْجِعَ) مَنْ فَسَخَ مِنْهُمَا (بِكُلِّهِ) ؛ أَيْ: الثَّمَنِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا (أَنْ يَأْخُذَهَا كُلَّهَا) ؛ أَيْ: الْعَيْنَ بِكُلِّ الثَّمَنِ (مَعَ فَسْخِ الْآخَرِ) لِبَيْعٍ فِي نِصْفِهِ (وَإِنْ سَبَقَ تَارِيخُ) بَيِّنَةِ (أَحَدِهِمَا، فَهِيَ) ؛ أَيْ: الْعَيْنُ (لَهُ) لِصِحَّةِ عَقْدِهِ بِسَبْقِهِ (وَلِلثَّانِي) عَلَى بَائِعِهِ (الثَّمَنُ) إنْ كَانَ قَبَضَهُ مِنْهُ؛ لِتَبَيُّنِ بُطْلَانِ بَيْعِهِ (وَإِنْ أَطْلَقَتَا) ؛ أَيْ: بَيِّنَتَاهُمَا، أَوْ أَطْلَقَتْ (إحْدَاهُمَا تَعَارَضَتَا فِي مِلْكٍ إذَنْ لَا فِي شِرَاءٍ) لِجَوَازِ تَعَدُّدِهِ، بِخِلَافِ الْمِلْكِ (فَيُقْبَلُ مِنْ زَيْدٍ) الْبَائِعِ لَهُمَا (دَعْوَاهَا لِنَفْسِهِ بِيَمِينٍ) وَاحِدَةٍ (لَهُمَا) أَنَّ الْعَيْنَ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ.
.
(وَإِنْ ادَّعَى اثْنَانِ ثَمَنَ عَيْنٍ بِيَدِ ثَالِثٍ، كُلٌّ مِنْهُمَا) يَقُولُ (إنَّهُ) ؛ أَيْ: وَاضِعَ الْيَدِ (اشْتَرَاهَا كُلَّهَا مِنْهُ بِثَمَنٍ سَمَّاهُ) فِي دَعْوَاهُ (فَمَنْ صَدَّقَهُ) مَنْ الْعَيْنُ بِيَدِهِ مِنْهُمَا؛ أَخَذَ مَا ادَّعَاهُ (أَوْ مَنْ أَقَامَ) مِنْهُمَا (بَيِّنَةً) بِدَعْوَاهُ (أَخَذَ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الثَّمَنِ) وَإِلَّا يُصَدِّقْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَلَا أَقَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بَيِّنَةً
(حَلَفَ) لِكُلٍّ مِنْهُمَا يَمِينًا؛ لِجَوَازِ تَعَدُّدِ الْعَقْدِ (وَبَرِئَ وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ) دَعْوَاهُمَا (فَإِنْ اتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا) أَيْ: الْبَيِّنَتَيْنِ (تَعَارَضَتَا، وَتَسَاقَطَتَا) لِعَدَمِ إمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ ادَّعَيَا عَيْنًا بِيَدِ ثَالِثٍ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ (وَإِنْ اخْتَلَفَ) تَارِيخُهُمَا (أَوْ أَطْلَقَتَا) بِأَنْ شَهِدَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِكَذَا، وَلَمْ تَذْكُرْ تَارِيخًا، أَوْ أَطْلَقَتْ (إحْدَاهُمَا) بِأَنْ قَالَتْ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِكَذَا فَقَطْ، وَأَرَّخَتْ الْأُخْرَى (عُمِلَ بِهِمَا) ؛ أَيْ: الْبَيِّنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا عَقْدَانِ شَهِدَ بِهِمَا بَيِّنَتَانِ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ عَلَى مُشْتَرٍ وَاحِدٍ، وَعَقْدُ الشِّرَاءِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِرَافِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ بِالْمِلْكِ، وَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ مِنْ الْأَوَّلِ، ثُمَّ انْتَقَلَ عَنْهُ بَيْعًا أَوْ هِبَةً إلَى الثَّانِي، ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْ الثَّانِي، فَلَا تَعَارُضَ، وَيَلْزَمُهُ الثَّمَنَانِ الْمُدَّعَى بِهِمَا.
وَإِنْ كَانَتْ عَيْنٌ بِيَدِ إنْسَانٍ فَادَّعَاهَا اثْنَانِ (فَقَالَ أَحَدُهُمَا: غَصَبَنِيهَا، وَقَالَ الْآخَرُ مَلَّكَنِيهَا أَوْ أَقَرَّ لِي بِهَا، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ) أَيْ: أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ (فَهِيَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ) لِأَنَّ مَعَ بَيِّنَتِهِ زِيَادَةَ عِلْمٍ، وَهُوَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْيَدِ، وَالْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى إنَّمَا تَشْهَدُ بِتَصَرُّفِهِ فِيهَا، فَلَا تُعَارِضُهَا (وَلَا يَغْرَمُ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْآخَرِ الَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ مَلَّكَهُ الْعَيْنَ أَوْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا (شَيْئًا) لِعَدَمِ مُقْتَضِيهِ، إذْ بُطْلَانُ التَّمْلِيكِ أَوْ الْإِقْرَارُ لِثُبُوتِ مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ لَا يُوجِبُ عِوَضًا، بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ فَإِنَّهُ يُوجِبُ رَدَّ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنْ قَالَ كُلٌّ مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ غَصَبَنِيهَا، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، فَكَمَا لَوْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ عَلَى مَا سَبَقَ.
(وَإِنْ ادَّعَى) رَبُّ دَارٍ عَلَى آخَرَ (أَنَّهُ أَجَرَهُ الْبَيْتَ) ، أَيْ: بَيْتًا مُعَيَّنًا مِنْ الدَّارِ (بِعَشَرَةٍ، فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ: بَلْ) أَجَرْتنِي (كُلَّ الدَّارِ) بِعَشَرَةٍ (وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ) شَهِدَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا لِمَنْ أَقَامَهَا بِدَعْوَاهُ (تَعَارَضَتَا وَلَا قِسْمَةَ هُنَا) ؛ أَيْ: لَا يَقْسِمَانِ بَقِيَّةَ مَنْفَعَةِ الدَّارِ.
قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُؤْجِرِ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ إجَارَةَ غَيْرِ الْبَيْتِ.
وَمَنْ
أَخَذَ مِنْ اثْنَيْنِ ثَوْبَيْنِ أَحَدَهُمَا بِعَشْرَةٍ وَالْآخَرَ بِعِشْرِينَ، ثُمَّ لَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا ثَوْبُ هَذَا مِنْ ثَوْبِ هَذَا، وَادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا الْأَجْوَدَ أَنَّهُ لَهُ، فَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَأَيُّهُمَا أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ: حَلَفَ، وَأَخَذَ الثَّوْبَ الْجَيِّدَ وَالْآخَرُ لِلْآخَرِ، أَيْ: لِأَنَّهُمَا تَنَازَعَا عَيْنًا بِيَدِ غَيْرِهِمَا.
[بَابُ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ]
ِ (وَهُوَ التَّعَادُلُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) يُقَالُ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ إذَا تَقَابَلَتْ؛ أَيْ: أَثْبَتَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا نَفَتْهُ الْأُخْرَى؛ فَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ فَتَسْقُطَانِ؛ وَعَارَضَ زَيْدٌ عَمْرًا إذَا أَتَاهُ بِمِثْلِ مَا أَتَاهُ بِهِ.
(مَنْ قَالَ لِقِنِّهِ) مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (مَتَى قُتِلْت فَأَنْتَ حُرٌّ؛ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَى قِنِّهِ) بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ (قَتْلَهُ) ؛ أَيْ: أَنَّهُ مَاتَ قَتِيلًا (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ (وَتُقَدَّمُ) بَيِّنَةُ قِنٍّ بِقَتْلِهِ (عَلَى بَيِّنَةِ وَارِثٍ) بِأَنَّهُ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ؛ لِأَنَّ مَعَ الْأُولَى زِيَادَةَ عِلْمٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَلِقِنٍّ تَحْلِيفُ وَارِثٍ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ.
(وَإِنْ) قَالَ سَيِّدُ عَبْدَيْنِ فَأَكْثَرَ إنْ (مِتّ فِي مُحَرَّمٍ فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ مِتّ فِي صَفَرٍ فَغَانِمٌ حُرٌّ) ثُمَّ مَاتَ (وَأَقَامَ كُلٌّ) مِنْ سَالِمٍ وَغَانِمٍ (بَيِّنَةً بِمُوجِبِ عِتْقِهِ؛ تَسَاقَطَتَا) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَنْفِي مَا تُثْبِتُهُ الْأُخْرَى (وَرَقَّا) لِجَوَازِ مَوْتِهِ فِي غَيْرِ الْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ (كَمَا لَوْ لَمْ تَتِمَّ بَيِّنَةٌ) لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَجُهِلَ وَقْتُ مَوْتِهِ) فَيَرِقَّانِ لِمَا سَبَقَ (وَإِنْ عُلِمَ مَوْتُهُ فِي أَحَدِهِمَا) ؛ أَيْ: الشَّهْرَيْنِ (وَجُهِلَ) أَهُوَ الْمُحَرَّمُ أَوْ صَفَرٌ (أُقْرِعَ) بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، عَتَقَ، وَرَقَّ الْآخَرُ.
.
وَإِنْ قَالَ (إنْ مِتّ فِي مَرَضِي هَذَا فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ بَرِئْتُ مِنْهُ فَغَانِمٌ حُرٌّ) ثُمَّ مَاتَ (وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ) ؛ أَيْ: أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً بِمُوجِبِ عِتْقِهِ (تَسَاقَطَتَا) أَيْ: بَيِّنَتَاهُمَا (وَرَقَّا) لِنَفْيِ كُلٍّ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ مِنْهُمَا؛ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجُزِمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمُذَهَّبِ " وَ " مَسْبُوكِ الذَّهَبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْخُلَاصَةِ " وَغَيْرِهِمْ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى بِعِتْقِ أَحَدِهِمَا بِقُرْعَةٍ.
صَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
(وَإِنْ جُهِلَ مِمَّ - مَاتَ وَلَا بَيِّنَةَ) - أُقْرِعَ - بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ عَتَقَ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بَرِئَ أَوْ لَمْ يَبْرَأْ؛ فَعَتَقَ أَحَدُهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ.
(وَكَذَا إنْ أَتَى بِمَنْ بَدَّلَ فِيهِ) بِأَنْ قَالَ: إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ بَرِئْتُ مِنْهُ فَغَانِمٌ، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْ الْعَبْدَيْنِ بَيِّنَةً (فِي التَّعَارُضِ) أَيْ: فَإِنَّهُ يَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَتَسَاقُطِهِمَا، وَكَوْنِهِمَا يَبْقَيَانِ عَلَى الرِّقِّ، أَوْ يَعْتِقُ أَحَدُهُمَا بِقُرْعَةٍ عَلَى مَا سَبَقَ (وَأَمَّا فِي صُورَةِ الْجَهْلِ - وَلَا بَيِّنَةَ ثَمَّ) - فَيَعْتِقُ سَالِمٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ دَوَامُ الْمَرَضِ وَ (عَدَمُ الْبُرْءِ) .
(وَإِنْ شَهِدَتْ) عَلَى مَيِّتٍ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ سَالِمٍ، وَ (شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أُخْرَى) أَنَّهُ وَصَّى (بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ) مِنْ سَالِمٍ وَغَانِمٍ (ثُلُثُ مَالِهِ) ؛ أَيْ: الْمُوصِي (وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ) عِتْقَهُمَا (عَتَقَ أَحَدُهُمَا بِقُرْعَةٍ) لِثُبُوتِ الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ كُلٍّ مِنْهُمَا " وَالْإِعْتَاقُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْإِعْتَاقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، وَقَدْ ثَبَتَ الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُمَا فِيهِ؛ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ فَكَذَا الْإِعْتَاقُ بَعْدَ الْمَوْتِ، لِاتِّحَادِ الْمَعْنَى فِيهِمَا، فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّتَيْنِ؛ عَتَقَا لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ كَمَا لَوْ أَعْتَقُوهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِ.
(وَلَوْ كَانَتْ بَيِّنَةُ غَانِمٍ وَارِثَةً فَاسِقَةً) وَلَمْ تُكَذِّبْ الْأَجْنَبِيَّةُ (عَتَقَ سَالِمٌ) بِلَا قُرْعَةٍ، لِأَنَّ بَيِّنَةَ غَانِمٍ الْفَاسِقَةَ لَا تُعَارِضُهَا (وَيَعْتِقُ غَانِمٌ بِقُرْعَةٍ) بِأَنْ يَكْتُبَ بِرُقْعَةٍ يَعْتِقُ وَبِأُخْرَى لَا يَعْتِقُ، وَيَتَدَرَّجُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِبُنْدُقَةٍ مِنْ شَمْعٍ أَوْ طِينٍ بِحَيْثُ لَا تَتَمَيَّزُ إحْدَاهُمَا
مِنْ الْأُخْرَى، وَيُقَالُ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ أَخْرِجْ بُنْدُقَةً عَلَى هَذَا، فَإِنْ خَرَجَتْ لِغَانِمٍ رُقْعَةُ الْعِتْقِ؛ عَتَقَ وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْوَارِثَةَ مُقِرَّةٌ بِالْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ غَانِمٍ أَيْضًا.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْبَيِّنَةُ الْوَارِثَةُ (عَادِلَةً وَكَذَّبَتْ) الْبَيِّنَةُ (الْأَجْنَبِيَّةُ؛ عُمِلَ بِشَهَادَتِهَا) لِعَدَالَتِهَا (وَلَغَا تَكْذِيبُهَا) الْأَجْنَبِيَّةَ (فَيَنْعَكِسُ الْحُكْمُ) فَيَعْتِقُ غَانِمٌ بِلَا قُرْعَةٍ؛ لِإِقْرَارِ الْوَارِثِ أَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْ سِوَاهُ وَيَقِفُ عِتْقُ سَالِمٍ عَلَى الْقُرْعَةِ.
(وَلَوْ كَانَتْ) الْبَيِّنَةُ الْوَارِثَةُ (فَاسِقَةً، وَكَذَّبَتْ) الْعَادِلَةُ الْأَجْنَبِيَّةُ (أَوْ شَهِدَتْ بِرُجُوعِهِ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ عَتَقَا) أَمَّا سَالِمٌ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِتْقُ غَانِمٍ، وَأَمَّا غَانِمٌ فَلِإِقْرَارِ الْوَارِثَةِ بِعِتْقِهِ وَحْدَهُ، وَلِأَنَّ شَهَادَتَهَا بِالرُّجُوعِ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ يَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ بِالْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ غَانِمٍ وَحْدَهُ، كَمَا لَوْ كَذَّبَتْ الْأُخْرَى.
(وَلَوْ شَهِدَتْ) الْوَارِثَةُ (بِرُجُوعِهِ) عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ (وَلَا فِسْقَ بِهَا وَلَا تَكْذِيبَ) مِنْهَا لِبَيِّنَةِ سَالِمٍ (عَتَقَ غَانِمٌ) وَحْدَهُ (كَ) شَهَادَةِ بَيِّنَةٍ (أَجْنَبِيَّةٍ) لِثُبُوتِ الرُّجُوعِ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ بِلَا تُهْمَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجُرُّ إلَى نَفْسِهَا بِشَهَادَتِهَا نَفْعًا وَلَا تَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا، وَأَمَّا جَرُّهَا وَلَاءَ غَانِمٍ فَيُعَادِلُهُ إسْقَاطُ وَلَاءِ سَالِمٍ عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ إنَّمَا هُوَ ثُبُوتُ سَبَبِ الْإِرْثِ، وَمِثْلُهُ لَا تَرِدُ الشَّهَادَةُ فِيهِ، كَمَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِالشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ يَجُوزُ أَنْ يَرِثَ الْمَشْهُودَ لَهُ بِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْإِنْسَانِ لِأَخِيهِ بِالْمَالِ " وَإِنْ جَازَ أَنْ يَرِثَهُ، (فَلَوْ كَانَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ) وَهِيَ مَا إذَا كَانَتْ الْوَارِثَةُ الْعَادِلَةُ شَهِدَتْ بِرُجُوعِهِ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ (غَانِمٌ) قِيمَتُهُ (سُدُسُ مَالِهِ؛ عَتَقَا) ؛ أَيْ: سَالِمٌ وَغَانِمٌ (وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهَا) بِرُجُوعِهِ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ؛ لِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ بِدَفْعِ السُّدُسِ الْآخَرِ عَنْهَا (وَخَبَرُ وَارِثَةٍ عَادِلَةٍ كَ) شَهَادَةِ وَارِثَةٍ (فَاسِقَةٍ) لِأَنَّهُ إقْرَارٌ، وَسَوَاءٌ فِيهِ الْعَدْلُ وَالْفَاسِقُ.
(وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِعِتْقِ سَالِمٍ فِي مَرَضِهِ وَ) شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ (أُخْرَى بِعِتْقِ غَانِمٍ فِيهِ؛ عَتَقَ السَّابِقُ) مِنْهُمَا تَارِيخًا؛ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ تَبَرُّعَاتِ الْمَرِيضِ الْمُنَجَّزَةَ يُبْدَأُ مِنْهَا بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ (فَإِنْ جُهِلَ) التَّارِيخُ بِأَنْ أَطْلَقَتْ الْبَيِّنَتَانِ أَوْ إحْدَاهُمَا
(فَأَحَدُهُمَا) يَعْتِقُ (بِقُرْعَةٍ) كَمَا لَوْ اتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ أَعْتَقَهُمَا مَعًا؛ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
أَوْ يَكُونُ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، وَأَشْكَلَ، فَيَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ كَنَظَائِرِهِ (وَكَذَا لَوْ كَانَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْعَبْدَيْنِ وَارِثَةً، وَلَمْ تُكَذِّبْ الْأَجْنَبِيَّةُ، فَيَعْتِقُ السَّابِقُ إنْ عُلِمَ التَّارِيخُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ عَتَقَ أَحَدُهُمَا بِقُرْعَةٍ.
.
(فَإِنْ سَبَقَتْ) الْبَيِّنَةُ (الْأَجْنَبِيَّةُ) تَارِيخًا بِأَنْ قَالَتْ أَعْتَقَ سَالِمًا فِي أَوَّلِ يَوْمِ الْمُحَرَّمِ، وَأَعْتَقَ غَانِمًا فِي ثَانِيهِ (فَكَذَّبَتْهَا الْوَارِثَةُ) بِأَنْ قَالَتْ مَا أَعْتَقَ فِي أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ إلَّا غَانِمًا عَتَقَ الْعَبْدَانِ، أَمَّا سَالِمٌ فَلِشَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ أَنَّهُ السَّابِقُ، وَأَمَّا غَانِمٌ فَلِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ وَحْدَهُ لِسَبْقِ عِتْقِهِ.
(أَوْ سَبَقَتْ) الْبَيِّنَةُ (الْوَارِثَةُ) الْبَيِّنَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ (وَهِيَ) ؛ أَيْ: الْوَارِثَةُ (فَاسِقَةٌ؛ عَتَقَا) أَمَّا غَانِمٌ فَلِشَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ بِسَبْقِ عِتْقِهِ، وَأَمَّا سَالِمٌ فَلِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِتْقِ وَحْدَهُ.
(وَإِنْ جُهِلَ أَسْبَقُهُمَا) أَيْ: الْعَبْدَيْنِ، عَتَقَا، بِأَنْ اتَّفَقَتْ الْبَيِّنَتَانِ عَلَى أَنَّهُ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ وَأَنَّهُمَا لَا يَعْلَمَانِ أَسْبَقَهُمَا عِتْقًا (عَتَقَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِقُرْعَةٍ) كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ جَادَّةَ الْمَذْهَبِ أَنَّ كُلَّ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي ثُبُوتٍ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الدَّعْوَتَيْنِ فِيهِمَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ إخْرَاجُ الْمُسْتَحِقِّ مِنْهُمَا بِالْقُرْعَةِ.
(وَإِنْ قَالَتْ) الْبَيِّنَةُ (الْوَارِثَةُ مَا أَعْتَقَ إلَّا غَانِمًا) طَعْنًا فِي بَيِّنَةِ سَالِمٍ (عَتَقَ غَانِمٌ كُلُّهُ) لِإِقْرَارِ الْوَارِثَةِ بِعِتْقِهِ (وَيَعْتِقُ سَالِمٌ إنْ) تَقَدَّمَ تَارِيخُ (عِتْقِهِ أَوْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ) لِعَدَمِ قَبُولِ طَعْنِ الْوَارِثَةِ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّةَ؛ مُثْبِتَةٌ، وَالْوَارِثَةَ نَافِيَةٌ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي (وَإِنْ كَانَتْ) الْبَيِّنَةُ (الْوَارِثَةُ فَاسِقَةً، وَلَمْ تَطْعَنْ فِي بَيِّنَةِ سَالِمٍ، عَتَقَ) سَالِمٌ (كُلُّهُ) لِشَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ بِعِتْقِهِ، وَلَا مُعَارِضَ لَهَا (وَيُنْظَرُ فِي غَانِمٍ فَمَعَ) سَبْقِ تَارِيخِ (عِتْقِهِ أَوْ مَعَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ لَهُ يَعْتِقُ كُلُّهُ) لِإِقْرَارِ الْوَارِثَةِ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِتْقِ دُونَ غَيْرِهِ (وَمَعَ تَأَخُّرِهِ) ، أَيْ: عِتْقِ غَانِمٍ (أَوْ خُرُوجِهَا) أَيْ: الْقُرْعَةِ (لِسَالِمٍ؛ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ) ؛ أَيْ: غَانِمٍ (شَيْءٌ) لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ لَوْ كَانَتْ عَادِلَةً لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ، إذَنْ شَيْءٌ فَأَوْلَى إذَا كَانَتْ فَاسِقَةً (وَإِنْ كَذَّبَتْ) الْوَارِثَةُ (بَيِّنَةَ سَالِمٍ) الْأَجْنَبِيَّةَ (عَتَقَا) لِأَنَّ سَالِمًا مَشْهُودٌ بِعِتْقِهِ، وَغَانِمًا مُقَرٌّ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِتْقَ سِوَاهُ (وَتَدْبِيرُ رَقِيقٍ مَعَ تَنْجِيزٍ) عَتَقَ آخِرٌ بِمَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (كَآخِرِ تَنْجِيزَيْنِ مَعَ أَسْبَقِهِمَا) لِأَنَّ التَّدْبِيرَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ؛ فَوَجَبَ تَأَخُّرُهُ عَنْ الْمُنَجَّزِ فِي الْحَيَاةِ (فَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَعْتَقَ سَالِمًا فِي مَرَضِهِ) وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى (أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ أَوْ دَبَّرَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) ؛ أَيْ: مِنْ الْعَبْدَيْنِ (ثُلُثُ الْمَالِ؛ عَتَقَ سَالِمٌ وَحْدَهُ) لِسَبْقِ الْعِتْقِ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً فِي اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا تَلْزَمُ بِالْمَوْتِ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ؛ فَإِنَّهُ كَالْعَطِيَّةِ يَلْزَمُ مِنْ حِينِهِ.
.
[فَصْلٌ فِي مَنْ مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ فَادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ]
فَصْلٌ (وَمَنْ مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، فَادَّعَى كُلٌّ) مِنْ الِابْنَيْنِ (أَنَّهُ) ؛ أَيْ: أَبَاهُ (مَاتَ عَلَى دِينِهِ، فَإِنْ عُرِفَ أَصْلُهُ) مِنْ إسْلَامٍ أَوْ كُفْرٍ؛ (فَ) يُقْبَلُ (قَوْلُ مُدَّعِيهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الدِّينِ وَإِلَّا يُعْرَفْ أَصْلُ دِينِهِ (فَإِرْثُهُ لِلْكَافِرِ إنْ اعْتَرَفَ الْمُسْلِمُ بِأُخُوَّتِهِ، أَوْ ثَبَتَ) أُخُوَّتُهُ لَهُ (بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقِرُّ وَلَدَهُ عَلَى الْكُفْرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلِاعْتِرَافِهِ بِكُفْرِ أَبِيهِ فِيمَا مَضَى وَادِّعَائِهِ إسْلَامَهُ؛ فَجَعَلَ أَصْلَ دِينِهِ الْكُفْرَ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) يَعْتَرِفْ الْمُسْلِمُ بِأُخُوَّتِهِ وَلَا تَثْبُتُ بِبَيِّنَةٍ؛ (فَ) مِيرَاثُهُ (بَيْنَهُمَا) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْيَدِ وَالدَّعْوَى، كَمَا لَوْ تَدَاعَيَا عَيْنًا بِأَيْدِيهِمَا (وَإِنْ جُهِلَ أَصْلُ دِينِهِ، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ؛ تَسَاقَطَتَا) وَتَنَاصَفَا التَّرِكَةَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ.
(وَإِنْ قَالَتْ بَيِّنَةٌ نَعْرِفُهُ مُسْلِمًا وَ) قَالَتْ بَيِّنَةٌ (أُخْرَى نَعْرِفُهُ كَافِرًا، وَلَمْ تُؤَرِّخَا) ؛ أَيْ: كُلٌّ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ مَعْرِفَتَهُمَا لَهُ بِالدِّينِ الْمَشْهُودِ بِهِ (وَجُهِلَ
أَصْلُ دِينِهِ،) (فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِ) لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْبَيِّنَتَيْنِ، إذْ الْإِسْلَامُ يَطْرَأُ عَلَى الْكُفْرِ، وَعَكْسُهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ (وَتُقَدَّمُ) الْبَيِّنَةُ (النَّاقِلَةُ إذَا عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ فِيهِنَّ) ، أَيْ: فِي جَمِيعِ مَا سَبَقَ، لِأَنَّ مَعَهَا عِلْمًا لَمْ تُعْلِمْهُ الْأُخْرَى، كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظَائِرِهِ.
(وَلَوْ شَهِدَتْ) بَيِّنَةٌ (أُخْرَى أَنَّهُ مَاتَ نَاطِقًا بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ مَاتَ نَاطِقًا بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، تَسَاقَطَتَا) سَوَاءٌ (عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ أَوْ لَا) لِأَنَّهُمَا أَرَّخَتَا وَقْتًا وَاحِدًا هُوَ سَاعَةُ مَوْتِهِ، فَتَعَارَضَتَا (وَكَذَا) أَيْ: كَمَنْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا، فَادَّعَى كُلٌّ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ (إنْ خَلَّفَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، أَوْ خَلَّفَ أَخًا وَزَوْجَةً مُسْلِمَيْنِ وَابْنًا كَافِرًا) لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مَعَ ثُبُوتِ دَعْوَاهُمْ وَرَثَةٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ دَعْوَاهُمْ وَدَعْوَى الِابْنِ.
قَالَ شَارِحُ " الْمُحَرَّرِ " وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِيمَا تَقَدَّمَ إنَّ الْمُسْلِمَ إنْ كَانَ مُعْتَرِفًا بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ، حُكِمَ بِهِ لِلْكَافِرِ، فَلَوْ اعْتَرَفَتْ الزَّوْجَةُ وَالْأَخُ الْمُسْلِمَانِ بِكَوْنِ الْكَافِرِ ابْنًا لِلْمَيِّتِ، لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِهِ، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُقَرُّ عَلَى نِكَاحِ الْمُسْلِمَةِ فَبَقَاؤُهُمَا عَلَى النِّكَاحِ يَدُلُّ عَلَى إسْلَامِهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُحْكَمَ بِهِ لِلْكَافِرِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَعَلَى كُلِّ حَالٍّ يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُدْفَنُ وَحْدَهُ (وَمَتَى نَصَّفْنَا الْمَالَ) الْمُخَلَّفَ عَنْ الْمُخْتَلَفِ فِي دِينِهِ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي (فَنِصْفُهُ لِلْأَبَوَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ) لِلْأُمِّ ثُلُثُهُ، وَبَاقِيهِ لِلْأَبِ، وَلِلِابْنَيْنِ نِصْفُهُ، وَمَتَى نَصَّفْنَاهُ فِي الْمِثَالِ الثَّالِثِ (فَنِصْفُهُ لِلزَّوْجَةِ وَالْأَخِ عَلَى أَرْبَعَةٍ) رُبُعُهُ لِلزَّوْجَةِ وَبَاقِيهِ لِلْأَخِ.
(وَمَنْ أَسْلَمَ، وَادَّعَى تَقَدُّمَ إسْلَامِهِ عَلَى مَوْتِ مُوَرِّثِهِ الْمُسْلِمِ، أَوْ) ادَّعَى تَقَدُّمَ إسْلَامِهِ (عَلَى قَسْمِ تَرِكَتِهِ) ، أَيْ: قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ (قُبِلَ) ذَلِكَ مِنْهُ (بِبَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ لَهُ (أَوْ تَصْدِيقِ وَارِثٍ) مَعَهُ أَوْ نُكُولِهِ لَدَعْوَاهُ، وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى كُفْرِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِيَمِينِهِ، لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ.
(وَإِنْ قَالَ) مَنْ كَانَ كَافِرًا (أَسْلَمْت فِي مُحَرَّمٍ وَمَاتَ) مُوَرِّثٌ (فِي
صَفَرٍ، وَقَالَ الْوَارِثُ) غَيْرُهُ (مَاتَ) مُوَرِّثُنَا (قَبْلَ مُحَرَّمٍ، وَرِثَ) لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْإِسْلَامِ فِي الْمُحَرَّمِ، وَاخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَوْتِ هَلْ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ؟ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ حَيَاةِ الْأَبِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي تَأَخُّرِ الْمَوْتِ.
(وَلَوْ خَلَّفَ حُرٌّ ابْنًا حُرًّا وَابْنًا) كَانَ (قِنًّا، فَادَّعَى) الَّذِي كَانَ قِنًّا (أَنَّهُ عَتَقَ وَأَبُوهُ حَيٌّ، وَلَا بَيِّنَةَ) لَهُ بِدَعْوَاهُ (صُدِّقَ أَخُوهُ فِي عَدَمِ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: الْعِتْقِ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرِّقِّ.
.
(وَإِنْ ثَبَتَ عِتْقُهُ بِرَمَضَانَ، فَقَالَ الْحُرُّ: مَاتَ أَبِي بِشَعْبَانَ، وَقَالَ الْعَتِيقُ بِشَوَّالٍ، صُدِّقَ الْعَتِيقُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَيَاةِ الْأَبِ إلَى شَوَّالٍ (وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْحُرِّ مَعَ التَّعَارُضِ) بِأَنْ أَقَامَ الْعَتِيقُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ بِشَوَّالٍ، وَأَقَامَ الْحُرُّ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ بِشَعْبَانَ؛ لِأَنَّ مَعَ بَيِّنَةِ الْحُرِّ زِيَادَةَ عِلْمٍ.
(وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى اثْنَيْنِ بِقَتْلٍ، فَشَهِدَا) ؛ أَيْ: الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا (عَلَى الْأَوَّلَيْنِ) الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِمَا أَوَّلًا بِهِ؛ أَيْ: الْقَتْلِ (فَصَدَّقَ الْوَلِيُّ) ؛ أَيْ: مُسْتَحِقُّ الدَّمِ الشَّاهِدَيْنِ (الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ) ؛ أَيْ: دُونَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمَا أَوَّلًا (حُكِمَ لَهُ بِهِمَا) ؛ أَيْ: بِالشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، لِرُجْحَانِهِمَا بِتَصْدِيقِ الْمَشْهُودِ لَهُ (وَإِنْ صَدَّقَ الْآخَرَيْنِ، أَوْ) صَدَّقَ (الْكُلَّ أَوْ كَذَّبَ الْكُلَّ) أَوْ كَذَّبَ الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) لِسُقُوطِ الشَّهَادَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمَا؛ لِاتِّهَامِهِمَا بِالدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا بِذَلِكَ، وَتَصْدِيقُ الْوَلِيِّ لَهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَكَذَا لَوْ صَدَّقَ الْجَمِيعَ بِأَنْ قَالَ: قَتَلُوهُ كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا الْقَتْلَ بِالشَّهَادَةِ؛ فَلَا تُقْبَلُ، وَكَذَا لَوْ كَذَّبَ الْجَمِيعَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُ.
(وَإِنْ شَهِدَتْ بِتَلَفِ ثَوْبٍ وَقَالَتْ قِيمَتُهُ عِشْرُونَ) وَشَهِدَتْ (أُخْرَى) أَنْ قِيمَتَهُ (ثَلَاثُونَ؛ ثَبَتَ الْأَقَلُّ) وَهُوَ الْعِشْرُونَ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ دُونَ الزَّائِدِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِيهِ (وَكَذَا لَوْ كَانَ بِكُلِّ قِيمَةٍ شَاهِدٌ) وَاحِدٌ فَيَثْبُتُ الْأَقَلُّ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ (الْآخَرِ عَلَى الْعَشَرَةِ) الْبَاقِيَةِ وَالْعَيْنُ (الْقَائِمَةُ كَعَيْنٍ لِيَتِيمٍ يُرِيدُ الْوَصِيُّ بَيْعَهَا، أَوْ يُرِيدُ إجَارَتَهَا إنْ اخْتَلَفَا
فِي قِيمَتِهَا) عِنْدَ إرَادَةِ بَيْعِهَا، أَوْ اخْتَلَفَا فِي (أَجْرِ مِثْلِهَا) عِنْدَ إرَادَتِهِ إجَارَتَهَا (أُخِذَ) ؛ أَيْ: عُمِلَ (بِمَنْ يُصَدِّقُهَا الْحِسُّ) مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ (فَإِذَا اُحْتُمِلَ) مَا شَهِدَتْ بِهِ (أُخِذَ بِبَيِّنَةِ الْأَكْثَرِ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَجَّرَ حِصَّةَ مُوَلِّيهِ) ؛ أَيْ: مَحْجُورِهِ (بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، أَوْ) شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ أَجَّرَهَا (بِنِصْفِهَا) ؛ أَيْ: نِصْفِ أُجْرَةِ مِثْلِهَا؛ فَيُؤْخَذُ بِمَنْ يُصَدِّقُهَا الْحِسُّ، فَإِنْ اُحْتُمِلَ فَبَيِّنَةُ الْأَكْثَرِ.
[كِتَابُ الشَّهَادَاتِ]
ِ (وَاحِدُهَا شَهَادَةٌ) مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ؛ لِإِخْبَارِ الشَّاهِدِ عَمَّا شَاهَدَهُ، يُقَالُ: شَهِدَ الشَّيْءَ إذَا رَآهُ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لِمَحْضَرِ النَّاسِ مَشْهَدٌ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ فِيهِ مَا يَحْضُرُونَهُ وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] أَيْ: عَلِمَهُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ أَوْ إخْبَارِ مَنْ رَآهُ وَنَحْوِهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ الشَّهَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] وَحَدِيثِ: «شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ» . وَتَقَدَّمَ وَغَيْرِهِ، وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، لِحُصُولِ التَّجَاحُدِ.
قَالَ شُرَيْحٌ: الْقَضَاءُ جَمْرٌ فَنَحِّهِ عَنْك بِعُودَيْنِ يَعْنِي الشَّاهِدَيْنِ، وَإِنَّمَا الْخَصْمُ دَاءٌ، وَالشُّهُودُ شِفَاءٌ، فَأَفْرِغْ الشِّفَاءَ عَلَى الدَّاءِ.
وَهِيَ؛ أَيْ: الشَّهَادَةُ (حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ) لِمَا تَقَدَّمَ (تُظْهِرُ الْحَقَّ) الْمُدَّعَى بِهِ؛ أَيْ: تُبَيِّنُهُ وَلِهَذَا سُمِّيَتْ بَيِّنَةً (وَلَا تُوجِبُهُ) ؛ أَيْ: الْحَقَّ، بَلْ الْحَاكِمُ يُلْزِمُ بِهِ بِشَرْطِهِ.
(فَهِيَ) أَيْ: الشَّهَادَةُ بِمَعْنَى الْأَدَاءِ (الْإِخْبَارُ بِمَا عَلِمَهُ) الشَّاهِدُ (بِلَفْظٍ خَاصٍّ) كَشَهِدْتُ أَوْ أَشْهَدُ وَيَأْتِي.
.
(تَحَمُّلُ) الشَّهَادَةِ عَلَى (الْمَشْهُودِ بِهِ فِي غَيْرِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى) مَالًا كَانَ حَقُّ الْآدَمِيِّ كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَالْغَصْبِ أَوْ غَيْرِهِ كَحَدِّ قَذْفٍ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) إذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِي يَسْقُطُ عَنْ غَيْرِهِ وَقَدْ يُعَيَّنُ التَّحَمُّلُ فِيمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا مَنْ يَكْفِي فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ: الْمُرَادُ بِهِ التَّحَمُّلُ لِلشَّهَادَةِ وَإِثْبَاتُهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ فِي إثْبَاتِ الْحُقُوقِ وَالْعُقُودِ كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَلِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى امْتِنَاعِ النَّاسِ مِنْ تَحَمُّلِهَا فَيُؤَدِّيَ إلَى ضَيَاعِ الْحُقُوقِ.
.
(وَتُطْلَقُ الشَّهَادَةُ عَلَى التَّحَمُّلِ وَعَلَى الْأَدَاءِ) فَيَكُونُ الْأَدَاءُ أَيْضًا فَرْضَ كِفَايَةٍ، قَدَّمَهُ الْمُوَفَّقُ، وَجَزَمَ بِهِ جَمْعٌ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَنَصُّهُ أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَهُوَ الْمَذْهَبُ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] ، خَصَّ الْقَلْبَ بِالْإِثْمِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْعِلْمِ بِهَا.
(وَيَجِبَانِ) ؛ أَيْ: التَّحَمُّلُ وَالْأَدَاءُ (عَلَى الْعَدْلِ إذَا دُعِيَ إلَيْهَا) ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّهَادَةِ لَا يَحْصُلُ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ (لِدُونِ مَسَافَةِ قَصْرٍ) عِنْدَ سُلْطَانٍ لَا يُخَافُ تَعَدِّيهِ، نَقَلَ مُهَنَّا أَوْ حَاكِمٍ عَدْلٍ (وَقَدَرَ) عَلَى التَّحَمُّلِ أَوْ الْأَدَاءِ (بِلَا ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ فِي أَهْلٍ وَمَالٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ عِرْضٍ) فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي التَّحَمُّلِ أَوْ الْأَدَاءِ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَقْبَلُ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُ، أَوْ يَحْتَاجُ إلَى التَّبَذُّلِ فِي التَّزْكِيَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَضُرَّ نَفْسَهُ لِنَفْعِ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ غَيْرَ عَدْلٍ فَقَالَ أَحْمَدُ: كَيْف أَشْهَدُ عِنْدَ رَجُلٍ لَيْسَ عَدْلًا لَا يَشْهَدُ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أُمَرَاءُ ظَلَمَةٌ، وَوُزَرَاءُ فَسَقَةٌ، وَقُضَاةٌ خَوَنَةٌ، وَفُقَهَاءُ كَذَبَةٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ ذَلِكَ الزَّمَانَ، فَلَا يَكُونَنَّ لَهُمْ كَاتِبًا وَلَا عَرِيفًا وَلَا شُرْطِيًّا» .
(وَيَخْتَصُّ الْأَدَاءُ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ) لِأَنَّ السَّمَاعَ بِغَيْرِهِ لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الشَّهَادَةِ (وَلَوْ أَدَّى شَاهِدٌ وَأَبَى الْآخَرُ) الشَّهَادَةَ (وَقَالَ) لِلْمَشْهُودِ لَهُ (احْلِفْ بَدَلِي؛ أَثِمَ) اتِّفَاقًا، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " (وَلَا يُقِيمُهَا) ؛ أَيْ: الشَّهَادَةَ (عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ) قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَظَاهِرُهُ يَحْرُمُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ عِنْدَ مَنْ يَقْتُلُهُ بِهِ.
(وَمَتَى وَجَبَتْ الشَّهَادَةُ وَجَبَتْ كِتَابَتُهَا) عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يَنْسَاهَا.
(وَإِنْ دُعِيَ فَاسِقٌ لِتَحَمُّلِهَا) ؛ أَيْ: الشَّهَادَةِ (فَلَهُ الْحُضُورُ مَعَ عَدَمِ غَيْرِهِ) إذْ التَّحَمُّلُ يُعْتَبَرُ لَهُ الْعَدَالَةُ، فَلَوْ لَمْ يُؤَدِّ حَتَّى صَارَ عَدْلًا، قُبِلَتْ (وَلَا يَحْرُمُ أَدَاؤُهُ) ؛ أَيْ: الْفَاسِقِ الشَّهَادَةَ (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِسْقُهُ ظَاهِرًا) لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ صِدْقَهُ، وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ مَنْ بَانَ فِسْقُهُ.
(وَيَحْرُمُ أَخْذُ أُجْرَةٍ) عَلَى شَهَادَةٍ (وَأَخْذُ جُعْلٍ عَلَيْهَا، وَلَوْ لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَمَنْ قَامَ بِهِ فَقَدْ قَامَ بِفَرْضٍ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ، وَلَا الْجَعْلِ عَلَيْهِ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ (لَكِنْ إنْ عَجَزَ) الشَّاهِدُ عَنْ الْمَشْيِ إلَى مَحَلِّهَا (أَوْ تَأَذَّى بِهِ) ؛ أَيْ: الْمَشْيِ (فَلَهُ أَخْذُ أُجْرَةِ مَرْكُوبٍ) مِنْ رَبِّ الشَّهَادَةِ (وَفِي " الرِّعَايَةِ ") فَأُجْرَةُ مَرْكُوبٍ وَالنَّفَقَةُ عَلَى رَبِّهَا، ثُمَّ قَالَ: قُلْت: هَذَا إنْ تَعَذَّرَ حُضُورُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، إلَى مَحَلِّ الشَّاهِدِ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ
جَاهٍ أَوْ خَفْرٍ، وَقَالَ أَيْضًا (وَكَذَا مُزَكٍّ وَمُعَرِّفٍ وَمُقِيمِ حَدٍّ وَقَوَدٍ) وَحَافِظِ بَيْتِ الْمَالِ (وَمُحْتَسِبٍ) وَالْخَلِيفَةِ انْتَهَى، لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْمُفْتِي تَفْصِيلٌ.
(وَ) يُبَاحُ (لِمَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ بِحَدِّ اللَّهِ) تَعَالَى كَزِنًا وَشُرْبٍ (إقَامَتُهَا وَتَرْكُهَا) لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَلَا ضَرَرَ فِي تَرْكِهَا عَلَى أَحَدٍ، وَالسَّتْرُ مَأْمُورٌ بِهِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» . وَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ فِي الزِّنَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ وَشُدِّدَ فِيهِ عَلَى الشُّهُودِ مَا لَمْ يُشَدَّدْ عَلَى غَيْرِهِمْ؛ طَلَبًا لِلسَّتْرِ، وَاسْتَحَبَّ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ تَرْكَهُ لِلتَّرْغِيبِ فِي السَّتْرِ، وَيُتَوَجَّهُ لِمَنْ عُرِفَ بِالشَّرِّ وَالْفَسَادِ أَنْ لَا يُسْتَرَ عَلَيْهِ.
(وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُعَرِّضَ لَهُمْ) أَيْ: الشُّهُودِ (بِالتَّوَقُّفِ عَنْهَا) ؛ أَيْ: الشَّهَادَةِ (كَتَعْرِيضِهِ لِمُقِرٍّ) بِحَدِّ اللَّهِ لِيَرْجِعَ عَنْ إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا شَهِدَ عِنْدَهُ الثَّلَاثَةُ عَلَى الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَا، وَجَاءَ زِيَادٌ لِيَشْهَدَ، عَرَّضَ لَهُ بِالرُّجُوعِ، وَقَالَ مَا عِنْدَك يَا سَلْحَ الْعُقَابِ، وَصَاحَ بِهِ، فَلَمَّا لَمْ يُصَرِّحْ بِالزِّنَا وَقَالَ: رَأَيْتُ أَمْرًا قَبِيحًا فَرِحَ عُمَرُ وَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَكَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ.
وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلسَّارِقِ: «مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ» مَرَّتَيْنِ.
وَأَعْرَضَ عَنْ الْمُقِرِّ بِالزِّنَا حَتَّى أَقَرَّ أَرْبَعًا.
.
(وَتُقْبَلُ) الشَّهَادَةُ (بِحَدٍّ قَدِيمٍ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِحَقٍّ؛ فَجَازَتْ مَعَ تَقَادُمِ الزَّمَانِ كَالشَّهَادَةِ بِالْقِصَاصِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لِلشَّاهِدِ مَا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ حِينَهَا، وَيَتَمَكَّنُ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
(وَمَنْ قَالَ) لِرَجُلَيْنِ (اُحْضُرَا لِتَسْمَعَا قَذْفَ زَيْدٍ لِي؛ لَزِمَهُمَا) ذَلِكَ، وَإِنْ دَعَا زَوْجٌ أَرْبَعَةً لِتَحَمُّلِهَا بِزِنَا امْرَأَتِهِ؛ جَازَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 15] الْآيَةَ.
(وَمَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِآدَمِيٍّ يَعْلَمُهَا لَمْ يُقِمْهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ) رَبُّ الشَّهَادَةِ إقَامَتَهَا؛ لِحَدِيثِ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ يَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِأَنَّ أَدَاءَهَا حَقٌّ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، فَلَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِرِضَاهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَإِلَّا يَعْلَمْ رَبُّ الشَّهَادَةِ بِأَنَّ الشَّاهِدَ تَحَمَّلَهَا (اُسْتُحِبَّ) لِمَنْ عِنْدَهُ الشَّهَادَةُ (إعْلَامُهُ) قَبْلَ إقَامَتِهَا، وَلَهُ إقَامَتُهَا قَبْلَ إعْلَامِهِ.
(وَفِي الْإِنْصَافِ وَيَجِبُ) عَلَيْهِ إعْلَامُهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهَا، وَهَذَا مِمَّا لَا يُشَكُّ فِيهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي رَدِّهِ عَلَى الرَّافِضِيِّ: إذَا أَدَّاهَا قَبْلَ طَلَبٍ قَامَ بِالْوَاجِبِ، وَكَانَ أَفْضَلَ كَمَنْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ أَدَّاهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ انْتَهَى.
.
(وَيَحْرُمُ) عَلَى مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ بِحَقِّ آدَمِيٍّ لَا يَعْلَمُهَا (كَتْمُهَا) لِلْآيَةِ (فَيُقِيمُهَا) أَيْ: الشَّهَادَةَ (بِطَلَبِهِ) أَيْ: الْمَشْهُودِ لَهُ (وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهَا حَاكِمٌ) مِنْهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يَقْدَحُ) أَدَاءُ الشَّهَادَةِ بِلَا طَلَبِ حَاكِمٍ وَبِلَا طَلَبِ مَشْهُودٍ لَهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ (فِيهِ كَشَهَادَةِ حِسْبَةٍ) بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى.
(وَيَجِبُ إشْهَادُ) اثْنَيْنِ (عَلَى نِكَاحٍ) لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِدُونِهَا، وَتَقَدَّمَ.
(وَيُسَنُّ الْإِشْهَادُ فِي كُلِّ عَقْدٍ سَوَاءٌ) مِنْ بَيْعٍ وَإِجَارَةِ صُلْحٍ وَغَيْرِهِ، وَلِقَوْلِهِ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] وَحُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283] .
(وَيَحْرُمُ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ إلَّا بِمَا يَعْلَمُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86] . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ هُنَا: وَهُوَ يَعْلَمُ مَا شَهِدَ بِهِ عَنْ بَصِيرَةٍ وَإِيقَانٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الشَّهَادَةِ قَالَ: تَرَى الشَّمْسَ؟ عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ " ، وَالْمُرَادُ الْعِلْمُ الَّذِي تَقَعُ بِهِ الشَّهَادَةُ يَكُونُ (بِرُؤْيَةٍ أَوْ سَمْعٍ غَالِبًا لِجَوَازِهَا) ؛ أَيْ: الشَّهَادَةِ (بِبَقِيَّةِ الْحَوَاسِّ) كَالذَّوْقِ وَاللَّمْسِ (قَلِيلًا) كَدَعْوَى مُشْتَرِي مَأْكُولٍ عَيْبَهُ لِمَرَارَتِهِ وَنَحْوِهَا
فَتَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ بِهِ (وَيَشْهَدُ بِدَيْنٍ) مَنْ رَأَى شَخْصًا اقْتَرَضَهُ مِنْ آخَرَ، أَوْ سَمِعَهُ يَقُولُ بِهِ مَعَ جَوَازِ دَفْعِ الْمَدِينِ لَهُ، وَيَشْهَدُ (بِثَمَنِ) مَبِيعٍ (وَأُجْرَةِ) عَيْنٍ اُسْتُؤْجِرَتْ، وَهُوَ حَاضِرٌ أَوْ أَقَرَّ بِهَا الْمُسْتَأْجِرُ، وَيَشْهَدُ (بِعَقْدٍ) جَرَى بِعِلْمِهِ (بِالِاسْتِصْحَابِ وَإِنْ اُحْتُمِلَ دَفْعُهُ) ؛ أَيْ: الدَّيْنِ، (وَالْإِقَالَةِ) مِنْ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ؛ فَالْمُعْتَبَرُ الْعِلْمُ فِي أَصْلِ الْمُدْرَكِ، لَا فِي دَوَامِهِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَرَافِيُّ.
.
(وَيُجْزِئُ عَنْ اسْمِ وَنَسَبِ) مَشْهُودٍ عَلَيْهِ (حَاضِرٍ) بِالْمَجْلِسِ (الْإِشَارَةُ إلَيْهِ) فَقَطْ لِمَعْرِفَةِ عَيْنِهِ (كَعَكْسِهِ) ، أَيْ: كَمَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مَنْ يُعَرِّفُهُ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ بِذِكْرِهِمَا مَعَ حُضُورِهِ وَغَيْبَتِهِ، مِثَالُ الشَّهَادَةِ بِالْإِشَارَةِ كَقَوْلِهِ (أَشْهَدُ أَنَّ لِهَذَا عَلَى هَذَا كَذَا) دَرَاهِمَ أَوْ غَيْرِهَا.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ (غَائِبًا) وَجَهِلَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ؛ فَلَا يَشْهَدُ حَتَّى يَعْرِفَ اسْمَهُ، فَإِنْ (عَرَّفَهُ) ؛ أَيْ: الشَّاهِدَ (بِهِ) ؛ أَيْ: الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (مَنْ يَسْكُنُ) ؛ أَيْ: يُطَمْئِنُ الشَّاهِدُ (إلَيْهِ - وَلَوْ وَاحِدًا - جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ) عَلَيْهِ (وَلَوْ عَلَى امْرَأَةٍ) لِحُصُولِ الْمَعْرِفَةِ بِهِ (وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ مَعْرِفَتَهَا؛ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ غَيْبَتِهَا) لِلْجَهَالَةِ بِهَا وَبِمَا يُعَرِّفُهَا بِهِ لِلْحَاكِمِ.
(قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ) حَتَّى يَنْظُرَ إلَى وَجْهِهَا، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ مَعْرِفَتَهَا، فَأَمَّا مَنْ تَيَقَّنَ مَعْرِفَتَهَا، وَعَرَفَ صَوْتَهَا يَقِينًا؛ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا؛ لِحُصُولِ الْمَعْرِفَةِ بِهَا.
وَقَالَ أَيْضًا: لَا يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ (إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا) وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ أَمْلَكُ لِعِصْمَتِهَا (وَهَذَا) ؛ أَيْ: نَصُّ الْإِمَامِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ (لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا بَيْتَهَا إلَّا بِإِذْنِهِ) ؛ أَيْ: زَوْجِهَا؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ حَقُّهُ، فَلَا يَدْخُلُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ.
(وَمَنْ شَهِدَ بِإِقْرَارٍ بِحَقٍّ لَمْ يُعْتَبَرْ) لِصِحَّةِ الشَّهَادَةِ (ذِكْرُ سَبَبِهِ) ؛ أَيْ: الْحَقِّ أَوْ الْإِقْرَارِ، كَمَا يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ الشَّهَادَةِ بِالْإِقْرَارِ ذِكْرُ اسْتِحْقَاقِ الْمَالِ بِأَنْ يَقُولَ أُقِرُّ لَهُ بِهِ، وَهُوَ يُسْتَحَقُّ عِنْدَهُ؛ اكْتِفَاءً بِالظَّاهِرِ (وَلَا) يُعْتَبَرُ بِشَهَادَةٍ بِإِقْرَارٍ (قَوْلُهُ) ؛ أَيْ: الشَّاهِدِ (طَوْعًا فِي صِحَّتِهِ مُكَلَّفًا؛ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ) ؛ أَيْ:
ظَاهِرِ الْحَالِ، لِأَنَّ مَنْ سِوَى ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى تَقْيِيدِ الشَّهَادَةِ بِذَلِكَ الْحَالِ (وَأَنْ يَشْهَدَ) الشَّاهِدُ (بِسَبَبٍ يُوجِبُ الْحَقَّ) كَتَفْرِيطِهِ فِي أَمَانَةٍ.
(أَوْ شَهِدَ بِاسْتِحْقَاقِ غَيْرِهِ) كَقَوْلِهِ: أَشْهَدُ أَنَّ زَيْدًا يَسْتَحِقُّ بِذِمَّةِ عَمْرٍو كَذَا (ذَكَرَ الْمُوجِبَ) لِلِاسْتِحْقَاقِ، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَعْتَقِدُهُ الْحَاكِمُ مُوجِبًا (وَالرُّؤْيَةُ تَخْتَصُّ بِالْفِعْلِ كَقَتْلٍ وَسَرِقَةٍ وَغَصْبٍ وَشُرْبِ خَمْرٍ وَرَضَاعٍ وَوِلَادَةٍ) وَعُيُوبٍ مَرْئِيَّةٍ فِي نَحْوِ مَبِيعٍ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الشَّهَادَةُ عَلَى ذَلِكَ قَطْعًا، فَلَا يُرْجَعُ إلَى غَيْرِهِ.
(وَالسَّمَاعُ ضَرْبَانِ) (الْأَوَّلُ سَمَاعٌ مِنْ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ كَعِتْقٍ وَطَلَاقٍ وَعَقْدٍ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ وَنَحْوِهِمَا وَإِقْرَارٍ بِمَالٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ نَسَبٍ أَوْ قَوَدٍ أَوْ رِقٍّ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَحُكْمِ حَاكِمٍ وَإِنْفَاذِهِ) حُكْمَ غَيْرِهِ (فَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الشَّخْصَ (الشَّهَادَةُ بِمَا سَمِعَ) مِنْ قَائِلٍ عَرَفَهُ يَقِينًا، كَمَا فِي " الْكَافِي " (سَوَاءٌ) وَقَّتَ الْحَاكِمُ بِأَنْ قَالَ حَكَمْت بِكَذَا فِي وَقْتِ كَذَا أَوْ لَمْ يُوَقِّتْ (أَوْ أَشْهَدَهُ مَشْهُودٌ عَلَيْهِ أَوْ لَا) لِئَلَّا يَمْتَنِعَ ثُبُوتُ الْغَصْبِ وَسَائِرِ مَا يَتَضَمَّنُ الْعُدْوَانَ فَإِنَّ فَاعِلَهَا لَا يَشْهَدُ بِهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الشَّاهِدُ مُسْتَخْفِيًا حِينَ تَحَمُّلِهِ الشَّهَادَةَ، كَأَنْ يَكُونَ لِإِنْسَانٍ عَلَى آخَرَ حَقٌّ وَهُوَ يُنْكِرُهُ بِحُضُورِ مَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَيَسْمَعُ إقْرَارَهُ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِهِ الْمُقِرُّ فَإِنَّهُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِالشُّهُودِ فِيهِ كَمَا لَوْ رَآهُ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ الْفَاعِلُ أَنَّ أَحَدًا يَرَاهُ (أَوْ قَالَ الْمُتَحَاسِبَانِ: لَا تَشْهَدُوا عَلَيْنَا بِمَا يَجْرِي بَيْنَنَا فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الشَّهَادَةَ) بِمَا جَرَى بَيْنَهُمَا، وَلَا يَمْنَعُ (لُزُومَ إقَامَتِهَا) لِأَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ عَلِمَ مَا يَشْهَدُ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَدِلَّةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي (سَمَاعٌ بِالِاسْتِفَاضَةِ) بِأَنْ يَشْتَهِرَ الْمَشْهُودُ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ فَيَتَسَامَعُونَ بِهِ بِإِخْبَارِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَلَا تُسْمَعُ شَهَادَةٌ بِالِاسْتِفَاضَةِ إلَّا (فِيمَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ غَالِبًا بِدُونِهَا) أَيْ: الِاسْتِفَاضَةِ (كَنَسَبٍ) إجْمَاعًا، وَإِلَّا لِاسْتِحَالَةِ، مَعْرِفَتِهِ بِهِ، إذْ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ قَطْعًا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُمْكِنُ الْمُشَاهَدَةُ فِيهِ، وَكَوِلَادَةٍ (وَمَوْتٍ وَمِلْكٍ مُطْلَقٍ) ، إذْ الْوِلَادَةُ قَدْ لَا يُبَاشِرُهَا إلَّا
الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ، وَالْمَوْتُ قَدْ لَا يُبَاشِرُهُ إلَّا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ مِمَّنْ يَحْضُرُهُ وَقَدْ يَتَوَلَّى غُسْلَهُ وَتَكْفِينَهُ، وَالْمِلْكُ قَدْ يَتَقَادَمُ سَبَبُهُ.
فَتَوَقُّفُ الشَّهَادَةِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ يُؤَدِّي إلَى الْعُسْرِ خُصُوصًا مَعَ طُولِ الزَّمَنِ، وَخَرَجَ بِالْمُطْلَقِ كَقَوْلِهِ: مَلَكَهُ بِالشِّرَاءِ مِنْ فُلَانٍ أَوْ الْإِرْثِ أَوْ الْهِبَةِ؛ فَلَا تَكْفِي فِيهِ الِاسْتِفَاضَةُ (وَكَعِتْقٍ) بِأَنْ يَشْهَدَ أَنَّ هَذَا عِتْقُ زَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ (وَوَلَاءٍ كَذَلِكَ وَكَوِلَايَةٍ وَعَزْلٍ) لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْضُرُهُ غَالِبًا آحَادُ النَّاسِ، وَلَكِنَّ انْتِشَارَهُ فِي أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَوْ الْقَرْيَةِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِحَّتُهُ عِنْدَ الشَّاهِدِ، بَلْ رُبَّمَا قَطَعَ بِهِ، لِكَثْرَةِ الْمُخْبِرِينَ، وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَكَنِكَاحٍ) عَقْدًا وَدَوَامًا (وَخُلْعٍ وَطَلَاقٍ) نَصًّا فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُشْرَعُ وَيَشْتَهِرُ غَالِبًا، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ (وَكَوَقْفٍ) بِأَنْ يَشْهَدَ أَنَّ هَذَا وَقْفُ زَيْدٍ، لِأَنَّهُ أَوْقَفَهُ (وَكَمَصْرِفِهِ) ؛ أَيْ: الْوَقْفِ (وَشَرْطِهِ) قَالَ الْخِرَقِيِّ: وَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ وَاسْتَقَرَّتْ، مَعْرِفَتُهُ فِي قَلْبِهِ شَهِدَ بِهِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أَشْبَهَتْ النَّسَبَ، وَكَوْنُهُ يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِمُشَاهَدَةِ سَبَبِهِ لَا يُنَافِي التَّعَذُّرَ غَالِبًا.
وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ (أَنْ يَشْهَدَ بِاسْتِفَاضَةٍ إلَّا) إنْ سَمِعَ مَا يَشْهَدُ بِهِ (عَنْ عَدَدٍ يَقَعُ بِهِمْ) ؛ أَيْ: بِخَبَرِهِمْ (الْعِلْمُ) لِأَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ مَأْخُوذَةٌ، مِنْ فَوْضِ الْمَاءِ لِكَثْرَتِهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَيَكُونُ ذَلِكَ عَدَدُ التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] .
(وَيَلْزَمُ الْحُكْمُ بِشَهَادَةٍ لَمْ يُعْلَمْ تَلَقِّيهَا مِنْ الِاسْتِفَاضَةِ وَمَنْ قَالَ شَهِدَتْ بِهَا) ؛ أَيْ: الِاسْتِفَاضَةِ (فَفَرْعٌ) ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَ " الْإِنْصَافِ " وَ " التَّنْقِيحِ " وَ " الْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ إنْ شَهِدَ أَنَّ جَمَاعَةً يَثِقُ بِهِمْ أَخْبَرُوهُ بِمَوْتِ فُلَانٍ، أَوْ أَنَّهُ ابْنُهُ، أَوْ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَهِيَ شَهَادَةُ الِاسْتِفَاضَةِ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ، وَكَذَا أَجَابَ أَبُو الْخَطَّابِ
وَيُقْبَلُ فِي ذَلِكَ، وَيُحْكَمُ فِيهِ بِشَهَادَةِ الِاسْتِفَاضَةِ، وَأَجَابَ أَبُو الْوَفَاءِ إنْ صَرَّحَ بِالِاسْتِفَاضَةِ، وَاسْتَعَاضَ بَيْنَ النَّاسِ؛ قُبِلَتْ فِي الْوَفَاةِ وَالنَّسَبِ جَمِيعًا، وَفِي " الْمُغْنِي " شَهَادَةُ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ يَعْنِي عَنْ الشُّهُودِ شَهَادَةُ اسْتِفَاضَةٍ لَا شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ فَيُكْتَفَى بِمَنْ شَهِدَ بِهَا كَبَقِيَّةِ شَهَادَةِ الِاسْتِفَاضَةِ (وَذَكَرَ الْقَاضِي الشَّهَادَةُ بِالِاسْتِفَاضَةِ خَبَرٌ لَا شَهَادَةٌ، فَتَحْصُلُ بِالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ بِالتَّوَاتُرِ، وَإِذَا شَهِدَ بِالْأَمْلَاكِ بِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ، فَعَمَلُ وُلَاةِ الْمَظَالِمِ بِذَلِكَ أَحَقُّ.
انْتَهَى) . كَلَامُ الْقَاضِي.
.
(وَمَنْ سَمِعَ إنْسَانًا يُقِرُّ بِنَسَبٍ نَحْوِ أَبٍ أَوْ ابْنٍ فَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ) جَازَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِهِ؛ لِتَوَافُقِ الْمُقِرِّ الْمُقَرَّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ (أَوْ سَكَتَ) الْمُقَرُّ لَهُ (جَازَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِهِ) نَصًّا؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي النَّسَبِ إقْرَارٌ، لِأَنَّ مَنْ بُشِّرَ بِوَلَدٍ، فَسَكَتَ لَحِقَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ أَقَرَّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ عَلَى الْإِنْسَانِ الْبَاطِلِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَلِأَنَّ النَّسَبَ يَغْلِبُ فِيهِ الْإِثْبَاتُ، لِأَنَّهُ يَلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ فِي النِّكَاحِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِالنَّسَبِ (إنْ كَذَّبَهُ) الْمُقَرُّ لَهُ، لِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ بِالتَّكْذِيبِ.
(وَمَنْ رَأَى شَيْئًا بِيَدِ إنْسَانٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِ مُدَّةً طَوِيلَةً كَتَصَرُّفِ مَالِكٍ مِنْ نَقْضٍ وَبِنَاءٍ وَإِجَارَةٍ وَإِعَارَةٍ؛ فَلَهُ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ) لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِيهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِلَا مُنَازِعٍ دَلِيلُ صِحَّةِ الْمِلْكِ (كَمُعَايَنَةِ السَّبَبِ) ؛ أَيْ: سَبَبِ الْمِلْكِ (مِنْ بَيْعٍ وَإِرْثٍ) وَلَا نَظَرَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْبَائِعِ وَالْمُوَرِّثِ لَيْسَ مَالِكًا (وَإِلَّا) يَرَهُ يَتَصَرَّفُ كَمَا ذُكِرَ، فَإِنَّهُ يَشْهَدُ (بِالْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ غَالِبًا (وَهُوَ) أَيْ: كَوْنُهُ يَشْهَدُ لَهُ بِالْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ (الْوَرَعُ فِي الْأَوْلَى) .
[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ]
فَصْلٌ (وَمَنْ شَهِدَ بِعَقْدِ) نِكَاحٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (اُعْتُبِرَ) لِصِحَّةِ شَهَادَتِهِ بِهِ (ذِكْرُ شُرُوطِهِ) لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا، فَرُبَّمَا اعْتَقَدَ الشَّاهِدُ صِحَّةَ مَا لَا يَصِحُّ عِنْدَ الْقَاضِي.
(فَيُعْتَبَرُ فِي نِكَاحٍ) شَهِدَا بِهِ (أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا إنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً، وَذِكْرُ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ كَوُقُوعِهِ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ وَخُلُوِّ مَوَانِعَ مَا لَمْ يَتَّحِدْ مَذْهَبُ شَاهِدٍ وَحَاكِمٍ بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ) وَهُوَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَيُعْتَبَرُ فِي شَهَادَةٍ (بِرَضَاعٍ) ذِكْرُ شَاهِدٍ عَدْلٍ بِهِ (عَدَدَ الرَّضَعَاتِ وَأَنَّهُ شَرِبَ مِنْ ثَدْيِهَا أَوْ مِنْ لَبَنٍ حُلِبَ مِنْهُ) لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي عَدَدِ الرَّضَعَاتِ وَفِي الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ ارْتَضَعَ (فِي الْحَوْلَيْنِ) لِأَنَّ الرَّضَاعَ بَعْدَهُمَا غَيْرُ مُحَرِّمٍ (فَلَا يَكْفِي هُوَ ابْنُهَا مِنْ الرَّضَاعِ) لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيمَا يَصِيرُ بِهِ ابْنَهَا.
(وَ) يُعْتَبَرُ فِي شَهَادَةٍ بِقَتْلٍ (ذِكْرُ قَاتِلٍ، وَأَنَّهُ ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ) فَقَتَلَهُ (أَوْ جَرَحَهُ فَقَتَلَهُ، أَوْ) يَشْهَدُ أَنَّهُ (مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ، وَلَا يَكْفِي) أَنْ يَشْهَدَ (أَنَّهُ جَرَحَهُ فَمَاتَ) مِنْ جُرْحِهِ، جَوَازَ مَوْتِهِ بِغَيْرِ جُرْحِهِ.
وَيُعْتَبَرُ فِي شَهَادَةٍ بِزِنًا (ذِكْرُ زَانٍ وَمَزْنِيٍّ بِهَا وَأَيْنَ) ؛ أَيْ: فِي أَيِّ مَكَان (وَكَيْفَ) زَنَى بِهَا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمْ بِزِنًا غَيْرِ الَّذِي شَهِدَ بِهِ غَيْرُهُ فَلَا تَلَفُّقَ (وَأَنَّهُ رَأَى ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا) لِئَلَّا يَعْتَقِدَ الشَّاهِدُ مَا لَيْسَ بِزِنًا زِنًا، وَيُقَالُ وَزَنَتْ الْعَيْنُ وَالْيَدُ وَالرِّجْلُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يُعْتَبَرُ فِي شَهَادَةٍ (بِسَرِقَةٍ ذِكْرُ مَسْرُوقٍ مِنْهُ وَذِكْرُ نِصَابٍ وَصِفَتِهَا)
أَيْ: السَّرِقَةِ كَقَوْلِهِ خَلَعَ الْبَابَ لَيْلًا، وَأَخَذَ الْفَرَسَ، وَأَزَالَ رَأْسَهُ عَنْ رِدَائِهِ وَهُوَ نَائِمٌ بِمَحَلِّ كَذَا.
وَأَخَذَهُ وَنَحْوَهُ؛ لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ بِاخْتِلَافِ السَّرِقَةِ.
(وَ) يُعْتَبَرُ فِي شَهَادَةٍ (بِقَذْفٍ ذِكْرُ مَقْذُوفٍ) لِيُعْلَمَ هَلْ يَجِبُ بِقَذْفِهِ الْحَدُّ أَوْ التَّعْزِيرُ، وَذِكْرُ (صِفَةِ قَذْفٍ) كَقَوْلِهِ لَهُ: يَا زَانِي أَوْ يَا عَاهِرُ وَنَحْوِهِ لِيُعْلَمَ هَلْ الصِّيغَةُ صَرِيحٌ فِيهِ أَوْ كِنَايَةٌ.
(وَ) يُعْتَبَرُ فِي شَهَادَةٍ بِإِكْرَاهٍ عَلَى فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ يُؤَاخَذُ بِهِ لَوْ كَانَ طَائِعًا، ذِكْرُ (أَنَّهُ ضَرَبَهُ أَوْ هَدَّدَهُ) عَلَيْهِ (وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى وُقُوعِ الْفِعْلِ) الَّذِي هَدَّدَهُ (بِهِ) .
(وَإِنْ شَهِدَ أَنْ هَذَا ابْنُ أَمَتِهِ أَوْ ثَمَرُ شَجَرَتِهِ) لَمْ يُحْكَمْ لِلْمَشْهُودِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ وَلَدَتْهُ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا (حَتَّى يَقُولَ وَلَدَتْهُ) أَمَتُهُ (أَوْ أَثْمَرَتْهُ) شَجَرَتُهُ (بِمِلْكِهِ) فَإِذَا قَالَا ذَلِكَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا بِأَنَّ ذَلِكَ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَهُوَ لَهُ، مَا لَمْ يَرِدْ سَبَبٌ بِنَقْلِهِ عَنْهُ، وَلِشَهَادَتِهِمَا بِسَبَبِ مِلْكِهِ لَهُ، وَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَا أَقْرَضَهُ أَلْفًا أَوْ بَاعَهُ سُلْفَةً، وَبِخِلَافِ كَانَ مِلْكَهُ أَمْسِ كَمَا تَقَدَّمَ.
.
(وَإِنْ شَهِدَا أَنْ هَذَا الْغَزْلَ مِنْ قُطْنِهِ) أَوْ شَهِدَا (أَنْ الدَّقِيقَ مِنْ حِنْطَتِهِ) أَوْ شَهِدَا أَنْ هَذَا (الطَّيْرَ مِنْ بَيْضَتِهِ، حُكِمَ لَهُ بِهِ) لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْغَزْلُ أَوْ الدَّقِيقُ أَوْ الطَّيْرُ مِنْ قُطْنِهِ أَوْ حِنْطَتِهِ أَوْ بَيْضِهِ قَبْلَ مِلْكِهِ لِلْقُطْنِ أَوْ الْبَيْضَةِ، وَلِأَنَّ الْغَزْلَ هُوَ الْقُطْنُ لَكِنْ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ، وَكَذَا الدَّقِيقُ وَالطَّيْرُ فَكَأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَالَتْ هَذَا غَزْلُهُ وَدَقِيقُهُ وَطَيْرُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَلَدُ وَالثَّمَرَةُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْأُمِّ وَالشَّجَرَةِ، وَلَا يُحْكَمُ بِالْبَيْضَةِ (إنْ شَهِدَا أَنَّ هَذِهِ الْبَيْضَةَ مِنْ طَيْرِهِ) حَتَّى يَشْهَدَا أَنَّهَا بَاضَتْهَا فِي مِلْكِهِ، لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الطَّيْرَةُ بَاضَتْهَا قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا.
أَوْ شَهِدَا (أَنَّهُ اشْتَرَى هَذَا) الْعَبْدَ أَوْ الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ (مِنْ زَيْدٍ) حَتَّى يَقُولَا وَهُوَ فِي مِلْكِهِ، أَوْ شَهِدَا أَنَّ زَيْدًا (وَقَفَهُ) أَيْ الْعَبْدَ وَنَحْوَهُ (عَلَيْهِ)
أَوْ شَهِدَ أَنَّ زَيْدًا (أَعْتَقَهُ) أَيْ: الْقِنَّ لَمْ يُحْكَمْ بِذَلِكَ (حَتَّى يَقُولَا) أَيْ: الشَّاهِدَانِ بَاعَ ذَلِكَ أَوْ أَوْقَفَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ (وَهُوَ فِي مِلْكِهِ) لِجَوَازِ بَيْعِهِ أَوْ وَقْفِهِ أَوْ عِتْقِهِ مَا لَا يَمْلِكُهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ لَتَمَكَّنَ كُلُّ مَنْ أَرَادَ انْتِزَاعَ شَيْءٍ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ أَنْ يَتَّفِقَ مَعَ شَخْصٍ، وَيَبِيعَهُ إيَّاهُ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ ثُمَّ يَنْتَزِعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ يَدِ رَبِّهِ، وَيُقَاسِمَ بَائِعَهُ فِيهِ، وَهَذَا ضَرَرٌ عَظِيمٌ لَا يَرِدُ الشَّرْعُ بِمِثْلِهِ.
(وَمَنْ ادَّعَى إرْثَ مَيِّتٍ فَشَهِدَا) ؛ أَيْ: الشَّاهِدَانِ (أَنَّهُ وَارِثٌ لَا يَعْلَمَانِ) وَارِثًا غَيْرَهُ، وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ أَوْ لَا، سُلِّمَ إلَيْهِ، لِأَنَّهُ مِمَّا يُمْكِنُ عِلْمُهُ، فَكَفَى فِيهِ الظَّاهِرُ (أَوْ قَالَا) لَا نَعْلَمُ وَارِثًا غَيْرَهُ (فِي هَذَا الْبَلَدِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَلَدِ، وَقَدْ نَفَيَا الْعِلْمَ بِهِ فِي هَذَا الْبَلَدِ، فَصَارَ فِي حُكْمِ الْمُطْلَقِ (سَوَاءٌ كَانَا) أَيْ: الشَّاهِدَانِ (مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ أَوْ لَا، سُلِّمَ إلَيْهِ إرْثٌ بِغَيْرِ كَفِيلٍ) لِثُبُوتِ أَنَّهُ لَهُ، الْأَصْلُ الشَّرِيكِ، وَيُسَلَّمُ إلَيْهِ الْإِرْثُ (بِهِ) أَيْ: كَفِيلٍ (إنْ شَهِدَ بِإِرْثِهِ) أَيْ: بِأَنَّهُ وَارِثُهُ (فَقَطْ) بِأَنْ لَمْ يَقُولَا، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ (ثُمَّ إنْ شَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ وَارِثٌ شَارَكَ) الْأَوَّلَ فِي إرْثِ الْمَيِّتِ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي فَتَاوِيهِ: إنَّمَا احْتَاجَ إلَى بَيَانِ لَا وَارِثَ سِوَاهُ، لِأَنَّهُ يُعْلَمُ ظَاهِرًا، فَإِنَّهُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ يَعْرِفُهُ جَارُهُ، وَمَنْ يَعْلَمُ بَاطِنَ أَمْرِهِ، بِخِلَافِ دَيْنِهِ عَلَى الْمَيِّتِ لَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ سِوَاهُ، لِخَفَاءِ الدَّيْنِ، لِأَنَّ جِهَاتِ الْإِرْثِ يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا عَنْ يَقِينٍ.
(وَلَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ عَلَى نَفْيِ مَحْصُورٍ بِدَلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) وَمَسْأَلَةِ (الْإِعْسَارِ) وَالْبَيِّنَةُ فِيهِ ثَبَتَ مِنْهَا مَا يَظْهَرُ وَيُشَاهَدُ، بِخِلَافِ شَهَادَتِهِمَا لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: «دُعِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الصَّلَاةِ فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ وَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» .
قَالَ الْقَاضِي فِي نَحْوِ هَذَا، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ بِالتَّرْكِ وَالْعِلْمَ بِالْفِعْلِ سَوَاءٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَلِهَذَا نَقُولُ: إنَّ مَنْ قَالَ صَحِبْت فُلَانًا فِي يَوْمِ كَذَا، فَلَمْ يَقْذِفْ فُلَانًا، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ كَمَا تُقْبَلُ فِي الْإِثْبَاتِ.
.
(وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ ابْنُهُ) ؛ أَيْ: الْمَيِّتِ (لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنْ هَذَا ابْنُهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، قُسِّمَ الْإِرْثُ بَيْنَهُمَا) وَلَا تَعَارُضَ، لِجَوَازِ أَنْ تُعْلِمَ كُلُّ بَيِّنَةٍ مَا لَمْ تُعْلِمْهُ الْأُخْرَى.
.
[فَصْلٌ شَهِدَا الْعَدْلَانِ أَنَّهُ طَلَّقَ مِنْ نِسَائِهِ وَاحِدَةً وَنَسِيَ عَيْنَهَا]
فَصْلٌ (إنْ شَهِدَا أَيْ: الْعَدْلَانِ أَنَّهُ طَلَّقَ) مِنْ نِسَائِهِ وَاحِدَةً وَنَسِيَ عَيْنَهَا، أَوْ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ (أَوْ أَنَّهُ أَبْطَلَ مِنْ وَصَايَاهُ وَاحِدَةً وَنَسِيَا عَيْنَهَا، لَمْ تُقْبَلْ) شَهَادَتُهُمَا، لِأَنَّهَا بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهَا، كَقَوْلِهِمَا إحْدَى هَاتَيْنِ الْأَمَتَيْنِ عَتِيقَةٌ.
(وَيَتَّجِهُ لَوْ قَالَ) لِزَوْجَتَيْهِ (إحْدَاكُمَا طَالِقٌ أَوْ) قَالَ لِرَقِيقِهِ أَحَدُكُمَا (حُرٌّ فَشَهِدَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ، تُقْبَلُ) شَهَادَتُهُمَا (وَيُقْرَعُ) بَيْنَهُمَا، وَهُوَ اتِّجَاهٌ جَيِّدٌ مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ.
(وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: الْعَدْلَيْنِ عَلَى زَيْدٍ (بِغَصْبِ ثَوْبٍ أَحْمَرَ، وَ) شَهِدَ (الْآخَرُ بِغَصْبِ) ثَوْبٍ (أَبْيَضَ أَوْ) شَهِدَ (أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ) الثَّوْبَ (الْيَوْمَ وَ) شَهِدَ (الْآخَرُ أَنَّهُ) غَصَبَهُ (أَمْسِ، لَمْ تَكْمُلْ) الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الشَّاهِدَيْنِ فِيمَا ذُكِرَ يَدُلُّ عَلَى تَغَايُرِ الْفِعْلَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ أَحَدُهُمَا غَيْرُ مَا شَهِدَ بِهِ الْآخَرُ (وَكَذَا كُلُّ شَهَادَةٍ عَلَى فِعْلٍ مُتَّحِدٍ فِي نَفْسِهِ كَقَتْلِ زَيْدٍ وَإِتْلَافِ ثَوْبِهِ) إذْ لَا يَكُونُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، أَوْ عَلَى فِعْلٍ مُتَّحِدٍ (بِاتِّفَاقِهِمَا) أَيْ:
الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ كَالْغَصْبِ إذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ، وَ (كَسَرِقَةٍ) وَنَحْوِهَا (إذَا اخْتَلَفَا) ؛ أَيْ: الشَّاهِدَانِ (فِي وَقْتِ الْفِعْلِ أَوْ مَكَانِهِ أَوْ صِفَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِهِ) ؛ أَيْ: الْمَشْهُودِ بِهِ (كَلَوْنِهِ وَآلَةِ قَتْلٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَغَايُرِ الْفِعْلَيْنِ) فَلَا تَكْمُلُ الْبَيِّنَةُ؛ لِلتَّنَافِي، وَكُلٌّ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ يُكَذِّبُ الْآخَرَ؛ فَيَتَعَارَضَانِ، وَيَسْقُطَانِ.
(وَإِنْ أَمْكَنَ تَعَدُّدُهُ) ؛ أَيْ: الْفِعْلِ (وَلَمْ يَشْهَدَا بِأَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْفِعْلَ (مُتَّحِدٌ) وَلَمْ يَقُلْ الْمَشْهُودُ لَهُ إنَّ الْفِعْلَ وَاحِدٌ (فَبِكُلِّ شَيْءٍ شَاهِدٌ، فَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ) فَإِنْ ادَّعَى الْفِعْلَيْنِ، وَأَقَامَ أَيْضًا بِكُلٍّ مِنْهُمَا شَاهِدًا أَوْ حَلَفَ مَعَ كُلٍّ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ يَمِينًا؛ ثَبَتَا، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ بِذَلِكَ؛ لِتَغَايُرِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (وَلَوْ كَانَ بَدَلَهُ) ؛ أَيْ: كُلِّ شَاهِدٍ مِنْهُمَا (بَيِّنَةٌ) تَامَّةٌ (ثَبَتَ مُوجِبُهُمَا إنْ ادَّعَى) الْمَشْهُودُ لَهُ (الْفِعْلَيْنِ) الْمَشْهُودَ بِهِمَا الْمُدَّعَى بِهِمَا قَبْلَ أَدَاءِ الشُّهُودِ الشَّهَادَاتِ (وَإِلَّا) بِأَنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا فَقَطْ ثَبَتَ (مَا ادَّعَاهُ) دُونَ الْآخَرِ (وَتَسَاقَطَتَا فِي) مَسْأَلَةِ (الِاتِّحَادِ) ؛ أَيْ: اتِّحَادِ الْفِعْلِ فِي نَفْسِهِ أَوْ بِاتِّفَاقِهِمَا (وَكَفِعْلٍ مِنْ قَوْلِ نِكَاحٍ وَقَذْفٍ فَقَطْ) ؛ أَيْ: دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَقْوَالِ؛ فَإِذَا شَهِدَ وَاحِدٌ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا أَوْ قَذَفَهُ أَمْسِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ الْيَوْمَ؛ لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ، لِأَنَّ النِّكَاحَ وَالْقَذْفَ الْوَاقِعَيْنِ أَمْسِ غَيْرُ الْوَاقِعَيْنِ الْيَوْمَ؛ فَلَمْ يَبْقَ بِكُلِّ نِكَاحٍ أَوْ قَذْفٍ إلَّا شَاهِدٌ؛ فَلَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ، وَلِأَنَّ شَرْطَ النِّكَاحِ فِي حُضُورِ الشَّاهِدَيْنِ، فَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الشَّرْطِ لَمْ يَتَحَقَّقْ حُصُولُهُ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَذَفَهُ غُدْوَةً أَوْ خَارِجَ الْبَلَدِ أَوْ بِالْعُجْمِيَّةِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِهَا.
(وَلَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى إقْرَارٍ بِفِعْلٍ) كَغَصْبٍ وَقَتْلٍ وَسَرِقَةٍ (أَوْ غَيْرِهِ) كَإِقْرَارِ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ (وَلَوْ) كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ (نِكَاحًا أَوْ قَذْفًا) كَأَنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ أَوْ بِدِمَشْقَ أَنَّهُ غَصَبَهُ أَوْ قَذَفَهُ أَوْ بَاعَهُ كَذَا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ بِمِصْرَ وَنَحْوِهِ، جُمِعَتْ وَعُمِلَ بِمُقْتَضَاهَا، لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ
وَاحِدٌ، وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْفِعْلِ؛ فَإِنَّهَا عَلَى فِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا هَهُنَا (أَوْ شَهِدَ) شَاهِدٌ (وَاحِدٌ بِالْفِعْلِ) وَشَهِدَ شَاهِدٌ (آخَرُ عَلَى إقْرَارِهِ) بِذَلِكَ الْفِعْلِ (جُمِعَتْ) وَحُكِمَ بِهَا (لِعَدَمِ التَّنَافِي) .
وَلَا تَكْمُلُ الْبَيِّنَةُ (إنْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِفِعْلِ نِكَاحٍ أَوْ قَتْلٍ خَطَأٍ، وَ) شَهِدَ (آخَرُ عَلَى إقْرَارِهِ) بِذَلِكَ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ، وَلِاخْتِلَافِ مَحَلِّ الْوُجُوبِ فِي الْقَتْلِ (وَلِمُدَّعِي الْقَتْلِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا) ؛ أَيْ: الشَّاهِدَيْنِ (وَيَأْخُذَ الدِّيَةَ) لِثُبُوتِ الْقَتْلِ، وَمَتَى حَلَفَ (مَعَ شَاهِدِ الْإِقْرَارِ) بِالْقَتْلِ، فَالدِّيَةُ (فِي مَالِ الْقَاتِلِ) لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ اعْتِرَافًا، وَالْقَتْلُ ثَبَتَ بِاعْتِرَافِهِ.
.
(وَلَوْ شَهِدَا بِالْقَتْلِ) أَوْ شَهِدَا (بِالْإِقْرَارِ بِهِ) ؛ أَيْ: الْقَتْلِ (وَزَادَ أَحَدُهُمَا) فِي شَهَادَتِهِ كَوْنَ الْقَتْلِ (عَمْدًا) وَلَمْ يَذْكُرْ رَفِيقُهُ كَوْنَهُ عَمْدًا وَلَا خَطَأً ثَبَتَ الْقَتْلُ لِاتِّفَاقِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِ (وَصُدِّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ فِي صِفَتِهِ مِنْ خَطَأٍ) أَوْ عَمْدٍ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَيْهَا.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ وَالدِّيَةُ) تَلْزَمُ الْمُدَّعَى (عَلَيْهِ) بِتَصْدِيقِهِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى وُقُوعِ الْقَتْلِ مِنْهُ، وَأَنَّهُ خَطَأٌ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، لِأَنَّ مُوجِبَ الْجِنَايَةِ أَثَرُ فِعْلِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِضَرَرِهَا، وَتَكُونُ حَالُهُ كَدِيَةِ الْعَمْدِ، وَلَا يَجِبُ مِنْهَا بِشَيْءٍ عَلَى (الْعَاقِلَةِ) ؛ أَيْ: عَاقِلَةِ الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ الْجِنَايَةِ خَطَأً وَلَا شِبْهَ عَمْدٍ، وَتَصْدِيقُنَا إيَّاهُ فِي كَوْنِ الْجِنَايَةِ لَيْسَتْ عَمْدًا أَفَادَهُ دَرْءُ الْحَدِّ عَنْهُ فَقَطْ، وَأَمَّا الدِّيَةُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا فِي مَالِهِ، لِئَلَّا يَضِيعَ دَمُ الْمَعْصُومِ هَدَرًا وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
.
(وَمَتَى جَمَعْنَا) شَهَادَةَ شَاهِدَيْنِ (مَعَ اخْتِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ) فِي وَقْتٍ، وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ (فِي قَتْلٍ أَوْ طَلَاقٍ، كَأَنْ أَقَرَّ عِنْدَ وَاحِدٍ أَنَّهُ قَتَلَ) مَعْصُومًا (أَوْ طَلَّقَ) زَوْجَتَهُ (بِرَجَبٍ، وَأَقَرَّ عِنْدَ آخَرَ) أَنَّهُ قَتَلَ أَوْ طَلَّقَ (بِشَعْبَانَ؛ فَالْإِرْثُ وَالْعِدَّةُ يَلِيَانِ آخِرَ الْمُدَّتَيْنِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ وَالزَّوْجِيَّةِ إلَى آخِرِ الْمُدَّةِ، وَهُوَ شَعْبَانُ فِي مِثَالِنَا.
(وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (أَقَرَّ لَهُ) أَيْ: لِلْمُدَّعِي (بِأَلْفٍ أَمْسِ، وَ) شَهِدَ (الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِهِ) أَيْ: الْأَلْفِ (الْيَوْمَ) كَمَلَتْ (أَوْ) شَهِدَ (أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَهُ دَارِهِ أَمْسِ وَ) شَهِدَ (الْآخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ إيَّاهَا الْيَوْمَ) (كَمَلَتْ) الْبَيِّنَةُ؛ وَثَبَتَ الْإِقْرَارُ أَوْ الْبَيْعُ، لِاتِّحَادِ الْأَلْفِ وَالْبَيْعِ الْمَشْهُودِ بِهِمَا، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ الْيَوْمَ، إذْ الْمَشْهُودُ بِهِ وَاحِدٌ يَجُوزُ أَنْ يُعَادَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ أَوْ بَاعَ أَوْ طَلَّقَ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَوْ طَلَّقَ أَوْ بَاعَ بِالْفَارِسِيَّةِ (وَكَذَا كُلُّ شَهَادَةٍ عَلَى قَوْلٍ غَيْرِ نِكَاحٍ وَقَذْفٍ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفَيْنِ) كَمَلَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَلْفٍ، (أَوْ) شَهِدَ (أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفَيْنِ، كَمَلَتْ) الْبَيِّنَةُ (بِأَلْفٍ) وَاحِدٍ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ (وَلَهُ) ، أَيْ: الْمَشْهُودِ لَهُ (أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْأَلْفِ الْآخَرِ مَعَ شَاهِدِهِ) وَيَسْتَحِقَّهُ حَيْثُ لَمْ يَخْتَلِفْ السَّبَبُ وَلَا الصِّفَةُ كَمَا يَأْتِي.
(وَلَوْ شَهِدَ) الشَّخْصُ (بِمِائَةٍ، وَ) شَهِدَ (آخَرُ أَنَّ لَهُ بِعَدَدٍ أَقَلَّ) مِنْ الْمِائَةِ؛ دَخَلَ الْأَقَلُّ مِنْ الْمِائَةِ فِيهَا (إلَّا مَعَ مَا) ؛ أَيْ: شَيْءٍ (يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ) كَمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ بِمِائَةٍ قَرْضًا.
وَآخَرَانِ بِخَمْسِينَ ثَمَنَ مَبِيعٍ (فَيَلْزَمَانِهِ) لِاخْتِلَافِ سَبَبِهِمَا.
(وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِأَلْفٍ) وَأَطْلَقَ، وَشَهِدَ آخَرُ (بِأَلْفٍ مِنْ قَرْضٍ؛ كَمَلَتْ) شَهَادَتُهَا حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلَا تَكْمُلُ (إنْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِأَلْفٍ مِنْ قَرْضٍ، وَشَهِدَ آخَرُ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِمَشْهُودٍ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَيَسْتَحِقَّهُمَا أَوْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا وَيَسْتَحِقَّ مَا شَهِدَ بِهِ.
.
(وَإِنْ شَهِدَا أَنْ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَلْفًا لِلْمُدَّعِي (وَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَاهُ بَعْضَهُ؛ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ نَصًّا) لِأَنَّ قَوْلَهُ قَضَاهُ بَعْضَهُ يُنَاقِضُ شَهَادَتَهُ عَلَيْهِ بِالْأَلْفِ، فَأَفْسَدَهَا، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الْآخَرِ، وَيَسْتَحِقَّ الْأَلْفَ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَقْرَضَهُ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَاهُ نِصْفَهُ، صَحَّتْ شَهَادَتُهُمَا) بِالْأَلْفِ، لِأَنَّ الْوَفَاءَ لَا يُنَافِي الْقَرْضَ، فَيَحْتَاجُ إثْبَاتُ قَضَاءِ الْخَمْسِمِائَةِ إلَى شَاهِدٍ آخَرَ أَوْ يَمِينٍ.
(وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ) تَحَمَّلَ شَهَادَةً بِحَقٍّ، وَ (أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِاقْتِضَاءِ الْحَقِّ أَوْ انْتِقَالِهِ) بِنَحْوِ حَوَالَةٍ (أَنْ يَشْهَدَ بِهِ) أَيْ: الْحَقِّ الَّذِي تَحَمَّلَهُ نَصًّا، وَلَوْ قَضَاهُ نِصْفَهُ ثُمَّ جَحَدَ بَقِيَّتَهُ قَالَ: أَحْمَدُ يَدَّعِيهِ كُلَّهُ، وَتَقُومُ الْبَيِّنَةُ فَشَهِدَ عَلَى حَقِّهِ كُلِّهِ ثُمَّ يَقُولُ لِلْحَاكِمِ: قَضَانِي نِصْفَهُ.
(وَلَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ نَحْوِ صَغِيرٍ أَلْفًا) مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَنَحْوِهَا (وَشَهِدَ آخَرَانِ عَلَى شَخْصٍ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ الصَّغِيرِ أَلْفًا) مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ (لَزِمَ وَلِيَّهُ) ، أَيْ: الصَّغِيرِ (مُطَالَبَتُهُمَا) ، أَيْ: الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمَا (بِأَلْفَيْنِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْأَلْفَ الَّذِي أَخَذَهُ أَحَدُهُمَا غَيْرُ الَّذِي أَخَذَهُ الْآخَرُ (إلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَتَانِ عَلَى أَلْفٍ بِعَيْنِهَا) أَيْ: بِأَنَّ الْأَلْفَ الَّذِي أَخَذَهُ أَحَدُهُمَا هُوَ الَّذِي أَخَذَهُ الْآخَرُ (فَيَطْلُبُهَا) الْوَلِيُّ (مِنْ أَيِّهِمَا) أَيْ: الْآخِذَيْنِ شَاءَ، لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا.
(وَمَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِأَلْفٍ فَقَالَ لَهُمَا: أُرِيدُ أَنْ تَشْهَدَا لِي بِخَمْسِمِائَةٍ، لَمْ يَجُزْ) لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَ بِالْخَمْسِمِائَةِ لَهُ (وَلَوْ كَانَ الْحَاكِمُ لَمْ يُوَلِّ الْحُكْمَ فَوْقَهَا) أَيْ: الْخَمْسِمِائَةِ نَصًّا لِأَنَّ عَلَى الشَّاهِدِ نَقْلَ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا شَهِدَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة: 108] . وَلِأَنَّهُ لَوْ سَاغَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِبَعْضِ مَا شَهِدَ، لَسَاغَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِبَعْضِ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ.
(وَإِنْ قَضَاهُ نِصْفَ الدَّيْنِ، وَجَحَدَ الْبَاقِيَ ادَّعَى بِالْكُلِّ) نَصًّا (وَتَشْهَدُ بِهِ) ؛ أَيْ: بِالْكُلِّ (الْبَيِّنَةُ، ثُمَّ يَقُولُ: لِلْحَاكِمِ قَضَانِي نِصْفَهُ) نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ.
(وَلَوْ) (شَهِدَ اثْنَانِ فِي مَحْفِلٍ) ؛ أَيْ: مُجْتَمَعٍ (عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ عَلَى خَطِيبٍ أَنَّهُ قَالَ أَوْ فَعَلَ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي الْخُطْبَةِ شَيْئًا لَمْ يَشْهَدْ بِهِ غَيْرُهُمَا مَعَ الْمُشَارَكَةِ فِي سَمْعٍ وَبَصَرٍ) (قُبِلَا) لِكَمَالِ النِّصَابِ (وَلَا يُعَارِضُهُ) ؛ أَيْ: قَبُولَهُمَا (قَوْلُ الْأَصْحَابِ إذَا انْفَرَدَ) شَاهِدٌ (وَاحِدٌ فِيمَا) ؛ أَيْ: نَقْلِ شَيْءٍ (تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ) ؛ أَيْ: تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى نَقْلِهِ (مَعَ مُشَارَكَةِ خَلْقٍ كَثِيرِينَ لَهُ؛ رُدَّ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ النِّصَابُ) وَلِأَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إذَا شَهِدَ وَاحِدٌ وَبَيْنَ مَا إذَا شَهِدَ اثْنَانِ، وَبَيْنَ تَقْيِيدِهِمْ بِكَوْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِمَا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَبَيْنَ عَدَمِ ذَلِكَ الْقَيْدِ.
[بَابُ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ]
ُ وَالْحِكْمَةُ فِي اعْتِبَارِهَا حِفْظُ الْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَنْفُسِ أَنْ تَنَالَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَاعْتُبِرَتْ أَحْوَالُ الشُّهُودِ بِخُلُوِّهِمْ عَمَّا يُوجِبُ التُّهْمَةَ فِيهِمْ، وَوُجُودُ مَا يُوجِبُ تَيَقُّظَهُمْ وَتَحَرُّزَهُمْ (وَهِيَ) ؛ أَيْ: شُرُوطُهُ (سِتَّةٌ) بِالِاسْتِقْرَاءِ.
(أَحَدُهَا الْبُلُوغُ فَلَا تُقْبَلُ) الشَّهَادَةُ (مِنْ صَغِيرٍ) ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَلَوْ كَانَ الصَّغِيرُ (فِي حَالِ أَهْلِ الْعَدَالَةِ) بِأَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِمَا يَتَّصِفُ بِهِ الْمُكَلَّفُ الْعَدْلُ (مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ شَهِدَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ أَوْ فِي جِرَاحٍ إذَا شَهِدُوا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ عَنْ الْحَالِ الَّتِي تَجَارَحُوا عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] . وَالصَّبِيُّ لَيْسَ رَجُلًا، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَفِي حَقِّ غَيْرِهِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ كَامِلِ الْعَقْلِ.
(الثَّانِي الْعَقْلُ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ) ؛ أَيْ: غَرِيزَةٌ يَنْشَأُ عَنْهَا ذَلِكَ يَسْتَعِدُّ بِهَا لِفَهْمِ دَقِيقِ الْعُلُومِ، وَتَدْبِيرِ الصَّنَائِعِ الْفِكْرِيَّةِ، وَالْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ هُوَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ وُرُودُ الشَّكِّ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُمْ نَوْعٌ مِنْهَا لَا جَمِيعَهَا، وَإِلَّا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفَاقِدُ لِلْعِلْمِ بِالْمُدْرَكَاتِ لِعَدَمِ إدْرَاكِهَا غَيْرَ عَاقِلٍ (وَالْعَاقِلُ مَنْ عَرَفَ الْوَاجِبَ عَقْلًا الضَّرُورِيَّ وَغَيْرَهُ، وَعَرَفَ الْمُمْكِنَ وَالْمُمْتَنِعَ) كَوُجُودِ الْبَارِي تَعَالَى، وَكَوْنِ الْجِسْمِ الْوَاحِدِ لَيْسَ فِي مَكَانَيْنِ، وَأَنَّ الْوَاحِدَ أَقَلُّ مِنْ الِاثْنَيْنِ، وَأَنَّ الضِّدَّيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ.
(وَيَتَّجِهُ الْمُرَادُ) مِنْ قَوْلِهِمْ وَالْعَاقِلُ مَنْ عَرَفَ إلَى آخِرِهِ إذَا كَانَ فِيهِ اسْتِعْدَادٌ (وَقَابِلِيَّةٌ لِذَلِكَ لَوْ تَأَمَّلَهُ) كَمُعْظَمِ أَهْلِ زَمَانِنَا مِمَّنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ الطَّبِيعَةُ الْبَهِيمِيَّةُ، يَنْعَقُونَ مَعَ كُلِّ نَاعِقٍ مَعَ أَنَّهُمْ فِي غَايَةِ الْمَهَارَةِ فِي إصْلَاحِ أَمْرِ مَعَاشِهِمْ وَفِي نِهَايَةِ الْغَفْلَةِ عَنْ التَّأَمُّلِ فِي أَمْرِ مَعَادِهِمْ، فَمَنْ كَانَ مُتَّصِفًا مِنْهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ عَاقِلٍ؛ إذْ لَوْ تَأَمَّلَ لَحَصَلَ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَعَرَفَ (مَا يَنْفَعُهُ وَمَا يَضُرُّهُ غَالِبًا) لِأَنَّ النَّاسَ لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ لَمَا اخْتَلَفَتْ الْآرَاءُ (فَلَا تُقْبَلُ) شَهَادَةٌ (مِنْ مَعْتُوهٍ وَلَا مِنْ مَجْنُونٍ) مَسْلُوبِ الْعَقْلِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَلَا أَدَاؤُهَا، لِاحْتِيَاجِهَا إلَى الضَّبْطِ وَهُوَ لَا يَعْقِلُهُ (إلَّا مَنْ يَخْنُقُ أَحْيَانًا إذَا شَهِدَ) أَيْ: تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ وَأَدَّاهَا (فِي إفَاقَتِهِ) فَتُقْبَلُ، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ مِنْ عَاقِلٍ، أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يُجَنَّ.
(الثَّالِثُ النُّطْقُ) ؛ أَيْ: كَوْنَ الشَّاهِدِ مُتَكَلِّمًا (فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ مِنْ أَخْرَسَ) بِإِشَارَتِهِ كَإِشَارَةِ النَّاطِقِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْيَقِينُ، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ فِي أَحْكَامِهِ كَنِكَاحِهِ وَطَلَاقِهِ لِلضَّرُورَةِ (إلَّا إذَا أَدَّاهَا) الْأَخْرَسُ (بِخَطِّهِ) فَتُقْبَلُ لِدَلَالَةِ الْخَطِّ عَلَى الْأَلْفَاظِ.
(الرَّابِعُ الْحِفْظُ، فَلَا تُقْبَلُ) الشَّهَادَةُ (مِنْ مُغَفَّلٍ وَ) لَا مِنْ (مَعْرُوفٍ بِكَثْرَةِ غَلَطٍ وَكَثِيرِ سَهْوٍ) لِأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ، وَلَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَلَطِهِ، وَتُقْبَلُ مِمَّنْ يُقْبَلُ مِنْهُ الْغَلَطُ وَالسَّهْوُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ.
(الْخَامِسُ الْإِسْلَامُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ رِجَالِنَا وَغَيْرُ مَأْمُونٍ.
وَحَدِيثُ جَابِرٍ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَجَازَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ.
وَإِنْ سَلَّمَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّهَا تُسَمَّى شَهَادَةً قَالَ تَعَالَى: " ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 6] (فَلَا تُقْبَلُ مِنْ كَافِرٍ، وَلَوْ عَلَى) كَافِرٍ (مِثْلَهُ غَيْرَ رَجُلَيْنِ) لَا نِسَاءً (كِتَابَيْنِ) لَا مَجُوسِيَّيْنِ وَنَحْوَهُمَا (عِنْدَ عَدَمِ مُسْلِمٍ) لَا مَعَ وُجُودِهِ (بِوَصِيَّةِ) مَيِّتٍ (مُسْلِمٍ) أَوْ كَافِرٍ أَوْقَعَ الْوَصِيَّةَ (سَفَرًا، وَيُحَلِّفُهُمَا) ؛ أَيْ: الشَّاهِدَيْنِ الْكِتَابِيَّيْنِ (حَاكِمٌ وُجُوبًا بَعْدَ الْعَصْرِ) لِخَبَرِ أَبِي مُوسَى رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ يُعَظِّمُهُ أَهْلُ الْأَدْيَانِ، فَيَحْلِفَانِ مَعَ رَيْبٍ (لَا نَشْتَرِي بِهِ) ؛ أَيْ: اللَّهَ تَعَالَى أَوْ الْحَلِفَ أَوْ تَحْرِيفَ الشَّهَادَةِ أَوْ الشَّهَادَةَ (ثَمَنًا، وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِي، وَمَا خَانَا وَلَا حَرَّفَا، وَإِنَّهَا لِوَصِيَّةِ) الرَّجُلِ الْمَيِّتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: 106] الْآيَةَ وَقَضَى بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِهَذَا قَالَ أَكَابِرُ الْمَاضِينَ (فَإِنْ عُثِرَ) ؛ أَيْ: اطَّلَعَ (عَلَى أَنَّهُمَا) ، أَيْ: الشَّاهِدَيْنِ الْكِتَابِيَّيْنِ (اسْتَحَقَّا إثْمًا) ؛ أَيْ: كَذَبَا فِي شَهَادَتِهِمَا (قَامَ آخَرَانِ) ؛ أَيْ: وَرَثَتُهُ؛ أَيْ: رَجُلَانِ (مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمُوصِي) (فَحَلَفَا بِاَللَّهِ تَعَالَى لَشَهَادَتِنَا) ؛ أَيْ: يَمِينُنَا (أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَلَقَدْ خَانَا وَكَتَمَا وَيَقْضِي لَهُمْ) لِلْآيَةِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامَ فِضَّةٍ مَخُوصًا بِذَهَبٍ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ وَجَدَ الْجَامَ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفَا بِاَللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَأَنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: 106] » الْآيَةَ " رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي " النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ " أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَضَى بِذَلِكَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ أَيْضًا فَالْمَائِدَةُ مِنْ آخِرِ مَا أُنْزِلَ.
.
(السَّادِسُ الْعَدَالَةُ) ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (وَهِيَ) ؛ أَيْ: الْعَدَالَةُ (لُغَةً التَّوَسُّطُ) وَالِاسْتِقَامَةُ وَالِاسْتِوَاءُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، مَأْخُوذَةً مِنْ عَدُلَ - بِضَمِّ الدَّالِ - إذْ الْعَدْلُ ضِدُّ الْجَوْرِ - أَيْ: الْمَيْلُ - لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ، وَالْقَانِعُ الَّذِي يُنْفِقُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْبَيْتِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ غَيْرَ الْعَدْلِ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ أَنْ يَتَحَامَلَ عَلَى غَيْرِهِ، فَيَشْهَدَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
(وَشَرْعًا مَلَكَةٌ فِي النَّفْسِ تَمْنَعُهُمَا مِنْ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي وَالرَّذَائِلِ الْمُبَاحَةِ وَيُعْتَبَرُ لَهَا) أَيْ: الْعَدَالَةِ (شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ، وَهُوَ نَوْعَانِ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ بِرَوَاتِبِهَا) ؛ أَيْ: سُنَنِ الصَّلَوَاتِ الرَّاتِبَةِ.
نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ الْوِتْرُ
سُنَّةٌ سَنَّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِهِ، فَهُوَ رَجُلُ سُوءٍ (فَلَا تُقْبَلُ) الشَّهَادَةُ (مِمَّنْ دَاوَمَ عَلَى تَرْكِهَا) ؛ أَيْ: الرَّوَاتِبِ، فَإِنَّ تَهَاوُنَهُ بِهَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ مُحَافَظَتِهِ عَلَى أَسْبَابِ دِينِهِ، وَرُبَّمَا جَرَى التَّهَاوُنُ بِهَا إلَى التَّهَاوُنِ بِالْفَرَائِضِ وَتُقْبَلُ مِمَّنْ تَرَكَهَا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي (اجْتِنَابُ الْمُحَرَّمِ بِأَنْ لَا يَأْتِيَ كَبِيرَةً وَلَا يُدْمِنَ) ؛ أَيْ: يُدَاوِمَ (عَلَى صَغِيرَةٍ) لِأَنَّ اعْتِبَارَ اجْتِنَابِ كُلِّ الْمَحَارِمِ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ ذَنْبٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ [النجم: 32] .
مَدَحَهُمْ لِاجْتِنَابِهِمْ مَا ذَكَرَ وَإِنْ وُجِدَتْ مِنْهُمْ الصَّغِيرَةُ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا، وَأَيُّ عَبْدٍ لَك لَا أَلَمَّا» ؛ أَيْ: لَمْ يُلِمَّ.
وَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ، وَقِيسَ عَلَيْهِ كُلُّ مُرْتَكِبِ كَبِيرَةٍ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَرْتَكِبْ كَبِيرَةً، وَأَدْمَنَ عَلَى الصَّغِيرَةِ لَا يُعَدُّ مُجْتَنِبًا لِلْمَحَارِمِ، وَقَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " الْعَدْلُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ وَطَائِفَةٍ بِحَسْبِهَا، فَيَكُونُ الشَّهِيدُ فِي كُلِّ قَوْمٍ مَنْ كَانَ ذَا عَدْلٍ فِيهِمْ، وَإِنْ كَانَ لَوْ كَانَ فِي غَيْرِ قَوْمٍ لَكَانَ عَدْلُهُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَبِهَذَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِلَّا فَلَوْ اُعْتُبِرَ فِي شُهُودِ كُلِّ طَائِفَةٍ أَنْ لَا يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ إلَّا مَنْ يَكُونُ قَائِمًا بِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ؛ لَبَطَلَتْ الشَّهَادَاتُ كُلُّهَا أَوْ غَالِبُهَا.
(وَالْكَبِيرَةُ مَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا أَوْ وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ) كَأَكْلِ الرِّبَا، وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَفِي مُعْتَمَدِ الْقَاضِي مَعْنَى الْكَبِيرَةِ أَنَّ عِقَابَهَا أَعْظَمُ، وَالصَّغِيرَةُ أَقَلُّ، وَلَا يُعْلَمَانِ إلَّا بِتَوْفِيقٍ (زَادَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (أَوْ غَضَبٍ أَوْ لَعْنَةٍ، أَوْ نَفْيِ إيمَانٍ كَقَتْلِ) نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ وَزِنًا وَلِوَاطٍ (وَقَذْفٍ بِهِ، وَسِحْرٍ، وَأَكْلِ مَالٍ ظُلْمًا، وَرِبًا وَكِتَابَتِهِ وَشَهَادَةٍ عَلَيْهِ، وَتَوَلٍّ بِزَحْفٍ) ؛ أَيْ: الْفِرَارَ عِنْدَ الْجِهَادِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ (وَشُرْبِ كُلِّ مُسْكِرٍ) بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ
(وَقَطْعِ طَرِيقٍ وَسَرِقَةِ) مَالٍ مَعْصُومٍ (وَدَعْوَاهُ مَا لَيْسَ لَهُ، وَشَهَادَةِ زُورٍ، وَيَمِينِ غَمُوسٍ وَتَرْكِ صَلَاةٍ، وَصَلَاةٍ بِحَدَثٍ أَوْ) صَلَاةٍ (لِغَيْرِ قِبْلَةٍ وَ) صَلَاةٍ (بِلَا قِرَاءَةٍ، أَوْ) فِعْلَهَا بَعْدَ (وَقْتٍ، وَقُنُوطٍ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَإِسَاءَةِ ظَنٍّ بِهِ) ؛ أَيْ: بِاَللَّهِ (وَأَمْنِ مَكْرِهِ، وَقَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَكِبْرٍ وَخُيَلَاءَ وَقِيَادَةٍ، وَدِيَاثَةٍ، وَنِكَاحِ مُحَلِّلٍ، وَهَجْرِ مُسْلِمٍ عَدْلٍ) ؛ أَيْ: تَرْكَ كَلَامِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: سُنَّةٌ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ، وَأَمَّا هَجْرُهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ دُونَهَا (وَتَرْكِ حَجٍّ لِمُسْتَطِيعٍ، وَمَنْعِ زَكَاةٍ، وَحُكْمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَرِشْوَةٍ فِيهِ) ؛ أَيْ: فِي الْحُكْمِ بِغَيْرِ الْحَقِّ (وَفِطْرٍ بِرَمَضَانَ بِلَا عُذْرٍ، وَالْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ) فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَتَقَدَّمَ الْخَيَالُ الْمُسَمَّى بِالْعَقْلِ وَالسِّيَاسَةِ الظَّالِمَةِ وَالْعَوَائِدِ الْبَاطِلَةِ وَالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ وَالْأَذْوَاقِ وَالْكُشُوفَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ (وَسَبِّ صَحَابَةٍ، وَإِصْرَارٍ عَلَى مَعْصِيَةٍ) لِحَدِيثِ «لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ، وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إصْرَارٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (وَتَرْكِ تَنَزُّهٍ مِنْ بَوْلٍ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (وَنُشُوزِهَا) ؛ أَيْ: الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا (وَإِتْيَانِهَا بِدُبُرِهَا وَإِلْحَاقِهَا بِهِ وَلَدًا مِنْ غَيْرِهِ، وَكَتْمِ عِلْمٍ عَنْ أَهْلِهِ) عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى إظْهَارِهِ، وَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ لِلدُّنْيَا، وَالْمُبَاهَاةِ وَالْجَاهِ وَالْعُلُوِّ عَلَى النَّاسِ (وَتَصْوِيرِ ذِي رُوحٍ وَإِتْيَانِ كَاهِنٍ وَعَرَّافٍ، وَتَصْدِيقِهِمَا.
وَسُجُودٍ لِغَيْرِ اللَّهِ) تَعَالَى.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ السُّجُودَ لِغَيْرِ اللَّهِ كَبِيرَةٌ مِنْ الْكَبَائِرِ الْعِظَامِ، سَوَاءٌ كَانَ لِجَامِدٍ أَوْ مُتَحَرِّكٍ وَلَوْ بِنِيَّةِ التَّهَكُّمِ - وَيُسْتَتَابُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ (غَيْرَ نَحْوِ صَنَمٍ وَكَوْكَبٍ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ السَّيَّارَةِ أَوْ الثَّوَابِتِ، فَإِنَّ السُّجُودَ لِذَلِكَ كُفْرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَدُعَاءٍ لِبِدْعَةٍ أَوْ ضَلَالَةٍ، وَغُلُولٍ وَنَوْحٍ وَتَطَيُّرٍ) قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:
«الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» . فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ دُونَهَا وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ " تُكْرَهُ الطِّيَرَةُ وَالتَّشَاؤُمُ (وَأَكْلٍ وَشُرْبٍ بِآنِيَةِ نَقْدٍ، وَجَوْرِ مُوصٍ فِي وَصِيَّتِهِ) وَمَنْعِهِ الْوَارِثَ مِيرَاثَهُ (وَإِبَاقِ رَقِيقٍ، وَبَيْعِ حُرٍّ، وَاسْتِحْلَالِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَكَوْنِهِ) ؛ أَيْ: الشَّخْصُ (ذَا وَجْهَيْنِ) بِأَنْ يُظْهِرَ وُدًّا وَنَحْوَهُ، وَيُبْطِنُ الْعَدَاوَةَ (وَادِّعَاءِ نَسَبٍ غَيْرِ نَسَبِهِ) خُصُوصًا دَعْوَى الشَّرَفِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، وَانْتِسَابِهِ إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِدُخُولِهِ فِيمَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ (وَغِشِّ سُلْطَانٍ لِرَعِيَّتِهِ وَإِتْيَانِ بَهِيمَةٍ، وَتَرْكِ جُمُعَةٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَنَمِيمَةٍ) وَصَحَّحَهُ فِي " شَرْحِ التَّحْرِيرِ " وَقَالَ قَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي فُرُوعِهِ (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الْفُصُولِ " وَ " الْغُنْيَةِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " (وَغِيبَةٍ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْغِيبَةَ مِنْ الْكَبَائِرِ، (إلَّا فِي مَسَائِلَ) أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ فِي نُصْحِ مُسْتَشِيرٍ فِي نَحْوِ نِكَاحٍ وَمُعَامَلَةٍ؛ فَتَجِبُ لِلنَّصِيحَةِ وَفِي الِاسْتِعَانَةِ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرَاتِ، وَفِي تَعْرِيفِ مَنْ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِاسْمِهِ الْقَبِيحِ كَالْأَعْمَشِ وَالْأَعْوَرِ وَالْأَعْرَجِ، وَفِي الْفَتْوَى وَالشَّكْوَى كَ ظَلَمَنِي فُلَانٌ (أَخَذَ مِنِّي) بِغَيْرِ حَقٍّ (وَكَذَا فِي مُبْتَدِعٍ؛ فَيُغْتَابُ بِهَا) ؛ أَيْ: الْبِدْعَةِ (لِلتَّحْذِيرِ مِنْ عِشْرَتِهِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ) أَيْ: الْأَصْحَابُ.
(وَفِي مُخْبِرٍ عَنْ نَفْسِهِ بِزِنًا وَفَوَاحِشَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْجَابِ؛ فَيُغْتَابُ بِمَا تَجَاهَرَ بِهِ.
وَعَلَيْهِ حُمِلَ حَدِيثُ: «لَا غِيبَةَ فِي فَاسِقٍ» وَمِنْهَا غِيبَةُ حَرْبِيٌّ، وَتَارِكُ صَلَاةٍ، وَالْكَذِبُ صَغِيرَةٌ) فَلَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِهِ إنْ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ إلَّا الْكَذِبَ (فِي شَهَادَةِ زُورٍ، وَكَذِبٍ عَلَى نَبِيِّ) مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - (أَوْ كِذْبٍ عِنْدَ ظَالِمٍ، وَ) كِذْبٍ فِي (رَمْيِ فِتَنٍ) أَوْ عَلَى أَحَدِ الرَّعِيَّةِ عِنْدَ حَاكِمٍ ظَالِمٍ (فَكَبِيرَةٌ.
قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: وَيُعْرَفُ الْكَذَّابُ بِخُلْفِ الْمَوَاعِيدِ) نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ (وَيَجِبُ كِذْبٌ لِتَخْلِيصِ مَعْصُومٍ مِنْ قَتْلٍ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ ".
(قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ وَاجِبًا، وَيُبَاحُ) الْكَذِبُ (لِإِصْلَاحٍ) بَيْنَ النَّاسِ (وَلِحَرْبٍ وَلِزَوْجَةٍ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ (وَكُلُّ مَقْصُودٍ مَحْمُودٍ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِهِ) ؛ أَيْ: الْكَذِبِ وَمَنْ جَاءَهُ طَعَامٌ، فَقَالَ: لَا آكُلُهُ ثُمَّ أَكَلَهُ فَكِذْبٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ، نَقَلَهُ الْمَرْوَزِيِّ: وَمَنْ كَتَبَ لِغَيْرِهِ كِتَابًا فَأَمْلَى عَلَيْهِ كَذِبًا؛ لَمْ يَكْتُبْهُ.
نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَظَاهِرُ " الْكَافِي " الْعَدْلُ مَنْ رَجَحَ خَيْرُهُ، وَلَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً؛ لِأَنَّ الصَّغَائِرَ تَقَعُ مُكَفِّرَةٍ أَوَّلًا فَأَوَّلًا؛ فَلَا تَجْتَمِعُ (وَالصَّغَائِرُ كَتَجَسُّسٍ) عَلَى النَّاسِ وَاسْتِكْشَافِ أَحْوَالِهِمْ (وَسَبٍّ بِغَيْرِ قَذْفٍ وَنَظَرٍ مُحَرَّمٍ وَاسْتِمَاعِ كَلَامِ أَجْنَبِيَّةٍ بِلَا حَاجَةٍ) أَوْ اسْتِمَاعِ (آلَةِ لَهْوٍ) وَلَوْ لِحَاجَةٍ (تَحْرُمُ) آلَاتِ اللَّهْوِ كُلِّهَا (اتِّخَاذًا وَاسْتِعْمَالًا وَصِنَاعَةً) مُطْرِبَةً كَانَتْ أَوَّلًا (فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ فَاسِقٍ بِفِعْلٍ مِمَّا مَرَّ كَزَانٍ وَدَيُّوثٍ أَوْ بِاعْتِقَادِ الْمُقَلِّدِ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ أَوْ فِي نَفْيِ الرُّؤْيَةِ) ؛ أَيْ: رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ (أَوْ فِي الرَّفْضِ) ؛ أَيْ: تَكْفِيرَ الصَّحَابَةِ وَتَفْسِيقَهُمْ بِتَقْدِيمِ غَيْرِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ فِي الْخِلَافَةِ، أَوْ فِي التَّجَهُّمِ بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ؛ أَيْ: اعْتِقَادِ مَذْهَبِ.
جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ (وَنَحْوَهُ) لِمُقَلِّدٍ فِي التَّجْسِيمِ، وَمَا يَعْتَقِدُهُ الْخَوَارِجُ، وَالْقَدَرِيَّةِ وَنَحْوَهُمْ (قَالَ الْمَجْدُ) الصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ كَفَّرْنَا فِيهَا الدَّاعِيَةَ؛ فَإِنَّا نُفَسِّقُ الْمُقَلِّدَ فِيهَا، كَمَنْ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ أَوْ إنَّ عِلْمَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، أَوْ أَنَّ أَسْمَاءَهُ مَخْلُوقَةٌ (أَوْ يَسُبَّ الصَّحَابَةَ تَدَيُّنًا) فَمَنْ كَانَ عَالِمًا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْبِدَعِ، يَدْعُوَا إلَيْهِ، وَيُنَاظَرُ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ نَصَّ أَحْمَدُ صَرِيحًا عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ انْتَهَى.
(وَيَكْفُرُ مُجْتَهِدُهُمْ) ؛ أَيْ: مُجْتَهِدُ الْقَائِلِينَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَنَحْوَهُمْ مِمَّنْ خَالَفَ عَلَيْهِ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (الدَّاعِيَةُ) قَالَ فِي " الْفُصُولِ " فِي الْكَفَاءَةِ فِي جَهْمِيَّةٍ وَوَاقِفِيَّةٍ وَحَرُورِيَّةٍ وَقَدَرِيَّةٍ وَرَافِضِيَّةٍ: إنْ نَاظَرَ وَدَعَا؛ كَفَرَ، وَإِلَّا لَمْ يَفْسُقْ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ يُسْمَعُ حَدِيثُهُ، وَيُصَلِّي خَلْفَهُ.
قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ (عَامَّتَهُمْ) ؛ أَيْ: الْمُبْتَدِعَةِ (فَسَقَةٌ كَعَامَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ كُفَّارٌ مَعَ جَهْلِهِمْ) وَالصَّحِيحُ لَا كُفْرَ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ أَجَازَ الرِّوَايَةَ عَنْ الْحَرُورِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ (وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ أَنَّ قَدَرِيَّةَ أَهْلِ الْأَثَرِ كَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَالْأَصَمِّ مُبْتَدِعَةٌ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ