بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
دَمِ نِفَاسِهَا بِحَيْضَةٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَحِيضَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ ثَلَاثَ حَيْضَاتٍ كَامِلَةٍ.
(الرَّابِعَةُ) مِنْ الْمُعْتَدَّةِ (مِنْ لَمْ تَحِضْ لِصِغَرٍ أَوْ إيَاسٍ الْمُفَارَقَةِ فِي الْحَيَاةِ؛ فَتَعْتَدُّ حُرَّةٌ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] أَيْ: كَذَلِكَ (مِنْ وَقْتِهَا) أَيْ الْفُرْقَةِ، فَإِذَا فَارَقَهَا نِصْفَ اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ؛ اعْتَدَّتْ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى مِثْلِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
(وَ) تَعْتَدُّ (أَمَةٌ) لَمْ تَحِضْ (بِشَهْرَيْنِ) نَصًّا، وَاحْتُجَّ بِقَوْلِ عُمَرَ: عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ حَيْضَتَانِ؛ وَلَوْ لَمْ تَحِضْ كَانَ عِدَّتُهَا شَهْرَيْنِ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَلِيَكُونَ الْبَدَلُ كَالْمُبْدَلِ، وَلِأَنَّ غَالِبَ النِّسَاءِ يَحِضْنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً.
(وَ) تَعْتَدُّ (مُبَعَّضَةٌ) لَمْ تَحِضْ لِذَلِكَ (بِالْحِسَابِ، فَيَزْدَادُ عَلَى الشَّهْرَيْنِ لِمَنْ ثُلُثُهَا حُرٌّ ثُلُثُ شَهْرٍ أَوْ) مَنْ (نِصْفُهَا) حُرٌّ (نِصْفُهُ أَوْ) مَنْ (ثُلُثَاهَا) حُرٌّ ثُلُثَاهُ (عِشْرُونَ يَوْمًا) وَأُمُّ وَلَدٍ وَمُكَاتَبَةٌ وَمُدَبَّرَةٌ فِي عِدَّةٍ كَامِلَةٍ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ، وَكَذَا مُعَلَّقٌ عِتْقُهَا عَلَى صِفَةٍ قَبْلَ وُجُودِهَا.
(وَعِدَّةُ بَالِغَةٍ لَمْ تَرَ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا) كَآيِسَةٍ لِدُخُولِهَا فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] .
وَعِدَّةُ (مُسْتَحَاضَةٍ نَاسِيَةٍ لِوَقْتِ حَيْضِهَا أَوْ) مُسْتَحَاضَةٍ (مُبْتَدَأَةٍ كَآيِسَةٍ) لِأَنَّهُمَا لَا يَعْلَمَانِ وَقْتَ حَيْضِهِمَا، وَالْغَالِبُ عَلَى النِّسَاءِ أَنْ يَحِضْنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً، وَيَطْهُرْنَ بَاقِيَهُ.
(وَمَنْ عَلِمَتْ أَنْ لَهَا حَيْضَةً فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَثَلًا) وَاسْتُحِيضَتْ، وَنَسِيَتْ وَقْتَ حَيْضِهَا (فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَمْثَالِ ذَلِكَ) أَيْ: مِائَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا فِي الْمِثَالِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ زَمَنٌ فِيهِ ثَلَاثُ حِيَضٍ بِدُونِ ذَلِكَ.
(وَمَنْ لَهَا) مِنْ الْمُسْتَحَاضَاتِ (عَادَةٌ) عَمِلَتْ بِهَا (أَوْ) لَهَا (تَمْيِيزٌ عَمِلَتْ بِهِ) إنْ صَلُحَ حَيْضًا؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ.
(وَإِنْ حَاضَتْ صَغِيرَةٌ) مُفَارَقَةٌ فِي الْحَيَاةِ (فِي أَثْنَاءِ عِدَّتِهَا اسْتَأْنَفَتْهَا) أَيْ:
الْعِدَّةَ (بِالْقُرْءِ) لِأَنَّ الْأَشْهُرَ بَدَلٌ عَنْ الْأَقْرَاءِ، لِعَدَمِهَا، فَإِذَا وُجِدَ الْمُبْدَلُ بَطَلَ حُكْمُ الْبَدَلِ كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ بَعْدَ أَنْ تَيَمَّمَ لِعَدَمِهِ.
(وَمَنْ يَئِسَتْ فِي أَثْنَاءِ عِدَّةِ أَقْرَاءٍ) بِأَنْ بَلَغَتْ سِنَّ الْإِيَاسِ فِيهَا، وَقَدْ حَاضَتْ بَعْدَ أَقْرَائِهَا أَوْ لَمْ تَحِضْ (ابْتَدَأَتْ عِدَّةَ آيِسَةٍ) بِالشُّهُورِ؛ لِأَنَّهَا إذَنْ آيِسَةٌ، وَلَا يُعْتَدُّ بِمَا حَاضَتْهُ قَبْلُ.
(وَإِنْ عَتَقَتْ) مُعْتَدَّةٌ (بَائِنٌ) فِي عِدَّتِهَا (أَتَمَّتْ عِدَّةَ أَمَةٍ) لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ.
(الْخَامِسَةُ) مِنْ الْمُعْتَدَّاتِ (مَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا وَلَوْ) كَانَ ارْتِفَاعُهُ (بَعْدَ حَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ، وَلَمْ تَدْرِ سَبَبَهُ فَتَعْتَدُّ) سَنَةً مُنْذُ انْقَطَعَ بَعْدَ الطَّلَاقِ نَصًّا، فَإِنْ كَانَ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ الطَّلَاقِ؛ فَتَعْتَدُّ مِنْ انْقِطَاعِهِ (لِلْحَمْلِ غَالِبَ مُدَّتِهِ) تِسْعَةُ أَشْهُرٍ لِيُعْلَمَ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا (ثُمَّ تَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ كَآيِسَةٍ عَلَى مَا فُصِّلَ) آنِفًا فِي الْحُرَّةِ وَالْمُبَعَّضَةِ وَالْأَمَةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا قَضَاءُ عُمَرَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَا يُنْكِرُهُ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ عَلِمْنَاهُ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ بِالْعِدَّةِ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ رَحِمِهَا، وَهِيَ تَحْصُلُ بِذَلِكَ، فَاكْتَفَى بِهِ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا مُضِيَّ سَنَةٍ مِنْ الِانْقِطَاعِ - وَلَوْ بَعْدَ حَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ لِأَنَّهَا لَا تَبْنِي عِدَّةً عَلَى عِدَّةٍ أُخْرَى، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْعِدَّةُ بَعْدَ التِّسْعَةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ إنَّمَا تَجِبُ بِالْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَمْلِ إمَّا بِالصِّغَرِ أَوْ الْإِيَاسِ، وَهُنَا لَمَّا احْتَمَلَ انْقِطَاعُ الْحَيْضِ لِلْحَمْلِ أَوْ لِلْإِيَاسِ اُعْتُبِرَتْ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْحَمْلِ بِمُضِيِّ مُدَّتِهِ، فَتَعَيَّنَ كَوْنُ الِانْقِطَاعِ لِلْإِيَاسِ، فَوَجَبَتْ عِدَّتُهُ عِنْدَ تَعَيُّنِهِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ مَا مَضَى كَمَا لَا يُعْتَبَرُ مَا مَضَى مِنْ الْحَيْضِ قَبْلَ الْإِيَاسِ لِأَنَّ الْإِيَاسَ طَرَأَ عَلَيْهِ (وَلَا تَنْقَضِي) الْعِدَّةُ (بِعَوْدِ الْحَيْضِ بَعْدَ الْمُدَّةِ) لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا كَالصَّغِيرَةِ تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ تَحِيضُ (وَإِنْ عَلِمَتْ) مُعْتَدَّةٌ انْقَطَعَ حَيْضُهَا (مَا رَفَعَهُ مِنْ نَحْوِ مَرَضٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ نِفَاسٍ؛ فَلَا تَزَالُ) إذَا طَلُقَتْ وَنَحْوُهُ فِي عِدَّةٍ (حَتَّى يَعُودَ) حَيْضُهَا (فَتَعْتَدُّ بِهِ) وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ؛ لِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ حِبَّانَ مُنْذُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ وَهِيَ
مُرْضِعَةٌ، فَمَكَثَتْ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ لَا تَحِيضُ يَمْنَعُهَا الرَّضَاعُ، ثُمَّ مَرِضَ حِبَّانُ فَقِيلَ لَهُ: إنْ مِتَّ وَرِثَتْك فَجَاءَ إلَى عُثْمَانَ وَأَخْبَرَهُ بِشَأْنِ امْرَأَتِهِ وَعِنْدَهُ عَلِيٌّ وَزَيْدٌ، فَقَالَ لَهُمَا عُثْمَانُ: مَا تَرَيَانِ؟ فَقَالَا: نَرَى أَنَّهَا تَرِثُهُ إنْ مَاتَ، وَيَرِثُهَا إنْ مَاتَتْ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقَوَاعِدِ اللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ، وَلَيْسَتْ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، ثُمَّ هِيَ عَلَى عِدَّةِ حَيْضِهَا مَا كَانَ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، فَرَجَعَ حِبَّانُ إلَى أَهْلِهِ فَانْتَزَعَ الْبِنْتَ مِنْهَا، فَلَمَّا قَعَدَتْ الرَّضَاعَ حَاضَتْ حَيْضَةً ثُمَّ أُخْرَى، ثُمَّ مَاتَ حِبَّانُ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ الثَّالِثَةَ؛ فَاعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، وَوَرِثَتْهُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ زَيْدٍ (أَوْ) حَتَّى (تَصِيرُ آيِسَةً) أَيْ: تَبْلُغُ سِنَّ الْإِيَاسِ (فَتَعْتَدُّ عِدَّتَهَا) لِأَنَّهَا آيِسَةٌ، أَشْبَهَتْ سَائِرَ الْآيِسَاتِ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ زَوْجٍ) اخْتَلَفَ مَعَ مُطَلَّقَتِهِ فِي وَقْتِ طَلَاقٍ (إنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ إلَّا بَعْدَ وِلَادَةٍ، أَوْ إلَّا فِي وَقْتِ كَذَا، وَإِلَّا بَعْدَ حَيْضٍ) حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لِلْمُطَلَّقَةِ تَشْهَدُ بِدَعْوَاهَا، لِأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ وَعَدَدِهِ، فَقُبِلَ فِي وَقْتِهِ، وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ؛ فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ كَالنِّيَّةِ فِي الْيَمِينِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: صَاحِبِ الْإِقْنَاعِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ أَوْ فِي أَوَّلِهِ، وَقَالَتْ: بَلْ فِي الطُّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ، أَوْ قَالَتْ: انْقَضَتْ حُرُوفُ الطَّلَاقِ مَعَ انْقِضَاءِ الطُّهْرِ؛ فَوَقَعَ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ، وَقَالَتْ: بَلْ بَقِيَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا انْتَهَى وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ) وَفَائِدَةُ قَبُولِ قَوْلِهِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ جَوَازُ الرَّجْعَةِ، وَبُطْلَانُ نِكَاحِهَا لِلْغَيْرِ فِي مُدَّةِ دَعْوَى بَقَائِهَا.
(السَّادِسَةُ) مِنْ الْمُعْتَدَّاتِ (امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ) أَيْ: مَنْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ، فَلَمْ تَعْلَمْ حَيَاتَهُ وَلَا مَوْتَهُ (فَتَتَرَبَّصُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ مَا تَقَدَّمَ فِي مِيرَاثِهِ) وَهِيَ تَمَامُ تِسْعِينَ سَنَةً مُنْذُ وُلِدَ إنْ كَانَ ظَاهِرُ غَيْبَتِهِ السَّلَامَةَ، وَأَرْبَعُ سِنِينَ مُنْذُ فُقِدَ إنْ كَانَ ظَاهِرُهَا الْهَلَاكَ كَالْمَفْقُودِ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ أَوْ فِي مَفَازَةٍ أَوْ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ حَالَ حَرْبٍ وَنَحْوِهِ،
وَسَاوَتْ الْأَمَةُ هُنَا الْحُرَّةَ، لِأَنَّ تَرَبُّصَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِيُعْلَمَ حَالُهُ مِنْ حَيَاةٍ وَمَوْتٍ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِحَالِ زَوْجَتِهِ (ثُمَّ تَعْتَدُّ) فِي الْحَالَيْنِ (لِلْوَفَاةِ) الْحُرَّةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَالْأَمَةُ نِصْفَ ذَلِكَ (وَلَا يَفْتَقِرُ) ذَلِكَ التَّرَبُّصُ (إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ بِضَرْبِ الْمُدَّةِ وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ وَالْفُرْقَةِ) لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ تَتْبَعُهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ، فَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ كَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِمَوْتِهِ وَكَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ (وَلَا) تَفْتَقِرُ (إلَى طَلَاقِ وَلِيِّ زَوْجِهَا بَعْدَ اعْتِدَادِهَا) لِوَفَاةٍ لِتَعْتَدَّ بَعْدَهُ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِوَلِيِّهِ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، وَلِحُكْمِنَا عَلَيْهَا بِعِدَّةِ الْوَفَاةِ؛ فَلَا يُجَامِعُهَا عِدَّةُ طَلَاقٍ كَمَا لَوْ تُيُقِّنَ مَوْتُهُ (وَيَنْفُذُ حُكْمٌ بِالْفُرْقَةِ ظَاهِرًا) فَقَطْ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا حَكَمَ بِالْفُرْقَةِ نَفَذَ ظَاهِرًا، وَلَوْ لَمْ يَنْفُذْهَا لَمَا كَانَ فِي حُكْمِهِ فَائِدَةٌ (بِحَيْثُ) إنَّ حُكْمَهُ بِالْفُرْقَةِ (لَا يَمْنَعُ) وُقُوعَ (طَلَاقِ الْمَفْقُودِ) لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِالْفُرْقَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ هَلَاكُهُ، فَإِذَا عَلِمَتْ حَيَاتَهُ تَبَيَّنَ أَنْ لَا فُرْقَةَ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بِهَا بَيِّنَةٌ كَاذِبَةٌ؛ فَيَقَعُ طَلَاقُهُ؛ لِمُصَادَفَتِهِ مَحَلُّهُ (وَتَنْقَطِعُ النَّفَقَةُ) عَلَى امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ (بِالْفُرْقَةِ) الْحَاصِلَةِ مِنْ الْحَاكِمِ؛ لِانْقِطَاعِ الزَّوْجِيَّةِ ظَاهِرًا وَتَنْقَطِعُ (بِشُرُوعِهَا فِي الْعِدَّةِ) أَيْضًا بَعْدَ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ الَّتِي ضَرَبَهَا لَهَا الْحَاكِمُ بِالْفُرْقَةِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَصِحُّ تَزْوِيجُهَا مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ بِالْفُرْقَةِ؛ لِعَدَمِ افْتِقَارِهَا إلَى الْحُكْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ نَفَقَةَ نَفْسِهَا بِخُرُوجِهَا عَنْ حُكْمِ نِكَاحِهِ، فَإِنْ قَدِمَ الزَّوْجُ، وَاخْتَارَهَا، رُدَّتْ إلَيْهِ، وَعَادَتْ نَفَقَتُهَا مِنْ حِينِ الرَّدِّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ: يُنْفَقُ عَلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ الْأَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا جَمِيعِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَ (لَا) تَنْقَطِعُ النَّفَقَةُ الْجَارِيَةُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ الْمَفْقُودِ (قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ الْفُرْقَةِ أَوْ الشُّرُوعِ فِي الْعِدَّةِ أَوْ التَّزْوِيجِ (بِأَنْ اخْتَارَتْ الْمُقَامَ وَالصَّبْرَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْحَالُ) فَلَهَا النَّفَقَةُ مَا دَامَ حَيًّا مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ ضَرَبَ لَهَا الْحَاكِمُ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ؛ فَلَهَا النَّفَقَةُ فِيهَا لَا فِي الْعِدَّةِ.
(وَمَنْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ مَا ذَكَرَ) مِنْ التَّرَبُّصِ الْمَذْكُورِ وَالِاعْتِدَادِ بَعْدَهُ (لَمْ يَصِحَّ) نِكَاحُهَا.
(وَلَوْ بَانَ أَنَّهُ) أَيْ الْمَفْقُودَ (كَانَ طَلَّقَ) وَأَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ (أَوْ) بَانَ أَنَّهُ كَانَ (مَيِّتًا) وَأَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ انْقَضَتْ (حِينَ التَّزْوِيجِ) أَيْ: قَبْلَهَا؛ لِتَزَوُّجِهَا فِي مُدَّةٍ مَنَعَهَا الشَّرْعُ مِنْ النِّكَاحِ فِيهَا؛ أَشْبَهَتْ الْمُعْتَدَّةَ وَالْمُرْتَابَةَ قَبْلَ زَوَالِ رِيبَتِهَا (وَمَنْ تَزَوَّجَتْ بِشَرْطِهِ) أَيْ: بَعْدَ التَّرَبُّصِ السَّابِقِ وَالْعِدَّةِ (ثُمَّ قَدِمَ) زَوْجُهَا (قَبْلَ وَطْءِ) الزَّوْجِ (الثَّانِي) دَفَعَ إلَيْهِ مَا أَعْطَاهَا مِنْ مَهْرٍ.
وَ (رُدَّتْ الْقَادِمَ) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا بِقُدُومِهِ بُطْلَانَ نِكَاحِ الثَّانِي، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَانِعٌ مِنْ الرَّدِّ فَتُرَدُّ إلَيْهِ؛ لِبَقَاءِ نِكَاحِهِ (وَيُنْفِقُ) عَلَيْهَا الْقَادِمُ (مِنْ حِينِ رَدٍّ) إلَيْهِ كَالنَّاشِزِ إذَا عَادَتْ لِلطَّاعَةِ (وَيُخَيَّرُ) الْمَفْقُودُ (إنْ وَطِئَ الثَّانِي) قَبْلَ قُدُومِهِ (بَيْنَ أَخْذِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ) لِبَقَائِهِ (وَلَوْ لَمْ يُطَلِّقْ الثَّانِي، وَيَطَأهَا الْأَوَّلُ بَعْدَ عِدَّةِ الثَّانِي وَبَيْنَ تَرْكِهَا مَعَهُ) أَيْ: الثَّانِي (بِلَا تَجْدِيدِ عَقْدٍ) لِلثَّانِي؛ لِصِحَّةِ عَقْدِهِ ظَاهِرًا.
(قَالَ الْمُنَقِّحُ) : قُلْت: (الْأَصَحُّ بِعَقْدٍ) وَذَلِكَ لِمَا رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَالَا: إنْ جَاءَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ خُيِّرَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ الصَّدَاقِ الَّذِي سَاقَ وَهُوَ رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ وَالْأَثْرَمُ؛ وَقَضَى بِهِ الزُّبَيْرُ فِي مَوْلَاةٍ لَهُمْ؛ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَعَلَى هَذَا إنْ أَمْسَكَهَا الْأَوَّلُ فَهِيَ زَوْجَتُهُ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الثَّانِيَ لَا يَحْتَاجُ إلَى طَلَاقٍ، لِأَنَّ نِكَاحَهُ كَانَ بَاطِلًا فِي الْبَاطِنِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ يَسِيرٍ، وَيَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ اعْتِزَالُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ الثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْهَا الْأَوَّلُ فَإِنَّهَا تَكُونُ مَعَ الثَّانِي، وَلَمْ يَذْكُرُوا لَهَا عَقْدًا جَدِيدًا قَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْمُوَفَّقَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ لَهَا عَقْدًا؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا بُطْلَانَ عَقْدِهِ بِمَجِيءِ الْأَوَّلِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ الصَّحَابَةِ عَلَى هَذَا؛ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ فَإِنَّ زَوْجَةَ الْإِنْسَانِ لَا تَصِيرُ زَوْجَةً لِغَيْرِهِ بِمُجَرَّدِ تَرْكِهِ لَهَا انْتَهَى.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ لِلزَّوْجِ الثَّانِيَ أَخَذُهَا (بَعْدَ طَلَاقِ) الزَّوْجِ (الْأَوَّلِ وَ) بَعْدَ انْقِضَاءِ (عِدَّةِ وَطْئِهِ) إيَّاهَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ " وَإِنْ قُلْنَا يَحْتَاجُ الثَّانِي عَقْدًا جَدِيدًا طَلَّقَهَا الْأَوَّلُ لِذَلِكَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَيَأْخُذُ) الزَّوْجُ الْأَوَّلُ (قَدْرَ الصَّدَاقِ الَّذِي أَعْطَاهَا مِنْ) الزَّوْجِ (الثَّانِي) إذَا تَرَكَهَا لَهُ؛ لِقَضَاءِ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّدَاقِ الَّذِي سَاقَ إلَيْهَا هُوَ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِ الْمُعَوَّضَ، فَرَجَعَ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ كَشُهُودِ الطَّلَاقِ إذَا رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ (وَيَرْجِعُ) الزَّوْجُ (الثَّانِي عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الزَّوْجَةِ (بِمَا) أَيْ: بِالْمَهْرِ الَّذِي (أَخَذَهُ مِنْهُ) الزَّوْجُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهَا غَرَّتْهُ (وَفِيهِ) أَيْ: فِيمَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ يَرْجِعُ عَلَى زَوْجَتِهِ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ (نَظَرٌ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَقْضُوا بِالرُّجُوعِ؛ فَإِنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ رَوَى أَنَّ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ قَضَيَا فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَدْرِي مَا مَهْلِكُ زَوْجِهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ثُمَّ تَتَزَوَّجُ إنْ بَدَا لَهَا، فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا، خُيِّرَ إمَّا امْرَأَتُهُ وَإِمَّا الصَّدَاقُ فَإِنْ اخْتَارَ الصَّدَاقَ فَالصَّدَاقُ عَلَى زَوْجِهَا الْآخَرَ، وَثَبَتَ عِنْدَهُ، وَإِنْ اخْتَارَ امْرَأَتَهُ عُزِلَتْ عَنْ زَوْجِهَا الْآخَرِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَإِنْ قَدِمَ زَوْجُهَا وَقَدْ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا الْآخَرُ وَرِثَتْ، وَاعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَتَرْجِعُ إلَى الْأَوَّلِ رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَغْرِيرَ مِنْهَا، فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ لِغَيْرِهَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَامِدٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " لِأَنَّهَا غَرَامَةٌ لَزِمَتْ الزَّوْجَ بِسَبَبِ وَطْئِهِ لَهَا، فَرَجَعَ بِهَا كَالْمَغْرُورِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى أَنْ يَلْزَمَهُ مَهْرَانِ بِوَطْءٍ وَاحِدٍ وَالْقَوَاعِدُ تَأْبَاهُ، فَعَلَى الصَّحِيحِ إنْ كَانَ قَدْ دَفَعَ إلَيْهَا الصَّدَاقَ رَجَعَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ
لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهَا دَفَعَهُ إلَى الْأَوَّلِ حَيْثُ كَانَ مُسَاوٍ لِصَدَاقِهِ، وَإِلَّا فَبِقَدْرِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَ بَعْضَهُ رَجَعَ بِمَا دَفَعَ.
(وَإِنْ لَمْ يَقْدُمْ الْغَائِبُ حَتَّى مَاتَ) الزَّوْجُ (الثَّانِي) مَعَهَا (وَرِثَتْهُ) لِصِحَّةِ نِكَاحِهِ فِي الظَّاهِرِ، (لَا) إنْ مَاتَ (الْأَوَّلُ بَعْدَ تَزَوُّجِهَا بِالثَّانِي) فَلَا تَرِثُهُ؛ لِإِسْقَاطِهَا حَقَّهَا مِنْ إرْثِهَا بِتَزَوُّجِهَا بِالثَّانِي (وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ قُدُومِ) الْأَوَّلِ (فَإِرْثُهَا لِلثَّانِي) لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ ظَاهِرًا، (وَ) إنْ مَاتَتْ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ قُدُومِ الْأَوَّلِ وَوَطْءِ الثَّانِي (وَلَمْ يَخْتَرْهَا) الْأَوَّلُ (فَكَذَلِكَ) أَيْ: فَإِرْثُهَا لِلثَّانِي (وَإِلَّا) يَتْرُكُهَا (فَ) إرْثُهَا (لِلْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ اخْتَارَهَا، وَحُكْمُ زَوْجَتَيْهِ بَاقٍ (وَيَتَّجِهُ) أَنَّ (هَذَا التَّفْصِيلَ) مَبْنِيٌّ (عَلَى غَيْرِ الْأَصَحِّ) وَهُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ الثَّانِي إلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ وَأَمَّا عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَصَحَّحَهُ فِي " التَّنْقِيحِ " مِنْ وُجُوبِ تَجْدِيدِ الْعَقْدِ إذَا تَرَكَهَا الْأَوَّلُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَرِثَ مِنْ الثَّانِي وَلَا أَنْ يَرِثَ مِنْهَا لِبُطْلَانِ نِكَاحِهِ بِظُهُورِ حَيَاةِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ ظَهَرَ مَوْتُهُ بِاسْتِفَاضَةٍ أَوْ بَيِّنَةٍ ثُمَّ قَدِمَ) كَأَنْ تَظَاهَرَتْ الْأَخْبَارُ بِمَوْتِهِ؛ أَوْ شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ وَلَوْ كَذِبًا فَاعْتَدَّتْ زَوْجَتُهُ لِلْوَفَاةِ وَتَزَوَّجَتْ ثُمَّ قَدِمَ (فَكَمَفْقُودٍ فِي تَخْيِيرٍ) يَعْنِي أَنَّهُ مَتَى عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَفْقُودِ فِي أَنَّهُ مَتَى حَضَرَ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَتْ زَوْجَتُهُ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَعْدَ وَطْءِ الزَّوْجِ الثَّانِي (بَيْنَ أَخْذِهَا) مِنْ الثَّانِي بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ إنْ كَانَتْ حَيَّةً (وَإِرْثِهَا) إنْ كَانَتْ مَاتَتْ وَبَيْنَ تَرْكِهَا لِلزَّوْجِ الثَّانِي وَيَأْخُذُ مِنْهُ قَدْرَ صَدَاقِهَا الَّذِي هُوَ مِنْ الثَّانِي وَيَرْجِعُ بِهِ الثَّانِي عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ (وَتَضْمَنُ الْبَيِّنَةُ) الَّتِي شَهِدَتْ بِوَفَاتِهِ (مَا تَلِفَ مِنْ مَالِهِ) أَيْ مَالِ مَنْ شَهِدَتْ بِوَفَاتِهِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا سَبَبُ اسْتِيلَاءِ الْغَيْرِ عَلَى مَالِهِ، (وَ) تَضْمَنُ الْبَيِّنَةُ (مَهْرَ) الزَّوْجِ (الثَّانِي الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ الْأَوَّلُ) لِأَنَّهَا تَسَبَّبَتْ فِي
غُرْمِهِ، وَلِلْمَالِكِ أَيْضًا تَضْمِينُ مَنْ بَاشَرَ إتْلَافَ مَالِهِ لِمُبَاشَرَتِهِ الْإِتْلَافَ.
(وَمَتَى فَرَّقَ) الْحَاكِمُ (بَيْنَ زَوْجَيْنِ لِمُوجِبٍ) يَقْتَضِيهِ (كَ) تَعَذُّرِ (نَفَقَةٍ) مِنْ جِهَةِ زَوْجٍ (وَ) أُخُوَّةِ (رَضَاعٍ) وَعُنَّةٍ (وَرِدَّةِ) زَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ (ثُمَّ بَانَ انْتِفَاؤُهُ) أَيْ: الْمُوجِبِ لِلتَّفْرِيقِ (فَكَمَفْقُودٍ) يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ حُكْمُ الْمَفْقُودِ إذَا تَرَبَّصَتْ زَوْجَتُهُ الْمُدَّةَ الشَّرْعِيَّةَ وَاعْتَدَّتْ تَزَوَّجَتْ، فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي، وَيُخَيَّرُ بَعْدَ وَطْئِهِ بَيْنَ أَخْذِهَا وَأَخْذِ صَدَاقِهَا الَّذِي أَصْدَقَهَا الثَّانِي ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: خُرُوجُ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ مُتَقَوِّمٌ بِالْمُسَمَّى كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَهُوَ أَنَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ؛ ثُمَّ قَالَ: وَنَظِيرُ هَذَا أَنْ يَشْهَدَ قَوْمٌ بِتَعَذُّرِ النَّفَقَةِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ فَيُفَرِّقُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ تَظْهَرُ أَنَّ النَّفَقَةَ لَمْ تَكُنْ تَتَعَذَّرُ وَقَدْ تَزَوَّجَتْ مَنْ دَخَلَ بِهَا، فَقِيَاسُ الْمَفْقُودِ أَنْ يُخَيَّرَ الزَّوْجُ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَبَيْنَ مَهْرِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْحَاكِمُ لِكَوْنِهِ عِنِّينًا ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ صُورَةٍ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ لِسَبَبٍ يُوجِبُ الْفُرْقَةَ ثُمَّ تَبَيَّنَ انْتِفَاءُ ذَلِكَ السَّبَبِ؛ فَهُوَ يُشْبِهُ الْمَفْقُودَ؛ وَالتَّخْيِيرُ فِيهِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالْمَهْرِ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ.
(وَمَنْ أَخْبَرَ بِطَلَاقِ) زَوْجٍ (غَائِبٍ وَ) أَخْبَرَ (أَنَّهُ وَكِيلُ) رَجُلٍ (آخَرَ فِي إنْكَاحِهِ بِهَا) أَيْ: الْمُطَلَّقَةِ (وَضَمِنَ الْمَهْرَ) أَيْ: مَهْرَ الرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي إنْكَاحِهِ بِهَا (فَنَكَحَتْهُ) أَيْ: نَكَحَتْ الرَّجُلَ بِمُبَاشَرَةِ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ وَكِيلُهُ (ثُمَّ جَاءَ الزَّوْجُ) الْغَائِبُ (فَأَنْكَرَ) مَا ذُكِرَ عَنْهُ مِنْ طَلَاقِهَا (فَهِيَ زَوْجَتُهُ) بَاقِيَةٌ عَلَى نِكَاحِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مَا لَمْ يَرْفَعْهُ (وَلَهَا الْمَهْرُ عَلَى وَاطِئٍ، وَلَهَا مُطَالَبَةُ ضَامِنِ مَهْرٍ بِهِ) فَإِنْ لَمْ يَطَأَ فَلَا مَهْرَ.
(وَيَتَّجِهُ هَذَا) أَيْ: قَوْلُهُ وَمَنْ أَخْبَرَ بِطَلَاقِ غَائِبٍ إلَى آخِرِهِ (فِيمَنْ) أَيْ: زَوْجَيْنِ (لَمْ تَثْبُتْ الزَّوْجِيَّةُ) لَهُمَا (إلَّا بِإِخْبَارِهِ) أَيْ: إخْبَارِ الْمُخْبِرِ بِالطَّلَاقِ
(فَ) لِذَلِكَ (قُبِلَ قَوْلُهُ فِي زَوَالِهَا) أَيْ: الزَّوْجِيَّةِ لِانْفِرَادِ ثُبُوتِ أَصْلِ الزَّوْجِيَّةِ بِإِخْبَارِهِ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَتْ الزَّوْجِيَّةُ ثَابِتَةً بِدُونِهِ (فَ) لَا يَكْفِي بِمُجَرَّدِ إخْبَارِهِ وَحْدَهُ بِالطَّلَاقِ، بَلْ (لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةِ) رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ يَشْهَدَانِ بِأَنَّ فُلَانًا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فُلَانَةَ لِيَصِحَّ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَيْهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ طَلَّقَ غَائِبٌ) زَوْجَتَهُ (أَوْ مَاتَ) عَنْهَا (اعْتَدَّتْ مُنْذُ زَمَنِ الْفُرْقَةِ) أَيْ: وَقْتِ الطَّلَاقِ أَوْ الْمَوْتِ سَوَاءٌ عَلِمَتْ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْعِدَّةِ أَنْ تَسْتَمِرَّ بَعْدَ الْفُرْقَةِ عَلَى حَالِهَا فِي مَنْعِ نِكَاحِ الْغَيْرِ حَتَّى تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْعِدَّةِ، وَهَذِهِ مَمْنُوعَةٌ مِنْ النِّكَاحِ مُدَّةَ الْعِدَّةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ أَوْ الْمَوْتِ، فَوَجَبَ انْقِضَاؤُهَا بِذَلِكَ (وَإِنْ لَمْ تَحِدَّ) فِيمَا إذَا مَاتَ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْإِحْدَادَ لَيْسَ شَرْطًا لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تَرَكَتْ الْإِحْدَادَ قَصْدًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا إعَادَةُ الْعِدَّةِ، وَسَوَاءٌ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ أَخْبَرَهَا مَنْ تَثِقُ بِهِ (لَكِنْ إنْ أَقَرَّ الزَّوْجُ أَنَّهُ طَلَّقَ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى الْعِدَّةِ) ، قُبِلَ قَوْلُهُ إنْ كَانَ عَدْلًا غَيْرَ مُتَّهَمٍ كَكَوْنِهِ غَائِبًا فَلَمَّا حَضَرَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ وَ (إنْ كَانَ الزَّوْجُ فَاسِقًا أَوْ مَجْهُولًا) حَالُهُ (لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ الَّتِي) أُخْبِرَ (فِيهَا) أَيْ بِانْقِضَائِهَا لِأَنَّ الْعِدَّةَ (حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى) .
[فَرْعٌ عِدَّةُ مَوْطُوءَة بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا]
(فَرْعٌ: عِدَّةُ مَوْطُوءَةٍ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا) حُرَّةً أَوْ أَمَةً (كَ) عِدَّةِ (مُطَلَّقَةٍ) لِأَنَّهُ وَطْءٌ يَقْتَضِي شَغْلَ الرَّحِمِ، فَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ مِنْهُ كَالْوَطْءِ، فِي النِّكَاحِ (إلَّا أَمَةً غَيْرَ مُزَوَّجَةٍ فَتُسْتَبْرَأُ) إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا (بِحَيْضَةٍ) لِأَنَّ اسْتِبْرَاءَهَا مِنْ الْوَطْءِ الْمُبَاحِ يَحْصُلُ بِذَلِكَ؛ فَكَذَا غَيْرُهُ (وَلَا يَحْرُمُ) عَلَى زَوْجِ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا (زَمَنَ عِدَّةٍ) مِنْ ذَلِكَ (غَيْرَ وَطْءٍ فِي فَرْجٍ) لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا لِعَارِضٍ يَخْتَصُّ الْفَرْجَ، فَأُبِيحَ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهَا بِمَا دُونَهُ كَالْحَيْضِ
(وَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحٌ بِزِنًا) نَصًّا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ.
[فَصْلٌ وُطِئَتْ مُعْتَدَّةٌ بِشُبْهَةٍ أَوْ وُطِئَتْ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ]
فَصْلٌ (وَإِنْ وُطِئَتْ مُعْتَدَّةٌ بِشُبْهَةٍ أَوْ) وُطِئَتْ (بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ) بِأَنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ وَ (أَتَمَّتْ عِدَّةَ الْأَوَّلِ) سَوَاءٌ كَانَتْ عِدَّتُهُ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا مَا لَمْ تَحْمِلْ مِنْ الثَّانِي فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا مِنْهُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ ثُمَّ تُتِمُّ عِدَّةَ الْأَوَّلِ (وَلَا يُحْسَبُ مِنْهَا) أَيْ: عِدَّةِ الْأَوَّلِ (مَقَامُهَا عِنْدَ الثَّانِيَ) بَعْدَ وَطْئِهِ، (وَلَهُ) أَيْ: مَنْ طَلَّقَ رَجْعِيًّا (رَجْعَةُ رَجْعِيَّةٍ فِي التَّتِمَّةِ) أَيْ: تَتِمَّةِ عِدَّتِهِ، لِعَدَمِ انْقِطَاعِ حَقِّهِ مِنْ رَجْعَتِهَا؛ كَمَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ؛ أَوْ زِنًا.
(وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ وَ) لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ رَجْعَتُهَا (فِي زَمَنِ إقَامَتِهَا عِنْدُ) الزَّوْجِ (الثَّانِي) وَيُحْسَبُ مِنْ عِدَّتِهَا مِنْ حِينِ ارْتَجَعَهَا، وَلَا يَضُرُّ مَقَامُهَا عِنْدَ الثَّانِي بَعْدَ عِلْمِهِ بِارْتِجَاعِهَا حَيْثُ كَانَ أَمِينًا عَلَيْهَا وَاعْتَزَلَهَا عِنْدَ مَحَارِمِهِ حَتَّى أَتَمَّتْ عِدَّةَ الْأَوَّلِ (ثُمَّ) سَلَّمَهَا إلَيْهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ لَكِنَّ الْمَذْهَبَ، ثُمَّ إذَا فَارَقَهَا بَنَتْ عَلَى عِدَّتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ، وَلِأَنَّ عِدَّتَهُ وَجَبَتْ عَنْ وَطْءٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَبَعْدَ فَرَاغِهَا مِنْ إتْمَامِ عِدَّةِ الْأَوَّلِ (تَعْتَدُّ) وُجُوبًا (لِوَطْءِ الثَّانِي) وَلَا تَتَدَاخَلُ الْعِدَّةُ؛ لِخَبَرِ مَالِكٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَضَى فِي الَّتِي تَتَزَوَّجُ فِي عِدَّتِهَا أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا وَتُكْمِلُ مَا أَفْسَدَتْ مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ، وَتَعْتَدُّ مِنْ الْآخَرِ، وَلِأَنَّهُمَا حَقَّانِ مَقْصُودَانِ لِآدَمِيَّيْنِ كَالدَّيْنَيْنِ.
(وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجِ وَالْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ، أَوْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي الَّذِي تَزَوَّجَتْهُ فِي عِدَّتِهَا (بِعَيْنِهِ) كَأَنْ وَلَدَتْهُ (لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ ثَانٍ) وَعَاشَ؛ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ (أَوْ فَوْقَ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ إبَانَةِ أَوَّلٍ) فَهُوَ لِلثَّانِي وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ (أَوْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ) أَيْ: بِأَحَدِهِمَا (قَافَةٌ، وَأَمْكَنَ) أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ (بِأَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِنِصْفِ سَنَةٍ، فَأَكْثَرَ مِنْ وَطْءِ ثَانٍ وَلِأَرْبَعِ سِنِينَ فَأَقَلَّ مِنْ إبَانَةِ أَوَّلٍ لَحِقَهُ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِهِ مِنْهُ) أَيْ: مِمَّنْ أُلْحِقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَمْلٌ وَضَعَتْهُ فَانْقَضَتْ عِدَّةُ أَبِيهِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ (ثُمَّ اعْتَدَّتْ لِلْآخَرِ) الَّذِي لَمْ يُلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ، لِبَقَاءِ حَقِّهِ مِنْ الْعِدَّةِ (وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ) أَيْ: الْوَلَدَ الْقَافَةُ (بِهِمَا) أَيْ: الْوَاطِئَيْنِ (لَحِقَ) بِهِمَا (وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِهِ مِنْهُمَا) لِأَنَّ الْوَلَدَ قَدْ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُمَا، فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِ الْوَاطِئَيْنِ آخَرُ.
(وَإِنْ أَشْكَلَ) الْوَلَدُ عَلَى الْقَافَةِ (أَوْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ) أَوْ وُجِدَتْ، وَاخْتَلَفَ قَائِفَانِ (اعْتَدَّتْ بَعْدَ وَضْعِهِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ) لِتَخْرُجَ مِنْ الْعِدَّتَيْنِ بِتَعْيِينٍ، وَإِنْ نَفَتْهُ الْقَافَةُ عَنْهُمَا وَكَانَ هُنَاكَ فِرَاشٌ لِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، لَمْ يَنْتَفِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْقَافَةِ تَرْجِيحُ أَحَدِ صَاحِبَيْ الْفِرَاشِ، لَا فِي النَّفْيِ عَنْ الْفِرَاشِ كُلِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فِرَاشٌ كَاللَّقِيطِ فَإِنَّهُ يَنْتَفِي (وَإِنْ وَطِئَهَا مُبِينُهَا فِيهَا) أَيْ: فِي عِدَّتِهَا (عَمْدًا) بِلَا شُبْهَةٍ (فَكَأَجْنَبِيٍّ) تُتْمِمُ الْعِدَّةَ الْأُولَى، ثُمَّ، تَبْتَدِئُ الْعِدَّةَ الثَّانِيَةَ لِلزِّنَا؛ لِأَنَّهُمَا عِدَّتَانِ مِنْ وَطْئَيْنِ يَلْحَقُ النَّسَبُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ؛ فَلَمْ يَتَدَاخَلَا كَمَا لَوْ كَانَا مِنْ رَجُلَيْنِ، وَإِنْ (وَ) طِئَهَا مُبِينُهُمَا (بِشُبْهَةٍ؛ اسْتَأْنَفَتْ عِدَّةً لِلْوَطْءِ وَدَخَلَتْ فِيهَا بَقِيَّةُ الْأُولَى) لِأَنَّهُمَا عِدَّتَانِ مِنْ وَاحِدٍ لوطأين يَلْحَقُ النَّسَبُ فِيهَا لُحُوقًا وَاحِدًا فَتَدَاخَلَا، كَمَا لَوْ طَلَّقَ الرَّجْعِيَّةَ فِي عِدَّتِهَا.
(وَيَتَّجِهُ وَ) لَوْ وُطِئَتْ (بِشُبْهَةٍ وَعَمْدٍ) ؛ اسْتَأْنَفَتْ الْعِدَّةَ (لَهَا) أَيْ: لِلشُّبْهَةِ (ثُمَّ تَعْتَدُّ لِ) وَطْءِ (الْعَمْدِ) لِاحْتِمَالِ ظُهُورِ حَمْلٍ، فَيَلْحَقُ بِوَطْءِ الشُّبْهَةِ؛ حِفْظًا لِلنَّسَبِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ وُطِئَتْ زَوْجَتُهُ بِشُبْهَةٍ،) أَوْ زِنًا (ثُمَّ طَلَّقَهَا) طَلَاقًا رَجْعِيًّا (اعْتَدَّتْ لَهُ) أَيْ: الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا عِدَّةٌ مُسْتَحَقَّةٌ بِالزَّوْجِيَّةِ، فَقُدِّمَتْ عَلَى غَيْرِهَا لِقُوَّتِهَا (ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلشُّبْهَةِ) أَوْ لِلزِّنَا لِأَنَّهَا عِدَّةٌ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهَا، فَلَا تَبْطُلُ بِتَقْدِيمِ الْأُخْرَى عَلَيْهَا كَالدَّيْنَيْنِ إذَا قُدِّمَ صَاحِبُ الرَّهْنِ فِي أَحَدِهِمَا.
(وَحَرُمَ وَطْءُ زَوْجٍ) زَوْجَةً مَوْطُوءَةً بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا (وَلَوْ مَعَ حَمْلٍ مِنْهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (قَبْلَ عِدَّةِ وَاطِئٍ) لِأَنَّهَا عِدَّةٌ قُدِّمَتْ عَلَى حَقِّ الزَّوْجِ، فَمُنِعَ مِنْ الْوَطْءِ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، فَإِذَا وَلَدَتْ اعْتَدَّتْ لِلشُّبْهَةِ، فَإِذَا انْقَضَتْ حَلَّ لِلزَّوْجِ وَطْؤُهَا.
(وَمَنْ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا) فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَتَسْقُطُ نَفَقَةُ رَجْعِيَّةٍ وَسُكْنَاهَا عَنْ الْأَوَّلِ لِنُشُوزِهَا وَ (لَمْ تَنْقَطِعْ) عِدَّتُهَا (بِصُورَةِ عَقْدٍ بَلْ بِوَطْءٍ) الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ بَاطِلٌ لَا تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا، فَإِنْ وَطِئَهَا انْقَطَعَتْ (فَإِذَا فَارَقَهَا) مَنْ تَزَوَّجَهَا، أَوْ فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا (بَنَتْ عَلَى عِدَّتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ) لِسَبْقِ حَقِّهِ (ثُمَّ اعْتَدَّتْ بِهِ لِلثَّانِي) لِأَنَّهُمَا عِدَّتَانِ مِنْ رَجُلَيْنِ فَلَا تَتَدَاخَلَانِ، وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِهِ مِنْهُ، وَاعْتَدَّتْ لِلْآخَرِ، وَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْهُمَا فَكَمَا سَبَقَ (وَلِلثَّانِي) أَيْ: الَّذِي تَزَوَّجَتْهُ فِي عِدَّتِهَا، وَوَطِئَهَا (أَنْ يَنْكِحَهَا بَعْدَ) انْقِضَاءِ (الْعِدَّتَيْنِ) لِأَنَّهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْأَوَّلِ يَكُونُ نَاكِحًا فِي عِدَّةِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا انْقِضَاءُ عِدَّتِهِ فَلِأَنَّهَا عِدَّةٌ لَمْ تَثْبُتْ لِحَقِّهِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهُ لَا أَثَرَ لَهُ، وَإِنَّمَا هِيَ لِحَقِّ الْوَلَدِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ النِّكَاحُ فِيهَا كَعِدَّةِ غَيْرِهِ، وَلِلْأَوَّلِ أَنْ يَنْكِحَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّتَيْنِ كَمَا اقْتَضَاهُ مَفْهُومُ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الثَّانِي لَا يَمْنَعُ بَقَاءَهَا فِي عِصْمَتِهِ؛ فَلَا يَمْنَعُ عَوْدُهَا إلَى عِصْمَتِهِ، لَكِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الثَّانِي كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي الْعِصْمَةِ وَتَقَدَّمَ.
(وَتَتَعَدَّدُ) عِدَّةٌ (بِتَعَدُّدِ وَاطِئٍ بِشُبْهَةٍ) لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ مَقْصُودَانِ لِآدَمِيَّيْنِ فَلَمْ يَتَدَاخَلَا كَالدَّيْنَيْنِ، فَإِنْ تَعَدَّدَ الْوَطْءُ مِنْ وَاحِدٍ فَعِدَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَ (لَا) تَتَعَدَّدُ
الْعِدَّةُ بِتَعَدُّدِ وَاطِئٍ (بِزِنًا) فَإِنَّ الْعِدَّةَ لَا تَتَعَدَّدُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِعَدَمِ لُحُوقِ النَّسَبِ فِيهِ فَيَبْقَى الْقَصْدُ الْعِلْمُ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَتَكُونُ أَوَّلُ عِدَّةِ الزَّانِيَةِ مِنْ آخَرِ وَطْءٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ " لِتَعَدُّدِهَا بِتَعَدُّدِ وَطْءٍ بِزِنًا، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ خِلَافًا لَهُ (وَكَذَا أَمَةٌ) غَيْرُ مُزَوَّجَةٍ (فِي اسْتِبْرَاءٍ) فَيَتَعَدَّدُ الِاسْتِبْرَاءُ بِتَعَدُّدِ وَاطِئٍ بِشُبْهَةٍ لَا بِزِنًا قِيَاسًا عَلَى الْحُرَّةِ.
(وَمَنْ طَلُقَتْ طَلْقَةً) رَجْعِيَّةً (فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى طَلُقَتْ) طَلْقَةً (أُخْرَى) وَلَمْ يَرْتَجِعْهَا (بَنَتْ) عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا لِأَنَّهُمَا طَلَاقَانِ لَمْ يَتَخَلَّلْهُمَا وَطْءٌ وَلَا رَجْعَةٌ أَشْبَهَا الطَّلْقَتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (وَإِنْ رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا) قَبْلَ دُخُولٍ أَوْ بَعْدَهُ (اسْتَأْنَفَتْ) عِدَّةً لِلطَّلَاقِ الثَّانِي، لِأَنَّ الرَّجْعَةَ أَزَالَتْ شَعَثَ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ وَأَعَادَتْ الْمَرْأَةَ إلَى النِّكَاحِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ (كَفَسْخِهَا) أَيْ: الرَّجْعِيَّةِ النِّكَاحَ (بَعْدَ رَجْعَةٍ لِعِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَعُنَّةٍ أَوْ إيلَاءٍ، فَإِنْ فَسَخَتْ بِلَا رَجْعَةٍ بَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا؛ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ أَبَانَهَا ثُمَّ نَكَحَهَا فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا؛ بَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ طَلَاقِهَا) ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الثَّانِيَ فِي نِكَاحٍ ثَانٍ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالْخَلْوَةِ؛ فَلَمْ يُوجِبْ عِدَّةً؛ لِعُمُومِ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] الْآيَةَ بِخِلَافِ مَا إذَا رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ إعَادَةٌ إلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ؛ فَالطَّلَاقُ فِي عِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ طَلَاقٌ عَنْ نِكَاحٍ وَاحِدٍ فَكَانَ اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ فِي ذَلِكَ أَظْهَرَ؛ لِأَنَّهَا مَدْخُولٌ بِهَا، وَلَوْلَا الدُّخُولُ لَمَا كَانَتْ رَجْعِيَّةً، وَالطَّلَاقُ فِي الْبَائِنِ بَعْدَ النِّكَاحِ طَلَاقٌ عَنْ نِكَاحٍ مُتَجَدِّدٍ وَلَمْ يَتَّصِلْ بِهِ دُخُولٌ، وَلِذَلِكَ يَتَنَصَّفُ فِيهِ الْمَهْرُ؛ فَكَانَ الْبِنَاءُ فِيهِ أَظْهَرَ.
(وَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا) أَيْ: الْبَائِنِ (قَبْلَ طَلَاقِهِ) ثَانِيًا وَقَدْ نَكَحَهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا (فَلَا عِدَّةَ لَهُ) أَيْ: الطَّلَاقِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ
عَنْ نِكَاحٍ لَا دُخُولَ فِيهِ وَلَا خَلْوَةَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ شَيْءٌ تَبْنِي عَلَيْهِ.
[فَرْعٌ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً أَوْ تَزَوَّجَ مُعْتَدَّةً مِنْ غَيْرِهِ]
(فَرْعٌ مَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً) أَوْ تَزَوَّجَ مُعْتَدَّةً مِنْ غَيْرِهِ، وَكَانَ الْوَاطِئُ وَالْمَوْطُوءَةُ (عَالِمَيْنِ) بِتَحْرِيمِ الْوَطْءِ (فَ) هُمَا (زَانِيَانِ) عَلَيْهِمَا حَدُّ الزِّنَا وَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ، وَلَا نَظَرَ لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ مُجْمَعٌ عَلَى بُطْلَانِهِ، بِخِلَافِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ زِنًا؛ فَإِنَّ نِكَاحَهَا فَاسِدٌ، وَالْوَطْءُ فِيهِ حُكْمُهُ حُكْمُ وَطْءِ الشُّبْهَةِ، لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهَا، وَمَحَلُّ سُقُوطِ مَهْرِهَا إنْ لَمْ تَكُنْ أَمَةً، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لَمْ يَسْقُطْ؛ لِأَنَّهُ لِسَيِّدِهَا، فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا، وَلَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِنًا.
(وَ) إنْ كَانَ النَّاكِحُ وَالْمَنْكُوحَةُ (جَاهِلَيْنِ) بِالْعِدَّةِ أَوْ التَّحْرِيمِ؛ (فَلَا) حَدَّ عَلَيْهِمَا، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ، وَيَجِبُ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ، (وَ) إنْ كَانَ (عَالِمًا هُوَ) دُونَهَا (حُدَّ بِهِ) لِلزِّنَا (وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا) بِمَا نَالَ مِنْ فَرْجِهَا، (وَلَا) يَلْحَقُهُ (نَسَبٌ) لِأَنَّهُ زَانٍ، (وَ) إنْ كَانَتْ (عَالِمَةً هِيَ) دُونَهُ (لَحِقَهُ النَّسَبُ) لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ (وَلَزِمَهَا الْحَدُّ، وَلَا مَهْرَ) لَهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً، لِأَنَّهَا زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ.
[فَصْلٌ الْإِحْدَاد فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا عَلَى مَيِّتٍ]
فَصْلٌ: (يَحْرُمُ إحْدَادٌ فَوْقَ ثَلَاثِ) لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا (عَلَى مَيِّتٍ غَيْرِ زَوْجٍ) لِحَدِيثِ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٌ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيَجِبُ) الْإِحْدَادُ (عَلَى زَوْجَةٍ) أَيْ: الْمَيِّتِ (بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ) لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهَا كَانَتْ تَحِلُّ لَهُ وَيَحِلُّ لَهَا فَتَحْزَنُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ فَلَيْسَتْ زَوْجَةً
شَرْعًا (وَلَوْ) كَانَتْ (ذِمِّيَّةً) وَالزَّوْجُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ، (أَوْ) كَانَتْ (أَمَةً) وَالزَّوْجُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ، (أَوْ) كَانَتْ (غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ) وَالزَّوْجُ مُكَلَّفٌ أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَيُجَنِّبُهَا وَلِيُّهَا مَا تَجْتَنِبُهُ الْمُكَلَّفَةُ (زَمَنَ عِدَّةٍ) لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ، وَلِتَسَاوِيهَا فِي اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَحُقُوقِ النِّكَاحِ وَلَا يَجِبُ عَلَى بَائِنٍ بِطَلْقَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ فَسْخٍ.
(وَيَجُوزُ) الْإِحْدَادُ (لِبَائِنٍ) إجْمَاعًا، لَكِنْ لَا يُسَنُّ لَهَا قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ " (وَهُوَ) أَيْ: الْإِحْدَادُ (تَرْكُ زِينَةٍ وَ) تَرْكُ (طِيبٍ كَزَعْفَرَانٍ وَلَوْ كَانَ بِهَا سُقُمٌ) لِأَنَّ الطِّيبَ يُحَرِّكُ الشَّهْوَةَ، وَيَدْعُو إلَى الْمُبَاشَرَةِ، فَلَا يَحِلُّ لَهَا اسْتِعْمَالُ الْأَدْهَانِ الْمُطَيِّبَةِ كَدُهْنِ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالْيَاسَمِينِ وَالْبَانِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَدْهَانَ بِذَلِكَ اسْتِعْمَالٌ لِلطِّيبِ.
(وَ) تَرْكُ (لُبْسَ حُلِيٍّ وَلَوْ خَاتَمًا) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " وَلَا الْحُلِيَّ " وَلِأَنَّ الْحُلِيَّ يَزِيدُ حُسْنَهَا وَيَدْعُو إلَى مُبَاشَرَتِهَا (وَ) تَرْكُ لُبْسِ (مُلَوَّنٍ مِنْ ثِيَابِ الزِّينَةِ كَأَحْمَرَ وَأَصْفَرَ وَأَخْضَرَ وَأَزْرَقَ صَافِيَيْنِ وَمَا صُبِغَ قَبْلَ نَسْجٍ كَاَلَّذِي) صُبِغَ (بَعْدَهُ وَ) تَرْكُ (تَحْسِينٍ بِحِنَّاءٍ أَوْ أسفيداج أَوْ تَكْحِيلٍ) بِكُحْلٍ (أَسْوَدَ فَقَطْ بِلَا حَاجَةٍ إلَيْهِ) ، فَإِنْ كَانَ بِهَا حَاجَةٌ إلَيْهِ، جَازَ، وَلَهَا اكْتِحَالٌ بِنَحْوِ تُوتْيَا (وَ) تَرْكُ (ادِّهَانٍ بِ) دُهْنٍ (مُطَيِّبٍ) كَزَبَادٍ وَنَحْوِهِ (وَ) تَرْكُ (تَحْمِيرِ وَجْهٍ) وَحَفِّهِ وَنَقْشِهِ (وَتَنْظِيفِهِ وَتَخْطِيطِهِ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) وَلَا نَكْتَحِلُ وَلَا نَتَطَيَّبُ وَلَا نَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ.» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا لَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إلَّا إذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْعَصْبُ ثِيَابٌ يَمَنِيَّةٌ فِيهَا بَيَاضٌ وَسَوَادٌ
يُصْبَغُ غَزْلُهَا ثُمَّ يُنْسَجُ قَالَهُ الْقَاضِي، وَصَحَّحَ فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ نَبْتٌ يُصْبَغُ بِهِ.
(وَلَا تُمْنَعُ) مُعْتَدَّةٌ مِنْ وَفَاةٍ (مِنْ صُبْرٍ) تَطْلِي بِهِ بَدَنَهَا لِأَنَّهُ لَا طِيبَ فِيهِ (إلَّا فِي الْوَجْهِ) فَلَا تَطْلِي بِهِ وَجْهَهَا؛ لِحَدِيثِ «أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ وَقَدْ جَعَلْت عَلَى عَيْنِي صُبْرًا فَقَالَ: مَاذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟ فَقَالَتْ: إنَّمَا هُوَ صُبْرٌ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ قَالَ: إنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ لَا تَجْعَلِيهِ إلَّا بِاللَّيْلِ، وَتَنْزِعِيهِ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ وَلَا بِالْحِنَّاءِ؛ فَإِنَّهُ خِضَابٌ.» (وَلَا) تُمْنَعُ مِنْ (لُبْسِ أَبْيَضَ وَلَوْ) كَانَ الْأَبْيَضُ (حَرِيرًا) لِأَنَّ حُسْنَهُ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، فَلَا يَلْزَمُ تَغْيِيرُهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ حَسَنَةَ الْخِلْقَةِ لَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَغَيَّرَ نَفْسَهَا فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَتَشْوِيهَهَا نَفْسَهَا (وَلَا) تُمْنَعُ (مِنْ مُلَوَّنٍ لِدَفْعِ وَسَخٍ كَكُحْلِيِّ) وَأَسْوَدَ وَأَخْضَرَ غَيْرَ صَافٍ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْعَصْبِ، وَهُوَ مُسْتَثْنًى فِي الْخَبَرِ، (وَلَا) تُمْنَعُ (مِنْ نِقَابٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَالْمُحْرِمَةُ مُنِعَتْ مِنْهُ لِمَنْعِهَا مِنْ تَغْطِيَةِ وَجْهِهَا، (وَ) لَا تُمْنَعُ مِنْ (أَخْذِ ظُفُرٍ وَنَتْفِ إبْطٍ) وَأَخْذِ عَانَةٍ (وَلَا مِنْ تَنْظِيفٍ وَغُسْلٍ بِسِدْرٍ) وَامْتِشَاطٍ (وَدُخُولِ حَمَّامٍ) لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ لِلزِّينَةِ (وَ) لَا طِيبَ فِيهِ، وَلَا تُمْنَعُ مِنْ (إدْخَالِ طِيبٍ بِفَرْجِ حَائِضٍ وَتَزْيِينٍ فِي فُرُشٍ وَبُسُطٍ وَسُتُورٍ وَأَثَاثِ بَيْتٍ، لِأَنَّ الْإِحْدَادَ فِي الْبَدَنِ) فَقَطْ، لَا فِي الْفُرُشِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فِيهَا.
(وَتَجِبُ عِدَّةُ) وَفَاةٍ (بِمَنْزِلٍ مَاتَ زَوْجُهَا) وَهِيَ سَاكِنَةٌ (فِيهِ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِمْ، «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِفُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ أُخْتِ أَبِي سَعِيدٍ: اُمْكُثِي فِي بَيْتِك حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، فَاعْتَدَدْت فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ أَرْسَلَ إلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَتْهُ، فَاتَّبَعَهُ، وَقَضَى بِهِ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (وَلَوْ)
كَانَ الْمَنْزِلُ الَّذِي مَاتَ زَوْجُهَا فِيهِ (مُعَارًا إنْ تَبَرَّعَ وَرَثَةٌ: أَوْ) تَبَرَّعَ (أَجْنَبِيٌّ بِإِسْكَانِهَا) فِيهِ وَكَذَلِكَ لَوْ تَطَوَّعَ بِهِ السُّلْطَانُ وَلَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ وَلَا عَلَى الْوَرَثَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ لِلتَّمْكِينِ وَالِاسْتِمْتَاعِ وَقَدْ فَاتَ
(وَحَرُمَ تَحَوُّلُهَا) أَيْ الْمُعْتَدَّةِ لِوَفَاةٍ (مِنْ مَسْكَنٍ وَجَبَتْ فِيهِ) الْعِدَّةُ (إلَّا لِحَاجَةٍ) تَدْعُو إلَى خُرُوجِهَا مِنْهُ كَخُرُوجِهَا (لِخَوْفٍ) عَلَى نَفْسِهَا أَوْ مَا لَهَا (وَلِحَقٍّ) وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَخْرُجَ لِأَجْلِهِ (وَتَحْوِيلُ مَالِكِهِ) أَيْ: الْمَسْكَنِ (لَهَا) أَيْ: الْمُعْتَدَّةِ لِوَفَاةٍ أَوْ خَشْيَتِهَا عَلَى نَفْسِهَا مِنْ هَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ عَدُوٍّ بِهِ، فَتَنْتَقِلُ لِأَنَّهَا حَالَةُ عُذْرٍ (وَيَتَّجِهُ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ) أَيْ: مَالِكِ الْمَنْزِلِ تَحْوِيلُهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِإِسْكَانِهَا فِي مَنْزِلِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَكَطَلَبِهِ) أَيْ: مَالِكِ الْمَسْكَنِ مِنْ مُعْتَدَّةٍ لِوَفَاةٍ (فَوْقَ أُجْرَتِهِ) الْمُعْتَادَةِ (أَوْ لَا تَجِدُ) الْمُعْتَدَّةُ لِوَفَاةٍ (مَا) أَيْ: مَالًا (تَكْتَرِي بِهِ إلَّا مِنْ مَالِهَا) لِأَنَّ الْوَاجِبَ السُّكْنَى لَا تَحْصِيلَ الْمَسْكَنِ؛ فَإِذَا تَعَذَّرَتْ السُّكْنَى سَقَطَتْ (فَيَجُوزُ تَحَوُّلُهَا حَيْثُ شَاءَتْ) لِسُقُوطِ الْوَاجِبِ لِلْعُذْرِ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِالِاعْتِدَادِ فِي مُعَيَّنٍ غَيْرَهُ، فَاسْتَوَى فِي ذَلِكَ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ (أَوْ تُحَوَّلُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مُعْتَدَّةٌ لِوَفَاةٍ (لِأَذَاهَا) لِجِيرَانِهَا؛ وَلَا يُحَوَّلُ (مَنْ حَوْلَهَا) دَفْعًا لِأَذَاهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ دَفْعًا لِأَذَاهُمْ فَيُحَوَّلُونَ (فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تُحَوَّلُ جَارِ) السُّوءِ (وَمَنْ يُؤْذِي جِيرَانَهُ) وَمَرَّ فِي الْبَيْعِ أَنَّ جَارَ السُّوءِ عَيْبٌ؛ بَلْ هُوَ مِنْ أَقْبَحِ الْعُيُوبِ (وَيَلْزَمُ) مُعْتَدَّةً (مُنْتَقِلَةً) مِنْ مَسْكَنٍ وَجَبَتْ فِيهِ الْعِدَّةُ (بِلَا حَاجَةٍ) إلَى نَقْلِهَا (الْعَوْدُ إلَيْهِ) لِتُتِمَّ عِدَّتَهَا فِيهِ تَدَارُكًا لِلْوَاجِبِ.
(وَتَنْقَضِي) الْعِدَّةُ لِلْوَفَاةِ (بِمُضِيِّ الزَّمَانِ) الَّذِي تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ (حَيْثُ كَانَتْ) لِأَنَّ الْمَكَانَ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الِاعْتِدَادِ.
(وَلَا تَخْرُجُ) مُعْتَدَّةٌ لِوَفَاةٍ (إلَّا نَهَارًا) لِمَا رَوَى مُجَاهِدٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «تُحِدِّينَ عِنْدَ إحْدَاكُنَّ حَتَّى إذَا أَرَدْتُنَّ النَّوْمَ فَلْتَأْتِ كُلُّ وَاحِدَةٍ إلَى بَيْتِهَا» وَلِأَنَّ اللَّيْلَ مَظِنَّةُ الْفَسَادِ، وَلَا تَخْرُجُ نَهَارًا (إلَّا حَاجَتَهَا) مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَنَحْوِهِمَا (وَلَوْ وَجَدَتْ مَنْ يَقْضِيهَا) فَلَا تَخْرُجُ لِحَاجَةٍ غَيْرَهَا وَلَا لِعِيَادَةٍ وَزِيَادَةٍ وَنَحْوِهِمَا (وَلَيْسَ لَهَا الْمَبِيتُ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا) لِخَبَرِ مُجَاهِدٍ.
(وَأَمَةٌ كَحُرَّةٍ) فِي الْإِحْدَادِ وَالِاعْتِدَادِ فِي مَنْزِلِهَا؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ (لَكِنَّ لِسَيِّدٍ إمْسَاكَهَا نَهَارًا) لِلْخِدْمَةِ (وَيُرْسِلُهَا لَيْلًا) لِتَبِيتَ بِمُسْكِنِ الزَّوْجِ؛ فَإِنْ أَرْسَلَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا اعْتَدَّتْ زَمَانَهَا كُلَّهُ فِي الْمَنْزِلِ الَّذِي مَاتَ زَوْجُهَا بِهِ لِإِسْقَاطِ السَّيِّدِ حَقَّهُ فَزَالَ الْمُعَارِضُ.
[تَتِمَّةٌ الْبَدْوِيَّةُ كَالْحَضَرِيَّةِ فِي لُزُومِ الْمَوْضِعِ الَّذِي مَاتَ زَوْجُهَا وَهِيَ بِهِ]
ِ، فَإِنْ انْتَقَلَتْ الْحِلَّةُ انْتَقَلَتْ مَعَهُمْ لِلضَّرُورَةِ، وَإِنْ انْتَقَلَ غَيْرُ أَهْلِ الْمَرْأَةِ لَزِمَهَا الْمُقَامُ مَعَ أَهْلِهَا، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى انْتِقَالِهَا، وَإِنْ انْتَقَلَ أَهْلُهَا انْتَقَلَتْ مَعَهُمْ لِلْحَاجَةِ، وَإِنْ هَرَبَ أَهْلُهَا فَخَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا هَرَبَتْ مَعَهُمْ لِلْحَاجَةِ؛ فَإِنْ أَمِنَتْ أَقَامَتْ لِقَضَاءِ الْعِدَّةِ فِي مَنْزِلِهَا، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الِانْتِقَالِ، وَإِنْ مَاتَ صَاحِبُ السَّفِينَةِ وَامْرَأَتُهُ فِيهَا وَلَهُ مَسْكَنٌ فِي الْبَرِّ فَكَمُسَافِرَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَسْكَنٌ سِوَى السَّفِينَةِ وَكَانَ لَهَا فِيهَا بَيْتٌ يُمْكِنُهَا السُّكْنَى فِيهِ بِحَيْثُ لَمْ تَجْتَمِعْ مَعَ الرِّجَالِ وَأَمْكَنَهَا الْمُقَامُ فِيهِ بِحَيْثُ تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا وَمَعَهَا مُحْرِمُهَا لَزِمَهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِهِ لِأَنَّهُ كَالْمَنْزِلِ الَّذِي مَاتَ زَوْجُهَا وَهِيَ بِهِ؛ وَإِنْ كَانَتْ السَّفِينَةُ ضَيِّقَةً وَلَيْسَ مَعَهَا مَحْرَمٌ أَوْ لَا يُمْكِنُهَا الْمُقَامُ إلَّا فِيهَا بِحَيْثُ تَخْتَلِطُ مَعَ الرِّجَالِ لَزِمَهَا الِانْتِقَالُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا؛ لِتَعَذُّرِ الْإِقَامَةِ بِهَا عَلَيْهَا.
(وَمَنْ سَافَرَتْ) زَوْجَتُهُ (وَحْدَهَا بِإِذْنِهِ أَوْ) سَافَرَتْ (مَعَهُ لِنَقْلِهِ) مِنْ بَلَدِهِ (إلَى بَلَدٍ) أُخْرَى (فَمَاتَ قَبْلَ مُفَارَقَةِ بِنَاءِ) الْبَلَدِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ رَجَعَتْ وَاعْتَدَّتْ بِمَنْزِلِهِ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمُقِيمَةِ (أَوْ) سَافَرَتْ (لِغَيْرِ نَقْلِهِ) كَتِجَارَةٍ وَزِيَارَةٍ.
(وَلَوْ) كَانَ سَفَرُهَا (لِحَجٍّ، وَلَمْ تُحْرِمْ وَمَاتَ قَبْلَ مَسَافَةِ قَصْرٍ) رَجَعَتْ (وَاعْتَدَّتْ بِمَنْزِلِهِ) لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: تُوُفِّيَ أَزْوَاجٌ نِسَاؤُهُنَّ حَاجَّاتٌ أَوْ مُعْتَمِرَاتٌ، فَرَدَّهُنَّ عُمَرُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ حَتَّى يَعْتَدِدْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ.
وَلِأَنَّهَا أَمْكَنَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي مَنْزِلِهَا قَبْلَ أَنْ تَبْعُدَ، فَلَزِمَهَا كَمَا لَوْ لَمْ تُفَارِقْ الْبُنْيَانَ (وَ) إنْ مَاتَ زَوْجُهَا (بَعْدَ مُفَارَقَةِ) بُنْيَانٍ إنْ كَانَ سَفَرُهَا لِنَقْلِهِ (أَوْ) بَعْدَ مَسَافَةِ (قَصْرٍ) إنْ كَانَ لِغَيْرِ نَقْلِهِ (تُخَيَّرُ بَيْنَ رُجُوعٍ) فَتَعْتَدُّ بِمَنْزِلِهَا (وَ) بَيْنَ (مُضِيٍّ) إلَى مَقْصِدِهَا، لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْبَلَدَيْنِ صَارَ مَنْزِلًا لَهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ سَاكِنَةً بِالْأَوَّلِ ثُمَّ عَنْ كَوْنِهِ مَنْزِلًا لَهَا بِإِذْنِهِ فِي الِانْتِقَالِ عَنْهُ كَمَا لَوْ حَوَّلَهَا قَبْلَهُ، وَالثَّانِي لَمْ يَصِرْ مَنْزِلَهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَسْكُنْهُ وَحَيْثُ مَضَتْ أَقَامَتْ لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، وَإِنْ كَانَ خُرُوجُهَا لِنُزْهَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ قَبْلَ مَوْتِهِ قَدَّرَ لَهَا مُدَّةً أَقَامَتْ ثَلَاثَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا؛ لِأَنَّهَا مُدَّةُ الضِّيَافَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدَّرَ لَهَا مُدَّةً فَلَهَا إقَامَتُهَا اسْتِصْحَابًا لِلْإِذْنِ، فَإِذَا مَضَتْ مُدَّتُهَا أَوْ قَضَتْ حَاجَتَهَا وَلَمْ يُمْكِنْهَا الرُّجُوعُ لِخَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِ كَعَدَمِ مَحْرَمٍ إذَا كَانَتْ مَسَافَةُ قَصْرٍ، أَتَمَّتْ الْعِدَّةَ فِي مَكَانِهَا لِلْعُذْرِ.
وَإِنْ أَمْكَنَهَا الرُّجُوعُ لَكِنْ لَا يُمْكِنُهَا الرُّجُوعُ إلَى مَنْزِلِهَا - وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْعِدَّةِ شَيْءٌ - لَزِمَهَا الْعَوْدُ لِتَأْتِي بِهِ فِي مَكَانِهَا، وَإِنْ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِي الْحَجِّ، أَوْ كَانَتْ حَجَّتُهَا حَجَّةَ الْإِسْلَامِ (فَأَحْرَمَتْ وَلَوْ) كَانَ إحْرَامُهَا (قَبْلَ مَوْتِهِ) قَبْلَ مَسَافَةِ قَصْرٍ (وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ) بَيْنَ اعْتِدَادِهَا بِمَنْزِلِهَا وَبَيْنَ الْحَجِّ بِأَنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لَهُمَا (عَادَتْ) لِمَنْزِلِهَا فَاعْتَدَّتْ بِهِ كَمَا لَوْ لَمْ تُحْرِمْ (وَإِلَّا) يُمْكِنُهَا الْجَمْعُ بِأَنْ كَانَ الْوَقْتُ لَا يَتَّسِعُ لَهُمَا (قُدِّمَ حَجٌّ مَعَ بُعْدِ) هَا عَنْ بَلَدِهَا بِأَنْ
كَانَتْ سَافَرَتْ (مَسَافَةَ قَصْرٍ) فَأَكْثَرَ، لِوُجُوبِ الْحَجِّ بِالْإِحْرَامِ، وَفِي مَنْعِهَا مِنْ إتْمَامِ سَفَرِهَا ضَرَرٌ عَلَيْهَا بِتَضْيِيعِ الزَّمَانِ وَالنَّفَقَةِ وَمَنْعِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ، وَمَتَى رَجَعَتْ رَجَعَتْ مِنْ الْحَجِّ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ عِدَّتِهَا شَيْءٌ - أَتَمَّتْهُ فِي مَنْزِلهَا (وَإِلَّا) تَبْعُدُ مَسَافَةَ قَصْرٍ وَقَدْ أَحْرَمَتْ (فَالْعِدَّةُ) تُقَدِّمُهَا (حَيْثُ لَا ضَرَرَ) لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمُقِيمَةِ (وَتَتَحَلَّلُ لِفَوَاتِهِ) أَيْ: الْحَجِّ (بِعُمْرَةٍ) فَتَبْقَى عَلَى إحْرَامِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ثُمَّ تُسَافِرُ لِلْعُمْرَةِ فَتَأْتِي بِهَا؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَوَاتِ وَفِي " الْمُغْنِي " إنْ أَمْكَنَهَا السَّفَرُ تَحَلَّلَتْ بِعُمْرَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا فَهِيَ كَالْمُحْصَرَةِ الَّتِي يَمْنَعُهَا زَوْجُهَا مِنْ السَّفَرِ فَتَتَحَلَّلُ تَحَلُّلَ الْمُحْصَرَةِ قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَحُكْمُ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ كَذَلِكَ إذَا خِيفَ فَوَاتُ الرُّفْقَةِ أَوْ لَمْ يُخَفْ.
(وَتَعْتَدُّ بَائِنٌ) بِطَلْقَةٍ أَوْ أَكْثَرَ (بِمَكَانٍ مَأْمُونٍ مِنْ الْبَلَدِ) الَّذِي بَانَتْ بِهِ (حَيْثُ شَاءَتْ) مِنْهُ نَصًّا؛ لِحَدِيثِ «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَعْتَدَّ فِي أَهْلِي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَلَا تَبِيتُ إلَّا بِهِ) أَيْ: بِالْمَأْمُونِ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي شَاءَتْهُ (وُجُوبًا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا تُسَافِرُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا) لِمَا فِي الْبَيْتُوتَةِ بِغَيْرِ مَنْزِلِهَا وَسَفَرِهَا إلَى غَيْرِ بَلَدِهَا مِنْ التَّبَرُّجِ وَالتَّعَرُّضِ لِلرِّيبَةِ.
(وَإِنْ سَكَنَتْ) بَائِنٌ (عُلُوًّا) وَمُبِينٌ فِي السُّفْلِ؛ أَوْ سَكَنَتْ (سُفْلًا وَ) سَكَنَ (مُبِينٌ فِي الْآخَرِ وَبَيْنَهُمَا بَابٌ مُغْلَقٌ) جَازَ كَمَا لَوْ كَانَا بِحُجْرَتَيْنِ مُتَجَاوِرَتَيْنِ (أَوْ) كَانَ (مَعَهَا مَحْرَمٌ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَابٌ مُغْلَقٌ (جَازَ) لِتَحَفُّظِهَا بِمَحْرَمِهَا وَتَرْكُهُ أَوْلَى قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ الْمَحْرَمِ، لِأَنَّ الْخَلْوَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ مُحَرَّمَةٌ (وَإِنْ أَرَادَ) مُبِينُهَا (إسْكَانَهَا بِمَنْزِلِهِ أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ مَنْزِلِهِ مِمَّا (يَصْلُحُ لَهَا) سَكَنًا (تَحْصِينًا لِفِرَاشِهِ وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ) مِنْ رُؤْيَةِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ رُؤْيَتُهُ أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهَا وَنَحْوِهِ (لَزِمَهَا) ذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فِيهِ، وَضَرَرُهُ عَلَيْهِ؛ فَكَانَ إلَى اخْتِيَارِهِ كَسَائِرِ
الْحُقُوقِ.
(وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ مَرِيدَ الْإِسْكَانِ (نَفَقَةٌ كَمُعْتَدَّةٍ) لِوَطْءٍ (بِشُبْهَةٍ أَوْ) مِنْ (نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ مُسْتَبْرَأَةٍ لِعِتْقٍ) فَيَجِبُ السُّكْنَى عَلَيْهَا بِمَا يَخْتَارُهُ الْوَاطِئُ أَوْ السَّيِّدُ تَحْصِينًا لِفِرَاشِهِ بِلَا مَحْذُورٍ، وَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ وَلَا الْوَاطِئَ إسْكَانُهَا حَيْثُ لَا حَمْلَ (وَرَجْعِيَّةٌ فِي لُزُومِ مَنْزِلٍ) طَلَّقَهَا إلَّا فِي الْإِحْدَادِ (كَمُتَوَفَّى عَنْهَا) زَوْجُهَا نَصًّا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: 1] سَوَاءٌ أَذِنَ لَهَا الْمُطَلِّقُ فِي الْخُرُوجِ أَوْ لَا، لِأَنَّ مِنْ حُقُوقِهِ الْعِدَّةَ وَهِيَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يُمْكِنُ الزَّوْجُ إسْقَاطَ شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِهَا كَمَا لَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهَا.
(وَإِنْ امْتَنَعَ مَنْ) أَيْ: زَوْجٌ أَوْ مُبِينٌ (لَزِمَهُ سُكْنَى كَزَوْجِ رَجْعِيَّةٍ وَبَائِنٍ حَامِلٍ أُجْبِرَ) أَيْ: أَجْبَرَهُ حَاكِمٌ بِطَلَبِ مَنْ وَجَبَتْ لَهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ
(وَإِنْ غَابَ) مِنْ لَزِمَتْهُ السُّكْنَى (اكْتَرَى عَنْهُ حَاكِمٌ مِنْ مَالِهِ) مَسْكَنًا لَهَا لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ فِي أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ (أَوْ افْتَرَضَ) الْحَاكِمُ (عَلَيْهِ) إنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا أُجْرَةَ الْمَسْكَنِ (أَوْ فَرَضَ) الْحَاكِمُ (أُجْرَتَهُ) أَيْ: السُّكْنَى لِتُؤْخَذَ مِنْهُ إذَا حَضَرَ (وَإِنْ اكْتَرَتْهُ) أَيْ: الْمَسْكَنَ مَنْ وَجَبَتْ لَهَا السُّكْنَى بِإِذْنِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ أَوْ بِإِذْنِ حَاكِمٍ إنْ عَجَزَتْ عَنْ اسْتِئْذَانِهِ أَوْ بِدُونِ إذْنِهِ وَإِذْنِ حَاكِمٍ وَلَوْ مَعَ قُدْرَةٍ عَلَى اسْتِئْذَانِ حَاكِمٍ حَيْثُ كَانَ اكْتِرَاؤُهَا (بِنِيَّةِ رُجُوعٍ) رَجَعَتْ بِمِثْلِ مَا اكْتَرَتْ بِهِ؛ لِقِيَامِهَا عَنْهُ بِوَاجِبٍ كَسَائِرِ مَنْ أَدَّى عَنْ غَيْرِهِ دَيْنًا وَاجِبًا بِنِيَّةِ رُجُوعٍ (أَوْ سَكَنَتْ بِمِلْكِهَا) بِنِيَّةِ رُجُوعٍ عَلَيْهِ بِأُجْرَةٍ (رَجَعَتْ مَعَ غَيْبَتِهِ) أَوْ مَنْعِهِ أَوْ بِإِذْنِهِ (بِأُجْرَةِ مَسْكَنٍ وَكِرَاءٍ) لِوُجُوبِ إسْكَانِهَا عَلَيْهِ، وَلَوْ سَكَنَتْ بِمِلْكِهَا (أَوْ) اكْتَرَتْ مَسْكَنًا (مَعَ حُضُورِهِ وَسُكُوتِهِ؛ فَلَا) طَلَبَ لَهَا عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَائِبٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ وَلَا أَذِنَ (كَمَا لَوْ أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ مَنْ لَزِمَتْ غَيْرَهُ نَفَقَتُهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ اسْتِبْرَاءِ الْإِمَاءِ]
ِ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ الْبَرَاءَةِ أَيْ: التَّمْيِيزِ وَالِانْقِطَاعِ، يُقَالُ بَرِئَ اللَّحْمُ مِنْ الْعَظْمِ إذَا قُطِعَ عَنْهُ وَفُصِلَ، وَخُصَّ بِالْأَمَةِ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا مِنْ الْحَمْلِ، وَالْحُرَّةُ إنْ شَارَكَتْ الْأَمَةَ فِي ذَلِكَ فَهِيَ مُفَارِقَةٌ لَهَا فِي التَّكْرَارِ، فَلِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ فِيهَا لَفْظُ الْعِدَّةِ (وَهُوَ قَصْدٌ) أَيْ تَرَبُّصٌ شَأْنُهُ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ (عِلْمَ بَرَاءَةِ رَحِمِ مِلْكِ يَمِينٍ) مِنْ قِنٍّ وَمُكَاتَبَةٍ وَمُدَبَّرَةٍ وَأُمَّ وَلَدٍ وَمُعَلَّقٍ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ (حُدُوثًا) أَيْ: عِنْدَ حُدُوثِ مِلْكٍ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ (أَوْ) نَحْوِهِمَا (أَوْ زَوَالًا) أَيْ: عِنْدَ إدَارَةِ زَوَالِ الْمِلْكِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ زَوَالِ اسْتِمْتَاعِهِ بِأَنْ أَرَادَ بِهِ تَزْوِيجَهَا (مِنْ حَمْلٍ) مُتَعَلِّقٍ بِبَرَاءَةٍ (غَالِبًا) وَقَدْ يَكُونُ تَعَبُّدًا (بِوَضْعِ) حَمْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِعِلْمٍ (أَوْ بِحَيْضَةٍ أَوْ بِشَهْرٍ أَوْ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ أَوْ خَمْسِينَ سَنَةً وَشَهْرًا) وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ قُبَيْلَ آخِرِ الْبَابِ، وَخُصَّ الِاسْتِبْرَاءُ بِهَذَا الِاسْمِ لِتَقْدِيرِهِ بِأَقَلَّ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ وَتَعَدُّدٍ، بِخِلَافِ الْعِدَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَسْقِ مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَلِأَبِي سَعِيدٍ فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ مَرْفُوعًا «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (وَيَجِبُ) الِاسْتِبْرَاءُ (فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ) فَقَطْ بِالِاسْتِقْرَاءِ (أَحَدُهَا إذَا مُلِكَ ذَكَرٌ وَلَوْ كَانَ طِفْلًا) بِإِرْثٍ أَوْ شِرَاءٍ وَنَحْوِهِ (مِنْ) أَيْ: أَمَةٍ (يُوطَأُ مِثْلُهَا) بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا (وَلَوْ) مُسَيَّبَةً أَوْ (لَمْ تَحِضْ) لِصِغَرٍ أَوْ إيَاسٍ (حَتَّى) وَلَوْ مَلَكَهَا (مِنْ طِفْلٍ وَأُنْثَى لَمْ يَحِلَّ اسْتِمْتَاعُهُ بِهَا وَلَوْ بِقُبْلَةٍ وَنَظَرٍ لِشَهْوَةٍ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا) لِمَا تَقَدَّمَ
وَكَالْعِدَّةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْعَذْرَاءَ تَحْمِلُ.
فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْمَجْلِسِ: نَعَمْ قَدْ كَانَ فِي جِيرَانِنَا.
وَمُقَدِّمَاتُ الْوَطْءِ مِثْلُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ كَوْنُهَا حَامِلًا مِنْ بَائِعِهَا، فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهَا، فَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِأُمِّ وَلَدِ غَيْرِهِ، وَفِي " الْهَدْيِ " لَا يُمْنَعُ إلَّا مِنْ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، وَهُوَ أَظْهَرُ دَلِيلًا، وَأَشْبَهُ بِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
(فَإِنْ عَتَقَتْ قَبْلَهُ) أَيْ: الِاسْتِبْرَاءِ (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْكِحَهَا، وَلَمْ يَصِحَّ) نِكَاحُهَا مِنْهُ إنْ تَزَوَّجَهَا (حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا) لِأَنَّهُ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا قَبْلَ الْعِتْقِ، فَحَرُمَ تَزْوِيجُهَا بَعْدَهُ كَالْمُعْتَدَّةِ (وَلَيْسَ لَهَا نِكَاحُ غَيْرِهِ) أَيْ: سَيِّدِهَا (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَائِعُهَا) كَالْمُعْتَدَّةِ (يَطَأُ) هَا كَسَيِّدِهَا؛ لِأَنَّهُ حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا؛ فَحَرُمَ عَلَيْهِ تَزْوِيجُهَا، كَمَا لَوْ اسْتَبْرَأَهَا مُعْتَدَّةً (إلَّا عَلَى رِوَايَةٍ) قَالَ (الْمُنَقِّحُ) فِي التَّنْقِيحِ (وَهِيَ أَصَحُّ) وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْمُغْنِي " وَالشَّرْحِ " وَالْوَجِيزِ " وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى " وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ " لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا لِغَيْرِهِ تَصَرُّفٌ بِغَيْرِ وَطْءٍ وَكَانَ يَمْلِكُهُ الْبَائِعُ قَبْلَ نَقْلِ الْمِلْكِ عَنْهُ، فَكَانَ لِلْمُشْتَرِي مَا كَانَ يَمْلِكُهُ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّهُ فَرَّعَهُ، وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ
(وَمَنْ أَخَذَ مِنْ مُكَاتَبِهِ أَمَةً حَاضَتْ عِنْدَهُ) أَيْ: الْمُكَاتَبِ؛ وَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا، وَكَذَا إنْ أَخَذَهَا مِنْ مُكَاتَبِهِ (أَوْ) أَمَتِهِ (أَوْ وَهَبَ أَمَةً ثُمَّ عَادَتْ) الْأَمَةُ (إلَيْهِ بِفَسْخٍ) لِخِيَارٍ أَوْ عَيْبٍ أَوْ إقَالَةٍ (أَوْ غَيْرِهِ) كَمَا لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهَا (حَيْثُ انْتَقَلَ الْمِلْكُ وَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِ الْأَمَةِ) لِأَنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُنْتَقِلَةُ إلَيْهِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً (إنْ افْتَرَقَا) أَيْ: الْمُتَعَاقِدَانِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا (لَمْ يَجِبْ) الِاسْتِبْرَاءُ، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ (خِلَافًا لِ) مَا مَشَى عَلَيْهِ (صَاحِبُ الْمُنْتَهَى فِي شَرْحِهِ) حَيْثُ قَالَ أَوْ بَاعَ أَوْ وَهَبَ أَمَةً ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بِفَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَلَوْ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا عَنْ الْمَجْلِسِ عَلَى الْأَصَحِّ)
يَعْنِي يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ (وَلَا اسْتِبْرَاءَ بِعَوْدِ) مُكَاتَبَتِهِ (إلَيْهِ بِعَجْزٍ أَوْ) عَوْدِ (رَحِمِهَا الْمُحَرَّمِ) إلَيْهِ بِعَجْزٍ (أَوْ) عَوْدِ (رَحِمِ مُكَاتَبِهِ الْمُحَرَّمِ إلَيْهِ بِعَجْزِ) مُكَاتَبَتِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ عَنْ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ (أَوْ فَكِّ أَمَتِهِ مِنْ رَهْنٍ) فَلَا اسْتِبْرَاءَ؛ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ بِحَالِهِ (أَوْ أَخَذَ مِنْ عَبْدِهِ التَّاجِرِ أَمَةً وَقَدْ حُضِنَ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: الْعَوْدِ أَوْ الْفَكِّ أَوْ الْأَخْذِ فَلَا اسْتِبْرَاءَ؛ لِسَبْقِ مِلْكِهِ عَلَى الْعَوْدِ إلَيْهِ، أَمَّا الْمُكَاتَبَةُ فَلِأَنَّ مِلْكَهُ لَهَا مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْكِتَابَةِ وَمَمْلُوكَتُهَا مَلَكَهُ بِمِلْكِهِ لَهَا، لِأَنَّ مَمْلُوكَ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ الْوَفَاءِ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ، فَإِذَا عَجَزَ عَادَ إلَيْهِ، وَالْمَرْهُونَةُ مِلْكُهُ لَمْ يَزُلْ الْمِلْكُ عَنْهَا بِالرَّهْنِ، وَأَمَةُ عَبْدِهِ التَّاجِرِ مَلَكَهُ بِمِلْكِهِ لَهَا بِشِرَاءِ الْعَبْدِ لَهَا كَالْوَكِيلِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ بِالْمِلْكِ الْمُتَجَدِّدِ، وَهَذِهِ لَمْ يَتَجَدَّدْ مِلْكٌ لَهُ فِيهَا، وَقَدْ حِضْنَ فِي مِلْكِهِ؛ فَلَمْ يَجِبْ اسْتِبْرَاؤُهُنَّ مَرَّةً أُخْرَى.
(أَوْ أَسْلَمَتْ) أَمَةٌ (مَجُوسِيَّةٌ) حَاضَتْ عِنْدَ سَيِّدٍ مُسْلِمٍ (أَوْ) أَسْلَمَتْ (وَثَنِيَّةٌ) عِنْدَ سَيِّدٍ مُسْلِمٍ حَاضَتْ عِنْدَهُ (أَوْ) أَسْلَمَتْ (مُرْتَدَّةٌ حَاضَتْ عِنْدَهُ) فَلَا اسْتِبْرَاءَ؛ لِعَدَمِ تَجَدُّدِ الْمِلْكِ؛ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهِنَّ بِالِاسْتِبْرَاءِ عَقِبَ الْمِلْكِ.
(وَيَتَّجِهُ أَوْ مُضِيُّ شَهْرٍ لِمَنْ لَمْ تَحِضْ) لِصِغَرٍ أَوْ إيَاسٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ أَسْلَمَ مَالِكٌ بَعْدَ رِدَّةٍ) فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَى إمَائِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ مَالِكُ صَغِيرَةٍ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا) فَلَا اسْتِبْرَاءَ، لِأَنَّ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا مَحْسُوسَةٌ.
(وَلَا يَجِبُ) اسْتِبْرَاءٌ (بِمِلْكِ أُنْثَى مِنْ أُنْثَى وَيَتَّجِهُ وَلَا) يَجِبُ اسْتِبْرَاءُ أُنْثَى بِمِلْكِهَا لِأُنْثَى (مِنْ ذَكَرٍ) لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَسُنَّ)
اسْتِبْرَاءٌ (لِمَنْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ) بِإِرْثٍ أَوْ شِرَاءٍ وَنَحْوِهِمَا (لِيَعْلَمَ وَقْتَ حَمْلِهَا) إنْ كَانَتْ حَامِلًا (وَمَتَى وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ) مُنْذُ مَلَكَهَا (فَأُمُّ وَلَدٍ وَلَوْ أَنْكَرَتْ الْوَلَدَ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ بِوَطْءٍ) لِأَنَّهَا صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ بِوَطْئِهَا، وَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَ (لَا) تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ إنْ وَلَدَتْ (لِأَقَلَّ) مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ مَلَكَهَا (وَيَتَّجِهُ وَعَاشَ) لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مِنْ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَلَا) إنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ (مَعَ دَعْوَى اسْتِبْرَاءٍ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِرَاشًا وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ مِيرَاثِ الْحَمْلِ يَجِبُ اسْتِبْرَاءُ زَوْجَةٍ حُرَّةٍ مَاتَ وَلَدُهَا عَنْ وَرَثَةٍ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُحْجَبُ بِحَمْلِهَا إنْ كَانَ.
(وَيَجِبُ اسْتِبْرَاءُ مَنْ) أَيْ: أَمَةٍ (مُلِكَتْ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ غَنِيمَةٍ) وَكَذَا الْمَأْخُوذَةُ أُجْرَةً أَوْ جَعَالَةً أَوْ عِوَضًا عَنْ خُلْعٍ وَنَحْوِهِ إنْ وُجِدَ اسْتِبْرَاؤُهَا (قَبْلَ قَبْضٍ مِنْهُ) لَهَا.
(وَ) يُجْزِئُ اسْتِبْرَاءٌ (لِمُشْتَرٍ زَمَنَ خِيَارٍ) لِوُجُودِ الِاسْتِبْرَاءِ وَهِيَ فِي مِلْكِهِ كَمَا بَعْدَ الْقَبْضِ أَوْ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ.
(وَيَدُ وَكِيلٍ) وُجِدَ الِاسْتِبْرَاءُ فِي يَدِهِ (كَيَدِ مُوَكِّلٍ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فَقَبْضُهُ كَقَبْضِهِ، لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ.
وَإِنْ مَلَكَ بَعْضَ أَمَةٍ ثُمَّ بَاقِيهَا فَالِاسْتِبْرَاءُ مُنْذُ مَلَكَ الْبَاقِيَ
(وَمَنْ مَلَكَ) أَمَةً (مُعْتَدَّةً مِنْ غَيْرِهِ) اكْتَفَى بِالْعِدَّةِ (أَوْ) مَلَكَ (مُزَوَّجَةً فَطَلَّقَهَا) زَوْجُهَا (بَعْدَ دُخُولٍ) بِهَا (أَوْ مَاتَ زَوْجُهَا) ، اكْتَفَى بِالْعِدَّةِ (أَوْ زَوَّجَ) سَيِّدٌ (أَمَتَهُ، ثُمَّ طَلُقَتْ بَعْدَ دُخُولٍ اكْتَفَى بِالْعِدَّةِ) لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِالْبَرَاءَةِ بِهَا، فَلَا فَائِدَةَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ (وَمَتَى مُلِكَتْ مُعْتَدَّتُهُ) بِغَيْرِ طَلَاقِ ثَلَاثٍ لَا مِنْ زِنًى (حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا) لِأَنَّهَا فِرَاشُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِبْرَاؤُهَا مِنْ مَائِهِ، وَلَهُ أَنْ يَطَأَهَا فِي الْحَالِ، وَمَتَى بَاعَهَا قَبْلَ وَطْئِهَا حَلَّتْ لِلْمُشْتَرِي بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَأَمَّا الْمَزْنِيُّ بِهَا إذَا مَلَكَهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا.
(وَإِنْ طَلُقَتْ مَنْ) أَيْ: أَمَةٌ
(مُلِكَتْ) بِالْبَقَاءِ لِلْمَفْعُولِ حَالَ كَوْنِهَا (مُزَوَّجَةً قَبْلَ دُخُولٍ وَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ هَذِهِ حِيلَةٌ وَضَعَهَا أَهْلُ الرَّأْيِ.
رُوِيَ أَنَّ الرَّشِيدَ اشْتَرَى جَارِيَةً فَأَفْتَاهُ أَبُو يُوسُفَ أَنْ يُعْتِقَهَا وَيَتَزَوَّجَهَا وَيَطَأَهَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَا أَعْظَمَ هَذَا، أَبْطَلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا كَيْفَ يُصْنَعُ هَذَا، لَا يَدْرِي أَهِيَ حَامِلٌ أَمْ لَا مَا أَسْمَجَ هَذَا.
وَحَاصِلُهُ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِبْرَائِهَا؛ لِأَنَّهُ تَجَدَّدَ لَهُ الْمِلْكُ فِيهَا، وَلَمْ يَحْصُلْ اسْتِبْرَاؤُهَا فِي مِلْكِهِ؛ فَلَا تَحِلُّ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُزَوَّجَةً، وَلِأَنَّ إسْقَاطَ الِاسْتِبْرَاءِ هُنَا ذَرِيعَةٌ إلَى جَوَازِ سُقُوطِ الِاسْتِبْرَاءِ بِأَنْ زَوَّجَ الْبَائِعُ أَمَتَهُ قَبْلَ بَيْعِهَا، فَإِذَا تَمَّ الْبَيْعُ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ دُخُولِهِ.
الْمَوْضِعُ (الثَّانِي إذَا وَطِئَ أَمَتَهُ) الَّتِي يُوطَأُ مِثْلُهَا (ثُمَّ أَرَادَ تَزْوِيجَهَا لِغَيْرِهِ أَوْ أَرَادَ بَيْعَ) مَوْطُوءَةٍ (غَيْرِ آيِسَةٍ حَرُمَا) أَيْ: التَّزْوِيجُ وَالْبَيْعُ (حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا) لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ اسْتِبْرَاءٌ فَيُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَلِأَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بَيْعَ جَارِيَةٍ كَانَ يَطَؤُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ لِحِفْظِ مَائِهِ فَكَذَا الْبَائِعُ وَلِلشَّكِّ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِيهَا مَنْ لَا يَسْتَبْرِئُهَا فَيُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ.
وَأَمَّا الْآيِسَةُ فَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِبْرَاؤُهَا إذَا أَرَادَ بَيْعَهَا قَوْلًا وَاحِدًا عِنْدَ الْمُوَفَّقِ وَالشَّارِحِ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْوُجُوبِ احْتِمَالُ الْحَمْلِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ اسْتِبْرَاؤُهَا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (فَلَوْ خَالَفَ) فَزَوَّجَهَا أَوْ بَاعَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا (صَحَّ بَيْعٌ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ (لَا نِكَاحٌ) فَلَا يَصِحُّ كَتَزْوِيجِ الْمُعْتَدَّةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يُرَادُ إلَّا الِاسْتِمْتَاعُ؛ فَلَا يَجُوزُ إلَّا فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَزْوِيجُ مُعْتَدَّةٍ وَلَا مُرْتَدَّةٍ، وَالْبَيْعُ يُرَادُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَصِحُّ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ (وَلَمْ يَجُزْ لِمُشْتَرٍ أَيْضًا أَنْ يُزَوِّجَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَاءٍ، فَإِنْ لَمْ يَطَأْ) الْبَائِعُ الْأَمَةَ (أُبِيحَا) أَيْ الْبَيْعُ
وَالنِّكَاحُ (قَبْلَ) أَيْ: الِاسْتِبْرَاءِ؛ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ.
(وَيُسَنُّ) لِسَيِّدٍ أَرَادَ تَزْوِيجَ أَمَتِهِ الَّتِي لَمْ يَطَأْهَا (اسْتَبِرَا) ؤُهَا قَبْلَ التَّزْوِيجِ؛ لِيَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا.
(وَلَوْ وَطِئَ اثْنَانِ أَمَتِهِمَا ثُمَّ بَاعَاهَا لِآخَرَ أَجْزَأَهُ اسْتِبْرَاءٌ وَاحِدٌ) لِأَنَّهُ تُعْلَمُ بِهِ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا (وَإِنْ أَعْتَقَاهَا لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءَانِ) لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ هُنَا كَالْعِدَّةِ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ وَالْوَطْءُ قَدْ وُجِدَ مِنْ اثْنَيْنِ؛ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ مُعَلَّلٌ بِتَجْدِيدِ الْمِلْكِ وَالْمِلْكُ وَاحِدٌ.
الْمَوْضِعُ (الثَّالِثُ) مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الِاسْتِبْرَاءُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (إذَا أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ) أَعْتَقَ (سُرِّيَّتَهُ) وَهِيَ الْأَمَةُ الْمُتَّخَذَةُ لِلْوَطْءِ مَأْخُوذٌ مِنْ السُّرِّ وَهُوَ الْجِمَاعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا سِرًّا.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: خَصُّوا الْأَمَةَ بِهَذَا الِاسْمِ فَرْقًا بَيْنَ الْمَرْأَةِ الَّتِي تُنْكَحُ وَالْأَمَةِ (أَوْ مَاتَ عَنْهَا) أَيْ: أُمِّ الْوَلَدِ أَوْ السُّرِّيَّةِ سَيِّدُهَا (لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءُ نَفْسِهَا) ؛ لِأَنَّهَا فِرَاشٌ لِسَيِّدِهَا - وَقَدْ فَارَقَهَا بِالْمَوْتِ أَوْ الْعِتْقِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَنْتَقِلَ إلَى فِرَاشِ غَيْرِهِ بِلَا اسْتِبْرَاءٍ، وَ (لَا) يَلْزَمُهَا اسْتِبْرَاءٌ (إنْ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ) عِتْقِهَا؛ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ (أَوْ أَرَادَ) بَعْدَ عِتْقِهَا (تَزَوَّجَهَا لِنَفْسِهِ) فَلَا اسْتِبْرَاءَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى فِرَاشِ غَيْرِهِ (أَوْ اُسْتُبْرِئَتْ) أَيْ اسْتَبْرَأَ الْأَمَةَ الْمَبِيعَةَ بَائِعُهَا (قَبْلَ بَيْعِهَا، فَأَعْتَقَهَا مُشْتَرٍ) مِنْهُ قَبْلَ وَطْئِهَا؛ فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا اسْتِغْنَاءً بِاسْتِبْرَائِهَا قَبْلَ بَيْعِهَا (أَوْ أَرَادَ) مُشْتَرِ أَمَةٍ اسْتَبْرَأَهَا بَائِعُهَا قَبْلَ بَيْعِهَا (تَزْوِيجَهَا لِغَيْرِهِ قَبْلَ وَطْئِهَا) فَلَا اسْتِبْرَاءَ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا بِالِاسْتِبْرَاءِ السَّابِقِ لِلْبَيْعِ.
(أَوْ كَانَتْ) أُمُّ الْوَلَدِ أَوْ السُّرِّيَّةُ حَالَ عِتْقِهَا (مُزَوَّجَةً فَطَلُقَتْ أَوْ مُعْتَدَّةً) مِنْ زَوْجٍ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا (أَوْ فَرَغَتْ عِدَّتُهَا مِنْ زَوْجِهَا فَأَعْتَقَهَا) سَيِّدُهَا (قَبْلَ وَطْئِهِ بَعْدَ فَرَاغِ عِدَّتِهَا، فَلَا اسْتِبْرَاءَ) ؛ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا، وَلَيْسَتْ فِرَاشًا لِلسَّيِّدِ (إنْ أَبَانَهَا) أَيْ: الْأَمَةَ زَوْجُهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا أَوْ بَعْدَهُ، أَيْ الدُّخُولِ (فَاعْتَدَّتْ ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهَا، فَلَا اسْتِبْرَاءَ) عَلَيْهَا (وَلَوْ) كَانَتْ الْمُبَانَةُ (أُمَّ وَلَدٍ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ وَعِبَارَتُهُ وَإِنْ بَانَتْ مِنْ الزَّوْجِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِطَلَاقٍ أَوْ مَوْتِ زَوْجِهَا، أَوْ بِطَلَاقِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَأَتَمَّتْ عِدَّتَهَا، ثُمَّ
مَاتَ سَيِّدُهَا، فَعَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ انْتَهَى.
وَمَحَلُّ عَدَمِ لُزُومِ الِاسْتِبْرَاءِ (إنْ لَمْ يَطَأْهَا) سَيِّدُهَا لِزَوَالِ فِرَاشِ سَيِّدِهَا بِتَزْوِيجِهَا (كَمَنْ لَمْ يَطَأْ) هَا سَيِّدُهَا (أَصْلًا) قَبْلَ تَزَوُّجٍ وَلَا بَعْدَهُ؛ فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا مِنْهُ.
(وَمَنْ أُبِيعَتْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ مِنْ الْإِمَاءِ (وَلَمْ تُسْتَبْرَأْ) قَبْلَ بَيْعٍ (فَأَعْتَقَهَا مُشْتَرٍ) أَوْ أَرَادَ تَزَوُّجَهَا (قَبْلَ وَطْءٍ وَ) قَبْلَ (اسْتِبْرَاءٍ اسْتَبْرَأَتْ) نَفْسَهَا (أَوْ تَمَّمَتْ مَا وُجِدَ عِنْد مُشْتَرٍ) مِنْ اسْتِبْرَاءٍ إنْ عَتَقَتْ فِي أَثْنَائِهِ لِتَعْلَمَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا.
(وَإِنْ مَاتَ زَوْجُ أُمِّ وَلَدٍ وَسَيِّدُهَا، وَجُهِلَ أَسْبَقُهُمَا) مَوْتًا (لَزِمَهَا بَعْدَ مَوْتِ آخِرِهِمَا عِدَّةُ حُرَّةٍ لِوَفَاةٍ فَقَطْ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُتَأَخِّرُ، فَيَلْزَمُهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ مِنْ حِينِ مَوْتِهِ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ تَكُونُ الْمُدَّةُ أَقْصَى مِنْ هَذِهِ فَأَوْجَبْنَاهُ مِنْ حِينِ مَوْتِ الْآخَرِ لِلِاحْتِيَاطِ؛ لِدُخُولِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فِيهَا فَيَسْقُطُ الْغَرَضُ بِيَقِينٍ لِمَا أَوْجَبْنَا فِيهِ عِدَّةَ الْوَفَاةِ (وَلَا تَرِثُ) أُمُّ الْوَلَدِ (مِنْ الزَّوْجِ) شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الرِّقُّ وَالْحُرِّيَّةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا؛ فَلَمْ تَرِثْ مَعَ الشَّكِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِرْثِ وَالْعِدَّةِ أَنَّ الْعِدَّةَ إسْقَاطٌ عَلَيْهَا اسْتِظْهَارًا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهَا وَإِيجَابُ الْإِرْثِ إسْقَاطٌ لِحَقِّ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ النِّكَاحِ عَلَيْهَا؛ فَلَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِرْثِ لَهَا؛ فَلَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ.
(وَلَا اسْتِبْرَاءَ) عَلَيْهَا (مُطْلَقًا) أَيْ: عَلَى كُلِّ التَّقْدِيرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ فَقَدْ مَاتَ السَّيِّدُ وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُتَأَخِّرُ فَقَدْ مَاتَ وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ، وَلَا يَلْزَمُهَا اسْتِبْرَاءٌ وَأَمَّا السُّرِّيَّةُ، إذَا مَاتَ السَّيِّدُ عَنْهَا وَالزَّوْجُ وَجُهِلَ أَسْبَقُهُمَا فَلَا يَلْزَمُهَا إلَّا عِدَّةُ أَمَةٍ لِلْوَفَاةِ لَا عِدَّةُ حُرَّةٍ؛ إذْ لَا شُبْهَةَ لَهَا فِي الْحُرِّيَّةِ (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى " فَإِنَّهُمَا أَلْزَمَاهَا أَنْ تَعْتَدَّ الْأَطْوَلَ مِنْ عِدَّةِ حُرَّةٍ لِوَفَاةٍ أَوْ اسْتِبْرَاءٍ مَعَ أَنَّ صَاحِبَ " الْمُنْتَهَى " ذَكَرَ قُبَيْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا مَاتَ السَّيِّدُ بَعْدَ عِدَّتِهَا فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ (لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا تَصِيرُ فِرَاشًا لِلسَّيِّدِ بِلَا وَطْءٍ ثَانٍ إلَّا عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ)
قِيلَ إنَّهُ لِأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا عَلِمَتْ أَنَّ آخِرَهُمَا مَوْتًا أَصَابَهَا وَجَهِلَتْهُ، أَوْ عَلَى مَا إذَا شَكَّتْ فِي أَنَّ آخِرَهُمَا مَوْتًا وَطِئَهَا، أَمَّا إذَا تَحَقَّقَتْ عَدَمُ وَطْئِهِ فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا.
[فَصْلٌ اسْتِبْرَاءُ الْحَامِل]
فَصْلٌ: (وَاسْتِبْرَاءُ حَامِلٍ بِوَضْعِ) مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ (وَ) اسْتِبْرَاءُ (مَنْ تَحِيضُ بِحَيْضَةٍ كَامِلَةٍ) لِحَدِيثِ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ؛ وَلَا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً.» وَلَا يَحْصُلُ اسْتِبْرَاءٌ (بِبَقِيَّتِهَا) أَيْ: الْحَيْضَةِ إذَا مَلَكَهَا حَائِضًا وَلَوْ كَانَتْ تُبْطِئُ حَيْضَتَهَا أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ؛ لِمَا فِي لَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْخَبَرِ: حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ.
(وَ) اسْتِبْرَاءُ (آيِسَةٍ وَبِنْتِ تِسْعٍ وَبَالِغَةٍ لَمْ تَحِضْ بِشَهْرٍ) لِأَنَّ الشَّهْرَ أُقِيمَ مَقَامَ الْحَيْضَةِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ (وَإِنْ حَاضَتْ فِيهِ) أَيْ: الشَّهْرِ، (فَ) اسْتِبْرَاؤُهَا (بِحَيْضَةٍ) يَعْنِي فَتَنْتَقِلُ إلَى الْقَرْءِ كَالصَّغِيرَةِ إذَا حَاضَتْ فِي عِدَّتِهَا، وَ (لَا) يَلْزَمُهَا الِانْتِقَالُ إلَى الْقَرْءِ إذَا حَاضَتْ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الشَّهْرِ (خِلَافًا لِلْمُنْتَهَى) صَوَابُهُ وِفَاقًا لِلْمُنْتَهَى (وَعِبَارَتُهُ وَإِنْ حَاضَتْ فِيهِ فَبِحَيْضَةٍ) ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ وَقَفَ عَلَى نُسْخَةٍ مَلْحُونَةٍ سَاقِطٌ مِنْهَا لَفْظُ فِي، (فَكَتَبَ عَلَيْهَا) ، وَذَكَرَ الْخِلَافَ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ.
(وَ) اسْتِبْرَاءُ (مُرْتَفِعٍ حَيْضُهَا وَلَمْ تَدْرِ مَا رَفَعَهُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ) تِسْعَةٌ لِلْحَمْلِ وَشَهْرٌ لِلِاسْتِبْرَاءِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِدَّةِ (وَإِنْ عَلِمَتْ مَا رَفَعَ حَيْضَهَا مِنْ مَرَضٍ أَوْ رَضَاعٍ) أَوْ غَيْرِهِ (فَكَحُرَّةٍ) فَلَا تَزَالُ فِي اسْتِبْرَاءٍ حَتَّى يَعُودَ الْحَيْضُ فَتَسْتَبْرِئَ بِحَيْضَةٍ أَوْ تَصِيرَ آيِسَةً فَتَسْتَبْرِئَ بِشَهْرٍ (وَلَا يَكُونُ الِاسْتِبْرَاءُ إلَّا بَعْدَ مِلْكِ) مُشْتَرٍ (جَمِيعَ الْأَمَةِ، فَلَوْ مَلَكَ بَعْضَهَا، فَاسْتَبْرَأَهَا ثُمَّ مَلَكَ بَاقِيهَا لَمْ يُحْسَبْ) الِاسْتِبْرَاءُ إلَّا مِنْ حِينِ مَلَكَ بَاقِيهَا؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ حُصُولِهَا كُلِّهَا فِي مِلْكِهِ، وَيَحْرُمُ وَطْءٌ زَمَنَ اسْتِبْرَاءٍ كَالْوَطْءِ قَبْلَهُ، وَلَا يَنْقَطِعُ الِاسْتِبْرَاءُ (فَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ اسْتِبْرَاءٍ فَحَمَلَتْ قَبْلَ حَيْضَةٍ اسْتَبْرَأَتْ، بِوَضْعِهِ) أَيْ: الْحَمْلِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أُولَاتِ الْحَمْلِ، (وَ) إنْ حَمَلَتْ (فِيهَا) أَيْ: الْحَيْضَةِ (وَقَدْ مَلَكَهَا حَائِضًا فَكَذَلِكَ) أَيْ: اسْتَبْرَأَتْ بِوَضْعِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ أَحْبَلَهَا فِي حَيْضَةٍ ابْتَدَأَتْهَا عِنْدَهُ) أَيْ: الْمُنْتَقِلِ مِلْكُهَا إلَيْهِ (تَحِلُّ) لَهُ (فِي الْحَالِ) وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ (لِجَعْلِ مَا مَضَى) مِنْ الْحَيْضِ قَبْلَ إحْبَالِهَا (حَيْضَةً) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ أَقَلَّ الْحَيْضِ (وَتُصَدَّقُ) أَمَةٌ (فِي حَيْضٍ إذَا ادَّعَتْهُ) فَيَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بَعْدَ تَطَهُّرِهَا (فَلَوْ أَنْكَرَتْهُ) أَيْ الْحَيْضَ بِأَنْ قَالَتْ لَمْ تَحِضْ لِتَمْنَعَهُ مِنْ وَطْئِهَا؛ لِعَدَمِ الِاسْتِبْرَاءِ (بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ حَيْضُهَا فِيهِ) كَشَهْرٍ مَثَلًا (فَقَالَ أَخْبَرَتْنِي بِهِ) أَيْ: بِأَنَّهَا حَاضَتْ (صُدِّقَ) لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ.
(وَإِنْ ادَّعَتْ) أَمَةٌ (مَوْرُوثَةٌ تَحْرِيمَهَا عَلَى وَارِثٍ بِوَطْءِ مُورِثِهِ) كَأَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ صُدِّقَتْ، وَلَعَلَّهُ مَا لَمْ تَكُنْ مَكَّنَتْهُ قَبْلُ (أَوْ) ادَّعَتْ أَمَةٌ (مُشْتَرَاةٌ أَنْ لَهَا زَوْجًا صُدِّقَتْ) فِيهِ؛ لِأَنَّهُ، لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا) يُقْبَلُ قَوْلُ مُشْتَرَاةٍ أَنَّ لَهَا زَوْجًا (بَعْدَ) أَنْ مَكَّنَتْ سَيِّدَهَا مِنْ وَطْئِهَا؛ إذْ تَمْكِينُهَا السَّيِّدَ قَبْلَ ذَلِكَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مُزَوَّجَةٍ (وَلِمُشْتَرٍ) أَخْبَرَتْهُ بِأَنَّهَا مُزَوَّجَةٌ (الْفَسْخُ) إنْ صَدَّقَهَا؛ لِعَدَمِ سَلَامَةِ الْمَبِيعِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[كِتَابُ الرَّضَاعِ]
ِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا (وَهُوَ) مَصْدَرُ رَضَعَ الثَّدْيَ إذَا مَصَّهُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا.
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْكَسْرُ الْأَفْصَحُ.
وَلَهُ سَبْعُ مَصَادِرَ، قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ فِي شَرْحِهِ: امْرَأَةٌ مُرْضِعٌ إذَا كَانَتْ تُرْضِعُ وَلَدَهَا سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ، وَامْرَأَةٌ مُرْضِعَةٌ إذَا كَانَ ثَدْيُهَا فِي فَمِ وَلَدِهَا.
قَالَ ثَعْلَبٌ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: 2] وَقِيلَ الْمُرْضِعَةُ الْأُمُّ وَالْمُرْضِعُ الَّتِي مَعَهَا صَبِيٌّ تُرْضِعُهُ، وَالْوَلَدُ رَضِيعٌ وَرَاضِعٌ.
(وَشَرْعًا مَصُّ لَبَنٍ) أَيْ: مَصُّ مَنْ لَهُ دُونَ حَوْلَيْنِ لَبَنًا (ثَابَ) أَيْ: اجْتَمَعَ (مِنْ حَمْلٍ مِنْ ثَدْيِ امْرَأَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَصَّ (أَوْ شَرِبَهُ وَنَحْوَهُ) كَأَكْلِهِ بَعْدَ تَجْبِينِهِ وَسَعُوطٍ وَوَجُورٍ وَتَأْتِي، مَفَاهِيمُ ذَلِكَ.
(وَيَحْرُمُ) رَضَاعٌ (كَنَسَبٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23] . وَحَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ " مِنْ النَّسَبِ ": وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ مُحَرَّمٌ فِي الْجُمْلَةِ (فَمَنْ أَرْضَعَتْ) وَلَوْ مُكْرَهَةً عَلَى إرْضَاعِهَا (بِلَبَنِ حَمْلٍ) لَاحِقٌ نَسَبُهُ (بِوَاطِئٍ) بِأَنْ تَكُونَ الْمَوْطُوءَةُ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ أَوْ مَوْطُوءَتَهُ بِشُبْهَةٍ وَالرَّضِيعُ (طِفْلًا) فِي الْحَوْلَيْنِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (صَارَا) أَيْ: الْمُرْضِعَةُ وَالْوَاطِئُ اللَّاحِقُ بِهِ الْحَمْلُ الَّذِي ثَابَ عَنْهُ اللَّبَنُ (فِي تَحْرِيمِ نِكَاحٍ) مُتَعَلِّقٍ بِصَارَا (وَفِي ثُبُوتِ مَحْرَمِيَّةٍ وَإِبَاحَةِ نَظَرٍ وَفِي) إبَاحَةِ (خَلْوَةِ أَبَوَيْهِ) أَيْ: الطِّفْلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ
فَرْعٌ عَلَى التَّحْرِيمِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ.
(وَ) صَارَ (هُوَ) أَيْ: الْمُرْتَضِعُ (وَلَدَهُمَا) فِيمَا ذُكِرَ (وَ) صَارَ (أَوْلَادُهُ) أَيْ: الطِّفْلِ (وَإِنْ سَفَلُوا أَوْلَادَ وَلَدِهِمَا) الَّذِي هُوَ الْمُرْتَضِعُ (وَصَارَ أَوْلَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ: الْمُرْضِعَةِ وَالْوَاطِئِ الْمَذْكُورِ (مِنْ الْآخَرِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ) كَأَنْ تَزَوَّجَتْ الْمُرْتَضِعَةُ بِغَيْرِهِ فَصَارَ لَهَا مِنْهُ أَوْلَادٌ، أَوْ تَزَوَّجَ الْوَاطِئُ بِغَيْرِهَا وَصَارَ لَهُ مِنْهَا أَوْلَادٌ؛ فَالذُّكُورُ مِنْهُمْ يَصِيرُونَ (إخْوَتَهُ وَالْبَنَاتُ أَخَوَاتِهِ، وَيَصِيرُ آبَاؤُهُمَا) أَيْ: الْمُرْضِعَةِ وَالْوَاطِئِ (أَجْدَادَهُ) أَيْ: الطِّفْلِ (وَ) أُمَّهَاتُهُمَا (جَدَّاتِهِ وَ) صَارَ إخْوَتُهُمَا وَ (أَخَوَاتُهُمَا) أَيْ: إخْوَةُ الْمُرْضِعَةِ وَأَخَوَاتُهَا، (وَإِخْوَةُ الْوَاطِئِ وَأَخَوَاتُهُ) أَعْمَامَهُ وَعَمَّاتِهِ وَأَخْوَالَهُ وَخَالَاتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فَرْعُ ثُبُوتِ الْأُمُومَةِ وَالْأُبُوَّةِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ أُبُوَّةُ الْوَاطِئِ لِلطِّفْلِ وَفُرُوعُهَا إذَا كَانَ يَلْحَقُهُ نَسَبُ الْحَمْلِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي ثَابَ لِلْمَرْأَةِ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِ وَمَاءِ الْمَرْأَةِ، فَنَشَرَ التَّحْرِيمَ إلَيْهِمَا وَنَشَرَ الْحُرْمَةَ إلَى الرَّجُلِ وَأَقَارِبِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى لَبَنُ الْفَحْلِ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ لَمَّا سَأَلَتْهُ عَنْ أَفْلَحَ حِينَ قَالَ لَهَا أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّك؟ فَقَالَتْ كَيْفَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَرْضَعَتْك امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي، فَقَالَ صَدَقَ أَفْلَحُ ائْذَنِي لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
(وَلَا تَثْبُتُ بَقِيَّةُ أَحْكَامِ نَسَبٍ مِنْ نَفَقَةٍ وَإِرْثٍ وَعِتْقٍ وَوِلَايَةٍ) إذَا مَلَكَ رَحِمَهُ الْمَحْرَمَ بِالرَّضَاعِ وَوِلَايَةَ النِّكَاحِ وَالْمَالِ، لِأَنَّ النَّسَبَ أَقْوَى مِنْ الرَّضَاعِ فَلَا يُسَاوِيهِ إلَّا فِيمَا وَرَدَ النَّصُّ فِيهِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ، وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَحْرَمِيَّةِ وَالْخَلْوَةِ (وَتَمَلُّكٍ وَعَقْلٍ وَرَدِّ شَهَادَةٍ) لِأَصْلِهِ وَفُرُوعِهِ مِنْ الرَّضَاعِ (وَحُكْمٍ، وَلَا تَنْتَشِرُ حُرْمَةُ) رَضَاعٍ (إلَى مَنْ بِدَرَجَةِ مُرْتَضِعٍ أَوْ فَوْقَهُ مِنْ أَخٍ وَأُخْتٍ) مِنْ نَسَبِ بَيَانٍ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ (وَأَبٍ وَأُمٍّ وَعَمٍّ وَعَمَّةٍ وَخَالٍ وَخَالَةٍ) مِنْ نَسَبِ بَيَانٍ لِمَنْ فَوْقَهُ (فَتَحِلُّ مُرْضِعَةٌ لِأَبِي مُرْتَضِعٍ وَأَخِيهِ مِنْ نَسَبٍ) إجْمَاعًا (وَ) تَحِلُّ (أُمُّهُ) أَيْ: الْمُرْتَضِعِ (وَأُخْتُهُ مِنْ نَسَبٍ لِأَبِيهِ وَأَخِيهِ مِنْ رَضَاعٍ) إجْمَاعًا (كَمَا يَحِلُّ لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ مِنْ نَسَبٍ أُخْتَهُ مِنْ أُمِّهِ) مِنْ نَسَبٍ إجْمَاعًا (وَيَكُونُ) مِنْ زَوْجٍ مِنْ
أَبِيهِ بِأُخْتِهِ مِنْ أُمِّهِ (عَمَّا) لِوَلَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ أَخُو أَبِيهِ وَ (خَالًا) لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخُو أُمِّهِ.
(وَمَنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِ حَمْلٍ مِنْ زِنًى) طِفْلًا (أَوْ) أَرْضَعَتْ بِلَبَنِ حَمْلٍ (نَفْيٍ بِلِعَانٍ طِفْلَةً) فِي الْحَوْلَيْنِ (صَارَتْ بِنْتَهَا) فَقَطْ، فَتَثْبُتُ الْأُمُومَةُ وَفُرُوعُهَا مِنْ الْجُدُودَةِ لَهَا وَالْخُؤُولَةِ دُونَ الْأُبُوَّةِ وَفُرُوعِهَا؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلنَّسَبِ (وَحَرُمَتْ) الطِّفْلَةُ (عَلَى وَاطِئٍ تَحْرِيمَ مُصَاهَرَةٍ) لِأَنَّهَا بِنْتُ مَوْطُوءَتِهِ (وَتَحِلُّ لِابْنِ وَاطِئٍ وَأَبِيهِ) لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهَا (وَلَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ فِي حَقِّ وَاطِئٍ) بِزِنًا أَوْ مُلَاعِنٍ (مِنْ حَيْثُ الْمَحْرَمِيَّةِ) لِحَدِيثِ: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» ، وَلَا نَسَبَ هُنَا.
(وَمَنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِ اثْنَيْنِ وَطِآهَا بِشُبْهَةٍ طِفْلًا، وَثَبَتَتْ أُبُوَّتُهُمَا) أَيْ: الْوَاطِئَيْنِ (أَوْ) ثَبَتَتْ (أُبُوَّةُ أَحَدِهِمَا لِمَوْلُودٍ) بِأَنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ (فَالْمُرْتَضَعُ ابْنُهُمَا) إنْ ثَبَتَتْ أُبُوَّتُهُمَا (أَوْ ابْنُ أَحَدِهِمَا) إنْ ثَبَتَتْ أُبُوَّتُهُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّضِيعِ تَابِعٌ لِحُكْمِ الْمَوْلُودِ (وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ) أُبُوَّتُهُمَا وَلَا أُبُوَّةُ أَحَدِهِمَا لِمَوْلُودٍ (بِأَنْ مَاتَ مَوْلُودٌ قَبْلَ إلْحَاقٍ) بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا (أَوْ فُقِدَتْ قَافَةٌ أَوْ نَفَتْهُ) الْقَافَةُ (عَنْهَا) أَيْ: الْوَاطِئَيْنِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْقَافَةِ فِي النَّفْيِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَفْيًا عَنْ الْفِرَاشِ كُلِّهِ (أَوْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ) عَلَى الْقَافَةِ (ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ) مِنْ جِهَةِ الْمُرْتَضِعِ (فِي حَقِّهِمَا) أَيْ: الْوَاطِئَيْنِ (فَلَا تَحِلُّ لَهُمَا) أَيْ: الْوَاطِئَيْنِ (أُنْثَى اُرْتُضِعَتْ) تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ، وَلَا تَحِلُّ لِأَوْلَادِهِمَا وَآبَائِهِمَا وَتَحْرُمُ أَوْلَادُهُمَا عَلَى الْوَاطِئَيْنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا ابْنَةُ مَوْطُوءَتِهِمَا، فَهِيَ رَبِيبَةٌ لَهُمَا، وَالرَّبِيبَةُ مِنْ الرَّضَاعِ كَالنَّسَبِ.
(وَإِنْ ثَابَ لَبَنٌ لِمَنْ) أَيْ: امْرَأَةٍ (لَمْ تَحْمِلْ) قَبْلُ إنْ ثَابَ لَبَنُهَا (وَلَوْ حَمَلَ مِثْلُهَا، لَمْ يَنْشُرْ الْحُرْمَةَ) نَصًّا فِي لَبَنِ الْبِكْرِ؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ لِتَغْذِيَةِ الْأَطْفَالِ (كَلَبَنِ رَجُلٍ وَكَذَا لَبَنُ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَلَبَنُ بَهِيمَةٍ) فَلَا يَنْشُرُ الْمَحْرَمِيَّةَ
بِلَا نِزَاعٍ فِي لَبَنِ الْبَهِيمَةِ، فَلَوْ ارْتَضَعَ طِفْلٌ وَطِفْلَةٌ عَلَى نَحْوِ شَاةٍ لَمْ يَصِيرَا أَخَوَيْنِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْأُخُوَّةِ فَرْعٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأُمُومَةِ، وَلَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الْأُمُومَةِ بِهَذَا الرَّضَاعِ؛ فَالْأُخُوَّةُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ لِغِذَاءِ الْمَوْلُودِ الْآدَمِيِّ؛ أَشْبَهَ الْفِطَامَ.
(وَمَنْ تَزَوَّجَ) امْرَأَةً ذَاتَ لَبَنٍ (أَوْ اشْتَرَى أَمَةً ذَاتَ لَبَنٍ مِنْ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ قَبْلَهُ) فَوَطِئَهَا (فَزَادَ) لَبَنُهَا (بِوَطْئِهِ، أَوْ حَمَلَتْ مِنْهُ وَلَمْ يَزِدْ) لَبَنُهَا أَوْ زَادَ لَبَنُهَا قَبْلَ (أَوَانِهِ فَ) اللَّبَنُ (لِلْأَوَّلِ) لِاسْتِمْرَارِهِ عَلَى حَالِهِ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ مَا يَنْقُلُهُ عَنْهُ كَصَاحِبِ الْيَدِ.
(وَ) إنْ زَادَ لَبَنُهَا (فِي أَوَانِهِ) بَعْدَ حَمْلِهَا مِنْ الثَّانِي فَلَهُمَا؛ لِأَنَّ زِيَادَتَهُ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَمْلِ ظَاهِرُهَا أَنَّهَا مِنْ الثَّانِي، وَبَقَاءُ الْأَوَّلِ يَقْتَضِي كَوْنَ أَصْلِهِ مِنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِمَا (وَلَوْ انْقَطَعَ ثُمَّ ثَابَ) قَبْلَ الْوَضْعِ فَلَهُمَا، لِأَنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّلِ، فَعَوْدُهُ قَبْلَ الْوَضْعِ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ اللَّبَنَ الَّذِي انْقَطَعَ، لَكِنْ ثَابَ لِلْحَمْلِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِمَا (أَوْ وَلَدَتْ) مِنْ الثَّانِي (فَلَمْ يَزِدْ) لَبَنُهَا (وَلَمْ يَنْقُصْ فَ) اللَّبَنُ (لَهُمَا) لِأَنَّ اسْتِمْرَارَهُ عَلَى حَالِهِ أَوْجَبَ بَقَاءَهُ عَلَى كَوْنِهِ لِلْأَوَّلِ وَحَاجَةُ الْوَلَدِ الثَّانِي إلَيْهِ أَوْجَبَتْ اشْتِرَاكَهُمَا فِيهِ (فَيَصِيرُ ابْنُ مُرْتَضِعَةٍ ابْنًا لَهُمَا) لِأَنَّ اللَّبَنَ لَهُمَا (وَإِنْ زَادَ) لَبَنُهَا (بَعْدَ وَضْعٍ فَ) هُوَ (لِلثَّانِي وَحْدَهُ) لِدَلَالَةِ زِيَادَتِهِ إذَنْ عَلَى أَنَّهُ لِحَاجَةِ الْمَوْلُودِ، فَامْتَنَعَتْ الشَّرِكَةُ فِيهِ.
[فَصْلٌ شُرُوط الْحُرْمَةِ بِالرَّضَاعِ]
فَصْلٌ (وَلِلْحُرْمَةِ) بِالرَّضَاعِ (شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْتَضِعَ) الطِّفْلُ (فِي الْعَامَيْنِ، فَلَوْ ارْتَضَعَ بَعْدَهُمَا بِلَحْظَةٍ لَمْ تَثْبُتْ) الْحُرْمَةُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233] فَجُعِلَ تَمَامُ الرَّضَاعَةِ حَوْلَيْنِ، فَيَدُلُّ
عَلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلرَّضَاعَةِ بَعْدَهُمَا.
وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّهُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اُنْظُرْنَ إخْوَانَكُنَّ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُحَرَّرِ " يَعْنِي فِي حَالِ الْحَاجَةِ إلَى الْغِذَاءِ أَوْ اللَّبَنِ.
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: «لَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) مَرْجُوحٍ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الِارْتِضَاعُ بَعْدَ الْعَامَيْنِ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (وَ) إنْ كَانَ ثُبُوتُهُ (مَعَ شَكٍّ) هَلْ وَقَعَ فِيهِمَا أَوْ بَعْدَهُمَا (فَالْأَصْلُ) فِي الرَّضِيعِ (الصِّغَرُ) وَإِنَّ الرَّضَاعَ وَقَعَ فِيهِمَا؛ فَوَجَبَ التَّحْرِيمُ بَعْدَهُمَا عَمَلًا بِالْأَصْلِ، لَكِنْ قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " آخِرَ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَابِ: وَإِنْ شَكَّتْ الْمُرْضِعَةُ فِي الرَّضَاعِ أَوْ كَمَا لَهُ فِي الْحَوْلَيْنِ وَلَا بَيِّنَةَ فَلَا تَحْرِيمَ، الشَّرْطُ (الثَّانِي أَنْ يَرْتَضِعَ) الطِّفْلُ (خَمْسَ رَضَعَاتٍ) فَأَكْثَرَ؛ لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَنُسِخَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ؛ وَصَارَ إلَى خَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ سَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ أَرْضِعِي سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، فَيَحْرُمُ بِلَبَنِهَا.
وَالْآيَةُ فَسَّرَتْهَا السُّنَّةُ وَبَيَّنَتْ الرَّضَاعَةَ الْمُحَرَّمَةَ، وَصَرِيحُ مَا رَوَيْنَاهُ يَخُصُّ مَفْهُومَ مَا رَوَاهُ وَهُوَ: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» فَيَجْمَعُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ بِحَمْلِهَا عَلَى الصَّرِيحِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ.
(وَمَتَى امْتَصَّ) طِفْلٌ ثَدْيًا (ثُمَّ قَطَعَهُ) أَيْ: الْمَصَّ (وَلَوْ) كَانَ قَطْعُهُ لَهُ (قَهْرًا أَوْ) كَانَ قَطْعُهُ لَهُ (لِتَنَفُّسٍ، أَوْ) كَانَ قَطْعُهُ لَهُ (لِمَلِّهِ) عَنْ الْمَصِّ (أَوْ) كَانَ قَطْعُهُ لَهُ (لِانْتِقَالٍ) مِنْ ثَدْيٍ (إلَى ثَدْيٍ آخَرَ أَوْ) مِنْ مُرْضِعَةٍ إلَى (مُرْضِعَةٍ أُخْرَى فَ) ذَلِكَ (رَضْعَةٌ) تُحْسَبُ مِنْ الْخَمْسِ، لِأَنَّهَا مَرَّةٌ مِنْ الرَّضَاعِ (ثُمَّ إنْ أَعَادَهُ) الطِّفْلُ (وَلَوْ قَرِيبًا) بِأَنْ قَرَّبَ الزَّمَنَ بَيْنَ الْمَصَّةِ الْأُولَى وَالْعَوْدِ (فَ) هُمَا رَضْعَتَانِ (ثِنْتَانِ) لِأَنَّ الْمَصَّةَ الْأُولَى زَالَ حُكْمُهَا بِتَرْكِ الِارْتِضَاعِ، فَإِنْ عَادَ فَامْتُصَّ فَهِيَ غَيْرُ الْأُولَى.
(وَسَعُوطٌ فِي أَنْفٍ وَوَجُورٌ فِي فَمٍ كَالرَّضَاعِ) فِي تَحْرِيمٍ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا رَضَاعَ إلَّا مَا نَشَرَ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِوُصُولِ اللَّبَنِ بِذَلِكَ إلَى جَوْفِهِ كَوُصُولِهِ بِالِارْتِضَاعِ وَحُصُولِ إنْبَاتِ اللَّحْمِ وَانْتِشَارِ الْعَظْمِ بِهِ كَمَا يَحْصُلُ بِالرَّضَاعِ، وَالْأَنْفُ سَبِيلٌ لِفِطْرِ الصَّائِمِ فَكَانَ سَبِيلًا لِلتَّحْرِيمِ كَالرَّضَاعِ بِالْفَمِ.
تَنْبِيهٌ: وَالْمُحَرِّمُ مِنْ السَّعُوطِ وَالْوَجُورِ وَنَحْوِهِ خَمْسٌ، لِأَنَّهُ فَرْعٌ عَنْ الرَّضَاعِ فَيَأْخُذُ حُكْمَهُ؛ فَإِنْ ارْتَضَعَ دُونَهَا وَكَمُلَتْ بِسَعُوطٍ أَوْ وَجُورٍ، أَوْ أَسَعْطَ وَأَوْجَرَ وَكَمُلَ الْخَمْسُ بِرَضَاعٍ، ثَبَتَ التَّحْرِيمُ، لِوُجُودِ الْخَمْسِ، وَلَوْ حُلِبَ فِي إنَاءٍ لَبَنٌ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ دَفَعَاتٍ ثُمَّ سُقِيَ الطِّفْلُ فِي خَمْسِ أَوْقَاتٍ فَهِيَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ؛ اعْتِبَارًا بِشُرْبِ الطِّفْلِ لَهُ، وَإِنْ حُلِبَ فِي إنَاءٍ خَمْسُ حَلَبَاتٍ فِي خَمْسِ أَوْقَاتٍ؛ ثُمَّ سُقِيَ الطِّفْلُ دَفْعَةً وَاحِدَةً كَانَ رَضْعَةً وَاحِدَةً اعْتِبَارًا بِشُرْبِهِ لَهُ.
(وَيَحْرُمُ مَا جَبُنَ) مِنْ لَبَنِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ أُطْعِمَ الطِّفْلُ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ إلَى الْحَلْقِ يَحْصُلُ بِهِ نَبَاتُ اللَّحْمِ وَانْتِشَارُ الْعَظْمِ؛ فَحَصَلَ بِهِ التَّحْرِيمُ كَمَا لَوْ شَرِبَهُ (أَوْ شِيبَ) أَيْ: خُلِطَ بِغَيْرِهِ (صِفَاتُهُ) أَيْ: لَوْنُهُ وَطَعْمُهُ وَرِيحُهُ (بَاقِيَةٌ) حَرُمَ كَمَا يَحْرُمُ غَيْرُ الْمَشُوبِ (وَيَتَّجِهُ أَوْ طُبِخَ) لَبَنُ الْمَرْأَةِ مَعَ بَقَاءِ صِفَاتِهِ؛ فَيَحْرُمُ كَاَلَّذِي لَمْ يُطْبَخْ، لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيمَا شِيبَ بِغَيْرِهِ لِلْأَغْلَبِ، وَمَا طُبِخَ مَعَ بَقَاءِ صِفَاتِهِ لَا يَزُولُ بِهِ اسْمُهُ وَلَا الْمَعْنَى
الْمُرَادُ مِنْهُ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى الْمَشُوبِ أَوْ الْمَطْبُوخِ مَعَ غَيْرِهِ مَا خَالَطَهُ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ تَحْرِيمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَلَا يَنْشُرُ الْعَظْمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (أَوْ حُلِبَ مِنْ مَيْتَةٍ) فَيَحْرُمُ كَلَبَنِ الْحَيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لَهُ فِي إنْبَاتِ اللَّحْمِ وَانْتِشَارِ الْعَظْمِ.
(وَيَحْنَثُ بِهِ) أَيْ: شُرْبِ لَبَنٍ مَشُوبٍ مَعَ بَقَاءِ صِفَاتِهِ وَشُرْبِ لَبَنِ مَيِّتَةٍ (مَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَبَنًا) لِإِطْلَاقِ اسْمِ اللَّبَنِ عَلَيْهِ.
وَ (لَا) تَحْرُمُ (حُقْنَةُ) طِفْلٍ بِلَبَنِ امْرَأَةٍ وَلَوْ خَمْسَ مَرَّاتٍ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِرَضَاعٍ وَلَا يَحْصُلُ بِهَا تَغَذٍّ (وَلَا أَثَرَ لِ) لَبَنٍ (وَاصِلِ جَوْفٍ لَا يُغَذِّي) بِوُصُولِهِ فِيهِ (كَمَثَانَةٍ وَذَكَرٍ) وَجَائِفَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَنْشُرُ الْعَظْمَ وَلَا يُنْبِتُ.
(وَمَنْ أَرْضَعَ خَمْسَ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ) أَوْ أَرْبَعَ زَوْجَاتِهِ وَأُمَّ وَلَدِهِ، أَوْ ثَلَاثَ زَوْجَاتِهِ وَأُمَّا وَلَدِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ (بِلَبَنِهِ زَوْجَةً لَهُ) أَيْ: صَاحِبِ اللَّبَنِ (صُغْرَى) لَمْ يَتِمَّ لَهُمَا عَامَانِ، أَرْضَعَتْهَا كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَوْ مِنْهُنَّ مِنْ زَوْجَاتِهِ (دُونَ خَمْسِ) رَضَعَاتٍ (حَرُمَتْ) عَلَى زَوْجِهَا أَبَدًا (لِثُبُوتِ الْأُبُوَّةِ) لِأَنَّ الْخَمْسَ رَضَعَاتٍ مِنْ لَبَنِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَرْضَعَتْهَا وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ الْخَمْسَ، وَ (لَا) تَحْرُمُ عَلَيْهِ (أُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ؛ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْأُمُومَةِ) إذَا لَمْ تُرْضِعْهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، فَلَمْ تَكُنْ أُمًّا لِزَوْجَتِهِ (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ) أَيْ: أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ نِكَاحُهُ أَيْ الطِّفْلِ الَّذِي أَرْضَعْنَهُ (لَوْ كَانَ ذَكَرًا) لِأَنَّهُ رَبِيبُهُنَّ، وَهُنَّ مَوْطُوآتُ أَبِيهِ فَتَنَاوَلَهُنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] . (وَكَانَتْ الْمُرْضِعَاتُ بَنَاتِهِ) أَيْ: رَجُلٍ وَاحِدٍ (أَوْ بَنَاتِ زَوْجَتِهِ) أَوْ أَرْضَعَتْ طِفْلًا أَوْ طِفْلَةَ زَوْجَةٍ لِأَبِيهِنَّ، (أَوْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَتَهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَةً فَلَا أُمُومَةَ) لِوَاحِدَةٍ مِنْ الْمُرْضِعَاتِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُرْضِعْ خَمْسًا (وَلَا يَصِيرُ) أَبُو الْمُرْضِعَاتِ (جَدًّا) لِلطِّفْلِ أَوْ الطِّفْلَةِ، لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْأُمُومَةِ (وَلَا) تَصِيرُ (زَوْجَتُهُ) أُمَّ الْمُرْضِعَاتِ (جَدَّةً) لِلطِّفْلِ أَوْ الطِّفْلَةِ (وَلَا) تَصِيرُ (إخْوَةُ الْمُرْضِعَاتِ أَخْوَالًا) لِلطِّفْلِ أَوْ الطِّفْلَةِ (وَلَا) تَصِيرُ (أَخَوَاتُهُنَّ) أَيْ الْمُرْضِعَاتِ (خَالَاتٍ) لِلطِّفْلِ أَوْ الطِّفْلَةِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ فُرُوعُ الْأُمُومَةِ، وَلَمْ تَثْبُتْ.
(وَمَنْ) أَيْ: رَجُلٌ (أَرْضَعَتْ أُمُّهُ وَبِنْتُهُ وَأُخْتُهُ وَزَوْجَةُ ابْنِهِ طِفْلَةً) أَرْضَعَتْهَا كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ (رَضْعَةً رَضْعَةً؛ لَمْ تَحْرُمْ الطِّفْلَةُ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ ثُبُوتِ أُمُومَةِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.
. (وَمَنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِهَا مِنْ زَوْجٍ طِفْلًا ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ انْقَطَعَ لَبَنُهَا ثُمَّ أَرْضَعَتْهُ) أَيْ: الطِّفْلَ الَّذِي أَرْضَعَتْهُ أَوَّلًا (بِلَبَنِ زَوْجٍ آخَرَ) غَيْرِ الْأَوَّلِ (رَضْعَتَيْنِ) فِي الْعَامَيْنِ (ثَبَتَتْ الْأُمُومَةُ) لِإِرْضَاعِهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ (لَا الْأُبُوَّةُ) فِي حَقِّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ عَدَدَ الرَّضَعَاتِ مِنْ لَبَنِهِ (وَلَا يَحِلُّ مُرْتَضِعٌ لَوْ كَانَ أُنْثَى لِوَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ) لِكَوْنِ الْمُرْتَضِعَةِ رَبِيبَتَهُمَا لَا لِكَوْنِهَا بِنْتَهمَا.
(وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ بِرَضِيعٍ حُرٍّ مُوسِرٍ، لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ نِكَاحِ الْحُرِّ لِلْأَمَةِ خَوْفَ الْعَنَتِ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الطِّفْلِ (فَلَوْ أَرْضَعَتْهُ) أَيْ الْحُرَّ الصَّغِيرَ (بِلَبَنِهِ) أَيْ السَّيِّدِ (لَمْ تَحْرُمْ عَلَى السَّيِّدِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ حَقِيقَةً، (وَ) إنْ زَوَّجَهَا بِرَقِيقٍ رَضِيعٍ أَوْ حُرٍّ رَضِيعٍ (مَعَ إعْسَارِهِ) أَيْ: الْحُرِّ (لِحَاجَةِ خِدْمَةٍ) فَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ سَيِّدِهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الرَّضِيعِ وَ (تَحْرُمُ) عَلَيْهِ وَعَلَى السَّيِّدِ أَبَدًا، أَمَّا الزَّوْجُ فَلِأَنَّهَا أَمَةٌ، وَأَمَّا السَّيِّدُ فَلِأَنَّهَا حَلِيلَةُ ابْنِهِ.
[فَصْلٌ تَزَوَّجَ ذَاتَ لَبَنٍ مِنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَتَزَوَّجَ صَغِيرَة فَأَرْضَعَتْهَا]
فَصْلٌ: (وَمَنْ تَزَوَّجَ ذَاتَ لَبَنٍ) مِنْ غَيْرِهِ (وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا) ، وَ (تَزَوَّجَ صَغِيرَةً فَأَكْثَرَ، فَأَرْضَعَتْ) ذَاتَ اللَّبَنِ (وَهِيَ زَوْجَةٌ أَوْ بَعْدَ إبَانَتِهِ) أَيْ: زَوْجِهَا لَهَا (صَغِيرَةً)
مِمَّنْ تَزَوَّجَهُنَّ فِي الْعَامَيْنِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ (حَرُمَتْ) عَلَيْهِ الْكَبِيرَةُ الْمُرْضِعَةُ (أَبَدًا) لِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ؛ فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] (وَبَقِيَ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ) لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ لَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهَا، وَقَدْ انْفَسَخَ نِكَاحُ الْكَبِيرَةِ عِنْدَ تَمَامِ الرَّضَاعِ؛ فَلَمْ يَجْتَمِعَا كَابْتِدَاءِ الْعَقْدِ عَلَى أُخْتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ، وَأَيْضًا الْجَمْعُ طَرَأَ عَلَى نِكَاحِ الْأُمِّ فَاخْتَصَّ الْفَسْخُ بِنِكَاحِ الْأُمِّ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُمٌّ وَبِنْتُهَا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِالْأُمِّ (حَتَّى تَرْضَعَ) الْكَبِيرَةُ (ثَانِيَةً) مِنْ الزَّوْجَاتِ الْأَصَاغِرِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ (فَيَنْفَسِخَ نِكَاحُهُمَا) أَيْ: الصَّغِيرَتَيْنِ، لِاجْتِمَاعِ أُخْتَيْنِ فِي نِكَاحِهِ، وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ مِنْ الْأُخْرَى؛ فَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا (كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْهُمَا مَعًا) أَيْ: فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ بِأَنْ أَرْضَعَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ ثَدْيٍ، أَوْ حُلِبَ بِإِنَاءَيْنِ، وَسُقِيَ لَهُمَا مَعًا.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ) الْكَبِيرَةُ (ثَلَاثًا) مِنْ زَوْجَاتِهِ الْأَصَاغِرِ (مُنْفَرِدَاتٍ أَوْ ثِنْتَيْنِ مَعًا وَالثَّالِثَةُ مُنْفَرِدَةٌ، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْأُولَيَيْنِ) لِأَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ فِي عِصْمَتِهِ أُخْتَانِ (وَبَقِيَ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ) لِانْفِسَاخِ نِكَاحِ الْأُولَيَيْنِ قَبْلَ إرْضَاعِهَا؛ فَلَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهَا حِينَ إرْضَاعِهَا أَحَدٌ.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ) الْكُبْرَى زَوْجَاتِهِ الْأَصَاغِرَ (الثَّلَاثَ بِأَنْ شَرِبْنَهُ مَحْلُوبًا مَعًا مِنْ أَوْعِيَةٍ أَوْ) أَرْضَعَتْ إحْدَاهُنَّ (مُنْفَرِدَةً، ثُمَّ) أَرْضَعَتْ (ثِنْتَيْنِ مَعًا، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ) رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُنَّ جَمِيعُهُنَّ صِرْنَ أَخَوَاتٍ فِي نِكَاحِهِ (ثُمَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ) وَاحِدَةً (مِنْ الْأَصَاغِرِ) لِأَنَّ تَحْرِيمَهُنَّ تَحْرِيمُ جَمْعٍ لَا تَأْبِيدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهِنَّ (وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكُبْرَى حَرُمَ الْكُلُّ) عَلَيْهِ (عَلَى الْأَبَدِ) أَمَّا الْكَبِيرَةُ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ، وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلِأَنَّهُنَّ رَبَائِبُ دَخَلَ بِأُمِّهِنَّ، وَلَا تَحْرُمُ الْأَصَاغِرُ عَلَى الْأَبَدِ إنْ ارْتَضَعْنَ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ بِرَبَائِبَ، لَكِنْ مَتَى اجْتَمَعَ فِي نِكَاحِهِ أُخْتَانِ فَأَكْثَرُ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ.
(وَمَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ بِنْتُ امْرَأَةٍ) مِنْ نَسَبٍ وَمِثْلِهَا مِنْ رَضَاعٍ (كَأُمِّهِ وَجَدَّتِهِ وَأُخْتِهِ وَ) بِنْتِ أُخْتِهِ وَبِنْتِ أَخِيهِ أَوْ بِمُصَاهَرَةٍ (كَرَبِيبَتِهِ) الَّتِي دَخَلَ بِأُمِّهَا (إذَا أَرْضَعَتْ طِفْلَةً) رَضَاعًا مُحَرَّمًا (حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ) أَبَدًا كَبِنْتِهَا مِنْ نَسَبٍ.
(وَمَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ بِنْتُ رَجُلٍ كَأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَأَخِيهِ وَابْنِهِ إذَا أَرْضَعَتْ زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ أَوْ مَوْطُوءَتُهُ بِشُبْهَةٍ بِلَبَنِهِ طِفْلَةً) رَضَاعًا مُحَرَّمًا (حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ) لِأَنَّهَا صَارَتْ ابْنَةَ مَنْ تَحْرُمُ ابْنَتُهُ عَلَيْهِ (وَيَنْفَسِخُ فِيهَا) أَيْ: فِي الصُّورَتَيْنِ (النِّكَاحُ إنْ كَانَتْ) الطِّفْلَةُ (زَوْجَةً) فَإِنْ أَرْضَعَتْهَا بِلَبَنِ غَيْرِهِ؛ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا رَبِيبَتُهُ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا مَنْ لَا تَحْرُمُ بِنْتُهَا عَلَيْهِ كَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ، لَمْ تُحَرِّمْهَا عَلَيْهِ.
(فَمَنْ تَزَوَّجَ بِنْتَ عَمِّهِ فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهَا الزَّوْجَ) فِي صِغَرِهِ (صَارَ عَمَّ زَوْجَتِهِ) لِأَنَّهُ أَخُو أَبِيهَا مِنْ الرَّضَاعِ (أَوْ) أَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا (الزَّوْجَةَ) فِي الْحَوْلَيْنِ (صَارَتْ عَمَّتَهُ) أَيْ: عَمَّةَ زَوْجِهَا (أَوْ أَرْضَعَتْهُمَا) مَعًا (صَارَ) الزَّوْجُ (عَمَّهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (وَ) صَارَتْ (هِيَ) أَيْ: الزَّوْجَةُ (عَمَّتَهُ) أَيْ: عَمَّةَ الزَّوْجِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ بِنْتَ عَمَّتِهِ فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا) الزَّوْجَ (صَارَ الزَّوْجُ خَالَهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (أَوْ) أَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا (الزَّوْجَةَ) رَضَاعًا مُحَرِّمًا (صَارَتْ) الزَّوْجَةُ (عَمَّتَهُ) أَيْ الزَّوْجِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ بِنْتَ خَالِهِ فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا) الزَّوْجَ (صَارَ الزَّوْجُ عَمَّ زَوْجَتِهِ) لِأَنَّهُ أَخُو أَبِيهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ (وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا صَارَتْ خَالَتَهُ) لِكَوْنِهَا أُخْتَ أُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ بِنْتَ خَالَتِهِ فَأَرْضَعَتْ الزَّوْجَ صَارَ خَالَ زَوْجَتِهِ) لِأَنَّهَا أُخْتُ أُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعِ (أَوْ أَرْضَعَتْ الزَّوْجَةَ صَارَتْ خَالَةَ زَوْجِهَا) .
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ أُمَّ وَلَدِهِ امْرَأَةَ ابْنِهِ بِلَبَنِهِ) رَضَاعًا مُحَرِّمًا؛ فَسَخَتْ نِكَاحَهَا (وَحَرَّمَتْهَا) عَلَيْهِ أَبَدًا (لِأَنَّهَا صَارَتْ أُخْتَهُ) مِنْ الرَّضَاعَةِ.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ أُمُّ وَلَدِهِ زَوْجَةَ أَبِيهِ بِلَبَنِهِ حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا) لِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَ ابْنِهِ (وَيَرْجِعُ الْأَبُ عَلَى ابْنِهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا غَرِمَهُ لِزَوْجَتِهِ)