بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا؛ اُنْتُظِرَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، وَإِنْ قَتَلَهُمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً وَتَشَاحُّوا؛ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، فَيُقْتَلُ بِمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَةُ، وَإِنْ بَادَرَ غَيْرُ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَقَتَلَهُ، فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَسَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ إلَى الدِّيَةِ؛ لِفَوَاتِ الْقَتْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وَإِنْ قَتَلَهُمْ مُتَفَرِّقًا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَأُشْكِلَ الْأَوَّلُ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الْأَوَّلِيَّةَ - وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُ - فَأَقَرَّ الْقَاتِلُ لِأَحَدِهِمْ؛ قُدِّمَ الْمُقَرُّ لَهُ بِالْأَوَّلِيَّةِ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِلَّا أَقْرَعَ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُمْ مَعًا (وَإِنْ رَضِيَ وَلِيُّ الْأَوَّلِ بِالدِّيَةِ أُعْطِيهَا) ؛ لِأَنَّ الْخِيَرَةَ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ إلَيْهِ (وَقَتْلُ) الْجَانِي أَوْ قَطْعٌ (لِثَانٍ، وَهَلُمَّ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ (جَرَّا) بِالْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، فَإِنْ رَضِيَ مَنْ جُنِيَ عَلَيْهِ ثَانِيًا بِالدِّيَةِ أُعْطِيهَا، وَقُتِلَ أَوْ قُطِعَ لِثَالِثٍ، وَهَكَذَا إنْ زَادَ عَلَى ثَالِثٍ فَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا مُسْتَقِلًّا، فَإِذَا أَخَذَ الدِّيَةَ مَنْ كَانَ أَحَقَّ مِنْهُ بِالْقِصَاصِ، صَارَ الْقِصَاصُ لَهُ، وَإِنْ عَفَا أَوْلِيَاءُ الْجَمِيعِ إلَى الدِّيَاتِ، فَلَهُمْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِبَعْضِ حَقِّهِمْ، وَلَا تَتَدَاخَلُ حُقُوقُهُمْ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ مَقْصُودَةٌ لِآدَمِيِّينَ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ، كَالدُّيُونِ، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ الْقَوَدَ، وَأَرَادَ آخَرُونَ الدِّيَةَ، قُتِلَ لِمَنْ اخْتَارَ الْقَوَدَ، وَأُعْطِيَ الْبَاقُونَ دِيَةَ قَتْلَاهُمْ مِنْ مَالِ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ مَحْضٌ؛ فَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، (وَإِنْ) كَانَ الْجَانِي (قَتَلَ) إنْسَانًا (وَقَطَعَ طَرَفَ آخَرَ) كَيَدِهِ (قُطِعَ) لِقَطْعِ الطَّرَفِ (ثُمَّ قُتِلَ) بِمَنْ قَتَلَهُ (بَعْدَ الِانْدِمَالِ) سَوَاءً تَقَدَّمَ الْقَتْلُ أَوْ تَأَخَّرَ؛ لِأَنَّهُمَا جِنَايَتَانِ عَلَى شَخْصَيْنِ فَلَمْ يَتَدَاخَلَا كَقَطْعِ يَدَيْ رَجُلَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ؛ فَلَمْ يَجُزْ إسْقَاطُهُ، فَأَمَّا إنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ، ثُمَّ قَتَلَ آخَرَ ثُمَّ سَرَى الْقَطْعُ إلَى نَفْسِ الْمَقْطُوعِ فَمَاتَ، فَهُوَ قَاتِلٌ لَهُمَا، فَإِذَا تَشَاحَّا فِي الْمُسْتَوْفِي لِلْقَتْلِ؛ قُتِلَ بِاَلَّذِي قَتَلَهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَتْلِ عَلَيْهِ بِهِ أَسْبِقُ، فَإِنَّ الْقَتْلَ بِاَلَّذِي قَطَعَهُ إنَّمَا وَجَبَ عَنْهُ السِّرَايَةُ وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ قَتْلِ الْآخَرِ.
(وَلَوْ قَطَعَ يَدَ زَيْدٍ وَ) قَطَعَ (أُصْبُعَ عَمْرٍو مِنْ يَدِ نَظِيرَتِهَا) ؛ أَيْ: نَظِيرَةِ يَدِ زَيْدٍ الَّتِي قَطَعَهَا (وَزَيْدٌ) قَطْعُ يَدِهِ (أَسْبِقُ) مِنْ قَطْعِ أُصْبُعِ عَمْرٍو (قُدِّمَ) قَطْعُ يَدِ الْجَانِي لِزَيْدٍ (وَلِعَمْرٍو دِيَةُ أُصْبُعِهِ) ؛ لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ (وَمَعَ سَبْقِ) قَطْعِ
أُصْبُعِ (عَمْرٍو يُقَادُ لِأُصْبُعِهِ) ؛ أَيْ: لِأُصْبُعِ عَمْرٍو لِسَبْقِهِ (ثُمَّ) يُقَادُ (لِيَدِ زَيْدٍ بِلَا أَرْشٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْمَعُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ بَيْنَ قِصَاصٍ وَدِيَةٍ كَالنَّفْسِ، وَهَذَا بِخِلَافِ النَّفْسِ؛ فَإِنَّهَا لَا تَنْقُصُ بِقَطْعِ الطَّرَفِ، فَقَطْعُهُ لَا يَمْنَعُ التَّكَافُؤَ بِدَلِيلِ أَخْذِ صَحِيحِ الْأَطْرَافِ بِمَقْطُوعِهَا، وَقَطْعُ الْأُصْبُعِ مِنْ الْيَدِ يَمْنَعُ التَّكَافُؤَ فِي الْيَدِ بِدَلِيلِ أَنَّا لَا نَأْخُذُ الْكَامِلَةَ بِالنَّاقِصَةِ، وَاخْتِلَافِ دِيَتِهِمَا.
[بَابُ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ]
(الْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ) أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ وَأَنَّهُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 178] وَالْقِصَاصُ كَانَ حَتْمًا عَلَى الْيَهُودِ، وَحَرُمَ عَلَيْهِمْ الْعَفْوُ وَالدِّيَةُ، وَكَانَتْ الدِّيَةُ حَتْمًا عَلَى النَّصَارَى وَحَرُمَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ، فَخُيِّرَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ وَالْعَفْوِ تَخْفِيفًا وَرَحْمَةً.
وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُرْفَعُ إلَيْهِ أَمْرٌ فِي الْقِصَاصِ إلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ، فَجَازَ تَرْكُهُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
وَالْعَفْوُ: الْمَحْوُ وَالتَّجَاوُزُ.
وَكَوْنُهُ (مَجَّانًا أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: 45] قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40] .
وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَا عَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلِمَةٍ إلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ مَدِينًا جُنِيَ عَلَيْهِ خَطَأً فَالْأَفْضَلُ عَدَمُ الْعَفْوِ؛ لِأَجْلِ وَفَاءِ دَيْنِهِ.
وَيَصِحُّ عَفْوُهُ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ وَكُلُّ مَا أَدَّى مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ.
(ثُمَّ لَا تَعْزِيرَ عَلَى جَانٍ) بَعْدَ عَفْوٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَلَيْهِ حَقٌّ وَاحِدٌ، وَقَدْ سَقَطَ كَعَفْوٍ عَنْ دِيَةِ قَاتِلِ خَطَأٍ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْعَدْلُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ الْغَايَةُ وَهُوَ الْعَدْلُ بَيْنَ النَّاسِ.
وَالثَّانِي: مَا يَكُونُ الْإِحْسَانُ أَفْضَلَ مِنْهُ وَهُوَ عَدْلُ الْإِنْسَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ مِنْ الدَّمِ وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ؛ فَإِنَّ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ عَدْلٌ وَالْعَفْوَ إحْسَانٌ، وَالْإِحْسَانُ هُنَا أَفْضَلُ، لَكِنَّ هَذَا الْإِحْسَانَ لَا يَكُونُ إحْسَانًا إلَّا بَعْدَ الْعَدْلِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَحْصُلَ بِالْعَفْوِ ضَرَرٌ، فَإِذَا حَصَلَ مِنْهُ ضَرَرٌ؛ كَانَ ظُلْمًا مِنْ الْعَافِي لِنَفْسِهِ، وَإِمَّا لِغَيْرِهِ فَلَا يُشْرَعُ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ لِمَجْنُونٍ أَوْ صَغِيرٍ فَلَا يَصِحُّ الْعَفْوُ إلَى غَيْرِ مَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إسْقَاطَ حَقِّهِ.
(وَإِلَّا) يَعْفُو الْوَلِيُّ (وَجَبَ) بِقَتْلِ (الْعَمْدِ) أَحَدُ شَيْئَيْنِ (الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] أَوْجَبَ الِاتِّبَاعَ بِمُجَرَّدِ الْعَفْوِ، وَلَوْ وَجَبَ بِالْعَمْدِ الْقِصَاصُ عَيْنًا، لَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ عِنْدَ الْعَفْوِ الْمُطْلَقِ (فَيُخَيَّرُ الْوَلِيُّ بَيْنَهُمَا) فَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، وَلَوْ لَمْ يَرْضَ الْجَانِي؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ فِي بَنْيِ إسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ الدِّيَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] الْآيَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إمَّا أَنْ يَفْتَدِيَ وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
(فَإِنْ اخْتَارَ) الْوَلِيُّ (الْقَوَدَ أَوْ عَفَا عَنْ الدِّيَةِ فَقَطْ؛ فَلَهُ أَخْذُهَا) ؛ أَيْ: الدِّيَةِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لَهُ وَلِلْجَانِي، وَتَكُونُ بَدَلًا مِنْ الْقِصَاصِ، وَلَيْسَتْ الَّتِي وَجَبَتْ بِالْقَتْلِ - وَلَوْ سَخِطَ الْجَانِي -؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ دُونَ الْقِصَاصِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَيْهَا، لِأَنَّهَا دُونَ حَقِّهِ.
(وَ) لِمَنْ وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ (الصُّلْحُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْهَا) ؛ أَيْ: الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْفُ مُطْلَقًا (وَإِنْ اخْتَارَهَا) ابْتِدَاءً (تَعَيَّنَتْ) وَسَقَطَ الْقَوَدُ.
قَالَ
أَحْمَدُ: إذَا أَخَذَ الدِّيَةَ فَقَدْ عَفَا عَنْ الدَّمِ (فَلَوْ قَتَلَهُ) وَلِيُّ الْجِنَايَةِ (بَعْدَ) اخْتِيَارِ الدِّيَةِ (قُتِلَ بِهِ) لِأَنَّ حَقَّهُ سَقَطَ مِنْ الْقِصَاصِ بِعَفْوِهِ عَنْهُ (وَإِنْ عَفَا) عَلَى غَيْرِ مَالٍ بِأَنْ عَفَا عَلَى خَمْرٍ وَنَحْوِهِ، فَلَهُ الدِّيَةُ، أَوْ عَفَا مُطْلَقًا بِأَنْ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ؛ فَلَهُ الدِّيَةُ؛ لِانْصِرَافِ الْعَفْوِ إلَى الْقَوَدِ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الِانْتِقَامِ، وَالِانْتِقَامُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْقَتْلِ (أَوْ أَطْلَقَ) الْعَفْوَ عَنْ الْقَوَدِ كَقَوْلِهِ: عَفَوْت عَنْ الْقَوَدِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَلَوْ) كَانَ الْعَفْوُ (عَنْ يَدِهِ) أَيْ: الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ رِجْلِهِ وَنَحْوِهِمَا (فَلَهُ الدِّيَةُ) ؛ لِانْصِرَافِ الْعَفْوِ إلَى الْقَوَدِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ هَلَكَ جَانٍ) عَمْدًا (تَعَيَّنَتْ) الدِّيَةُ (فِي مَالِهِ) لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ (كَتَعَذُّرِهِ) ؛ أَيْ: الْقَوَدِ (فِي طَرَفِهِ) ؛ أَيْ: الْجَانِي بِأَنْ قَطَعَ يَدًا، وَتَعَذَّرَ قَطْعُ يَدِهِ لِشَلَلِهَا أَوْ ذَهَابِهَا وَنَحْوِهِ، فَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ جَانٍ عَمْدًا تَرِكَةً ضَاعَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ قَطَعَ طَرَفًا عَمْدًا كَأُصْبُعٍ فَعَفَا عَنْهُ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (ثُمَّ سَرَتْ) الْجِنَايَةُ (إلَى عُضْوٍ آخَرَ كَبَقِيَّةِ الْيَدِ أَوْ) سَرَتْ (إلَى النَّفْسِ وَالْعَفْوُ عَلَى مَالٍ أَوْ غَيْرِ مَالٍ) كَقَوْلِهِ: عَفَوْت عَنْ الْقَوَدِ فَقَطْ؛ (فَ) لَا قِصَاصَ، وَ (لَهُ) ؛ أَيْ: الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (تَمَامُ دِيَةِ مَا سَرَتْ إلَيْهِ مِنْ عُضْوٍ أَوْ نَفْسٍ، وَلَوْ مَعَ مَوْتِ جَانٍ) فَيَلْغَى أَرْشَ مَا عُفِيَ عَنْهُ مِنْ دِيَةِ مَا سَرَتْ إلَيْهِ، وَيَجِبُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ فِيمَا سَرَتْ إلَيْهِ الْجِنَايَةُ لَا فِيمَا عُفِيَ عَنْهُ (وَإِنْ ادَّعَى) جَانٍ أَوْ وَارِثُهُ (عَفْوَهُ) ؛ أَيْ: الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (عَنْ قَوَدٍ وَمَالٍ أَوْ) ادَّعَى عَفْوَهُ (عَنْهَا) ؛ أَيْ: الْجِنَايَةِ (وَعَنْ سِرَايَتِهَا فَقَالَ) مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ فِي الْأُولَى (بَلْ) عَفَوْتُ (إلَى مَالٍ، أَوْ) قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: بَلْ عَفَوْتُ عَنْهَا (دُونَ سِرَايَتِهَا؛ فَقَوْلُ عَافٍ بِيَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَفْوِ عَنْ الْجَمِيعِ؛ فَلَا يَثْبُتُ الْعَفْوُ عَمَّا لَمْ يُقِرَّ بِهِ، وَكَذَا إنْ اخْتَلَفَ وَلِيُّ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ مَعَ جَانٍ (وَمَتَى قَتَلَهُ) ؛ أَيْ: الْعَافِي (جَانٍ، وَلَوْ قَبْلَ بُرْءِ) الْجُرْحِ الَّذِي جَرَحَهُ (وَقَدْ عَفَا) مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ (عَلَى مَالٍ فَ) لِوَلِيٍّ عَافٍ (الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً) يُخَيَّرُ
بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ انْفَرَدَ عَنْ الْقَطْعِ، فَعَفْوُهُ عَنْ الْقَطْعِ لَا يَمْنَعُ مَا وَجَبَ بِالْقَتْلِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْقَاطِعُ غَيْرَهُ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَوْ هَذِهِ زَائِدَةٌ بَلْ مُخِلَّةٌ بِالْمَعْنَى؛ لِأَنَّهَا مُشْعِرَةٌ بِأَنَّ حُكْمَ الْعَفْوِ قَبْلَ الْبُرْءِ كَحُكْمِهِ بَعْدَهُ مَعَ أَنَّ الْعَفْوَ بَعْدَ الْبُرْءِ عَلَى مَالٍ مُوجِبٌ لِدِيَةِ الْعُضْوِ الْأَوَّلِ عَلَى الْجَانِي، وَعَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ ثَانِيًا الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً أَيْضًا.
(وَمَنْ وُكِّلَ فِي) اسْتِيفَاءِ (قَوَدٍ، ثُمَّ عَفَا) مُوَكِّلٌ عَنْ قَوَدٍ وَكَّلَ فِيهِ (وَلَمْ يَعْلَمْ وَكِيلُهُ) بِعَفْوِهِ (حَتَّى اقْتَصَّ) (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا) أَمَّا الْوَكِيلُ؛ فَلِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنْهُ؛ لِحُصُولِ الْعَفْوِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ الْوَكِيلَ اسْتِدْرَاكُهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَفَا بَعْدَمَا رَمَاهُ، وَأَمَّا الْمُوَكِّلُ؛ فَلِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِالْعَفْوِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91] فَإِنْ كَانَ عَفْوُهُ بَعْدَ الْقَتْلِ لَمْ يَصِحَّ، (وَإِنْ) كَانَ قَبْلَهُ وَ (عَلِمَ وَكِيلُهُ) بِالْعَفْوِ فَقَدْ قَتَلَهُ ظُلْمًا (فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ) كَمَا لَوْ قَتَلَهُ ابْتِدَاءً، وَحَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ الْوَكِيلُ بِالْعَفْوِ حَتَّى اقْتَصَّ، وَقُلْنَا: لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يَعْتَقِدُ إبَاحَةَ قَتْلِهِ؛ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْمُوَفَّقُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَعْصُومًا، وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ أَشْبَهَ الْمَغْرُورَ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ وَتَزْوِيجِ مَعِيبَةٍ، وَيَكُونُ الْوَاجِبُ حَالًّا فِي مَالِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَمِّدٌ لِلْقَتْلِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقَوَدُ لِمَعْنًى آخَرَ كَقَتْلِ الْأَبِ.
(وَإِنْ عَفَا مَجْرُوحٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً عَنْ قَوَدِ نَفْسِهِ أَوْ دِيَتِهَا صَحَّ) عَفْوُهُ؛ لِإِسْقَاطِهِ حَقَّهُ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ؛ وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ؛ فَصَحَّ عَفْوُهُ عَنْهَا كَسَائِرِ حُقُوقِهِ وَكَعَفْوِ وَارِثِهِ عَنْ ذَلِكَ، (فَ) لَوْ قَالَ مَجْرُوحٌ (عَفَوْت عَنْ هَذَا الْجُرْحِ أَوْ) قَالَ: عَفَوْت عَنْ هَذِهِ (الضَّرْبَةِ؛ فَلَا شَيْءَ فِي سِرَايَتِهَا وَلَوْ لَمْ يَقُلْ) وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا، إذْ السِّرَايَةُ تَبَعٌ لِلْجِنَايَةِ، فَحَيْثُ لَمْ يَجِبْ بِهَا شَيْءٌ لَمْ يَجِبْ بِسِرَايَتِهَا بِالْأَوْلَى، كَمَا لَوْ قَالَ (عَفَوْت عَنْ الْجِنَايَةِ) فَلَا شَيْءَ فِي سِرَايَتِهَا، وَلَوْ قَالَ: أَرَدْت بِالْجِنَايَةِ الْجِرَاحَةَ
دُونَ سِرَايَتِهَا؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْجِنَايَةِ تَدْخُلُ فِيهِ الْجِرَاحَةُ وَسِرَايَتُهَا؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ (بِخِلَافِ عَفْوِهِ) ؛ أَيْ: الْمَجْرُوحِ (عَلَى مَالٍ أَوْ عَنْ قَوَدٍ) فَقَطْ بِأَنْ قَالَ: عَفَوْت عَلَى مَالٍ أَوْ عَفَوْت عَنْ الْقَوَدِ؛ فَلَا يَبْرَأُ جَانٍ مِنْ السِّرَايَةِ؛ لِعَدَمْ مَا يَقْتَضِي بَرَاءَتُهُ مِنْهَا (وَيَصِحُّ قَوْلُ مَجْرُوحٍ: أَبْرَأْتُك) مِنْ دَمِي أَوْ قَتْلِي مُعَلِّقًا بِمَوْتِهِ، (وَ) قَوْلُهُ (حَلَلْتُك مِنْ دَمِي أَوْ قَتْلِي، أَوْ وَهَبْتُك ذَلِكَ) ؛ أَيْ: دَمِي أَوْ قَتْلِي، أَوْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْك (وَنَحْوُهُ) كَ جَعَلْت لَك دَمِي أَوْ قَتْلِي، أَوْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْك (مُعَلِّقًا بِمَوْتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ، (فَ) إنْ مَاتَ مِنْ الْجِرَاحَةِ بَرِئَ مِنْهُ فَ (لَوْ عَفَا بَقِيَ حَقَّهُ) مِنْ قِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَمْ يَتَضَمَّنْ الْجِرَاحَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، وَإِنَّمَا اقْتَضَى مُوجِبَ الْقَتْلِ؛ فَبَقِيَ مُوجِبُ الْجُرْحِ بِحَالِهِ (بِخِلَافِ عَفَوْتُ عَنْك أَوْ) عَفَوْتُ (عَنْ جِنَايَتِك) ؛ لِتَضَمُّنِهَا الْجِنَايَةَ وَسَرَايَتَهَا.
(وَلَا يَصِحُّ عَفْوُهُ) ، أَيْ: الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (عَنْ قَوَدِ جِنَايَةٍ لَا قَوَدَ فِيهَا) كَالْمُنَقِّلَةِ وَالْمَأْمُومَةِ؛ لِأَنَّهُ عَفْوٌ عَمَّا لَمْ يَجِبْ، وَلَا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ؛ أَشْبَهَ الْإِبْرَاءَ مِنْ الدَّيْنِ قَبْلَ وُجُوبِهِ، وَكَمَا لَوْ أَبْرَأَ الْمُؤَجِّرُ الْمُسْتَأْجِرَ مِنْ الْأُجْرَةِ، أَوْ الْبَائِعُ مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْعَقْدِ (فَلِوَلِيِّهِ) ؛ أَيْ: الْمَشْجُوجِ (مَعَ سِرَايَتِهَا) ؛ أَيْ: الشَّجَّةِ (الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ) كَمَا لَوْ لَمْ يَعْفُ.
(وَكُلُّ عَفْوٍ صَحَّحْنَاهُ مِنْ مَجْرُوحٍ مَجَّانًا مِمَّا يُوجِبُ الْمَالَ عَيْنًا) كَالْخَطَأِ وَشَبَهِ الْعَمْدِ وَالْجَائِفَةِ (فَإِنَّهُ إذَا مَاتَ الْعَافِي يُعْتَبَرُ) مَا عَفَا عَنْهُ (مِنْ الثُّلُثِ) ؛ أَيْ: ثُلُثِ التَّرِكَةِ، فَيَنْفُذُ إذَا كَانَ قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَقَلَّ، وَإِنْ زَادَ فَبِقَدْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ أَبْرَأَهُ مِنْهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فِي مَرَضٍ اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ؛ أَشْبَهَ الدَّيْنَ (وَيُنْقَضُ) الْعَفْوُ عَمَّا يُوجِبُ الْمَالَ عَيْنًا مِنْ مَجْرُوحٍ إذَا مَاتَ (لِلدَّيْنِ الْمُسْتَغْرِقِ) لِلتَّرِكَةِ كَالْوَصِيَّةِ (وَإِنْ أَوْجَبَ) مَا عَفَا عَنْهُ مَجْرُوحٌ، ثُمَّ مَاتَ (قَوَدًا؛ نَفَذَ مِنْ أَصْلِ التَّرِكَةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ) التَّرِكَةُ (سِوَى دَمِهِ) نَصًّا؛ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَالِ، فَإِذَا سَقَطَ الْقَوَدُ لَمْ يَلْزَمْهُ إثْبَاتُ الْمَالِ كَقَبُولِهِ الْهِبَةَ وَالْوَصِيَّةَ (وَمِثْلُهُ الْعَفْوُ عَنْ قَوَدٍ بِلَا مَالٍ مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ؛ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ أَوْ مِنْ الْوَرَثَةِ مَعَ دَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ) لِلتَّرِكَةِ؛ فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّ
الدِّيَةَ لَمْ تَتَعَيَّنْ.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَفِي " الْإِقْنَاعِ " مَنَعَ صِحَّةَ عَفْوِهِ مَجَّانًا، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: خِلَافًا لَهُ.
(وَمَنْ قَالَ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ قَوَدٌ فِي نَفْسٍ أَوْ قَوَدٍ فِي طَرَفٍ: عَفَوْت عَنْ جِنَايَتِك أَوْ عَفَوْت عَنْك؛ بَرِئَ مِنْ قَوَدٍ وَدِيَةٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّ عَفْوَهُ عَنْ ذَلِكَ يَتَنَاوَلُهُمَا (وَإِنْ أُبْرِئَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (قَاتِلٌ مِنْ دِيَةٍ وَاجِبَةٍ عَلَى عَاقِلَتِهِ) ؛ أَيْ: الْقَاتِلِ، لَمْ يَصِحَّ (أَوْ) أُبْرِئَ (قِنٌّ مِنْ جِنَايَةٍ يَتَعَلَّقُ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ) فَمَاتَ الْقِنُّ (لَمْ يَصِحَّ) الْإِبْرَاءُ؛ لِوُقُوعِهِ عَلَى غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ كَإِبْرَاءِ عَمْرٍو مِنْ دَيْنِ زَيْدٍ (وَإِنْ أُبْرِئَتْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (عَاقِلَتُهُ) مِنْ دِيَةٍ وَاجِبَةٍ عَلَيْهَا؛ صَحَّ (أَوْ) أُبْرِئَ (سَيِّدُهُ) ؛ أَيْ: الْقِنِّ الْجَانِي مِنْ جِنَايَةٍ يَتَعَلَّقُ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ؛ صَحَّ (أَوْ قَالَ) مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ (عَفَوْت عَنْ هَذِهِ الْجِنَايَةِ، وَلَمْ يُسَمِّ الْمُبْرَأَ) مِنْ قَاتِلٍ أَوْ عَاقِلَةٍ أَوْ سَيِّدٍ (صَحَّ) الْإِبْرَاءُ؛ لِانْصِرَافِهِ إلَى مَنْ عَلَيْهِ (وَإِنْ وَجَبَ لِقِنٍّ قَوَدٌ أَوْ) وَجَبَ لَهُ (تَعْزِيرُ قَذْفٍ) وَنَحْوُهُ (فَلَهُ) ؛ أَيْ: الْقِنِّ (طَلَبُهُ وَلَهُ إسْقَاطُهُ) ؛ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ دُونَ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ مَا دَامَ الْقِنُّ حَيًّا، وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُ الْمَالِ (فَإِنْ مَاتَ) الْقِنُّ (فَلِسَيِّدِهِ) طَلَبُهُ وَإِسْقَاطُهُ كَالْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ فِيهِ مِلْكٌ.
[بَابُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ جِرَاحٍ أَوْ أَطْرَافٍ]
(مَنْ أُخِذَ بِغَيْرِهِ فِي نَفْسٍ أُخِذَ بِهِ فِيمَا دُونَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ
يُؤْخَذُ بِمِثْلِهِ، وَقَدْ نَبَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَصِّصًا عَلَيْهِ.
فَرَوَى أَنَسٌ «أَنَّ الرُّبَيِّعِ عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَبَلُوا لَهَا الْعَفْوَ فَأَبَوْا إلَّا الْقِصَاصَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟ لَا، وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ، فَرَضِيَ الْقَوْمُ، فَعَفَوْا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا وَالتِّرْمِذِيَّ.
فَنَصَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ فِي كَسْرِ السِّنِّ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ النَّفْسِ أَقْوَى مِنْ حُرْمَةِ الطَّرَفِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ فِي النَّفْسِ دُونَ الطَّرَفِ، وَإِذَا جَرَى الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ مَعَ تَأَكُّدِ حُرْمَتِهَا؛ فَلَأَنْ يَجْرِيَ فِي الطَّرَفِ أَوْلَى (وَمَنْ لَا) يُؤْخَذُ بِغَيْرِهِ فِي نَفْسٍ (فَلَا) يُؤْخَذُ بِهِ فِيمَا دُونَهَا، كَالْأَبَوَيْنِ مَعَ وَلَدِهِمَا، وَالْحُرِّ مَعَ الْعَبْدِ، وَالْمُسْلِمِ مَعَ الْكَافِرِ، فَلَا يُقْتَصُّ لَهُ فِي طَرَفٍ وَلَا جِرَاحٍ؛ لِعَدَمِ الْمُكَافَأَةِ، وَكَذَا قَاطِعُ حَرْبِيٍّ أَوْ مُرْتَدٌّ أَوْ زَانٍ مُحْصَنٌ؛ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَلَوْ أَنَّهُ مِثْلَهُ، وَيُقْطَعُ حُرٌّ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ وَعَبْدٌ بِمِثْلِهِ وَذَكَرٌ بِأُنْثَى وَخُنْثَى، وَعَكْسُهُ، وَنَاقِصٌ بِكَامِلٍ كَالْعَبْدِ بِالْحُرِّ وَالْكَافِرِ بِالْمُسْلِمِ.
(وَهُوَ) ؛ أَيْ: الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ (فِي نَوْعَيْنِ) أَحَدُهُمَا (أَطْرَافٌ وَ) الثَّانِي (جُرُوحٌ، وَيَجِبُ) الْقِصَاصُ فِي النَّوْعَيْنِ (بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ) : (أَحَدُهَا الْعَمْدُ الْمَحْضُ) فَلَا قِصَاصَ فِي الْخَطَأِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ، وَهِيَ الْأَصْلُ فَفِيمَا دُونَهَا أَوْلَى، وَلَا فِي شَبَهِ الْعَمْدِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالْخَطَأِ فَكَذَا شِبْهُ الْعَمْدِ قِيَاسًا عَلَى النَّفْسِ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي: إمْكَانُ الِاسْتِيفَاءِ) ؛ أَيْ: اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ (بِلَا حَيْفٍ، بِأَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مَفْصِلٍ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ كَالْكُوعِ وَالْمِرْفَقِ وَالْكَعْبِ (أَوْ يَنْتَهِي إلَى حَدٍّ، كَمَارِنِ الْأَنْفِ، وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ) ؛ أَيْ: الْأَنْفِ دُونَ الْعَصَبَةِ (فَلَا قِصَاصَ فِي جَائِفَةٍ) ؛ أَيْ: جُرْحٍ
وَاصِلٍ إلَى بَطْنِ الْجَوْفِ (أَوْ) فِي (كَسْرِ عَظْمِ غَيْرِ أَسْنَانٍ) وَأَضْرَاسٍ (وَلَا إنْ قَطَعَ الْقَصَبَةَ) ؛ أَيْ: قَصَبَةَ أَنْفٍ (أَوْ) قَطَعَ (بَعْضَ سَاعِدٍ أَوْ) قَطَعَ بَعْضَ (سَاقٍ أَوْ) أَوْ قَطَعَ بَعْضَ (عَضُدٍ أَوْ) قَطَعَ بَعْضَ (وِرْكٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهَا بِلَا حَيْفٍ، بَلْ رُبَّمَا أَخَذَ أَكْثَرَ مِنْ الْفَائِتِ، أَوْ يَسْرِي إلَى عُضْوٍ آخَرَ أَوْ إلَى النَّفْسِ؛ فَيُمْنَعُ مِنْهُ، وَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ الْكُوعِ فَتَأَكَّلَتْ إلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ؛ فَلَا قَوَدَ اعْتِبَارًا بِالِاسْتِقْرَارِ.
قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَتَيْنِ " وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " (وَأَمَّا الْأَمْنُ مِنْ الْحَيْفِ فَشَرْطٌ لِجَوَازِهِ) ؛ أَيْ: الِاسْتِيفَاءِ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ حَيْثُ وُجِدَتْ شُرُوطُهُ وَهُوَ الْعُدْوَانُ عَلَى مُكَافِئِهِ عَمْدًا مَعَ الْمُسَاوَاةِ فِي الِاسْمِ وَالصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ، لَكِنَّ الِاسْتِيفَاءَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِخَوْفِ الْعُدْوَانِ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ تَعَيَّنَتْ الدِّيَةُ إذَا لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ شَرْطٌ لِلِاسْتِيفَاءِ دُونَ الْوُجُوبِ انْبَنَى عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ مَاذَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا لَمْ يَجِبْ بِذَلِكَ شَيْءٌ إلَّا أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ إذَا عَفَا عَنْهُ، يَكُونُ قَدْ عَفَا عَنْ حَقٍّ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: مُوجِبُ الْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ انْتَقَلَ الْوُجُوبُ إلَى الدِّيَةِ (فَيَقْتَصُّ) مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ (مِنْ مَنْكِبٍ مَا لَمْ يَخَفْ جَائِفَةً) بِلَا نِزَاعٍ (فَإِنْ خِيفَ) إنْ اقْتَصَّ مِنْ مَنْكِبِ جَائِفَةٍ (فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ مِرْفَقِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ حَقِّهِ (وَمَنْ أَوْضَحَ) إنْسَانًا (أَوْ شَجَّ إنْسَانًا دُونَ مُوضِحَةٍ، أَوْ لَطَمَهُ فَذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ أَوْ) لَطَمَهُ، فَذَهَبَ (شَمُّهُ أَوْ سَمْعُهُ؛ فَعَلَ بِهِ) ؛ أَيْ: الْجَانِي (كَمَا فَعَلَ) فِي الْأَصَحِّ، فَيُوضِحُهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِثْلَ مُوضِحَتِهِ، أَوْ يَشُجُّهُ مِثْلَ شَجَّتِهِ، أَوْ يَلْطِمُهُ مِثْلَ لَطْمَتِهِ.
وَفِي " الْإِقْنَاعِ ": وَإِنْ أَذْهَبَ ذَلِكَ؛ أَيْ: ضَوْءَ الْبَصَرِ أَوْ السَّمْعَ أَوْ الشَّمَّ بِشَجَّةٍ لَا قَوَدَ فِيهَا، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ دُونَ الْمُوضِحَةِ، أَوْ لَطَمَهُ فَأَذْهَبَ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ انْتَهَى.
وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: خِلَافًا لَهُ (فَإِنْ ذَهَبَ) بِذَلِكَ مَا أَذْهَبَهُ الْجَانِي مِنْ سَمْعٍ أَوْ بَصَرٍ أَوْ شَمٍّ؛ فَقَدْ اسْتَوْفَى الْحَقَّ (وَإِلَّا) يَذْهَبْ (فَعَلَ بِهِ مَا يُذْهِبُهُ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَى حَدَقَةٍ أَوْ أَنْفٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي حَقَّهُ (مِنْ) غَيْرِ زِيَادَةٍ فَيَطْرَحُ فِي الْعَيْنِ كَافُورًا بَعْدَ تَغْطِيَةِ عَيْنِهِ الْأُخْرَى بِقُطْنٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ يُقَرِّبُ مِنْهُ مِرْآةً مَحْمِيَّةً أَوْ حَدِيدَةً مَحْمِيَّةً، ثُمَّ يَقْطُرُ عَلَيْهَا مَاءً، ثُمَّ يَقْطُرُ مِنْهُ فِي الْعَيْنِ؛ لِيَذْهَبَ بَصَرُهَا (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) ذَهَابُهُ (إلَّا بِهَا) أَيْ: بِالْجِنَايَةِ عَلَى حَدَقَةٍ أَوْ أَنْفٍ أَوْ مَارِنٍ بِضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ (سَقَطَ) الْقَوَدُ (إلَى الدِّيَةِ) وَتَكُونُ فِي مَالِ جَانٍ لَا عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ.
(وَمِنْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ مِرْفَقٍ فَأَرَادَ الْقَطْعَ مِنْ كُوعِ) يَدِ جَانٍ (مُنِعَ) ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ؛ فَلَا يَقْتَصُّ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِاعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْمَحَلِّ حَيْثُ لَا مَانِعَ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: الْمُسَاوَاةُ) كَالْعَيْنِ بِالْعَيْنِ، وَالْأَنْفِ بِالْأَنْفِ، وَالْأُذُنِ بِالْأُذُنِ، وَالسِّنِّ بِالسِّنِّ؛ لِلْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ.
وَالِاخْتِلَافُ (فِي الِاسْمِ) دَلِيلُ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَعْنَى (وَ) الْمُسَاوَاةُ فِي (الْمَوْضِعِ) فَلَا تُؤْخَذُ يَمِينٌ بِيَسَارٍ وَلَا عَكْسُهُ، وَلَا جِرَاحَةٌ فِي الْوَجْهِ بِجِرَاحَةٍ فِي الرَّأْسِ وَنَحْوِهِ اعْتِبَارًا لِلْمُمَاثَلَةِ (فَيُؤْخَذُ كُلٌّ مِنْ أَنْفٍ) بِمِثْلِهِ (وَذَكَرٍ مَخْتُونٍ أَوْ لَا) أَيْ: غَيْرِ مَخْتُونٍ بِذَكَرٍ مَخْتُونٍ أَوْ لَا؛ إذْ الْخِتَانُ وَعَدَمُهُ لَا أَثَرَ لَهُ لِلْمُسَاوَاةِ فِي الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ؛ وَلِأَنَّ الْقُلْفَةَ زِيَادَةٌ مُسْتَحِقَّةُ الْإِزَالَةِ، فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، وَسَوَاءٌ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالصَّحِيحُ وَالْمَرِيضُ، وَالذَّكَرُ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ؛ لِعَدَمِ اخْتِلَافِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ بِذَلِكَ، (وَ) يُؤْخَذُ كُلٌّ مِنْ (أُصْبُعٍ وَكَفٍّ وَمِرْفَقٍ وَيُمْنَى وَيُسْرَى مِنْ عَيْنٍ وَأُذُنٍ مَثْقُوبَةٍ أَوْ لَا، وَيَدٍ وَرِجْلٍ وَخُصْيَةٍ وَأَلْيَةٍ) بِفَتْحٍ فَقَطْ (وَشُفْرِ) امْرَأَةٍ بِوَزْنِ قُفْلٍ، وَهُوَ أَحَدُ الشُّفْرَيْنِ - أَيْ اللَّحْمَيْنِ الْمُحِيطَيْنِ بِالرَّحِمِ كَإِحَاطَةِ الشَّفَتَيْنِ بِالْفَمِ - (أُبِينَ) أَيْ: قُطِعَ بِمِثْلِهِ (وَ) يُؤْخَذُ كُلٌّ مِنْ (عُلْيَا وَسُفْلَى مِنْ شَفَةٍ، وَيُمْنَى وَيُسْرَى وَعُلْيَا وَسُفْلَى مِنْ سِنٍّ مَرْبُوطَةٍ - أَوْ لَا) أَيْ: غَيْرِ مَرْبُوطَةٍ بِمِثْلِهَا فِي الْمَوْضِعِ، (وَيُؤْخَذُ جَفْنٌ بِمِثْلِهِ فِي الْمَوْضِعِ) .
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ جَرَيَانُ
الْقِصَاصِ فِي الْأَلْيَةِ وَالشُّفْرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] ؛ وَلِأَنَّ لَهُمَا حَدًّا يَنْتَهِيَانِ إلَيْهِ، فَجَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا كَالذَّكَرِ، وَكَذَا الْخُصْيَةُ إنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ يُمْكِنُ أَخْذُهَا مَعَ سَلَامَةِ الْأُخْرَى.
(وَلَوْ قَطَعَ) شَخْصٌ (صَحِيحٌ أُنْمُلَةً عُلْيَا مِنْ شَخْصٍ وَ) قَطَعَ الصَّحِيحُ أَيْضًا أُنْمُلَةً (وُسْطَى مِنْ أُصْبُعِ نَظِيرَتِهَا مِنْ) شَخْصٍ (آخَرَ لَيْسَ لَهُ) أُنْمُلَةٌ (عُلْيَا) ؛ (خُيِّرَ رَبُّ) الْأُنْمُلَةِ (الْوُسْطَى بَيْنَ أَخْذِ عَقْلِهَا) ؛ أَيْ: دِيَةِ الْأُنْمُلَةِ الْوُسْطَى (الْآنَ) ؛ لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ فِيهَا (وَلَا قِصَاصَ لَهُ بَعْدَ أَخْذِ عَقْلِهَا) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَفْوِ (أَوْ) بَيْنَ (صَبْرٍ) عَنْ أَخْذِ عَقْلِهَا (حَتَّى تَذْهَبَ عُلْيَا قَاطِعٍ بِقَوَدٍ أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ مَرَضٍ أَوْ قَطْعٍ تَعَدِّيًا (ثُمَّ يَقْتَصُّ) بِقَطْعِ الْوُسْطَى (وَلَا أَرْشَ لَهُ الْآنَ) إنْ صَبَرَ (بِخِلَافِ غَصْبِ مَالٍ) ؛ لِسَدِّ مَالٍ مَسَدَّ مَالٍ يَعْنِي أَنَّهُ مَتَى (تَعَذَّرَ رَدُّهُ) أَيْ: الْمَغْصُوبِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ (فَيُؤْخَذُ بَدَلُهُ) الْآنَ لِلْحَيْلُولَةِ (فَإِذَا رُدَّ) مَغْصُوبٌ لِمَالِكِهِ (رَدَّ) الْمَالِكُ مَا أَخَذَهُ مِنْ (الْبَدَلِ، وَيُؤْخَذُ) عُضْوٌ (زَائِدٌ بِ) عُضْوٍ زَائِدٍ (مِثْلِهِ مَوْضِعًا أَوْ خِلْقَةً، وَلَوْ تَفَاوَتَا قَدْرًا) كَالْأَصْلِيَّيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْأُصْبُعَيْنِ عِنْدَ الْإِبْهَامِ، وَالْآخَرُ عِنْدَ الْخِنْصَرِ مِثْلُهُ؛ أَوْ أَحَدُهُمَا بِصُورَةِ الْإِبْهَامِ وَالْآخَرُ بِصُورَةِ الْخِنْصَرِ مَثَلًا، فَلَا قِصَاصَ؛ لِانْتِفَاءِ الْمُسَاوَاةِ، وَ (لَا) يُؤْخَذُ (أَصْلِيٌّ بِزَائِدٍ أَوْ عَكْسُهُ) ، أَيْ: زَائِدٌ بِأَصْلِيٍّ (وَلَوْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ) ؛ لِعَدَمِ التَّسَاوِي فِي الْمَكَانِ وَالْمَنْفَعَةِ، إذْ الْأَصْلِيُّ مَخْلُوقٌ فِي مَكَانِهِ؛ لِمَنْفَعَةٍ فِيهِ بِخِلَافِ الزَّائِدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْجَانِي زَائِدٌ يُؤْخَذُ بِمَا جَنَى عَلَيْهِ؛ فَحُكُومَةٌ؛ لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ، وَتُؤْخَذُ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ كَامِلَةُ الْأَصَابِعِ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ زَائِدَةٌ أُصْبُعٍ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَيْبٌ وَنَقْصٌ فِي الْمَعْنَى، فَلَمْ يَمْنَعْ وُجُودُهَا لِلْقِصَاصِ كَالسِّلْعَةِ، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَخْذِ الْأَصْلِيَّةِ بِالزَّائِدَةِ أَوْ عَكْسِهِ أَوْ خِنْصَرٍ بِبِنْصِرٍ؛ لَمْ يَجُزْ (لِأَنَّ الدِّمَاءَ لَا تُسْتَبَاحُ بِالِاسْتِبَاحَةِ) وَالْبَذْلِ.
(وَلَا) يَجُوزُ أَخْذُ (شَيْءٍ بِمَا يُخَالِفُهُ) فِي الِاسْمِ أَوْ الْمَوْضِعِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ قَتْلُ نَفْسِهِ وَلَا قَطْعُ طَرَفِهِ، وَلَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ ذَلِكَ بِإِبَاحَةٍ لَهُ؛ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى (فَإِنْ فَعَلَ فَقَطَعَ يَسَارَ جَانٍ مَنْ لَهُ قَوَدٌ فِي يَمِينِهِ بِتَرَاضِيهِمَا) أَجْزَأَتْ، وَلَا ضَمَانَ (أَوْ قَالَ) مَنْ لَهُ قَوَدٌ فِي يَمِينِ جَانٍ لَهُ (أَخْرِجْ يَمِينَك فَأَخْرَجَ) الْجَانِي (يَسَارَهُ عَمْدًا أَوْ غَلَطًا أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا تُجْزِئُ فَقَطَعَهَا أَجْزَأَتْ وَلَا ضَمَانَ) ؛ لِقَطْعِهِ عُضْوًا مِثْلَ عُضْوِهِ اسْمًا وَصُورَةً وَقَدْرًا فَأَجْزَأَ عَنْهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ نَاقِصَةً فَرَضِيَا بِقَطْعِهَا (وَإِنْ كَانَ) الْجَانِي عَاقِلًا حِينَ الْقَطْعِ، ثُمَّ صَارَ (مَجْنُونًا) حِينَ الْقِصَاصِ فَقَطَعَ الْمُقْتَصُّ يَسَارَهُ فِي يَمِينِهِ (فَعَلَى الْمُقْتَصِّ الْقَوَدُ إنْ عَلِمَ) الْمُقْتَصُّ (أَنَّهَا) ؛ أَيْ: الْيَدَ الْمَقْطُوعَةَ (يَسَارٌ، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ) عَنْ الْيَمِينِ؛ لِجِنَايَتِهِ عُدْوَانًا عَلَى مَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ (وَإِنْ جَهِلَ) الْمُقْتَصُّ (أَحَدَهُمَا) ، أَيْ: أَنَّهَا الْيَسَارُ، وَأَنَّهَا تُجْزِئُ (فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ) دُونَ الْقَوَدِ؛ لِأَنَّ جَهْلَهُ بِذَلِكَ شُبْهَةٌ فِي دَرْءِ الْقَوَدِ، فَتَتَعَيَّنُ الدِّيَةُ (وَإِنْ كَانَ الْمُقْتَصُّ مَجْنُونًا) فَقَطَعَ يَسَارَ مَنْ لَهُ قَوَدٌ فِي يَمِينِهِ (وَ) كَانَ (الْجَانِي عَاقِلًا ذَهَبَتْ) يَدُهُ (هَدَرًا) ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْمَجْنُونِ لَا أَثَرَ لَهُ، وَقَدْ أَعَانَهُ بِإِخْرَاجِ يَدِهِ لِيَقْطَعَهَا؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ عَاقِلٌ لِمَجْنُونٍ: اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ.
هَذَا مَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْمُنْتَهَى " وَهُوَ مَرْجُوحٌ، وَفِي " الْإِقْنَاعِ "، أَوْ قَالَ: أَخْرِجْ يَمِينَك، فَأَخْرَجَ يَسَارَهُ عَمْدًا أَوْ 467 غَلَطًا، أَوْ ظَنًّا أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ فَقَطَعَهَا؛ أَجْزَأَتْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَمْ يَبْقَ قَوَدٌ وَلَا ضَمَانٌ حَتَّى وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَجْنُونًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى التَّعَدِّي؛ قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَهَذَا الْمَذْهَبُ.
الشَّرْطُ (الرَّابِعُ: مُرَاعَاةُ الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ) (فَلَا تُؤْخَذُ) يَدٌ أَوْ رِجْلٌ (كَامِلَةُ أَصَابِعَ أَوْ كَامِلَةُ أَظْفَارٍ بِنَاقِصَتِهَا، رَضِيَ الْجَانِي بِذَلِكَ أَوْ لَا) ؛ لِزِيَادَةِ الْمَأْخُوذِ عَلَى الْفَوْتِ، فَلَا يَكُونُ مُقَاصَّةً (بَلْ) تُؤْخَذُ سَلِيمَةُ الْأَظْفَارِ بِنَظِيرَتِهَا (مَعَ) كَوْنِهَا ذَاتَ (أَظْفَارٍ مَعِيبَةٍ) كَمَا يُؤْخَذُ الصَّحِيحُ بِالْمَرِيضِ (وَلَا) تُؤْخَذُ (عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بِقَائِمَةٍ) وَهِيَ الَّتِي بَيَاضُهَا وَسَوَادُهَا صَافِيَانِ غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يُبْصِرُ بِهَا.
قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ؛ لِنَقْصِ مَنْفَعَتِهَا، فَلَا تُؤْخَذُ بِهَا كَامِلَةُ الْمَنْفَعَةِ.
(وَلَا) يُؤْخَذُ (لِسَانٌ نَاطِقٌ) بِلِسَانٍ (أَخْرَسَ) ؛ لِنَقْصِهِ، وَلَا يُؤْخَذُ عُضْوٌ (صَحِيحٌ) بِعُضْوٍ (أَشَلَّ) (مِنْ يَدٍ وَرِجْلٍ وَأُصْبُعٍ وَذَكَرٍ وَلَوْ شُلَّ) ذَلِكَ الْعُضْوُ (بَعْدَ) الْجِنَايَةِ عَلَى نَظِيرِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ (أَوْ كَانَ بِبَعْضِهِ شَلَلٌ كَأُنْمُلَةِ يَدٍ) ، وَالشَّلَلُ فَسَادُ الْعُضْوِ وَذَهَابُ حَرَكَتِهِ، لِأَنَّ الْعُضْوَ إذَا ذَهَبَ فَسَدَتْ مَنْفَعَتُهُ، فَلَا يُؤْخَذُ بِهِ الصَّحِيحُ؛ لِزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ بِبَقَاءِ مَنْفَعَتِهِ فِيهِ (وَلَا يُؤْخَذُ ذَكَرُ فَحْلٍ بِذَكَرِ خَصِيٍّ أَوْ عَنِينٍ أَوْ) ذَكَرِ (خُنْثَى) ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيمَا ذُكِرَ، لِأَنَّ ذَكَرَ الْعَنِينِ لَا يُوجَدُ مِنْهُ وَطْءٌ وَلَا إنْزَالٌ، وَالْخَصِيُّ لَا يُولَدُ لَهُ، وَلَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ فِيهِمَا، وَالْخُنْثَى كَذَلِكَ فَهُمْ كَالذَّكَرِ الْأَشَلِّ (وَيُؤْخَذُ مَارِنُ) الْأَنْفِ (الْأَشَمِّ الصَّحِيحِ، بِمَارِنِ الْأَخْشَمِ الَّذِي لَا يَجِدُ رَائِحَةَ شَيْءٍ) ؛ لِأَنَّهُ لِعِلَّةٍ فِي الدِّمَاغِ وَالْأَنْفِ، (وَ) يُؤْخَذُ مَارِنُ الْأَنْفِ الصَّحِيحِ (بِ) مَارِنِ الْأَنْفِ (الْمَخْرُومِ الَّذِي قُطِعَ وَتَرُ أَنْفِهِ) وَهُوَ حِجَابُ مَا بَيْنَ الْمَنْخَرَيْنِ أَوْ طَرَفُ الْأَنْفِ، وَلَمْ يَبْلُغْ الْجَدْعَ.
قَالَهُ فِي " الْمُطْلِعِ "؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الصَّحِيحِ (أَوْ) يُؤْخَذُ مَارِنُ الْأَنْفِ الصَّحِيحِ (بِالْمُتَحَشِّفِ الرَّدِيءِ) لِمَا تَقَدَّمَ، (وَ) تُؤْخَذُ (أُذُنُ سَمِيعٍ بِأُذُنِ أَصَمًّ شَلَّاءَ) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْجَمَالُ (وَيُؤْخَذُ مَعِيبٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِمِثْلِهِ إنْ أُمِنَ تَلَفٌ مِنْ قَطْعٍ شَاذٍّ) وَذَلِكَ بِأَنْ يَسْأَلَ أَهْلَ الْخِبْرَةِ فَإِنْ قَالُوا: إنَّهُ إذَا قُطِعَ لَمْ تَفْسُدْ الْعُرُوقُ، وَيَدْخُلُ الْهَوَاءُ إلَى الْبَدَنِ فَيُفْسِدُهُ سَقَطَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ نَفْسٍ بِأَخْذٍ بِطَرَفٍ، وَإِنْ أُمِنَ فَلَهُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الشَّمَّ وَالسَّمْعَ لَيْسَ بِنَفْسِ الْعُضْوِ، لِأَنَّ مَقْطُوعَ الْأُذُنِ وَالْأَنْفِ يَسْمَعُ وَيَشُمُّ، وَإِنَّمَا هُوَ زِينَةٌ وَجَمَالٌ، لِئَلَّا يَبْقَى مَوْضِعُ الْأُذُنِ ثَقْبًا مَفْتُوحًا، فَيُقَبِّحُ مَنْظَرَهُ، وَلَا يَبْقَى لَهُ مَا يَرُدُّ الْمَاءَ وَالْهَوَاءَ عَنْ الصِّمَاخِ، وَلِئَلَّا يَبْقَى مَوْضِعُ الْأَنْفِ مَفْتُوحًا فَيَدْخُلُ الْهَوَاءُ إلَى الدِّمَاغِ فَيَفْسُدُ بِهِ، فَجُعِلَ لَهُ غِطَاءً لِذَلِكَ، (وَ) يُؤْخَذُ مَعِيبٌ مِمَّا ذُكِرَ (بِصَحِيحٍ بِلَا أَرْشٍ) ؛ لِأَنَّ الشَّلَّاءَ مِنْ ذَلِكَ كَالصَّحِيحَةِ خِلْقَةً، وَإِنَّمَا نَقَصَتْ صِفَةً (وَيُصَدَّقُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ) إنْ
اخْتَلَفَ مَعَ جَانٍ فِي شَلَلِ الْعُضْوِ بِأَنْ قَالَ جَانٍ: قَطَعْته أَشَلَّ، وَقَالَ مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ: صَحِيحًا، فَقَوْلُ مَجْنِيٍّ (بِيَمِينِهِ فِي صِحَّةِ مَا جُنِيَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ.
[فَصْلٌ أَذْهَبَ بَعْضَ لِسَانٍ أَوْ مَارِنٍ أَوْ شَفَةٍ أَوْ حَشَفَةٍ أَوْ أُذُنٍ أَوْ سِنٍّ جِنَايَة عَلَى غَيْره]
فَصْلٌ (وَمَنْ أَذْهَبَ بَعْضَ لِسَانٍ أَوْ) بَعْضَ (مَارِنٍ أَوْ) بَعْضَ (شَفَةٍ أَوْ) بَعْضَ (حَشَفَةٍ أَوْ) بَعْضَ (أُذُنٍ أَوْ) بَعْضَ (سِنٍّ أُقِيدَ مِنْهُ مَعَ أَمْنِ قَلْعِهِ بِقَدْرِهِ) ؛ أَيْ: أَذْهَبَهُ جَانٍ (بِنِسْبَةِ الْأَجْزَاءِ) مِنْ ذَلِكَ الْعُضْوِ (كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ) وَرُبُعٍ وَنَحْوِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] ؛ وَلِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يُؤْخَذُ بِجَمِيعِهِ؛ فَأُخِذَ بَعْضُهُ بِبَعْضِهِ، وَلَا يُؤْخَذُ بِالْمِسَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إلَى أَخْذِ لِسَانِ الْجَانِي جَمِيعِهِ بِبَعْضِ لِسَانِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
(وَلَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ لِمَا رُجِيَ عَوْدُهُ) مَا ذَهَبَ بِجِنَايَةٍ (فِي مُدَّةٍ تَقُولُهَا أَهْلُ الْخِبْرَةِ) [مِنْ] بَيَانٍ لِمَا (عُيِّنَ كَسِنٍّ) وَضِرْسٍ (أَوْ مَنْفَعَةٍ كَعَدْوٍ) بِأَنْ جُنِيَ عَلَيْهِ فَصَارَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَعْدُوَ؛ لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلْعَوْدِ، فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَتَسْقُطُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ؛ فَوَجَبَ تَأْخِيرُهُ، فَإِنْ عَادَ فَلَا شَيْءَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ شَعْرَهُ فَعَادَ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ فِي الْمُدَّةِ وَجَبَ ضَمَانُهُ كَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يُرْجَى عَوْدُهُ (فَلَوْ مَاتَ) مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ (فِيهَا) ، أَيْ: الْمُدَّةِ الَّتِي قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ بِعَوْدِهَا فِيهَا (تَعَيَّنْت دِيَةُ الذَّاهِبِ) بِالْجِنَايَةِ لِلْيَأْسِ مِنْ عَوْدِهِ بِالْمَوْتِ كَمَا لَوْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَعُدْ.
(وَإِنْ ادَّعَى جَانٍ عَوْدَهُ) ؛ أَيْ: الذَّاهِبِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ (حَلَفَ رَبُّ الْجِنَايَةِ) عَلَى عَدَمِ عَوْدِهِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَمَتَى عَادَ) مَا ذَهَبَ بِالْجِنَايَةِ (بِحَالِهِ) ؛ أَيْ: عَلَى صِفَتِهِ قَبْلَ ذَهَابِهِ (فَلَا أَرْشَ) عَلَى جَانٍ كَمَا لَوْ قَطَعَ شَعْرَهُ وَعَادَ (وَ) إنْ
عَادَ (نَاقِصًا فِي قَدْرٍ) بِأَنْ عَادَ السِّنُّ قَصِيرًا، ضَمِنَ مَا نَقَصَ مِنْهُ بِالْحِسَابِ، فَفِي ثُلُثِهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "، وَتَبِعَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
(أَوْ) عَادَ نَاقِصًا فِي (صِفَةٍ) بِأَنْ عَادَ السِّنُّ أَخْضَرَ وَنَحْوُهُ كَمَا لَوْ عَادَ مَائِلًا عَنْ مَحَلِّهِ (فَ) عَلَى جَانٍ (حُكُومَةٌ) لِحُدُوثِ النَّقْصِ بِفِعْلِهِ؛ فَضَمِنَهُ، وَيَأْتِي (ثُمَّ إنْ كَانَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (أَخَذَ دِيَةَ) مَا أَذْهَبَهُ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ ثُمَّ عَادَ (رَدَّهَا) إلَى مَنْ أَخَذَهَا مِنْهُ، (أَوْ) كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (اقْتَصَّ) مِنْ جَانٍ نَظِيرَ مَا أَذْهَبَهُ مِنْهُ، ثُمَّ عَادَ (فَلِجَانٍ الدِّيَةُ) ؛ لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ اسْتَوْفَى ذَلِكَ بِلَا حَقٍّ، وَلَا قِصَاصٍ؛ لِلشُّبْهَةِ (وَيَرُدُّهَا) أَيْ: وَيَرُدُّ الْجَانِي مَا أَخَذَهُ دِيَةً عَمَّا اقْتَصَّ مِنْهُ (وَإِنْ عَادَ) مَا أَخَذَ الْجَانِي دِيَتَهُ بِسَبَبِ عَوْدِ مَا جُنِيَ عَلَيْهِ كَمَا قُلْنَا فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ ذَلِكَ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَكَانَ عَلَيْهِ رَدُّهُ (وَمَنْ قَلَعَ سِنَّهُ أَوْ ظُفُرَهُ تَعَدِّيًا، أَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ كَمَارِنٍ وَأُذُنٍ فَرَدَّهُ فَالْتَحَمَ؛ فَلَهُ) أَيْ: الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (أَرْشُ نَقْصِهِ) أَيْ: حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهَا أَرْشُ كُلِّ نَقْصٍ بِجِنَايَةٍ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا (وَإِنْ قَلَعَهُ) أَيْ: مَا قُطِعَ، ثُمَّ الْتَحَمَ (قَالِعٌ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَعَلَيْهِ دِيَةٌ، لَا الْقِصَاصُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَادُ بِهِ الصَّحِيحُ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ؛ لِنَقْصِهِ بِالْقَطْعِ الْأَوَّلِ.
(وَمَنْ جَعَلَ مَكَانَ سِنٍّ قُلِعَتْ) بِجِنَايَتِهِ (عَظْمًا أَوْ سِنًّا أُخْرَى وَلَوْ مِنْ آدَمِيٍّ، فَثَبَتَتْ؛ لَمْ تَسْقُطْ دِيَةُ) السِّنِّ أَيْ: (الْمَقْلُوعَةِ) كَمَا لَوْ لَمْ يَجْعَلْ مَكَانَهُ شَيْءٌ (وَعَلَى مُبِينِ مَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ حُكُومَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُ بِإِبَانَتِهِ، وَلَا يَجِدُ بِهِ دِيَتَهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ وَلِيِّ) مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ وَهُوَ وَارِثُهُ إذَا ادَّعَى جَانٍ عَلَى طَرَفِهِ عَوْدًا وَالْتِحَامَ مَا قَطَعَهُ مِنْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا أَرْشُ نَقْصِهِ وَأَنْكَرَهُ الْوَلِيُّ (بِيَمِينِهِ فِي عَدَمِ عَوْدِهِ وَالْتِحَامِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَبَقَاءُ الضَّمَانِ؛ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى مَا يُسْقِطُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، كَمَنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ وَادَّعَى الْإِبْرَاءَ مِنْهُ (أَوْ)
الْوَفَاءَ (وَلَوْ كَانَ الْتِحَامُهُ) أَيْ: الْقَطْعِ (مِنْ جَانٍ اُقْتُصَّ مِنْهُ؛ أُقِيدَ ثَانِيًا) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ أَبَانَ عُضْوًا مِنْ غَيْرِهِ دَوَامًا، فَكَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إبَانَتُهُ مِنْهُ كَذَلِكَ؛ لِتَحَقُّقِ الْمُقَاصَّةِ.
هَذَا الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ " الْفُرُوعِ.
" وَفِي " الْإِقْنَاعِ ": وَمَنْ قُطِعَتْ أُذُنُهُ وَنَحْوُهَا قِصَاصًا فَأَلْصَقَهَا فَالْتَصَقَتْ، فَطَلَبَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ إبَانَتَهَا؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى خِلَافِهِ.
[فَصْلٌ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ الْجُرُوح]
فَصْلٌ (النَّوْعُ الثَّانِي) : مِمَّا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ (الْجُرُوحُ) ، (وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِهِ) ؛ أَيْ: الْقِصَاصِ (فِيهَا) ؛ أَيْ: الْجُرُوحِ زِيَادَةٌ (عَلَى) مَا سَبَقَ (انْتِهَاؤُهَا إلَى عَظْمٍ) (كَجُرْحِ عَضُدٍ وَسَاعِدٍ وَفَخِذٍ وَسَاقٍ وَقَدَمٍ وَكَمُوضِحَةٍ) فِي رَأْسٍ أَوْ وَجْهٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] ؛ وَلِإِمْكَانِ الِاسْتِيفَاءِ بِلَا حَيْفٍ وَلَا زِيَادَةٍ؛ لِانْتِهَائِهِ إلَى عَظْمٍ، فَأَشْبَهَ الْمُوضِحَةَ الْمُتَّفَقُ عَلَى جَوَازِ الْقِصَاصِ فِيهَا، وَلَا قِصَاصَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الشِّجَاجِ وَالْجُرُوحِ كَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ أَوْ أَعْظَمَ مِنْهَا (وَلِمَجْرُوحٍ) جُرْحًا (أَعْظَمَ مِنْهَا) ؛ أَيْ: الْمُوضِحَةِ (كَهَاشِمَةٍ وَمُنَقِّلَةٍ وَمَأْمُومَةٍ أَنْ يَقْتَصَّ بِهِ مُوضِحَةً) ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَصُّ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ، وَيَقْتَصُّ مِنْ مَحَلِّ جِنَايَتِهِ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَضَعُ السِّكِّينَ فِي مَوْضِعِ وَضْعِ الْجَانِي لِوُصُولِهِ سِكِّينَ الْجَانِي إلَى الْعَظْمِ، بِخِلَافِ قَاطِعِ السَّاعِدِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَضَعْ سَكِينَةً فِي الْكُوعِ (وَيَأْخُذُ) إذَا اقْتَصَّ مُوضِحَةً (مَا بَيْنَ دِيَتِهَا) أَيْ: الْمُوضِحَةِ (وَدِيَةِ تِلْكَ الشَّجَّةِ) الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِنْهَا؛ لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ فِيهِ، فَيَتَنَقَّلُ إلَى الْبَدَلِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ أُصْبُعَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ الْقِصَاصُ إلَّا مِنْ وَاحِدَةٍ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَيَأْخُذُ فِي هَاشِمَةٍ) إذَا اقْتَصَّ مِنْ الْجَانِي مُوضِحَةً (خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ وَ) يَأْخُذُ فِي (مُنَقِّلَةٍ) إذَا اقْتَصَّ مِنْهُ مُوضِحَةً (عَشَرًا) مِنْ الْإِبِلِ (وَمَنْ خَالَفَ) مِمَّنْ جُنِيَ عَلَيْهِ (وَاقْتَصَّ مَعَ خَوْفِ) تَلَفِ الْجَانِي بِالْقِصَاصِ (مِنْ مَنْكِبٍ أَوْ) مِنْ نَحْوِ يَدٍ (شَلَّاءَ أَوْ) مِنْ قَطْعِ نِصْفِ (سَاعِدِهِ وَنَحْوِهِ) كَمَنْ قَطَعَ نِصْفَ سَاقَهُ، (أَوْ) اقْتَصَّ (مِنْ مَأْمُومَةٍ أَوْ جَائِفَةٍ مِثْلَ ذَلِكَ) بِأَنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا فَعَلَ بِهِ بِأَنْ لَمْ يَشُجَّهُ فِي الْمَأْمُومَةِ دَامِغَةً، وَلَمْ يَصِلْ فِي الْجَائِفَةِ إلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ غَوْرًا مِنْ جِنَايَةِ الْجَانِي (وَلَمْ يَسْرِ) جُرْحُهُ (وَقْعُ الْمُوقِعِ، وَلَمْ يَنِزَّ مِنْهُ شَيْءٌ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ كَمَا فَعَلَ الْجَانِي، فَتَسَاوَيَا فِي ذَلِكَ؛ فَلَمْ يَنِزَّ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ زِيَادَةً عَلَى حَقِّهِ (وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ جُرْحٍ بِمِسَاحَةٍ دُونَ كَثَافَةِ لَحْمٍ) لِأَنَّ حَدَّهُ الْعَظْمُ، وَالنَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِي قِلَّةِ اللَّحْمِ وَكَثْرَتِهِ، فَلَوْ رُوعِيَتْ الْكَثَافَةُ لَتَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ.
وَصِفَةُ الِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ: أَنْ يَعْمِدَ إلَى مَوْضِعِ الشَّجَّةِ مِنْ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ، فَيُعَلِّمَ طُولَهَا وَعَرْضَهَا بِخَشَبَةٍ أَوْ خَيْطٍ، وَيَضَعَهَا عَلَى رَأْسِ الشَّاجِّ وَيُعَلِّمَ طَرَفَيْهِ بِسَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَأْخُذَ حَدِيدَةً عَرْضُهَا كَعَرْضِ الشَّجَّةِ فَيَضَعَهَا فِي أَوَّلِ الشَّجَّةِ وَنَحْوِهَا إلَى آخِرِهَا، فَيَأْخُذُ مِثْلَ الشَّجَّةِ طُولًا وَعَرْضًا (فَمَنْ أَوْضَحَ بَعْضَ رَأْسٍ، وَالْبَعْضُ الَّذِي أَوْضَحَهُ كَرَأْسِهِ) أَيْ الشَّاجِّ (أَوْ أَكْبَرَ) مِنْ رَأْسِهِ (أَوْضَحَهُ) الْمَشْجُوجُ (فِي) رَأْسِهِ (كُلِّهِ، وَلَا أَرْشَ لِزَائِدٍ) لِئَلَّا يَجْتَمِعَ فِي جُرْحٍ وَاحِدٍ قِصَاصٌ وَدِيَةٌ (وَمَنْ أَوْضَحَهُ) أَيْ الرَّأْسَ (كُلَّهُ وَرَأْسُهُ) أَيْ الْجَانِي (أَكْبَرُ) مِنْ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ (أَوْضَحَهُ) قَدْرَ شَجَّتِهِ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ (مُشَاءٍ لِمُقْتَصٍّ) مِنْ رَأْسِ الشَّاجِّ (وَلَوْ كَانَتْ) الشَّجَّةُ (بِقَدْرِ بَعْضِ الرَّأْسِ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الشَّاجِّ وَالْمَشْجُوجِ (لَمْ يَعْدِلْ عَنْ جَانِبِهَا) أَيْ الشَّجَّةِ (إلَى غَيْرِهِ) لِئَلَّا تَفُوتَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَوْضِعِ (وَيُسْتَوْفَى جُرْحٌ وَمُوضِحَةٌ بِمُوسَى أَوْ حَدِيدَةٍ مَاضِيَةٍ) مُعَدَّةٍ لِذَلِكَ لَا يُخْشَى مِنْهَا الزِّيَادَةُ وَيَكُونُ الِاسْتِيفَاءُ (بِيَدِ مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ كَالْجَرَائِحِيِّ) وَمَنْ أَشْبَهَهُ مِمَّنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِذَلِكَ فَإِنْ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ خِبْرَةٌ بِذَلِكَ أَمَرَ بِالِاسْتِنَابَةِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ
نَوْعَيْ الْقِصَاصِ كَالنَّفْسِ (وَإِنْ اشْتَرَكَ عَدَدٌ) اثْنَانِ فَأَكْثَرُ (فِي قَطْعِ طَرَفٍ) عَمْدًا (أَوْ) اشْتَرَكَ عَدَدٌ فِي (جُرْحٍ مُوجِبٍ لِقَوَدٍ، وَلَوْ) كَانَ الْجُرْحُ (مُوضِحَةً وَلَمْ تَتَمَيَّزْ أَفْعَالُهُمْ كَأَنْ وَضَعُوا حَدِيدَةً) عَلَى يَدٍ وَتَحَامَلُوا (عَلَيْهَا) جَمِيعًا (حَتَّى بَانَتْ) الْيَدُ (فَعَلَى كُلٍّ) مِنْهُمْ (الْقَوَدُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ بِسَرِقَةٍ، فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَا: هَذَا هُوَ السَّارِقُ وَأَخْطَأْنَا فِي الْأَوَّلِ، فَرَدَّ شَهَادَتَهُمَا عَلَى الثَّانِي، وَغَرَّمَهُمَا دِيَةَ الْأَوَّلِ، وَقَالَ لَوْ عَلِمْت أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ، فَأَخَذَ فِيهِ الْجَمَاعَةَ بِالْوَاحِدِ كَالْأَنْفُسِ (وَمَعَ تَفَرُّقِ أَفْعَالِهِمْ أَوْ قَطْعِ كُلٍّ) مِنْهُمْ مِنْ (جَانِبٍ لَا قَوَدَ عَلَى أَحَدٍ) مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ كُلًّا لَمْ يَقْطَعْ الْيَدَ وَلَمْ يُشَارِكْ فِي قَطْعِ جَمِيعِهَا.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرَ (مَا لَمْ يَتَوَاطَئُوا) عَلَى تَفْرِيقِ جِنَايَاتِهِمْ كَأَنْ قَطَعَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْ جَانِبٍ أَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمْ بَعْضَ الْمَفْصِلِ وَأَتَمَّهُ غَيْرُهُ، أَوْ ضَرَبَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى حَدِيدَةٍ أَوْ نَحْوِهَا ضَرْبَةً حَتَّى انْفَصَلَتْ، أَوْ وَضَعُوا مِنْشَارًا عَلَى مَفْصِلٍ ثُمَّ (جَرَّهُ) كُلُّ وَاحِدٍ إلَيْهِ مَرَّةً حَتَّى بَانَتْ الْيَدُ وَنَحْوُهَا، فَإِنْ تَوَاطَئُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَفَعَلُوهُ، فَعَلَيْهِمْ الْقَوَدُ، لِمَا تَقَدَّمَ فِيمَا لَوْ اشْتَرَكَ عَدَدٌ فِي قَتْلِ وَاحِدٍ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا هُنَا وَمَا تَقَدَّمَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ، وَهُوَ أَنَّ الْأَطْرَافَ وَنَحْوَهَا يُعْتَبَرُ فِيهَا التَّسَاوِي، وَلِذَلِكَ لَا تُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بِالشَّلَّاءِ وَلَا الْيَدُ ذَاتُ الْأَصَابِعِ بِنَاقِصَتِهَا، بِخِلَافِ النَّفْسِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ الْكَامِلُ بِالنَّاقِصِ، وَالصَّحِيحُ بِالْمَرِيضِ، وَلِأَنَّ الْجِنَايَاتِ وَقَعَتْ مُخْتَلِفَةً، فَلَوْ قَطَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ جَانِبٍ، وَأَوْجَبْنَا الْقَوَدَ، لَقُطِعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَقْطَعْ مِثْلَهُ، وَالتَّسَاوِي شَرْطٌ
(وَتُضْمَنُ سِرَايَةُ جِنَايَةٍ حَتَّى وَلَوْ) بَعْدَ أَنْ (انْدَمَلَ جُرْحٌ وَاقْتُصَّ) مِنْ جَانٍ (ثُمَّ انْتَفَضَ) الْجُرْحُ (فَسَرَى) لِحُصُولِ التَّلَفِ بِفِعْلِ الْجَانِي، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاشَرَهُ (بِقَوَدٍ وَدِيَةٍ فِي نَفْسٍ وَدُونِهَا) يَتَعَلَّقُ بِتَضَمُّنٍ، فَلَوْ هَشَّمَهُ فِي رَأْسِهِ، فَسَرَى إلَى ذَهَابِ ضَوْءِ عَيْنِهِ ثُمَّ مَاتَ، اُقْتُصَّ مِنْهُ فِي النَّفْسِ وَأُخِذَ مِنْهُ دِيَةُ بَصَرِهِ (فَلَوْ قَطَعَ أُصْبُعًا فَتَأَكَّلَتْ) أُصْبُعٌ (أُخْرَى) بِجَانِبِهَا (أَوْ) تَأَكَّلَتْ (الْيَدُ وَسَقَطَتْ مِنْ مَفْصِلٍ فَالْقَوَدُ) فِيمَا سَقَطَ (وَفِيمَا يُشَلُّ الْأَرْشُ) ؛ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْقِصَاصِ فِي الشَّلَلِ، وَإِنْ سَرَتْ إلَى النَّفْسِ فَالْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ (وَسِرَايَةُ الْقَوَدِ هَدَرٌ) ؛ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ: مَنْ مَاتَ مِنْ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ لَا دِيَةَ لَهُ، الْحَقُّ قَتَلَهُ رَوَاهُ سَعِيدٌ بِمَعْنَاهُ.
وَلِأَنَّهُ قَطْعٌ بِحَقٍّ، فَكَمَا أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَكَذَا سِرَايَتُهُ كَقَطْعِ السَّارِقِ (فَلَوْ قَطَعَ طَرَفًا قَوَدًا فَسَرَى إلَى النَّفْسِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى قَاطِعٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (لَكِنْ لَوْ قَطَعَهُ) أَيْ قَطَعَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْجَانِيَ (قَهْرًا) بِلَا إذْنِهِ وَلَا إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (مَعَ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ) أَوْ حَالٍ لَا يُؤْمَنُ فِيهَا الْخَوْفُ مِنْ السِّرَايَةِ (أَوْ) قَطَعَهُ (بِآلَةٍ كَالَّةٍ أَوْ) بِآلَةٍ (مَسْمُومَةٍ وَنَحْوِهِ) كَحَرْقِهِ طَرَفًا يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ فِيهِ، فَيَمُوتُ جَانٍ (لَزِمَهُ) أَيْ الْمُقْتَصَّ (بَقِيَّةُ الدِّيَةِ) أَيْ يَضْمَنُ دِيَةَ النَّفْسِ مَنْقُوصًا مِنْهَا دِيَةُ الْعُضْوِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ فِيهِ الْقِصَاصُ فَإِنْ وَجَبَ فِي يَدٍ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ وَجَبَ فِي جَفْنٍ فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا وَهَكَذَا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ فِي أَنْفٍ أَوْ ذَكَرٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا فِيهِ دِيَةٌ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
(وَيَحْرُمُ) قِصَاصٌ (فِي طَرَفٍ وَيَتَّجِهُ وَ) كَذَا يَحْرُمُ قِصَاصٌ فِي (جُرْحٍ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ (حَتَّى يَبْرَأَ) ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَجُلٍ وَجَرَحَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَقِيدَ، فَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُسْتَقَادَ مِنْ الْجَارِحِ حَتَّى يَبْرَأَ الْمَجْرُوحُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
(فَإِنْ اقْتَصَّ) مَجْرُوحٌ (قَبْلَ) بُرْءِ جُرْحِهِ (فَسِرَايَتُهُمَا) أَيْ: جُرْحِ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَعْدَ اقْتِصَاصِهِ قَبْلَ بُرْئِهِ (هَدَرٌ) أَمَّا الْجَانِي فَلِمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَلِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَجُلًا طُعِنَ بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَجَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَقِدْنِي فَقَالَ: حَتَّى تَبْرَأَ، ثُمَّ جَاءَ إلَيْهِ، فَقَالَ: أَقِدْنِي فَأَقَادَهُ، ثُمَّ جَاءَ إلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: عَرِجْت فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُك، فَعَصَيْتنِي، فَأَبْعَدَك اللَّهُ، وَبَطَلَ عَرَجُك، ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَحْمَدُ.
فَعَلَى هَذَا، إنْ اقْتَصَّ قَبْلَ الْبُرْءِ بَطَلَ حَقُّهُ مِنْ سِرَايَةِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ بِاقْتِصَاصِهِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ رَضِيَ بِتَرْكِ مَا يَزِيدُ عَلَيْهِ بِالسِّرَايَةِ، فَبَطَلَ حَقُّهُ مِنْهُ كَمَا لَوْ رَضِيَ بِتَرْكِ الْقِصَاصِ، وَقَوْلُهُ: الْقِرَنُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ: الْجَعْبَةُ وَالسَّيْفُ وَالنَّبْلُ، وَقَوْلُهُ: بَطَلَ عَرَجُهُ؛ أَيْ: ذَهَبَ ضَيَاعًا وَخُسْرًا، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ ".
[كِتَابُ الدِّيَاتِ]
ِ (جَمْعُ دِيَةٍ وَهِيَ) مَصْدَرٌ.
وَدِيَةُ الْقَتِيلِ إذَا أُدِّيَتْ دِيَتُهُ كَالْعِدَّةِ مِنْ الْوَعْدِ وَشَرْعًا (الْمَالُ الْمُؤَدَّى إلَى مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيِّهِ أَوْ وَارِثِهِ بِسَبَبِ جِنَايَةٍ) وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] وَفِي الْخَبَرِ: «فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» ) .
وَفِي حَدِيثِ النَّسَائِيّ وَمَالِكٍ فِي " الْمُوَطَّإِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ كِتَابًا إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ، وَقَالَ فِيهِ: وَفِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ كِتَابٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ، وَمَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْرِفَةً يُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ الْإِسْنَادِ؛ وَلِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْمُتَوَاتِرَ فِي مَجِيئِهِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ تَأْتِي فِي مَوَاضِعِهَا.
(وَمَنْ أَتْلَفَ إنْسَانًا) مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُعَاهَدًا بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ بِسَبَبٍ كَشَهَادَةٍ عَلَيْهِ، أَوْ أَكْرَهَ عَلَى قَتْلِهِ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ تَعَدِّيًا؛ فَالدِّيَةُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] (أَوْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْهُ بِمُبَاشَرَةٍ وَسَبَبٍ، فَدِيَةُ عَمْدٍ فِي مَالِهِ) أَيْ: الْجَانِي؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ، وَلِأَنَّ مُوجِبَ الْجِنَايَةِ أَثَرُ فِعْلِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَصَّ بِضَرَرِهَا، وَتَكُونُ حَالَّةً، وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا فِي الْخَطَأِ لِكَثْرَتِهِ، فَيَكْثُرُ الْوَاجِبُ فِيهِ، وَيَعْجِزُ الْخَاطِئُ غَالِبًا عَنْ تَحَمُّلِهِ مَعَ قِيَامِ عُذْرِهِ، وَوُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ وَرِفْقًا بِهِ، وَالْعَامِدُ لَا عُذْرَ لَهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ، وَلَا يُوجَدُ فِيهِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلْمُوَاسَاةِ.
(وَ) دِيَةُ (غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْعَمْدِ وَهُوَ الْخَطَأُ وَشِبْهُ الْعَمْدِ (عَلَى عَاقِلَتِهِ) ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَا خِلَافَ فِيهِ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، إجْمَاعَ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(وَلَا تُطْلَبُ دِيَةُ طَرَفٍ) قَبْلَ بُرْئِهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) كَذَا لَا تُطْلَبُ دِيَةُ (جُرْحٍ قَبْلَ بُرْئِهِ) كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فَمَنْ
أَلْقَى عَلَى آدَمِيٍّ أَفْعَى) أَيْ: حَيَّةً خَبِيثَةً - قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ " - فَقَتَلَتْهُ (أَوْ أَلْقَاهُ عَلَيْهَا) ؛ أَيْ: الْأَفْعَى (فَقَتَلَتْهُ أَوْ طَلَبَهُ) ؛ أَيْ: الْآدَمِيُّ (بِسَيْفٍ وَنَحْوِهِ) كَخِنْجَرٍ مُجَرَّدٍ وَكَذَا لَوْ طَلَبَهُ بِدَبُّوسٍ أَوْ لُتَّ، وَنَحْوِهِ (فَتَلِفَ) الْآدَمِيُّ (فِي هَرَبِهِ، وَلَوْ) كَانَ الْهَارِبُ (غَيْرَ ضَرِيرٍ) فَفِيهِ الدِّيَةُ، سَوَاءٌ سَقَطَ مِنْ شَاهِقٍ، أَوْ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ، أَوْ خَرَّ فِي بِئْرٍ، أَوْ غَرِقَ فِي مَاءٍ أَوْ لَقِيَهُ سَبُعٌ فَافْتَرَسَهُ، أَوْ احْتَرَقَ بِنَارٍ، صَغِيرًا كَانَ الْمَطْلُوبُ أَوْ كَبِيرًا، عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا؛ لِتَلَفِهِ بِسَبَبِ عُدْوَانِهِ.
قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ " وَ " الْبُلْغَةِ ": وَعِنْدِي أَنَّهُ كَذَلِكَ إذَا انْدَهَشَ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْبِئْرِ، أَمَّا إذَا تَعَمَّدَ إلْقَاءَ نَفْسِهِ مَعَ الْقَطْعِ بِالْهَلَاكِ؛ فَلَا خَلَاصَ مِنْ الْهَلَاكِ بِالْهَلَاكِ فَيَكُونُ كَالْمُبَاشِرِ مَعَ الْمُتَسَبِّبِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْت: الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُجْزَمَ بِهِ أَنَّهُ مُرَادُ الْأَصْحَابِ، وَكَلَامُهُمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ (أَوْ رَوَّعَهُ بِأَنْ شَهَرَهُ) ؛ أَيْ: السَّيْفَ وَنَحْوَهُ (فِي وَجْهِهِ) فَمَاتَ خَوْفًا (أَوْ دَلَّاهُ مِنْ شَاهِقٍ فَمَاتَ أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ) خَوْفًا (أَوْ حَفَرَ بِئْرًا مُحَرَّمًا حَفْرُهُ) كَفِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ (أَوْ وَضَعَ حَجَرًا، أَوْ قِشْرَ بِطِّيخٍ، أَوْ صَبَّ مَاءً بِفِنَائِهِ) ؛ أَيْ: مَا اتَّسَعَ أَمَامَ دَارِهِ (أَوْ بِطَرِيقٍ، وَيَتَّجِهُ لَا) إنْ كَانَ صَبُّ الْمَاءِ بِالْأَفْنِيَةِ وَالطُّرُقِ (لِنَفْعٍ عَامٍّ) كَتَسْكِينِ الْغُبَارِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَاصِدًا بِهِ الثَّوَابَ (وَلَمْ يُسْرِفْ) فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (أَوْ بِاَلَّتِي بِهَا) ؛ أَيْ الطَّرِيقِ (دَابَّتُهُ وَيَدُهُ عَلَيْهَا كَرَاكِبٍ
وَسَائِقٍ وَقَائِدٍ) أَوْ بَالَ هُوَ بِالطَّرِيقِ، فَتَلِفَ بِهِ آدَمِيٌّ؛ فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَكَذَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ مِنْ مَاشِيَةٍ أَوْ تَكَسَّرَ مِنْ أَعْضَاءٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ عَلَيْهَا إذْ ذَاكَ؛ فَلَا ضَمَانَ.
(أَوْ رَمَى) شَخْصٌ (مِنْ مَنْزِلِهِ) أَوْ مِنْ غَيْرِهِ (نَحْوَ حَجَرٍ) كَقِطْعَةِ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ مِمَّا يُمْكِنُ التَّلَفُ بِهِ [أَوْ حَمَلَ] (بِيَدِهِ رُمْحًا جَعَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ خَلْفَهُ) [لَا] إنْ جَعَلَهُ (قَائِمًا فِي الْهَوَاءِ وَهُوَ يَمْشِي) ؛ لِأَنَّهُ لَا عُدْوَانَ مِنْهُ حِينَئِذٍ (أَوْ وَقَعَ عَلَى نَائِمٍ بِفِنَاءِ جِدَارٍ، فَأَتْلَفَ إنْسَانًا) غَيْرَ النَّائِمُ (أَوْ تَلِفَ بِهِ) النَّائِمُ (فَمَاتَ مَعَ قَصْدِ) تَعَدٍّ، كَإِلْقَاءِ الْأَفْعَى عَلَيْهِ أَوْ إلْقَائِهِ عَلَيْهَا، وَالتَّرْوِيعُ وَالتَّدْلِيَةُ مِنْ شَاهِقٍ (شِبْهُ عَمْدٍ، وَإِلَّا) يَكُنْ مَعَ قَصْدٍ (فَخَطَأٌ) وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِ جَانٍ " وَإِنْ أَكْرَهَهَا " (عَلَى الزِّنَا فَحَمَلَتْ وَمَاتَتْ فِي الْوِلَادَةِ فَحُكْمُهُ كَخَطَأٍ) تَحْمِلُهُ عَاقِلَةٌ إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ غَالِبًا، أَمَّا إنْ ثَبَتَ بِاعْتِرَافِهِ فَتَكُونُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الِاعْتِرَافَ.
(وَمَنْ سَلَّمَ عَلَى غَيْرِهِ) فَمَاتَ (أَوْ أَمْسَكَ يَدَهُ فَمَاتَ) ، فَهَدَرٌ.
(وَيَتَّجِهُ) لَا إنْ كَانَ (عَدُوًّا) فَأَمْسَكَ يَدَهُ أَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ (مُوَبِّخًا لَهُ) بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ (وَمَاتَ فَزَعًا) مِنْهُ؛ فَيَضْمَنُهُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ بِجِنَايَتِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ ضَرَبَهُ بِنَحْوِ قَلَمٍ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ فَمَاتَ) أَوْ أَجْلَسَهُ أَوْ أَقَامَهُ فَمَاتَ (أَوْ تَلِفَ وَاقِعٌ عَلَى نَائِمٍ وَنَحْوِهِ، وَيَتَّجِهُ) إنْ كَانَ النَّائِمُ (غَيْرَ مُتَعَدٍّ) بِنَوْمِهِ كَمَنْ نَامَ بِمِلْكِهِ أَوْ بِبَرِّيَّةٍ أَوْ مَسْجِدٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فَهَدَرٌ) ؛ لِعَدَمِ الْجِنَايَةِ (وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا يَحْرُمُ حَفْرُهَا) كَبِمَسْجِدٍ أَوْ مَوْضِعِ الْمُرُورِ مِنْ الطَّرِيقِ أَوْ
فِي مِلْكِ غَيْرِهِ (وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا) أَوْ كِيسَ دَرَاهِمَ (فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ، فَمَاتَ، ضَمِنَ وَاضِعُ) الْحَجَرِ وَنَحْوِهِ دُونَ الْحَافِرِ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الْحُرِّ؛ لِأَنَّ الْحَجَرَ وَنَحْوَهُ (كَدَافِعٍ إذَا تَعَدَّيَا) ؛ لِأَنَّ الْحَافِرَ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ الْقَتْلَ لِمُعَيَّنٍ عَادَةً، بِخِلَافِ الْمُكْرِهِ (وَإِلَّا) يَتَعَدَّيَا جَمِيعًا، (فَ) الضَّمَانُ (عَلَى مُتَعَدٍّ مِنْهُمَا) فَقَطْ، فَلَوْ كَانَ الْحَافِرُ هُوَ الْمُتَعَدِّي بِحَفْرِهِ دُونَ وَاضِعِ الْحَجَرِ بِأَنْ كَانَ وَضَعَهُ لِمَصْلَحَةٍ كَوَضْعِهِ فِي وَحْلٍ لِيَدُوسَ عَلَيْهِ النَّاسُ، كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ دُونَ وَاضِعِ الْحَجَرِ (وَإِلَّا) يَتَعَدَّيَا وَلَا أَحَدُهُمَا؛ بِأَنْ كَانَ الْبِئْرُ فِي مِلْكِهِ أَوْ مَوَاتٍ أَوْ فِي طَرِيق وَاسِعٍ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ بِلَا ضَرَرٍ، وَوَضَعَ الْحَجَرَ بِطِينٍ لِيَطَأَ النَّاسُ عَلَيْهِ (فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا) ؛ لِعَدَمِ الْعُدْوَانِ.
(وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا قَصِيرَةً، فَعَمَّقَهَا آخَرُ) تَعَدِّيًا (فَضَمَانُ تَالِفٍ) بِسُقُوطٍ فِيهَا (بَيْنَهُمَا) ؛ لِحُصُولِ السَّبَبِ مِنْهُمَا (وَإِنْ وَضَعَ ثَالِثٌ فِيهَا سِكِّينًا) وَنَحْوَهَا (فَوَقَعَ عَلَيْهَا) شَخْصٌ فَمَاتَ (فَ) الدِّيَةُ (أَثْلَاثًا عَلَى عَوَاقِلِهِمْ) أَيْ: عَلَى عَوَاقِلِ الثَّلَاثَةِ نَصًّا، لِتَسَبُّبِهِمْ فِي قَتْلِهِ (وَإِنْ حَفَرَهَا) أَيْ: الْبِئْرَ (بِمِلْكِهِ وَسَتَرَهَا لِيَقَعَ فِيهَا أَحَدٌ، فَمَنْ دَخَلَ) الْمَحَلَّ الَّذِي بِهِ الْبِئْرُ (بِإِذْنِهِ) أَيْ: الْحَافِرِ (وَتَلِفَ بِهَا) أَيْ: الْبِئْرِ (فَ) عَلَى حَافِرِهَا (الْقَوَدُ) لِتَعَمُّدِهِ قَتْلَهُ عُدْوَانًا كَمَا لَوْ قَدَّمَ لَهُ طَعَامًا مَسْمُومًا فَأَكَلَهُ، (وَإِلَّا) ؛ بِأَنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ (فَلَا) ضَمَانَ (كَ) مَا لَوْ كَانَتْ الْبِئْرُ (مَكْشُوفَةً بِحَيْثُ يَرَاهَا) دَاخِلٌ (بَصِيرٌ وَلَا ظُلْمَةَ) ثَمَّةَ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ عَلَى نَفْسِهِ كَأَكْلِ السُّمِّ عَالِمًا بِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ الدَّاخِلُ بِالْإِذْنِ أَعْمَى أَوْ كَانَ بَصِيرًا، لَكِنْ فِي ظُلْمَةٍ لَا يُبْصِرُ الْبِئْرَ (ضَمِنَهُ) الْآذِنُ؛ لِتَسَبُّبِهِ فِي هَلَاكِهِ وَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الدَّار: مَا أَذِنْت لَهُ فِي الدُّخُولِ، وَادَّعَى وَلِيُّ الْهَالِكِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أَيْ: حَافِرِ الْبِئْرِ بِمِلْكِهِ (فِي عَدَمِ إذْنِهِ) لِدَاخِلٍ فِي الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِذْنِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ حَافِرٍ (فِي كَشْفِهَا) ؛ لِدَاخِلٍ فِي الدُّخُولِ، يَعْنِي لَوْ أَدَّى حَافِرُ الْبِئْرِ فِي مِلْكِهِ أَنَّهَا كَانَتْ مَكْشُوفَةً بِحَيْثُ يَرَاهَا الدَّاخِلُ مَعَ
دَعْوَى وَلِيِّ الدَّاخِلِ أَنَّهَا كَانَتْ مُغَطَّاةً؛ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَ وَلِيِّ الدَّاخِلِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْشُوفَةً لَمْ يَسْقُطْ فِيهَا، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهَا كَانَتْ مُغَطَّاةً؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ.
(وَإِنْ تَلِفَ أَجِيرٌ) مُكَلَّفٌ (لِحَفْرِهَا بِهَا) فَهَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي قَتْلِهِ بِمُبَاشَرَةٍ وَلَا سَبَبٍ (أَوْ دَعَا مَنْ يَحْفِرُ لَهُ بِدَارِهِ) وَأَرْضِهِ حَفِيرَةً (أَوْ) مَنْ يَحْفِرُ لَهُ (بِمَعْدِنٍ) يَسْتَخْرِجُهُ لَهُ (فَمَاتَ بِهَدْمِ) ذَلِكَ عَلَيْهِ بِلَا فِعْلِ أَحَدٍ (فَهَدَرٌ) نَصًّا؛ لِمَا تَقَدَّمَ (وَكَذَا لَوْ نَصَبَ شَرَكًا أَوْ شَبَكَةً أَوْ مِنْجَلًا لِصَيْدٍ بِغَيْرِ طَرِيقٍ) فَتَلِفَ بِذَلِكَ شَيْءٌ فَهَدَرٌ؛ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ، وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ، سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِيمَا فِيهِ ضَرَرٌ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ الْإِمَامُ لَضَمِنَ مَا يَتْلَفُ بِهِ؛ لِعُدْوَانِهِ، فَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا فَحَفَرَ الْبِئْرَ فِي مَكَان يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ كَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ؛ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ حَفَرَهَا فِي مَكَان لَا يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ وَحَفَرَهَا لِنَفْسِهِ؛ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ حَفَرَهَا لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ فِي الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ بِلَا ضَرَرٍ؛ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ حَفَرَهَا فِي مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ؛ لِتَعَدِّيهِ بِالْحَفْرِ.
(وَمَنْ قَيَّدَ حُرًّا مُكَلَّفًا وَغَلَّهُ) فِي رَقَبَتِهِ (أَوْ غَصَبَ صَغِيرًا) فَتَلِفَ بِحَيَّةٍ (أَوْ صَاعِقَةٍ) وَهِيَ نَارٌ تَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ فِيهَا رَعْدٌ شَدِيدٌ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ (فَالدِّيَةُ) لِهَلَاكِهِ فِي حَالِ تَعَدِّيهِ بِحَبْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ الصَّغِيرَ وَلَمْ يُغِلَّهُ فَالدِّيَةُ لِضَعْفِهِ عَنْ الْهَرَبِ مِنْ الصَّاعِقَةِ وَالْبَطْشِ، أَوْ دَفْعِهَا عَنْهُ (قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمِثْلُ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: مِثْلُ الْحَيَّةِ وَالصَّاعِقَةِ (كُلُّ سَبَبٍ يَخْتَصُّ الْبُقْعَةَ كَوَبَاءٍ وَانْهِدَامِ سَقْفٍ أَوْ بَيْتٍ عَلَيْهِ) وَنَحْوِهَا انْتَهَى.
وَ (لَا) يَضْمَنُ الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ مَنْ قَيَّدَهُ وَغَلَّهُ، أَوْ الصَّغِيرَ إنْ حَبَسَهُ (إنْ مَاتَ بِمَرَضٍ أَوْ عِلَّةٍ، أَوْ) مَاتَ (فَجْأَةً) نَصًّا؛ لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ، وَلَا جِنَايَةَ إذَنْ، وَأَمَّا الْقِنُّ فَيَضْمَنُهُ غَاصِبُهُ تَلِفَ أَوْ أُتْلِفَ.
[فَصْلٌ تَجَاذَبَ حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ نَحْوَ حَبْلٍ كَثَوْبٍ فَانْقَطَعَ مَا تَجَاذَبَاهُ فَسَقَطَا فَمَاتَا]
فَصْلٌ
(وَإِنْ) (تَجَاذَبَ حُرَّانِ) بَصِيرَانِ أَوْ ضَرِيرَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا (مُكَلَّفَانِ نَحْوَ حَبْلٍ) كَثَوْبٍ (فَانْقَطَعَ) مَا تَجَاذَبَاهُ " (فَسَقَطَا فَمَاتَا) (فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ) مِنْهُمَا (دِيَةُ الْآخَرِ) " هَذَا الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيِّ وَ " الْمُحَرَّرُ " وَ " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحُ " وَالزَّرْكَشِيُّ " وَالنَّظْمُ " وَالْوَجِيزُ " وَ " الْمُنَوِّرُ " وَ " مُنْتَخَبُ الْآدَمِيِّ " وَغَيْرُهُمْ؛ لِتَسَبُّبِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي قَتْلِ الْآخَرِ (وَقِيلَ بَلْ) يَجِبُ (نِصْفُهَا) أَيْ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ تَخْرِيجٌ لِبَعْضِهِمْ (لِأَنَّهُ هَلَكَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَ) فِعْلِ صَاحِبِهِ، (فَيُهْدَرُ فِعْلُ نَفْسِهِ) وَيَبْقَى فِعْلُ صَاحِبِهِ.
(وَيَتَّجِهُ صِحَّتُهُ) أَيْ: صِحَّةُ هَذَا الْقَوْلِ (لِمُوَافَقَتِهِ الْقَوَاعِدَ) وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَيْهِ، لَكِنَّ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلُ (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُنْكَبًّا فَنِصْفُ دِيَتِهِ) عَلَى عَاقِلَةِ الْمُسْتَلْقِي (مُغَلَّظَةٍ) لِأَنَّ قَتْلَ الْمُنْكَبِّ شِبْهُ الْعَمْدِ، (وَنِصْفُ دِيَةِ الْمُسْتَلْقِي) عَلَى عَاقِلَةِ الْمُنْكَبِّ (مُخَفَّفَةٍ) لِأَنَّ قَتْلَهُ شِبْهُ الْخَطَأِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ " (وَإِنْ اصْطَدَمَا وَلَوْ) كَانَا ضَرِيرَيْنِ (أَوْ) كَانَ أَحَدُهُمَا ضَرِيرًا، (فَمَاتَا فَ) هُمَا (كَمُتَجَاذِبَيْنِ) عَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ.
رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: وَإِنْ اصْطَدَمَتْ امْرَأَتَانِ حَامِلَتَانِ، فَكَالرَّجُلَيْنِ، فَإِنْ أَسْقَطَ كُلٌّ مِنْهُمَا جَنِينَهَا، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُ ضَمَانِ جَنِينِهَا وَنِصْفُ ضَمَانِ جَنِينِ صَاحِبَتِهَا؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي قَتْلِهِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِتْقُ ثَلَاثِ رِقَابٍ، وَاحِدَةٌ لِقَتْلِ صَاحِبَتِهَا، وَاثْنَتَانِ لِمُشَارَكَتِهَا فِي الْجَنِينِ.
وَإِنْ أَسْقَطَتْ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى اشْتَرَكَتَا فِي ضَمَانِهِ، (وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا عِتْقُ رَقَبَتَيْنِ، رَقَبَةٍ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي قَتْلِ الْجَنِينِ) وَرَقَبَةٍ بِقَتْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا الْأُخْرَى، وَدِيَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ الْأُخْرَى.
إنْ لَمْ يَكُنْ عَمْدًا يَقْتُلُ غَالِبًا، (وَإِنْ اصْطَدَمَا) أَيْ الْحُرَّانِ الْمُكَلَّفَانِ، بِأَنْ صَدَمَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ، (عَمْدًا، أَوْ) ذَلِكَ الِاصْطِدَامُ (يَقْتُلُ غَالِبًا) فَهُوَ (عَمْدٌ يَلْزَمُ كُلًّا) مِنْهُمَا (دِيَةُ الْآخَرِ فِي ذِمَّتِهِ، فَيَتَقَاصَّانِ) إنْ كَانَا مُتَكَافِئَيْنِ بِأَنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ (أَوْ) أُنْثَيَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كِتَابِيَّيْنِ أَوْ مَجُوسِيَّيْنِ حَيْثُ تَسَاوَتْ الدِّيَتَانِ، وَعِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا يَسْقُطُ مِنْ الْأَكْثَرِ (بِقَدْرِ الْأَقَلِّ) وَيُؤْخَذُ مَا بَقِيَ مِنْ تَرِكَةِ الْآخَرِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ صَدَمَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَقَطْ، فَالضَّمَانُ عَلَى الصَّادِمِ وَحْدَهُ، فَإِنْ
كَانَ عَمْدًا فِي مَقْتَلٍ فَالْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَ قَصْدًا فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ فَخَطَأٌ، (وَإِلَّا) يَكُنْ الصَّدْمُ يَقْتُلُ غَالِبًا (فَ) هُوَ (شِبْهُ عَمْدٍ) فِيهِ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِمَا، وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا (وَإِنْ كَانَا) ؛ أَيْ: الْمُصْطَدِمَانِ (رَاكِبَيْنِ، أَوْ) كَانَ (أَحَدُهُمَا) رَاكِبًا وَالْآخَرُ مَاشِيًا (فَمَا تَلِفَ مِنْ دَابَّتَيْهِمَا) أَوْ دَابَّةِ أَحَدِهِمَا (فَقِيمَتُهُ عَلَى الْآخَرِ) وَلَوْ كَانَتْ إحْدَى الدَّابَّتَيْنِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأُخْرَى؛ لِمَوْتِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ صَدْمَةِ الْآخَرِ كَمَا لَوْ كَانَتْ وَاقِفَةً، وَإِنْ نَقَصَتْ الدَّابَّتَانِ فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا [نَقْصُ] دَابَّةِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْ الْآخَرِ، فَأَدْرَكَهُ فَصَدَمَهُ فَمَاتَتْ الدَّابَّتَانِ أَوْ إحْدَاهُمَا، فَالضَّمَانُ عَلَى اللَّاحِقِ؛ لِأَنَّهُ الصَّادِمُ، وَإِنْ غَلَبَتْ الدَّابَّةُ رَاكِبَهَا؛ لَمْ يَضْمَنْ.
قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَتَيْنِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي، " التَّرْغِيبِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ.
" (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) ؛ أَيْ: الْمُصْطَدِمَيْنِ (وَاقِفًا أَوْ قَاعِدًا) وَالْآخَرُ سَائِرًا (فَضَمَانُ مَالِهِمَا) ؛ أَيْ: الْوَاقِفِ وَالْقَاعِدِ (عَلَى سَائِرٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ الصَّادِمُ الْمُتْلِفُ (وَدِيَتُهُمَا) ؛ أَيْ: الْقَاعِدِ وَالْوَاقِفِ (عَلَى عَاقِلَتِهِ) ؛ أَيْ: السَّائِرِ؛ لِحُصُولِ التَّلَفِ بِصَدْمِهِ، وَإِنْ انْحَرَفَ الْوَاقِفُ فَصَادَفَتْ الصَّدْمَةُ انْحِرَافَهُ فَهُمَا كَالسَّائِرَيْنِ (كَمَا لَوْ كَانَا) ؛ أَيْ: الْوَاقِفُ وَالْقَاعِدُ (بِطَرِيقٍ ضَيِّقٍ مَمْلُوكٍ لَهُمَا) وَصَدَمَهُمَا السَّائِرُ فَيَضْمَنُهُمَا وَمَا يَتْلَفُ مِنْ مَالِهِمَا؛ لِتَعَدِّيهِ بِسُلُوكِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ (إلَّا إنْ كَانَا) ؛ أَيْ: الْوَاقِفُ وَالْقَاعِدُ (بِ) طَرِيقٍ (ضَيِّقٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لَهُمَا، فَلَا يَضْمَنُهُمَا السَّائِرُ؛ لِتَعَدِّيهِمَا) بِالْوُقُوفِ وَالْقُعُودِ فِي الضَّيِّقِ غَيْرِ الْمَمْلُوكِ لَهُمَا (وَلَا يَضْمَنَانِ) ؛ أَيْ: لَا يَضْمَنُ وَاقِفٌ أَوْ قَاعِدٌ بِضَيِّقٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ سَائِرًا صَدَمَهُمَا (لِحُصُولِ الصَّدْمِ مِنْهُ) نَصًّا، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " النَّظْمِ " وَ " الرِّعَايَتَيْنِ " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ".
(وَإِنْ اصْطَدَمَ قِنَّانِ مَاشِيَانِ فَمَاتَا؛ فَهُمَا هَدَرٌ) لِأَنَّ قِيمَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجَبَتْ فِي رَقَبَةِ الْآخَرِ وَقَدْ تَلِفَ الْمَحَلُّ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ، فَذَهَبَا هَدَرًا (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَقِيمَتُهُ) ؛ أَيْ: قِيمَةُ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا (فِي رَقَبَةِ) الْعَبْدِ (الْآخَرِ كَسَائِرِ جِنَايَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ) الْمُصْطَدِمَيْنِ (حُرًّا وَقِنًّا، وَمَاتَا فَقِيمَةُ قِنٍّ فِي تَرِكَةِ حُرٍّ) لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ قِيمَةَ عَبْدٍ (وَ) تَجِبُ (دِيَتُهُ) ؛ أَيْ: دِيَةُ الْحُرِّ كَامِلَةً (فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ) إنْ اتَّسَعَتْ لَهَا.
(وَمَنْ أَرْكَبَ صَغِيرَيْنِ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيَتَّجِهُ لَا إنْ أَرْكَبَهُمَا لِخَوْفٍ عَلَيْهِمَا) كَمَا لَوْ وَجَدَهُمَا فِي فَلَاةٍ مُنْقَطِعَةٍ، فَحَمَلَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلَى إرْكَابِهِمَا، فَمُقْتَضَى مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ، وَالْمُحْسِنُ لَا يُسَاءُ بِغُرْمِ الدِّيَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ (فَاصْطَدَمَا فَمَاتَا فَدِيَتُهَا وَمَا تَلِفَ لَهُمَا مِنْ مَالِهِ) ؛ أَيْ: الْمُرْكِبِ لَهُمَا؛ لِتَعَدِّيهِ بِذَلِكَ، فَهُوَ سَبَبٌ لِلتَّلَفِ اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمُذَهَّبِ " وَ " الْخُلَاصَةِ " وَ " الْهَادِي " وَ " الْكَافِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْمُنَوِّرِ " وَغَيْرِهِمْ.
(وَيَتَّجِهُ وَعَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمُتَعَدِّي بِإِرْكَابِهِمَا (كَفَّارَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي قَتْلِهِمَا؛ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِمَحْوِ الذَّنْبِ الصَّادِرِ مِنْهُ؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ أَرْكَبَهُمَا وَلِيٌّ لِمَصْلَحَةٍ كَتَمْرِينٍ عَلَى رُكُوبِ) مَا يَصْلُحُ لِرُكُوبِهِمَا، وَكَانَا يَثْبُتَانِ بِأَنْفُسِهِمَا (أَوْ رَكِبَا مِنْ) عِنْدَ (أَنْفُسِهِمَا) (فَ) هُمَا (كَبَالِغَيْنِ مُخْطِئَيْنِ) عَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مَا تَلِفَ مِنْ مَالِ الْآخَرِ.
(وَإِنْ اصْطَدَمَ كَبِيرٌ وَصَغِيرٌ، فَمَاتَ الصَّغِيرُ) فَقَطْ (ضَمِنَهُ الْكَبِيرُ، وَإِنْ مَاتَ الْكَبِيرُ) فَقَطْ (ضَمِنَهُ مُرْكِبُ الصَّغِيرِ) إنْ تَعَدَّى بِإِرْكَابِهِ، وَإِنْ أَرْكَبَهُ.
وَلِيُّهُ لِمَصْلَحَةٍ، أَوْ رَكِبَ مِنْ عِنْدَ نَفْسِهِ؛ فَكَبَالِغٍ مُخْطِئٍ عَلَى مَا سَبَقَ، وَنَقَلَ حَرْبٌ: إنْ حَمَلَ رَجُلٌ صَبِيًّا عَلَى دَابَّةٍ فَسَقَطَ؛ ضَمِنَهُ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ أَهْلُهُ بِحَمْلِهِ.
(وَمَنْ قَرَّبَ صَغِيرًا مِنْ هَدَفٍ فَأُصِيبَ) بِسَهْمٍ (ضَمِنَهُ مُقَرِّبُهُ دُونَ رَامٍ لَمْ يَقْصِدْهُ) لِأَنَّ الْمُقَرِّبَ هُوَ الَّذِي عَرَّضَهُ لِلتَّلَفِ، وَالرَّامِي بِتَقْرِيبِهِ لَمْ يُفَرِّطْ، فَالرَّامِي كَحَافِرِ بِئْرٍ، وَالْمُقَرِّبُ كَالدَّافِعِ لِلْوَاقِعِ فِيهَا، فَإِنْ قَصَدَهُ الرَّامِي ضَمِنَهُ وَحْدَهُ، لِمُبَاشَرَتِهِ الْقَتْلَ، وَالْمُقَرِّبُ مُتَسَبِّبٌ، وَإِنْ لَمْ يُقَرِّبْهُ أَحَدٌ ضَمِنَهُ رَامِيهِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَضْمَنُهُ مُقَرِّبُهُ، وَلَعَلَّهُ إنْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَحَلَّ يُرْمَى وَأَنَّهُ يَسْتَطِيعُ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ مُقَيَّدًا مَغْلُولًا.
(وَمَنْ أَرْسَلَهُ) ؛ أَيْ: الصَّغِيرَ (لِحَاجَةٍ) وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ (فَأَتْلَفَ) الصَّغِيرُ فِي إرْسَالِهِ (نَفْسًا أَوْ مَالًا؛ فَجِنَايَتُهُ) ؛ أَيْ: الصَّغِيرِ (خَطَأٌ مِنْ مُرْسِلِهِ) فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْمَالِ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ (وَإِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى الصَّغِيرِ (ضَمِنَهُ) مُرْسِلُهُ؛ لِتَسَبُّبِهِ.
ذَكَرَهُ فِي الْإِرْشَادِ " وَغَيْرِهِ (قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إنْ تَعَذَّرَ تَضْمِينُ الْجَانِي) ؛ أَيْ: عَلَى الصَّغِيرِ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ تَضْمِينُهُ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ، وَالْمُرْسِلُ مُتَسَبِّبٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ، (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ الْجَانِي ابْتِدَاءً (بَلْ) يَضْمَنُهُ مُرْسِلُهُ أَوَّلًا، وَ (قَرَارُ الضَّمَانِ) عَلَى الْجَانِي؛ لِمُبَاشَرَتِهِ (وَهُوَ) ؛ أَيْ: مَا قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ (حَسَنٌ) ؛ لِمُوَافَقَتِهِ لِلْقَوَاعِدِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمُرْسَلُ فِي حَاجَةٍ مِنْ قِبَلِ مُرْسِلِهِ (قِنًّا) لَمْ يَسْتَأْذِنْ سَيِّدَهُ حِينَ إرْسَالِهِ (فَكَغَصْبِهِ) فَيَضْمَنُ جِنَايَتَهُ، وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغَصْبِ.
(وَمَنْ أَلْقَى حَجَرًا أَوْ عِدْلًا مَمْلُوءًا بِسَفِينَةٍ، فَغَرِقَتْ) السَّفِينَةُ بِذَلِكَ (ضَمِنَ جَمِيعَ مَا فِيهَا) وَمَا تَلِفَ مِنْ أَجْزَائِهَا؛ لِحُصُولِ التَّلَفِ بِسَبَبِ فِعْلِهِ كَمَا لَوْ خَرَقَهَا.
(وَإِنْ رَمَى ثَلَاثَةً بِمَنْجَنِيقٍ فَقَتَلَ الْحَجَرُ رَابِعًا قَصَدُوهُ) ، أَيْ: الرُّمَاةُ (فَعَمْدٌ) فِيهِ الْقَوَدُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى "؛ لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا الْقَتْلَ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، كَمَا لَوْ ضَرَبُوهُ بِمُثَقَّلٍ يَقْتُلُ غَالِبًا.
وَفِي " الْإِقْنَاعِ " فَإِنْ قَصَدُوهُ وَقَصَدُوا جَمَاعَةً؛ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ خِلَافًا لَهُ (وَإِلَّا) يَقْصِدُوهُ (فَعَلَى عَوَاقِلِهِمْ دِيَتُهُ أَثْلَاثًا) ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ (وَإِنْ قَتَلَ) الْحَجَرُ (أَحَدَهُمْ) ؛ أَيْ: الرُّمَاةِ (سَقَطَ فِعْلُ نَفْسِهِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ) ؛ لِمُشَارَكَتِهِ فِي إتْلَافِ نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ شَارَكَ فِي قَتْلِ عَبْدِهِ أَوْ دَابَّتِهِ (وَعَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبِيهِ) لِوَرَثَتِهِ (ثُلُثَا دِيَتِهِ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِي مَسْأَلَةِ الْقَارِضَةِ وَالْقَارِصَةِ وَالْوَاقِصَةِ.
قَالَ الشَّعْبِيُّ وَذَلِكَ أَنَّ ثَلَاثَ جَوَارٍ اجْتَمَعْنَ، فَرَكِبَتْ إحْدَاهُنَّ عَلَى عُنُقِ الْأُخْرَى، وَقَرَصَتْ الثَّالِثَةُ الْمَرْكُوبَةَ فَقَمَصَتْ فَسَقَطَتْ الرَّاكِبَةُ فَوَقَصَتْ عُنُقَهَا، فَمَاتَتْ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عَلِيٍّ، فَقَضَى بِالدِّيَةِ أَثْلَاثًا عَلَى عَوَاقِلِهِنَّ، وَأَلْغَى الثُّلُثَ الَّذِي قَابَلَ فِعْلَ الْوَاقِصَةِ؛ لِأَنَّهَا أَعَانَتْ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهَا وَلِأَنَّ الْمَقْتُولَ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ فَلَمْ تَكْمُلْ الدِّيَةُ عَلَى شَرِيكِهِ، كَمَا لَوْ قَتَلُوا غَيْرَهُمْ، وَقِيَاسُهُ مَسْأَلَةُ التَّجَاذُبِ وَالتَّصَادُمِ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِيهِمَا.
قَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ ": وَهُوَ الْعَدْلُ، لَكِنَّ الْمَذْهَبَ مَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ زَادُوا) ؛ أَيْ: الرُّمَاةُ (عَلَى ثَلَاثَةٍ) وَقَتَلَ الْحَجَرُ (غَيْرَهُمْ) (فَالدِّيَةُ حَالَّةٌ فِي مَالِهِمْ) ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ وَلَا تَأْجِيلَ فِيهِ (وَلَا يَضْمَنُ مَنْ وَضَعَ الْحَجَرَ وَأَمْسَكَ الْكِفَّةَ) فَقَطْ حَيْثُ رَمَى غَيْرُهُ كَمَنْ (أَوْتَرَ) الْقَوْسَ (وَقَرَّبَ السَّهْمَ) وَلَمْ يَرْمِ، بَلْ يَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى الرَّامِي.
[فَصْلٌ أَتْلَفَ نَفْسَهُ أَوْ طَرَفَهُ خَطَأً]
فَصْلٌ (وَمَنْ أَتْلَفَ نَفْسَهُ أَوْ طَرَفَهُ خَطَأً فَهَدَرٌ كَعَمْدٍ) ؛ أَيْ: كَمَا لَوْ أَتْلَفَ نَفْسَهُ أَوْ طَرَفَهُ عَمْدًا، فَلَا دِيَةَ لَهُ إجْمَاعًا، وَجْهُ كَوْنِهِ لَا دِيَةَ لَهُ فِي الْخَطَأِ مَا رُوِيَ (أَنَّ عَامِرَ بْنَ الْأَكْوَعِ يَوْمَ خَيْبَرَ رَجَعَ سَيْفُهُ عَلَيْهِ، فَقَتَلَهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِيهِ بِدِيَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَوْ وَجَبَتْ فِيهِ لَبَيَّنَهَا) وَلَنُقِلَ نَقْلًا ظَاهِرًا، وَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ تَحْمِلْهَا الْعَاقِلَةُ؛ لَأَجْحَفَ بِهِ وُجُوبُ الدِّيَةِ؛ لِكَثْرَةِ الْخَطَأِ، لِأَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ مُوَاسَاةٌ لِلْجَانِي وَتَخْفِيفٌ عَنْهُ، وَلَيْسَ عَلَى الْجَانِي هَا هُنَا شَيْءٌ يُخَفِّفُ عَنْهُ، وَلَا يَقْتَضِي النَّظَرُ أَنْ تَكُونَ جِنَايَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ مَضْمُونَةً عَلَى غَيْرِهِ.
وَمَنْ وَقَعَ فِي بِئْرٍ (أَوْ) وَقَعَ (فِي حُفْرَةٍ ثُمَّ) وَقَعَ (ثَانٍ ثُمَّ) وَقَعَ (ثَالِثٌ ثُمَّ) وَقَعَ (رَابِعٌ فَمَاتُوا) كُلُّهُمْ (أَوْ) مَاتَ (بَعْضُهُمْ بِسَبَبِ سُقُوطِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ) بِلَا تَدَافُعٍ وَلَا تَجَاذُبٍ (فَدَمُ الرَّابِعِ هَدَرٌ) ؛ لِمَوْتِهِ بِسُقُوطِهِ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَلَيْهِ أَحَدٌ (وَدِيَةُ الثَّالِثِ عَلَى عَاقِلَتِهِ) ؛ أَيْ: عَاقِلَةِ الرَّابِعِ؛ لِمَوْتِهِ بِسُقُوطِهِ عَلَيْهِ (وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَيْهِمَا) ؛ أَيْ: عَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ؛ لِمَوْتِهِ بِسُقُوطِهِمَا عَلَيْهِ (وَدِيَةُ الْأَوَّلِ عَلَيْهِمْ) ؛ أَيْ: عَلَى عَوَاقِلِهِمْ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ؛ لِمَوْتِهِ بِسُقُوطِهِمْ عَلَيْهِ، (وَإِنْ جَذَبَ الْأَوَّلُ الثَّانِي، وَ) جَذَبَ (الثَّانِي الثَّالِثَ وَ) جَذَبَ (الثَّالِثُ الرَّابِعَ) فَدِيَةُ الرَّابِعِ عَلَى عَاقِلَةِ (الثَّالِثِ) ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِجَذْبِهِ لَهُ.
(وَيَتَّجِهُ) جَعْلُ دِيَةِ الثَّالِثِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي (وَ) عَاقِلَةِ (الرَّابِعِ) مُنَاصَفَةً، أَمَّا الثَّانِي فَبِجَذْبِهِ لَهُ، وَأَمَّا الرَّابِعُ فَلِسُقُوطِهِ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْمَذْهَبَ
مَا تَقَدَّمَ (وَ) دِيَةُ (الثَّانِي عَلَى) عَاقِلَتَيْ (الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ) نِصْفَيْنِ؛ لِمَوْتِهِ بِجَذْبِ الْأَوَّلِ وَسُقُوطِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ (وَدِيَةُ الْأَوَّلِ عَلَى) عَاقِلَتَيْ (الثَّانِي وَالثَّالِثِ نِصْفَيْنِ، كَذَا قِيلَ) قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " " وَالنَّظْمِ " وَ " " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " انْتَهَى.
وَقَطَعَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْمُنْتَهَى " قَالَ فِي شَرْحِهِ فِي الْأَصَحِّ: لِأَنَّهُ حَصَلَ مَوْتُهُ بِسُقُوطِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَلَيْهِ، (وَإِنْ) كَانَ (هَلَكَ الْأَوَّلُ بِوَقْعَةِ الثَّالِثِ) عَلَيْهِ (فَضَمَانُ نِصْفِهِ عَلَى) عَاقِلَةِ (الثَّانِي) لِمُشَارَكَتِهِ بِجَذْبِهِ لِلثَّالِثِ (وَالْبَاقِي) مِنْ دِيَتِهِ (هَدَرٌ) فِي مُقَابَلَةِ فِعْلِ نَفْسِهِ؛ لِمُشَارَكَتِهِ فِي قَتْلِهَا (وَلَوْ لَمْ يَسْقُطْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [بَلْ] مَاتُوا بِسُقُوطِهِمْ) ؛ أَيْ: بِنَفْسِ السُّقُوطِ، أَوْ مَاتُوا (لِعُمْقِ الْبِئْرِ) أَوْ كَانَ فِي الْبِئْرِ مَا يُغْرِقُ الْوَاقِعَ فَيَقْتُلُهُ (أَوْ اُحْتُمِلَ) فَلَمْ يُدْرَ أَمَاتُوا بِالسُّقُوطِ أَوْ لِكَوْنِ الْبِئْرِ عَمِيقًا يَمُوتُ الْوَاقِعُ فِيهِ بِنَفْسِ الْوُقُوعِ؟ (أَوْ قَتَلَهُمْ أَسَدٌ فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ وَلَمْ يَتَجَاذَبُوا) وَلَمْ يَتَدَافَعُوا (فَالْكُلُّ هَدَرٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَسَبُّبَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي تَلَفِ غَيْرِهِ.
(وَإِنْ تَجَاذَبَ أَوْ تَدَافَعَ أَوْ تَزَاحَمَ جَمَاعَةٌ عِنْدَ حُفْرَةٍ، فَسَقَطَ فِيهَا أَرْبَعَةٌ مُتَجَاذِبِينَ كَمَا وَصَفْنَا) بِأَنْ جَذَبَ الْأَوَّلُ الثَّانِيَ، وَ [الثَّانِي] الثَّالِثَ، وَ [الثَّالِثُ] الرَّابِعَ (فَقَتَلَهُمْ أَسَدٌ أَوْ نَحْوُهُ) كَسَبُعٍ وَحَيَّةٍ (فَدَمُ) السَّاقِطِ (الْأَوَّلِ بِهِ هَدَرٌ)
لِسُقُوطِهِ لَا بِفِعْلِ أَحَدٍ (وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الثَّانِي) لِجَذْبِهِ إيَّاهُ (وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي دِيَةُ الثَّالِثِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ دِيَةُ الرَّابِعِ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا إلَّا مُزَاحَمَةَ غَيْرِهِمْ لَهُمْ، وَتُسَمَّى مَسْأَلَةُ الزُّبْيَةِ، وَمَا رُوِيَ «أَنَّ عَلِيًّا قَضَى فِي نَحْوِ ذَلِكَ بِأَنْ يُجْمَعَ مِنْ قَبَائِلِ الَّذِينَ حَفَرُوا الْبِئْرَ رُبُعُ الدِّيَةِ، وَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَثُلُثُ الدِّيَةِ، وَالدِّيَةُ كَامِلَةٌ؛ فَلِلْأَوَّلِ الرُّبُعُ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ مِنْ فَوْقِهِ ثَلَاثَةٌ، وَلِلثَّانِي ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَلِلثَّالِثِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَلِلرَّابِعِ الدِّيَةُ كَامِلَةً فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ النَّقْلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
(وَمَنْ نَامَ عَلَى سَقْفٍ فَهَوَى) ؛ أَيْ: سَقَطَ (بِهِ عَلَى قَوْمٍ؛ لَزِمَهُ الْمُكْثُ) لِئَلَّا يَهْلِكَ بِانْتِقَالِهِ أَحَدٌ (وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ) مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ (بِدَوَامِ مُكْثِهِ أَوْ انْتِقَالِهِ) لِتَلَفِهِ بِسَبَبِهِ، وَ (لَا) يَضْمَنُ (مَا تَلِفَ بِسُقُوطِهِ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، بِخِلَافِ مُكْثِهِ وَانْتِقَالِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِسُقُوطِهِ (إلَّا إنْ تَحَقَّقَ هَوِيُّهُ) ؛ أَيْ: السَّقْفِ (بِسَبَبِهِ) ؛ أَيْ: بِسَبَبِ النَّائِمِ، كَأَنْ نَامَ عَلَى سَقْفٍ قَدِيمٍ جِدًّا وَكَانَ لَا يَثْبُتُ تَحْتَ مِثْلِهِ عَادَةً لِعَظْمِ جُثَّتِهِ وَرَدَاءَةِ الْحَائِطِ أَوْ السَّقْفِ وَعَدَمِ صَلَابَتِهِ فَهَوَى بِهِ؛ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِتَفْرِيطِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى طَعَامٍ غَيْرِ مُضْطَرٍّ أَوْ) إلَى (شَرَابِهِ، فَطَلَبَهُ) الْمُضْطَرُّ (فَمَنَعَهُ) رَبُّهُ (وَيَتَّجِهُ) (أَوْ امْتَنَعَتْ مُرْضِعَةُ طِفْلٍ) مِنْ إرْضَاعِهِ، وَهُوَ
مُتَّجِهٌ (حَتَّى مَاتَ) الْمُضْطَرُّ ضَمِنَ رَبُّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِدِيَتِهِ فِي مَالِهِ نَصًّا؛ لِقَضَاءِ عُمَرَ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ صَارَ أَحَقَّ بِهِ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الْمُضْطَرُّ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِعْلٌ يَكُونُ سَبَبًا لِهَلَاكِهِ، وَكَذَا إنْ مَنَعَهُ رَبُّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَهُوَ مُضْطَرٌّ أَوْ خَائِفٌ حُدُوثَ الضَّرَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بَذْلُهُ حِينَئِذٍ (أَوْ أَخَذَ طَعَامَ غَيْرِهِ، أَوْ) أَخَذَ (شَرَابَهُ) ؛ أَيْ: الْغَيْرِ (وَهُوَ) ، أَيْ: الْمَأْخُوذُ طَعَامُهُ أَوْ شَرَابُهُ (عَاجِزٌ) عَنْ دَفْعِهِ (فَتَلِفَ أَوْ) تَلِفَتْ (دَابَّتُهُ) بِسَبَبِ الْأَخْذِ؛ ضَمِنَ الْآخِذُ التَّالِفَ؛ لِتَسَبُّبِهِ فِي هَلَاكِهِ (أَوْ أَخَذَ مِنْهُ مَا يَدْفَعُ بِهِ صَائِلًا عَلَيْهِ مِنْ سَبُعٍ وَنَحْوِهِ) كَنَمِرٍ أَوْ حَيَّةٍ (فَأَهْلَكَهُ) الصَّائِلُ عَلَيْهِ (ضَمِنَهُ) الْآخِذُ؛ لِصَيْرُورَتِهِ سَبَبًا لِهَلَاكِهِ قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ هَذَا الْفِعْلَ الَّذِي يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا، هَذَا الْمَذْهَبُ؛ جَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمُذَهَّبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْخُلَاصَةِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَ " مُنْتَخَبِ الْآدَمِيِّ " وَ " الْمُنَوِّرِ " وَغَيْرِهِمْ.
وَ (لَا) يَضْمَنُ (مَنْ أَمْكَنَهُ إنْجَاءُ نَفْسِهِ مِنْ مَهْلَكَةٍ فَلَمْ يَفْعَلْ فِي الْأَصَحِّ) اخْتَارَهُ [الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ؛] ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُهْلِكْهُ، وَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا يَكُونُ سَبَبًا لِهَلَاكِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَأَمَّا الْأُولَى: فَإِنَّهُ مَنَعَهُ مِنْهُ مَنْعًا كَانَ سَبَبًا فِي هَلَاكِهِ، فَافْتَرَقَا.
تَنْبِيهٌ: نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى فِيمَنْ مَاتَتْ فَرَسُهُ فِي غَزَاةٍ لَمْ يَلْزَمْ مَنْ مَعَهُ فَضْلُ حَمْلِهِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يُذَكِّرُ النَّاسَ، فَإِنْ حَمَلُوهُ، وَإِلَّا مَضَى مَعَهُمْ.
(وَمَنْ أَفْزَعَ) شَخْصًا وَلَوْ صَغِيرًا (أَوْ ضَرَبَ) شَخْصًا (وَلَوْ) صَغِيرًا فَأَحْدَثَ (بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ رِيحٍ، وَلَمْ يَدُمْ) الْحَدَثُ (فَعَلَيْهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ) تَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُ،
لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ قَضَى فِيمَنْ ضَرَبَ إنْسَانًا حَتَّى أَحْدَثَ بِثُلُثِ الدِّيَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْرِفُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ مُنَجَّى: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَهُوَ أَصَحُّ وَجَزَمَ بِهِ الْآدَمِيُّ فِي مُنْتَخَبِهِ وَنَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا وَالْقِيَاسُ لَا ضَمَانَ، لَكِنْ خُولِفَ هُنَا لِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ تَوْقِيفٌ خُصُوصًا وَهَذَا الْقَضَاءُ فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ، فَهُوَ إجْمَاعٌ.
(وَيَضْمَنُ أَيْضًا) مَنْ أَفْزَعَ إنْسَانًا أَوْ ضَرَبَهُ (جِنَايَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ) بِسَبَبِ إفْزَاعِهِ أَوْ ضَرْبِهِ، وَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ بِشَرْطِهِ.
[فَصْلٌ أَدَّبَ وَلَدَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ فِي نُشُوزٍ فحصلت مِنْ ذَلِكَ جِنَايَة]
فَصْلٌ (وَمَنْ أَدَّبَ وَلَدَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ فِي نُشُوزٍ) وَلَمْ يُسْرِفْ؛ لَمْ يَضْمَنْ (أَوْ أَدَّبَ مُعَلِّمٌ صَبِيَّهُ) (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يُؤْخَذُ (مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِنْ قَوْلِهِمْ وَمَنْ أَدَّبَ إلَى آخِرِهِ (جَوَازُ تَأْدِيبِ الشَّيْخِ تِلْمِيذَهُ) بِلَا إسْرَافٍ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ أَبُو الرُّوحِ وَالْوَالِدَ أَبُو الْجَسَدِ قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ، وَإِذَا كَانَ أَبُو الْجَسَدِ يَمْلِكُ التَّأْدِيبَ، فَلِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ أَبُو الرُّوحِ مِنْ بَابِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَبْذُلُ جَهْدَهُ فِي إفَادَةِ الرُّوحِ وَتَخْلِيصِهَا مِنْ ظُلْمَةِ الْجَهْلِ وَإِرْشَادِهَا لِمَا فِيهِ سَعَادَةُ الدَّارَيْنِ، وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الطَّالِبِ الصَّبْرُ عَلَى سُوءِ خُلُقِ الشَّيْخِ وَجَفْوَتِهِ، وَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ الْمُلَازَمَةِ لِمَا عِنْدَهُ عَلَى التَّكَبُّرِ وَالتَّعَاظُمِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَنَالُ رَجُلٌ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ حَالًا يَنْتَفِعُ بِهِ حَتَّى يُطِيلَ الِاخْتِلَافَ إلَى الْعُلَمَاءِ، وَيَصْبِرَ عَلَى جَفْوَتِهِمْ وَيَحْتَمِلَ الذُّلَّ فِي جَنْبِ الْفَائِدَةِ
مِنْهُمْ، وَقَالَ نَافِعٌ: كُلُّ مَنْ قَرَأْت عَلَيْهِ فَأَنَا عَبْدُهُ.
وَعَنْ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ الْجَهْمِ: كُلُّ مَنْ أَخَذَ عَنْ أَحَدٍ فَهُوَ فَتَاهُ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَى سِنًّا مِنْهُ وَيَتَأَكَّدُ عَلَيْهِ الدُّعَاءُ أَيْضًا لِشَيْخِهِ؛ لِأَنَّهُ أَنْتَجَهُ سَعَادَةَ الدَّارَيْنِ وَالرِّفْعَةَ بَيْنَ الثَّقَلَيْنِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ ظُلُمَاتِ الْغَبَاوَةِ وَالْجَهْلِ إلَى نُورِ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: مَا تَرَكْت الدُّعَاءَ لِأَبِي حَنِيفَةَ مَعَ أَبَوَيْ أَرْبَعِينَ سَنَةً؛ وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقًّا لِأُسْتَاذِهِ لَمْ يَفْهَمْ أَبَدًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ أَدَّبَ سُلْطَانٌ رَعِيَّتَهُ) ، وَلَمْ يُسْرِفْ؛ أَيْ: وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الضَّرْبِ الْمُعْتَادِ فِي ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ وَلَا فِي الشِّدَّةِ (فَتَلِفَ) بِذَلِكَ (لَمْ يَضْمَنْهُ) الْمُؤَدِّبُ نَصًّا؛ لِفِعْلِهِ مَا لَهُ فِعْلُهُ شَرْعًا بِلَا تَعَدٍّ.
كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ مِنْهُ فَسَرَى إلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ كَذَلِكَ هَا هُنَا.
(وَإِنْ أَسْرَفَ الْمُؤَدِّبُ أَوْ زَادَ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ) فَتَلِفَ بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَمِنَهُ، لِتَعَدِّيهِ بِالْإِسْرَافِ (أَوْ ضَرَبَ مَنْ لَا يَعْقِلُ التَّأْدِيبَ مِنْ صَبِيٍّ لَمْ يُمَيِّزْ أَوْ مَجْنُونٍ) أَوْ مَعْتُوهٍ، فَتَلِفَ (ضَمِنَ) لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَأْذَنْ فِي تَأْدِيبِ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ؛ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِتَأْدِيبِهِ.
(وَمَنْ أَسْقَطَتْ) جَنِينَهَا بِسَبَبٍ (بِطَلَبِ سُلْطَانٍ أَوْ تَهْدِيدِهِ) سَوَاءٌ كَانَ طَلَبُهَا (لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ غَيْرِهِ) بِأَنْ طَلَبَهَا لِكَشْفِ حَدٍّ لِلَّهِ أَوْ تَعْزِيرٍ أَوْ لِحَقٍّ (أَوْ مَاتَتْ) بِسَبَبِ (وَضْعِهَا) مِنْ الْفَزَعِ (أَوْ) مَاتَتْ مِنْ غَيْرِ وَضْعٍ (فَزَعًا أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهَا) فَزَعًا (أَوْ اسْتَعْدَى) بِالشُّرْطَةِ قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ (إنْسَانٌ عَلَيْهَا الْحَاكِمَ) فَأَسْقَطَتْ أَوْ مَاتَتْ أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهَا فَزَعًا (ضَمِنَ السُّلْطَانُ مَا كَانَ) مِنْ ذَلِكَ (بِطَلَبِهِ) ؛ أَيْ: طَلَبِ السُّلْطَانِ (ابْتِدَاءً) مِنْ غَيْرِ اسْتِعْدَاءِ أَحَدٍ (وَ) ضَمِنَ (الْمُسْتَعِدِّي مَا كَانَ بِسَبَبِهِ) ؛ أَيْ: بِسَبَبِ اسْتِعْدَائِهِ نَصًّا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، ثُمَّ لَا يَعْتَبِرُ الضَّمَانَ كَوْنُ السَّبَبِ مُعْتَادًا، فَإِنَّ الضَّرْبَةَ وَالضَّرْبَتَيْنِ بِالسَّوْطِ لَيْسَ سَبَبًا مُعْتَادًا، وَمَتَى أَفَضْت إلَى الْهَلَاكِ وَجَبَ الضَّمَانُ، وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ مَا رُوِيَ أَنَّ
عُمَرَ بَعَثَ إلَى امْرَأَةٍ مُغَنِّيَةٍ كَانَ رَجُلٌ يَدْخُلُ إلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا وَيْلَهَا مَا لَهَا وَلِعُمَرَ، فَبَيْنَمَا هِيَ فِي الطَّرِيقِ إذْ فَزِعَتْ، فَضَرَبَهَا الطَّلْقُ، فَأَلْقَتْ وَلَدًا، فَصَاحَ الصَّبِيُّ صَيْحَتَيْنِ ثُمَّ مَاتَ فَاسْتَشَارَ عُمَرُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَشَارَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَيْسَ عَلَيْك شَيْءٌ إنَّمَا أَنْتَ وَالٍ وَمُؤَدِّبٌ، وَصَمَتَ عَلِيٌّ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ؟ فَقَالَ إنْ كَانُوا قَالُوا بِرَأْيِهِمْ فَقَدْ أَخْطَأَ رَأْيُهُمْ، وَإِنْ كَانَ قَالُوا فِي هَوَاك فَلَمْ يَنْصَحُوا لَك إنَّ دِيَتَهُ عَلَيْك؛ لِأَنَّك أَفْزَعْتَهَا فَأَلْقَتْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَقْسَمْتُ عَلَيْك أَنْ لَا تَبْرَحَ حَتَّى تُقَسِّمَهَا عَلَى قَوْمِك، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ نَفْسٌ هَلَكَتْ بِسَبَبِ إرْسَالِهِ إلَيْهَا، فَضَمِنَهَا كَجَنِينِهَا، وَأَمَّا كَوْنُ الْمُسْتَعِدِّي يَضْمَنُ مَا كَانَ بِسَبَبِ اسْتِعْدَائِهِ؛ فَلِأَنَّهُ الدَّاعِي إلَى طَلَبِ السُّلْطَانِ لَهَا، فَكَانَ مَوْتُهَا [أَوْ] مَوْتُ جَنِينِهَا بِسَبَبِهِ؛ فَاخْتَصَّ بِهِ الضَّمَانُ (وَظَاهِرُهُ) حَتَّى.
(وَلَوْ) كَانَتْ (ظَالِمَةً) لَكِنْ قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الظَّالِمَةَ فَأَحْضَرَهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ كَالْقِصَاصِ، وَيَضْمَنُ جَنِينَهَا؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِفِعْلِهِ، كَمَا لَوْ قَبَضَ مِنْهَا (كَإِسْقَاطِهَا) ؛ أَيْ: الْأَمَةِ (بِتَأْدِيبٍ أَوْ قَطْعِ يَدٍ لَمْ يَأْذَنْ سَيِّدٌ فِيهَا، أَوْ) ؛ أَيْ: وَكَإِسْقَاطِ حَامِلٍ (بِشُرْبِ دَوَاءٍ لِمَرَضٍ) فَتَضْمَنُ حَمْلَهَا.
(وَلَوْ مَاتَتْ حَامِلٌ أَوْ مَاتَ حَمْلُهَا مِنْ رِيحِ طَعَامٍ أَوْ) مَاتَ مِنْ رِيحِ (نَحْوِ كِبْرِيتٍ) كَعَظْمٍ (ضَمِنَ رَبُّهُ إنْ عَلِمَ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: أَنَّهَا حَامِلٌ، وَكَانَ رِيحُ الطَّعَامِ يَقْتُلُ الْحَامِلَ أَوْ حَمْلَهَا (عَادَةً) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا رَبُّ الطَّعَامِ؛ فَلَا إثْمَ وَلَا ضَمَانَ كَرِيحِ الدُّخَانِ يَتَضَرَّرُ بِهِ صَاحِبُ السُّعَالِ وَضَيِّقُ النَّفَسِ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أَنَّ مَحَلَّ ضَمَانِهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الْعَادَةَ مُسْتَمِرَّةٌ بِأَنَّ الرَّائِحَةَ تَقْتُلُ (وَطَلَبَتْهُ) ؛ أَيْ: الطَّعَامَ وَلَوْ مَجَّانًا قِيَاسًا عَلَى الْمُضْطَرِّ (فَمَنَعَهَا) مِنْهُ فَيَضْمَنُ؛ لِتَسَبُّبِهِ فِي إتْلَافِهَا أَوْ إتْلَافِ حَمْلِهَا، كَمَا لَوْ مَنَعَهَا طَعَامَهَا وَشَرَابَهَا حَتَّى هَلَكَتْ هِيَ أَوْ جَنِينُهَا؛ (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عِلْمُهُ) (بِ) مُجَرَّدِ
(خَبَرِهَا) بِأَنَّ الرَّائِحَةَ تُفْضِي إلَى إتْلَافِهَا أَوْ حَمْلِهَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إخْبَارِ ثِقَةٍ وَلَوْ أُنْثَى؛ إذْ مِثْلُ هَذَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَوْ أَذِنَ سَيِّدٌ فِي ضَرْبِ عَبْدِهِ) ضَرْبًا مُحَرَّمًا (أَوْ) أَذِنَ (وَالِدٌ فِي ضَرْبِ وَلَدِهِ) ضَرْبًا مُحَرَّمًا (فَضَرَبَهُ) مَأْذُونٌ لَهُ (وَيَتَّجِهُ وَأَسْرَفَ فِي الضَّرْبِ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ (ضَمِنَهُ) إنْ تَلِفَ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ لَا تُسْتَبَاحُ بِالْإِذْنِ.
(وَإِنْ سَلَّمَ بَالِغٌ عَاقِلٌ نَفْسَهُ أَوْ) سَلَّمَ (وَلَدَهُ) الصَّغِيرَ (إلَى سَابِحٍ حَاذِقٍ) لِيُعَلِّمَهُ السِّبَاحَةَ (فَغَرِقَ) لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُعَلِّمُ حَيْثُ لَمْ يُفَرِّطْ؛ لِفِعْلِهِ مَا أُذِنَ فِيهِ (لِمَصْلَحَتِهِ كَضَرْبِ الْمُعَلِّمُ الصَّبِيَّ) الْمُعْتَادَ.
وَإِنْ قَالَ: سَبِّحْ عَبْدِي هَذَا فَسَبَّحَهُ، ثُمَّ رَقَّاهُ [ثُمَّ] عَادَ وَحْدَهُ يَسْبَحُ فَغَرِقَ؛ فَهَدَرٌ، وَإِنْ اُسْتُؤْجِرَ لِيُسْبِحَهُ وَيُعَلِّمَهُ، وَمِثْلُهُ لَا يَغْرَقُ غَالِبًا، ضَمِنَهُ إنْ غَفَلَ عَنْهُ، أَوْ لَمْ يَشُدَّ مَا يُسْبِحُهُ عَلَيْهِ شَدًّا جَيِّدًا، أَوْ جَعَلَهُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ جَارٍ أَوْ وَاقِفٍ لَا يَحْمِلُهُ أَوْ عَمِيقٍ مَعْرُوفٍ بِالْغَرَقِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
(أَوْ أَمَرَ) مُكَلَّفٌ أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ (مُكَلَّفًا يَنْزِلُ بِئْرًا أَوْ يَصْعَدُ شَجَرَةً، فَهَلَكَ بِهِ) ؛ أَيْ: بِنُزُولِ الْبِئْرِ أَوْ صُعُودِ الشَّجَرَةِ (لَمْ يَضْمَنْهُ) الْآمِرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَعَدَّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَذِنَهُ وَلَمْ يَأْمُرْهُ (وَلَوْ أَنَّ الْآمِرَ سُلْطَانٌ) كَغَيْرِهِ (وَكَاسْتِئْجَارِهِ) لِذَلِكَ أَقْبَضَهُ أُجْرَةً أَوْ لَا (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْمَأْمُورُ (مُكَلَّفًا) كَكَوْنِهِ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا (ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي إتْلَافِهِ.
(مَنْ وَضَعَ عَلَى سَطْحِهِ نَحْوَ جَرَّةٍ) كَقُلَّةٍ (وَلَوْ مُتَطَرِّفَةٍ، فَسَقَطَتْ بِنَحْوِ رِيحٍ) كَطَيْرٍ وَهِرَّةٍ (عَلَى آدَمِيٍّ) أَوْ غَيْرِهِ (فَتَلِفَ، لَمْ يَضْمَنْهُ) وَاضِعٌ بِسُقُوطِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ وَزَمَنَ وَضْعِهِ كَانَ فِي مِلْكِهِ.
(وَمَنْ دَفَعَهَا حَالَ سُقُوطِهَا عَلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ) لِئَلَّا تَقَعَ عَلَيْهِ، فَأَتْلَفَ شَيْئًا؛ لَمْ يَضْمَنْ كَدَفْعِ الصَّائِلِ، أَوْ تَدَحْرَجَتْ عَلَى إنْسَانٍ فَدَفَعَهَا عَنْهُ فَأَتْلَفَ شَيْئًا (لَمْ يَضْمَنْ) دَافِعُهَا (مَا تَلِفَ بِهِ بِدَفْعِهِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ.
[بَابُ مَقَادِيرِ دِيَاتِ النَّفْسِ]
ِ الْمَقَادِيرُ: جَمْعُ مِقْدَارٍ، وَهُوَ مَبْلَغُ الشَّيْءِ وَقَدْرُهُ (دِيَةُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةُ بَعِيرٍ أَوْ مِائَتَا بَقَرَةٍ أَوْ أَلْفَا شَاةٍ، أَوْ أَلْفُ مِثْقَالِ ذَهَبٍ أَوْ اثْنَا عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فِضَّةً) مِنْ دَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ الَّتِي كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ.
قَالَ الْقَاضِي: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ أُصُولَ الدِّيَةِ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ وَالذَّهَبُ وَالْوَرِقُ، لِمَا رَوَى عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشْرَةَ أَلْفَ دِرْهَمٍ» .
وَفِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ (وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ) الْمَذْكُورَةُ (فَقَطْ) ؛ أَيْ: دُونَ الْحُلَلِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّ الْحُلَلَ أَصْلٌ، وَقَدْرُهَا مِائَةُ حُلَّةٍ مِنْ حُلَلِ الْيَمَنِ، كُلُّ حُلَّةٍ بُرْدَانِ: إزَارٌ وَرِدَاءٌ.
وَفِي الْمَذْهَبِ جَدِيدَانِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَيْسَتْ أَصْلًا؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ وَلَا تَنْضَبِطُ (أُصُولُهَا) ؛ أَيْ: الدِّيَةِ، لِمَا سَبَقَ (فَإِذَا أَحْضَرَ مَنْ عَلَيْهِ دِيَةٌ أَحَدَهَا) ؛ أَيْ: أَحَدَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ (لَزِمَ) وَلِيَّ جِنَايَةٍ (قَبُولُهُ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ النَّوْعِ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِإِجْزَاءِ كُلٍّ مِنْهَا فَالْخِيَرَةُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ.
«وَيَجِبُ مِنْ إبِلٍ فِي عَمْدٍ وَشَبَهِهِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً» رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ مَرْفُوعًا.
؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِجِنْسِ الْحَيَوَانِ؛ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَمْلُ كَالزَّكَاةِ وَالْأُضْحِيَّةَ.
(وَتَغْلُظُ) دِيَةُ عَمْدٍ وَشِبْهِهِ (فِي طَرَفٍ) كَمَا تَغْلُظُ فِي (نَفْسٍ) ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ، (وَلَا) تَغْلُظُ دِيَةٌ (فِي غَيْرِ إبِلٍ) ؛ لِعَدَمِ وُرُودِهِ.
(وَتَجِبُ) الدِّيَةُ (فِي خَطَأٍ أَخْمَاسًا، عِشْرُونَ مِنْ كُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ) ؛ أَيْ: عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً (وَعِشْرُونَ ابْنَ مَخَاضٍ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
(وَيُؤْخَذُ مِنْ بَقَرٍ مُسِنَّاتٌ وَأَتْبِعَةٌ) نِصْفَيْنِ (وَ) يُؤْخَذُ (مِنْ غَنَمٍ ثَنَايَا وَأَجْذِعَةٌ نِصْفَيْنِ) لِأَنَّ دِيَةَ الْإِبِلِ مِنْ الْأَسْنَانِ الْمُقَدَّرَةِ فِي الزَّكَاةِ، فَكَذَا الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ.
(وَتُعْتَبَرُ السَّلَامَةُ مِنْ عَيْبٍ) فِي كُلِّ الْأَنْوَاعِ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ (وَلَا) يُعْتَبَرُ (أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهَا) ؛ أَيْ: الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (دِيَةَ نَقْدٍ) ؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ «فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» وَهُوَ مُطْلَقٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَقْيِيدُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ؛ وَلِأَنَّهَا كَانَتْ تُؤْخَذُ عَلَى عَهْدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقِيمَتُهَا ثَمَانِيَةُ آلَافٍ.
وَقَوْلُ عُمَرَ: إنَّ الْإِبِلَ قَدْ غَلَتْ فَقَوِّمْهَا عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا فِي حَالِ رُخْصِهَا أَقَلُّ قِيمَةً مِنْ ذَلِكَ.
(وَ) يَجِبُ (فِي مُوضِحَةِ عَمْدٍ وَشَبَهِهِ أَرْبَعَةُ أَرْبَاعًا) ؛ أَيْ: بِنْتُ مَخَاضٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ وَحِقَّةٌ وَجَذَعَةٌ، (وَ) يَجِبُ الْبَعِيرُ (الْخَامِسُ مِنْ أَحَدِ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ قِيمَتُهُ رُبُعُ قِيمَةِ الْأَرْبَعَةِ) الْمَذْكُورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي زَكَاةِ الْمَالِ إذَا كَانَ مِنْ نَوْعَيْنِ (وَإِنْ كَانَ) أَوْضَحَهُ (خَطَأً وَجَبَتْ الْخَمْسُ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ) مِنْ كُلِّ نَوْعِ بَعِيرٍ ابْنُ مَخَاضٍ وَبِنْتُ مَخَاضٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ وَحِقَّةٌ وَجَذَعَةٌ (وَيَجِبُ فِي أُنْمُلَةٍ) مِنْ غَيْرِ إبْهَامٍ قُطِعَتْ (عَمْدًا) وَشَبَهَهُ (ثَلَاثَةُ أَبْعِرَةٍ وَثُلُثُ) بَعِيرٍ (قِيمَتُهَا نِصْفُ قِيمَةِ الْأَرْبَعَةِ) ؛ أَيْ: بِنْتِ الْمَخَاضِ وَبِنْتِ اللَّبُونِ وَالْحِقَّةِ وَالْجَذَعَةِ (وَثُلُثُهَا) أَيْ: ثُلُثُ قِيمَةِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ نِسْبَةَ