مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 486-525
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ

صفحات 486-525
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

لِأَنَّهُ يَجُرُّ لِنَفْسِهِ نَفْعًا، أَوْ ادَّعَى الرَّجْعَةَ (بَعْدَ مُضِيِّ مَا) أَيْ: زَمَنٍ (يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِيهِ لَوْ كَانَتْ حَيَّةً) كَأَنْ يَكُونَ فَوْقَ شَهْرٍ (لَمْ يُقْبَلْ) قَوْلُهُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَ) لَوْ قَالَتْ الرَّجْعِيَّةُ (انْقَضَتْ عِدَّتِي، ثُمَّ) رَجَعَتْ وَ (قَالَتْ: مَا انْقَضَتْ) عِدَّتِي؛ فَلَهُ رَجْعَتُهَا حَيْثُ لَمْ تَتَزَوَّجْ أَحَدِهِمَا النِّكَاحَ، ثُمَّ يَعْتَرِفُ بِهِ (أَوْ قَالَ) الزَّوْجُ: أَنْتِ (أَخْبَرْتنِي بِانْقِضَائِهَا) أَيْ: الْعِدَّةِ (فَأَنْكَرَتْ إخْبَارَهَا إيَّاهُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ) ، وَأَقَرَّتْ بِأَنَّ عِدَّتَهَا لَمْ تَنْقَضِ (فَلَهُ رَجْعَتُهَا) لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ بِخَبَرِهَا عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ رَجَعَتْ عَنْ خَبَرِهَا، فَقَبِلَ رُجُوعَهَا هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ.

[فَصْلٌ فِي حُكْم التَّطْلِيق ثَلَاثًا]

فَصْلٌ (وَإِنْ طَلَّقَهَا) أَيْ: الزَّوْجَةَ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً (زَوْجٌ حُرٌّ ثَلَاثًا) (أَوْ) طَلَّقَهَا زَوْجٌ (عَبْدٌ ثِنْتَيْنِ، وَلَوْ عَتَقَ) قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا (لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يَطَأَهَا زَوْجٌ غَيْرُهُ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الرَّجُلُ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَسَخَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ مَا شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَهِيَ امْرَأَتُهُ إذَا ارْتَجَعَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ فَأَكْثَرَ، حَتَّى قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ: وَاَللَّهِ لَا أُطَلِّقُك فَتَبِينِي مِنِّي أَوْ لَا آوِيكِ أَبَدًا قَالَتْ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أُطَلِّقُك فَكُلَّمَا هَمَمْت أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُك رَاجَعْتُك، فَذَهَبَتْ الْمَرْأَةُ فَدَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهَا فَسَكَتَتْ حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَتْهُ فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] قَالَتْ عَائِشَةُ: فَاسْتَأْنَفَ النَّاسُ الطَّلَاقَ مُسْتَقْبَلًا مَنْ كَانَ طَلَّقَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَلَّقَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ؛ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَصَحُّ.
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: كُنْت عِنْدَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ، فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ - بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ التَّحْتِيَّةِ - وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، قَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَرَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: الْعُسَيْلَةُ هِيَ الْجِمَاعُ» وَاعْتُبِرَ كَوْنُ الْوَطْءِ فِي قُبُلٍ، لِأَنَّ الْوَطْءَ الْمُعْتَبَرَ شَرْعًا لَا يَكُونُ فِي غَيْرِهِ (مَعَ انْتِشَارٍ) لِأَنَّ الْعُسَيْلَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الِانْتِشَارِ (وَلَوْ) كَانَ الزَّوْجُ الْوَاطِئُ (مَجْنُونًا أَوْ خَصِيًّا) أَوْ مَسْلُولًا أَوْ مَوْجُوءًا مَعَ بَقَاءِ ذَكَرِهِ (أَوْ نَائِمًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، وَأَدْخَلَتْهُ) أَيْ: ذَكَرَهُ (فِيهِ) أَيْ: فِي فَرْجِهَا مَعَ انْتِشَارِهِ؛ بِوُجُودِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ مِنْ زَوْجٍ، أَشْبَهَ حَالَ إفَاقَتِهِ وَوُجُودِ خُصْيَتَيْهِ (أَوْ) كَانَ الزَّوْجُ الثَّانِي (ذِمِّيًّا وَهِيَ ذِمِّيَّةٌ طَلَّقَهَا مُسْلِمٌ) فَيُحِلُّهَا لَهُ (أَوْ) كَانَ (لَمْ يُنْزِلْ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْعُسَيْلَةَ هِيَ الْجِمَاعُ، (أَوْ) كَانَ لَمْ (يَبْلُغْ عَشْرًا) لِعُمُومِ ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] (أَوْ) كَانَ حِينَ وَطْئِهِ (ظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً) لِوُجُودِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ مِنْ زَوْجٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ (وَيَكْفِي) فِي حِلِّهَا (تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ أَوْ) تَغْيِيبُ (قَدْرِهَا) أَيْ: الْحَشَفَةِ

(مِنْ مَقْطُوعِهَا) لِأَنَّهُ جِمَاعٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ وَيُفْسِدُ الْحَجَّ، أَشْبَهَ تَغْيِيبُ الذَّكَرِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ ذَكَرٍ مَقْطُوعٍ قَدْرُ الْحَشَفَةِ، بَلْ بَقِيَ دُونَهُ؛ فَلَا يُحِلُّهَا إيلَاجُهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلِهِ إيلَاجِ بَعْضِ الْحَشَفَةِ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ الْوَطْءِ (وَتَعُودُ) إلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ (بِطَلَاقٍ) ثَلَاثٍ، (يُحِلُّهَا وَطْءٌ مُحَرَّمٌ لِمَرَضِ) الزَّوْجَةِ أَوْ الزَّوْجِ (وَ) وَطْءٌ مُحَرَّمٌ (لِضِيقِ وَقْتِ صَلَاةٍ وَبِمَسْجِدٍ وَ) فِي حَالِ مَنْعِ الزَّوْجَةِ نَفْسَهَا (لِقَبْضِ مَهْرٍ) حَالٍّ (وَعَدَمِ إطَاقَةِ وَطْءٍ) كَعَبَالَةِ ذَكَرِهِ وَضِيقِ فَرْجِهَا؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا لِمَعْنًى فِيهَا لِحَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ مَا يَأْتِي.
(وَلَا يُحِلُّهَا وَطْءٌ مُحَرَّمٌ بِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ إحْرَامٍ أَوْ صَوْمِ فَرْضٍ أَوْ فِي دُبُرٍ أَوْ فِي نِكَاحٍ بَاطِلٍ أَوْ فَاسِدٍ أَوْ رِدَّةُ) أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِمَعْنًى فِيهَا وَلِحَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِأَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ فِي الْحِلِّ، فَلَا يَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُحِلُّهَا وَطْءٌ (بِشُبْهَةٍ وَلَا عَقْدَ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى نِكَاحًا شَرْعًا (أَوْ) بِمِلْكِ يَمِينٍ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَيْسَ بِزَوْجٍ (وَلَوْ كَانَتْ) الْمُطَلَّقَةُ (أَمَةً، فَاشْتَرَاهَا مُطَلِّقُهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ) حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ لِلْآيَةِ، وَيَطَأَهَا لِلْحَدِيثِ.

(وَمَنْ غَابَ مِنْ مُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ حَضَرَ، فَذَكَرَتْ أَنَّهَا نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا وَأَنَّهَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَأَمْكَنَ) ذَلِكَ بِأَنْ مَضَى زَمَنٌ يَتَّسِعُ لَهُ، وَكَذَا لَوْ غَابَتْ عَنْهُ ثُمَّ حَضَرَتْ وَذَكَرَتْ ذَلِكَ (فَلَهُ نِكَاحُهَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا) لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ عَلَى نَفْسِهَا، وَعَلَى مَا أَخْبَرَتْ بِهِ عَنْ نَفْسِهَا؛ وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ حَقِيقَةً إلَّا مِنْ جِهَتِهَا، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهَا فِيهِ كَإِخْبَارِهَا بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا؛ لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَنْقُلُ عَنْهُ، وَ (لَا) يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا (إنْ رَجَعَتْ) عَنْ إخْبَارِهَا بِذَلِكَ (قَبْلَ عَقْدٍ) عَلَيْهَا، لِزَوَالِ الْخَبَرِ الْمُبِيحِ لَهُ (وَلَا يُقْبَلُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْعَقْدِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الزَّوْجِ بِهَا (فَلَوْ) تَزَوَّجَتْ مُطَلَّقَةٌ ثَلَاثًا

بِآخَرَ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، وَذَكَرَتْ لِلْأَوَّلِ أَنْ الثَّانِيَ وَطِئَهَا وَ (كَذَّبَهَا الثَّانِي فِي وَطْءٍ، وَيَتَّجِهُ أَوْ كَذَّبَهَا فِي عَقْدٍ) صَحِيحٍ بِأَنْ قَالَ: تَزَوَّجْتُهَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ فَالْقَوْلُ (قَوْلُهُ) أَيْ: الثَّانِي (فِي تَنْصِيفِ مَهْرٍ) إذَا لَمْ يُقِرَّ بِالْخَلْوَةِ بِهَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِنْهُ، (وَ) وَالْقَوْلُ (قَوْلُهَا) فِي وَطْءِ (إبَاحَتِهَا لِلْأَوَّلِ) لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ عَلَى نَفْسِهَا (إنْ لَمْ يُكَذِّبْهَا) الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَصَابَهَا، فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ (فَإِنْ رَجَعَ) الْأَوَّلُ عَنْ تَكْذِيبِهِ إيَّاهَا (وَصَدَّقَهَا) عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ وَطِئَهَا (دُيِّنَ) فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَأُبِيحَتْ لَهُ، لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ حِلَّهَا لَمْ تَحْرُمْ بِكَذِبِهِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ فِي الْمَاضِي (فَقَطْ) أَيْ: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ حُكْمًا (فَإِنْ قَالَ مَا أَعْلَمُ) أَيْ: الثَّانِيَ (أَنَّهُ وَطِئَهَا؛ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حِلِّهَا لَهُ خَبَرٌ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا، لَا حَقِيقَةَ الْعِلْمِ.
(وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَتْ) امْرَأَةٌ (حَاضِرًا وَفَارَقَهَا) ، وَادَّعَتْ إصَابَتَهُ (إيَّاهَا وَهُوَ مُنْكِرُهَا) أَيْ الْإِصَابَةَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي تَنْصِيفِ الْمَهْرِ، إنْ لَمْ يُقِرَّ بِالْخَلْوَةِ، وَقَوْلُهَا فِي حِلِّهَا لِمُطَلِّقِهَا ثَلَاثًا، وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَكُلِّ مَا يَلْزَمُهَا بِالْوَطْءِ، كَذَا لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ النِّكَاحِ، وَلِمُطَلِّقِهَا ثَلَاثًا نِكَاحُهَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا.

(وَمَنْ جَاءَتْ حَاكِمًا، وَادَّعَتْ أَنْ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا) ، فَلَهُ تَزْوِيجُهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا وَلِيٌّ غَيْرُهُ (إنْ ظَنَّ صِدْقَهَا، وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الزَّوْجُ لَا يُعْرَفُ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لِمَجْهُولٍ لَا يَصِحُّ؛ وَأَيْضًا الْأَصْلُ صِدْقُهَا، وَلَا مُنَازِعَ، وَالْإِقْرَارُ لِمُعَيَّنٍ إنَّمَا يُثْبِتُ الْحَقَّ إذَا صَدَّقَهُ مُقِرٌّ لَهُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ إذَا كَتَبَ إلَيْهَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا؛ لَمْ تَتَزَوَّجْ حَتَّى يَثْبُتَ الطَّلَاقُ لِاحْتِمَالِ إنْكَارِهِ

(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (وَكَذَا) أَيْ: كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا (لَوْ) جَاءَتْ الْمَرْأَةُ حَاكِمًا، وَ (ادَّعَتْ أَنْ لَهَا زَوْجًا مُعْسِرًا لِتَفْسَخَ) نِكَاحَهَا؛ فَلَهُ أَنْ يُجِيبَهَا إنْ ظَنَّ صِدْقَهَا (لِأَنَّ قَوْلَهَا أَثْبَتَ النِّكَاحَ؛ فَقُبِلَ) قَوْلُهَا (فِي زَوَالِهِ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ (بِخِلَافِ نِكَاحٍ ثَابِتٍ بِلَا قَوْلِهَا) كَأَنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ مَعْرُوفٌ.
(وَادَّعَتْ طَلَاقَهَا؛ فَلَا تُزَوَّجُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الطَّلَاقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَتْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا مَنْ أَصَابَهَا، وَطَلَّقَهَا، وَلَمْ تُعَيِّنْهُ، فَإِنَّ النِّكَاحَ لَمْ يَثْبُتْ لِمُعَيَّنٍ، بَلْ لِمَجْهُولٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: عِنْدِي مَالٌ لِشَخْصٍ، وَسَلَّمْتُهُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالِاتِّفَاقِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهَا كَانَ لِي زَوْجٌ وَطَلَّقَنِي، وَسَيِّدٌ وَأَعْتَقَنِي وَلَوْ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي فُلَانٌ وَطَلَّقَنِي؛ فَهُوَ كَالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ وَادَّعَى الْوَفَاءَ؛ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إقْرَارًا، ذَكَرَهُ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ". (وَيَتَّجِهُ) أَنَّ مَنْ ادَّعَتْ عِنْدَ حَاكِمٍ أَنْ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا؛ فَزَوَّجَهَا الْحَاكِمُ بِالْوِلَايَةِ عَلَيْهَا ظَانًّا أَنَّهَا صَادِقَةٌ فِي دَعْوَاهَا (لَوْ حَضَرَ) زَوْجُهَا الْأَوَّلُ (وَأَنْكَرَ الطَّلَاقَ، يُقْبَلُ) إنْكَارُهُ، وَتُرَدُّ إلَيْهِ زَوْجَتُهُ وُجُوبًا بَعْدَ أَنْ تَعْتَدَّ مِنْ الثَّانِي إذَا كَانَ دَخَلَ أَوْ خَلَا بِهَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَلَوْ شَهِدَا) أَيْ: رَجُلَانِ (أَنْ فُلَانًا طَلَّقَ) امْرَأَتَهُ (ثَلَاثًا، وَوُجِدَ) الزَّوْجُ (مَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَادَّعَى الْعَقْدَ ثَانِيًا بِشُرُوطِهِ؛ قُبِلَ مِنْهُ) وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ سُئِلَ عَنْهَا الْمُوَفَّقُ؛ فَلَمْ يُجِبْ (وَإِنْ عَلِمَتْ) الزَّوْجَةُ (كَذِبَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (لَمْ يَحِلَّ لَهَا تَمْكِينُهُ) فَإِنْ مَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا؛ كَانَتْ زَانِيَةً (وَ) يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ (تَدْفَعَهُ بِالْأَسْهَلِ) فَالْأَسْهَلِ (وَلَوْ أَدَّى) ذَلِكَ (إلَى قَتْلِهِ) فَيُبَاحُ لَهَا قَتْلُهُ تَخْلِيصًا لِنَفْسِهَا مِنْ الْفَاحِشَةِ (وَكَذَا لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ نِكَاحَهَا) تَعَدِّيًا وَأَنْكَرَتْهُ (فَأَثْبَتَهُ) أَيْ: النِّكَاحَ (بِبَيِّنَةٍ زُورٍ) فَعَلَيْهَا دَفْعُهُ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالْقَتْلِ، جَازَ لَهَا قَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ صَائِلٌ.

[كِتَابُ الْإِيلَاءِ وَأَحْكَامُ الْمُولِي]

وَالْإِيلَاءُ بِالْمَدِّ لُغَةُ الْحَلِفِ (وَهُوَ) مَصْدَرُ آلَى يُولِي إيلَاءً وَأَلِيَّةً، وَيُقَالُ: تَأَلَّى يَتَأَلَّى، وَفِي الْخَبَرِ: «مَنْ يَتَأَلَّى عَلَى اللَّهِ» وَالْأَلِيَّةُ الْيَمِينُ، وَجَمْعُهُمَا أَلَايَا كَخَطَايَا قَالَ كَثِيرٌ: قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ ... إذَا صَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بَرَّتْ وَكَذَلِكَ الْأَلْوَةُ بِسُكُونِ اللَّامِ وَتَثْلِيثِ الْهَمْزَةِ.
(يَحْرُمُ) الْإِيلَاءُ، لِأَنَّهُ يَمِينٌ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ (كَظِهَارٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2] (وَكَانَ كُلٌّ) مِنْ الْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ (طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَذَكَره آخَرُونَ فِي ظِهَارِ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي الظِّهَارِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَقَتَادَةَ (وَهُوَ) أَيْ: الْإِيلَاءُ شَرْعًا (حَلِفُ زَوْجٍ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِصِفَتِهِ) أَيْ: اللَّهِ تَعَالَى، كَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقِهِمْ (أَوْ) حَلَفَ (بِمُصْحَفٍ) لَا بِنَذْرٍ، أَوْ طَلَاقٍ، وَيَأْتِي (عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ) لَا أَمَتِهِ أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ (الْمُمْكِنِ جِمَاعُهَا) لَا عِنِّينَ وَمَجْبُوبَ (فِي قُبُلٍ أَبَدًا، أَوْ يُطْلِقُ أَوْ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) مُصَرِّحًا بِهِ.
(أَوْ يَنْوِيهَا) بِأَنْ يَحْلِفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا، وَيَنْوِي فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، لَا أَرْبَعَةِ

أَشْهُرٍ فَأَقَلَّ، وَسَوَاءٌ حَلَفَ فِي حَالِ الرِّضَى أَوْ غَيْرِهِ، وَالزَّوْجَةُ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ لَا نَصًّا، وَتَأْتِي مُحْتَرَزَاتُ هَذِهِ الْقُيُودِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] الْآيَةَ وَكَانَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَآنِ يَقْسِمُونَ مَكَانَ يُؤْلُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إذَا طَلَبَ الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ شَيْئًا فَأَبَتْ أَنْ تُعْطِيَهُ حَلَفَ لَا يَقْرَبُهَا السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَيَدَعُهَا لَا أَيِّمًا وَلَا ذَاتِ بَعْلٍ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

(وَيَصِحُّ) الْإِيلَاءُ (بِكُلِّ لُغَةٍ مِمَّنْ يُحْسِنُهَا) كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، فَإِنْ أَتَى بِلُغَةٍ لَا يَعْرِفُهَا؛ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا، عَرَبِيَّةً كَانَتْ أَوْ عَجَمِيَّةً، كَمَنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ مَا لَمْ يَقْصِدْ، وَلَوْ نَوَى مُوجِبَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مَعْرِفَةِ مَعْنَى ذَلِكَ اللَّفْظِ الصَّادِرِ مِنْ الزَّوْجِ؛ فَقَوْلُهُ إذَا كَانَ مُتَكَلِّمًا بِغَيْرِ لِسَانِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إذَنْ عَدَمُ عِلْمِهِ مَعْنَاهُ، وَهُوَ أَدْرَى بِحَالِهِ (وَلَا يُقْبَلُ حُكْمًا) إنْ أَتَى بِلُغَتِهِ (قَوْلُهُ سَبَقَ لِسَانِي) بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَمْ أَقْصِدْهُ.
(وَيَتَرَتَّبُ.
حُكْمُهُ) أَيْ: الْإِيلَاءِ (مَعَ خِصَاءِ) زَوْجٍ أَيْ: قَطْعِ خُصْيَتَيْهِ دُونَ ذَكَرِهِ (وَ) مَعَ (جَبِّ) أَيْ: قَطْعِ (بَعْضِ ذَكَرِ) زَوْجٍ إنْ بَقِيَ مِنْهُ مَا يُمْكِنُهُ الْجِمَاعُ بِهِ (وَمَعَ عَارِضٍ) بِزَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ (يُرْجَى زَوَالُهُ كَحَبْسٍ، لَا عَكْسُهُ) أَيْ: لَا مَعَ عَارِضٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ (كَرَتَقٍ) وَعَفَلٍ.

وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْإِيلَاءِ سِتَّةُ شُرُوطٍ: الْأَوَّلُ: كَوْنُ الْحَالِفِ زَوْجًا لِمَنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا، الثَّانِي: كَوْنُهُ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ الْجِمَاعُ، الثَّالِثُ: كَوْنُ حَلِفِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، الرَّابِعُ: كَوْنُ حَلِفِهِ عَلَى تَرْكِ

وَطْءِ زَوْجَتِهِ فِي الْقُبُلِ، الْخَامِسُ كَوْنُ الزَّوْجَةِ مِمَّنْ يُمْكِنُ جِمَاعُهَا، السَّادِسُ أَنْ لَا يَكُونَ حَلِفُهُ مُقَيَّدًا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَأَقَلَّ، فَلَوْ فُقِدَ مِنْهَا شَرْطٌ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا

(وَيُبْطِلُهُ) أَيْ: الْإِيلَاءَ (جَبُّ) ذَكَرِهِ (كُلِّهِ) بَعْدَ إيلَائِهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ مَعَهُ ابْتِدَاءُ شَيْءٍ امْتَنَعَ مَعَ حُدُوثِهِ دَوَامِ ذَلِكَ الشَّيْءِ (وَ) يُبْطِلُهُ (شَلَلُهُ) أَيْ: الذَّكَرِ بَعْدَ إيلَائِهِ (وَ) يُبْطِلُهُ (لِعَانُهُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ إيلَائِهِ (وَكَمُولٍ حُكْمًا) مَنْ ضَرَبَ الْمُدَّةَ وَطَلَبَ الْفِيئَةَ بَعْدَهَا، وَالْأَمْرَ بِالطَّلَاقِ إنْ لَمْ يَفِئْ وَنَحْوُهُ (مَنْ تَرَكَ الْوَطْءَ) فِي قُبُلِ زَوْجَتِهِ (ضَرَرًا) بِهَا (بِلَا عُذْرٍ) لَهُ (أَوْ) أَيْ: وَبِلَا (حَلِفٍ عَلَى تَرْكِ وَطْءٍ، وَ) مِثْلُهُ (مَنْ ظَاهَرَ) مِنْ امْرَأَتِهِ (وَلَمْ يُكَفِّرْ) لِظِهَارِهِ لِأَنَّهُ ضَرَّهَا بِتَرْكِ وَطْئِهَا فِي مُدَّةٍ بِقَدْرِ مُدَّةِ الْمُولِي، فَلَزِمَهُ حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ تَرَكَ ذَلِكَ بِحَلِفِهِ، وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ أَدَاؤُهُ إذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ وَجَبَ أَدَاؤُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى تَرْكِهِ، كَالنَّفَقَةِ وَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَجْعَلُ غَيْرَ الْوَاجِبِ وَاجِبًا إذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، وَلِأَنَّ وُجُوبَهُ فِي الْإِيلَاءِ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْمَرْأَةِ وَإِزَالَةِ ضَرَرِهَا، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِالْإِيلَاءِ وَعَدَمِهِ فَإِنْ قِيلَ فَلَا يَبْقَى لِلْإِيلَاءِ أَثَرٌ، فَلِمَ أُفْرِدَ بِبَابٍ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ لَهُ أَثَرًا لِدَلَالَتِهِ عَلَى قَصْدِ الْإِضْرَارِ، فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ قَصْدُ الْإِضْرَارِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْإِيلَاءُ احْتَجْنَا إلَى دَلِيلٍ سِوَاهُ يَدُلُّ عَلَى الْمُضَارَّةِ.
(وَيَتَّجِهُ:) أَنَّ الْمُظَاهِرَ مِثْلُ الْمُولِي (مَعَ قُدْرَتِهِ) عَلَى التَّكْفِيرِ، أَمَّا إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ التَّكْفِيرِ؛ فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ، كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ

(وَمَنْ حَلَفَ لَأَطَأَنَّهَا) أَيْ: زَوْجَتَهُ (فِي دُبُرِهَا) لَمْ يَكُنْ مُولِيًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَلَا تَتَضَرَّرُ الْمَرْأَةُ بِهِ (أَوْ) حَلَفَ لَأَطَأَنَّهَا (دُونَ الْفَرْجِ أَوْ) حَلَفَ (لَا أُجَامِعُهَا إلَّا جِمَاعَ سُوءٍ يُرِيدُ) جِمَاعًا ضَعِيفًا بِقَدْرِ (تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ فَقَطْ؛ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا) لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ بِلَا حِنْثٍ (وَإِنْ أَرَادَ) بِقَوْلِهِ الْجِمَاع سُوءٍ كَوْنُهُ (فِي الدُّبُرِ أَوْ دُونَ الْفَرْجِ، صَارَ مُولِيًا) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْفِيئَةِ إلَّا بِالْحِنْثِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِاحْتِمَالِ الْأَمْرَيْنِ.

(وَمَنْ عَرَفَ مَعْنَى مَا) أَيْ: لَفْظٍ (لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْوَطْءِ وَأَتَى بِهِ) أَيْ: بِمَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ (وَهُوَ) قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ لَا (نُكَتك) وَكَذَا مَا يُرَادِفُهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مِمَّنْ يَعْرِفُ مَعْنَاهُ أَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ (لَا أَدْخَلْت ذَكَرِي فِي فَرْجِك أَوْ) قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَدْخَلْت (حَشَفَتِي فِي فَرْجِك وَ) قَوْلِهِ (لِلْبِكْرِ خَاصَّةً) وَاَللَّهِ (لَا افْتَضَضْتُك) بِالْقَافِ وَالتَّاءِ وَالْمُثَنَّاةِ فَوْقُ، وَافْتِضَاضُ الْبِكْرِ وَافْتِرَاعِهَا بِالْفَاءِ بِمَعْنًى، وَهُوَ وَطْؤُهَا وَإِزَالَةُ بَكَارَتِهَا بِالذَّكَرِ، مِنْ فَضَضْت اللُّؤْلُؤَةَ إذَا ثَقَبْتُهَا (لِعَارِفٍ مَعْنَاهُ) الْمَذْكُورِ، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ " " وَالْمُسْتَوْعِبِ " لَا أَبْنَتِي بِك (لَمْ يُدَيَّنْ مُطْلَقًا) أَيْ: لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ صَرِيحَةٌ فِي الْوَطْءِ لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا

(وَ) إنْ قَالَ: (وَاَللَّهِ لَا اغْتَسَلْت مِنْك، أَوْ لَا أَفْضَيْت إلَيْك أَوْ) لَا (غَشِيتُك أَوْ) لَا (لَمَسْتُك، أَوْ) لَا (أَصَبْتُك، أَوْ) لَا (افْتَرَشْتُك، أَوْ) لَا (وَطِئْتُك، وَ) لَا (جَامَعْتُك أَوْ) لَا (بَاضَعْتُك أَوْ) لَا (بَاشَرْتُك، أَوْ) لَا (بَاعَلْتُكِ، أَوْ) لَا (قَرُبْتُك، أَوْ) لَا (مَسِسْتُك أَوْ) لَا (أَتَيْتُك، صَرِيحٌ حُكْمًا) لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ حَيْثُ عَرَفَ مَعْنَاهَا؛ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ عُرْفًا فِي الْوَطْءِ، وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ بِبَعْضِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222] . ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] وَأَمَّا الْوَطْءُ وَالْجِمَاعُ فَهُمَا أَشْهَرُ أَلْفَاظِهِ، وَالْبَاقِي قِيَاسًا عَلَيْهَا (وَيُدَيَّنُ) فِي لَا اغْتَسَلْت مِنْك وَمَا بَعْدَهُ (فَقَطْ مَعَ عَدَمِ قَرِينَةٍ) أَمَّا لَوْ كَانَ ثَمَّ قَرِينَةٍ كَحَالِ خُصُومَةٍ، لَمْ يُدَيَّنْ، فَلَوْ قَالَ: أَرَدْت بِالْوَطْءِ الْوَطْءَ بِالْقَدَمِ، وَبِالْجِمَاعِ اجْتِمَاعَ الْأَجْسَامِ، وَبِالْإِصَابَةِ الْإِصَابَةَ بِالْيَدِ، وَبِالْمُبَاضَعَةِ الْتِقَاءَ بِضْعَةٍ مِنْ الْبَدَنِ بِالْبِضْعَةِ مِنْهُ وَبِالْمُبَاشَرَةِ مَسَّ الْمُبَاشَرَةِ، وَبِالْمُبَاعَلَةِ الْمُلَاعَبَةَ وَالِاسْتِمْتَاعَ دُونَ الْفَرْجِ، وَبِالْمُقَارَبَةِ قُرْبَ بَدَنِهِ مِنْ بَدَنِهَا، وَبِالْمُمَاسَّةِ مَسَّ بَدَنِهَا، وَبِالْإِتْيَانِ الْمَجِيءَ، وَبِالِاغْتِسَالِ الِاغْتِسَالَ مِنْ الْإِنْزَالِ عَنْ مُبَاشَرَةٍ مِنْ قُبْلَةٍ أَوْ جِمَاعٍ دُونَ الْفَرْجِ؛ لَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْعُرْفِ وَالظَّاهِرُ، وَفِي الْبَاطِنِ إنْ كَانَ صَادِقًا فَلَيْسَ بِمُولٍ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ.

وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ (لَا ضَاجَعْتُك، أَوْ) لَا (دَخَلْت إلَيْك، أَوْ) لَا (قَرُبْت فِرَاشَك، أَوْ) لَا (بِتّ) عِنْدِي، (أَوْ) لَا (نِمْت عِنْدِي، أَوْ) لَا (مَسَّ جِلْدِي جِلْدَك أَوْ لَا جَمَعَ رَأْسِي وَرَأْسَك شَيْءٌ، أَوْ) (لَأَغِيظَنَّكِ) فَهَذَا كُلُّهُ (لَيْسَ بِإِيلَاءٍ إلَّا بِنِيَّةِ أَوْ قَرِينَةِ) إيلَاءٍ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَيْسَتْ ظَاهِرَةً فِي الْجِمَاعِ كَظُهُورِ مَا قَبْلَهَا، وَلَمْ يَرِدْ النَّصُّ بِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ.
وَلَا إيلَاءَ بِحَلِفٍ عَلَى تَرْكِ وَطْءٍ (بِنَذْرٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ) لِأَنَّ الْإِيلَاءَ الْمُطْلَقَ هُوَ الْقَسَمُ، وَلِهَذَا قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ يُقْسِمُونَ بَدَلَ يُؤْلُونَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226] وَإِنَّمَا يَدُلُّ الْغُفْرَانُ فِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَلَا إيلَاءَ بِقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ (إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ زَانِيَةٌ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَلِفٍ أَوْ إنْ وَطِئْتُك (فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمَسَّ أَوْ سَنَةٍ) لِمَا مَرَّ (أَوْ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ عِشْرِينَ رَكْعَةً) لِأَنَّهُ حَلَفَ بِنَذْرٍ قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَإِنْ حَلَفَ بِنَذْرٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ وَالْمَنْصُوصُ وَالْمُخْتَارُ لِعَامَّةِ الْأَصْحَابِ: قَالَ فِي " الْبُلْغَةِ: " لَا يَصِحُّ الْإِيلَاءُ بِذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ قَالَ فِي " الْهِدَايَةِ " هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " " وَالْمُنَوِّرِ " وَمُنْتَخَبِ الْآدَمِيِّ " وَغَيْرِهِمْ انْتَهَى بِمَعْنَاهُ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: " الْإِقْنَاعِ " فِي قَوْلَةِ وَإِنْ قَالَ: إنْ وَطِئْتُك فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ ثَلَاثِينَ رَكْعَةً كَانَ مُولِيًا مَعَ أَنَّهُ قَدِمَ أَنَّ الْإِيلَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالنَّذْرِ (أَوْ) بِقَوْلِهِ (لَا وَطِئْتُك فِي هَذِهِ الْبَلَدِ) ، أَوْ (وَطِئْتُك مَخْضُوبَةً أَوْ حَتَّى تَصُومِي نَفْلًا، أَوْ) حَتَّى (تَقُومِي، أَوْ) حَتَّى (يَأْذَنَ زَيْدٌ) فَيَمُوتُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدِّرٍ بِمَا فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلِإِمْكَانِ وَطْئِهَا بِدُونِ حِنْثٍ.
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ وَطِئْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ عَنْ ظِهَارٍ، وَكَانَ ظَاهَرَ فَوَطِئَ عَتَقَ عَبْدُهُ عَنْ الظِّهَارِ؛ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، وَإِلَّا يَكُنْ ظَاهَرَ فَوَطِئَ؛ لَمْ يُعْتَقْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَلَّقَ عِتْقَهُ بِشَرْطِ كَوْنِهِ عَنْ ظِهَارِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ.

[فَصْلٌ جَعَلَ الْمَوْلَى غَايَتَهُ شَيْئًا لَا يُوجَدُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ غَالِبًا]

فَصْلٌ (وَإِنْ جَعَلَ غَايَتَهُ مَا) أَيْ: شَيْئًا (لَا يُوجَدُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ غَالِبٌ) كَقَوْلِهِ: (وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى) - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (أَوْ يَخْرُجَ الدَّجَّالُ) أَوْ يَمُوتَ وَلَدُك (أَوْ يَقْدَمَ زَيْدٌ مِنْ مَكَّةَ وَالْعَادَةُ أَنَّهُ لَا يَقْدَمُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ حَتَّى يَنْزِلَ الثَّلْجُ فِي الصَّيْفِ، أَوْ حَتَّى تَحْبَلِي وَهِيَ آيِسَةٌ أَوْ لَا) أَيْ غَيْرِ آيِسَةٍ وَلَمْ (يَطَأْ، أَوْ) كَانَ

وَنِيَّتُهُ (حَبَلٌ مُتَجَدِّدٌ) فَمُولٍ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ لَا يُوجَدَ خُرُوجُ الدَّجَّالِ وَنُزُولُ عِيسَى وَنَحْوُهُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَحَبَلُ الْآيِسَةِ وَمَنْ لَا تُوطَأُ مُسْتَحِيلٌ؛ أَشْبَهَ لَا وَطِئْتُك حَتَّى تَصْعَدِي السَّمَاءَ، فَإِنْ أَرَادَ بَ: حَتَّى تَحْبَلِي السَّبَبِيَّةَ؛ أَيْ: لَا وَطِئْتُك لِتَحْبَلِي مِنْ وَطْئِي؛ قُبِلَ مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَالِفٍ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ، بَلْ عَلَى تَرْكِ قَصْدِ الْحَبَلِ بِهِ، لِأَنَّ حَتَّى تُسْتَعْمَلُ لِلتَّعْلِيلِ.
(أَوْ) جَعَلَ غَايَةَ الْإِيلَاءِ فِعْلَهَا (مُحَرَّمًا) كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك (حَتَّى تَشْرَبِي خَمْرًا وَنَحْوَهُ) كَ: حَتَّى تَأْكُلِي لَحْمَ خِنْزِيرٍ؛ فَمُولٍ؛ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ شَرْعًا كَالْمُمْتَنِعِ حِسًّا (أَوْ) جَعَلَ غَايَتَهُ (إسْقَاطَ مَا لَهَا) عَنْهُ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ (أَوْ هِبَتِهِ) أَيْ: مَا لَهَا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ جَعَلَ غَايَتَهُ (إضَاعَتَهُ) أَيْ: مَالِهَا وَنَحْوِهِ كَإِلْقَاءِ نَفْسِهَا فِي مَهْلَكَةٍ، أَوْ جَعَلَ غَايَتَهُ (قَطْعَ عُضْوَهَا، فَمُولٍ) لِأَنَّ إسْقَاطَ مَا لَهَا أَوْ هِبَتَهُ بِغَيْرِ رِضَاهَا مُحَرَّمٌ، وَكَذَا إضَاعَتُهُ فَجَرَى مَجْرَى جَعْلِ غَايَتِهِ شُرْبَهَا الْخَمْرَ (وَكَ) قَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك (حَيَاتِي أَوْ حَيَاتَكِ أَوْ مَا عِشْت أَنَا أَوْ مَا عِشْت) أَنْتِ، وَ (لَا) يَكُونُ مُولِيًا.

(إنْ غَيَّاهُ) أَيْ: تَرَكَ الْوَطْءَ (بِمَا لَا يَظُنُّ خُلُوَّ الْمُدَّةِ) أَيْ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ (مِنْهُ) ؛ أَيْ: مَا عَلَّقَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ (وَلَوْ خَلَتْ) الْمُدَّةُ مِنْهُ، كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك (حَتَّى يَرْكَبَ زَيْدٌ) وَنَحْوُهُ كَحَتَّى يُسَافِرَ أَوْ يُطَلِّقَ أَوْ يَتَزَوَّجَ.
(أَوْ غَيَّاهُ) أَيْ: غَيَّا تَرْكَ الْوَطْءِ (بِالْمُدَّةِ) أَيْ: الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، (كَ) قَوْلِهِ (وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَإِذَا مَضَتْ فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) أَوْ لَا وَطِئْتُكِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَنَحْوِهِ، فَإِذَا مَضَتْ فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهُمَا يَمِينَانِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مُدَّةٍ دُونَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ يَمِينٍ عَقِبَ مُدَّتِهَا بِلَا حِنْثٍ فِيهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا، لَكِنْ إنْ ظَهَرَ مِنْهُ قَصْدُ الْمَضَرَّةِ؛ فَكَمُولٍ، كَمَا سَبَقَ (أَوْ قَالَ) : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك (إلَّا بِرِضَاك، أَوْ إلَّا بِاخْتِيَارِك، أَوْ إلَّا أَنْ تَخْتَارِي، أَوْ إلَّا أَنْ تَشَائِي وَلَوْ لَمْ تَشَأْ فِي الْمَجْلِسِ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُ وُجُودُهُ مِنْهَا بِلَا ضَرَرٍ عَلَيْهَا فِيهِ؛

فَلَا يَكُونُ مُولِيًا بِهِ، وَإِنْ قَالَ لَهَا (وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك مُدَّةً أَوْ لَيَطُولَنَّ تَرْكِي لِجِمَاعِك، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا حَتَّى يَنْوِيَ) بِذَلِكَ تَرْكَ وَطْئِهَا (فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
وَإِنْ قَالَ: (وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا فَإِذَا مَضَى فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا، فَهُمَا إيلَاءَانِ) لَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ؛ لِتَغَايُرِهِمَا، فَإِذَا مَضَى حُكْمُ أَحَدِهِمَا بَقِيَ حُكْمُ الْآخَرِ؛ لِعَدَمِ مَا يُزِيلُهُ.

[تَنْبِيهٌ تَعْلِيق الْإِيلَاء بِشَرْطٍ]

تَنْبِيهٌ فَإِنْ قَالَ فِي الْمَحْرَمِ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي هَذَا الْعَامِ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي هَذَا الْعَامِ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا مِنْ رَجَبٍ إلَى تَمَامِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ قَالَ فِي الْمَحْرَمِ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا، ثُمَّ قَالَ فِي رَجَبٍ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا؛ فَهُمَا إيلَاءَانِ فِي مُدَّتَيْنِ بَعْضُ إحْدَاهُمَا دَاخِلٌ فِي الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ مُقْتَضَى لَفْظِهِ، فَإِنْ فَاءَ فِي رَجَبٍ أَوْ فِي مَا بَعْدَهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْعَامِ الْأَوَّلِ حَنِثَ فِي الْيَمِينَيْنِ؛ لِوُجُودِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِهِمَا، وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، وَيَنْقَطِعُ حُكْمُ الْإِيلَاءَيْنِ؛ لِلْحِنْثِ، وَإِنْ فَاءَ قَبْلَ رَجَبٍ أَوْ بَعْدَ الْعَامِ الْأَوَّلِ؛ حَنِثَ فِي إحْدَى الْيَمِينَيْنِ، وَهِيَ الْأُولَى فِي الْأُولَى، وَالثَّانِيَةُ فِي الثَّانِيَةِ فَقَطْ؛ فَلَا يَحْنَثُ فِي الْأُخْرَى لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِهَا وَإِنْ فَاءَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ حَنِثَ فِي الْيَمِينَيْنِ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا عَامًا، ثُمَّ كَفَّرَ يَمِينَهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ انْحَلَّ الْإِيلَاءُ بِالتَّكْفِيرِ، وَلَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ مُدَّةُ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، لِأَنَّ الْإِيلَاءَ انْحَلَّ وَإِنْ كَفَّرَ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَقَبْلَ ضَرْبِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ لَهُ صَارَ كَالْحَالِفِ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، إذْ يَمِينُهُ قَبْلَ ضَرْبِ مُدَّةٍ، فَلَا تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ؛ لِانْحِلَالِ الْإِيلَاءِ بِالْكَفَّارَةِ.
(وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا، وَلَا وَطِئْتُك نِصْفَ عَامٍ) أَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك نِصْفَ عَامٍ، وَلَا وَطِئْتُك عَامًا (فَإِيلَاءٌ وَاحِدٌ) لِأَنَّهُ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، وَدَخَلَتْ الْمُدَّةُ الْقَصِيرَةُ فِي الطَّوِيلَةِ؛ (لِاشْتِمَالِ الطَّوِيلَةِ عَلَيْهَا) وَلَمْ يَنْوِ الْمُغَايَرَةَ، وَإِنْ نَوَى بِإِحْدَى الْمُدَّتَيْنِ غَيْرَ الْأُخْرَى، فَهُمَا إيلَاءَانِ، لَا

يَدْخُلُ حُكْمُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ.

(وَإِنْ عَلَّقَهُ) أَيْ الْإِيلَاءَ (بِشَرْطٍ) كَقَوْلِهِ (إنْ وَطِئْتُك) فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك (أَوْ إنْ قُمْت) فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك (أَوْ) إنْ (شِئْت فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك؛ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا حَتَّى يُوجَدَ الشَّرْطُ) لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ؛ فَقَبْلَهُ لَيْسَ بِحَالِفٍ، فَإِنْ وُجِدَ شَرْطُهُ (صَارَ مُولِيًا وَمَتَى أَوْلَجَ زَائِدًا عَلَى الْحَشَفَةِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى) وَهُوَ إنْ وَطِئْتُك فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك (وَلَا نِيَّةَ) لَهُ حِينَ قَوْلِهِ (حَنِثَ) لِأَنَّ تَغْيِيبَ الْحَشَفَةِ وَطْءٌ؛ فَيَحْنَثُ بِمَا زَادَ عَلَيْهِ فَإِنْ نَوَى وَطْئًا كَامِلًا عَلَى الْعَادَةِ؛ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالْمُعْتَادِ، وَإِنْ قَالَ: (وَلَا وَطِئْتُك إلَّا مَرَّةً؛) فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى وَطْءٍ تَامٍّ مُسْتَدَامٍ إلَى الْإِنْزَالِ لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ مِنْ إطْلَاقِ الْوَطْءِ، (وَ) إنْ قَالَ: (وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي السَّنَةِ) إلَّا يَوْمًا أَوْ مَرَّةً، (أَوْ) قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك (سَنَةً إلَّا يَوْمًا أَوْ إلَّا مَرَّةً) فَلَا إيلَاءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَطَأَ، وَقَدْ بَقِيَ فَوْقَ ثُلُثِهَا أَيْ: السَّنَةِ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ مُعَلَّقَةٌ بِالْإِضَافَةِ، فَقَبْلَهَا لَا يَكُونُ حَالِفًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْوَطْءِ، قَبْلَ الْإِضَافَةِ حِنْثٌ، فَإِنْ وَطِئَ وَالْبَاقِي فِي الْمُدَّةِ فَوْقَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ صَارَ مُولِيًا، وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ (لَا وَطِئْتُك مَرِيضَةً فَلَا إيلَاءَ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَبْرَأَ قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهَا مَرَضٌ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) عَادَةً، فَيَكُونُ مُولِيًا، فَإِنْ قَالَ لَهَا ذَلِكَ وَهِيَ صَحِيحَةٌ، فَمَرِضَتْ مَرَضًا يُمْكِنُ بُرْؤُهُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا (وَيَكُونُ مُولِيًا مِنْ أَرْبَعِ) زَوْجَاتِهِ (بِوَاللَّهِ لَا وَطِئْت كُلَّ وَاحِدَةٍ) ، مِنْكُنَّ أَوْ وَاَللَّهِ لَا وَطِئْت (وَاحِدَةً مِنْكُنَّ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ إحْدَاهُنَّ بِلَا حِنْثٍ فَيَحْنَثُ بِوَطْءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي الصُّورَتَيْنِ، (وَتَنْحَلُّ يَمِينُهُ) بِوَطْءِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ؛ فَلَا يَتَعَدَّدُ الْحِنْثُ فِيهَا، وَلَا يَبْقَى حُكْمُهَا بَعْدَ حِنْثِهِ فِيهَا (وَيُقْبَلُ مِنْهُ فِي) الصُّورَةِ (الثَّانِيَةِ) وَهِيَ لَا وَطِئْت وَاحِدَةً مِنْكُنَّ (إرَادَةَ) وَاحِدَةٍ (مُعَيَّنَةً) كَفَاطِمَةَ؛ فَيَكُونُ مُولِيًا مِنْهَا وَحْدَهَا لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ بِلَا بُعْدٍ، وَيُقْبَلُ مِنْهُ فِي

ثَانِيَةٍ إرَادَةُ وَاحِدَةٍ (مُبْهَمَةٍ) مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ (وَتَخْرُجُ) الْمُبْهَمَةُ مِنْهُنَّ (بِقُرْعَةٍ) فَيَصِيرُ مُولِيًا مِنْهَا، لِأَنَّهُ لَا مُرَجَّحَ غَيْرُهَا.

، وَمَنْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسَائِهِ: (وَاَللَّهِ لَا أَطَأكُنَّ، أَوْ) قَالَ لَهُنَّ (لَا وَطِئْتُك؛ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا) فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ وَطْءُ بَعْضِهِنَّ بِلَا حِنْثٍ (حَتَّى يَطَأَ ثَلَاثًا) مِنْهُنَّ (فَتَتَعَيَّنُ الْبَاقِيَةُ) الَّتِي لَمْ يَطَأْهَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا بِلَا حِنْثٍ (فَلَوْ عُدِمَتْ إحْدَاهُنَّ) بِمَوْتٍ أَوْ إبَانَةٍ (انْحَلَّتْ يَمِينُهُ) لِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِوَطْءِ الْأَرْبَعِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ الْبَائِنُ؛ عَادَ حُكْمُ يَمِينِهِ (بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ) أَيْ: قَوْلِهِ لَا وَطِئْت كُلَّ وَاحِدَةٍ، أَوْ وَاحِدَةً مِنْكُنَّ؛ فَلَا تَنْحَلُّ يَمِينُهُ بِمَوْتِ إحْدَاهُنَّ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.

[فَائِدَةٌ آلَى مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ وَقَالَ لِأُخْرَى أَشْرَكْتُك مَعَهَا وَنَحْوُهُ]

فَائِدَةٌ وَإِنْ آلَى مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، وَقَالَ لِأُخْرَى: أَشْرَكْتُك مَعَهَا وَنَحْوُهُ؛ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا مِنْ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظٍ صَرِيحٍ مِنْ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ، وَالتَّشْرِيكُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ كِنَايَةٌ، بِخِلَافِ الظِّهَارِ وَالطَّلَاقِ، فَإِذَا ظَاهَرَ مِنْ إحْدَى نِسَائِهِ، أَوْ طَلَّقَهَا، وَقَالَ لِلْأُخْرَى: أَشْرَكْتُك مَعَهَا؛ وَقَعَ بِالْأُخْرَى كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ كَالطَّلَاقِ فِي التَّنْجِيزِ وَالتَّعْلِيقِ، فَكَذَا فِي التَّشْرِيكِ.

تَتِمَّةٌ وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ، أَوْ مُحْرِمَةً أَوْ صَائِمَةً فَرْضًا أَوْ لَا وَطِئْتُك لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَلَيْسَ بِمُولٍ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا بِغَيْرِ حِنْثٍ، وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك حَتَّى تَفْطِمِي وَلَدِي، فَإِنْ أَرَادَ تَمَامَ الْحَوْلَيْنِ، وَكَانَتْ مُدَّتُهُ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ فَمُولٍ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَإِنْ أَرَادَ فِعْلَ الْفِطَامِ؛ فَلَيْسَ بِمُولٍ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهَا أَنْ تَفْطِمَهُ قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَلَيْسَ بِمُولٍ لِحُصُولِ الْفِطَامِ بِمَوْتِهِ، وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك طَاهِرًا أَوْ لَا وَطِئْتُك وَطْئًا مُبَاحًا، فَمُولٍ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا الشَّرْعِيِّ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.

[فَصْلٌ الْإِيلَاءُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ]

فَصْلٌ (وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ) مِنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ وَيُمْكِنُهُ الْوَطْءُ (مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) وَحُرٍّ (وَقِنٍّ وَغَضْبَانَ وَسَكْرَانَ) أَثِمَ بِسُكْرِهِ (وَمَرِيضٍ مَرْجُوٍّ بُرْؤُهُ وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ) بِزَوْجَتِهِ (وَ) يَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ (مُمَيِّزٍ) يَعْقِلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ قَالَ فِي " الْهِدَايَةِ: " وَالْمَذْهَبِ " وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ " " وَالْمُسْتَوْعِبِ " " وَالْخُلَاصَةِ " " وَالرِّعَايَتَيْنِ " " وَالْحَاوِي " وَغَيْرُهُمْ تَصِحُّ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ (وَيَتَّجِهُ لَا) يَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ مُمَيِّزٍ اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ " وَمُنْتَخَبُ الْآدَمِيِّ " " وَمُنَوَّرُهُ " وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ الصِّحَّةُ، وَلَا يَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: 226] كَمَا لَا يَصِحُّ (مِنْ مَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُمَا (وَ) لَا مِنْ (عَاجِزٍ عَنْ وَطْءٍ لَجَبٍّ كَامِلٍ أَوْ شَلَلٍ) أَوْ غَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ الْوَطْءُ لِامْتِنَاعِهِ بِعَجْزِهِ.
(وَيُضْرَبُ لِمُولٍ، وَلَوْ) كَانَ (قِنًّا) لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْآيَةِ (مُدَّةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَمِينِهِ) لِلْآيَةِ، فَلَا يُفْتَقَرُ إلَى ضَرْبِ حَاكِمٍ كَالْعِدَّةِ (وَلَا يُطَالَبُ فِيهِنَّ) أَيْ: الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (بِوَطْءٍ وَيُحْسَبُ عَلَيْهِ زَمَنُ عُذْرِهِ) فِيهَا (كَإِحْرَامٍ وَمَرَضٍ) وَحَبْسٍ

لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ جِهَتِهِ، وَقَدْ وُجِدَ التَّمْكِينُ مِنْهَا، وَ (لَا) يُحْسَبُ زَمَنُ (عُذْرِهَا كَصِغَرٍ وَجُنُونٍ وَيَتَّجِهُ) أَنَّهَا تُعْذَرُ بِجُنُونٍ (مُطْبِقٍ) أَمَّا غَيْرُ الْمُطْبِقِ، فَلَا تُعْذَرُ بِهِ، لِسُرْعَةِ زَوَالِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَنُشُوزٍ وَإِحْرَامٍ وَنِفَاسٍ) وَمَرَضِهَا وَحَبْسِهَا وَسَفَرِهَا، وَلَا تُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ مَعَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْذَارِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ تُضْرَبُ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ وَطْئِهَا، وَالْمَنْعُ هُنَا مِنْ قِبَلِهَا (لَا) زَمَنَ (حَيْضٍ) فَيُحْسَبُ مِنْ الْمُدَّةِ، وَلَا يَقْطَعُهَا، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلَى إسْقَاطِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ، وَإِنَّمَا حُسِبَ مِنْ الْمُدَّةِ (لِمَشَقَّةِ تَكَرُّرِهِ) فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ الْحَيْضِ غَالِبًا (وَإِنْ حَدَثَ عُذْرُهَا) فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ (اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ لِزَوَالِهِ) وَلَمْ تَبِنْ عَلَى مَا مَضَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا مُتَوَالِيَةٌ؛ فَإِذَا قَطَعَتْهَا؛ وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا كَمُدَّةِ الشَّهْرَيْنِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ (إنْ) كَانَ قَدْ (بَقِيَ مِنْ) الْمُدَّةِ الَّتِي حَلَفَ لَا يَطَؤُهَا فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ (أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، بَلْ أَرْبَعَةٌ فَأَقَلُّ، سَقَطَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ ابْتِدَاءً، وَلَا تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى إذَا حَدَثَ عُذْرٌ مِمَّا سَبَقَ كَمُدَّةِ الشَّهْرَيْنِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ إذَا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ يَسْتَأْنِفُهُمَا (كَمَنْ بَانَتْ) فِي الْمُدَّةِ (ثُمَّ عَادَتْ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ الْمُدَّةِ سَوَاءٌ بَانَتْ مِنْهُ بِفَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ انْقِضَاءِ عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ لِأَنَّهَا بِالْبَيْنُونَةِ صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ، فَلَمَّا عَادَ وَتَزَوَّجَهَا عَادَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا، فَاسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ إذَنْ.

(وَإِنْ طَلُقَتْ رَجْعِيًّا فِي الْمُدَّةِ) أَيْ: مُدَّةِ التَّرَبُّصِ (لَمْ تَنْقَطِعْ) الْمُدَّةُ إذَنْ (مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ) نَصًّا لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ عَلَى نِكَاحِهَا، وَهِيَ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ، وَإِنْ انْقَطَعَتْ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ وَكَانَ قَدْ حَدَثَ (بِهَا عُذْرٌ) بَعْدَهَا يَمْنَعُ (وَطْأَهَا) كَإِحْرَامٍ وَنِفَاسٍ (لَمْ تَمْلِكْ طَلَبَ الْفِيئَةِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ جِهَتِهَا، فَطَلَبُهَا بِهِ عَبَثٌ (وَإِنْ كَانَ) الْعُذْرُ

(بِهِ؛ وَهُوَ) أَيْ: الْعُذْرُ (مِمَّا يَعْجِزُ بِهِ عَنْ الْوَطْءِ) كَالْمَرَضِ وَالْإِحْرَامِ (أُمِرَ) أَيْ: أَمَرَهُ الْحَاكِمُ (أَنْ يَفِيَ بِلِسَانِهِ؛ فَيَقُولُ: مَتَى قَدَرْت جَامَعْتُك) لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْفِيئَةِ تَرْكُ مَا قَصَدَهُ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْإِيلَاءِ، وَاعْتِذَارِهِ يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْإِضْرَارِ (ثُمَّ مَتَى قَدَرَ) أَنْ يُجَامِعَ (وَطِئَ أَوْ طَلَّقَ) لِزَوَالِ عَجْزِهِ الَّذِي أُخِّرَ لِأَجْلِهِ، كَالدَّيْنِ يُوسِرُ بِهِ الْمُعْسِرُ، وَلَا كَفَّارَةَ وَلَا حِنْثَ فِي الْفِيئَةِ بِاللِّسَانِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، بَلْ، وَعَدَ بِهِ (وَيُمْهَلُ) مُولٍ طُلِبَتْ فِيئَتُهُ بَعْدَ الْمُدَّةِ (لِصَلَاةِ فَرْضٍ وَتَغَدٍّ وَهَضْمِ) طَعَامٍ (وَنَوْمٍ وَنُعَاسٍ وَتَحَلُّلٍ مِنْ إحْرَامٍ) وَفِطْرٍ مِنْ صَوْمٍ وَاجِبٍ (وَدُخُولِ خَلَاءٍ) وَرُجُوعٍ إلَى بَيْتِهِ (بِقَدْرِهِ) أَيْ: بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَقَطْ، لِأَنَّهُ الْعَادَةُ (وَ) يُمْهَلُ مُولٍ (مُظَاهِرٌ لِطَلَبِ رَقَبَةٍ) بِعِتْقِهَا عَنْ ظِهَارِهِ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِأَنَّهُ يَسِيرٌ، وَلَا يُمْهَلُ مُظَاهِرٌ (لِصَوْمٍ) عَنْ كَفَّارَتِهِ (وَيَتَّجِهُ وَيُؤْمَرُ) مُظَاهِرٌ طَلَبَ الْمُهْلَةَ لِصَوْمٍ (بِطَلَاقٍ) فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الصَّوْمِ كَثِيرٌ وَ (لَا) يُمَكَّنُ مِنْ وَطْءٍ لِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ لِلْآيَةِ (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ يُحْمَلُ) قَوْلُهُمْ لَا يُمْهَلُ مُظَاهِرٌ لِصَوْمٍ (عَلَى مَنْ) أَيْ: مُظَاهِرٌ (أَمْكَنَهُ الصَّوْمُ فِي الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ الْمَاضِيَةِ وَلَمْ يَفْعَلْ) أَيْ: لَمْ يَصُمْ تَهَاوُنًا مِنْهُ وَكَسَلًا، فَيَكُونُ مُفَرِّطًا، أَمَّا لَوْ كَانَ مَعْذُورًا لِمَرَضٍ أَصَابَهُ وَنَحْوِهِ؛ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ يُمْهَلُ لِيَصُومَ عَنْهُ كَفَّارَتُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(فَإِنْ لَمْ يَبْقَ) لِمُولٍ (عُذْرٌ وَطَلَبَتْ) زَوْجَتُهُ، وَلَوْ كَانَتْ (أَمَةً الْفِيئَةَ - وَهُوَ الْجِمَاعُ - لَزِمَ الْقَادِرَ) عَلَى وَطْءٍ (مَعَ حِلِّ وَطْئِهَا) أَنْ يَطَأَ، وَأَصْلُ الْفَيْءُ الرُّجُوعُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ الْمُوَلِّي فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى الْمَشْرِقِ، فَسُمِّيَ الْجِمَاعُ مِنْ الْمُولِي فَيْئَةً؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى فِعْلِ مَا تَرَكَهُ وَبِحَلِفِهِ (وَتُطَالِبُ) زَوْجَةٌ (غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ) لِصِغَرٍ وَجُنُونٍ (إذَا كُلِّفَتْ) لِتَصِحَّ دَعْوَاهَا (وَلَا مُطَالَبَةَ لِوَلِيٍّ) صَغِيرَةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ (وَلَا سَيِّدِ) أَمَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْوَطْءِ لِلزَّوْجَةِ، دُونَ وَلِيِّهَا وَسَيِّدِهَا (وَيُؤْمَرُ بِطَلَاقٍ مَنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ بِوَطْئِهَا وَيَحْرُمُ) وَطْؤُهَا؛ لِوُقُوعِ الثَّلَاثِ بِإِدْخَالِ ذَكَرِهِ، فَيَكُونُ نَزَعَهُ فِي أَجْنَبِيَّةٍ، وَالنَّزْعُ جِمَاعٌ، وَالظَّاهِرُ إنَّمَا يُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، لِأَنَّهُ إذْ ذَاكَ وَقْتُ وُجُوبٍ الْوَطْءِ عَلَيْهِ (وَمَتَى أَوْلَجَ) حَشَفَتَهُ فِي زَوْجَتِهِ عَلَّقَ طَلَاقَهَا الثَّلَاثَ بِوَطْئِهَا (وَتَمَّمَ) وَطْأَهُ (وَلَبِثَ) وَهُوَ مُولِجٌ (لَحِقَهُ نَسَبُهُ) أَيْ مَا وَلَدَتْهُ مِنْ هَذَا الْوَطْءِ (وَلَزِمَهُ الْمَهْرُ، وَلَا حَدَّ) عَلَيْهِمَا؛ لِلشُّبْهَةِ، وَإِنْ نَزَعَ فِي الْحَالِ فَلَا حَدَّ وَلَا مَهْرَ، لِأَنَّهُ تَارِكٌ، وَإِنْ نَزَعَ، ثُمَّ أَوْلَجَ، فَإِنْ جَهِلَا التَّحْرِيمَ؛ فَالْمَهْرُ وَالنَّسَبُ وَلَا حَدَّ، وَإِنْ عَلِمَا التَّحْرِيمَ؛ فَلَا مَهْرَ وَلَا نَسَبَ، وَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ؛ وَإِنْ عَلِمَا التَّحْرِيمَ، وَجَهِلَتْهُ؛ لَزِمَهُ الْمَهْرُ وَالْحَدُّ، وَلَا نَسَبَ، وَإِنْ عَلِمَتْ التَّحْرِيمَ وَجَهِلَهُ الْوَاطِئُ؛ لَزِمَهَا الْحَدُّ، وَلِحَقِّهِ النَّسَبُ، وَكَذَا إنْ تَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا.

وَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا بِوَطْئِهَا، فَوَطِئَهَا، وَقَعَ رَجْعِيًّا قَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَحَصَلَتْ رَجْعَتُهَا بِنَزْعِهِ؛ إذْ النَّزْعُ جِمَاعٌ.

(وَتَنْحَلُّ يَمِينُ مَنْ) أَيْ مُولٍ (جَامَعَ، وَلَوْ مَعَ تَحْرِيمِهِ) أَيْ: الْجِمَاعِ (كَ) جِمَاعِهِ (فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ، إحْرَامٍ أَوْ صِيَامِ فَرْضٍ) لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، فَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ بِهِ، وَقَدْ وَفَّى الزَّوْجَةَ رَجْعَتَهَا مِنْ الْوَطْءِ، فَخَرَجَ مِنْ الْفِيئَةِ كَالْوَطْءِ الْمُبَاحِ (وَيُكَفِّرُ) لِحِنْثِهِ

(وَأَدْنَى مَا يَكْفِي) مُولٍ فِي خُرُوجِهِ مِنْ فِيئَةٍ (تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا) مِنْ مَقْطُوعِهَا (وَلَوْ مِنْ مُكْرَهٍ) قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ ": وَالْإِكْرَاهُ عَلَى الْوَطْءِ لَا يُتَصَوَّرُ (وَنَاسٍ وَجَاهِلٍ وَمَجْنُونٍ أَوْ أُدْخِلَ ذَكَرُ نَائِمٍ) لِوُجُودِ الْوَطْءِ وَاسْتِيفَاءِ الْمَرْأَةِ بِهِ حَقَّهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ قَصْدًا (وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِنَّ) أَيْ: هَذِهِ الصُّوَرُ لِعَدَمِ حِنْثِهِ فَلَا تَنْحَلُّ يَمِينُهُ (فِي الْقُبُلِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَغْيِيبٍ أَيْ: قُبُلِ مَنْ آلَى مِنْهَا (فَلَا يَخْرُجُ) مُولٍ (مِنْ الْفِيئَةِ بِوَطْءٍ دُونَ فَرْجٍ؛ أَوْ فِي دُبُرٍ) لِأَنَّ الْفِيئَةَ الرُّجُوعُ إلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَهَذَا غَيْرُ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ؛ كَمَا لَوْ قَبَّلَهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَزُولُ بِهِ ضَرَرُ الْمَرْأَةِ.

(وَإِنْ لَمْ يَفِ) مُولٍ بِوَطْءِ مَنْ آلَى مِنْهَا (وَأَعْفَتْهُ؛ سَقَطَ حَقُّهَا) لِرِضَاهَا بِإِسْقَاطِهِ (كَعَفْوِهَا) أَيْ: كَعَفْوِ زَوْجَةِ الْعِنِّينِ (بِعُذْرٍ مِنْ الْعُنَّةِ) عَنْ الْفَسْخِ، فَيَسْقُطُ، وَإِلَّا تُعْفِهِ الْمَرْأَةُ (أُمِرَ) أَيْ: أَمَرَهُ الْحَاكِمُ (أَنْ يُطَلِّقَ) إنْ طَلَبَتْهُ مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226] ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 227] وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ بَذْلِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لَمْ يَمْسِكْ بِمَعْرُوفٍ، فَيُؤْمَرُ بِالتَّسْرِيحِ بِإِحْسَانٍ.

(وَلَا تَبِينُ) زَوْجَةُ مُولٍ مِنْهُ بِطَلَاقٍ (رَجْعِيٍّ) سَوَاءٌ أَوْقَعَهُ أَوْ الْحَاكِمُ كَغَيْرِ مُولٍ (فَإِنْ أَبَى) مُولٍ أَنْ يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ طَلَّقَ عَلَيْهِ حَاكِمٌ طَلْقَةً، وَتَقَعُ رَجْعِيَّةً أَوْ ثَلَاثًا أَوْ فَسَخَ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّهُ، فَدَخَلَتْهُ النِّيَابَةُ، كَقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَيُفَارِقُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى التَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ مِنْ النِّسْوَةِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلِأَنَّهَا خِيرَةُ تَشَهٍّ، بِخِلَافِ مَا هُنَا، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالطَّلَاقِ، وَلَا أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ

تَطْلُبَ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ فَلَا يَسْتَوْفِيهِ بِدُونِهَا، فَإِنْ طَلَّقَ عَلَيْهِ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ فَسَخَ صَحَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَائِمًا مَقَامَ الزَّوْجِ؛ فَيَمْلِكُ مَا يَمْلِكُهُ الزَّوْجُ وَالْخِيرَةُ فِي ذَلِكَ لِلْحَاكِمِ، فَيَفْعَلُ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) مَرْجُوحٍ أَنَّ الْحَاكِمَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إيقَاعِ وَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَبَيْنَ فَسْخٍ، وَحَيْثُ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ (فَلَا تَحْرُمُ الثَّلَاثُ) أَيْ: لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ إيقَاعُهُمَا دَفْعَةً (هُنَا) أَيْ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ فِعْلَ الْأَصْلَحِ (وَمُقْتَضَى مَا مَرَّ) فِي بَابِ سُنَّةِ الطَّلَاقِ وَبِدْعَتِهِ (الْحُرْمَةُ) أَيْ: حُرْمَةُ إيقَاعِ طَلَاقِ ثَلَاثٍ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ بِكَلِمَاتٍ وَلَوْ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ أَوْ ظِهَارٍ قَبْلَ رَجْعَةٍ، وَهَذَا مِمَّا لَا رَيْبَ فِيهِ يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُولِيَ نَفْسَهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إيقَاعُ ثَلَاثٍ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَغَيْرُهُ أَوْلَى.

(وَإِنْ قَالَ) حَاكِمٌ (فَرَّقْتُ بَيْنَكُمَا) وَلَمْ يَنْوِ طَلَاقًا (فَهُوَ فَسْخٌ) لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ لَيْسَتْ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ وَلَا نِيَّتِهِ، أَشْبَهَ قَوْلَهُ: فَسَخْت النِّكَاحَ.

(وَإِنْ ادَّعَى) مُولٍ طَلَبَتْهُ زَوْجَتُهُ بِالْفِيئَةِ (بَقَاءَ الْمُدَّةِ) أَيْ: مُدَّةَ التَّرَبُّصِ؛ قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ يَرْجِعُ إلَى الِاخْتِلَافِ فِي وَقْتِ حَلِفِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ؛ لِصُدُورِهِ مِنْ جِهَتِهِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْإِيلَاءِ، أَوْ ادَّعَى وَطْأَهَا بَعْدَ إيلَائِهِ (وَهِيَ ثَيِّبٌ، قُبِلَ) لِأَنَّهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ غَالِبًا، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ كَقَوْلِ الْمَرْأَةِ فِي حَيْضِهَا

(وَإِنْ ادَّعَتْ) زَوْجَةُ مُولٍ ادَّعَى وَطْأَهَا (بَكَارَةً، فَشَهِدَ بِهَا) أَيْ: بِالْبَكَارَةِ امْرَأَةٌ (ثِقَةٌ؛ قُبِلَتْ) كَسَائِرِ عُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ (وَإِلَّا يَشْهَدْ بِبَكَارَتِهَا أَحَدٌ) ثِقَةٌ، (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُ) ، (كَمَا) لَوْ

ادَّعَى الْوَطْءَ فِي الْعُنَّةِ (بِيَمِينِهِ) لِلْخَبَرِ، وَكَالدَّيْنِ، وَلِأَنَّ مَا تَدَّعِيهِ الْمَرْأَةُ مُحْتَمَلٌ، فَوَجَبَ نَفْيُهُ بِالْيَمِينِ (فِيهِنَّ) أَيْ: الصُّوَرِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ، أَشْبَهَ الدَّيْنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الظِّهَارِ]

ِ مُشْتَقٌّ مِنْ الظَّهْرِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَشِبِّيهِ الزَّوْجَةَ بِظَهْرِ الْأُمِّ، وَإِنَّمَا خُصَّ الظُّهْرُ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الرُّكُوبِ، إذْ الْمَرْأَةُ مَرْكُوبَةٌ إذَا غُشِيَتْ فَقَوْلُهُ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي؛ أَيْ: رُكُوبُك لِلنِّكَاحِ حَرَامٌ عَلَيَّ كَرُكُوبِ أُمِّي لِلنِّكَاحِ، فَأَقَامَ الظَّهْرَ مُقَامَ الرُّكُوبِ؛ لِأَنَّهُ مَرْكُوبٌ، وَأَقَامَ الرُّكُوبُ مَقَامَ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ النَّاكِحَ رَاكِبٌ، وَيُقَالُ كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَحْرُمُ بِالظِّهَارِ عَلَى زَوْجِهَا، وَلَا تُبَاحُ لِغَيْرِهِ، فَنَقَلَ الشَّارِعُ حُكْمَهُ لَا تَحْرِيمَهَا، وَوُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِالْعَوْدِ، وَأَبْقَى مَحَلَّهُ وَهُوَ الزَّوْجَةُ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ إجْمَاعًا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2] وَقَوْلُ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ لِلْخَبَرِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَيْسَتْ كَالْأُمِّ فِي التَّحْرِيمِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: 4] «وَلِحَدِيثِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ حِينَ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ مَالِكٍ بْنِ ثَعْلَبَةَ فَجَاءَتْ تَشْكُوهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتُجَادِلُهُ فِيهِ، وَتَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَكَلَ شَبَابِي وَنَثَرْت لَهُ بَطْنِي حَتَّى إذَا كَبُرَ سِنِّي، وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي اللَّهُمَّ إنِّي أَشْكُوهُ إلَيْك فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ» رُوِيَ: «أَنَّهَا كَانَتْ حَسَنَةَ الْجِسْمِ فَرَآهَا زَوْجُهَا وَهِيَ سَاجِدَةٌ، فَأَعْجَبَتْهُ عَجِيزَتُهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ أَرَادَهَا فَأَبَتْ؛ فَغَضِبَ عَلَيْهَا وَكَانَ لَهُ شِدَّةُ حِرْصٍ وَتَوَقَانٍ، فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَكَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَسَأَلْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهَا: حَرُمْت عَلَيْهِ فَقَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا ذَكَرَ طَلَاقًا، وَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرُمْت عَلَيْهِ فَقَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا ذَكَرَ طَلَاقًا أَشْكُو إلَى اللَّهِ فَاقَتِي وَوِحْدَتِي، فَقَدْ طَالَتْ صُحْبَتِي، وَنَفَضْت لَهُ بَطْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَرَاك إلَّا قَدْ حَرُمْت عَلَيْهِ، وَلَمْ أُومَرْ فِي شَأْنِك بِشَيْءٍ فَجَعَلَتْ تُرَاجِعُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِذَا قَالَ لَهَا حَرُمْت عَلَيْهِ، هَتَفَتْ وَقَالَتْ: أَشْكُو إلَى اللَّهِ وَشِدَّةَ حَالِي وَإِنَّ لِي صِبْيَةً صِغَارًا إنْ ضَمَمْتُهُمْ إلَيْهِ ضَاعُوا وَإِنْ تَرَكْتُهُمْ عِنْدِي جَاعُوا، وَجَعَلَتْ تَرْفَعُ رَأْسَهَا إلَى السَّمَاءِ وَتَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَشْكُو إلَيْك، فَأَنْزِلْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّك، وَكَانَ هَذَا أَوَّلَ ظِهَارٍ فِي الْإِسْلَامِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ إلَى آخِرِهِ» وَالظِّهَارُ (هُوَ أَنْ يُشَبِّهَ) زَوْجٌ (امْرَأَتَهُ، أَوْ) يُشَبَّهَ (عُضْوًا مِنْهَا) أَيْ: امْرَأَتِهِ كَيَدِهَا وَظَهْرِهَا (بِمَنْ) أَيْ: امْرَأَةٍ (تَحْرُمُ عَلَيْهِ) كَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ وَحَمَاتِهِ وَزَوْجَةِ ابْنِهِ (وَلَوْ كَانَ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ إلَى أَمَدٍ كَأُخْتِ زَوْجَتِهِ) وَخَالَتِهَا وَعَمَّتِهَا (أَوْ) يُشَبِّهَهَا (بِعُضْوٍ مِنْهَا) أَيْ: مِمَّنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَلَوْ إلَى أَمَدٍ.
(أَوْ) يُشَبِّهَ امْرَأَتَهُ (بِذَكَرٍ أَوْ بِعُضْوٍ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الذَّكَرِ (وَلَوْ) أَتَى بِهِ (بِغَيْرِ عَرَبِيَّةٍ) مِمَّنْ يُحْسِنُهَا كَالْإِيلَاءِ وَالطَّلَاقِ (أَوْ اعْتَقَدَ الْحِلَّ) أَيْ حِلَّ الْمُشَبَّهِ بِهَا مِنْ مَحَارِمَ (مَجُوسِيٌّ) بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُخْتِي مُعْتَقِدًا حِلَّ أُخْتِهِ فَيَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الظِّهَارِ إذَا أَسْلَمَا أَوْ تَرَافَعَا إلَيْنَا (نَحْوُ) قَوْلِ الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ: (أَنْتِ أَوْ يَدُك أَوْ وَجْهُك أَوْ أُذُنُك، كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ) كَبَطْنِ (أَوْ كَرَأْسِ أُمِّي أَوْ كَظَهْرِ) أَوْ بَطْن أَوْ رَأْسِ أَوْ عَيْنِ (عَمَّتِي أَوْ خَالَتِي أَوْ حَمَاتِي أَوْ أُخْتِ زَوْجَتِي أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا أَوْ) كَظَهْرِ أَوْ بَطْنِ أَوْ رَأْسِ أَوْ عَيْنِ (أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ) كَظَهْرِ أَوْ بَطْنِ أَوْ رَأْسِ أَوْ عَيْنِ (أَبِي أَوْ أَخِي أَوْ أَجْنَبِيٍّ أَوْ رَجُلٍ، وَلَا يُدَيَّنُ) إنْ قَالَ: أَرَدْت فِي الْكَرَامَةِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ صَرِيحَةٌ فِي الظِّهَارِ لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ.

وَإِنْ قَالَ لَهَا: (أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي طَالِقٌ، أَوْ) قَالَ لَهَا (عَكْسَهُ) أَيْ: أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي (يَلْزَمَانِهِ) أَيْ الطَّلَاقُ وَالظِّهَارُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِصَرِيحِهِمَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا فِي الْأُولَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " تَبَعًا لِلشَّارِحِ بِأَنَّهُ لَيْسَ ظِهَارًا فِي الثَّانِيَةِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ خِلَافًا لَهُ، وَإِنْ قَالَ لَهَا: (أَنْتِ عَلَيَّ) كَأُمِّي أَوْ مِثْلِ أُمِّي (أَوْ) قَالَ أَنْتِ (عِنْدِي) كَأُمِّي أَوْ مِثْلِ أُمِّي (أَوْ) قَالَ أَنْتِ (مِنِّي) كَأُمِّي أَوْ مِثْلِ أُمِّي، (أَوْ) قَالَ: أَنْتِ (مَعِي كَأُمِّي أَوْ مِثْلِ أُمِّي، وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يَنْوِهِ ظِهَارًا وَلَا غَيْرَهُ؛ فَهُوَ (ظِهَارٌ) لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ.

(وَإِنْ نَوَى) بِأَنْتِ عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي أَوْ مِنِّي أَوْ مَعِي كَأُمِّي أَوْ مِثْلِ أُمِّي (فِي الْكَرَامَةِ وَالْمَحَبَّةِ؛ دُيِّنَ؛ وَقُبِلَ حُكْمًا) لِاحْتِمَالِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ، (وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ أُمِّي أَوْ أَنْتِ كَأُمِّي أَوْ أَنْتِ مِثْلُ أُمِّي) وَلَمْ يَقُلْ عَلَيَّ أَوْ مِنِّي أَوْ مَعِي (لَيْسَ بِظِهَارٍ إلَّا مَعَ نِيَّةِ) ظِهَارٍ أَوْ (قَرِينَةٍ) مِنْ خُصُومَةٍ أَوْ غَضَبٍ؛ لِاحْتِمَالِ هَذِهِ الصُّوَرِ لِغَيْرِ الظِّهَارِ أَكْثَرَ مِنْ احْتِمَالِ الصُّوَرِ الَّتِي قَبْلَهَا لَهُ، وَكَثْرَةُ الِاحْتِمَالَاتِ تُوجِبُ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ فِي الْمُحْتَمَلِ الْأَقَلِّ لِيَتَعَيَّنَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كِنَايَةً فِيهِ، وَالْقَرِينَةُ

تَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ، وَقَوْلُهُ لَهَا (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ظِهَارٌ، وَلَوْ نَوَى بِهِ طَلَاقًا وَيَمِينًا) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ أَوْقَعَهُ فِي امْرَأَتِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَحَمْلُهُ عَلَى الظِّهَارِ أَوْلَى مِنْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ تَبِينُ بِهِ الْمَرْأَةُ؛ وَهَذَا يُحَرِّمُهَا مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجَةِ، فَحَمْلُهُ عَلَى أَدْنَى التَّحْرِيمِ أَوَّلًا (لَا إنْ زَادَ بَعْدُ أَوْ قَبْلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ) أَيْ: فَلَا يَكُونُ ظِهَارًا، سَوَاءٌ قَدَّمَ الِاسْتِثْنَاءَ كَقَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ أَخَّرَهُ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَنَحْوَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَدْخُلُهُ التَّكْفِيرُ، وَكَذَا إنْ قَالَ لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ شَاءَ زَيْدٌ.

وَقَوْلُهُ (أَنَا مُظَاهِرٌ أَوْ عَلَيَّ) الظِّهَارُ (أَوْ يَلْزَمُنِي الظِّهَارُ أَوْ) عَلَيَّ الْحَرَامُ أَوْ يَلْزَمُنِي (الْحَرَامُ أَوْ أَنَا عَلَيْك حَرَامٌ أَوْ أَنَا) عَلَيْك (كَظَهْرِ رَجُلٍ) أَوْ كَظَهْرِ أُمِّي (مَعَ نِيَّةِ) ظِهَارٍ (أَوْ قَرِينَةٍ) دَالَّةٍ عَلَيْهِ مِنْ خُصُومَةٍ أَوْ غَضَبٍ (ظِهَارٌ) لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ، وَقَدْ نَوَى بِهِ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ نَفْسِهِ عَلَيْهَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ تَشْبِيهَ نَفْسِهِ بِأَبِيهِ يَلْزَمُ مِنْهُ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ كَمَا تَحْرُمُ عَلَى أَبِيهِ (وَإِلَّا) يَنْوِ ظِهَارًا وَلَا قَرِينَةَ عَلَيْهِ (فَلَغْوٌ) (كَ) قَوْلِهِ (أُمِّي) امْرَأَتِي (أَوْ أُخْتِي أَوْ أُخْتِ امْرَأَتِي أَوْ مِثْلِهَا) أَيْ: أُمِّي أَوْ أُخْتِي أَوْ مِثْلِ امْرَأَتِي؛ فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ لَغْوٌ مُطْلَقًا - وَإِنْ أَوْهَمَ التَّفْصِيلَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ لِأُمِّهِ وَوَصْفٌ لَهَا، وَلَيْسَ بِوَصْفٍ لِامْرَأَتِهِ.
(وَ) كَقَوْلِهِ (أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الْبَهِيمَةِ) فَلَيْسَ ظِهَارًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلِاسْتِمْتَاعِ، (وَ) كَقَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ (وَجْهِي مِنْ وَجْهِك حَرَامٌ) فَلَغْوٌ نَصًّا (وَكَالْإِضَافَةِ) أَيْ: إضَافَةِ التَّشْبِيهِ أَوْ التَّحْرِيمِ (إلَى نَحْوِ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَرِيقٍ وَلَبَنٍ وَدَمٍ وَرُوحٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ) بِأَنْ قَالَ: شَعْرُك أَوْ ظُفْرُك إلَى آخِرِهِ كَظَهْرِ أُمِّي؛ أَوْ شَعْرُك أَوْ ظُفْرُك إلَى آخِرِهِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَهُوَ لَغْوٌ، كَمَا سَبَقَ فِي الطَّلَاقِ.

(وَلَا ظِهَارَ إنْ قَالَتْ) امْرَأَةٌ (لِزَوْجِهَا) نَظِيرَ مَا يَصِيرُ بِهِ مُظَاهِرًا لَوْ قَالَهُ (أَوْ عَلَّقَتْ بِتَزْوِيجِهِ نَظِيرَ مَا يَصِيرُ بِهِ مُظَاهِرًا) لَوْ قَالَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] فَخَصَّهُمْ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ قَوْلٌ يُوجِبُ تَحْرِيمًا فِي النِّكَاحِ

فَاخْتَصَّ بِهِ الرَّجُلُ كَالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ الْحِلَّ فِي الْمَرْأَةِ حَقٌّ لِلزَّوْجِ؛ فَلَا تَمْلِكُ إزَالَتَهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ (وَعَلَيْهَا كَفَّارَتُهُ) أَيْ: الظِّهَارِ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، وَقَدْ أَتَى بِالْمُنْكَرِ مِنْ الْقَوْلِ وَالزُّورِ فِي تَحْرِيمِ الْآخَرِ عَلَيْهِ أَشْبَهَتْ الزَّوْجَ، وَعَلَيْهَا التَّمْكِينُ لِزَوْجِهَا مِنْ وَطْئِهَا قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ التَّكْفِيرِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلزَّوْجِ؛ فَلَا تَمْنَعُهُ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الظِّهَارِ؛ وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ تَغْلِيظًا، وَلَيْسَ لَهَا ابْتِدَاءُ الْقُبْلَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّخَعِيّ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ: إنْ تَزَوَّجْت مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي، فَسَأَلَتْ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرَأَوْا أَنَّ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةَ وَرَوَى سَعِيدٌ: أَنَّهَا اسْتَفْتَتْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ يَوْمئِذٍ كَثِيرٌ، فَأَمَرُوهَا أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً، وَتَتَزَوَّجَهُ، فَتَزَوَّجَتْهُ، وَأَعْتَقَتْ عَبْدًا.

(وَيُكْرَهُ دُعَاءُ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ (الْآخَرَ) بِمَا يَخْتَصُّ (بِذِي رَحِمٍ كَأَبِي وَأُمِّي وَأَخِي وَأُخْتِي) قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي.

[فَصْلٌ مِنْ يَصِحُّ مِنْهُ الظِّهَارُ]

فَصْلٌ (وَيَصِحُّ) الظِّهَارُ (مِنْ كُلِّ مَنْ) أَيْ: زَوْجٍ (يَصِحُّ طَلَاقُهُ) مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا أَوْ مُمَيِّزًا يَعْقِلُهُ؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ كَالطَّلَاقِ، فَجَرَى مَجْرَاهُ، وَصَحَّ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ (وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ظِهَارُ مُمَيِّزٍ وَلَا إيلَاؤُهُ) لِأَنَّهُ يَمِينُ مُكَفَّرَةٌ، فَلَا يَنْعَقِدُ فِي حَقِّهِ كَالْيَمِينِ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ، لِمَا فِيهِ مِنْ قَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ وَذَلِكَ مَرْفُوعٌ عَنْ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ، لَكِنَّ الْمَذْهَبَ صِحَّةُ ظِهَارِ الْمُمَيِّزِ وَإِيلَاؤُهُ كَطَلَاقِهِ؛ قَالَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " سَوَّى أَحْمَدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ قَالَ

فِي " الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ " أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ عَلَى صِحَّةِ ظِهَارِهِ وَإِيلَائِهِ قَالَ النَّاظِمُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.
(وَيُكَفِّرُ كَافِرٌ بِمَالٍ) أَيْ: عِتْقٍ أَوْ إطْعَامٍ، لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ وَعَكْسُهُ أَيْ: عَكْسُ الْكَافِرِ (الْقِنُّ) فَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَا يُكَفِّرُ مِنْهُ وَيَصِحُّ (مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ) كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةٍ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَطْؤُهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] الْآيَةُ فَخَصَّهُنَّ بِالظِّهَارِ وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ؛ فَاخْتُصَّ بِهَا كَالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ فَنُقِلَ حُكْمُهُ، وَبَقِيَ مَحَلُّهُ.

وَ (لَا) يَصِحُّ ظِهَارُهُ (مِنْ أَمَتِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ، وَيُكَفِّرُ) سَيِّدٌ قَالَ لِأَمَتِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي (كَيَمِينٍ بِحِنْثٍ) كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَطَؤُهَا، ثُمَّ وَطِئَهَا قَالَ نَافِعٌ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَارِيَتَهُ فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ» .

(وَإِنْ نَجَّزَهُ) أَيْ: الظِّهَارَ (لِأَجْنَبِيَّةٍ) بِأَنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي صَحَّ ظِهَارٌ (أَوْ عَلَّقَهُ بِتَزْوِيجِهَا) أَيْ الْأَجْنَبِيَّةِ (كَ) : قَوْلِهِ لَهَا (إنْ تَزَوَّجْتُك) فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، لَمْ يَطَأْهَا إنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ، لِأَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَهَا، تَحَقَّقَ مَعْنَى الظِّهَارِ مِنْهَا، وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ وَطْؤُهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ الظِّهَارِ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ لِأَنَّهُ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ فَصَحَّ عَقْدُهَا قَبْلَ النِّكَاحِ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ أَنَّ الطَّلَاقَ حَلَّ قَيْدَ النِّكَاحِ، وَلَا يُمْكِنُ حَلُّهُ قَبْلَ عَقْدِهِ وَالظِّهَارُ تَحْرِيمٌ لِلْوَطْءِ فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْعَقْدِ كَالْحَيْضِ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّ حُكْمُ الْإِيلَاءِ بِنِسَائِهِ؛ لِكَوْنِهِ يَقْصِدُ الْإِضْرَارَ بِهِنَّ، وَالْكَفَّارَةُ هُنَا وَجَبَتْ لِقَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ، فَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِنِسَائِهِ.

وَكَذَا إنْ قَالَ: كُلُّ النِّسَاءِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي (أَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا) فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي (فَظِهَارٌ) فَإِنْ تَزَوَّجَ نِسَاءً، وَأَرَادَ الْوَطْءَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَسَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ بِعَقْدٍ أَوْ عُقُودٍ؛ لِأَنَّهَا عَيْنُ وَاحِدَةٍ، فَلَا تُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ.
(وَكَذَا) لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَنَوَى أَبَدًا) فَمُظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ ظِهَارٌ فِي الزَّوْجَةِ، فَكَذَا الْأَجْنَبِيَّةُ، فَلَا يَطَؤُهَا إذَا تَزَوَّجَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ وَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ لِأَجْنَبِيَّةٍ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ظِهَارًا (إنْ أَطْلَقَ) فَلَمْ يَنْوِ أَبَدًا (أَوْ نَوَى) أَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ (إذَنْ) لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي حُرْمَتِهَا عَلَيْهِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ (وَيُقْبَلُ) مِنْهُ دَعْوَى ذَلِكَ (حُكْمًا) لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ.

(وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مُنَجَّزًا) كَمَا تَقَدَّمَ (وَمُعَلَّقًا) كَإِنْ قُمْت فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي (وَمَحْلُوفًا بِهِ) كَأَنْتِ الظِّهَارُ لَأَقُومَنَّ (وَمُطْلَقًا) ، كَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي (وَمُؤَقَّتًا كَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي شَهْرَ رَمَضَانَ) أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي (عَامًا إنْ وَطِئَ فِيهِ) أَيْ: رَمَضَانَ أَوْ الْعَامِ (كَفَّرَ، وَإِلَّا يَطَأْ) فِيهِ (زَالَ) حُكْمُ الظِّهَارِ بِمُضِيِّهِ؛ لِحَدِيثِ صَخْرِ بْنِ سَلَمَةَ: وَفِيهِ «ظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَأَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَصَابَهَا فِيهِ فَأَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ» وَلَمْ يُنْكِرْ تَقْيِيدَهُ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ؛ فَإِنَّهُ يُزِيلُ الْمِلْكَ، وَهَذَا يُوقِعُ تَحْرِيمًا يَرْفَعُهُ التَّكْفِيرُ أَشْبَهَ الْإِيلَاءَ

(وَيَحْرُمُ عَلَى مُظَاهِرٍ وَمُظَاهَرٍ مِنْهَا وَطْءٌ وَدَوَاعِيهِ قَبْلَ تَكْفِيرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] وَقَوْلِهِ: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 4] (وَلَوْ) كَانَ تَكْفِيرُهُ (بِإِطْعَامٍ) لِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي ظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي، فَوَقَعْت عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ، فَقَالَ: مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ رَحِمَك اللَّهُ؟ قَالَ: خَلْخَالُهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ قَالَ: فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَك اللَّهُ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا أَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلِأَنَّ مَا حَرَّمَ الْوَطْءَ

مِنْ الْقَوْلِ حَرَّمَ دَوَاعِيهِ كَالطَّلَاقِ وَالْإِحْرَامِ، بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ؛ فَلَهُ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ (وَتَثْبُتُ) أَيْ: تَسْتَقِرُّ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ (فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ: الْمُظَاهِرِ (بِالْعَوْدِ) وَهُوَ الْوَطْءُ نَصًّا، لَا الْعَزْمِ عَلَيْهِ، فَلَا تَسْتَقِرُّ بِذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا شَرْطٌ لِحِلِّ الْوَطْءِ فَيُؤْمَرُ بِهَا مَنْ أَرَادَهُ لِيَسْتَحِلَّهُ بِهَا كَمَا يُؤْمَرُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ مَنْ أَرَادَ حِلَّ الْمَرْأَةِ (وَلَوْ) كَانَ مِنْ الْوَطْءِ (مِنْ مَجْنُونٍ) بِأَنْ ظَاهَرَ، ثُمَّ جُنَّ.
(وَيَتَّجِهُ) أَوْ كَانَ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَةٍ فَبَانَتْ مِنْهُ، ثُمَّ وَطِئَهَا (بِزِنًا) فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ، لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَادَ إلَى الْوَطْءِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (لَا) إنْ كَانَ الْوَطْءُ (مِنْ مُكْرَهٍ) لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِالْإِكْرَاهِ، وَنَائِمٍ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَوْدَ هُوَ الْوَطْءُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ ضِدَّ قَوْلِ الْمُظَاهِرِ، إذْ الْمُظَاهِرُ حَرَّمَ الْوَطْءَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنَعَهَا مِنْهُ، فَالْعَوْدُ فِعْلُهُ، وَأَمَّا الْإِمْسَاكُ عَنْ الْوَطْءِ فَلَيْسَ بِعَوْدٍ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: 3] وَثُمَّ لِلتَّرَاخِي، وَالْإِمْسَاكُ غَيْرُ مُتَرَاخٍ؛ وَلِأَنَّ الظِّهَارَ يَمِينٌ يَقْتَضِي تَرْكَ الْوَطْءِ فَلَا يَجِبُ كَفَّارَةٌ إلَّا بِهِ كَالْإِيلَاءِ.

(وَيَأْثَمُ كَلِفٌ) بِوَطْءٍ وَدَوَاعِيهِ قَبْلَ تَكْفِيرٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ) إنْ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ (لَا يَطَأُ) بَعْدُ (حَتَّى يُكَفِّرَ) لِلْخَبَرِ، وَلِبَقَاءِ التَّحْرِيمِ (وَتُجْزِئُهُ) كَفَّارَةٌ (وَاحِدَةٌ) وَلَوْ كَرَّرَ الْوَطْءَ، لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ وُجِدَ الْعَوْدُ وَالظِّهَارُ، فَدَخَلَ فِي عُمُومِ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3] لِآيَتَيْنِ (كَمُكَرِّرٍ ظِهَارًا مِنْ) امْرَأَةٍ (وَاحِدَةٍ قَبْلَ تَكْفِيرٍ وَلَوْ) كَرَّرَهُ (بِمَجَالِسَ، أَوْ أَرَادَ) بِتَكْرَارِهِ (اسْتِئْنَافًا) نَصًّا؛ لِأَنَّ تَكْرِيرَهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ؛ لِتَحْرِيمِهَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ تَكْفِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ وَكَذَا لَوْ ظَاهَرَ (مِنْ نِسَاءٍ بِكَلِمَةٍ) كَقَوْلِهِ أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَلِأَنَّهُ ظِهَارٌ وَاحِدٌ.

وَإِنْ

ظَاهَرَ مِنْهُنَّ (بِكَلِمَاتٍ) بِأَنْ قَالَ لِكُلٍّ مِنْهُنَّ: أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي؛ فَعَلَيْهِ (لِكُلٍّ) مِنْهُنَّ (كَفَّارَةٌ، كَأَنْ قَالَ) أَيْ: مَا تَقَدَّمَ (لِكُلِّ وَاحِدَةٍ) مِنْهُنَّ بِمُفْرَدِهَا؛ لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ عَلَى أَعْيَانٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَلِأَنَّهَا أَيْمَانٌ لَا يَحْنَثُ فِي إحْدَاهَا بِالْحِنْثِ فِي الْأُخْرَى؛ فَلَا تُكَفِّرُهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (أَوْ كَرَّرَهُ) أَيْ: كَرَّرَ قَوْلَهُ (لَهُنَّ) أَيْ: لِلنِّسَاءِ أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي (وَلَمْ يُرِدْ) بِتَكْرَارِ ذَلِكَ (تَأْكِيدًا) فَعَلَيْهِ لِكُلٍّ مِنْهُنَّ كَفَّارَةٌ؛ لِوُجُودِ التَّكْرَارِ الْعَارِي عَنْ إرَادَةِ التَّأْكِيدِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وُجِدَتْ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ، بِخِلَافِ الْحَدِّ، فَإِنَّهُ عُقُوبَةٌ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ

(وَيَلْزَمُ) مُظَاهِرًا (إخْرَاجُ) كَفَّارَةِ ظِهَارٍ (بِعَزْمٍ عَلَى وَطْءٍ) نَصًّا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] الْآيَتَيْنِ وَحَدِيثِ «فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَك اللَّهُ بِهِ» حَيْثُ أَمَرَ بِالْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْتِمَاسٍ (وَيُجْزِئُ) إخْرَاجٌ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ عَزْمٍ عَلَى الْوَطْءِ (لِوُجُودِ سَبَبِهِ) أَيْ: سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ الظِّهَارُ كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ بَعْدَ كَمَالِ النِّصَابِ (لَا قَبْلَ) ذَلِكَ (فَلَا تُجْزِئُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ قَبْلَهُ كَ) مَا لَا تُجْزِئُ كَفَّارَةُ (يَمِينٍ) قَبْلَ حَلِفٍ، (وَلَا) تُجْزِئُ (كَفَّارَةُ قَتْلٍ قَبْلَ جَرْحٍ) لِعَدَمِ انْعِقَادِ سَبَبِ الْوُجُوبِ.

(وَإِنْ قَالَ) لِزَوْجَتِهِ: (إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) ، لَمْ يُكَفِّرْ قَبْلَ دُخُولِهَا الدَّارَ، فَإِنْ دَخَلَتْهَا صَارَ

مُظَاهِرًا وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، لِوُجُودِ شَرْطِهِ (وَ) إنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: (إنْ تَظَهَّرْت) أَنَا (فَأَنْتَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي، ثُمَّ تَظَهَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، عَتَقَ) لِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ عِنْدَ وُجُودِهَا، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ دَخَلَهَا، وَنَوَى السَّيِّدُ حَالَ دُخُولِهِ أَنَّهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَهُوَ الشَّرْطُ

(وَإِنْ اشْتَرَى) مُظَاهِرٌ (زَوْجَتَهُ) الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا وَهِيَ أَمَةٌ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ، وَظِهَارُهُ بِحَالِهِ (وَيُجْزِئُهُ عِتْقُهَا عَنْ) كَفَّارَةِ (ظِهَارِهِ) إنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً سَلِيمَةً مِنْ الْعُيُوبِ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ حَلَّتْ لَهُ بِلَا كَفَّارَةٍ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ قَدْ تَقَدَّمَتْ، فَإِنْ أَعْتَقَهَا فِي غَيْرِ الْكَفَّارَةِ عَنْ ظِهَارِهِ مِنْهَا؛ بِأَنْ أَعْتَقَهَا تَبَرُّعًا أَوْ عَنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةِ قَتْلٍ أَوْ ظِهَارٍ مِنْ امْرَأَةٍ لَهُ أُخْرَى ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ لِظِهَارِهِ مِنْهَا لِبَقَائِهِ كَمَا سَبَقَ.
(أَوْ بَانَتْ) زَوْجَةٌ ظَاهَرَ مِنْهَا، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً (قَبْلَ وَطْءٍ، ثُمَّ أَعَادَهَا؛ فَظِهَارٌ بِحَالِهِ) نَصًّا؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَلِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا يَزُولُ بِالتَّكْفِيرِ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ سَوَاءٌ مَاتَ عَقِبَ ظِهَارِهِ أَوْ تَرَاخَى عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْحِنْثُ، وَيَرِثُهَا وَتَرِثُهُ كَمَا بَعْدَ التَّكْفِيرِ (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ ظِهَارٍ قَبْلَ وَطْءٍ؛ سَقَطَتْ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ، سَوَاءٌ مَاتَ عَقِبَ ظِهَارِهِ أَوْ تَرَاخَى عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْحِنْثُ، وَيَرِثُهَا وَتَرِثُهُ كَمَا بَعْدَ التَّكْفِيرِ.

[فَصْلٌ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ]

ِ وَمَا بِمَعْنَاهَا (وَكَفَّارَتُهُ) أَيْ: الظِّهَارِ (وَكَفَّارَةُ وَطْءِ نَهَارِ رَمَضَانَ عَلَى التَّرْتِيبِ) ، وَيَتَّجِهُ اعْتِبَارُهُمَا عَلَى التَّرْتِيبِ (فِي غَيْرٍ) أَمَّا السَّفِيهُ فَيُؤْمَرُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالصِّيَامِ، فَقَطْ

فَإِنْ أَعْتَقَ أَوْ أَطْعَمَ فِي الظِّهَارِ، لَمْ يُجْزِئْهُ ذَلِكَ؛ وَلَمْ يَنْفُذْ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ صَرِيحٌ فِي كِتَابِ الْحَجْرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَهِيَ (عِتْقُ رَقَبَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكَيْنَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 3] الْآيَتَيْنِ، «وَلِحَدِيثِ خَوْلَةَ حِينَ ظَاهَرَ مِنْهَا أَوْسٌ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتِقُ رَقَبَةً قَالَتْ: لَا يَجِدُ قَالَ: فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَتْ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ قَالَ: فَيُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكَيْنَا» (وَكَذَا كَفَّارَةُ قَتْلٍ) فِي التَّرْتِيبِ (إلَّا أَنَّهُ لَا إطْعَامَ فِيهَا) لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَذَكَرَهُ كَالْعِتْقِ وَالصِّيَامِ (وَالْمُعْتَبَرُ) فِي كَفَّارَاتٍ مَنْ قُدْرَةٍ أَوْ عَجْزٍ (وَقْتَ وُجُوبِ) كَفَّارَةٍ (كَحَدٍّ وَقَوَدٍ) فَيُعْتَبَرَانِ بِوَقْتِ الْوُجُوبِ (وَهُوَ) أَيْ: وَقْتُ الْوُجُوبِ (هُنَا) أَيْ: فِي الظِّهَارِ (مِنْ الْعَوْدِ) إلَى الْوَطْءِ أَيْ بَعْدَهُ (وَفِي الْيَمِينِ مِنْ الْحِنْثِ، وَفِي الْقَتْلِ، مِنْ الزُّهُوقِ) فَمَنْ قَذَفَ، وَهُوَ عَبْدٌ، ثُمَّ عَتَقَ؛ لَمْ يُجْلَدْ إلَّا جَلْدَ عَبْدٍ، وَمَنْ حَنِثَ وَهُوَ عَبْدٌ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا كَفَّارَةُ عَبْدٍ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى وَجْهِ الطُّهْرَةِ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِهَا بِحَالِ الْوُجُوبِ كَالْحَدِّ، بِخِلَافِ الْمُتَيَمِّمِ فَإِنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، وَهُنَا لَوْ صَامَ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرَّقَبَةِ، لَمْ يُبْطِلْ صَوْمَهُ، وَلَوْ قَتَلَ قِنًّا وَهُوَ رَقِيقٌ؛ ثُمَّ عَتَقَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَوَدُ.
(فَلَوْ أَعْسَرَ مُوسِرٌ قَبْلَ تَكْفِيرٍ لَمْ يُجْزِهِ صَوْمٌ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَتَبْقَى الرَّقَبَةُ فِي ذِمَّتِهِ إلَى يَسَارِهِ كَسَائِرِ مَا وَجَبَ، وَعَجَزَ عَنْ أَدَائِهِ (أَوْ أَيْسَرَ مُعْسِرٌ) بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ مُعْسِرًا (أَوْ عَتَقَ قِنٌّ) بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ رَقِيقًا (لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقٌ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْوُجُوبِ (وَيُجْزِئُهُ) الْعِتْقُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْكَفَّارَاتِ (وَيَتَّجِهُ بَلْ) الْعِتْقُ (أَفْضَلُ) مِنْ الصِّيَامِ؛ لِتَشَوُّقِ الشَّارِعِ إلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ

وَجَبَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَإِمْكَانُ الْأَدَاءِ) فِي الْكَفَّارَاتِ (مَبْنِيٌّ عَلَى) اعْتِبَارِهِ فِي (زَكَاةٍ) وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ شَرْطٌ لِلْأَدَاءِ لَا لِلْوُجُوبِ، فَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ (وَمَالُهُ غَائِبٌ) مَسَافَةَ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ (لَا يَلْزَمُهُ عِتْقٌ حَتَّى يَحْضُرَ) مَالُهُ (إنْ لَمْ يُمْكِنْ شِرَاءُ) قِنٍّ (نَسِيئَةً) فَإِنْ أَمْكَنَهُ وَلَا ضَرَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ (وَلَا يَلْزَمُ عِتْقٌ إلَّا لِمَالِكِ رَقَبَةٍ) حِينَ وُجُوبٍ (وَلَوْ) كَانَتْ الرَّقَبَةُ (مُشْتَبِهَةً بِرِقَابِ غَيْرِهِ) لِإِمْكَانِ عِتْقِهَا (فَيَعْتِقُ رَقَبَةً) نَاوِيًا مَا مَلَكَهُ (ثُمَّ يَقْرَعُ بَيْنَ الرِّقَابِ، فَيُخْرِجُ مَنْ قَرَعَ) لِتَعَيُّنِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ، أَوْ إلَّا (لِمَنْ تُمْكِنُهُ) الرَّقَبَةُ بِأَنْ قَدَرَ عَلَى شِرَائِهَا (بِثَمَنِ مِثْلِهَا أَوْ مَعَ زِيَادَةٍ) عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهَا (لَا تُجْحَفُ بِهِ) وَلَوْ كَثُرَ، لِعَدَمِ تَكَرُّرِهَا، بِخِلَافِ مَاءِ وُضُوءٍ، (أَوْ) يُمْكِنُهُ شِرَاؤُهَا (نَسِيئَةً وَلَهُ مَالٌ غَائِبٌ) يَفِي بِثَمَنِهَا النَّسِيئَةِ أَوْ مُؤَجَّلٌ، لِأَنَّهُ ضَرَرٌ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا يَلْزَمُ عِتْقٌ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى رَقَبَةٍ (بِهِبَةٍ) بِأَنْ وُهِبَتْ لَهُ هِيَ أَوْ ثَمَنًا لِلْمِنَّةِ (فَإِنْ لَمْ تُبَعْ) الرَّقَبَةُ (نَسِيئَةً؛ عَدَلَ لِدُونِهِ) أَيْ عَدَلَ لِدُونِ الْعِتْقِ، وَهُوَ الصَّوْمُ وَلَوْ فِي غَيْرِ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ لِلْحَاجَةِ كَالْعَادِمِ.

(وَشُرِطَ) لِلُزُومِ الْعِتْقِ (أَنْ يَفْضُلَ) الرَّقَبَةَ (عَمَّا يَحْتَاجُهُ) مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ (مِنْ أَدْنَى مَسْكَنٍ صَالِحٍ لِمِثْلِهِ وَ) مِنْ (خَادِمٍ لِمَنْ يُخْدَمُ مِثْلُهُ وَ) أَنْ تَفْضُلَ عَنْ (مَرْكُوبٍ وَعَرَضِ بِذْلَةٍ) يَحْتَاجُ إلَى اسْتِعْمَالِهِ كَلِبَاسِهِ وَفُرُشِهِ وَأَوَانَيْهِ وَآلَةِ حِرْفَتِهِ وَأَنْ تَفْضُلَ عَنْ (كُتُبِ عِلْمٍ يَحْتَاجُهَا وَثِيَابِ تَجَمُّلٍ) لَا تَزِيدُ عَلَى ثِيَابِ مِثْلِهِ وَعَنْ (كِفَايَتِهِ وَ) كِفَايَةِ (مَنْ يَمُونُهُ دَائِمًا وَعَنْ رَأْسِ مَالِهِ لِذَلِكَ) أَيْ: لِمَنْ يَحْتَاجُهُ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ (وَعَنْ وَفَاءِ دَيْنٍ) لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيٍّ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ؛ لِأَنَّ مَا اسْتَغْرَقَتْهُ حَاجَةُ الْإِنْسَانِ كَالْمَعْدُومِ فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ إلَى بَدَلِهِ؛ كَمَنْ وَجَدَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِعَطَشٍ؛ لَهُ

الِانْتِقَالُ إلَى التَّيَمُّمِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ وَهُوَ مِمَّنْ يَخْدُمُ نَفْسَهُ لَزِمَهُ عِتْقُهُ؛ لِفَضْلِهِ عَنْ حَاجَتِهِ وَمَا يَحْتَاجُهُ لِأَكْلِ الطَّيِّبِ وَلُبْسِ النَّاعِمِ يَشْتَرِي بِهِ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ لِعَدَمِ عِظَمِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ.
(وَمَنْ لَهُ فَوْقَ مَا يَصْلُحُ لِمِثْلِهِ مِنْ خَادِمٍ وَنَحْوِهِ) كَمَرْكُوبٍ وَمَسْكَنٍ (وَأَمْكَنَ بَيْعُهُ وَشِرَاءُ صَالِحٍ لِمِثْلِهِ وَشِرَاءِ رَقَبَةٍ بِالْفَاضِلِ؛ لَزِمَهُ) الْعِتْقُ، لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِلَا ضَرَرٍ (فَلَوْ تَعَذَّرَ) لِكَوْنِ الْبَاقِي لَا يَبْلُغُ ثَمَنَ رَقَبَةٍ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ (أَوْ كَانَ لَهُ سُرِّيَّةٌ يُمْكِنُ بَيْعُهَا وَشِرَاءُ سُرِّيَّةٍ وَرَقَبَةٍ بِثَمَنِهَا؛ لَمْ يَلْزَمْهُ) ذَلِكَ، لِأَنَّ غَرَضَهُ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ السُّرِّيَّةِ، فَلَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا

(وَشُرِطَ فِي) إجْزَاءِ (رَقَبَةٍ فِي كَفَّارَةٍ) مُطْلَقًا (وَفِي نَذْرِ عِتْقٍ مُطْلَقٍ إسْلَامٌ) وَلَوْ كَانَ الْمُكَفِّرُ كَافِرًا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ بَاقِي الْكَفَّارَاتِ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، كَمَا حُمِلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] عَلَى قَوْلِهِ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] بِجَامِعِ أَنَّ الْإِعْتَاقَ يَتَضَمَّنُ تَفْرِيغَ الْعَتِيقِ الْمُسْلِمِ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ، وَتَكْمِيلِ أَحْكَامِهِ، وَمَعُونَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَنَاسَبَ ذَلِكَ شَرْعُ إعْتَاقِهِ فِي الْكَفَّارَةِ، تَحَصُّلًا لِهَذِهِ الْمَصَالِحِ، وَحُمِلَ النَّذْرُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ يُحْمَلُ عَلَى الْمُطْلَقِ مِنْ كَلَامِهِ تَعَالَى (وَ) شُرِطَ فِيهَا (سَلَامَةٌ مِنْ عَيْبٍ مُضِرٍّ ضَرَرًا بَيِّنًا بِالْعَمَلِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَمْلِيكُ الْقِنِّ نَفْعَهُ، وَتَمَكُّنُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا غَيْرُ حَاصِلٍ مَعَ مَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ كَذَلِكَ (كَعَمًى) لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ فِي أَكْثَرِ الصَّنَائِعِ (وَكَشَلَلِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ قَطْعِ إحْدَاهُمَا) لِأَنَّ الْيَدَ آلَةُ الْبَطْشِ، وَالرِّجْلَ آلَةُ الْمَشْيِ؛ فَلَا يَتَهَيَّأُ لَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعَمَلِ مَعَ تَلَفِ إحْدَاهُمَا (أَوْ) شَلَلِهَا أَوْ قَطْعِ (سَبَّابَةٍ أَوْ أُصْبُعٍ وُسْطَى أَوْ إبْهَامٍ مِنْ يَدٍ) لِأَنَّ الْقَبْضَ بِهَذِهِ الثَّلَاثِ الْأَصَابِعِ، فَإِذَا عُدِمَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا ضَعُفَ الْقَبْضُ بِالْبَوَاقِي، فَتَذْهَبُ فَائِدَةُ الْيَدِ، أَوْ قَطْعِ سَبَّابَةٍ أَوْ وُسْطَى أَوْ إبْهَامٍ مِنْ رِجْلٍ لِأَنَّ حُكْمَ الْقَطْعِ مِنْ الرِّجْلِ كَحُكْمِ الْقَطْعِ مِنْ الْيَدِ قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَقَطَعَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى " وَمَشَى فِي " الْإِقْنَاعِ " عَلَى خِلَافِهِ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ، وَكَانَ عَلَى " الْمُصَنِّفِ " أَنْ يَقُولَ خِلَافًا لَهُ (أَوْ خِنْصَرٍ وَبِنْصَرٍ) مَعًا مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ نَفْعَ الْيَدِ يَزُولُ بِذَلِكَ (وَقَطْعِ أُنْمُلَةٍ مِنْ إبْهَامٍ؛ أَوْ قَطْعِ أُنْمُلَتَيْنِ مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ: الْإِبْهَامِ، (كَ) قَطْعِ الْأُصْبُعِ (كُلِّهِ) لِذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْأُصْبُعِ بِذَلِكَ.

(وَيُجْزِئُ) عِتْقٌ (مُتَبَرَّعٌ بِهِ عَنْهُ) حَيْثُ كَانَ (بِإِذْنِهِ) أَوْ أَمْرِهِ؛ بِأَنْ قَالَ لَهُ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي، وَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْآمِرُ عِوَضًا عَنْهُ؛ فَأَعْتَقَهُ عَنْهُ صَحَّ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ، وَأَجْزَأَ عَنْ كَفَّارَتِهِ؛ وَيُقَدَّرُ أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ مِلْكِ الْمَأْمُورِ إلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ كَالْوَكِيلِ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعْتَقَهُ عَنْهُ بِدُونِ إذْنِهِ وَلَا أَمْرِهِ فِي كَفَّارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ فَلَا يُعْتَقُ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ إذَا كَانَ حَيًّا، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ عِتْقٌ وَلَا أَمَرَ بِهِ مَعَ أَهْلِيَّتِهِ، وَوَلَاؤُهُ لِمُعْتِقِهِ، وَلَا يَحْنَثُ عَنْ كَفَّارَةِ الْمُعْتِقُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَصْدُرْ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا؛

(وَ) يُجْزِئُ (مِنْ قَطْعِ بِنْصِرَه مِنْ إحْدَى يَدَيْهِ) وَخِنْصَرِهِ مِنْ الْأُخْرَى، (أَوْ) قُطِعَتْ بِنْصِرَه (مِنْ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَ) قُطِعَتْ (خِنْصَرُهُ مِنْ الْأُخْرَى) لِبَقَاءِ نَفْعِ كُلٍّ مِنْهُمَا (أَوْ جَدْعٍ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (أَيْ: قَطْعِ أَنْفِهِ) فَيُجْزِئُ، أَوْ قَطْعِ أُذُنِهِ (أَوْ يُخْنَقُ أَحْيَانَا) لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ.
(أَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ لَمْ تُوجَدْ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا أَثَرَ لَهُ، بِخِلَافِ مَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ فَنَوَاهُ عِنْدَ وُجُودِهَا، فَلَا يَجْزِي؛ لِأَنَّ سَبَبَ عِتْقِهِ انْعَقَدَ عِنْدَ

وُجُودِ الصِّفَةِ، فَلَا يَمْلِكُ صَرْفَهُ إلَى غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: إنْ اشْتَرَيْتُك أَوْ مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ لِلْكَفَّارَةِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ لَهَا.

(وَ) يُجْزِئُ (مُدَبَّرٌ وَصَغِيرٌ) وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ (وَوَلَدُ زِنًا وَأَعْرَجُ يَسِيرٌ أَوْ مَجْبُوبٌ وَخَصِيٌّ) وَلَوْ مَجْبُوبًا (وَأَصَمُّ؛ وَأَخْرَسُ تُفْهِمُ إشَارَتُهُ، وَأَعْوَرُ) وَأَبْرَصُ وَأَجْذَمُ (وَمَرْهُونٌ وَلَوْ مَعَ عُسْرِ رَاهِنٍ وَمُؤَجَّرٍ وَجَانٍّ وَأَحْمَقُ وَمُزَوَّجَةٌ وَحَامِلٌ) وَلَهُ اسْتِثْنَاءُ حَمْلِهَا؛ لِأَنَّ مَا فِيهِمْ مِنْ النَّقْصِ لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ، وَمَا فِيهِمْ مِنْ الْوَصْفِ لَا يُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ عِتْقِهِمْ.
(وَ) يُجْزِئُ (مُكَاتَبٌ لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا) مِنْ كِتَابِهِ، لِأَنَّهُ رَقَبَةٌ كَامِلَةٌ سَالِمَةٌ لَمْ يَحْصُلْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا عِوَضٌ، وَلَا يُجْزِئُ (مِنْ) أَيْ: مُكَاتَبٍ أَدَّى مِنْهَا شَيْئًا، لِحُصُولِ الْعِوَضِ عَنْ بَعْضِهِ (أَوْ اشْتَرَى بِشَرْطِ عِتْقٍ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَائِعَ نَقَصَهُ مِنْ ثَمَنِهِ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَ عَلَى عِتْقِهِ عِوَضًا (أَوْ يُعْتَقُ) عَلَى مُكَفِّرٍ (بِقَرَابَةٍ) فَلَا يُجْزِئُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3] وَالتَّحْرِيرُ فِعْلُ الْعِتْقِ، وَلَمْ يَحْصُلْ هُنَا كَذَلِكَ، وَلِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحَقٌّ بِغَيْرِ سَبَبِ الْكَفَّارَةِ.

وَ (لَا) يُجْزِئُ (مَرِيضٌ مَأْيُوسٍ) مِنْهُ؛ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْعَمَلِ (وَلَا مَغْصُوبٌ مِنْهُ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ مَنَافِعِهِ (وَيَتَّجِهُ) عَدَمُ إجْزَاءِ عِتْقِ رَقِيقٍ مَغْصُوبٍ مِنْهُ (مَا لَمْ يُخَلِّصْهُ) مُعْتِقُهُ (بَعْدَ) ذَلِكَ مِنْ الْغَاصِبِ؛ فَإِنْ خَلَّصَهُ فَلَا مَانِعَ مِنْ إجْزَائِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَخَلَّصَ مِمَّنْ هُوَ بِيَدِهِ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَنَافِعِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَلَا) يُجْزِئُ (زَمِنٌ وَلَا مَقْعَدٌ) لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِمَا مِنْ الْعَمَلِ فِي أَكْثَرِ الصَّنَائِعِ (وَلَا) يُجْزِئُ (نَحِيفٌ عَاجِزٌ عَنْ عَمَلٍ) لِأَنَّهُ كَمَرِيضٍ مَأْيُوسٍ مِنْ بُرْئِهِ وَ (لَا) يُجْزِئُ (مَنْ قُطِعَتْ أَصَابِعُ قَدَمِهِ كُلُّهَا) عَلَى الْمَذْهَبِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ "

فَإِنَّهُ اخْتَارَ أَنَّهُ يُجْزِئُ مَنْ قُطِعَتْ أَصَابِعُ قَدَمِهِ كُلُّهَا، وَإِنَّمَا اخْتَارَ ذَلِكَ تَبَعًا لِلرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ". (وَلَا) يُجْزِئُ (أَخْرَسُ أَصَمُّ وَلَوْ فُهِمَتْ إشَارَتُهُ) لِأَنَّهُ نَاقِصٌ بِفَقْدِ حَاسَّتَيْنِ تَنْقُصُ بِنَقْصِهِمَا قِيمَتُهُ نَقْصًا كَثِيرًا، وَكَذَا أَخْرَسُ لَا تُفْهِمُ إشَارَتُهُ (وَمَجْنُونٌ مُطْبَقٌ) لِأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِالْكُلِّيَّةِ (وَغَائِبٌ لَمْ تَتَبَيَّنْ حَيَاتُهُ) لِأَنَّ وُجُودَهُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، فَلَا يَبْرَأُ بِالشَّكِّ (فَإِذَا) أَعْتَقَهُ، ثُمَّ (تَبَيَّنَتْ) حَيَاتُهُ (أَجْزَأَ) قَوْلًا وَاحِدًا (وَلَا مُوصًى بِخِدْمَتِهِ أَبَدًا) لِنَقْصِهِ (وَأُمُّ وَلَدٍ) لِأَنَّ عِتْقَهَا مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ آخَرَ (وَلَا جَنِينٌ) وَلَوْ وُلِدَ بَعْدَ عِتْقِهِ حَيًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا بَعْدُ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) لَا تُجْزِئُ (مَنْ) أَيْ: أَمَةٌ أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا وَ (جَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا) لِأَنَّهَا لَمْ تَتَمَحَّضْ لِلْكَفَّارَةِ، وَقَوْلُهُ مُتَّجِهٌ.

(وَمَنْ أَعْتَقَ) فِي كَفَّارَةٍ (جُزْءًا) مِنْ قِنٍّ، (ثُمَّ) أَعْتَقَ (مَا بَقِيَ) مِنْهُ وَلَوْ طَالَ مَا بَيْنَهُمَا - أَجْزَأَ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ رَقَبَةً كَامِلَةً كَإِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ، (أَوْ) (أَعْتَقَ نِصْفَ قِنَّيْنِ) ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ عَنْ كَفَّارَةٍ، (أَجْزَأَ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَشْقَاصَ كَالْأَشْخَاصِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْبَاقِي مِنْهُمَا حُرًّا أَوْ رَقِيقًا (إلَّا مَا سَرَى بِعِتْقِ جُزْءٍ) كَمَنْ يَمْلِكُ نِصْفَ قِنٍّ - وَهُوَ مُوسِرٌ - بِقِيمَةٍ بَاقِيَةٍ، فَأَعْتَقَ نِصْفَهُ، وَسَرَى إلَى نِصْفِ شَرِيكِهِ؛ فَلَا يُجْزِئُهُ نَصِيبُ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ بِإِعْتَاقِهِ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ غَيْرُ فِعْلِهِ، إنَّمَا هُوَ مِنْ آثَارِ فِعْلِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ نَاوِيًا عِتْقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ.

(وَمَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِظِهَارٍ) بِأَنْ قِيلَ لَهُ إنْ ظَاهَرْت مِنْ زَوْجَتِي فَأَنْتَ حُرٌّ (ثُمَّ ظَاهَرَ؛ عَتَقَ) الْمُعَلِّقُ عِتْقَهُ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ (وَلَمْ يُجْزِئْهُ كَمَا لَوْ نَجَّزَهُ عَنْ ظِهَارِهِ، ثُمَّ ظَاهَرَ) بِأَنْ قَالَ لِقِنِّهِ: أَنْتَ حُرٌّ السَّاعَةَ عَنْ ظِهَارِي، ثُمَّ ظَاهَرَ، فَيُعْتَقُ،

وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ ظِهَارِهِ (أَوْ عَلَّقَ ظِهَارَهُ بِشَرْطٍ) بِأَنْ قَالَ: إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَزَوْجَتِي عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي (فَأَعْتَقَهُ) أَيْ: قِنَّهُ عَنْ ظِهَارِهِ إذَا وُجِدَ شَرْطُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ التَّكْفِيرُ (قَبْلَ) انْعِقَادِ سَبَبِ (هـ، وَ) لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: (إنْ وَطِئْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي، وَكَانَ ظَاهَرَ، فَوَطِئَ؛ عَتَقَ عَنْ الظِّهَارِ) لِوُجُودِ شَرْطِهِ (وَإِلَّا يَكُنْ ظَاهَرَ فَوَطِئَ لَمْ يُعْتَقْ) لِأَنَّهُ إنَّمَا عُلِّقَ عِتْقٌ بِشَرْطِ كَوْنِهِ عَنْ ظِهَارِهِ؛ فَتَقَيَّدَ بِهِ.

(وَمَنْ أَعْتَقَ) عَنْ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ (غَيْرَ مُجْزِئٍ ظَانًّا إجْزَاءَهُ؛ نَفَذَ) عِتْقُهُ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، وَبَقِيَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّهِ (وَ) لَوْ قَالَ إنْسَانٌ لِمَنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ: (أَعْتِقْ عَبْدَك عَنْ كَفَّارَتِك، وَلَك عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَفَعَلَ) أَيْ: أَعْتَقَهُ (بِنِيَّةِ ذَلِكَ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ) لِاعْتِيَاضِهِ عَنْ الْعِتْقِ، وَوَلَاؤُهُ لَهُ، لِعُمُومِ حَدِيثِ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَإِنْ رَدَّ الْمُعْتِقُ الْعَشَرَةَ بَعْدَ الْعِتْقِ عَلَى بَاذِلهَا لِيَكُونَ الْعِتْقُ عَنْ الْكَفَّارَةِ لَمْ يُجْزِئُ الْعِتْقُ عَنْهَا لِأَنَّ الْعِتْقَ ابْتِدَاءً، وَقَعَ غَيْرَ مُجْزِئٍ، فَلَمْ يَنْقَلِبْ مُجْزِئًا بِرَدِّ الْعِوَضِ (وَإِلَّا) يَنْوِ الْمُعْتِقُ ذَلِكَ، بَلْ قَصَدَ ابْتِدَاءً الْعِتْقَ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَحْدَهَا، وَعَزَمَ عَلَى رَدِّ الْعَشَرَةِ قَبْلَ الْعِتْقِ؛ وَأَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ؛ (أَجْزَأَ) عِتْقُهُ عَنْهَا؛ لِتَمَحُّضِهِ لَهَا (كَمُتَبَرِّعٍ بِهِ عَنْهُ) أَيْ: كَمَا لَوْ أَعْتَقَ إنْسَانٌ قِنَّهُ عَنْ كَفَّارَةٍ عَلَى غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ تَبَرُّعًا، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ، لَا إنْ أَعْتَقَ قِنَّهُ عَنْ كَفَّارَةٍ عَلَى غَيْرِهِ (بِلَا إذْنِهِ) فَلَا يُجْزِئُ، لِأَنَّ الْعِتْقَ عِبَادَةٌ، وَمَنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ؛ فَلَمْ يَصِحَّ أَدَاؤُهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِدُونِ إذْنِهِ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْإِذْنِ.
(وَيَتَّجِهُ إلَّا) إنْ أَعْتَقَ قِنَّهُ (عَنْ) كَفَّارَةٍ وَجَبَتْ عَلَى (مَيِّتٍ) ؛ فَيَصِحُّ الْعِتْقُ وَيَقَعُ عَنْ الْمَيِّتِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ أَوْصَى بِذَلِكَ أَوْ لَا، وَارِثًا كَانَ الْمُعْتِقُ أَوْ أَجْنَبِيًّا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَيَّنُ فِيهِ بِالْفِعْلِ، فَأَشْبَهَ الْمُعَيَّنَ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ،

فَجَازَ أَنْ يَفْعَلَهُ كَالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ، فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ عَنْهُ مَيِّتًا، وَكَانَ قَدْ أَوْصَى بِالْعِتْقِ صَحَّ؛ وَإِنْ لَمْ يُوصِ، فَأَعْتَقَ عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ عَنْهُ وَارِثُهُ؛ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ، صَحَّ انْتَهَى وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَإِنْ وَجَدَ بِمَا اشْتَرَاهُ لِلْكَفَّارَةِ عَيْبًا لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ) فِيهَا كَالْعَوَرِ (فَلَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ لِنَفْسِهِ) كَمَا لَوْ لَمْ يَعْتِقْهُ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْعَيْبِ فَأَخَذَ أَرْشَهُ فَهُوَ لَهُ أَيْضًا، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ قَبْلَ إعْتَاقِهِ.

(وَإِذَا كَفَّرَ كَافِرٌ) عَنْ ظِهَارِهِ (بِعِتْقٍ وَبِمِلْكِهِ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً) أَوْ وَرِثَهَا فَأَعْتَقَهَا (صَحَّ) وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَحَلَّ لَهُ الْوَطْءُ وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ إلَى شِرَاءِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ شِرَاؤُهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: 141] وَيَتَعَيَّنُ تَكْفِيرُهُ بِالْإِطْعَامِ، لِعَجْزِهِ عَنْ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ (إلَّا إنْ قَالَ الْكَافِرُ لِمُسْلِمٍ أَعْتِقْ) عَبْدَك الْمُسْلِمَ (عَنِّي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ) فَيَصِحُّ عِتْقُهُ عَنْهُ، وَيُجْزِئُهُ وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ بِالْإِطْعَامِ؛ فَكَالْعَبْدِ يَعْتِقُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ بِالصِّيَامِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوَقْتِ الْوُجُوبِ، فَيُجْزِئُ الْإِطْعَامُ، وَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالْعِتْقِ وَالصِّيَامِ (وَلَا يَصِحُّ تَكْفِيرُ مُرْتَدٍّ بِعِتْقٍ أَوْ إطْعَامٍ زَمَنَ رِدَّتِهِ) فَإِنْ كَفَرَ بِذَلِكَ لَمْ يُجْزِئْهُ (نَصًّا) لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لَحِقَ الْمُسْلِمِينَ.

[فَصْلٌ لَمْ يَجِد المكفر عَنْ ظِهَاره رقبة]

فَصْلٌ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً) كَمَا تَقَدَّمَ (صَامَ) الْمُكَفِّرُ (حُرًّا) كَانَ أَوْ مُبَعَّضًا (أَوْ قِنًّا شَهْرَيْنِ، وَلَوْ كَانَا نَاقِصَيْنِ إنْ صَامَهُمَا بِالْأَهِلَّةِ) لِلْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ (وَيَلْزَمُهُ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ) لِصَوْمِ كُلِّ يَوْمٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّوْمِ، (وَ) يَلْزَمُهُ (تَعْيِينُهَا) أَيْ: النِّيَّةِ (جِهَةَ الْكَفَّارَةِ) لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (وَ) يَلْزَمُهُ (التَّتَابُعُ) أَيْ: يُتَابِعُ صَوْمَ الشَّهْرَيْنِ بِأَنْ لَا يُفَرِّقَ الصَّوْمَ لِلْآيَةِ (لَا نِيَّتُهُ) أَيْ: التَّتَابُعِ؛ بَلْ يَكْفِي حُصُولُهُ بِالْفِعْلِ كَمُتَابَعَةِ الرَّكَعَاتِ فِي الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّهَا فَرْضٌ، وَلَا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهَا، بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ، فَافْتَقَرَ إلَى نِيَّةِ التَّرَخُّصِ.
(وَيَنْقَطِعُ) تَتَابُعٌ (بِوَطْءِ) مُظَاهِرٍ مِنْهَا - وَلَوْ نَاسِيًا - لِعُمُومِ ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 4] وَلِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ، وَلَا يَنْقَطِعُ تَتَابُعٌ بِمُبَاشَرَةٍ دُونَ الْفَرْجِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُنْظَرُ بِهِ، لِعَدَمِ فَسَادِ الصَّوْمِ، وَأَمَّا لَمْسُ أَوْ مُبَاشَرَةُ (مُظَاهَرٍ مِنْهَا) عَلَى وَجْهٍ يُفْطِرُ، فَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ، لِفَسَادِ صَوْمِهِ (وَلَوْ) فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (نَاسِيًا) لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِصِيَامِ شَهْرَيْنِ خَالِيَيْنِ عَنْ وَطْءٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ بِإِنْزَالٍ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِمَا كَمَا أَمَرَهُ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ نَهَارًا نَاسِيًا لِلصَّوْمِ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أَنَّهُ (لَا) يَنْقَطِعُ (تَتَابُعُ) امْرَأَةٍ (مُظَاهِرَةٍ) مِنْ زَوْجِهَا بِأَنْ قَالَتْ لَهُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأَبِي أَوْ أَخِي حَيْثُ أَوْجَبْنَا عَلَيْهَا الْكَفَّارَةَ بِإِتْيَانِهَا بِالْمُنْكَرِ مِنْ الْقَوْلِ وَالزُّورِ بِتَمْكِينِ زَوْجِهَا مِنْ وَطْئِهَا وَمُبَاشَرَتِهَا غَيْرَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهَا ابْتِدَاءُ الْقُبْلَةِ وَالِاسْتِمْتَاعُ، لَا تَبَعًا لِأَنَّهَا لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الظِّهَارِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ تَغْلِيظًا، (أَوْ) لَا تَتَابُعُ (مُكْرَهٍ) عَلَى فِعْلِ مَا يَنْقَطِعُ بِهِ التَّتَابُعُ؛ لِحَدِيثِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (وَلَا) تَتَابُعُ (مَجْنُونٍ) لِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل