بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا ذُكِرَ، وَفِيهَا كُتُبٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى بَعْضِهَا.
تَتِمَّةٌ: قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إنْ كَانَ لِنَبِيٍّ مَالٌ لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ.
قِيلَ لِلْقَاضِي: الزَّكَاةُ طُهْرَةٌ وَالنَّبِيُّ مُطَهَّرٌ، فَقَالَ: بَاطِلٌ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، ثُمَّ بِالْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -؛ لِأَنَّهُمْ مُطَهَّرُونَ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ لَزِمَتْهُمْ الزَّكَاةُ
[بَابُ أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَشُرُوطِهِ]
أَرْكَانُ الشَّيْءِ أَجْزَاءُ مَاهِيَّتِهِ، وَالْمَاهِيَّةُ لَا تُوجَدُ بِدُونِ جُزْئِهَا، فَكَذَا الشَّيْءُ لَا يَتِمُّ بِدُونِ رُكْنِهِ، وَالشَّرْطُ مَا يَنْتَفِي الْمَشْرُوطُ بِانْتِفَائِهِ، وَلَيْسَ جُزْءًا لِلْمَاهِيَّةِ.
(أَرْكَانُهُ) أَيْ: النِّكَاحِ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: (الزَّوْجَانِ) الْخَالِيَانِ مِنْ الْمَوَانِعِ الْآتِيَةِ فِي مُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ، وَأَسْقَطَهُ فِي " الْمُقْنِعِ " " وَالْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِمَا؛ لِوُضُوحِهِ (فَإِيجَابٌ) وَهُوَ الثَّانِي (فَقَبُولٌ) وَهُوَ الثَّالِثُ؛ لِأَنَّ مَاهِيَّةَ النِّكَاحِ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا، وَمُتَوَقِّفَةٌ عَلَيْهِمَا، وَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِهِمَا إلَّا (مُرَتَّبَيْنِ) الْإِيجَابُ أَوَّلًا، وَهُوَ اللَّفْظُ الصَّادِرُ مِنْ قِبَلِ الْوَلِيِّ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ؛ وَالْقَبُولُ وَهُوَ اللَّفْظُ الصَّادِرُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْإِيجَابِ؛ فَإِذَا وُجِدَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ قَبُولًا؛ لِعَدَمِ مَعْنَاهُ.
(وَيَتَّجِهُ: أَنَّ تَرْتِيبَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ يَجِبُ إنْ تَعَدَّدَ الْعَاقِدُ) لَا مُطْلَقًا، أَيْ: سَوَاءٌ تَعَدَّدَ الْعَاقِدُ أَوْ لَا (لِإِجْزَاءِ أَحَدِهِمَا) أَيْ: اللَّفْظَيْنِ (فِي) صُورَةِ (تَوَلِّي طَرَفَيْ الْعَقْدِ) كَمَا يَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مُسْتَوْفًى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَشُرِطَ فِي إيجَابٍ) وَهُوَ اللَّفْظُ الصَّادِرُ مِنْ الْوَلِيِّ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ (لَفْظُ إنْكَاحٍ) أَوْ لَفْظُ (تَزْوِيجٍ) بِأَنْ يَقُولَ: أَنْكَحْتُك فُلَانَةَ، أَوْ زَوَّجْتُكهَا؛ إذْ الْإِيجَابُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ أَوْ التَّزْوِيجِ لَا غَيْرُ، هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ إنَّمَا وَرَدَ بِهِمَا فِي قَوْله تَعَالَى:
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: 27] وَلَمْ يَرِدْ بِغَيْرِهِمَا، وَغَيْرُهُمَا لَيْسَ بِمَعْنَاهُمَا، فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا فِيهِمَا، وَإِذَا لَمْ يَرِدْ صَرِيحًا كَانَ كِنَايَةً، وَالنِّكَاحُ لَا يَحْتَمِلُ الْكِنَايَةَ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الشَّهَادَةَ، وَالْكِنَايَةُ إنَّمَا تَعْمَلُ بِالنِّيَّةِ، وَالنِّيَّةُ لَا اطِّلَاعَ لِلشَّاهِدِ عَلَيْهَا، فَلَا يُمْكِنُهُ الشَّهَادَةُ بِهِ، فَلَا يَصِحُّ لِذَلِكَ.
(وَيَتَّجِهُ احْتِمَالُ أَنَّ) الْإِيجَابَ يَنْعَقِدُ بِأَحَدِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ، وَيَنْعَقِدُ أَيْضًا (بِمَا تَصَرَّفَ مِنْهُمَا) كَقَوْلِ وَلِيٍّ: جَعَلْت مُولِيَتِي مُزَوَّجَةً مِنْ فُلَانٍ، أَوْ زَوْجَةً لَهُ، أَوْ جَعَلْتهَا مَنْكُوحَةً؛ إذْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ اللَّفْظَيْنِ الَّذِينَ يَحْصُلُ بِهِمَا الْإِيجَابُ إجْمَاعًا؛ فَصَحَّ بِهَا كَمَا صَحَّ بِأَصْلِهَا، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ خَطِيبِ السَّلَامِيَّةِ فِي نُكَتِهِ عَلَى " الْمُحَرَّرِ " قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمِنْ خَطِّهِ نُقِلَتْ: الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ لَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ.
قَالَ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقِيَاسُ مَذْهَبِهِ، وَعَلَيْهِ قُدُمًا أَصْحَابُهُ، فَإِنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: جَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك، وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ إنْكَاحٌ وَلَا تَزْوِيجٌ، وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْ أَحْمَدَ أَحَدٌ أَنَّهُ خَصَّهُ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ، وَأَوَّلُ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ فِيمَا عَلِمْت: أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ ابْنُ حَامِدٍ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، لِسَبَبِ انْتِشَارِ كُتُبِهِ، وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ.
انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا إذَا صَحَّ الْإِيجَابُ بِغَيْرِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ فَلَأَنْ يَصِحَّ بِمَا اُشْتُقَّ مِنْهَا مِنْ بَابِ أَوْلَى.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَالْمَذْهَبُ مَا تَقَدَّمَ، أَوْ أَيْ: وَيَصِحُّ قَوْلُ سَيِّدٍ (لِمَنْ يَمْلِكُهَا) أَوْ (يَمْلِكُ بَعْضَهَا) وَبَعْضَهَا الْآخَرَ حُرٌّ إذَا أَذِنْت لَهُ هِيَ وَمُعْتِقُ الْبَقِيَّةِ (أَعْتَقْتُك وَجَعَلْت عِتْقَك صَدَقَتَك وَنَحْوَهُ) مَا يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى، وَيَأْتِي لِقِصَّةِ صَفِيَّةَ؛ إذْ الْعَادِلُ عَنْ هَذِهِ
الصِّيَغِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ لَهَا عَادِلٌ عَنْ اللَّفْظِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَعَ الْقُدْرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً فَقَالَ: مُلِّكْتَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ: " زَوَّجْتُكَهَا " " وَزَوَّجْنَاكَهَا "، وَ " أَنْكَحْتُكَهَا " مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ، أَوْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ وَرَّى بِالْمَعْنَى ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، أَوْ يَكُونَ خَاصًّا بِهِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَبْقَى حُجَّةٌ.
(وَإِنْ فَتَحَ وَلِيٌّ تَاءَ زَوَّجْتُك صَحَّ) النِّكَاحُ (لِجَاهِلٍ) بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ؛ أَيْ: صَحَّ مِنْهُ، وَصَحَّ أَيْضًا (مِنْ عَاجِزَةٍ) عَنْ النُّطْقِ بِضَمِّ التَّاءِ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": يَصِحُّ جَهْلًا أَوْ عَجْزًا، وَقَطَعَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ ". قِيلَ: وَمِنْ عَالِمٍ بِالْعَرَبِيَّةِ قَادِرٍ عَلَى النُّطْقِ بِضَمِّ التَّاءِ أَوْ لَا.
أَفْتَى بِهِ الْمُوَفَّقُ، وَتَوَقَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَاصِحُ الْإِسْلَامِ ابْنُ أَبِي الْفَهْمِ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ الزَّوْجُ قَبِلْت بِفَتْحِ التَّاءِ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِمَا عَدَّهُ النَّاسُ نِكَاحًا بِأَيِّ لُغَةٍ وَلَفْظٍ كَانَ) وَأَنَّ مِثْلَهُ كُلُّ عَقْدٍ، فَيَنْفُذُ الْبَيْعُ؛ بِمَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا بِأَيِّ لُغَةٍ وَلَفْظٍ كَانَ، وَالْإِجَارَةُ بِمَا عَدَّهُ النَّاسُ إجَارَةً بِأَيِّ لُغَةٍ وَلَفْظٍ كَانَ؛ وَهَكَذَا.
وَقَالَ أَيْضًا: إنَّ الشَّرْطَ بَيْنَ النَّاسِ مَا عَدُوُّهُ شَرْطًا.
(وَيَصِحُّ) إيجَابٌ بِلَفْظِ زُوِّجَتْ بِضَمِّ الزَّايِ وَفَتْحِ التَّاءِ لِحُصُولِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بِهِ، لَا جَوَّزْتُك بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ، وَشَرْطٌ فِي قَبُولِ لَفْظِ قَبِلْت، أَوْ لَفْظِ رَضِيت، أَوْ لَفْظِ تَزَوَّجْت.
وَسُئِلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَقُولَ إلَّا قَبِلْت تَجْوِيزَهَا بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ، فَأَجَابَ بِالصِّحَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: جَوْزَتِي طَالِقٌ؛ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْت: يُكْتَفَى مِنْهُ بِقَوْلِهِ: قَبِلْت عَلَى مَا يَأْتِي، وَيَكُونُ هَذَا قَوْلُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
(وَإِنْ قِيلَ) أَيْ: قَالَ الْخَاطِبُ (لِمُزَوِّجٍ: أَزَوَّجْت) مُوَلِّيَتَك (فَقَالَ) الْمُزَوِّجُ (نَعَمْ، وَ) قَالَ الْخَاطِبُ (لِمُتَزَوِّجٍ: أَقَبِلْت) النِّكَاحَ (فَقَالَ) الْمُتَزَوِّجُ (نَعَمْ؛ صَحَّ)
النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: نَعَمْ زَوَّجْتُ، نَعَمْ قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ، لِأَنَّ السُّؤَالَ يَكُونُ مُضْمَرًا فِي الْجَوَابِ مَعَادًا فِيهِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: 44] أَيْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، وَلَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ: أَلِفُلَانٍ عِنْدَك أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ؛ كَانَ إقْرَارًا صَرِيحًا لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، وَلَا يَرْجِعُ فِيهِ إلَى تَفْسِيرِهِ، وَبِمِثْلِهِ تُقْطَعُ الْيَدُ فِي السَّرِقَةِ، مَعَ أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ التَّزْوِيجُ.
(وَيَصِحَّانِ) أَيْ إيجَابُ النِّكَاحِ وَقَبُولُهُ (هَزْلًا وَتَلْجِئَةً) لِحَدِيثِ «ثَلَاثٌ هَزْلُهُنَّ جِدٌّ، وَجِدُّهُنَّ جِدٌّ: الطَّلَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَكَحَ لَاعِبًا، أَوْ طَلَّقَ لَاعِبًا، أَوْ أَعْتَقَ لَاعِبًا جَازَ» . وَقَالَ عُمَرُ: أَرْبَعٌ جَائِزَاتٌ إذَا تُكُلِّمَ بِهِنَّ: الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالنَّذْرُ.
وَقَالَ عَلِيٌّ: أَرْبَعٌ لَا لَعِبَ فِيهِنَّ: الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالنَّذْرُ.
وَيَصِحَّانِ (بِمَا) أَيْ: لَفْظٍ (يُؤَدِّي مَعْنَاهُمَا) الْخَاصَّ (بِكُلِّ لِسَانٍ) أَيْ لُغَةٍ عَرَفَهَا (مِنْ عَاجِزٍ عَنْ) التَّلَفُّظِ بِلِسَانٍ (عَرَبِيٍّ) لِأَنَّ ذَلِكَ فِي لُغَتِهِ نَظِيرُ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنْ لَا يَصِحَّ بِلَفْظٍ لَا يُؤَدِّي مَعْنَى النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ مَنْ عَدَلَ عَنْ اللَّفْظِ الْخَاصِّ بِذَلِكَ اللِّسَانِ إلَى غَيْرِهِ مُشْبِهٌ لِمَنْ هُوَ عَرَبِيٌّ وَعَدَلَ عَنْ لَفْظِهِمَا الْخَاصِّ.
(وَلَا) يَصِحُّ النِّكَاحُ مِنْ (قَادِرٍ) عَلَى النُّطْقِ بِإِشَارَةٍ وَلَا كِتَابَةٍ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا.
(خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَصَاحِبُ " الْفَائِقِ " " وَالتَّبْصِرَةِ "؛ فَإِنَّهُمْ اخْتَارُوا أَنْ يَنْعَقِدَ النِّكَاحُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ يُحْسِنُهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِي ذَلِكَ قَرِيبًا، وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ دُونَ الْآخَرِ، أَتَى الَّذِي يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ
بِمَا هُوَ مِنْ قِبَلِهِ مِنْ إيجَابٍ أَوْ قَبُولٍ بِهَا؛ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَالْعَاقِدُ الْآخَرُ يَأْتِي بِمَا هُوَ مِنْ قِبَلِهِ بِلِسَانِهِ (فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ كُلٌّ) مِنْ الْعَاقِدَيْنِ (لِسَانَ الْآخَرِ تَرْجَمَ بَيْنَهُمَا ثِقَةٌ يَعْرِفُ اللِّسَانَيْنِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ الْقَاضِي: وَلَمْ يُشْتَرَطْ تَعَدُّدُهُ أَيْ الثِّقَةِ الَّذِي يُتَرْجِمُ بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ - وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّ التَّرْجَمَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ كَالشَّهَادَةِ - فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُمَا فَلَا بُدَّ فِي التَّرْجَمَةِ عِنْدَهُ مِنْ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ (وَشَرْطُ مَعْرِفَةٍ لِلِّسَانَيْنِ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ) ، الْمَعْقُودِ بِهِمَا لِيَتَمَكَّنَا مِنْ حَمْلِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى اللَّفْظِ الصَّادِرِ مِنْهُمَا، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفَاهُ لَمْ يَتَأَتَّ لَهُمَا الشَّهَادَةُ بِهِ كَمَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ (إشَارَةِ أَخْرَسَ) مَفْهُومَةٍ يَفْهَمُهَا الْعَاقِدُ مَعَهُ وَالشَّاهِدَانِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ مَعْنَى لَا يُسْتَفَادُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ؛ فَصَحَّ بِإِشَارَتِهِ كَبَيْعِهِ وَطَلَاقِهِ: (وَلَا يَلْزَمُ عَاجِزًا) عَنْهُمَا بِالْعَرَبِيَّةِ " تَعَلُّمُ " أَرْكَانِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ، بِخِلَافِ تَكْبِيرِ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصِدَ هُنَا الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ الْمُعْجِزِ، بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ.
وَلَا (يَصِحُّ) إيجَابٌ وَلَا قَبُولٌ " بِكِتَابَةٍ وَلَا إشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ إلَّا مِنْ أَخْرَسَ " فَيَصِحَّانِ مِنْهُ بِالْإِشَارَةِ نَصًّا كَبَيْعِهِ وَطَلَاقِهِ؛ وَإِذَا صَحَّا مِنْهُ بِالْإِشَارَةِ فَبِالْكِتَابَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِقْرَارِ.
(وَصَحَّ تَرَاخِي قَبُولٍ) عَنْ إيجَابٍ (وَإِنْ طَالَ) الْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) مِنْ الْمَجْلِسِ (أَوْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا) لِأَنَّ الْمَجْلِسَ حُكْمُ حَالَةِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَبِدَلِيلِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ.
وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبُولِ وَبَعْدَ الْإِيجَابِ؛ بَطَلَ الْإِيجَابُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَكَذَا لَوْ تَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا، لِأَنَّ ذَلِكَ إعْرَاضٌ عَنْهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ رَدَّهُ.
تَنْبِيهٌ
وَإِنْ اخْتَلَفَ لَفْظُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، فَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُك بِنْتِي مَثَلًا، فَقَالَ الْمُتَزَوِّجُ: قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ، أَوْ قَالَ الْوَلِيُّ: أَنْكَحْتُك بِنْتِي: فَقَالَ الزَّوْجُ: تَزَوَّجْتهَا وَنَحْوَهُ؛ صَحَّ الْعَقْدُ، لِأَنَّ اللَّفْظَ وَإِنْ اخْتَلَفَ؛ فَالْمَعْنَى مُتَّحِدٌ.
(وَمَنْ أَوْجَبَ) أَيْ: صَدَرَ مِنْهُ إيجَابُ عَقْدٍ، (وَلَوْ) كَانَ الْإِيجَابُ (فِي غَيْرِ نِكَاحٍ كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبُولٍ) لِمَا أَوْجَبَهُ (بَطَلَ) إيجَابُهُ بِذَلِكَ كَبُطْلَانِهِ، بِمَوْتِهِ أَيْ: مَوْتِ مَنْ أَوْجَبَ لَهُ، لِعَدَمِ لُزُومِ الْإِيجَابِ إذَنْ، أَشْبَهَ الْعُقُودَ الْجَائِزَةَ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) كَذَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ (بِفِسْقِهِ) أَيْ: الْوَلِيِّ الْمُوجِبِ لِلنِّكَاحِ، وَبِحُضُورِ وَلِيٍّ أَقْرَبَ مِنْهُ قَبْلَ الْقَبُولِ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْوَلِيِّ إلَى أَنْ يَتِمَّ الْعَقْدُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) يَبْطُلُ الْإِيجَابُ (إنْ نَامَ) مَنْ أَوْجَبَ عَقْدًا قَبْلَ قَبُولِهِ إنْ قُبِلَ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ لَا يُبْطِلُ الْعُقُودَ الْجَائِزَةَ، (وَ) كَانَ (لِنَبِيِّنَا) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (التَّزَوُّجُ بِلَفْظِ هِبَةٍ) دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِلَا مَهْرٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 50] الْآيَةَ.
[فَصْلٌ شُرُوطُ النِّكَاحِ]
(فَصْلٌ: وَشُرُوطُهُ) أَيْ: النِّكَاحِ (خَمْسَةٌ) بِالِاسْتِقْرَاءِ: (أَحَدُهَا: تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ) فِي الْعَقْدِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ؛ أَشْبَهَ تَعْيِينَ الْمَبِيعِ فِي الْبَيْعِ (فَلَا يَصِحُّ) النِّكَاحُ إنْ قَالَ الْوَلِيُّ (زَوَّجْتُك بِنْتِي وَلَهُ) بِنْتٌ (غَيْرُهَا حَتَّى يُمَيِّزَهَا) عَنْ غَيْرِهَا (بِاسْمٍ) يَخُصُّهَا كَفَاطِمَةَ مَثَلًا (أَوْ صِفَةٍ) لَا يُشَارِكُهَا فِيهَا غَيْرُهَا مِنْ أَخَوَاتِهَا؛ كَالْكُبْرَى أَوْ الطَّوِيلَةِ أَوْ الصُّغْرَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الْبَيْضَاءِ أَوْ السَّمْرَاءِ (أَوْ) يُمَيِّزُهَا (بِإِشَارَةٍ) كَ زَوَّجْتُك بِنْتِي هَذِهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ إلَّا بِنْتٌ وَاحِدَةٌ؛ (صَحَّ) الْعَقْدُ (وَلَوْ سَمَّاهَا) الْوَلِيُّ (بِغَيْرِ اسْمِهَا) لِأَنَّ عَدَمَ التَّعْيِينِ إنَّمَا جَاءَ مِنْ التَّعَدُّدِ، وَلَا تَعَدُّدَ هُنَا (وَكَذَا لَوْ أَشَارَ إلَيْهَا وَسَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا) بِأَنْ قَالَ: زَوَّجْتُك بِنْتِي فَاطِمَةَ هَذِهِ وَأَشَارَ إلَى خَدِيجَةَ؛ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى خَدِيجَةَ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ أَقْوَى (وَإِنَّ سَمَّاهَا) الْوَلِيُّ (بِاسْمِهَا) بِأَنْ قَالَ: زَوَّجْتُك فَاطِمَةَ (وَلَمْ يَقُلْ: بِنْتِي) لَمْ يَصِحَّ
الْعَقْدُ؛ لِاشْتِرَاكِ هَذَا الِاسْمِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْفَوَاطِمِ.
(أَوْ قَالَ مَنْ لَهُ) بِنْتَانِ (عَائِشَةُ وَفَاطِمَةُ: زَوَّجْتُك بِنْتِي عَائِشَةَ فَقَبِلَ) الزَّوْجُ النِّكَاحَ (وَنَوَيَا) أَيْ: الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ (أَوْ) نَوَى (أَحَدُهُمَا) فِي الْبَاطِنِ (فَاطِمَةَ لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ (فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُذْكَرْ بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ؛ فَإِنَّ اسْمَ أُخْتِهَا لَا يُمَيِّزُهَا، بَلْ يَصْرِفُ الْعَقْدَ عَنْهَا، وَلِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَلَفَّظَا بِمَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ؛ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك عَائِشَةَ فَقَطْ، أَوْ مَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي، وَلَمْ يُسَمِّهَا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فِيمَا لَمْ يُسَمِّهَا فَفِيمَا إذَا سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا أَوْلَى، وَكَذَا إنْ قَصَدَ الْوَلِيُّ وَاحِدَةً، وَالزَّوْجُ أُخْرَى (كَمَنْ سُمِّيَ لَهُ فِي الْعَقْدِ غَيْرُ مَخْطُوبَتِهِ فَقَبِلَ يَظُنُّهَا) أَيْ: غَيْرَ الْمَخْطُوبَةِ (إيَّاهَا) أَيْ: الْمَخْطُوبَةَ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ انْصَرَفَ إلَى غَيْرِ مَنْ وُجِدَ الْإِيجَابُ فِيهَا (وَلَوْ رَضِيَ) الزَّوْجُ (بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْحَالِ فَلَا يَنْقَلِبُ النِّكَاحُ صَحِيحًا، فَإِنْ قَبِلَ غَيْرَ ظَانٍّ أَنَّهَا الْمَخْطُوبَةُ؛ صَحَّ النِّكَاحُ (فَإِنْ كَانَ) الَّذِي سُمِّيَ لَهُ فِي الْعَقْدِ غَيْرُ مَخْطُوبَتِهِ، وَقَبِلَ يَظُنُّهَا إيَّاهَا (قَدْ أَصَابَهَا) أَيْ: وَطِئَهَا، وَهِيَ جَاهِلَةٌ بِالْحَالِ، أَيْ: بِأَنَّهَا سُمِّيَتْ لَهُ فِي الْعَقْدِ بَعْدَ أَنْ خَطَبَ غَيْرَهَا، أَوْ جَاهِلَةٌ (بِالتَّحْرِيمِ؛ فَلَهَا الصَّدَاقُ) أَيْ: مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ (يَرْجِعُ بِهِ) الْوَاطِئُ (عَلَى وَلِيِّهَا.
قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: لِأَنَّهُ غَرَّهُ، وَيَعْقِدُ عَلَى مَخْطُوبَتِهِ) الَّتِي خَطَبَهَا عَقْدًا جَدِيدًا، لِتَوَقُّفِ الْحِلِّ عَلَيْهِ، وَتُجَهَّزُ إلَيْهِ اسْتِحْبَابًا (إنْ شَاءَ) وَيَكُونُ الْعَقْدُ (بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ مَنْ أَصَابَهَا إنْ حَرُمَ الْجَمْعُ) بَيْنَهُمَا بِأَنْ كَانَتْ أُخْتَ الْمُصَابَةِ أَوْ عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا وَنَحْوِهِ، لِمَا يَأْتِي فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُصَابَةُ وَلَدَتْ مِنْهُ؛ لَحِقَهُ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ (وَمَعَ عِلْمِهَا) أَيْ: الْمُصَابَةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَتُهُ، وَأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، وَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَهِيَ زَانِيَةٌ لَا صَدَاقَ لَهَا وَعَلَيْهَا الْحَدُّ؛ لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ، وَجَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِي تَعْيِينِ الزَّوْجَةِ يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الزَّوْجِ، وَلَمْ يُنَبِّهُوا عَلَيْهِ؛ لِوُضُوحِهِ.
وَلَا يَصِحُّ: زَوَّجْتُك حَمْلَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ مَجْهُولٌ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنُهُ أُنْثَى، وَلَمْ يَثْبُتْ
لَهُ حُكْمُ الْوُجُودِ، وَكَذَا: إنْ وَضَعَتْ زَوْجَتِي بِنْتًا، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي: رِضَى زَوْجٍ مُكَلَّفٍ) أَيْ: بَالِغٍ عَاقِلٍ (رَشِيدٍ) (وَلَوْ) كَانَ الْمُكَلَّفُ (رَقِيقًا) نَصَّ عَلَيْهِ، فَلَا يَمْلِكُ سَيِّدُهُ إجْبَارَهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْحُرِّ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ خَالِصُ حَقِّهِ، وَنَفْعُهُ لَهُ؛ فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ كَالْحُرِّ، وَالْأَمْرُ بِإِنْكَاحِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32] مُخْتَصٌّ بِحَالِ طَلَبِهِ، بِدَلِيلِ عَطْفِهِ عَلَى الْأَيَامَى، وَإِنَّمَا يُزَوَّجْنَ عِنْدَ الطَّلَبِ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ تَزْوِيجُهُ إذَا طَلَبَ، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَالسَّيِّدُ يَمْلِكُ مَنَافِعَ بُضْعِهَا وَالِاسْتِمْتَاعَ بِهَا، بِخِلَافِ الْعَبْدِ، وَيُفَارِقُ النِّكَاحُ الْإِجَارَةَ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى مَنَافِعِ بَدَنِهِ، وَسَيِّدُهُ يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَهَا، بِخِلَافِ النِّكَاحِ (وَرِضَى زَوْجَةٍ حُرَّةٍ عَاقِلَةٍ ثَيِّبٍ تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ) وَلَهَا إذْنٌ صَحِيحٌ مُعْتَبَرٌ، فَيُشْتَرَطُ مَعَ ثُيُوبَتِهَا، وَيُسَنُّ مَعَ بَكَارَتِهَا نَصًّا؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَوَجْهُ تَقْيِيدِ ذَلِكَ بِبِنْتِ تِسْعٍ، مَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: وَمَعْنَاهُ، فِي حُكْمِ الْمَرْأَةِ، وَلِأَنَّهَا تَصْلُحُ بِذَلِكَ لِلنِّكَاحِ، وَتَحْتَاجُ إلَيْهِ؛ أَشْبَهَتْ الْبَالِغَةَ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَيُجْبِرُ أَبٌ لَا جَدٌّ ثَيِّبًا دُونَ ذَلِكَ) أَيْ: دُونَ تِسْعِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا إذْنَ لَهَا مُعْتَبَرٌ، (وَ) يُجْبِرُ أَبٌ (بِكْرًا أَوْ لَوْ) كَانَتْ (مُكَلَّفَةً) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فَقَسَّمَ النِّسَاءَ قِسْمَيْنِ، وَأَثْبَتَ الْحَقَّ لِأَحَدِهِمَا، فَدَلَّ عَلَى نَفْيِهِ عَنْ الْآخَرِ، وَهِيَ الْبِكْرُ، فَيَكُونُ وَلِيُّهَا أَحَقَّ مِنْهَا بِهَا، وَدَلَّ الْحَدِيثُ
عَلَى أَنَّ الِاسْتِئْمَارَ هُنَا وَالِاسْتِئْذَانَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ.
(وَيُسَنُّ اسْتِئْذَانُهَا) أَيْ: الْبِكْرِ إذَا تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ؛ لِمَا سَبَقَ (مَعَ) اسْتِئْذَانِ (أُمِّهَا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَيُؤْخَذُ بِتَعْيِينِ بِنْتِ تِسْعٍ فَأَكْثَرَ، وَلَوْ) كَانَتْ (مُجْبَرَةً كُفْئًا، لَا بِتَعْيِينِ أَبٍ) أَوْ وَصِيِّهِ نَصًّا، فَإِنْ عَيَّنَتْ غَيْرَ كُفْءٍ، قُدِّمَ تَعْيِينُ الْأَبِ (فَإِنْ امْتَنَعَ) الْمُجْبِرُ مِنْ تَزْوِيجِهَا مَنْ عَيَّنَتْهُ بِنْتُ تِسْعٍ فَأَكْثَرَ؛ فَهُوَ عَاضِلٌ (سَقَطَتْ وِلَايَتُهُ) وَيَفْسُقُ بِهِ إنْ تَكَرَّرَ عَلَى مَا يَأْتِي، وَلَا يَجُوزُ لِسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ غَيْرِ الْأَبِ تَزْوِيجُ حُرَّةٍ بَالِغَةٍ ثَيِّبًا كَانَتْ أَوْ بِكْرًا، إلَّا بِإِذْنِهَا، لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ.
(وَ) يُجْبِرُ أَبٌ (مَجْنُونَةً وَلَوْ) كَانَتْ (بِلَا شَهْوَةٍ أَوْ) كَانَتْ (ثَيِّبًا أَوْ بَالِغَةً) لِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِجْبَارِ انْتَفَتْ عَنْ الْعَاقِلَةِ بِخِبْرَةِ نَظَرِهَا لِنَفْسِهَا، بِخِلَافِ الْمَجْنُونَةِ.
(وَيُزَوَّجُهَا) أَيْ: الْمَجْنُونَةَ (وَلِيُّهَا مَعَ شَهْوَتِهَا) مُجْبِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُجْبِرٍ؛ لِأَنَّ لَهَا حَاجَةً إلَى النِّكَاحِ؛ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عَنْهَا، وَصِيَانَتِهَا عَنْ الْفُجُورِ، وَتَحْصِيلِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَالْعَفَافِ، وَصِيَانَةِ الْعِرْضِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إذْنِهَا، فَأُبِيحَ تَزْوِيجُهَا كَالْبِنْتِ مَعَ أَبِيهَا.
(وَتُعْرَفُ) شَهْوَتُهَا (بِكَلَامِهَا وَ) قَرَائِنِ أَحْوَالِهَا (بِتَتَبُّعِهَا الرِّجَالَ وَمِيلِهَا إلَيْهِمْ) وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْفَى (وَكَذَا لَوْ قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ) - وَلَعَلَّ الْمُرَادَ ثِقَةٌ مِنْهُمْ إنْ تَعَذَّرَ غَيْرُهُ، وَإِلَّا فَاثْنَانِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ - (إنَّ: عِلَّتَهَا تَزُولُ بِتَزْوِيجِهَا) فَلِكُلِّ وَلِيٍّ تَزْوِيجُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِهَا (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا) أَيْ: الْمَجْنُونَةِ ذَاتِ الشَّهْوَةِ، وَنَحْوِهَا (وَلِيٌّ إلَّا الْحَاكِمَ؛ زَوَّجَهَا) لِمَا سَبَقَ.
(وَيُجْبِرُ) أَبٌ (ابْنًا صَغِيرًا) أَيْ: غَيْرَ بَالِغٍ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ زَوَّجَ ابْنَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَاخْتَصَمُوا إلَى زَيْدٍ فَأَجَازَهُ جَمِيعًا.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَلَهُ تَزْوِيجُهُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، إنْ رَآهُ مَصْلَحَةً، وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ تَزْوِيجُ الصَّغِيرِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ تَزْوِيجٌ لِحَاجَةٍ، وَالْكِفَايَةُ تَحْصُلُ بِذَلِكَ، لَا أَنْ تَكُونَ غَائِبَةً أَوْ صَغِيرَةً طِفْلَةً وَبِهِ حَاجَةٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهُ ثَانِيَةً.
قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ.
(وَ) يُجْبِرُ
أَبٌ (بَالِغًا مَجْنُونًا) مُطْبَقًا وَمَعْتُوهًا (وَلَوْ كَانَ بِلَا شَهْوَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ؛ أَشْبَهَ الصَّغِيرَ، فَإِذَا جَازَ تَزْوِيجُ الصَّغِيرِ مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ فِي الْحَالِ، وَتَوَقُّعِ نَظَرِهِ فَعِنْدَ حَاجَتِهِ أَوْلَى، وَرُبَّمَا كَانَ النِّكَاحُ دَوَاءً لَهُ يُرْجَى بِهِ شِفَاؤُهُ، وَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى الْإِيوَاءِ وَالْحِفْظِ، أَوْ أَيْ: وَلِلْأَبِ تَزْوِيجُ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ (بِفَوْقِ مَهْرِ الْمِثْلِ) كَتَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ لِمَصْلَحَةٍ (وَيُزَوِّجُهُمَا) أَيْ: الصَّغِيرَ وَالْبَالِغَ الْمَجْنُونَ (مَعَ عَدَمِ أَبٍ وَصِيُّهُ) أَيْ: الْأَبِ فِي النِّكَاحِ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْأَبِ (فَإِنْ عُدِمَ) وَصِيُّ الْأَبِ (وَثَمَّ حَاجَةٌ) إلَى نِكَاحِهِمَا (فَحَاكِمٌ) يُزَوِّجُهُمَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْظُرُ فِي مَصَالِحِهِمَا بَعْدَ الْأَبِ وَوَصِيِّهِ.
تَتِمَّةٌ
: وَمَنْ يُخْنَقُ أَحْيَانًا لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ إنْ كَانَ بَالِغًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَزَوَّجَ لِنَفْسِهِ فَلَمْ تَثْبُتْ وِلَايَةُ تَزْوِيجِهِ لِغَيْرِهِ كَالْعَاقِلِ، وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِبِرْسَامٍ أَوْ مَرَضٍ مَرْجُوٍّ لِلزَّوَالِ، فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْعَاقِلِ، فَإِنْ دَامَ بِهِ صَارَ كَالْمَجْنُونِ.
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْمُسَوَّدَةِ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ تَزْوِيجُ ابْنِهِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَفِيهًا أَوْ يَكُونَ النِّكَاحُ أَصْلَحَ لَهُ بِأَنْ يَكُونَ زَمِنًا أَوْ ضَعِيفًا يَحْتَاجُ إلَى امْرَأَةٍ تَخْدُمُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ؛ فَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ تَزْوِيجُهُ.
وَلِلْأَبِ قَبُولُ النِّكَاحِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَلَوْ مُمَيِّزًا وَلِابْنِهِ الْمَجْنُونِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا الْمَعْتُوهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ مَعَ ظُهُورِ أَمَارَاتِ الشَّهْوَةِ وَعَدَمِهَا.
(وَيَصِحُّ قَبُولُ) صَبِيٍّ (مُمَيِّزٍ لِنِكَاحِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ فِي مَالِهِ لِمَصْلَحَةٍ) نَصًّا، كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ.
، وَلَا يَصِحُّ قَبُولُ طِفْلٍ دُونَ التَّمْيِيزِ لِنِكَاحِهِ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا، لِأَنَّ قَوْلَهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
(وَلِكُلِّ وَلِيٍّ) مِنْ أَبٍ وَوَصِيِّهِ وَبَقِيَّةِ الْعَصَبَاتِ (وَحَاكِمٍ تَزْوِيجُ بِنْتِ تِسْعٍ فَأَكْثَرَ بِإِذْنِهَا) نَصًّا، (وَهُوَ) أَيْ: اسْتِئْذَانُهَا (مُعْتَبَرٌ) ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا، وَإِنْ أَبَتْ لَمْ تُكْرَهْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْيَتِيمَةَ تُزَوَّجُ بِإِذْنِهَا، وَأَنَّ لَهَا إذْنًا صَحِيحًا، وَقَدْ انْتَفَى ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ تَبْلُغْ تِسْعًا بِالِاتِّفَاقِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ بَلَغَتْ تِسْعًا.
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ
أَنَّهَا قَالَتْ: إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ.
وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَمَعْنَاهُ: فِي حُكْمِ الْمَرْأَةِ، وَلِأَنَّهَا تَصْلُحُ بِذَلِكَ لِلنِّكَاحِ، وَتَحْتَاجُ إلَيْهِ؛ أَشْبَهَتْ الْبَالِغَةَ.
وَ (لَا) يُزَوِّجُ غَيْرُ أَبٍ وَوَصِيِّهِ (مَنْ) أَيْ: صَغِيرَةً (دُونَ تِسْعِ) سِنِينَ (بِحَالٍ) مِنْ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا إذْنَ لَهَا، وَغَيْرُ الْأَبِ وَوَصِيِّهِ لَا إجْبَارَ لَهُ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ زَوَّجَ ابْنَةَ أَخِيهِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّهَا يَتِيمَةٌ، وَلَا تُنْكَحُ إلَّا بِإِذْنِهَا» وَالصَّغِيرَةُ لَا إذْنَ لَهَا بِحَالٍ (وَلَا لِلْحَاكِمِ: تَزْوِيجُهَا) أَيْ: بِنْتٍ دُونَ تِسْعِ سِنِينَ كَغَيْرِهِ، خِلَافًا لِمَا فِي " الْفُرُوعِ " فَإِنَّهُ لَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ عَلَى مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ لِلْحَاكِمِ تَزْوِيجَ الصَّغِيرَةِ، وَإِنْ مَنَعْنَا غَيْرَهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَلَا أَعْلَمُ لَهُ مُوَافِقًا عَلَى ذَلِكَ، بَلْ صَرَّحَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " " وَالرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهِمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ (غَيْرَ وَصِيِّ أَبٍ) ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَبِ فِي إجْبَارِهَا.
(وَإِذْنُ ثَيِّبٍ بِوَطْءِ آدَمِيٍّ) لَا غَيْرُ (فِي قُبُلٍ وَلَوْ) كَانَ وَطْؤُهَا (بِزِنًا) لِأَنَّهُ لَوْ وَصَّى لِلثَّيِّبِ دَخَلَتْ فِي الْوَصِيَّةِ، وَلَوْ وَصَّى لِلْأَبْكَارِ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِنَّ (أَوْ مَعَ عَوْدِ بَكَارَةٍ) بَعْدَ وَطْئِهَا بِآلَةِ الرِّجَالِ (الْكَلَامَ) لِحَدِيثِ: «الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا، وَالْبِكْرُ رِضَاهَا صَمْتُهَا» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّ الْحِكْمَةَ الَّتِي اقْتَضَتْ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبِكْرِ مُبَاضَعَةُ الرِّجَالِ وَمُخَالَطَتُهُمْ، وَهَذَا مَوْجُودٌ مَعَ عَوْدِ الْبَكَارَةِ.
(وَ) إذْنُ (بِكْرٍ وَلَوْ وُطِئَتْ فِي دُبُرٍ أَوْ زَوَّجَهَا غَيْرُ أَبٍ، الصُّمَاتُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا، وَإِنْ أَبَتْ لَمْ تُكْرَهْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَعَنْ عَائِشَةَ: «قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الْبِنْتَ تَسْتَحِي، قَالَ: رِضَاهَا صُمَاتُهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَوْ ضَحِكَتْ أَوْ بَكَتْ) كَانَ إذْنًا؛ لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ، فَإِذَا بَكَتْ أَوْ سَكَتَتْ؛ فَهُوَ رِضَاهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا» ؛ وَلِأَنَّهَا غَيْرُ نَاطِقَةٍ بِالِامْتِنَاعِ مَعَ سَمَاعِ الِاسْتِئْذَانِ، فَكَانَ ذَلِكَ إذْنًا مِنْهَا كَالصُّمَاتِ، وَالْبُكَاءُ يَدُلُّ عَلَى
فَرْطِ الْحَيَاءِ، لَا الْكَرَاهَةِ، وَلَوْ كَرِهَتْ لَامْتَنَعَتْ، فَإِنَّهَا لَا تَسْتَحِي مِنْ الِامْتِنَاعِ (وَنُطْقُهَا) أَيْ: الْبِكْرِ بِالْإِذْنِ (أَبْلَغُ) مِنْ سُكُوتِهَا؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْإِذْنِ، وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ بِالصُّمَاتِ مِنْ الْبِكْرِ؛ لِلِاسْتِحْيَاءِ.
(وَشُرِطَ فِي اسْتِئْذَانٍ - وَيَتَّجِهُ) إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ (مِمَّنْ يُعْتَبَرُ إذْنُهَا) كَكَوْنِهَا ثَيِّبًا جَاوَزَ سِنُّهَا تِسْعًا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَبِ وَوَصِيِّهِ، أَوْ كَوْنُهَا بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا جَاوَزَتْ التِّسْعَ بِالنِّسْبَةِ لِبَاقِي الْأَوْلِيَاءِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ - (تَسْمِيَةُ زَوْجٍ) نَائِبُ فَاعِلِ شُرِطَ (عَلَى وَجْهٍ تَقَعُ بِهِ) أَيْ: بِالزَّوْجِ (الْمَعْرِفَةُ) مِنْ الْمَرْأَةِ، بِأَنْ يَذْكُرَ لَهَا نَسَبَهُ وَمَنْصِبَهُ وَنَحْوَهُ مِمَّا يَتَّصِفُ بِهِ لِتَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي إذْنِهَا فِي تَزْوِيجِهِ بِهَا.
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي اسْتِئْذَانٍ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ رُكْنًا فِي النِّكَاحِ، وَلَا مَقْصُودًا مِنْهُ.
(وَمَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِغَيْرِ وَطْءٍ) كَأُصْبُعٍ، أَوْ وَثْبَةٍ أَوْ شِدَّةِ حَيْضَةٍ أَوْ سُقُوطٍ مِنْ شَاهِقٍ (فَكَبِكْرٍ) فِي الْإِذْنِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَخْتَرْ الْمَقْصُودَ، وَلَا وُجِدَ وَطْؤُهَا فِي الْقُبُلِ، فَأَشْبَهَتْ مَنْ لَمْ تَزُلْ عُذْرَتُهَا.
(وَيُجْبِرُ سَيِّدٌ عَبْدًا صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا) وَلَوْ بَالِغًا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا مَلَكَ تَزْوِيجَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، فَعَبْدُهُ الَّذِي كَذَلِكَ مَعَ مِلْكِهِ وَتَمَامِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ أَوْلَى، بِخِلَافِ عَبْدِهِ الْكَبِيرِ الْعَاقِلِ، وَتَقَدَّمَ، (وَ) يُجْبِرُ سَيِّدٌ (أَمَةً مُطْلَقًا) كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً، بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا، قِنًّا أَوْ مُدَبَّرَةً، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُ، وَالنِّكَاحُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَتِهَا؛ أَشْبَهَ عَقْدَ الْإِجَارَةِ، وَلِذَلِكَ مَلَكَ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا، وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْعَبْدَ، وَلِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ مَهْرِهَا وَوَلَدِهَا، وَتَسْقُطُ عَنْهُ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا؛ بِخِلَافِ الْعَبْدِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا مُبَاحَةً أَوْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ كَأُخْتِهِ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا لَهُ، وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ لِعَارِضٍ.
وَلَا يُجْبِرُ سَيِّدٌ (مُكَاتَبًا أَوْ مُكَاتَبَةً) وَلَوْ صَغِيرَيْنِ، لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْخَارِجَيْنِ عَنْ مِلْكِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمَا، وَلَا يَمْلِكُ إجَارَتَهُمَا وَلَا أَخْذَ مَهْرِ الْمُكَاتَبَةِ
(وَيُعْتَبَرُ فِي) إنْكَاحِ (مُعْتِقِ بَعْضُهَا إذْنُهَا) لِمَا فِيهَا مِنْ الْحُرِّيَّةِ، (وَ) يُعْتَبَرُ (إذْنُ مُعْتِقِهَا الذَّكَرِ وَإِذْنِ مَالِكِ الْبَقِيَّةِ) الَّتِي لَمْ تُعْتَقْ (كَالشَّرِيكَيْنِ) فِي أَمَةٍ فَيُعْتَبَرُ فِي نِكَاحِهَا إذْنُهُمَا (وَيَقُولُ كُلٌّ) مِنْ مَعْتُوقٍ وَمَالِكِ الْبَقِيَّةِ، أَوْ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْمُشْتَرَكَةِ (حَيْثُ لَا تَوْكِيلَ) مِنْ وَاحِدٍ لِلْآخَرِ (زَوَّجْتُكهَا؛ فَلَا يَصِحُّ) أَنْ يَقُولَ: (زَوَّجْتُك بَعْضَهَا) لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَقْبَلُ التَّشْقِيصَ وَالتَّجَزُّؤَ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ زَمَنِ الْإِيجَابِ مِنْهُمَا، أَوْ يَجُوزُ تَرَتُّبُهُمَا، فِيهِ نَظَرٌ، قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ تَرَتُّبُهُمَا فِيهِ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا، وَفِي اعْتِبَارِ اتِّحَادِهِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ) مِنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ (الْوَلِيُّ) نَصًّا (إلَّا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6] وَالْأَصْلُ فِي اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ.
قَالَهُ المروذي؛ وَقَالَ: سَأَلْت أَحْمَدَ وَيَحْيَى عَنْ حَدِيثِ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» ، فَقَالَا: صَحِيحٌ، وَهُوَ لِنَفْيِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، لَا اللُّغَوِيَّةِ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا؛ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنَاكِحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
لَا يُقَالُ: يُمْكِنُ حَمْلُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ؛ أَيْ: لَا نِكَاحَ شَرْعِيٌ أَوْ مَوْجُودٌ فِي الشَّرْعِ إلَّا بِوَلِيٍّ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَالنَّهْيُ عَنْ الْعَضْلِ عَمَّ الْأَوْلِيَاءَ، وَنَهْيُهُمْ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِهِمْ؛ إذْ الْعَضَلُ لُغَةً: الْمَنْعُ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْعَضْلِ الْحِسِّيِّ وَالشَّرْعِيِّ، «ثُمَّ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ حِينَ امْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِ أُخْتِهِ، فَدَعَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَزَوَّجَهَا» وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِمَعْقِلٍ وِلَايَةٌ، وَأَنَّ الْحُكْمَ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ لَمَّا عُوتِبَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْإِضَافَةُ إلَيْهِنَّ، فَلِأَنَّهُنَّ مَحَلٌّ لَهُ (فَلَا يَصِحُّ) مِنْ امْرَأَةٍ (إنْكَاحُهَا لِنَفْسِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ غَيْرِهَا) كَأَمَتِهَا وَبِنْتِهَا وَأُخْتِهَا وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَصِحَّ إنْكَاحُهَا لِنَفْسِهَا فَغَيْرُهَا أَوْلَى.
تَتِمَّةٌ
لَوْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا أَوْ غَيْرَهَا، أَوْ وَكَّلَتْ غَيْرَ وَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا وَلَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهَا فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ؛ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ، وَلِأَنَّهَا غَيْرُ مَأْمُونَةٍ عَلَى الْبُضْعِ؛ لِنَقْصِ عَقْلِهَا وَسُرْعَةِ انْخِدَاعِهَا؛ فَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيضُهُ إلَيْهَا كَالْمُبَذِّرِ فِي الْمَالِ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ تُوَكِّلَ فِيهِ، وَلَا أَنْ تَتَوَكَّلَ فِيهِ.
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، فَإِنْ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ حَاكِمٌ، أَوْ كَانَ الْمُتَوَلِّي لِعَقْدِهِ حَاكِمًا يَرَاهُ، لَمْ يُنْقَضْ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ إذَا حَكَمَ بِهَا مَنْ يَرَاهَا لَمْ يُنْقَضْ؛ لِأَنَّهُ يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ؛ فَلَمْ يَجُزْ نَقْضُ الْحُكْمِ بِهَا.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَيُزَوِّجُ أَمَةً) لِأُنْثَى (مَحْجُورٍ عَلَيْهَا) لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ (وَلِيُّهَا فِي مَالِهَا) لِمَصْلَحَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ مَالٌ، وَالتَّزْوِيجَ تَصَرُّفٌ فِيهِ؛ وَكَذَا أَمَةُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، (وَ) يُزَوِّجُ (أَمَةَ) امْرَأَةٍ (رَشِيدَةٍ مَنْ يُزَوِّجُ سَيِّدَتَهَا) ، أَيْ: وَلِيُّ سَيِّدَتِهَا فِي النِّكَاحِ؛ لِامْتِنَاعِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ فِي حَقِّهَا لِأُنُوثَتِهَا، فَتَثْبُتُ لِأَوْلِيَائِهَا كَوِلَايَةِ نَفْسِهَا، وَلِأَنَّهُمْ يَلُونَهَا لَوْ عَتَقَتْ، فَفِي حَالِ رَقِّهَا أَوْلَى (بِشَرْطِ إذْنِ السَّيِّدِ نُطْقًا، وَلَوْ) كَانَتْ سَيِّدَتُهَا (بِكْرًا) فَلَا بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا بِالْإِذْنِ؛ لِأَنَّ صُمَاتَهَا إنَّمَا اُكْتُفِيَ بِهِ فِي تَزْوِيجِ نَفْسِهَا لِحَيَائِهَا، وَلَا تَسْتَحِي فِي تَزْوِيجِ أَمَتِهَا.
(وَلَا إذْنَ لِمَوْلَاةِ مُعْتَقَةٍ) فِي تَزْوِيجِهَا لِمِلْكِهَا نَفْسَهَا بِالْعِتْقِ، وَلَيْسَتْ الْمُعْتِقَةُ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ (وَيُزَوِّجُهَا) أَيْ: الْعَتِيقَةَ (بِإِذْنِهَا أَقْرَبُ عَصَبَتُهَا) أَيْ: الْعَتِيقَةِ نَسَبًا؛ كَأَبِيهَا، وَابْنِهَا وَأَخِيهَا وَنَحْوِهِمْ؛ لِأَنَّ عَصَبَةَ النَّسَبِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى عَصَبَةِ الْوَلَاءِ، فَإِنْ عُدِمَ عَصَبَتُهَا مِنْ النَّسَبِ، فَيُزَوِّجُهَا بِإِذْنِهَا أَقْرَبُ وَلِيٍّ لِسَيِّدَتِهَا الْمُعْتِقَةِ لَهَا؛ لِأَنَّ أَوْلِيَاءَ سَيِّدَتِهَا عَصَبَاتٌ يَرِثُونَ وَيَعْقِلُونَ،
فَكَذَلِكَ يُزَوِّجُونَ؛ وَإِذَا اجْتَمَعَ ابْنُ مُعْتِقَةِ وَأَبُوهَا (فَابْنٌ أَحَقُّ) بِتَزْوِيجِ عَتِيقَةِ أُمِّهِ (مِنْ أَبِ الْمُعْتِقَةِ) ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْمَوْلَاةِ أَقْرَبُ مِنْ أَبِيهَا؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ بِمُقْتَضَى وَلَاءِ الْعِتْقِ، وَالْوَلَاءُ يُقَدَّمُ فِيهِ الِابْنُ عَلَى الْأَبِ.
تَنْبِيهٌ وَيُعْتَبَرُ فِي أَحَقِّيَّةِ ابْنِ الْمُعْتِقَةِ الْوِلَايَةَ مِنْ أَبِيهَا شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: عَدَمُ الْعَصَبَةِ مِنْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ أَقْرَبُ مِنْ الْمُعْتِقِ وَأَوْلَى مِنْهُ.
الثَّانِي: إذْنُ الْمُزَوَّجَةِ؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ، وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ إجْبَارٍ.
فَإِنَّهُ أَبْعَدُ الْعَصَبَاتِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ مَوْلَاتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهَا وَلَا مِلْكَ؛ فَأَشْبَهَتْ الْقَرِيبَ الطِّفْلَ إذَا زَوَّجَ الْبَعِيدَ، (وَ) قِيلَ: إنَّهُ (يُجْبِرُ الْعَتِيقَةَ) أَيْ: عَتِيقَةَ الْمَرْأَةِ (مَنْ يُجْبِرُ مَوْلَاتَهَا) عَلَى النِّكَاحِ، فَلَوْ كَانَتْ الْعَتِيقَةُ بِكْرًا وَلِمَوْلَاتِهَا أَبٌ أَجْبَرَهَا كَمَوْلَاتِهَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا.
وَقَالَ عَنْ عَدَمِ الْإِجْبَارِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ الْمَقْطُوعُ بِهِ عِنْدَ صَاحِبِ " الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي الْكَبِيرَةِ، يَعْنِي إذَا كَانَتْ الْعَتِيقَةُ كَبِيرَةً فَلَا إجْبَارَ، بِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ يَتِمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَى التَّمْثِيلِ بِهَا فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ".
(وَالْأَحَقُّ بِإِنْكَاحِ حُرَّةٍ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (أَبُوهَا) لِأَنَّ الْوَلَدَ مَوْهُوبٌ لِأَبِيهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: 90] وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: 39] وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَإِثْبَاتُ وِلَايَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى الْهِبَةِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ، وَلِأَنَّ الْأَبَ أَكْمَلُ شَفَقَةً وَأَتَمَّ نَظَرًا، بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا مِنْ مَالِهِ وَلَهُ مِنْ مَالِهَا (فَأَبُوهُ وَإِنْ عَلَا) لِأَنَّ الْجَدَّ لَهُ إيلَادٌ وَتَعْصِيبٌ، فَيُقَدَّمُ عَلَى الِابْنِ وَابْنِهِ كَالْأَبِ، فَإِنْ اجْتَمَعَ أَجْدَادٌ فَأَوْلَاهُمْ أَقْرَبُهُمْ كَالْجَدِّ مَعَ الْأَبِ (فَابْنُهَا) أَيْ: الْحُرَّةِ (فَابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ) وَإِنْ اجْتَمَعَ أَبْنَاءُ الْأَبْنَاءِ؛ قُدِّمَ الْأَقْرَبُ؛ لِحَدِيثِ «أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ إلَيْهَا، فَقَالَتْ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَيْسَ مِنْ أَوْلِيَائِك شَاهِدٌ وَلَا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: قُمْ يَا عُمَرُ فَزَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَزَوَّجَهُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، حِينَ زَوَّجَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّهُ أُمَّ سَلَمَةَ، أَلَيْسَ كَانَ صَغِيرًا؟ قَالَ: وَمَنْ يَقُولُ كَانَ صَغِيرًا؟ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ، وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ مِنْ عَصَبَتِهَا، فَثَبَتَتْ لَهُ وِلَايَةُ تَزْوِيجِهَا كَأَخِيهَا (فَالْأَخُ لِأَبَوَيْنِ) كَالْمِيرَاثِ، (فَ) الْأَخُ (لِأَبٍ) لِأَنَّ وِلَايَةَ النِّكَاحِ حَقٌّ يُسْتَفَادُ بِالتَّعْصِيبِ، فَقُدِّمَ فِيهِ الْأَخُ كَالْمِيرَاثِ، وَكَاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ بِالْوَلَاءِ (فَابْنُ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ) (فَ) ابْنُ أَخٍ (لِأَبٍ، وَإِنْ سَفَلَا) أَيْ: ابْنُ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ، وَيُقَدَّمُ مِنْهُمْ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ (فَعَمٌّ لِأَبَوَيْنِ فَعَمٌّ لِأَبٍ، ثُمَّ بَنُوهُمَا) أَيْ: الْعَمَّيْنِ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ (كَذَلِكَ) أَيْ: وَإِنْ سَفَلُوا يُقَدَّمُ ابْنُ الْعَمِّ لِأَبَوَيْنِ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ لِأَبٍ (ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَةِ نَسَبٍ) كَعَمِّ الْأَبِ، ثُمَّ بَنِيهِ، ثُمَّ عَمِّ الْجَدِّ، ثُمَّ بَنِيهِ كَذَلِكَ، وَإِنْ عَلَوْا (كَإِرْثٍ) أَيْ: تَرْتِيبِ الْوِلَايَةِ بَعْدَ الْإِخْوَةِ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ بِالتَّعْصِيبِ، فَأَحَقُّهُمْ بِالْمِيرَاثِ أَحَقُّهُمْ بِالْوِلَايَةِ، فَلَا يَلِي بَنُو أَبٍ أَعْلَى مَعَ بَنِي أَبٍ أَقْرَبَ مِنْهُ، وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُمْ، وَأَوْلَى وَلَدُ كُلِّ أَبٍ أَقْرَبُهُمْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْوِلَايَةِ عَلَى الشَّفَقَةِ وَالنَّظَرِ، وَمَظِنَّتُهَا الْقَرَابَةُ، فَأَقْرَبُهُمْ أَشْفَقُهُمْ، وَلَا وِلَايَةَ لِغَيْرِ الْعَصَبَاتِ كَالْأَخِ لِأُمٍّ وَعَمٍّ لِأُمٍّ وَبَنِيهِ، وَالْخَالِ وَأَبِي الْأُمِّ وَنَحْوِهِمْ نَصًّا، لِقَوْلِ عَلِيٍّ: إذَا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الْحَقَائِقِ فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى، يَعْنِي إذَا أَدْرَكْنَ.
رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْغَرِيبِ " وَلِأَنَّ مَنْ لَيْسَ مِنْ عَصَبَتِهَا شَبِيهٌ بِالْأَجْنَبِيِّ مِنْهَا.
(وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ) وَلِيٍّ (أَقْرَبَ بِإِسْقَاطِهِ لَهُ) كَمَا لَوْ أَسْقَطَ نَصِيبَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ قَهْرًا عَلَيْهِ، وَكَذَا الْوِلَايَةُ فِي النِّكَاحِ؛ فَإِنَّهَا حَقٌّ اسْتَفَادَهُ بِسَبَبِ التَّعْصِيبِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِإِسْقَاطِهِ (ثُمَّ) يَلِي نِكَاحَ حُرَّةٍ عِنْدَ عَدَمِ عَصَبَتِهَا مِنْ النَّسَبِ (الْمَوْلَى الْمُنْعِمُ) بِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُهَا وَيَعْقِلُ عَنْهَا، فَكَانَ لَهُ تَزْوِيجُهَا وَقَدَّمُوا عَلَيْهِ عَصَبَةَ النَّسَبِ كَمَا قُدِّمُوا عَلَيْهِ فِي الْإِرْثِ (ثُمَّ عَصَبَتُهُ) ؛ أَيْ: الْمَوْلَى،
الْمُعْتِقِ بَعْدَهُ (فَالْأَقْرَبُ) كَالْمِيرَاثِ، ثُمَّ مَوْلَى الْمَوْلَى، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ كَذَلِكَ ثُمَّ مَوْلَى الْمَوْلَى ثُمَّ عَصَبَاتُهُ كَذَلِكَ أَبَدًا (وَهُوَ هُنَا الِابْنُ وَإِنْ نَزَلَ) فَيُقَدَّمُ عَلَى أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالْمِيرَاثِ وَأَقْوَى فِي التَّعْصِيبِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْأَبُ النَّسِيبُ؛ لِزِيَادَةِ شَفَقَتِهِ وَفَضِيلَةِ وِلَادَتِهِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي أَبِي الْمُعْتِقِ، فَرَجَعَ فِيهِ إلَى الْأَصْلِ، وَإِذَا كَانَ (ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ فَكَأَخٍ لِأَبَوَيْنِ) وَأَخٍ لِأَبٍ، أَيْ: فَيُقَدَّمُ ابْنُ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ مِنْ أُمٍّ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْقَاضِي وَطَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ (ثُمَّ) عِنْدَ عَدَمِ عَصَبَةِ النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ يَلِي نِكَاحَ حُرَّةٍ (السُّلْطَانُ) لِأَنَّهُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا (وَهُوَ الْإِمَامُ) الْأَعْظَمُ (أَوْ نَائِبُهُ) الْحَاكِمُ أَوْ مَنْ فَوَّضْنَا إلَيْهِ الْأَنْكِحَةَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْأَمِيرَ لَا يُزَوِّجُ، وَهُوَ مُقْتَضَى نَصِّ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: الْقَاضِي يَقْضِي فِي الْفُرُوجِ وَالْحُدُودِ وَالرَّجْمِ، وَصَاحِبِ الشُّرَطِ إنَّمَا هُوَ مُسَلَّطٌ فِي الْأَدَبِ وَالْجِنَايَةِ، لَيْسَ إلَيْهِ الْمَوَارِيثُ وَالْوَصَايَا وَالْفُرُوجُ وَالرَّجْمُ وَالْحُدُودُ، وَهُوَ إلَى الْقَاضِي أَوْ إلَى الْخَلِيفَةِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ المروذي - فِي الرُّسْتَاقِ يَكُونُ فِيهِ الْوَالِي، وَلَيْسَ فِيهِ قَاضٍ يُزَوِّجُ إذَا احْتَاطَ لَهَا فِي الْمَهْرِ وَالْكُفْءِ -: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَظْهَرُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ (وَلَوْ) كَانَ الْإِمَامُ أَوْ الْحَاكِمُ (مِنْ بُغَاةٍ إذَا اسْتَوْلَوْا عَلَى بَلَدٍ) لِأَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ سُلْطَانِهِمْ وَقَاضِيهِمْ مَجْرَى حُكْمِ الْإِمَامِ وَقَاضِيهِ.
وَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ خُلُوَّهَا مِنْ الْمَوَانِعِ وَأَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا، زُوِّجَتْ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ.
ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ ".
فَائِدَةٌ وَمَنْ حَكَّمَهُ الزَّوْجَانِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ صَالِحٌ لِلْحُكْمِ؛ فَهُوَ كَحَاكِمٍ مُوَلًّى مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَلَا وِلَايَةَ لِمَنْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى يَدَيْهِ، وَلَا لِمُلْتَقِطٍ؛ لِأَنَّهُ لَا نَسَبَ وَلَا وَلَاءَ؛ لِحَدِيثِ: «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» .
(فَإِنْ عُدِمَ الْكُلُّ) أَيْ: كُلُّ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، أَوْ عَضَلَ وَلِيُّهَا، وَلَمْ
يُوجَدْ غَيْرُهُ، وَعُدِمَ السُّلْطَانُ وَنَائِبُهُ مِنْ الْمَحَلِّ الَّذِي بِهِ الْحُرَّةُ (زَوَّجَهَا ذُو سُلْطَانٍ فِي مَكَانِهَا كَعَضْلِ) أَوْلِيَائِهَا مَعَ عَدَمِ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ فِي مَكَانِهَا، فَيُزَوِّجُهَا وَالِي الْبَلَدِ أَوْ كَبِيرُهُ أَوْ أَمِيرُ الْقَافِلَةِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ سَلْطَنَةً؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَ الْأَيَامَى فَرْضُ كِفَايَةٍ إجْمَاعًا، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) ذُو سُلْطَانٍ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ (زَوَّجَهَا عَدْلٌ بِإِذْنِهَا قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي دِهْقَانِ قَرْيَةٍ) بِكَسْرِ - الدَّالِ وَتُضَمُّ وَدَهَقَ الرَّجُلُ وَتَدَهْقَنَ: كَثُرَ مَالُهُ - (أَيْ: رَئِيسِهَا -: يُزَوِّجُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا إذَا احْتَاطَ لَهَا فِي الْكُفْءِ وَالْمَهْرِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَاضٍ) لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْوَالِي فِي هَذَا الْحَالِ يَمْنَعُ النِّكَاحَ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَجُزْ كَاشْتِرَاطِ كَوْنِ الْوَلِيِّ عَصَبَةً فِي حَقِّ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهَا.
(وَإِنْ كَانَ) فِي الْبَلَدِ حَاكِمٌ (وَأَبَى التَّزْوِيجَ إلَّا بِظُلْمٍ كَطَلَبِهِ جُعْلًا لَا يَسْتَحِقُّهُ) إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ، أَوْ طَلَبَ زِيَادَةً عَلَى جُعْلِ مِثْلِهِ (فَوُجُودُهُ) أَيْ: الْحَاكِمِ (كَعَدَمِهِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ " وَغَيْرُ عَاصِبٍ كَأَخٍ لِأُمٍّ وَخَالٍ وَعَمِّ لِأُمٍّ وَأَبِيهَا " حُكْمُهُ (كَأَجْنَبِيٍّ) إذْ لَا وِلَايَةَ بِغَيْرِ الْعَصَبَاتِ النَّسَبِيَّةِ وَالسَّبَبِيَّةِ.
(وَوَلِيُّ أَمَةٍ وَلَوْ) كَانَتْ (آبِقَةَ سَيِّدُهَا) الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهَا، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِي رَقَبَتِهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ؛ فَفِي التَّزْوِيجِ أَوْلَى (وَلَوْ) كَانَ السَّيِّدُ (فَاسِقًا) لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ أَوْ كَانَ (مُكَاتَبًا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ) فِي تَزْوِيجِ إمَائِهِ.
(وَمَنْ تَعَدَّدَ سَيِّدُهُ فَ) الْوِلَايَةُ (لِلْكُلِّ) وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ الِاسْتِقْلَالُ بِهَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ كَمَا لَا يَبِيعُهَا وَلَا يُؤَجِّرُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَا يَتَأَتَّى تَزْوِيجُ نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَشَقَّصُ، فَإِنْ اشْتَجَرَ مَالِكُوهَا لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ وِلَايَةٌ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِمُكَلَّفٍ رَشِيدٍ حَاضِرٍ، وَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ.
(وَيَتَّجِهُ مَعَ عَضْلِ) أَيْ: امْتِنَاعِ (بَعْضِهِمْ) أَيْ: الشُّرَكَاءِ مِنْ تَزْوِيجِهَا أَوْ غَيْبَةِ ذَلِكَ الْبَعْضِ (قِيَامُ حَاكِمٍ مَقَامَهُ) أَيْ: مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ أَوْ الْغَائِبِ مِنْهُمْ؛ فَيُزَوِّجُهَا مَعَ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ: بِطَلَبِهَا دَفْعًا لِضَرَرِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ فَإِنْ أَعْتَقُوهَا مَعًا أَوْ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ، وَالْأَوَّلُ مُعْسِرٌ، وَلَيْسَ لَهَا عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ؛ فَهُمْ أَوْلِيَاؤُهَا
يُزَوِّجُونَهَا بِإِذْنِهَا، وَلَوْ تَفَاوَتُوا فِي الْعِتْقِ، فَإِنْ اشْتَجَرُوا قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ حُرَّةً، وَصَارَ نِكَاحُهَا حَقًّا لَهَا، وَلَا يَسْتَقِلُّ الْآخِرُ بِهِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ سَبَبُهَا الْعِتْقُ، وَهُوَ إنَّمَا أَعْتَقَ بَعْضَهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ أَوْ الْمُعْتِقَةُ وَاحِدًا وَلَهُ عَصَبَتَانِ كَالِابْنَيْنِ وَالْأَخَوَيْنِ، فَلِأَحَدِهِمَا الِاسْتِقْلَالُ بِتَزْوِيجِهَا بِإِذْنِهَا، كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ، وَإِنَّمَا زَوَّجَ بِكَوْنِهِ عَصَبَةً لِلْمُعْتِقِ، وَلَا تَبَعُّضَ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمُعْتَقَيْنِ وَعَصَبَتَيْهِمَا؛ وَلَا تَزُولُ الْوِلَايَةُ بِالْإِغْمَاءِ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ عَادَةً كَالنَّوْمِ، وَلَا بِالْعَمَى لِأَنَّ الْأَعْمَى أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ، فَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ كَالْبَصِيرِ، وَلَا بِالسَّفَهِ؛ لِأَنَّ رُشْدَ الْمَالِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي النِّكَاحِ، وَأَمَّا الْخَرَسُ فَإِنْ مَنَعَ فَهْمَ الْإِشَارَةِ أَزَالَ الْوِلَايَةَ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْهَا لَمْ تَزُلْ الْوِلَايَةُ؛ لِأَنَّ الْأَخْرَسَ يَصِحُّ تَزَوُّجُهُ؛ فَصَحَّ تَزْوِيجُهُ، كَالنَّاطِقِ.
(وَشُرِطَ فِي وَلِيٍّ) سَبْعَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا - (ذُكُورِيَّةٌ) لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَثْبُتُ لَهَا وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِهَا فَعَلَى غَيْرِهَا أَوْلَى.
(وَ) الثَّانِي - (بُلُوغٌ) لِأَنَّ الْوِلَايَةَ يُعْتَبَرُ لَهَا كَمَالُ الْحَالِ؛ لِأَنَّهَا تَنْفِيذُ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ مَوْلًى عَلَيْهِ لِقُصُورِ نَظَرِهِ؛ فَلَا تَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةٌ كَالْمَرْأَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُزَوَّجُ الْغُلَامُ حَتَّى يَحْتَلِمَ، لَيْسَ لَهُ أَمْرٌ.
(وَ) الثَّالِثُ - (عَقْلٌ) فَلَا وِلَايَةَ لِمَجْنُونٍ مُطْبِقٍ (فَإِنْ جُنَّ) الْوَلِيُّ (أَحْيَانًا) أَوْ نَقَصَ عَقْلُهُ بِنَحْوِ مَنْ يُرْجَى زَوَالُهُ، أَوْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (اُنْتُظِرَ) زَوَالُهُ ذَلِكَ (كَإِغْمَاءٍ) لِأَنَّ مُدَّتَهُ لَا تَطُولُ عَادَةً (وَلَا يَنْعَزِلُ وَكِيلُهُ) بِطَرَيَانِ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْوِلَايَةَ.
(وَ) الرَّابِعُ - (حُرِّيَّةٌ)
أَيْ: كَمَالُهَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَالْمُبَعَّضَ لَا يَسْتَقِلَّانِ بِالْوِلَايَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَعَلَى غَيْرِهِمَا أَوْلَى (إلَّا مُكَاتَبًا يُزَوِّجُ أَمَتَهُ) بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَيَصِحُّ، وَتَقَدَّمَ.
وَالْخَامِسُ - (اتِّفَاقُ دِينِ) الْوَلِيِّ وَالْمُوَلَّى عَلَيْهَا، فَلَا وِلَايَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمَةٍ، وَكَذَا عَكْسُهُ، وَلَا لِنَصْرَانِيٍّ عَلَى مَجُوسِيَّةٍ وَنَحْوُهُ وَلَوْ بِنْتِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ
جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا بِالنَّسَبِ (إلَّا السُّلْطَانَ) فَيُزَوِّجُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا مِنْ الْكَوَافِرِ، لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ عَلَى أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهَذِهِ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، فَتَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا كَالْمُسْلِمَةِ (وَإِلَّا أَمَةَ كَافِرٍ لِمُسْلِمٍ) فَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا لِكَافِرٍ، وَكَذَا أَمَةٌ كَافِرَةٌ لِمُسْلِمَةٍ، فَيُزَوِّجُهَا وَلِيُّ سَيِّدَتِهَا عَلَى مَا سَبَقَ (وَإِلَّا أُمَّ وَلَدٍ لِكَافِرٍ أَسْلَمَتْ) فَيُزَوِّجُهَا لِمُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ.
وَلِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهَا فَيَلِيَهُ كَإِجَارَتِهَا (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا) يَلِي كَافِرٌ نِكَاحَ (مُدَبَّرَتِهِ وَلَا مُكَاتَبَتِهِ) إذَا أَسْلَمَتَا، قَالَهُ فِي " الْهِدَايَةِ "، " وَالْمَذْهَبِ " " وَالْخُلَاصَةِ " وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَبْقَيَانِ فِي مِلْكِهِ؛ لِصِحَّةِ بَيْعِهِمَا، بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ فِي الْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ، فَإِنْ قَالَ: وَلَا يَلِي كَافِرٌ نِكَاحَ مُسْلِمَةٍ وَلَوْ بِنْتِهِ إلَّا إذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِهِ وَمُكَاتَبَتُهُ وَمُدَبَّرَتُهُ؛ فَيَلِيَهُ، وَيُبَاشِرُهُ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
(وَ) السَّادِسُ - (عَدَالَةٌ) نَصًّا؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا نِكَاحَ إلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَوَلِيٍّ مُرْشِدٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
«لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَهَا وَلِيٌّ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» وَرَوَى الْبَرْقَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» وَلِأَنَّهَا وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ؛ فَلَا يَسْتَبِدُّ بِهَا الْفَاسِقُ كَوِلَايَةِ الْمَالِ (وَلَوْ) كَانَتْ الْعَدَالَةُ (ظَاهِرَةً) فَيَكْفِي مَسْتُورُ الْحَالِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْعَدَالَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ، وَيُفْضِي إلَى بُطْلَانِ غَالِبِ الْأَنْكِحَةِ (إلَّا فِي سُلْطَانٍ) يُزَوِّجُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا؛ فَلَا تُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ لِلْحَاجَةِ؛ (وَ) إلَّا فِي (سَيِّدِ أَمَةٍ) فَلَا تُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِهِ؛ كَمَا لَوْ أَجَرَهَا.
(وَ) السَّابِعُ - (رُشْدٌ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، (وَهُوَ) أَيْ: الرُّشْدُ هُنَا (مَعْرِفَةُ الْكُفْءِ وَمَصَالِحِ النِّكَاحِ) وَلَيْسَ هُوَ حِفْظَ الْمَالِ، فَإِنَّ رُشْدَ كُلِّ مَقَامٍ بِحَسَبِهِ.
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا اشْتَرَطَهُ فِي " الْوَاضِحِ " مِنْ كَوْنِهِ عَالِمًا بِالْمَصَالِحِ، لَا شَيْخًا كَبِيرًا جَاهِلًا بِالْمَصْلَحَةِ.
وَقَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا، وَيُقَدِّمُ الْوَلِيُّ أَصْلَحَ الْخَاطِبَيْنِ لِمُوَلِّيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَظُّ لَهَا.
وَفِي " النَّوَادِرِ ": يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ لِمُوَلِّيَتِهِ
حَسَنَ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ يُعْجِبُهَا مِنْ الرَّجُلِ مَا يُعْجِبُهُ مِنْهَا.
(فَإِنْ كَانَ الْأَقْرَبُ مِنْ) أَوْلِيَاءِ الْحُرَّةِ (نَحْوِ طِفْلٍ) يَعْنِي غَيْرَ بَالِغٍ (وَكَافِرٍ وَفَاسِقٍ) ظَاهِرِ الْفِسْقِ (وَقِنٍّ وَمَجْنُونٍ مُطْبِقٍ وَشَيْخٍ إذَا أَفْنَدَ) أَيْ: ضَعُفَ فِي الْعَقْلِ وَالتَّصَرُّفِ.
قَالَ فِي " الْقَامُوسِ " الْفَنَدُ بِالتَّحْرِيكِ: إنْكَارُ الْعَقْلِ لِهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ، وَالْخَطَأُ فِي الْقَوْلِ وَالرَّأْيِ وَالْكَذِبُ كَالْإِفْنَادِ، وَلَا تَقُلْ: عَجُوزٌ مُفْنِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ ذَاتَ رَأْيٍ أَبَدًا (أَوْ) اتَّصَفَ الْأَقْرَبُ بِصِفَاتِ الْوِلَايَةِ، لَكِنْ (عَضَلَ بِأَنْ مَنَعَهَا كُفْئًا رَضِيَتْهُ وَرَغِبَ) فِيهَا (بِمَا صَحَّ مَهْرًا) وَلَوْ كَانَ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا (وَيَفْسُقُ) الْوَلِيُّ (بِهِ) أَيْ: الْعَضْلِ (إنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أَنَّهُ يَفْسُقُ إذَا تَكَرَّرَ الْعَضْلُ مِنْهُ (ثَلَاثًا) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ بِالْعَضْلِ صَارَ فَاسِقًا؛ لِأَنَّ الْعَضْلَ قَدْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ حَتَّى يَتَكَرَّرَ، فَإِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ بِأَنْ خَطَبَهَا كُفْءٌ، فَمَنَعَ، وَآخَرُ فَمَنَعَ؛ وَآخَرُ فَمَنَعَ، صَارَ ذَلِكَ كَبِيرَةً تَمْنَعُ الْوِلَايَةَ؛ لِأَجْلِ الْإِضْرَارِ، وَلِأَجْلِ الْفِسْقِ: نَقَلَهُ الشَّيْخُ التَّقِيُّ فِي " الْمُسَوَّدَةِ " (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ) أَيْ الْعَاضِلَ مُوَلِّيَتَهُ عَنْ التَّزْوِيجِ بِكُفْءٍ رَضِيَتْهُ (لَا يُزَوِّجُ) مُوَلِّيَةً أُخْرَى (غَيْرَ مَعْضُولَةٍ) مِنْ جِهَتِهِ (بِفِسْقِهِ) بِعَضْلِهِ الْأُولَى وَفِقْدَانِهِ الْعَدَالَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ أَهَمِّ شُرُوطِ الْوِلَايَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمِنْ) صُوَرِ (الْعَضْلِ) الْمُسْقِطِ لِوِلَايَتِهِ (لَوْ امْتَنَعَ الْخُطَّابُ لِشِدَّةِ الْوَلِيِّ.
قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ عَلَى الْوَلِيِّ هُنَا، لَأَنْ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ فِي ذَلِكَ (أَوْ غَابَ) الْأَقْرَبُ (غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً) وَلَمْ يُوَكِّلْ مَنْ يُزَوِّجَ؛ زَوَّجَ الْوَلِيُّ الْأَبْعَدُ (وَهِيَ) أَيْ: الْغَيْبَةُ الْمُنْقَطِعَةُ (مَا لَا تُقْطَعُ إلَّا بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ غَيْبَتُهُ (فَوْقَ مَسَافَةِ قَصْرٍ أَوْ دُونِهَا) قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ، فَإِنَّ التَّحْدِيدَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ، وَلَا تَوْقِيفَ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " لِتَحْدِيدِهِ الْمَسَافَةَ بِقَوْلِهِ: وَتَكُونُ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " هُوَ احْتِمَالٌ مَرْجُوحٌ (أَوْ جُهِلَ مَكَانُهُ) أَيْ الْأَقْرَبُ، بِأَنْ لَمْ يُعْلَمْ مَحَلُّهُ أَقَرِيبٌ هُوَ أَمْ بَعِيدٌ، أَوْ عُلِمَ
أَنَّهُ قَرِيبٌ، وَلَمْ يُعْلَمْ مَكَانُهُ (أَوْ تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَتُهُ) أَيْ: الْأَقْرَبِ (بِأَمْرٍ أَوْ) تَعَسَّرَتْ مُرَاجَعَتُهُ (بِحَبْسٍ) وَلَوْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ (زَوَّجَ) فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا (حُرَّةً) وَلِيٌّ (أَبْعَدُ) وَهُوَ الَّذِي يَلِي الْأَقْرَبَ الْمَذْكُورَ فِي الْوِلَايَةِ أَمَّا إذَا كَانَ طِفْلًا أَوْ كَافِرًا وَهِيَ مُسْلِمَةٌ، أَوْ فَاسِقًا أَوْ عَبْدًا، فَلِعَدَمِ ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ لِلْأَقْرَبِ مَعَ اتِّصَافِهِ بِمَا ذُكِرَ؛ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَأَمَّا مَعَ عَضْلِ الْأَقْرَبِ أَوْ غَيْبَتِهِ الْغَيْبَةَ الْمَذْكُورَةَ، أَوْ تَعَذُّرِ مُرَاجَعَتِهِ فَلِتَعَذُّرِ التَّزْوِيجِ مِنْ جِهَتِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ جُنَّ، فَإِنْ عَضَلُوا كُلُّهُمْ زَوَّجَهَا حَاكِمٌ.
(وَ) زَوَّجَ (أَمَةً حَاكِمٌ) ؛ لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا فِي مَالِ الْغَائِبِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ الْحَاكِمَ يُزَوِّجُ أَمَةَ مَنْ عُذِرَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ (إنْ كَانَ لَا وَلِيَّ لَهَا) أَيْ: الْأَمَةِ (غَيْرُهُ) أَيْ: غَيْرُ سَيِّدِهَا الْمَعْذُورِ، أَمَّا إذَا كَانَتْ مُشْتَرَكَةً، وَاضْطُرَّتْ لِلْفِرَاشِ؛ فَلِلْحَاضِرِ تَزْوِيجُهَا كَالْحُرَّةِ يُزَوِّجُهَا الْأَبْعَدُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَقْرَبِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ زَوَّجَ) امْرَأَةً (حَاكِمٌ) مَعَ وُجُودِ وَلِيِّهَا؛ لَمْ يَصِحَّ (أَوْ) زَوَّجَهَا وَلِيٌّ (أَبْعَدُ بِلَا عُذْرٍ لِلْأَقْرَبِ) إلَيْهَا مِنْهُ (لَمْ يَصِحَّ) وَلَوْ أَجَازَهُ الْأَقْرَبُ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ وَالْأَبْعَدَ لَا وِلَايَةَ لَهُمَا مَعَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِنْهُمَا؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ زَوَّجَهَا أَجْنَبِيٌّ (فَلَوْ كَانَ الْأَقْرَبُ) عِنْدَ تَزْوِيجِ الْحَاكِمِ، أَوْ الْأَبْعَدِ (لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ عَصَبَةٌ) ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يُعِدْ (أَوْ) كَانَ الْمَعْهُودُ عَدَمَ أَهْلِيَّةِ الْأَقْرَبِ لِصِغَرٍ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ (صَارَ) أَهْلًا (أَوْ عَادَ أَهْلًا) فَزَوَّجَ (بَعْدَ مُنَافٍ) كَالْجُنُونِ (ثُمَّ عَلِمَ) أَنَّهُ صَارَ أَهْلًا أَوْ عَادَ أَهْلًا قَبْلَ تَزْوِيجِهَا؛ لَمْ يُعِدْ الْعَقْدَ (أَوْ اسْتَلْحَقَ بِنْتَ مُلَاعَنَةٍ أَبٌ بَعْدَ عَقْدِ) وَلِيِّهَا عَلَيْهَا (لَمْ يُعِدْ) الْعَقْدَ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ.
(وَيَلِي كِتَابِيٌّ نِكَاحَ مُوَلِّيَتِهِ) كَبِنْتِهِ وَأُخْتِهِ (الْكِتَابِيَّةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 73] (حَتَّى) فِي تَزْوِيجِهَا (مِنْ مُسْلِمٍ) ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهَا، فَيَصِحُّ أَنْ يُزَوِّجَهَا
مِنْهُ؛ كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا مِنْ كَافِرٍ (وَيُبَاشِرُهُ) أَيْ: النِّكَاحَ، لِأَنَّهُ وَلِيٌّ مُنَاسِبٌ لَهَا، فَجَازَ لَهُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا وَمُبَاشَرَتُهُ.
(وَيُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ: كَافِرٍ يُزَوِّجُ مُوَلِّيَتَهُ الْكَافِرَةَ (شُرُوطُ) الْوَلِيِّ (الْمُسْلِمِ) مِنْ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالذُّكُورَةِ وَالْعَدَالَةِ فِي دِينِهِ وَالرُّشْدِ وَالْحُرِّيَّةِ وَاتِّفَاقِ الدِّينِ.
تَتِمَّةٌ
لَوْ تَزَوَّجَ الْأَجْنَبِيُّ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَوْ زَوَّجَ الْوَلِيُّ مُوَلِّيَتَهُ الَّتِي: يُعْتَبَرُ إذْنُهَا كَأُخْتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا، أَوْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ.
وَلَوْ أَجَازُوا بَعْدَ الْعَقْدِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ» - وَفِي لَفْظٍ " فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ "؛ وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَمْ تَثْبُتْ أَحْكَامُهُ مِنْ الطَّلَاقِ، وَالْخُلْعِ وَالتَّوَارُثِ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ كَنِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ، وَهُوَ نِكَاحُ الْفُضُولِيِّ، فَإِنْ وَطِئَ فِيهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
[فَصْلٌ الْوَكِيلُ يَقُومُ مَقَامَ الولى فِي الزَّوَاج غَائِبًا وَحَاضِرًا]
فَصْلٌ (وَوَكِيلُ كُلِّ وَلِيٍّ) مِمَّنْ تَقَدَّمَ (يَقُومُ مَقَامَهُ غَائِبًا وَحَاضِرًا) مُجْبِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَجَازَ التَّوْكِيلُ، فِيهِ كَالْبَيْعِ، وَقِيَاسًا عَلَى تَوْكِيلِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِهِ مَيْمُونَةَ؛ وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ» .
(وَالْوَلِيُّ لَيْسَ بِوَكِيلٍ لِلْمَرْأَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ وِلَايَتُهُ مِنْ جِهَتِهَا (وَإِلَّا مَلَكَتْ عَزْلَهُ) كَسَائِرِ الْوُكَلَاءِ وَإِنَّمَا إذْنُهَا حَيْثُ اُعْتُبِرَ، شَرْطٌ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ، فَأَشْبَهَ وِلَايَةَ الْحَاكِمِ عَلَيْهَا، وَحَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَيْسَ وَكِيلًا عَنْهَا (فَلَهُ تَوْكِيلُ) مَنْ يُوجِبُ نِكَاحَهَا (بِلَا إذْنِهَا) وَقَبْلَ إذْنِهَا لَهُ فِي تَزْوِيجِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً، لِأَنَّهُ إذْنٌ مِنْ الْوَلِيِّ فِي التَّزْوِيجِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْمَرْأَةِ وَلَا الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ كَإِذْنِ الْحَاكِمِ، وَ (لَا) يَمْلِكُ الْوَلِيُّ تَوْكِيلًا فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِ (إنْ وَكَّلَتْ) هِيَ (غَيْرَهُ) أَيْ: غَيْرَ وَلِيِّهَا، كَمَا لَوْ وَكَّلَتْ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ (وَلَوْ) كَانَ تَوْكِيلُهَا لِلْبَعِيدِ (بِإِذْنِهِ) أَيْ: وَلِيِّهَا، فَلَوْ وَكَّلَ فِي هَذِهِ الْحَالِ؛ لَمْ يَصِحَّ تَوْكِيلُهُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ صَحَّ بِدُونِ إذْنِهَا، لَكِنَّ صِحَّةَ تَصَرُّفِ وَكِيلِ الْوَلِيِّ مَوْقُوفَةٌ عَلَى اسْتِئْذَانِهَا، وَقَدْ سَبَقَ صُدُورُ الْإِذْنِ مِنْهَا لِغَيْرِهِ؛ فَلَمْ يَصِحَّ تَوْكِيلُهُ لِذَلِكَ.
(وَيَثْبُتُ لِوَكِيلِ) وَلِيٍّ (مَا) يَثْبُتُ (لِوَلِيٍّ مِنْ إجْبَارٍ وَغَيْرِهِ) ، فَإِنْ كَانَ لِلْوَلِيِّ الْإِجْبَارُ ثَبَتَ ذَلِكَ لِوَكِيلِهِ، وَإِنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ وِلَايَةَ مُرَاجَعَةٍ احْتَاجَ الْوَكِيلُ إلَى مُرَاجَعَةِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ فَيَثْبُتُ لَهُ مِثْلُ مَا يَثْبُتُ لِلْمَنُوبِ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي السُّلْطَانِ وَالْحَاكِمِ يَأْذَنُ لِغَيْرِهِ فِي التَّزْوِيجِ، فَيَكُونُ الْمَأْذُونُ لَهُ قَائِمًا مَقَامَهُ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يَثْبُتُ لِوَكِيلِ الْوَلِيِّ مَا يَثْبُتُ لِمُوَكِّلِهِ (كَعَدَالَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا مُشْتَرَطَةٌ فِي الْوَلِيِّ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجِبَ الْوَكِيلُ نِكَاحًا عَمَّنْ لَا يَصِحُّ مِنْهُ إيجَابُهُ لِمُوَلِّيَتِهِ، لِنَحْوِ جُنُونٍ (وَفِسْقٍ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ؛ فَلَأَنْ لَا يَجُوزَ بِالنِّيَابَةِ عَنْهُ أَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِ) امْرَأَةٍ (غَيْرِ مُجْبَرَةٍ لِوَكِيلِ) وَلِيِّهَا؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ غَيْرِ مُجْبِرٍ، فَيَثْبُتُ لَهُ مَا يَثْبُتُ لِمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ (فَلَا يَكْفِي إذْنُهَا لِوَلِيِّهَا بِتَزْوِيجٍ) مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ وَكِيلٍ لَهَا وَإِذْنُهَا لَهُ بَعْدَ تَوْكِيلِهِ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَكْفِي إذْنُهَا لِوَلِيِّهَا (بِتَوْكِيلٍ فِيهِ) أَيْ: التَّزْوِيجِ (بِلَا مُرَاجَعَةِ وَكِيلٍ لَهَا) أَيْ: لِغَيْرِ الْمُجْبَرَةِ فِي التَّزْوِيجِ (وَإِذْنُهَا) لِلْوَكِيلِ فِي التَّزْوِيجِ (بَعْدَ تَوْكِيلِهِ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُعْتَبَرُ إذْنُهَا فِيهِ لِلْوَكِيلِ هُوَ غَيْرُ مَا يُوَكِّلُ فِيهِ الْمُوَكِّلُ؛ فَهُوَ كَالْمُوَكَّلِ فِي ذَلِكَ، وَلَا أَثَرَ لِإِذْنِهَا لَهُ قَبْلَ أَنْ يُوَكِّلَ الْوَلِيُّ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ وَبَعْدَ تَوَكُّلِهِ كَوَلِيٍّ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": فَيُؤْخَذُ مِنْهُ لَوْ أَذِنَتْ لِلْأَبْعَدِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مَعَ أَهْلِيَّةِ الْأَقْرَبِ، ثُمَّ انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ
لِلْأَبْعَدِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاجَعَتِهِ لَهَا بَعْدَ انْتِقَالِ الْوِلَايَةِ.
(فَلَوْ وَكَّلَ وَلِيُّ) غَيْرِ مُجْبَرَةٍ فِي تَزْوِيجِهَا (بِلَا إذْنِهَا ثُمَّ أَذِنَتْ لِوَكِيلِهِ) أَيْ: وَكِيلِ وَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا، فَزَوَّجَهَا (صَحَّ) النِّكَاحُ وَلَوْ لَمْ تَأْذَنْ لِلْوَلِيِّ فِي التَّزْوِيجِ أَوْ التَّوْكِيلِ، لِقِيَامِ وَكِيلِهِ مَقَامَهُ (وَيُشْتَرَطُ فِي وَكِيلِ وَلِيٍّ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ: الْوَلِيِّ، مِنْ ذُكُورَةٍ وَبُلُوغٍ وَعَقْلٍ وَعَدَالَةٍ وَرُشْدٍ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُبَاشِرَهَا غَيْرُ أَهْلِهَا، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْلِكْ تَزْوِيجَ مُوَلِّيَتِهِ أَصَالَةً فَلِئَلَّا يَمْلِكَ تَزْوِيجَ مُوَلِّيَةِ غَيْرِهِ بِالتَّوْكِيلِ أَوْلَى.
(وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ فَاسِقٍ) فِي قَبُولِ نِكَاحٍ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ قَبُولُهُ لِنَفْسِهِ، فَصَحَّ لِغَيْرِهِ (وَكَذَا كِتَابِيٌّ) وَكَّلَهُ مُسْلِمٌ (فِي قَبُولِ) نِكَاحِ (كِتَابِيَّةٍ) لِصِحَّةِ قَبُولِ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ.
(وَيَصِحُّ تَوْكِيلٌ) مِنْ وَلِيٍّ فِي إيجَابِ النِّكَاحِ تَوْكِيلًا (مُطْلَقًا) وَيَصِحُّ إذْنُهَا لِوَلِيِّهَا فِي الْعَقْدِ إذْنًا مُطْلَقًا؛ كَقَوْلِهَا لِوَلِيِّهَا: زَوِّجْ مَنْ شِئْت أَوْ مَنْ تَرْضَاهُ، وَقَوْلُ وَلِيٍّ لِوَكِيلِهِ (زَوِّجْ مَنْ شِئْت) أَوْ مَنْ تَرْضَاهُ، رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ تَرَكَ ابْنَتَهُ عِنْدَ عُمَرَ، وَقَالَ: إذَا وَجَدْت كُفْئًا فَزَوِّجْهُ وَلَوْ بِشِرَاكِ نَعْلِهِ، فَزَوَّجَهَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ؛ فَهِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ، فَلَمْ يُنْكَرْ، وَكَالتَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ (وَيَتَقَيَّدُ) الْوَلِيُّ إذَا أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا، وَأَطْلَقَتْ بِالْكُفْءِ؛ وَكَذَلِكَ وَكِيلُهُ الْمُطْلَقُ يَتَقَيَّدُ (بِالْكُفْءِ) وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ.
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فِي " شَرْحِ الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يُحْمَلُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ فِيهِ.
(وَلَا يَمْلِكُ) وَكِيلٌ بِالتَّوْكِيلِ الْمُطْلَقِ (أَنْ يُزَوِّجَهَا لِنَفْسِهِ) كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ لَا يَبِيعُ لِنَفْسِهِ، وَكَذَا الْوَلِيُّ، إذَا أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَأَطْلَقَتْ، فَلَا يَمْلِكُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، لِأَنَّ إطْلَاقَ الْإِذْنِ يَقْتَضِي تَزْوِيجَهَا غَيْرَهُ.
قَطَعَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " " وَالْمُبْدِعِ " فِي آخِرِ تَوَلِّي طَرَفَيْ الْعَقْدِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
(وَيَجُوزُ) لِلْوَكِيلِ الْمُطْلَقِ وَلِلْوَلِيِّ إذَا أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا، وَأَطْلَقَتْ أَنْ يُزَوِّجَهَا (لِوَلَدِهِ) وَوَالِدِهِ وَأَخِيهِ وَنَحْوِهِمْ إذَا كَانَ كُفْئًا؛ لِتَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُمْ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُ لِمَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ، لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ رُكْنٌ فِي الْبَيْعِ، بِخِلَافِ الصَّدَاقِ.
(وَ) يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ (مُقَيَّدًا كَزَوِّجْ زَيْدًا) أَوْ زَوِّجْ هَذَا، فَلَا يُزَوِّجُ غَيْرَهُ؛ لِقُصُورِ وِلَايَتِهِ (وَ) إنْ قَالَ وَلِيٌّ لِوَكِيلِهِ (زَوِّجْ) مِنْ وَكِيلِ خَاطِبِ بِنْتِي زَيْدًا، أَوْ مِنْ أَحَدِ وَكِيلِيهِ.
(أَوْ) قَالَ خَاطِبٌ لِوَكِيلِهِ فِي قَبُولِ نِكَاحٍ (اقْبَلْ) النِّكَاحَ (مِنْ وَكِيلِهِ) أَيْ: وَكِيلِ وَلِيِّ الْمَخْطُوبَةِ (زَيْدًا وَ) قَالَ خَاطِبٌ لِوَكِيلٍ: اقْبَلْ مِنْ (أَحَدِ وَكِيلَيْهِ) وَأَبْهَمَ، وَلَهُ وَكِيلَانِ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، فَزَوَّجَ وَكِيلُ وَلِيٍّ مِنْ وَكِيلِ زَوْجٍ عَمْرٍو فِي الْأُولَيَيْنِ؛ لَمْ يَصِحَّ (أَوْ قَبِلَ) وَكِيلُ الزَّوْجِ النِّكَاحَ (مِنْ وَكِيلِهِ) أَيْ الْوَلِيِّ (عَمْرو) فِي الْأُخْرَيَيْنِ (لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ؛ لِلْمُخَالَفَةِ فِيمَا إذَا قَالَ: مِنْ وَكِيلِهِ زَيْدٍ، وَلِلْإِبْهَامِ فِيمَا إذَا قَالَ: مِنْ أَحَدِ وَكِيلِيهِ.
(وَيُشْتَرَطُ) لِنِكَاحٍ فِيهِ تَوْكِيلٌ وَقَبُولٌ (قَوْلُ وَلِيٍّ) لِوَكِيلٍ: زَوِّجْ (أَوْ قَوْلُ وَكِيلِهِ) أَيْ الْوَلِيِّ (لِوَكِيلِ زَوْجٍ: زَوَّجْت فُلَانَةَ) بِنْتَ فُلَانٍ (فُلَانًا) ابْنَ فُلَانٍ، وَيَنْسُبُهُ وَلَمْ يُنَبِّهْ، عَلَى ذَلِكَ هُنَا لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا سَبَقَ اشْتِرَاطُ تَعْيِينِ الزَّوْجَيْنِ، (أَوْ) زَوَّجْت فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ (لِفُلَانٍ) ابْنِ فُلَانٍ، أَوْ يَقُولُ وَلِيٌّ (أَوْ) وَكِيلُهُ (زَوَّجْت مُوَكِّلَك فُلَانًا فُلَانَةَ) بِنْتَ فُلَانٍ، وَلَا يَقُولُ زَوَّجْتُكَهَا وَنَحْوَهُ كَزَوَّجْتهَا مِنْك أَوْ أَنْكَحْتهَا.
(وَ) يُشْتَرَطُ (قَوْلُ وَكِيلِ زَوْجٍ: قَبِلْته) أَيْ النِّكَاحَ (لِمُوَكَّلِي فُلَانٍ أَوْ) قَبِلْته (لِفُلَانٍ) ابْنِ فُلَانٍ، فَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ؛ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ.
(وَيَتَّجِهُ صِحَّةُ مَا مَرَّ) تَمْثِيلُهُ مُقَيَّدًا (فِيمَا لَوْ) قَالَ مُوجِبُ النِّكَاحِ غَيْرُ الْأَبِ، زَوَّجْت فُلَانَةَ فُلَانًا أَوْ لِفُلَانٍ وَ (سَمَّاهَا بِاسْمِهَا) الَّذِي تَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَقُولَ: مُوَكِّلِي اكْتِفَاءً بِالتَّعْيِينِ، أَمَّا لَوْ كَانَ الْمُوجِبُ الْأَبَ، فَقَالَ: زَوَّجْتُك فُلَانَةَ (وَلَمْ يَقُلْ بِنْتِي) لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُشَارِكُهَا غَيْرُهَا بِمَا سَمَّاهَا؛ فَلَمْ يَصِحَّ لِذَلِكَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَوَصِيُّ وَلِيٌّ أَبٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَأَخٍ وَعَمٍّ لِغَيْرِ أُمٍّ (فِي) إيجَابِ (نِكَاحٍ) وَقَبُولِهِ (بِمَنْزِلَتِهِ) أَيْ: الْمُوصِي، لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، فَتُسْتَفَادُ وِلَايَةُ النِّكَاحِ بِالْوَصِيَّةِ
(إذَا نَصَّ) الْمُوصِي (لَهُ) أَيْ: الْوَصِيِّ (عَلَيْهِ) أَيْ: التَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ ثَابِتَةٌ لِلْوَلِيِّ فَجَازَتْ وَصِيَّتُهُ بِهَا كَوِلَايَةِ الْمَالِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا فِي حَيَاتِهِ، وَيَكُونُ نَائِبُهُ قَائِمًا مَقَامَهُ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا بَعْدَ مَوْتِهِ كَقَوْلِ وَصِيٍّ لِمُوصٍ إلَيْهِ: (جَعَلْتُك وَصِيًّا فِي نِكَاحِ بَنَاتِي أَوْ وَصَّيْت إلَيْك بِنِكَاحِهِنَّ) كَمَا يَقُولُ فِي الْمَالِ: وَصَّيْت إلَيْك بِالنَّظَرِ فِي أَمْوَالِ أَوْلَادِي، فَيَقُومُ الْوَصِيُّ مَقَامَهُ، وَيَتَقَدَّمُ عَلَى مَنْ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ مَنْ أَوْصَاهُ (فَيُجْبِرُ وَصِيٌّ مَنْ يُجْبِرُهُ مُوصٍ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ سَوَاءٌ عَيَّنَ لَهُ الزَّوْجَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ التَّزْوِيجَ إذَا عَيَّنَ لَهُ الزَّوْجُ مِلْكَهُ مَعَ الْإِطْلَاقِ، وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ لَيْسَ مُجْبِرًا كَأَبِي ثَيِّبٍ تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ وَأَخِيهَا وَعَمِّهَا وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَى إذْنِهَا؛ فَوَصِيُّهُ كَذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى إذْنِهَا كَوَكِيلِهِ (وَلَا خِيَارَ) لِمَنْ زَوَّجَهُ الْوَلِيُّ صَغِيرًا مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى (بِبُلُوغٍ) لِقِيَامِ الْوَصِيِّ مَقَامَ الْمُوصِي، فَلَمْ: يَثْبُتْ فِي تَزْوِيجِهِ خِيَارٌ كَالْوَكِيلِ (وَوَصِيٌّ فِي مَالٍ يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الْإِمَاءِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْمَالِ الَّذِي يَنْظُرُ فِيهِ، وَكَذَا إذَا وَصَّى إلَيْهِ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ أَوْلَادِهِ لَمْ يَمْلِكْ تَزْوِيجَ أَحَدِهِمْ.
(وَعَبْدٌ وَفَاسِقٌ وَمُمَيِّزٌ) لَا تَثْبُتُ لَهُمْ وِلَايَةٌ عَلَى غَيْرِهِمْ فَ (لَا يُوَكَّلُونَ) مِنْ قِبَلِ وَلِيٍّ فِي إيجَابِ نِكَاحِ مُوَلِّيَتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُمْ نِكَاحُ، مُوَلِّيَتِهِمْ فَمُوَلِّيَةُ غَيْرِهِمْ أَوْلَى (وَيَصِحُّ) أَنْ يَتَوَكَّلُوا عَنْ الزَّوْجِ فِي (قَبُولِهِ) أَيْ: النِّكَاحِ؛ لِصِحَّةِ قَبُولِهِ لِأَنْفُسِهِمْ، فَصَحَّ لِغَيْرِهِمْ وَتَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ اسْتَوَى وَلِيَّانِ فَأَكْثَرَ لِامْرَأَةٍ فِي دَرَجَةٍ]
فَصْلٌ (وَإِنْ اسْتَوَى وَلِيَّانِ فَأَكْثَرَ) لِامْرَأَةٍ فِي دَرَجَةٍ كَإِخْوَةٍ كُلُّهُمْ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ أَوْ بَنِي إخْوَةٍ كَذَلِكَ، أَوْ أَعْمَامٍ أَوْ بَنِيهِمْ كَذَلِكَ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ، تَعَيَّنَ، وَلَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ غَيْرِهِ، وَإِنْ أَذِنَتْ لَهُمْ كُلِّهِمْ (صَحَّ التَّزْوِيجُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) ؛ لِوُجُودِ سَبَبِ الْوِلَايَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ أَفْضَلِ) الْمُسْتَوِينَ فِي الدَّرَجَةِ عِلْمًا وَدَيْنًا لِيُزَوِّجَ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْفَضْلِ (فَأَسَنُّ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَدِمَ إلَيْهِ مُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَبِّرْ كَبِّرْ أَيْ: قَدِّمْ الْأَكْبَرَ، فَتَقَدَّمَ حُوَيِّصَةُ» ، وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْعَقْدِ فِي اجْتِمَاعِ شُرُوطِهِ وَالنَّظَرِ فِي الْأَحَظِّ (وَإِنْ تَشَاحُّوا) أَيْ: الْأَوْلِيَاءُ الْمُسْتَوُونَ فِي الدَّرَجَةِ، فَطَلَبَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنْ يُزَوِّجَ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي الْحَقِّ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ (فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُ مَنْ قُرِعَ) أَيْ: مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (فَزَوَّجَ وَقَدْ أَذِنَتْ لَهُمْ) أَيْ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (صَحَّ) التَّزْوِيجُ، لِأَنَّهُ صَدَرَ مِنْ وَلِيٍّ كَامِلِ الْوِلَايَةِ بِإِذْنِ مُوَلِّيَتِهِ، فَصَحَّ مِنْهُ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِالْوِلَايَةِ، وَلِأَنَّ الْقُرْعَةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِإِزَالَةِ الْمُشَاحَّةِ، وَإِلَّا تَأْذَنْ لَهُمْ، بَلْ لِبَعْضِهِمْ (تَعَيَّنَ مَنْ أَذِنَتْ لَهُ) فَيُزَوِّجُهَا دُونَ غَيْرِهِ إنْ لَمْ يَكُونُوا مُجْبِرِينَ، كَأَوْصِيَاءِ بِكْرٍ جَعَلَ أَبُوهَا لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ، فَأَيُّهُمْ عَقَدَ صَحَّ.
وَمَنْ أُلْحِقَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ أَبٍ لَا يَصِحُّ تَزْوِيجُهَا إلَّا مِنْهُمْ كَالْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ.
(وَإِنْ عَقَدَ وَلِيَّانِ) مُسْتَوِيَانِ فِي الدَّرَجَةِ نِكَاحَ مُوَلِّيَتِهِمَا (لِاثْنَيْنِ) كَأَنْ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمَا لِزَيْدٍ، وَالْآخَرُ لِعَمْرٍو (وَجُهِلَ السَّبْقُ) مُطْلَقًا بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ وَقَعَا مَعًا أَوْ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ؟ فَسَخَهُمَا حَاكِمٌ (أَوْ عُلِمَ سَابِقٌ) مِنْهُمَا (ثُمَّ نُسِيَ) السَّابِقُ، فَسَخَهُمَا حَاكِمٌ (أَوْ عُلِمَ السَّبْقُ) لِأَحَدِ الْعَقْدَيْنِ عَلَى الْآخَرِ (وَجُهِلَ السَّابِقُ) مِنْهُمَا (فَسَخَهُمَا حَاكِمٌ) نَصًّا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا صَحِيحٌ، وَلَا طَرِيقَ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَلَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
وَإِنْ طَلَّقَا لَمْ يُحْتَجْ إلَى الْفَسْخِ، فَإِنْ عَقَدَ عَلَيْهَا أَحَدُهُمَا بَعْدُ؛ لَمْ يَنْقُصْ بِهَذَا الطَّلَاقِ عَدَدٌ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهِ، وَإِنْ أَقَرَّتْ بِسَبْقٍ لِأَحَدِهِمَا؛ لَمْ يُقْبَلْ نَصًّا (وَإِنْ عُلِمَ وُقُوعُهُمَا) أَيْ: الْعَقْدَيْنِ (مَعًا) فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (بَطَلَا) أَيْ فَهُمَا بَاطِلَانِ مِنْ أَصْلِهِمَا لَا يَحْتَاجَانِ إلَى فَسْخٍ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ تَصْحِيحَهُمَا،
وَلَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَلَا تَوَارُثَ فِيهِمَا (وَلَهَا) أَيْ: الَّتِي زَوَّجَهَا وَلِيَّاهَا لِاثْنَيْنِ، وَلَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ بِعَيْنِهِ (فِي غَيْرِ هَذِهِ) الصُّورَةِ، وَهِيَ مَا إذَا عُلِمَ وُقُوعُهُمَا مَعًا (نِصْفُ الْمَهْرِ) عَلَى أَحَدِهِمَا (بِقُرْعَةٍ) بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَمَنْ خَرَجْت عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ؛ أَخَذَتْ مِنْهُ نِصْفَ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ عَقْدَ أَحَدِهِمَا صَحِيحٌ، وَقَدْ انْفَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَأَمَّا إذَا عُلِمَ وُقُوعُهُمَا مَعًا، فَلَا شَيْءَ لَهَا عَلَيْهِمَا (وَإِنْ مَاتَتْ) فِي غَيْرِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ فَسْخِ الْحَاكِمِ نِكَاحَهُمَا (فَلِأَحَدِهِمَا نِصْفُ مِيرَاثِهَا) إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ (بِقُرْعَةٍ) فَيَأْخُذُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (بِلَا يَمِينٍ) لِأَنَّهُ: يَقُولُ: لَا أَعْرِفُ الْحَالَ.
(وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجَانِ) أَيْ: الْعَاقِدَانِ عَلَى امْرَأَةٍ، وَجُهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا (فَإِنْ كَانَتْ أَقَرَّتْ بِسَبَقٍ لِأَحَدِهِمَا فَلَا إرْثَ لَهَا مِنْ الْآخَرِ) لِأَنَّهَا مُقِرَّةٌ بِبُطْلَانِ نِكَاحِهِ لِتَأَخُّرِهِ (وَهِيَ تَدَّعِي مِيرَاثَهَا مِمَّنْ أَقَرَّتْ لَهُ) بِالسَّبْقِ؛ لِتَضَمُّنِهِ صِحَّةَ نِكَاحِهِ (فَإِنْ كَانَ ادَّعَى ذَلِكَ) أَيْ: السَّبْقَ (أَيْضًا) قَبْلَ مَوْتِهِ (دَفَعَ إلَيْهَا) إرْثَهَا مِنْهُ (وَإِلَّا) يَكُنْ ادَّعَى ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ؛ (فَلَا) يُدْفَعُ إلَيْهَا شَيْءٌ (إنْ أَنْكَرَ وَرَثَتُهُ) سَبْقَهُ (وَحَلَفُوا) أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ السَّابِقُ، فَإِنْ نَكَلُوا قُضِيَ عَلَيْهِمْ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ أَقَرَّتْ بِسَبْقٍ لِأَحَدِهِمَا وَرِثَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا بِقُرْعَةٍ) بِأَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ فَلَهَا إرْثُهَا مِنْهُ، وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ فَهِيَ الَّتِي تَرِثُهُ.
تَنْبِيهٌ وَإِنْ عُلِمَ السَّابِقُ مِنْهُمَا فَالنِّكَاحُ لَهُ، وَعَقْدُ الثَّانِي بَاطِلٌ؛ لِحَدِيثِ سَمُرَةَ وَعُقْبَةَ مَرْفُوعًا: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا ذَاتُ زَوْجٍ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِبُطْلَانِ نِكَاحِهِ، فَإِنْ كَانَ وَطِئَهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ؛ فَهُوَ وَطْءُ شُبْهَةٍ يَجِبُ لَهَا بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَتُرَدُّ لِلْأَوَّلِ، لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَلَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ وَطْءِ الثَّانِي، لِتُعْلَمَ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا مِنْهُ، وَلَا يَرُدُّ الصَّدَاقَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الدَّاخِلِ بِهَا عَلَى الْأَوَّلِ الَّذِي دُفِعَتْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي بُضْعِهَا، فَلَا يَمْلِكُ عِوَضَهُ بِخِلَافِ مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ؛ فَإِنَّهَا
مِلْكُ الْمُسْتَأْجِرِ يَتَصَرَّفُ فِيهَا، فَعِوَضُهَا لَهُ، وَلَا يَحْتَاجُ النِّكَاحُ الثَّانِي إلَى فَسْخٍ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ، فَلَا يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ إلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ دُونَ الْخَلْوَةِ وَالْمُفَاخَذَةِ، لِأَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ، فَلَا حُكْمَ لَهُ.
(وَلَوْ ادَّعَى كُلُّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا (السَّبْقَ، فَأَقَرَّتْ بِهِ لِأَحَدِهِمَا) فَلَا أَثَرَ لَهُ كَمَا سَبَقَ (ثُمَّ إذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) بِأَنْ فَسَخَ الْحَاكِمُ نِكَاحَهُمَا، أَوْ طَلَّقَاهَا (فَالْمَهْرُ) بَعْدَ الدُّخُولِ وَقَبْلِهِ نِصْفُهُ (عَلَى الْمَقَرِّ لَهُ) لِاعْتِرَافِهِ بِهِ لَهَا، وَتَصْدِيقِهَا لَهُ عَلَيْهِ (وَإِنْ مَاتَ وَرِثَتْهُ) أَيْ: الْمَقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى إقْرَارِهِمَا (فَقَطْ) أَيْ: دُونَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي بُطْلَانَ نِكَاحِهِ لِتَأَخُّرِهِ (وَإِنْ مَاتَتْ) مَنْ أَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا بِالسَّبْقِ، وَصَدَّقَهَا (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الْفَسْخِ وَالطَّلَاقِ (فَفِي إرْثِهِ إيَّاهَا احْتِمَالَانِ) أَحَدُهُمَا: لِأَحَدِهِمَا نِصْفُ الْمِيرَاثِ يَقِفُ حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قُرِعَ حَلَفَ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ، وَوَرِثَ، وَهَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ لِأَبِي مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيِّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُغْنِي " " وَالشَّرْحِ " فَقَالَا: وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُمَا احْتَمَلَ أَنْ يَرِثَهَا الْمَقَرُّ لَهُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهَا لَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فِي " شَرْحِ الْمُحَرَّرِ ": قُلْت: كِلَا الْوَجْهَيْنِ لَا يُخَرَّجُ عَلَى الْمَذْهَبِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّا لَا نَقِفُ بِالْخُصُومَاتِ قَطُّ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَكَيْفَ يَحْلِفُ مَنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الْحَالَ؟ ، وَإِنَّمَا الْمَذْهَبُ عَلَى رِوَايَةِ الْقُرْعَةِ أَنَّهُ أَيُّهُمَا قُرِعَ فَلَهُ الْمِيرَاثُ بِلَا يَمِينٍ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فِي رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ، زَوَّجَ إحْدَاهُنَّ مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَيَّتَهُنَّ زَوَّجَ، يُقْرَعُ، فَأَيَّتَهُنَّ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ؛ فَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَقَدْ كَتَبْنَاهَا.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِنَا: لَا يُقْرَعُ، فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهَا تَأْخُذُ مِنْ أَحَدِهِمَا نِصْفَ الْمَهْرِ بِالْقُرْعَةِ؛ فَكَذَلِكَ يَرِثُهَا أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا: لَا مَهْرَ فَهُنَا قَدْ يُقَالُ بِالْقُرْعَةِ أَيْضًا.
انْتَهَى.
(وَإِنْ لَمْ تُقِرَّ لِأَحَدِهِمَا) بِالسَّبْقِ (إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَكَ) مَا لَوْ أَقَرَّتْ لَهُ فِي (حَيَاتِهِ) أَيْ: فَلَا أَثَرَ لِإِقْرَارِهَا، وَلَا إرْثَ لَهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ لِوَرَثَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْإِنْكَارُ لِاسْتِحْقَاقِهَا، لِأَنَّهُ ظُلْمٌ لَهَا.
(وَمَنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ بِأَمَتِهِ) صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً، صَحَّ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ بِلَا نِزَاعٍ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ بِحُكْمِ الْمِلْكِ لَا بِحُكْمِ الْإِذْنِ، (أَوْ) زَوَّجَ (ابْنَهُ) الصَّغِيرَ (بِبِنْتِ أَخِيهِ) صَحَّ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ (أَوْ) زَوَّجَ (وَصِيٌّ فِي نِكَاحٍ صَغِيرًا) تَحْتَ حِجْرِهِ (بِصَغِيرَةٍ تَحْتَ حِجْرِهِ، صَحَّ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ، وَكَذَا وَلِيُّ امْرَأَةٍ عَاقِلَةٍ) لَهَا تَمَّ تِسْعُ سِنِينَ (تَحِلُّ لَهُ كَابْنِ عَمٍّ وَمَوْلًى وَحَاكِمٍ إذَا أَذِنَتْ لَهُ) بِنْتُ عَمِّهِ أَوْ عَتِيقَتُهُ أَوْ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا فِي تَزْوِيجِهَا، فَيَصِحُّ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِأُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ قَارِظٍ أَتَجْعَلِينَ أَمْرَك إلَيَّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
قَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُك.
وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ؛ فَجَازَ أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا، كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ وُجِدَ فِيهِ الْإِيجَابُ مِنْ وَلِيٍّ ثَابِتِ الْوِلَايَةِ، وَالْقَبُولُ مِنْ زَوْجٍ هُوَ أَهْلٌ لِلْقَبُولِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ وُجِدَ مِنْ رَجُلَيْنِ.
(أَوْ وَكَّلَ زَوْجٌ وَلِيًّا) فِي قَبُولِ نِكَاحِ مَخْطُوبَتِهِ، صَحَّ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْوَلِيِّ الْعَقْدَ (أَوْ عَكْسَهُ) بِأَنْ وَكَّلَ الْوَلِيُّ الزَّوْجَ فِي إيجَابِ النِّكَاحِ لِنَفْسِهِ، فَيَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ (أَوْ وَكَّلَا) أَيْ: الزَّوْجُ وَالْوَلِيُّ رَجُلًا (وَاحِدًا) بِأَنْ وَكَّلَهُ الْوَلِيُّ فِي الْإِيجَابِ، وَالزَّوْجُ فِي الْقَبُولِ؛ فَلَهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ لَهُمَا (وَنَحْوَهُ) كَمَا لَوْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ الْكَبِيرِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ؛ صَحَّ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ، وَكَذَا الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ وَنَحْوُهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي تَوَلِّي طَرَفَيْ الْعَقْدِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، بَلْ يَكْفِي (زَوَّجْت فُلَانًا) وَيَنْسُبُهُ (فُلَانَةَ) وَيَنْسُبُهَا بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ: وَقَبِلْت لَهُ نِكَاحَهَا (أَوْ) يَقُولُ (تَزَوَّجْتهَا إنْ كَانَ هُوَ الزَّوْجُ) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ: قَبِلْت نِكَاحَهَا لِنَفْسِي؛ لِأَنَّ إيجَابَهُ يَتَضَمَّنُ الْقَبُولَ (أَوْ كَانَ وَكِيلُهُ) أَيْ: الزَّوْجِ؛ فَيَصِحُّ قَوْلُهُ تَزَوَّجْتهَا (لَكِنْ) لَا بُدَّ أَنْ (يَقُولَ: لِمُوَكَّلِي) فُلَانٍ أَوْ لِفُلَانٍ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: وَقَبِلْت نِكَاحَهَا (إلَّا بِنْتَ عَمِّهِ وَعَتِيقَتَيْهِ الْمَجْنُونَتَيْنِ) فَلَا يَكْفِيهِ تَوَلِّي طَرَفَيْ الْعَقْدِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا (فَيُشْتَرَطُ) لِصِحَّةِ إنْكَاحِهَا
(لَهُ وَلِيٌّ غَيْرُهُ) إنْ كَانَ، وَلَوْ أَبْعَدَ مِنْهُ (أَوْ حَاكِمٌ) إنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ إنَّمَا جُعِلَ لِلنَّظَرِ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ وَالِاحْتِيَاطِ لَهُ؛ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ لِنَفْسِهِ فِيمَا هُوَ مَوْلًى عَلَيْهِ لِإِمْكَانِ التُّهْمَةِ؛ كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ لَا يَبِيعُهُ لِنَفْسِهِ.
[فَصْلٌ قَالَ لِأَمَتِهِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا لَوْ كَانَتْ حُرَّةً إذَنْ أَيْ وَقْتَ الْقَوْلِ]
فَصْلٌ (وَمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا لَوْ كَانَتْ حُرَّةً إذَنْ) أَيْ: وَقْتَ الْقَوْلِ (لِخُلُوِّهَا عَنْ نَحْوِ اسْتِبْرَاءٍ) كَإِحْرَامٍ.
(وَ) خُلُوِّهَا عَنْ (عِدَّةٍ) مِنْ الْغَيْرِ (وَعَنْ رَضَاعٍ) بِأَنْ لَمْ تَكُنْ أَرْضَعَتْهُ هِيَ أَوْ أُمُّهَا وَإِنْ عَلَتْ، أَوْ بِنْتُهَا وَإِنْ سَفَلَتْ أَوْ أُخْتُهَا وَلَا أَرْضَعَتْ أَبَاهُ وَلَا زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ؛ فَتَدْخُلُ الْكِتَابِيَّةُ الَّتِي أَبَوَاهَا كِتَابِيَّانِ، وَتَخْرُجُ الْمَجُوسِيَّةُ وَالْوَثَنِيَّةُ مَعَ مَا ذُكِرَ مِنْ الَّتِي لَمْ تُسْتَبْرَأْ، وَالْمُحْرِمَةُ وَالْمُعْتَدَّةُ، وَالْمُحَرَّمَةُ عَلَيْهِ بِرَضَاعٍ.
وَقَوْلُهُ: لَوْ كَانَتْ حُرَّةً؛ لِدَفْعِ اعْتِبَارِ عَدَمِ الطَّوْلِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ الْمُعْتَبَرِ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ (مِنْ) بَيَانٌ لِأَمَتِهِ (قِنٍّ وَمُدَبَّرَةٍ وَمُكَاتَبَةٍ وَمُعَلَّقٍ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ: أَعْتَقْتُك وَجَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك، أَوْ قَالَ: جَعَلْت عِتْقَ أَمَتِي صَدَاقَهَا، أَوْ قَالَ: جَعَلْت صَدَاقَ أَمَتِي عِتْقَهَا) صَحَّ ذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) إنْ أَتَى السَّيِّدُ بِإِحْدَى هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ (مَعَ تَعَدُّدِ) إمَائِهِ إذَا لَمْ يُفِضْ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعٍ (وَثَمَّ) أَيْ: هُنَاكَ (نِيَّةٌ) مِنْ إرَادَةِ تَعَدُّدٍ أَوْ لَا (عَمِلَ بِهَا) أَيْ: بِالنِّيَّةِ، وَصَحَّ الْعَقْدُ وَالنِّكَاحُ (وَإِلَّا) تَكُنْ نِيَّةٌ (احْتَمَلَ صِحَّتَهُ فِيهِنَّ) أَيْ: إمَائِهِ (لِأَنَّهُ) أَيْ: قَوْلُهُ: أَمَتِي (مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ) جَمِيعَ إمَائِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ مَنْ مَعَهُ عَدَدٌ مِنْ الزَّوْجَاتِ: زَوْجَتِي طَالِقٌ، وَأَطْلَقَ، وَلَمْ يَنْوِ مُعَيَّنَةً؛ طَلَّقَ كُلَّ زَوْجَاتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَتَقَدَّمَ فِي الْعِتْقِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ قَالَ: قَدْ أَعْتَقْتُهَا، وَجَعَلْت عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، أَوْ قَالَ: أَعْتَقْتهَا عَلَى أَنَّ عِتْقَهَا صَدَاقُهَا، أَوْ قَالَ: أَعْتِقُك عَلَى أَنْ أَتَزَوَّجَك وَعِتْقِي) صَدَاقُك (أَوْ عِتْقُك صَدَاقُك؛ صَحَّ) الْعِتْقُ وَالنِّكَاحُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ وَتَزَوَّجْتُك أَوْ) لَمْ يَقُلْ: وَ (تَزَوَّجْتهَا) لِتَضَمُّنِ قَوْلِهِ: وَجَعَلْت عِتْقَهَا وَنَحْوَهُ صَدَاقَهَا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَنَسٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ «صَفِيَّةَ قَالَتْ: أَعْتَقَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعَلَ عِتْقِي صَدَاقِي» . وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ أُمَّ وَلَدِهِ فَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا؛ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَفَعَلَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى النِّكَاحِ لِيَصِحَّ، وَقَدْ شَرَطَهُ صَدَاقًا، فَتَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْعِتْقِ عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ لِيَكُونَ الْعِتْقُ صَدَاقًا فِيهِ، وَقَدْ ثَبَتَ الْعِتْقُ؛ فَيَصِحُّ النِّكَاحُ (إنْ كَانَ) الْكَلَامُ (مُتَّصِلًا حَقِيقَةً) بِأَنْ لَمْ يَسْكُتْ بَعْدَ قَوْلِهِ أَعْتَقْتُك سُكُوتًا يُمْكِنُهُ التَّكَلُّمُ فِيهِ، أَوْ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ، ثُمَّ يَقُولُ: وَجَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك، فَإِنْ فَعَلَ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِالْعِتْقِ حُرَّةً، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا بِصَدَاقٍ جَدِيدٍ، (أَوْ) كَانَ الْكَلَامُ مُتَّصِلًا (حُكْمًا) فَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُك، ثُمَّ ذَرَعَهُ قَيْءٌ أَوْ سُعَالٌ أَوْ عُطَاسٌ، ثُمَّ قَالَ: وَجَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك؛ صَحَّ، وَلَا يُعَدُّ مَا نَابَهُ مِنْ ذَلِكَ فَاصِلًا، وَلَوْ طَالَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، وَمَحَلُّ الصِّحَّةِ إنْ كَانَ (بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ) نَصًّا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ» . ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، (وَ) كَانَ حِينَهُ (قَصَدَ بِالْعِتْقِ جَعْلَهُ) أَيْ: الْعِتْقِ (صَدَاقًا) لِمَا فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ إذَا قَالَ: أَجْعَلُ عِتْقَك صَدَاقَك، أَوْ صَدَاقَك عِتْقَك، كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ.
(وَيَصِحُّ جَعْلُ صَدَاقِ مَنْ بَعْضُهَا حُرٌّ، عِتْقُ الْبَعْضِ الْآخَرِ) إنْ أَذِنَتْ هِيَ، وَمُعْتِقُ
الْبَقِيَّةِ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَيَتَّجِهُ) فِيمَنْ بَعْضُهَا حُرٌّ جَعْلُ ذَلِكَ (بِإِذْنِهَا) لِمَا فِيهَا مِنْ الْحُرِّيَّةِ (وَإِذْنُ مُعْتَقِهَا) لِمَا لَهُ مِنْ الْوَلَاءِ عَلَى الْجُزْءِ الَّذِي أَعْتَقَهُ، فَيَثْبُتُ الْعِتْقُ وَالنِّكَاحُ جَمِيعًا إذَا كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ شُهُودٍ، سَوَاءٌ قُدِّمَ لَفْظُ الْعِتْقِ عَلَى الْعَقْدِ أَوْ لَفْظُ الْعَقْدِ عَلَى الْعِتْقِ إذَا كَانَ كَلَامًا مَوْصُولًا، وَلَا خِيَارَ لِلْأَمَةِ، وَلَا امْتِنَاعَ مِنْ التَّزْوِيجِ إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ بَانَتْ قَبْلَ دُخُولٍ) وَقَدْ جَعَلَ عِتْقَهَا أَوْ عِتْقَ بَعْضِهَا صَدَاقَهَا (رَجَعَ مُعْتَقُهَا) عَلَيْهَا (بِنِصْفِ قِيمَةِ مَا أَعْتَقَ) مِنْهَا نَصًّا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يُوجِبُ الرُّجُوعَ فِي نِصْفِ مَا فَرَضَ لَهَا، وَقَدْ فَرَضَ لَهَا نَفْسَهَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى الرُّجُوعِ فِي الرِّقِّ بَعْدَ زَوَالِهِ، فَرَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَةِ مَا أَعْتَقَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ صَدَاقُهَا (فَإِنْ فَسَخَتْ) هِيَ النِّكَاحُ كَأَنْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ، أَوْ أَرْضَعَتْ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ، (فَ) يَرْجِعُ عَلَيْهَا (بِكُلِّهِ) أَيْ: كُلِّ ثَمَنِهَا، وَيُعْتَبَرُ وَقْتُ الْإِعْتَاقِ، وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِعْطَاءِ إنْ كَانَتْ مَلِيئَةً (وَيُجْبِرُ عَلَى الِاسْتِسْعَاءِ) أَيْ: التَّكَسُّبِ (غَيْرَ مَلِيئَةٍ) لِتُعْطِيهِ أَوْ مَا بَقِيَ مِنْهُ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ دَيْنٌ مُسْتَقَرٌّ.
(وَمَنْ أَعْتَقَهَا بِسُؤَالِهَا) عِتْقِهَا (عَلَى أَنْ تَنْكِحَهُ، أَوْ قَالَ) لَهَا مِنْ غَيْرِ سُؤَالِهَا (أَعْتَقْتُك عَلَى أَنْ تَنْكِحِينِي) وَيَكُونُ عِتْقُك صَدَاقَك، أَوْ قَالَ: عَلَى أَنْ تَنْكِحِينِي (فَقَطْ) دُونَ أَنْ يَقُولَ: وَيَكُونُ عِتْقُك صَدَاقَك (وَرَضِيَتْ، صَحَّ) الْعِتْقُ وَلَمْ يَلْزَمْهَا أَنْ تَتَزَوَّجَهُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ سَلَفًا فِي النِّكَاحِ فَلَمْ يَلْزَمْهَا، كَمَا لَوْ أَسْلَفَ حُرَّةً أَلْفًا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا (ثُمَّ إنْ نَكَحَتْهُ) لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهَا بِشَرْطِ عِوَضٍ، وَقَدْ سُلِّمَ لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ (وَإِلَّا) تَنْكِحَهُ، (فَعَلَيْهَا قِيمَةُ مَا أَعْتَقَ) مِنْهَا، كُلًّا كَانَ أَوْ بَعْضًا، لِأَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهَا بِشَرْطِ عِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِبَدَلِهِ، كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي، وَسَوَاءٌ امْتَنَعَتْ مِنْ تَزَوُّجِهِ أَوْ بَذَلَتْهُ، فَلَمْ يَتَزَوَّجْهَا هُوَ كَمَا فِي " الشَّرْحِ " " وَالِاخْتِيَارَاتِ "، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْإِعْتَاقِ، لِأَنَّهُ وَقْتُ الْإِتْلَافِ.
(وَ) لَوْ قَالَ: (أَعْتَقْتُك وَزَوِّجِينِي نَفْسَك؛ عَتَقَتْ) لِتَنْجِيزِ عِتْقِهَا (وَلَمْ يَلْزَمْهَا أَنْ تَتَزَوَّجَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا) مِنْ قِيمَةِ نَفْسِهَا إذَا لَمْ تَتَزَوَّجْهُ؛ لِأَنَّهُ أَلْزَمَهَا بِمَا لَا يَلْزَمْهَا، وَلَمْ تَلْتَزِمْهُ.
وَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ لِأَمَتِهِ (زَوَّجْتُك لِزَيْدٍ، وَجَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك) وَنَحْوَهُ كَزَوَّجْتُ أَمَتِي لِزَيْدٍ، وَعِتْقُهَا صَدَاقُهَا؛ صَحَّ عَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ (أَعْتِقُك، وَزَوَّجْتُك لَهُ) أَيْ: لِزَيْدٍ (عَلَى أَلْفٍ وَقَبِلَ) زَيْدٌ النِّكَاحَ (فِيهِمَا) أَيْ: فِي الصُّورَتَيْنِ (صَحَّ) الْعِتْقُ وَالنِّكَاحُ، كَمَا لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ (أَعْتِقُك وَأَكْرَيْتُك مِنْهُ) أَيْ: مِنْ زَيْدٍ مَثَلًا (سَنَةً بِأَلْفٍ) فَيَصِحُّ الْعِتْقُ وَالْإِجَارَةُ إنْ قَبِلَهَا زَيْدٌ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اسْتِثْنَاءِ الْخِدْمَةِ، وَلَوْ قَالَ: وَهَبْتُك هَذِهِ الْجَارِيَةَ وَزَوَّجْتهَا مِنْ فُلَانٍ، أَوْ وَهَبْتُكهَا وَأَكْرَيْتُهَا مِنْ فُلَانٍ، أَوْ بِعْتُكهَا وَزَوَّجْتُهَا أَوْ أَكْرَيْتُهَا مِنْ فُلَانٍ؛ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّتُهُ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ لِلْمَنْفَعَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّا نُجَوِّزُ الْعِتْقَ وَالْوَقْفَ وَالْهِبَةَ وَالْبَيْعَ مَعَ اسْتِثْنَاءِ مَنْفَعَةِ الْخِدْمَةِ وَقَدْ جَوَّزْنَا أَنْ يَكُونَ الْإِعْتَاقُ وَالْإِنْكَاحُ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْكَاحِ قَبْلَ الْإِعْتَاقِ، لِأَنَّهَا حِينَ الْإِعْتَاقِ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ.
ذَكَرَهُ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " (وَلَا بَأْسَ بِعِتْقِهِ) أَيْ: السَّيِّدِ (أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا) سَوَاءٌ أَعْتَقَهَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ؛ أَوْ أَعْتَقَهَا لِيَتَزَوَّجَهَا إذْ لَا مَحْظُورَ فِيهِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ جَارِيَةٌ فَعَلَّمَهَا.
وَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا أَوْ أَحْسَنَ إلَيْهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا؛ فَلَهُ أَجْرَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) إذَا قَالَ مُكَلَّفٌ لِآخَرَ (اعْتِقْ عَبْدَك عَلَى أَنْ أُزَوِّجَك ابْنَتِي، فَأَعْتَقَهُ) لَمْ يَلْزَمْ الْقَائِلَ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ (فَإِنْ زَوَّجَهُ) ابْنَتَهُ فَلَا كَلَامَ (وَإِلَّا) يُزَوِّجْهُ إيَّاهَا (لَزِمَهُ) أَيْ: قَائِلَ ذَلِكَ لِلْمُعْتِقِ (قِيمَتُهُ) أَيْ: الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ، وَتَقَدَّمَ.
الشَّرْطُ (الرَّابِعُ: الشَّهَادَةُ) عَلَى النِّكَاحِ احْتِيَاطًا لِلنَّسَبِ خَوْفَ الْإِنْكَارِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «لَا بُدَّ فِي النِّكَاحِ مِنْ حُضُورِ أَرْبَعَةٍ: الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ وَالشَّاهِدَانِ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْبَغَايَا اللَّوَاتِي يُنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ غَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَهُوَ الْوَلَدُ، فَاشْتُرِطَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ لِئَلَّا يَجْحَدَهُ أَبُوهُ، فَيَضِيعُ نَسَبُهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَتَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ شُهُودٍ» فَمِنْ خَصَائِصِهِ كَمَا سَبَقَ، وَلِذَلِكَ قَالَ: (إلَّا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) إذَا نَكَحَ أَوْ أَنْكَحَ لِأَمْنِ الْإِنْكَارِ.
مَسْأَلَةٌ قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُحَرَّرِ ": إذَا كَانَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي سَفَرِ لَيْسَ مَعَهُمَا وَلِيٌّ وَلَا شُهُودٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا وَإِنْ خَافَ الزِّنَا بِهَا.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ، قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الزَّرْكَشِيّ: هَذَا الْقَوْلُ بِهَذَا الْقَيْدِ فِيهِ بَشَاعَةٌ؛ فَإِنَّ مُوَافَقَةَ الزِّنَا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، فَإِذَا أَمْكَنَ الْعُدُولُ عَنْ صَرَاحَتِهِ إلَى مَا فِيهِ شُبْهَةٌ مَا؛ فَهُوَ أَوْلَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ النِّكَاحَ بِلَا وَلِيٍّ مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهِ؛ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْوُقُوعِ فِي زِنًا مُجْمَعٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
(فَلَا يَنْعَقِدُ) النِّكَاحُ (إلَّا بِشَهَادَةِ ذَكَرَيْنِ) لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ لَا يَجُوزَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَلَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا الطَّلَاقِ (بَالِغَيْنِ عَاقِلَيْنِ) لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ (مُتَكَلِّمَيْنِ) لِأَنَّ الْأَخْرَسَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ (سَمِيعَيْنِ) لِأَنَّ الْأَصَمَّ لَا يَسْمَعُ الْعَقْدَ فَيَشْهَدُ بِهِ (مُسْلِمَيْنِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ (وَلَوْ أَنَّ الزَّوْجَةَ ذِمِّيَّةٌ عَدْلَيْنِ وَلَوْ ظَاهِرًا) لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الشَّهَادَةِ إعْلَانُ النِّكَاحِ وَإِظْهَارُهُ، وَلِذَلِكَ يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ، فَإِذَا حَضَرَ مَنْ يُشْتَهَرُ بِحُضُورِهِ، صَحَّ (فَلَا يُنْقَضُ لَوْ بَانَا) أَيْ: الشَّاهِدَانِ (فَاسِقَيْنِ) لِوُقُوعِ النِّكَاحِ فِي الْقُرَى وَالْبَوَادِي بَيْنَ عَامَّةِ النَّاسِ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْعَدَالَةِ، فَاعْتِبَارُ ذَلِكَ يَشُقُّ، فَاكْتُفِيَ بِظَاهِرِ الْحَالِ فِيهِ، وَكَذَا لَا يُنْقَضُ إنْ بَانَ الْوَلِيُّ فَاسِقًا (مِنْ غَيْرِ أَصْلِ وَفَرْعِ الزَّوْجَيْنِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ عَمُودَيْ نَسَبِ الزَّوْجَيْنِ وَالْوَلِيِّ، فَلَا تَصِحُّ شَهَادَةُ أَبِي الزَّوْجَةِ أَوْ جَدِّهَا فِيهِ، وَلَا ابْنِهَا وَابْنِهِ فِيهِ، وَكَذَا أَبُو الزَّوْجِ
وَجَدُّهُ وَابْنُهُ وَابْنُ ابْنِهِ وَإِنْ نَزَلَ، لِلتُّهْمَةِ.
وَكَذَا أَبُو الْوَلِيِّ وَابْنُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الشَّاهِدَيْنِ حُرَّيْنِ أَوْ بَصِيرَيْنِ، فَتَصِحُّ (وَلَوْ أَنَّهُمَا قِنَّانِ أَوْ ضَرِيرَانِ) لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى قَوْلٍ أَشْبَهَتْ الِاسْتِفَاضَةَ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَتَيَقَّنَ الصَّوْتَ، فَلَا يَشُكُّ فِي الْعَاقِدَيْنِ كَمَا يَعْلَمْهُ مَنْ رَآهُمَا، (أَوْ) أَيْ: وَلَوْ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ (عَدُّوا الزَّوْجَيْنِ) أَوْ عَدُّوا أَحَدِهِمَا أَوْ عَدُّوا الْوَلِيِّ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» وَلِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهِمَا غَيْرُ هَذَا النِّكَاحِ؛ فَالْعَقْدُ هُوَ أَيْضًا بِهِمَا كَسَائِرِ الْعُقُودِ.
(وَيَتَّجِهُ هَذَا) أَيْ شَهَادَةُ عَدُوِّي الزَّوْجَيْنِ مَقْبُولَةٌ فِي النِّكَاحِ (مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةِ) أَيْ: صِحَّةِ الْعَقْدِ بِشَهَادَتِهِمَا وَإِبَاحَةِ مَا يَقْتَضِيهِ (وَأَمَّا لَوْ تَنَاكَرَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ النِّكَاحَ، أَوْ أَنْكَرَهُ أَحَدُهُمَا، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يُبْطِلُ الْعَقْدَ تَوَاصٍ بِكِتْمَانِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَعَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ مَكْتُومًا (فَلَوْ كَتَمَهُ) أَيْ النِّكَاحَ (وَلِيٌّ وَشُهُودٌ وَزَوْجَانِ؛ صَحَّ) الْعَقْدُ (وَكُرِهَ) كِتْمَانُهُمْ لَهُ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ إعْلَانُ النِّكَاحِ.
تَنْبِيهٌ
: وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ مُسْلِمٍ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ، وَلَا بِشَهَادَةِ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] : وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ ذِمِّيَّةً كِتَابِيَّةً أَبَوَاهَا كِتَابِيَّانِ.
(وَلَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ بِزَوْجِيَّةِ الْآخَرِ؛ ثَبَتَ النِّكَاحُ بِإِقْرَارِهِمَا) لِعَدَمِ الْمُخَاصِمِ فِيهِ (وَلَوْ لَمْ يَقُولَا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا مُنَازَعَ لَهُمَا فِيهِ، وَوَرِثَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ بِالزَّوْجِيَّةِ؛ لِقِيَامِهَا بِهَا بِالْإِقْرَارِ، (وَلَوْ) أَقَرَّ الزَّوْجُ بِالزَّوْجِيَّةِ فَ (جَحَدَتْهُ) الْمَرْأَةُ (ثُمَّ أَقَرَّتْ لَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ صَحَّ الْإِقْرَارُ مِنْهَا وَ (لَمْ تَحِلَّ) لَهُ (إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِهَا فِي جُحُودِهَا، وَتَرِثُهُ إنْ مَاتَ بَعْدَ إقْرَارِهَا لَهُ، لَا إنْ بَقِيَتْ عَلَى
جُحُودِهَا حَتَّى مَاتَ؛ لِلتُّهْمَةِ فِي تَصْدِيقِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
(فَإِنْ أَقَرَّ وَلِيُّ مُجْبِرٌ) أَنَّهُ زَوَّجَ مُوَلِّيَتَهُ مِنْ زَيْدٍ (صَحَّ إقْرَارُهُ) عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا لَا قَوْلَ لَهَا إذَنْ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْعَقْدِ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ كَالْوَكِيلِ (وَإِلَّا) يَكُنْ الْوَلِيُّ مُجْبِرًا (فَلَا) يَصِحُّ إقْرَارُهُ عَلَى مُوَلِّيَتِهِ، لِأَنَّ لَهَا إذْنًا مُعْتَبَرًا (وَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ) بِأَتَمِّ مِنْ هَذَا.
(وَلَا تُشْتَرَطُ الشَّهَادَةُ بِخُلُوِّهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ لَهَا سَابِقَةُ تَزَوُّجٍ، وَإِلَّا اُشْتُرِطَ ذِكْرُ خُلُوِّهَا (مِنْ الْمَوَانِعِ لِلنِّكَاحِ) كَالْعِدَّةِ وَالرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا (أَوْ) أَيْ: وَلَا تُشْتَرَطُ الشَّهَادَةُ عَلَى (إذْنِهَا) لِوَلِيِّهَا فِي الْعَقْدِ عَلَيْهَا؛ اكْتِفَاءً بِالظَّاهِرِ (وَالِاحْتِيَاطُ الْإِشْهَادُ) بِخُلُوِّهَا مِنْ الْمَوَانِعِ وَبِإِذْنِهَا؛ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ.
(وَإِنَّ ادَّعَى زَوْجٌ إذْنَهَا) لِوَلِيِّهَا فِي الْعَقْدِ (وَأَنْكَرَتْ) الزَّوْجَةُ إذْنَهَا لِوَلِيِّهَا (صُدِّقَتْ قَبْلَ دُخُولِ) زَوْجٍ بِهَا مُطَاوَعَةً؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَ (لَا) تُصَدَّقُ فِي إنْكَارِهَا الْإِذْنَ (بَعْدَهُ) أَيْ: الدُّخُولِ بِهَا مُطَاوَعَةً؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ بِهَا كَذَلِكَ دَلِيلُ كَذِبِهَا.
(وَإِنْ ادَّعَتْ) زَوْجَةٌ (الْإِذْنَ) لِوَلِيِّهَا فِي الْعَقْدِ (فَأَنْكَرَ وَرَثَتُهُ) ذَلِكَ (صُدِّقَتْ) لِأَنَّ الْوَلِيَّ غَيْرَ الْمُجْبِرِ لَا يُزَوِّجُ مُوَلِّيَتَهُ بِدُونِ إذْنِهَا.
الشَّرْطُ (الْخَامِسُ: خُلُوُّ الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْمَوَانِعِ) الْآتِيَةِ فِي بَابِ الْمُحَرَّمَاتِ (بِأَنْ لَا يَكُونَ بِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ (أَوْ بِأَحَدِهِمَا مَا يَمْنَعُ التَّزْوِيجَ مِنْ نَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ) بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، وَهِيَ مَجُوسِيَّةً وَنَحْوُهُ مِمَّا يَأْتِي، وَكَوْنُهَا فِي (نَحْوِ عِدَّةٍ) كَكَوْنِ أَحَدِهِمَا مُحْرِمًا.
(وَالْكَفَاءَةُ) فِي الزَّوْجِ (لَيْسَتْ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ) أَيْ: لِصِحَّةِ الْعَقْدِ (خِلَافًا لِأَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ) مِنْهُمْ الْخِرَقِيِّ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمَذْهَبِ " " وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ " " وَالْخُلَاصَةِ " وَابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ (بَلْ) هِيَ شَرْطٌ (لِلُّزُومِ) أَيْ: لُزُومِ النِّكَاحِ، هَذَا الْمَذْهَبُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
قَالَ فِي " الْمُقْنِعِ " " وَالشَّرْحِ " وَهِيَ أَصَحُّ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَوْلَاهُ، فَنَكَحَهَا بِأَمْرِهِ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: وَرَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ تَبَنَّى سَالِمًا، وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
وَعَنْ أَبِي حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: رَأَيْت أُخْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ تَحْتَ بِلَالٍ.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، فَعَلَى هَذَا (يَصِحُّ) النِّكَاحُ (مَعَ فَقْدِهَا) أَيْ: فَقْدِ الْكَفَاءَةِ، فَهِيَ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ كُلِّهِمْ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، لِتَسَاوِيهِمْ فِي لُحُوقِ الْعَارِ بِفَقْدِ الْكَفَاءَةِ.
(وَ) إذَا زُوِّجَتْ بِغَيْرِ كُفْءٍ (لِمَنْ لَمْ يَرْضَ) بِالنِّكَاحِ بَعْدَ عَقْدٍ (مِنْ امْرَأَةٍ وَعَصَبَةٍ حَتَّى مَنْ يَحْدُثُ) مِنْ عَصَبَتِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْعَارَ فِي تَزْوِيجِ مَنْ لَيْسَ بِكُفْءٍ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ (وَهُوَ) أَيْ: خِيَارُ الْفَسْخِ لِفَقْدِ الْكَفَاءَةِ، (عَلَى التَّرَاخِي) لِأَنَّهُ خِيَارٌ لِنَقْصٍ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ أَشْبَهَ خِيَارَ الْعَيْبِ (فَلَا يَسْقُطُ) الْخِيَارُ (إلَّا بِإِسْقَاطِ عَصَبَةٍ بِقَوْلٍ) بِأَنْ يَقُولُوا: أَسْقَطْنَا الْكَفَاءَةَ، أَوْ رَضِينَا بِهِ غَيْرَ كُفْءٍ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا سُكُوتُهُمْ فَلَيْسَ رِضًى (أَوْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهَا) أَيْ: الْمُزَوَّجَةِ (مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ) كَأَنْ مَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا عَالِمَةً أَنَّهُ غَيْرُ كُفْءٍ.
(وَيَحْرُمُ) عَلَى وَلِيِّ الْمَرْأَةِ (تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ بِلَا رِضَاهَا) لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِهَا، وَإِدْخَالٌ لِلْعَارِ عَلَيْهَا (وَيَفْسُقُ بِهِ) أَيْ: بِتَزْوِيجِهَا (وَلِيٌّ) بِغَيْرٍ كُفْءٍ بِلَا رِضَاهَا إنْ تَعَمَّدَ.
(وَلَوْ زَالَتْ الْكَفَاءَةُ بَعْدَ عَقْدٍ فَلَهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (فَقَطْ الْفَسْخُ) دُونَ أَوْلِيَائِهَا كَعِتْقِهَا تَحْتَ عَبْدٍ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْأَوْلِيَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، لَا فِي اسْتِدَامَتِهِ.
(وَالْكَفَاءَةُ) لُغَةً: الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُسَاوَاةُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» ، أَيْ: تَتَسَاوَى، فَيَكُونُ دَمُ الْوَضِيعِ مِنْهُمْ كَدَمِ الرَّفِيعِ، وَهِيَ هُنَا (مُعْتَبَرَةٌ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ) :
أَوَّلُهَا: (دِينٌ، فَلَا تُزَوَّجُ عَفِيفَةٌ) عَنْ الزِّنَا (بِفَاجِرٍ) أَيْ: بِفَاسِقٍ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ اعْتِقَادٍ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: لَا يُزَوِّجُ بِنْتَهُ مِنْ حَرُورِيٍّ قَدْ
مَرَقَ مِنْ الدِّينِ، وَلَا مِنْ الرَّافِضِيِّ، وَلَا مِنْ الْقَدَرِيِّ، فَإِنْ كَانَ لَا يَدْعُو فَلَا بَأْسَ.
قَالَ الْقَاضِي: الْمُبْتَدِعُ إنْ حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ؛ فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ كَالْمُرْتَدِّ، وَإِنْ حَكَمْنَا بِفِسْقِهِ؛ فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ؛ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ، وَإِنْ لَمْ نَحْكُمْ بِكُفْرِهِ وَلَا فِسْقِهِ وَهُوَ إذَا كَانَ مُقَلِّدًا لَا يَدْعُو إلَى ذَلِكَ؛ صَحَّ النِّكَاحُ.
انْتَهَى.
(وَ) لَا تُزَوَّجُ امْرَأَةٌ (عَدْلٌ بِفَاسِقٍ) كَشَارِبِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ، سَكِرَ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَسْكَرْ، وَكَذَلِكَ مَنْ سَكِرَ مِنْ خَمْرٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْمُسْكِرِ لَمْ يَكُنْ كُفْئًا.
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: قُلْت لِإِسْحَاقَ فِي الرَّجُلِ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ وَأُخْتَهُ مِمَّنْ يُشْرِبُ الْخَمْرَ.
قَالَ: لَا، هَذَا فَاسِقٌ، فَإِذَا زَوَّجَ كَرِيمَتَهُ مِنْ فَاسِقٍ فَقَدْ قَطَعَ رَحِمَهُ، وَلِأَنَّ مَنْ اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ، وَذَلِكَ نَقْصٌ فِي إنْسَانِيَّتِهِ؛ فَلَيْسَ كُفْءٌ لِعَدْلٍ.
(وَ) الثَّانِي (مَنْصِبٌ، وَهُوَ النَّسَبُ فَلَا تُزَوَّجُ عَرَبِيَّةٌ) مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ (بِعَجَمِيٍّ) وَهُوَ مَنْ لَيْسَ مِنْ الْعَرَبِ، وَلَا: بِوَلَدِ زِنًا؛ لِقَوْلِ عُمَرَ: لَأَمْنَعَنَّ تَزَوُّجَ ذَوَاتِ الْأَحْسَابِ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ.
رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَلِأَنَّ الْعَرَبَ يَعْتَقِدُونَ الْكَفَاءَةَ فِي النَّسَبِ، وَيَأْنَفُونَ مِنْ نِكَاحِ الْمَوَالِي، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ نَقْصًا وَعَارًا.
وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» وَلِأَنَّ الْعَرَبَ فَضَلَتْ الْأُمَمَ بِرَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَ) الثَّالِثُ (حُرِّيَّةٌ، فَلَا تُزَوَّجُ حُرَّةٌ وَلَوْ عَتِيقَةٌ بِعَبْدٍ أَوْ مُبَعَّضٍ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لِأَنَّهُ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ، مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي كَسْبِهِ، غَيْرَ مَالِكٍ لَهُ، وَلِأَنَّ مِلْكَ السَّيِّدِ لِرَقَبَتِهِ يُشْبِهُ مِلْكَ الْبَهِيمَةِ، فَلَا يُسَاوِي الْحُرَّةَ لِذَلِكَ (وَيَصِحُّ) النِّكَاحُ (إنْ عَتَقَ) الْعَبْدُ (مَعَ قَبُولِهِ) النِّكَاحَ (كَ) قَوْلِ سَيِّدِهِ لَهُ (أَعْتَقْتُك مَعَ قَبُولِك النِّكَاحَ) أَوْ يَكُونُ السَّيِّدُ وَكِيلًا عَنْ عَبْدِهِ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ، فَيَقُولُ بَعْدَ إيجَابِ النِّكَاحِ لِعَبْدِهِ: قَبِلْت لَهُ هَذَا النِّكَاحَ، وَأَعْتَقْته؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْضِ زَمَنٌ بَعْدَ الْعَقْدِ يُمْكِنُ الْفَسْخُ فِيهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعَتِيقَ كُلَّهُ كُفْءٌ لِحُرَّةِ الْأَصْلِ.