مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 336-375
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ

صفحات 336-375
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ (وَالْأُمُّ مَيْتَةٌ) لِفَوَاتِ شَرْطِ الذَّكَاةِ، وَهُوَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ مَعَ الْقُدْرَةِ.

(وَكُرِهَ ذَبْحٌ بِآلَةٍ كَالَّةٍ) لِحَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ مَرْفُوعًا: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّ الذَّبْحَ بِالْكَالَّةِ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ.
(وَ) كُرِهَ (حَدُّهَا) ، أَيْ: الْآلَةِ (وَالْحَيَوَانُ يَرَاهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُحَدَّ الشِّفَارُ وَأَنْ تَوَارَى عَنْ الْبَهَائِمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَ) كُرِهَ (سَلْخُهُ) ، أَيْ: الْحَيَوَانِ الْمَذْبُوحِ (وَكَسْرُ عُنُقِهِ أَوْ نَتْفُ رِيشِهِ) قَبْلَ زَهُوقِ نَفْسِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ، يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مِنًى بِكَلِمَاتٍ مِنْهَا: لَا تُعَجِّلُوا الْأَنْفُسَ أَنْ تُزْهَقَ، وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَبِعَالٍ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَكَسْرُ الْعُنُقِ إعْجَالُ زَهُوقِ الرَّوْحِ، وَفِي مَعْنَاهُ السَّلْخُ، وَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي حِلِّهَا لِتَمَامِ الذَّكَاةِ بِالذَّبْحِ، وَالْبِعَالُ: الْجِمَاعُ وَمُلَاعَبَةُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ.

(وَ) كُرِهَ (نَفْخُ لَحْمٍ يُبَاعُ) ؛ لِأَنَّهُ غِشٌّ.
(وَسُنَّ تَوْجِيهُهُ) ، أَيْ: الْمُذَكَّى يُجْعَلُ وَجْهُهُ (لِلْقِبْلَةِ) ، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهَا حَلَّ وَلَوْ عَمْدًا وَسُنَّ كَوْنُهُ (عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ وَرِفْقٌ بِهِ وَحَمْلٌ عَلَى الْآلَةِ بِقُوَّةٍ وَإِسْرَاعٌ بِالشَّحْطِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» .

(وَإِنْ ذَبَحَ كِتَابِيٌّ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ يَقِينًا كَذِي الظُّفْرِ) ، أَيْ: مَا لَيْسَ بِمُنْفَرِجِ الْأَصَابِعِ (مِنْ نَحْوِ إبِلٍ وَنَعَامٍ وَبَطٍّ) لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْنَا، لِوُجُودِ الذَّكَاةِ، وَقَصْدُ حِلِّهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، (أَوْ) ذَبَحَ كِتَابِيٌّ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ (ظَنًّا، فَكَانَ كَمَا ظَنَّ أَوْ لَا) ، أَيْ: أَوْ لَمْ يَكُنْ كَمَا ظَنَّ (كَحَالِ الرِّئَةِ زَاعِمِينَ) ، أَيْ: الْيَهُودَ (تَحْرِيمَهَا) ، أَيْ: الْمَذْبُوحَةِ (إنْ وُجِدَتْ) رِئَتُهَا (لَاصِقَةً بِالْأَضْلَاعِ) وَيُسَمُّونَهَا اللَّازِقَةَ، وَيَمْنَعُونَ مِنْ أَكْلِهَا، وَإِنْ وُجِدَتْ غَيْرَ لَاصِقَةٍ بِالْأَضْلَاعِ أَكَلُوهَا،

(أَوْ) ذَبَحَ (كِتَابِيٌّ لِعِيدِهِ أَوْ لِيَتَقَرَّبَ بِهِ إلَى شَيْءٍ يُعَظِّمُهُ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْنَا إذَا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ - تَعَالَى - فَقَطْ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ طَعَامِهِمْ، فَدَخَلَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ وَلِقَصْدِهِ الذَّكَاةَ وَحِلَّ ذَبِيحَتِهِ.
فَإِنْ ذَكَرَ عَلَيْهِ غَيْرَ اسْمِهِ - تَعَالَى - وَحْدَهُ أَوْ مَعَ اسْمِهِ - تَعَالَى - لَمْ يَحِلَّ؛ لِأَنَّهُ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ (لَكِنْ يُكْرَهُ مَا ذَبَحَهُ كِتَابِيٌّ لِعِيدِهِ أَوْ لِمَنْ يُعَظِّمُهُ) كَمَرْيَمَ وَعِيسَى إنْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ اسْمِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ طَعَامِهِمْ، فَدَخَلَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ الذَّكَاةَ وَهُوَ مِمَّنْ تَحِلُّ ذَبِيحَتَهُ، وَكَوْنُهُ يُكْرَهُ لِلْخِلَافِ فِيهِ.
(وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ (أَنَّهُ يَحْرُمُ) ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمَنْوِيُّ بِهِ ذَلِكَ) ، أَيْ: لِأَنَّهُ لِلْعِيدِ أَوْ لِمَنْ يُعَظِّمُهُ؛ لِأَنَّهُ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَالْأَوَّلُ عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ.
وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ إنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا وَذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ مَعَهُ أَوْ مُنْفَرِدًا، لَمْ يَحِلَّ.

(وَإِنْ ذَبَحَ كِتَابِيٌّ مَا يَحِلُّ لَهُ) مِنْ الْحَيَوَانِ كَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (لَمْ تَحْرُمُ عَلَيْنَا الشُّحُومُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ، وَهِيَ شَحْمُ الْكُلْيَتَيْنِ) وَأَحَدُهُمَا كُلْيَةٌ أَوْ كُلْوَةٌ بِضَمِّ الْكَافِ فِيهَا، وَالْجَمْعُ كُلُيَاتٍ وَكُلًى (وَ) شَحْمُ (الثَّرْبِ) بِوَزْنِ فَلْسِ، أَيْ: (شَحْمُ رَقِيقٌ يُغَشِّي الْكَرِشَ وَالْأَمْعَاءَ) وَذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: 146] ، وَإِنَّمَا يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ هَذَانِ الشَّحْمَانِ (كَذَبْحِ مَالِكِيٍّ فَرَسًا) مُسَمِّيًا فَتَحِلُّ لَنَا، وَإِنْ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهَا (وَ) كَذَبْحِ (حَنَفِيٍّ حَيَوَانًا) مَأْكُولًا (فَيَبِينُ حَامِلًا) فَيَحِلُّ لَنَا جَنِينُهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً بِغَيْرِ ذَكَاةٍ مَعَ اعْتِقَادِ الْحَنَفِيِّ تَحْرِيمَهُ.

(وَيَحْرُمُ عَلَيْنَا إطْعَامُهُمْ) ، أَيْ: الْيَهُودِ (شَحْمًا) مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ (مِنْ ذَبِيحَتِنَا لِبَقَاءِ تَحْرِيمِهِ) عَلَيْهِمْ نَصًّا، لِثُبُوتِ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ بِنَصِّ الْكِتَابِ،

فَإِطْعَامُهُمْ مِنْهُ حَمْلٌ لَهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (كَمَا لَا يَجُوزُ إطْعَامُ مُسْلِمٍ مَا حُرِّمَ) عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أَنَّ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ إطْعَامُهُ لِمُسْلِمٍ آخَرَ إذَا كَانَ ذَلِكَ الطَّعَامُ مُحَرَّمًا (عِنْدَ طَاعِمٍ) ، أَيْ: آكِلٍ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ حَنْبَلِيٌّ بَهِيمَةً، فَوَجَدَ جَنِينَهَا مَيِّتًا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ لِحَنَفِيٍّ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عِنْدَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَتَحِلُّ ذَبِيحَتُنَا لَهُمْ) ، أَيْ: لِأَهْلِ الْكِتَابِ (مَعَ اعْتِقَادِهِمْ تَحْرِيمَهَا اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِنَا) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: 5] . (وَيَتَّجِهُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إطْعَامُ) حَنْبَلِيٍّ (لِشَافِعِيٍّ أَفْطَرَ) يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ مَعَ وُجُودِ غَيْمٍ لَيْلَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَإِنْ وَجَبَ عَلَى الْحَنْبَلِيِّ الصَّوْمُ (لِأَنَّهُ) ، أَيْ: الْوُجُوبُ (اعْتِقَادٌ ظَنِّيٌّ) لَا قَطْعِيٌّ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى شَافِعِيٍّ إطْعَامُ حَنْبَلِيٍّ) فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (لِأَنَّهُ) ، أَيْ: الطَّعَامَ (إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ) فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَيَحِلُّ) حَيَوَانٌ (مَذْبُوحٌ مَنْبُوذٌ بِمَحِلٍّ يَحِلُّ ذَبْحُ أَكْثَرِ أَهْلِهِ) كَكَوْنِ أَكْثَرِهِمْ مُسْلِمِينَ أَوْ كِتَابِيِّينَ، وَلَوْ جُهِلَتْ تَسْمِيَةُ ذَابِحٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَتَقَدَّمَ لِتَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى كُلِّ ذَابِحٍ لَيَعْلَمَ هَلْ سَمَّى أَمْ لَا؟

(وَيَحِلُّ مَا وُجِدَ بِبَطْنِ سَمَكٍ أَوْ) بِبَطْنِ (مَأْكُولٍ مُذَكًّى أَوْ) وُجِدَ (بِحَوْصَلَتِهِ أَوْ فِي رَوْثِهِ مِنْ سَمَكٍ وَجَرَادٍ) أَمَّا السَّمَكُ وَالْجَرَادُ فَلِحَدِيثِ:

«أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ» الْخَبَرَ، وَأَمَّا الْحَبُّ فَلِأَنَّهُ طَعَامٌ طَاهِرٌ وُجِدَ فِي مَحِلٍّ طَاهِرٍ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ أَشْبَهَ مَا لَوْ وُجِدَ مُلْقًى.

(وَتَحْرُمُ الْمَصْبُورَةُ) وَالْمُجَثَّمَةُ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْجُثَمَةِ وَعَنْ أَكْلِهَا وَعَنْ الْمَصْبُورَةِ وَعَنْ أَكْلِهَا» (وَهِيَ) ، أَيْ: الْمُجَثَّمَةُ (الطَّائِرُ أَوْ الْأَرْنَبُ يُجْعَلُ غَرَضًا يُرْمَى بِالسِّهَامِ حَتَّى يُقْتَلَ) فَلَا يَحِلُّ، لِعَدَمِ الذَّكَاةِ، وَلَكِنَّهُ يُذْبَحُ ثُمَّ يَرْمُونَ إنْ شَاءُوا، وَالْمَصْبُورَةُ مِثْلُهُ إلَّا أَنَّ الْمُجَثَّمَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الطَّائِرِ أَوْ الْأَرْنَبِ وَأَشْبَاهِهَا.
(وَ) الْمَصْبُورَةُ (كُلُّ حَيَوَانٍ يُحْبَسُ لِلْقَتْلِ) ، أَيْ: يُحْبَسُ ثُمَّ يُرْمَى حَتَّى يُقْتَلَ فَهُوَ (مَصْبُورَةٌ)

[تَتِمَّةٌ يَحْرُمُ بَوْلُ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ مَأْكُولٍ]

ٍ كَرَوْثٍ؛ لِأَنَّهُ رَجِيعٌ مُسْتَخْبَثٌ، وَتَقَدَّمَ يَجُوزُ التَّدَاوِي بِبَوْلِ إبِلٍ، لِلْخَبَرِ.
وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هُوَ الذَّبِيحُ عَلَى الصَّحِيحِ، لَا إِسْحَاقُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ، وَتَشْهَدُ بِهِ الْأَخْبَارُ.

[كِتَابُ الصَّيْدِ]

ِ مَصْدَرُ صَائِدٍ، وَشَرْعًا (اقْتِنَاصُ حَيَوَانٍ حَلَالٍ مُتَوَحِّشٍ طَبْعًا غَيْرِ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ) وَلَا مَمْلُوكٍ، فَاقْتِنَاصُ نَحْوِ ذِئْبٍ وَنَمِرٍ، وَمَا نَدَّ مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ، وَمَا تَأَهَّلَ مِنْ نَحْوِ غِزْلَانٍ، أَوْ مُلِكَ مِنْهَا لَيْسَ صَيْدًا (وَالْمُرَادُ بِهِ) ، أَيْ: الصَّيْدِ (هُنَا الْمَصْيُودُ، وَهُوَ حَيَوَانٌ مُقْتَنَصٌ) بِفَتْحِ النُّونِ (إلَى آخِرِ الْحَدِّ) ، أَيْ: مُتَوَحِّشٌ طَبْعًا غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ وَلَا مَمْلُوكٍ (وَيُبَاحُ لِقَاصِدِهِ) إجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96] وَقَوْلِهِ

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 4] وَحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي بِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وَيُكْرَهُ) الصَّيْدُ (لَهْوًا) ؛ لِأَنَّهُ عَبَثٌ (وَإِنْ آذَى بِهِ النَّاسَ فِي زَرْعِهِمْ وَمَالِهِمْ فَحَرَامٌ) ؛ لِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ (فَإِنْ احْتَاجَهُ) أَيْ: الصَّيْدَ لِقُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ (وَجَبَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ.
(وَهُوَ) ، أَيْ: الصَّيْدُ (أَفْضَلُ مَأْكُولٍ) ؛ لِأَنَّهُ حَلَالٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ.

(وَالزِّرَاعَةُ أَفْضَلُ مُكْتَسَبٍ) ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى التَّوَكُّلِ لِخَبَرِ: «لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا، وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ» قَالَ فِي الرِّعَايَةِ " وَأَفْضَلُ الْمَعَاشِ التِّجَارَةُ (وَأَفْضَلُ التِّجَارَةِ فِي بَزٍّ وَعِطْرٍ وَزَرْعٍ وَغَرْسٍ وَمَاشِيَةٍ) لِبُعْدِهَا عَنْ الشُّبْهَةِ وَالْكَذِبِ (وَأَبْغَضُهَا) ، أَيْ: التِّجَارَةِ (فِي رَقِيقٍ وَصَرْفٍ) لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِيهَا.
(وَأَفْضَلُ الصِّنَاعَةِ خِيَاطَةٌ، وَنَصَّ) أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ (أَنَّ كُلَّ مَا نُصِحَ فِيهِ فَحَسَنٌ) وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: حَثَّنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى لُزُومِ الصَّنْعَةِ، لِلْخَبَرِ.
(وَأَدْنَاهَا) ، أَيْ: الصِّنَاعَةِ (نَحْوُ حِيَاكَةٍ وَحِجَامَةٍ) وَقُمَامَةٍ وَزُبَالَةٍ وَدَبْغٍ، وَفِي الْحَدِيثِ «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» (وَأَشَدُّهَا) ، أَيْ: الصَّنَائِعِ (كَرَاهَةً صَبْغٌ وَصِبَاغَةٌ وَحِدَادَةٌ وَجِزَارَةٌ) لِمَا يَدْخُلُهَا مِنْ الْغِشِّ وَمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ (فَيُكْرَهُ كَسْبُ مَنْ صَنَعْتُهُ دَنِيئَةٌ) . قَالَ فِي الْفُرُوعِ (مَعَ إمْكَانِ) مَا هُوَ (أَصْلَحُ مِنْهَا) وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُحْتَاجًا إلَى هَذَا الْكَسْبِ لَيْسَ لَهُ مَا يُغْنِيهِ عَنْهُ

إلَّا الْمَسْأَلَةَ لِلنَّاسِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ أَنَّ الصَّنَائِعَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَيَنْبَغِي لِكُلِّ ذِي صِنَاعَةٍ أَنْ يَنْوِيَ بِهَا الْقِيَامَ بِذَلِكَ الْفَرْضِ لِتَنْقَلِبَ طَاعَةً، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .

(وَيُسْتَحَبُّ الْغَرْسُ وَالْحَرْثُ) ، أَيْ: الزَّرْعُ (وَاِتِّخَاذُ الْغَنَمِ) لِلْخَبَرِ (وَيُسَنُّ التَّكَسُّبُ وَمَعْرِفَةُ أَحْكَامِهِ حَتَّى مَعَ الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: 15] وَيُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَالطَّيْرِ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَعُودُ بِطَانًا» . وَالْأَخْذُ فِي الْأَسْبَابِ مِنْ التَّوَكُّلِ.
(وَيُقَدَّمُ الْكَسْبُ لِعِيَالِهِ عَلَى كُلِّ نَفْلٍ) ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّطَوُّعِ.

(وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ) ، أَيْ: التَّكَسُّبِ (وَالِاتِّكَالُ عَلَى النَّاسِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَمْ أَرَ مِثْلَ الْغِنَى عَنْ النَّاسِ.
وَقَالَ فِي قَوْمٍ لَا يَعْمَلُونَ وَيَقُولُونَ: مُتَوَكِّلُونَ: هَؤُلَاءِ مُبْتَدِعُونَ) لِتَعْطِيلِهِمْ الْأَسْبَابَ (وَدَعَا) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (لِعَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، ثُمَّ قَالَ لِأَبِيهِ: أَلْزِمْهُ السُّوقَ وَجَنِّبْهُ أَقْرَانَهُ) قَالَ الْقَاضِي: الْكَسْبُ الَّذِي لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّكَاثُرُ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّوَسُّلُ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ مِنْ صِلَةِ الْإِخْوَانِ وَالتَّعَفُّفِ عَنْ وُجُوهِ النَّاسِ، فَهُوَ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ وَمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ التَّفَرُّغِ إلَى طَلَبِ الْعِبَادَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ مَنَافِعَ النَّاسِ، وَخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ.
(وَفِي الرِّعَايَةِ يُبَاحُ كَسْبُ الْحَلَالِ لِزِيَادَةِ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالتَّرَفُّهِ وَالتَّنَعُّمِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِيَالِ مَعَ سَلَامَةِ الدِّينِ وَالْعِرْضِ) وَالْمُرُوءَةِ (وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ إذَنْ.
(وَيَجِبُ) التَّكَسُّبُ (عَلَى مَنْ لَا قُوتَ لَهُ) وَلَا لِمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، لِحِفْظِ نَفْسِهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ قُلْتُ وَكَذَا مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَاجِبٌ لِأَدَائِهِ.

(وَيَتَّجِهُ وَيُسْتَحَبُّ) كَسْبُ (مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْكِفَايَةِ لِيُوَاسِيَ) الْمُكْتَسِبُ (بِهِ) ، أَيْ: الزَّائِدِ (فَقِيرًا، وَيَصِلَ بِهِ قَرِيبًا) طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ يَحْرُمُ) الْكَسْبُ (لِلتَّفَاخُرِ وَالتَّكَاثُرِ) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَاظُمِ الْمُفْضِي إلَى هَلَاكِ صَاحِبِهِ دُنْيَا وَأُخْرَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ

[فَصْلٌ فِي حُكْم الصَّيْد المجروح]

فَصْلٌ (فَمَنْ أَدْرَكَ صَيْدًا مَجْرُوحًا مُتَحَرِّكًا فَوْقَ حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ، وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ لِتَذْكِيَتِهِ، لَمْ يُبَحْ إلَّا بِهَا) ، أَيْ: بِتَذْكِيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ وَفِي حُكْمِ الْحَيِّ حَتَّى (وَلَوْ خَشِيَ مَوْتَهُ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُذْكِيهِ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ مَعَ وُجُودِ آلَتِهَا، فَكَذَا مَعَ عَدَمِهَا كَسَائِرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ امْتَنَعَ) صَيْدٌ جُرِحَ (بِعَدْوِهِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ حَتَّى مَاتَ تَعَبًا، فَهُوَ حَلَالٌ) بِشُرُوطِهِ الْآتِيَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَذْكِيَتِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْرَكَهُ مَيِّتًا، خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ.
(وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ) الْوَقْتُ (لَهَا) ، أَيْ: التَّذْكِيَةِ (فَكَمَيِّتٍ يَحِلُّ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا كَوْنُ صَائِدٍ أَهْلًا لِذَكَاةٍ) ، أَيْ: تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالصَّائِدُ بِمَنْزِلَةِ الْمُذْكِي (وَلَوْ) كَانَ الصَّائِدُ (أَعْمَى) فَيَحِلُّ صَيْدُهُ كَذَكَاتِهِ (فَلَا يَحِلُّ صَيْدٌ) يَفْتَقِرُ إلَى ذَكَاةٍ، بِخِلَافِ سَمَكٍ وَجَرَادٍ (شَارَكَ فِي قَتْلِهِ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ فِيمَا تُشْتَرَطُ ذَكَاتُهُ) مِنْ الطَّيْرِ وَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (بِخِلَافِ سَمَكٍ كَمَجُوسِيٍّ) مُتَعَلِّقٌ بِلَا تَحِلُّ

(وَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كِتَابِيٍّ، وَلَوْ قَتَلَهُ بِجَارِحَةٍ حَتَّى وَلَوْ أَسْلَمَ) الْمَجُوسِيُّ وَنَحْوُهُ (بَعْدَ إرْسَالِهِ) ، أَيْ الْجَارِحِ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْإِرْسَالِ، وَلِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ سَبَبُ قَتْلٍ وَسَبَبُ تَحْرِيمٍ، فَغَلَبَ التَّحْرِيمُ (وَإِنْ لَمْ يُصِبْ مَقْتَلَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدِ (إلَّا أَحَدُهُمَا) ، أَيْ: أَحَدُ جَارِحَيْ الْمُسْلِمِ وَنَحْوِ الْيَهُودِيِّ (عُمِلَ بِهِ،) فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَ مَقْتَلَهُ جَارِحُ مَنْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ حَلَّ، وَبِالْعَكْسِ لَا يَحِلُّ.

(وَلَوْ أَثْخَنَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ (كَلْبُ مُسْلِمٍ، ثُمَّ قَتَلَهُ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ حَرُمَ) الصَّيْدُ وَضَمِنَهُ الْمَجُوسِيُّ (لَهُ) ، أَيْ لِلْمُسْلِمِ بِقِيمَتِهِ مَجْرُوحًا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبَهُ) لِصَيْدٍ (فَزَجَرَهُ مَجُوسِيٌّ فَزَادَ عَدْوُهُ) بِزَجْرِ الْمَجُوسِيِّ لَهُ، فَقَتَلَ صَيْدًا حَلَّ؛ لِأَنَّ الصَّائِدَ هُوَ الْمُسْلِمُ (أَوْ رَدَّ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى كَلْبِ مُسْلِمٍ (كَلْبُ مَجُوسِيٍّ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ) كَلْبُ الْمُسْلِمِ حَلَّ لِانْفِرَادِ جَارِحِ الْمُسْلِمِ بِقَتْلِهِ كَمَا لَوْ أَمْسَكَ مَجُوسِيٌّ شَاةً فَذَبَحَهَا مُسْلِمٌ (أَوْ ذَبَحَ) مُسْلِمٌ (مَا) ، أَيْ: صِيدًا (مَسَكَهُ لَهُ مَجُوسِيٌّ بِكَلْبِهِ، وَقَدْ جَرَحَهُ) كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ جُرْحًا (غَيْرَ مُوحٍ وَيَتَّجِهُ بَلْ وَ) لَا بُدَّ مِنْ إدْرَاكِ الْمُسْلِمِ (فِيهِ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً) ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ كَذَلِكَ وَذَبَحَهُ - حَلَّ، لِحُصُولِ ذَكَاتِهِ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ الْمُسْلِمِ وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(أَوْ ارْتَدَّ) الْمُسْلِمُ بَيْنَ رَمْيِهِ وَإِصَابَتِهِ (أَوْ مَاتَ الْمُسْلِمُ بَيْنَ رَمْيِهِ وَإِصَابَتِهِ، حَلَّ) الصَّيْدُ اعْتِبَارًا بِحَالِ الرَّمْيِ.
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ صَادَ الْمُسْلِمُ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ، حَلَّ وَلَمْ يُكْرَهْ.
قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ.

(وَإِنْ رَمَى مُسْلِمٌ صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ، ثُمَّ رَمَاهُ) ثَانِيًا، أَوْ رَمَاهُ (آخَرُ فَقَتَلَهُ، أَوْ أَوْحَاهُ) الثَّانِي (بَعْدَ إيحَاءِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَحِلَّ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ بِإِثْبَاتِهِ فَلَا يُبَاحُ إلَّا بِذَبْحِهِ (وَلِمُثْبِتِهِ قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا) عَلَى رَامِيهِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ (حَتَّى وَلَوْ أَدْرَكَ الْأَوَّلُ ذَكَاتَهُ فَلَمْ يُذَكِّهِ إلَّا أَنْ يُصِيبَ الرَّامِي الْأَوَّلُ مَقْتَلَهُ)

كَحُلْقُومِهِ أَوْ مَنْحَرِهِ أَوْ قَلْبِهِ، وَجِرَاحَةُ الثَّانِي غَيْرُ مُوحِيَةٍ، فَيَحِلُّ لَنَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْتُولًا بِالرَّمْيَةِ الْأُولَى، فَلَا تُؤَثِّرُ الثَّانِيَةُ تَحْرِيمَهُ (أَوْ) يُصِيبُ الرَّامِي (الثَّانِي مَذْبَحَهُ فَيَحِلُّ) ؛ لِأَنَّهُ مُذَكًّى (وَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ خَرْقِ جِلْدِهِ) لِتَنْقِيصِهِ لَهُ، وَإِنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا حَلَّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ امْتِنَاعِهِ.
(فَلَوْ كَانَ الْمَرْمِيُّ قِنًّا) لِلْغَيْرِ (أَوْ شَاةً لِلْغَيْرِ) ، أَيْ: غَيْرِ الرَّامِيَيْنِ (وَلَمْ يُوحِيَاهُ، وَسَرَيَا) ، أَيْ: الْجُرْحَانِ (فَعَلَى الثَّانِي نِصْفُ قِيمَتِهِ) ، أَيْ: الْمَرْمِيِّ (مَجْرُوحًا بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ فِي قَتْلِهِ بِغَيْرِ جُرْحِ الْأَوَّلِ لَهُ (وَيُكَمِّلُهَا) ، أَيْ: قِيمَةَ الْمَرْمِيِّ حَالَ كَوْنِهِ (سَلِيمًا الْأَوَّلُ) لِمُشَارَكَتِهِ فِي قَتْلِهِ، وَلَا جِرَاحَةَ بِهِ حَالَ جِنَايَتِهِ.

(وَصَيْدُ قَتْلٍ بِإِصَابَتِهِمَا) ، أَيْ: إصَابَةِ اثْنَيْنِ يَحِلُّ ذَبْحُهَا (مَعًا) أَيْ فِي آنٍ وَاحِدٍ (حَلَالٌ بَيْنَهُمَا) نِصْفَيْنِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي إصَابَتِهِ (كَذَبْحِهِ مُشْتَرِكَيْنِ) يَعْنِي كَمَا لَوْ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي ذَبْحِ حَيَوَانٍ بِأَنْ تَحَرَّكَتْ أَيْدِيهِمَا فِي آنٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ حَلَالًا؛ لِأَنَّ التَّشْبِيهَ فِي حِلِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا.
(وَكَذَا لَوْ أَصَابَهُ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، وَوَجَدَاهُ مَيِّتًا، وَجُهِلَ قَاتِلُهُ) مِنْهُمَا، فَهُوَ حَلَالٌ بَيْنَهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ امْتِنَاعِهِ بَعْدَ إصَابَةِ الْأَوَّلِ، وَتَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ (فَإِنْ قَالَ الرَّامِي الْأَوَّلُ: أَنَا أَثْبَتُّهُ ثُمَّ قَتَلْته أَنْتِ فَتَضْمَنُهُ، فَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَهُ لَمْ يَحِلَّ) لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى تَحْرِيمِهِ (وَيَتَحَالَفَانِ) ، أَيْ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ الْآخَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَلَا ضَمَانَ) عَلَى أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ (وَإِنْ قَالَ الثَّانِي: أَنَا قَتَلْتُهُ، وَلَمْ تُثَبِّتْهُ أَنْتَ) فَيَحِلُّ لِي، وَلَا ضَمَانَ عَلَيَّ (صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ) ، أَيْ: الصَّيْدُ (لَهُ) وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ امْتِنَاعِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَى مُدَّعٍ إثْبَاتُهُ، لِاعْتِرَافِهِ بِالتَّحْرِيمِ.

الشَّرْطُ (الثَّانِي) - لِحِلِّ صَيْدٍ وُجِدَ مَيِّتًا أَوْ فِي حُكْمِهِ (الْآلَةُ وَهِيَ نَوْعَانِ) : أَحَدُهُمَا (مُحَدَّدٌ فَهُوَ كَآلَةِ ذَبْحٍ) فِيمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ (وَشُرِطَ جَرْحُهُ) ، أَيْ:

الصَّيْدِ (بِهِ) ، أَيْ: الْمُحَدَّدِ، لِحَدِيثِ: «وَمَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» وَحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ مَرْفُوعًا: «إذَا رَمَيْتَ فَسَمَّيْتَ فَخَرَقْتَ فَكُلْ وَإِنْ لَمْ تَخْرِقْ فَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْمِعْرَاضِ إلَّا مَا ذَكَّيْت وَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْبُنْدُقِ إلَّا مَا ذَكَّيْتَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ (فَإِنْ قَتَلَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ (بِثِقَلِهِ كَشَبَكَةٍ وَفَخٍّ وَعَصًا وَبُنْدُقَةٍ وَرَصَاصٍ وَلَوْ مَعَ شَدْخٍ أَوْ قَطْعِ حُلْقُومٍ وَمَرِيءٍ أَوْ بِعَرْضِ مِعْرَاضٍ وَهُوَ خَشَبَةٌ مُحَدَّدَةُ الطَّرَفِ) وَرُبَّمَا جَعَلَ فِي رَأْسِهِ حَدِيدَةً، لَكِنَّهُ يُصِيبُ غَالِبًا بِوَسَطِهِ دُونَ حَدِّهِ (وَلَمْ يَجْرَحْهُ، لَمْ يُبَحْ) أَكْلُهُ، لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ فَأُصِيبُ، فَقَالَ إذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَرَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضٍ فَلَا تَأْكُلْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وَمَنْ نَصَبَ مِنْجَلًا أَوْ سِكِّينًا أَوْ سَيْفًا مُسَمِّيًا حَلَّ مَا قَتَلَهُ) ذَلِكَ (بِجُرْحٍ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِ نَاصِبٍ أَوْ رِدَّتِهِ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ النَّصْبِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِلَّا يَقْتُلْهُ ذَلِكَ بِجُرْحِهِ، أَوْ لَمْ يُسَمِّ عِنْدَ النَّصْبِ، فَلَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ وَقِيذٌ (وَالْحَجَرُ إنْ كَانَ لَهُ حَدٌّ فَكَمِعْرَاضٍ) يَحِلُّ مَا قَتَلَهُ بِحَدِّهِ لَا بِعَرْضِهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ حَدٌّ (فَكَبُنْدُقَةٍ) لَا يَحِلُّ مَا قَتَلَهُ بِثِقَلِهِ (وَلَوْ خَزَقَ) ؛ لِأَنَّهُ وَقِيذٌ.
(وَلَا يُبَاحُ مَا قَتَلَ بِمُحَدَّدٍ فِيهِ سُمٌّ مَعَ احْتِمَالِ إعَانَتِهِ) أَيْ: السُّمِّ (عَلَى قَتْلِهِ) ، أَيْ الصَّيْدِ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ.

(وَمَا رَمَى مِنْ صَيْدٍ فَوَقَعَ فِي مَاءٍ وَلَمْ يَكُنْ طَيْرَ مَاءٍ أَوْ تَرَدَّى مِنْ عُلُوٍّ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَكُلُّ مِنْ ذَلِكَ) ، أَيْ: الْوُقُوعِ مِنْ عُلُوٍّ وَالتَّرَدِّي فِي مَاءٍ وَوَطْءِ شَيْءٍ عَلَيْهِ (يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ لَمْ يَحِلَّ) لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قُتِلَ فَكُلْ إلَّا أَنْ تَجِدَهُ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي: الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالتَّرَدِّي وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ كَالْمَاءِ فِي ذَلِكَ وَتَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَقْتُلُهُ مِثْلَ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ رَأْسُ الْحَيَوَانِ خَارِجَ الْمَاءِ، أَوْ

كَانَ مِنْ طَيْرِهِ حَلَّ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَقْتُلْهُ (وَلَوْ) كَانَ (مَعَ إيحَاءِ جُرْحٍ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ وَقِيَامِ الِاحْتِمَالِ.
(وَإِنْ رَمَاهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ (بِالْهَوَاءِ أَوْ عَلَى شَجَرَةٍ أَوْ عَلَى حَائِطٍ، فَسَقَطَ، فَمَاتَ، حَلَّ؛ لِأَنَّ سُقُوطَهُ بِالْإِصَابَةِ) وَوُقُوعَهُ بِالْأَرْضِ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَلَوْ حُرِّمَ بِهِ أَدَّى إلَى أَنْ لَا يَحِلَّ طَيْرٌ أَبَدًا (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيِّ التَّحْرِيمُ لَوْ رَمَاهُ فِي الْهَوَاءِ فَسَقَطَ عَلَى حَائِطٍ ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ) لِاحْتِمَالِ حُصُولِ الْمَوْتِ بِسَبَبِهِ، أَيْ سَبَبِ وُقُوعِهِ عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(أَوْ) رَمَى صَيْدًا، فَعَقَرَهُ، ثُمَّ (غَابَ مَا عَقَرَ، أَوْ غَابَ مَا أُصِيبَ) بِرَمْيِهِ (يَقِينًا، وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ (لَيْلًا، ثُمَّ وَجَدَ) الصَّيْدَ (وَلَوْ بَعْدَ يَوْمِهِ) الَّذِي رَمَاهُ فِيهِ (مَيِّتًا، حَلَّ) لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَرْضُنَا أَرْضُ صَيْدٍ فَيَرْمِي أَحَدُنَا الصَّيْدَ فَيَغِيبُ عَنْهُ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَيَجِدُ فِيهِ سَهْمَهُ؟ فَقَالَ: إذَا وَجَدْتَ سَهْمَكَ وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ غَيْرِهِ، وَعَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ فَكُلْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
وَفِي لَفْظٍ قَالَ: «عَلِمْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرْمِي الصَّيْدَ فَأَجِدُ فِيهِ سَهْمِي مِنْ الْغَدِ، فَقَالَ إذَا عَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ، وَلَمْ تَجِدْ أَثَرَ سَبْعٍ فَكُلْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ (كَمَا لَوْ وَجَدَهُ) ، أَيْ الصَّيْدَ (بِفَمِ جَارِحِهِ، أَوْ وَجَدَهُ هُوَ يَعْبَثُ بِهِ أَوْ فِيهِ سَهْمُهُ) فَيَحِلُّ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ كَذَلِكَ بِلَا أَثَرٍ لِغَيْرِهِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ مَوْتِهِ بِجَارِحِهِ أَوْ بِسَهْمِهِ، أَوْ وَجَدَ فِيهِ أَثَرًا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ، مِثْلُ أَكْلِ حَيَوَانٍ ضَعِيفٍ كَنُسُورٍ وَثَعْلَبٍ مِنْ حَيَوَانٍ قَوِيٍّ، (أَوْ) فِيهِ (تَهَشُّمٌ) مِنْ وَقْعَتِهِ، فَيَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَمْ يَقْتُلْهُ.

(وَلَا يَحِلُّ مَا) ، أَيْ صَيْدٌ (وُجِدَ بِهِ أَثَرٌ آخَرَ) لِغَيْرِ جَارِحِهِ أَوْ سَهْمِهِ (يُحْتَمَلُ إعَانَتِهِ فِي قَتْلِهِ) كَأَكْلِ سَبْعٍ لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ.

(وَمَا غَابَ) مِنْ صَيْدٍ (قَبْلَ عَقْرِهِ، ثُمَّ وَجَدَهُ وَفِيهِ سَهْمُهُ أَوْ عَلَيْهِ جَارِحُهُ حَلَّ) كَمَا لَوْ غَابَ بَعْدَ عَقْرِهِ (فَلَوْ وَجَدَ مَعَ جَارِحِهِ) جَارِحًا (آخَرَ وَجَهِلَ هَلْ سُمِّيَ عَلَيْهِ) أَوْ لَا لَمْ يَحِلَّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَكُلْ.
قُلْتُ أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ، قَالَ: لَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ إنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الْآخَرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(أَوْ) وَجَدَ مَعَ جَارِحِهِ آخَرَ وَجَهِلَ هَلْ (اسْتَرْسَلَ) الْجَارِحُ الْآخَرُ (بِنَفْسِهِ أَوْ لَا) لَمْ يُبَحْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّيْدِ الْحَظْرُ، وَلَمْ يُعْلَمْ الْمُبِيحُ، وَإِرْسَالُ الْآلَةِ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ، وَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَتْ التَّسْمِيَةُ عَنْهُ إرْسَالُهَا (أَوْ جَهِلَ حَالَ مُرْسَلِهِ) ، أَيْ: الْجَارِحِ الَّذِي وَجَدَهُ مَعَ جَارِحِهِ (هَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّيْدِ أَوْ لَا؟ وَلَمْ يَعْلَمْ أَيُّ الْجَارِحَيْنِ قَتَلَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ، لَمْ يُبَحْ (أَوْ عَلِمَ أَنَّهُمَا قَتَلَاهُ مَعًا، أَوْ عَلِمَ أَنَّ مَنْ جَهِلَ هُوَ الْقَاتِلُ، لَمْ يُبَحْ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَلَا تَأْكُلْ» وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْحَظْرُ، وَقَدْ شَكَّ فِي الْمُبِيحِ.
(وَإِنْ عَلِمَ كَوْنَهُ، أَيْ: مُرْسِلِ الْجَارِحِ مِنْ أَهْلِ الصَّيْدِ) وَكَانَ (مُسَمِّيًا) عِنْدَ إرْسَالِهِ (حَلَّ، ثُمَّ إنْ كَانَ) ، أَيْ: الْجَارِحَانِ (قَتَلَاهُ مَعًا) أَيْ: فِي آنٍ وَاحِدٍ (فَ) الصَّيْدُ (بَيْنَ صَاحِبَيْهِمَا) ، أَيْ: الْجَارِحَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا (وَإِنْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا مُتَعَلِّقًا بِهِ فَ) هُوَ (لِصَاحِبِهِ) أَيْ: الْجَارِحِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ الَّذِي قَتَلَهُ (وَيَحْلِفُ مَنْ حُكِمَ لَهُ بِهِ) ، أَيْ: الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِدَعْوَى الْآخَرِ.
وَإِنْ قَتَلَ الصَّيْدَ أَحَدُ الْجَارِحَيْنِ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْجَارِحِ الْقَاتِلِ لَهُ، لِإِثْبَاتِهِ لَهُ، وَإِنْ جُهِلَ الْحَالُ فَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ قَتَلَهُ الْجَارِحَانِ مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ أَوْ عُلِمَ أَنْ أَحَدَهُمَا قَتَلَهُ وَحْدَهُ وَجُهِلَتْ عَيْنُهُ، فَإِنْ وُجِدَا مُتَعَلَّقَيْنِ بِالصَّيْدِ، فَبَيْنَ صَاحِبَيْ الْجَارِحَيْنِ نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ جَارِحَيْهِمَا قَتَلَاهُ (وَإِنْ وُجِدَا) ، أَيْ: الْجَارِحَانِ (نَاحِيَةً) مِنْ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ (وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى

الْآخَرِ (فَإِنْ خِيفَ فَسَادُهُ) ، أَيْ: الصَّيْدِ لِتَأَخُّرِ صُلْحِهِمَا (بِيعَ) ، أَيْ: بَاعَهُ الْحَاكِمُ (وَاصْطَلَحَا عَلَى ثَمَنِهِ) لِتَعَذُّرِ الْقَضَاءِ بِهِ لِأَحَدِهِمَا.

(وَيَحْرُمُ عُضْوٌ أَبَانَهُ صَائِدٌ) مِنْ صَيْدٍ (بِمُحَدِّدٍ مِمَّا بِهِ) ، أَيْ: الْمُبَانِ مِنْهُ (حَيَاةٌ مُعْتَبَرَةٌ) لِحَدِيثِ «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ كَمَيْتَةٍ» (لَا إنْ مَاتَ) الصَّيْدُ الْمُبَانُ مِنْهُ (فِي الْحَالِ) فَيَحِلُّ كَمَا لَوْ لَمْ تَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قَالَ أَحْمَدُ إنَّمَا حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا قَطَعْتَ مِنْ الْحَيِّ مَيْتَةٌ» إذَا قُطِعَتْ وَهِيَ حَيَّةٌ تَمْشِي وَتَذْهَبُ، أَمَّا إذَا كَانَتْ الْبَيْنُونَةُ وَالْمَوْتُ جَمِيعًا أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ إذَا كَانَ فِي عِلَاجِ الْمَوْتِ فَلَا بَأْسَ بِهِ أَلَا تَرَى الَّذِي يُذْبَحُ رُبَّمَا يَمْكُثُ سَاعَةً وَرُبَّمَا مَشَى حَتَّى يَمُوتَ؟ وَكَذَا لَوْ قَدَّهُ الصَّائِدُ نِصْفَيْنِ (أَوْ كَانَ) الْمُبَانُ (مِنْ حُوتٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا تَحِلُّ مَيْتَتُهُ؛ لِأَنَّ قُصَارَاهُ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً، وَمَيْتَةُ السَّمَكِ مُبَاحَةٌ (وَإِنْ بَقِيَ) الْمَقْطُوعُ مِنْ غَيْرِ الْحُوتِ وَنَحْوِهِ (مُعَلَّقًا بِجِلْدِهِ حَلَّ بِحِلِّهِ) وَلِأَنَّهُ لَمْ يُبِنْ.

(وَتَحِلُّ طَرِيدَةٌ وَهِيَ الصَّيْدُ بَيْنَ قَوْمٍ) لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَكَاتِهِ (فَيَأْخُذُونَهُ قَطْعًا) قَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ بِالطَّرِيدَةِ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي مَغَازِيهِمْ وَمَا زَالَ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ فِي مَغَازِيهِمْ.
وَاسْتَحَبَّهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (وَكَذَا النَّادُّ) مِنْ الْإِبِلِ وَنَحْوِهَا إذَا تَوَحَّشَتْ، وَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَذْكِيَتِهَا.

(النَّوْعُ الثَّانِي) مِنْ آلَةِ الصَّيْدِ (جَارِحٌ فَيُبَاحُ مَا قَتَلَ) جَارِحٌ (مُعَلَّمٌ) مِمَّا يَصِيدُ بِنَابِهِ كَالْفُهُودِ وَالْكِلَابِ أَوْ بِمِخْلَبِهِ مِنْ الطَّيْرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4] الْآيَةَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ وَكُلُّ طَيْرٍ تَعَلَّمَ الصَّيْدَ وَالْفُهُودُ وَالصُّقُورُ وَأَشْبَاهُهَا.
وَالْجَارِحُ لُغَةً الْكَاسِبُ قَالَ - تَعَالَى - ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 60] ، أَيْ: كَسَبْتُمْ، وَيُقَالُ فُلَانٌ جَارِحَةُ أَهْلِهِ، أَيْ: كَاسِبُهُمْ، وَمُكَلِّبِينَ مِنْ التَّكْلِيبِ وَهُوَ الْإِغْرَاءُ (غَيْرُ كَلْبٍ أَسْوَدَ بَهِيمٍ وَهُوَ مَا لَا بَيَاضَ فِيهِ نَصًّا، فَيَحْرُمُ صَيْدُهُ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَقَالَ إنَّهُ شَيْطَانٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَيَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ «لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِقَتْلِهِ» ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ اقْتِنَاؤُهُ لَمْ يَجُزْ تَعْلِيمُهُ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيمَ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ جَوَازِ الْإِمْسَاكِ، فَيَكُونُ التَّعْلِيمُ حَرَامًا، وَالْحِلُّ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْمُحَرَّمِ، وَلِأَنَّهُ عَلَّلَ بِكَوْنِهِ شَيْطَانًا، وَمَا قَتَلَهُ الشَّيْطَانُ لَا يُبَاحُ أَكْلُهُ كَالْمُنْخَنِقَةِ.
(وَاقْتِنَاؤُهُ وَتَعْلِيمُهُ وَيُبَاحُ قَتْلُهُ) ، أَيْ: الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ، نَقَلَ مُوسَى بْنُ سَعِيدٍ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَكَذَا نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَتْلِ الْخِنْزِيرِ لَا بَأْسَ وَيَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ.

(وَلَا يُسَنُّ) قَتْلُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ.
(وَلَيْسَ بَهِيمًا مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ الَّذِي لَا بَيَاضَ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَهُوَ مَا لَا بَيَاضَ فِيهِ فِي الْأَشْهَرِ قَالَ الشَّارِحُ هُوَ الَّذِي لَا لَوْنَ فِيهِ سِوَى السَّوَادِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ فِيهِمَا، أَيْ: فِي قَوْلِهِ عَنْ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ وَهُوَ مَا لَا بَيَاضَ فِيهِ أَوْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ نُكْتَتَانِ وَفِي قَوْلِهِ: وَيُسَنُّ قَتْلُهُ مَعَ أَنَّهُ مُبَاحٌ لَا مَسْنُونٌ.

(وَيَجِبُ قَتْلُ كَلْبٍ عَقُورٍ) لِيُدْفَعَ شَرُّهُ عَنْ النَّاسِ (لَا إنْ عَقَرَتْ كَلْبَةٌ مَنْ قَرُبَ مِنْ وَلَدِهَا، أَوْ خَزَقَتْ ثَوْبَهُ) فَلَا يُبَاحُ قَتْلُهُ لَهَا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَقْرَهَا لَيْسَ عَادَةً لَهَا.
(وَلَا يُبَاحُ قَتْلُ غَيْرِ أَسْوَدَ وَعَقُورٍ لِلنَّهْيِ) عَنْهُ.
رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِهَا» الْحَدِيثَ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ لَا يُبَاحُ قَتْلُ شَيْءٍ مِنْ الْكِلَابِ سِوَى الْأَسْوَدِ وَالْعَقُورِ (إلَّا إنْ حَصَلَ بِهَا ضَرَرٌ أَوْ تَنَجُّسٌ كَكِلَابِ أَسْوَاقِ مِصْرَ) فَيُبَاحُ قَتْلُهَا إلْحَاقًا لَهَا بِبَاقِي

الْمُؤْذِيَاتِ عَلَى قَوْلٍ أَفْتَى بِهِ الْقَاضِي زَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيُّ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ.

(ثُمَّ تَعْلِيمُ مَا يَصِيدُ بِنَابِهِ كَفَهْدٍ وَكَلْبٍ) بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: (أَنْ يَسْتَرْسِلَ إذَا أُرْسِلَ، وَيَنْزَجِرَ إذَا زُجِرَ، لَا فِي وَقْتِ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ) قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَمَعْنَاهُ فِي الْوَجِيزِ وَإِذَا أَمْسَكَ صَيْدًا لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، لِحَدِيثِ: «فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ عَادَةَ الْمُعَلَّمِ أَنْ يَنْتَظِرَ صَاحِبَهُ إذَا أَطْعَمَهُ (وَلَا) يُعْتَبَرُ (تَكَرُّرُ ذَلِكَ) ، أَيْ: تَرْكُ الْأَكْلِ (فَلَوْ أَكَلَ بَعْدُ) ، أَيْ: بَعْدَ أَنْ صَادَ صَيْدًا، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ (لَمْ يَخْرُجْ) بِذَلِكَ (عَنْ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا) ؛ لِأَنَّ أَكْلَهُ إذَنْ قَدْ يَكُونُ لِجُوعٍ أَوْ تَوَحُّشٍ (وَلَمْ يَحْرُمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَيْدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ صَادَ حَالَ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحِلُّ.
وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُحَرِّمُهُ (وَلَمْ يُبَحْ مَا) ، أَيْ: صَيْدٌ (أُكِلَ مِنْهُ) لِلْخَبَرِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] وَهَذَا إنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ إنْ صَادَ بَعْدَ ذَلِكَ حَلَّ مَا لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِمَّا أَكَلَ مِنْهُ لِعَدَمِ تَعَلُّمِهِ بَلْ لِجُوعٍ أَوْ تَوَحُّشٍ.
(وَلَوْ شَرِبَ الصَّائِدُ دَمَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدِ (لَمْ يَحْرُمْ) بِذَلِكَ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ (وَيَجِبُ غَسْلُ مَا أَصَابَهُ فَمُ كَلْبٍ) لِتَنَجُّسِهِ، كَمَا لَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ وَنَحْوَهُ (وَيَتَّجِهُ) وَيَجِبُ أَيْضًا غَسْلُ مَا أَصَابَهُ فَمُ (نَحْوِ فَهْدٍ) كَنَمِرٍ (لِنَجَاسَتِهِ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَتَعْلِيمُ مَا يَصِيدُ بِمِخْلَبِهِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (كَبَازٍ وَصَقْرٍ وَعُقَابٍ) (بِ) أَمْرَيْنِ (أَنْ يَسْتَرْسِلَ إذَا أُرْسِلَ وَيَرْجِعَ إذَا دُعِيَ) لَا بِتَرْكِ الْأَكْلِ لِقَوْلِ

ابْنِ عَبَّاسٍ: إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ الصَّقْرُ فَكُلْ.
رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَلِأَنَّ تَعْلِيمَهُ بِالْأَكْلِ، وَيَتَعَذَّرُ تَعْلِيمُهُ بِدُونِهِ، بِخِلَافِ مَا يَصِيدُ بِنَابِهِ (وَيُعْتَبَرُ) لِحِلِّ صَيْدِ ذِي نَابٍ أَوْ مِخْلَبٍ (جَرَحَهُ) لِلصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ آلَةُ الْقَتْلِ كَالْمُحَدَّدِ (فَلَوْ قَتَلَهُ) الْجَارِحُ (بِصَدْمٍ أَوْ خَنْقٍ) (لَمْ يُبَحْ) لِعَدَمِ جُرْحِهِ كَالْمِعْرَاضِ إذَا قَتَلَ بِثِقَلِهِ.

الشَّرْطُ (الثَّالِثُ قَصْدُ الْفِعْلِ) بِأَنْ يَرْمِيَ السَّهْمَ أَوْ يَنْصِبَ نَحْوَ الْمِنْجَلِ أَوْ يُرْسِلَ الْجَارِحَ قَاصِدًا الصَّيْدَ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ أَمْرٌ يُعْتَبَرُ لَهُ الدِّينُ، فَاعْتُبِرَ لَهُ الْقَصْدُ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ (وَهُوَ إرْسَالُ الْآلَةِ لِقَصْدِ صَيْدٍ) لِحَدِيثِ: «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ إرْسَالَ الْجَارِحِ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ، وَلِهَذَا اُعْتُبِرَتْ التَّسْمِيَةُ مَعَهُ (فَلَوْ احْتَكَّ صَيْدٌ بِمُحَدَّدٍ) فَعَقَرَهُ بِلَا قَصْدٍ لَمْ يَحِلَّ (أَوْ سَقَطَ) مُحَدَّدٌ عَلَى صَيْدٍ (فَعَقَرَهُ بِلَا قَصْدٍ) لَمْ يُبَحْ (أَوْ اسْتَرْسَلَ جَارِحٌ بِنَفْسِهِ، فَقَتَلَ صَيْدًا لَمْ يَحِلَّ، وَلَوْ زَجَرَهُ) أَيْ: الْجَارِحَ رَبُّهُ لِفَقْدِ شَرْطِهِ (مَا لَمْ يَزِدْ الْجَارِحُ فِي طَلَبِهِ) ، أَيْ: الصَّيْدِ (بِزَجْرِهِ) فَيَحِلُّ حَيْثُ سَمَّى عِنْدَ زَجْرِهِ وَجَرْحِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّ زَجْرَهُ أَثَّرَ فِي عَدْوِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَرْسَلَهُ.

(وَمَنْ رَمَى هَدَفًا) ، أَيْ: مُرْتَفِعًا مِنْ بِنَاءٍ أَوْ كَثِيبِ رَمْلٍ أَوْ جَبَلٍ فَقَتَلَ صَيْدًا لَمْ يَحِلَّ (أَوْ رَمَى رَائِدًا صَيْدًا، وَلَمْ يَرَهُ) ، أَيْ: يَعْلَمُهُ، لِحِلِّ صَيْدِ الْأَعْمَى إذَا عَلَّمَهُ بِالْحِسِّ (أَوْ رَمَى حَجَرًا يَظُنُّهُ صَيْدًا) فَقَتَلَ صَيْدًا، لَمْ يَحِلَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ صَيْدًا عَلَى الْحَقِيقَةِ (أَوْ رَمَى مَا عَلِمَهُ) غَيْرَ صَيْدٍ (أَوْ رَمَى مَا ظَنَّهُ غَيْرَ صَيْدٍ، فَقَتَلَ صَيْدًا لَمْ يَحِلَّ) لِعَدَمِ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ قَصْدُ الصَّيْدِ.
(وَإِنْ رَمَى صَيْدًا رَآهُ، فَأَصَابَ غَيْرَهُ) حَلَّ (أَوْ) رَمَى صَيْدًا (وَاحِدًا) مِنْ صَيُودٍ (فَأَصَابَ عَدَدًا حَلَّ الْكُلُّ، وَكَذَا جَارِحٌ) أَرْسَلَ عَلَى صَيْدٍ، فَقَتَلَ غَيْرَهُ، أَوْ عَلَى وَاحِدٍ فَقَتَلَ عَدَدًا، فَيَحِلُّ الْجَمِيعُ نَصًّا، لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّهُ أَرْسَلَهُ بِقَصْدِ

الصَّيْدِ فَحَلَّ مَا صَادَهُ كَمَا لَوْ أَرْسَلَهُ عَلَى كِبَارٍ فَتَفَرَّقَتْ عَنْ صِغَارٍ، أَوْ أَخَذَ صَيْدًا فِي طَرِيقِهِ.

(وَإِنْ أَعَانَتْ رِيحُ مَا رَمَى بِهِ) مِنْ سَهْمٍ (فَقَتَلَ، وَلَوْلَاهَا) ، أَيْ: الرِّيحُ (مَا وَصَلَ) السَّهْمُ لَمْ يَحْرُمْ الصَّيْدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْ الرِّيحِ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهَا، وَرَمْيُ السَّهْمِ لَهُ حُكْمُ الْحِلِّ (أَوْ رَدَّهُ) ، أَيْ: مَا رَمَى بِهِ الصَّائِدُ مِنْ نَحْوِ سَهْمٍ (حَجَرٌ أَوْ غَيْرُهُ) عَلَى الصَّيْدِ (فَقُتِلَ، لَمْ يَحْرُمْ) الصَّيْدُ لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَمَنْ أَثْبَتَ صَيْدًا مَلَكَهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ امْتِنَاعَهُ بِإِثْبَاتِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ، فَإِنْ تَحَامَلَ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ، لَمْ يَمْلِكْهُ (فَيَرُدُّهُ آخِذُهُ) لِمَنْ أَثْبَتَهُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ (وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ فَدَخَلَ مَحَلَّ غَيْرِهِ) ، أَيْ: غَيْرِ رَامِيهِ الَّذِي لَمْ يُثْبِتْهُ (فَأَخَذَهُ رَبُّ الْمَحَلِّ) مَلَكَهُ بِأَخْذِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْلِكْهُ.
(أَوْ وَثَبَ حُوتٌ فَوَقَعَ بِحَجَرِ شَخْصٍ وَلَوْ بِسَفِينَةٍ) مَلَكَهُ بِذَلِكَ، لِسَبْقِهِ إلَى مُبَاحٍ وَحِيَازَتِهِ لَهُ (لَا) إنْ وَثَبَ الْحُوتُ (بِفِعْلِ صَيَّادٍ يَقْصِدُ الصَّيْدَ) أَمَّا لَوْ وَثَبَ الصَّيْدُ بِفِعْلِهِ، فَوَقَعَ بِحَجَرِ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَصِرْ مِلْكَهُ مُرَاعَاةً لِحَقِّ الصَّيَّادِ (أَوْ دَخَلَ ظَبْيٌ دَارِهِ، فَأَغْلَقَ بَابَهَا، وَلَوْ جَهِلَهُ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَهُ) مَلَكَهُ، كَمَا لَوْ فَتَحَ حُجْرَةً لِأَخْذِهِ، فَإِنْ لَمْ يُغْلَقْ بَابُهَا عَلَيْهِ لَمْ يَمْلِكْهُ (أَوْ فَرْخٌ فِي بُرْجِهِ الْمُعَدُّ لِصَيْدِ طَائِرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ) مَلَكَهُ صَاحِبُ الْبُرْجِ - وَلَوْ مُسْتَأْجِرًا لَهُ أَوْ مُسْتَعِيرًا - لِحِيَازَتِهِ لَهُ (وَفَرْخُ طَيْرٍ مَمْلُوكٍ لِمَالِكِهِ) نَصًّا كَالْوَلَدِ يَتْبَعُ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَلَوْ تَحَوَّلَ الطَّيْرُ مِنْ بُرْجِ زَيْدٍ إلَى بُرْجِ عَمْرٍو، (لَزِمَ عَمْرًا) رَدُّهُ، وَإِنْ اخْتَلَطَ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ، مُنِعَ عَمْرٌو مِنْ التَّصَرُّفِ عَلَى وَجْهٍ يَنْقُلُ الْمِلْكَ حَتَّى يَصْطَلِحَا، وَلَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ حَقَّهُ أَوْ وَهَبَهُ، صَحَّ فِي الْأَقْيَسِ (أَوْ أَحْيَا أَرْضًا بِهَا كَنْزٌ مَلَكَهُ) بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ الَّتِي هُوَ بِهَا.
ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى وَصَحَّحَهُ شَارِحُهُ، وَتَقَدَّمَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ مُودِعٌ فِيهَا لِلنَّقْلِ مِنْهَا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا هُنَا عَلَى الْمَعْدِنِ الْجَامِدِ؛ لِأَنَّهُ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ كَمَا تَقَدَّمَ (كَنَصْبِ خَيْمَتِهِ)

لِذَلِكَ (وَفَتْحِ حُجْرَةٍ لِذَلِكَ) ، أَيْ: لِلصَّيْدِ (وَكَعَمَلِ بِرْكَةٍ لِ) صَيْدِ (سَمَكٍ) فَمَا حَصَلَ مِنْهُ بِهَا مَلَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا ذَلِكَ لَمْ يَمْلِكْهُ (وَ) كَنَصَبِ (شَبَكَةٍ وَشَرَكٍ وَفَخٍّ) نَصًّا، (وَ) نَصْبِ (مِنْجَلٍ) لِصَيْدٍ (كَحَبْسِ جَارِحٍ لَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدِ (بِ) أَنْ أَلْجَأَهُ إلَى (مَضِيقٍ لَا يُفْلِتُ مِنْهُ) فَيَمْلِكُهُ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ أَثْبَتَهُ.

(وَلَوْ كَانَتْ آلَةُ الصَّيْدِ كَشَبَكَةٍ وَشَرَكٍ غَيْرِ مَنْصُوبَةٍ لِلصَّيْدِ، وَلَا قَصَدَ بِهَا الِاصْطِيَادَ، فَتَعَلَّقَ بِهَا صَيْدٌ، لَمْ يَمْلِكْهُ صَاحِبُهَا) لِعَدَمِ الْقَصْدِ (وَمَنْ وَقَعَ بِشَبْكَتِهِ صَيْدٌ فَذَهَبَ) الصَّيْدُ (بِهَا) أَيْ: الشَّبَكَةِ (فَصَادَهُ آخَرُ) غَيْرُ صَاحِبِ الشَّبَكَةِ، (فَ) الصَّيْدُ (لِلثَّانِي) ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْلِكْهُ، لِبَقَاءِ امْتِنَاعِهِ وَتُرَدُّ الشَّبَكَةُ لِرَبِّهَا، وَكَذَا لَوْ وَقَعَ بِشَرَكٍ أَوْ فَخٍّ فَذَهَبَ بِهِ، فَصَادَهُ آخَرُ، وَإِنْ كَانَ يَمْشِي بِالشَّبَكَةِ وَنَحْوِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِمَّنْ يَقْصِدُ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الشَّبَكَةِ وَنَحْوِهَا، وَإِنْ أَمْسَكَهُ الصَّائِدُ مِنْ نَحْوِ شَبَكَةٍ، وَثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْفَلَتَتْ مِنْهُ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ بِأَخْذِ غَيْرِهِ كَدَابَّةٍ شَرَدَتْ.

(وَإِنْ وَقَعَتْ سَمَكَةٌ بِسَفِينَةٍ لَا بِحَجَرِ أَحَدٍ، فَالسَّمَكَةُ لِرَبِّهَا) ، أَيْ: السَّفِينَةِ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ وَيَدُهُ عَلَيْهَا.
(وَمَنْ حَصَلَ) بِمِلْكِهِ غَيْرِ الْمُعَدِّ (أَوْ عَشَّشَ بِمِلْكِهِ غَيْرِ الْمُعَدِّ) لِلِاصْطِيَادِ (صَيْدٌ أَوْ طَائِرٌ، لَمْ يَمْلِكْهُ) بِذَلِكَ، وَلِغَيْرِهِ أَخْذُهُ؛ لِأَنَّ الدَّارَ وَنَحْوَهَا لَمْ تُعَدْ لِلصَّيْدِ كَالْبَرَكَةِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الِاصْطِيَادُ (وَإِنْ سَقَطَ) مِمَّا عَشَّشَ بِمِلْكِهِ (بِرَمْيٍ بِهِ، فَهُوَ، لِرَامٍ) نَصًّا، نَقَلَ صَالِحٌ فِيمَنْ صَادَ مِنْ نَخْلَةٍ بِدَارِ قَوْمٍ، هُوَ لِلصَّيَّادِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِإِزَالَةِ امْتِنَاعِهِ.
قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَإِلَيْهِ مَيْلُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَجَعَلَهُ فِي الْمُنْتَهَى لِرَبِّ الْمِلْكِ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ إلَى خِلَافِهِ.

(وَلَوْ أَعَدَّ أَرْضًا لِلْمِلْحِ، فَحَصَلَ فِيهَا) ، أَيْ: الْأَرْضِ (الْمَاءُ الْمِلْحُ مَلَكَهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَعَدَّهَا لِذَلِكَ.

(وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ مِلْكِهِ مُعَدًّا لِصَيْدٍ) كَشَبَكَةٍ وَبِرْكَةٍ (وَنَحْوِهِ) كَأَرْضٍ مُعَدَّةٍ لِلْمِلْحِ (وَحَصَلَ فِيهِ) ، أَيْ: فِي مِلْكِهِ شَيْءٌ مُبَاحٌ (مَلَكَهُ) بِمُجَرَّدِ حُصُولِهِ (وَمَا لَمْ يَكُنْ مُعَدًّا) لِلصَّيْدِ وَنَحْوِهِ كَدَارِهِ وَبُسْتَانِهِ (فَلَا) يَمْلِكُ مَا حَصَلَ بِهِمَا مِنْ صَيْدٍ وَنَحْوِهِ، لِعَدَمِ الْإِعْدَادِ لِذَلِكَ.

(وَيَحْرُمُ صَيْدُ سَمَكٍ وَغَيْرِهِ بِنَجَاسَةٍ يَأْكُلُهَا) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْجَلَّالَةِ (وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (أَحْمَدَ يُكْرَهُ) الصَّيْدُ بِنَجَاسَةٍ (وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُقْنِعِ وَالْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ وَيُكْرَهُ الصَّيْدُ بِبَنَاتِ وَرْدَانَ؛ لِأَنَّ مَأْوَاهَا الْحُشُوشُ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا بِالضَّفَادِعِ، وَقَالَ: الضُّفْدَعُ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ (وَيُكْرَهُ) صَيْدُ الطَّيْرِ (بِشْبَاشٌ، وَهُوَ طَائِرٌ) كَالْبُومَةِ (تُخَيَّطُ عَيْنَاهُ وَيُرْبَطُ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ، (وَيُكْرَهُ) أَنْ يُصَادَ صَيْدٌ (مِنْ وَكْرِهِ) لِخَوْفِ الْأَذَى، وَ (لَا) يُكْرَهُ صَيْدُ (الْفَرْخِ) مِنْ وَكْرِهِ، (وَلَا) يُكْرَهُ الصَّيْدُ (لَيْلًا أَوْ بِمَا يُسْكِرُ) الصَّيْدَ نَصًّا.

(وَيُبَاحُ) الصَّيْدُ (بِشَبَكَةٍ وَفَخِّ وَدَبْقٍ وَكُلِّ حِيلَةٍ) وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ بِمُثْقَلٍ كَبُنْدُقٍ، وَكَرِهَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الرَّمْيَ بِالْبُنْدُقِ مُطْلَقًا، لِنَهْيِ عُثْمَانَ، وَنَصِّ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُنْدُقِ يُرْمَى بِهَا الصَّيْدُ لَا لِلْعَبَثِ.
وَ (لَا) يُبَاحُ الصَّيْدُ (بِمَنْعِ مَاءٍ) عَنْهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِهِ، فَإِنْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ حَتَّى صَادَهُ حَلَّ أَكْلُهُ.

(وَمَنْ أَرْسَلَ صَيْدًا وَقَالَ أَعْتَقْتُكَ) ، أَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عِنْدَ إرْسَالِهِ (وَيَحْرُمُ) عَلَيْهِ إرْسَالُهُ كَفِعْلِهِ ذَلِكَ، بِبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ) ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ إجْمَاعًا.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَا يَجُوزُ أَعْتَقْتُكَ فِي حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْجَاهِلِيَّةِ (وَكَانْفِلَاتِهِ) ، أَيْ: الصَّيْدِ بِلَا إرْسَالٍ (وَكَإِرْسَالِهِ بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً) وَنَحْوَهَا مِنْ الْبَهَائِمِ الْمَمْلُوكَةِ، فَإِنَّ مِلْكَهُ عَنْهَا لَا يَزُولُ بِذَلِكَ، وَلَا يَمْلِكُهَا آخِذُهَا

بِإِعْرَاضِ مَالِكِهَا عَنْهَا (بِخِلَافِ نَحْوِ كِسْرَةٍ أَعْرَضَ عَنْهَا، فَيَمْلِكُهَا آخِذُهَا) ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ، وَعَادَةُ النَّاسِ الْإِعْرَاضُ عَنْ مِثْلِهَا

(وَمَنْ وَجَدَ فِيمَا صَادَ عَلَامَةَ مِلْكٍ كَقِلَادَةٍ بِرَقَبَتِهِ وَكَحَلْقَةٍ بِأُذُنِهِ وَكَقَصِّ جُنَاحِ طَائِرٍ، فَهُوَ لُقَطَةٌ) يُعَرِّفُهُ وَاجِدُهُ، وَلَا يَمْلِكُهُ بِاصْطِيَادِهِ لِلْقَرِينَةِ

(فَرْعٌ كَانَ الْجَاهِلِيَّةُ يَتَقَرَّبُونَ إلَى اللَّهِ بِأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ أَبْطَلَهَا) - سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى - بِقَوْلِهِ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: 103] الْآيَةَ.
(فَالْبَحِيرَةُ هِيَ النَّاقَةُ الَّتِي تُنْتِجُ خَمْسَةَ أَبْطُنٍ آخِرَهَا ذَكَرٌ، فَيَشُقُّ مَالِكُهَا، أُذُنَهَا، وَيُخَلِّي سَبِيلَهَا، وَلَا يَنْتَفِعُ) هُوَ وَلَا عِيَالُهُ (بِهَا وَلَا بِلَبَنِهَا وَلَا يَجُزُّ وَبَرَهَا [وَلَا] يَمْنَعَهَا الْمَاءَ وَالْكَلَأَ، بَلْ يُخَلِّيهِ) ، أَيْ: لَبَنَهَا (لِلضُّيُوفِ) فَقَطْ.
(وَالسَّائِبَةُ نَوْعَانِ) إحْدَاهُمَا: (الْعَبْدُ يَعْتِقُهُ مَالِكُهُ سَائِبَةً لَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا بِوَلَائِهِ.
وَالثَّانِي: الْبَعِيرُ يُسَيِّبُهُ مَالِكُهُ لِقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ عَلَيْهِ، فَلَا يَحْبِسُهُ عَنْ مَرْعَى وَلَا مَاءٍ وَلَا يَرْكَبُهُ، وَتَجْعَلُهُ كَالْبَحِيرَةِ فِي تَحْرِيمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ) . (وَالْوَصِيلَةُ نَوْعَانِ) أَيْضًا (إحْدَاهُمَا: الشَّاةُ تُنْتِجُ سَبْعَةَ أَبْطُنٍ عِنَاقَيْنِ عِنَاقَيْنِ، فَإِنْ نَتَجَتْ فِي الْمَرَّةِ الثَّامِنَةِ جَدْيًا وَعِنَاقًا) مَعًا، أَيْ: ذَكَرًا وَأُنْثَى (قَالُوا وَصَلَتْ أَخَاهَا، فَلَا يَذْبَحُونَهُ لِأَجْلِهَا، وَلَا يَشْرَبُ لَبَنَ الْأُمِّ إلَّا الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، وَجَرَتْ مَجْرَى السَّائِبَةِ) وَتَقَدَّمَ.
(وَالثَّانِي: الشَّاةُ كَانَتْ إذَا نَتَجَتْ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ لِآلِهَتِهِمْ، أَوْ) ، أَيْ: وَإِذَا نَتَجَتْ (أُنْثَى) فَهِيَ لَهُمْ أَوْ نَتَجَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى قَالُوا وَصَلَتْ أَخَاهَا فَلَمْ يَذْبَحُوا الذَّكَرَ لِآلِهَتِهِمْ.
(وَالْحَامِي هُوَ الْفَحْلُ مِنْ الْإِبِلِ يَضْرِبُ فِي إبِلِ الشَّخْصِ عَشْرَ سِنِينَ فَيُخَلَّى سَبِيلُهُ، وَيَقُولُونَ قَدْ حَمَى ظَهْرَهُ، فَلَا يَنْتَفِعُونَ مِنْ ظَهْرِهِ بِشَيْءٍ) وَلَا يُمْنَعُ مِنْ مَاءٍ وَلَا مَرْعَى، وَإِذَا مَاتَ أَكَلَهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ.
وَرُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لِأَكْثَمَ الْخُزَاعِيِّ يَا أَكْثَمُ رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قَصَبَهُ فِي النَّارِ، فَمَا رَأَيْنَا مِنْ رَجُلٍ أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ بِهِ، وَلَا بِهِ مِنْكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إسْمَاعِيلَ، وَنَصَبَ الْأَوْثَانَ، وَبَحَرَ الْبَحِيرَةِ، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وَوَصَلَ الْوَصِيلَةَ، وَحَمَى الْحَامِيَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ يُؤْذِي أَهْلَ النَّارِ بِرِيحِ قَصَبِهِ، فَقَالَ أَكْثَمُ، أَيَضُرُّنِي شَبَهُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، إنَّكَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ كَافِرٌ» ، وَالْمَعْنَى مَا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ وَلَا أَمَرَ بِالتَّبْحِيرِ وَلَا التَّسْيِيبِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

الشَّرْطُ (الرَّابِعُ قَوْلُ بِسْمِ اللَّهِ) لَا مِنْ أَخْرَسَ (عِنْدَ إرْسَالٍ) أَوْ رَمْيٍ لِنَحْوِ سَهْمٍ أَوْ مِعْرَاضٍ أَوْ نَصْبِ نَحْوِ مِنْجَلٍ؛ لِأَنَّهُ الْفِعْلُ الْمَوْجُودُ مِنْ الصَّائِدِ، فَاعْتُبِرَتْ التَّسْمِيَةُ عِنْدَهُ (كَمَا) تُعْتَبَرُ (فِي ذَكَاةٍ) وَتُجْزِئُ بِغَيْرِ عَرَبِيَّةٍ، وَلَوْ مِمَّنْ يُحْسِنُهَا، صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ (إلَّا أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ هُنَا) ، أَيْ فِي الصَّيْدِ (سَهْوًا) وَلَا جَهْلًا، لِلنُّصُوصِ الْخَاصَّةِ، وَلِأَنَّ الذَّبِيحَةَ (تَكْثُرُ فَيَكْثُرُ السَّهْوُ فِيهَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الذَّبِيحَةِ) وَالصَّيْدِ بِأَنَّ الذَّبْحَ يَقَعُ فِي الذَّبِيحَةِ فِي مَحِلِّهِ، فَجَازَ أَنْ يُسَامَحَ فِيهِ، بِخِلَافِ الصَّيْدِ (وَلَا يَضُرُّ تَقَدُّمُ التَّسْمِيَةِ) بِزَمَنٍ (يَسِيرٍ) عُرْفًا كَالْعِبَادَاتِ (وَكَذَا) لَا يَضُرُّ (تَأْخِيرٌ كَثِيرٌ) لِلتَّسْمِيَةِ (فِي جَارِحٍ إذَا زَجَرَهُ فَانْزَجَرَ) إقَامَةً لِذَلِكَ مَقَامَ ابْتِدَاءِ إرْسَالِهِ.
(وَلَوْ سَمَّى عَلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ غَيْرَهُ حَلَّ، لَا إنْ سَمَّى عَلَى سَهْمٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ وَرَمَى بِغَيْرِهِ) فَلَا يَحِلُّ مَا قَتَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ اعْتِبَارُ التَّسْمِيَةِ عَلَى صَيْدٍ بِعَيْنِهِ، اُعْتُبِرَ فِي آلَتِهِ (بِخِلَافِ مَا لَوْ سَمَّى عَلَى سِكِّينٍ ثُمَّ أَلْقَاهَا وَذَبَحَ بِغَيْرِهَا) لِوُجُودِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ بِعَيْنِهَا، وَتَقَدَّمَ لَوْ سَمَّى عَلَى شَاةٍ ثُمَّ ذَبَحَ غَيْرِهَا بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ، لَمْ تَحِلَّ، سَوَاءٌ أَرْسَلَ الْأُولَى أَوْ ذَبَحَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا يَقْصِدْ الثَّانِيَةَ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ.
وَإِنْ رَأَى قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ فَقَالَ: " بِسْمِ اللَّهِ " ثُمَّ أَخَذَ شَاةً فَذَبَحَهَا بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ لَمْ يَحِلَّ - وَلَوْ جَهْلًا -؛ لِأَنَّ الْجَاهِلَ يُؤَاخَذُ، بِخِلَافِ النَّاسِي.
تَتِمَّةٌ دَمُ السَّمَكِ طَاهِرٌ مَأْكُولٌ كَمَيْتِهِ.

[كِتَابُ الْأَيْمَانِ]

ِ (الْأَيْمَانُ وَاحِدُهَا يَمِينٌ وَهِيَ الْقَسَمُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالسِّينِ (وَالْإِيلَاءُ وَالْحَلِفُ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ) تَأْتِي أَمْثِلَتُهَا (فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ انْعِقَادِ يَمِينِ الْأَخْرَسِ، لَكِنْ صَرَّحَ فِي الْفُرُوعِ فِي) بَابِ (صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِانْعِقَادِهَا) ، أَيْ: الْيَمِينِ (مِنْهُ) كَالنِّيَّةِ.
وَأَصْلُ الْيَمِينِ الْيَدُ الْمَعْرُوفَةُ، سُمِّيَ بِهَا الْحَلِفُ، لِإِعْطَاءِ الْحَالِفِ يَمِينَهُ فِيهِ كَالْعَهْدِ وَالْمُعَاقَدَةِ.
(فَالْيَمِينُ تَوْكِيدُ حُكْمٍ) ، أَيْ: مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ (بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ) ، وَهُوَ الْمَحْلُوفُ بِهِ (عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ) كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿حم﴾ [الدخان: 1] ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ - إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 2 - 3] (وَهِيَ) أَيْ الْيَمِينُ (وَجَوَابُهَا كَشَرْطٍ وَجَزَاءٍ) وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي الْجُمْلَةِ إجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91] ، وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ مِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَوَضْعُهَا فِي الْأَصْلِ لِتَأْكِيدِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: 53] وَ ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7] (وَالْحَلِفُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ إرَادَةُ تَحْقِيقِ خَبَرٍ) أَيْ: حُكْمٌ يَصِحُّ أَنْ يُخْبَرَ عَنْهُ

(فِيهِ) أَيْ: الْمُسْتَقْبَلِ (مُمْكِنٌ) كَقِيَامٍ وَسَفَرٍ وَضَرْبٍ (بِقَوْلٍ يُقْصَدُ بِهِ الْحَثُّ عَلَى فِعْلِ الْمُمْكِنِ أَوْ تَرْكِهِ) نَحْوَ وَاَللَّهِ لَأَقُومَنَّ أَوْ لَيَقُومَنَّ زَيْدٌ وَالْحَثُّ عَلَى تَرْكِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَاَللَّهِ لَا أَزْنِي أَبَدًا﴾ . (أَوْ الْحَلِفُ عَلَى) شَيْءٍ (مَاضٍ إمَّا بِرٌّ وَهُوَ الصَّادِقُ) فِي يَمِينِهِ (أَوْ غُمُوسٌ وَهُوَ الْكَاذِبُ) وَيَأْتِي وَجْهُ التَّسْمِيَةِ (أَوْ لَغْوٌ وَهُوَ مَا) ، أَيْ: حَلَفَ (لَا أَجْرَ فِيهِ وَلَا إثْمَ وَلَا كَفَّارَةَ) فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ كَحَلِفِهِ ظَانًّا صِدْقَ نَفْسِهِ، فَيَبِينُ بِخِلَافِهِ.

(وَالْيَمِينُ الْمُوجِبَةُ لِلْكَفَّارَةِ بِشَرْطِ: الْحِنْثِ، هِيَ) الْيَمِينُ (الَّتِي بِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - الَّذِي لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ، وَالْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ، وَالْأَوَّلِ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَالْآخِرِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَخَالِقِ الْخَلْقِ، وَرَازِقِ الْعَالَمِينَ أَوْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَالَمِ بِكُلِّ شَيْءٍ) وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَرَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِينَ (وَالرَّحْمَنِ) يَمِينٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ قِيلَ هُوَ اسْمٌ أَوْ صِفَةٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: 110] الْآيَةَ، فَجَعَلَ لَفْظَةَ اللَّهِ وَلَفْظَةَ الرَّحْمَنِ سَوَاءً فِي الدُّعَاءِ، فَيَكُونُ سَوَاءً فِي الْحَلِفِ (أَوْ) اسْمُ اللَّهِ الَّذِي (يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَلَمْ يَنْوِ الْحَالِفُ الْغَيْرُ كَالرَّحِيمِ) قَالَ - تَعَالَى -: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128] (وَالْعَظِيمِ) قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23] وَكَذَا الْقَادِرِ، لِقَوْلِهِمْ، فُلَانٌ قَادِرٌ عَلَى الْكَسْبِ (وَالرَّبِّ) قَالَ - تَعَالَى -: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: 42] ، الْآيَةَ (وَالْمَوْلَى) لِقَوْلِهِمْ: الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ (وَالرَّازِقِ) قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: 8] (وَالْخَالِقِ)

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: 110] (وَالْقَوِيِّ) قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: 26] وَكَذَا السَّيِّدُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: 25] . (أَوْ) الْيَمِينُ (بِصِفَةٍ لَهُ - تَعَالَى - كَوَجْهِ اللَّهِ) نَصًّا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: 27] (وَعَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَجَلَالِهِ وَعِزَّتِهِ وَعَهْدِهِ) لِأَنَّ عَهْدَهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَلَامُهُ الَّذِي أَمَرَنَا بِهِ وَنَهَانَا، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس: 60] (وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ اسْتِحْقَاقُهُ لِمَا تَعَبَّدَنَا بِهِ) وَمِيثَاقُهُ وَحَقُّهُ وَأَمَانَتُهُ وَإِرَادَتُهُ وَقُدْرَتُهُ وَعِلْمُهُ وَجَبَرُوتُهُ، (وَلَوْ نَوَى مُرَادَهُ أَوْ مَقْدُورَهُ أَوْ مَعْلُومَهُ) - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ - تَعَالَى - صَارَ يَمِينًا بِذَكَرِ اسْمِهِ - تَعَالَى - مَعَهُ (وَإِنْ لَمْ يُضِفْهَا لِلَّهِ) ، أَيْ: إذَا لَمْ يُضِفْهَا إلَى اسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - (لَمْ يَكُنْ) حَلِفُهُ بِهَا (يَمِينًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهَا صِفَتَهُ - تَعَالَى) وَتَقَدَّسَ -، فَتَكُونَ يَمِينًا؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِضَافَةِ كَوُجُودِهَا (وَأَمَّا مَا لَا يُعَدُّ مِنْ أَسْمَائِهِ - تَعَالَى - وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ كَالشَّيْءِ وَالْمَوْجُودِ أَوْ الَّذِي لَا يَنْصَرِفُ إطْلَاقُهُ إلَيْهِ - تَعَالَى -، وَيَحْتَمِلُهُ كَالْحَيِّ وَالْوَاحِدِ وَالْكَرِيمِ وَالْعَالَمِ وَالْمُؤْمِنِ فَإِنْ نَوَى بِهِ اللَّهَ - تَعَالَى - فَهُوَ يَمِينٌ) لِنِيَّتِهِ بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ كَالرَّحِيمِ وَالْقَادِرِ (وَإِلَّا) يَنْوِ بِهِ اللَّهَ - تَعَالَى - (فَلَا) يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ - تَعَالَى - (وَقَوْلُهُ) ، أَيْ: الْحَالِفِ (وَأَيْمُ اللَّهِ) يَمِينٌ كَقَوْلِهِ وَأَيْمُنُ اللَّهِ، وَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَالنُّونِ مَعَ كَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا، قَالَ الْكُوفِيُّونَ: هُوَ جَمْعُ يَمِينٍ وَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ قَطْعٍ، فَكَانُوا يَحْلِفُونَ بِالْيَمِينِ، فَيَقُولُونَ وَيَمِينُ اللَّهِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْيَمِينِ

بِمَعْنَى الْبَرَكَةِ (أَوْ) قَوْلُهُ (لَعَمْرُ اللَّهِ) - تَعَالَى - (يَمِينٌ) كَالْحَلِفِ بِبَقَائِهِ - تَعَالَى -، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72] وَالْعَمْرُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا الْحَيَاةُ وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي الْقَسَمِ الْمَفْتُوحُ خَاصَّةً، وَاللَّامُ لِلِابْتِدَاءِ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ: قَسَمِي.
(لَا هَا اللَّهِ) مَعَ قَطْعِ هَمْزَةِ اللَّهِ وَوَصْلِهَا وَمَدِّهَا وَقَصْرِهَا فِيهِمَا، فَلَيْسَ يَمِينًا (إلَّا بِنِيَّتِهِ) فَيَكُونُ قَسَمًا، لِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ قَلِيلًا (وَأَقْسَمْت) بِاَللَّهِ (أَوْ أُقْسِمُ) بِاَللَّهِ (وَشَهِدْتُ) بِاَللَّهِ (أَوْ أَشْهَدُ) بِاَللَّهِ (وَحَلَفْتُ) بِاَللَّهِ (أَوْ أَحْلِفُ) بِاَللَّهِ (وَعَزَمْتُ) بِاَللَّهِ (أَوْ أَعْزِمُ) بِاَللَّهِ (وَآلَيْتُ) بِاَللَّهِ (أَوْ آلِي) بِاَللَّهِ (وَقَسَمًا) بِاَللَّهِ (وَحَلِفًا) بِاَللَّهِ (وَأَلْيَةً) بِاَللَّهِ (وَشَهَادَةً) بِاَللَّهِ (وَيَمِينًا بِاَللَّهِ وَعَزِيمَةً بِاَللَّهِ يَمِينٌ) نَوَاهُ بِذَلِكَ أَوْ أَطْلَقَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106] ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [الأنعام: 109] ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 6] وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ أُقْسِمُ وَنَحْوَهُ كَانَ يَمِينًا، فَإِذَا ضَمَّ إلَيْهِ مَا يُؤَكِّدُهُ كَانَ أَوْلَى وَآكَدَ (فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فِيهَا) ، أَيْ: الْكَلِمَاتِ السَّابِقَةِ، وَهِيَ أَقْسَمْتُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا (كُلِّهَا، وَلَمْ يَنْوِ يَمِينًا) فَلَا تَكُونُ يَمِينًا (أَوْ ذَكَرَهُ) ، أَيْ: ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ - تَعَالَى - (وَنَوَى) بِقَوْلِهِ أَقْسَمْتُ بِاَللَّهِ وَنَحْوِهِ (خَبَرًا فِيمَا يَحْتَمِلُهُ) كَنِيَّتِهِ بِذَلِكَ عَنْ قَسَمٍ سَبَقَ أَوْ نَوَى بِأُقْسِمُ وَنَحْوِهِ الْخَبَرَ عَنْ يَمِينٍ يَأْتِي، أَوْ نَوَى بِأَعْزِمُ الْقَصْدَ دُونَ الْيَمِينِ (فَلَا يَمِينَ) أَيْ: فَلَا يَكُونُ يَمِينًا، وَيُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ، لِاحْتِمَالِهِ، وَحَيْثُ كَانَ صَادِقًا فَلَا كَفَّارَةَ.

[تَنْبِيهٌ قَالَ الْحَالِفُ أَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ أَوْ أَعْتَصِمُ بِاَللَّهِ أَوْ أَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ]

تَنْبِيهٌ: وَإِنْ قَالَ أَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ، أَوْ أَعْتَصِمُ بِاَللَّهِ، أَوْ أَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ، أَوْ عَلِمَ اللَّهُ، أَوْ

أَعَزَّ اللَّهُ، أَوْ تَبَارَكَ اللَّهُ وَنَحْوَهُ كَالْحَمْدِ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، وَلَوْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا شَرْعَ وَلَا لُغَةَ وَلَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ.

(وَالْحَلِفُ بِكَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَوْ الْمُصْحَفِ أَوْ الْقُرْآنِ أَوْ بِسُورَةٍ مِنْهُ أَوْ آيَةٍ مِنْهُ يَمِينٌ) ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ - تَعَالَى -، فَمَنْ حَلَفَ بِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ كَانَ حَالِفًا بِصِفَتِهِ - تَعَالَى -، وَالْمُصْحَفُ يَتَضَمَّنُ الْقُرْآنَ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ - تَعَالَى -، وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فِي حَدِيثٍ: «لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا بَيْنَ دَفَّتِيِ الْمُصْحَفِ كَلَامُ اللَّهِ (فِيهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، وَالْكَلَامُ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ.
(وَكَذَا) الْحَلِفُ (بِنَحْوِ تَوْرَاةٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ - تَعَالَى -) كَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ فَهِيَ يَمِينٌ فِيهَا كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - تَعَالَى -، لَا الْمُغَيِّرِ وَالْمُبَدِّلِ، وَلَا تَسْقُطُ حُرْمَةُ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ نُسِخَ الْحُكْمَ بِالْقُرْآنِ كَالْمَنْسُوخِ حُكْمُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَإِذَا كَانَتْ كَلَامَهُ فَهِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ كَالْقُرْآنِ.

[فَصْلٌ فِي حُرُوفُ الْقَسَمِ]

فَصْلٌ (حُرُوفُ الْقَسَمِ) ثَلَاثَةٌ (بَاءٌ) وَهِيَ الْأَصْلُ، وَلِذَلِكَ بَدَأَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا حَرْفُ تَعْدِيَةٍ، وَ (يَلِيهَا) مُظْهَرٌ، نَحْوُ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ (وَ) يَلِيهَا (مُضْمَرٌ) نَحْوُ: اللَّهَ أُقْسِمُ بِهِ لَأَفْعَلَنَّ.
(وَ) الثَّانِي (وَاوٌ: يَلِيهَا مُظْهَرٌ) فَقَطْ، كَ: وَاَللَّهِ وَالنَّجْمِ، وَهِيَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا.
(وَ) الثَّالِثُ (تَاءٌ) وَأَصْلُهَا الْوَاوُ (يَلِيهَا اسْمُ اللَّهِ - تَعَالَى - خَاصَّةً) نَحْوُ ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: 57] (فَلَوْ قَالَ تَالرَّحْمَنِ أَوْ تَالرَّحِيمِ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا) ؛ لِأَنَّهُ شَاذٌّ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، فَإِنْ ادَّعَى مَنْ أَتَى بِأَحَدِ الْحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ فِي مَوْضِعِهِ

الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْقَسَمَ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (وَقَوْلُهُ لَأَفْعَلَنَّ يَمِينٌ) وَلَوْ قَالَ أَرَدْتُ أَنِّي أَفْعَلُ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، وَلَمْ أُرِدْ الْقَسَمَ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ (وَقَوْلُهُ أَسْأَلُك بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ نِيَّتَهُ) فَإِنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ انْعَقَدَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ أَسْأَلُكَ، وَإِنْ نَوَى السُّؤَالَ دُونَ الْيَمِينِ، لَمْ تَنْعَقِدْ، (فَإِنْ أَطْلَقَ) فَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا (لَمْ تَنْعَقِدْ) ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْيَمِينَ وَغَيْرَهُ، فَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا بِنِيَّتِهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ قَائِلٍ لِغَيْرِهِ أَسْأَلُكَ (بِاَللَّهِ لَتَأْكُلَنَّ) هَذَا الطَّعَامَ وَنَحْوَهُ كَ: لَتَرْكَبَنَّ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ (فِي مَقَامِ التَّوَدُّدِ أَوْ الْإِكْرَامِ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَصِحُّ قَسَمٌ بِغَيْرِ حُرُوفِهِ نَحْوُ: اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ جَرًّا وَنَصَبًا لِلِاسْمِ الْكَرِيمِ لَهُ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لُغَةٌ صَحِيحَةٌ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِرُكَانَةَ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ: اللَّهِ مَا أَرَدْتَ إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً؟» وَقَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ لَهُ: «اللَّهِ إنَّكَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ اللَّهِ إنِّي قَتَلْتُهُ» (فَإِنْ نَصَبَهُ) ، أَيْ: الِاسْمَ الْكَرِيمَ (بِوَاوٍ) أَيْ: مَعَ وَاوِ الْقَسَمِ (أَوْ رَفَعَهُ مَعَهَا أَوْ) رَفَعَهُ (دُونَهَا) فَذَلِكَ (يَمِينٌ) ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْجَرِّ وَغَيْرِهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ مَعَ اقْتِرَانِهِ بِالْجَوَابِ إرَادَةُ الْيَمِينِ (إلَّا أَنْ لَا يَنْوِيَهَا) ، أَيْ: الْيَمِينَ (عَرَبِيٌّ) ، أَيْ: مَنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، فَلَا تَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْمُقْسَمَ بِهِ لَا يَكُونُ مَرْفُوعًا، وَإِنَّمَا هُوَ مُبْتَدَأٌ وَعُطِفَ عَلَى شَيْءٍ تَقَدَّمَ، وَلَا يَكُونُ مَنْصُوبًا مَعَ الْوَاوِ، إذْ لَا تَكُونُ هَهُنَا إلَّا عَاطِفَةً، فَعُدُولُهُ عَنْ الْجَرِّ ظَاهِرٌ فِي إرَادَةِ غَيْرِ الْيَمِينِ، فَإِنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ فَيَمِينٌ، لِأَنَّهُ لَاحِنٌ، وَاللَّحْنُ لَا يُقَاوِمُ النِّيَّةَ كَلَحْنِهِ فِي الْقُرْآنِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا.
(قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (الْأَحْكَامُ) مِنْ قَسَمٍ وَغَيْرِهِ (تَتَعَلَّقُ بِمَا أَرَادَهُ النَّاسُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمَلْحُونَةِ كَ: بِاَللَّهِ رَفْعًا وَنَصْبًا.
وَبِاَللَّهِ يَصُومُ وَيُصَلِّي، وَقَوْلِ الْكَافِرِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) بِرَفْعِ الْأَوَّلِ وَنَصْبِ الثَّانِي، وَأَوْصَيْتُ لِزَيْدًا بِمِائَةٍ وَأَعْتَقْتُ سَالِمٍ (وَنَحْوِ ذَلِكَ) ، وَقَالَ: مَنْ رَامَ جَعْلَ النَّاسِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ بِحَسَبِ عَادَةِ قَوْمٍ بِعَيْنِهِمْ، فَقَدْ رَامَ مَا لَا يُمْكِنُ عَقْلًا، وَلَا يَصِحُّ شَرْعًا انْتَهَى.

(وَيُجَابُ قَسَمٌ فِي إثْبَاتٍ بِأَنْ خَفِيفَةً) كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: 4] (وَبِأَنَّ ثَقِيلَةً) كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6] (وَبِلَامٍ) كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4] (وَنُونَيْ تَوْكِيدٍ) أَيْ: الثَّقِيلَةِ وَالْخَفِيفَةِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا﴾ [يوسف: 32] (وَقَدْ) نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9] (وَبِ: بَلْ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ) كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: 1] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: 2] وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ جَوَابُ الْقَسَمِ مَحْذُوفٌ، وَبَيْنَهُمْ فِي تَقْدِيرِهِ خِلَافٌ.
(وَ) يُجَابُ الْقَسَمُ (فِي نَفْيٍ بِمَا) النَّافِيَةِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: 1] ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: 2] (وَإِنْ بِمَعْنَاهَا) ، أَيْ: النَّافِيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى﴾ [التوبة: 107] (وَبِلَا) النَّافِيَةِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: وَآلَيْتُ لَا أَرْثِي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ ... وَلَا مِنْ حَفْيٍ حَتَّى تُلَاقِيَ مُحَمَّدَا (وَبِحَذْفِ لَا) مِنْ جَوَابِ قَسَمٍ إذَا كَانَ الْفِعْلُ مُضَارِعًا (لَفْظًا نَحْوُ وَاَللَّهِ أَفْعَلُ) وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: 85] قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ أَفْعَلُ بِغَيْرِ حَرْفٍ، فَالْمَحْذُوفُ هَهُنَا لَا وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى النَّفْيِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ كَذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ لَهُ بِالْآيَةِ وَغَيْرِهَا.

(وَيُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ) حَلِفٌ بِالْأَمَانَةِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ فِي جَعْلِهِ الْحَلِفَ بِالْأَمَانَةِ مَكْرُوهًا كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَيُكْرَهُ الْحَلِفُ بِالْأَمَانَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا انْتَهَى.
وَفِي الْمُنْتَهَى (وَ) يُكْرَهُ (حَلِفٌ بِالْأَمَانَةِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

كَمَا يُكْرَهُ الْحَلِفُ (بِعِتْقٍ وَطَلَاقٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَحْلِفُوا إلَّا بِاَللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا إلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

(وَيَحْرُمُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ ذَاتِ اللَّهِ) - تَعَالَى - وَغَيْرِ صِفَتِهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ عُمَرَ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَهُوَ عَلَى التَّغْلِيظِ، كَذَا فَسَّرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ (سَوَاءٌ أَضَافَهُ) ، أَيْ: الْمَحْلُوفُ بِهِ (إلَيْهِ - تَعَالَى - كَقَوْلِهِ) ، أَيْ: الْحَالِفِ (وَمَخْلُوقِ اللَّهِ وَمَقْدُورِهِ وَمَعْلُومِهِ وَكَعْبَتِهِ، وَرَسُولِهِ أَوْ لَا كَقَوْلِهِ وَالْكَعْبَةِ: وَالرَّسُولِ وَأَبِي) وَلَا كَفَّارَةَ لِاشْتِرَاكِهِمَا بِالْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى -. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ: لَأَنْ أَحْلِفَ بِاَللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: " لِأَنَّ حَسَنَةَ التَّوْحِيدِ أَعْظَمُ مِنْ حَسَنَةِ الصِّدْقِ، وَسَيِّئَةُ الْكَذِبِ أَسْهَلُ مِنْ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ " يُشِيرُ إلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَتَابَ (وَلَا كَفَّارَةَ) فِي الْحَلِفِ بِذَلِكَ وَلَوْ حَنِثَ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ صِيَانَةً لِأَسْمَائِهِ - تَعَالَى - وَغَيْرُهُ لَا يُسَاوِيهِ فِي ذَلِكَ (وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ) مِنْ أَصْحَابِنَا (إلَّا) فِي حَلِفٍ (بِ) نَبِيِّنَا (مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِهِ إذَا حَلَفَ وَحَنِثَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ شَرْطَيْ الشَّهَادَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يَصِيرُ بِهَا الْكَافِرُ مُسْلِمًا، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ كَهُوَ، وَالْأَشْهَرُ

أَنَّهَا لَا تَجِبُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْأَحَادِيثِ.

وَيَنْقَسِمُ حُكْمُ الْيَمِينِ إلَى وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ وَمُبَاحٍ وَمَكْرُوهٍ وَحَرَامٍ، أُشِيرَ إلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ: (وَيَجِبُ الْحَلِفُ لِإِنْجَاءِ مَعْصُومٍ) مِنْ مَهْلَكَةٍ وَلَوْ نَفْسِهِ كَأَيْمَانِ قَسَامَةٍ، تَوَجَّهَتْ عَلَى (بَرِيءٍ مِنْ دَعْوَى قَتْلٍ) . وَأُشِيرَ إلَى الثَّانِي مِنْهَا بِقَوْلِهِ: (وَيُنْدَبُ) الْحَلِفُ (لِمَصْلَحَةٍ) كَإِزَالَةِ حِقْدٍ وَإِصْلَاحٍ بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ (وَدَفْعِ شَرٍّ) وَهُوَ صَادِقٌ فِيهِ.
وَأُشِيرَ إلَى الثَّالِثِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: (وَيُبَاحُ) الْحَلِفُ (عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ أَوْ تَرْكِهِ) كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمَكًا مَثَلًا أَوْ لَيَأْكُلَنَّهُ، وَكَالْحَلِفِ عَلَى الْخَبَرِ بِشَيْءٍ هُوَ صَادِقٌ فِيهِ أَوْ يُظَنُّ أَنَّهُ صَادِقٌ.
وَأُشِيرَ إلَى الرَّابِعِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: (وَيُكْرَهُ الْحَلِفُ عَلَى فِعْلٍ مَكْرُوهٍ) كَمَنْ حَلَفَ لَيُصَلِّيَنَّ وَهُوَ حَاقِنٌ، أَوْ لَيَأْكُلَنَّ بَصَلًا نِيئًا، وَنَحْوَهُ، وَمِنْهُ الْحَلِفُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْحَلِفُ مُنْفِقٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقٌ لِلْبَرَكَةِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (أَوْ عَلَى تَرْكِ مَنْدُوبٍ) كَحَلِفِهِ عَلَى تَرْكِ صَلَاةِ الضُّحَى.
وَأُشِيرَ إلَى الْخَامِسِ بِقَوْلِهِ: (وَيَحْرُمُ) الْحَلِفُ (عَلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ) كَشُرْبِ خَمْرٍ (أَوْ) عَلَى تَرْكِ (وَاجِبٍ) كَمَنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ رَمَضَانَ (أَوْ) يَحْلِفُ (كَاذِبًا) عَالِمًا بِكَذِبِهِ.
(فَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ أَوْ) حَلَفَ عَلَى (تَرْكِ مَنْدُوبٍ، سُنَّ حِنْثُهُ وَكُرِهَ بِرُّهُ) لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى بِرِّهِ مِنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبِ قَادِرًا (وَ) مَنْ حَلَفَ (عَلَى فِعْلِ مَنْدُوبٍ أَوْ تَرْكِ مَكْرُوهٍ، كُرِهَ حِنْثُهُ، وَسُنَّ بِرُّهُ) لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى بِرِّهِ مِنْ الثَّوَابِ بِفِعْلِ الْمَنْدُوبِ، وَتَرْكِ الْمَكْرُوهِ امْتِثَالًا.
(وَ) مَنْ حَلَفَ (عَلَى فِعْلِ وَاجِبٍ أَوْ عَلَى تَرْكِ مُحَرَّمٍ، حَرُمَ حِنْثُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْ فِعْلِ الْمُحَرَّمِ، (وَوَجَبَ بِرُّهُ) لِمَا مَرَّ

(وَ) مَنْ حَلَفَ (عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ، وَجَبَ حِنْثُهُ) لِئَلَّا يَأْثَمُ بِفِعْلِ الْمُحَرَّمِ أَوْ تَرْكِ الْوَاجِبِ (وَحَرُمَ بِرُّهُ لِمَا سَبَقَ) . (وَيُخَيَّرُ) مَنْ حَلَفَ (فِي مُبَاحٍ) لَيَفْعَلَنَّهُ أَوْ لَا يَفْعَلُهُ بَيْنَ حِنْثِهِ وَبِرِّهِ (وَحِفْظُهَا فِيهِ أَوْلَى) مِنْ حِنْثِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89] (كَافْتِدَاءِ مُحِقٍّ) فِي دَعْوَى عَلَيْهِ (لِ) يَمِينٍ (وَاجِبَةٍ) ، أَيْ: وُجِّهَتْ (عَلَيْهِ عِنْدَ حَاكِمٍ) فَافْتِدَاؤُهُ أَوْلَى مِنْ حَلِفِهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ وَالْمِقْدَادَ تَحَاكَمَا إلَى عُمَرَ فِي مَالٍ اسْتَقْرَضَهُ الْمِقْدَادُ، فَجَعَلَ عُمَرُ الْيَمِينَ عَلَى الْمِقْدَادِ، فَرَدَّهَا الْمِقْدَادُ عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ أَنْصَفَك، فَأَخَذَ عُثْمَانُ مَا أَعْطَاهُ الْمِقْدَادُ، وَلَمْ يَحْلِفْ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: خِفْتُ أَنْ يُوَافِقَ قَدْرَ بَلَاءٍ، فَيُقَالَ يَمِينُ عُثْمَانَ.

(وَيُبَاحُ الْحَلِفُ) عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ عُمَرَ وَأُبَيًّا احْتَكَمَا إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي نَخْلٍ ادَّعَاهُ أُبَيٌّ، فَتَوَجَّهَ الْيَمِينُ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ زَيْدٌ: أَعْفِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ عُمَرُ لِمَ يُعْفَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ إنْ عَرَفْتُ شَيْئًا اسْتَحْقَقْتُهُ بِيَمِينِي، وَإِلَّا تَرَكْتُهُ، فَوَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إنَّ النَّخْلَ لَنَخْلِي وَمَا لِأُبَيٍّ فِيهِ حَقٌّ، فَلَمَّا خَرَجَ وَهَبَ النَّخْلَ لِأُبَيٍّ، فَقِيلَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلَّا كَانَ قَبْلَ الْيَمِينِ، فَقَالَ: خِفْتُ أَنْ لَا أَحْلِفَ فَلَا يَحْلِفَ النَّاسُ عَلَى حُقُوقِهِمْ بَعْدِي، فَيَكُونَ سُنَّةً، وَلِأَنَّهُ حَلِفُ صِدْقٍ عَلَى حَقٍّ فَأَشْبَهَ الْحَلِفُ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ.

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ فِيهِ: يُسْتَحَبُّ لِمَصْلَحَةٍ كَزِيَادَةِ طُمَأْنِينَةٍ وَتَوْكِيدِ الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُ «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ: وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْتهَا تَطْيِيبًا مِنْهُ لِقَلْبِهِ» (بَلْ) ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ (فِي) كِتَابِ (الْهَدْيِ) مِنْ قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ: فِيهَا جَوَازُ الْحَلِفِ ثُمَّ قَالَ: بَلْ (اسْتِحْبَابُهُ عَلَى الْخَبَرِ الدِّينِيِّ الَّذِي يُرَادُ تَأْكِيدُهُ وَقَدْ حُفِظَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَلِفُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ مَوْضِعًا) انْتَهَى.

(وَلَا يَلْزَمُ) مَحْلُوفًا عَلَيْهِ (إبْرَارُ قَسَمِ حَالِفٍ كَمَا لَا تَلْزَمُ إجَابَةُ سُؤَالٍ بِاَللَّهِ - تَعَالَى -) ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ، وَلَا تَوْقِيفَ فِيهِ.
(وَيُسَنُّ) إبْرَارُ قَسَمٍ كَإِجَابَةِ سُؤَالٍ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، (قَالَ) «وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؟ قُلْنَا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الَّذِي يُسْأَلُ بِاَللَّهِ، وَلَا يُعْطِي بِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَ (لَا) يُسَنُّ (تَكْرَارُ حَلِفٍ فَإِنْ أَفْرَطَ) فِي التَّكْرَارِ (كُرِهَ) ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: 10] وَهُوَ ذَمٌّ لَهُ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ الْإِكْثَارِ، نَقَلَ حَنْبَلٌ لَا تُكْثِرْ الْحَلِفَ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ.

[فَصْلٌ وُجُوبُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِأَرْبَعَةُ شُرُوطٍ]

فَصْلٌ (وَلِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ) بِالْيَمِينِ (أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ) : (أَحَدُهَا قَصْدُ عَقْدِ الْيَمِينِ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] (فَلَا تَنْعَقِدُ) الْيَمِينُ لَغْوًا (بِأَنْ سَبَقَتْ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ) ، أَيْ: الْحَالِفِ (بِلَا قَصْدٍ، كَقَوْلِهِ لَا وَاَللَّهِ، بَلَى وَاَللَّهِ فِي عُرْضِ حَدِيثِهِ) فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا، لِحَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «اللَّغْوُ فِي الْيَمِينِ كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مَوْقُوفًا.
وَالْعُرْضُ بِالضَّمِّ الْجَانِبُ، وَبِالْفَتْحِ خِلَافُ الطُّولِ.
(وَلَا) تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ (مِنْ نَحْوِ نَائِمٍ) كَمُغْمَى عَلَيْهِ (وَمَجْنُونٍ وَصَغِيرٍ) وَمَعْتُوهٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَا قَصْدَ لَهُمْ (وَعَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ إيلَاؤُهُ) أَيْ: الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ.

الشَّرْطُ (الثَّانِي كَوْنُهَا) ، أَيْ: الْيَمِينِ (عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ) لِيَتَأَتَّى بِرُّهُ وَحِنْثُهُ، بِخِلَافِ الْمَاضِي وَغَيْرِ الْمُمْكِنِ (فَلَا تَنْعَقِدُ) الْيَمِينُ بِحَلِفٍ (عَلَى مَاضٍ كَاذِبًا جَاهِلًا) صِدْقَ نَفْسِهِ (أَوْ ظَانًّا صِدْقَ نَفْسِهِ) فَيَبِينُ بِخِلَافِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا (أَوْ كَاذِبًا عَالِمًا بِكَذِبِهِ، وَهِيَ) الْيَمِينُ عَلَى مَاضٍ (الْغَمُوسُ) سُمِّيَتْ غَمُوسًا (لِغَمْسِهِ) ، أَيْ: الْحَالِفِ بِهَا (فِي الْإِثْمِ ثُمَّ فِي النَّارِ) ، أَيْ: لِتَرَتُّبِ ذَلِكَ عَلَيْهَا (وَعَنْ الشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ (أَوْ حَلَفَ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ ظَانًّا صِدْقَ نَفْسِهِ، فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ) فَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ (وَكَحَلِفٍ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى غَيْرِهِ (يَظُنُّ أَنَّهُ يُطِيعُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ) فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَغْوٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225] وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ فُلَانٌ كَذَا، أَوْ لَا يَفْعَلَنَّ، أَوْ حَلَفَ عَلَى حَاضِرٍ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ لَا تَفْعَلْنَ كَذَا، فَلَمْ يُطِعْهُ، حَنِثَ الْحَالِفُ، وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ لَا عَلَى مَنْ أَحْنَثَهُ، انْتَهَى.
(أَوْ) حَلَفَ (نَافِيًا لِفِعْلٍ مُسْتَحِيلٍ لِذَاتِهِ) كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ (لَا شَرِبْتُ مَاءَ الْكُوزِ) ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا مَاءَ فِيهِ، أَيْ: الْكُوزِ، وَكَذَا لَا جَمَعْتُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ (أَوْ) لَا رَدَدْتُ أَمْسِ، أَوْ حَلَفَ عَلَى وُجُودِ فِعْلٍ مُسْتَحِيلٍ (لِغَيْرِهِ) بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَحِيلًا عَادَةً (كَ) قَوْلِهِ وَاَللَّهِ (لَا قَتَلْتُ الْمَيِّتَ أَوْ لَا أَحْيَيْتُهُ) أَوْ لَا طِرْتُ أَوْ لَا صَعِدْتُ السَّمَاءَ أَوْ لَا قَلَبْتُ الْحَجَرَ ذَهَبًا، فَلَا تَنْعَقِدُ فِي هَذِهِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهَا لَغْوٌ، (وَ) لَوْ حَلَفَ (مُثْبِتًا لَهُ) ، أَيْ: لِفِعْلٍ مُسْتَحِيلٍ لِذَاتِهِ أَوْ مُسْتَحِيلٍ عَادَةً كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَيَشْرَبَنَّ مَاءَ الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ (أَوْ لَيَقْتُلَنَّهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتَ (أَوْ لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ تَنْعَقِدُ) ، يَمِينُهُ (وَيَحْنَثُ) بِهَا وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ (فِي الْحَالِ) لِاسْتِحَالَةِ الْبِرِّ فِي الْمُسْتَحِيلِ.
(وَظِهَارٌ وَنَذْرٌ) وَكُلُّ مَقَالَةٍ مُوجِبَةٍ لِلْكَفَّارَةِ كَقَوْلِهِ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ وَنَحْوِهِ

(كَيَمِينٍ بِاَللَّهِ) فِيمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ (وَعَلَيْهِ) أَيْ قَوْلِنَا: إنَّ الظِّهَارَ وَالنَّذْرَ كَالْيَمِينِ (فَلَا يَنْعَقِدُ ظِهَارٌ وَلَا نَذْرٌ عَلَى مَاضٍ مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ قِيلَ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْحَلِفِ عَلَى مَاضٍ أَوْ لَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَغْوِ الْأَيْمَانِ (وَتَقَدَّمَ الطَّلَاقُ) وَالْعَتَاقُ أَنَّهُمَا يَنْعَقِدَانِ، وَيَحْنَثُ بِهِمَا مُطْلَقًا.

الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: كَوْنُ حَالِفٍ مُخْتَارًا) لِلْيَمِينِ (فَلَا تَنْعَقِدُ مِنْ مُكْرَهٍ عَلَيْهَا) لِحَدِيثِ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .

الشَّرْطُ (الرَّابِعُ:) الْحِنْثُ بِفِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ أَوْ بِتَرْكِ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَحْنَثْ فَلَا كَفَّارَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ حُرْمَةَ الْقَسَمِ، (وَلَوْ) كَانَ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ وَتَرَكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ (مُحَرَّمَيْنِ،) كَمَنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْخَمْرِ فَشَرِبَهَا، أَوْ صَلَاةِ فَرْضٍ فَتَرَكَهَا، فَيُكَفِّرُ لِوُجُودِ الْحِنْثِ.
وَ (لَا) حِنْثَ إنْ خَالَفَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ (مُكْرَهًا) فَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَحُمِلَ مُكْرَهًا فَأُدْخِلَهَا، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ، لِلْخَبَرِ (أَوْ) خَالَفَ (جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا) كَمَا لَوْ دَخَلَ نَاسِيًا لِيَمِينِهِ أَوْ جَاهِلًا أَنَّهَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا، فَلَا كَفَّارَةَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ لِلْخَبَرِ، وَكَذَا إنْ فَعَلَهُ مَجْنُونًا.

(وَمَنْ اسْتَثْنَى فِيمَا يُكَفِّرُ مِنْ حَلِفٍ بِاَللَّهِ وَنَذْرٍ وَظِهَارٍ، وَنَحْو هُوَ يَهُودِيٌّ) كَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ (إنْ فَعَلَ كَذَا بِ) قَوْلِهِ: - مُتَعَلِّقٌ بِاسْتَثْنَى - (إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ بِقَوْلِهِ إنْ أَرَادَ اللَّهُ، أَوْ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، وَقَصَدَ ذَلِكَ) ، أَيْ تَعْلِيقَ الْفِعْلِ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ، بِخِلَافِ مَنْ قَالَهُ تَبَرُّكًا أَوْ سَبَقَ بِهِ لِسَانُهُ بِلَا قَصْدٍ (وَاتَّصَلَ) اسْتِثْنَاؤُهُ بِيَمِينِهِ (لَفْظًا) ، بِأَنْ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا بِسُكُوتٍ أَوْ غَيْرِهِ، (أَوْ) اتَّصَلَ (حُكْمًا كَقَطْعِهِ بِنَحْوِ تَنَفُّسٍ وَسُعَالٍ) (لَمْ يَحْنَثْ، فَعَلَ) مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ (أَوْ تَرَكَ) مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَقَالَ:) فَلَهُ ثُنْيَاهُ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ

الْخَمْسَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد، وَلِأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -، فَمَنْ قَالَ: لَا أَفْعَلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَفَعَلَ عَلِمَ أَنَّهُ - تَعَالَى - لَمْ يَشَأْ تَرْكَهُ، وَإِذَا قَالَ لَأَفْعَلَنَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَمْ يَفْعَلْ عَلِمَ أَنَّهُ - تَعَالَى - لَمْ يَشَأْ فِعْلَهُ وَهُوَ إنَّمَا حَلَفَ عَلَى الْفِعْلِ عَلَى تَقْدِيرِ الْمَشِيئَةِ، وَلَمْ تُوجَد.
وَاشْتِرَاطُ الِاتِّصَالِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ» وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وَكَالِاسْتِثْنَاءِ بِإِلَّا وَأَخَوَاتِهَا.
(وَيُعْتَبَرُ نُطْقُ غَيْرِ مَظْلُومٍ وَخَائِفٍ) بِأَنْ يَلْفِظَ بِالِاسْتِثْنَاءِ نَصًّا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالَ وَالْقَوْلُ بِاللِّسَانِ، وَأَمَّا الْمَظْلُومُ الْخَائِفُ فَتَكْفِيهِ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ، أَوْ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَأَوَّلِ.
(وَ) يُعْتَبَرُ (قَصْدُ اسْتِثْنَاءٍ قَبْلَ تَمَامِ مُسْتَثْنَى مِنْهُ أَوْ بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ تَمَامِ مُسْتَثْنَى مِنْهُ (قَبْلَ فَرَاغِهِ) مِنْ كَلَامِهِ، لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (فَلَوْ) حَلَفَ غَيْرَ قَاصِدٍ الِاسْتِثْنَاءَ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ الِاسْتِثْنَاءُ فَ (اسْتَثْنَى بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْيَمِينِ) لَمْ يَنْفَعْهُ الِاسْتِثْنَاءُ لِعَدَمِ قَصْدِهِ لَهُ أَوَّلًا (أَوْ أَرَادَ الْجَزْمَ) بِيَمِينِهِ (فَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ) بِلَا قَصْدٍ (أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ جَارِيَةً بِهِ) ، أَيْ: الِاسْتِثْنَاءِ (فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ بِلَا قَصْدٍ، لَمْ يَنْفَعْهُ الِاسْتِثْنَاءُ) لِحَدِيثِ: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . (وَمَنْ شَكَّ فِيهِ) ، أَيْ: الِاسْتِثْنَاءِ بِأَنْ لَمْ يَدْرِ أَتَى بِهِ أَوْ لَا (فَكَمَنْ لَمْ يَسْتَثْنِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا وَعَيَّنَ وَقْتًا) لِفِعْلِهِ كَلَأُعْطِيَنَّ زَيْدًا دِرْهَمًا يَوْمَ كَذَا أَوْ سَنَةَ كَذَا (تَعَيَّنَ) ذَلِكَ الْوَقْتُ لِذَلِكَ الْفِعْلِ، فَإِنْ فَعَلَهُ فِيهِ بَرَّ، وَإِلَّا حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى يَمِينِهِ، (وَإِلَّا) يُعَيِّنْ لِلْفِعْلِ وَقْتًا بِأَنْ قَالَ لَأُعْطِيَنَّ زَيْدًا دِرْهَمًا (لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ فِعْلِهِ) الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ (بِتَلَفِ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ أَوْ مَوْتِ حَالِفٍ) «لِقَوْلِ عُمَرَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَمْ تُخْبِرْنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَتَطُوفُ بِهِ» . وَلِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَى فِعْلِهِ لَمْ يَتَوَقَّفْ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَفِعْلُهُ مُمْكِنٌ، فَلَمْ تَحْصُلْ مُخَالَفَةُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ عَدَمَ الْحِنْثِ.

(وَ) يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ (عِتْقِ عَبْدٍ مُسْلِمٍ حَلَفَ لَيَبِيعَنهُ) لِاسْتِحَالَةِ بَيْعِهِ بَعْدَ ذَلِكَ (وَ) كَذَلِكَ يَحْنَثُ (بِلِعَانِ زَوْجَةٍ حَلَفَ لَيُطَلِّقَهَا) لِبَيْنُونَتِهَا مِنْهُ بِاللِّعَانِ.

[فَصْلٌ فِي مَنْ حَرَّمَ حَلَالًا سِوَى زَوْجَتِهِ]

فَصْلٌ (مَنْ حَرَّمَ حَلَالًا سِوَى زَوْجَتِهِ مِنْ طَعَامٍ) كَثَوْبٍ وَفِرَاشٍ (كَقَوْلِهِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ وَلَا زَوْجَةَ لَهُ) كَقَوْلِهِ: كَسْبُهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ (أَوْ طَعَامُهُ عَلَيْهِ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ) أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ لَمْ يَحْرُمْ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ زَوْجَتِهِ فَظِهَارٌ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُهُ (أَوْ عَلَّقَ) ، أَيْ: تَحْرِيمَ حَلَالٍ سِوَى زَوْجَتِهِ (بِشَرْطٍ) كَقَوْلِهِ عِنْدَ طَعَامٍ (إنْ أَكَلْتُهُ فَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ لَمْ يَحْرُمْ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] إلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] وَالْيَمِينُ عَلَى الشَّيْءِ لَا تُحَرِّمُهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حَرَّمَ بِذَلِكَ لَتَقَدَّمَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ كَالظِّهَارِ، وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِعْلِهِ وَسَمَّاهُ خَيْرًا (وَعَلَيْهِ إنْ فَعَلَهُ كَفَّارَةٌ) نَصًّا لِلْآيَةِ (خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ كَالشَّافِعِيَّةِ) الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِذَلِكَ قَصْدَ تَغْيِيرَ الْمَشْرُوعِ، فَلَغَا مَا قَصَدَهُ.
وَهَذَا صَرِيحُ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ يَرُدُّهُ، إذْ سَبَبُ نُزُولِهَا «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: لَنْ أَعُودَ إلَى شُرْبِ الْعَسَلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ ابْنِ عَمْرٍو وَابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ يَمِينًا» فَإِنْ تَرَكَ مَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (وَقَوْلُهُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ، فَهُوَ ظِهَارٌ وَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ لِتَحْرِيمِ الْمَرْأَةِ وَالْمَالِ) بِذَلِكَ.
(وَمَنْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ كَافِرٌ أَوْ مَجُوسِيٌّ) إنْ فَعَلَ كَذَا أَوْ لَيَفْعَلَنَّهُ (أَوْ هُوَ يَعْبُدُ الصَّلِيبَ أَوْ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ أَوْ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَوْ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ الْقُرْآنِ) لَيَفْعَلَنَّ كَذَا، (أَوْ) إنْ فَعَلَهُ أَوْ قَالَ: هُوَ (يَكْفُرُ بِاَللَّهِ أَوْ لَا يَرَاهُ اللَّهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا) لَيَفْعَلَنَّ كَذَا أَوْ إنْ فَعَلَ كَذَا (أَوْ قَالَ هُوَ يَسْتَحِلُّ الزِّنَا أَوْ الْخَمْرَ أَوْ أَكْلَ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ تَرْكَ الصَّلَاةِ أَوْ الصَّوْمِ أَوْ الزَّكَاةِ أَوْ الْحَجِّ أَوْ الطَّهَارَةِ مُنَجِّزًا كَلَيَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ مُعَلِّقًا كَإِنْ فَعَلَ كَذَا، فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا) لِحَدِيثِ سَالِمِ بْنِ الضَّحَّاكِ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَالَ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إنْ خَالَفَ) فَفَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ تَرَكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ حَيْثُ يَحْنَثُ، لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ فِي الْيَمِينِ يَحْلِفُ بِهَا فَيَحْنَثُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَقَالَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ هَتْكَ الْحُرْمَةِ، فَكَانَ يَمِينًا كَالْحَلِفِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى -، بِخِلَافِ هُوَ فَاسِقٌ وَنَحْوُهُ إنْ فَعَلَ كَذَا، وَهَلْ يَصِيرُ كَافِرًا بِتَرْكِهِ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، وَفِعْلُهُ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْحَلِفَ لَمْ يَكْفُرْ.
(وَإِنْ قَصَدَ أَنَّهُ يَكْفُرُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ أَعْطَيْتُمُونِي أَلْفًا فَأَنَا أَسْتَحِلُّ الزِّنَا وَنَحْوَهُ، وَنِيَّتُهُ أَنَّهُ يَسْتَحِلُّ إذَا أَعْطَوْهُ (كَفَرَ مُنَجِّزًا) ، أَيْ: يُتَنَجَّزُ كُفْرُهُ (قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ بِمَعْنَاهُ فِي كِتَابِهِ قَاعِدَةِ الْعُقُودِ.
(وَإِنْ قَالَ: عَصَيْتُ اللَّهَ أَوْ أَنَا أَعْصِي اللَّهَ فِي كُلِّ مَا أَمَرَنِي بِهِ، وَمَحَوْتُ الْمُصْحَفَ، أَوْ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ) أَوْ هُوَ زَانٍ أَوْ شَارِبُ خَمْرٍ (أَوْ قَطَعَ) اللَّهُ (يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، أَوْ لَعَمْرُهُ) أَوْ لَعَمْرُ أَبِيهِ وَنَحْوَهُ (لَيَفْعَلَنَّ كَذَا أَوْ لَا أَفْعَلُ كَذَا) فَلَغْوٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تُوجِبُ هَتْكَ الْحُرْمَةِ، فَلَمْ تَكُنْ يَمِينًا، فَبَقِيَ الْحَالِفُ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ (أَوْ قَالَ إنْ فَعَلَهُ) ، أَيْ: كَذَا (فَعَبْدُ زَيْدٍ حُرٌّ أَوْ مَالُهُ) ، أَيْ:

زَيْدٍ (صَدَقَةٌ وَنَحْوَهُ) كَإِنْ فَعَلَ كَذَا فَعَلَى زَيْدٍ الْحَجُّ أَوْ فَزَيْدٌ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ، (فَ) هُوَ لَغْوٌ لِمَا مَرَّ.
(وَيَلْزَمُ بِحَلِفٍ بِأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ ظِهَارٌ وَطَلَاقٌ وَعَتَاقٌ وَنَذْرٌ وَيَمِينٌ بِاَللَّهِ) - تَعَالَى - (مَعَ النِّيَّةِ) كَمَا لَوْ حَلَفَ بِكُلٍّ عَلَى انْفِرَادِهِ.

(وَيَتَّجِهُ) لَوْ حَلَفَ إنْسَانٌ بِأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ (مَعَ نِيَّةِ الْبَعْضِ فَإِنَّهُ يَتَقَيَّدُ) حَلِفُهُ (بِهِ) ، أَيْ: بِذَلِكَ الْبَعْضِ الْمَنْوِيِّ وَيَتَّجِهُ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِهَا (مَعَ الْإِطْلَاقِ) بِأَنْ لَمْ يَنْوِ بِحَلِفِهِ ذَلِكَ كُلَّهَا وَلَا بَعْضَهَا (لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ، فَلَمْ تَكُنْ يَمِينًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) يَلْزَمُ بِحَلِفٍ (بِأَيْمَانِ الْبَيْعَةِ) ، أَيْ: مُبَايَعَةِ الْإِسْلَامِ (وَهِيَ يَمِينٌ رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ) بْنُ يُوسُفَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ عَقِيلٍ الثَّقَفِيُّ وَلَّاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ قِتَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَحَاصَرَهُ بِمَكَّةَ، ثُمَّ قَتَلَهُ وَصَلَبَهُ، فَوَلَّاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ الْحِجَازَ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ وَلَّاهُ الْعِرَاقَ، فَوَلِيَهَا عِشْرِينَ (تَتَضَمَّنُ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - وَالطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ وَصَدَقَةَ الْمَالِ مَا فِيهَا) فَاعِلُ يَلْزَمُ، أَيْ هَذِهِ الْأَيْمَانُ (إنْ عَرَفَهَا) أَيْ أَيْمَانَ الْبَيْعَةِ (وَنَوَاهَا) لِانْعِقَادِ الْأَيْمَانِ بِالْكِتَابَةِ الْمَنْوِيَّةِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَكَمَا لَوْ لَفَظَ بِيَمِينٍ وَحَدَّهَا (وَإِلَّا) يَعْرِفْ مَعْنَاهَا أَوْ عَرَفَهَا وَلَمْ يَنْوِهَا، أَوْ نَوَاهَا وَلَمْ يَعْرِفْهَا (فَ) كَلَامُهُ ذَلِكَ (لَغْوٌ) وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ هَذِهِ الْأَيْمَانِ فَتُعْتَبَرُ فِيهَا النِّيَّةُ، وَالنِّيَّةُ تَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَنْوِيِّ، فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ الْمَعْرِفَةُ أَوْ النِّيَّةُ لَمْ تَنْعَقِدْ.

(وَلَوْ حَلَفَ بِإِحْدَاهَا) ، أَيْ: الْأَيْمَانِ الْمَذْكُورَةِ (فَقَالَ لَهُ آخَرُ يَمِينِي فِي يَمِينِكَ، أَوْ) قَالَ لَهُ آخَرُ (أَنَا عَلَى مِثْلِ يَمِينِكَ أَوْ) قَالَ لَهُ (أَنَا مَعَكَ فِي يَمِينِكَ يُرِيدُ الْآخَرُ الْتِزَامَ مِثْلِهَا) أَيْ: يَمِينِ الْحَالِفِ (لَزِمَهُ) أَيْ: الْآخَرَ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ الْيَمِينِ بِمَا حَلَفَ بِهِ وَقَدْ نَوَاهُ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ

كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ (إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى -) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا لِمَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ اسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - الْمُعَظَّمِ الْمُحْتَرَمِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي الْكِنَايَةِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ: وَلَمْ يَظْهَرْ لِي تَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَيْمَانِ الْبَيْعَةِ وَأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - فِيهَا بِالْكِنَايَةِ.
قَالَ الشَّيْخُ عُثْمَانُ: وَقَدْ يُفَرَّقُ أَنَّهَا إنَّمَا انْعَقَدَتْ الْكِنَايَةُ فِي أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ وَأَيْمَانِ الْبَيْعَةِ تَبَعًا لِغَيْرِهَا مِمَّا يَنْعَقِدُ بِهَا كَالطَّلَاقِ، بِخِلَافِ حَالَةِ الِاسْتِقْلَالِ، وَرُبَّ شَيْءٍ جَازَ تَبَعًا وَلَمْ يَجُزْ اسْتِقْلَالًا.

(وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ عَلَيَّ يَمِينٌ) إنْ فَعَلْت كَذَا، وَفَعَلَهُ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ (أَوْ قَالَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ، أَوْ قَالَ عَلَيَّ مِيثَاقُهُ إنْ فَعَلْت كَذَا، وَفَعَلَهُ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ يُسَمِّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَمَنْ قَالَ مَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَأَرَادَ بِهِ الْيَمِينَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ وَمَنْ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِحَلِفٍ بِاَللَّهِ، وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ، فَكِذْبَةٌ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا نَصًّا بِخِلَافِ الطَّلَاقِ

[فَصْلٌ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ]

(وَتُجْمَعُ تَخْيِيرًا ثُمَّ تَرْتِيبًا) تَكُونُ تَخْيِيرًا تَارَةً وَتَرْتِيبًا أُخْرَى، فَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ وَالْعِتْقِ، وَالتَّرْتِيبُ فِيهَا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الصِّيَامِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89] الْآيَةَ: (فَيُخَيَّرُ مَنْ لَزِمَتْهُ) كَفَّارَةُ يَمِينٍ (بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) مُسْلِمِينَ أَحْرَارٍ وَلَوْ صِغَارًا كَالزَّكَاةِ (مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا يُجْزِئُ مِنْ بُرٍّ وَشَعِيرٍ وَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ وَأَقِطٍ) بِأَنْ أَطْعَمَ بَعْضَهُمْ بُرًّا وَبَعْضَهُمْ تَمْرًا مَثَلًا (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) وَهِيَ (لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ) الْفَرْضَ (فِيهِ، وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ) أَيْ: قَمِيصٌ (وَخِمَارٌ كَذَلِكَ) ، أَيْ: تُجْزِئُهَا صَلَاتُهَا فِيهِمَا (أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ) مُسْلِمَةٍ سَلِيمَةٍ مِمَّا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ضِرَارٍ بَيِّنًا، وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي الظِّهَارِ.
وَتُجْزِئُ الْكِسْوَةُ مِنْ كَتَّانٍ وَقُطْنٍ وَصُوفٍ وَوَبَرٍ وَشَعْرٍ، وَلِلنِّسَاءِ مِنْ حَرِيرٍ؛ لِأَنَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَطْلَقَ كِسْوَتَهُمْ، فَأَيَّ جِنْسٍ كَسَاهُمْ خَرَجَ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ (وَيُجْزِئُ) جَدِيدٌ وَ (لَبِيسٌ) ، أَيْ: عَتِيقٌ (مَا لَمْ تَذْهَبْ قُوَّتُهُ) لِعُمُومِ الْآيَةِ، فَإِنْ ذَهَبَتْ قُوَّتُهُ لَمْ يُجْزِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَعِيبًا كَالْمُسَوِّسِ فِي الْإِطْعَامِ (فَإِنْ عَجَزَ) مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (كَعَجْزِهِ عَنْ فِطْرَةٍ) وَتَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ (صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ وُجُوبًا) لِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ وَكَصَوْمِ الْمُظَاهِرِ بِجَامِعِ أَنَّهُ صَوْمٌ فِي كَفَّارَةٍ لَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْعِتْقِ (إنْ لَمْ يَكُنْ) لِلْمُكَفِّرِ (عُذْرٌ) فِي تَرْكِ التَّتَابُعِ مِنْ نَحْوِ مَرَضٍ.
(وَيُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ أَنْ يُطْعِمَ بَعْضًا) مِنْ الْمَسَاكِينِ (وَ) أَنْ (يَكْسُوَ بَعْضًا) كَأَنْ أَطْعَمَ خَمْسًا وَكَسَا خَمْسًا؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - خَيَّرَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ فَكَانَ مَرْجِعُهُمَا إلَى اخْتِيَارِهِ فِي الْعَشَرَةِ وَفِي بَعْضِهِمْ.

وَ (لَا) يُجْزِئُهُ (تَكْمِيلُ عِتْقٍ بِإِطْعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ) بِأَنْ أَعْتَقَ نِصْفَ رَقَبَةٍ أَوْ أَطْعَمَ أَوْ كَسَا خَمْسَةَ مَسَاكِينَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْ رَقَبَةً، وَلَمْ يُطْعِمْ أَوْ يَكْسُ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ (وَ) كَذَا (لَا) يُجْزِئُهُ تَكْمِيلُ (إطْعَامٍ) أَوْ كِسْوَةٍ (بِصَوْمٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَكْسُ أَوْ يُطْعِمْ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ (كَبَقِيَّةِ الْكَفَّارَاتِ) فَلَا يُجْزِئُ فِيهَا تَكْمِيلُ عِتْقٍ بِصَوْمٍ أَوْ إطْعَامٍ، وَلَا تَكْمِيلِ

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل