مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 296-335
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ

صفحات 296-335
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

إسْلَامُهُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ

(مَعَ إقْرَارِ مُرْتَدٍّ جَاحِدٍ لِغَرَضٍ أَوْ) جَاحِدِ (تَحْلِيلٍ أَوْ) جَاحِدِ (تَحْرِيمٍ أَوْ) جَاحِدِ (نَبِيٍّ أَوْ) جَاحِدِ (كِتَابٍ) مِنْ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى (أَوْ) جَاحِدِ (رِسَالَةِ نَبِيِّنَا) مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (إلَى غَيْرِ الْعَرَبِ بِمَا جَحَدَهُ) مِنْ ذَلِكَ؛ (وَإِلَّا) يُقِرُّ بِمَا جَحَدَهُ (لَمْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ) ، لِأَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا يَكْفُرُ بِجُحُودِهِ لَا يُكْتَفَى مِنْهُ الْإِتْيَانُ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَضَمَّنَانِ الْإِقْرَارَ بِمَا جَحَدَهُ؛ فَكُفْرُهُ بَاقٍ؛ فَلَا بُدَّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ جَحْدِهِ، لِأَنَّهُ كَذَبَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِمَا اعْتَقَدَهُ مِنْ الْجَحْدِ، فَلَا بُدَّ فِي إسْلَامِهِ مِنْ الْإِقْرَارِ بِمَا جَحَدَهُ (أَوْ قَوْلُهُ أَنَا مُسْلِمٌ) يَعْنِي أَنَّ تَوْبَةَ الْمُرْتَدِّ وَكُلِّ كَافِرٍ إتْيَانُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، أَوْ قَوْلُهُ أَنَا مُسْلِمٌ وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِهِمَا لِأَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ، بِمَا تَضَمَّنَ الشَّهَادَتَيْنِ كَانَ مُخْبِرًا بِهِمَا.
وَعَنْ الْمِقْدَادِ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت لَوْ لَقِيت رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إحْدَى يَدِي بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ: أَسْلَمْت أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا قَالَ: لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْته، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِك قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَهَا» وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَقِيلٍ فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنِّي مُسْلِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ كُنْت قُلْت وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك أَفْلَحْت كُلَّ الْفَلَاحِ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا فِي الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ أَوْ مَنْ جَحَدَ الْوَحْدَانِيَّةَ، أَمَّا مَنْ كَفَرَ بِجَحْدِ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ أَوْ فَرِيضَةٍ وَنَحْوِ هَذَا فَلَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ الْإِسْلَامَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ كُلَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ هُمْ الْمُسْلِمُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ كَافِرٌ.

(وَلَا يُغْنِي قَوْلُهُ)

أَيْ: الْكَافِرِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ شَهَادَةِ التَّوْحِيدِ) أَيْ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ (وَلَوْ مِنْ مُقِرٍّ بِهِ) ؛ أَيْ: التَّوْحِيدِ كَيَهُودِيٍّ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَا تَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ كَعَكْسِهِ، فَلَا يَكْفِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَك بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» فَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنْ الشَّهَادَتَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ.

(وَقَوْلُ مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِرِدَّةٍ: بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ أَوْ قَوْلُهُ أَنَا مُسْلِمٌ: تَوْبَةٌ) كَمَا لَوْ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ ارْتَدَّ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ (وَإِنْ كَتَبَ كَافِرٌ الشَّهَادَتَيْنِ) بِيَدِهِ (وَيَتَّجِهُ) اعْتِبَارُ كِتَابَتِهِ الشَّهَادَتَيْنِ (اسْتِقْلَالًا) فِي صِحَّةِ عَقْلِهِ وَثَبَاتِ فَهْمِهِ (لَا) إنْ كَتَبَهُمَا (تَبَعًا) كَمَا لَوْ كَانَ نَسَّاخًا فَكَتَبَهُمَا ذُهُولًا مِنْهُ فِي أَثْنَاءِ (نَسْخِ كِتَابٍ هُمَا) ؛ أَيْ: الشَّهَادَتَانِ (فِيهِ) ؛ أَيْ: مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ؛ فَلَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَكَمَا لَوْ أُكْرِهَ ذِمِّيٌّ أَوْ مُسْتَأْمَنٌ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ: لَمْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إسْلَامِهِ طَوْعًا، وَيَأْتِي، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (صَارَ مُسْلِمًا) لِأَنَّ الْخَطَّ كَاللَّفْظِ (كَنَاطِقٍ بِهِمَا) ؛ أَيْ: الشَّهَادَتَيْنِ (وَكَذَلِكَ قَائِلٍ: أَسْلَمْت أَوْ أَنَا مُسْلِمٌ أَوْ أَنَا مُؤْمِنٌ) صَارَ مُسْلِمًا بِذَلِكَ أَوْ إنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالشَّهَادَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَوْ عَادَ مَنْ تَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَوْ كَتَبَهُمَا أَوْ تَلَفَّظَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ مِمَّا يَصِيرُ بِهِ

مُسْلِمًا (وَقَالَ لَمْ أُرِدْ الْإِسْلَامَ وَلَمْ أَعْتَقِدْهُ) ؛ أَيْ: الْإِسْلَامَ (أُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ) وَلَا يُخَلَّى.
نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ فِي الْيَهُودِيِّ إنْ قَالَ: قَدْ أَسْلَمْت أَوْ أَنَا مُسْلِمٌ يُجْبَرُ عَلَيْهِ قَدْ عَلِمَ مَا يُرَادُ مِنْهُ انْتَهَى.
(وَإِنْ قَالَ أَنَا مُسْلِمٌ وَلَا أَنْطِقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِمَا) لِحَدِيثِ: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ» .

(وَمَنْ) (شُهِدَ عَلَيْهِ بِرِدَّةٍ وَلَوْ) كَانَتْ الشَّهَادَةُ أَنْ رِدَّتَهُ (بِجَحْدِ) تَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ أَوْ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ (فَأَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ) (فَهُوَ مُسْلِمٌ) إذَا لَمْ يُنْكِرْ مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ الرِّدَّةِ وَنَحْوِهَا، وَلَمْ يَكْشِفْ عَنْ شَيْءٍ، لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ مَعَ ثُبُوتِ إسْلَامِهِ إلَى الْكَشْفِ عَنْ صِحَّةِ رِدَّتِهِ.
(وَلَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ بِمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ) مِنْ الرِّدَّةِ؛ بِصِحَّةِ الشَّهَادَتَيْنِ مِنْ مُسْلِمٍ وَمُرْتَدٍّ (بِخِلَافِ تَوْبَةٍ مِنْ بِدْعَةٍ؛ فَيُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ بِهَا) لِأَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ لَا يَعْتَقِدُونَ مَا هُمْ عَلَيْهِ، (وَيَكْفِي جَحْدُهُ) أَيْ: الْمُرْتَدِّ (لِرِدَّةٍ) أَقَرَّ بِهَا كَرُجُوعٍ عَنْ (إقْرَارٍ) بِحَدٍّ أَوْ صَوَابِهِ لَا أَنْ (شُهِدَ عَلَيْهِ بِهَا) ؛ أَيْ: الرِّدَّةِ؛ أَيْ: فَلَا يَكْفِي جُحُودُهُ لِرِدَّتِهِ بَعْدَ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِهَا، بَلْ يُجَدِّدُ إسْلَامَهُ بِأَنْ يَأْتِيَ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَوْ مَا يَتَضَمَّنُهَا وَيُسْتَتَابَ إنْ كَانَتْ الرِّدَّةُ الْمَشْهُودُ بِهَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ مِنْهَا، وَإِلَّا قُتِلَ فِي الْحَالِ، لِأَنَّ جَحْدَ الرِّدَّةِ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ فَلَا يُقْبَلُ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى

(وَمَنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِكُفْرِهِ) وَلَمْ يُذْكَرْ كَيْفِيَّتُهُ (فَادَّعَى الْإِكْرَاهَ) عَلَى مَا قَالَهُ مَثَلًا (قُبِلَ) ذَلِكَ مِنْهُ (بِقَرِينَةٍ) دَالَّةٍ عَلَى صِدْقِهِ كَحَبْسٍ وَقَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْإِكْرَاهِ، وَلَا يُكَلَّفُ مَعَ ذَلِكَ بَيِّنَةً، وَإِلَّا تَكُنْ قَرِينَةً فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(وَ) لَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ نَطَقَ (بِكَلِمَةِ كُفْرٍ) كَقَوْلِهِ هُوَ كَافِرٌ أَوْ يَهُودِيٌّ (فَادَّعَاهُ) ؛ أَيْ: الْإِكْرَاهَ عَلَيْهَا (قُبِلَ قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ: مَعَ قَرِينَةٍ وَبِدُونِهَا؛ لِأَنَّ تَصْدِيقَهُ لَيْسَ فِيهِ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ، وَلَمْ يَصِرْ كَافِرًا بِإِتْيَانِهِ

بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مَعَ الْإِكْرَاهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] .

(وَإِنْ أُكْرِهَ ذِمِّيٌّ) أَوْ مُسْتَأْمَنٌ (عَلَى إسْلَامٍ) فَأَقَرَّ بِهِ (لَمْ يَصِحَّ) إسْلَامُهُ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُهُ حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إسْلَامِهِ طَوْعًا؛ مِثْلُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ عَنْهُ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكُفَّارِ، وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ عَنْهُ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكُفَّارِ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى دِينِ الْكُفَّارِ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ وَلَا إكْرَاهُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ كَالْمُسْلِمِ إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256] وَإِنْ قَصَدَ الْإِسْلَامَ لَا دَفْعَ الْإِكْرَاهِ أَوْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَثُبُوتِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ فَمُسَلَّمٌ.

(وَ) مَنْ قَالَ لِكَافِرٍ (أَسْلِمْ وَخُذْ مِنِّي أَلْفًا وَنَحْوَهُ) كَأَسْلَم وَخُذْ مِنِّي فَرَسًا أَوْ بَعِيرًا (فَأَسْلَمَ فَلَمْ يُعْطِهِ) مَا وَعَدَهُ (فَأَبَى الْإِسْلَامَ؛ قُتِلَ) بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَعِدْهُ (وَيَنْبَغِي) لِمَنْ وَعَدَ (أَنْ يَفِيَ) لَهُ بِمَا وَعَدَهُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَخَلْفُ الْوَعْدِ مِنْ آيَاتِ النِّفَاقِ.
قَالَ الْخَطَّابِيِّ: «وَلَمْ يُشَارِطْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُؤَلَّفَةَ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَيُعْطِيَهُمْ جَمَلًا عَلَى الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا أَعْطَاهُمْ عَطَايَا بِأَنَّهُ يَتَأَلَّفُهُمْ» .

(وَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ) الصَّلَاةِ (الْخَمْسِ) كَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى صَلَاتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ (قُبِلَ مِنْهُ) الْإِسْلَامُ تَرْغِيبًا لَهُ فِيهِ (وَأُمِرَ بِالْخَمْسِ) كُلِّهَا كَغَيْرِهِ.

(وَإِذَا مَاتَ مُرْتَدًّا فَأَقَامَ وَارِثُهُ) الْمُسْلِمُ (بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَهَا) ؛ أَيْ: رِدَّتِهِ (حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِالصَّلَاةِ وَأُعْطِيَ حَقَّهُ مِنْ تَرِكَتِهِ) ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

«مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا» . الْخَبَرَ، وَسَوَاءٌ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ مُنْفَرِدًا فِي دَارِ إسْلَامٍ أَوْ حَرْبٍ، وَ (لَا) يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ (بِصَوْمٍ وَحَجٍّ وَزَكَاةٍ) فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَحُجُّونَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى مَنَعَهُمْ بِقَوْلِهِ: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ» وَالزَّكَاةُ صَدَقَةٌ، وَهُمْ يَتَصَدَّقُونَ وَقَدْ فَرَضَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ مِنْ الزَّكَاةِ مَثَلًا مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَصِيرُوا بِذَلِكَ مُسْلِمِينَ، وَأَمَّا الصِّيَامُ فَلِكُلِّ أَهْلِ دِينٍ صِيَامٌ، وَلِأَنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ أَفْعَالًا وَإِنَّمَا هُوَ إمْسَاكٌ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ، وَقَدْ يَتَّفِقُ هَذَا مِنْ الْكَافِرِ كَاتِّفَاقِهِ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَلَا عِبْرَةَ بِنِيَّةِ الصِّيَامِ لِأَنَّهَا أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا أَفْعَالٌ تَتَمَيَّزُ عَنْ أَفْعَالِ الْكُفَّارِ، وَيَخْتَصُّ بِهَا عَنْ صَلَاةِ الْكُفَّارِ مِنْ اسْتِقْبَالِ قِبْلَتِنَا وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَلَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ فِي صَلَاتِهِمْ.

(وَلَا يَبْطُلُ إحْصَانُ مُرْتَدٍّ) بِرِدَّتِهِ، فَإِذَا أُحْصِنَ فِي إسْلَامِهِ ثُمَّ زَنَى فِي إسْلَامِهِ وَرِدَّتِهِ؛ يَسْقُطُ عَنْهُ الرَّجْمُ لَوْ تَابَ، وَكَذَا إحْصَانُ قَذْفٍ؛ فَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ قَاذِفِهِ بِرِدَّتِهِ بَعْدَ طَلَبٍ.

(وَلَا) تَبْطُلُ (عِبَادَةٌ فَعَلَهَا) مُرْتَدٌّ (قَبْلَ رِدَّتِهِ وَ) لَا صُحْبَتُهُ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (إذَا تَابَ) مِنْهَا لِأَنَّهُ فَعَلَهَا عَلَى وَجْهِهَا وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ (فَلَا يُعِيدُ الْحَجَّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: 217] . وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ مَاتَ مُرْتَدًّا بَطُلَتْ عِبَادَتِهِ، وَإِلَّا فَلَا.

[فَصْلٌ الْمُرْتَدّ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ]

فَصْلٌ (وَمَنْ ارْتَدَّ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ) عَنْ مَالِهِ بِمُجَرَّدِ رِدَّتِهِ كَزِنَا الْمُحْصَنِ وَكَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارِبَةِ (وَيَمْلِكُ) مُرْتَدٌّ (بِتَمْلِيكٍ) مِنْ هِبَةٍ وَاحْتِشَاشٍ وَصَيْدٍ وَشِرَاءٍ وَإِيجَارِ نَفْسِهِ إجَارَةٍ خَاصَّةً أَوْ مُشْتَرَكَةً لِأَنَّ عَدَمَ عِصْمَتِهِ لَا يُنَافِي صِحَّةَ ذَلِكَ كَالْحَرْبِيِّ.

(وَيُمْنَعُ) مُرْتَدٌّ (التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ خَاصَّةً) كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَوَقْفٍ وَإِجَارَةٍ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ كَمَالِ الْمُفْلِسِ (لَا) إنْ تَصَرَّفَ (بِوَكَالَةٍ عَنْ غَيْرِهِ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَغَيْرُهُ لَيْسَ كَذَلِكَ (وَتُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَأُرُوشُ جِنَايَاتِهِ، وَلَوْ جَنَاهَا بِدَارِ حَرْبٍ أَوْ فِي فِئَةٍ مُرْتَدَّةٍ مُمْتَنِعَةٍ) لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ تَحْتَ حُكْمِنَا بِخِلَافِ الْبُغَاةِ

(أَوْ) كَانَ الْمُرْتَدُّ (قَتَلَ) إنْسَانًا (خَطَأً) وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ وَكَذَا شِبْهُ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا عَاقِلَةَ لَهُ.
قَالَ الْقَاضِي: تُؤْخَذُ مِنْهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ كَمَا كَانَتْ تُؤْخَذُ مِنْ عَاقِلَةٍ، فَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ أُخِذَتْ فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ تَأْجِيلٍ.

[تَنْبِيهٌ إذَا تَزَوَّجَ الْمُرْتَدُّ لَمْ يَصِحَّ]

تَنْبِيهٌ: وَإِنْ تَزَوَّجَ الْمُرْتَدُّ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى النِّكَاحِ كَنِكَاحِ الْكَافِرِ مُسْلِمَةً، أَوْ زُوِّجَ مُوَلِّيَتَهُ مِنْ نَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ، أَوْ زُوِّجَ أَمَتَهُ؛ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَكُونُ مَوْقُوفًا، وَلِزَوَالِ وِلَايَتِهِ بِالرِّدَّةِ.

(وَيُنْفَقُ) مِنْ مَالِ الْمُرْتَدِّ (عَلَيْهِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ شَرْعًا كَالدَّيْنِ (فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ) فِي مَالِهِ، (وَإِلَّا) يُسْلَمُ بِأَنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ مُرْتَدًّا (صَارَ مَالُهُ فَيْئًا مِنْ حِينِ مَوْتِهِ مُرْتَدًّا) لِأَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا غَيْرِهِمْ، وَبَطَلَ تَصَرُّفُهُ الَّذِي كَانَ تَصَرَّفَهُ فِي رِدَّتِهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ بِقَطْعِ ثَوَابِهِ، بِخِلَافِ الْمَرِيضِ.

(وَإِنْ لَحِقَ) مُرْتَدٌّ (بِدَارِ حَرْبٍ فَهُوَ وَمَا مَعَهُ) مِنْ مَالٍ (كَحَرْبِيٍّ) يُبَاحُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ، وَأَخْذُ مَا مَعَهُ مِنْ مَالٍ؛ دَفْعًا لِفَسَادِهِ، وَلِزَوَالِ الْعَاصِمِ لَهُ وَهُوَ دَارُ الْإِسْلَامِ (وَأَمَّا مَا بِدَارِنَا) مِنْ مَالٍ (فَهُوَ فَيْءٌ مِنْ حِينِ مَوْتِهِ) وَمَا دَامَ حَيًّا فَمِلْكُهُ بَاقٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حِلَّ دَمِهِ لَا يُوجِبُ تَوْرِيثَ مَالِهِ كَالْحَرْبِيِّ الْأَصْلِيِّ (فَإِنْ طَالَ) زَمَنُ لُحُوقِهِ بِدَارِ حَرْبٍ، وَتَعَذَّرَ قَتْلُهُ (فَعَلَ حَاكِمٌ) فِي مَالِهِ مَا يَرَى (الْحَظَّ) وَالْمَصْلَحَةَ (مِنْ بَيْعِ نَحْوِ حَيَوَانِهِ) الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ (أَوْ إجَارَتِهِ) إنْ أَمْكَنَ بَقَاؤُهُ لِوِلَايَتِهِ الْعَامَّةِ، وَمُكَاتَبُهُ يُؤَدِّي إلَى الْحَاكِمِ وَيُعْتَقُ بِالْأَدَاءِ لَوْ أَدَّى إلَيْهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ.

(وَلَوْ ارْتَدَّ أَهْلُ بَلَدٍ، وَجَرَى فِيهِ حُكْمُهُمْ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَدِّينَ (ف) هُمْ كَأَهْلِ (دَارِ حَرْبٍ يُغْنَمُ مَالُهُمْ وَ) يَجُوزُ اسْتِرْقَاقٌ (حَدَثَ مِنْهُمْ بَعْدَ الرِّدَّةِ) وَعَلَى الْإِمَامِ قِتَالُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْكُفَّارِ الْأَصْلِيِّينَ لِأَنَّ تَرْكَهُمْ رُبَّمَا أَغْرَى أَمْثَالَهُمْ بِالتَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَقَاتَلَ الصِّدِّيقُ بِجَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ وَإِذَا قَاتَلَهُمْ قَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَيُقْتَلُ مُدَبَّرُهُمْ، وَتُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ.
فَائِدَةٌ: يَجُوزُ إقْرَارُ مَنْ حَدَثَ مِنْ جِزْيَة إذَا كَانَ عَلَى دِينِ مَنْ يُقَرُّ بِهَا كَأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس، وَإِلَّا لَمْ يُقَرَّ كَمَا فِي الدُّرُوزِ والتيامنة وَالنُّصَيْرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ وَلَا يَجْرِي عَلَى الْمُرْتَدِّ رِقٌّ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَقَامَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى الرِّدَّةِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَيُؤْخَذُ مُرْتَدٌّ بِحَدٍّ) ؛ أَيْ: مَا يُوجِبُهُ كَزِنًا وَقَذْفٍ وَسَرِقَةٍ (أَتَاهُ فِي رِدَّتِهِ) وَإِنْ أَسْلَمَ نَصًّا؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُزِيدُهُ إلَّا تَغْلِيظًا.

(وَلَا) يُؤْخَذُ مُرْتَدٌّ (بِقَضَاءِ مَا تَرَكَ) أَيْ: زَمَنَ الرِّدَّةِ (مِنْ عِبَادَةٍ) كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَلَمْ يَأْمُرْ الصِّدِّيقُ الْمُرْتَدِّينَ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُمْ وَكَالْحَرْبِيِّ.

(وَإِنْ لَحِقَ زَوْجَانِ مُرْتَدَّانِ بِدَارِ حَرْبٍ؛ لَمْ يُسْتَرَقَّا) وَلَا أَحَدُهُمَا (لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي عَلَى الْمُرْتَدِّ رِقٌّ بِحَالٍ) بَلْ يُقْتَلُ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ.
(وَلَا) يُسْتَرَقُّ (مَنْ وُلِدَ لَهُمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ رِدَّةٍ إذَا ارْتَدَّا وَلَحِقَا بِدَارِ حَرْبٍ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يُسْتَرَقُّ (حَمْلٌ) مِنْهُمَا حَمَلَتْ بِهِ (قَبْلَ رِدَّةٍ) لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ، وَلَا يَتْبَعُهُمَا فِي الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو، فَقَدْ تَبِعُوهُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَلَا يَتْبَعُونَهُمْ فِي الرِّدَّةِ.
(وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ) ؛ أَيْ: مِنْ أَوْلَادِهِمْ الَّذِينَ وُلِدُوا، أَوْ حُمِلَ بِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ (قُتِلَ) بَعْدَ بُلُوغِهِ وَاسْتِتَابَتِهِ؛ لِخَبَرِ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ) الْوَلَدِ (الْحَادِثِ فِيهَا) أَيْ: رِدَّةِ زَوْجَيْنِ لَحِقَا بِدَارِ حَرْبٍ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ وُلِدَ بَيْنَ كَافِرَيْنِ وَلَيْسَ بِمُرْتَدٍّ نَصًّا (وَ) يَجُوزُ (إقْرَارُهُ عَلَى كُفْرِهِ) إذَا كَانَ كِتَابِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا (بِجِزْيَةٍ) كَأَوْلَادِ الْحَرْبِيِّينَ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي جَوَازِ الِاسْتِرْقَاقِ.

[فَصْلٌ فِي السِّحْرِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]

ِ يَحْرُمُ تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ وَفِعْلُهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَذَى (وَالسِّحْرُ كَبِيرَةٌ) مِنْ الْكَبَائِرِ الْعِظَامِ، وَهُوَ عُقَدٌ وَرُقًى وَكَلَامٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ فَاعِلُهُ أَوْ يَكْتُبُهُ أَوْ يَعْمَلُ شَيْئًا يُؤَثِّرُ فِي بَدَنِ الْمَسْحُورِ أَوْ قَلْبِهِ أَوْ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لَهُ (وَلَهُ حَقِيقَةٌ) فَمِنْهُ (مَا يَقْتُلُ وَ) مِنْهُ مَا (يُمْرِضُ وَمِنْهُ) مَا (يَأْخُذُ الرَّجُلُ عَنْ زَوْجَتِهِ فَيَمْنَعُهُ وَطْأَهَا وَ) مِنْهُ مَا (يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَيُبَغِّضُ أَحَدَهُمَا فِي الْآخَرِ، أَوْ يُحَبِّبُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102] وَمَا كَانَ مِثْلُ فِعْلِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ حِينَ سَحَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ - بِضَمِّ الْمِيمِ فِيهِمَا - مَا يَسْقُطُ مِنْ الشَّعْرِ

عِنْدَ مَشْطِهِ.
رَوَتْ عَائِشَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُحِرَ حَتَّى إنَّهُ لَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ»

(فَسَاحِرٌ يَرْكَبُ الْمِكْنَسَةَ فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ أَوْ يَدَّعِي أَنْ الْكَوَاكِبَ تُخَاطِبُهُ كَافِرٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102] وَقَوْلِهِ ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102] ؛ أَيْ: لَا تَتَعَلَّمْهُ فَتَكْفُرْ بِذَلِكَ (كَمُعْتَقِدِ حِلِّهِ) لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ؛ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

وَ (لَا) يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ (مَنْ يُسْحِرُ بِأَدْوِيَةٍ وَتَدْخِينٍ وَسَقْيِ شَيْءٍ يَضُرُّ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعِصْمَةُ، وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يُزِيلُهَا (وَيُعَزَّرُ) سَاحِرٌ بِذَلِكَ (بَلِيغًا) لِيَنْكَفَّ هُوَ وَمَنْ مِثْلُهُ (بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُ بِهِ الْقَتْلَ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً (وَقِيلَ) لَهُ تَعْزِيرُهُ (بِالْقَتْلِ) وَيُقْتَلُ السَّاحِرُ إنْ كَانَ مُسْلِمًا بِالسَّيْفِ؛ لِمَا رَوَى جُنْدُبٌ مَرْفُوعًا، قَالَ: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ، وَقَالَ: الصَّحِيحُ عَنْ جُنْدُبٍ مَوْقُوفٌ وَعَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبْدٍ قَالَ: كُنْت كَاتِبًا لِجُزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ فَأَتَانَا كِتَابُ مُعَاوِيَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: أَنْ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَسَعِيدٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَةَ سَوَاحِرَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.
وَقَتَلَتْ حَفْصَةُ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا.
رَوَاهُ مَالِكٌ.
وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ.

(وَلَا) يَكْفُرُ (مَنْ يُعَزِّمُ عَلَى الْجِنِّ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُهَا وَتُطِيعُهُ) وَلَا يُقْتَلُ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَى قَتْلِهِ بِالسِّحْرِ؛ وَيُعَزَّرُ تَعْزِيرًا بَلِيغًا دُونَ الْقَتْلِ، لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً عَظِيمَةً.

(وَلَا يَكْفُرُ كَاهِنٌ) ؛ أَيْ: مَنْ (لَهُ رَئِيٌّ مِنْ الْجِنِّ يَأْتِيه بِالْأَخْبَارِ، وَلَا عَرَّافٌ وَهُوَ الْخَرَّاصُ، وَلَا مُنَجِّمٌ يَسْتَدِلُّ بِنَظَرِهِ فِي النُّجُومِ عَلَى الْحَوَادِثِ، فَإِنْ أَوْهَمَ قَوْمًا أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ؛ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ:

التَّنْجِيمُ كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَحْوَالِ الْفَلَكِيَّةِ عَلَى الْحَوَادِثِ الْأَرْضِيَّةِ مِنْ السِّحْرِ وَيَحْرُمُ إجْمَاعًا؛ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَدْفَعُ عَنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَالدُّعَاءِ بِبَرَكَتِهِ مَا زَعَمُوا أَنَّ الْأَفْلَاكَ تُوجِبُهُ، وَأَنَّ لَهُمْ مِنْ ثَوَابِ الدَّارَيْنِ مَا لَا تَقْوَى الْأَفْلَاكُ أَنْ تَجْلُبَهُ.

(وَلَا يُقْتَلُ سَاحِرٌ كِتَابِيٌّ نَصًّا وَنَحْوُهُ) كَمَجُوسِيٍّ إلَّا أَنْ يَقْتُلَ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ غَالِبًا؛ فَيُقْتَلُ قِصَاصًا؛ لِأَنَّ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ سَحَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَقْتُلْهُ، وَلِأَنَّ كُفْرَهُ أَعْظَمُ مِنْ سِحْرِهِ، وَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ، وَالْأَخْبَارُ فِي سَاحِرِ الْمُسْلِمِينَ إذَا كَفَرَ بِسِحْرِهِ.

(وَلَا) يَكْفُرُ (مُشَعْبِذٌ وَ) لَا (قَائِلَ بِزَجْرِ طَيْرٍ وَلَا ضَارِبٌ بِحَصَى وَشَعِيرٍ وَقِدَاحٍ) ؛ أَيْ: سِهَامٍ.
زَادَ فِي الرِّعَايَةِ " وَالنَّظَرُ فِي أَلْوَاحِ الْأَكْتَافِ (إنْ لَمْ يَعْتَقِدْ إبَاحَتَهُ) ؛ أَيْ: فَعَلَ مَا سَبَقَ (وَ) لَمْ يَعْتَقِدْ (أَنَّهُ يَعْلَمُ بِهِ الْأُمُورَ الْمُغَيَّبَةَ، وَيُعَزَّرُ) لِفِعْلِهِ مَعْصِيَةً، وَيُكَفُّ عَنْهُ، (وَإِلَّا) بِأَنْ اعْتَقَدَ إبَاحَتَهُ وَأَنَّهُ يَعْلَمُ بِهِ الْأُمُورَ الْمُغَيَّبَةَ (كَفَرَ) فَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.

(وَيَحْرُمُ طَلْسَمٌ وَحِرْزٌ وَرُقْيَةٌ) وَعَزِيمَةٌ (بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ) إنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَبًّا وَكُفْرًا (وَ) وَكَذَا تَحْرُمُ (رُقْيَةٌ بِاسْمِ كَوْكَبٍ وَمَا وُضِعَ عَلَى نَجْمٍ مِنْ صُورَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.) وَفِي نُسْخَةٍ (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (إنَّ رُقَى الْبَخُورِ، وَرُقَاهُ - يَعْنِي بِاسْمِ كَوْكَبٍ - هُوَ دِينُ النَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ) انْتَهَى.

(وَيَجُوزُ الْحَلُّ) ؛ أَيْ؛ حَلُّ السِّحْرِ بِالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالْأَقْسَامِ وَالْكَلَامِ الْمُبَاحِ، وَيَجُوزُ حَلُّهُ أَيْضًا (بِسِحْرٍ ضَرُورَةً) ؛ أَيْ: لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي الْحَلِّ وَهُوَ إلَى الْجَوَازِ أَمْيَلُ، وَسَأَلْتُ مُهَنَّا عَمَّنْ تَأْتِيه مَسْحُورَةٌ فَيُطْلِقُهُ عَنْهَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ؛ قَالَ الْخَلَّالُ: إنَّمَا كُرِهَ فِعَالُهُ وَلَا يَرَى بِهِ بَأْسًا كَمَا بَيَّنَهُ مُهَنَّا، وَهَذَا مِنْ الضَّرُورَةِ الَّتِي تُبِيحُ فِعْلَهَا، وَالْمَذْهَبُ جَوَازُهُ ضَرُورَةً

(وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " وَمِنْ السِّحْرِ السَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ وَالْإِفْشَاءُ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ غَرِيبٌ) وَوَجْهُهُ أَنَّهُ يَقْصِدُ الْأَذَى بِكَلَامِهِ وَعَمَلِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَكْرِ وَالْحِيلَةِ أَشْبَهَ السِّحْرَ، وَلِهَذَا

يُعْلَمُ بِالْعَادَةِ وَالْعُرْفِ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ، وَيَنْتُجُ مَا يَفْعَلُهُ السِّحْرُ أَوْ أَكْثَرَ فَيُعْطَى حُكْمَهُ سَوِيَّةً بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ أَوْ الْمُتَقَارِبَيْنِ، وَلَا سِيَّمَا إنْ قُلْنَا يَقْتُلُ الْآمِرُ بِالْقَتْلِ عَلَى رِوَايَةٍ فَهُنَا أَوْلَى.

[فُرُوعٌ أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي النَّارِ]

(فُرُوعٌ: أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ) فِي النَّارِ نَصًّا (وَمَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ مَجْنُونًا مَعَهُمْ فِي النَّارِ) تَبَعًا لَهُمْ، وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَبِمَوْتِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا بِدَارِنَا، بِخِلَافِ مَنْ بَلَغَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ، وَيُقَسَّمُ لِلطِّفْلِ أَوْ الْمُمَيِّزِ الْمِيرَاثُ مِنْ أَبِيهِ الْكَافِرِ أَوْ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ وَقْتَ الْمَوْتِ، وَأَمَّا الْحَمْلُ فَلَا يَرِثُ مِنْ أَبِيهِ الْكَافِرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي مِيرَاثِ الْحَمْلِ.
وَلَوْ عُدِمَ الْأَبَوَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِلَا مَوْتٍ كَزِنَا ذِمِّيَّةٍ وَلَوْ بِكَافِرٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ اشْتِبَاهِ وَلَدِ مُسْلِمٍ بِوَلَدِ كَافِرٍ؛ فَمُسْلِمٌ نَصًّا (قَالَ الْقَاضِي هُوَ) أَيْ: كَوْنُ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَمَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ مَجْنُونًا مَعَهُمْ فِي النَّارِ (مَنْصُوصُ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ) وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ.
(غَلِطَ الْقَاضِي عَلَى) الْإِمَامِ أَحْمَدَ (بَلْ يُقَالُ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) فَلَا يُحْكَمُ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ لَا بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ (وَهُوَ حَسَنٌ) ؛ أَيْ: قَوْلُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ (وَعَنْهُ) أَيْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ (الْوَقْفُ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا فِي " الْمُغْنِي " ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ كَأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ (وَ) اخْتَارَ (الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (تَكْلِيفَهُمْ فِي الْآخِرَةِ) فَقَالَ الصَّحِيحُ أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ.
فَمَنْ أَطَاعَ مِنْهُمْ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَى دَخَلَ النَّارَ، وَقَالَ أَيْضًا: أَصَحُّ الْأَجْوِبَةِ فِيهِمْ مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّهُ سُئِلَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ".

(وَمَنْ وُلِدَ أَعْمَى أَبْكَمَ أَصَمَّ) وَصَارَ رَجُلًا (فَ) هُوَ (مَعَ أَبَوَيْهِ كَافِرَيْنِ أَوْ مُسْلِمَيْنِ وَلَوْ) كَانَا كَافِرَيْنِ ثُمَّ (أَسْلَمَا بَعْدَ مَا بَلَغَ) قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ مَعَهُمَا؛ وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُمَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، وَقَالَهُ شَيْخُنَا.
وَذُكِرَ فِي " الْفُنُونِ " عَنْ أَصْحَابِنَا لَا يُعَاقَبُ، وَفِي " نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِ " كَذَلِكَ (وَذَكَرَ جَمْعٌ) مِنْ أَصْحَابِنَا (أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لَا تَجِبُ عَقْلًا) خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ

الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِهَا عَقْلًا، قَالُوا: لِأَنَّهَا دَافِعَةٌ لِلضَّرَرِ الْمَظْنُونِ وَهُوَ خَوْفُ الْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ (وَإِنَّمَا تَجِبُ) مَعْرِفَتُهُ تَعَالَى (بِالشَّرْعِ) نَصًّا (وَهُوَ بِعْثَةُ الرُّسُلِ) صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، وَالْمُرَادُ بِمَعْرِفَتِهِ تَعَالَى مَعْرِفَةُ وُجُودِ ذَاتِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ فِيمَا لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، دُونَ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ ذَاتِهِ، لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَقْلًا لِأَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الْحَقَائِقِ، وَتَحْصُلُ الْمَعْرِفَةُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ شَرْعًا، وَالْعَقْلُ آلَةُ الْإِدْرَاكِ، فَبِهِ يَحْصُلُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمَعْلُومَاتِ.
وَأَوَّلُ نِعَمِ اللَّهِ الدِّينِيَّةِ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَأَعْظَمُهَا وَأَنْفَعُهَا أَنْ أَقْدَرَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَوَّلُ نِعَمِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْحَيَاةُ الْعَرِيَّةُ عَنْ ضَرَرٍ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَلَوْ مَاتَ الْإِنْسَانُ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَهُ الدَّعْوَةُ (لَمْ يُقْطَعْ عَلَيْهِ بِالنَّارِ) بَلْ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: لَا يُعَاقَبُ.
قَالَ فِي " الْفُنُونِ ": وَإِذَا مَنَعَ حَائِلُ الْبُعْدِ شُرُوطَ التَّكْلِيفِ فَأَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ فِيمَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا أَوْ وُلِدَ أَعْمَى أَبْكَمَ أَصَمَّ؛ لِعَدَمِ جَوَازِ إرْسَالِ رَسُولٍ إلَيْهِمَا، بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا تَجِبُ مَعْرِفَتُهُ بِالشَّرْعِ (لِآيَةِ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: 15] ؛ أَيْ: لَا يُعَذَّبُ فِيمَا طَرِيقُهُ السَّمْعُ إلَّا بِقِيَامِ حُجَّةِ السَّمْعِ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: لَوْ أَسْلَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَسْمَعْ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِمَا؛ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ شَيْءٍ مِنْهَا، لِأَنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ إلَّا بَعْدَ قِيَامِ حُجَّةِ السَّمْعِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قِصَّةُ أَهْلِ قُبَاءَ، حِينَ اسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ، وَلَمْ يَسْتَأْنِفُوا.
وَلَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِفَرْضِ الصَّلَاةِ؛ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَأَى النَّاسَ يُصَلُّونَ فِي الْمَسَاجِدِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَذَلِكَ دُعَاءٌ إلَيْهِمَا.
ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ.
(وَمَعْرِفَةُ اللَّهِ) تَعَالَى (أَوَّلُ وَاجِبٍ لِنَفْسِهِ، وَيَجِبُ قَبْلَهَا) عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ

(النَّظَرُ) فِي الْوُجُودِ وَالْمَوْجُودِ، وَوُجُوبُ ذَلِكَ بِالشَّرْعِ دُونَ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُوجِبُ وَلَا يُحَرِّمُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ (لِتَوَقُّفِهَا) ؛ أَيْ: الْمَعْرِفَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى النَّظَرِ (فَهُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ لِغَيْرِهِ، وَالْمُخْتَارُ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلِيُّ) قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ (وَغَيْرُهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالشَّهَادَتَيْنِ يَتَضَمَّنُ الْمَعْرِفَةَ خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَهَا) أَيْ الْمَعْرِفَةَ (قَبْلَهُمَا) أَيْ: قَبْلَ الشَّهَادَتَيْنِ.

[كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ]

ِ (وَاحِدُهَا طَعَامٌ، وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ) قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249] وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ مَا يَأْكُلُ، وَرُبَّمَا خَصَّ بِهِ الْبُرَّ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا بَيَانُ مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَمَا يُبَاحُ (وَأَصْلُهَا الْحِلُّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] وَقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168] وَقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4] .

(فَيَحِلُّ كُلُّ طَعَامٍ طَاهِرٍ) لَا نَجَسٍ أَوْ مُتَنَجِّسٍ (لَا مَضَرَّةَ فِيهِ) مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالنَّبَاتَاتِ غَيْرِ الْمُضِرَّةِ (وَلَا مُسْتَقْذَرٍ حَتَّى نَحْوُ مَسَكٍ) مِمَّا لَا يُؤْكَلُ عَادَةً كَالْفَاكِهَةِ الْمُسَوَّسَةِ وَالْمُدَوِّدَةِ (وَقِشْرِ بَيْضٍ وَقَرْنِ) حَيَوَانٍ مُذَكَّى إذَا دُقَّا وَنَحْوِهِ.

(وَيَحْرُمُ نَجَسٌ كَدَمٍ وَمَيْتَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3] (وَ) يَحْرُمُ (مُضِرٌّ كَسُمٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] وَالسُّمُّ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا وَلِذَا عُدَّ مُطْعِمُهُ لِغَيْرِهِ قَاتِلًا، وَفِي الْوَاضِحِ أَنَّ السُّمَّ نَجِسٌ وَفِيهِ احْتِمَالٌ؛ «لِأَكْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ الذِّرَاعِ الْمَسْمُومَةِ» . قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَاطِبَةً أَنَّ السَّمُومَ نَجِسَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَكَذَا مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ انْتَهَى.
وَأَمَّا السَّقَمُونْيَا وَالزَّعْفَرَانُ وَنَحْوُهُمَا فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ، وَيَجُوزُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ لِقِلَّتِهِ أَوْ إضَافَةِ مَا يُصْلِحُهُ.

(وَ) يَحْرُمُ أَكْلُ (مُسْتَقْذَرٍ كَرَوْثٍ وَبَوْلٍ وَلَوْ طَاهِرَيْنِ) بِلَا ضَرُورَةٍ، لِاسْتِقْذَارِهِمَا (وَ) كَذَا يَحْرُمُ أَكْلُ نَحْوِ (قَمْلٍ وَبُرْغُوثٍ) لِاسْتِقْذَارِهِمَا أَيْضًا

(وَ) يَحْرُمُ (مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ حُمُرٌ أَهْلِيَّةٌ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَحُكْمُ لَبَنِهَا حُكْمُهَا (وَقِيلَ) قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ هُوَ مِنْ أَطْعِمَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ مَسْخٌ؛ وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِهَا نَابًا، وَلِأَنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ فَيَدْخُلُ فِي ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] .

(وَ) يَحْرُمُ (مَا يَفْتَرِسُ بِنَابِهِ) ؛ أَيْ: يَنْهَشُ (كَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَذِئْبٍ وَفَهْدٍ وَكَلْبٍ) لِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «كُلُّ ذِي نَابٍ حَرَامٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَاتِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا يَبْدَأُ

بِالْعَدْوَى وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِمَنْ يَبْدَأُ بِالْعَدْوَى كَالْأَسَدِ (وَخِنْزِيرٍ) لِلْآيَةِ (وَقِرْدٍ) وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَلِأَنَّ لَهُ نَابًا وَهُوَ مَسْخٌ؛ فَهُوَ مِنْ الْخَبَائِثِ (وَدُبٌّ وَنِمْسٌ وَابْنُ آوَى وَابْنُ عُرْسٍ وَسِنَّوْرٌ وَلَوْ بَرِّيًّا) لِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْمَذْكُورِ، وَمِنْ أَنْوَاعِهِ ": التُّفَّةُ كَثُبَةٍ.
قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": عَنَاقُ الْأَرْضِ (وَثَعْلَبٌ وَسِنْجَابٌ وَسَمُّورٌ وَفَنَكٌ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالنُّونِ نَوْعٌ مِنْ وَلَدِ الثَّعْلَبِ التُّرْكِيِّ؛ لِأَنَّهَا مِنْ السِّبَاعِ ذَوَاتِ النَّابِ، فَدَخَلَ فِي عُمُومِ النَّهْيِ (سِوَى ضَبُعٍ) لِأَنَّ الرُّخْصَةَ رُوِيَتْ فِيهِ عَنْ سَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: مَا زَالَتْ الْعَرَبُ تَأْكُلُ الضَّبُعَ لَا تَرَى بِأَكْلِهِ بَأْسًا.
وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَكْلِ الضَّبُعِ، قُلْت صَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ» احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: «قُلْت لِجَابِرٍ الضَّبُعُ؛ أَصَيْدٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْت: أَقَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: نَعَمْ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
لَا يُقَالُ بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى حِلِّهِ خَاصٌّ وَالنَّهْيُ عَامٌّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْخَاصَّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ.

(وَ) يَحْرُمُ (مِنْ طَيْرٍ مَا يَصِيدُ بِمِخْلَبِهِ كَعُقَابٍ وَبَازٍ وَصَقْرٍ وَبَاشِقٍ وَشَاهِينِ وَحِدَأَةٍ وَبُومَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» وَحَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مَرْفُوعًا: «حَرَامٌ عَلَيْكُمْ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد، وَهُوَ يُخَصِّصُ عُمُومَ الْآيَاتِ

(وَ) يَحْرُمُ مِنْ الطَّيْرِ (مَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ كَنَسْرٍ وَرَخَمٍ وَلَقْلَقٍ) طَائِرٌ نَحْوُ الْإِوَزَّةِ طَوِيلُ الْعُنُقِ يَأْكُلُ الْحَيَّاتِ (وَعَقْعَقٍ وَهُوَ الْقَاقُ) طَائِرٌ نَحْوُ الْحَمَامَةِ طَوِيلُ الذَّنَبِ فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ نَوْعٌ مِنْ الْغِرْبَانِ (وَغُرَابِ الْبَيْنِ وَالْأَبْقَعِ) قَالَ عُرْوَةُ: وَمَنْ يَأْكُلُ الْغُرَابَ وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسِقًا؟ ، وَاَللَّهِ مَا هُوَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَ قَتْلَ الْغُرَابِ بِالْحَرَمِ.

وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ صَيْدٍ مَأْكُولٍ فِي الْحَرَمِ.

(وَ) يَحْرُمُ كُلُّ (مَا تَسْتَخْبِثُهُ الْعَرَبُ ذُو الْيَسَارِ) وَهُمْ أَهْلُ الْحِجَازِ (مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ) لِأَنَّهُمْ هُمْ أُولُو النُّهَى، وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْكِتَابُ، وَخُوطِبُوا بِهِ وَبِالسُّنَّةِ، فَرَجَعَ فِي مُطْلَقِ أَلْفَاظِهِمَا إلَى عُرْفِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ الْأَعْرَابِ الْجُفَاةِ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي؛ لِأَنَّهُمْ لِلضَّرُورَةِ وَالْمَجَاعَةِ يَأْكُلُونَ كُلَّ مَا وَجَدُوهُ، وَلِهَذَا سُئِلَ بَعْضُهُمْ عَمَّا يَأْكُلُونَ.
فَقَالَ: مَا دَبَّ وَدَرَجَ إلَّا أُمَّ حُبَيْنٍ - بِمُهْمَلَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ - فَقَالَ: لِيُهِنْ أُمَّ حُبَيْنٍ الْعَافِيَةَ تَأْمَنُ أَنْ تُطْلَبَ فَتُؤْكَلَ، وَأُمُّ حُبَيْنٍ: الْخَنَافِسُ الْكِبَارُ.
وَاَلَّذِي تَسْتَخْبِثُهُ الْعَرَبُ ذُو الْيَسَارِ (كَوَطْوَاطٍ وَيُسَمَّى خُفَّاشًا وَخَشَّافًا) قَالَ الشَّاعِرُ: مِثْلُ النَّهَارِ يَزِيدُ أَبْصَارَ الْوَرَى ... نُورًا وَيُعْمِي أَعْيُنَ الْخُفَّاشِ قَالَ أَحْمَدُ: وَمَنْ يَأْكُلُ الْخُفَّاشَ،؟ (وَفَأْرٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِهِ فِي الْحَرَمِ؛ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ صَيْدٍ مَأْكُولٍ فِي الْحَرَمِ (وَزُنْبُورٍ وَنَحْلٍ وَذُبَابٍ وَفَرَاشٍ) ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ غَيْرُ مُسْتَطَابَةٍ؛ وَلِحَدِيثِ: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ» حَيْثُ أَمَرَ بِطَرْحِهِ، وَلَوْ جَازَ أَكْلُهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِطَرْحِهِ (وَهُدْهُدٍ وَصُرَدٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةُ وَالنَّحْلَةُ وَالْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالصُّرَدُ - بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ - طَائِرٌ ضَخْمُ الرَّأْسِ يَصْطَادُ الْعَصَافِيرَ، وَهُوَ أَوَّلُ طَائِرٍ صَامَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْجَمْعُ صِرْدَانٍ بِكَسْرِ الصَّادِ كَجُرَذٍ - وَجِرْذَانٍ وَهُوَ الْفَأْرَةُ أَوْ الذَّكَرُ مِنْهَا (وَغُدَافٍ) وَهُوَ غُرَابُ الْغَيْطِ (وسنونو) وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْخُطَّافِ (وَأَبِي زُرَيْقٍ) طَائِرٌ مَعْرُوفٌ، وَيُقَالُ لَهُ الدَّرْبَابُ قِيلَ أَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الشِّقَرَّاقِ وَالْغُرَابِ (وَخُطَّافٍ) طَائِرٌ أَسْوَدُ مَعْرُوفٌ أَيْضًا، وَأَخْيَلُ هُوَ الشِّقَرَّاقُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَكَسْرِ الْقَافِ مُشَدَّدَةٍ وَبِكَسْرِ الشِّينِ مَعَ التَّثْقِيلِ، وَأَنْكَرَهَا بَعْضُهُمْ، وَبِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْقَافِ، وَهُوَ دُونَ الْحَمَامَةِ

أَخْضَرُ اللَّوْنِ، أَسْوَدُ الْمِنْقَارِ، بِأَطْرَافِ جَنَاحَيْهِ سَوَادٌ، وَبِظَاهِرِهَا حُمْرَةٌ (وَقُنْفُذٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ وَذَكَرَهُ؛ أَيْ: الْقُنْفُذَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «هُوَ خَبِيثَةٌ مِنْ الْخَبَائِثِ» (وَنَيْصٍ وَهُوَ كِبَارُ الْقَنَافِذِ عَلَى ظَهْرِهِ شَوْكٌ طَوِيلٌ) وَيُقَالُ لَهُ الدَّلْدَلُ (وَحَيَّةٍ وَحَشَرَاتٍ) كَدِيدَانٍ وَجُرْذَانٍ وَبَنَاتِ وَرْدَانٍ حُمُرِ اللَّوْنِ، وَأَكْثَرُ مَا تَكُونُ فِي الْحَمَّامَاتِ وَالْكَنَفِ وَخَنَافِسَ وَأَوْزَاغٍ وَحِرْبَاتٍ وَعَقْرَبٍ وَعِضَاه وَخُلْدٍ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ اللَّكْمَةِ وَهِيَ دُوَيْبَّةٌ سَوْدَاءُ كَالسَّمَكَةِ تَسْكُنُ الْبَرَّ إذَا رَأَتْ الْإِنْسَانَ غَابَتْ وَزُنْبُورٍ وَنَحْلٍ وَنَمْلٍ وَذُبَابٍ وَطَبَابِيعَ وَهِيَ الْقُمَّلُ الْأَحْمَرُ فَهِيَ حَرَامٌ.

(وَ) يَحْرُمُ (كُلُّ مَا أَمَرَ الشَّرْعُ بِقَتْلِهِ كَعَقَارِبَ أَوْ نَهَى عَنْهُ) ؛ أَيْ: عَنْ قَتْلِهِ كَنَمْلٍ، وَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ (كَبَغْلٍ) مُتَوَلِّدٍ مِنْ خَيْلٍ وَحُمُرٍ أَهْلِيَّةٍ، وَكَحِمَارٍ مُتَوَلِّدٍ بَيْنَ حِمَارٍ أَهْلِيٍّ وَوَحْشِيٍّ (وَكَسِمْعٍ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ (وَلَدُ ضَبُعٍ) بِفَتْحِ الضَّادِ وَضَمِّ الْبَاءِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا، وَجَمْعُهُ ضِبَاعٌ (مِنْ ذِئْبٍ وَكَعِسْبَارٍ وَلَدِ ذِئْبَةٍ مِنْ) ذَيْخٍ وَهُوَ (الضَّبِعَانِ) بِكَسْرِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَجَمْعُهُ ضَبَاعِينُ كَمَسَاكِينَ، وَهُوَ ذَكَرُ الضِّبَاعِ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ.

وَ (لَا) يَحْرُمُ (مُتَوَلِّدٌ مِنْ مُبَاحَيْنِ كَبَغْلٍ مِنْ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ وَخَيْلٍ) بِخِلَافِ حَيَوَانٍ نِصْفُهُ خَرُوفٌ وَنِصْفُهُ كَلْبٌ؛ فَيَحْرُمُ تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ (وَمَا تَجْهَلُهُ الْعَرَبُ) مِنْ الْحَيَوَانِ (وَلَا ذُكِرَ فِي الشَّرْعِ يُرَدُّ إلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ بِالْحِجَازِ) ؛ فَإِنْ أَشْبَهَ مُحَرَّمًا أَوْ حَلَالًا أُلْحِقَ بِهِ (وَلَوْ أَشْبَهَ) حَيَوَانًا (مُبَاحًا وَ) حَيَوَانًا (مُحَرَّمًا؛ غَلَبَ التَّحْرِيمُ) احْتِيَاطًا لِحَدِيثِ: «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» وَقَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ شَيْءٍ اشْتَبَهَ عَلَيْك فَدَعْهُ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ شَيْئًا بِالْحِجَازِ فَمُبَاحٌ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى:

﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: 145] الْآيَةَ.
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَابْنُ عَبَّاسٍ: مَا سَكَتَ اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَى عَنْهُ.

(وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ طَاهِرٍ كَذُبَابِ بَاقِلَاءَ وَدُودِ خَلٍّ وَ) دُودِ (جُبْنٍ وَ) دُودِ (فَاكِهَةٍ يُؤْكَلُ) جَوَازًا (تَبَعًا لَا انْفِرَادًا) وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الْبَاقِلَّانِيِّ الْمُدَوَّدِ: تَجَنُّبُهُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ فَأَرْجُو، وَقَالَ عَنْ تَفْتِيشِ التَّمْرِ الْمُدَوَّدِ: لَا بَأْسَ بِهِ.
(وَمَا أَحَدُ أَبَوَيْهِ الْمَأْكُولَيْنِ مَغْصُوبٌ فَكَأُمِّهِ) فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ مَغْصُوبَةً لَمْ تَحِلَّ هِيَ وَلَا شَيْءٌ مِنْ أَوْلَادِهَا لِغَاصِبٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ الْفَحْلَ وَالْأُمُّ مِلْكٌ لِلْغَاصِبِ؛ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَوْلَادِهَا.
تَتِمَّةٌ: وَيَحْرُمُ مَا لَيْسَ مِلْكًا لِآكِلِهِ وَلَا أَذِنَ فِيهِ رَبُّهُ وَلَا الشَّارِعُ؛ لِحَدِيثِ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» . فَإِنْ أَذِنَ فِيهِ رَبُّهُ جَازَ أَكْلُهُ، وَكَذَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ الشَّارِعُ كَأَكْلِ الْوَلِيِّ مِنْ مَالِ مُوَلِّيهِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ مِنْهُ، وَالْمُضْطَرِّ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ.

[فَصْلٌ فِي الْمُبَاح مِنْ الْأَطْعِمَة]

فَصْلٌ (وَيُبَاحُ مَا عَدَا هَذَا) الْمُتَقَدِّمِ تَحْرِيمُهُ؛ لِعُمُومِ نُصُوصِ الْإِبَاحَةِ (كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] (وَالْخَيْلِ) كُلِّهَا عِرَابُهَا وَبَرَاذِينُهَا نَصًّا، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ.

وَقَالَتْ أَسْمَاءُ: «نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَكَلْنَاهُ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحَدِيثُ خَالِدٍ مَرْفُوعًا: «حَرَامٌ عَلَيْكُمْ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ وَخَيْلُهَا وَبِغَالُهَا» . فَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ جَيِّدٌ (وَكَبَاقِي الْوُحُوشِ كَزَرَافَةٍ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَضَمِّهَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ.
زَادَ الصَّغَانِيُّ وَالْفَاءُ تُشَدَّدُ وَتُخَفَّفُ فِي الْوَجْهَيْنِ، قِيلَ هِيَ مُسَمَّاةٌ بِاسْمِ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي صُورَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْحَيَوَانِ، وَهِيَ دَابَّةٌ تُشْبِهُ الْبَعِيرَ إلَّا أَنَّ عُنُقَهَا أَطْوَلُ مِنْ عُنُقِهِ، وَجِسْمَهَا أَلْطَفُ مِنْ جِسْمِهِ، وَيَدَاهَا أَطْوَلُ مِنْ رِجْلَيْهَا، وَوَجْهُ حِلِّهَا أَنَّهَا مُسْتَطَابَةٌ لَيْسَ لَهَا نَابٌ؛ أَشْبَهَتْ الْإِبِلَ (وَكَأَرْنَبٍ) أَكَلَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ.
وَعَنْ أَنْسَ قَالَ: «أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا فَأَخَذْتهَا، فَجِئْت بِهَا إلَى أَبِي طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ بِوَرِكِهَا أَوْ قَالَ بِفَخِذِهَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَبِلَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَوَبْرٍ) ، لِأَنَّهَا تُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ، وَمُسْتَطَابٍ يَأْكُلُ النَّبَاتَ كَالْأَرْنَبِ (وَيَرْبُوعٍ) نَصًّا لِحُكْمِ عُمَرَ فِيهِ بِجَفَرَةٍ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ (وَبَقَرِ وَحْشٍ) عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا كَأُيَّلٍ وَتَيْتُلٍ وَوَعِلٍ وَمَهَا (وَحُمُرِهِ) ؛ أَيْ: الْوَحْشِ (وَضَبٍّ) قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: " كُنَّا مَعْشَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَأَنْ يُهْدَى إلَى أَحَدِنَا ضَبٌّ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ دَجَاجَةٍ ". قَالَ الْحَجَّاوِيُّ: وَهُوَ دَابَّةٌ تُشْبِهُ الْحِرْدَوْنَ مِنْ عَجِيبِ خِلْقَتِهِ أَنَّ الذَّكَرَ لَهُ ذَكَرَانِ، وَالْأُنْثَى لَهَا فَرْجَانِ تَبِيضُ مِنْهُمَا (وَظِبَاءَ) وَهِيَ الْغِزْلَانُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، لِأَنَّهَا تُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ.

(وَبَاقِي الطَّيْرِ كَنَعَامٍ وَدَجَاجٍ وَطَاوُوسٍ وَبَبَّغَاءَ) بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ (وَهِيَ الدَّرَّةُ وَزَاغٍ) طَائِرٌ صَغِيرٌ أَغْبَرُ (وَغُرَابِ زَرْعٍ) يَطِيرُ مَعَ الزَّاغِ يَأْكُلُ الزَّرْعَ أَحْمَرُ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلِ؛ لِأَنَّ مَرْعَاهُمَا الزَّرْعُ أَشْبَهَا الْحَجَلَ، وَكَالْحَمَامِ بِأَنْوَاعِهِ مِنْ فَوَاخِتَ وَقَمَارِيِّ وَجَوَازِلَ وَرَقْطَى وَدَبَاسِي وَحَجَلٍ وَقَطَا وَحُبَارَى.
قَالَ سَفِينَةُ: «أَكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُبَارَى» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَكَزُرْزُورٍ وَعَصَافِيرَ وَقَنَابِرَ وَصَعْوَةٍ جَمْعُهُ صِعَاءُ، وَهُوَ صِغَارُ الْعَصَافِيرِ أَحْمَرُ الرَّأْسِ،

وَكُرْكِيٍّ مِنْ خَوَاصِّهِ أَنَّهُ يَبِرُّ وَالِدَيْهِ إذَا كَبُرَ، وَإِذَا كَانُوا جَمَاعَةً وَأَرَادُوا النَّوْمَ يَسْهَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَيَقِفُ عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، وَيَتَنَاوَبُونَ السَّهَرَ، وَبَطٍّ وَأُوَزٍّ وَغَرَانِيقَ جَمْعُ غُرْنَقٍ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ النُّونِ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ، طَوِيلُ الْعُنُقِ.
وَطَيْرُ الْمَاءِ كُلُّهُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِمَّا يَلْتَقِطُ الْحَبَّ، أَوْ يُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ؛ فَيُبَاحُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَطَابٌ فَيَتَنَاوَلُهُ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: 157] .

(وَيَحِلُّ كُلُّ حَيَوَانٍ بَحْرِيٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» . رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ (غَيْرَ ضُفْدَعٍ) فَيَحْرُمُ نَصًّا " وَاحْتُجَّ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِ وَلِاسْتِخْبَاثِهَا، فَتَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] (وَ) غَيْرَ (حَيَّةٍ) لِأَنَّهَا مِنْ الْمُسْتَخْبَثَاتِ (وَ) غَيْرَ (تِمْسَاحٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّ لَهُ نَابًا يَفْتَرِسُ النَّاسَ وَغَيْرَهُمْ، وَالْكَوْسَجُ هُوَ سَمَكَةٌ لَهَا خُرْطُومٌ كَالْمِنْشَارِ، وَتُسَمَّى الْقِرْشِيَّ؛ فَتُبَاحُ كَخِنْزِيرِ الْمَاءِ وَكَلْبِهِ وَإِنْسَانِهِ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رَكِبَ عَلَى سَرْجٍ عَلَيْهِ مِنْ جُلُودِ كِلَابِ الْمَاءِ.

(وَتَحْرُمُ الْجَلَّالَةُ) وَهِيَ (الَّتِي أَكْثَرُ عَلَفِهَا نَجَاسَةٌ، وَيَحْرُمُ لَبَنُهَا وَبَيْضُهَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: «نَهَى عَنْ رُكُوبِ جَلَّالَةِ الْإِبِلِ» . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شُرْبِ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَبَيْضُهَا كَلَبَنِهَا لِتَوَلُّدِهِ مِنْهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ (لَمْ تَحْرُمْ) وَلَا لَبَنُهَا وَلَا بَيْضُهَا (حَتَّى تُحْبَسَ ثَلَاثًا) مِنْ اللَّيَالِي بِأَيَّامِهَا؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا أَرَادَ

أَكْلَهَا يَحْبِسُهَا ثَلَاثًا (وَتُطْعَمُ الطَّاهِرَ فَقَطْ) لِزَوَالِ مَانِعِ حِلِّهَا (وَيُكْرَهُ رُكُوبُهَا) لِأَجْلِ عَرَقِهَا؛ لِمَا سَبَقَ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَمِثْلُهُ خَرُوفٌ ارْتَضَعَ مِنْ كَلْبَةٍ، ثُمَّ شَرِبَ لَبَنًا طَاهِرًا، أَوْ أَكَلَ شَيْئًا طَاهِرًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَيَحِلُّ أَكْلُهُ.
(وَيَتَّجِهُ طَهَارَةٌ نَحْوَ عِرْقِ الْآدَمِيِّ) كَبُصَاقِهِ وَمُخَاطِهِ (وَلَبَنِهِ وَلَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَجَاسَةً لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ) عَنْ ذَلِكَ، (وَلِأَنَّ مَا فِي جَوْفِهِ نَجِسٌ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ غِذَاؤُهُ نَجِسًا أَوْ طَاهِرًا.
قُلْت: وَكَذَا لَوْ نَزَا حِمَارٌ عَلَى فَرَسٍ فَأَتَتْ بِبَغْلَةٍ؛ فَلَبَنُهَا طَاهِرٌ؛ لِطَهَارَةِ عَيْنِ الْفَرَسِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ بَلْ مُصَرَّحٌ بِهِ.
(وَيُبَاحُ أَنْ يَعْلِفَ النَّجَاسَةَ مَا لَا يُذْبَحُ قَرِيبًا أَوْ لَا يُحْلَبُ قَرِيبًا) لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهَا فِي الرَّعْيِ عَلَى اخْتِيَارِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا تُعْلَفُ النَّجَاسَةَ.
قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْمُحَرَّرِ ".

[فَائِدَةٌ عَضَّ كَلْبٌ شَاةً وَنَحْوَهَا فَكُلِّبَتْ]

فَائِدَةٌ: وَإِذَا عَضَّ كَلْبٌ شَاةً وَنَحْوَهَا، فَكُلِّبَتْ ذُبِحَتْ؛ دَفْعًا لِضَرَرِهَا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُؤْكَلَ لَحْمُهَا لِضَرَرِهَا.

(وَمَا سُقِيَ) مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ بِنَجِسٍ (أَوْ سُمِّدَ) ؛ أَيْ: جُعِلَ فِيهِ السِّمَادُ كَسَلَامِ مَا يَصْلُحُ بِهِ الزَّرْعُ مِنْ سِرْجِينٍ أَوْ رَمَادٍ (بِنَجَسٍ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ مُحَرَّمٍ؛ نَجِسٌ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كُنَّا نُكْرِي أَرَاضِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَشْتَرِطُ عَلَيْهَا أَنْ لَا يَدْمُلُوهَا بِعَذِرَةِ النَّاسِ ". قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": وَدَمَلَ الْأَرْضَ دَمْلًا وَدَمَلَانًا أَصْلَحَهَا أَوْ سَرْقَنَهَا، فَتَدَمَّلَتْ: صَلُحَتْ بِهِ انْتَهَى.
وَلَوْلَا أَنَّ مَا فِيهَا يَحْرُمُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فَائِدَةٌ، وَلِأَنَّهُ تَتَرَبَّى بِالنَّجَاسَةِ أَجْزَاؤُهُ وَالِاسْتِحَالَةُ لَا تَطْهُرُ عِنْدَنَا (حَتَّى يُسْقَى) الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ (بَعْدَهُ) ؛ أَيْ: النَّجَسِ الَّذِي سُقِيَهُ أَوْ سُمِّدَ بِهِ (بِمَاءٍ طَاهِرٍ) ؛ أَيْ: طَهُورٍ

(يَسْتَهْلِكُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ) فَيَطْهُرُ وَيَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الطَّهُورَ يُطَهِّرُ النَّجَاسَةَ، وَكَالْجَلَّالَةِ إذَا حُبِسَتْ وَطُعِمَتْ الطَّاهِرَاتِ، وَإِلَّا فَلَا يَحِلُّ.

(وَيُكْرَهُ أَكْلُ فَحْمٍ وَتُرَابٍ وَطِينٍ) لَا يُتَدَاوَى بِهِ؛ لِضَرَرِهِ نَصًّا، بِخِلَافِ الطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ لِلدَّوَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ، وَكَذَا يَسِيرُ تُرَابٍ وَطِينٍ بِحَيْثُ لَا يَضُرُّهُ؛ فَلَا يُكْرَهُ (وَهُوَ) ؛ أَيْ: أَكْلُ الطِّينِ (عَيْبٌ فِي الْمَبِيعِ) نَقَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطْلُبُهُ إلَّا مَنْ بِهِ مَرَضٌ (وَ) يُكْرَهُ أَكْلُ (غُدَّةٍ وَأُذُنِ قَلْبٍ) نَصًّا.
قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «كَرِهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْلَ الْغُدَّةِ» . وَنَقَلَ أَبُو الطَّالِبِ: «نَهْيَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ أُذُنِ الْقَلْبِ» ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَضَرَّةِ الَّتِي تَعْرِضُ لِآكِلِهِمَا.

(وَ) يُكْرَهُ أَكْلُ (نَحْوِ بَصَلٍ وَثُومٍ) كَفُجْلٍ (وَكُرَّاثٍ مَا لَمْ يَنْضَجْ بِطَبْخٍ) . قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ كَرِهَهُ لِمَكَانِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِنْ أَكْلَهُ كُرِهَ لَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ؛ لِحَدِيثِ: «مَنْ أَكَلَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الْخَبِيثَةَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» . وَيُكْرَهُ لَهُ أَيْضًا حُضُورُ جَمَاعَةٍ وَلَوْ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ.

(وَ) يُكْرَهُ أَكْلُ (حَبٍّ دِيسَ بِحُمُرٍ) أَهْلِيَّةٍ (وَبِغَالٍ) نَصًّا، وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدُوسَهُ بِهَا.
وَقَالَ حَرْبٌ: كَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً وَيَنْبَغِي أَنْ يُغْسَلَ.

(وَ) يُكْرَهُ (مُدَاوَمَةُ أَكْلِ لَحْمٍ) قَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ قَسْوَةَ الْقَلْبِ.

(وَ) يُكْرَهُ (مَاءُ بِئْرٍ بَيْنَ قُبُورٍ وَشَوْكُهَا وَبَقْلُهَا) ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: كَمَا سُمِّدَ بِنَجَسٍ وَالْجَلَّالَةُ.

وَ (لَا) يُكْرَهُ أَكْلُ (لَحْمٍ نَيِّئْ) نَقَلَهُ مُهَنَّا (وَمُنْتِنٍ) نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ، وَجَزَمَ بِذَلِكَ فِي الْمُنْتَهَى " وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِهِ، وَجَزَمَ فِي " الْإِقْنَاعِ " بِالْكَرَاهَةِ.
وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ خِلَافًا لَهُ.

وَيَحْرُمُ التِّرْيَاقُ وَهُوَ دَوَاءٌ يُعَالَجُ بِهِ مِنْ السُّمُوم يُجْعَلُ فِيهِ لُحُومُ الْحَيَّاتِ؛ لِأَنَّ لَحْمَ الْحَيَّةِ حَرَامٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَيَحْرُمُ أَيْضًا التَّدَاوِي بِأَلْبَانِ الْأُتُنِ وَكُلِّ مُحَرَّمٍ.

[فَصْلٌ فِي حُكْم الْمُضْطَرّ]

فَصْلٌ (وَمَنْ اُضْطُرَّ بِأَنْ خَافَ التَّلَفَ) إنْ لَمْ يَأْكُلْ.
نَقَلَ حَنْبَلٌ إذَا عَلِمَ أَنَّ النَّفْسَ تَكَادُ تَتْلَفُ، وَفِي " الْمُنْتَخَبِ " أَوْ خَافَ مَرَضًا أَوْ انْقِطَاعًا عَنْ الرُّفْقَةِ؛ أَيْ: بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ فَيَهْلَكُ، وَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِزَمَنٍ مَخْصُوصٍ؛ لِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ فِي ذَلِكَ (أَكَلَ وُجُوبًا مِنْهُ) نَصًّا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] قَالَ مَسْرُوقٌ: مَنْ اُضْطُرَّ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ (مِنْ غَيْرِ سُمٍّ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يَضُرُّ (مِنْ مُحَرَّمٍ) مِمَّا ذَكَرْنَا (مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ) ؛ أَيْ: بَقِيَّةَ رُوحِهِ أَوْ قُوتَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] وَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 3] (فَقَطْ) ؛ أَيْ: لَا يَزِيدُ عَلَى مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ؛ فَلَيْسَ لَهُ الشِّبَعُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمَيْتَةَ، وَاسْتَثْنَى مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ، فَإِذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ لَمْ تَحِلَّ كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ (إنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَفَرٍ مُحَرَّمٍ) كَسَفَرٍ لِقَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ وَنَحْوِهِ (فَإِنْ كَانَ فِيهِ) ؛ أَيْ: السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ (وَلَمْ يَتُبْ فَلَا) يَحِلُّ لَهُ أَكْلُ مَيْتَةٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ أَكْلَهَا رُخْصَةٌ وَالْعَاصِي لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا.

﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: 173] (وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) حُكْمُ مُقِيمِ إقَامَةَ مَعْصِيَةٍ كَإِقَامَتِهِ فِي نَحْوِ بَلْدَةٍ (لِزِنًا) أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ تَعَلُّمِ اسْتِعْمَالِ آلَاتِ لَهْوٍ؛ فَيَمْتَنِعُ عَلَى مَنْ هَذَا حَالُهُ، وَاضْطُرَّ لِأَكْلِ مَيْتَةٍ الْأَكْلُ مِنْهَا لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ، وَلَا يَسْتَبِيحُهَا مَنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِالْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُضْطَرِّ فِي غَيْرِ سَفَرٍ مُحَرَّمٍ (التَّزَوُّدُ إنْ خَافَ) الْحَاجَةَ إنْ لَمْ يَتَزَوَّدْ كَجَوَازِ التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ إنْ خَافَ عَطَشًا بِاسْتِعْمَالِهِ (وَلَيْسَ لَهُ) ؛ أَيْ: الْمُضْطَرِّ (الشِّبَعُ) مِنْ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ، وَاسْتَثْنَى مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ، فَإِذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ لَمْ يَحِلَّ الْأَكْلُ كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ، كَمَا يَحْرُمُ فَوْقَ الشِّبَعِ إجْمَاعًا ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " " وَالْمُبْدِعِ " (وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَجَمْعٌ) مِنْ عُلَمَائِنَا (إنْ كَانَتْ الضَّرُورَةُ مُسْتَمِرَّةً جَازَ الشِّبَعُ، وَإِنْ كَانَتْ) الْحَاجَةُ (مَرْجُوَّةَ الزَّوَالِ، فَلَا) يَشْبَعُ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ.

(وَيَجِبُ عَلَى) مَنْ تَزَوَّدَ لَحْمَ مَيْتَةٍ وَهُوَ (غَيْرُ مُضْطَرٍّ) إلَيْهِ فِي الْحَالِ (بَذْلُهُ لِمُضْطَرٍّ) طَلَبَهُ مِنْهُ (بِلَا عِوَضٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ (وَيَجِبُ) عَلَى الْمُضْطَرِّ (تَقْدِيمُ السُّؤَالِ عَلَى أَكْلِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ لِلسَّائِلِ: قُمْ قَائِمًا لِيَكُونَ لَك عُذْرٌ عِنْدَ اللَّهِ.
قَالَ الْقَاضِي يَأْثَمُ إذَا لَمْ يَسْأَلْ.
وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: إنْ اُضْطُرَّ إلَى الْمَسْأَلَةِ.
فَهِيَ مُبَاحَةٌ قِيلَ فَإِنْ تَوَقَّفَ؟ قَالَ مَا أَظُنُّ أَحَدًا يَمُوتُ مِنْ الْجُوعِ، اللَّهُ يَأْتِيه بِرِزْقِهِ (خِلَافًا لِلشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ، فَإِنَّهُ: قَالَ لَا يَجِبُ؛ أَيْ: تَقْدِيمُ السُّؤَالِ وَلَا يَأْثَمُ أَيْ: بِعَدَمِهِ.
تَنْبِيهٌ: فَإِنْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَنْ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيه لَمْ يَحِلَّ لَهُ الِامْتِنَاعُ؛ لِأَنَّهُ

إلْقَاءٌ بِنَفْسِهِ إلَى الْهَلَاكِ، وَلَيْسَ لَهُ الْعُدُولُ إلَى الْمَيْتَةِ، لِعَدَمِ اضْطِرَارِهِ إلَيْهَا إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ مَسْمُومًا، أَوْ يَكُونَ مِنْ الْأَطْعِمَةِ الْمُضِرَّةِ وَيَخَافُ مَعَهُ الْهَلَاكَ فَيَمْتَنِعُ مِنْهُ، وَيَعْدِلُ إلَى الْمَيْتَةِ، لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهَا، وَإِنْ وَجَدَ طَعَامًا مَعَ صَاحِبِهِ، وَامْتَنَعَ مِنْ بَذْلِهِ أَوْ بَيْعِهِ مِنْهُ، وَوَجَدَ الْمُضْطَرُّ ثَمَنَهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ مُكَابَرَتُهُ عَلَيْهِ وَأَخْذُهُ مِنْهُ، وَيَعْدِلُ إلَى الْمَيْتَةِ سَوَاءٌ كَانَ قَوِيًّا يَخَافُ مُكَابَرَتُهُ التَّلَفَ أَوْ لَمْ يَخَفْ، وَإِنْ بَذَلَهُ رَبُّهُ لِلْمُضْطَرِّ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، وَقَدَرَ عَلَى الثَّمَنِ؛ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهَا بِالْمُبَاحِ، وَإِنْ بَذَلَهُ بِزِيَادَةٍ لَا تُجْحِفُ؛ لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الثَّمَنِ؛ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْعَادِمِ، فَتَحِلُّ لَهُ الْمَيْتَةُ.

(وَإِنْ وَجَدَ مَيْتَةً وَطَعَامًا وَيَجْهَلُ مَالِكَهُ) قَدَّمَ الْمَيْتَةَ، لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي " الِاخْتِيَارَاتِ " إنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ إلَى رَبِّهِ بِعَيْنِهِ كَالْمَغْصُوبِ وَالْأَمَانَاتِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ أَرْبَابُهَا، قَدَّمَ أَكْلَهُ عَلَى الْمَيْتَةِ

(أَوْ) وَجَدَ مُضْطَرٌّ (خِنْزِيرًا) أَوْ كَانَ الْمُضْطَرُّ مُحْرِمًا، وَوَجَدَ (صَيْدًا حَيًّا) ، أَوْ وَجَدَ مَيْتَةً وَ (بَيْضَ صَيْدٍ سَلِيمًا) ؛ أَيْ: الْبَيْضَ (وَهُوَ مُحْرِمٌ، قَدَّمَ الْمَيْتَةَ) لِأَنَّ ذَبْحَ الصَّيْدِ جِنَايَةٌ لَا تَجُوزُ لَهُ حَالَ الْإِحْرَامِ.

(وَيُقَدِّمُ) مُضْطَرٌّ (عَلَيْهَا) ؛ أَيْ: الْمَيْتَةِ (لَحْمَ صَيْدٍ ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ) قَالَهُ الْقَاضِي، وَاسْتَظْهَرَهُ فِي " التَّنْقِيحِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيَتَمَيَّزُ ذَبْحُ الْمُحْرِمِ بِالِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهِ مُذَكًّى، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمُحْرِمُ الْمُضْطَرُّ إلَّا صَيْدًا ذَبَحَهُ، وَكَانَ ذَكِيًّا طَاهِرًا؛ وَلَيْسَ بِنَجِسٍ وَلَا مَيْتَةٍ فِي حَقِّهِ؛ لِإِبَاحَتِهِ لَهُ إذَنْ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ذَبْحُهُ، وَتُعْتَبَرُ شُرُوطُ الذَّكَاةِ فِيهِ (وَلَهُ الشِّبَعُ مِنْهُ) لِأَنَّهُ ذَكِيٌّ لَا مَيْتَةٌ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ إذَنْ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ ذَكَاتِهِ كَالْأَهْلِيِّ الْمَأْكُولِ، وَهُوَ مَيْتَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَلَا يُبَاحُ إلَّا لِمَنْ تُبَاحُ لَهُ الْمَيْتَةُ

(وَيُقَدِّمُ) مُضْطَرٌّ مُحْرِمٌ (عَلَى صَيْدٍ حَيٍّ طَعَامًا يَجْهَلُ مَالِكَهُ) لِأَنَّهُ أَكَلَ مَالَ غَيْرِهِ لِلضَّرُورَةِ، فَجَازَ بِشَرْطِ الضَّمَانِ؛ كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّيْدَ،

لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ، بِخِلَافِ طَعَامِ الْغَيْرِ؛ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ فِي حَالِ بَيْعِ مَالِكِهِ لَهُ وَهِبَتِهِ، فَكَانَ أَخَفَّ حُكْمًا لِذَلِكَ (وَلَمْ أَقِفْ) فِي كَلَامِهِمْ (عَلَى مَفْهُومِ) قَوْلِهِمْ (يَجْهَلُ مَالِكَهُ) وَلَعَلَّ مَفْهُومَهُ إذَا كَانَ مَالِكُ الطَّعَامِ مَعْلُومًا، وَاضْطُرَّ إلَيْهِ، أَوْ خَافَ أَنْ يَضْطَرَّ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ؛ لِحَدِيثِ: «ابْدَأْ بِنَفْسِك» . وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُضْطَرٍّ وَلَا خَائِفَ الِاضْطِرَارِ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ لِلْمُضْطَرِّ مَا يَسُدُّ مَعَهُ رَمَقَهُ كَمَا يَأْتِي بِخِلَافِ الْمَجْهُولِ مَالِكُهُ؛ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ هَذَا التَّفْصِيلُ، بَلْ هُوَ كَمَا ذَكَرَهُ.

(وَتُقَدَّمُ مَيْتَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا) ؛ أَيْ: فِي إبَاحَتِهَا (عَلَى) مَيْتَةٍ (مُجْمَعٍ عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى تَحْرِيمِهَا؛ لِأَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا مُبَاحَةٌ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا وَجَدَهَا كَانَ وَاجِدًا لِلْمُبَاحِ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ؛ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأُخْرَى.
(وَيَتَّجِهُ) تَقْدِيمُ مَيْتَةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا عَلَى مُجْمَعٍ عَلَيْهَا (وُجُوبًا) لِأَنَّهَا أَخَفُّ مِنْ غَيْرِهَا (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّ الْكَلْبَ يُقَدَّمُ) عِنْدَ الِاضْطِرَارِ إلَى أَكْلِهِ (عَلَى الْخِنْزِيرِ) لِقَوْلِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ بِإِبَاحَتِهِ، (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ يُقَدَّمُ نَحْوُ شَحْمِ) وَكُلْيَةِ (وَكَبِدِ) وَطِحَالِ (خِنْزِيرٍ عَلَى مَيْتَةٍ) لِأَنَّ الْمَيْتَةَ يَحْرُمُ تَنَاوُلُهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ كَذَلِكَ بِخِلَافِ شَحْمِهِ (لِقَوْلِ) الْإِمَامِ (دَاوُد) الظَّاهِرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (بِحِلِّهِ) أَيْ: الشَّحْمِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ صَرِيحٌ فِي اللَّحْمِ فَقَطْ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ نَحْوَ الشَّحْمِ؛ لَا يَحْنَثُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَيَتَحَرَّى) مُضْطَرٌّ (فِي مُذَكَّاةٍ اشْتَبَهَتْ بِمَيْتَةٍ) لِأَنَّهَا غَايَةُ مَقْدُورِهِ حَيْثُ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا حَتَّى يَعْلَمَ الْمُذَكَّاةَ.

(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ) مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ (إلَّا طَعَامَ غَيْرِهِ [فَرَبُّهُ] الْمُضْطَرُّ أَوْ الْخَائِفُ يُضْطَرُّ أَحَقُّ بِهِ) مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ سَاوَاهُ فِي الِاضْطِرَارِ، وَانْفَرَدَ عَنْهُ بِالْمِلْكِ؛ أَشْبَهَ غَيْرَ حَالَةِ الِاضْطِرَارِ (وَلَيْسَ لَهُ) ؛ أَيْ: رَبِّ الطَّعَامِ إذَا كَانَ كَذَلِكَ (إيثَارُ غَيْرِهِ بِهِ) لِأَنَّهُ إذَا آثَرَ غَيْرَهُ بِهِ، فَهَلَكَ جُوعًا كَانَ كَالْمُلْقِي بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَفِي " الْهَدْيِ " فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ يَجُوزُ، وَإِنَّهُ غَايَةُ الْجُودِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] . وَلِقَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي فُتُوحِ الشَّامِ، وَعُدَّ ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِهِمْ.
ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَعَلَّهُ لِعِلْمِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ حُسْنَ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ.

(وَإِلَّا) يَكُنْ رَبُّ الطَّعَامِ مُضْطَرًّا وَلَا خَائِفًا أَنْ يَضْطَرَّ (لَزِمَهُ) ؛ أَيْ: رَبَّ الطَّعَامِ (بَذْلُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ) ؛ أَيْ: الْمُضْطَرِّ (فَقَطْ) لِأَنَّهُ إنْقَاذٌ لِمَعْصُومٍ مِنْ الْهَلَكَةِ كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ وَالْحَرِيقِ (بِقِيمَتِهِ) ؛ أَيْ: الطَّعَامِ نَصًّا لَا مَجَّانًا (وَلَوْ فِي ذِمَّةِ مُعْسِرٍ) لِوُجُودِ الضَّرُورَةِ، (فَإِذَا أَبَى) رَبُّ الطَّعَامِ بَذْلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْهُ بِقِيمَتِهِ (أَخَذَهُ) مِنْهُ مُضْطَرٌّ (بِالْأَسْهَلِ) فَالْأَسْهَلِ (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ (قَهْرًا) ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ مَالِكِهِ؛ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ (وَيُعْطِيه عِوَضَهُ مِنْ مِثْلِ مِثْلِيٍّ وَقِيمَةِ مُتَقَوِّمٍ) لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَى رَبِّ الْعَيْنِ فَوَاتُ الْمَالِ وَالْبَدَلِ، وَيَعْتَبِرُ قِيمَةُ مُتَقَوِّمٍ (يَوْمَ أَخْذِهِ) لِأَنَّهُ وَقْتُ تَلَفِهِ (فَإِنْ مَنَعَهُ) رَبُّ الطَّعَامِ أَخْذَهُ بِعِوَضِهِ (فَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُضْطَرِّ (قِتَالُهُ عَلَيْهِ) لِكَوْنِهِ صَارَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُ؛ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ وَهُوَ مَنَعَهُ (فَإِنْ قُتِلَ الْمُضْطَرُّ؛ ضَمِنَهُ رَبُّ الطَّعَامِ) لِقَتْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ (لَا عَكْسُهُ) بِأَنْ قُتِلَ رَبُّ الطَّعَامِ؛ فَلَا يَضْمَنُهُ الْمُضْطَرُّ، وَيَذْهَبُ هَدَرًا؛ لِظُلْمِهِ بِقِتَالِهِ لِلْمُضْطَرِّ؛ أَشْبَهَ الصَّائِلَ (وَإِنْ مَنَعَهُ) أَيْ الطَّعَامَ مِنْ الْمُضْطَرِّ رَبُّهُ (إلَّا بِمَا فَوْقَ الْقِيمَةِ، فَاشْتَرَاهُ) الْمُضْطَرُّ مِنْهُ (بِذَلِكَ) الَّذِي طَلَبَهُ لِاضْطِرَارِهِ

إلَيْهِ (كَرَاهَةَ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمَا دَمٌ؛ أَوْ عَجَزَ عَنْ قِتَالِهِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ) ؛ أَيْ: الْمُضْطَرَّ (إلَّا الْقِيمَةُ) لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ بِالْبَدَلِ لَهُ، وَالزَّائِدُ أُكْرِهَ عَلَى الْتِزَامِهِ؛ فَلَا يَلْزَمُهُ فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُ؛ رَجَعَ بِهِ (وَكَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْذُ الْمَاءِ مِنْ الْعَطْشَانِ وَيَتَّجِهُ) وَكَذَا كَانَ لَهُ أَخْذُ (الطَّعَامِ) مِنْ الْجَائِعِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) كَانَ (عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَقِيَهُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَكَانَ لَهُ طَلَبُ ذَلِكَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6] وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا اشْتَدَّتْ الْمَخْمَصَةُ فِي سَنَةِ الْمَجَاعَةِ، وَكَانَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ قَدْرُ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ فَقَطْ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُ شَيْءٍ مِنْهُ لِلْمُضْطَرِّينَ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَخْذُهُ مِنْهُ كُرْهًا لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى وُقُوعِ الضَّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْدَفِعَ عَنْ الْمُضْطَرِّينَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ قَدْرُ كِفَايَتِهِ مِنْ غَيْرِ فَضْلَةٍ؛ فَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ مَا مَعَهُ لِلْمُضْطَرِّينَ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ إنْجَاءُ غَرِيقٍ بِتَغْرِيقِ نَفْسِهِ.

(وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى نَفْعِ مَالِ الْغَيْرِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ) ؛ أَيْ: الْمَالِ كَثِيَابٍ لِدَفْعِ بَرْدٍ وَمِقْدَحَةٍ وَنَحْوِهِ وَدَلْوٍ وَحَبْلٍ لِاسْتِقَاءِ مَاءٍ (وَجَبَ) عَلَى رَبِّ الْمَالِ (بَذْلُهُ) لِمَنْ اُضْطُرَّ لِنَفْعِهِ (مَجَّانًا) بِلَا عِوَضٍ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّ عَلَى مَنْعِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7] وَمَا لَا يَجِبُ بَذْلُهُ لَا يُذَمُّ عَلَى مَنْعِهِ، وَمَا وَجَبَ فِعْلُهُ لَا يَقِفُ عَلَى بَذْلِهِ الْعِوَضُ، بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ فَلِرَبِّهَا مَنْعُهَا بِدُونِ عِوَضٍ وَلَا يُذَمُّ عَلَى ذَلِكَ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ بَذْلِ نَحْوِ مَاعُونٍ (مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ) ؛ أَيْ: رَبِّهِ (إلَيْهِ) فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِتَمَيُّزِهِ بِالْمِلْكِ.

(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ) مِنْ مُضْطَرِّينَ (إلَّا آدَمِيًّا مُبَاحَ الدَّمِ كَحَرْبِيٍّ وَزَانٍ مُحْصِنٍ) وَمُرْتَدٍّ (فَلَهُ قَتْلُهُ وَأَكْلُهُ) لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ؛ أَشْبَهَ السِّبَاعَ، وَكَذَا إنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا، و (لَا) يَجُوزُ لِمُضْطَرٍّ (أَكْلُ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ نَفْسِهِ) لِأَنَّهُ إتْلَافُ مَوْجُودٍ لِتَحْصِيلِ مَوْهُومٍ

وَكَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ مَعْصُومٍ وَأَكْلُهُ وَإِتْلَافُ عُضْوٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْمُضْطَرِّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إبْقَاءُ نَفْسِهِ بِإِتْلَافِ مِثْلِهِ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَيْسَ لَهُ أَكْلُ (مَعْصُومٍ وَلَوْ) وَجَدَهُ (مَيِّتًا) ؛ لِأَنَّهُ: كَالْحَيِّ فِي الْحُرْمَةِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا» .

(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ لَوْ لَمْ يَجِدْ الْمُضْطَرُّ إلَّا زَانِيًا مُحْصَنًا وَكَلْبًا، فَلَهُ (قَتْلُ زَانٍ) مُحْصَنٍ وَأَكْلُهُ لِإِهْدَارِ الشَّارِعِ دَمَهُ، وَ (لَا) يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ (كَلْبٍ وَأَكْلُهُ لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ) فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ لَمْ يَبْقَ دِرْهَمٌ مُبَاحٌ جَازَ الْأَكْلُ عَلَى الْعَادَةِ، لَا مَا لِلْإِنْسَانِ عَنْهُ غِنًى، كَحَلْوَى وَفَاكِهَةٍ قَالَهُ فِي " النَّوَادِرِ ".

[فَصْلٌ فِي مَنْ مَرَّ بِثَمَرَةِ بُسْتَانٍ وَلَا حَائِطَ عَلَيْهِ وَلَا نَاظِرَ لَهُ]

فَصْلٌ (وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرَةِ بُسْتَانٍ وَلَا حَائِطَ عَلَيْهِ وَلَا نَاظِرَ لَهُ) ؛ أَيْ: حَارِسَ (فَلَهُ الْأَكْلُ) مِنْهَا سَاقِطَةً كَانَتْ أَوْ بِشَجَرِهَا (وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ) لِأَكْلِهَا (مَجَّانًا) بِلَا عِوَضٍ عَمَّا يَأْكُلُهُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي زَيْنَبَ التَّيْمِيُّ قَالَ: " سَافَرْت مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَبِي بَرْزَةَ، فَكَانُوا يَمُرُّونَ بِالثِّمَارِ فَيَأْكُلُونَ فِي أَفْوَاهِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ عُمَرُ: " يَأْكُلُ؛ وَلَا يَتَّخِذُ خُبْنَةً " وَهِيَ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَهَا نُونٌ مَا يَحْمِلُهُ فِي حِضْنِهِ.
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَتَيْت حَائِطَ بُسْتَانٍ، فَنَادِ يَا صَاحِبَ الْبُسْتَانِ، فَإِنْ أَجَابَك؛ وَإِلَّا فَكُلْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَكَوْنُ سَعْدٍ أَبَى الْأَكْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ غِنَاءً عَنْهُ أَوْ تَوَرُّعًا، فَإِنْ كَانَ الْبُسْتَانُ مَحُوطًا لَمْ يَجُزْ الدُّخُولُ إلَيْهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنْ كَانَ عَلَيْهَا حَائِطٌ فَهُوَ حِرْزٌ فَلَا تَأْكُلْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا حَائِطٌ فَلَا بَأْسَ.
وَكَذَا إنْ كَانَ ثَمَّ حَارِسٌ؛ لِدَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى شُحِّ صَاحِبِهِ وَعَدَمِ الْمُسَامَحَةِ.

وَ (لَا) يَجُوزُ (صُعُودُ شَجَرِهِ) ؛ أَيْ: الثَّمَرِ (وَلَا ضَرْبُهُ أَوْ رَمْيُهُ بِشَيْءٍ) نَصًّا وَلَوْ كَانَ الْبُسْتَانُ غَيْرَ مَحُوطٍ وَلَا حَارِسَ، لِحَدِيثِ الْأَثْرَمِ: «وَكُلْ مِمَّا وَقَعَ أَشْبَعَك اللَّهُ وَأَرْوَاك» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ: وَلِأَنَّ الضَّرْبَ وَالرَّمْيَ يُفْسِدُ الثَّمَرَ.
(وَاسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ " التَّرْغِيبِ " (أَنْ يُنَادِي الْمَارُّ قَبْلَ الْأَكْلِ ثَلَاثًا يَا صَاحِبَ الْبُسْتَانِ، فَإِنْ أَجَابَهُ، وَإِلَّا أَكَلَ، وَلَا يَحْمِلُ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ

(وَلَا يَأْكُلُ أَحَدٌ مِنْ ثَمَرٍ مَجْنِيٍّ مَجْمُوعٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ) بِأَنْ كَانَ مُضْطَرًّا كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الطَّعَامِ.
(وَكَذَا) ؛ أَيْ: كَثَمَرِ الشَّجَرِ (زَرْعٌ قَائِمٌ) لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِأَكْلِ الْفَرِيكَةِ (وَشُرْبُ لَبَنِ مَاشِيَةٍ) لِحَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلِيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا فَلْيَسْتَحْلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ (وَأَلْحَقَ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَمَنْ تَابَعَهُ (بِذَلِكَ) ؛ أَيْ: الزَّرْعِ الْقَائِمِ (بَاقِلَّاءَ وَحِمَّصًا أَخْضَرَيْنِ) وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا عَادَةً؛ لِمَا سَبَقَ (قَالَ الْمُنَقِّحُ: وَهُوَ قَوِيٌّ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ: حَسَنٌ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا وَرَقُ نَحْوِ فُجْلٍ وَبَصَلٍ) وَلِفْتٍ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(لَا نَحْوُ شَعِيرٍ) مِمَّا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ رَطْبًا؛ فَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ؛ لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِيهِ شَرْعًا وَعَادَةً.

(وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ جُبْنِ الْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ) مِنْ الْكُفَّارِ، وَلَوْ كَانَتْ، إنْفَحَتُهُ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، وَكَذَا الدُّرُوزُ وَالنُّصَيْرِيَّةُ وَالتَّيَامِنَةُ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّة جِيلٌ مِنْ النَّاسِ يَتَزَوَّجُونَ مَحَارِمَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ كَثِيرًا مِنْ الْبِدَعِ، سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْجُبْنِ فَقَالَ: يُؤْكَلُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، فَقِيلَ لَهُ عَنْ الْجُبْنِ الَّذِي يَصْنَعُهُ الْمَجُوسُ، فَقَالَ: مَا أَدْرِي، وَذَكَرَ أَنَّ أَصَحَّ حَدِيثٍ فِيهِ حَدِيثُ عُمَرَ: " أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْجُبْنِ،

وَقِيلَ لَهُ يُعْمَلُ فِيهِ إنْفَحَةُ الْمَيْتَةِ، قَالَ: سَمُّوا اسْمَ اللَّهِ، وَكُلُوا.
تَنْبِيهٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْجَوْزَ وَلَا الْبَيْضَ الَّذِي اُكْتُسِبَ مِنْ الْقِمَارِ؛ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَلَا يَمْلِكُونَهُ، وَكَذَا أَكْلُ مَا أُخِذَ بِالْقِمَارِ.

(وَيَلْزَمُ مُسْلِمًا) لَا ذِمِّيًّا (ضِيَافَةُ مُسْلِمٍ) لَا ذِمِّيٍّ (مُسَافِرٍ) لَا مُقِيمٍ (فِي قَرْيَةٍ لَا مِصْرٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً قَدْرَ كِفَايَتِهِ مَعَ أُدْمٍ) وَفِي " الْوَاضِحِ " لِفَرَسِهِ تِبْنٌ لَا شَعِيرٌ.
قَالَ: فِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ كَأُدْمِهِ، وَأَوْجَبَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْمَعْرُوفَ عَادَةً.
قَالَ كَزَوْجَةٍ وَقَرِيبٍ وَرَفِيقٍ؛ لِمَا رَوَى الْمِقْدَادُ بْنُ كَرِيمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَإِنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ مَحْرُومًا كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اقْتَضَاهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، «فَإِنْ لَمْ يُقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يَعْقُبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ» . وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: «قُلْت لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّك تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَنَا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ: إنْ نَزَلْتُمْ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلَوْ لَمْ تَجِبْ الضِّيَافَةُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْأَخْذِ، وَاخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِ وَالْمُسَافِرِ؛ لِقَوْلِ عُقْبَةَ: إنَّك تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ، وَبِأَهْلِ الْقُرَى؛ لِقَوْلِهِ: بِقَوْمٍ، وَالْقَوْمُ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْجَمَاعَاتِ دُونَ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، وَلِأَنَّ الْقُرَى مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ إلَى الضِّيَافَةِ، وَالْإِيوَاءِ لِبُعْدِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، بِخِلَافِ الْمِصْرِ فَفِيهِ السُّوقُ وَالْمَسَاجِدُ.

(وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ (إنْزَالُهُ) ؛ أَيْ: الضَّيْفِ (بِبَيْتِهِ مَعَ عَدَمِ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) كَخَانٍ وَرِبَاطٍ يَنْزِلُ فِيهِ لِحَاجَتِهِ إلَى الْإِيوَاءِ كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ (فَإِنْ أَبَى) الْمُضِيفُ الضِّيَافَةَ (فَلِلضَّيْفِ طَلَبُهُ بِهِ) ؛ أَيْ: مَا وَجَبَ لَهُ (عِنْدَ الْحَاكِمِ) لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ كَالزَّوْجَةِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَى) الضَّيْفِ أَنْ يُحَاكِمَهُ (جَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ مَالِهِ) بِقَدْرِ ضِيَافَتِهِ الْوَاجِبَةِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَتُسْتَحَبُّ) الضِّيَافَةُ (ثَلَاثَةً) ؛ أَيْ: ثَلَاثَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا، وَالْمُرَادُ يَوْمَانِ مَعَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ (وَمَا زَادَ) عَلَيْهَا (فَصَدَقَةٌ) ؛ لِحَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ يَرْفَعُهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُؤْثِمَهُ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَقْرِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وَلَيْسَ لَضَيْفَانِ قِسْمَةُ طَعَامٍ قُدِّمَ لَهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ لَا تَمْلِيكٌ (وَ) يَجُوزُ (لِضَيْفٍ شُرْبٌ مِنْ إنَاءِ رَبِّ الْبَيْتِ وَاتِّكَاءٌ عَلَى وِسَادَتِهِ وَقَضَاءُ حَاجَتِهِ فِي مِرْحَاضِهِ [بِلَا اسْتِئْذَانٍ] ) بِاللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا كَطَرْقِ بَابِهِ عَلَيْهِ وَحَلَقَتِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ بِلَا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ فَمُبْتَدِعٌ مَذْمُومٌ) قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 172] فَإِنْ كَانَ لِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ كَطِيبٍ فِيهِ شُبْهَةٌ، أَوْ عَلَيْهِ فِيهِ كُلْفَةٌ فَلَا بِدَعَ.
(وَمَا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الْبِطِّيخِ؛ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِكَيْفِيَّةِ أَكْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَذِبٌ) عَلَيْهِ.
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
تَتِمَّةٌ: ذُكِرَ فِي " عُمْدَةِ الصَّفْوَةِ فِي حِلِّ الْقَهْوَةِ " لِلْجَزَرِيِّ نَقْلًا عَنْ تَارِيخِ الْمَقْرِيزِي الْمُسَمَّى بِ " الْمُقَفَّى «أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عِيسَى بْنِ سِرَاجٍ النَّاسِخَ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الصَّالِحِينَ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُؤْكَلُ الْبِطِّيخُ؟ فَقَطَعَ شَقَّةً وَأَكَلَهَا مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ إلَى نِصْفِهَا، ثُمَّ حَوَّلَهَا إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ وَأَكَلَهَا حَتَّى فَرَغَتْ، وَقَالَ: هَكَذَا يُؤْكَلُ الْبِطِّيخُ» : انْتَهَى.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ رُؤْيَا الْمَنَامِ لَا تَثْبُتُ بِهَا الْأَحْكَامُ، لَكِنَّهُ اسْتِئْنَاسٌ.

[كِتَابُ الذَّكَاةِ]

ِ قَالَ الزَّجَّاجُ: الذَّكَاةُ تَمَامُ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ الذَّكَاةُ فِي السِّنِّ وَهُوَ تَمَامُ السِّنِّ، وَسُمِّيَ الذَّبْحُ ذَكَاةً لِأَنَّهُ إتْمَامُ الزَّهُوقِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] ؛ أَيْ: مَا أَدْرَكْتُمُوهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ، فَأَتْمَمْتُمُوهُ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الذَّبْحِ، سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ جُرْحٍ سَابِقٍ أَوْ ابْتِدَاءً، يُقَالُ ذَكَّى الشَّاةَ وَنَحْوَهَا تَذْكِيَةً؛ أَيْ: ذَبَحَهَا، وَالِاسْمُ الذَّكَاةُ، وَالْمَذْبُوحُ ذَكِيٌّ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.
(وَهُوَ) شَرْعًا (ذَبْحُ أَوْ نَحْرُ حَيَوَانٍ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ مُبَاحٍ أَكْلُهُ فِي الْبَرِّ لَا جَرَادٍ وَنَحْوِهِ) كَجُنْدُبِ وَدَبَا بِوَزْنِ عَصَى الْجَرَادِ يَتَحَرَّك قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ أَجْنِحَتُهُ (بِقَطْعِ حُلْقُومٍ وَمَرِيءٍ) وَيَأْتِي بَيَانُهُمَا (أَوْ عَقْرِ) حَيَوَانٍ (مُمْتَنِعٍ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَمَا لَمْ يُذْكَرْ فَهُوَ مَيْتَةٌ، فَذَبْحُ نَحْوِ كَلْبٍ وَسَبُعٍ لَا يُسَمَّى ذَكَاةً.

(وَيُبَاحُ جَرَادٌ وَسَمَكٌ وَمَا لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْمَاءِ بِدُونِهَا) ؛ أَيْ: الذَّكَاةِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ سَوَاءٌ مَاتَ الْجَرَادُ بِسَبَبٍ كَكَبْسِهِ وَتَفْرِيقِهِ أَوْ لَا، وَلَا بَيْنَ الطَّافِي مِنْ السَّمَكِ وَغَيْرِهِ وَلَا بَيْنَ مَا صَادَهُ مَجُوسِيٌّ مِنْ سَمَكٍ وَجَرَادِ أَوْ صَادَهُ غَيْرُهُ.

وَ (لَا) يُبَاحُ (مَا يَعِيشُ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْمَاءِ (وَفِي بَرٍّ كَكَلْبِ مَاءٍ وَطَيْرِهِ وَسُلَحْفَاةٍ وَسَرَطَانٍ إلَّا بِهَا) ؛ أَيْ: الذَّكَاةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: كَلْبُ الْمَاءِ نَذْبَحُهُ، وَلَا نَرَى بَأْسًا بِالسُّلَحْفَاةِ إذَا ذُبِحَ إلْحَاقًا لِذَلِكَ بِحَيَوَانِ الْبَرِّ؛ كَكَوْنِهِ يَعِيشُ فِيهِ

احْتِيَاطًا.
(وَذَكَاةُ سَرَطَانٍ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا يُمَوِّتُهُ) بِأَنْ يُعْقَرَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَمُلْتَوَى عُنُقِهِ

(وَيَحْرُمُ بَلْعُ سَمَكٍ حَيًّا وَكُرِهَ شَيُّهُ) ؛ أَيْ: السَّمَكِ (حَيًّا) لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لَهُ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَمُوتُ بِسُرْعَةٍ، (لَا) شَيُّ (جَرَادٍ) حَيًّا؛ لِأَنَّهُ لَا دَمَ لَهُ وَلَا يَمُوتُ فِي الْحَالِ، وَفِي " مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ " أَنَّ كَعْبًا كَانَ مُحْرِمًا، فَمَرَّتْ بِهِ رَجْلُ جَرَادٍ فَنَسِيَ وَأَخَذَ جَرَادَتَيْنِ، فَأَلْقَاهُمَا فِي النَّارِ، فَشَوَاهُمَا وَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ، فَلَمْ يُنْكِرْ عُمَرُ تَرْكَهُمَا فِي النَّارِ (وَيَجُوزُ أَكْلُ سَمَكٍ وَجَرَادٍ بِمَا فِيهِمَا) بِأَنْ يُقْلَى أَوْ يُشْوَى بِلَا شَقِّ بَطْنٍ كَدُودِ فَاكِهَةٍ تَبَعًا.

[شُرُوطُ صِحَّةِ الذَّكَاة]

(وَشُرُوطُ) صِحَّةِ (ذَكَاةٍ) ذَبْحًا كَانَتْ أَوْ نَحْرًا أَوْ عَقْرًا لِمُمْتَنِعٍ أَرْبَعَةٌ.
(أَحَدُهَا كَوْنُ فَاعِلٍ) لِذَبْحٍ أَوْ عَقْرٍ أَوْ نَحْرٍ (عَاقِلًا لِيَصِحَّ) مِنْهُ (قَصْدُ التَّذْكِيَةِ) فَلَا يُبَاحُ مَا ذَكَّاهُ مَجْنُونٌ أَوْ طِفْلٌ لَمْ يُمَيِّزْ؛ لِأَنَّهُمَا لَا قَصْدَ لَهُمَا كَمَا لَوْ ضَرَبَ إنْسَانٌ بِسَيْفٍ، فَقَطَعَ عُنُقَ شَاةٍ؛ وَلِأَنَّ الذَّكَاةَ أَمْرٌ يُعْتَبَرُ لَهُ الدِّينُ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْعَقْلُ كَالْغُسْلِ، فَتَصِحُّ ذَكَاةُ عَاقِلٍ (وَلَوْ) كَانَ (مُتَعَدِّيًا بِهِ أَوْ) كَانَ (مُكْرَهًا) عَلَى ذَبْحٍ مِلْكَهُ أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ قَصْدًا صَحِيحًا (أَوْ مُمَيِّزًا) فَتَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ كَالْبَالِغِ، (أَوْ) كَانَ (أُنْثَى) وَلَوْ حَائِضًا، (أَوْ) كَانَ قِنًّا (أَوْ أَقْلَفَ) وَتُكْرَهُ ذَبِيحَتُهُ، وَتُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ، (أَوْ) كَانَ (جُنُبًا) لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أُرْسِلَ إلَيْهِ فَأَمَرَ مَنْ يَسْأَلُهُ وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ ذَلِكَ أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.
فَفِيهِ إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ وَالْأَمَةِ وَالْحَائِضِ وَالْجُنُبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَفْصِلْ عَنْهَا.
وَفِيهِ أَيْضًا إبَاحَةُ الذَّبْحِ بِالْحَجِرِ عِنْدَ خَوْفِهِ عَلَيْهِ الْمَوْتَ، وَكَذَا حِلُّ ذَكَاةِ الْأَقْلَفِ وَالْفَاسِقِ (أَوْ) كَانَ (كِتَابِيًّا وَلَوْ حَرْبِيًّا)

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ وَمَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، (أَوْ) كَانَ الْكِتَابِيُّ (مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِب) لِعُمُومِ الْآيَةِ.
وَ (لَا) تَحِلُّ (مِنْ أَحَدِ أَبَوَيْهِ غَيْرِ كِتَابِيٍّ) تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ، (وَلَا) ذَبِيحَةُ (وَثَنِيٍّ وَ) لَا (مَجُوسِيٍّ وَلَا زِنْدِيقٍ وَلَا مُرْتَدٍّ) لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: 5] وَإِنَّمَا (أُخِذَتْ) مِنْ الْمَجُوسِ الْجِزْيَةُ؛ لِأَنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ كِتَابٍ تَقْضِي تَحْرِيمَ دِمَائِهِمْ، فَكَمَا غَلَبَ التَّحْرِيمُ فِيهَا غَلَبَ عَدَمُ الْكِتَابِ فِي تَحْرِيمِ ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ احْتِيَاطًا لِلتَّحْرِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

(وَ) لَا تَحِلُّ ذَبِيحَةُ (سَكْرَانَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُ (وَ) لَا تَحِلُّ ذَبِيحَةُ (دُرْزِيٍّ وَإِسْمَاعِيلِيٍّ) لِمَفْهُومِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ (فَلَوْ احْتَكَّ) حَيَوَانٌ (مَأْكُولٌ بِمُحَدَّدٍ بِيَدِهِ) ؛ أَيْ: السَّكْرَانِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، أَوْ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّذْكِيَةَ فَانْقَطَعَ بِاحْتِكَاكِهِ حُلْقُومُهُ وَمَرِيئُهُ (لَمْ يَحِلَّ) لِعَدَمِ قَصْدِ التَّذْكِيَةِ.
(وَلَا يُعْتَبَرُ) فِي التَّذْكِيَةِ (قَصْدُ الْأَكْلِ) اكْتِفَاءً بِنِيَّةِ التَّذْكِيَةِ؛ لِتَضَمُّنِهَا إيَّاهَا.

الشَّرْطُ (الثَّانِي الْآلَةُ) بِأَنْ يَذْبَحَ أَوْ يَنْحَرَ بِمُحَدَّدٍ يَقْطَعُ؛ أَيْ: يَنْهَرُ الدَّمَ بِحَدِّهِ (فَتَحِلُّ) الذَّكَاةُ (بِكُلِّ مُحَدَّدٍ حَتَّى حَجَرٍ وَقَصَبٍ وَفِضَةٍ [وَعَظْمٍ غَيْرِ] سِنٍّ وَظُفُرٍ) نَصًّا؛ لِحَدِيثِ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ رَافِعٍ (وَلَوْ) كَانَ الْمَحْدُودُ (مَغْصُوبًا) لِعُمُومِ الْخَبَرِ.

الشَّرْطُ (الثَّالِثُ قَطْعُ حُلْقُومٍ) ؛ أَيْ: مَجْرَى النَّفَسِ (وَمَرِيئِهِ) بِالْمَدِّ، (وَهُوَ الْبُلْعُومُ) مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَطْعُ فَوْقَ الْغَلْصَمَةِ، وَهِيَ الْمَوْضِعُ النَّاتِئُ مِنْ الْحَلْقِ أَوْ دُونَهَا وَ (لَا) يُعْتَبَرُ قَطْعُ (شَيْءٍ غَيْرِهِمَا كَالْوَدَجَيْنِ وَالْأَوْلَى قَطْعُهُمَا) ؛ أَيْ: الْوَدَجَيْنِ احْتِيَاطًا.
قَالَ عُمَرُ النَّحْرُ فِي اللَّبَّةِ وَالْحَلْقِ لِمَنْ قَدَرَ.
احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
وَرَوَى سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مِنًى أَلَا إنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
(وَلَا) يُشْتَرَطُ (إبَانَتُهُمَا) ؛ أَيْ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ (وَلَا يَضُرُّ رَفْعُ يَدِهِ) ؛ أَيْ الذَّابِحِ (إنْ أَتَمَّ الذَّكَاةَ مِنْ الْفَوْرِ) كَمَا لَوْ لَمْ يَرْفَعْهَا؛ فَإِنْ تَرَاخَى وَوَصَلَ الْحَيَوَانُ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ وَأَتَمَّهَا؛ لَمْ يَحِلَّ.

(وَمَحَلُّ الذَّكَاةِ الْحَلْقُ وَاللَّبَّةُ وَهِيَ الْوَهْدَةُ الَّتِي بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ) لِمَا تَقَدَّمَ، فَيَذْبَحُ، فِي الْحَلْقِ، وَيَنْحَرُ فِي اللَّبَّةِ، وَاخْتَصَّ الذَّبْحُ بِالْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْعُرُوقِ، فَيُخْرِجُ الذَّبْحُ فِيهِ الدِّمَاءَ السَّيَّالَةَ، وَيُسْرِعُ زَهُوقَ الرُّوحِ؛ فَيَكُونُ أَطْيَبَ لِلَّحْمِ، وَأَخَفَّ عَلَى الْحَيَوَانِ (وَسُنَّ نَحْرُ إبِلٍ بِطَعْنٍ بِمُحَدَّدٍ فِي لَبَّتِهَا) وَتَقَدَّمَتْ (وَ) السُّنَّةُ (ذَبْحُ غَيْرِهَا) ؛ أَيْ: الْإِبِلِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] قَالَ: " ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67] وَثَبَتَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَبَحَ بَدَنَةً، وَضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَمَنْ عَكَسَ) ؛ أَيْ: ذَبَحَ الْإِبِلَ وَنَحَرَ غَيْرَهَا (أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ؛ لِحَدِيثِ: «أَنْهِرْ الدَّمَ بِمَا شِئْت» وَقَالَتْ أَسْمَاءُ: «نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَكَلْنَاهُ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ» . وَعَنْ عَائِشَةَ «نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً وَاحِدَةً» .

(وَذَكَاةُ مَا عَجَزَ عَنْهُ كَوَاقِعٍ فِي بِئْرٍ وَمُتَوَحِّشٍ يَجْرَحُهُ حَيْثُ كَانَ) ؛ أَيْ: فِي أَيِّ مَوْضِعٍ أَمْكَنَ جَرْحُهُ فِيهِ مِنْ بَدَنِهِ.
رَوَى عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ؛ لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ.
قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَدَّ بَعِيرٌ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، فَأَهْوَى إلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ كَذَا.» وَفِي لَفْظٍ: «فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَاعْتِبَارًا لِلْحَيَوَانِ بِحَالِ الذَّكَاةِ لَا بِأَصْلِهِ بِدَلِيلِ الْوَحْشِيِّ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَالْمُتَرَدِّي إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَذْكِيَتِهِ يُشْبِهُ الْوَحْشِيَّ فِي الْعَجْزِ عَنْ تَذْكِيَتِهِ (فَإِنْ أَعَانَهُ) ؛ أَيْ: الْجُرْحَ عَلَى قَتْلِهِ (غَيْرُهُ كَكَوْنِ رَأْسِهِ) ؛ أَيْ: الْوَاقِعِ فِي نَحْوِ بِئْرٍ (بِمَاءٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يُقْتَلُ لَوْ انْفَرَدَ (لَمْ يَحِلَّ) لِحُصُولِ قَتْلِهِ بِمُبِيحٍ وَحَاظِرٍ، فَغَلَبَ الْحَظْرُ كَمَا لَوْ اشْتَرَكَ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ فِي ذَبْحِهِ.

(وَمَا ذُبِحَ مِنْ قَفَاهُ وَلَوْ عَمْدًا إنْ [أَتَتْ الْآلَةُ] ) الَّتِي ذَبَحَ بِهَا مِنْ نَحْوِ سِكِّينٍ (عَلَى مَحَلِّ ذَبْحِهِ) ؛ أَيْ: الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ (وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ) لِبَقَاءِ الْحَيَاةِ مَعَ الْجُرْحِ فِي الْقَفَا وَإِنْ كَانَ غَائِرًا مَا لَمْ يُقْطَعْ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ وَكَأَكِيلَةِ السَّبُعِ إذَا أُدْرِكَتْ وَفِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَذُبِحَتْ؛ حَلَّتْ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعِيشُ مَعَ ذَلِكَ غَالِبًا (وَإِلَّا) تَأْتِ الْآلَةُ عَلَى مَحَلِّ الذَّبْحِ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ (فَلَا) ، وَتُعْتَبَرُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ بِالْحَرَكَةِ الْقَوِيَّةِ، فَإِنْ شَكَّ هَلْ فِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قَبْلَ قَطْعِ حُلْقُومٍ وَمَرِيءٍ؛ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ بَقَاءَ ذَلِكَ لِحِدَةِ الْآلَةِ وَسُرْعَةِ الْقَطْعِ؛ حَلَّ، وَإِنْ كَانَتْ الْآلَةُ كَالَّةً، وَأَبْطَأَ فِعْلُهُ، وَطَالَ تَعْذِيبُهُ؛ لَمْ يُبَحْ (وَلَوْ أَبَانَ رَأْسَهُ) ؛ أَيْ: الْمَأْكُولِ مُرِيدًا بِذَلِكَ تَذْكِيَتَهُ (حَلَّ مُطْلَقًا) ؛ أَيْ؛ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِهَةِ وَجْهِهِ أَوْ قَفَاهُ أَوْ غَيْرِهِمَا؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ فِيمَنْ ضَرَبَ وَجْهَ ثَوْرٍ بِالسَّيْفِ: تِلْكَ ذَكَاةٌ.
وَأَفْتَى بِأَكْلِهَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا، وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ قَطْعُ مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ مَعَ الذَّبْحِ.
(وَ) حَيَوَانٌ (مُلْتَوٍ عُنُقُهُ كَمَعْجُوزٍ عَنْهُ) لِلْعَجْزِ عَنْ الذَّبْحِ فِي مَحَلِّهِ كَالْمُتَرَدِّيَةِ فِي بِئْرٍ (وَمَا أَصَابَهُ سَبَبُ مَوْتٍ) مِنْ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ (مِنْ مُنْخَنِقَةٍ) الَّتِي تَخْنُقُ حَلْقَهَا (وَمَوْقُوذَةٍ) ؛ أَيْ: مَضْرُوبَةٍ حَتَّى تُشْرِفَ عَلَى الْمَوْتِ (وَمُتَرَدِّيَةٍ)

أَيْ: وَاقِعَةٍ مِنْ عُلُوٍّ كَجَبَلٍ وَحَائِطٍ وَسَاقِطَةٍ فِي نَحْوِ بِئْرٍ (وَنَطِيحَةٍ) ؛ بِأَنْ نَطَحَتْهَا نَحْوُ بَقَرَةٍ (وَأَكِيلَةِ سَبُعٍ) أَيْ: حَيَوَانٍ مُفْتَرِسٍ؛ بِأَنْ أَكَلَ بَعْضَهَا نَحْوُ ذِئْبٍ أَوْ نَمِرٍ (وَمَرِيضَةٍ وَمَا صِيدَ بِشَبَكَةٍ أَوْ شَرَكٍ أَوْ أُحْبُولَةٍ أَوْ فَخٍّ) فَأَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَصِلْ إلَى حَدٍّ لَا يَعِيشُ مَعَهُ.
(أَوْ أَنْقَذَهُ) ؛ أَيْ: الْحَيَوَانَ (مِنْ مَهْلَكَةٍ) وَلَمْ يَصِلْ إلَى مَا لَمْ تَبْقَ الْحَيَاةُ مَعَهُ (فَذَكَّاهُ وَحَيَاتُهُ تُمْكِنُ زِيَادَتُهَا عَلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ؛ وَلَوْ انْتَهَى إلَى حَالٍ لَا يَعِيشُ مَعَهُ؛ حَلَّ أَكْلُهُ وَلَوْ مَعَ عَدَمِ تَحَرُّكِهِ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ طَرْفِ عَيْنٍ أَوْ مَصْعِ ذَنَبٍ) ؛ أَيْ: تَحَرُّكِهِ وَضَرْبِ الْأَرْضِ بِهِ (وَالِاحْتِيَاطُ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: أَنْ لَا يُؤْكَلَ مَا ذُبِحَ مِمَّا ذُكِرَ إلَّا مَعَ تَحَرُّكٍ وَلَوْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ طَرْفِ عَيْنٍ أَوْ مَصْعِ ذَنَبٍ وَتَحْرِيكِ أُذُنٍ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ صَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " وَغَيْرِهِ.

(وَسُئِلَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ شَاةٍ مَرِيضَةٍ ذُبِحَتْ، فَلَمْ يُعْلَمْ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهَا طَرَفَتْ بِعَيْنِهَا أَوْ تَحَرَّكَتْ يَدُهَا أَوْ رِجْلُهَا أَوْ ذَنَبُهَا بِضَعْفٍ، فَنَهَرَ الدَّمُ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ وَمَا وُجِدَ مِنْهُ مَا يُقَارِبُ الْحَرَكَةَ الْمَعْهُودَةَ فِي الذَّبْحِ الْمُعْتَادِ بَعْدَ ذَبْحِهِ دَلَّ عَلَى إمْكَانِ الزِّيَادَةِ قَبْلَهُ؛ فَيَحِلُّ نَصًّا، وَمَا لَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَّا حَرَكَةُ الْمَذْبُوحِ لَمْ يَحِلَّ بِالذَّبْحِ (وَمَا قُطِعَ حُلْقُومُهُ أَوْ أُبِينَتْ حَشْوَتُهُ وَنَحْوُهُ) مِمَّا لَا تَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ (فَوُجُودُ حَيَاتِهِ كَعَدَمِهَا) فَلَا يَحِلُّ بِذَكَاةٍ.

الشَّرْطُ (الرَّابِعُ قَوْلُ بِسْمِ اللَّهِ عِنْدَ حَرَكَةِ يَدِهِ) ؛ أَيْ: الذَّابِحِ (لَا يَقُومُ مَقَامَهَا غَيْرُهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121] وَالْفِسْقُ الْحَرَامُ (وَلَا يَضُرُّ فَصْلُهُ) ؛ أَيْ الذَّبْحِ (بِنَحْوِ أَكْلِ) لُقْمَةٍ (وَشُرْبِ) مَاءٍ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَإِنْ أَضْجَعَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا، وَسَمَّى، ثُمَّ أَلْقَى السِّكِّينَ وَأَخَذَ أُخْرَى، أَوْ رَدَّ سَلَامًا، أَوْ كَلَّمَ إنْسَانًا أَوْ اسْتَسْقَى مَاءً وَذَبَحَ؛ حَلَّ لِأَنَّهُ سَمَّى

عَلَى تِلْكَ الشَّاةِ بِعَيْنِهَا وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا إلَّا بِفَصْلٍ يَسِيرٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ.
انْتَهَى.
وَإِنَّمَا اخْتَصَّ بِلَفْظِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ التَّسْمِيَةِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ (وَتُجْزِئُ) التَّسْمِيَةُ بِغَيْرِ عَرَبِيَّةٍ (وَلَوْ أَحْسَنَهَا) ؛ أَيْ: الْعَرَبِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيَاسُهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ، بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ وَالسَّلَامِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ لَفْظُهُ (وَ) يُجْزِئُ (أَنْ يُشِيرَ أَخْرَسُ) بِالتَّسْمِيَةِ بِرَأْسِهِ أَوْ طَرْفِهِ إلَى السَّمَاءِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ النُّطْقِ (وَسُنَّ مَعَ تَسْمِيَةٍ تَكْبِيرٌ) لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كَانَ إذَا ذَبَحَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُ أَكْبَرُ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولهُ وَلَا خِلَافَ أَنَّ قَوْلَ بِسْمِ اللَّهِ يُجْزِئُهُ.
وَ (لَا) يُسَنُّ (صَلَاةٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) عِنْدَ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَرِدْ وَلَا تَلِيقُ بِالْمَقَامِ كَزِيَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

(وَمَنْ بَدَا لَهُ ذَبْحٌ غَيْرُ مَا سُمِّيَ عَلَيْهِ) بِأَنْ سَمَّى عَلَى شَاةٍ مَثَلًا، ثُمَّ أَرَادَ ذَبْحَ غَيْرِهَا (أَعَادَ التَّسْمِيَةَ وُجُوبًا) فَإِنْ ذَبَحَ الثَّانِيَةَ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا، لَمْ تَحِلَّ سَوَاءٌ أَرْسَلَ الْأُولَى أَوْ ذَبَحَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الثَّانِيَةَ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ.

(وَتَسْقُطُ) التَّسْمِيَةُ (بِسَهْوٍ لَا جَهْلٍ) فَلَوْ ذَكَرَ التَّسْمِيَةَ فِي الثَّانِيَةِ أَتَى بِهَا وُجُوبًا؛ لِحَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا: «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ» أَخْرَجَهُ سَعِيدٌ.
وَلِحَدِيثِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعَمْدِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ (وَيَضْمَنُ أَجِيرٌ تَرْكَهَا) ؛ أَيْ: التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ (إنْ حُرِّمَتْ) بِأَنْ تَرَكَهَا عَمْدًا قَالَ فِي " النَّوَادِرِ " لِغَيْرِ شَافِعِيٍّ لِحِلِّهَا لَهُ.
وَفِي " الْفُرُوعِ " يَتَوَجَّهُ تَضْمِينُهُ النَّقْصَ إنْ حَلَّتْ عَلَيْهِ.

(وَمَنْ ذَكَرَ) عِنْدَ الذَّبْحِ (مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى اسْمَ غَيْرِهِ؛ حُرِّمَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ شِرْكٌ (وَلَمْ يَحِلَّ) الْمَذْبُوحُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ

(وَإِنْ جَهِلَ تَسْمِيَةً ذَابِحٌ) بِأَنْ لَمْ يُعْلَمْ أَسَمَّى الذَّابِحُ (أَمْ) لَا وَلَمْ يُعْلَمْ (هَلْ ذَكَرَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ غَيْرَهُ أَمْ لَا فَحَلَالٌ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَوْمًا حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ يَأْتُونَنَا بِلَحْمٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا، قَالَ سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

[فَصْلٌ فِي ذَكَاةُ الْجَنِينِ]

فَصْلٌ (وَذَكَاةُ جَنِينٍ مُبَاحٍ) احْتِرَازًا عَنْ الْمُحَرَّمِ كَجَنِينِ فَرَسٍ مِنْ حِمَارٍ أَهْلِيٍّ وَجَنِينِ ضَبُعٍ مِنْ ذِئْبٍ (خَرَجَ) مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ الْمُذَكَّاةِ (مَيِّتًا أَوْ مُتَحَرِّكًا كَ) حَرَكَةِ (مَذْبُوحٍ أَشْعَرَ) ؛ أَيْ: أَنْبَتَ شَعْرُ الْجَنِينِ (أَوْ لَا بِتَذْكِيَةِ أُمِّهِ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَلِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ وَابْنِ مَاجَهْ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّ الْجَنِينَ مُتَّصِلٌ بِأُمِّهِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ يَتَغَذَّى بِغِذَائِهَا، فَتَكُونُ ذَكَاتُهُ بِذَكَاتِهَا كَأَعْضَائِهَا، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ذَكَاةُ أُمِّهِ» فِيهِ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ فَمَنْ رَفَعَ جَعَلَهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هِيَ ذَكَاةُ أُمِّهِ، فَلَا يَحْتَاجُ الْجَنِينُ إلَى تَذْكِيَةٍ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.
وَمَنْ نَصَبَ قَدَّرَهُ كَذَكَاةِ أُمِّهِ، فَلَمَّا حُذِفَ الْجَارُّ نُصِبَ، فَعَلَيْهِ يَفْتَقِرُ الْجَنِينُ إلَى ذَكَاةٍ، لَكِنْ قَدَّرَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ النَّصْبِ: ذَكَاةُ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِرِوَايَةِ الرَّفْعِ الْمَشْهُورَةِ.
(وَاسْتَحَبَّ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (ذَبْحَهُ) لِيَخْرُجَ دَمُهُ (وَلَمْ يُبَحْ) جَنِينٌ خَرَجَ (مَعَ حَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ إلَّا بِذَبْحِهِ) نَصًّا، لِأَنَّهُ نَفْسٌ أُخْرَى، وَهُوَ مُسْتَقِلٌّ بِحَيَاتِهِ (وَلَا يُؤَثِّرُ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ كَسَبُعٍ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ) الْمُبَاحَةِ، وَهِيَ الضَّبُعُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ، فَلَا يَمْنَعُ حِلَّ مَتْبُوعِهِ.

(وَمِنْ وَجَأَ بَطْنَ أُمِّ جَنِينٍ) بِمُحَدِّدٍ (مُسَمِّيًا، فَأَصَابَ مَذْبَحَهُ) ، أَيْ: الْجَنِينِ (فَهُوَ مُذَكًّى) لِوُجُودِ الذَّكَاةِ

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل