بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَوْ تَجَدَّدَ حَقُّهَا بِعَوْدٍ فِي هِبَةٍ أَوْ رُجُوعٍ عَنْ نُشُوزٍ (وَفَّاهَا أَيْ الْجَدِيدَةَ حَقَّ عَقْدٍ، ثُمَّ وَفَّى لَيْلَةً لِلْمَظْلُومَةِ) الَّتِي دَخَلَ بِضَرَّتِهَا فِي نَوْبَتِهَا (ثُمَّ وَفَّى نِصْفَ لَيْلَةٍ لِلثَّالِثَةِ) وَهِيَ الْجَدِيدَةُ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي وَفَّاهَا لِلْمَظْلُومَةِ نِصْفُهَا مِنْ حَقِّهَا، وَنِصْفُهَا مِنْ الْجَدِيدَةِ فَيَثْبُتُ لِلْجَدِيدَةِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ نِصْفُ لَيْلَةٍ بِإِزَاءِ مَا خَصَّ ضَرَّتَهَا (ثُمَّ يَبْتَدِئُ) الْقَسْمَ مُتَسَاوِيًا قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ (وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ لَا يَبِيتُ نِصْفَهَا، بَلْ لَيْلَةً كَامِلَةً؛ لِأَنَّهُ حَرِجٌ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَجِدُ مَكَانًا يَنْفَرِدُ فِيهِ أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ إلَيْهِ فِي نِصْفِ اللَّيْلَةِ أَوْ الْمَجِيءِ مِنْهُ، وَمَتَى تَرَكَ قَسْمَ بَعْضِ نِسَائِهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ قَضَاهُ لَهَا.
[فَصْلٌ النُّشُوزُ]
ُ) مِنْ النَّشَزِ، وَ (هُوَ) مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ، فَكَأَنَّمَا ارْتَفَعَتْ وَتَعَالَتْ عَمَّا فُرِضَ عَلَيْهَا مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَيُقَالُ: نَشَزَتْ - بِالشِّينِ وَالزَّاي - وَنَشَصَتْ بِالشِّينِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَنَشَزَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا جَفَاهَا وَأَضَرَّ بِهَا.
قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " وَغَيْرِهِ وَعُرْفًا (مَعْصِيَتُهَا إيَّاهُ، فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا) طَاعَتُهُ فِيهِ (وَإِذَا ظَهَرَ مِنْهَا أَمَارَتُهُ) أَيْ: النُّشُوزِ (بِأَنْ مَنَعَتْهُ) أَيْ: الزَّوْجَ (الِاسْتِمْتَاعَ) بِهَا (أَوْ أَجَابَتْهُ مُتَبَرِّمَةً مُتَكَرِّهَةً) كَأَنْ تَتَثَاقَلَ إذَا دَعَاهَا، وَلَا تُجِيبَهُ إلَّا بِكُرْهٍ (أَوْ خَرَجَتْ بِلَا إذْنِهِ) وَلَوْ لِزِيَارَةِ أَبَوَيْهَا (وَنَحْوَهُ) كَاخْتِلَالِ أَدَبِهَا فِي حَقِّهِ (وَعَظَهَا) أَيْ: خَوَّفَهَا اللَّهَ تَعَالَى، وَذَكَرَ لَهَا مَا وَجَبَ عَلَيْهَا مِنْ الْحَقِّ، وَمَا يَلْحَقُهَا مِنْ الْإِثْمِ بِالْمُخَالَفَةِ، وَمَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، وَمَا يُبَاحُ لَهُ مِنْ هَجْرِهَا وَضَرْبِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] .
(فَإِنْ
رَجَعَتْ) إلَى الطَّاعَةِ وَالْأَدَبِ (حَرُمَ) عَلَيْهِ (هَجْرُ) هَا (وَضَرْبُهَا) لِزَوَالِ مُبِيحِهِ (وَإِلَّا) تَرْجِعْ عَمَّا ارْتَكَبَتْهُ مِنْ التَّمَادِي وَالْعِصْيَانِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ إجَابَتِهِ إلَى الْفِرَاشِ وَالْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ مَا شَاءَ) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: 34] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُضَاجِعْهَا فِي فِرَاشِكَ.
وَقَدْ «هَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُ فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) هَجَرَهَا (فِي الْكَلَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا فَوْقَهَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» .
وَالْهَجْرُ ضِدَّ الْوَصْلِ، وَالتَّهَاجُرُ التَّقَاطُعُ (فَإِنْ أَصَرَّتْ) وَلَمْ تَرْتَدِعْ (ضَرَبَهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] .
فَيَكُونُ الضَّرْبُ بَعْدَ الْهَجْرِ فِي الْفِرَاشِ وَتَرْكِهَا مِنْ الْكَلَامِ (غَيْرَ شَدِيدٍ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ يَرْفَعُهُ: «لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُضَاجِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ» .
(عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ لَا فَوْقَهَا) يُفَرِّقُهَا فِي بَدَنِهَا؛ لِحَدِيثِ: «لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمْ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيَتَّقِي الْوَجْهَ) تَكْرِمَةً لَهُ (وَالْمَوَاضِعَ الْمَخُوفَةَ) خَوْفَ الْقَتْلِ، وَالْمَوَاضِعَ الْمُسْتَحْسَنَةَ لِئَلَّا يُشَوِّهَهَا (فَإِنْ تَلِفَتْ) مِنْ ذَلِكَ (فَلَا ضَمَانَ) لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا (وَيُمْنَعُ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ (مَنْ) أَيْ: زَوْجٌ (عُلِمَ بِمَنْعِهِ حَقَّهَا حَتَّى يُوفِيَهُ) وَيُحْسِنَ عَشْرَتَهَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ ظَالِمًا بِطَلَبِهِ حَقَّهُ مَعَ مَنْعِهِ حَقَّهَا، وَيَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ لَا تُغْضِبَ زَوْجَهَا؛ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ بِسَنَدِهِ عَنْ الْحُصَيْنِ بْنِ الْمِحْصَنِ بِأَنَّ عَمَّةً لَهُ أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ «أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ فَقَالَ: اُنْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ» قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " إسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
وَيَنْبَغِي لِلزَّوْجِ مُدَارَاتُهَا، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: حُسْنُ الْخُلُقِ أَنْ لَا تَغْضَبَ وَلَا تَحْتَدَّ، وَحَدَّثَ رَجُلٌ
لِأَحْمَدَ مَا قِيلَ الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي التَّغَافُلِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: الْعَافِيَةُ كُلُّهَا عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ كُلُّهَا فِي التَّغَافُلِ.
(وَلَا يُسْأَلُ لِمَ ضَرَبَهَا، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسْأَلَهُ وَلَا أَبُوهَا) لِمَ ضَرَبَهَا لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ الْأَشْعَثِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «يَا أَشْعَثُ احْفَظْ عَنِّي شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَسْأَلَنَّ رَجُلًا فِيمَ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ» . وَلِأَنَّ فِيهِ إبْقَاءً لِلْمَوَدَّةِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَضْرِبُهَا؛ لِأَجْلِ الْفِرَاشِ؛ فَإِنْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ اسْتَحْيَا، وَإِنْ أَخْبَرَ بِغَيْرِهِ كَذَبَ (وَلَهُ تَأْدِيبُهَا عَلَى تَرْكِ الْفَرَائِضِ) كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَاجِبَيْنِ نَصًّا، قَالَ عَلِيٌّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6] قَالَ: عَلِّمُوهُمْ وَأَدِّبُوهُمْ، وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا يُعَلِّقُ فِي بَيْتِهِ سَوْطًا يُؤَدِّبُ أَهْلَهُ» . قَالَ أَحْمَدُ: أَخْشَى أَنْ لَا يَحِلَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقِيمَ مَعَ امْرَأَةٍ لَا تُصَلِّي وَلَا تَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَلَا تَتَعَلَّمُ مِنْ الْقُرْآنِ (لَا) أَيْ: لَيْسَ لِلزَّوْجِ (تَعْزِيرُهَا فِي حَادِثٍ مُتَعَلِّقٍ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَإِتْيَانِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ) لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْحَاكِمِ (فَإِنْ ادَّعَى كُلٌّ) مِنْ الزَّوْجَيْنِ (ظُلْمَ صَاحِبِهِ أَسْكَنَهُمَا حَاكِمٌ قُرْبَ ثِقَةٍ يُشْرِفُ عَلَيْهِمَا وَيَكْشِفُ حَالَهُمَا) كَمَا يَكْشِفُ عَنْ (عَدَالَةٍ، وَإِفْلَاسٍ مِنْ خِبْرَةٍ بَاطِنَةٍ) لِيَعْلَمَ الظَّالِمَ مِنْهُمَا (وَيُلْزِمَهُمَا) أَيْ: الثِّقَةُ (الْحَقَّ) لِأَنَّهُ طَرِيقُ الْإِنْصَافِ، وَيَكُونُ الْإِسْكَانُ قَبْلَ بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مِنْهُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) إسْكَانُهُمَا قُرْبَ ثِقَةٍ يُشْرِفُ عَلَيْهِمَا أَوْ تَعَذَّرَ إلْزَامُهُمَا الْحَقَّ (وَتَشَاقَّا) أَيْ: خَرَجَا إلَى الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ، وَبَلَغَا إلَى الْمُشَاتَمَةِ (بَعَثَ) الْحَاكِمُ (حَكَمَيْنِ ذَكَرَيْنِ حُرَّيْنِ مُكَلَّفَيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ يَعْرِفَانِ حُكْمَ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ) لِأَنَّهُمَا يَتَصَرَّفَانِ فِي ذَلِكَ؛ فَاعْتُبِرَ فِيهِمَا هَذِهِ الشُّرُوطُ مَعَ أَنَّهُمَا وَكِيلَانِ؛ لِتَعَلُّقِهِمَا بِنَظَرِ الْحَاكِمِ، فَكَأَنَّهُمَا نَائِبَانِ عَنْهُ (وَالْأَوْلَى) أَنْ يَكُونَ الْحَكَمَانِ (مِنْ أَهْلِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ يُفْضِي إلَى قَرَابَتِهِ
وَأَهْلِهِ بِلَا احْتِشَامٍ، فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْإِصْلَاحِ، فَيَخْلُو كُلٌّ بِصَاحِبِهِ وَيَسْتَعْمِلُ رَأْيَهُ فِي الْفِرَاقِ وَالْوَصْلَةِ، وَمَا يَكْرَهُ مِنْ صَاحِبِهِ (يُوَكِّلَانِهِمَا) بِرِضَاهُمَا، وَ (لَا) يَبْعَثُهُمَا الْحَاكِمُ (جَبْرًا) عَلَى الزَّوْجَيْنِ (فِي فِعْلِ الْأَصْلَحِ مِنْ جَمْعٍ أَوْ تَفْرِيقٍ بِعِوَضٍ أَوْ دُونَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35] الْآيَةَ (وَيَنْبَغِي لَهُمَا) أَيْ لِلْحَكَمَيْنِ (أَنْ يَنْوِيَا الْإِصْلَاحَ) لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35] (وَأَنْ يُلَطِّفَا الْقَوْلَ، وَأَنْ يُنْصِفَا، وَيُرَغِّبَا، وَيُخَوِّفَا، وَلَا يُخَصُّ بِذَلِكَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ) لِيَكُونَ (أَقْرَبَ لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا) وَهُمَا وَكِيلَانِ عَنْ الزَّوْجَيْنِ فِي ذَلِكَ (لَا يُرْسَلَانِ إلَّا بِرِضَاهُمَا وَتَوْكِيلِهِمَا) لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمَا، فَلَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِمَا التَّصَرُّفُ إلَّا بِالْوَكَالَةِ، فَلَا يَمْلِكَانِ تَفْرِيقًا إلَّا بِإِذْنِهِمَا (فَيَأْذَنُ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ إصْلَاحٍ، وَتَأْذَنُ هِيَ) أَيْ: الْمَرْأَةُ (لِوَكِيلِهَا فِي الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَلَى مَا يَرَاهُ، وَإِنْ امْتَنَعَا مِنْ التَّوْكِيلِ لَمْ يُجْبَرَا عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا يَزَالُ الْحَاكِمُ يَبْحَثُ) وَيَسْتَبْحِثُ (حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ مَنْ الظَّالِمُ، فَيَرْدَعُهُ) وَيَسْتَوْفِي مِنْهُ الْحَقَّ إقَامَةً لِلْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ (وَلَا يَصِحُّ إبْرَاءُ غَيْرِ وَكِيلِهَا) أَيْ: الْمَرْأَةِ (فِي خُلْعٍ فَقَطْ) فَتَصِحُّ بَرَاءَتُهُ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِعِوَضٍ، فَتَوْكِيلُهَا فِيهِ إذْنٌ فِي الْمُعَاوَضَةِ، وَمِنْهَا الْإِبْرَاءُ، بِخِلَافِ وَكِيلِ الزَّوْجِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْإِبْرَاءُ مُطْلَقًا (وَإِنْ شَرَطَا) أَيْ: الْحَكَمَانِ (مَا) أَيْ: شَرْطًا (لَا يُنَافِي نِكَاحًا) كَإِسْكَانِهِمَا بِمَحِلِّ كَذَا، وَأَنْ لَا يَتَزَوَّجَ أَوْ يَتَسَرَّى عَلَيْهِ وَنَحْوَهُ؛ (لَزِمَ) الشَّرْطُ، وَلَعَلَّهُمْ نَزَّلُوا هَذِهِ الْحَالَةَ مَنْزِلَةَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لِحَاجَةِ الْإِصْلَاحِ، وَإِلَّا فَمَحِلُّ الْمُعْتَبَرِ مِنْ الشُّرُوطِ صُلْبُ الْعَقْدِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِلَّا) بِأَنْ شَرَطَا مَا يُنَافِي نِكَاحًا (فَلَا) يَلْزَمُ ذَلِكَ (كَتَرْكِ قَسْمٍ أَوْ) تَرْكِ (نَفَقَةٍ) أَوْ وَطْءٍ أَوْ سَفَرٍ إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَنَحْوَهُ.
(وَإِنْ رَضِيَ) مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِشَرْطِ مَا يُنَافِي نِكَاحًا (الْعَوْدُ) أَيْ: الرُّجُوعُ عَنْ الرِّضَا بِهِ لِعَدَمِ لُزُومِهِ (وَلَا يَنْقَطِعْ نَظَرُهُمَا) أَيْ الْحَكَمَيْنِ (بِغَيْبَةِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ) غَيْبَةِ (أَحَدِهِمَا) لِأَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَنْقَطِعُ بِغَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ (وَيَنْقَطِعُ) نَظَرُهُمَا (بِجُنُونِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ (أَوْ) جُنُونِ (أَحَدِهِمَا وَنَحْوِهِ) أَيْ: الْجُنُونِ (مِمَّا يُبْطِلُ الْوَكَالَةَ كَحَجْرٍ لِسَفَهٍ) كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْوَكَالَةِ.
[كِتَابُ الْخُلْعِ]
ِ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، يُقَالُ: خَلَعَ امْرَأَتَهُ خُلْعًا، وَخَالَعَهَا مُخَالَعَةً، وَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ هِيَ فَهِيَ خَالِعٌ، وَأَصْلُهُ مِنْ خَلَعَ الثَّوْبَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَنْخَلِعُ مِنْ لِبَاسِ زَوْجِهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187] .
(وَهُوَ فِرَاقُ) الزَّوْجِ (الزَّوْجَةَ بِعِوَضٍ) يَأْخُذُهُ الزَّوْجُ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا (بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ) وَفَائِدَتُهُ: تَخْلِيصُهَا مِنْ الزَّوْجِ: عَلَى وَجْهٍ لَا رَجْعَةَ عَلَيْهَا إلَّا بِرِضَاهَا.
(وَيُبَاحُ) الْخُلْعُ (لِسُوءِ عِشْرَةٍ) بَيْنَ زَوْجَيْنِ بِأَنْ صَارَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَارِهًا لِلْآخَرِ لَا يُحْسِنُ صُحْبَتَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] .
(وَ) يُبَاحُ الْخُلْعُ (لِمُبْغِضَةٍ) زَوْجَهَا (لِخُلُقِهِ أَوْ خَلْقِهِ) أَيْ: صُورَتِهِ الظَّاهِرَةِ أَوْ الْبَاطِنَةِ (وَتَخْشَى أَنْ لَا تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ) ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «جَاءَتْ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ بْنِ شَمَّاسٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ مِنْ خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنْ أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
فَأَمْرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِذَلِكَ دَلِيلُ إبَاحَتِهِ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ.
(وَتُسَنُّ) لَهُ (إجَابَتُهَا) إنْ سَأَلَتْهُ الْخُلْعَ عَلَى عِوَضٍ (حَيْثُ أُبِيحَ) الْخُلْعُ، لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ قَيْسٍ بِقَوْلِهِ: اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً (إلَّا مَعَ مَحَبَّتِهِ لَهَا فَيُسَنُّ صَبْرُهَا) عَلَيْهِ (وَعَدَمُ افْتِدَائِهَا) مِنْهُ دَفْعًا لِضَرَرِهِ، وَلَا تَفْتَقِرُ صِحَّةُ الْخُلْعِ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ نَصًّا.
(وَيُكْرَهُ) الْخُلْعُ مَعَ اسْتِقَامَتِهِ؛ لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَلِأَنَّهُ عَبَثٌ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا.
(وَيَصِحُّ) الْخُلْعُ (مَعَ اسْتِقَامَةٍ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4] .
(وَيَحْرُمُ) الْخُلْعُ (وَلَا يَصِحُّ إنْ عَضَلَهَا) أَيْ: ضَيَّقَ عَلَيْهَا (بِمَنْعِ حَقٍّ أَوْ ضَرْبٍ) أَوْ مَنَعَهَا حُقُوقَهَا مِنْ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ ظُلْمًا، أَوْ ضَرَبَهَا (لِتَخْتَلِعَ) مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: 19] الْآيَةَ وَلِأَنَّ مَا تَفْتَدِي بِهِ نَفْسَهَا مَعَ ذَلِكَ عِوَضٌ أُكْرِهَتْ عَلَى بَذْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ أَخْذَهُ مِنْهَا لِلنَّهْيِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ؛ (وَيَقَعُ) الْخُلْعُ فِي صُورَةِ الْعَضْلِ (رَجْعِيًّا) إنْ أَجَابَهَا (بِلَفْظِ طَلَاقٍ أَوْ) بِلَفْظِ خُلْعٍ أَوْ مَعَ (نِيَّتِهِ) أَيْ: نِيَّةِ الطَّلَاقِ، وَلَا تَبِينُ مِنْهُ؛ لِفَسَادِ الْعِوَضِ.
(وَيُبَاحُ ذَلِكَ) أَيْ: عَضْلُ الزَّوْجِ لَهَا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ (مَعَ زِنَاهَا) نَصًّا، وَالْخُلْعُ صَحِيحٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19] وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّهْيِ إبَاحَةٌ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ تُلْحِقَ بِهِ وَلَدًا مِنْ غَيْرِهِ.
(وَإِنْ أَدَّبَهَا لِنُشُوزٍ أَوْ تَرْكِ فَرْضٍ) كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ (فَخَالَعَتْهُ لِذَلِكَ؛ جَازَ وَصَحَّ) الْخُلْعُ، وَأُبِيحَ لَهُ عِوَضُهُ؛ لِأَنَّهُ بِحَقٍّ.
[فَائِدَةٌ الْخُلْعُ فِي الْحَيْضِ]
فَائِدَةٌ: وَلَا بَأْسَ بِالْخُلْعِ فِي الْحَيْضِ إذَا كَانَ بِسُؤَالِهَا؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِدْخَالِهَا ضَرَرَ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَى نَفْسِهَا، وَلَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ حَيْثُ كَانَ بِسُؤَالِهَا وَكَذَا الطَّلَاقُ بِعِوَضٍ.
(وَيَصِحُّ) الْخُلْعُ (وَيَلْزَمُ مِمَّنْ يَقَعُ طَلَاقُهُ) مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا كَبِيرًا، أَوْ صَغِيرًا يَعْقِلُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ الطَّلَاقَ وَهُوَ مُجَرَّدُ إسْقَاطٍ لَا تَحْصِيلَ فِيهِ فَلَأَنْ يَمْلِكَهُ مُحَصِّلًا لِعِوَضٍ أَوْلَى.
وَشَمَلَ كَلَامُهُ الْحَاكِمَ فِي الْإِيلَاءِ وَنَحْوِهِ.
قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَصِحُّ مِمَّنْ طَلَاقُهُ بِالْمِلْكِ أَوْ الْوَكَالَةِ أَوْ الْوِلَايَةِ كَالْحَاكِمِ فِي الشِّقَاقِ، وَكَذَا لَوْ فَعَلَهُ الْحَاكِمُ فِي الْإِيلَاءِ أَوْ الْعُنَّةِ أَوْ الْإِعْسَارِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَمْلِكُ الْحَاكِمُ فِيهَا الْفُرْقَةَ.
(وَ) يَصِحُّ (بَذْلُ عِوَضِهِ) أَيْ: الْخُلْعِ (مِنْ) كُلِّ (مَنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ) وَهُوَ الْمُكَلَّفُ غَيْرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَالَهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ؛ أَشْبَهَ التَّبَرُّعَ، سَوَاءٌ كَانَ بَذْلُهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (وَلَوْ مِمَّنْ شَهِدَا بِطَلَاقِهِ) أَيْ: الزَّوْجَةَ (وَرُدَّا) أَيْ: رَدَّ شَهَادَتَهُمَا الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِهَا كَبَذْلِ أَجْنَبِيٍّ فِي افْتِدَاءِ أَسِيرٍ، وَكَشِرَاءِ الشَّاهِدَيْنِ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا بِعِتْقِهِ؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ شِرَاؤُهَا إيَّاهُ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِمَا؛ لِاعْتِرَافِهِمَا بِحُرِّيَّتِهِ.
(فَيَصِحُّ) قَوْلُ رَشِيدٍ لِزَوْجِ امْرَأَةٍ (اخْلَعْهَا عَلَى كَذَا عَلَيَّ أَوْ) اخْلَعْهَا عَلَى كَذَا (عَلَيْهَا وَأَنَا ضَامِنٌ) فَإِنْ أَجَابَهُ الزَّوْجُ صَحَّ، وَلَزِمَهُ الْعِوَضُ لِالْتِزَامِهِ لَهُ (وَلَا يَلْزَمُهَا) أَيْ: الْمَرْأَةَ الْعِوَضُ (إنْ لَمْ تَأْذَنْ) لِلْأَجْنَبِيِّ بِشَيْءٍ مِمَّا اخْتَلَعَا عَلَيْهِ، فَإِنْ أَذِنَتْهُ لَزِمَهَا، لِأَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهَا.
(وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ) الْأَجْنَبِيُّ (حَيْثُ سُمِّيَ الْعِوَضُ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ) الْخُلْعُ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ فَلَمْ يَصِحَّ الْبَذْلُ.
(وَيَصِحُّ سُؤَالُهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا الْخُلْعَ
(عَلَى مَالِ أَجْنَبِيٍّ) أَيْ غَيْرِ زَوْجِهَا، وَلَوْ قَرِيبًا لِأَحَدِهِمَا (بِإِذْنِهِ) لَهَا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا وَكِيلَةٌ عَنْ الْأَجْنَبِيِّ فِي مُخَالَعَةِ الزَّوْجِ بِمَالِ الْأَجْنَبِيِّ إنْ سَأَلَتْ زَوْجَهَا أَنْ يَخْلَعَهَا عَلَى مَالِ أَجْنَبِيٍّ (بِدُونِهِ) أَيْ بِدُونِ مَالِ الْأَجْنَبِيِّ (إنْ ضَمِنَتْهُ) بِأَنْ قَالَتْ: اخْلَعْنِي عَلَى عَبْدِ زَيْدٍ، وَأَنَا ضَامِنَتُهُ، صَحَّ الْخُلْعُ، وَلَزِمَهَا الْعِوَضُ؛ لِأَنَّهَا بَاذِلَةٌ لِلْبَدَلِ وَمَالُهُ لَاغٍ (وَإِلَّا) تَضْمَنْهُ (لَمْ يَصِحَّ) الْخُلْعُ؛ لِتَصَرُّفِهَا فِي مَالِ غَيْرِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَيَقْبِضُ الْعِوَضَ) أَيْ عِوَضَ الْخُلْعِ (زَوْجٌ حُرٌّ رَشِيدٌ وَمَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ وَمُكَاتِبٌ) لِأَهْلِيَّتِهِمْ وَيَقْبِضُهُ (وَوَلِيُّ صَغِيرٍ وَ) وَلِيُّ (سَفِيهٍ وَسَيِّدُ قِنٍّ، لَا هُمْ) هَذَا الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ، وَصَحَّحَهُ أَبُو الْمَعَالِي فِي نِهَايَتِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْبُلْغَةِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمَذْهَبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِمْ (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ الْقَاضِي وَالنَّاظِمُ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ " وَصَاحِبُ " الْمُنَوِّرِ " وَغَيْرُهُمْ الْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ الْقَبْضِ مِمَّنْ يَصِحُّ خُلْعُهُ.
(وَ) إنْ قَالَ أَبُو امْرَأَةٍ لِزَوْجِهَا (طَلِّقْ بِنْتِي وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ مَهْرِهَا فَفَعَلَ) أَيْ: طَلَّقَهَا (فَ) الطَّلَاقُ (رَجْعِيٌّ) لِخُلُوِّهِ عَنْ الْعِوَضِ (وَلَمْ يَبْرَأْ) الزَّوْجُ مِنْ مَهْرِهَا بِإِبْرَاءِ أَبِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ (وَلَمْ يَرْجِعْ) الزَّوْجُ (عَلَى الْأَبِ) لِأَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ (وَلَا تَطْلُقُ) الزَّوْجَةُ (إنْ قَالَ) الزَّوْجُ بَعْدَ بَرَاءَةِ أَبِيهَا لَهُ (طَلَّقْتُهَا إنْ بَرِئْتُ) أَنَا (مِنْهُ) أَيْ مَهْرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِذَلِكَ.
(وَلَوْ قَالَ) زَوْجٌ لِأَبِي زَوْجَتِهِ (إنْ أَبْرَأْتَنِي أَنْتِ) مِنْهُ أَيْ: مَهْرِ ابْنَتك (فَهِيَ طَالِقٌ فَأَبْرَأَهُ) أَبُوهَا مِنْهُ (لَمْ تَطْلُقْ) رَشِيدَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُعَلَّقٌ عَلَى بَرَاءَتِهِ مِنْ مَهْرِهَا، وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ بِبَرَاءَةِ أَبِيهَا (مَا لَمْ يَرُدَّ) الزَّوْجُ (صُورَةَ الْبَرَاءَةِ) فَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِوُجُودِ اللَّفْظِ، كَقَوْلِهِ إنْ أَعْطَيْتِنِي خَمْرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: هِيَ طَالِقٌ إنْ بَرِئْتُ مِنْ صَدَاقِهَا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ؛ لِعَدَمِ الْبَرَاءَةِ، فَلَمْ يُوجَدْ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، (أَوْ) مَا لَمْ (يَقُلْ) الْأَبُ (طَلِّقْهَا عَلَى أَلْفٍ مِنْ مَالِهَا وَعَلَيَّ الدَّرَكُ) فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ (فَ) إنَّهَا (تَبِينُ) بِذَلِكَ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ عَلَى عِوَضٍ، وَهُوَ
مَا لَزِمَ الْأَبَ مِنْ ضَمَانِ الدَّرْكِ (وَيَضْمَنُ) الْأَبُ، وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُهَا مِنْ مَالِهَا، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى ابْنَتِهِ إلَّا إنْ أَذِنَتْ، وَكَانَتْ رَشِيدَةً كَالْأَجْنَبِيِّ.
(وَلَيْسَ لِأَبِ صَغِيرَةٍ أَنْ تُخَالِعَ) زَوْجَهَا (مِنْ مَالِهَا) كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمَذْهَبِ " وَ " مَسْبُوكِ الذَّهَبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْخُلَاصَةِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمْ (وَلَوْ لِحَظٍّ) فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ فِي أَحَدِ احْتِمَالَيْهِمَا وَابْنُ عَقِيلٍ فِي " الْفُصُولِ " وَهُوَ رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا فِي " الْمَنْهَجِ " وَصَوَّبَهَا فِي " الْإِنْصَافِ " مَعَ أَنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهَا (وَلَا لِأَبِ) زَوْجٍ (صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ أَوْ سَيِّدِهِمَا) كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (أَنْ يَخْلَعَا أَوْ يُطَلِّقَا عَنْهُمَا) أَيْ: الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُمَا فِيهِ، وَلِحَدِيثِ: «الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» .
(وَإِنْ خَالَعَتْ عَلَى شَيْءٍ أَمَةٌ) زَوْجَهَا، وَلَوْ كَانَتْ مُكَاتَبَةً (بِلَا إذْنِ سَيِّدِ) هَا؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهَا لِلتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهَا، فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ صَحَّ؛ إذْ الْعِوَضُ مِنْهُ لِأَمَتِهَا، وَتُسَلِّمُهُ مُكَاتَبَةٌ مَأْذُونَةٌ مِمَّا فِي يَدِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهَا شَيْءٌ فَهُوَ عَلَى سَيِّدِهَا (أَوْ) خَالَعَتْ زَوْجَهَا (مَحْجُورَةٌ لِسَفَهٍ أَوْ صِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ؛ لَمْ يَصِحَّ) الْخُلْعُ (وَلَوْ أَذِنَ فِيهِ وَلِيٌّ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ، وَلَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَا إذْنَ لِلْوَلِيِّ فِي التَّبَرُّعَاتِ.
(وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ) مَرْجُوحٌ (وَ) إنْ خَالَعَتْ الْأَمَةُ (بِإِذْنِ سَيِّدِهَا وَ) كَانَ حِينَ الْإِذْنِ (أَطْلَقَ) فَلَمْ يُعَيِّنْ لَهَا شَيْئًا، وَلَا بَيَّنَ لَهَا قَدْرًا؛ مَلَكَتْ الْمُخَالَعَةَ بِالْمُسَمَّى إنْ كَانَ، وَإِلَّا فَلَهَا أَنْ تُخَالِعَ بِمَهْرِ مِثْلِهَا (فَ) إنْ (زَادَتْ عَلَى) الْمُسَمَّى أَوْ (مَهْرِ مِثْلِهَا فَ) الزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ (بِذِمَّتِهِ) أَيْ: السَّيِّدِ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الِاسْتِدَانَةِ فَفَعَلَتْ، وَ (لَا يَتَعَلَّقُ الزَّائِدُ بِرَقَبَتِهَا) ؛ لِأَنَّهَا مَأْذُونَةٌ مِنْ السَّيِّدِ، كَذَا قَالَ وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ".
وَإِنْ خَالَعَتْ عَلَى مُعَيَّنٍ بِإِذْنِ السَّيِّدِ فِيهِ
مَلَكَهُ، وَإِنْ أَذِنَ فِي قَدْرٍ مِنْ الْمَالِ فَخَالَعَتْ بِأَكْثَرَ مِنْهُ؛ فَالزِّيَادَةُ فِي ذِمَّتِهَا، وَإِنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ اقْتَضَى الْخُلْعَ بِالْمُسَمَّى لَهَا، وَإِنْ خَالَعَتْ بِهِ أَوْ بِمَا دُونَهُ لَزِمَ السَّيِّدَ، وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ تَعَلَّقَتْ الزِّيَادَةُ بِذِمَّتِهَا، كَمَا لَوْ عَيَّنَ لَهَا قَدْرًا فَخَالَعَتْ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ مَأْذُونًا لَهَا فِي التِّجَارَةِ سَلَّمَتْ الْعِوَضَ مِمَّا فِي يَدِهَا، انْتَهَيَا.
وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَاهُ (وَلَا يَبْطُلُ إبْرَاءُ مَنْ) خَالَعَتْ زَوْجَهَا عَلَى بَرَاءَتِهَا لَهُ ثُمَّ (ادَّعَتْ نَحْوَ سَفَهٍ حَالَتَهُ) أَيْ: الْخُلْعَ (بِلَا بَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ بِسَفَهِهَا أَوْ جُنُونِهَا حَالَتَهُ؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي الْفَسَادَ، وَالْأَصْلُ الصِّحَّةُ.
(وَيَصِحُّ) الْخُلْعُ (مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا لِفَلَسٍ) عَلَى مَالٍ (فِي ذِمَّتِهَا) لِأَنَّ لَهَا ذِمَّةً يَصِحُّ تَصَرُّفُهَا فِيهَا (وَ) لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهَا حَالَ حَجْرِهَا، كَمَا لَوْ اسْتَدَانَتْ مِنْ إنْسَانٍ فِي ذِمَّتِهَا أَوْ بَاعَهَا شَيْئًا بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهَا، بَلْ (تُطَالَبُ بِمَا خَالَعَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ فَكِّهِ) أَيْ: بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهَا وَإِيسَارِهَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهَا لَوْ خَالَعَتْ بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهَا؛ لَمْ يَصِحَّ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ.
[فَصْلٌ الْخُلْعُ فَسْخٌ لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ طَلَاقٍ]
فَصْلٌ (وَالْخُلْعُ فَسْخٌ لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ طَلَاقٍ حَيْثُ وَقَعَ بِصِيغَتِهِ) وَلَوْ لَمْ يَنْوِ بِهِ خُلْعًا، وَرُوِيَ كَوْنُهُ فَسْخًا لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ
وَعِكْرِمَةَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا اخْتِيَارُ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ مُتَقَدِّمِهِمْ وَمُتَأَخِّرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.
وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] ثُمَّ قَالَ: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة: 230] فَذَكَرَ طَلْقَتَيْنِ وَالْخُلْعَ وَتَطْلِيقَةً بَعْدَهُمَا فَلَوْ كَانَ الْخُلْعُ طَلَاقًا لَكَانَ أَرْبَعًا، وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ خَلَتْ عَنْ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَنِيَّتِهِ فَكَانَتْ فَسْخًا كَسَائِرِ الْفُسُوخِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَعَلَيْهِ دَلَّ كَلَامُ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ، وَمُرَادُهُ مَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْتُ أَبِي يَذْهَبُ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ صَحَّ عَنْهُ مَا أَجَازَهُ الْمَالُ فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ.
وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّ الْخُلْعَ تَفْرِيقٌ بِطَلَاقٍ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ أَنَّهُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ بِكُلِّ حَالٍ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، قَالَ: لَيْسَ لَنَا فِي الْبَابِ شَيْءٌ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فَسْخٌ (وَ) لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ مَا (لَمْ يَنْوِ) بِهِ (طَلَاقًا) فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ؛ وَقَعَ طَلَاقًا.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " الْخُلْعُ بِصَرِيحِ طَلَاقٍ أَوْ نِيَّةِ طَلَاقٍ بَائِنٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَائِنًا؛ لَمَلَكَ الرَّجْعَةَ، وَكَانَتْ تَحْتَ حُكْمِهِ وَقَبْضَتِهِ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ إزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْهَا، فَلَوْ جَازَتْ الرَّجْعَةُ لَعَادَ الضَّرَرُ.
(وَصِيغَتُهُ) أَيْ: صِيغَةُ الْخُلْعِ (الصَّرِيحَةُ فَسَخْتُ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (وَخَالَعْتُ وَفَادَيْتُ) قَوْلًا وَاحِدًا (وَكِنَايَاتُهُ) أَيْ الْخُلْعِ (بَارَئْتُكِ وَأَبْرَأْتُكِ وَأَبَنْتُكِ) ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْفُرْقَةِ، فَكَانَ لَهُ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ كَالطَّلَاقِ (فَمَعَ سُؤَالِ) الْخُلْعِ (وَبَذْلِ عِوَضٍ يَصِحُّ) الْخُلْعُ (بِلَا نِيَّةٍ) ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ مِنْ سُؤَالِ الْخُلْعِ وَبَذْلِ الْعِوَضِ صَارِفَةٌ إلَيْهِ، فَأَغْنَتْ عَنْ النِّيَّةِ فِيهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ سُؤَالٌ وَلَا بَذْلُ عِوَضٍ (فَلَا بُدَّ مِنْهَا) أَيْ: النِّيَّةِ (فِي كِنَايَةِ) خُلْعٍ كَطَلَاقٍ وَنَحْوِهِ (وَتُعْتَبَرُ الصِّيغَةُ مِنْهُمَا) أَيْ: الْمُتَخَالِعَيْنِ (فَلَا خُلْعَ بِمُجَرَّدِ بَذْلِ مَالٍ وَقَبُولِهِ)
مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ مِنْ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْفُرْقَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ بِدُونِ لَفْظٍ كَالطَّلَاقِ بِعِوَضٍ، وَلِأَنَّ أَخْذَ الْمَالِ قَبْضٌ لِعِوَضٍ، فَلَمْ يَقُمْ بِمُجَرَّدِهِ مَقَامَ الْإِيجَابِ كَقَبْضِ إحْدَى الْعِوَضَيْنِ فِي الْبَيْعِ، وَحَدِيثُ جَمِيلَةِ امْرَأَةِ ثَابِتٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِيهِ: «اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَمَرَهُ " فَفَارَقَهَا "، وَمَنْ لَمْ يَذْكُرْ الْفُرْقَةَ فَقَدْ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الْقِصَّةِ.
، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرُوا مَنْ جَانَبَا لَفْظًا وَلَا دَلَالَةَ حَالٍ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ اتِّفَاقًا.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَ) الصِّيغَةُ (مِنْهُ) أَيْ الزَّوْجِ (خَلَعْتُكِ وَنَحْوُهُ) كَ فَسَخْتُ نِكَاحَكِ (عَلَى كَذَا) وَالصِّيغَةُ (مِنْهَا قَبِلْتُ أَوْ رَضِيتُ وَنَحْوُهُ) سَوَاءٌ قُلْنَا: الْخُلْعُ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ: أَنَّهُ إذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ طَلَاقٌ حُسِبَ وَنَقَصَ بِهِ عَدَدُ طَلَاقِهِ، وَإِنْ قِيلَ: هُوَ فَسْخٌ لَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَالَعَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ.
(وَيَصِحُّ) الْخُلْعُ (بِكُلِّ لُغَةٍ مِنْ أَهْلِهَا) أَهْلِ اللُّغَةِ كَالطَّلَاقِ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ لِأَنَّهَا الْمَوْضُوعَةُ لَهُ فِي لِسَانِهِمْ فَأَشْبَهَتْ الْمَوْضُوعَ لَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ.
(وَيَتَّجِهُ) صِحَّةُ الْخُلْعِ مِنْ غَيْرِ عَرَبِيٍّ بِلُغَتِهِ (وَلَوْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ) لِأَنَّ لَفْظَهُ بِلُغَتِهِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْخُلْعِ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَصَحَّ مِنْهُ كَغَيْرِهِ؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَ (لَا) يَصِحُّ الْخُلْعُ (هَزْلًا) إلَّا أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ طَلَاقٍ أَوْ نِيَّتِهِ فَإِنْ تَخَالَعَا هَازِلَيْنِ بِغَيْرِ لَفْظِ طَلَاقٍ وَلَا نِيَّةٍ، فَلَغْوٌ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَصِحُّ الْخُلْعُ (مُعَلَّقًا) عَلَى شَرْطٍ (كَ) قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ (إنْ قَدِمَ زَيْدٌ، أَوْ بَذَلْتِ لِي كَذَا فَقَدْ خَلَعْتُكِ) وَلَوْ بَذَلَتْ لَهُ مَا سَمَّاهُ، إلْحَاقًا لَهُ بِعُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ؛ لِاشْتِرَاطِ الْعِوَضِ فِيهِ.
(وَيَلْغُو شَرْطُ رَجْعَةٍ) فِي خُلْعٍ كَقَوْلِهِ خَالَعْتكِ عَلَى كَذَا بِشَرْطِ أَنَّ لِي رَجْعَتَكِ فِي الْعِدَّةِ، أَوْ مَا شِئْتُ (أَوْ) أَيْ: وَيَلْغُو شَرْطُ (خِيَارٍ فِي خُلْعٍ) كَقَوْلِهِ
خَالَعْتكِ عَلَى كَذَا بِشَرْطِ أَنَّ لِي الْخِيَارَ أَوْ عَلَى أَنَّ لِي الْخِيَارَ إلَى كَذَا، أَوْ يُطَلِّقُ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَاهُ (دُونَهُ) أَيْ: الْخُلْعِ فَلَا يَلْغُو بِذَلِكَ كَالْبَيْعِ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ (وَيَسْتَحِقُّ) الزَّوْجُ الْعِوَضَ (الْمُسَمَّى فِيهِ) أَيْ الْخُلْعَ بِشَرْطِ الرَّجْعَةِ أَوْ الْخِيَارِ؛ لِصِحَّةِ الْخُلْعِ وَتَرَاضِيهِمَا عَلَى عِوَضِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ خَلَا عَنْ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ.
(وَلَا يَقَعُ بِمُعْتَدَّةٍ مِنْ خُلْعٍ طَلَاقٌ، وَلَوْ وُجِّهَتْ بِهِ) أَيْ: الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمَا، وَبِذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَةُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَلِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ؛ فَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقُهُ كَالْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَاَلَّتِي انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِضْعَهَا، فَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقُهُ كَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَحَدِيثُ: «الْمُخْتَلِعَةُ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ» لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ، وَلَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.
(وَمَنْ خُولِعَ جُزْءٌ مِنْهَا) مُشَاعًا كَانَ (كَنِصْفِهَا أَوْ) مُعَيَّنًا (كَيَدِهَا؛ لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ.
[تَنْبِيهٌ شُرُوطُ الْخُلْع تِسْعٌ]
(تَنْبِيهٌ: شُرُوطُ خُلْعٍ تِسْعٌ بَذْلُ عِوَضٍ مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ) وَهُوَ الرَّشِيدُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (وَزَوْجٌ يَصِحُّ طَلَاقُهُ) وَلَوْ مُمَيِّزًا، وَأَنْ يَكُونَ الْخُلْعُ مِنْ (غَيْرِ هَازِلَيْنِ) فَلَوْ كَانَ مِنْ هَازِلَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ، وَتَقَدَّمَ (وَعَدَمُ عَضْلِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ عَلَى بَذْلِ الْعِوَضِ (فَإِنْ بَذَلَتْهُ) بِاخْتِيَارِهَا، صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا (وَوُقُوعُهُ) أَيْ: الْخُلْعِ (بِصِيغَتِهِ) مِنْ الصِّيَغِ السَّابِقَةِ (وَعَدَمُ نِيَّةِ) طَلَاقٍ مِنْ الزَّوْجِ (وَتَنْجِيزُهُ) فَلَا يَصِحُّ مُعَلَّقًا (وَوُقُوعُهُ) أَيْ: الْخُلْعِ (عَلَى جَمِيعِ الزَّوْجَةِ) وَعَدَمُ حِيلَةٍ لِإِسْقَاطِ طَلَاقٍ (كَمَا يَأْتِي) فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ آخِرِ الْخُلْعِ.
[فَصْلٌ لَا يَصِحُّ الْخُلْعُ إلَّا بِعِوَضٍ]
فَصْلٌ (وَلَا يَصِحُّ) الْخُلْعُ (إلَّا بِعِوَضٍ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ، وَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ فَسْخَ النِّكَاحِ بِخِلَافِهِ بِلَا مُقْتَضَى؛ بِخِلَافِهِ عَلَى عِوَضٍ، فَيَصِيرُ مُعَاوَضَةً، فَلَا يَجْتَمِعُ لَهُ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ، وَلَوْ قَالَتْ: بِعْنِي عَبْدَكَ فُلَانًا؛ وَاخْلَعْنِي بِكَذَا، فَفَعَلَ؛ صَحَّ، وَكَانَ بَيْعًا وَخُلْعًا بِعِوَضٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ يَصِحُّ إفْرَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِعِوَضٍ، فَصَحَّ جَمْعُهُمَا كَبَيْعِ ثَوْبَيْنِ
(وَكُرِهَ) خُلْعُ زَوْجَتِهِ (بِأَكْثَرَ مِمَّا آتَاهَا) رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثِ جَمِيلَةَ: وَلَا تَزْدَدْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُخْتَلِعَةِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ.
وَلِأَنَّهُ بَذْلٌ فِي مُقَابَلَةِ فَسْخٍ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى قَدْرِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ كَالْعِوَضِ فِي الْإِقَالَةِ، وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] وَقَالَتْ الرُّبَيِّعِ بِنْتُ مُعَوِّذٍ «اخْتَلَعْتُ مِنْ زَوْجِي بِمَا دُونَ عِقَاصِ رَأْسِي، فَأَجَازَ ذَلِكَ» .
(وَهُوَ) أَيْ: الْخُلْعُ (عَلَى مُحَرَّمٍ يَعْلَمَانِهِ كَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ) كَخُلْعٍ (بِلَا عِوَضٍ) فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ بِالْبِضْعِ وَخُرُوجُ الْبِضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ فَإِذَا رَضِيَ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ كَمَا لَوْ نَجَّزَ طَلَاقَهَا أَوْ عَقَلَهُ عَلَى فِعْلِهَا شَيْئًا، فَفَعَلَتْهُ، وَفَارَقَ النِّكَاحَ فَإِنَّ دُخُولَ الْبِضْعِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ مُتَقَوِّمٌ، وَأَمَّا إذَا طَلَّقَهَا عَلَى عَبْدٍ، فَبَانَ حُرًّا، فَلَمْ يَرْضَ بِغَيْرِ عِوَضٍ مُتَقَوِّمٍ، فَيَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ بِحُكْمِ
الْغَرَرِ (فَيَقَعُ) خَلَلٌ عَلَى مُحَرَّمٍ يَعْلَمَانِهِ (رَجْعِيًّا بِنِيَّةِ طَلَاقٍ) لِأَنَّ الْخُلْعَ مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، فَإِذَا نَوَاهُ وَقَعَ، وَقَدْ خَلَا عَنْ الْعِوَضِ فَكَانَ رَجْعِيًّا، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ طَلَاقًا؛ فَلَغْوٌ (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَاهُ) أَيْ الْعِوَضَ مُحَرَّمًا (وَيَتَّجِهُ أَوْ) عَلِمَ الْبَاذِلُ مِنْ زَوْجَةٍ وَغَيْرِهَا تَحْرِيمَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْهُ (الزَّوْجُ) صَحَّ الْخُلْعُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ مِثَالُ ذَلِكَ (كَ) مَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى (عَبْدٍ: فَبَانَ حُرًّا أَوْ) بَانَ الْعَبْدُ (مُسْتَحَقًّا) كَذَا عَلَى (عَصِيرٍ) فَبَانَ (خَمْرًا) أَوْ مُسْتَحَقًّا (صَحَّ) الْخُلْعُ (وَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (بَدَلُهُ) أَيْ: مِثْلُ الْمِثْلِيِّ وَقِيمَةُ الْمُتَقَوِّمِ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ مُعَاوَضَةٌ بِالْبِضْعِ فَلَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعِوَضِ كَالنِّكَاحِ (وَإِنْ بَانَ) نَحْوَ الْعَبْدِ الْمُخَالَعِ عَلَيْهِ (مَعِيبًا فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ قِيمَتُهُ، وَيَرُدُّهُ) كَالْبَيْعِ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا.
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ إنْ أَعْطَيْتَنِي خَمْرًا أَوْ مَيْتَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ ذَلِكَ طَلُقَتْ لِوُجُودِ الصِّفَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا، وَيَكُونُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا لِخُلُوِّهِ عَنْ الْعِوَضِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِغَيْرِ شَيْءٍ (وَإِنْ) (تَخَالَعَ كَافِرَانِ بِمُحَرَّمٍ) كَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ (ثُمَّ أَسْلَمَا) قَبْلَ قَبْضِهِ، (أَوْ) أَسْلَمَ (أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ) أَيْ: الْمُحَرَّمِ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ الزَّوْجِ الْمُخَالِعِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهَا بِالْخُلْعِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ، وَقَدْ سَقَطَ بِالْإِسْلَامِ (وَصَحَّ الْخُلْعُ) وَلَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ.
(وَيَصِحُّ الْخُلْعُ عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ الْمُعَيَّنِ) مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا (مُطْلَقًا) أَيْ بِلَا تَقْدِيرِهِ مُدَّةً (وَيَنْصَرِفُ) الرَّضَاعُ (لِحَوْلَيْنِ) إنْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ وِلَادَةٍ (أَوْ) إلَى (تَتِمَّتِهِمَا) أَيْ: الْحَوْلَيْنِ إنْ كَانَ قَدْ مَضَى مِنْهُمَا شَيْءٌ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ مِنْ كَلَامِهِ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233] ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ» يَعْنِي: الْعَامَيْنِ (وَ) لَوْ خَالَعَتْهُ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً (أَوْ)
خَالَعَتْهُ عَلَى (كَفَالَتِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً) (أَوْ) خَالَعَتْهُ (عَلَى نَفَقَتِهِ) أَيْ الْإِنْفَاقِ عَلَى وَلَدِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً (أَوْ) خَالَعَتْهُ عَلَى (سُكْنَى دَارِهَا مُدَّةً مُعَيَّنَةً) صَحَّ الْخُلْعُ (فَلَوْ لَمْ تَنْتَهِ) الْمُدَّةُ (حَتَّى انْهَدَمَتْ) الدَّارُ الْمُخَالَعُ عَلَى سُكْنَاهَا (أَوْ جَفَّ لَبَنُهَا) أَيْ: الْمُخَالَعَةِ عَلَى إرْضَاعِ وَلَدِهِ (أَوْ مَاتَتْ) مَنْ خَالَعَتْهُ عَلَى إرْضَاعِ وَلَدِهِ أَوْ كَفَالَتِهِ أَوْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ (أَوْ) مَاتَ (الْوَلَدُ رَجَعَ) الزَّوْجُ عَلَيْهَا فِي صُورَةِ الِانْهِدَامِ وَالْجَفَافِ وَمَوْتِ الْوَلَدِ وَعَلَى تَرِكَتِهَا فِي صُورَةِ مَوْتِهَا (بِبَقِيَّةِ حَقِّهِ) عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مُعَيَّنٌ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَوَجَبَ بَدَلُهُ كَمَا لَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى قَفِيزٍ؛ فَتَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ (وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ) أَيْ: مِثْلِ الْإِرْضَاعِ أَوْ الْكَفَالَةِ أَوْ السُّكْنَى أَوْ بَدَلِ النَّفَقَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْكَافِي " وَيَأْخُذُ بَدَلَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُؤْنَةِ (يَوْمًا فَيَوْمًا) لِأَنَّهُ ثَبَتَ كَذَلِكَ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ مُعَجَّلًا، كَمَنْ أَسْلَمَ فِي نَحْوِ خُبْزٍ يَأْخُذُهُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْطَالًا مَعْلُومَةً، وَلِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَتَعَجَّلُ بِمَوْتِ الْمُسْتَوْفِي، كَمَا لَوْ مَاتَ وَكِيلُ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ إنْ وَثِقَ الْوَرَثَةُ بِرَهْنٍ يُحْرَزُ أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ، وَإِلَّا فَلَهُ أَخْذُهُ مُعَجَّلًا كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَتَقَدَّمَ.
(وَلَا يَلْزَمُهَا) إنْ مَاتَ الْوَلَدُ (كَفَالَةُ بَدَلِهِ أَوْ إرْضَاعُهُ) أَيْ: إرْضَاعُ بَدَلِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَقْدٌ عَلَى فِعْلِ عُيِّنَ، فَيَنْفَسِخُ بِتَلَفِهَا، كَمَا لَوْ مَاتَتْ الدَّابَّةُ، الْمُسْتَأْجَرَةُ، وَلِأَنَّ مَا يَسْتَوْفِيهِ مِنْ اللَّبَنِ إنَّمَا يَتَقَدَّرُ بِحَاجَةِ الصَّبِيِّ، وَحَاجَاتُ الصِّبْيَانِ تَخْتَلِفُ، وَلَا تَنْضَبِطُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُومَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، كَمَا لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ فِي حَيَاةِ الْوَلَدِ (وَلَا يُعْتَبَرُ) لِصِحَّةِ الْخُلْعِ عَلَى نَفَقَةِ وَلَدِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً (تَقْدِيرُ نَفَقَةٍ وَوَصْفُهَا) فَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الطَّعَامِ وَجِنْسُهُ، وَلَا قَدْرُ الْأُدْمِ وَجِنْسُهُ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ لِقِصَّةِ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَحِمَ اللَّهُ أَخِي أَجَّرَ نَفْسَهُ بِطَعَامِ بَطْنِهِ وَعِفَّةِ فَرْجِهِ» وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ مُسْتَحَقَّةٌ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ، وَهِيَ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ كَذَا هَا هُنَا، وَالْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ مُدَّةَ الرَّضَاعِ مِنْ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَصِفَةَ النَّفَقَةِ، بِأَنْ يَقُولَ: تُرْضِعِينَهُ مِنْ الْعَشْرِ سِنِينَ حَوْلَيْنِ أَوْ أَقَلَّ بِحَسَبِ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ،
وَيَذْكُرَ مَا يَقْتَاتُهُ الْوَلَدُ مِنْ طَعَامٍ، أَوْ إدَامٍ، فَيَقُولُ حِنْطَةٌ أَوْ غَيْرُهَا كَذَا وَكَذَا قَفِيزًا وَيَذْكُرَ جِنْسَ الْأُدْمِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مُدَّةَ الرَّضَاعِ وَلَا قَدْرَ الطَّعَامِ وَالْأُدْمِ، صَحَّ الْخُلْعُ؛ (وَيَرْجِعُ) إذَا تَنَازَعَا فِي الْمُدَّةِ وَالْجِنْسِ وَالْقَدْرِ (لِعُرْفٍ وَعَادَةٍ) كَالزَّوْجَةِ وَالْأَجِيرِ؛ فَمُدَّةُ الرَّضَاعِ إلَى حَوْلَيْنِ، وَالنَّفَقَةُ مَا يَسْتَعْمِلُهُ مِثْلُهُ، (وَلِلْوَالِدِ أَخْذُ نَفَقَتِهِ) أَيْ: الْوَلَدِ (مِنْهَا) أَيْ: الْمَخْلُوعَةِ (وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى وَلَدِهِ (مِنْ عِنْدِهِ غَيْرَهَا) لِأَنَّهُ بَدَلٌ ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهَا؛ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ.
(وَيَصِحُّ) الْخُلْعُ (عَلَى نَفَقَةٍ مَاضِيَةٍ) لَهَا بِذِمَّتِهِ كَسَائِرِ دُيُونِهَا عَلَيْهِ، وَيَصِحُّ خُلْعٌ (مِنْ حَامِلٍ عَلَى نَفَقَةِ حَمْلِهَا) لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ مَوْجُودٍ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُهَا كَمَسْأَلَةِ الْمَتَاعِ (وَتَسْقُطَانِ) أَيْ: النَّفَقَةُ الْمَاضِيَةُ وَنَفَقَةُ الْحَمْلِ بِالْخُلْعِ عَلَيْهِمَا كَدَيْنٍ لَهَا خَالَعَتْهُ (وَلَوْ طَلَبَ مُخَالَعَتَهَا فَأَبْرَأَتْهُ مِنْ نَفَقَةِ حَمْلِهَا) فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (بَرِيءَ) الزَّوْجُ مِنْهَا، وَكَذَا لَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ أَبْرَأَتْهُ مِنْ نَفَقَةِ حَمْلِهَا، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلِلْوَلَدِ، بِأَنْ جَعَلَتْ ذَلِكَ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ؛ صَحَّ الْخُلْعُ (إلَى فِطَامِهِ، فَإِذَا فَطَمَتْهُ؛ فَلَهُ طَلَبُهُ بِنَفَقَتِهِ) لِأَنَّهَا قَدْ أَبْرَأَتْهُ مِمَّا يَجِبُ لَهَا مِنْ النَّفَقَةِ، فَإِذَا فَطَمَتْهُ لَمْ تَكُنْ النَّفَقَةُ لَهَا، فَلَهَا طَلَبُهَا مِنْهُ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَوْ) خَالَعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ بَعْدَ أَنْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ نَفَقَةِ، حَمْلِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، وَأَرْضَعَتْهُ مُدَّةً، ثُمَّ (مَاتَ) الْوَلَدُ (قَبْلَ فِطَامِهِ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا) لِأَنَّهَا هُنَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ شَيْءٍ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَكَفَّلَتْ الْوَلَدَ، وَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الْكَفَالَةِ؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ لِكَفَالَةِ مِثْلِهَا لِمِثْلِهِ، وَتَقَدَّمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَرْعٌ أَفْتَى ابْنُ نَصْرٍ بِعَدَمِ وُقُوعِ طَلَاقٍ عُلِّقَ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ) الْمُسْتَقْبَلَةِ (وَ) مِنْ (نَفَقَةِ الْعِدَّةِ) ، كَأَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ: إنْ أَبْرَأْتِنِي مِمَّا سَيَجِبُ لَكِ عَلَيَّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ؛ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ (لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْهَا) أَيْ: النَّفَقَةِ (إلَّا بَعْدَ وُجُوبِهَا) بِالْعِدَّةِ (وَلَا تَجِبُ الْعِدَّةُ إلَّا بِالطَّلَاقِ) الْمُعَلَّقِ عَلَى الْبَرَاءَةِ، وَحِينَ أَبْرَأَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ تُبْرِئُهُ مِنْهُ، فَكَأَنَّهَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ مَعْدُومٍ، وَالْبَرَاءَةُ مِنْ الْمَعْدُومِ لَا تَصِحُّ؛ فَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهَا.
[فَصْل الْخُلْعُ عَلَى مَا لَا يَصِحُّ مَهْرًا لِجَهَالَةٍ]
فَصْل (وَيَصِحُّ الْخُلْعُ عَلَى مَا لَا يَصِحُّ مَهْرًا لِجَهَالَةٍ) كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَا بِيَدِهَا أَوْ بَيْتِهَا (أَوْ غَرَرٌ) كَمَا لِأَنَّ الْخُلْعَ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِ مِنْ الْبِضْعِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكُ شَيْءٍ، وَالْإِسْقَاطُ تَدْخُلُهُ الْمُسَامَحَةُ، وَلِهَذَا جَازَ بِلَا عِوَضٍ عَلَى رِوَايَةٍ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ، وَأُبِيحَ لَهَا افْتِدَاءُ نَفْسِهَا، لِحَاجَتِهَا إلَيْهِ، فَوَجَبَ مَا رَضِيَتْ بِبَذْلِهِ، دُونَ مَا لَمْ تَرْضَهُ، (وَلَهُ مَا جَعَلَتْ مِنْ الْعِوَضِ الْمَجْهُولِ وَالْمَعْدُومِ الْمُنْتَظَرِ) وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ (فَ) لِزَوْجٍ (مُخَالِعٍ عَلَى مَا بِيَدِهَا أَوْ بَيْتِهَا مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ مَتَاعٍ مَا بِهِمَا) أَيْ: بِيَدِهَا أَوْ بَيْتِهَا مِنْ ذَلِكَ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) بِيَدِهَا (شَيْءٌ) مِنْ الدَّرَاهِمِ (فَلَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ؛ فَهِيَ الْمُتَيَقَّنَةُ (أَوْ) لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِهَا لِشَيْءٍ مِنْ الْمَتَاعِ؛ فَلَهُ (مَا يُسَمَّى مَتَاعًا) كَالْوَصِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ بِيَدِهَا دُونَ الثَّلَاثِ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ.
(وَ) إنْ خَالَعَهَا (عَلَى مَا تَحْمِلُ شَجَرَتُهَا وَ) مَا تَحْمِلُ (أَمَتُهَا) وَنَحْوُهَا (أَوْ مَا فِي بَطْنِهَا) أَيْ: الْأَمَةِ وَنَحْوِهَا؛ صَحَّ كَالْوَصِيَّةِ بِذَلِكَ، وَلَهُ (مَا يَحْصُلُ) مِنْ ذَلِكَ، لَكِنَّ قِيَاسَ مَا سَبَقَ فِي الْوَصِيَّةِ لَهُ
قِيمَةُ وَلَدِ الْأَمَةِ لِتَحْرِيمِ الْفُرْقَةِ (فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنْهُ، وَجَبَ فِيهِ) مُطْلَقُ مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ كَالْوَصِيَّةِ، وَكَذَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي ضُرُوعِ مَاشِيَتِهَا وَنَحْوِهِ مِنْ كُلِّ مَجْهُولٍ أَوْ مَعْدُومٍ مُنْتَظَرٍ وُجُودُهُ، (وَ) يَجِبُ (فِيمَا) إذَا خَالَعَهَا عَلَى شَيْءٍ، (يُجْهَلُ مُطْلَقًا كَثَوْبٍ وَنَحْوِهِ) كَعَبْدٍ وَبَعِيرٍ وَشَاةٍ (مُطْلَقُ مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ) لِأَنَّهَا خَالَعَتْهُ عَلَى مُسَمًّى مَجْهُولٍ، فَكَانَ لَهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنْ ثَمَرَةٍ وَوَلَدٍ وَثَوْبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
لِصِدْقِ الِاسْمِ بِذَلِكَ (وَ) لَوْ خَالَعَهَا (عَلَى هَذَا الثَّوْبِ الْهَرَوِيُّ، فَبَانَ مَرْوِيًّا أَوْ) : بَانَ مَعِيبًا، أَوْ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ السِّنْدِيِّ فَبَانَ زِنْجِيًّا أَوْ مَعِيبًا (لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ) لِوُقُوعِ الْخُلْعِ عَلَى عَيْنِهِ.
قَالَ فِي " الْمُطْلِعِ ": الْهَرَوِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى هَرَاةٍ كُورَةٍ مِنْ كَوْرِ الْعَجَمِ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ، وَمَرْوِيٌّ - بِسُكُونِ الرَّاءِ - مَنْسُوبٌ إلَى مَرْوَ، وَهُوَ بَلَدٌ وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ مَرُّوذِيٌّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَثَوْبٌ مَرْوِيٌّ عَلَى الْقِيَاسِ انْتَهَى.
(وَ) وَإِنْ خَالَعَهَا (عَلَى عَبِيدٍ فَلَهُ ثَلَاثٌ) لِأَنَّهَا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَبِيدِ.
(وَيَصِحُّ) الْخُلْعُ (عَلَى) ثَوْبٍ (هَرَوِيٌّ فِي الذِّمَّةِ) عَلَيْهَا أَنْ تُعْطِيَهُ سَلِيمًا؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ (وَيُخَيَّرُ إنْ أَتَتْهُ) بِثَوْبٍ (مَرْوِيٍّ بَيْنَ رَدِّهِ وَإِمْسَاكِهِ) وَكَذَا يُخَيَّرُ إنْ أَتَتْهُ بِهَرَوِيٍّ مَعِيبٍ أَوْ نَاقِصٍ صِفَةً شَرَطَتْهَا، لِأَنَّهُ وَجَبَ لَهُ بِذِمَّتِهَا سَلِيمٌ تَامُّ الصِّفَاتِ (وَقَبْضُ عِوَضِ خُلْعٍ وَ) عِوَضِ (طَلَاقٍ وَضَمَانُهُ) أَيْ: الْمَقْبُوضِ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ (وَعَدَمُهُ كَمَبِيعٍ) فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ مَعْدُودًا أَوْ مَذْرُوعًا؛ فَلَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ إلَّا بِقَبْضِهِ، وَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ إلَّا بِقَبْضِهِ، وَإِنْ تَلِفَ الْمَكِيلُ وَنَحْوُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ فَلِلزَّوْجِ عِوَضُهُ، وَلَمْ يَنْفَسِخْ الْخُلْعُ بِتَلَفِهِ، وَإِنْ كَانَ عِوَضُ الْخُلْعِ غَيْرَ مَكِيلٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَحْتَاجُ لِحَقِّ تَوَفَّيْهِ؛ دَخَلَ فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ الْخُلْعِ، وَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْقُودًا عَلَيْهِ بِالصِّفَةِ أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ كَالْبَيْعِ.
(وَلَوْ) (تَوَاطَأَ) الزَّوْجَانِ (عَلَى أَنْ تَهَبَهُ) الزَّوْجَةُ (الصَّدَاقَ أَوْ تُبْرِئَهُ) مِنْهُ إنْ كَانَ دَيْنًا أَوْ مِنْ نَحْوِ نَفَقَةٍ أَوْ قَرْضٍ (عَلَى أَنْ يَخْلَعَهَا أَوْ يُطَلِّقَهَا، فَأَبْرَأَتْهُ) مِنْهُ، أَوْ وَهَبَتْهُ الصَّدَاقَ إنْ كَانَ - عَيْنًا (ثُمَّ طَلَّقَهَا، كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا) لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ فِي مُقَابَلَةِ الْبَرَاءَةِ، فَيَكُونُ طَلَاقًا عَلَى عِوَضٍ (وَكَذَا) لَوْ قَالَ لَهَا الزَّوْجُ (أَبْرِئِينِي وَأَنَا أُطَلِّقُكِ) أَوْ إنْ أَبْرَأْتِنِي طَلَّقْتُكِ (وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ سَأَلَ الْإِبْرَاءَ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا) وَأَنَّهَا أَبْرَأَتْهُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا (قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (وَقَالَ أَيْضًا: لَوْ أَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةً لَا تَتَعَلَّقُ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ) انْتَهَى؛ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْعِوَضِ لَفْظًا وَمَعْنًى.
[فَصْلٌ طَلَاقٌ مُنَجَّزٌ بَعُوضٍ أَوْ مُعَلَّقٌ عَلَى عِوَضٍ يُدْفَعُ لَهُ كَخُلْعٍ فِي إبَانَةٍ]
فَصْلٌ (وَطَلَاقٌ) مُنَجَّزٌ بَعُوضٍ أَوْ مُعَلَّقٌ (عَلَى عِوَضٍ) يُدْفَعُ لَهُ (كَخُلْعٍ فِي إبَانَةٍ) لِبَذْلِ الْعِوَضِ فِي إبَانَتِهَا؛ أَشْبَهَ الْخُلْعَ (فَإِنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ طَلُقَتْ مِنْهُ بَائِنًا بِأَيِّ عَبْدٍ) يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ، لَا نَحْوِ مَنْذُورٍ عِتْقُهُ نَذْرَ تَبَرُّرٍ كَالْمَرْهُونِ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ (أَعْطَتْهُ) لَهُ، لِوُجُودِ الصِّفَةِ (وَلَوْ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُعَلَّقًا عِتْقُهُ بِصِفَةٍ قَبْلَ وُجُودِهَا) ؛ لِجَوَازِ نَقْلِ الْمِلْكِ فِيهِ (وَمَلَكَهُ) أَيْ مَلَكَ الزَّوْجُ الْعَبْدَ بِإِعْطَائِهَا إيَّاهُ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ خُرُوجِ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِهِ، وَالْبَعِيرُ وَالْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ وَالثَّوْبُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْمُبْهَمَاتِ كَالْعَبْدِ.
(وَ) إنْ قَالَ لَهَا (إنْ أَعْطَيْتَنِي هَذَا الْعَبْدَ الْحَبَشِيَّ) فَأَنْتِ طَالِقٌ (وَ) إنْ قَالَ لَهَا: إنْ أَعْطَيْتَنِي (هَذَا الثَّوْبَ الْهَرَوِيُّ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ إيَّاهُ) أَيْ: الْعَبْدَ فِي الْأُولَى، وَالثَّوْبَ فِي الثَّانِيَةِ (طَلُقَتْ) بَائِنًا؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ (وَلَا شَيْءَ لَهُ إنْ بَانَ) الْعَبْدُ أَوْ الثَّوْبُ (مَعِيبًا أَوْ) بَانَ الْعَبْدُ (زِنْجِيًّا، أَوْ) بَانَ الثَّوْبُ (مَرْوِيًّا) لِأَنَّهُ لَمْ تَلْزَمْ غَيْرَهُ وَتَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ (وَإِنْ بَانَ الْعَبْدُ مُسْتَحَقَّ الدَّمِ، فَقُتِلَ فَلَهُ أَرْشُ عَيْبِهِ) وَهُوَ هُنَا التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، كَمَا لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ عِنْدَ سَلَامَتِهِ يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ وَعِنْدَ جِنَايَتِهِ يُسَاوِي عَشَرَةً، فَيَكُونُ الْأَرْشُ خَمْسَةً، وَلَا يَرْتَفِعُ الطَّلَاقُ (وَإِنْ خَرَجَ الْعَبْدُ أَوْ بَعْضُهُ) مَغْصُوبًا، أَوْ خَرَجَ الثَّوْبُ أَوْ بَعْضُهُ (مَغْصُوبًا) لَمْ تَطْلُقْ (أَوْ) قَالَ: إنْ أَعْطَيْتَنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ عَبْدًا، فَبَانَ (مَرْهُونًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ حُرًّا؛ لَمْ تَطْلُقْ) لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ إنَّمَا تَتَنَاوَلُ مَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ مِنْهَا، وَالْمَغْصُوبُ وَالْمَرْهُونُ وَالْحُرُّ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ لَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ، فَلَا يَصِحُّ إعْطَاؤُهَا إيَّاهُ؛ فَلَا يَقَعُ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ مُكَاتَبًا نَقَلَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " عَنْ " الرِّعَايَتَيْنِ " وَ " الْحَاوِي " وَغَيْرِهِمْ، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَصِحُّ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ؛ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: بِأَيِّ عَبْدٍ أَعْطَتْهُ لَهُ؛ أَيْ: إذَا كَانَ يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ عَبْدٌ، وَقَدْ وُجِدَ، هَذَا مُقْتَضَى مَا قَدَّمَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " فَتَنَبَّهْ لَهُ.
(وَإِنْ عَلَّقَهُ) أَيْ: الطَّلَاقَ (عَلَى خَمْرٍ وَنَحْوِهِ) كَقَوْلِهِ: إنْ أَعْطَيْتِنِي خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ مَيْتَةً؛ فَأَنْتِ طَالِقٌ (فَأَعْطَتْهُ) إيَّاهُ؛ (فَ) الطَّلَاقُ الْوَاقِعُ (رَجْعِيٌّ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ شَرْعِيٍّ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الطَّلَاقُ بِصُورَةِ الْإِعْطَاءِ لِاسْتِحَالَةِ حَقِيقَتِهِ، (وَإِنْ) قَالَ لَهَا: إنْ (أَعْطَيْتَنِي ثَوْبًا هَرَوِيًّا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ) ثَوْبًا (مَرْوِيًّا أَوْ) أَعْطَتْهُ ثَوْبًا (هَرَوِيًّا مَغْصُوبًا؛ لَمْ تَطْلُقْ) لِعَدَمِ وُجُودِ الصِّفَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا (وَإِنْ أَعْطَتْهُ) ثَوْبًا (هَرَوِيًّا مَعِيبًا طَلُقَتْ) لِوُجُودِ الصِّفَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا؛ لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لِلسَّلِيمِ وَالْمَعِيبِ الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى (وَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (مُطَالَبَتُهَا) بِثَوْبٍ هَرَوِيٌّ (سَلِيمٍ) ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ (وَإِنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ) : إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ لَهَا (إذَا أَعْطَيْتِنِي أَوْ أَقْبَضْتِنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ) فَأَنْتِ
طَالِقٌ.
(أَوْ) قَالَ لَهَا: (مَتَى أَعْطَيْتَنِي أَوْ أَقْبَضْتِنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَزِمَ) ؛ التَّعْلِيقُ (مِنْ جِهَتِهِ) فَلَيْسَ لَهُ إبْطَالُهُ؛ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ حُكْمُ التَّعْلِيقِ لِصِحَّةِ تَعْلِيقِهِ عَلَى الشَّرْطِ (فَأَيَّ وَقْتٍ) فَوْرًا كَانَ أَوْ مُتَرَاخِيًا، كَمَا لَوْ خَلَا التَّعْلِيقُ عَنْ الْعِوَضِ (أَعْطَتْهُ) الزَّوْجَةُ (عَلَى صِفَةٍ يُمْكِنُهُ) أَيْ: الزَّوْجَ (الْقَبْضُ) فِيهَا؛ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ ثَمَّ يَدٌ حَائِلَةٌ ظَالِمَةٌ (دَرَاهِمَ تُوَازِنُ أَلْفًا) فَأَكْثَرَ إنْ كَانَ شَرَطَهَا وَزْنِيَّةً، وَإِلَّا فَمَا شُرِطَ فِي الْخُلْعِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي شَرْطِهَا وَزْنِيَّةً؛ فَقَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الشَّرْطِ، وَيَكُونُ الْإِعْطَاءُ بِإِحْضَارِ الْأَلْفِ لِلزَّوْجِ وَإِذْنِهَا لَهُ فِي قَبْضِهِ (وَلَوْ مَعَ نَقْصِ الْعَدَدِ) اكْتِفَاءً بِتَمَامِ الْوَزْنِ (بَانَتْ) مِنْهُ لِوُجُودِ الصِّفَةِ (وَمَلَكَهُ) أَيْ الْأَلْفَ الزَّوْجُ (وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ) لِأَنَّهُ إعْطَاءٌ شَرْعِيٌّ يَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يُعْطِي فُلَانًا شَيْئًا إذَا فَعَلَهُ مَعَهُ وَ (لَا) تَطْلُقُ (إنْ أَعْطَتْهُ) (رَهْنًا بِالْأَلْفِ، أَوْ أَحَالَتْهُ بِهِ، أَوْ قَاصَّتْهُ بِهِ وَنَحْوُهُ) كَمَا لَوْ أَعْطَتْهُ دُونَ الْأَلْفِ، أَوْ أَعْطَتْهُ سَبِيكَةً تَبْلُغُ أَلْفًا، أَوْ أَعْطَتْهُ مَغْشُوشَةً يَنْقُصُ مَا فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ عَنْ الْأَلْفِ، أَوْ هَرَبَ قَبْلَ عَطِيَّتِهَا، أَوْ قَالَتْ: يَضْمَنُهُ لَكَ زَيْدٌ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ الصِّفَةِ.
(وَ) مَنْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: (طَلِّقْنِي) بِأَلْفٍ أَوْ عَلَى أَلْفٍ أَوْ لَك أَلْفٌ، أَوْ قَالَتْ لَهُ: اخْلَعْنِي بِأَلْفٍ أَوْ عَلَى أَلْفٍ، أَوْ وَلَك أَلْفٌ (أَوْ) قَالَتْ لَهُ (إنْ طَلَّقْتنِي) فَلَكَ أَلْفٌ أَوْ فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ أَلْفٍ، (أَوْ) قَالَتْ لَهُ (إنْ خَلَعْتنِي فَلَكَ أَلْفٌ أَوْ فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْهُ) أَيْ: الْأَلْفِ (فَقَالَ) لَهَا (طَلَّقْتُكِ) جَوَابًا لِقَوْلِهَا طَلِّقْنِي، أَوْ إنْ طَلَّقْتنِي (أَوْ) قَالَ لَهَا (خَلَعْتُكِ) جَوَابًا لِقَوْلِهَا: اخْلَعْنِي أَوْ إنْ خَلَعْتنِي (وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْأَلْفَ) مَعَ قَوْلِهِ طَلَّقْتُكِ أَوْ خَلَعْتُكِ (بَانَتْ) مِنْهُ (وَاسْتَحَقَّهُ) أَيْ: الْأَلْفَ لِأَنَّ قَوْلَهُ طَلَّقْتُكِ أَوْ خَلَعْتُكِ جَوَابٌ لِمَا اسْتَدْعَتْهُ مِنْهُ، وَالسُّؤَالُ كَالْمَعَادِنِ فِي الْجَوَابِ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: بِعْنِي عَبْدَكَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ بِعْتُكَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَلْفَ (مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ) لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ، فَيَنْصَرِفُ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ (إنْ أَجَابَهَا عَلَى الْفَوْرِ) وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ جَوَابًا لِسُؤَالِهَا (وَلَهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (الرُّجُوعُ) عَمَّا قَالَتْهُ لِزَوْجِهَا (قَبْلَ إجَابَتِهِ) لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ؛ فَلَهَا الرُّجُوعُ قَبْلَ تَمَامِهِ بِالْجَوَابِ، كَالْبَيْعِ وَكَذَا قَوْلُهَا إنْ طَلَّقْتَنِي فَلَكَ أَلْفٌ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ تَعْلِيقًا فَهُوَ تَعْلِيقٌ لِوُجُوبِ الْعِوَضِ، لَا لِلطَّلَاقِ.
(وَ) إنْ قَالَتْ (اجْعَلْ أَمْرِي بِيَدِي وَلَك عَبْدِي هَذَا فَفَعَلَ) أَيْ: جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا (مَلَكَ الْعَبْدَ) بِقَبْضِهِ إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ وَفَّاهَا مَا جُعِلَ لَهَا فِي نَظِيرِهِ (وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ) أَيْ: الْعَبْدِ، (وَلَوْ قَبْلَ اخْتِيَارِهَا) نَفْسِهَا كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ (وَتَخْتَارُ مَتَى شَاءَتْ) لِجَعْلِهِ ذَلِكَ لَهَا (مَا لَمْ يَطَأْ أَوْ يَرْجِعْ) فَلَا اخْتِيَارَ لَهَا لِانْعِزَالِهَا بِذَلِكَ (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ رَجَعَ عَنْ جَعْلِ أَمْرِهَا بِيَدِهَا (رَجَعَتْ) عَلَيْهِ (بِالْعِوَضِ) الَّذِي بَذَلَتْهُ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ عَبْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهَا مَا يُقَابِلُهُ.
(وَ) لَوْ قَالَ لَهَا (إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ، مَلَكَ إبْطَالَ هَذِهِ الصِّفَةِ) لِأَنَّهَا وَكَالَةٌ، وَهِيَ جَائِزَةٌ، وَلَيْسَتْ مِنْ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ فِي شَيْءٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الطَّلَاقَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْكِنَايَاتِ (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: وَلَوْ جَعَلَتْ لَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يُخَيِّرَهَا) فَخَيَّرَهَا (فَاخْتَارَتْ الزَّوْجَ؛ لَا يَرُدُّ الزَّوْجُ شَيْئًا) مِنْ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا جَاعَلَتْهُ عَلَيْهِ؛ فَاسْتَقَرَّتْ لَهُ.
(وَ) إنْ قَالَتْ (طَلِّقْنِي بِدِينَارٍ، فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ ارْتَدَّتْ) عَنْ الْإِسْلَامِ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ بَائِنًا؛ لِأَنَّهُ عَلَى عِوَضٍ، وَلَا تُؤَثِّرُ الرِّدَّةُ فِيهِ؛ لِتَأَخُّرِهَا عَنْهُ (وَلَزِمَهَا) أَيْ الدِّينَارُ بِالطَّلَاقِ (وَإِنْ ارْتَدَّتْ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولٍ بِهَا) ؛ بَانَتْ بِالرِّدَّةِ، وَ (لَمْ يَقَعْ) الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الْبَائِنَ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ، وَإِنْ كَانَ طَلَّقَهَا بَعْدَ رِدَّتِهَا (وَبَعْدَهُ) أَيْ: الدُّخُولِ بِهَا فَإِنَّهُ (يُوقَفُ الْأَمْرُ) عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (فَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَقَعَ) الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَتَهُ حِينَهُ، (وَإِلَّا) تُسْلِمْ بِأَنْ أَقَامَتْ عَلَى رِدَّتِهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا (فَلَا) يَقَعُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً حِينَ طَلَّقَهَا.
[فَصْلٌ مَنْ سُئِلَ الْخُلْعَ عَلَى شَيْءٍ فَطَلَّقَ]
فَصْلٌ (مَنْ سُئِلَ الْخُلْعَ) أَيْ: أَنْ يَخْلَعَ زَوْجَتَهُ سَوَاءٌ كَانَ السُّؤَالُ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا (عَلَى شَيْءٍ فَطَلَّقَ) لَمْ يَسْتَحِقَّهُ (أَوْ) سُئِلَ الْخُلْعَ عَلَى شَيْءٍ (فَخَلَعَ) زَوْجَتَهُ (وَنَوَى) بِالْخُلْعِ (الطَّلَاقَ، لَمْ يَسْتَحِقَّهُ) أَيْ: الْمَسْئُولَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا اسْتَدْعَتْ مِنْهُ فَسْخًا، فَلَمْ يُجِبْهَا إلَيْهِ، وَأَوْقَعَ طَلَاقًا لَمْ تَتَطَلَّبْهُ مِنْهُ، وَلَمْ تَبْذُلْ فِيهِ عِوَضًا (وَوَقَعَ) عَلَيْهِ الطَّلَاقُ بِذَلِكَ (رَجْعِيًّا) لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ مُبْتَدَأً غَيْرَ مَبْذُولٍ فِيهِ عِوَضٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا ابْتِدَاءً.
(وَمَنْ سُئِلَ الطَّلَاقَ) عَلَى عِوَضٍ (فَخَلَعَ) وَلَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ (لَمْ يَصِحَّ خُلْعُهُ) الَّذِي هُوَ فَسْخٌ؛ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْعِوَضِ؛ لِأَنَّهُ مَبْذُولٌ فِي الطَّلَاقِ لَا فِيهِ (وَ) إنْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا (طَلِّقْنِي) بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ؛ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأَلْفَ إلَّا بِطَلَاقِهَا بَعْدَ الشَّهْرِ (أَوْ) قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ (طَلِّقْهَا) أَيْ: امْرَأَتَكِ (بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، لَمْ يَسْتَحِقَّهُ إلَّا بِطَلَاقِهَا بَعْدَهُ) أَيْ: الشَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ رَأْسِ الشَّهْرِ؛ فَقَدْ اخْتَارَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ بِلَا عِوَضٍ؛ فَيَقَعُ رَجْعِيًّا أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ إلَى تَكُونُ بِمَعْنَى مِنْ الِابْتِدَائِيَّةِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا غَايَةَ لِانْتِهَائِهِ، وَإِنَّمَا الْغَايَةُ لِابْتِدَائِهِ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، فَقَالَ لَهَا: إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ (وَ) إنْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: طَلِّقْنِي (مِنْ الْآنَ إلَى شَهْرٍ) بِأَلْفٍ (لَمْ يَسْتَحِقَّهُ إلَّا بِطَلَاقِهَا قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ مُضِيِّ الشَّهْرِ، وَلَا تَضُرُّ الْجَهَالَةُ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشَّرْطِ، فَصَحَّ بَذْلُ الْعِوَضِ فِيهِ مَعَ
جَهْلِ الْوَقْتِ كَالْجَعَالَةِ.
(وَ) مَنْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا (طَلِّقْنِي بِهِ) أَيْ: بِأَلْفٍ (عَلَى أَنْ تُطَلِّقَ ضَرَّتِي، أَوْ) قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ (عَلَى أَنْ تُطَلِّقَهَا) أَيْ: الضَّرَّةَ (صَحَّ الشَّرْطُ وَالْعِوَضُ) لِأَنَّهَا بَذَلَتْهُ فِي طَلَاقِهَا وَطَلَاقِ ضَرَّتِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِأَلْفٍ (وَإِنْ لَمْ يَفِ) لَهَا بِشَرْطِهَا مِنْ طَلَاقِ ضَرَّتِهَا أَوْ عَدَمِهِ (فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْهُ) أَيْ: الْأَلْفِ (وَمِنْ الْمَهْرِ) الْمُسَمَّى إنْ كَانَ ثَمَّ مُسَمًّى، وَإِلَّا يَكُنْ مُسَمًّى فَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ الْأَقَلَّ مِنْ الْأَلْفِ أَوْ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ إلَّا بِعِوَضٍ، فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ رَجَعَ إلَى مَا مَضَى بِكَوْنِهِ عِوَضًا؛ وَهُوَ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ أَلْفٍ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَلَهُ الْأَلْفُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِكَوْنِهِ عِوَضًا عَنْهَا وَعَنْ شَيْءٍ آخَرَ، فَإِذَا جُعِلَ كُلُّهُ عَنْهَا كَانَ أَحَظَّ لَهُ.
(وَ) مَنْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: (طَلِّقْنِي) طَلْقَةً (وَاحِدَةً بِأَلْفٍ وَاحِدٍ، أَوْ) طَلِّقْنِي (وَاحِدَةً عَلَى أَلْفٍ) أَوْ طَلِّقْنِي وَاحِدَةً وَلَك أَلْفٌ وَنَحْوُهُ؛ كَطَلِّقْنِي وَاحِدَةً عَلَى أَنْ أُعْطِيَك أَلْفًا (فَطَلَّقَهَا أَكْثَرَ) بِأَنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (اسْتَحَقَّهُ) أَيْ: الْأَلْفَ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ مَا اسْتَدْعَتْهُ وَزِيَادَةً لِوُجُودِ الْوَاحِدَةِ فِي ضِمْنِ الثِّنْتَيْنِ أَوْ الثَّلَاثِ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً؛ وَقَعَتْ فَيَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ بِالْوَاحِدَةِ، وَالزِّيَادَةُ الَّتِي لَمْ تَبْذُلْ الْعِوَضَ فِيهَا لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا شَيْئًا.
(وَلَوْ أَجَابَ) قَوْلَهَا طَلِّقْنِي وَاحِدَةً بِأَلْفٍ (بِ) قَوْلِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ بَانَتْ بِالْأُولَى) مِنْهُ لِوُقُوعِهَا فِي مُقَابَلَةِ الْعِوَضِ، وَلَمْ يَلْحَقْهَا مَا بَعْدَهَا (وَإِنْ ذَكَرَ الْأَلْفَ عَقِبَ) الطَّلْقَةِ (الثَّانِيَةِ) بِأَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ بِأَلْفٍ وَطَالِقٌ (بَانَتْ بِهَا) أَيْ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا بِعِوَضٍ (وَ) وَقَعَتْ الطَّلْقَةُ (الْأُولَى رَجْعِيَّةً وَلَغَتْ الثَّالِثَةُ) لِأَنَّ الْبَائِنَ لَا يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ، (وَإِنْ ذَكَرَهُ) أَيْ: الْأَلْفَ، عَقِبَهَا، أَيْ بِأَنْ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ بِأَلْفٍ (طَلُقَتْ ثَلَاثًا) وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْأَلْفَ وَنَوَى أَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الْكُلِّ بَانَتْ بِالْأُولَى، وَلَمْ يَلْحَقْهَا مَا بَعْدَهَا، وَلَهُ ثُلُثُ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ
بِإِيقَاعِهَا بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِخَمْسِمِائَةٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ بِالْأُولَى، وَبَانَتْ بِهَا.
(وَ) مَنْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا (طَلِّقْنِي ثَلَاثًا) بِأَلْفٍ (أَوْ) قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْنِي (مِائَةً بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ) كَوَاحِدَةٍ أَوْ ثِنْتَيْنِ، بِأَنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ (وَلَوْ يَنْوِ) بِقَوْلَةِ ذَلِكَ الطَّلَاقَ، (الثَّلَاثَ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا) مِنْ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهَا بَذَلَتْ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ لَمْ يُجِبْهَا إلَيْهِ؛ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَوَقَعَ مَا أَجَابَهَا بِهِ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ الثَّلَاثِ إلَّا مَا أَوْقَعَهُ وَلَمْ تَعْلَمْ) هِيَ بِذَلِكَ (اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ) لِأَنَّهَا حَصَّلَتْ مَا يَحْصُلُ بِالثَّلَاثِ مِنْ الْبَيْنُونَةِ وَالتَّحْرِيمِ (فَإِنْ قَالَ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ طَلَاقِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ (أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ الْأُولَى بِأَلْفٍ وَالثَّانِيَةُ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ وَقَعَتْ الْأُولَى فَقَطْ، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ قَالَ) وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ (الْأُولَى بِغَيْرِ شَيْءٍ وَقَعَتْ وَحْدَهَا) ، لِأَنَّ الثَّلَاثَ تَمَّتْ بِهَا (وَلَمْ يَسْتَحِقَّ) شَيْئًا مِنْ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا عِوَضًا (وَتَمَّتْ الثَّلَاثُ) طَلْقَاتٍ (وَإِنْ قَالَ) وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ (إحْدَاهُمَا بِأَلْفٍ لَزِمَهَا الْأَلْفُ) وَكَمَّلَتْ الثَّلَاثَ؛ فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
(وَ) مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ أَوْ عَلَى أَلْفٍ فَقَالَتْ قَبِلْت وَاحِدَةً بِأَلْفٍ) وَقَعَ الثَّلَاثُ (أَوْ) قَالَتْ وَاحِدَةً (بِأَلْفَيْنِ وَقَعَ الثَّلَاثُ، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ وَ) إنْ قَالَتْ مَقُولٌ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ (قَبِلْت) وَاحِدَةً (بِخَمْسِمِائَةٍ) لَمْ يَقَعْ (أَوْ) قَالَتْ قَبِلْتُ (وَاحِدَةً مِنْ الثَّلَاثِ بِثُلُثِ الْأَلْفِ لَمْ يَقَعْ) وَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا (وَ) إنْ قَالَ لَهَا: (أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إحْدَاهُمَا بِأَلْفٍ وَقَعَتْ بِهَا وَاحِدَةٌ، وَوَقَعَتْ الْأُخْرَى بِقَبُولِهَا) هَذَا مَعْنَى مَا فِي " الْمُبْدِعِ وَ " الشَّرْحِ " قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
[تَتِمَّةٌ قَالَتْ طَلِّقْنِي عَشْرًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ]
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ قَالَتْ طَلِّقْنِي عَشْرًا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ فَلَا شَيْءَ
لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِبْهَا إلَى مَا سَأَلَتْهُ وَبَذَلَتْ الْعِوَضَ فِيهِ؛ وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ لِأَنَّهُ أَجَابَهَا إلَى سُؤَالِهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا نِهَايَةُ مَا يَمْلِكُهُ مِمَّا سَأَلَتْهُ، فَمَا زَادَ عَلَيْهَا لَغْوٌ، وَإِنْ قَالَتْ مَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ طَلَاقِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ وَاحِدَةً أَبِينُ بِهَا وَاثْنَتَيْنِ فِي نِكَاحٍ آخَرَ، فَقَالَ الْقَاضِي الصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ فِي التَّطْلِيقَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ فِي طَلَاقٍ، وَمُعَاوَضَةٌ عَلَيْهِ قَبْلَ نِكَاحٍ؛ وَهُوَ لَا يَصِحُّ قَبْلَهُ، وَكَذَا الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ، وَيَنْبَنِي عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، فَإِذَا قُلْنَا تُفَرَّقُ فَلَهُ ثُلُثُ الْأَلْفِ.
(وَلَوْ قَالَ) لِزَوْجٍ (امْرَأَتَاهُ طَلِّقْنَا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا بَانَتْ بِقِسْطِهَا) مِنْ الْأَلْفِ فَيُقَسَّطُ عَلَى مَهْرِ مِثْلَيْهِمَا (وَلَوْ قَالَتْهُ) أَيْ: طَلِّقْنَا بِأَلْفٍ (إحْدَاهُمَا) فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (فَرَجْعِيٌّ) سَوَاءٌ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ السَّائِلَةَ أَوْ ضَرَّتَهَا (وَلَا شَيْءَ لَهُ) لِأَنَّهَا جَعَلَتْ الْأَلْفَ فِي مُقَابَلَةِ طَلَاقِهِمَا، وَلَمْ يُجِبْهَا إلَى مَا سَأَلَتْ؛ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا مَا بَذَلَتْ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَرَضُهَا فِي بَيْنُونَتِهِمَا جَمِيعًا مِنْهُ، فَإِذَا طَلَّقَ إحْدَاهُمَا لَمْ يَحْصُلْ غَرَضُهَا، فَلَمْ يَلْزَمْهَا عِوَضٌ.
(وَيَتَّجِهُ) فَلَوْ طَلَّقَهَا عَقِبَ قَوْلِ إحْدَاهُمَا طَلِّقْنَا بِأَلْفٍ (بَانَتَا) مَعًا (وَعَلَى السَّائِلَةِ الْأَلْفُ) ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ جَائِزٌ (إلَّا إنْ) ثَبَتَ أَنَّهَا (وَكَّلَتْهَا الْأُخْرَى) فَيُقَسَّطُ الْأَلْفُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) إنْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: (أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ وَاحِدَةٌ) مِنْهُمَا (طَلُقَتْ بِقِسْطِهَا) مِنْ الْأَلْفِ، وَإِنْ قَالَ لَهُمَا (أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ بِأَلْفٍ إنْ شِئْتُمَا، فَقَالَتَا لَفْظًا شِئْنَا، وَلَوْ تَرَاخَى لَفْظُهُمَا بِالْمَشِيئَةِ أَوْ رَجَعَ) الزَّوْجُ عَنْ اشْتِرَاطِهِ الْمَشِيئَةَ قَبْلَ تَلَفُّظِهِمَا بِهَا (وَإِحْدَاهُمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ (غَيْرُ رَشِيدَةٍ؛ وَقَعَ) الطَّلَاقُ (بِهَا) أَيْ: غَيْرِ الرَّشِيدَةِ (رَجْعِيًّا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا) مِنْ الْأَلْفِ، أَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهَا فَلِأَنَّ لَهَا،
مَشِيئَةً وَلِذَلِكَ رَجَعَ إلَى مَشِيئَتِهَا فِي النِّكَاحِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ رَجْعِيًّا فَلِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا؛ لِعَدَمِ نُفُوذِ تَصَرُّفِهَا فِي مَالِهَا (وَ) وَقَعَ الطَّلَاقُ (بِالرَّشِيدَةِ بَائِنًا بِقِسْطِهَا مِنْ الْأَلْفِ) لِصِحَّةِ مَشِيئَةِ الرَّشِيدَةِ وَنُفُوذِ تَصَرُّفِهَا فِي مَالِهَا، وَيُقَسَّطُ عَلَى مَهْرِ مِثْلَيْهَا.
(وَ) إنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ أَلْفٌ، أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (عَلَى أَلْفٍ، أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ) ذَلِكَ مِنْهُ (بِالْمَجْلِسِ بَانَتْ) مِنْهُ (وَاسْتَحَقَّهُ) أَيْ: الْأَلْفَ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ عَلَى عِوَضٍ قَدْ اُلْتُزِمَ فِيهِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ كَانَ بِسُؤَالِهَا (وَإِلَّا) تَقْبَلْ ذَلِكَ بِالْمَجْلِسِ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ (رَجْعِيًّا) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ اشْتِرَاطُ الْعِوَضِ عَلَى مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ فَلَغَا الشَّرْطُ (وَلَا يَنْقَلِبُ) الطَّلَاقُ (بَائِنًا إنْ بَذَلَتْهُ) أَيْ: الْأَلْفَ (بِهِ) أَيْ: الْمَجْلِسِ (بَعْدَ رَدِّهَا) كَمَا لَوْ بَذَلَتْهُ بَعْدَ الْمَجْلِسِ (وَيَصِحُّ رُجُوعُهُ) أَيْ: الزَّوْجِ بَعْدَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ أَوْ وَعَلَيْكِ أَلْفٌ أَوْ بِأَلْفٍ (قَبْلَ قَبُولِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ ذَلِكَ مِنْهُ؛ فَلَا تَبِينُ كَرُجُوعِ مَنْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ قَبْلَ قَبُولِهِ.
[فَصْلٌ خَالَعَتْهُ الزَّوْجَةُ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا الْمَخُوفِ]
فَصْلٌ (إذَا خَالَعَتْهُ) الزَّوْجَةُ (فِي مَرَضِ مَوْتِهَا) الْمَخُوفِ، فَالْخُلْعُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فَصَحَّ فِي الْمَرَضِ كَالْبَيْعِ، وَمَتَى اخْتَلَفَ الْمُسَمَّى فِيهِ وَإِرْثُهُ مِنْهُ (فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْ الْعِوَضِ) الْمُسَمَّى فِي الْخُلْعِ (أَوْ إرْثُهُ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا تُهْمَةَ فِيهِ؛ بِخِلَافِ الْأَكْثَرِ مِنْهُمَا، فَإِنَّ الْخُلْعَ إنْ وَقَعَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْمِيرَاثِ تَطَرَّقَتْ إلَيْهِ التُّهْمَةُ مِنْ قَصْدِ إيصَالِهَا إلَيْهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ عَلَى وَجْهٍ لَمْ تَكُنْ قَادِرَةً عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْصَتْ أَوْ أَقَرَّتْ لَهُ، وَإِنْ وَقَعَ أَقَلَّ مِنْ الْمِيرَاثِ فَالْبَاقِي هُوَ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهُ؛ فَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ؛ فَتَعَيَّنَ اسْتِحْقَاقُ الْأَقَلِّ مِنْهُمَا، وَإِنْ صَحَّتْ مِنْ مَرَضِهَا الَّذِي خَالَعَتْهُ فِيهِ، فَلَهُ جَمِيعُ مَا خَالَعَهَا بِهِ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا فِي الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضِ مَوْتِهَا.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا) رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، ثُمَّ وَصَّى لَهَا بِزَائِدٍ عَنْ إرْثِهَا (أَوْ أَقَرَّ لَهَا بِزَائِدٍ عَنْ إرْثِهَا لَمْ تَسْتَحِقَّ الزَّائِدَ) عَنْ إرْثِهَا إنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ لِلتُّهْمَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إلَى إيصَالِ ذَلِكَ إلَيْهَا وَهِيَ فِي حِبَالِهِ فَطَلَّقَهَا لِيُوصِلَهُ إلَيْهَا؛ فَمُنِعَ مِنْهُ كَالْوَصِيَّةِ لَهَا (وَإِنْ خَالَعَهَا) فِي مَرَضِ مَوْتِهِ الْمَخُوفِ (وَحَابَاهَا) بِأَنْ أَخَذَ مِنْهَا دُونَ مَا أَعْطَاهَا أَوْ دُونَ مَا يُمْكِنُهُ الْأَخْذُ مِنْهَا بِبَذْلِهَا لَهُ (فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ) أَيْ: لَا يَحْتَسِبُ مَا حَابَاهَا بِهِ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا بِلَا عِوَضٍ صَحَّ؛ فَمَعَهُ أَوْلَى.
(وَمَنْ صَحَّ خُلْعُهُ) وَهُوَ الزَّوْجُ الَّذِي يَعْقِلُ الْخُلْعَ (صَحَّ تَوْكِيلُهُ وَوَكَالَتُهُ فِيهِ) كَسَائِرِ الْفُسُوخِ وَالْعُقُودِ (مِنْ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَذَكَرٍ وَأُنْثَى وَمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَرَشِيدٍ وَمُفْلِسٍ) وَغَيْرِهِ (وَمَنْ) (وَكَّلَ فِي خَلْعِ امْرَأَتِهِ وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يُقَدِّرْ عِوَضًا؛ صَحَّ التَّوْكِيلُ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، وَالْمُسْتَحَبُّ النَّقْدَانِ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمُ مِنْ الْغَرَرِ وَأَسْهَلُ عَلَى الْوَكِيلِ (فَخَالَعَ) الْوَكِيلُ زَوْجَةَ مُوَكِّلِهِ (بِ) عِوَضٍ (أَنْقَصَ مِنْ مَهْرِهَا) (صَحَّ وَضَمِنَ) الْوَكِيلُ (النَّقْصَ) مِنْ مَهْرِهَا، وَصَحَّ الْخُلْعُ لِانْصِرَافِ الْإِذْنِ إلَى إزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْ الْبُضْعِ بِالْعِوَضِ الْمُقَدَّرِ شَرْعًا وَهُوَ مَهْرُهَا، فَإِذَا أَزَالَهُ بِأَقَلَّ مِنْهُ، ضَمِنَ النَّقْصَ كَالْوَكِيلِ الْمُطْلَقِ فِي الْبَيْعِ إذَا بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ (وَإِنْ عَيَّنَ) زَوْجٌ (لَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (الْعِوَضَ) كَأَنْ قَالَ اخْلَعْهَا عَلَى عَشَرَةٍ (فَنَقَصَ مِنْهُ) كَأَنْ خَلَعَهَا عَلَى تِسْعَةٍ (لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ) لِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ فِيهِ بِشَرْطِ مَا قَدَّرَهُ مِنْ الْعِوَضِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الْمُقَدَّرُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ، فَيُشْبِهُ خُلْعَ الْفُضُولِيِّ (وَإِنْ زَادَ مَنْ وَكَّلَتْهُ) أَيْ: الزَّوْجَةُ فِي خُلْعِهَا (وَأَطْلَقَتْ) بِأَنْ لَمْ تُقَدِّرْ لَهُ عِوَضًا (عَلَى مَهْرِهَا) أَوْ زَادَ (مَنْ عَيَّنَتْ لَهُ الْعِوَضَ) عَلَى مَا عَيَّنَتْ لَهُ (صَحَّ الْخُلْعُ) فِيهِمَا (وَلَزِمَتْهُ) أَيْ: الْوَكِيلَ (الزِّيَادَةُ) لِأَنَّ الزَّوْجَةَ رَضِيَتْ بِدَفْعِ الْعِوَضِ الَّذِي يُمْلَكُ الْخُلْعُ بِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، أَوْ بِالْقَدْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ مَعَ التَّقْدِيرِ وَالزِّيَادَةُ
لَازِمَةٌ لِلْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهَا عِوَضٌ بَذَلَهُ فِي الْخُلْعِ؛ فَصَحَّ مِنْهُ (وَلَزِمَهُ) ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا (وَإِنْ خَالَفَ) وَكِيلُ الزَّوْجِ أَوْ وَكِيلُ الزَّوْجَةِ (جِنْسًا) بِأَنْ وُكِّلَ أَنْ يُخَالِعَ عَلَى نَقْدٍ، فَخَالَعَ عَلَى عِوَضٍ (أَوْ) بِالْعَكْسِ، أَوْ خَالَفَ (حُلُولًا) بِأَنْ وُكِّلَ أَنْ يُخَالِعَ عَلَى نَقْدٍ، بِمِائَةٍ حَالَّةٍ فَخَالَعَ عَلَى مِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ (أَوْ) خَالَفَ (نَقْدَ الْبَلَدِ) . بِأَنْ وُكِّلَ أَنْ يُخَالِعَ بِمِائَةٍ، فَخَالَعَ بِمِائَةٍ مِنْ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ (لَمْ يَصِحَّ) الْخُلْعُ؛ لِلْمُخَالَفَةِ (إلَّا وَكِيلُهُمَا) إذَا خَالَفَ (حُلُولًا، فَأَجَّلَ) فَيَصِحُّ (وَيَتَّجِهُ) (أَوْ) أَيْ: وَإِلَّا (وَكِيلُهُ) أَيْ: الزَّوْجِ إذَا خَالَفَ (مُؤَجَّلًا فَعَجَّلَ) فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَوْ وَكَّلَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ (وَاحِدًا) فَلَهُ أَنْ (يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ كَنِكَاحٍ) وَبَيْعٍ (وَلَا يَسْقُطُ بَيْنَ مُتَخَالِعَيْنِ) مِنْ حُقُوقِ نِكَاحٍ كَمَهْرٍ وَنَفَقَةٍ (أَوْ غَيْرِهِ) كَقَرْضٍ (بِسُكُوتٍ عَنْهُمَا) حَالَ خُلْعٍ، فَيَتَرَاجَعَانِ بِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْحُقُوقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْقُطُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ؛ فَلَا يَسْقُطُ بِلَفْظِ الْخُلْعِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (فَلَا تَسْقُطُ مُتْعَةُ مُفَوِّضَةٍ) خُولِعَتْ (وَلَا) تَسْقُطُ (نَفَقَةُ عِدَّةِ حَامِلٍ وَلَا بَقِيَّةُ مَا خُولِعَ عَلَى بَعْضِهِ) كَسَائِرِ الْفُسُوخِ وَكَالْفُرْقَةِ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ.
[فَرْعٌ الْخُلْعُ حِيلَةً لِإِسْقَاطِ يَمِينِ طَلَاقٍ]
(فَرْعٌ يَحْرُمُ الْخُلْعُ حِيلَةً لِإِسْقَاطِ يَمِينِ طَلَاقٍ وَيَتَّجِهُ أَوْ) أَيْ: وَيَحْرُمُ الْخُلْعُ حِيلَةً لِأَجْلِ إسْقَاطِ (تَعْلِيقِهِ) أَيْ: الطَّلَاقِ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا إذَا قَدِمَ زَيْدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَلَعَهَا قَبْلَ قُدُومِهِ حِيلَةً لِإِسْقَاطِ تَعْلِيقٍ؛ فَيَحْرُمُ كَسَائِرِ الْحِيَلِ، وَلَا يَقَعُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ بَطَّةَ، وَذَكَرَهُ عَنْ الْآجُرِّيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " وَالْقَاضِي فِي " الْخِلَافِ " وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " الِانْتِصَارِ " وَقَالَ هُوَ مُحَرَّمٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا؛ وَكَذَا قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي " الْمُغْنِي " هَذَا يُفْعَلُ حِيلَةً عَلَى إبْطَالِ الطَّلَاقِ
الْمُعَلَّقِ، وَالْحِيَلُ خِدَاعٌ لَا تُحِلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ - تَعَالَى.
انْتَهَى.
أَقُولُ: إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَلَا فَائِدَةَ لِهَذَا الِاتِّجَاهِ بَعْدَ تَصْرِيحِ الْأَصْحَابِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
(وَلَا يَصِحُّ) أَيْ: لَا يَقَعُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: خُلْعُ الْحِيلَةِ لَا يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْفُرْقَةَ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ مِنْهُ بَقَاءُ الْمَرْأَةِ مَعَ زَوْجِهَا، كَمَا فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ، وَالْعَقْدُ لَا يُقْصَدُ بِهِ نَقِيضُ مَقْصُودِهِ (خِلَافًا " للرعايتين " " وَ " الْحَاوِي ") فِي قَوْلِهِمْ: وَيَحْرُمُ الْخُلْعُ حِيلَةً وَيَقَعُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَشَذَّ فِي الرِّعَايَةِ " فَذَكَرَهُ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْتُ: غَالِبُ النَّاسِ وَاقِعٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَيَسْتَعْمِلُهَا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ، فَفِي هَذَا الْقَوْلِ فَرَجٌ لَهُمْ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَقَصَدَ الْمُحَلِّلُ التَّحْلِيلَ وَقَصَدَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَصْدًا مُحَرَّمًا كَبَيْعِ عَصِيرٍ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ، فَيُقَالُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَا قِيلَ فِي الْآخَرِ.
(وَفِي وَاضِحِ ابْنِ عَقِيلٍ: يُسْتَحَبُّ إعْلَامُ) الْمُفْتِي (الْمُسْتَفْتِيَ) أَيْ: طَالِبَ الْفُتْيَا (بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْمُفْتِي (إنْ كَانَ) الْمُسْتَفْتِي (أَهْلًا لِلرُّخْصَةِ كَطَالِبِ التَّخَلُّصِ مِنْ) الْوُقُوعِ فِي (الرِّبَا) وَلَمْ يَجِدْ لَهُ وَجْهًا فِي مَذْهَبِهِ (فَيَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَرَى التَّحَيُّلَ لِلْخَلَاصِ مِنْهُ) أَيْ: الرِّبَا (وَالْخُلْعِ) فَيُفْتِيهِ ذَلِكَ الْغَيْرُ بِصِحَّةِ الْخُلْعِ (وَعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ) لِئَلَّا يُضْطَرَّ فَيَقَعَ فِي الْمَحْظُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ إذْ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ بِحَيْثُ إنَّهُ يَعْتَقِدُ صَوَابَهُ وَخَطَأَ غَيْرِهِ، وَإِلَّا لَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْ عِبَادَهُ مَا لَا يُطِيقُونَهُ، وَإِنَّمَا جَعَلَ اخْتِلَافَ الْمَذَاهِبِ رَحْمَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ (وَ) مِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ فِي فُرُوعِهِ أَنَّ أُنَاسًا (جَاءُوا) الْإِمَامَ (أَحْمَدَ بِفَتْوَى) سَأَلُوهُ عَنْهَا (فَلَمْ تَكُنْ عَلَى مَذْهَبِهِ، فَقَالَ عَلَيْكُمْ بِحَلْقَةِ الْمَدَنِيِّينَ) فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ إذَا جَاءَهُ
الْمُسْتَفْتِي، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ رُخْصَةٌ يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبٍ لَهُ فِيهِ رُخْصَةٌ انْتَهَى.
تَتِمَّةٌ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَوْ اعْتَقَدَ الرَّجُلُ الْبَيْنُونَةَ بِخُلْعِ الْحِيلَةِ، ثُمَّ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ؛ فَحُكْمُهُ كَمَا لَوْ قَالَ لِمَنْ ظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً: أَنْتِ طَالِقٌ، فَبَانَتْ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ؛ فَتَبِينُ امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ.
وَلَوْ خَالَعَ حِيلَةً وَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مُعْتَقِدًا زَوَالَ النِّكَاحِ، وَلَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْخُلْعِ حِيلَةً؛ فَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ؛ فَبَانَ بِخِلَافِ ظَنِّهِ، فَيَحْنَثُ بِطَلَاقٍ وَعَتَاقٍ.
قَالَ فِي " التَّفْتِيحِ ": وَغَالِبُ النَّاسِ وَاقِعٌ فِي ذَلِكَ، أَيْ: فِي الْخُلْعِ لِإِسْقَاطِ يَمِينِ الطَّلَاقِ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: وَيُشْبِهُهُ مَنْ يَخْلَعُ الْأُخْتَ ثُمَّ يَتَزَوَّجُ أُخْتَهَا، ثُمَّ يَخْلَعُ الثَّانِيَةَ وَيُعِيدُ الْأُولَى، وَهَلُمَّ جَرًّا، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِ الشَّيْخِ: خُلْعُ الْحِيلَةِ لَا يَصِحُّ، وَقَوْلِهِمْ: وَالْحِيَلُ كُلُّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ.
[فَصْلٌ قَالَ لِزَوْجَتِهِ خَالَعْتكِ بِأَلْفٍ مَثَلًا فَأَنْكَرَتْهُ]
فَصْلٌ (إذَا قَالَ) لِزَوْجَتِهِ (خَالَعْتكِ بِأَلْفٍ) مَثَلًا (فَأَنْكَرَتْهُ) أَيْ: الْخُلْعَ بَانَتْ بِإِقْرَارِهِ (وَ) تَحْلِفُ لِنَفْيِ الْعِلْمِ، أَوْ لَمْ تُنْكِرْ الْخُلْعَ لَكِنْ (قَالَتْ إنَّمَا خَالَعَكَ غَيْرِي؛ بَانَتْ) مِنْهُ بِإِقْرَارِهِ بِمَا يُوجِبُ ذَلِكَ (وَتَحْلِفُ) الزَّوْجَةُ (لِنَفْيِ الْعِوَضِ) ؛ لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهَا (وَإِنْ أَقَرَّتْ) بِأَنَّهَا خَالَعَتْهُ (وَقَالَتْ ضَمِنَهُ) أَيْ: عِوَضَ الْخُلْعِ (غَيْرِي) ، لَزِمَهَا (أَوْ) قَالَتْ: عِوَضُ الْخُلْعِ (فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ: الْغَيْرِ (قَالَ) الزَّوْجُ (بَلْ فِي ذِمَّتِكِ؛ لَزِمَهَا) الْعِوَضُ؛ لِإِقْرَارِهَا بِالْخُلْعِ، وَدَعْوَاهَا أَنَّهُ فِي ذِمَّةِ غَيْرِهَا، أَوْ أَنَّهُ ضَمِنَهُ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ، مَا لَمْ يُصَدِّقْهَا الْغَيْرُ، فَإِنْ صَدَّقَهَا فِي أَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ؛ لَزِمَهُ الْغُرْمُ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِذَلِكَ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الْمُتَخَالِعَانِ (فِي قَدْرِ عِوَضِهِ) أَيْ: الْخُلْعِ، بِأَنْ قَالَ خَالَعْتكِ بِأَلْفٍ، فَقَالَتْ بَلْ بِسَبْعِمِائَةٍ؛
فَقَوْلُهَا، أَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنِهِ - أَيْ الْعِوَضِ - بِأَنْ قَالَ خَالَعْتكِ عَلَى هَذِهِ الْأَمَةِ، فَقَالَتْ بَلْ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ؛ فَقَوْلُهَا (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (صِفَتِهِ) أَيْ: الْعِوَضِ، بِأَنْ قَالَ خَالَعْتكِ عَلَى عَشَرَةٍ صِحَاحٍ، فَقَالَتْ: بَلْ مُكَسَّرَةٍ؛ فَقَوْلُهَا (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي تَأْجِيلِهِ أَيْ: عِوَضِ الْخُلْعِ بِأَنْ قَالَ خَالَعْتكِ عَلَى مِائَةٍ حَالَّةٍ، فَقَالَتْ بَلْ مُؤَجَّلَةٍ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهَا) نَصًّا؛ لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ لِلزَّائِدِ فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ وَكَذَا إنْ اخْتَلِقَا فِي جِنْسِهِ؛ فَقَوْلُهَا؛ لِأَنَّهَا غَارِمَةٌ.
وَإِنْ قَالَ سَأَلْتنِي طَلْقَةً بِأَلْفٍ، فَقَالَتْ: بَلْ سَأَلْتُكِ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقْتَنِي وَاحِدَةً؛ بَانَتْ بِإِقْرَارِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي إسْقَاطِ الْعِوَضِ، وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى نَقْدٍ مُطْلَقًا؛ لَزِمَهَا مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا أَرَادَا دَرَاهِمَ رَائِجَةً؛ لَزِمَهَا مَا اتَّفَقَتْ إرَادَتُهُمَا عَلَيْهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِرَادَةِ فَمِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ.
(وَإِنْ عَلَّقَ) زَوْجٌ (طَلَاقَهَا) أَيْ زَوْجَتِهِ بِصِفَةٍ، (أَوْ) عَلَّقَ سَيِّدٌ (عِتْقَهُ) أَيْ قِنِّهِ (بِصِفَةٍ) كَقَوْلِهِ لَهَا: إنْ كَلَّمْتِ أَبَاكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَلِقِنِّهِ إنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ، (ثُمَّ أَبَانَهَا) بِخُلْعٍ أَوْ بِطَلَاقٍ (وَلَوْ بِالثَّلَاثِ خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ) مِنْهُمْ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ وَغَيْرُهُمَا (ثُمَّ تَزَوَّجَهَا) بَعْدَ أَنْ أَبَانَهَا (أَوْ اشْتَرَاهُ) بَعْدَ أَنْ بَاعَهُ، (فَوُجِدَتْ الصِّفَةُ) بِأَنْ كَلَّمَتْ الْمَرْأَةُ أَبَاهَا وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ أَوْ فِي عِدَّةِ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ؛ أَوْ دَخَلَ الْقِنُّ الدَّارَ، وَهُوَ فِي مِلْكِهِ؛ (طَلُقَتْ) الزَّوْجَةُ (وَعَتَقَ) الْقِنُّ.
نَصَّ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الصِّفَةِ وَوُجُودَهَا وُجِدَا فِي النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ؛ فَوَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تُحَلِّلْهُ بَيْنُونَةٌ وَلَا بَيْعٌ (وَلَوْ كَانَتْ لِصِفَةٍ وُجِدَتْ حَالَ بَيْنُونَتِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (أَوْ) حَالَ (خُرُوجِهِ) أَيْ: الْقِنِّ (عَنْ مِلْكِهِ) إذْ لَا يُقَالُ إنَّ الصِّفَةَ انْحَلَّتْ بِفِعْلِهَا حَالَ الْبَيْنُونَةِ أَوْ زَوَالِ الْمِلْكِ ضَرُورَةَ أَنْ لَا تَقْتَضِيَ التَّكْرَارَ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا انْحَلَّتْ عَلَى وَجْهٍ يَحْنَثُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَلٌّ وَعَقْدٌ
وَالْعَقْدُ يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ، فَكَذَا الْحَلُّ، وَالْحِنْثُ لَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ الصِّفَةِ حَالَ الْبَيْنُونَةِ وَلَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ طَلُقَتْ بِذَلِكَ لَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِشَرْطٍ سَابِقٍ عَلَى النِّكَاحِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَتَزَوَّجَهَا ثُمَّ دَخَلَتْ؛ لَمْ تَطْلُقْ، قِيلَ: الْفَرْقُ أَنَّ النِّكَاحَ الثَّانِيَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَوَّلِ فِي عَدَدِ الطَّلْقَاتِ وَسُقُوطِ اعْتِبَارِ الْعِدَّةِ فِيمَا إذَا أَبَانَهَا بِدُونِ الثَّلَاثِ، ثُمَّ أَعَادَهَا فِي عِدَّتِهَا سَقَطَ اعْتِبَارُهَا وَكَذَا الْحُكْمُ (لَوْ قَالَ) لِزَوْجَتِهِ (إنْ بِنْتِ مِنِّي ثُمَّ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَبَانَتْ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا) قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
[كِتَابُ الطَّلَاقِ]
ِ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» .
وَالْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَالَ رُبَّمَا فَسَدَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَيُؤَدِّي إلَى ضَرَرٍ عَظِيمٍ؛ فَبَقَاؤُهُ إذَنْ مَفْسَدَةٌ مَحْضَةٌ بِلُزُومِ الزَّوْجِ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى، وَحَبْسُ الْمَرْأَةِ مَعَ سُوءِ الْعِشْرَةِ وَالْخُصُومَةِ الدَّائِمَةِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، فَشُرِعَ مَا يُزِيلُ النِّكَاحَ لِتَزُولَ الْمَفْسَدَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْهُ.
وَالطَّلَاقُ مَصْدَر طَلَقَتْ - بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا - أَيْ: بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا، فَهِيَ طَالِقٌ، وَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَهِيَ مُطَلَّقَةٌ.
وَشَرْعًا (حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ، أَوْ حَلُّ بَعْضِهِ) أَيْ: بَعْضِ قَيْدِ النِّكَاحِ بِالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى مَعْنَاهُ لُغَةً؛ لِأَنَّ مَنْ حُلَّ قَيْدُ نِكَاحِهَا فَقَدْ خُلِّيَتْ؛ إذْ أَصْلُ الطَّلَاقِ التَّخْلِيَةُ، يُقَالُ: طَلَقَتْ النَّاقَةُ إذَا سَرَحَتْ حَيْثُ شَاءَتْ، وَحُبِسَ فُلَانٌ فِي السِّجْنِ طَلِقًا بِغَيْرِ قَيْدٍ.
(وَيَحْرُمُ) الطَّلَاقُ (فِي نَحْوِ حَيْضٍ) كَنِفَاسٍ وَطُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ.
(وَيَجِبُ) الطَّلَاقُ (عَلَى مُولٍ لَمْ يَفِئْ بَعْدَ تَرَبُّصِ) أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ حَلِفٍ إذَا لَمْ يَطَأ لِمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ.
(وَيُكْرَهُ) الطَّلَاقُ (بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ؛ لِإِزَالَةِ النِّكَاحِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا، وَلِحَدِيثِ «أَبْغَضُ الْحَلَالِ عِنْدَ اللَّهِ الطَّلَاقُ» .
(وَيُبَاحُ) الطَّلَاقُ (عِنْدَهَا) أَيْ: الْحَاجَةِ إلَيْهِ كَسُوءِ خُلُقِ الْمَرْأَةِ، وَالتَّضَرُّرِ بِهَا مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْغَرَضِ بِهَا.
(وَيُسَنُّ) الطَّلَاقُ (لِتَضَرُّرِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ بِاسْتِدَامَةِ (نِكَاحٍ) كَحَالِ الشِّقَاقِ، وَمَا يُحْوِجُ الْمَرْأَةَ إلَى الْمُخَالَعَةِ لِيُزِيلَ ضَرَرَهَا (وَ) يُسَنُّ الطَّلَاقُ أَيْضًا (لِتَرْكِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (نَحْوَ صَلَاةٍ وَعِفَّةٍ، وَلَا يُمْكِنُهُ جَبْرُهَا) عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَنْبَغِي لَهُ إمْسَاكُهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا لِدَيْنِهِ، وَلَا يَأْمَنُ إفْسَادَهَا فِرَاشَهُ وَإِلْحَاقَهَا بِهِ وَلَدًا مِنْ غَيْرِهِ (وَعَنْهُ) أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ: (يَجِبُ) الطَّلَاقُ (لَتَرْكِهَا عِفَّةً وَلِتَفْرِيطِهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ) تَعَالَى الْوَاجِبَةِ عَلَيْهَا وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (إذَا كَانَتْ تَزْنِي) لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، بَلْ (يُفَارِقَهَا، وَإِلَّا كَانَ دَيُّوثًا) انْتَهَى.
وَوَرَدَ: «لَعَنَ اللَّهُ الدَّيُّوثَ» وَاللَّعْنُ مِنْ عَلَامَاتِ الْكَبِيرَةِ، فَلِهَذَا وَجَبَ الْفِرَاقُ، وَحَرُمَتْ الْعِشْرَةُ (وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (عَضْلُهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ وَالتَّضْيِيقُ عَلَيْهَا لِتَفْتَدِي) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19] (وَهِيَ) أَيْ: الزَّوْجَةُ (كَهُوَ) أَيْ: الزَّوْجِ (فَيُسَنُّ) لَهَا (أَنْ تَخْتَلِعَ) مِنْهُ (إنْ تَرَكَ حَقًّا لِلَّهِ) كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ (وَلَا تَجِبُ) عَلَى ابْنٍ (طَاعَةُ أَبَوَيْهِ وَلَوْ) كَانَا (عَدْلَيْنِ فِي طَلَاقِ) زَوْجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَجِبُ عَلَى وَلَدٍ طَاعَةُ أَبَوَيْهِ (فِي مَنْعٍ مِنْ تَزْوِيجٍ نَصًّا) .
(وَلَا يَصِحُّ) الطَّلَاقُ (إلَّا مِنْ زَوْجٍ) لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُمَيِّزًا (يَعْقِلُهُ) فَيَصِحُّ طَلَاقُهُ كَالْبَالِغِ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ؛ لِحَدِيثِ: «كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» . وَعَنْ عَلِيٍّ اُكْتُمُوا الصِّبْيَانَ النِّكَاحَ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ فَائِدَتَهُ أَنْ لَا يُطَلِّقُوا، وَأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ عَاقِلٍ صَادَفَ مَحَلَّ الطَّلَاقِ، فَوَقَعَ كَطَلَاقِ الْبَالِغِ، وَمَعْنَى كَوْنِ الْمُمَيِّزِ يَعْقِلُ الطَّلَاقَ (بِأَنْ يَعْلَمَ) الْمُمَيِّزُ (أَنَّ زَوْجَتَهُ تَبِينُ مِنْهُ) وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ إذَا طَلَّقَهَا (وَ) إلَّا (مِنْ وَكِيلِهِ) أَيْ: الزَّوْجِ الَّذِي يَصِحُّ مِنْهُ الطَّلَاقُ وَ (إلَّا مِنْ حَاكِمٍ عَلَى مُولٍ) بَعْدَ التَّرَبُّصِ إنْ أَبَى الْفَيْئَةَ وَالطَّلَاقَ، وَيَصِحُّ الطَّلَاقُ مِنْ كِتَابِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْكُفَّارِ، وَمِنْ سَفِيهٍ، وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ، وَمِنْ عَبْدٍ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ مَقْصُودُهُ، وَيَصِحُّ الطَّلَاقُ أَيْضًا مِمَّنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ.
[فَائِدَةٌ طَلَاقُ الْمُرْتَدِّ بَعْدَ الدُّخُولِ]
ِ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ تَبَيَّنَّا وُقُوعَهُ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ أَوْ ارْتَدَّ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَطَلَاقُهُ بَاطِلٌ؛ لِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ قَبْلَهُ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَتَزْوِيجُهُ أَيْضًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى بَاطِلٌ (وَتُعْتَبَرُ إرَادَةُ لَفْظِ الطَّلَاقِ لِمَعْنَاهُ) أَيْ: لَا يُرِيدُ بِهِ غَيْرَ مَا وُضِعَ لَهُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الصَّرِيحَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إيقَاعِ شَيْءٍ بِهِ (فَلَا طَلَاقَ) وَاقِعٌ (لِفَقِيهٍ) أَيْ: عَلَيْهِ (يُكَرِّرُهُ) أَيْ الطَّلَاقَ لِلتَّعْلِيمِ، (وَ) لَا طَلَاقَ عَلَى (حَاكٍ) طَلَاقًا (وَلَوْ عَنْ نَفْسِهِ) أَوْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ مَعْنَاهُ، بَلْ التَّعْلِيمَ أَوْ الْحِكَايَةَ.
(وَ) طَلَاقُ (مُكْرَهٍ قَاصِدٍ دَفْعَ الْإِكْرَاهِ) وَيَأْتِي (وَلَا) عَلَى (مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ مِنْ) غَيْرِ قَصْدٍ (وَلَا) يَقَعُ الطَّلَاقُ (مِنْ نَائِمٍ) لَا مِنْ (زَائِلٍ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ بِرْسَامٍ) وَهُوَ وَرَمٌ حَارٌّ يَعْرِضُ لِلْحِجَابِ الَّذِي بَيْنَ الْكَبِدِ وَالْأَمْعَاءِ ثُمَّ يَتَّصِلُ بِالدِّمَاغِ (أَوْ نَشَّافٍ) وَلَوْ حَصَلَ ذَلِكَ بِضَرْبِهِ نَفْسَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ كَسَرَ سَاقَ نَفْسِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا، وَلَوْ ضَرَبَتْ الْمَرْأَةُ بَطْنَهَا فَنَفِسَتْ؛ سَقَطَتْ عَنْهَا الصَّلَاةُ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِغَيْرِ سُكْرٍ مُحَرَّمٍ
كَالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ وَشُرْبِ الدَّوَاء الْمُزِيلِ لِلْعَقْلِ وَالْمَرَضِ؛ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» .
وَحَدِيثِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ قَوْلٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَاعْتُبِرَ لَهُ الْعَقْلُ كَالْبَيْعِ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَقَعُ طَلَاقٌ عَلَى مَنْ (سَكِرَ بِجَامِدٍ كَبَنْجٍ وَحَشِيشٍ) لِأَنَّهُ لَا لَذَّةَ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: قَصْدُ إزَالَةِ الْعَقْلِ بِلَا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ مُحَرَّمٌ، وَفَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَ نَحْوِ أَكْلِ الْبَنْجِ، وَبَيْنَ السَّكْرَانِ، فَأَلْحَقَهُ بِالْمَجْنُونِ.
(وَيَقَعُ) طَلَاقُ (مَنْ أَفَاقَ مِنْ نَحْوِ جُنُونٍ وَإِغْمَاءٍ فَذَكَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ) لِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَ الطَّلَاقَ، وَعَلِمَ بِهِ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَاقِلًا حَالَ صُدُورِهِ مِنْهُ، فَلَزِمَهُ.
(وَ) يَقَعُ الطَّلَاقُ (مِمَّنْ غَضِبَ) وَلَمْ يَزُلْ عَقْلُهُ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ فِي حَالِ غَضَبِهِ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُ مِنْ كُفْرٍ وَقَتْلِ نَفْسٍ وَأَخْذِ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ وَطَلَاقٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ ": مَا يَقَعُ مِنْ الْغَضْبَانِ مِنْ طَلَاقٍ وَعَتَاقٍ أَوْ يَمِينٍ، فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ وَفِي نُسْخَةٍ بِذَلِكَ كُلِّهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ صَحِيحَةٍ مِنْهَا: حَدِيثُ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ الْآتِي فِي الظِّهَارِ، وَمِنْهُ «غَضِبَ زَوْجُهَا، فَظَاهَرَ مِنْهَا فَأَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ، وَقَالَتْ: إنَّهُ لَمْ يُرِدْ الطَّلَاقَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا أَرَاك إلَّا حَرُمْتِ عَلَيْهِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا، فَفِي آخِرِهَا قَالَ «فَحَوَّلَ اللَّهُ الطَّلَاقَ فَجَعَلَهُ ظِهَارًا» .
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمَا فِي ذَلِكَ وَأَطَالَ، وَذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ، وَقَوْلُهُ (خِلَافًا لِابْنِ الْقَيِّمِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ ابْنَ الْقَيِّمِ لَمْ يَقُلْ بِعَدَمِ وُقُوعِ طَلَاقِ الْغَضْبَانِ مُطْلَقًا، بَلْ أَفْرَدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِرِسَالَةٍ سَمَّاهَا " إغَاثَةَ اللَّهْفَانِ فِي حُكْمِ طَلَاقِ الْغَضْبَانِ "
وَفَصَّلَ فِيهَا، فَقَالَ: الْغَضَبُ ثَلَاثَةُ أَقَسَامً: أَحَدُهَا: أَنْ يَحْصُلَ لِلْإِنْسَانِ مَبَادِئُهُ وَأَوَائِلُهُ بِحَيْثُ لَا يَتَغَيَّرُ عَلَيْهِ عَقْلُهُ وَلَا ذِهْنُهُ، وَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ، وَيَقْصِدُهُ؛ فَهَذَا الْإِشْكَالُ فِي وُقُوعِ طَلَاقِهِ وَعِتْقِهِ وَصِحَّةِ عُقُودِهِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ بَعْدَ تَرَدُّدِ فِكْرِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَبْلُغَ بِهِ الْغَضَبُ نِهَايَتَهُ بِحَيْثُ يَنْغَلِقُ عَلَيْهِ بَابُ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ؛ فَلَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ وَلَا يُرِيدُهُ، فَهَذَا لَا يَتَوَجَّهُ خِلَافٌ فِي عَدَمِ وُقُوعِ طَلَاقِهِ، وَالْغَضَبُ غُفُولُ الْعَقْلِ، فَإِذَا اغْتَالَ الْغَضَبُ عَقْلَهُ حَتَّى لَمْ يَعْلَمْ مَا يَقُولُ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ شَيْءٌ مِنْ أَقْوَالِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِنَّ أَقْوَالَ الْمُكَلَّفِ إنَّمَا تَنْفُذُ مَعَ عِلْمِ الْقَائِلِ بِصُدُورِهَا مِنْهُ وَمَعْنَاهَا وَإِرَادَتِهِ لِلتَّكَلُّمِ، فَالْأَوَّلُ يَخْرُجُ مِنْ النَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُبَرْسَمِ وَالْغَضْبَانِ، وَالثَّانِي يَخْرُجُ مِمَّنْ تَكَلَّمَ بِاللَّفْظِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهُ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ لَا يَلْزَمُ مُقْتَضَاهُ، وَالثَّالِثُ يَخْرُجُ مِمَّنْ تَكَلَّمَ بِهِ مُكْرَهًا وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِمَعْنَاهُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ تَوَسَّطَ فِي الْغَضَبِ بَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ، فَتَعَدَّى مَبَادِئَهُ، وَلَمْ يَنْتَهِ إلَى آخِرِهِ بِحَيْثُ صَارَ كَالْمَجْنُونِ، فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ، وَمَحَلُّ النَّظَرِ، وَالْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ نُفُوذِ طَلَاقِهِ وَعِتْقِهِ وَعُقُودِهِ الَّتِي يُعْتَبَرُ فِيهَا الِاخْتِيَارُ وَالرِّضَا، وَهُوَ فَرْعٌ مِنْ الْإِغْلَاقِ كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ الْأَئِمَّةُ انْتَهَى.
وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ لِخِلَافِ ابْنِ الْقَيِّمِ فِي هَذَا الْقِسْمِ الثَّالِثِ مَعَ أَنَّ ابْنَ الْقَيِّمِ لَمْ يَجْزِمْ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ فِي هَذَا الْقِسْمِ غَيْرَ أَنَّهُ مَالَ إلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ أَقْسَامٍ أَيْضًا فِي " الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ " بِاخْتِصَارِ وَأَمَّا فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ فَقَدْ أَطَالَ وَأَكْثَرَ فِيهَا مِنْ الْأَدِلَّةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ.
وَقَالَ: وَأَمَّا الِاعْتِبَارُ وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ فَمِنْ وُجُوهٍ وَسَاقَ لَهَا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَجْهًا.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَدْخُلُ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ مَنْ غَضِبَ حَتَّى أُغْمِيَ أَوْ أُغْشِيَ عَلَيْهِ؛ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ بِلَا رَيْبٍ.
(أَوْ) أَيْ: يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى مَنْ (شَرِبَ طَوْعًا عَالِمًا) بِالتَّحْرِيمِ
(مُسْكِرًا مَائِعًا) أَخْرَجَ الْحَشِيشَةَ وَنَحْوَهَا (بِلَا حَاجَةِ غُصَّةٍ) أَمَّا إذَا غُصَّ بِلُقْمَةٍ فَلَهُ دَفْعُهَا (وَلَوْ خَلَطَ فِي كَلَامِهِ أَوْ سَقَطَ تَمْيِيزُهُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ) فَلَا يَعْرِفُ مَتَاعَهُ مِنْ مَتَاعِ غَيْرِهِ، أَوْ لَمْ يَعْرِفْ السَّمَاءَ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَا الذَّكَرَ مِنْ الْأُنْثَى (وَيُؤَاخَذُ) السَّكْرَانُ الَّذِي يَقَعُ طَلَاقُهُ (بِسَائِرِ أَقْوَالِهِ) وَأَفْعَالِهِ (وَبِكُلِّ فِعْلٍ يُعْتَبَرُ لَهُ الْعَقْلُ فِيمَا عَلَيْهِ كَإِقْرَارٍ وَقَذْفٍ وَظِهَارٍ وَإِيلَاءٍ وَسَرِقَةٍ وَزِنًا وَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَوَقْفٍ وَعَارِيَّةٍ وَقَبْضِ أَمَانَةٍ وَإِسْلَامٍ وَرِدَّةٍ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ جَعَلُوهُ كَالصَّاحِي بِالْحَدِّ فِي الْقَذْفِ وَلِأَنَّهُ فَرَّطَ بِإِزَالَةِ عَقْلِهِ فِيمَا يُدْخِلُ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى غَيْرِهِ؛ فَأَلْزَم عَلَى حُكْمِ تَفْرِيطِهِ عُقُوبَةً لَهُ، وَ (لَا) يُؤَاخَذُ (فِيمَا لَهُ) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ فِعْلٌ يَعُودُ إلَيْهِ نَفْعُهُ (كَوُقُوفٍ وَطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ) ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، وَالسَّكْرَانُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا (قَالَ جَمَاعَةٌ) مِنْ الْأَصْحَابِ (لَا تَصِحُّ عِبَادَةُ السَّكْرَانِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى يَتُوبَ) لِلْخَبَرِ: وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْحَشِيشَةُ الْخَبِيثَةُ كَالْبَنْجِ.
وَأَبُو الْعَبَّاسِ يَرْوِي أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الشَّرَابِ الْمُسْكِرِ حَتَّى فِي إيجَابِ الْحَدِّ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَنْجِ بِأَنَّهَا تُشْتَهَى وَتُطْلَبُ؛ فَهِيَ كَالْخَمْرِ، بِخِلَافِ الْبَنْجِ، فَالْحُكْمُ عِنْدَهُ مَنُوطٌ بِاشْتِهَاءِ النَّفْسِ وَطَلَبِهَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ " " بِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ مِنْ حَيْثُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ عَلَى خِلَافِهِ.
(وَلَا يَقَعُ) طَلَاقٌ (مِنْ مُكْرَهٍ شَرِبَ) مُسْكِرًا (وَلَمْ يَأْثَمْ) بِشُرْبِهِ، هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَالْمَعْذُورُ بِالسُّكْرِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ (بِخِلَافِ مُكْرَهٍ عَلَى) شُرْبِ (يَسِيرٍ) مِنْ الْمُسْكِرِ (فَشَرِبَ) مِنْهُ (كَثِيرًا) فَيَقَعُ طَلَاقُهُ كَالْمُخْتَارِ؛ لِمَا يَجِدُ مِنْ اللَّذَّةِ (وَلَا) يَقَعُ طَلَاقٌ (مِمَّنْ أُكْرِهَ) عَلَى الطَّلَاقِ (ظُلْمًا) لِلْخَبَرِ (لَا بِحَقٍّ) فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ (كَ) حَاكِمٍ يُكْرِهُ (فِي) نِكَاحٍ (فَاسِدٍ وَإِيلَاءٍ) بَعْدَ التَّرَبُّصِ، وَأَبَى الْفَيْئَةَ فَإِنَّهُ يَقَعُ (بِعُقُوبَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِإِكْرَاهٍ (أَوْ إخْرَاجِهِ مِنْ دِيَارِهِ أَوْ تَهْدِيدٍ لَهُ، أَوْ لِوَلَدِهِ، وَفِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَّجِهُ أَوْ لِوَالِدِهِ) وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ
وُقُوعُ مَا هُدِّدَ بِهِ، وَعَجْزُهُ عَنْ دَفْعِهِ وَالْهَرَبِ مِنْهُ وَالِاخْتِفَاءِ؛ فَهُوَ إكْرَاهٌ لَا يَقَعُ مَعَهُ طَلَاقٌ (وَفِي " الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ " وَيَتَوَجَّهُ تَعَدِّيهِ إلَى كُلِّ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً عَظِيمَةً مِنْ وَالِدٍ وَزَوْجَةٍ) وَيُشْتَرَطُ حُصُولُ الْإِكْرَاهِ (مِنْ قَادِرٍ بِسَلْطَنَةٍ أَوْ تَغَلُّبٍ كَلِصٍّ) وَقَاطِعِ طَرِيقٍ (بِقَتْلٍ أَوْ قَطْعِ طَرَفٍ أَوْ ضَرْبٍ) شَدِيدٍ (أَوْ حَبْسٍ) أَوْ قَيْدٍ طَوِيلَيْنِ (أَوْ أَخْذِ مَالٍ يَضُرُّهُ) أَخْذُهُ مِنْهُ ضَرَرًا (كَثِيرًا فِي الْكُلِّ) أَيْ: كُلِّ مَا تَقَدَّمَ (وَ) يُشْتَرَطُ غَلَبَةُ (ظَنِّ إيقَاعِهِ) أَيْ: مَا هَدَّدَهُ بِهِ مِمَّا ذُكِرَ (وَلَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ بِنَحْوِ هَرَبٍ وَاخْتِفَاءٍ، فَطَلَّقَ تَبَعًا لِقَوْلِهِ) أَيْ: الْمُكْرِهِ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ يُلْزِمُهُ اللُّصُوصُ فَطَلَّقَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .
وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «لَا طَلَاقَ وَلَا عِتْقَ فِي إغْلَاقٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
وَالْإِغْلَاقُ الْإِكْرَاهُ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ مُغْلَقٌ عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ مَضِيقٌ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفِهِ، كَمَنْ أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابٌ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِلَا حَقٍّ أَشْبَهَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ (بَلْ يَجِبُ طَلَاقُهُ إنْ هَدَّدَهُ بِقَتْلٍ أَوْ قَطْعِ طَرَفٍ) قَادِرٌ (وَ) غَلَبَ عَلَى (ظَنِّهِ) إيقَاعُ ذَلِكَ (مِنْهُ) إنْ لَمْ يُطَلِّقْ؛ لِئَلَّا يُلْقِيَ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا.
وَرَوَى سَعِيدٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ تَدَلَّى فِي حَبْلٍ لِيَشْتَارَ عَسَلًا، فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ، فَجَلَسَ عَلَى الْحَبْلِ، فَقَالَتْ لَهُ: لِتُطَلِّقْهَا ثَلَاثًا، وَإِلَّا قَطَعَتْ الْحَبْلَ، فَذَكَرَ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، فَأَبَتْ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ خَرَجَ إلَى عُمَرَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ ارْجِعْ إلَى أَهْلِكَ؛ فَلَيْسَ هَذَا طَلَاقًا (وَكَمُكْرَهٍ) ظُلْمًا فِي عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ (مَنْ سُحِرَ لِيُطَلِّقَ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْتُ: بَلْ هُوَ مِنْ أَعْظَمُ الْإِكْرَاهَاتِ (إذَا بَلَغَ بِهِ السِّحْرُ إلَى أَنْ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُ إذَنْ (وَضَرْبٌ يَسِيرٌ) فِي حَقٍّ لَا يُبَالِي بِهِ (لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ إلَّا لِذِي مُرُوءَةٍ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ إخْرَاقًا) أَيْ: إهَانَةً لِصَاحِبِهِ وَغَضَاضَةً (وَشُهْرَةً) فِي