بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
«الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» فِي الْحَرْبِيِّينَ، أَوْ خَاصٌّ فِي الْكُفْرِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
(وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ سَرِقَةٍ أَوْ) حَدُّ (زِنًا أَوْ) حَدُّ (شُرْبٍ، فَتَابَ) مِنْهُ (قَبْلَ ثُبُوتِهِ) عِنْدَ حَاكِمٍ (سَقَطَ) عَنْهُ (بِمُجَرَّدِ تَوْبَتِهِ قَبْلَ إصْلَاحِ عَمَلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: 16] وَقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِّ السَّارِقِ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 39] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[: «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» . «وَلِإِعْرَاضِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] عَنْ الْمُقِرِّ بِالزِّنَا حَتَّى أَقَرَّ أَرْبَعًا» . فَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ لَمْ يَسْقُطْ بِالتَّوْبَةِ؛ لِحَدِيثِ: «تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ (ك) مَا يَسْقُطُ حَدُّهُ مُطْلَقًا (بِمَوْتٍ) لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ كَسُقُوطِ غُسْلِ مَا ذَهَبَ مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ.
(وَيَتَّجِهُ) لَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ عَلَى شَخْصٍ بِمُوجَبِ حَدٍّ، فَأَنْكَرَ، فَشَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِمُوجَبِ الْحَدِّ، فَادَّعَى وُقُوعَ ذَلِكَ مِنْهُ وَأَنَّهُ تَابَ قَبْلَ ثُبُوتِهِ عَلَيْهِ ظَانًّا أَنَّهُ يَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ (لَا يُقْبَلُ دَعْوَاهُ تَقَدُّمَ تَوْبَتِهِ) عَلَى الثُّبُوتِ، كَمَا لَوْ تَابَ بَعْدَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَصْلٌ فِي الدفاع عَنْ النَّفْس والعرض والمال]
فَصْلٌ (وَمَنْ أُرِيدَتْ) ؛ أَيْ: قُصِدَتْ (نَفْسُهُ) لِيُقْتَلَ (أَوْ) يُفْعَلَ بِهَا الْفَاحِشَةُ، أَوْ أُرِيدَتْ (حُرْمَتُهُ) كَأُمِّهِ أَوْ أُخْتِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ وَنَحْوِهِنَّ لِزِنًا أَوْ قَتْلٍ، أَوْ أُرِيدَ أَخْذُ مَالِهِ (وَلَوْ قَلَّ) مَا أُرِيدَ مِنْ مَالِهِ (أَوْ لَمْ يَكْفِ) مَنْ أُرِيدَتْ نَفْسُهُ أَوْ حُرْمَتُهُ أَوْ مَالُهُ (الْمَرِيدَ) لِذَلِكَ (فَلَهُ دَفْعُهُ) عَنْ نَفْسِهِ وَحُرْمَتِهِ وَمَالِهِ (إنْ لَمْ يَخَفْ) الدَّافِعُ (مُبَادَرَتَهُ لَهُ بِالْقَتْلِ بِأَسْهَلِ مَا) ؛ أَيْ: شَيْءٍ (يَظُنُّ انْدِفَاعَهُ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ لَأَدَّى إلَى تَلَفِهِ وَأَذًى فِي نَفْسِهِ وَحُرْمَتِهِ وَمَالِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَتَسَلَّطَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [، وَأَدَّى إلَى الْهَرَجِ وَالْمَرَجِ، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ] . قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: «أَوَّلًا أَنْشِدْهُ اللَّهَ قَالَ: فَإِنْ أَبَى عَلَيَّ؟ قَالَ: قَاتِلْهُ» .
لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ ذَلِكَ الدَّفْعُ؛ فَإِنْ انْدَفَعَ بِالْأَسْهَلِ حَرُمَ الْأَصْعَبُ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالْقَتْلِ أُبِيحَ) قَتْلُهُ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ (وَإِنْ قُتِلَ) الدَّافِعُ (كَانَ شَهِيدًا) لِلْخَبَرِ، (وَمَعَ عِلْمِ مَزْحٍ) يَحْرُمُ عَلَى دَافِعٍ (قَتْلٌ، وَيُقَادُ بِهِ) لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى الدَّفْعِ إذَنْ.
(وَلَا يَضْمَنُ بَهِيمَةً صَالَتْ عَلَيْهِ) وَلَمْ تَنْدَفِعْ بِدُونِ قَتْلٍ، فَقَتَلَهَا دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ مَالِهِ كَصَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ صَائِلٍ بِجَامِعِ الصَّوْلِ.
(وَلَا) يَضْمَنُ إذَا قَتَلَ (مَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ مُتَلَصِّصًا) ؛ أَيْ: طَالِبًا لِلسَّرِقَةِ (حَيْثُ دَفَعَهُ بِالْأَسْهَلِ) فَيَأْمُرُهُ رَبُّ الْمَنْزِلِ أَوَّلًا بِالْخُرُوجِ، فَإِنْ خَرَجَ لَمْ يَفْعَلْ بِهِ
شَيْئًا؛ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ ضَرَبَهُ بِأَسْهَلِ مَا يَظُنُّهُ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ، فَإِنْ انْدَفَعَ بِعَصَى لَمْ يَضْرِبْهُ بِحَدِيدٍ، وَإِنْ وَلَّى هَارِبًا لَمْ يَقْتُلْهُ وَلَمْ يَتْبَعْهُ كَالْبُغَاةِ، وَإِنْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً غَلِيظَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ أَرْشٌ؛ لِأَنَّهُ، كُفِيَ، شَرُّهُ، وَإِنْ ضَرَبَهُ فَقَطَعَ يَمِينَهُ فَوَلَّى هَارِبًا، فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ رِجْلَهُ؛ ضَمِنَهَا بِخِلَافِ الْيَدِ، فَإِنْ مَاتَ بِسِرَايَةِ الْقَطْعَيْنِ؛ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ قَطْعِ رِجْلِهِ، فَقَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى؛ فَالْيَدَانِ غَيْرُ مَضْمُونَتَيْنِ.
(فَإِنْ) قَتَلَ رَجُلًا، وَ (ادَّعَى أَنَّهُ هَجَمَ مَنْزِلَهُ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَّا بِقَتْلِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِحَدِيثِ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» .
(وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ مَا ذَكَرَ مِنْ عَدَمِ قَبُولِ قَوْلِهِ (حَيْثُ لَا قَرِينَةَ) فَإِنْ كَانَتْ ثَمَّ قَرِينَةٌ عَلَى صِدْقِ دَعْوَاهُ بِأَنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مَشْهُورًا بِالْفَسَادِ وَالتَّسَلُّطِ عَلَى نَهْبِ أَمْوَالِ الْعِبَادِ؛ فَلَا مَانِعَ مِنْ قَبُولِ قَوْلِ رَبِّ الْمَنْزِلِ بِلَا بَيِّنَةٍ؛ حَيْثُ كَانَ ثِقَةً مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ، لِدَلَالَةِ الْحَالِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ لَكِنَّهُ مَرْجُوحٌ؛ لِمُخَالَفَتِهِ صُنْعَ الْمُتَأَخِّرِينَ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَعَلَى الْقَاتِلِ الْقَوَدُ.
(وَلَوْ عُرِفَ) الْمَقْتُولُ (بِسَرِقِهِ) قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا الْمَقْتُولَ مُقْبِلًا إلَى الْقَاتِلِ بِسِلَاحٍ مَشْهُورٍ، فَضَرَبَهُ هَذَا الْقَاتِلُ؛ فَدَمُهُ هَدَرٌ؛ لِثُبُوتِ صِيَالَتِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا الْمَقْتُولَ دَاخِلَ دَارِهِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا سِلَاحًا أَوْ ذَكَرُوا سِلَاحًا غَيْرَ مَشْهُورٍ؛ لَمْ يَسْقُطْ الْقَوَدُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ لِحَاجَةٍ.
(وَيَجِبُ دَفْعُهُ عَنْ حَرِيمِهِ) إذَا أَرَدْنَ نَصًّا، فَمَنْ رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ أَوْ بِنْتِهِ وَنَحْوِهَا رَجُلًا يَزْنِي بِهَا أَوْ مَعَ وَلَدِهِ، وَنَحْوِهِ رَجُلًا كَانَ يَلُوطُ بِهِ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي بِهِ حَقَّ اللَّهِ مِنْ الْكَفِّ عَنْ الْفَاحِشَةِ وَحَقَّ نَفْسِهِ بِالْمَنْعِ عَنْ أَهْلِهِ؛ فَلَا يَسَعُهُ إضَاعَةُ الْحَقَّيْنِ (وَكَذَا) يَجِبُ الدَّفْعُ (فِي غَيْرِ فِتْنَةٍ عَنْ نَفْسِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] فَكَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُ نَفْسِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إبَاحَتُهَا (وَ) كَذَا يَجِبُ الدَّفْعُ فِي غَيْرِ فِتْنَةٍ عَنْ (نَفْسِ غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُمْ إيثَارُ الشَّهَادَةِ كَإِحْيَائِهِ بِبَذْلِ طَعَامِهِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ فِتْنَةٌ لَمْ يَجِبْ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا نَفْسِ غَيْرِهِ، لِقِصَّةِ عُثْمَانَ (لَا عَنْ مَالِهِ) ؛ أَيْ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ مَنْ أَرَادَ مَالَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مِنْ الْمَحْذُورِ مَا فِي النَّفْسِ (وَلَا يَلْزَمُهُ) ؛ أَيْ: رَبَّ الْمَالِ (حِفْظُهُ عَنْ الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
(وَيَتَّجِهُ) عَدَمُ لُزُومِ حِفْظِهِ مَالَهُ عَنْ الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ (مَا لَمْ تَضِعْ عَائِلَتُهُ) بِسَبَبِ ذَلِكَ، أَمَّا إنْ خَشِيَ ضَيَاعَ عَائِلَتِهِ؛ فَيَلْزَمُهُ حِفْظُ مَالِهِ مِنْ أَجْلِهَا، (أَوْ) مَا لَمْ (يَعْجَزْ عَنْ وَفَاءِ دَيْنِهِ) فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ مَالَهُ يَضِيعُ لَا يَقْدِرُ عَلَى وَفَاءِ دَيْنِهِ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ حِفْظُ مَالِهِ تَبْرِئَةً لِذِمَّتِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَهُ بَذْلُهُ) ؛ أَيْ: بَذْلُ مَالَهُ (لِظَالِمٍ) أَرَادَهُ مِنْهُ، وَلَوْ (أَمْكَنَهُ دَفْعُهُ) ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ بَذْلَهُ أَفْضَلُ مِنْ الدَّفْعِ عَنْهُ، وَأَنَّ حَنْبَلًا نَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ وَلَفْظُهُ: أَرَى دَفْعَهُ إلَيْهِ، وَلَا يَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا عِوَضَ لَهَا.
وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: لَا بَأْسَ.
قَالَ: الْمَرْوَزِيِّ وَغَيْرُهُ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَنْتَصِرُ لَهَا.
(وَيَجِبُ) عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ (أَنْ يَدْفَعَ عَنْ حُرْمَةِ) غَيْرِهِ (وَ) كَذَا عَنْ (مَالِهِ)
أَيْ: الْغَيْرِ؛ لِئَلَّا تَذْهَبَ الْأَنْفُسُ أَوْ الْأَمْوَالُ أَوْ تُسْتَبَاحَ الْحُرَمُ.
قَدَّمَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَفِي " الْإِقْنَاعِ " وَلَا يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ عَنْ مَالِهِ وَلَا حِفْظُهُ مِنْ الضَّيَاعِ كَمَالِ غَيْرِهِ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى خِلَافِهِ (مَعَ ظَنِّ سَلَامَةِ دَافِعٍ وَمَدْفُوعٍ عَنْهُ، وَإِلَّا) تُظَنُّ سَلَامَتُهُمَا مَعَ الدَّفْعِ (حَرُمَ) لِإِلْقَائِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ وَيَسْقُطُ (وُجُوبُ الدَّفْعِ) حَيْثُ وَجَبَ (بِإِيَاسِهِ) مِنْ فَائِدَةِ دَفْعِهِ (لَا بِظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ) لِتَيَقُّنِ الْوُجُوبِ فَلَا يُتْرَكُ بِالظَّنِّ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا كُلُّ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ) يَسْقُطُ وُجُوبُهُ بِإِيَاسِهِ فِي امْتِثَالِهِ لَا بِظَنِّهِ أَنَّ أَمْرَهُ لَا يُفِيدُ (وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ) كَذَا قَالَ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي جُنْدٍ قَاتَلُوا عَرَبًا نَهَبُوا أَمْوَالَ تُجَّارٍ لِيَرُدُّوهُ لِمَالِكِيهِ: هُمْ مُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُمْ نَاهُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ قَتَلُوهُ مِنْ الْعَرَبِ بِقَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ حَيْثُ لَمْ يَنْدَفِعُوا إلَّا بِذَلِكَ كَالصَّائِلِ، فَإِنْ قَاتَلُوهُمْ لِيَأْخُذُوا لِأَنْفُسِهِمْ فَهُمَا ظَالِمَتَانِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ عَضَّ يَدَ شَخْصٍ وَحَرُمَ) أَيْ فِي الْحَالِ أَنَّهُ عَضٌّ مُحَرَّمٌ لِكَوْنِهِ مُعْتَدِيًا؛ لِأَنَّ الْعَضَّ لَا يُبَاحُ إلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ الْعَاضُّ عَلَى التَّخَلُّصِ إلَّا بِهِ (فَانْتَزَعَهَا) مِنْ فَمِهِ (وَلَوْ) كَانَ نَزْعُهُ (بِعُنْفٍ) ؛ أَيْ: بِشِدَّةٍ (فَسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ) [؛ أَيْ: ثَنَايَا] الْعَاضِّ (فَهَدَرٌ) ؛ أَيْ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ثَنَايَا الْعَاضِّ؛ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «أَنَّ رَجُلًا عَضَّ رَجُلًا، فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ، فَاخْتَصَمُوا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَعَضُّ أَحَدُكُمْ يَدَ أَخِيهِ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ، لَا دِيَةَ لَك» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد.
لِأَنَّهُ عُضْوٌ تَلِفَ ضَرُورَةَ دَفْعِ شَرِّ صَاحِبِهِ فَلَمْ يَضْمَنْ، كَمَا لَوْ صَالَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَّا بِقَطْعِ يَدِهِ (وَكَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ) نَحْوُ أَنْ حَبَسَهُ فِي بَيْتِهِ،
أَوْ رَبَطَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، فَخَلَّصَ نَفْسَهُ، فَتَلِفَ بِتَخْلِيصِهِ شَيْءٌ؛ لَمْ يَضْمَنْ (فَإِنْ عَجَزَ) الْمَعْضُوضُ عَنْ التَّخَلُّصِ (دَفَعَهُ) ؛ أَيْ: الْعَاضَّ (كَصَائِلٍ) بِأَسْهَلِ مَا يُظَنُّ انْدِفَاعُهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَضُّ مُبَاحًا مِثْلَ أَنْ يُمْسِكَهُ بِمَوْضِعٍ يَتَضَرَّرُ بِإِمْسَاكِهِ كَخُصْيَتَيْهِ، أَوْ يَعَضُّ بِيَدِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُ إلَّا بِعَضِّهِ، فَعَضَّهُ فَمَا سَقَطَ مِنْ أَسْنَانِهِ، ضَمِنَ الْمَعْضُوضُ.
(وَمَنْ نَظَرَ وَيَتَّجِهُ) كَوْنُ النَّاظِرِ (مُكَلَّفًا) إذْ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْحُدُودِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فِي بَيْتِ غَيْرِهِ مِنْ خُرُوقِ بَابٍ مُغْلَقٍ وَنَحْوِهِ) كَفُرُوجٍ بِحَائِطٍ أَوْ بَيْتِ شَعْرٍ وَكُوَّةٍ وَنَحْوِهَا (وَلَوْ لَمْ يَعْمِدْ) النَّاظِرُ الِاطِّلَاعَ (لَكِنْ ظَنَّهُ) ؛ أَيْ: رَبُّ الْبَيْتِ (مُتَعَمِّدًا) وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الدَّارِ نِسَاءٌ أَوْ لَا، أَوْ كَانَ مَحْرَمًا، أَوْ نَظَرَ مِنْ الطَّرِيقِ، أَوْ مِلْكِهِ أَوْ لَا (فَحَذَفَ) ؛ أَيْ: رَمَى (عَيْنَهُ) بِحَصَاةٍ (أَوْ طَعَنَهُ بِعُودٍ فَتَلِفَتْ) عَيْنُهُ أَوْ حَاجِبُهُ (فَهَدَرٌ) لَا شَيْءَ فِيهِ، لَا إنْ رَمَى بِحَجَرٍ كَبِيرٍ، أَوْ رَشَقَهُ بِسَهْمٍ، أَوْ طَعَنَهُ بِحَدِيدَةٍ (وَلَا يَتْبَعُهُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتٍ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ؛ فَلَا دِيَةَ وَلَا قِصَاصَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ؛ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الصَّائِلِ؛ لِأَنَّ الْمَسَاكِنَ حِمَى سَاكِنِهَا، وَالْقَصْدَ مِنْهَا سَتْرُ عَوْرَاتِهِمْ عَنْ النَّاسِ، وَالْعَيْنُ آلَةُ النَّظَرِ (بِخِلَافِ مُتَسَمِّعٍ) أَعْمَى أَوْ بَصِيرٍ (وَضَعَ أُذُنَهُ) فِي خَصَاصِ الْبَابِ الْمُغْلَقِ فَلَيْسَ لَهُ قَصْدُ أُذُنِهِ بِطَعْنٍ وَنَحْوِهِ (قَبْلَ إنْذَارِهِ) اقْتِصَارًا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، وَلِأَنَّ النَّظَرَ أَبْلُغُ مِنْ السَّمْعِ، فَإِنْ أُنْذِرَ فَأَبَى فَلَهُ طَعْنُهُ كَدَفْعِ الصَّائِلِ
(وَ) بِخِلَافِ (نَاظِرٍ مِنْ) بَابٍ (مُنْفَتِحٍ) لِتَفْرِيطِ رَبِّهِ بِتَرْكِهِ مَفْتُوحًا، وَإِنْ عَقَرَتْ كَلْبَةٌ مَنْ قَرُبَ إلَى أَوْلَادِهَا، أَوْ خَرَقَتْ ثَوْبَهُ؛ لَمْ تُقْتَلْ بِذَلِكَ؛ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْعَقُورِ؛ لِأَنَّ الطِّبَاعَ جُبِلَتْ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ الْوَلَدِ، بَلْ تُنْقَلُ إلَى مَكَان مُنْفَرِدٍ دَفْعًا لِأَذَاهَا.
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ رَاوَدَ رَجُلٌ امْرَأَةً عَنْ نَفْسِهَا لِيَفْجُرَ بِهَا، فَقَتَلَتْهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهَا إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِهِ؛ لَمْ تَضْمَنْهُ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي قَتْلِهِ شَرْعًا لِدَفْعِهِ عَنْهَا.
(وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى صَيْحِهِ لَيْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرِكُ مَاذَا يَكُونُ) نَقَلَهُ صَالِحٌ.
[بَابُ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ]
ِ أَيْ: الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ وَالْعُدُولِ عَنْ الْحَقِّ.
وَالْبَغِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ: الزَّانِيَةُ (وَهُمْ الْخَارِجُونَ عَلَى إمَامٍ) الْمُعْتَدُونَ عَلَيْهِ (وَلَوْ غَيْرَ عَدْلٍ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ، وَلَهُمْ شَوْكَةٌ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُطَاعٌ) سُمُّوا بُغَاةً؛ لِعُدُولِهِمْ عَنْ الْحَقِّ وَمَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْأَصْلُ فِي قِتَالِهِمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] " وَحَدِيثُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ وَيُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَاتَلَ عَلِيٌّ أَهْلَ النَّهْرَوَانُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ (فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ) بِأَنْ لَمْ يَخْرُجُوا عَلَى إمَامٍ، أَوْ خَرَجُوا عَلَيْهِ بِلَا
تَأْوِيلٍ أَوْ بِتَأْوِيلٍ غَيْرِ سَائِغٍ، أَوْ كَانُوا جَمْعًا يَسِيرًا لَا شَوْكَةَ لَهُمْ كَالْعَشَرَةِ (ف) هُمْ (قُطَّاعُ طَرِيقٍ) وَتَقَدَّمَ حُكْمُهُمْ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ.
(وَنَصْبُ الْإِمَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) ؛ لِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً لِذَلِكَ لِحِمَايَةِ الْبَيْضَةِ، وَالذَّبِّ عَنْ الْحَوْزَةِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَابْتِغَاءِ الْحُقُوقِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَيُخَاطَبُ بِذَلِكَ طَائِفَتَانِ: أَحَدُهُمَا: أَهْلُ الِاجْتِهَادِ حَتَّى يَخْتَارُوا.
الثَّانِيَةُ: مَنْ تُوجَدُ فِيهِمْ شَرَائِطُ الْإِمَامَةِ حَتَّى يَنْتَصِبَ لَهَا أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَهْلُ الِاخْتِيَارِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِمْ الْعَدَالَةُ وَالْعِلْمُ الْمُوَصِّلُ إلَى مَعْرِفَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِمَامَةَ وَالرَّأْيُ وَالتَّدْبِيرُ الْمُؤَدِّي إلَى اخْتِيَارِ مَنْ هُوَ لِلْإِمَامَةِ أَصْلَحُ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا يَجُوزُ تَعَدُّدُ الْإِمَامِ) لِمَا قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ التَّنَافُرِ الْمُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ وَالشِّقَاقِ وَوُقُوعِ الِاخْتِلَافِ فِي بَعْضِ الْأَطْرَافِ، وَهُوَ مُنَافٍ لِاسْتِقَامَةِ الْحَالِ، يُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُمْ: " وَإِنْ تَنَازَعَ فِي الْإِمَامَةِ كُفُؤَانِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا إذْ لَوْ جَازَ التَّعَدُّدُ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى الْقُرْعَةِ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ لَوْ تَغَلَّبَ كُلُّ سُلْطَانٍ عَلَى نَاحِيَةٍ) مِنْ نَوَاحِي الْأَرْضِ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا (ك) مَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي (زَمَانِنَا فَحُكْمُهُ) ؛ أَيْ: الْمُتَغَلِّبِ (فِيهَا) ؛ أَيْ: النَّاحِيَةِ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا (ك) حُكْمِ (الْإِمَامِ) مِنْ وُجُوبِ طَاعَتِهِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُ وَتَوْلِيَةِ الْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ وَنُفُوذِ أَحْكَامِهِمْ وَعَدَمِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ حَالِهِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ شَقِّ الْعَصَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَثْبُتُ نَصْبُ الْإِمَامِ بِإِجْمَاعِ) الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ كَإِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ بَيْعَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ الَّذِينَ بِصِفَةِ الشُّهُودِ مِنْ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعِلْمِ الْمُوَصِّلِ إلَى مَعْرِفَةِ مُسْتَحِقِّ الْإِمَامَةِ، وَأَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ
الْمُؤَدِّيَيْنِ إلَى اخْتِيَارِ مَنْ هُوَ لِلْإِمَامَةِ صُلْحٌ، (وَ) يَثْبُتُ أَيْضًا (بِنَصٍّ) ؛ أَيْ: عَهْدِ مَنْ قَبْلَهُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَعْهَدَ الْإِمَامُ بِالْإِمَامَةِ إلَى إنْسَانٍ يَنُصُّ عَلَيْهِ بَعْدَهُ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى مُوَافَقَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، كَمَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ بِالْإِمَامَةِ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (وَ) يَثْبُتُ أَيْضًا (بِاجْتِهَادٍ) لِأَنَّ عُمَرَ جَعَلَ أَمْرَ الْإِمَامَةِ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَ) يَثْبُتُ أَيْضًا (بِقَهْرِ) مَنْ يَصْلُحُ لَهَا غَيْرَهُ عَلَيْهَا (وَيَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طَاعَتُهُ) قَالَ: أَحْمَدُ وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى صَارَ خَلِيفَةً، وَسُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ يَبِيتُ وَلَا يَرَاهُ إمَامًا بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا انْتَهَى؛ لِأَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ خَرَجَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَتَلَهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ وَأَهْلِهَا حَتَّى بَايَعُوهُ طَوْعًا وَكَرْهًا وَدَعَوْهُ، وَلِمَا فِي الْخُرُوجِ عَلَى مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِالْقَهْرِ مِنْ شَقِّ عَصَى الْمُسْلِمِينَ وَإِرَاقَةِ دِمَائِهِمْ وَإِذْهَابِ أَمْوَالِهِمْ.
(وَإِنَّمَا يُنَصَّبُ قُرَشِيٌّ) لِحَدِيثِ: «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَحَدِيثِ: «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» وَقَوْلِ الْمُهَاجِرِينَ لِلْأَنْصَارِ: إنَّ الْعَرَبَ لَا تَدِينُ إلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ.
وَرَوَوْا لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْأَخْبَارَ قَالَ:
أَحْمَدُ: " لَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ خَلِيفَةٌ (حُرٌّ) فَلَا يَكُونُ الْإِمَامُ رَقِيقًا وَلَا مُبَعَّضًا؛ لِأَنَّ لَهُ الْوِلَايَةَ الْعَامَّةَ؛ فَلَا يَكُونُ مُوَلًّى عَلَيْهِ (ذَكَرٌ) لِحَدِيثِ: «خَابَ قَوْمٌ وَلِيَ أَمْرَهُمْ امْرَأَةٌ» (عَدْلٌ) لِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَهِيَ دُونَ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى (نَاطِقٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِأُمُورِ السِّيَاسَةِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا كَوْنُهُ بَالِغًا عَاقِلًا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ يَحْتَاجُ لِمَنْ يَلِي أَمْرَهُ، فَلَا يَلِي أَمْرَ غَيْرِهِ (عَالِمٌ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ) ؛ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى مُرَاعَاتِهَا فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ (كُفُؤٌ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا) ؛ أَيْ: قَائِمًا بِأَمْرِ الْحَرْبِ وَالسِّيَاسَةِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، لَا تَلْحَقُهُ رَأْفَةٌ فِي ذَلِكَ وَلَا فِي الذَّبِّ عَنْ الْإِمَامَةِ، وَأَنْ يَكُونَ ذَا بَصِيرَةٍ، وَالْإِغْمَاءُ لَا يَمْنَعُ عَقْدَهَا وَلَا اسْتِدَامَتَهَا؛؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ» ، وَيَمْنَعُهَا
الْجُنُونُ وَالْخَبَلُ إذَا لَمْ يَتَخَلَّلْهُمَا إفَاقَةٌ وَإِنْ كَانَا أَكْثَرَ زَمَانِهِ مَنَعَا الِابْتِدَاءَ وَالِاسْتِدَامَةَ.
وَلَا يَمْنَعُهَا ضَعْفُ الْبَصَرِ إنْ عَرَفَ بِهِ الْأَشْخَاصَ إذَا رَآهَا، وَلَا فَقْدُ الشَّمِّ وَالذَّوْقِ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُمَا فِي الرَّأْيِ وَلَا تَمْتَمَةُ اللِّسَانِ وَلَا ثِقْلُ السَّمْعِ مَعَ إدْرَاكِهِ؛ أَيْ: الصَّوْتِ إذَا عَلَا، وَلَا فَقْدُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، بِخِلَافِ قَطْعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِعَجْزِهِ عَمَّا يَلْزَمُهُ مِنْ حُقُوقِ الْأُمَّةِ مِنْ الْعَمَلِ بِالْيَدِ أَوْ النَّهْضَةِ بِالرِّجْلِ، وَإِنْ قَهَرَهُ مِنْ أَعْوَانِهِ مَنْ يَسْتَبِدُّ بِتَدْبِيرِ الْأُمُورِ مِنْ غَيْرِ تَظَاهُرٍ بِمَعْصِيَةٍ وَلَا مُجَاهَرَةٍ بِشِقَاقٍ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ اسْتِدَامَتَهُ، ثُمَّ إنْ جَرَتْ أَفْعَالُهُ عَلَى أَحْكَامِ الدِّينِ جَازَ إقْرَارُهُ عَلَيْهَا تَنْفِيذًا لَهَا وَإِمْضَاءً؛ لِئَلَّا يَعُودَ الْأَمْرُ بِفَسَادٍ عَلَى الْأُمَّةِ وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ حُكْمِ الدِّينِ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ عَلَيْهَا، وَلَزِمَهُ أَنْ يَسْتَنْصِرَ مَنْ يَقْبِضُ عَلَى يَدَيْهِ وَيُزِيلُ تَغَلُّبَهُ.
(وَلَا يَنْعَزِلُ) الْإِمَامُ (بِفِسْقِهِ) بِخِلَافِ الْقَاضِي، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ، وَلَا بِمَوْتِ مَنْ يُبَايِعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَكِيلًا عَنْهُ بَلْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ
(وَيُجْبَرُ) عَلَى إمَامَةٍ (مُتَعَيِّنٌ لَهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَاكِمٍ؛ لِئَلَّا تَذْهَبَ حُقُوقُ النَّاسِ.
(وَهُوَ) أَيْ: الْإِمَامُ (وَكِيلُ) الْمُسْلِمِينَ (فَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ) مُطْلَقًا كَسَائِرِ الْوُكَلَاءِ (وَلَهُمْ) ، أَيْ: أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ (عَزْلُهُ إنْ سَأَلَهَا) ؛ أَيْ: الْعُزْلَةَ بِمَعْنَى الْعَزْلِ؛ لَا الْإِمَامَةِ لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ: " أَقِيلُونِي أَقِيلُونِي " قَالُوا: لَا نُقِيلُكَ (وَإِلَّا) يَسْأَلْ الْعُزْلَةَ (فَلَا) يَعْزِلُونَهُ، سَأَلَ الْإِمَامَةَ أَوْ لَا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ شَقِّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ.
(وَيَحْرُمُ قِتَالُهُ) ؛ أَيْ الْإِمَامِ؛ لِحَدِيثِ «مَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي وَهُمْ جَمْعٌ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ» . (وَإِنْ تَنَازَعَهَا) ، أَيْ: الْإِمَامَةَ (كُفُؤَانِ) ابْتِدَاءً وَدَوَامًا (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا؛ فَيُبَايَعُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (وَإِنْ بُويِعَا) وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ (فَالْإِمَامُ) هُوَ (الْأَوَّلُ) مِنْهُمَا (وَ) لَوْ بُويِعَا (مَعًا أَوْ جُهِلَ السَّابِقُ) مِنْهُمَا (بَطَلَ الْعَقْدُ)
لِامْتِنَاعِ تَعَدُّدِ الْإِمَامِ، وَعَدَمِ الْمُرَجِّحِ لِأَحَدِهِمَا، وَصِفَةُ الْعَقْدِ أَنْ يَقُولَ لَهُ كُلٌّ مِنْ أَهَلْ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ: قَدْ بَايَعْنَاك عَلَى إقَامَةِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالْقِيَامِ بِفُرُوضِ الْإِمَامَةِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ إلَى صَفْقَةِ الْيَدِ.
[يَلْزَمُ الْإِمَامَ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ]
(وَيَلْزَمُ الْإِمَامَ) عَشَرَةُ أَشْيَاءَ (حِفْظُ الدِّينِ) عَلَى الْأُصُولِ الَّتِي أَجْمَعَ عَلَيْهَا سَلَفُ الْأُمَّةِ، فَإِنْ زَاغَ ذُو شُبْهَةِ عَنْهُ بَيَّنَ لَهُ الْحُجَّةَ وَأَخَذَهُ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْحُقُوقِ؛ لِيَكُونَ الدِّينُ مَحْرُوسًا مِنْ الْخَلَلِ (وَتَنْفِيذُ الْأَحْكَامِ) بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ، وَقَطْعُ مَا بَيْنَهُمْ مِنْ الْخُصُومَةِ، وَحِمَايَةُ الْبَيْضَةِ، (وَالذَّبُّ عَنْ الْحَوْزَةِ) ؛ أَيْ: حِفْظُ الرَّعِيَّةِ، (وَإِنْصَافُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ) لِيَتَصَرَّفَ النَّاسُ فِي مَعَايِشِهِمْ، وَيَسِيرُوا فِي الْأَسْفَارِ آمَنِينَ (وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَتَحْصِينُ الثُّغُورِ) لِتُصَانَ مَحَارِمُ اللَّهِ عَنْ الِانْتِهَاكِ، وَتُحْفَظَ حُقُوقُ عِبَادِهِ مِنْ الْإِتْلَافِ وَالِاسْتِهْلَاكِ، وَجِهَادُ مَنْ عَانَدَ الْإِسْلَامَ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ وَالْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ حَتَّى لَا تَظْفَرَ الْأَعْدَاءُ بِغِرَّةٍ يَنْتَهِكُونَ بِهَا مَحْرَمًا، أَوْ يَسْفِكُونَ بِهَا دَمًا مَعْصُومًا (وَجِهَادُ مَنْ عَانَدَ الْإِسْلَامَ) بَعْدَ الدَّعْوَةِ حَتَّى يُسْلِمَ، أَوْ يَدْخُلَ فِي الذِّمَّةِ (وَجِبَايَةُ الْفَيْءِ وَالصَّدَقَاتِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ) الْمُطَهَّرُ (وَتَقْدِيرُ الْعَطَاءِ لِمُسْتَحِقِّهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ بِلَا إسْرَافٍ) وَلَا تَقْصِيرٍ وَدَفْعُهُ فِي وَقْتِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمٍ وَلَا تَأْخِيرٍ (وَاسْتِكْفَاءُ الْأُمَنَاءِ وَتَقْلِيدُ النُّصَحَاءِ فِيمَا يُفَوَّضُ إلَيْهِمْ مِنْ الْأَعْمَالِ) وَالْأَمْوَالِ، لِتَكُونَ مَحْفُوظَةً مَضْبُوطَةً (وَأَنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ مُشَارَفَةَ الْأُمُورِ وَتَصَفُّحَ الْأَحْوَالِ) لِيَنْهَض بِسِيَاسَةِ الْأُمَّةِ وَحِرَاسَةِ الْمِلَّةِ (وَلَا يُعَوِّلُ عَلَى التَّفْوِيضِ) تَشَاغُلًا (فَقَدْ يَخُونُ الْأَمِينُ) ، وَيَغُشُّ النَّاصِحُ، فَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ بِحُقُوقِ الْأُمَّةِ، وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِمْ حَقَّانِ الطَّاعَةُ وَالنُّصْرَةُ إجْمَاعًا: وَيَحْرُمُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ وَلَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، (خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ وَذَكَرَا خُرُوجَ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى يَزِيدَ) حِين بُويِعَ سَنَةَ سِتِّينَ، أَرْسَلَ لِعَامِلِهِ بِالْمَدِينَةِ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ الْبَيْعَةَ عَلَى الْحُسَيْنِ، فَفَرَّ لِمَكَّةَ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ أَنْ يَأْتُوهُ لِيُبَايِعُوهُ، وَيَمْحِيَ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الْجَوْرِ، فَنَهَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَبَيَّنَ
لَهُ غَدْرَهُمْ وَقَتْلَهُمْ لِأَبِيهِ وَخِذْلَانَهُمْ لِأَخِيهِ؛ وَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ بِأَهْلِهِ إنْ ذَهَبَ؛ فَأَبَى، فَبَكَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: وَاحُسَيْنَاه وَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ نَحْوَ ذَلِكَ، فَأَبَى فَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ.
وَقَالَ: أَسْتَوْدِعُك اللَّهَ مِنْ قَتِيلٍ، وَكَذَلِكَ نَهَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، بَلْ لَمْ يَبْقَ بِمَكَّةَ إلَّا مَنْ حَزِنَ لِمَسِيرِهِ، وَلَمَّا بَلَغَ أَخَاهُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ بَكَى حَتَّى مَلَأ طَسْتًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدَّمَ أَمَامَهُ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ، فَبَايَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ اثْنَا عَشْرَ أَلْفًا، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ يَزِيدُ بْنَ زِيَادٍ، فَقَتَلَهُ، وَلَهُ قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ خُرُوجَ الْحُسَيْنِ عَلَى يَزِيدَ كَانَ جَائِزًا، وَإِنْ سَبَقَتْ لَهُ الْبَيْعَةُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَذَلِكَ كَانَ فِي ثُبُوتِ الْإِمَامَةِ لَهُ، وَإِنْ بَلَغَ مِنْ قَبَائِحِ الْفِسْقِ وَالِانْحِلَالِ عَنْ التَّقْوَى مَبْلَغًا وَافِرًا، وَاجْتِهَادُ الْحُسَيْنِ اقْتَضَى جَوَازَ أَوْ وُجُوبَ الْخُرُوجِ عَلَى يَزِيدَ؛ لِجَوْرِهِ وَقَبَائِحِهِ الَّتِي تُصَمُّ عَنْهَا الْآذَانُ؛ فَهُوَ مُحِقٌّ بِالنِّسْبَةِ لِمَا عِنْدَهُ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ حَالُ مُعَاوِيَةَ مَعَ الْحَسَنِ قَبْلَ نُزُولِهِ لَهُ عَنْ الْخِلَافَةِ، وَمَعَ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ كَانَ مُتَغَلِّبًا بَاغِيًا عَلَيْهِمَا، لَكِنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ، لِاجْتِهَادِهِ، فَالْحُسَيْنُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْأَحْكَامِ وَانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ الْخُرُوجِ عَلَى الْجَائِرِ، فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ يَلْزَمُ الْإِمَامُ مُرَاسَلَةُ الْبُغَاةِ]
فَصْلٌ (وَيَلْزَمُهُ) ؛ أَيْ: الْإِمَامَ (مُرَاسَلَةُ بُغَاةٍ) ؛ لِأَنَّهَا طَرِيقٌ إلَى الصُّلْحِ وَرُجُوعِهِمْ إلَى الْحَقِّ وَسُؤَالُهُمْ عَمَّا يَنْقِمُونَهُ مِنْ أَمْرِهِ (وَإِزَالَةُ شُبَهِهِمْ وَ) إزَالَةُ (مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ مَظْلَمَةٌ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إلَى رُجُوعِهِمْ إلَى الْحَقِّ الْمَأْمُورِ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] فَإِنْ نَقَمُوا مِمَّا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ مِنْ الْمَظَالِمِ وَنَحْوِهَا أَزَالَهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَحِلُّ فِعْلُهُ، لَكِنْ تَلَبَّسَ عَلَيْهِمْ الْأَمْرُ فِيهِ بِاعْتِقَادِهِ مُخَالِفًا لِلْحَقِّ
بَيَّنَ لَهُمْ دَلِيلَهُ، وَأَظْهَرَ لَهُمْ وَجْهَهُ؛ فَإِنَّ عَلِيًّا بَعَثَ ابْنَ عَبَّاسٍ إلَى الْخَوَارِجِ، لَمَّا تَظَاهَرُوا بِالْعِبَادَةِ وَالْخُشُوعِ وَحَمْلِ الْمَصَاحِفِ فِي أَعْنَاقِهِمْ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ خُرُوجِهِمْ وَبَيَّنَ لَهُمْ الشُّبْهَةَ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِهَا، فَرَجَعَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا وَبَقِيَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَقُتِلُوا؛ وَهِيَ قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ (فَإِنْ فَاءُوا) ؛ أَيْ: رَجَعُوا عَنْ الْبَغْيِ وَطَلَبِ الْقِتَالِ؛ تَرَكَهُمْ، (وَإِلَّا) يَفِيئُوا (لَزِمَ) إمَامًا (قَادِرًا قِتَالُهُمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] .
(وَ) يَجِبُ (عَلَى رَعِيَّتِهِ مَعُونَتُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَرِبْقَةُ الْإِسْلَامِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا اسْتِعَادَةٌ لِمَا يَلْزَمُ الْعُنُقَ مِنْ حُدُودِ الْإِسْلَامِ وَأَحْكَامِهِ (فَإِنْ اسْتَنْظَرُوهُ) ؛ أَيْ: قَالُوا: " أَنْظِرْنَا مُدَّةً حَتَّى نَرَى أَمْرَنَا (وَرَجَا فَيْئَتَهُمْ؛) فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ (أَنْظَرَهُمْ) (وُجُوبًا) ، حِفْظًا لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ (وَإِنْ خَافَ مَكِيدَةً) كَمَدَدٍ يَأْتِيهِمْ أَوْ تَحَيُّزِهِمْ إلَى فِئَةٍ تَمْنَعُهُمْ؛ وَيَكْثُرُ بِهَا جَمْعُهُمْ وَنَحْوِهِ (فَلَا يَجُوزُ إنْظَارُهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى قَهْرِ أَهْلِ الْحَقِّ (وَلَوْ أَعْطَوْهُ مَالًا أَوْ رَهْنًا) عَلَى تَأْخِيرِ الْقِتَالِ، لِأَنَّ الرَّهْنَ يُخَلَّى سَبِيلُهُ إذَا انْقَضَتْ الْحَرْبُ كَالْأَسَارَى وَإِنْ سَأَلُوهُ الْإِنْظَارَ أَبَدًا وَيَدَعُهُمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَيَكُفُّوا عَنْ أَهْلِ الْعَدْلِ، فَإِنْ قَوِيَ عَلَيْهِمْ؛ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُمْ، وَإِلَّا جَازَ.
(وَيَحْرُمُ قِتَالُهُمْ بِمَا يَعُمُّ إتْلَافُهُ) الْمُقَاتِلِ وَغَيْرِهِ وَالْمَالِ (كَمَنْجَنِيقٍ وَنَارٍ) ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ أَمْوَالِهِمْ وَغَيْرِ الْمُقَاتِلِ لَا يَجُوزُ، إلَّا لِضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ كَدَفْعِ الصَّائِلِ، (وَ) يَحْرُمُ (اسْتِعَانَةٌ) عَلَيْهِمْ (بِكَافِرٍ) ؛ لِأَنَّهُ تَسْلِيطٌ لَهُ عَلَى دِمَاءِ
الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ: تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: 141] (إلَّا لِضَرُورَةٍ) كَعَجْزِ أَهْلِ الْحَقِّ عَنْهُمْ (وَكَفِعْلِهِمْ) بِنَا (إنْ لَمْ نَفْعَلْهُ) بِهِمْ؛ فَيَجُوزُ رَمْيُهُمْ بِمَا يَعُمُّ إتْلَافُهُ إذَا فَعَلُوهُ بِنَا لَوْ لَمْ نَفْعَلْهُ؛ وَكَذَا الِاسْتِعَانَةُ بِكَافِرٍ.
(وَ) يَحْرُمُ (أَخْذُ مَا لَهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَعْصُومٌ، (وَ) يَحْرُمُ أَخْذُ وَقَتْلُ (ذُرِّيَّتِهِمْ) لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ لَا قِتَالَ مِنْهُمْ وَلَا بَغْيَ؛ وَيَحْرُمُ (قَتْلُ مُدَبَّرِهِمْ وَ) وَقَتْلُ (جَرِيحِهِمْ) وَلَوْ مِنْ نَحْوِ خَوَارِجَ إنْ لَمْ نَقُلْ بِكُفْرِهِمْ، وَمَا فِي الْإِقْنَاعِ " مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِكُفْرِهِمْ كَمَا فِي " الْكَافِي " لِعِصْمَتِهِ وَزَوَالِ قِتَالِهِ.
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ: " صَرَخَ صَارِخٌ لِعَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ لَا يُقْتَلْنَ مُدَبَّرٌ، وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ؛ وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ وَعَنْ عَمَّارٍ نَحْوُهُ وَكَالصَّائِلِ، وَلِأَنَّهُ قَتْلُ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ قَالَ: فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": الْمُدَبَّرُ مَنْ انْكَسَرَتْ شَوْكَتُهُ لَا الْمُنْحَرِفُ إلَى مَوْضِعٍ.
(وَ) يَحْرُمُ قَتْلُ (تَارِكِ الْقِتَالِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا قَوَدَ فِيهِ) أَيْ: فِي قَتْلِ مَنْ يَحْرُمُ قَتْلُهُ مِنْهُمْ؛ لِلشُّبْهَةِ (وَيُضْمَنُ) بِالدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ (وَقَتِيلُنَا شَهِيدٌ) كَالْمَصُولِ عَلَيْهِ لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا بَعْدَ نَزْعِ لَأْمَةِ حَرْبٍ وَنَحْوِ خُفٍّ وَفَرْوٍ؛ لِأَنَّهُ قُتِلَ فِي قِتَالٍ أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وَكَشَهِيدٍ فِي مَعْرَكَةِ الْكُفَّارِ (وَقَتِيلُهُمْ يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِالْبَغْيِ عَنْ الْإِسْلَامِ (وَقِيلَ) إنَّ قَتِيلَهُمْ (لَا) يُغَسَّلُ وَلَا يُكَفَّنُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَإِنْ كَانُوا بُغَاةً (لِقَضِيَّةِ) وَقْعَةِ (أَهْلِ صِفِّينَ) فَإِنَّ مَنْ قُتِلَ فِيهَا عُومِلَ مُعَامَلَةَ شُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ مَعَ أَنَّهُ مُقَرَّرٌ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لِعَمَّارٍ تَقْتُلُك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» . (وَيَتَّجِهُ صِحَّتُهُ) ؛ أَيْ: صِحَّةُ الْقَوْلِ بِمُعَامَلَتِهِمْ مُعَامَلَةَ الشُّهَدَاءِ (مَعَ) حُصُولِ (مَشَقَّةٍ) بِدُونِهَا، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَشَقَّةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّغْسِيلِ وَالصَّلَاةِ
وَالدَّفْنِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
تَنْبِيهٌ: إذَا لَمْ تَكُنْ الْبُغَاةُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَيْسُوا بِفَاسِقِينَ، بَلْ مُخْطِئِينَ فِي تَأْوِيلِهِمْ؛ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ.
(وَيُكْرَهُ) لِعَدْلٍ (قَصْدُ رَحِمِهِ الْبَاغِي) كَأَخِيهِ وَعَمِّهِ (بِقَتْلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «كَفَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُقْبَةَ عَنْ قَتْلِ أَبِيهِ» .
(وَتُبَاحُ اسْتِعَانَةٌ عَلَيْهِمْ) ؛ أَيْ: الْبُغَاةِ (بِسِلَاحِ أَنْفُسِهِمْ وَخَيْلِهِمْ) وَعَبِيدِهِمْ (وَصِبْيَانِهِمْ لِضَرُورَةٍ فَقَطْ) لِعِصْمَةِ الْإِسْلَامِ أَمْوَالَهُمْ وَذُرِّيَّتَهُمْ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ قِتَالُهُمْ لِرَدِّهِمْ إلَى الطَّاعَةِ، وَأَمَّا جَوَازُهُ مَعَ الضَّرُورَةِ فَكَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ فِي الْمُخْصَمَةِ.
(وَمَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ) ؛ أَيْ: الْبُغَاةِ (وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ أُنْثَى حُبِسَ حَتَّى لَا شَوْكَةَ وَلَا حَرْبَ) دَفْعًا لِضَرَرِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَحْصُلُ مِنْهُ مُسَاعَدَةُ الْمُقَاتِلَةِ، وَفِي حَبْسِهِمْ كَسْرُ قُلُوبِ الْبُغَاةِ.
(وَإِذَا انْقَضَتْ) الْحَرْبُ (فَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ) ؛ أَيْ: الْبُغَاةِ (مَالُهُ بِيَدِ غَيْرِهِ) مِنْ أَهْلِ عَدْلٍ أَوْ بَغْيٍ (أَخَذَهُ) مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ كَأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَجُوزُ اغْتِنَامُهَا؛ لِبَقَاءِ مِلْكِهِمْ عَلَيْهَا: وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: يَوْمَ الْجَمَلِ: مَنْ عَرَفَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ مَعَ أَحَدٍ فَلْيَأْخُذْهُ، فَعَرَفَ بَعْضُهُمْ قِدْرًا مَعَ أَصْحَابِ عَلِيٍّ - وَهُوَ يَطْبُخُ فِيهَا - فَسَأَلَهُ إمْهَالَهُ حَتَّى يَنْضَجَ الطَّبِيخُ، فَأَبَى وَكَبَّهُ وَأَخَذَهَا.
(وَلَا يَضْمَنُ بُغَاةٌ مَا أَتْلَفُوهُ) عَلَى أَهْلِ عَدْلٍ (حَالَ حَرْبٍ ك) مَا لَا يَضْمَنُ (أَهْلُ عَدْلٍ) مَا أَتْلَفُوهُ لِبُغَاةٍ حَالَ حَرْبٍ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُضَمِّنْ الْبُغَاةَ مَا أَتْلَفُوهُ حَالَ الْحَرْبِ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ.
قَالَ: الزُّهْرِيُّ هَاجَتْ: الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَوَافِرُونَ، فَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُقَادُ أَحَدٌ، وَلَا يُؤْخَذُ
مَالٌ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إلَّا مَا وُجِدَ بِعَيْنِهِ ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ مُحْتَجًّا بِهِ.
(وَيَضْمَنَانِ) ؛ أَيْ: أَهْلُ الْعَدْلِ وَالْبُغَاةُ (مَا أَتْلَفَاهُ فِي غَيْرِ حَرْبٍ) ؛ أَيْ: يَضْمَنُ كُلٌّ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ فِي غَيْرِ حَرْبٍ؛ لِإِتْلَافِهِ مَعْصُومًا بِلَا حَقٍّ وَلَا ضَرُورَةِ دَفْعٍ (وَمَا أَخَذُوا) ؛ أَيْ: الْبُغَاةُ (حَالَ امْتِنَاعِهِمْ) عَنْ أَهْلِ الْعَدْلِ حَالَ شَوْكَتِهِمْ؛ أَيْ: (مِنْ زَكَاةٍ وَخَرَاجٍ وَجِزْيَةٍ، اُعْتُدَّ بِهِ) لِدَافِعِهِ إلَيْهِمْ؛ فَلَا يُؤْخَذُ ثَانِيًا إذَا ظَفَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا لَمَّا ظَفَرَ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَمْ يُطَالِبْهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جَبَاهُ الْبُغَاةُ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ يَأْتِيهِمْ سَاعِي نَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ فَيَدْفَعُونَ إلَيْهِ زَكَاتَهُمْ؛ وَلِأَنَّ فِي تَرْكِ الِاحْتِسَابِ بِذَلِكَ ضَرَرًا عَظِيمًا عَلَى الرَّعَايَا.
(وَيُقْبَلُ بِلَا يَمِينٍ) مِمَّنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ دَعْوَى (دَفْعِ زَكَاةٍ إلَيْهِمْ) ؛ أَيْ: الْبُغَاةِ كَدَعْوَى دَفْعِهَا إلَى الْفُقَرَاءِ، وَلِأَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى؛ فَلَا يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهَا كَالصَّلَوَاتِ.
(وَ) لَا تُقْبَلُ دَعْوَى دَفْعِ (خَرَاجٍ) إلَيْهِمْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ (وَ) لَا دَعْوَى دَفْعِ (جِزْيَةٍ) إلَيْهِمْ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا عِوَضٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الدَّفْعِ.
(وَهُمْ) ؛ أَيْ؛ الْبُغَاةُ (فِي شَهَادَتِهِمْ وَفِي إمْضَاءِ حُكْمِ حَاكِمْهُمْ كَأَهْلِ عَدْلٍ) ؛ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي لَهُ مَسَاغٌ فِي الشَّرْعِ لَا يُوجِبُ تَفْسِيقَ قَائِلِهِ، وَالذَّاهِبِ إلَيْهِ أَشْبَهَ الْخَطَأَ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي فَرْعٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَيُقْضَى بِشَهَادَتِهِمْ إذَا كَانُوا عُدُولًا، وَلَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ إلَّا مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةً صَحِيحَةٍ أَوْ إجْمَاعًا، وَيَجُوزُ قَبُولُ كِتَابِهِ وَإِمْضَائِهِ إنْ كَانَ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ.
قَالَ: ابْنُ عَقِيلٍ: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَيُؤْخَذُ عَنْهُمْ الْعِلْمُ مَا لَمْ يَكُونُوا دُعَاةً.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (لَا إنْ كَانُوا) ؛ أَيْ: الْبُغَاةُ (أَهْلَ بِدَعٍ) كَالْخَوَارِجِ؛ فَلَا تُقْبَلُ لَهُمْ شَهَادَةٌ، وَلَا يَنْفُذُ لِقَاضِيهِمْ حُكْمٌ لِفِسْقِهِمْ.
(وَإِنْ اسْتَعَانُوا) ؛ أَيْ: الْبُغَاةُ (بِأَهْلِ ذِمَّةٍ) أَهْلِ (عَهْدٍ؛ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، وَصَارُوا) كُلُّهُمْ (كَأَهْلِ حَرْبٍ) لِقِتَالِهِمْ لَنَا كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا بِهِ (لَا إنْ ادَّعَوْا) ؛ أَيْ: أَهْلُ الذِّمَّةِ أَوْ الْعَهْدِ (شُبْهَةً ك) ظَنِّ (وُجُوبِ إجَابَتِهِمْ) ؛ أَيْ: الْبُغَاةِ؛ لِكَوْنِهِمْ مُسْلِمِينَ؛ وَقَالُوا: لَا نَعْلَمُ الْبُغَاةُ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ، أَوْ ظَنَنَّا أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا الْقِتَالُ مَعَهُمْ، وَيُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ سَبَبُ النَّقْضِ.
(وَيَضْمَنُونَ) ؛ أَيْ: أَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْعَهْدُ (مَا أَتْلَفُوهُ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ (مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ) كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا بِإِتْلَافِهِ، بِخِلَافِ الْبُغَاةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّضْمِينُ يُنَافِيه؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَعَدَاوَتُهُمْ قَائِمَةٌ مَا دَامُوا كَذَلِكَ؛ فَلَا ضَرَرَ فِي تَضْمِينِهِمْ.
(وَإِنْ اسْتَعَانُوا) ؛ أَيْ: الْبُغَاةُ (بِأَهْلِ حَرْبٍ وَأَمَّنُوهُمْ ف) أَمَانُهُمْ (كَعَدَمِهِ) ؛ لِأَنَّهُمْ عَقَدُوهُ عَلَى قِتَالِنَا وَهُوَ مُحَرَّمٌ؛ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِعِصْمَتِهِمْ، فَيُبَاحُ قَتْلُهُمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ، وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ، وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ (إلَّا أَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى بُغَاةٍ) ؛ لِأَنَّهُمْ أَمَنُّوهُمْ، فَلَا يَغْدِرُونَهُمْ.
[فَصْلٌ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ]
فَصْلٌ (وَإِنْ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ) كَتَكْفِيرِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ مِثْلِ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، وَاسْتِحْلَالِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ (وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ) ؛ أَيْ: لَمْ يَجْتَمِعُوا لِلْحَرْبِ (لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَخْطُبُ، فَقَالَ رَجُلٌ فِي بَابِ الْمَسْجِدِ: لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ، تَعْرِيضًا بِالرَّدِّ عَلَيْهِ فِيمَا كَانَ مِنْ تَحْكِيمِهِ، فَقَالَ: عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، ثُمَّ قَالَ: لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ، وَلَا نَمْنَعُكُمْ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ.
(وَتَجْرِي الْأَحْكَامُ عَلَيْهِمْ كَأَهْلِ الْعَدْلِ) فِي ضَمَانِ نَفْسٍ وَمَالٍ وَوُجُوبِ حَدٍّ؛ لِلُزُومِ الْإِمَامِ الْحُكْمُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ فِي قَبْضَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِلَا اعْتِبَارٍ لِاعْتِقَادِهِمْ فِيهِ.
(وَيَتَّجِهُ هَذَا) ؛ أَيْ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُمْ (إنْ لَمْ يَمْتَنِعُوا مِنْ الْتِزَامِهِمْ) الْقِيَامَ بِأَوَامِرِ (الشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ) الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ وَنَحْوِهَا، وَإِلَّا بِأَنْ امْتَنَعُوا مِنْ إقَامَةِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ (وَجَبَ) عَلَى الْإِمَامِ (جِهَادُهُمْ) حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ كَالْمُحَارِبِينَ وَأَوْلَى (قَالَ: الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ) وَعَلَى رَعِيَّتِهِ (مَعُونَتُهُ عَلَى حَرْبِهِمْ، كَمَا قَاتَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مَانِعِي الزَّكَاةِ بِمَحْضَرٍ) مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ صَرَّحُوا بِ) سَبِّ إمَامٍ أَوْ (سَبِّ عَدْلٍ، أَوْ عَرَّضُوا بِهِ) ؛ أَيْ: السَّبِّ (عُزِّرُوا) لِارْتِكَابِهِمْ مُحَرَّمًا لَا حَدَّ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ (وَمَنْ كَفَّرَ أَهْلَ الْحَقِّ وَالصَّحَابَةَ وَاسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ) وَأَمْوَالَهُمْ (بِتَأْوِيلٍ ف) هُمْ (خَوَارِجُ بُغَاةٌ فَسَقَةٌ) بِاعْتِقَادِهِمْ الْفَاسِدِ قَالَ: فِي " الْمُبْدِعِ " تَتَعَيَّنُ اسْتِتَابَتُهُمْ، فَإِنْ تَابُوا، وَإِلَّا قُتِلُوا عَلَى إفْسَادِهِمْ لَا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَيَجُوزُ قَتْلُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَبْدَءُوا بِالْقِتَالِ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ نُصُوصُهُ عَلَى عَدَمِ كُفْرِ الْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا كَفَّرَ الْجَهْمِيَّةَ لَا أَعْيَانَهُمْ، قَالَ: وَطَائِفَةٌ تَحْكِي عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ مُطْلَقًا حَتَّى الْمُرْجِئَةِ وَالشِّيعَةِ الْمُفَضِّلَةِ لِعَلِيٍّ (وَعَنْهُ) ؛ أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ إنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا أَهْلَ الْحَقِّ وَالصَّحَابَةَ، وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَ
الْمُسْلِمِينَ بِتَأْوِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ (كُفَّارٌ) قَالَ: (الْمُنَقِّحُ: وَهُوَ أَظْهَرُ) انْتَهَى.
قَالَ: فِي " الْإِنْصَافِ " وَهُوَ الصَّوَابُ، وَاَلَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ، وَنَقَلَ مُحَمَّدٌ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ: مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْإِسْلَامِ الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ وَالرَّافِضَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ فَقَالَ: لَا تُصَلُّوا مَعَهُمْ، وَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ.
وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ مَنْ قَالَ: عِلْمُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ كَفَرَ، (وَ) .
قَالَ: (فِي " الْمُغْنِي " يُخَرَّجُ مِثْلُهُ فِي كُلِّ مُحَرَّمٍ اُسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلٍ) كَالْخَوَارِجِ، وَمَنْ كَفَّرَهُمْ فَحُكْمُهُمْ عِنْدَهُ كَمُرْتَدِّينَ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْإِرْشَادِ " وَعَنْ أَصْحَابِنَا تَكْفِيرُ مَنْ خَالَفَ فِي أَصْلٍ كَخَوَارِجَ وَرَوَافِضَ وَمُرْجِئَةٍ، (وَ) قَالَ: (فِي " نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِ " مَنْ سَبَّ صَحَابِيًّا مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، وَإِلَّا) يَكُنْ مُسْتَحِلًّا (فَسَقَ، وَالْمُرَادُ وَلَا تَأْوِيلَ، وَلِذَا لَمْ يَحْكُمْ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِكُفْرِ ابْنِ مُلْجِمٍ، قَاتِلِ عَلِيٍّ) فَإِنَّهُ قَالَ: حِينَ جَرَحَهُ أَطْعِمُوهُ وَاسْقُوهُ وَاحْبِسُوهُ، فَإِنْ عِشْتُ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي، وَإِنْ مِتُّ فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تُمَثِّلُوا بِهِ (وَلَا يُحْكَمُ بِكُفْرِ مَادِحِهِ) ؛ أَيْ: مَادِحِ ابْنِ مُلْجِمٍ (عَلَى قَتْلِهِ لِعَلِيٍّ)
(وَإِنْ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ) طَلَبِ (رِيَاسَةٍ فَهُمَا ظَالِمَتَانِ تَضْمَنُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا أَتْلَفَتْ عَلَى الْأُخْرَى) ؛ لِأَنَّهَا أَتْلَفَتْ نَفْسًا مَعْصُومَةً وَمَالًا مَعْصُومًا.
قَالَ: فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " فَأَوْجَبُوا الضَّمَانَ عَلَى مَجْمُوعِ الطَّائِفَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عَيْنُ الْمُتْلَفِ، وَإِنْ تَقَابَلَا (تَقَاصَّا) ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ وَالْمُعِينَ سَوَاءٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (وَضَمِنَتَا) ؛ أَيْ: الطَّائِفَتَانِ (سَوَاءٌ) أَيْ بِالسَّوِيَّةِ؛ (مَا) أَيْ: مَالًا (جُهِلَ مُتْلِفُهُ) قَالَ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَإِنْ جُهِلَ قَدْرُ مَا نَهَبَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ الْأُخْرَى تَسَاوَيَا يَعْنِي فِي ضَمَانِهِ.
قَالَ: كَمَا لَوْ جُهِلَ قَدْرُ الْحَرَامِ الْمُخْتَلِطِ بِمَالِهِ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ نِصْفَهُ، وَالْبَاقِي لَهُ انْتَهَى (كَمَا لَوْ قُتِلَ دَاخِلٌ بَيْنَهُمَا لِصُلْحٍ؛ وَجُهِلَ قَاتِلُهُ) مِنْ كَوْنِهِ مِنْ أَيِّ الطَّائِفَتَيْنِ (وَإِنْ عُلِمَ قَاتِلُهُ مِنْ طَائِفَةٍ) بِعَيْنِهَا (وَجُهِلَ) عَيْنُهُ (ضَمِنَتْهُ وَحْدَهَا) قَالَ: ابْنُ عَقِيلٍ: وَيُفَارِقُ الْمَقْتُولَ فِي زِحَامِ الْجَامِعِ وَالطَّوَافِ لِأَنَّ الزِّحَامَ وَالطَّوَافَ لَيْسَ فِيهِمَا تَعَدٍّ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
[بَابُ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ]
ِّ (وَهُوَ) لُغَةً الرَّاجِعُ، يُقَالُ ارْتَدَّ فَهُوَ مُرْتَدٌّ إذَا رَجَعَ قَالَ: تَعَالَى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 21] وَشَرْعًا (مَنْ كَفَرَ) نُطْقًا أَوْ اعْتِقَادًا أَوْ شَكًّا (وَلَوْ) كَانَ (مُمَيِّزًا) فَتَصِحُّ رِدَّتُهُ كَإِسْلَامِهِ، وَيَأْتِي (طَوْعًا) وَلَوْ كَانَ هَازِلًا بَعْدَ إسْلَامِهِ، وَلَوْ كَانَ إسْلَامُهُ (كُرْهًا بِحَقٍّ) كَمَنْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ كَعَابِدِ وَثَنٍ إذَا قُوتِلَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ (وَكَحَرْبِيٍّ) مِنْ أُمِّ وَلَدٍ لِمُسْلِمٍ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْحَرْبِيُّونَ، ثُمَّ أُخِذَتْ مِنْهُمْ، وَقَدْ أَتَتْ مِنْهُمْ بِهِ (وَذِمِّيٍّ) انْتَقَضَ عَهْدُهُ (وَأُكْرِهَا عَلَى الْإِسْلَامِ) بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ، فَامْتَنَعَا مِنْهُ (وَأُرِيدَ قَتْلُهُمَا) فَإِذَا أَسْلَمَا، ثُمَّ ارْتَدَّا كَانَا كَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُرْتَدِّينَ؛ لِأَنَّهُ إكْرَاهُ الْمُسْلِمِينَ بِحَقٍّ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ مَا لَمْ يَتُبْ، وَسَنَدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ.
قَالَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ) . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَخَالِدِ بْنَ الْوَلِيدِ وَغَيْرِهِمْ، وَسَوَاءٌ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ «أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ مَرْوَانَ ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَبَلَغَ أَمْرُهَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ أَنْ تُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ» ) وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ حِينَ رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً وَكَانَتْ كَافِرَةً أَصْلِيَّةً، وَيُخَالِفُ الْكُفْرَ الْأَصْلِيَّ الطَّارِئُ؛ إذْ الْمَرْأَةُ لَا تُجْبَرُ عَلَى تَرْكِ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ بِضَرْبٍ وَلَا حَبْسٍ، بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ.
(فَمَنْ ادَّعَى النُّبُوَّةَ، أَوْ صَدَّقَهُ) ؛ أَيْ: مَنْ صَدَّقَ مَنْ ادَّعَاهَا؛ كَفَرَ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40] وَلِحَدِيثِ: «لَا نَبِيَّ بَعْدِي» .
وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ كَذَّابًا كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ» (أَوْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ تَعَالَى) كَفَرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] (أَوْ سَبَّهُ) ؛ أَيْ: اللَّهَ تَعَالَى: (أَوْ) سَبَّ (رَسُولًا لَهُ أَوْ مَلَكًا لَهُ) كَفَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسُبُّهُ إلَّا وَهُوَ جَاحِدٌ لَهُ (أَوْ جَحَدَ رُبُوبِيَّتَهُ) ؛ أَيْ: اللَّهِ تَعَالَى (أَوْ) جَحَدَ (وَحْدَانِيَّتَهُ أَوْ) جَحَدَ (صِفَةً) مِنْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ اللَّازِمَةِ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ "؛ أَيْ: فَإِنَّهُ يَكْفُرُ؛ لِأَنَّهُ كَجَاحِدِ الْوَحْدَانِيَّةِ.
(وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ كُفْرِ جَاحِدٍ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى إذَا كَانَتْ الصِّفَةُ مُتَّفَقٌ عَلَى إثْبَاتِهَا (كَقَدِيرٍ وَبَصِيرٍ) وَنَحْوِهِمَا كَسَمِيعٍ؛ إذْ هَذِهِ صِفَاتٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ مُؤَثِّرَةٌ بِالْمَقْدُورَاتِ الْمُمْكِنَةِ عِنْدَ تَعَلُّقِهَا بِهَا، وَمُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُبْصِرَاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ بِاتِّفَاقِ؛ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَ (لَا) يَكْفُرُ بِجَحْدِهِ (الْقُدْرَةَ وَالْبَصَرَ) لِلِاخْتِلَافِ فِيهِمَا إذْ مِنْ النَّاسِ مِنْ يَقُولُ عَنْ الْقُدْرَةِ إنَّهَا الْعِلْمُ بِالْمَقْدُورَاتِ، وَعَنْ الْبَصَرِ إنَّهُ الْعِلْمُ بِالْمُبْصَرَاتِ وَهَكَذَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ مَذْهَبُ سَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْقُدْرَةِ وَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ صِفَةٌ مُغَايِرَةٌ لِلْعِلْمِ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ كَسَائِرِ الصِّفَاتِ؛ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ وَالْآيَاتِ.
قَالَ: فِي " الْمَوَاقِفِ " بَعْدَ تَقْرِيرِ الْمَسْأَلَةِ: وَظَوَاهِرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَة وَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ انْتَهَى.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ قُدْرَةً وَبَصَرًا قَدِيمِينَ زَائِدَيْنِ عَلَى ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ؛ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ قِدَمِ الْقُدْرَةِ قِدَمُ الْمَقْدُورَاتِ، وَلَا مِنْ (قِدَمِ) الْبَصَرِ قِدَمُ الْمُبْصَرَاتِ كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ قِدَمِ السَّمْعِ وَالْعِلْمِ قِدَمُ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْمَعْلُومَاتِ
لِأَنَّهَا صِفَاتٌ قَدِيمَةٌ تَحْدُثُ لَهَا تَعَلُّقَاتٌ بِالْحَوَادِثِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
أَوْ جَحَدَ (كِتَابًا أَوْ رَسُولًا) مُجْمَعًا عَلَيْهِ، أَوْ ثَبَتَ تَوَاتُرًا لَا أَحَادًا كَخَالِدِ بْنِ سِنَانٍ (أَوْ جَحَدَ مَلَكًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ الرُّسُلِ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِمْ كَفَرَ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّ جَحْدَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَجَحْدِ الْكُلِّ، أَوْ جَحَدَ الْبَعْثَ (أَوْ وُجُوبَ عِبَادَةٍ مِنْ) الْعِبَادَاتِ (الْخَمْسِ) الْمُشَارِ إلَيْهَا فِي حَدِيثِ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ» .
(وَمِنْهَا) ؛ أَيْ: مِثْلُهَا (الطَّهَارَةُ) فَيُكَفَّرُ مَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا (حُكْمًا ظَاهِرًا) بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ فَرْضِ السُّدُسِ لِبِنْتِ الِابْنِ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ (مُجْمَعًا عَلَيْهِ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا) لَا سُكُوتِيًّا؛ لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةً (بِلَا تَأْوِيلٍ) أَمَّا إذَا كَانَ بِتَأْوِيلٍ كَاسْتِحْلَالِ الْخَوَارِجِ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ لَا يُكَفِّرُونَهُمْ لِادِّعَائِهِمْ أَنَّهُمْ يَتَقَرَّبُونَ بِذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ: عُمْرَانِ بْن حِطَّانَ يَمْدَحُ ابْنَ مُلْجِمٍ لِقَتْلِهِ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا ... إلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانًا إنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَحْسِبُهُ ... أَوْفَى الْبَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانًا
وَمَا أَحْسَنَ مَا رَدَّ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَمَّادٍ السَّاهِرِيُّ، عَلَى ابْنِ حِطَّانَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ مِنْهَا قَوْلُهُ: قُلْ لِابْنِ مُلْجَمٍ وَالْأَقْدَارُ غَالِبَةٌ ... هَدَمْتَ وَيْلَكَ لِلْإِسْلَامِ أَرْكَانًا إلَى أَنْ قَالَ: إنِّي لَأَحْسَبُهُ مَا كَانَ مِنْ بَشَرٍ ... يَخْشَى الْمَعَادَ وَلَكِنْ كَانَ شَيْطَانًا أَشْقَى مُرَادٍ إذَا عَنَّتْ قَبَائِلُهَا ... وَأَخْسَرُ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانًا كَعَاقِرِ النَّاقَةِ الْأُولَى الَّتِي جَلَبَتْ ... عَلَى ثَمُودَ بِأَرْضِ الْحِجْرِ خُسْرَانًا قَدْ كَانَ يُخْبِرُهُمْ أَنْ سَوْفَ يَخْضِبُهَا ... قَبْلَ الْمُنْيَةِ أَزْمَانًا وَأَزْمَانًا فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ مَا تَحَمَّلَهُ ... وَلَا سَقَى قَبْرَ عُمْرَانِ بْنِ حَطَّانَا لِقَوْلِهِ فِي شَقِيٍّ ظَلَّ مُحْتَرَمًا ... وَنَالَ مَا نَالَهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا يَا ضَرْبَةً مِنْ غَوِيٍّ أَوْرَثَتْهُ لَظًى ... فَسَوْفَ يَلْقَى بِهَا الرَّحْمَنَ غَضْبَانَا فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَصْدًا بِضَرْبَتِهِ ... إلَّا لِيَصْلَى عَذَابَ الْخُلْدِ نِيرَانًا (بِخِلَافِ مَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ، بِلَا تَأْوِيلٍ ك) .
جَحْدِ (تَحْرِيمِ زِنًا أَوْ) جَحْدِ تَحْرِيمِ (لَحْمِ) مَيْتَةٍ مُجْمَعٍ عَلَى تَحْرِيمِهَا كَفَرَ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِتَحْرِيمِهَا لَا يَكَادُ يَخْفَى (لَا) إنْ جَحَدَ تَحْرِيمَ (شَحْمِ الْخِنْزِيرِ) وَكُلْيَتِهِ وَكَبِدِهِ وَطِحَالِهِ؛ لِلِاخْتِلَافِ بِحِلِّ ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ، بِخِلَافِ تَحْرِيمِ لَحْمِهِ؛ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، أَوْ جَحَدَ تَحْرِيمَ (حَشِيشَةٍ) كَفَرَ بِلَا نِزَاعٍ.
(أَوْ) جَحَدَ (حِلَّ خُبْزٍ وَنَحْوِهِ) كَلَحْمِ مُذَكَّاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَالدَّجَاجِ (أَوْ شَكَّ فِيهِ) أَيْ فِي تَحْرِيمِ زِنًا وَلَحْمِ خِنْزِيرٍ أَوْ فِي حِلِّ خُبْزٍ وَنَحْوِهِ (وَمِثْلُهُ لَا يَجْهَلُهُ) لِكَوْنِهِ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (أَوْ) كَانَ (يَجْهَلُهُ) مِثْلُهُ (وَعَرَفَ) حُكْمَهُ؛ (وَأَصَرَّ عَلَى الْجَحْدِ وَالشَّكِّ) ؛ كَفَرَ؛ لِمُعَانِدَتِهِ الْإِسْلَامَ؛ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ قَبُولِ الْأَحْكَامِ غَيْرَ قَابِلٍ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.
(أَوْ سَجَدَ لِصَنَمٍ أَوْ كَوْكَبٍ) كَشَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ؛ كَفَرَ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَكَ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
(وَيَتَّجِهُ السُّجُودُ لِلْحُكَّامِ وَالْمَوْتَى بِقَصْدِ الْعِبَادَةِ كَفْرٌ) قَوْلًا وَاحِدًا
بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ (وَالتَّحِيَّةُ) لِمَخْلُوقٍ بِالسُّجُودِ لَهُ (كَبِيرَةٌ) مِنْ الْكَبَائِرِ الْعِظَامِ، وَالسُّجُودُ لِمَخْلُوقٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ (مَعَ الْإِطْلَاقِ) الْعَارِي عَنْ كَوْنِهِ لِخَالِقٍ أَوْ مِخْلَاقٍ (أَكْبَرُ إثْمًا وَأَعْظَمُ جُرْمًا إذْ السُّجُودُ لَا يَكُونُ إلَّا لِلَّهِ وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ) .
(أَوْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِطَ يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ وَيَدْعُوهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ) كَفَرَ (إجْمَاعًا قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: أَوْ كَانَ مُبْغِضًا لِرَسُولِهِ أَوْ لِمَا جَاءَ بِهِ كَفَرَ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَفِعْلِ عَابِدِي الْأَصْنَامِ قَائِلِينَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيَقْرَبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى
(أَوْ أَتَى بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ صَرِيحٍ فِي الِاسْتِهْزَاءِ بِالدِّينِ) الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ اسْتَهْزَأَ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ كُتُبِهِ أَوْ رُسُلِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: 65] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 66] قَالَ: فِي " الْمُغْنِي " وَالشَّرْحِ " وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى فِي الْهَازِئِ بِذَلِكَ؛ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ حَتَّى يُؤَدَّبَ أَدَبًا يَزْجُرُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُكْتَفَ مِمَّنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّوْبَةِ؛ فَهَذَا أَوْلَى (أَوْ امْتَهَنَ الْقُرْآنَ الَّذِي صَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ ادَّعَى اخْتِلَافَهُ أَوْ اخْتِلَاقَهُ، أَوْ ادَّعَى الْقُدْرَةَ عَلَى مِثْلِهِ، أَوْ أَسْقَطَ حُرْمَتَهُ، كَفَرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82] وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: 88] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ:
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21]
وَ (لَا) يُكَفَّرُ (مَنْ حَكَى كُفْرًا سَمِعَهُ وَلَا يَعْتَقِدُهُ) قَالَ: فِي " الْفُرُوعِ " وَلَعَلَّ هَذَا إجْمَاعٌ.
وَفِي " الِانْتِصَارِ " مَنْ تَزَيَّا بِزِيِّ كُفْرٍ مِنْ لُبْسِ غِيَارٍ وَشَدِّ زُنَّارٍ وَتَعْلِيقِ صَلِيبٍ بِصَدْرِهِ؛ حَرُمَ، وَلَمْ يُكَفَّرْ
(أَوْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ كُفْرٍ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهَا) فَلَا يُكَفَّرُ بِذَلِكَ، وَلَا مَنْ جَرَى الْكُفْرُ عَلَى لِسَانِهِ سَبْقًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ؛ لِشِدَّةِ فَرَحٍ أَوْ دَهْشٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَنْتِ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُك فَقَالَ: غَلَطًا أَنْتِ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّك لِحَدِيثِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» .
(وَإِنْ تَرَكَ مُكَلَّفٌ عِبَادَةً مِنْ الْخَمْسِ تَهَاوُنًا) مَعَ إقْرَارِهِ بِوُجُوبِهَا (لَمْ يُكَفَّرْ) سَوَاءٌ عَزَمَ عَلَى أَنْ لَا يَفْعَلَهَا أَبَدًا أَوْ عَلَى تَأْخِيرِهَا إلَى زَمَنٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَيْهِ؛ لِحَدِيثِ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ دُخُولَ النَّارِ.
قَالَ: مُعَاذٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَخْبَرَ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: إذَنْ يَتَّكِلُوا، فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ مَنْ أَتَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ.
وَلَوْ كَفَرَ بِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي مَشِيئَةِ الْغُفْرَانِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يُغْفَرُ (إلَّا بِالصَّلَاةِ أَوْ بِشَرْطٍ لَهَا أَوْ رُكْنٍ لَهَا مُجْمَعٍ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ أَوْ رُكْنٌ لَهَا (إذَا دَعَاهُ إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ) إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الَّذِي تَرَكَهُ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ شَرْطِهَا أَوْ رُكْنِهَا الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ (وَامْتَنَعَ) مِنْ فِعْلِهِ حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَ الصَّلَاةِ الَّتِي دُعِيَ لَهَا؛ فَيُكَفَّرُ (عَلَى مَا مَرَّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ) مُفَصَّلًا، وَيُسْتَتَابُ كَمُرْتَدٍّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا، فَإِنْ تَابَ بِفِعْلِهَا خُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَإِنْ أَصَرَّ قُتِلَ كُفْرًا بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ وَدِعَايَةِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، أَوْ يُقْتَلُ فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ
مِنْ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا وَرُكْنِهَا الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ كَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ حَدًّا، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ.
(وَمَنْ اعْتَقَدَ قِدَمَ الْعَالَمِ، أَوْ اعْتَقَدَ حُدُوثَ الصَّانِعِ، أَوْ سَخِرَ بِوَعْدِ اللَّهِ أَوْ وَعِيدِهِ) فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ كَالِاسْتِهْزَاءِ بِاَللَّهِ وَالْعِيَاذِ بِاَللَّهِ (أَوْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ دَانَ) ؛ أَيْ: تَدَيَّنَ (بِغَيْرِ الْإِسْلَامِ) كَالنَّصَارَى وَالْيَهُودِ (أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ) أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُ؛ فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85] الْآيَةَ.
(أَوْ قَالَ: قَوْلًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى تَضْلِيلِ الْأُمَّةِ) ؛ أَيْ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ (أَوْ كَفَّرَ الصَّحَابَةَ) بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ (فَهُوَ كَافِرٌ) ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلرَّسُولِ فِي قَوْلِهِ: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» ) وَغَيْرِهِ.
وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْخَوَارِجِ وَنَحْوِهِمْ.
(قَالَ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ) وَكَذَا مَنْ اعْتَقَدَ أَنْ الْكَنَائِسَ بُيُوتُ اللَّهِ، أَوْ أَنَّهُ يُعْبَدُ (فِيهَا،) أَوْ أَنْ مَا يَفْعَلُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عِبَادَةٌ لِلَّهِ وَطَاعَةٌ لَهُ وَلِرَسُولِهِ، أَوْ أَنَّهُ يُحِبُّ ذَلِكَ، أَوْ (يَرْضَاهُ) فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ اعْتِقَادُهُ صِحَّةَ دِينِهِمْ، وَذَلِكَ كُفْرٌ (أَوْ أَعَانَهُمْ عَلَى فَتْحِهَا) ؛ أَيْ: الْكَنَائِسِ (وَإِقَامَةِ دِينِهِمْ؛ وَ) اعْتَقَدَ (أَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ أَوْ طَاعَةٌ) فَهُوَ كَافِرٌ لِتَضَمُّنِهِ اعْتِقَادَ صِحَّةِ دِينِهِمْ.
وَقَالَ: الشَّيْخُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مَنْ اعْتَقَدَ أَنْ زِيَارَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَنَائِسَهُمْ قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ؛ فَهُوَ مُرْتَدٌّ، وَإِنْ جَهِلَ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عُرِّفَ ذَلِكَ، فَإِنْ أَصَرَّ صَارَ مُرْتَدًّا؛ لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيبَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: 19]
وَقَالَ: قَوْلُ الْقَائِلِ مَا ثَمَّ إلَّا اللَّهُ، إنْ أَرَادَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْإِلْحَادِ مِنْ أَنَّ مَا ثَمَّ مَوْجُودٌ إلَّا اللَّهُ، وَيَقُولُونَ إنَّ وُجُودَ الْخَالِقِ هُوَ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ، وَالْخَالِقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ، وَالْمَخْلُوقُ هُوَ الْخَالِقُ، وَالْعَبْدُ هُوَ الرَّبُّ، وَالرَّبُّ هُوَ الْعَبْدُ،
وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى بُطْلَانِهَا، فَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا الْقَتْلُ.
وَقَالَ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (أَوْ) اعْتَقَدَ (أَنْ لِأَحَدٍ طَرِيقًا إلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِ مُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ) أَوْ أَنَّ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ خُرُوجًا عَنْ اتِّبَاعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ أَخْذِ مَا بُعِثَ بِهِ (أَوْ قَالَ: أَنَا مُحْتَاجٌ إلَى مُحَمَّدٍ فِي عِلْمِ الظَّاهِرِ دُونَ عِلْمِ الْبَاطِنِ، أَوْ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، أَوْ قَالَ: إنَّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مَنْ يَسَعُهُ الْخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَتِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (كَمَا وَسِعَ الْخَضِرُ الْخُرُوجَ عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى) - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيبَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153] أَوْ اعْتَقَدَ أَنْ غَيْرَ هَدْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَقَالَ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَخِفَّ بِالتَّوْرَاةِ (أَوْ) يَلْعَنَهَا، بَلْ مَنْ (لَعَنَ التَّوْرَاةَ) فَإِنَّهُ يَكْفُرُ، وَحِينَئِذٍ فَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْرَفُ أَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا؛ فَهَذَا يُقْتَلُ بِشَتْمِهِ لَهَا، وَ (لَا) يُكَفَّرُ بِشَتْمِهِ (مَا بِأَيْدِيهِمْ) ؛ أَيْ: الْيَهُودِ (الْآنَ مِنْهَا) بِمَا يُبَيِّنُ أَنَّ قَصْدَهُ ذِكْرُ تَحْرِيفِهَا مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: نُسَخُ هَذِهِ التَّوْرَاةِ مُبَدَّلَةٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ فِيهَا، وَمَنْ عَمِلَ الْيَوْمَ بِشَرَائِعِهَا الْمُبَدَّلَةِ وَالْمَنْسُوخَةِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ، أَوْ لَعَنَ دِينَ الْيَهُودِ الَّذِينَ هُمْ عَلَيْهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ فَهَذَا الْكَلَامُ وَنَحْوُهُ لَا بَأْسَ عَلَى قَائِلِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(أَوْ زَعَمَ أَنْ اللَّهَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ مُخْتَلِطًا بِالْمَخْلُوقَاتِ) يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ (أَوْ قَالَ: إنَّ) قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] بِمَعْنَى قَدَّرَ فَإِنَّ اللَّهَ مَا قَدَّرَ شَيْئًا إلَّا وَقَعَ وَجَعَلَ (عُبَّادَ الْأَصْنَامِ مَا عَبَدُوا [إلَّا] اللَّهَ) فَإِنَّ هَذَا الْمُعْتَقَدَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ كُفْرًا بِالْكُتُبِ كُلِّهَا، لِتَكْذِيبِهِ لَهَا فِيمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ ثُبُوتِ وَحْدَانِيِّتِهِ تَعَالَى، بَلْ مَعْنَى قَضَى هُنَا أَوْجَبَ، وَقَدْ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِهَذِهِ الْفِرَقِ وَأَفْسَدَ كَثِيرًا مِنْ عَقَائِدِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ.
(أَوْ ادَّعَى أُلُوهِيَّةَ عَلَيَّ) بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَالنُّصَيْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِحُلُولِ الْإِلَهِ فِيهِ وَبِالتَّنَاسُخِ وَإِنْكَارِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَأَنَّ جَنَّةَ الْإِنْسَانِ الْمَعِيشَةُ الْهَنِيَّةُ وَنَارَهُ هِيَ الْمَعِيشَةُ الرَّزِيَّةُ، وَأَنَّ لَيَالِيَ رَمَضَانَ أَسْمَاءُ ثَلَاثِينَ امْرَأَةً، هُنَّ فُلَانَةُ وَفُلَانَةُ وَفُلَانَةُ وَأَيَّامُهُ أَسْمَاءُ لِثَلَاثِينَ رَجُلًا هُمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَأَنَّ الْخَمْرَ مُبَاحٌ شُرْبُهَا، وَيَلْعَنُونَ مَنْ يَقُولُ بِتَحْرِيمِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْهَذَيَانَاتِ الَّتِي هِيَ صَرِيحَةٌ بِكُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ (أَوْ ادَّعَى نُبُوَّتَهُ) ؛ أَيْ: عَلَيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (أَوْ) ادَّعَى (أَنْ جِبْرِيلَ) - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (غَلَطَ) كَغُلَاةِ الرَّوَافِضِ؛ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ؛ لِمُخَالَفَتِهِ نَصَّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، بَلْ لَا شَكَّ فِي كُفْرِ مَنْ تَوَقَّفَ فِي تَكْفِيرِهِ.
(أَوْ) ؛ أَيِّ: وَكَذَلِكَ مَنْ زَعَمَ (أَنْ الْقُرْآنَ نَقَصَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ كُتِمَ مِنْهُ شَيْءٌ وَأَنَّ لَهُ تَأْوِيلَاتٌ بَاطِنَةٌ تُسْقِطُ الْأَعْمَالَ الْمَشْرُوعَةَ) مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ وَزَكَاةٍ وَغَيْرِهَا (كَالْقَرَامِطَةِ وَهِيَ الْبَاطِنِيَّةُ) الْقَائِلُونَ إنَّ اللَّهَ احْتَجَبَ بِالْحُكْمِ بِأَمْرِ اللَّهِ، كَمَا احْتَجَبَ بِالشَّجَرَةِ حِينَ كَلَّمَ مُوسَى، وَهُوَ أَحَقُّ بِأَنْ يَنْطِقَ الْبَارِّي عَلَى لِسَانِهِ، وَيُظْهِرُ لِلْعَالَمِينَ قُدْرَتَهُ، وَيَحْتَجِبُ عَنْهُمْ فِيهِ فَلَمَّا حَلَّ فِيهِ صَارَ هُوَ هُوَ، وَصَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ الْقُرْآنَ وَأَنَّ الْقُرْآنَ لَهُ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، مَنْ قَالَ: بِظَاهِرِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَالصَّلَاةُ هِيَ الْعَهْدُ الْمَأْلُوفُ، وَسُمِّيَتْ صَلَاةً؛ لِأَنَّهَا صِلَةٌ بَيْنَ الْمُسْتَجِيبِينَ وَبَيْنَ الْحَاكِمِ، فَالصَّلَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ صِلَةُ الْقُلُوبِ بِتَوْحِيدِ الْحَاكِمِ، فَمَنْ تَرَكَ تَوْحِيدَهُ فَقَدْ كَفَرَ وَالزَّكَاةُ هِيَ وِلَايَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْأَئِمَّةُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَقَدْ أَسْقَطَهَا الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ تَوْحِيدُهُ.
وَقَالُوا: الصَّوْمُ هُوَ الصَّمْتُ، وَالْحَجُّ تَوْحِيدُهُ، وَالْجِهَادُ هُوَ فِي الْحَشْوِيَّةِ النَّوَاصِبُ، وَفِي
الْحَقِيقَةِ بَذْلُ الْجَهْدِ فِي تَوْحِيدِ الْحَاكِمِ وَالنَّاطِقُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْأَسَاسُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ نَسَخَ الْحَاكِمُ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ بِالْكَمَالِ، وَالْعَرْشُ هُوَ عِلْمُ التَّوْحِيدِ، وَالْعَذَابُ الْأَلِيمُ تَجْدِيدُ الظَّاهِرِ فِي الْقُلُوبِ، وَقَالُوا: إنَّ الْبَارِيَ أَظْهَرَ مِنْ نُورِهِ صُورَةً كَامِلَةً، سَمَّاهَا الْعَقْلَ وَهُوَ عِلَّةُ الْعِلَلِ، وَهُوَ السَّابِقُ الْحَقِيقِيُّ؛ لِأَنَّهُ هُيُولِيٌّ كُلِّ شَيْءٍ وَبِهِ تَكْوِينُهُ، فَسَأَلَ الْعَقْلُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ مُعِينًا عَلَى الضِّدِّ الْمُخَالِفِ - وَهُوَ إبْلِيسُ - فَأَبْدَعَ لَهُ الشَّوْقَ وَهُوَ التَّالِي، وَجَعَلَهُ سَامِعًا لِلسَّابِقِ مُطِيعًا لِأَمْرِهِ، وَقَالُوا إنَّ: الْحَاكِمَ مُعْلٍ عِلَّةَ الْعِلَلِ، يَظْهَرُ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَزَمَانٍ فِي صُورَةٍ بَشَرِيَّةٍ وَصِفَةٍ مَرْئِيَّةٍ كَيْف شَاءَ حَيْثُ يَشَاءُ، وَهُوَ مُبْدِعُ الْإِبْدَاعِ، وَخَالِقُ الْأَنْوَاعِ، مُنَزَّهٌ عَنْ الصِّفَاتِ وَالْمُبْدَعَاتِ، لَا تُحِيطُ بِهِ الْجِهَاتُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى وَصْفِهِ اللُّغَاتُ، بَلْ هُوَ مَعْبُودُ جَمِيعِ الْأَنَامِ، وَهُوَ الصُّورَةُ الْمَرْئِيَّةُ الظَّاهِرَةُ لِخَلْقِهِ بِالْبَشَرِيَّةِ، الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَالِمِ الْحَاكِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي يَحْكُمُ عَلَى جَمِيعِ النُّطَقَاءِ، وَيَسْتَعْبِدُهُمْ تَحْتَ حُكْمِهِ وَسُلْطَانِهِ، ثُمَّ نَسَخَ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ؛ لِأَنَّهَا مُنْكَرَاتٌ قَالَ: لِمُحَمَّدٍ: وَإِنَّهُ عَنْ الْمُنْكَرِ يَعْنِي الشَّرِيعَةَ، وَأَرْسَلَ حَمْزَةَ، وَسَمَّاهُ هَادِيَ الْمُسْتَجِيبِينَ، يَهْدِي الْعَالَمَ إلَى دِينِ الْحَقِّ، وَهُوَ دِينُ الْحَاكِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَفْظُ الْجَلَالَةِ كَيْف مَا وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ هِيَ لَاهُوتُ الْحَاكِمِ وَلَفْظُ الرَّسُولِ هُوَ حَمْزَةُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ أَحْمَدَ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ ذُو معة؛ لِأَنَّهُ وِعَاءُ تَوْحِيدِ الْحَاكِمِ، وَإِنَّ الْحَاكِمَ يَظْهَرُ فِي سَبْعِينَ عَصْرًا، وَظُهُورُهُ فِي النَّاسُوتِ الْبَشَرِيِّ دَلِيلٌ عَلَى تَغْيِيرِ الشَّرِيعَةِ، وَإِثْبَاتِ التَّوْحِيدِ، وَإِظْهَارُهُ الشَّرِيعَةَ الشَّرِيفَةَ الرُّوحَانِيَّةَ عَلَى يَدِ عَبْدِهِ حَمْزَةَ، وَقَالُوا: النَّارُ عِلْمُ الْحَقِيقَةِ، وَالْجَنَّةُ الدَّعْوَةُ التَّوْحِيدِيَّةُ، وَالنُّطَقَاءُ هُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَلِكُلِّ نَاطِقٍ أَسَاسٌ، وَخَاتَمُ النُّطَقَاءُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ خَتَمَ الشَّرَائِعَ، وَتَمَّمَهَا، وَنَسَخَ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ، فَلَا يَكُونُ بَعْدَهُ شَرِيعَةٌ تَكْلِيفِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الشَّرَائِعَ كُلَّهَا تَدْعُوَا إلَى عِبَادَةِ الْعَدَمِ، وَكَذَلِكَ ظَهَرَ الْحَاكِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ بِالصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَسَمَّى نَفْسَهُ بِالْقَائِمِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلَ مَا ظَهَرَ لِخَلْقِهِ بِالْمُلْكِ
وَالْبَشَرِيَّةِ وَالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ حَتَّى يُعْرَفَ وَلَا يُنْكَرُ، وَيُطَاعَ وَلَا يُكْفَرَ، وَأَرْسَلَ عَبْدَهُ حَمْزَةَ، وَسَمَّاهُ هَادِيَ الْمُسْتَجِيبِينَ، الْمُنْتَقِمَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ كِتَابٍ لَهُمْ مَرْسُومٍ بِكَشْفِ الْحَقَائِقِ.
وَالْإِسْمَاعِيلِيَّة هُمْ الَّذِينَ أَثْبَتُوا الْأَمَانَةَ لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرَ الصَّادِقِ، وَمِنْ مَذْهَبِهِمْ أَنَّ اللَّهَ لَا مَوْجُودَ وَلَا مَعْدُومَ وَلَا عَالِمَ وَلَا جَاهِلَ، وَلَا قَادِرَ وَلَا عَاجِزَ، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِثْبَاتَ لِحَقِيقِيَّتِهِ تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْجُودَاتِ وَهُوَ تَشْبِيهٌ، وَالنَّفْيُ الْمُطْلَقُ يَقْتَضِي مُشَارَكَتَهُ لِلْمَعْدُومَاتِ، وَهُوَ تَعْطِيلٌ، بَلْ هُوَ وَاهِبُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَرَبُّ الْمُتَضَادَّاتِ انْتَهَى مِنْ تَعْرِيفَاتِ السَّيِّدِ.
وَكَذَا الدُّرُوزُ والتيامنة الَّذِينَ يَنْتَحِلُونَ عَقَائِدَ الْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ، وَجَمِيعُ الطَّوَائِفِ الْمَذْكُورُونَ زَنَادِقَةٌ مَلَاحِدَةٌ مُتَقَارِبُونَ فِي الِاعْتِقَادِ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ فَهُوَ كَافِرٌ مِثْلُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ كُفْرًا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ فَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ فِي دِيَارِ الْإِسْلَامِ بِجِزْيَةٍ وَلَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ وَلَا فِي حُصُونِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَزَمَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُمْ أَشَدُّ كُفْرًا مِنْ الْمُرْتَدِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ تَنَاسُخَ الْأَرْوَاحِ، وَحُلُولَ الْإِلَهِ فِي عَلِيٍّ وَالْحَاكِمِ، وَقَالَ: لَيْسَ هُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ، بَلْ بِمَنْزِلَةِ الْكُفْرِ وَالصَّابِئِينَ؛ فَيُبَاحُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَخْذُ أَمْوَالِهِمْ، وَسَبْيُ نِسَائِهِمْ - لَا افْتِرَاشُهَا - لِأَنَّهُمْ زَنَادِقَةٌ فُجَّارٌ، لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ، بَلْ يُقْتَلُونَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا، وَيُلْعَنُونَ كَمَا وُصِفُوا، وَلَا يَجُوزُ اسْتِخْدَامُهُمْ لِلْحِرَاسَةِ وَالْبِوَابَةِ؛ وَيَجُوزُ قَتْلُ عُلَمَائِهِمْ وَصُلَحَائِهِمْ لِئَلَّا؛ يُضِلُّوا غَيْرَهُمْ، وَيَحْرُمُ النَّوْمُ مَعَهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ وَرُفْقَتُهُمْ وَالْمَشْيُ مَعَهُمْ وَتَشْيِيعُ جَنَائِزِهِمْ إذَا عُلِمَ مَوْتُهَا، وَيَحْرُمُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ إضَاعَةُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ إقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ انْتَهَى.
وَقَالَ: فِي الِانْتِصَارِ: مَالُ كَافِرٍ مُصَالِحٍ مُبَاحٌ بِطِيبِ نَفْسِهِ، وَالْحَرْبِيُّ مُبَاحٌ أَخْذُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ.
(أَوْ قَذَفَ عَائِشَةَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - (بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ) مِنْهُ؛ كُفْرٌ بِلَا خِلَافٍ
لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِنَصِّ الْكِتَابِ (وَفِي قَذْفِ غَيْرِهَا مِنْ نِسَائِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلَانِ؛ صَحَّحَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (أَنَّهُ كَهُوَ) ؛ أَيْ كَقَذْفِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَالثَّانِي أَنَّهُ كَسَبِّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، لِعَدَمِ نَصٍّ خَاصٍّ.
(وَيَتَّجِهُ) مَحَلَّ كَوْنِ قَذْفِ إحْدَى نِسَائِهِ الطَّاهِرَاتِ غَيْرَ عَائِشَةَ (فِي حَيَاتِهِ خَاصَّةً لِتَنْقِيصِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْغَضَاضَةِ وَالْعَارِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهَذَا مَفْقُودٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَذَا قَالَ: وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ وُقُوعِ ذَلِكَ، فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ كَذَا قَالَ: مَعَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاجِبُ الِاحْتِرَامِ حَيًّا وَمَيِّتًا، بَلْ جُرْمُ مُتَنَقَّصِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَعْظَمُ مِنْ جُرْمِ مَنْ تَنَقَّصَهُ فِي حَيَاتِهِ؛ إذْ يُمْكِنُ فِي حَيَاتِهِ الْعَفْوُ عَمَّنْ فَرَطَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْعَفْوُ مُتَعَذَّرٌ وَلَا رَيْبَ أَنَّ أَذَاهُ بِقَذْفِ نِسَائِهِ الطَّاهِرَاتِ أَعْظَمُ مِنْ أَذَاهُ بِنِكَاحِهِنَّ بَعْدَهُ
(أَوْ زَعَمَ أَنْ الصَّحَابَةَ ارْتَدُّوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا نَفَرًا قَلِيلًا لَا يَبْلُغُونَ بِضْعَةَ عَشْرَ) نَفْسًا (أَوْ زَعَمَ أَنَّهُمْ فَسَقَوْا، كَفَرَ فِي الْكُلِّ) ؛ أَيْ: كُلِّ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِمَا نَصَّهُ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الرِّضَا عَنْهُمْ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، بَلْ مَنْ شَكَّ فِي مِثْلِ هَذَا فَكُفْرُهُ مُتَعَيَّنٌ فَإِنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنَّ نَقَلَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كُفَّارٌ أَوْ فُسَّاقٌ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ الَّتِي هِيَ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَخَيْرُهَا هُوَ الْقَرْنُ الْأَوَّلُ كَانَ عَامَّتُهُمْ كُفَّارًا أَوْ فُسَّاقًا، وَمَضْمُونُهَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ شَرُّ الْأُمَمِ، وَأَنَّ سَابِقِي هَذِهِ الْأُمَّةِ هُمْ شِرَارُهَا، وَكُفْرُ هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.
(قَالَ: الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (فِي) كِتَابِهِ (الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ) وَقَالَ: وَلِهَذَا تَجِدُ عَامَّةَ مَنْ ظَهَرَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ؛ فَإِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ، وَعَامَّةُ الزَّنَادِقَةِ
إنَّمَا يَسْتَتِرُونَ بِمَذْهَبِهِمْ؛ وَقَدْ ظَهَرَتْ لِلَّهِ فِيهِمْ مُثُلَاتٌ وَتَوَاتَرَ النَّقْلُ بِأَنَّ وُجُوهَهُمْ تُمْسَخُ خَنَازِيرَ فِي الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ انْتَهَى.
(وَكَذَا مَنْ أَنْكَرَ صُحْبَةَ أَبِي بَكْرٍ) بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَقَدْ كَفَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: 40] فَإِنْكَارُ صُحْبَتِهِ تَكْذِيبٌ لِلَّهِ، وَكَذَا يَكْفُرُ مُنْكِرُ صُحْبَتِهِ نَحْوَ عُمَرَ كَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ؛ لِتَكْذِيبِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِصَحَابِيَّتِهِ، وَلِأَنَّهُ يَعْرِفُهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ، فَنَافِي صَحَابِيَّتِهِ أَحَدِهِمْ مُكَذِّبٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[تَتِمَّةٌ سَبَّ الصَّحَابَةَ سَبَّا لَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِمْ وَلَا دِينِهِمْ]
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ سَبَّا لَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِمْ وَلَا دِينِهِمْ مِثْلُ مَنْ وَصَفَ بَعْضُهُمْ بِبُخْلٍ أَوْ جُبْنٍ أَوْ قِلَّةِ عِلْمٍ أَوْ عَدَمِ زُهْدٍ وَنَحْوِهِ؛ فَهَذَا يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ وَالتَّعْزِيرَ، وَلَا يُكَفَّرُ، وَأَمَّا مَنْ لَعَنَ وَقَبَّحَ مُطْلَقًا، فَهَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ أَعْنِي هَلْ يُكَفَّرُ أَوْ يُفَسَّقُ؟ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي كُفْرِهِ وَقَتْلِهِ، وَقَالَ: يُعَاقَبُ وَيُجْلَدُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ، وَفِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ يَسْتَحِقُّ عُقُوبَةً بَلِيغَةً بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
(أَوْ شُفِعَ عِنْدَهُ) فِي رَجُلٍ فَقَالَ: " لَوْ جَاءَ النَّبِيُّ " - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (لِيَشْفَعَ فِيهِ مَا قَبِلْت مِنْهُ؛ كَفَرَ وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يُحْكَمُ بِكُفْرِ قَائِلِ ذَلِكَ (إنْ قَالَهُ اسْتِخْفَافًا) بِمَقَامِهِ الرَّفِيعِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَتُوبَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ أَوْ قَبْلَهَا فَإِنْ تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ قُتِلَ (لَا) إنْ تَابَ قَبْلَهَا.
أَوْ قَالَ ذَلِكَ (لِلتَّأْكِيدِ) دُونَ الِاسْتِخْفَافِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُكَفَّرُ، وَلَا يُقْتَلُ كَالْمُحَارِبِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَفَادَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَصْلٌ فِي مَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ مُكَلَّفًا مُخْتَارًا]
فَصْلٌ (فَمَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ مُكَلَّفًا مُخْتَارًا - وَلَوْ أُنْثَى - دُعِيَ إلَيْهِ وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا) رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْقَادِرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ هَلْ كَانَ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ، فَقَالَ: مَا فَعَلْتُمْ بِهِ؟ قَالَ: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ قَالَ عُمَرُ: فَهَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَأَسْقَيْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ أَوْ يُرَاجِعُ اللَّهَ؟ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ، وَلَمْ أَرْضَ إذْ بَلَغَنِي وَلَوْ لَمْ تَجِبْ الِاسْتِتَابَةُ لَمَا بَرِئَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَأَحَادِيثُ الْأَمْرِ بِقَتْلِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ (وَيَنْبَغِي أَنْ يُضَيَّقَ عَلَيْهِ) مُدَّةَ الِاسْتِتَابَةِ (وَيُحْبَسَ) لِقَوْلِ عُمَرَ فَهَلَّا حَبَسْتُمُوهُ، وَلِئَلَّا يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَيَنْبَغِي أَنْ تُكَرَّرَ دِعَايَتُهُ، لَعَلَّهُ يُرَاجِعُ دِينَهُ (فَإِنْ تَابَ لَمْ يُعَزَّرْ) وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةِ الِاسْتِتَابَةِ لِأَنَّ فِيهِ تَنْفِيرًا لَهُ عَنْ الْإِسْلَامِ (وَإِنْ أَصَرَّ) عَلَى رِدَّتِهِ (قُتِلَ بِالسَّيْفِ، وَلَا يُحْرَقُ بِالنَّارِ) لِحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» وَحَدِيث: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» يَعْنِي النَّارَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد.
(وَلَا يُقْتَلُ رَسُولُ كُفَّارٍ مُرْتَدٌّ بِدَلِيلِ رَسُولَيْ مُسَيْلِمَةَ) الْكَذَّابِ حَارَبَهُ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقُتِلَ عَلَى يَدِ وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ، وَكَانَ وَحْشِيٌّ يَقُولُ: قَتَلْت خَيْرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ -؛ أَيْ: جَاهِلِيَّتِهِ - وَشَرَّهَا فِي الْإِسْلَامِ الْكَذَّابَ مُسَيْلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ، - وَهُمَا ابْنُ النَّوَّاحَةِ وَابْنُ أَثَالٍ جَاءَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَقْتُلْهُمَا.
(وَلَا يَقْتُلُ الْمُرْتَدَّ إلَّا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا؛ لِأَنَّهُ قُتِلَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَكَانَ إلَى الْإِمَامِ كَرَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» لِأَنَّ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ لِكُفْرِهِ لَا حَدًّا (فَإِنْ قَتَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَدَّ (غَيْرُهُمَا) ؛ أَيْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ أَحَدِهِمَا (أَسَاءَ وَعُزِّرَ) لِافْتِئَاتِهِ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ.
(وَلَا ضَمَانَ) بِقَتْلِ مُرْتَدٍّ (وَلَوْ كَانَ) قَتْلُهُ (قَبْلَ اسْتِتَابَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُهْدَرُ الدَّمِ، وَرِدَّتُهُ أَبَاحَتْ دَمَهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ كَمَا هِيَ مَوْجُودَةٌ بَعْدَهَا (أَوْ) كَانَ الْمَقْتُولُ (مُمَيِّزًا) إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ الضَّمَانُ بِدَلِيلِ نِسَاءِ حَرْبٍ وَذُرِّيَّتِهِمْ (إلَّا أَنْ يَلْحَقَ) الْمُرْتَدُّ (بِدَارِ حَرْبٍ ف) يَجُوزُ (لِكُلِّ أَحَدٍ قَتْلُهُ) بِلَا اسْتِتَابَةٍ (وَأَخْذُ مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ لِأَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا، وَمَا تَرَكَهُ بِدَارِنَا مَعْصُومٌ نَصَّ عَلَيْهِ، وَالطِّفْلُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَجْنُونُ وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِنَوْمٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ وَلَا إسْلَامُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ، فَإِنْ ارْتَدَّ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ جُنَّ لَمْ يُقْتَلْ فِي حَالِ جُنُونِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَإِنْ أَفَاقَ اُسْتُتِيبَ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
(وَمَنْ أَطْلَقَ الشَّارِعُ) ؛ أَيْ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (كُفْرَهُ كَدَعْوَاهُ لِغَيْرِ أَبِيهِ وَمَنْ أَتَى عَرَّافًا) وَهُوَ الَّذِي يَحْدُسُ وَيَتَخَرَّصُ (فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَهُوَ تَشْدِيدٌ) وَتَأْكِيدٌ (لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ أَوْ) ؛ أَيْ: وَقِيلَ (كُفْرُ نِعْمَةٍ أَوْ قَارَبَ الْكُفْرَ أَوْ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ) نَقَلَهُ حَنْبَلٌ.
وَعَنْهُ يَجِبُ الْوَقْفُ وَلَا يُقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا يُنْقَلُ عَنْ الْمِلَّةِ (وَنَصَّ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ كَالْبُخَارِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْكُفْرِ دُونَ بَعْضٍ) وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» ؛ أَيْ: جَحَدَ تَصْدِيقَهُ بِكَذِبِهِمْ؛ وَقَدْ يَكُونُ عَلَى هَذَا إذَا اعْتَقَدَ تَصْدِيقَهُمْ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفْرًا حَقِيقَةً انْتَهَى.
(وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ جَوَازُ إطْلَاقِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ عَلَى بَعْضِ الذُّنُوبِ الَّتِي لَا تُخْرِجُ عَنْ الْمِلَّةِ) وَأَنْكَرَ الْقَاضِي جَوَازَ إطْلَاقِ اسْمِ كُفْرِ النِّعْمَةِ عَلَى أَهْلِ الْكَبَائِرِ قَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ": وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ حَنْبَلٍ، وَحَمَلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَقَّى الْكَلَامَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ النُّصُوصِ تَوَرُّعًا، وَيَمُرُّ بِهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَفْسِيرٍ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْمَعَاصِيَ لَا تُخْرِجُ عَنْ الْمِلَّةِ.
(وَيَصِحُّ إسْلَامُ مُمَيِّزٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (عَقَلَهُ) ؛ أَيْ: الْإِسْلَامَ؛ بِأَنْ عَلِمَ أَنْ اللَّهَ تَعَالَى رَبُّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً؛ لِإِسْلَامِ عَلِيٍّ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ، وَعُدَّ ذَلِكَ مِنْ مَنَاقِبِهِ وَسَبْقِهِ، وَقَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: سَبَقْتُكُمْ إلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا صَبِيًّا مَا بَلَغْت أَوَانَ حُلُمِي وَيُقَالُ: إنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الصِّبْيَانِ، وَمِنْ الرِّجَالِ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنْ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ، وَمِنْ الْعَبِيدِ بِلَالٌ.
وَقَالَ عُرْوَةُ: أَسْلَمَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَهُمَا ابْنَا ثَمَانِ سِنِينَ.
وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» .
وَالصَّبِيُّ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ فَصَحَّتْ مِنْ الصَّبِيِّ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، وَلِأَنَّ اللَّهَ دَعَا إلَى دَارِ السَّلَامِ، وَجَعَلَ طَرِيقَهَا الْإِسْلَامَ؛ فَلَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ مِنْ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ وَسُلُوكِ طَرِيقِهَا.
لَا يُقَالُ الْإِسْلَامُ يُوجِبُ الزَّكَاةَ فِي مَالِهِ، وَنَفَقَةَ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ، وَحِرْمَانَ مِيرَاثِ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ، وَفَسْخَ نِكَاحِهِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ نَفْعٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهَا سَبَبُ النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ مُحْصِنَةٌ لِلْمَالِ، وَالْمِيرَاثُ وَالنَّفَقَةُ أَمْرٌ مُتَوَهَّمٌ، وَذَلِكَ مَجْبُورٌ بِحُصُولِ الْمِيرَاثِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَسُقُوطِ نَفَقَةِ أَقَارِبِهِ الْكُفَّارِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا الضَّرَرَ مَغْمُورٌ فِي جَنْبِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ سَعَادَةِ الدَّارَيْنِ.
(وَتَصِحُّ رِدَّتُهُ) ؛ أَيْ: الْمُمَيِّزِ (فَإِنْ أَسْلَمَ) وَهُوَ يَعْقِلُهُ (حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُفَّارٍ) صَوْنًا لَهُ؛ لِضَعْفِ عَقْلِهِ فَرُبَّمَا أَفْسَدُوهُ (فَإِنْ قَالَ بَعْدَ إسْلَامِهِ لَمْ أُرِدْ مَا قُلْت فَكَمَا لَوْ ارْتَدَّ) ؛ أَيْ: لَمْ يَبْطُلْ إسْلَامُهُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ
خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَيَكُونُ كَالْبَالِغِ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ.
(وَلَا يُقْتَلُ هُوَ) ؛ أَيْ: الْمُمَيِّزُ حَيْثُ ارْتَدَّ (وَلَا سَكْرَانُ إنْ ارْتَدَّ حَتَّى يُسْتَتَابَا) ؛ أَيْ: الصَّغِيرُ (بَعْدَ بُلُوغِهِ وَ) السَّكْرَانُ (بَعْدَ صَحْوِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِأَنَّ الْبُلُوغَ وَالصَّحْوَ أَوَّلُ زَمَنٍ صَارَا فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ، أَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ حَتَّى يَحْتَلِمَ لِلْخَبَرِ، وَأَمَّا السَّكْرَانُ فَلِأَنَّ الْحَدَّ شُرِعَ لِلزَّجْرِ، وَلَا يَحْصُلُ الزَّجْرُ فِي حَالِ سُكْرِهِ.
(وَإِنْ مَاتَ) مَنْ ارْتَدَّ وَهُوَ سَكْرَانُ (فِي سُكْرٍ) ؛ أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَصْحُوَ مَاتَ كَافِرًا؛ لِمَوْتِهِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ، فَلَا يَرِثُهُ قَرِيبُهُ الْمُسْلِمُ، وَلَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَنُ مَعَنَا
(أَوْ) مَاتَ مُمَيِّزٌ ارْتَدَّ (قَبْلَ بُلُوغٍ) وَقَبْلَ تَوْبَتِهِ (مَاتَ كَافِرًا) لِمَوْتِهِ فِي الرِّدَّةِ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ) السَّكْرَانُ وَلَوْ أَصْلِيًّا (فِي حَالِ سُكْرِهِ) ، صَحَّ إسْلَامُهُ، ثُمَّ يُسْأَلُ بَعْدَ صَحْوِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى إسْلَامِهِ حَالَ سُكْرِهِ، فَيَقْضِي الصَّلَاةَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَفَرَ فَهُوَ كَافِرٌ مِنْ حِينِ كُفْرِهِ بَعْدَ صَحْوِهِ فَيُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
(وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ) قَوِيٌّ مَحِلَّ صِحَّةِ إسْلَامِهِ إنْ ارْتَدَّ فِي حَالِ سُكْرِهِ لَا إنْ حَصَلَتْ مِنْهُ الرِّدَّةُ فِي حَالِ عَقْلِهِ ثُمَّ سَكِرَ بِشُرْبِهِ مُحَرَّمًا عَمْدًا؛ فَلَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ حَتَّى يَصْحُوَ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكْمُلْ عَقْلُهُ وَلَا يُدْرِكُ حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ إذَا أَسْلَمَ فِي سُكْرِهِ؛ فَيَصِحُّ مِنْهُ، وَيُؤْمَرُ بَعْدَ صَحْوِهِ بِالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا تُقْبَلُ فِي) أَحْكَامِ (الدُّنْيَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ) بِحَيْثُ يُتْرَكُ قَتْلُهُمْ وَتَثْبُتُ
أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ (تَوْبَةُ زِنْدِيقٍ وَهُوَ الْمُنَافِقُ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُخْفِي الْكُفْرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: 160] وَالزِّنْدِيقُ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ عَلَى مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ رُجُوعُهُ وَتَوْبَتُهُ؛ لِأَنَّ الزِّنْدِيقَ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ بِالتَّوْبَةِ خِلَافُ مَا كَانَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَنْفِي الْكُفْرَ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَلْبُهُ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ؛ فَلَا يَكُونُ لِمَا قَالَهُ حُكْمٌ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَدْفِعُ الْقَتْلَ بِإِظْهَارِ التَّوْبَةِ فِي ذَلِكَ.
وَالْمَشْهُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ أَنَّ الزِّنْدِيقَ هُوَ الَّذِي لَا يَتَمَسَّكُ بِشَرِيعَةٍ، وَيَقُولُ بِدَوَامِ الدَّهْرِ.
وَالْعَرَبُ تُعَبِّرُ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِمْ: مُلْحِدٌ؛ أَيْ: طَاعِنٌ فِي الْأَدْيَانِ.
(وَلَا) تُقْبَلُ فِي الدُّنْيَا تَوْبَةُ (مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: 90] (وَيَتَّجِهُ أَقَلُّهُ) ؛ أَيْ: أَقَلُّ مَا يَثْبُتُ بِهِ تَكْرَارُ الِارْتِدَادِ (ثَلَاثًا) ؛ أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (ك) ثُبُوتِ (عَادَةِ حَائِضٍ) بِتَكْرَارِ ثَلَاثٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾ [النساء: 137] وَالِازْدِيَادُ يَقْتَضِي كُفْرًا مُتَجَدِّدًا، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الْإِيمَانِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ تَكْرَارَ رِدَّتِهِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالْإِسْلَامِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى صَرِيحًا) ؛ أَيْ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؛ لِعِظَمِ ذَنْبِهِ جِدًّا، فَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ، (أَوْ) سَبَّ (رَسُولًا أَوْ مَلِكًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِلَّهِ تَعَالَى: (أَوْ تَنَقَّصَهُ) ؛ أَيْ: اللَّهَ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ أَوْ وَاحِدًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ؛ فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِاسْتِخْفَافِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
(أَوْ) ؛ أَيْ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ سَاحِرٍ (كَفَرَ بِسِحْرِهِ) كَاَلَّذِي يَرْكَبُ الْمِكْنَسَةَ فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ؛ لِمَا رَوَى جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، فَسَمَّاهُ حَدًّا، وَالْحَدُّ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَلِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى إخْلَاصِهِ فِي تَوْبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يُضْمِرُ السِّحْرَ وَلَا يَجْهَرُ بِهِ، فَيَكُونُ إظْهَارُهُ لِلْإِسْلَامِ وَالتَّوْبَةِ خَوْفًا مِنْ الْقَتْلِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ.
(وَكَالْحُلُولِيَّةِ) وَالْمُبَاحِيَّةِ، وَكَمَنْ يُفَضِّلُ مَتْبُوعَهُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَالزَّاعِمِ أَنَّهُ إذَا حَصَلَتْ لَهُ الْمَعْرِفَةُ وَالتَّحْقِيقُ سَقَطَ عَنْهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ؛ أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْعَارِفَ الْمُحَقِّقَ يَجُوزُ لَهُ التَّدَيُّنُ بِدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الطَّوَائِفِ الْمَارِقِينَ مِنْ الدِّينِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ فِي الظَّاهِرِ (وَيُقْتَلُونَ بِكُلِّ حَالٍ) كَالْمُنَافِقِينَ وَأَوْلَى (وَمَنْ صَدَقَ مِنْهُمْ فِي تَوْبَتِهِ) قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ بَاطِنًا (وَنَفَعَتْهُ فِي الْآخِرَةِ)
(وَمَنْ كَفَرَ بِبِدْعَةٍ مِنْ الْبِدَعِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَلَوْ كَانَ دَاعِيَةً إلَى بِدْعَتِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ) وَمَنْ أَظْهَر الْخَيْرَ وَأَبْطَنَ الْفِسْقَ فَهُوَ كَزِنْدِيقٍ فِي تَوْبَتِهِ لِمُؤَاخَذَتِهِ بِالْبَاطِنِ فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ظَاهِرًا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَتَّجِهُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ) ؛ أَيْ: بِإِظْهَارِ الْخَيْرِ وَإِبْطَانِ
الْفِسْقِ، لِأَنَّهُ كَالْمُنَافِقِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[تَتِمَّةٌ قَبُولُ تَوْبَةُ الْقَاتِلِ]
تَتِمَّةٌ: وَتُقْبَلُ تَوْبَةُ الْقَاتِلِ لِحَدِيثِ «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» فَلَوْ اُقْتُصَّ مِنْهُ وَعُفِيَ عَنْهُ فَهَلْ يُطَالِبُهُ الْمَقْتُولُ فِي الْآخِرَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقَتْلَ يَتَعَلَّقُ بِهِ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ.
حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَحَقٌّ لِلْمَقْتُولِ، وَحَقٌّ لِلْوَلِيِّ، فَإِذَا أَسْلَمَ الْقَاتِلُ نَفْسَهُ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا إلَى الْوَلِيِّ نِدَامًا عَلَى مَا فَعَلَ، وَخَوْفًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْبَةً نَصُوحًا؛ سَقَطَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ، وَحَقُّ الْأَوْلِيَاءِ بِالِاسْتِيفَاءِ أَوْ الصُّلْحِ أَوْ الْعَفْوِ، وَبَقِيَ حَقُّ الْمَقْتُولِ يُعَوِّضُهُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيمَةِ عَنْ عَبْدِهِ التَّائِبِ، وَيُصْلِحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِنَايَاتِ.
[فَصْلٌ تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ وَالْكَافِرِ الْإِتْيَانُ بِالشَّهَادَتَيْنِ]
فَصْلٌ
(وَتَوْبَةُ مُرْتَدٍّ) إتْيَانُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ (وَ) تَوْبَةُ (كُلِّ كَافِرٍ) مِنْ كِتَابِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ (إتْيَانُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ) ؛ أَيْ: قَوْلُهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْكَنِيسَةَ فَإِذَا؛ بِيَهُودِيٍّ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ التَّوْرَاةَ، فَقَرَأَ حَتَّى أَتَى عَلَى صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُمَّتِهِ، فَقَالَ: هَذِهِ صِفَتُك وَصِفَةُ أُمَّتِك أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّك رَسُولُ اللَّهِ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ: لَوْ أَخَاكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَعَنْ أَبِي صَخْرٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: «حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ الْأَعْرَابِ قَالَ جَلَبْت حَلُوبَةً إلَى الْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا فَرَغْت مِنْ بَيْعَتِي قُلْت: لَأَلْقِيَنَّ هَذَا الرَّجُلَ فَلَأَسْمَعَنَّ مِنْهُ، فَلَقِيتُهُ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ، فَتَبِعْتُهُمْ فِي أَقْفَائِهِمْ حَتَّى أَتَوْا عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ نَاشِرًا التَّوْرَاةَ يَقْرَأهَا يُعَزِّي نَفْسَهُ عَنْ ابْنٍ لَهُ فِي الْمَوْتِ كَأَحْسَنِ الْفِتْيَانِ وَأَجْمَلِهَا؛ فَقَالَ رَسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَجِدُ فِي كِتَابِك ذَا صِفَتِي وَمَخْرَجِي؟ فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا، أَيْ لَا قَالَ: فَقَالَ ابْنُهُ إي وَاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ إنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِنَا صِفَتَك وَمَخْرَجَك، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّك رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: أَقِيمُوا الْيَهُودَ عَنْ أَخِيكُمْ، ثُمَّ وَلِيَ كَفَنَهُ وَدَفْنَهُ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ
، فَجَعَلَهُ أَخًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَوَلِيَ كَفَنَهُ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِصْمَةَ ثَبَتَتْ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا كَالْمُسْلِمِ، فَإِذَا أَتَى الْكَافِرُ وَالْمُرْتَدُّ بِهِمَا ثَبَتَ إسْلَامُهُ، وَانْتَفَى كُفْرُهُ وَرِدَّتُهُ، وَيَكْفِي ذَلِكَ الْقَوْلُ لِعَدَمِ زِيَادَةِ النَّصِّ عَلَيْهِ وَالْحَلُوبَةُ: الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ الْوَاحِدَةُ مِنْهُ فَصَاعِدًا.
(وَيَتَّجِهُ أَوْ) إتْيَانُهُ (بِصَلَاةِ رَكْعَةٍ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا» الْخَبَرَ، لِأَنَّهَا رُكْنٌ يَخْتَصُّ بِهِ الْإِسْلَامُ؛ فَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ كَالشَّهَادَتَيْنِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ: وَلَا يَثْبُتُ الْإِسْلَامُ حَتَّى يَأْتِيَ بِصَلَاةٍ تَتَمَيَّزُ عَنْ صَلَاةِ الْكُهَّانِ، وَلَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ.
وَيَتَّجِهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ تَرْتِيبٌ لِلشَّهَادَتَيْنِ بِأَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، بَلْ لَوْ شَهِدَ بِالرِّسَالَةِ ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؛ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُ وَأَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ تَلْزَمُ (مُوَالَاةٌ فِيهِمَا) أَيْ؛ الشَّهَادَتَيْنِ بَلْ لَوْ أَتَى بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ سَكَتَ أَوْ تَكَلَّمَ بِمَا يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ؛ ثَبَتَ