بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ابْنُ عَقِيلٍ فَقَالَ: إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِيَظْهَرَ مِقْدَارُ طَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْمُسَارَعَةِ إلَى بَذْلِ النُّفُوسِ بِطَرِيقِ الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْصَاءٍ لِطَلَبِ طَرِيقٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، كَمَا سَارَعَ الْخَلِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَى ذَبْحِ وَلَدِهِ بِمَنَامٍ، وَهُوَ أَدْنَى طُرُقِ الْوَحْيِ وَأَقَلُّهَا.
وَيَتَّقِي الرَّاجِمُ الْوَجْهَ (وَلَا يُجْلَدُ) الْمَرْجُومُ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الرَّجْمِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ، وَلَمْ يَجْلِدْهُمَا» . وَقَالَ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسٌ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِجَلْدِهَا، وَكَانَ هَذَا آخَرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا تُرْشِدُ إلَيْهِ رِوَايَةُ الْأَثْرَمِ عَنْ أَحْمَدَ، وَلِأَنَّهُ حَدٌّ فِيهِ قَتْلٌ فَلَمْ يَجْتَمِعْ فِيهِ الْجَلْدُ كَالرِّدَّةِ (وَلَا يُنْفَى الْمَرْجُومُ) قَبْلَ رَجْمِهِ.
(وَالْمُحْصَنُ مَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ) لَا سُرِّيَّتُهُ (بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ) لَا بَاطِلٍ وَلَا فَاسِدٍ (وَلَوْ) كَانَتْ (كِتَابِيَّةً فِي قُبُلِهَا) وَطْئًا حَصَلَ بِهِ تَغِيبُ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا (وَلَوْ) كَانَ وَطْؤُهُ إيَّاهَا (فِي حَيْضٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ إحْرَامٍ وَنَحْوِهِ) كَفِي نِفَاسٍ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ مَعَ ضِيقِ وَقْتِ فَرِيضَةٍ (وَهُمَا) ؛ أَيْ: الزَّوْجَانِ (مُكَلَّفَانِ حُرَّانِ) فَلَا إحْصَانَ مَعَ صِغَرِ أَحَدِهِمَا (أَوْ جُنُونِهِ أَوْ رِقِّهِ، وَلَوْ ذِمِّيَّيْنِ أَوْ مُسْتَأْمَنَيْنِ بِنِكَاحٍ يُقَرَّانِ عَلَيْهِ لَوْ أَسْلَمَا) فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْمَجُوسِيُّ الْمُتَزَوِّجُ بِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ كَأُخْتِهِ؛ إذْ تَزْوِيجُهُ بِنَحْوِ أُخْتِهِ لَا يَصِيرُ مُحْصَنًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ لَوْ تَرَافَعَا إلَيْنَا، وَكَذَا الْيَهُودِيُّ إذَا نَكَحَ بِنْتَ أَخِيهِ أَوْ أُخْتِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا إحْصَانَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَلَا بِالْخَلْوَةِ وَلَا الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ وَمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَلَا بِوَطْءِ زِنًا أَوْ شُبْهَةٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِحْصَانِ الْإِسْلَامُ؛ «لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِرَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ الزَّانِيَيْنِ، فَرُجِمَا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
وَيُفَارِقَ الْإِحْصَانُ إحْلَالٌ حَيْثُ تَحِلُّ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا بِوَطْءِ زَوْجٍ وَلَوْ رَقِيقًا أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ أَوْ مَجْنُونًا؛ لِأَنَّ الْإِحْصَانَ اُعْتُبِرَ لِكَمَالِ النِّعْمَةِ، فَمَنْ كَمُلَتْ النِّعْمَةُ فِي حَقِّهِ؛ فَجِنَايَتُهُ أَفْحَشُ وَأَحَقُّ بِزِيَادَةِ الْعُقُوبَةِ، وَالنِّعْمَةُ فِي حَقِّ الْحُرِّ الْمُكَلَّفِ أَكْمَلُ،
بِخِلَافِ الْإِحْلَالِ؛ فَإِنَّ اعْتِبَارَ الْوَطْءِ فِي حَقِّ الْمُطَلِّقِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُقُوبَةً لَهُ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَطَأَهَا غَيْرُهُ؛ فَإِنَّهُ مِمَّا تَأْبَاهُ الطِّبَاعُ وَيَشُقُّ عَلَى النُّفُوسِ (لَكِنْ لَا حَدَّ عَلَى مُسْتَأْمَنٍ نَصًّا) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لِحُكْمِنَا بَلْ يَكُونُ مُحْصَنًا، فَإِذَا زَنَى بَعْدَ إسْلَامٍ أَوْ بَعْدَ كَوْنِهِ ذِمِّيًّا فَإِنَّهُ يُحَدُّ اكْتِفَاءً بِإِحْصَانِهِ بِالنِّكَاحِ فِي أَمَانِهِ السَّابِقِ.
(وَلَا يَسْقُطُ إحْصَانُ) مَنْ أَحْصَنَ كَافِرًا (بِإِسْلَامٍ) نَصًّا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
(وَيَتَّجِهُ وَيَسْقُطُ) إحْصَانُ كَافِرٍ زَنَى بِغَيْرِ مُسْلِمَةٍ ثُمَّ اُسْتُرِقَّ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ (بِطُرُوءِ) عَلَيْهِ (مُدَّتِهِ) ؛ أَيْ: الرِّقِّ، فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِزِنَاهُ السَّابِقِ عَلَى الِاسْتِرْقَاقِ مَا دَامَ رَقِيقًا، مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْمَالِكِ، فَإِذَا زَنَى فِي مُدَّةِ رِقِّهِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَكَذَا لَوْ صَارَ حُرًّا فَإِنَّهُ يُحَدُّ اكْتِفَاءً بِإِحْصَانِهِ السَّابِقِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَتَصِيرُ هِيَ) ؛ أَيْ: الزَّوْجَةُ (أَيْضًا مُحْصَنَةً) حَيْثُ كَانَا بِالصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ حَالَ الْوَطْءِ (وَلَا إحْصَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا) ؛ أَيْ: الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ (مَعَ فَقْدِ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ) مِنْ الْقُيُودِ السَّابِقَةِ.
(وَيَثْبُتُ) إحْصَانُهُ (بِقَوْلِهِ) ؛ أَيْ: الْحُرِّ الْمُكَلَّفِ (وَطِئْتُهَا أَوْ جَامَعْتُهَا وَنَحْوِهِ) كَبَاضَعْتُهَا (أَوْ دَخَلْتُ بِهَا) لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ الْوَطْءُ بِخِلَافِ أَصَبْتُهَا أَوْ بَاشَرْتُهَا أَوْ أَتَيْتُهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ بِهِ إحْصَانٌ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا دُونَ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ كَثِيرًا، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ". وَكَذَا لَوْ قَالَتْ هِيَ شَيْئًا مِمَّا سَبَقَ، هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَفِي " الْإِقْنَاعِ " وَإِنْ قَالَتْ: بَاشَرَهَا أَوْ مَسَّهَا أَوْ أَصَابَهَا أَوْ أَتَاهَا أَوْ دَخَلَ
بِهَا أَوْ قَالَهُ هُوَ فَيَنْبَغِي أَلَّا يَثْبُتَ بِهِ إحْصَانٌ.
انْتَهَى.
وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى خِلَافِهِ.
(وَيَتَّجِهُ أَوْ) ؛ أَيْ: وَيَثْبُتُ الْإِحْصَانُ (بِالشَّهَادَةِ) مِنْ عَدْلَيْنِ (عَلَى فِعْلِهِ) الْوَطْءَ وَأَمَّا لَوْ شَهِدَا بِدُخُولِهِ بِزَوْجَتِهِ فَلَا يَكُونُ إحْصَانًا عَلَى الْمَذْهَبِ صَحَّحَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ.
وَيَتَّجِهُ (أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ مُقِرٌّ بِهِ) أَيْ: بِالْوَطْءِ عَنْ إقْرَارِهِ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ (قُبِلَ) مِنْهُ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ شُبْهَةٌ؛ وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يَثْبُتُ) إحْصَانٌ (بِوَلَدِهِ) مِنْ امْرَأَتِهِ (مَعَ إنْكَارِ وَطْئِهَا) لِأَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِإِمْكَانِ الْوَطْءِ، وَالْإِحْصَانُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِحَقِيقَةِ الْوَطْءِ وَكَذَا لَوْ كَانَ لِامْرَأَةٍ وَلَدٌ مِنْ زَوْجِهَا فَأَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ وَطِئَهَا؛ لَمْ يَثْبُتْ إحْصَانُهَا لِذَلِكَ، وَإِذَا جُلِدَ زَانٍ عَلَى أَنَّهُ بِكْرٌ، فَبَانَ مُحْصَنًا، رُجِمَ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ: إنَّ رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ، «فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجُلِدَ الْحَدَّ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ مُحْصَنٌ، فَرُجِمَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَيُكَفَّنُ الْمَحْدُودُ بِالرَّجْمِ، وَيُغَسَّلُ إنْ كَانَ مُسْلِمًا.
قَالَ أَحْمَدُ: سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ شُرَاحَةَ، وَكَانَ رَجَمَهَا، فَقَالَ: اصْنَعُوا بِهَا مَا تَصْنَعُونَ بِمَوْتَاكُمْ، وَصَلَّى عَلِيٌّ عَلَيْهَا.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الْجُهَنِيَّةِ «فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرُجِمَتْ، وَصَلَّى عَلَيْهَا» وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[تَتِمَّةٌ زَنَى حُرٌّ ذِمِّيٌّ ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ سُبِيَ فَاسْتُرِقَّ]
تَتِمَّةٌ: وَلَوْ زَنَى حُرٌّ ذِمِّيٌّ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ سُبِيَ، فَاسْتُرِقَّ؛ حُدَّ حَدَّ الْأَحْرَارِ مِنْ رَجْمٍ أَوْ جَلْدٍ أَوْ تَغْرِيبٍ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ الْوُجُوبِ، وَقَدْ كَانَ حُرًّا.
(وَإِنْ زَنَى غَيْرُ مُحْصَنٍ حُرٌّ جُلِدَ مِائَةً) بِلَا خِلَافٍ لِلْخَبَرِ (وَغُرِّبَ، عَامًا وَلَوْ أُنْثَى) مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ حَدٌّ تَرَتَّبَ عَلَى الزِّنَا فَوَجَبَ عَلَى الْكَافِرِ كَالْقَوَدِ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَرَبَ وَغَرَّبَ» ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، (وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ) . وَيَكُونُ تَغْرِيبُ أُنْثَى (بِمَحْرَمٍ بَاذِلٍ نَفْسَهُ) مَعَهَا (وُجُوبًا) لِعُمُومِ نَهْيِهَا عَنْ السَّفَرِ بِلَا مَحْرَمٍ (وَعَلَيْهَا أُجْرَتُهُ) ؛ أَيْ: الْمَحْرَمِ، لِصَرْفِ نَفْسِهِ فِي أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهَا (فَإِنْ تَعَذَّرَتْ) أُجْرَتُهُ (مِنْهَا) لِعَدَمٍ أَوْ امْتِنَاعٍ (فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ.
(فَإِنْ أَبَى) الْمَحْرَمُ السَّفَرَ مَعَهَا (أَوْ تَعَذَّرَ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ (فَوَحْدَهَا) تُغَرَّبُ (إلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ بِحَيْثُ عَيَّنَهُ حَاكِمٌ) لِلْحَاجَةِ كَسَفَرِ الْهِجْرَةِ وَكَالْحَجِّ إذَا مَاتَ الْمَحْرَمُ فِي الطَّرِيقِ (وَيُغَرَّبُ غَرِيبٌ) . زَنَى (وَ) يُغَرَّبُ (مُغَرَّبٌ) زَنَى مِنْ رَبَّتِهِ (إلَى غَيْرِ وَطَنِهِمَا) لِأَنَّ عَوْدَهُ إلَى وَطَنِهِ لَيْسَ تَغْرِيبًا، (وَيَتَدَاخَلُ تَغْرِيبٌ كَحَدٍّ) وَتَدْخُلُ بَقِيَّةُ مُدَّةِ التَّغْرِيبِ الْأَوَّلِ فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْحَدَّيْنِ مِنْ جِنْسٍ فَتَدَاخَلَا، وَإِنْ عَادَ إلَى وَطَنِهِ قَبْلَ الْحُلُولِ مُنِعَ، وَأُعِيدَ تَغْرِيبُهُ حَتَّى يُكْمِلَ الْحَوْلَ مُسَافِرًا، وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى قَبْلَ عَوْدِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ لِزِيَادَتِهِ إذَنْ عَنْ الْعَامِ، وَالْبَدَوِيُّ يُغَرَّبُ عَنْ حِلَّتِهِ وَقَوْمِهِ إلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ بَيْنَ قَوْمِهِ حَتَّى يَمْضِيَ الْعَامُ؛ لِيَحْصُلَ التَّغْرِيبُ.
وَلَوْ أَرَادَ الْحَاكِمُ تَغْرِيبَهُ، فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ وَغَابَ سَنَةً ثُمَّ عَادَ؛ لَمْ يَكْفِ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الزَّجْرُ، كَمَا لَوْ جَلَدَ نَفْسَهُ، وَلَا يُحْبَسُ الْمُغَرَّبُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي نُفِيَ إلَيْهِ؛ لِعَدَمِ وُرُودِهِ.
(وَإِنْ زَنَى قِنٌّ وَلَوْ عَتَقَ بَعْدَ جَلْدِ خَمْسِينَ) جَلْدَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] وَالْعَذَابُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ مِائَةُ جَلْدَةٍ، فَيَنْصَرِفُ التَّنْصِيفُ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالرَّجْمُ لَا يَتَأَتَّى بِهِ تَنْصِيفُهُ.
(وَلَا يُغَرَّبُ) قِنٌّ، زَنَى، لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ لِسَيِّدِهِ دُونَهُ، إذْ الْعَبْدُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي تَغْرِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ غَرِيبٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَيَتَرَفَّهُ فِيهِ بِتَرْكِ الْخِدْمَةِ، وَيَتَضَرَّرُ سَيِّدُهُ بِذَلِكَ.
(وَلَا يُعَيَّرُ) زَانٍ بَعْدَ الْحَدِّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " «فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ» يُقَالُ ثَرَّبَهُ عَلَيْهِ، أَيْ: لَامَهُ وَعَيَّرَهُ بِذَنْبِهِ.
ذَكَرَهُ فِي الْقَامُوسِ.
(وَإِنْ زَنَى) رَقِيقٌ (بَعْدَ عِتْقٍ وَقَبْلَ عِلْمٍ بِهِ) ؛ أَيْ: الْعِتْقِ (حُدَّ كَحُرٍّ) وَلَا أَثَرَ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْعِتْقِ، وَإِنْ أُقِيمَ حَدُّ الرَّقِيقِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِحُرِّيَّتِهِ، ثُمَّ عُلِمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ؛ تُمِّمَ عَلَيْهِ حَدُّ الْأَحْرَارِ اسْتِدْرَاكًا لِلْوَاجِبِ، وَإِنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ، وَوُجِدَتْ شُرُوطُ الْإِحْصَانِ كُلُّهَا؛ رُجِمَ كَمَا سَبَقَ فِي الْحُرِّ الْأَصْلِيِّ.
(وَيُجْلَدُ وَيُغَرَّبُ مُبَعَّضٌ بِحِسَابِهِ) فَالْمُتَنَصَّفُ يُجْلَدُ خَمْسًا وَسَبْعِينَ جَلْدَةً، وَيُغَرَّبُ نِصْفَ عَامٍ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ تَغْرِيبُهُ عَامٌ، وَالْعَبْدُ لَا تَغْرِيبَ عَلَيْهِ، فَنِصْفُ الْوَاجِبِ مِنْ التَّغْرِيبِ نِصْفٌ مَحْسُوبًا عَلَى الْعَبْدِ مِنْ نَصِيبِهِ الْحُرِّ، وَلِلسَّيِّدِ نِصْفُ عَامٍ بَدَلًا عَنْهُ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ السَّيِّدِ لَا تَغْرِيبَ فِيهِ، وَمَا زَادَ مِنْ الْحُرِّيَّةِ عَلَى النِّصْفِ وَنَقَصَ عَنْهَا فَبِحِسَابِ ذَلِكَ مِنْ جَلْدٍ وَتَعْزِيرٍ (فَإِنْ كَانَ) فِي الْجَلَدَاتِ (كَسْرٌ كَمَنْ ثُلُثُهُ حُرٌّ؛ فَحَدُّهُ سِتٌّ وَسِتُّونَ) جَلْدَةً (وَثُلُثَا جَلْدَةٍ فَيَنْبَغِي سُقُوطُ الْكَسْرِ) لِئَلَّا يَحْصُلَ الْعُدْوَانِ بِمُجَاوَزَةِ الْوَاجِبِ، وَلَمْ تُجْعَلْ كَالْيَمِينِ فِي الْقَسَامَةِ، لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ حَسَبَ الِاسْتِطَاعَةِ، وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْقِنِّ لِحَدِيثِ «الْمُكَاتَبُ قِنٌّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» وَالْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَنْ عَبْدِهِ الزَّانِي وَنَحْوِهِ؛ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ لِأَنَّهُ لِلَّهِ فَلَا يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ.
(وَإِنْ زَنَى مُحْصَنٌ بِبِكْرٍ) أَوْ عَكْسُهُ (أَوْ) زَنَى (حُرٌّ بِقِنٍّ فَلِكُلٍّ حَدُّهُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: «فِي رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي افْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ فَقَالُوا: إنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالرَّجْمُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً، وَغَرَّبَهُ عَامًا، وَأَمَرَ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ يَأْتِي امْرَأَةَ الْآخَرِ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الْعَسِيفُ الْأَجِيرُ.
(وَزَانٍ بِذَاتِ مَحْرَمٍ) كَأُخْتِهِ (كَ) زَانٍ (بِغَيْرِهَا) عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ (وَعَنْهُ) ؛ أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ (يُقْتَلُ) زَانٍ بِذَاتِ مَحْرَمٍ (بِكُلِّ حَالٍ) أَيْ: مُحْصَنًا كَانَ أَوْ لَا، قِيلَ لَهُ: فَالْمَرْأَةُ؟ قَالَ: كِلَاهُمَا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ.
وَالْمَذْهَبُ مَا تَقَدَّمَ.
(وَلُوطِيٌّ فَاعِلٌ وَمَفْعُولٌ بِهِ كَزَانٍ) فَمَنْ كَانَ مِنْهُمَا مُحْصَنًا رُجِمَ، وَغَيْرُ الْمُحْصَنِ الْحُرِّ يُجْلَدُ مِائَةً وَيُغَرَّبُ عَامًا، وَالرَّقِيقُ يُجْلَدُ خَمْسِينَ وَالْمُبَعَّضُ بِحِسَابِهِ؛ لِحَدِيثِ «إذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ» : وَلِأَنَّهُ فَرْجٌ مَقْصُودٌ بِالِاسْتِمْتَاعِ؛ أَشْبَهَ فَرْجَ الْمَرْأَةِ.
(وَمَمْلُوكُهُ) إذَا لَاطَ بِهِ (كَأَجْنَبِيٍّ) لِأَنَّ الذَّكَرَ لَيْسَ لِلْوَطْءِ فَلَا يُؤَثِّرُ مِلْكُهُ لَهُ.
(وَدُبُرُ أَجْنَبِيَّةٍ) ؛ أَيْ: غَيْرِ زَوْجَتِهِ وَسُرِّيَّتِهِ (كَلِوَاطٍ) وَيُعَزَّرُ مَنْ أَتَى زَوْجَتَهُ أَوْ سُرِّيَّتَهُ فِي دُبُرِهَا (وَمَنْ أَتَى بَهِيمَةً) وَلَوْ سَمَكَةً (عُزِّرَ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ يَصِحُّ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى فَرْجِ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَالنُّفُوسُ تَعَافُهُ، وَيُبَالَغُ فِي تَعْزِيرِهِ؛ لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ فِيهِ كَوَطْءِ الْمَيِّتَةِ (وَقُتِلَتْ) الْبَهِيمَةُ الْمَأْتِيَّةُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مَأْكُولَةً أَوْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ؛ لِئَلَّا يُعَيَّرَ بِهَا؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ، وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَضَعَّفَهُ الطَّحَاوِيُّ.
وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ، وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ.
قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الْبَهِيمَةِ؟ قَالَ: لِئَلَّا يُقَالَ هَذِهِ بِهَذِهِ» وَقِيلَ فِي التَّعْلِيلِ لِئَلَّا تَلِدَ خَلْقًا مُشَوَّهًا، وَبِهِ عَلَّلَ ابْنُ عَقِيلٍ
فِي " التَّذْكِرَةِ " وَقِيلَ لِئَلَّا تُؤْكَلَ، أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَعْلِيلِهِ، وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ (لَكِنْ) لَا تُقْتَلُ إلَّا (بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى فِعْلِهِ بِهَا) إنْ لَمْ تَكُنْ مِلْكَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ.
(وَيَكْفِي إقْرَارُهُ مَرَّةً إنْ مَلَكَهَا) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ (وَيَحْرُمُ أَكْلُهَا) ؛ أَيْ: الْمَأْتِيَّةِ - وَلَوْ مَأْكُولَةً - لِأَنَّهَا حَيَوَانٌ وَجَبَ قَتْلُهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَأْكُولَاتِ (فَيَضْمَنُهَا) الْآتِي لَهَا بِقِيمَتِهَا لِإِتْلَافِهَا بِسَبَبِهِ، كَمَا لَوْ جَرَحَهَا فَمَاتَتْ.
(وَيَتَّجِهُ الْأَصَحُّ لَا تُقْتَلُ) الْبَهِيمَةُ الْمَأْتِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا لَا ذَنْبَ لَهَا، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " " وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَهُوَ رِوَايَةٌ؛ (فَإِنَّ) الْإِمَامَ (أَحْمَدَ سُئِلَ) عَنْ حَدِيثِ قَتْلِهَا فَلَمْ يُثْبِتْهُ، (وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: الْحَدِيثُ) الْوَارِدُ فِي قَتْلِهَا (ضَعِيفٌ) لَكِنْ قَالَ: فِي " الْإِنْصَافِ " وَتُقْتَلُ الْبَهِيمَةُ هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَتُقْتَلُ الْبَهِيمَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيِّ صَاحِبُ " الْهِدَايَةِ " " وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ " " وَالْمُسْتَوْعِبِ " " وَالْخُلَاصَةِ " " وَالْكَافِي " " وَالْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الِاخْتِيَارُ قَتْلُهَا، انْتَهَى.
فَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الِاتِّجَاهَ فِيهِ مَا فِيهِ (وَعَنْهُ) ؛ أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ (مَنْ أَتَى بَهِيمَةً حُدَّ كَلُوطِيٍّ) وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتَارَهَا الْقَاضِي، وَالْمَذْهَبُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يُعَزَّرُ فَقَطْ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
(وَمَنْ مَكَّنَتْ مِنْهَا قِرْدًا) حَتَّى وَطِئَهَا (عُزِّرَتْ) تَعْزِيرًا بَلِيغًا كَوَاطِئِ الْبَهِيمَةِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
[فَصْلٌ شُرُوطُ حَدِّ الزِّنَا]
فَصْلٌ (وَشُرُوطُ حَدِّ زِنًا ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا - تَغْيِيبُ حَشَفَةٍ أَصْلِيَّةٍ مِنْ عَاقِلٍ، وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أَنْ يَكُونَ (بِلَا حَائِلٍ) قِيَاسًا عَلَى الْغُسْلِ، إذْ لَوْ غَيَّبَ حَشَفَتَهُ بِحَائِلٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، فَدَلَّ أَنَّهُ
يَلْزَمُ مَنْ نَفَى وُجُوبَ الْغُسْلِ نَفْيُ الْحَدِّ وَأَوْلَى " قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " " وَالْمُبْدِعِ " فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ غَيَّبَ بِحَائِلٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (مِنْ آدَمِيٍّ) ، وَلَوْ مِنْ خَصِيٍّ (أَوْ مِنْ جَاهِلِ) الْعُقُوبَةِ (أَوْ) تَغْيِيبُ (قَدْرِهَا) ؛ أَيْ: الْحَشَفَةِ (لِعَدَمِهَا فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ مِنْ آدَمِيٍّ حَيٍّ، وَلَوْ دُبُرًا) لِذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى؛ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً فِي الْبُسْتَانِ فَأَصَبْتُ مِنْهَا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَنْكِحْهَا، فَقَرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114] » رَوَاهُ النَّسَائِيّ فَلَا حَدَّ بِتَغْيِيبِ بَعْضِ الْحَشَفَةِ الْمُعْتَادَةِ، وَلَا بِتَغْيِيبِ ذَكَرِ خُنْثَى مُشْكِلٍ، وَلَا بِالتَّغْيِيبِ فِي فَرْجِهِ، وَلَا بِالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ، وَلَا بِإِتْيَانِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ وَيُعَزَّرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَأَمَّا الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَدْ جَاءَ تَائِبًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ حَالِهِ، عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ تَرْكَ التَّعْزِيرِ إذَا رَآهُ، كَمَا فِي " الْمُغْنِي " " وَالشَّرْحِ ".
الشَّرْطُ (الثَّانِي - انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ) لِحَدِيثِ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (فَلَا يُحَدُّ مَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ) أَوْ سُرِّيَّتَهُ (فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ دُبُرٍ) لِأَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ مِلْكًا (أَوْ) وَطِئَ (أَمَتَهُ الْمُحَرَّمَةَ أَبَدًا بِرَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَمَوْطُوءَةِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ أَوْ أُمِّ زَوْجَتِهِ، أَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ (الْمُزَوَّجَةَ) أَوْ (أَمَتَهُ) الْمُعْتَدَّةَ أَوْ (أَمَتَهُ) (الْمُرْتَدَّةَ أَوْ) أَمَتَهُ (الْمَجُوسِيَّةَ) (أَوْ) وَطِئَ أَمَةً (لَهُ فِيهَا) شِرْكٌ (أَوْ) لِوَلَدِهِ (فِيهَا) شِرْكٌ (أَوْ لِمُكَاتَبِهِ) فِيهَا شِرْكٌ (أَوْ لِبَيْتِ الْمَالِ فِيهَا شِرْكٌ، وَهُوَ) ؛ أَيْ: الْوَاطِئُ (مُسْلِمٌ حُرٌّ) فَلَا حَدَّ لِشُبْهَةِ مِلْكِ الْوَاطِئِ أَوْ لِوَلَدِهِ؛ لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِي مِلْكِ وَلَدِهِ؛ لِحَدِيثِ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَلِشُبْهَةِ مِلْكِ مُكَاتَبٍ الْوَاطِئَ، وَكَذَا إنْ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ فِيهَا شِرْكٌ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فِيهِ حَقًّا.
وَفِي
بَعْضِ النُّسَخِ (وَيَتَّجِهُ لَا حَدَّ عَلَى الرَّقِيقِ) الْمُسْلِمِ إذَا وَطِئَ أَمَةً لِبَيْتِ الْمَالِ فِيهَا شِرْكٌ (قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ السَّرِقَةِ) الْآتِيَةِ فِي بَابِهَا؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا هُنَا: الشَّرْطُ السَّادِسُ انْتِقَاءُ الشُّبْهَةِ فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مُسْلِمٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ قِنًّا، وَفِي " الْإِقْنَاعِ " وَغَيْرِهِ هُنَا الْحُرِّيَّةُ مُعْتَبَرَةٌ؛ لِأَنَّ لِلْحُرِّ حَقًّا فِي بَيْتِ الْمَالِ، بِخِلَافِ الرَّقِيقِ فَعَلَى تَسْلِيمِ صِحَّةِ نِسْبَةِ هَذَا الِاتِّجَاهِ إلَى الْمُصَنِّفِ؛ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِصَرِيحِ " الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ.
(أَوْ) وَطِئَ (فِي نِكَاحِ) مُخْتَلَفٍ فِيهِ (أَوْ فِي مِلْكٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ يُعْتَقَدُ تَحْرِيمُهُ كَنِكَاحِ بِنْتِهِ مِنْ زِنًا وَنِكَاحِ مُتْعَةٍ كَ) قَوْلِهِ لِامْرَأَةٍ (أَمْتِعِينِي نَفْسَكِ؛ فَتَقُولُ هِيَ أَمْتَعْتُكَ) نَفْسِي (بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ) فَلَا حَدَّ.
(وَيَتَّجِهُ أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا حَدَّ بِوَطْئِهِ امْرَأَةً مُطَلَّقَةً مِنْهُ (ثَلَاثًا دُفْعَةً أَوْ) مُطَلَّقَةً مِنْهُ ثَلَاثًا فِي دُفُعَاتٍ (فِي طُهْرٍ) وَاحِدٍ (لِقَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ بِوُقُوعِ وَاحِدَةٍ فَقَطْ) وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ فَلْيُرَاجَعْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا حَدَّ بِوَطْءٍ بِشِرَاءٍ (فَاسِدٍ بَعْدَ قَبْضِهِ) ؛ أَيْ: الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بِإِقْبَاضِهِ الْأَمَةَ كَأَنَّهُ أَذِنَهُ فِي فِعْلِ مَا يَمْلِكُهُ بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ، وَمِنْهُ الْوَطْءُ (لَا قَبْلَهُ) ؛ أَيْ: الْقَبْضِ، فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ قَبْضِ مَبِيعَةٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ؛ حُدَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(ذَكَرَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ") أَوْ وَطِئَ فِي مِلْكٍ (بِعَقْدٍ) فُضُولِيٍّ، (وَلَوْ قَبْلَ الْإِجَازَةِ) فَلَا حَدَّ، أَوْ وَطِئَ (امْرَأَةً وَجَدَهَا عَلَى فِرَاشِهِ أَوْ فِي مَنْزِلِهِ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ) فَلَا حَدَّ (وَيَتَّجِهُ وَ) لَوْ وَجَدَهَا (بِغَيْرِ فِرَاشِهِ وَ) كَذَلِكَ (بِغَيْرِ مَنْزِلِهِ؛ فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَاهُ الظَّنَّ) أَنَّهَا زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ (حَيْثُ لَا قَرِينَةَ) عَلَى صِدْقِ ظَنِّهِ، أَمَّا إنْ كَانَ ثَمَّ قَرِينَةٌ تُصَدِّقُهُ كَكَوْنِهَا
مَعَهُ فِي مَنْزِلِ الْغَيْرِ؛ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ؛ لِجَوَازِ الِاشْتِبَاهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ) وَطِئَ أَمَةً (ظَنَّ أَنْ لَهُ فِيهَا شُرَكَاءَ أَوْ لِوَلَدِهِ فِيهَا شُرَكَاءَ) فَلَا حَدَّ، أَوْ دَعَّى ضَرِيرٌ امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ، فَأَجَابَهُ غَيْرُهَا، فَوَطِئَهَا؛ فَلَا حَدَّ؛ لِاعْتِقَادِهِ إبَاحَةَ الْوَطْءِ فِيمَا يُعْذَرُ فِيهِ مِثْلُهُ (أَشْبَهَ مَنْ أُدْخِلَ عَلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ) ، بِخِلَافِ مَا لَوْ دَعَّى مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ فَأَجَابَهُ غَيْرُهَا، فَوَطِئَهَا يَظُنُّهَا الْمَدْعُوَّةَ؛ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَدْعُوَّةُ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا شُبْهَةٌ كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، لِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِهَذَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَ رَجُلًا يَظُنُّهُ ابْنَهُ فَبَانَ أَجْنَبِيًّا.
(أَوْ جَهِلَ) زَانٍ (تَحْرِيمَهُ) ؛ أَيْ: الزِّنَا، وَكَانَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَجْهَلَهُ (لِقُرْبِ إسْلَامِهِ أَوْ نَشْؤُهُ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ) عَنْ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَلَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ كَالْمُسْلِمِ النَّاشِئِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْعِلْمِ، وَادَّعَى جَهْلَ تَحْرِيمِ ذَلِكَ؛ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الزِّنَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ هُوَ كَذَلِكَ، فَقَدْ عُلِمَ كَذِبُهُ
(أَوْ) ادَّعَى جَهْلَ (تَحْرِيمِ نِكَاحٍ بَاطِلٍ إجْمَاعًا، وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ) بِأَنْ لَا يَكُونَ فَقِيهًا، فَلَا يُحَدُّ، لِأَنَّ عُمَرَ قَبِلَ قَبُولَ الْمُدَّعِي الْجَهْلَ بِتَحْرِيمِ النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ، وَلِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يُجْهَلُ كَثِيرًا، وَيَخْفَى عَلَى غَيْرِ أَهْل الْعِلْمِ.
(أَوْ ادَّعَى) وَاطِئُ امْرَأَةٍ (أَنَّهَا زَوْجَتُهُ وَأَنْكَرَتْ) زَوْجِيَّتَهُ؛ فَلَا يُحَدُّ لِأَنَّ دَعْوَاهُ ذَلِكَ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ عَنْهُ، لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ» وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: إذَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ الْحَدُّ فَادْرَأْ مَا اسْتَطَعْتَ (فَإِنْ أَقَرَّتْ هِيَ) أَرْبَعَ مَرَّاتٍ (أَنَّهُ زَنَى) بِهَا مُطَاوِعَةً عَالِمَةً بِتَحْرِيمِهِ (حُدَّتْ) وَحْدَهَا وَلَا مَهْرَ نَصًّا مُؤَاخَذَةً لَهَا بِإِقْرَارِهَا.
(وَيُحَدُّ) مُكَلَّفٌ (بِوَطْءٍ فِي نِكَاحٍ بَاطِلٍ) [ (إجْمَاعًا مَعَ عِلْمِهِ) ] بِبُطْلَانِ
النِّكَاحِ وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ كَنِكَاحِ مُزَوَّجَةٍ أَوْ مُعْتَدَّةٍ مِنْ غَيْرِ زِنًا، لِأَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّةِ نِكَاحِهَا أَوْ خَامِسَةٍ أَوْ ذَاتِ مَحْرَمٍ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ [لَمْ] يُصَادِفْ مِلْكًا وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، رَوَى أَبُو نَصْرٍ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رُفِعَ إلَيْهِ امْرَأَةٌ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا فَقَالَ هَلْ عَلِمْتُمَا؟ قَالَا: لَا، [فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُمَا لَرَجَمْتُكُمَا.
(أَوْ زَنَى بِحَرْبِيَّةٍ مُسْتَأْمَنَةٍ) حُدَّ، لِأَنَّ الْأَمَانَ] . لَا يُبِيحُ الْبُضْعَ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ) أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى وَاطِئِ الْحَرْبِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْتَأْمَنَةً أَوْ لَا، لَكِنَّ وَطْءَ غَيْرِ الْمُسْتَأْمَنَةِ [مُوجِبٌ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى (نَحْوِ أَسِيرٍ) كَتَاجِرٍ بِدَارِ حَرْبٍ؛ إذْ الْبُضْعُ مُحَرَّمٌ إلَّا] عَلَى الْأَزْوَاجِ أَوْ مَا مَلَكَتْ الْأَيْمَانُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَ نَحْوِ الْأَسِيرِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ بِوَطْءِ الْحَرْبِيَّةِ الَّتِي لَا أَمَانَ لَهَا بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ (أَوْ) زَنَى بِحَرْبِيَّةِ مُسْتَأْمَنَةٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ) زَنَى (بِمَنْ اسْتَأْجَرَهَا لِزِنًا أَوْ غَيْرِهِ) حُدَّ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ لَا يُسْتَبَاحُ بِالْإِجَارَةِ (أَوْ زَنَى بِمَنْ لَهُ عَلَيْهَا قَوَدٌ) حُدَّ؛ لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ مَنْ لَهُ عَلَيْهَا دَيْنٌ (أَوْ) زَنَى (بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا) (أَوْ) زَنَى بِأَمَةٍ ثُمَّ (مَلَكَهَا) حُدَّ؛ لِوُجُوبِهِ بِوَطْئِهَا أَجْنَبِيَّةً؛ فَلَا يَسْقُطُ بِتَغَيُّرِ حَالِهَا، كَمَا لَوْ مَاتَتْ أَوْ أَقَرَّ عَلَيْهَا بِأَنْ قَالَ زَنَيْت بِفُلَانَةَ وَهِيَ حَاضِرَةٌ فَسَكَتَتْ، فَلَمْ تُصَدِّقْهُ وَلَمْ تُكَذِّبْهُ أَوْ جَحَدَتْ؛ حُدَّ.
[ (أَوْ) زَنَى] (بِمَجْنُونَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ يُوطَأُ مِثْلُهَا) كَبِنْتِ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ؛ حُدَّ بِلَا نِزَاعٍ.
نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لِأَنَّ الْوَاطِئَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْحَدِّ، وَسُقُوطُ الْحَدِّ عَنْ الْمَوْطُوءَةِ
لَا يَكُونُ سَبَبًا لِسُقُوطِهِ عَنْ الْوَاطِئِ لِأَنَّ سَبَبَ السُّقُوطِ فِي الْمَوْطُوءَةِ [غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْوَاطِئِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الْوَاطِئِ دُونَ الْمَوْطُوءَةِ] لِعَدَمِ الْمُسْقِطِ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّغِيرَةُ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا؛ فَلَا يُحَدُّ عَلَى الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ (أَوْ) وَطِئَ (أَمَتَهُ الْمُحَرَّمَةَ) عَلَيْهِ (بِنَسَبٍ) كَأُخْتِهِ وَنَحْوِهَا، (حُدَّ لِعِتْقِهَا) عَلَيْهِ (بِمُجَرَّدِ مِلْكِهِ) إيَّاهَا؛ فَلَمْ تُوجَدْ الشُّبْهَةُ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يُؤْخَذُ (مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِنْ تَعْلِيلِهِمْ.
بِأَنَّهَا تَعْتِقُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ (فَلَوْ كَانَ) وَاطِئُ أَمَتِهِ (مُكَاتَبًا) حِينَ الْوَطْءِ (فَلَا حَدَّ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَعْتِقُ عَلَيْهِ بِمِلْكِهِ لَهَا، وَلَا يَمْلِكُ عِتْقَهَا وَلَوْ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهَا لِأَنَّهُ نَوْعُ إعْتَاقٍ؛ أَشْبَهَ الْعِتْقَ بِغَيْرِ مَالٍ؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ زَنَى مُكْرَهًا) حُدَّ، هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالِانْتِشَارِ الْحَادِثِ بِالِاخْتِيَارِ (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَالنَّاظِمُ، فَإِنَّهُمْ اخْتَارُوا عَدَمَ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْمُكْرَهِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ يُحَدُّ الْمُكْرَهُ (إلَّا إنْ أُكْرِهَ) عَلَى إيلَاجِ ذَكَرِهِ بِأُصْبُعِهِ (فَأَدْخَلَهُ بِلَا انْتِشَارٍ) أَوْ بَاشَرَ الْمُكْرِهُ (بِكَسْرِ الرَّاءِ) أَوْ مَأْمُورُهُ إيلَاجَ الذَّكَرِ بِالْأُصْبُعِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ يُنْسَبُ إلَيْهِ.
(وَإِنْ مَكَّنَتْ مُكَلَّفَةٌ مِنْ نَفْسِهَا مَجْنُونًا [أَوْ مُمَيِّزًا] ) حُدَّتْ.
(وَيَتَّجِهُ الْأَصَحُّ) أَنَّهُ يَلْزَمُهَا الْحَدُّ إنْ كَانَ الْمُمَيِّزُ وَالْمَجْنُونُ (يَطَأُ مِثْلُهُ كَعَكْسِهِ) ؛ أَيْ: كَمَا لَوْ وَطِئَ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً يُوطَأُ مِثْلُهَا (وَأَوْلَى) كَمَا
تَقَدَّمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (أَوْ مَكَّنَتْ مَنْ يَجْهَلُهُ) ، أَيْ: التَّحْرِيمَ (أَوْ مَكَّنَتْ) (حَرْبِيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا أَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ نَائِمٍ) فِي فَرْجِهَا (حُدَّتْ) وَحْدَهَا؛ لِأَنَّ سُقُوطَهُ عَنْ أَحَدِ الْمُتَوَاطِئَيْنِ لِمَعْنًى يَخُصُّهُ لَا يُوجِبُ سُقُوطَهُ عَنْ الْآخَرِ.
وَلَا تُحَدُّ الْمَرْأَةُ (إنْ أُكْرِهَتْ) عَلَى الزِّنَا (أَوْ أُكْرِهَ مَلُوطٌ بِهِ بِالْفِعْلِ) كَالضَّرْبِ (أَوْ بِتَهْدِيدٍ أَوْ مَنْعٍ مِنْ طَعَامٍ) (أَوْ شَرَابٍ مَعَ اضْطِرَارٍ وَنَحْوِهِ) إلَيْهِ كَمَنْعِ الدِّفْءِ فِي الشِّتَاءِ وَلَيَالِيِهِ الْبَارِدَةِ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَا حُرْمَةَ) عَلَى مُكْرَهٍ (إذَنْ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ) . رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ امْرَأَةً اُسْتُكْرِهَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ» ) رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ وَلِأَنَّ هَذَا شُبْهَةٌ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[تَتِمَّةٌ زَنَى مُكَلَّفٌ جَاهِلًا بِوُجُوبِ الْعُقُوبَةِ عَلَى الزِّنَا مَعَ عِلْمِهِ تَحْرِيمَهُ]
تَتِمَّةٌ: لَوْ زَنَى مُكَلَّفٌ جَاهِلًا بِوُجُوبِ الْعُقُوبَةِ عَلَى الزِّنَا مَعَ عِلْمِهِ تَحْرِيمَهُ (حُدَّ كَقِصَّةِ مَاعِزٍ) ، وَكَذَا لَوْ زَنَى سَكْرَانُ أَوْ أَقَرَّ بِهِ فِي سُكْرِهِ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ ثُبُوتُهُ) ؛ أَيْ: الزِّنَا (وَلَهُ) ؛ أَيْ: الثُّبُوتِ (صُورَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يُقِرَّ بِهِ مُكَلَّفٌ) [ (وَلَوْ) كَانَ (قِنًّا) ] أَوْ مُبَعَّضًا (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) لِحَدِيثِ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ: «اعْتَرَفَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ؛ وَرَدَّهُ فَقِيلَ لَهُ إنَّكَ إنْ اعْتَرَفَتْ عِنْدَهُ الرَّابِعَةَ رَجَمَكَ، فَاعْتَرَفَ الرَّابِعَةَ، فَحَبَسَهُ ثُمَّ سَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: لَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ» ) .
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: إنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ فَقَالَ أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا قَالَ هَلْ أُحْصِنْتَ؟ قَالَ نَعَمْ.
قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ الِاعْتِرَافُ أَرْبَعًا فِي مَجَالِسَ لِأَنَّ مَاعِزًا أَقَرَّ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ.
وَالْغَامِدِيَّةَ أَقَرَّتْ عِنْدَهُ بِذَلِكَ فِي مَجَالِسَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ.
(أَوْ كَذَّبَتْهُ مُزْنًى بِهَا فَيُحَدُّ) دُونَهَا مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ.
(وَيُعْتَبَرُ أَنْ يُصَرِّحَ) مُقِرٌّ (بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ.
قَالَ لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنِكْتَهَا لَا تُكَنِّي؟ قَالَ نَعَمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ» ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لِلْأَسْلَمِيِّ: «أَنِكْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ كَمَا تُغَيِّبُ الْمِرْوَدَ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءَ فِي الْبِئْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَهَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ حَلَالًا.
قَالَ: فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي.
قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ.
وَلِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ؛ فَلَا تَكْفِي فِيهِ الْكِنَايَةُ وَ (لَا) يُعْتَبَرُ أَنْ يُصَرِّحَ بِمَنْ (زَنَى) بِهَا (وَلَا ذِكْرِ مَكَانِهِ) ؛ أَيْ الزِّنَا.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَمَالَ إلَيْهِ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ ذِكْرُ
ذَلِكَ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ، وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَجْنُونِ، وَلَا مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِنَوْمٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
(وَ) يُعْتَبَرُ (أَنْ لَا يَرْجِعَ) مُقِرٌّ بِزِنًا (حَتَّى يَتِمَّ الْحَدُّ) فَإِنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ، أَوْ هَرَبَ تُرِكَ.
(وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعٌ عَلَى إقْرَارِهِ بِهِ) ؛ أَيْ: الزِّنَا (أَرْبَعًا فَأَنْكَرَ) إقْرَارَهُ بِهِ (أَوْ صَدَّقَهُمْ دُونَ أَرْبَعِ) مَرَّاتٍ (فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) لِرُجُوعِهِ (وَلَا) حَدَّ (عَلَى شُهُودٍ) لِكَمَالِهِمْ فِي النِّصَابِ (وَيُسْتَحَبُّ لِإِمَامٍ أَوْ حَاكِمٍ) يَثْبُتُ عِنْدَهُ الْحَدُّ بِالْإِقْرَارِ (التَّعْرِيضُ لِمُقِرِّ) إذَا تَمَّ الْإِقْرَارُ (لِيَرْجِعَ) عَنْهُ، فَالتَّعْرِيضُ لَهُ بِالتَّوَقُّفِ عَنْ الْإِقْرَارِ إذَا لَمْ يَتِمَّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (أَنَّهُ «أَعْرَضَ عَنْ مَاعِزٍ حِينَ أَقَرَّ عِنْدَهُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى تَمَّمَ إقْرَارُهُ أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ لَعَلَّكَ لَمَسْتَ» ) . وَرُوِيَ «أَنَّهُ قَالَ لِلَّذِي أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ: مَا أَخَالُكَ فَعَلْتَ كَذَا» رَوَاهُ سَعِيدٌ.
تَتِمَّةٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ إنْ أَقَرَّ، أَوْ يَعْرِضُوا لَهُ قَبْلَ الْإِقْرَارِ بِأَنْ لَا يُقِرَّ، لِأَنَّ سَتْرَ نَفْسِهِ أَوْلَى، وَيُكْرَهُ لِمَنْ عَلِمَ بِحَالِهِ أَنْ يَحُثَّهُ عَلَى الْإِقْرَارِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ.
الصُّورَةُ (الثَّانِيَةُ) لِثُبُوتِ الزِّنَا (أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ) أَيْ الزَّانِي فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ عُدُولٍ ( [وَلَوْ جَاءُوا] مُتَفَرِّقِينَ) وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ (أَوْ صَدَّقَهُمْ) زَانٍ، تَبِعَ فِي ذَلِكَ عِبَارَةَ الْمُنْتَهَى وَهِيَ دَخِيلَةٌ لَا مَحِلَّ فِيهَا، وَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ وَلَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ لَكَانَ أَرْشَقَ فِي الْعِبَارَةِ (بِزِنًا وَاحِدٍ) مُتَعَلِّقٍ بِيَشْهَدُ (وَيَصِفُونَهُ) ؛ أَيْ: الزِّنَا (وَيَكْفِي) فِي الْوَصْفِ قَوْلُهُمْ (رَأَيْنَا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا) أَوْ غَيَّبَ حَشَفَتَهُ أَوْ قَدْرَهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي فَرْجِهَا كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ أَوْ الرِّشَاءِ فِي الْبِئْرِ.
(وَالتَّشْبِيهُ) بِمَا ذَكَرَ (تَأْكِيدٌ، وَيَجُوزُ لِلشُّهُودِ نَظَرُ ذَلِكَ) مِنْ الزَّانِيَيْنِ (لِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا؛ لِيَحْصُلَ الرَّدْعُ) [بِالْحَدِّ (فَإِنْ شَهِدُوا) فِي]
(مَجْلِسَيْنِ فَأَكْثَرَ) مِنْ مَجْلِسَيْنِ فَإِنْ شَهِدَ الْبَعْضُ وَلَمْ يَشْهَدْ الْبَاقِي حَتَّى قَامَ الْحَاكِمُ مِنْ مَجْلِسِهِ، حُدَّ الْجَمِيعُ لِلْقَذْفِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ، وَلَا يُنَافِيهِ كَوْنُ الْمَجْلِسِ لَمْ يُذْكَرْ فِي (الْآيَةِ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ أَيْضًا وَوَصْفَ الزِّنَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا مَعَ اعْتِبَارِهِمَا) ؛ لِدَلِيلٍ آخَرَ.
(أَوْ) شَهِدَ بَعْضٌ بِالزِّنَا وَ (امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ) مِنْ الشَّهَادَةِ أَوْ لَمْ يُكْمِلُهَا؛ أَيْ: الشَّهَادَةَ؛ (حُدَّ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ لِلْقَذْفِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] وَهَذَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى رَامٍ لَمْ يَشْهَدْ بِمَا قَالَهُ أَرْبَعَةً، وَلِأَنَّ عُمَرَ جَلَدَ أَبَا بَكْرَةَ وَصَاحِبَيْهِ حَيْثُ لَمْ يُكْمِلْ الرَّابِعُ شَهَادَتَهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ وَاحِدٌ؛ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ (أَوْ كَانُوا) ؛ أَيْ: الشُّهُودُ.
(أَوْ) كَانَ (بَعْضُهُمْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهِ) ؛ أَيْ: الزِّنَا لِعَمًى أَوْ فِسْقٍ أَوْ لِكَوْنِ (أَحَدِهِمْ زَوْجًا) [؛ (حُدُّوا لِلْقَذْفِ) ] لِعَدَمِ كَمَالِ شَهَادَتِهِمْ كَمَا (لَوْ لَمْ يَكْمُلْ الْعَدَدُ) (وَكَمَا لَوْ بَانَ مَشْهُودٌ عَلَيْهِ بِزِنًا مَجْبُوبًا أَوْ) بَانَتْ مَشْهُودٌ عَلَيْهَا (رَتْقَاءَ) فَيُحَدُّونَ؛ لِظُهُورِ كَذِبِهِمْ.
(وَلَا) يُحَدُّ (زَوْجٌ لَاعَنَ) زَوْجَتَهُ بَعْدَ شَهَادَتِهِ عَلَيْهَا بِالزِّنَا: وَتَقَدَّمَ (أَوْ كَانُوا) ؛ أَيْ: الْأَرْبَعَةُ (مَسْتُورِي الْحَالِ، أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ) ؛ أَيْ الْأَرْبَعَةِ (قَبْلَ وَصْفِهِ عُدُولًا كَانُوا أَوْ مَسْتُورِينَ) ؛ [فَلَا يُحَدُّونَ] أَوْ (بَانَتْ [مَشْهُودٌ عَلَيْهَا عَذْرَاءَ] بِقَوْلِ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ فَيُكْتَفَى بِشَهَادَتِهَا بِعُذْرَتِهَا كَسَائِرِ عُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ) ، وَحَيْثُ شَهِدَتْ فَلَا يُحَدُّونَ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] وَقَدْ جِيءَ هُنَا بِالْأَرْبَعِ، وَلَا تُحَدُّ هِيَ وَلَا الرَّجُلُ.
(وَإِنْ عَيَّنَ اثْنَانِ) مِنْ أَرْبَعَةٍ شَهِدَا بِزِنًا (زَاوِيَةً زَنَى بِهَا فِيهَا مِنْ بَيْتٍ صَغِيرٍ عُرْفًا، وَ) عَيَّنَ (اثْنَانِ) مِنْهُمْ زَاوِيَةً (أُخْرَى مِنْهُ) ؛ أَيْ: الْبَيْتِ الصَّغِيرِ؛ كَمُلَتْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِإِمْكَانِ صِدْقِهِمْ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاؤُهُ فِي أَحَدِ
الزَّاوِيَتَيْنِ وَتَمَامُهُ فِي الْأُخْرَى، بِخِلَافِ الْكَبِيرِ لِتَبَاعُدِ مَا بَيْنَهُمَا.
(أَوْ قَالَ اثْنَانِ) فِي شَهَادَتِهِمَا زَنَى بِهَا (فِي قَمِيصٍ أَبْيَضَ أَوْ) قَالَ زَنَى بِهَا (قَائِمَةً، وَقَالَ اثْنَانِ) فِي شَهَادَتِهِمَا زَنَى بِهَا فِي قَمِيصٍ (أَحْمَرَ أَوْ) زَنَى بِهَا (نَائِمَةً كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمْ) لِعَدَمِ التَّنَافِي؛ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ فِي قَمِيصٍ أَبْيَضَ تَحْتَهُ قَمِيصٌ أَحْمَرُ، ثُمَّ خَلَعَ قَبْلَ الْفَرَاغِ، وَلِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ ابْتَدَأَ بِهَا الْفِعْلَ قَائِمَةً، وَأَتَمَّهُ نَائِمَةً.
(وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ كَبِيرًا) عَرَّفَا وَعَيَّنَ اثْنَانِ زَاوِيَةً وَاثْنَانِ أُخْرَى فَقَذْفَةٌ (أَوْ عَيَّنَ اثْنَانِ بَيْتًا أَوْ) عَيْنًا (بَلَدًا أَوْ) عَيْنًا (يَوْمًا وَ) عَيَّنَ (اثْنَانِ) فِي شَهَادَتِهِمَا بَيْتًا أَوْ بَلَدًا أَوْ يَوْمًا (آخَرَ) (فَ) الْأَرْبَعَةُ (قَذْفَةٌ) لِشَهَادَةِ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ بِزِنًا غَيْرِ الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ الْآخَرَانِ، وَلَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ فَيُحَدُّونَ لِلْقَذْفِ (وَلَوْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الزِّنَا وَاحِدٌ) لِلْعِلْمِ بِكَذِبِهِمْ.
(وَإِنْ قَالَ اثْنَانِ) مِنْ أَرْبَعَةٍ زَنَى بِهَا مُطَاوَعَةً، (وَقَالَ: اثْنَانِ) زَنَى بِهَا مُكْرَهَةً؛ (لَمْ تَكْمُلْ) شَهَادَتُهُمْ؛ لِاخْتِلَافِهِمْ (وَعَلَى شَاهِدَيْ الْمُطَاوَعَةِ حَدَّانِ) حَدٌّ لِقَذْفِ الرَّجُلِ، وَحْدٌ لِقَذْفِ الْمَرْأَةِ (وَعَلَى شَاهِدَيْ الْإِكْرَاهِ حَدٌّ وَاحِدٌ لِقَذْفِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ) لِشَهَادَتِهِمَا أَنَّهَا كَانَتْ مُكْرَهَةً.
(وَإِنْ قَالَ اثْنَانِ) مِنْ أَرْبَعَةٍ شَهِدُوا بِالزِّنَا بِهَا (وَهِيَ بَيْضَاءُ، وَقَالَ اثْنَانِ) مِنْهُمْ (غَيْرَهُ) ؛ أَيْ: زَنَى بِهَا وَهِيَ سَوْدَاءُ وَنَحْوُهُ (لَمْ تُقْبَلْ) شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجْتَمِعْ عَلَى عَيْنٍ وَاحِدَةٍ، بِخِلَافِ السَّرِقَةِ.
(وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ) بِزِنًا (فَرَجَعُوا) كُلُّهُمْ، (أَوْ) رَجَعَ (بَعْضُهُمْ قَبْلَ حَدِّ) مَشْهُودٍ عَلَيْهِ (وَلَوْ بَعْدَ حُكْمٍ) يُحَدُّ مَشْهُودٌ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ، وَ (حُدَّ) الشُّهُودُ (الْجَمِيعُ) أَمَّا مَعَ رُجُوعِهِمْ فَلِإِقْرَارِهِمْ بِأَنَّهُمْ قَذَفَةٌ، وَأَمَّا مَعَ رُجُوعِ بَعْضِهِمْ فَلِنَقْصِ عَدَدِ الشُّهُودِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ غَيْرُ ثَلَاثَةٍ فَأَقَلَّ.
(وَ) إنْ رَجَعَ بَعْضُهُمْ (بَعْدَ حَدٍّ) مَشْهُودٍ عَلَيْهِ (يُحَدُّ رَاجِعٌ) عَنْ شَهَادَتِهِ (فَقَطْ) ؛ أَيْ: دُونَ مَنْ لَمْ يَرْجِعْ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ؛ فَلَا يُنْقَضُ
بِرُجُوعِ الشُّهُودِ أَوْ بَعْضِهِمْ، لَكِنْ يُحَدُّ الرَّاجِعُ لِإِقْرَارِهِ بِالْقَذْفِ، فَيَلْزَمُهُ حَدُّهُ إذَا كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا أَوْ رَجْمًا وَطَالَبَهُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَيُحَدُّ بِطَلَبِ الْوَرَثَةِ.
(وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنَاهُ) ، أَيْ: فُلَانٍ (بِفُلَانَةَ، فَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ [أَنْ الشُّهُودَ هُمْ الزُّنَاةُ بِهَا] ) دُونَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (حُدَّ) الْأَرْبَعَةُ (الْأَوَّلُونَ) الشَّاهِدُونَ بِهِ (فَقَطْ) دُونَ الشُّهُودِ عَلَيْهِ لِقَدْحِ الْآخَرِينَ فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَيْهِ (لِلْقَذْفِ وَالزِّنَا) لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِزِنًا لَمْ يَثْبُتْ فَهُمْ قَذَفَةٌ، وَيَثْبُتُ عَلَيْهِمْ الزِّنَا بِشَهَادَةِ الْآخَرِينَ.
وَإِذَا كَمَلَتْ الشَّهَادَةُ بِحَدٍّ، ثُمَّ مَاتَ الشُّهُودُ أَوْ غَابُوا، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ إقَامَةَ الْحَدِّ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَاحْتِمَالُ رُجُوعِهِمْ لَيْسَ شُبْهَةً يُدْرَأُ بِهِ الْحَدُّ، لِبُعْدِهِ، وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنًا قَدِيمٍ، أَوْ أَقَرَّ الزَّانِي بِهِ، وَجَبَ الْحَدُّ، لِعُمُومِ الْآيَةِ وَكَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِالْحَدِّ مِنْ غَيْرِ مُدَّعٍ نَصَّصَ عَلَيْهِ لِقِصَّةِ أَبِي بَكْرَةَ.
(وَإِنْ حَمَلَتْ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ، لَمْ تُحَدَّ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ) الْحَمْلِ، لَكِنْ تُسْأَلُ وَلَا يَجِبُ سُؤَالُهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ إشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَإِنْ ادَّعَتْ إكْرَاهًا أَوْ وَطْئًا بِشُبْهَةٍ، أَوْ لَمْ تُقِرَّ بِزِنًا أَرْبَعًا، لَمْ تُحَدَّ، وَرَوَى سَعِيدٌ أَنَّ امْرَأَةً رُفِعَتْ إلَى عُمَرَ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ وَقَدْ حَمَلَتْ، وَسَأَلَهَا عُمَرُ فَقَالَتْ: إنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةُ الرَّأْسِ وَقَعَ عَلَيَّ رَجُلٌ وَأَنَا نَائِمَةٌ، فَمَا اسْتَيْقَظْتُ حَتَّى نَزَعَ، فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ إذَا كَانَ فِي الْحَدِّ لَعَلَّ وَعَسَى فَهُوَ مُعَطَّلٌ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ.
[بَابُ الْقَذْفِ]
ِ (الْقَذْفُ وَهُوَ) لُغَةً الرَّمْيُ بِقُوَّةٍ ثُمَّ غَلَبَ عَلَى (الرَّمْيِ بِزِنًا أَوْ لِوَاطٍ أَوْ شَهَادَةٍ بِأَحَدِهِمَا) ، أَيْ: الزِّنَا وَاللِّوَاطِ (وَلَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ) بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ مُحَرَّمٌ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23] وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(فَمَنْ) (قَذَفَ وَهُوَ) ؛ أَيْ: الْقَاذِفُ (مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ وَلَوْ أَخْرَسَ) وَقَذَفَ (بِإِشَارَةٍ) مَفْهُومَةٍ لَا بِكِتَابَةٍ وَلَوْ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ (مُحْصَنًا وَلَوْ مَجْبُوبًا) ؛ أَيْ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ (أَوْ) كَانَتْ مَقْذُوفَةً (ذَاتَ مَحْرَمٍ) مِنْ قَاذِفٍ (أَوْ) كَانَتْ مَقْذُوفَةً (رَتْقَاءَ) (حُدَّ) لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ (ثَمَانِينَ) جَلْدَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] .
(وَ) حَدُّ قَاذِفُ (قِنٍّ وَلَوْ عَتَقَ عَقِبَ قَذْفٍ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْوُجُوبِ كَالْقِصَاصِ (أَرْبَعِينَ) جَلْدَةً (وَ) حَدُّ قَاذِفِ (مُبَعَّضٍ بِحِسَابِهِ) فَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ رَقِيقٌ يُجْلَدُ سِتِّينَ، لِأَنَّهُ حَدٌّ يَتَبَعَّضُ؛ فَكَانَ عَلَى الْقِنِّ فِيهِ نِصْفُ مَا عَلَى الْحُرِّ وَالْمُبَعَّضُ بِالْحِسَابِ كَحَدِّ الزِّنَا، وَهُوَ يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ.
(وَيَجِبُ) حَدُّ قَذْفٍ (بِقَذْفٍ) نَحْوُ (قَرِيبٍ) كَأُخْتٍ وَلَوْ (عَلَى وَجْهِ الْغَيْرَةِ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ (كَقَوْلِهِ لِأُخْتِهِ) وَنَحْوِهَا (يَا زَانِيَةُ زَجْرًا لَهَا) كَأَجْنَبِيٍّ، لِعُمُومِ الْآيَةِ.
وَ (لَا) يَجِبُ حَدُّ قَذْفٍ (عَلَى أَبَوَيْنِ وَإِنْ عَلَوَا بِقَذْفِ وَلَدِهِمَا) وَإِنْ سَفَلَ مِنْ وَلَدِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، كَمَا لَا يَجِبُ قَوَدٌ لِوَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ عَلَى أَبَوَيْهِ (وَإِنْ عَلَوَا فَلَا يَرِثُهُ) ؛ أَيْ حَدَّ قَذْفِ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ (عَلَيْهِمَا) ؛ أَيْ: عَلَى أَبَوَيْهِ وَإِنْ عَلَوَا (وَإِنْ وَرِثَهُ) ؛ أَيْ: الْحَدَّ (أَخُوهُ) ؛ أَيْ: أَخُو الْوَلَدِ (لِأُمِّهِ) كَأَنْ قَذَفَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ، وَطَالَبَتْهُ بِحَدِّ الْقَذْفِ، ثُمَّ مَاتَتْ عَنْ وَلَدَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ
الْقَاذِفِ، فَلَا يَرِثُ الْحَدَّ عَلَى أَبِيهِ (وَحَدُّ الْقَاذِفِ لَهُ) ، أَيْ: لِلْقَذْفِ بِطَلَبِ الْوَلَدِ الْآخَرِ (لِتَبَعُّضِهِ) ؛ أَيْ: مَلَكَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ الطَّلَبَ بِهِ كَامِلًا مَعَ تَرْكِ بَاقِيهِمْ إذَا طَالَبَ بِهِ مُوَرِّثُهُمْ قَبْلَ مَوْتِهِ، لِلُحُوقِ الْعَارِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ عَلَى انْفِرَادِهِ.
(وَالْحَقُّ فِي حَدِّهِ) أَيْ الْقَذْفِ (لِلْآدَمِيِّ) كَالْقَوَدِ (فَلَا يُقَامُ) حَدُّ قَذْفٍ (بِلَا طَلَبٍ) ؛ أَيْ: الْمَقْذُوفِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ إلَّا بِطَلَبِهِ.
ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إجْمَاعًا (لَكِنْ لَا يَسْتَوْفِيهِ) مَقْذُوفٌ (بِنَفْسِهِ، فَلَوْ فَعَلَ) بِأَنْ اسْتَوْفَاهُ بِنَفْسِهِ (لَمْ يَسْقُطْ) لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ نِيَّةَ الْإِمَامِ أَنَّهُ حَدٌّ.
(وَيَسْقُطُ) حَدُّ قَذْفٍ (بِعَفْوِهِ) ؛ أَيْ: الْمَقْذُوفِ (وَلَوْ عَفَا بَعْدَ طَلَبِهِ) بِهِ، كَمَا لَوْ عَفَا قَبْلَهُ، وَكَذَا يَسْقُطُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِمَا قَذَفَهُ بِهِ، وَبِتَصْدِيقِ مَقْذُوفٍ لَهُ فِيهِ، وَبِلِعَانِهِ إنْ كَانَ زَوْجًا، وَلَا يَسْقُطُ حَدُّ قَذْفٍ بِعَفْوٍ (عَنْ بَعْضِهِ، قَالَهُ الْقَاضِي) كَمَا لَوْ كَانَ الْمَقْذُوفُ جَمَاعَةً بِكَلِمَةٍ؛ فَإِنَّ عَلَيْهِ لِجَمِيعِهِمْ حَدًّا وَاحِدًا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقٌّ فِي مُطَالَبَتِهِ، فَلَوْ كَانُوا خَمْسَةً مَثَلًا، وَعَفَا أَحَدُهُمْ عَنْ حَقِّهِ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِينَ، فَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمْ حَقَّهُ، فَلَمَّا جَلَدَ عِشْرِينَ قَالَ: عَفَوْتُ عَنْ بَاقِي الْحَدِّ؛ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِينَ مِنْ تَتِمَّتِهِ الْحَدَّ، فَلَوْ طَلَبَهَا أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِينَ فَلَمَّا جَلَدَ عِشْرِينَ أُخْرَى قَالَ عَفَوْتُ عَنْ بَاقِي الْحَدِّ؛ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الِاثْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ مِنْ تَتِمَّتِهِ [فَلَوْ طَلَبَهَا] أَحَدُهُمَا فَلَمَّا جَلَدَ عِشْرِينَ قَالَ عَفَوْتُ عَنْ تَتِمَّتِهِ؛ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْوَاحِدِ الْبَاقِي؛ فَلَهُ طَلَبُ جَلْدِ الْعِشْرِينَ الْبَاقِيَةِ مِنْ الثَّمَانِينَ.
(وَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ) ؛ أَيْ الْمَقْذُوفِينَ عَنْ الْقَاذِفِ، وَلَمْ يَعْفُ بَاقِيهِمْ (فَلِمَنْ لَمْ يَعْفُ إقَامَتُهُ) ؛ أَيْ: الْحَدَّ (كَامِلًا) فَلَا يَسْقُطُ بِالْمُصَالَحَةِ عَلَيْهِ وَلَا عَنْ بَعْضِهِ بِمَالٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ عَفْوِ بَعْضِ مُسْتَحِقِّي الْقَوَدِ عَنْ حَقِّهِ؛ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِذَلِكَ حَقُّ بَاقِيهِمْ؛ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ، فَلَا حَقَّ لِلْعَافِي فَلَمْ يَتَبَعَّضْ، بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ
لِأَنَّهُ لَيْسَ كَقَوَدٍ فَيَسْقُطُ، وَلَا يُسْتَوْفَى نَاقِصًا كَبَاقِي الْحُدُودِ.
(وَمَنْ قَذَفَ غَيْرَ مُحْصَنٍ [وَلَوْ قِنَّهُ] ) ؛ أَيْ: قِنَّ قَاذِفٍ (أَوْ) قَذَفَ (مَنْ أَقَرَّ بِزِنًا وَلَوْ دُونَ أَرْبَعِ) مَرَّاتٍ (عُزِّرَ) رَدْعًا لَهُ عَنْ أَعْرَاضِ الْمَعْصُومِينَ، وَكَفًّا عَنْ إيذَائِهِمْ (وَالْمُحْصَنُ هُنَا) ؛ أَيْ: فِي بَابِ الْقَذْفِ (الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ) [الَّذِي يَطَأُ] : مِثْلُهُ كَابْنِ عَشْرٍ (أَوْ يُوطَأُ مِثْلُهَا) كَبِنْتِ تِسْعٍ؛ لِلُحُوقِ الْعَارِ لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا بَالِغَيْنِ؛ إذْ الْبُلُوغُ لَيْسَ شَرْطًا لِلْوَطْءِ (الْعَفِيفِ عَنْ الزِّنَا ظَاهِرًا) أَيْ: فِي ظَاهِرِ حَالِهِ (وَلَوْ) كَانَ (تَائِبًا مِنْهُ) ؛ أَيْ: الزِّنَا؛ لِأَنَّ التَّائِبَ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ.
(وَمُلَاعَنَةٌ وَوَلَدُهَا وَوَلَدُ زِنًا [كَغَيْرِهِمْ] نَصًّا) فَيُحَدّ بِقَذْفِ كُلٍّ مِنْهُمْ إنْ كَانَ مُحْصَنًا.
(وَلَا يُحَدُّ قَاذِفٌ غَيْرُ بَالِغٍ حَتَّى يَبْلُغَ) وَيُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ؛ إذْ لَا أَثَرَ لِطَلَبِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ كَلَامِهِ، وَلَا طَلَبَ لِوَلِيِّهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ التَّشَفِّي؛ فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِيهِ كَالْقَوَدِ (وَكَذَا لَوْ جُنَّ) مَقْذُوفٌ (أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ طَلَبِهِ) فَلَا يَسْتَوْفِي حَتَّى يُفِيقَ وَيُطَالِبَ بِهِ، (وَ) إنْ جُنَّ مَقْذُوفٌ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ (بَعْدَهُ) ؛ أَيْ: بَعْدَ الطَّلَبِ بِهِ (يُقَامُ) ، أَيْ: يُقِيمُهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ عَلَى الْقَاذِفِ؛ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَانْتِفَاءِ مَانِعِهِ.
(وَمَنْ قَذَفَ) مُحْصَنًا (غَائِبًا لَمْ يُحَدَّ) قَاذِفُهُ (حَتَّى يَثْبُتَ طَلَبُهُ) ؛ أَيْ: الْمَقْذُوفِ الْغَائِبِ (فِي غَيْبَتِهِ) بِشَرْطِهِ (أَوْ يَحْضُرَ وَيَطْلُبَ) بِنَفْسِهِ.
(وَمَنْ قَالَ لِمُحْصَنَةٍ زَنَيْت وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِدُونِ تِسْعِ سِنِينَ عُزِّرَ) أَوْ قَالَهُ؛ أَيْ: زَنَيْت وَأَنْتَ صَغِيرٌ لِمُحْصَنٍ (ذَكَرَ، وَفَسَّرَهُ بِدُونِ عَشْرِ) سِنِينَ؛ عُزِّرَ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِلَّا) يُفَسِّرْهُ بِدُونِ ذَلِكَ (حُدَّ) لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُ مَقْذُوفٍ.
(وَإِنْ قَالَ) لِمُحْصَنَةٍ زَنَيْت (وَأَنْتِ كَافِرَةٌ، أَوْ) وَأَنْتِ (أَمَةٌ، أَوْ) وَأَنْتِ
(مَجْنُونَةٌ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَوْنَهَا كَذَلِكَ) ؛ أَيْ: كَافِرَةً أَوْ أَمَةً أَوْ مَجْنُونَةً (حُدَّ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ (كَمَا لَوْ قَذَفَ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ، وَادَّعَى رِقَّهَا فَأَنْكَرَتْ) فَيُحَدُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ (وَإِنْ ثَبَتَ كَوْنُهَا كَذَلِكَ) ؛ أَيْ: كَانَتْ كَافِرَةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ أَمَةً (لَمْ يُحَدَّ) لِإِضَافَةِ الزِّنَا إلَى حَالٍ لَمْ تَكُنْ فِيهَا مُحْصَنَةً.
(وَلَوْ قَالَتْ أَرَدْتُ قَذْفِي حَالًا) ؛ أَيْ فِي الْحَالِ (وَأَنْكَرَهَا) لَمْ يُحَدَّ؛ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي نِيَّتِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا، وَقَوْلُهُ وَأَنْتِ كَافِرَةٌ وَنَحْوُهُ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، (وَيُصَدَّقُ قَاذِفٌ) مُحْصَنٌ (ادَّعَى أَنْ [قَذْفَهُ) كَانَ] (حَالَ صِغَرِ مَقْذُوفٍ) لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي صِغَرِهِ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْحَدِّ (فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ وَكَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ) بِأَنْ قَالَتْ إحْدَاهُمَا قَذَفَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ وَالْأُخْرَى وَهُوَ [كَبِيرٌ (أَوْ) كَانَتَا (مُؤَرِّخَتَيْنِ تَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ) بِأَنْ قَالَتْ إحْدَاهُمَا قَذَفَهُ: وَهُوَ صَغِيرٌ سَنَةَ عِشْرِينَ، وَالْأُخْرَى وَهُوَ كَبِيرٌ سَنَةَ ثَلَاثِينَ، مَثَلًا (فَهُمَا قَذْفَانِ مُوجَبُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ (أَحَدِهِمَا الْحَدُّ) وَهُوَ] الْقَذْفُ فِي الْكِبَرِ (وَ) مُوجَبُ (الْآخَرِ) وَهُوَ الْقَذْفُ زَمَنَ الصِّغَرِ (التَّعْزِيرُ) إعْمَالًا لِلْبَيِّنَتَيْنِ؛ لِعَدَمِ التَّنَافِي وَإِنْ أَرَّخَتَا تَارِيخًا وَاحِدًا (وَقَالَتْ: إحْدَاهُمَا وَهُوَ) ؛ أَيْ: الْمَقْذُوفُ حَالَ قَذْفِهِ (صَغِيرٌ وَ) قَالَتْ (الْأُخْرَى وَهُوَ) إذْ (ذَاكَ كَبِيرٌ؛ فَعَارَضَتَا، وَسَقَطَتَا) لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى (وَكَذَا لَوْ كَانَ تَارِيخُ بَيِّنَةِ الْمَقْذُوفِ) الشَّاهِدَةِ بِكِبَرِهِ (قَبْلَ تَارِيخِ بَيِّنَةِ الْقَاذِفِ) الشَّاهِدَةِ بِصِغَرِ مَقْذُوفٍ؛ فَيَتَعَارَضَانِ؛ وَيَسْقُطَانِ؛ وَيُرْجَعُ لِقَوْلِ قَاذِفٍ أَنَّ الْقَذْفَ كَانَ حِينَ صِغَرِ الْمَقْذُوفِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِنْ الْحَدِّ.
(وَمَنْ قَالَ لِابْنِ عِشْرِينَ سَنَةً زَنَيْت مِنْ ثَلَاثِينَ عَامًا) لَمْ يُحَدَّ (أَوْ) قَالَ لَهُ زَنَيْت (مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ) عَامًا (لَمْ يُحَدَّ) لِلْعِلْمِ بِكَذِبِهِ
(وَلَا يَسْقُطُ) حَدُّ قَذْفٍ (بِرِدَّةِ مَقْذُوفٍ بَعْدَ طَلَبٍ أَوْ زَوَالِ إحْصَانٍ وَلَوْ لَمْ يُحْكَمْ بِوُجُوبِهِ) ، أَيْ: الْحَدِّ، اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْوُجُوبِ، وَكَمَا لَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا.
[فَصْلٌ تَحْرِيمُ الْقَذْفُ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ]
فَصْلٌ (وَيَحْرُمُ الْقَذْفُ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرَى زَوْجَتَهُ تَزْنِي [فِي طُهْرٍ لَمْ يَطَأْ] ) هَا (فِيهِ، فَيَعْتَزِلُهَا، ثُمَّ تَلِدُ مَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْ الزَّانِي، فَيَلْزَمُهُ قَذْفُهَا وَنَفْيِهِ) ؛ أَيْ: الْوَلَدِ بِاللِّعَانِ؛ لِجَرَيَانِ ذَلِكَ مَجْرَى الْيَقِينِ فِي أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ الزَّانِي حَيْثُ أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ وَطْئِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْفِ الْوَلَدَ [لَحِقَهُ،] وَوَرِثَهُ وَوَرِثَ أَقَارِبَهُ، وَوَرِثُوا مِنْهُ وَنَظَرَ إلَى بَنَاتِهِ وَأَخَوَاتِهِ وَنَحْوِهِنَّ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ فَوَجَبَ نَفْيُهُ إزَالَةً لِذَلِكَ، وَلِحَدِيثِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَتْ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ احْتَجَبَ اللَّهُ مِنْهُ، وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَوْلُهُ: وَيَنْظُرُ إلَيْهِ، يَعْنِي يَرَى الْوَلَدَ مِنْهُ، فَكَمَا حَرَّمَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُدْخِلَ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَالرَّجُلُ مِثْلُهَا وَلَوْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا، وَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهَا؛ فَهُوَ كَمَا لَوَرَآهَا تَزْنِي (وَكَذَا إنْ وَطِئَهَا) هُوَ؛ أَيْ: زَوْجُهَا (فِي طُهْرٍ زَنَتْ فِيهِ، وَقَوِيَ فِي ظَنِّهِ) ؛ أَيْ: الزَّوْجِ (أَنْ الْوَلَدَ مِنْ الزَّانِي لِشَبَهِهِ بِهِ) ؛ أَيْ: الزَّانِي (وَنَحْوِهِ كَعُقُمِ زَوْجٍ) ؛ أَيْ: كَكَوْنِ الزَّوْجِ عَقِيمًا، لِأَنَّ ذَلِكَ مَعَ تَحَقُّقِ الزِّنَا دَلِيلٌ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ الزَّانِي، وَلِقِيَامِ غَلَبَةِ الظَّنِّ مَقَامَ التَّحْقِيقِ.
الْمَوْضِعُ (الثَّانِي أَنْ يَرَاهَا تَزْنِي، وَلَمْ تَلِدْ مَا) ؛ أَيْ: وَلَدًا (يَلْزَمُهُ نَفْيُهُ) بِأَنْ لَمْ تَلِدْ، أَوْ وَلَدَتْ مَا لَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مِنْ زَانٍ (أَوْ يَسْتَفِيضَ زِنَاهَا) بَيْنَ النَّاسِ أَوْ يُخْبِرَهُ بِهِ ثِقَةٌ لَا عَدَاوَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا (أَوْ يَرَى رَجُلًا مَعْرُوفًا بِهِ) ؛ أَيْ: الزِّنَا (عِنْدَهَا؛ فَيُبَاحُ لِزَوْجِهَا قَذْفُهَا بِهِ) ؛ أَيْ: بِالرَّجُلِ الْمَعْرُوفِ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمَّا يُغَلِّبُ عَلَى الظَّنِّ زِنَاهَا، وَلَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى غَيْرِهَا حَيْثُ لَمْ تَلِدْ، وَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ [يُمْكِنُ فِرَاقُهَا، (وَفِرَاقُهَا أَوْلَى) مِنْ قَذْفِهَا؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ، وَلِأَنَّ قَذْفَهَا يُفْضِي إلَى حَلِفِ] أَحَدِهِمَا كَاذِبًا إنْ تَلَاعَنَا أَوْ إقْرَارِهَا؛ فَتَفْتَضِحُ.
وَلَا يَجُوزُ قَذْفُهَا بِخَبَرِ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى الْكَذِبِ عَلَيْهَا، وَلَا بِرُؤْيَتِهِ رَجُلًا عِنْدَهَا غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالزِّنَا إنْ لَمْ يَسْتَفِضْ زِنَاهَا؛ لِجَوَازِ دُخُولِهِ سَارِقًا وَنَحْوِهِ.
(وَإِنْ أَتَتْ) زَوْجَةُ شَخْصٍ (بِوَلَدٍ يُخَالِفُ لَوْنُهُ لَوْنَهُمَا) كَأَسْوَدَ.
وَالزَّوْجَانِ أَبْيَضَانِ (لَمْ يُبَحْ) لِزَوْجِهَا (نَفْيُهُ بِذَلِكَ) أَيْ: بِمُخَالِفَةِ لَوْنِهِ لَوْنَهُمَا؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتِي جَاءَتْ بِوَلَدٍ أَسْوَدَ يُعَرِّضُ بِنَفْيِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هَلْ لَكَ مِنْ إبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ.
قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: إنَّ فِيهَا لَوُرْقًا.
قَالَ: فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟ قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: فَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ» .
قَالَ: وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مِنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَأَلْوَانُهُمْ وَخَلْقُهُمْ مُخْتَلِفٍ، فَلَوْلَا مُخَالَفَتُهُمْ صِفَةَ أَبَوَيْهِمْ لَكَانُوا عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ (بِلَا قَرِينَةٍ) فَإِنْ؛ كَانَتْ بِأَنْ رَأَى عِنْدَهَا رَجُلًا يُشْبِهُ مَا وَلَدَتْهُ؛ فَلَهُ نَفْيُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعَ الشُّبْهَةِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ.
[فَصْلٌ لِلْقَذْفِ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ]
فَصْلٌ وَلِلْقَذْفِ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ (وَصَرِيحُهُ يَا مَنْيُوكَةَ إنْ لَمْ يُفَسِّرْهُ) قَاذِفٌ (بِفِعْلِ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ) فَإِنْ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ فَلَيْسَ قَذْفًا (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ ذَلِكَ بِفِعْلِ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ (وَلَوْ تَرَاخَى) وَهُوَ مُتَّجِهٌ (يَا مَنْيُوكَةَ يَا زَانِي يَا عَاهِرُ، أَوْ قَدْ زَنَيْتِ أَوْ زَنَى فَرْجُكِ وَنَحْوُهُ) كَ رَأَيْتُكِ تَزْنِي، وَأَصْلُ الْعِهْرِ إتْيَانُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ لَيْلًا لِلْفُجُورِ بِهَا، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الزِّنَا، سَوَاءٌ جَاءَهَا أَوْ جَاءَتْهُ؛ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، (أَوْ) قَالَ لَهُ (يَا مَفْعُوجٍ) بِالْفَاءِ وَالْجِيمِ نَصًّا، لِاسْتِعْمَالِ النَّاسِ لَهُ بِمَعْنَى
الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، وَأَصْلُهُ الضَّرْبُ (أَوْ) قَالَ لَهُ (يَا لُوطِيُّ) لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ مَنْ يَأْتِي الذُّكُورَ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ (فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ) بِقَوْلِي: يَا زَانِي وَنَحْوُهُ (زَانِي الْعَيْنِ) وَنَحْوَهُ، (أَوْ) أَرَدْتُ بِقَوْلِي يَا عَاهِرُ (عَاهِرَ الْيَدِ) (أَوْ) قَالَ أَرَدْتُ بِقَوْلِي يَا لُوطِيُّ (أَنَّكَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ، أَوْ إنَّكَ تَعْمَلُ عَمَلَهُمْ مِنْ غَيْرِ إتْيَانِ الذُّكُورِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ (وَحُدَّ) لِإِتْيَانِهِ بِصَرِيحِ الْقَذْفِ.
(وَ) قَوْلُ الْمُكَلَّفِ لِشَخْصٍ (لَسْت لِأَبِيك أَوْ) لَسْت (بِوَلَدِ فُلَانٍ) الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ (قَذْفٌ لِأُمِّهِ) ؛ أَيْ: الْمَقُولِ لَهُ لِإِثْبَاتِهِ الزِّنَا لِأُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لِأَبِيهِ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِذَا نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ فَقَدْ أَثْبَتَ لِغَيْرِهِ، وَالْغَيْرُ لَا يُمْكِنُ إحْبَالُهُ لَهَا فِي زَوْجِيَّةِ أَبِيهِ إلَّا بِزِنًا، فَكَانَ قَذْفًا، وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَنْظُرُوا لِاحْتِمَالِ الشُّبْهَةِ؛ لِبُعْدِهِ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَسْأَلْ عَمَّا أَرَادَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ.
قَوْلُهُ (وَيَتَّجِهُ الْأَصَحُّ) أَنَّ قَوْلَهُ لَسْتَ لِأَبِيكَ، أَوْ لَسْتَ بِوَلَدِ فُلَانٍ (لَا) يَكُونُ ذَلِكَ قَذْفًا لِأُمِّهِ؛ لِاحْتِمَالِ إرَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يُشْبِهُ أَبَاهُ فِي كَرَمِهِ وَأَخْلَاقِهِ، أَوْ أَنَّهُ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ إكْرَاهٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ الْمَقُولُ لَهُ ذَلِكَ (مَنْفِيًّا بِلِعَانٍ لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ مُلَاعِنٌ) بَعْدَ نَفْيِهِ، فَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ فَهُوَ قَذْفٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ مُلَاعِنٌ (وَلَمْ يُفَسِّرْ) قَائِلُ ذَلِكَ (بِزِنَا أُمِّهِ) فَلَا يَكُونُ قَذْفًا لَهَا وَلَا حَدَّ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَى الْوَلَدَ الْمَنْفِيَّ بِاللِّعَانِ عَنْ أَبِيهِ، إلَّا أَنْ يُفَسِّرَهُ بِأَنَّ أُمَّهُ زَنَتْ (وَكَذَا إنْ نَفَاهُ عَنْ قَبِيلَتِهِ) بِأَنْ قَالَ: لَسْت مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَذْفًا لِأُمِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْفِيًّا بِلِعَانٍ لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ أَبُوهُ، وَلَمْ يُفَسِّرْهُ بِزِنَا أُمِّهِ.
لِحَدِيثِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ مَرْفُوعًا «لَا أُوتَى بِرَجُلٍ يَقُولُ إنَّ كِنَانَةَ لَيْسَتْ مِنْ قُرَيْشٍ إلَّا جَلَدْتُهُ» وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: " لَا
أَجْلِدُ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٍ قَذَفَ مُحْصَنَةً أَوْ نَفَى رَجُلًا عَنْ أَبِيهِ " (وَ) قَوْلُهُ لِآخَر (مَا أَنْتَ ابْنُ فُلَانَةَ لَيْسَ بِقَذْفٍ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ أَرَادَ قَذْفَهُ بِهِ أَوْ لَا إذْ الْوَلَدُ مِنْ أُمِّهِ بِكُلِّ حَالٍ، (وَ) قَوْلُهُ لِوَلَدِهِ: (لَسْت بِوَلَدِي كِنَايَةٌ فِي قَذْفِ [أُمِّهِ] ) نَصًّا، لِأَنَّ الْوَالِدَ إذَا أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِ وَلَدِهِ يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ كَثِيرًا، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُشْبِهُهُ؛ لَا أَنَّهُ لَيْسَ مَخْلُوقًا مِنْ مَائِهِ؛ فَلَا يَكُونُ قَذْفًا لِأُمِّهِ مَعَ الِاحْتِمَالِ إلَّا مَعَ إرَادَتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ.
(وَ) قَوْلُ إنْسَانٍ لِغَيْرِهِ: (أَنْتِ أَزَنَى النَّاسِ أَوْ) : أَنْتِ أَزَنَى (مِنْ فُلَانَةَ) أَوْ فُلَانٍ صَرِيحٌ فِي الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ فَقَطْ؛ لِاسْتِعْمَالِ أَفْعَلَ فِي الْمُنْفَرِدِ بِالْفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ [يونس: 35] وَقَوْلِهِ: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ [الأنعام: 81] . (وَ) قَوْلِهِمْ: الْعَسَلُ أَحْلَى مِنْ الْخَلِّ (أَوْ قَالَ لَهُ) ؛ أَيْ: الرَّجُلِ (يَا زَانِيَةُ أَوْ قَالَ) [ (لَهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (يَا زَانِي) ] (صَرِيحٌ فِي الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ) لِأَنَّ مَا كَانَ قَذْفًا لِأَحَدِ الصِّنْفَيْنِ كَانَ قَذْفًا لِلْمُخَاطَبِ، وَقَدْ يَكُونُ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ بِمُلَاحَظَةِ الذَّاتِ وَالشَّخْصِ وَ (كَفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا لَهُمَا) ؛ أَيْ: الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (فِي زَنَيْتِ) لِأَنَّهُ خِطَابٌ لَهُمَا، وَإِشَارَةٌ إلَيْهِمَا بِلَفْظِ الزِّنَا كَقَوْلِهِ لِامْرَأَةٍ: يَا شَخْصًا زَانِيًا، وَلِرَجُلٍ: يَا نَسَمَةٌ زَانِيَةٌ (وَلَيْسَ) الْقَائِلُ أَنْتِ أَزَنَى مِنْ فُلَانَةَ (بِقَاذِفٍ لِفُلَانَةَ) ، وَلِمَا تَقَدَّمَ، لِقَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: 78] ، أَيْ: مِنْ أَدْبَارِ الذُّكُورِ، وَلَا طَهَارَةَ فِيهَا.
(وَمَنْ قَالَ عَنْ اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا زَانٍ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا أَنَا، فَقَالَ لَا فَهُوَ قَذْفٌ لِلْآخَرِ) لِتَعَيُّنِهِ بِنَفْيِهِ عَنْ الْآخَرِ، (وَ) قَوْلِهِ لِآخَرَ (زَنَأَتْ مَهْمُوزًا صَرِيحٌ) فِي قَذْفِهِ (وَلَوْ زَادَ فِي الْحِيَلِ أَوْ عَرَفَ الْعَرَبِيَّةَ) لِأَنَّ عَامَّةَ النَّاسِ لَا يَفْهَمُونَ مِنْهُ إلَّا
الْقَذْفَ كَغَيْرِ الْمَهْمُوزِ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ طَلَعْتَ
(أَوْ) قَالَ لِرَجُلٍ (يَا نَاكِحَ أُمِّهِ) وَهِيَ حَيَّةٌ (يَلْزَمُهُ حَدَّانِ) نَصًّا (وَكَذَا:) لَوْ قَالَ لَهُ (يَا زَانِي ابْنَ الزَّانِي) إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
(وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ، فَقَاذِفٌ [لَهَا] ) فَيَلْزَمُهُ حَدُّهُ (وَلَمْ يَلْزَمْهُ حَدُّ الزِّنَا) بِإِقْرَارِهِ بِأَنْ لَمْ يُقِرَّ أَرْبَعًا، أَوْ أَقَرَّ أَرْبَعًا ثُمَّ رَجَعَ.
(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ: بِكَ زَنَيْت) لَمْ تَكُنْ، قَاذِفَةً لَهُ، لِأَنَّهَا صَدَّقَتْهُ (وَسَقَطَ حَقُّهَا) مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ (بِتَصْدِيقِهَا لَهُ وَ) لَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَدُّ الْقَذْفِ لِأَنَّهَا (لَمْ تَقْذِفْهُ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الزِّنَا مِنْهَا بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ زَانِيًا بِهَا بِأَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ، وَهِيَ عَالِمَةٌ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا، لِأَنَّهَا لَمْ تُقِرَّ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ (وَيُحَدَّانِ) ، أَيْ: الْمُتَكَلِّمَانِ (فِيمَا إذَا قَالَ) لِامْرَأَتِهِ (زَنَى بِكِ فُلَانٌ، فَقَالَتْ: بَلْ أَنْتِ زَنَى بِكَ أَوْ) قَالَ لَهَا (يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ بَلْ: أَنْتَ زَانٍ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَذَفَ الْآخَرَ.
[فَصْلٌ كِنَايَةُ الْقَذْفِ وَالتَّعْرِيضِ بِهِ]
فَصْلٌ (وَكِنَايَتُهُ) ، أَيْ الْقَذْفِ وَالتَّعْرِيضِ بِهِ نَحْوُ (زَنَتْ يَدَاكَ، أَوْ) زَنَتْ (رِجْلَاكَ، أَوْ) زَنَتْ (يَدُكَ أَوْ) زَنَتْ (رِجْلُكَ) لِأَنَّ زِنَا هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْمَشْيُ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ» (أَوْ) زَنَى بَدَنُكَ لِأَنَّ زِنَاهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِزِنَا شَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ عَلَى الْمَعْنَى السَّابِقِ غَيْرِ الْفَرْجِ (أَوْ يَا خَنِثُ بِالنُّونِ يَا نَظِيفُ يَا عَفِيفُ) لِامْرَأَةٍ (يَا قَحْبَةُ يَا فَاجِرَةُ يَا خَبِيثَةُ) فَإِنَّ ظَاهِرَهَا فِي الِاسْتِعْمَالِ كَنِسْبَةِ الزِّنَا
إلَيْهَا مَعَ احْتِمَالِ غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْفُجُورَ فِي اللُّغَةِ: الْكَذِبُ وَالِانْبِعَاثُ فِي الْمَعَاصِي، وَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ الزِّنَا، وَالْقَحْبَةُ فِي الْعُرْفِ: هِيَ الْمُتَصَنِّعَةُ لِلْفُجُورِ، فَإِطْلَاقُ الْقَبْحَةِ عَلَيْهَا لَا يُوجِبُ إضَافَةَ الزِّنَا إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَتَصَنَّعُ فِي نَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ فُجُورٍ، وَأَقْحَبَتْ أَعَمُّ مِنْ الْفُجُورِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ الْفُجُورُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهِ غَيْرُ الْفُجُورِ مِنْ خُبْثِ النَّفْسِ وَالطَّوِيَةِ وَالْأَفْعَالِ، وَإِذَا احْتَمَلَ مِثْلَ هَذَا الْمَعَانِيَ لَا يَكُونُ صَرِيحًا فِيهِ.
(وَ) قَوْلُهُ (لِزَوْجَةِ شَخْصٍ قَدْ فَضَحْته وَغَطَّيْتِ) رَأْسَهُ (أَوْ نَكَّسْتِ رَأْسَهُ) ؛ أَيْ: حَيَاءً مِنْ النَّاسِ بِشَكْوَاكِ (وَجَعَلْتِ لَهُ قُرُونًا) ؛ أَيْ: أَنَّهُ مُسَخَّرٌ لَكَ، مُنْقَادٌ كَالثَّوْرِ، (وَعَلِقْتِ عَلَيْهِ أَوْلَادًا مِنْ غَيْرِهِ) ؛ أَيْ: مِنْ زَوْجٍ آخَرَ، أَوْ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ (وَأَفْسَدْتِ فِرَاشَهُ) ؛ أَيْ: بِالنُّشُوزِ أَوْ الشِّقَاقِ وَبِمَنْعِ الْوَطْءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(وَ) قَوْلُهُ (لِعَرَبِيٍّ يَا نَبَطِيُّ يَا فَارِسِيُّ يَا رُومِيُّ) ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ نَبَطِيَّ اللِّسَانِ، أَوْ فَارِسِيَّ الطَّبْعِ، أَوْ رُومِيَّ الْخِلْقَةِ؛ (وَ) قَوْلُهُ (لِأَحَدِهِمْ) ؛ أَيْ: النَّبَطِيِّ أَوْ فَارِسِيِّ أَوْ رُومِيِّ (يَا عَرَبِيُّ) وَالنَّبَطُ قَوْمٌ يَنْزِلُونَ بِالْبَطَائِحِ بَيْنَ الْعِرَاقِيِّينَ.
[وَفَارِسُ] بِلَادٌ مَعْرُوفَةٌ، وَأَهْلُهَا الْفُرْسُ، وَفَارِسٌ أَبُوهُمْ، وَالرُّومُ فِي الْأَصْلِ ابْنُ عِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
وَلَوْ قَالَ لِعَرَبِيٍّ: يَا أَعْجَمِيُّ بِالْأَلِفِ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا، لِأَنَّهُ نِسْبَةٌ إلَى الْعُجْمَةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْعَرَبِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَا غَيْرَ فَصِيحٍ، (وَ) قَوْلُهُ (لِمَنْ يُخَاصِمُهُ يَا حَلَالُ ابْنَ الْحَلَالِ مَا يَعْرِفُكَ النَّاسُ بِالزِّنَا) فَإِنَّ هَذَا فِي الظَّاهِرِ مِنْ اللَّفْظِ لَيْسَ بِقَذْفٍ.
وَ (التَّعْرِيضُ) فِي الْقَذْفِ كَقَوْلِهِ لِآخَرَ (مَا أَنَا بِزَانٍ، أَوْ مَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ أَوْ يَسْمَعُ مَنْ يَقْذِفُ شَخْصًا ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: صَدَقْت، أَوْ صَدَقْت فِيمَا قُلْت، أَوْ أَخْبَرَنِي) فُلَانٌ أَنَّكَ زَنَيْت (أَوْ أَشْهَدَنِي فُلَانٌ أَنَّكَ زَنَيْت وَكَذَّبَهُ فُلَانٌ) لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ قَذَفَ، فَلَمْ يَكُنْ قَذْفًا، كَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَذَفَ رَجُلًا.
قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ أَوْ قَالَ لَهَا: لَمْ أَجِدْكِ عَذْرَاءَ كِنَايَةً.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَة حَنْبَلٍ: لَا أَرَى الْحَدَّ إلَّا عَلَى مَنْ صَرَّحَ بِالْقَذْفِ أَوْ الشَّتْمَةِ (فَإِنْ نَوَى بِمَا) مَرَّ مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ الزِّنَا، (لَزِمَهُ الْحَدُّ بَاطِنًا، وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا إظْهَارُ نِيَّتِهِ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ
آدَمِيٍّ، (وَإِلَّا) يَنْوِ بِذَلِكَ الزِّنَا (عُزِّرَ، وَلَوْ لَمْ يُفَسِّرْهُ بِمُحْتَمَلٍ غَيْرِ قَذْفٍ) لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ (خِلَافًا لِلْمُنْتَهَى) حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِمُحْتَمَلٍ غَيْرِ الْقَذْفِ، قُبِلَ وَعُزِّرَ، فَيُفْهَمُ مِنْ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُفَسِّرْهُ أَوْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ مُحْتَمَلٍ يَكُونُ قَاذِفًا، وَعِبَارَةُ الْإِقْنَاعِ لَا تُؤَدِّي غَيْرَ مَا يُفْهَمُ مِنْ " الْمُنْتَهَى " فَلَوْ أَشَارَ لِخِلَافِهِمَا لَكَانَ ظَاهِرًا، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ (أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَاذِفًا إلَّا إنْ فَسَّرَهُ بِالزِّنَا) أَوْ نَوَاهُ؛ فَيَلْزَمُهُ بَاطِنًا، وَيَلْزَمُهُ إظْهَارُ مَا نَوَاهُ عَلَى الْأَصَحِّ (وَاخْتَارَ) أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيُّ (ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ أَلْفَاظَ الْكِنَايَاتِ مَعَ دَلَالَةِ الْحَالِ) كَمَا لَوْ نَشَأَتْ عَنْ خُصُومَةٍ (صَرَائِحُ) لِاسْتِحَالَةِ إرَادَةِ عَكْسِ الْمَفْهُومِ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمُشْكَلِ " التَّعْرِيضُ تَسْتَعْمِلُهُ الْعَرَبُ فِي كَلَامِهِمْ كَثِيرًا، فَتَبْلُغُ بِهِ إرَادَتَهَا بِوَجْهٍ لَطِيفٍ أَحْسَنَ مِنْ الْكَشْفِ وَالتَّصْرِيحِ؛ وَبِذَلِكَ يَقُولُ: إيَّاكَ - أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةُ.
فَقَرِينَةُ الْحَالِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ تُحِيلُ الْمَعَانِيَ وَتَصْرِفُهَا عَنْ مَوْضِعِهَا لِعَدَمِ إمْكَانِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ التَّعْرِيضُ هُنَا كَالتَّصْرِيحِ، لِظُهُورِ دَلَالَةِ الْحَالِ فِيهِ.
وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلَيْنِ اسْتَبَّا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: وَاَللَّهِ مَا أَنَا بِزَانٍ وَمَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ، فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ قَائِلٌ: مَدَحَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: قَدْ كَانَ لِأُمِّهِ وَأَبِيهِ مَدِيحٌ سِوَى هَذَا؛ نَرَى أَنْ يَجْلِدَهُ الْحَدَّ، فَجَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ ثَمَانِينَ.
وَقَدْ ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ " فِي طَرِيقِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اُشْتُهِرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ،
وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مُخَالِفٌ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، فَأَمَّا فِي غَيْرِ حَالَةِ الْخُصُومَةِ، وَلَا وُجِدَتْ قَرِينَةٌ؛ فَلَا يَكُونُ قَذْفًا، قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْوَجِيزِ " وَمَا تَقَدَّمَ هُوَ الْمَذْهَبُ.
(وَيُعَزَّرُ بِقَوْلِهِ: يَا كَافِرُ يَا فَاسِقُ يَا فَاجِرُ يَا حِمَارُ يَا تَيْسُ يَا رَافِضِيُّ وَيَا خَبِيثَ الْبَطْنِ أَوْ) (يَا خَبِيثَ الْفَرْجِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ يَا ظَالِمُ يَا كَذَّابُ) يَا سَارِقُ يَا مُنَافِقُ يَا أَعْوَرُ يَا أَقْطَعُ يَا أَعْمَى يَا مُقْعَدُ يَا ابْنَ الزَّمِنِ الْأَعْمَى الْأَعْرَجِ (يَا خَائِنُ يَا شَارِبَ الْخَمْرِ يَا قَرْنَانُ يَا دَيُّوثُ) وَهُوَ الَّذِي يُقِرُّ السُّوءَ عَلَى أَهْلِهِ، وَقِيلَ الَّذِي يَدْخُلُ الرِّجَالُ عَلَى امْرَأَتِهِ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ الَّذِي لَا غَيْرَةَ لَهُ (يَا كَشْخَان) بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا الدَّيُّوثُ، قَالَهُ الْحَجَّاوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ (يَا قَرْطَبَانُ) قَالَ ثَعْلَبٌ: الْقَرْطُبَانُ الَّذِي يَرْضَى أَنْ يَدْخُلَ الرِّجَالُ عَلَى نِسَائِهِ، وَقَالَ: الْقَرْنَانُ وَالْكَشْخَانُ لَمْ أَرَهُمَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمَعْنَاهُمَا عِنْدَ الْعَامَّةِ مِثْلُ مَعْنَى الدَّيُّوثِ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ (وَبِكُلِّ لَفْظٍ أَشْعَرَ بِالسَّبِّ كَيَا جَائِرُ يَا مُرَائِي يَا قَوَّادُ) ، وَهُوَ عِنْدَ الْعَامَّةِ السِّمْسَارُ فِي الزِّنَا، وَيَا مُعَرِّصُ يَا عَرِصَةُ، وَيَنْبَغِي فِيهِمَا بِحَسَبِ الْعُرْفِ أَنْ يَكُونَا صَرِيحَيْنِ، وَيَا حَرُورِيُّ نِسْبَةً إلَى الْحَرُورِيَّةِ فِرْقَةٍ مِنْ الْخَوَارِجِ (وَكَذَا) ؛ أَيْ: وَمِثْلُهُ فِي الْحُكْمِ قَوْلُ شَخْصٍ لِآخَرَ (يَا مُخَنَّثُ يَا عِلْقُ يَا مَأْبُونُ) ؛ أَيْ: مَعْيُوبُ، وَفِي عُرْفِ زَمَنِنَا مَنْ بِهِ دَاءٌ فِي دُبُرِهِ.
(وَيَتَّجِهُ أَنَّهَا) ؛ أَيْ: هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الثَّلَاثَةَ لَيْسَتْ بِصَرَائِحَ، بَلْ هِيَ كِنَايَةٌ لِأَنَّهَا لَا تُعْطِي أَنْ يَفْعَلَ بِمُقْتَضَاهَا إلَّا بِقَوْلِ آخَرَ يَدُلُّ عَلَى الْفِعْلِ، كَقَوْلِهِ لِلْمَرْأَةِ يَا شَبِقَةُ يَا مُغْتَلِمَةُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا عَالِمُ يَا فَاضِلُ يَا كَرِيمُ إنْ كَانَ أَهْلًا) لِهَذِهِ الصِّفَاتِ فَهُوَ مَدْحٌ، (وَإِلَّا) يَكُنْ أَهْلًا (فَ) هُوَ (اسْتِهْزَاءٌ) فَيُعَزَّرُ خُصُوصًا مَعَ الْخِصَامِ؛
لِاقْتِضَاءِ قَرِينَةِ الْحَالِ إرَادَةَ عَكْسِ الْمَفْهُومِ مِنْ اللَّفْظِ.
(وَ) قَالَ (فِي الرِّعَايَةِ " مَنْ قَالَ لِظَالِمِ ابْنِ ظَالِمٍ جَبَرَكَ اللَّهُ وَيَرْحَمُ سَلَفَك احْتَمَلَ الْمَدْحَ) لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ (وَ) احْتَمَلَ (التَّهَزُّؤُ وَأَنَّهُ) ؛ أَيْ: التَّهَزُّؤُ؛ (أَظْهَرُ مِنْهُ؛ فَيُعَزَّرُ) لِعَدَمِ إمْكَانِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ.
[فَصْلٌ قَذَفَ أَهْلَ بَلْدَةٍ]
فَصْلٌ (وَمَنْ قَذَفَ أَهْلَ بَلْدَةٍ) عُزِّرَ (أَوْ) قَذَفَ (جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ الزِّنَا مِنْهُمْ عَادَةً) عُزِّرَ؛ لِأَنَّهُ لَا عَارَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ؛ لِلْقَطْعِ بِكَذِبِ الْقَاذِفِ (أَوْ اخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: الْكَاذِبُ ابْنُ الزَّانِيَةِ؛ عُزِّرَ، وَلَا حَدَّ) عَلَيْهِ نَصًّا؛ لِعَدَمِ تَعْيِينِ الْقَاذِفِ (كَقَوْلِهِ مَنْ رَمَانِي بِالزِّنَا فَهُوَ ابْنُ الزَّانِيَةِ) وَيُعَزَّرُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " لَكِنْ يُتَوَجَّهُ أَنَّهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَحْرِيمِ غِيبَةِ أَهْلِ قَرْيَةٍ لَا أَحَدَ هَؤُلَاءِ.
أَوْ وَصَفَ رَجُلًا بِمَكْرُوهٍ لِمَنْ لَا يَعْرِفُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَذَّى غَيْرُ الْمُعَيَّنِ، كَقَوْلِهِ فِي الْعَالِمِ مَنْ يَزْنِي وَنَحْوَهُ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ بَعْدَ الْبَحْثِ.
(وَمَنْ قَالَ لِمُكَلَّفٍ: اقْذِفْنِي، فَقَذَفَهُ؛ لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْحَدَّ (حَقٌّ لَهُ) ؛ أَيْ: الْمَقْذُوفِ وَقَدْ سَقَطَ بِالْإِذْنِ فِيهِ (وَعُزِّرَ) لِفِعْلِهِ مَعْصِيَةً، وَ (لِأَنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُشْتَمَ أَوْ يُغْتَابَ أَوْ يُجْنَى عَلَيْهِ وَنَحْوَهُ) كَمَا لَوْ تَصَدَّقَ بِعَرْضِهِ عَلَى النَّاسِ؛ لَمْ يَمْلِكْهُ وَلَمْ يُبَحْ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ.
(وَلَيْسَ لِوَلَدِ مُحْصَنٍ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (قُدِفَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (مُطَالَبَةٌ) عَلَى قَاذِفِ وَالِدِهِ (مَا دَامَ وَالِدُهُ) أَيْ وَالِدُ الْمَقْذُوفِ (حَيًّا) ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ مَوْجُودٌ؛ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ الْمُطَالَبَةُ بِدُونِ تَوْكِيلِهِ.
(فَإِنْ مَاتَ) مَقْذُوفٌ (وَلَمْ يُطَالِبْ) قَاذِفًا (بِهِ) ؛ أَيْ: الْحَدِّ (سَقَطَ) كَالشَّفِيعِ إذَا مَاتَ قَبْلَ طَلَبِ الشُّفْعَةِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ طَالَبَ بِهِ مَقْذُوفٌ قَبْلَ مَوْتِهِ (فَلَا) يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ بِمُطَالَبَةِ الْمَيِّتِ قَبْلَ مَوْتِهِ عُلِمَ أَنَّهُ قَائِمٌ عَلَى حَقِّهِ؛ فَقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ.
(وَهُوَ) ؛ أَيْ: حَدُّ الْقَذْفِ حَقٌّ (لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ وَلَوْ زَوْجًا) أَوْ زَوْجَةً (كَإِرْثٍ) لِأَنَّهُ حَقٌّ وُرِثَ عَنْ الْمَيِّتِ؛ فَاشْتَرَكَ فِيهِ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (فَلَوْ عَفَا بَعْضُهُمْ) ؛ أَيْ: الْوَرَثَةِ (حُدَّ لِبَاقٍ) مِنْ الْوَرَثَةِ الَّذِي لَمْ يَعْفُ (كَامِلًا) لِلُحُوقِ الْعَارِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ، وَلِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ لَا يَسْقُطُ إلَى بَدَلٍ؛ فَلَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمْ إسْقَاطَ حَقِّ غَيْرِهِ؛ فَوَجَبَ لِمَنْ لَمْ يَعْفُ كَامِلًا، كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ الْمَقْذُوفُ قَبْلَ مَوْتِهِ
(وَمَنْ قَذَفَ مَيِّتًا، وَلَوْ) كَانَ الْمَيِّتُ (غَيْرَ مُحْصَنٍ؛ حُدَّ) قَاذِفٌ (بِطَلَبِ وَارِثٍ مُحْصَنٍ خَاصَّةً) لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْعَارِ؛ فَاعْتُبِرَ إحْصَانُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْمَقْذُوفَ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ شُرِعَ لِلتَّشَفِّي بِسَبَبِ الطَّعْنِ وَالْفَرِيَّةِ، وَكَمَا يَلْحَقُ الْعَارُ بِقَذْفِهِ كَذَلِكَ يَلْحَقُ الْعَارُ وَارِثَ الْمَيِّتِ بِقَذْفِ مُوَرِّثِهِ؛ لِأَنَّهُ طَعْنٌ فِي أَصْلِهِ الَّذِي يَسْتَنِدُ إلَيْهِ؛ فَثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ رَفْعًا لِلْعَارِ عَنْهُ.
(وَمَنْ قَذَفَ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ) - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كُفِّرَ (أَوْ) قَذَفَ (أُمَّهُ) ؛ أَيْ: أُمَّ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (كُفِّرَ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّعْرِيضِ لِلْقَدْحِ بِالنُّبُوَّةِ الْمُوجِبِ لِلْكُفْرِ (وَقُتِلَ) حَتَّى (وَلَوْ تَابَ) نَصًّا؛ لِأَنَّ تَوْبَتَهُ لَا تُقْبَلُ ظَاهِرًا (أَوْ كَانَ) الْقَاذِفُ فِي الصُّورَتَيْنِ (كَافِرًا مُلْتَزِمًا) لِأَحْكَامِنَا (فَأَسْلَمَ) بَعْدَ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ هَا هُنَا حَدٌّ لِلْقَذْفِ.
وَحَدُّ الْقَذْفِ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ كَقَذْفِ غَيْرِهِمَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ لَسَقَطَ حَدُّهُ الَّذِي هُوَ الْقَتْلُ؛ فَيَصِيرُ
أَحَقَّ حُكْمًا مِنْ قَذْفِ آحَادِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ حَدَّ غَيْرِهِمْ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَيُسْتَوْفَى مِنْهُ الْحَدُّ مَعَ تَوْبَتِهِ، وَكَوْنِهِ يُقْتَلُ - وَلَوْ قَذَفَ وَهُوَ كَافِرٌ ثُمَّ أَسْلَمَ - لِأَنَّ الْقَتْلَ هُوَ حَدُّ قَذْفِ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَّهَاتِهِمْ؛ فَلَا يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ كَحَدِّ غَيْرِهِمْ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَذْفُ نِسَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَقَذْفِهِ؛ لِقَدْحِهِ فِي دِينِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُلْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا قَبْلَ عِلْمِهِ بَرَاءَتَهَا وَأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِإِمْكَانِ الْمُفَارَقَةِ فَتَخْرُجُ بِهَا مِنْهُنَّ، وَتَحِلُّ لِغَيْرِهِ.
وَلَا يُقْتَلُ كَافِرٌ سَبَّ نَبِيًّا بِغَيْرِ الْقَذْفِ ثُمَّ أَسْلَمَ؛ لِأَنَّ سَبَّ اللَّهِ تَعَالَى يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ، فَسَبُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى، وَتَقَدَّمَ آخِرَ بَابِ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ (وَلَا يُكَفَّرُ مَنْ قَذَفَ أَبَا شَخْصٍ إلَى آدَم) نَصًّا وَسَأَلَهُ حَرْبٌ عَنْ رَجُلٍ افْتَرَى عَلَى رَجُلٍ، فَقَالَ يَا ابْنَ كَذَا وَكَذَا إلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ، فَعَظَّمَهُ جِدًّا، وَقَالَ عَنْ الْحَدِّ لَمْ يَبْلُغْنِي فِيهِ شَيْءٌ، وَذَهَبَ إلَى حَدٍّ وَاحِدٍ.
(وَيَتَّجِهُ أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يُكَفَّرُ مَنْ (لَعَنَ شَرِيفًا وَأَجْدَادَهُ، أَوْ) لَعَنَ رَجُلًا (مُخْتَلَفٌ فِي نُبُوَّتِهِ كَالْخَضِرِ وَلُقْمَانَ) - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - إذَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ غَيْظًا أَوْ سَفَهًا أَوْ عَبَثًا وَلَعْنًا كَسَبِّ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - سَبًّا لَا يَقْدَحُ فِي دِينِهِمْ أَوْ عَدَالَتِهِمْ كَسَبِّهِ أَحَدَهُمْ أَوْ إيَّاهُ سَبًّا يَقْصِدُ غَيْظَهُ وَالْكَذِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْغِيبَةَ لَهُمْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ الَّتِي عَلَّمَ اللَّهِ تَحْرِيمَهَا؛ فَإِنَّهُ مِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مُسْتَحِلًّا؛ كُفِّرَ، لِأَنَّ اقْتِرَانَ السَّبِّ مَعَ اعْتِقَادِ حِلِّهِ كُفْرٌ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً يُتَصَوَّرُ زِنَاهُمْ عَادَةً بِكَلِمَةٍ) وَاحِدَةٍ كَقَوْلِهِ هُمْ زُنَاةٌ
(وَيَتَّجِهُ وَلَوْ كَرَّرَهَا) ؛ أَيْ: الْكَلِمَةَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فَطَالَبُوهُ) كُلُّهُمْ وَلَوْ مُتَفَرِّقِينَ (أَوْ) طَالَبَهُ (أَحَدُهُمْ) (فَ) عَلَيْهِ (حَدٌّ وَاحِدٌ) فَيُحَدُّ لِمَنْ طَلَبَهُ ثُمَّ لَا حَدَّ بَعْدَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] الْآيَةَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَنْ قَذَفَ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً، وَلِأَنَّهُ قَذْفٌ وَاحِدٌ فَلَا يَجِبُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ حَدٍّ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وَجَبَ بِإِدْخَالِ الْمَعَرَّةِ عَلَى الْمَقْذُوفِ بِقَذْفِهِ، وَبِحَدٍّ وَاحِدٍ يَظْهَرُ كَذِبُ هَذَا الْقَاذِفِ وَتَزُولُ الْمَعَرَّةُ؛ فَوَجَبَ أَنْ يُكْتَفَى بِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَذَفَ كُلًّا مِنْهُمْ قَذْفًا مُنْفَرِدًا، فَإِنَّ كَذَّبَهُ فِي قَذْفِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَذِبُهُ فِي قَذْفِ آخَرَ، وَلَا تَزُولُ الْمَعَرَّةُ، وَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِإِسْقَاطِ أَحَدِهِمْ؛ فَلِغَيْرِهِ الطَّلَبُ؛ لِأَنَّ الْمَعَرَّةَ لَمْ تَزُلْ عَنْهُ بِعَفْوِ صَاحِبِهِ.
(وَ) إنْ قَذَفَهُمْ (بِكَلِمَاتٍ) بِأَنْ قَذَفَ (كُلَّ وَاحِدٍ بِكَلِمَةٍ) ؛ أَيْ: جُمْلَةٍ (فَ) عَلَيْهِ (لِكُلِّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ (حَدٌّ) ؛ لِتَعَدُّدِ الْقَذْفِ وَتَعَدُّدِ مَحِلِّهِ، كَمَا لَوْ قَذَفَ كُلًّا مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْذِفَ الْآخَرَ.
(وَمَنْ حُدَّ لِقَذْفٍ، ثُمَّ أَعَادَهُ) ؛ أَيْ: الْقَذْفَ عُزِّرَ لِأَنَّهُ قَذْفٌ وَاحِدٌ حُدَّ لَهُ؛ فَلَا يُعَادُ كَمَا لَوْ أَعَادَهُ قَبْلَ الْحَدِّ أَوْ أَعَادَ مُلَاعِنٌ الْقَذْفَ (بَعْدَ لِعَانِهِ؛ عُزِّرَ، وَلَا) يُعَادُ (لِعَانٌ) لِأَنَّهُ قَذْفٌ وَاحِدٌ لَاعَنَ عَلَيْهِ مَرَّةً، كَمَا لَوْ أَعَادَهُ قَبْلَ اللِّعَانِ، (وَ) إنْ قَذَفَ (بِزِنًا آخَرَ) غَيْرَ الَّذِي حُدَّ لَهُ (حُدَّ مَعَ طُولِ الزَّمَنِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَحُرْمَةُ الْمَقْذُوفِ لَا تَسْقُطُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَاذِفِ أَبَدًا بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ قَذْفِهِ بِكُلِّ حَالٍ (وَإِلَّا) يَطُلْ الزَّمَنُ بَيْنَ الْحَدِّ الْأَوَّلِ وَالْقَذْفِ الثَّانِي (فَلَا) يُحَدُّ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ حُدَّ مَرَّةً فَلَمْ يُحَدَّ لَهُ بِالْقَذْفِ (عَقِبَهُ) كَمَا لَوْ قَذَفَهُ بِالزِّنَا الْأَوَّلِ.
[تَتِمَّةٌ وُجُوبُ التَّوْبَةُ فَوْرًا مِنْ الْقَذْفِ وَالْغَيْبَةِ وَغَيْرِهِمَا]
تَجِبُ التَّوْبَةُ فَوْرًا مِنْ الْقَذْفِ وَالْغَيْبَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا
مِنْ ذَلِكَ إعْلَامُ مَقْذُوفٍ أَوْ مُغْتَابٍ وَنَحْوِهِمَا.
نَقَلَ مُهَنَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلِمَهُ؛ لِأَنَّ فِي إعْلَامِهِ دُخُولَ غَمٍّ عَلَيْهِ وَزِيَادَةَ إيذَاءٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: يَحْرُمُ عَلَى الْقَاذِفِ وَنَحْوِهِ إعْلَامُ مَقْذُوفٍ وَمُغْتَابٍ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الصَّحِيحُ لَا يَجِبُ الِاعْتِرَافُ لِلْمَظْلُومِ، وَلَوْ سَأَلَهُ فَيُعَرِّضُ فِي إنْكَارِهِ حِذَارًا (مِنْ الْكَذِبِ - وَلَوْ مَعَ اسْتِحْلَافِهِ - لِأَنَّهُ مَظْلُومٌ؛ لِصِحَّةِ تَوْبَتِهِ فَيَنْفَعُهُ التَّأْوِيلُ وَمَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ وَإِلَّا لَكَانَ تَعْرِيضُهُ فِي الْإِنْكَارِ كَذِبٌ، وَيَمِينُهُ غَمُوسٌ، لِأَنَّهُ ظَالِمٌ) فَلَا يَنْفَعُهُ تَعْرِيضُهُ.
وَقَالَ أَيْضًا: وَاخْتَارَ أَصْحَابُنَا لَا يُعْلِمُهُ، بَلْ يَدْعُو لَهُ فِي مُقَابَلَةِ مَظْلَمَتِهِ.
وَقَالَ: وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَتَمْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ أَوْ شَتَمْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً» . الْحَدِيثَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَيْضًا: زِنَاهُ بِزَوْجَةِ غَيْرِهِ كَالْغِيبَةِ.
وَذَكَرَ فِي " الْغُنْيَةِ " إنْ تَأَذَّى بِمَعْرِفَتِهِ كَزِنَاهُ بِجَارِيَتِهِ أَوْ أَهْلِهِ وَغِيبَتُهُ بِعَيْبٍ خَفِيٍّ يَعْظُمُ أَذَاهُ، فَهُنَا لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى أَنْ يَسْتَحِلَّهُ، وَيَبْقَى لَهُ عَلَيْهِ مَظْلِمَةٌ فَيَجْبُرُهَا بِالْحَسَنَاتِ كَمَا تُجْبَرُ مَظْلِمَةُ الْمَيِّتِ وَالْغَائِبِ، وَلَوْ أَعْلَمَهُ بِمَا فَعَلَ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ، فَحَلَّلَهُ فَهُوَ كَإِبْرَاءٍ مِنْ مَجْهُولٍ بِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ.
[بَابُ حَدِّ الْمُسْكِرِ]
ِ السُّكْرُ اخْتِلَاطُ الْعَقْلِ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: السَّكْرَانُ خِلَافُ الصَّاحِي، وَالْجَمْعُ سَكْرَى وَسَكَارَى بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِهَا وَالْمَرْأَةُ سَكْرَى، وَلُغَةُ بَنِي أَسَدٍ سَكْرَانَةُ، وَالْمُسْكِرُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَسْكَرَ الشَّرَابُ إذَا جَعَلَ صَاحِبَهُ سَكْرَانَ، أَوْ كَانَ فِيهِ قُوَّةٌ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ وَمَا نُقِلَ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ وَأَبِي جَنْدَلِ بْنِ سَهْلِ أَنَّهَا حَلَالٌ فَمَرْجُوعٌ عَنْهُ، نَقَلَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا، وَسَنَدُهُمَا قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: 90] الْآيَةَ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» وَفِي لَفْظِ «كُلُّ مُسْكَرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٌ خَمْرٌ يَحْرُمُ شُرْبُ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءً كَانَ مِنْ الْعِنَبِ أَوْ مِنْ الشَّعِيرِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ.
لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ، قَالَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ إنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ مِنْ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ) شَرِبَ الْمُسْكِرَ (لِعَطَشٍ) لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ رَيٌّ بَلْ مَا فِيهِ مِنْ الْحَرَارَةِ يَزِيدُ الْعَطَشَ (بِخِلَافِ مَاءٍ نَجَسٍ) فَيَجُوزُ شُرْبُهُ لِعَطَشٍ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبَرْدِ وَالرُّطُوبَةِ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِدَوَاءٍ (إلَّا لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا؛ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ) ؛ أَيْ: الْمُسْكِرِ (وَخَافَ تَلَفًا) فَيَجُوزُ، لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ (وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْخَمْرِ فِي دَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا (بَوْلٌ) لِوُجُوبِ الْحَدِّ بِاسْتِعْمَالِ الْمُسْكِرِ دُونَ الْبَوْلِ (أَوْ) يُقَدَّمُ (عَلَيْهِمَا) ؛ أَيْ الْمُسْكِرِ وَالْبَوْلِ.
(أَوْ) شُرْبُ (مَا خُلِطَ بِهِ) ؛ أَيْ: الْمُسْكِرِ (وَلَمْ يُسْتَهْلَكْ) الْمُسْكِرُ (فِيهِ) ؛ أَيْ: الْمَاءِ؛ (حُدَّ) ؛ فَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ فِي الْمَاءِ فَلَا حَدَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْلُبْ عَنْ الْمَاءِ اسْمَهُ (أَوْ أُسْقِطَ) بِمُسْكِرٍ (أَوْ احْتَقَنَ بِهِ، أَوْ أَكَلَ عَجِينًا لُتَّ بِهِ) ؛ أَيْ: الْمُسْكِرِ، لَا إنْ خُبِزَ فَأَكَلَهُ (مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ) لَا صَغِيرٌ وَمَجْنُونٌ (عَالِمًا أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ وَيُصَدَّقُ إنْ قَالَ لَمْ أَعْلَمْ بِهِ) أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ (مُخْتَارًا) لِشُرْبِهِ.
(فَإِنْ
أُكْرِهَ عَلَيْهِ لَمْ يُحَدَّ لِحِلِّهِ) ؛ أَيْ: الْمُسْكِرِ (لِمُكْرَهٍ) عَلَى شُرْبِهِ بِإِلْجَاءٍ أَوْ وَعِيدٍ مِنْ قَادِرٍ؛ لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ) . (وَصَبْرُهُ) أَيْ: الْمُكْرَهِ عَنْ شُرْبِ مُسْكِرٍ (عَلَى الْأَذَى أَفْضَلُ) مِنْ شُرْبِهَا مُكْرَهًا نَصًّا، وَكَذَا كُلُّ مَا جَازَ لِمُكْرَهٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
(وَيَتَّجِهُ أَنَّهُ) لَا يَجُوزُ لِمَنْ أُكْرِهَ عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ تَرْكُهُ (إنْ أَدَّى الْإِكْرَاهُ إلَى قَتْلِهِ) بَلْ إذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّخَلُّفُ اسْتِبْقَاءً لِنَفْسِهِ وَإِنْجَاءً لَهَا مِنْ التَّهْلُكَةِ (بِخِلَافِهِ) ؛ أَيْ: الْإِكْرَاهِ عَلَى الدُّخُولِ (فِي الْكُفْرِ) فَإِنَّ صَبْرَهُ عَلَى الْأَذَى وَتَلَقِّيَ الْقَضَاءِ بِالرِّضَا أَفْضَلُ، وَلَوْ أَدَّى إلَى قَتْلِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (أَوْ وُجِدَ) مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ (سَكْرَانُ أَوْ تُقَيَّأهَا بِهِ) ؛ أَيْ: الْخَمْرَ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ.
(وَيَتَّجِهُ) الْقَوْلُ بِلُزُومِ هَذَا الْحُكْمِ (فِي) وُجُودِ سُكْرٍ أَوْ قَيْءٍ مِنْ شَخْصٍ (مُرْتَابٍ) ؛ أَيْ: مُتَّهَمٍ (بِشُرْبِهَا) ؛ أَيْ الْخَمْرِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِلرِّيبَةِ وَوُجِدَ عَلَى هَذَا الْحَالِ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي الْإِغْضَاءُ عَنْهُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ شَرِبَهَا جَاهِلًا أَنَّهَا خَمْرٌ أَوْ مُكْرَهًا عَلَى شُرْبِهَا، وَفِي كُلُّ شُبْهَةٍ يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (حُدَّ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْكَرْ أَوْ يَتَقَيَّأْهَا إلَّا وَقَدْ شَرِبَهَا (حُرٌّ) وُجِدَ مِنْهُ شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ (ثَمَانِينَ) جَلْدَةً؛ لِمَا رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: اجْعَلْهُ كَأَخَفِّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَضَرَبَ عُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكَتَبَ بِهِ إلَى خَالِدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بِالشَّامِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَشُورَةِ إنَّهُ إذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَحُدُّوهُ حَدَّ الْمُفْتَرِي.
وَحَدُّ (قِنٍّ) فِيمَا تَقَدَّمَ (نِصْفُهَا) ؛ أَيْ: أَرْبَعِينَ جَلْدَةً ذَكَرًا كَانَ أَوْ
أُنْثَى، وَلَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ (وَلَوْ ادَّعَى) شَارِبٌ وَنَحْوُهُ حُرًّا كَانَ أَوْ قِنًّا (جَهْلَ وُجُوبِ الْحَدِّ) حَيْثُ عَلِمَ التَّحْرِيمَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزِّنَا.
(وَيُعَزَّرُ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رَائِحَتُهَا) ؛ أَيْ: الْخَمْرِ، وَلَا يُحَدُّ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ بِهَا، أَوْ ظَنَّهَا مَاءً، فَلَمَّا صَارَتْ فِي فِيهِ مَجَّهَا وَنَحْوَهُ (أَوْ) أَيْ: وَيُعَزَّرُ مَنْ (حَضَرَ شُرْبَهَا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا كُلُّ مَنْ حَضَرَ) وَهُوَ مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ (مَجْلِسًا مُحَرَّمًا) كَمَجْلِسٍ لِاسْتِمَاعِ آلَةِ لَهْوٍ أَوْ لَعِبٍ بِشِطْرَنْجٍ أَوْ نَرْدٍ وَنَحْوِهِ؛ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ؛ لِإِقْرَارِهِ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَلَا حَدَّ عَلَى شَارِبِ خَمْرٍ جَهِلَ تَحْرِيمَهَا؛ لِقَوْلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ لَا حَدَّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ.
وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ مَنْ شَرِبَهَا غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّهَا خَمْرٌ (وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْجَهْلِ) بِالتَّحْرِيمِ (مِمَّنْ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْفَى، بِخِلَافِ حَدِيثِ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ وَنَاشِئٍ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْإِسْلَامِ؛ فَيُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ.
(وَلَا حَدَّ عَلَى كَافِرٍ) وَلَوْ ذِمِّيًّا (لِشُرْبِ) خَمْرٍ لِاعْتِقَادِهِ حِلَّهُ كَنِكَاحِ مَجُوسِيٍّ ذَاتَ مَحْرَمٍ.
(وَيَثْبُتُ) شُرْبُ مُسْكِرٍ (بِإِقْرَارٍ بِهِ مَرَّةً كَقَذْفٍ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَتَضَمَّنُ إتْلَافًا، بِخِلَافِ زِنًا وَسَرِقَةٍ (وَ) كَذَا حَدُّ (قَوَدٍ) فَيَثْبُتُ بِإِقْرَارٍ بِهِ مَرَّةً؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ (أَوْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ) عَلَى الشُّرْبِ أَوْ الْإِقْرَارِ بِهِ (وَلَوْ لَمْ يَقُولَا) شَرِبَ (مُخْتَارًا عَالِمًا تَحْرِيمَهُ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَتَقَدَّمَ يُقْبَلُ رُجُوعُ مُقِرٌّ بِهِ؛ فَلَا يُحَدُّ.
(وَيَحْرُمُ وَيَنْجَسُ عَصِيرُ) عِنَبٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ رُمَّانٍ (غَلَى) كَغَلَيَانِ الْقِدْرِ؛ بِأَنْ قَذَفَ بِزَبَدِهِ نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ
يَسْكَرْ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ الشِّدَّةُ الْحَادِثَةُ فِيهِ، وَهِيَ تُوجَدُ بِوُجُودِ الْغَلَيَانِ، فَإِذَا غَلَى حَرُمَ.
لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصُومُ فَتَحَيَّنْتُ فِطْرَهُ بِنَبِيذٍ صَنَعْتُهُ فِي دُبَّاءَ ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِهِ، فَإِذَا هُوَ يَنِشُّ، فَقَالَ: اضْرِبْ بِهَذَا الْحَائِطَ، فَإِنَّ هَذَا شُرْبُ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَيَحْرُمُ عَصِيرٌ (أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ) وَإِنْ لَمْ يُغْلَ نَصًّا؛ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَشْرَبُهُ إلَى مَسَاءِ ثَلَاثَةٍ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى الْخَدَمَ، أَوْ يُهْرَاقُ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى الشَّالَنْجِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «اشْرَبُوا الْعَصِيرَ ثَلَاثَةً مَا لَمْ يَغْلِ» ) وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الْعَصِيرِ: أَشْرَبُهُ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ شَيْطَانُهُ.
قِيلَ وَفِي كَمْ يَأْخُذُهُ شَيْطَانُهُ؟ قَالَ فِي ثَلَاثَةٍ.
حَكَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَلِأَنَّ الشِّدَّةَ تَحْصُلُ فِي ثَلَاثٍ غَالِبًا، وَهِيَ خَفِيَّةٌ تَحْتَاجُ إلَى ضَابِطٍ، وَالثَّلَاثُ تَصْلُحُ لِذَلِكَ؛ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا بِهَا.
(وَإِنْ طُبِخَ) الْعَصِيرُ (قَبْلَ تَحْرِيمِهِ) ؛ أَيْ: قَبْلَ غَلَيَانِهِ وَقَبْلَ إتْيَانِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ عَلَيْهِ (حَلَّ إنْ ذَهَبَ) بِطَبْخِهِ (ثُلُثَاهُ) فَأَكْثَرُ نَصًّا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ يَشْرَبُ مِنْ الطِّلَاءِ مَا بَقِيَ ثُلُثُهُ وَذَهَبَ ثُلُثَاهُ.
رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَلَهُ مِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَلِأَنَّ الْعَصِيرَ إنَّمَا يَغْلِي لِمَا فِيهِ مِنْ الرُّطُوبَةِ، فَإِذَا غَلَى عَلَى النَّارِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ فَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ رُطُوبَتِهِ، فَلَا يَكَادُ يَغْلِي، وَإِذَا لَمْ يَغْلِ لَمْ تَحْصُلْ فِيهِ الشِّدَّةُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالرُّبَّى، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ حِينَ قَالَ لَهُ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ يُسْكِرُ، فَقَالَ: لَوْ كَانَ يُسْكِرُ مَا أَحَلَّهُ عُمَرُ.
(وَلَا) يَحِلُّ عَصِيرٌ طُبِخَ فَذَهَبَ بِطَبْخِهِ (أَقَلُّ) مِنْ ثُلُثَيْهِ (خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ) وَالشَّارِحِ فَإِنَّهُمَا اعْتَبَرَا فِي حِلِّهِ عَدَمَ إسْكَارِهِ؛ سَوَاءٌ ذَهَبَ بِطَبْخِهِ ثُلُثَاهُ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ
[تَنْبِيهٌ النَّبِيذُ مُبَاحٌ مَا لَمْ يَغْلِ أَوْ تَأْتِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا]
، وَهُوَ مَاءٌ يُلْقَى فِيهِ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ أَوْ عُنَّابٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ لِيُحَلُّوا بِهِ الْمَاءَ، وَتَذْهَبَ مُلُوحَتُهُ.
رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَنْقَعُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزَّبِيبَ فَيَشْرَبُهُ الْيَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ إلَى مَسَاءِ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ فَيُسْقَى ذَلِكَ الْخَدَمَ أَوْ يُهْرَاقُ» .
وَقَوْلُهُ إلَى مَسَاءِ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ يَكُونُ قَبْلَ تَمَامِ الثَّلَاثِ بِقَلِيلٍ، فَيُسْقَى ذَلِكَ الْخَدَمُ إنْ شَاءَ أَوْ يَشْرَبُهُ أَوْ يُهْرَاقُ قَبْلَ أَنْ تَتِمَّ عَلَيْهِ الثَّلَاثُ لِيُنْبَذَ غَيْرُهُ فِي وِعَائِهِ، فَإِنْ طُبِخَ قَبْلَ غَلَيَانِهِ حَتَّى صَارَ غَيْرَ مُسْكِرٍ كَرِبَ الْخَرُّوبِ وَغَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ إذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ، وَذَهَبَ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعَصِيرِ.
(وَوَضْعُ زَبِيبٍ فِي خَرْدَلٍ كَعَصِيرٍ؛ فَيَحْرُمُ إنْ غَلَى وَنَحْوُهُ) كَأَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ (وَإِنْ صُبَّ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى زَبِيبٍ فِي خَرْدَلٍ (خَلٌّ قَبْلَ ذَلِكَ) ، أَيْ قَبْلَ أَنْ يَغْلِيَ، أَوْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ (أُكِلَ) وَلَوْ بَعْدَ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّ الْخَلَّ يَمْنَعُ غَلَيَانَهُ.
(وَيُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ كَنَبِيذِ تَمْرٍ مَعَ زَبِيبٍ) أَوْ بُسْرٍ مَعَ تَمْرٍ أَوْ رُطَبٍ (وَكَذَا) نَبِيذُ (مُذْنِبٍ) ؛ أَيْ: مَا نِصْفُهُ بُسْرٌ وَنِصْفُهُ رُطَبٌ (وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ كَنَبِيذِ بُسْرٍ مَعَ رُطَبٍ (لِمَا رَوَى جَابِرٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا» ) رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَخْلِطَ بُسْرًا بِتَمْرٍ، وَزَبِيبًا بِتَمْرٍ، أَوْ زَبِيبًا بِبُسْرٍ، وَقَالَ: مَنْ شَرِبَهُ مِنْكُمْ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا أَوْ تَمْرًا فَرْدًا أَوْ بُسْرًا فَرْدًا» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يَنْقَعُ الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ الْهِنْدِيَّ وَالْعُنَّابَ وَنَحْوَهُ يَنْقَعُهُ غُدْوَةً وَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً لِلدَّوَاءِ: أَكْرَهُهُ؛ لِأَنَّهُ يُنْبَذُ، وَلَكِنْ يَطْبُخُهُ وَيَشْرَبُ عَلَى الْمَكَانِ.
وَ (لَا) يُكْرَهُ (وَضْعُ تَمْرٍ وَحْدَهُ أَوْ) وَضْعُ (زَبِيبٍ أَوْ) وَضْعُ