مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 136-175
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ

صفحات 136-175
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

[بَابُ الْعَاقِلَةِ وَمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ مِنْ الدِّيَةِ]

(وَهِيَ) أَيْ: الْعَاقِلَةُ (مَنْ غَرِمَ ثُلُثَ دِيَةِ ذَكَرٍ مُسْلِمٍ فَأَكْثَرَ) مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ (بِسَبَبِ جِنَايَةِ غَيْرِهِ) ؛ أَيْ: الْغَارِمِ، سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْقِلُونَ، يُقَالُ: عَقَلْتُ فُلَانًا إذَا أَعْطَيْتُ دِيَتَهُ، وَعَقَلْتُ عَنْ فُلَانٍ إذَا غَرِمْت عَنْهُ دِيَةَ جِنَايَةٍ، وَأَصْلُهُ مِنْ عَقْلِ الْإِبِلِ وَهِيَ الْحِبَالُ الَّتِي تُثْنَى بِهَا أَيْدِيهَا ذَكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَقِيلَ مِنْ الْعَقْلِ؛ أَيْ: الْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ عَنْ الْقَاتِلِ، أَوْ؛ لِأَنَّهَا تَعْقِلُ لِسَانَ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ، وَلَمَّا عَرَّفَ الْعَاقِلَةَ بِالْحُكْمِ الْمُنْتَقَدِ بِالدَّوْرِ؛ احْتَاجَ إلَى دَفْعِهِ فَقَالَ: (وَعَاقِلَةُ جَانٍ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (ذُكُورُ عَصَبَتِهِ نَسَبًا) كَالْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْإِخْوَةِ لِغَيْرِ أُمٍّ وَالْأَعْمَامُ كَذَلِكَ (وَوَلَاءً) كَالْمُعْتَقِ وَعَصَبَتِهِ الْمُتَعَصِّبِينَ بِأَنْفُسِهِمْ، قَرِيبِهِمْ وَبَعِيدِهِمْ، حَاضِرِهِمْ وَغَائِبِهِمْ، صَحِيحِهِمْ وَمَرِيضِهِمْ، وَلَوْ هَرَمًا وَزَمِنًا وَأَعْمَى (لَكِنْ يَعْقِلُ عَنْ مُعْتَقَةٍ عَصَبَتُهَا الذُّكُورُ) وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ؛ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّ مِيرَاثَهَا لَبِنْتَيْهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَنْ يَعْقِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ عَصَبَتُهَا مَنْ كَانُوا، وَلَا يَرِثُونَ مِنْهَا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَرَثَتِهَا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ.
(وَيَعْقِلُ عَمُودُ نَسَبِهِ) آبَاؤُهُ وَإِنْ عَلَوْا بِمَحْضِ الذُّكُورِ، وَأَبْنَاؤُهُ وَإِنْ نَزَلُوا بِمَحْضِ الذُّكُورِ؛ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ الْعَصَبَاتِ بِمِيرَاثِهِ، فَكَانُوا أَوْلَى بِتَحَمُّلِ عَقْلِهِ (وَ) يَعْقِلُ عَنْهُ الْجَانِي (مَنْ بَعُدَ) مِنْ ذُكُورِ عَصَبَتِهِ كَابْنِ ابْنِ ابْنِ عَمِّ جَدِّهِ؛ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْعَاقِلَةِ كَوْنُهُمْ وَارِثِينَ حَالَ الْعَقْلِ بَلْ مَتَى كَانُوا يَرِثُونَ لَوْلَا الْحَجْبُ عَقَلُوا؛ لِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ أَشْبَهَ سَائِرَ الْعَصَبَاتِ، يُحَقِّقُهُ: أَنَّ الْعَقْلَ مَوْضُوعٌ عَلَى التَّنَاصُرِ وَهُمْ مِنْ أَهْلِهِ، فَاسْتَوَى قَرِيبُهُمْ وَبَعِيدُهُمْ فِي الْعَقْلِ، وَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُهُ: «لَا يَجْنِي عَلَيْك وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ» ؛ أَيْ: إثْمُ جِنَايَتِك لَا يَتَخَطَّاك إلَيْهِ، وَإِثْمُ جِنَايَتِهِ لَا يَتَخَطَّاهُ إلَيْك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى.
﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] وَلَيْسَ مِنْ الْعَاقِلَةِ الزَّوْجُ وَلَا الْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلَ وَهُوَ الْعَتِيقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ، وَلَا مَوْلَى الْمُوَالَاةِ وَهُوَ الَّذِي يُوَالِي رَجُلًا يَجْعَلُ لَهُ وَلَاءَهُ وَنُصْرَتَهُ؛ لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَلَا الْحَلِيفُ الَّذِي يُحَالِفُ آخَرَ عَلَى التَّنَاصُرِ، وَلَا الْعَدِيدُ وَهُوَ الَّذِي لَا عَشِيرَةَ لَهُ يَنْضَمُّ إلَى عَشِيرَةٍ فَيُعَدُّ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي ذَلِكَ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ

(لَكِنْ لَوْ عُرِفَ نَسَبُهُ) ؛ أَيْ: الْقَاتِلِ (مِنْ قَبِيلَتِهِ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ أَيْ بُطُونِهَا) هُوَ (لَمْ يَعْقِلُوا) ؛ أَيْ: رِجَالُ الْقَبِيلَةِ (عَنْهُ) فَلَوْ قَتَلَ قُرَشِيٌّ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ أَيِّ بُطُونِ قُرَيْشٍ لَمْ تَعْقِلْ قُرَيْشٌ عَنْهُ، كَمَا لَا يَرِثُونَهُ؛ لِتَفَرُّقِهِمْ وَصَيْرُورَةِ كُلِّ قَوْمٍ مِنْهُمْ يُنْسَبُونَ إلَى أَبٍ أَدْنَى يَتَمَيَّزُونَ بِهِ، وَلَا مَدْخَلَ لِأَهْلِ الدِّيوَانِ فِي الْمُعَاقَلَةِ، فَإِذَا قَتَلَ وَاحِدٌ مِنْ دِيوَانٍ لَهُمْ لَمْ يَعْقِلُوا عَنْهُ كَأَهْلِ مَحَلَّتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ.

(وَيَعْقِلُ) عَصَبَةُ (هَرِمٍ) غَنِيٍّ (وَزَمِنٍ) غَنِيٍّ (وَأَعْمَى) غَنِيٍّ (وَغَائِبٍ)

غَنِيٍّ (كَضِدِّهِمْ) ؛ أَيْ: كَشَابٍّ وَصَحِيحٍ وَبَصِيرٍ وَحَاضِرٍ؛ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي التَّعْصِيبِ؛ وَكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمُسَاوَاةِ.

. وَ (لَا) يَعْقِلُ (فَقِيرٌ وَلَوْ) كَانَ (مُعْتَمِلًا) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمُوَاسَاةِ كَالزَّكَاةِ؛ وَلِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ تَخْفِيفٌ عَنْ الْقَاتِلِ، فَلَا يَجُوزُ التَّثْقِيلُ عَلَى الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّهُ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ (بَلْ) يَعْقِلُ (الْمُوسِرُ وَهُوَ هُنَا مَنْ مَلَكَ نِصَابًا عِنْدَ حُلُولِ حَوْلٍ فَاضِلًا عَنْهُ كَحَجٍّ وَكَفَّارَةِ ظِهَارٍ)

(وَلَا) يَعْقِلُ (صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ وَالْمُعَاضَدَةِ (أَوْ امْرَأَةٌ) وَلَوْ مُعْتَقَةً (أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٌ) ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً (أَوْ قِنٌّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ (أَوْ مُبَايِنٌ لِدِينِ جَانٍ) ؛ لِأَنَّ حَمْلَهَا لِلنُّصْرَةِ، وَلَا نُصْرَةَ لِمُخَالِفٍ فِي دِينِهِ (وَإِخْوَةٌ لِأُمٍّ أَوْ ذُو رَحِمٍ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ.

(وَلَا تَعَاقُلَ بَيْنَ ذِمِّيٍّ وَحَرْبِيٍّ) ؛ لِانْقِطَاعِ التَّنَاصُرِ بَيْنَهُمَا (وَيَتَعَاقَلُ أَهْلُ ذِمَّةٍ اتَّحَدَتْ مِلَلُهُمْ) كَمَا يَتَوَارَثُونَ؛ وَلِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ كَالْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ؛ فَلَا تَعَاقُلَ كَمَا لَا تَوَارُثَ وَلَا يَعْقِلُ عَنْ الْمُرْتَدِّ أَحَدٌ لَا مُسْلِمٌ وَلَا ذِمِّيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ فَخَطَؤُهُ فِي مَالِهِ.

(وَخَطَأُ إمَامٍ وَ) خَطَأُ (حَاكِمٍ فِي حُكْمِهِمَا فِي بَيْتِ الْمَالِ) لَا تَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ فَيُجْحِفُ بِالْعَاقِلَةِ؛ وَلِأَنَّ الْإِمَامَ وَالْحَاكِمَ نَائِبَانِ عَنْ اللَّهِ، فَيَكُونُ أَرْشُ خَطَئِهِمَا فِي مَالِ اللَّهِ، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ؛ فَعَلَى الْمَذْهَبِ لِلْإِمَامِ عَزْلُ نَفْسِهِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَ " الْمُبْدِعِ " وَ " التَّنْقِيحِ " وَكَذَا الْحُكْمُ إنْ زَادَ سَوْطًا كَخَطَأٍ فِي حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ أَوْ جَهْلِ الْإِمَامِ أَوْ الْحَاكِمِ حَمْلًا أَوْ بَانَ مَنْ حَكَمَا بِشَهَادَتِهِ غَيْرَ أَهْلٍ، فَإِنَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْخَطَأِ فِي الْحُكْمِ كَخَطَأِ وَكِيلٍ، فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ مِنْهُ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ، بَلْ يَضَعُ عَلَى مُوَكِّلِهِ، أَوْ كَخَطَأِ وَكِيلٍ يَتَصَرَّفُ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ كَالْوُزَرَاءِ، فَخَطَؤُهُ فِي حُكْمِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَخَطَؤُهُمَا) ؛ أَيْ:

الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ (فِي غَيْرِ حُكْمٍ) كَرَمْيِهِمَا صَيْدًا فَيُصِيبَا آدَمِيًّا (عَلَى عَاقِلَتِهِمَا) كَخَطَأِ غَيْرِهِمَا.

(وَمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ كَلَقِيطٍ أَوْ لَهُ) عَاقِلَةٌ (وَعَجَزَتْ عَنْ الْجَمِيعِ) أَيْ: جَمِيعِ مَا وَجَبَ بِجِنَايَتِهِ خَطَأً (فَالْوَاجِبُ) مِنْ الدِّيَةِ إنْ لَمْ تَكُنْ عَاقِلَةً أَوْ كَانَتْ وَعَجَزَتْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا (أَوْ تَتِمَّتِهِ) إنْ عَجَزَتْ عَنْ بَعْضِهِ وَقَدَرَتْ عَلَى الْبَعْضِ (مَعَ كُفْرِ جَانٍ عَلَيْهِ) فِي مَالِهِ حَالًّا (وَمَعَ إسْلَامِهِ) ؛ أَيْ: الْجَانِي؛ الْوَاجِبُ أَوْ تَتِمَّتُهُ (فِي بَيْتِ الْمَالِ حَالًّا) . «؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَدَى الْأَنْصَارِيَّ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ فِي بَيْتِ الْمَالِ» ، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ؛ فَيَعْقِلُونَ عَنْهُ عِنْدَ عَدَمَ عَاقِلَتِهِ.
(وَتَسْقُطُ) الدِّيَةُ (بِتَعَذُّرِ أَخْذٍ مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِنْ بَيْتِ الْمَالِ حَيْثُ وَجَبَتْ فِيهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَعْرُوفُ عَنْدَ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيِّ وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ وَمُنْتَخَبِ الْآدَمِيِّ " وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ تَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ ابْتِدَاءً بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِهَا غَيْرُهُمْ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَحَمُّلُهُمْ وَلَا رِضَاهُمْ بِهَا، فَلَا تُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ عَدِمَ الْقَاتِلُ، وَحَيْثُ سَقَطَتْ الدِّيَةُ بِتَعَذُّرِ أَخْذِهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَ (لَا شَيْءَ عَلَى الْعَاقِلَةِ) أَيْضًا؛ لِعَجْزِهَا عَنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهَا مِنْ الدِّيَةِ؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ حَكَاهَا صَاحِبُ الْفُرُوعِ ". (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أَنَّهَا (لَوْ أَيْسَرَتْ) الْعَاقِلَةُ (بَعْدَ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: بَعْدَ عَجْزِهَا؛ وَسُقُوطِ الدِّيَةِ عَنْهَا بِالْعَجْزِ (أُخِذَتْ) الدِّيَةُ (مِنْهَا) كَامِلَةً لِئَلَّا

يَضِيعَ دَمُ الْمُسْلِمِ هَدْرًا، وَهَذَا (مُتَّجِهٌ) . وَيَتَّجِهُ أَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ أَخْذُ الدِّيَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَتَجِبُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ (وَلَا يَسْقُطُ مَا وَجَبَ عَلَى جَانٍ وَلَوْ عَجَزَ عَنْهُ) فِي رِوَايَةٍ.
قَالَ: فِي " الْمُقْنِعِ ": وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إهْدَارِ دَمِ الْأَحْرَارِ فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ؛ فَإِنَّهُ لَا تَكَادُ تُوجَدُ عَاقِلَةٌ تَحْمِلُ الدِّيَةَ كُلَّهَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْأَخْذِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ فَتَضِيعُ الدِّمَاءُ، وَالدِّيَةُ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ، ثُمَّ تَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةُ، وَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَهَا عَلَيْهِمْ ابْتِدَاءً لَكِنْ مَعَ وُجُودِهِمْ كَمَا قَالُوا فِي الْمُرْتَدِّ: يَجِبُ أَرْشُ خَطَئِهِ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا عَاقِلَةَ لَهُ تَحْمِلُهَا وَعَجَزَ، هَذَا الِاتِّجَاهُ فِيهِ مَا فِيهِ وَالْمَذْهَبُ مَا تَقَدَّمَ

(وَمَنْ تَغَيَّرَ دِينُهُ) بِأَنْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ (أَوْ انْجَرَّ وَلَاؤُهُ) عَنْ مَوَالِي أُمِّهِ لِمُعْتِقِ أَبِيهِ (وَقَدْ رَمَى) صَيْدًا (ثُمَّ أَصَابَ) آدَمِيًّا، فَقَتَلَهُ (بَعْدَ تَغْيِيرِ دِينِهِ أَوْ) بَعْدَ (انْجِرَارِ وَلَائِهِ) بِعِتْقِ أَبِيهِ (فَالْوَاجِبُ) مِنْ الدِّيَةِ (فِي مَالِهِ) ؛ لِأَنَّهُ

قَتَلَ مَعْصُومًا، تَعَذَّرَ حَمْلُ عَاقِلَتِهِ عَقْلَهُ؛ فَوَجَبَ عَلَى قَاتِلِهِ، وَلَا يَعْقِلُهُ عَصَبَةُ الْقَاتِلِ الْمُسْلِمُونَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا حَالَ رَمْيِهِ وَلَا الْمُعَاهَدُونَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ إلَّا وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ انْجَرَّ وَلَاؤُهُ لَا يَعْقِلُهُ مَوَالِي أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ حِينَ كَانَ تَابِعًا لَهَا فِي الْوَلَاءِ وَلَا مَوْلَى أَبِيهِ؛ لِجِنَايَتِهِ قَبْلَ انْجِرَارِ الْوَلَاءِ إلَيْهِ؛ فَتَعَيَّنَ عَقْلُهُ عَنْ نَفْسِهِ.

(وَإِنْ تَغَيَّرَ دِينُ جَارِحٍ) بِأَنْ جَرَحَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ، ثُمَّ تَغَيَّرَ دِينُهُ، أَوْ وَهُوَ ذِمِّيٌّ ثُمَّ أَسْلَمَ (أَوْ انْجَرَّ وَلَاؤُهُ) لِمُعْتِقِ أَبِيهِ (حَالَتَيْ جُرْحٍ وَزُهُوقِ) رُوحِ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ (حَمَلَتْهُ عَاقِلَتُهُ) ؛ أَيْ: الْجَارِحِ (حَالَ جُرْحٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ فِعْلٌ بَعْدَ الْجُرْحِ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَخَالَفَ فِي " الْإِقْنَاعِ " فَجَعَلَ أَرْشَ ذَلِكَ فِيمَا إذَا انْجَرَّ الْوَلَاءُ فِي مَالِهِ دُونَ عَاقِلَتِهِ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: خِلَافًا لَهُ.

[فَصْلٌ لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَجَبَ فِيهِ قَوَدٌ]

فَصْلٌ: (وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا) وَجَبَ فِيهِ قَوَدٌ أَوْ لَا كَجَائِفَةٍ وَمَأْمُومَةٍ، (وَلَا) تَحْمِلُ (صُلْحَ إنْكَارٍ، وَلَا تَحْمِلُ اعْتِرَافًا بِأَنْ يُقِرَّ) جَانٍ (عَلَى نَفْسِهِ بِجِنَايَةِ خَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ تُوجِبُ ثُلُثَ دِيَةٍ فَأَكْثَرَ وَتُنْكِرُ الْعَاقِلَةُ، وَلَا تَحْمِلُ قِيمَةَ دَابَّةٍ أَوْ قِيمَةَ قِنٍّ أَوْ قِيمَةَ طَرَفِهِ، وَلَا تَحْمِلُ جِنَايَتَهُ) ؛ أَيْ: الْقِنِّ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا» وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّ

الْقَاتِلَ عَمْدًا غَيْرُ مَعْذُورٍ؛ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُوَاسَاةَ وَلَا التَّخْفِيفَ؛ وَلِأَنَّ الصُّلْحَ يَثْبُتُ بِفِعْلِهِ وَاخْتِيَارِهِ فَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ كَالِاعْتِرَافِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي مُوَاطَأَةِ الْمُقَرِّ لَهُمْ بِالْقَتْلِ؛ لِيَأْخُذُوا الدِّيَةَ مِنْ عَاقِلَتِهِ، فَيُقَاسِمُهُمْ إيَّاهَا؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ يَضْمَنُ ضَمَانَ الْمَالِ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْأَمْوَالِ.

(وَلَا) تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ (مَا دُونَ ثُلُثِ دِيَةِ ذَكَرٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ) كَثَلَاثِ أَصَابِعَ وَأَرْشِ مُوضِحَةٍ؛ لِقَضَاءِ عُمَرَ أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ شَيْئًا يَبْلُغُ عَقْلَ الْمَأْمُومَةِ؛ وَلِأَنَّ أَصْلَ الضَّمَانِ عَلَى الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ، خُولِفَ فِي ثُلُثِ الدِّيَةِ فَأَكْثَرَ؛ لِإِجْحَافِهِ بِالْجَانِي لِكَثْرَتِهِ؛ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ (إلَّا غُرَّةَ جَنِينٍ مَاتَ مَعَ أُمِّهِ أَوْ مَاتَ بَعْدَهَا) ؛ أَيْ: أُمِّهِ (بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ) فَتَحْمِلُ الْغُرَّةَ تَبَعًا لِدِيَةِ الْأُمِّ نَصًّا؛ لِاتِّحَادِ الْجِنَايَةِ، وَلَا تَحْمِلُ الْغُرَّةَ إنْ مَاتَ بِجِنَايَتِهِ عَلَيْهِ وَحْدَهُ دُونَ أُمِّهِ، أَوْ مَاتَ (قَبْلَهَا) ؛ أَيْ: أُمِّهِ بِأَنْ أَجْهَضَتْهُ مَيِّتًا، ثُمَّ مَاتَتْ، وَلَوْ اتَّحَدَتْ الْجِنَايَةُ؛ لِنَقْصِ مَا وَجَبَ فِي الْجَنِينِ مِنْ الْغُرَّةِ عَنْ الثُّلُثِ، وَلَا تَبَعِيَّةَ لِمَوْتِهِ قَبْلَهَا.

(وَتَحْمِلُ) الْعَاقِلَةُ (شِبْهَ عَمْدٍ، وَ) تَحْمِلُ (خَطَأً) ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ» وَتَقَدَّمَ.
وَلِأَنَّهُ نَوْعُ قَتْلٍ لَا يُوجِبُ قِصَاصًا " مُؤَجَّلًا " مَا وَجَبَ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ (فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُ دِيَةِ ذَكَرٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ، وَلَوْ أَنَّ الْمَقْتُولَ امْرَأَةٌ) أَوْ كِتَابِيٌّ يَعْنِي يَجِبُ ثُلُثَاهَا فِي رَأْسِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَدْرُ ثُلُثِ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَبَاقِيهَا فِي رَأْسِ الْحَوْلِ الثَّانِي.
قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ.
وَكَوْنُ دِيَةِ الذَّكَرِ الْمُسْلِمِ تُؤْخَذُ مُؤَجَّلَةً فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَضَيَا بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ " وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي عَصْرِهِمَا؛ وَلِأَنَّهَا تَحْمِلُهُ مُوَاسَاةً، فَاقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ تَخْفِيفَهُ عَلَيْهَا.

(وَيَجْتَهِدُ حَاكِمٌ فِي تَحْمِيلِ) كُلٍّ مِنْ الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، فَرَجَعَ فِيهِ

إلَى اجْتِهَادِهِ كَتَقْدِيرِ النَّفَقَةِ (فَيُحَمِّلُ) الْحَاكِمُ (كُلًّا) مِنْهُمْ (مَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ وَلَا يَشُقُّ) ؛ لِأَنَّ التَّحْمِيلَ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ لِلْقَاتِلِ، وَالتَّخْفِيفِ عَنْهُ، وَلَا يُخَفَّفُ عَنْ الْجَانِي مَا يُثَقَّلُ عَلَى غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ الْإِجْحَافَ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا كَانَ الْجَانِي أَحَقَّ بِهِ (وَيَبْدَأُ) الْحَاكِمُ (بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ كَإِرْثٍ، لَكِنَّهُ يَبْدَأُ بِالْآبَاءِ، ثُمَّ الْأَبْنَاءِ ثُمَّ الْإِخْوَةِ) يُقَدِّمُ مَنْ يُدْلِي بِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ يُدْلِي بِأَبٍ، ثُمَّ بَنِي الْإِخْوَةِ كَذَلِكَ، ثُمَّ الْأَعْمَامَ ثُمَّ بَنِيهِمْ كَذَلِكَ، ثُمَّ أَعْمَامَ الْأَبِ ثُمَّ بَنِيهِمْ كَذَلِكَ، ثُمَّ أَعْمَامَ الْجَدِّ ثُمَّ بَنِيهِمْ كَذَلِكَ (وَهَكَذَا) أَبَدًا حَتَّى تَنْقَرِضَ عَصَبَةُ النَّسَبِ، فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى الْمَوْلَى الْمُعْتَقِ ثُمَّ عَلَى عَصَبَاتِهِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ كَالْمِيرَاثِ (وَلَا يَعْدِلُ لِلْأَبْعَدِ إلَّا إنْ لَمْ يَتَّسِعْ لَهَا) ؛ أَيْ: الدِّيَةِ (مَالُ الْأَقْرَبِ) ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يُسْتَحَقُّ بِالتَّعْصِيبِ فَقُدِّمَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ كَالْمِيرَاثِ؛ وَلِأَنَّ الْأَقْرَبَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا تَعَلَّقَتْ الدِّيَةُ بِمَنْ يَلِيهِ، فَكَذَا إذَا تَحَمَّلَ الْأَقْرَبُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ (لَكِنْ تُؤْخَذُ) الدِّيَةُ (مِنْ بَعِيدٍ لِغَيْبَةِ قَرِيبٍ) لِمَحَلِّ الضَّرُورَةِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ الْبَعِيدِ إذَا كَانَ الْقَرِيبُ غَائِبًا (مَسَافَةَ قَصْرٍ) أَمَّا لَوْ كَانَ دُونَ الْمَسَافَةِ فَحُكْمُهُ كَالْحَاضِرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْقُرْبِ وَكَثُرُوا) كَالْبَنِينَ وَالْإِخْوَةِ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ (وَزَّعَ الْوَاجِبَ بَيْنَهُمْ) كَالْمِيرَاثِ (وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مَنْ) يَعْقِلُ (وَارِثًا فِي الْحَالِ) ؛ أَيْ: حَالِ الْعَقْلِ (بَلْ مَتَى كَانَ يَرِثُ لَوْلَا الْحَجْبُ عَقَلَ) ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ.

[فَائِدَةٌ عَاقِلَةُ وَلَدِ الزِّنَا وَالْمَنْفِيِّ بِلِعَانٍ عَصَبَةُ أُمِّهِ]

ِ؛ لِأَنَّهُمْ عَصَبَةُ الْوَارِثِينَ لَهُ.

(وَمَا أَوْجَبَ ثُلُثَ دِيَةٍ فَقَطْ كَجَائِفَةٍ أُخِذَ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ) ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ حَالًّا، (وَ) مَا أَوْجَبَ (ثُلُثَيْهَا) ؛ أَيْ: كَجَائِفَةٍ مَعَ مَأْمُومَةٍ (فَأَقَلَّ) كَدِيَةِ امْرَأَةٍ وَعَيْنٍ وَيَدٍ مِنْ حُرٍّ مُسْلِمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (أُخِذَ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ ثُلُثُ) دِيَةٍ، (وَ) أُخِذَتْ (التَّتِمَّةُ) مِنْ الْوَاجِبِ (فِي رَأْسِ) حَوْلٍ (آخَرَ) رِفْقًا بِالْعَاقِلَةِ.
(وَإِنْ زَادَ الْوَاجِبُ عَلَى ثُلُثَيْ الدِّيَةِ) وَلَمْ يَبْلُغْ دِيَةً كَامِلَةً كَأَرْشِ سَبْعِ أَصَابِعَ فَأَكْثَرَ مِنْ ذَكَرٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ (أُخِذَ رَأْسَ كُلِّ حَوْلٍ ثُلُثُ دِيَةٍ وَ) أُخِذَتْ (التَّتِمَّةُ) مِنْ الْوَاجِبِ (فِي رَأْسِ) حَوْلٍ (ثَالِثٍ) .

(وَإِنْ أَوْجَبَ) خَطَأٌ أَوْ شِبْهُ عَمْدٍ (دِيَةً أَوْ أَكْثَرَ) مِنْ دِيَةٍ كَامِلَةٍ (بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ كَضَرْبَةٍ أَذْهَبَتْ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ فَفِي سِتِّ سِنِينَ) فَيُؤْخَذُ مِنْ الْعَاقِلَةِ فِي (كُلِّ حَوْلٍ ثُلُثُ دِيَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَوْ كَانَ دُونَ الدِّيَةِ لَمْ يَنْقُصْ فِي السَّنَةِ عَنْ الثُّلُثِ، فَكَذَا لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ إذَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، وَكَذَا لَوْ قَتَلَتْ الضَّرْبَةُ الْأُمَّ وَجَنِينَهَا بَعْدَ مَا اسْتَهَلَّ لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ؛ فَفِيهِمَا دِيَتُهَا وَدِيَةُ الْجَنِينِ، لَمْ يَزِدْ فِي كُلِّ حَوْلٍ عَلَى ثُلُثِ دِيَةٍ كَامِلَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا كَالنَّفْسِ الْوَاحِدَةِ.
(وَ) إنْ ذَهَبَ السَّمْعُ، وَالْبَصَرُ وَنَحْوُهُمَا (بِجِنَايَتَيْنِ) بِأَنْ ضَرَبَهُ فَأَذْهَب سَمْعَهُ، ثُمَّ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ بَصَرَهُ؛ فَدِيَتُهُمَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ (أَوْ قَتَلَ اثْنَيْنِ) وَلَوْ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ (فَدِيَتُهُمَا تُؤْخَذُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) ؛ لِانْفِرَادِ كُلٍّ مِنْ الْجِنَايَتَيْنِ بِحُكْمِهِ.
(وَابْتِدَاءُ حَوْلِ قَتْلٍ مِنْ) حِينِ (زُهُوقِ) رُوحٍ، (وَ) ابْتِدَاءً حَوْلٍ فِي (جُرْحٍ مِنْ بُرْءٍ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الِاسْتِقْرَارِ.

(وَلَا دِيَةَ لِسِنٍّ وَظُفْرٍ وَمَنْفَعَةٍ) مِنْ الْمَنَافِعِ (إلَّا إنْ أَيِسَ مِنْ عَوْدِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَمَنْ صَارَ) مِنْ الْعَاقِلَةِ (أَهْلًا عِنْدَ الْحَوْلِ كَصَبِيٍّ بَلَغَ) وَفَقِيرٍ اسْتَغْنَى

(وَمَجْنُونٍ أَفَاقَ؛ لَزِمَهُ) مَا كَانَ يَلْزَمُهُ مَا كَانَ كَذَلِكَ جَمِيعَ الْحَوْلِ؛ لِوُجُودِهِ وَقْتَ الْوُجُوبِ وَهُوَ أَهْلٌ لِلْوُجُوبِ.
(وَإِنْ حَدَثَ بِهِ مَانِعٌ بَعْدَ الْحَوْلِ) كَأَنْ جُنَّ فَعَلَيْهِ (قِسْطُهُ) ؛ أَيْ: ذَلِكَ الْحَوْلِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ، (وَ) إنْ حَدَثَ بِهِ (قَبْلَهُ) ؛ أَيْ: بِالْحَوْلِ فِي أَثْنَائِهِ أَوْ مَعَهُ (سَقَطَ) قِسْطُ ذَلِكَ الْحَوْلِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ مُوَاسَاةً فَسَقَطَ بِحُدُوثِ الْمَانِعِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ كَالزَّكَاةِ.

[بَابُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ]

الْكَفَّارَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْكَفْرِ، وَهُوَ السَّتْرُ؛ لِأَنَّهُ غَطَّى الذَّنْبَ وَسَتَرَهُ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا الْإِجْمَاعُ، وَسَنَدَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ [النساء: 92] الْآيَةَ، فَذَكَرَ فِي الْآيَةِ ثَلَاثَ كَفَّارَاتٍ: إحْدَاهُنَّ: بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ خَطَأً.
الثَّانِيَةُ: بِقَتْلِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ لَا يُعْرَفُ إيمَانُهُ.
الثَّالِثَةُ: بِقَتْلِ الْمُعَاهَدِ وَهُوَ الذِّمِّيُّ.
(تَلْزَمُ) الْكَفَّارَةُ (كَامِلَةً فِي مَالِ قَاتِلٍ لَمْ يَتَعَمَّدْ) الْقَتْلَ بِأَنْ قَتَلَ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ؛ لِلْآيَةِ وَأُلْحِقَ بِالْخَطَأِ شِبْهُ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، بِخِلَافِ الْعَمْدِ الْمَحْضِ (وَلَوْ كَانَ) الْقَاتِلُ (كَافِرًا أَوْ قِنًّا أَوْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا) ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ مَالِيٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ، أَشْبَهَتْ الدِّيَةَ، وَأَيْضًا هِيَ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ أَشْبَهَتْ الزَّكَاةَ (أَوْ إمَامًا فِي خَطَأٍ يَحْمِلُهُ بَيْتُ الْمَالِ أَوْ مُشَارِكًا) فِي الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مُوجِبُ (قَتْلِ آدَمِيٍّ) ، فَوَجَبَ إكْمَالُهَا عَلَى كُلٍّ مِنْ الشُّرَكَاءِ فِيهِ كَالْقِصَاصِ، (وَسَوَاءٌ قَتَلَ بِمُبَاشَرَةٍ

أَوْ بِسَبَبٍ) كَنَصْبِ سِكِّينٍ تَعَدِّيًا، وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ بِهَا (بَعْدَ مَوْتِهِ) ؛ أَيْ: الْمُتَسَبِّبِ (كَشَهَادَةِ زُورٍ، وَحَفْرِ بِئْرٍ تَعَدِّيًا نَفْسًا) مَفْعُولٌ لِقَاتِلِ (مُحَرَّمَةً، وَلَوْ نَفْسَهُ) ؛ أَيْ: الْقَاتِلِ (أَوْ) نَفْسَ (قِنِّهِ) ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: 92] (أَوْ) كَانَ الْمَقْتُولُ (مُسْتَأْمَنًا) ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ قُتِلَ ظُلْمًا، أَشْبَهَ الْمُسْلِمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] " (أَوْ) كَانَ الْقَتِيلُ (جَنِينًا) بِأَنْ ضَرَبَ بَطْنَ حَامِلٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أَوْ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ نَفْسٌ مُحَرَّمَةٌ، وَلَا كَفَّارَةَ؛ بِإِلْقَاءِ مُضْغَةٍ لَمْ تَتَصَوَّرْ (غَيْرَ أَسِيرٍ حَرْبِيٍّ يُمْكِنُهُ) ؛ أَيْ: الَّذِي أَسَرَهُ (أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ) فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُهُ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ، (وَغَيْرَ نِسَاءِ) أَهْلِ (حَرْبٍ وَذُرِّيَّتِهِمْ) غَيْرَ (مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ) ؛ أَيْ: دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ؛ فَيَحْرُمُ قَتْلُهُمْ وَلَا كَفَّارَةَ؛ لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: 92] الْآيَةَ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَا أَمَانَ لَهُمْ وَلَا إيمَانَ، وَالْمَنْعُ مِنْ قَتْلِهِمْ؛ لِلِافْتِئَاتِ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ انْتِفَاعِ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ؛ أَوْ لِعَدَمِ الدَّعْوَةِ؛ وَلِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَضْمُونِينَ بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ، أَشْبَهُوا مُبَاحَ الدَّمِ.

وَ (لَا) كَفَّارَةَ (عَلَى قَاتِلِ نَفْسٍ مُبَاحَةٍ كَبَاغٍ وَمُرْتَدٍّ، وَزَانٍ مُحْصَنٍ) وَمَنْ تَحَتَّمَ قَتْلُهُ لِلْمُحَارَبَةِ، وَ (لَا) كَفَّارَةَ فِي (الْقَتْلِ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا أَوْ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ) لِصَوْلِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا، وَالْكَفَّارَةُ لَا تَجِبُ لِمَحْوِ الْمَأْذُونِ بِهِ، وَهُوَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؛ لِلْآيَةِ وَلَا إطْعَامَ فِيهَا.

(وَيُكَفِّرُ قِنٌّ بِصَوْمٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ يَعْتِقُ مِنْهُ (وَيُكَفِّرُ مِنْ مَالِ غَيْرِ

مُكَلَّفٍ فِيهِ) كَصَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ (وَلِيُّهُ) فَيَعْتِقُ مِنْهُ؛ لِعَدَمِ إمْكَانِ الصَّوْمِ مِنْهُمَا، وَلَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ وَيُكَفِّرُ سَفِيهٌ كَمُفْلِسٍ بِصَوْمٍ.

(وَتَتَعَدَّدُ) الْكَفَّارَةُ (بِتَعَدُّدِ مَقْتُولٍ) كَتَعَدُّدِ الدِّيَةِ بِذَلِكَ؛ لِقِيَامِ كُلِّ قَتِيلٍ بِنَفْسِهِ، وَعَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِغَيْرِهِ.

(وَ) تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ (بِتَعَدُّدِ شُرَكَاءَ فِي قَتْلٍ) فَلَوْ قَتَلَ جَمَاعَةٌ شَخْصًا لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ عَلَى حِدَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، مَضْمُونًا كَالذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَنَّهُ مَقْتُولٌ ظُلْمًا، فَوَجَبَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ كَالْمُسْلِمِ.

(وَتُجْزِئُ) الْكَفَّارَةُ؛ أَيْ.
إخْرَاجُهَا (بَعْدَ جُرْحٍ وَقَبْلَ مَوْتٍ) كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ.

(وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمًا، فَارْتَدَّ، وَمَاتَ مِنْهُ) ؛ أَيْ: الْجُرْحِ (فَعَلَى جَارِحِهِ كَفَّارَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ حَالَ الْجُرْحِ كَانَ مُسْلِمًا.

[تَتِمَّةٌ لَا كَفَّارَةَ فِي قَطْعِ طَرَفٍ أَوْ قَتْلِ بَهِيمَةٍ]

: وَلَا كَفَّارَةَ فِي قَطْعِ طَرَفٍ كَأَنْفٍ وَيَدٍ، وَلَا فِي قَتْلِ بَهِيمَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهَا وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ.

وَقَتْلُ الْخَطَأِ لَا يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ وَلَا إبَاحَةٍ؛ لِأَنَّهُ كَقَتْلِ الْمَجْنُونِ، لَكِنَّ النَّفْسَ الذَّاهِبَةَ بِهِ مَعْصُومَةٌ مُحَرَّمَةٌ؛ فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فِيهَا.
وَأَكْبَرُ الذُّنُوبِ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ ثُمَّ الْقَتْلُ ثُمَّ الزِّنَا، لِلْخَبَرِ.

[بَابُ الْقَسَامَةِ]

(الْقَسَامَةُ) بِفَتْحِ الْقَافِ (وَهِيَ) : اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ أَقْسَمَ إقْسَامًا وَقَسَامَةً.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَهُمْ الْقَوْمُ يُقْسِمُونَ فِي دَعْوَاهُمْ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ صَاحِبَهُمْ، سُمُّوا قَسَامَةً بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَعَدْلٍ وَرِضًى، وَشَرْعًا: (أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ فِي دَعْوَى قَتْلِ مَعْصُومٍ) لَا نَحْوِ مُرْتَدٍّ وَلَوْ جَرَحَ

مُسْلِمًا.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي " الْمَعَارِفِ: " أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِالْقَسَامَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِسْلَامِ.
انْتَهَى.
وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْأَنْصَارِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
(فَلَا تَكُونُ) الْقَسَامَةُ (فِي) دَعْوَى (قَطْعِ طَرَفٍ وَ) لَا فِي (جُرْحٍ) ؛ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فِي النَّفْسِ؛ لِحُرْمَتِهَا فَاخْتَصَّتْ بِهَا كَالْكَفَّارَةِ.

[شُرُوطُ صِحَّةِ الْقَسَامَة]

(وَشُرُوطُ صِحَّتِهَا عَشَرَةٌ) : أَحَدُهَا: (تَكْلِيفُ قَاتِلٍ) ؛ أَيْ: مُدَّعًى عَلَيْهِ الْقَتْلَ؛ لِتَصِحَّ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ عَلَى صَغِيرٍ وَلَا مَجْنُونٍ.

(وَ) الشَّرْطُ الثَّانِي (إمْكَانُ قَتْلٍ مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِلَّا يُمْكِنْهُ أَنْ يَقْتُلَ كَمَرِيضٍ وَزَمِنٍ لَمْ تَصِحَّ عَلَيْهِ دَعْوَى، كَبَقِيَّةِ الدَّعَاوَى، وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْقَتْلِ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ مِنْ بَلَدِ الْمَقْتُولِ لَا يُمْكِنُ مَجِيئُهُ مِنْهُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؛ بَطَلَتْ الدَّعْوَى قَالَهُ الشَّارِحُ

(وَ) الشَّرْطُ الثَّالِثُ: (طَلَبُ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ) ، فَلَا يَكْفِي طَلَبُ بَعْضِهِمْ؛ لِعَدَمِ انْفِرَادِهِ بِالْحَقِّ.

. (وَ) الشَّرْطُ الرَّابِعُ: (اتِّفَاقُهُمْ) أَيْ: جَمِيعِ الْوَرَثَةِ (عَلَى الدَّعْوَى) لِلْقَتْلِ فَلَا يَكْفِي عَدَمُ تَكْذِيبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، إذْ السَّاكِتُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ حُكْمٌ

(وَ) الشَّرْطُ الْخَامِسُ: اتِّفَاقُهُمْ (عَلَى الْقَتْلِ) فَإِنْ أَنْكَرَ الْقَتْلَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ فَلَا قَسَامَةَ.

(وَ) الشَّرْطُ السَّادِسُ: اتِّفَاقُهُمْ (عَلَى عَيْنِ الْقَاتِلِ) نَصًّا، فَلَوْ قَالَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ: قَتَلَهُ زَيْدٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَتَلَهُ عَمْرٌو؛ فَلَا قَسَامَةَ، وَكَذَا لَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ: قَتَلَهُ زَيْدٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَقْتُلْهُ زَيْدٌ، عَدْلًا كَانَ الْمُكَذِّبُ أَوْ فَاسِقًا؛ لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِتَبْرِئَةِ زَيْدٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَحَدُ ابْنَيْ الْقَتِيلِ: قَتَلَهُ زَيْدٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: لَا أَعْلَمُ

قَاتِلَهُ؛ فَلَا قَسَامَةَ كَمَا لَوْ كَذَّبَهُ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ فِي الْأَيْمَانِ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى.

(وَ) الشَّرْطُ السَّابِعُ: (وَصْفُ الْقَتْلِ) ؛ أَيْ: أَنْ يَصِفَهُ الْمُدَّعِي (فِي الدَّعْوَى) كَأَنْ يَقُولَ جَرَحَهُ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ وَنَحْوِهِ فِي مَحَلِّ كَذَا مِنْ بَدَنِهِ أَوْ خَنَقَهُ أَوْ ضَرَبَهُ بِنَحْوِ لُتٍّ فِي رَأْسِهِ وَنَحْوِهِ (فَلَا يُعْتَدُّ بِحَلِفٍ) مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَبْلَ وَصْفِ مُدَّعِي الْقَتْلِ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ الدَّعْوَى.

(وَ) الشَّرْطُ (الثَّامِنُ: اللَّوْثُ وَهُوَ: الْعَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ وُجِدَ مَعَهَا) ؛ أَيْ: الْعَدَاوَةِ الظَّاهِرَةِ (أَثَرُ قَتْلٍ) كَدَمٍ فِي أُذُنِهِ أَوْ أَنْفِهِ (أَوْ لَا لِحُصُولِ الْقَتْلِ بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ) كَضَمِّ الْوَجْهِ وَالْخَنْقِ وَعَصْرِ الْخُصْيَتَيْنِ،؛ وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَسْأَلْ الْأَنْصَارَ هَلْ بِقَتِيلِهِمْ أَثَرٌ أَوْ لَا؟ (وَلَوْ) كَانَتْ الْعَدَاوَةُ (مَعَ سَيِّدِ مَقْتُولٍ) ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِدَمِهِ، وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ فِي ذَلِكَ كَالْقِنِّ؛ لِأَنَّهُ نَفْسٌ مَعْصُومَةٌ أَشْبَهَ الْحُرَّ، وَالْعَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ (نَحْوَ مَا كَانَ بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَأَهْلِ خَيْبَرَ) ، وَمَا بَيْنَ الْقَبَائِلِ الَّتِي يَطْلُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِثَأْرٍ وَمَا بَيْنَ الْبُغَاةِ وَأَهْلِ الْعَدْلِ، وَمَا بَيْنَ الشُّرْطَةِ كَفِرْقَةٍ وَاللُّصُوصِ.
(وَ) كَذَلِكَ (أَهْلُ الْقُرَى) مِنْ أَعْمَالِ نَابُلُسَ وَالْخَلِيلِ وَنَحْوِهِمْ (بَيْنَهُمْ الدِّمَاءُ وَالْحُرُوبُ) وَلَا يُشْتَرَطُ مَعَ اللَّوْثِ أَنْ لَا يَكُونَ بِمَوْضِعِ الْقَتْلِ غَيْرُ الْعَدُوِّ نَصًّا «؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَسْأَلْ الْأَنْصَارَ هَلْ كَانَ بِخَيْبَرَ غَيْرُ الْيَهُودِ أَوْ لَا» مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ وُجُودُ غَيْرِهِمْ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَمْلَاكًا لِلْمُسْلِمِينَ يَقْصِدُونَهَا؛ لِاسْتِغْلَالِهَا.
تَنْبِيهٌ: سَأَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ قَتِيلٍ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ قَالَ: هَذَا قَسَامَةٌ، قَالَ الْمَرْوَزِيِّ: احْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ عُمَرَ جَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ عُمَرَ قِيسُوا مَا بَيْنَ الْحَيِيَّيْنِ قَالَ: أَيُّهُمَا كَانَ أَقْرَبَ فَخُذْهُمْ بِهِ.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «وُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذُرِعَ مَا بَيْنَهُمَا، فَوُجِدَ إلَى إحْدَاهُمَا أَقْرَبُ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى شِبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ أَلْقِهِ عَلَى أَقْرَبِهِمَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
(وَلَيْسَ مُغَلِّبٌ) اسْمُ فَاعِلٍ (عَلَى الظَّنِّ؛ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى) ؛ أَيْ: دَعْوَى الْقَتْلِ (بِلَوْثِ تَفَرُّقِ جَمَاعَةٍ عَنْ قَتِيلٍ وَوُجُودِهِ) ؛ أَيْ: الْقَتِيلِ (عِنْدَ مَنْ مَعَهُ مُحَدَّدٌ مُلَطَّخٌ بِدَمٍ، وَشَهَادَةِ مَنْ لَمْ يَثْبُتْ بِهِمْ قَتْلٌ كَصِبْيَانٍ وَنِسَاءٍ) وَأَهْلِ فِسْقٍ.
وَكَذَلِكَ لَيْسَ بِلَوْثٍ لَوْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ عَدْلٌ وَاحِدٌ وَفَسَقَةٌ، أَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى إنْسَانٍ أَنَّهُ قَتَلَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْقَتِيلَيْنِ، أَوْ شَهِدَا أَنْ الْقَتِيلَ قَتَلَهُ أَحَدُ هَذَيْنِ (أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ " قَتَلَهُ بِسَيْفٍ، وَقَالَ الْآخَرُ) : إنَّهُ قَتَلَهُ (بِسِكِّينٍ) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ» الْخَبَرَ وَقَوْلُ الْقَتِيلِ: فُلَانُ قَتَلَنِي لَيْسَ بِلَوْثٍ؛ لِلْخَبَرِ (كَقَوْلِ مَجْرُوحٍ: فُلَانٌ جَرَحَنِي) وَأَمَّا قَوْلُ بَنْيِ إسْرَائِيلَ: فُلَانٌ قَتَلَنِي، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ قَسَامَةٌ؛ بَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُعْجِزَاتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَهُ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ثُمَّ ذَلِكَ فِي تَبْرِئَةِ الْمُتَّهَمِينَ، فَلَا يَجُوزُ تَعْدِيَتُهُ إلَى تُهْمَةِ الْبَرِيئِينَ؛ لِأَنَّ اللَّوْثَ الْعَدَاوَةُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ مَعَ الْعَدَاوَةِ بِقَضِيَّةِ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ.
وَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِالْمَظِنَّةِ، وَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِي الْمَظَانِّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يَتَعَدَّى بِتَعَدُّدِ سَبَبِهِ، وَالْقِيَاسُ فِي الْمَظَانِّ جَمْعٌ بِمُجَرَّدِ الْحِكْمَةِ وَغَلَبَةِ الظُّنُونِ، وَالْحُكْمِ بِالظُّنُونِ يَخْتَلِفُ وَلَا يَأْتَلِفُ، وَيَتَخَبَّطُ وَلَا يَنْضَبِطُ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِنِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ؛ فَلَا يُمْكِنُ رَبْطُ الْحُكْمِ بِهَا وَلَا تَعْدِيَتُهُ بِتَعَدِّيهَا؛ وَلِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي التَّعْدِيَةِ.
وَالْقِيَاسُ التَّسَاوِي بَيْنَ الظَّنَّيْنِ؛ لِكَثْرَةِ الِاحْتِمَالَاتِ وَتَرَدُّدِهَا، وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إلَّا فِي الْقَسَامَةِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
(وَمَتَى فُقِدَ) اللَّوْثُ (وَلَيْسَتْ الدَّعْوَى بِ) قَتْلٍ (عَمْدٍ) ؛ بِأَنْ كَانَتْ بِخَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ (حَلَفَ مُدَّعًى عَلَيْهِ يَمِينًا وَاحِدَةً) وَبَرِئَ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى (وَلَا يَمِينَ فِي) دَعْوَى قَتْلِ (عَمْدٍ) مَعَ فَقْدِ لَوْثٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ (فَيُخَلَّى سَبِيلُهُ) ؛ أَيْ:

الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلَ عَمْدًا حَيْثُ أَنْكَرَ وَلَا بَيِّنَةَ قَالَ الْخِرَقِيِّ: وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَشْهَرُ قَالَ فِي " التَّنْقِيحِ ": لَمْ يَحْلِفْ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ (وَعَلَى رِوَايَةٍ قَوِيَّةٍ يَحْلِفُ) يَمِينًا وَاحِدَةً قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهِيَ الْأُولَى، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْقَوْلُ بِالْحَلِفِ هُوَ الْحَقُّ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ " " وَغَيْرِهِمَا (فَ) عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ (لَوْ نَكَلَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الدِّيَةِ) احْتِيَاطًا لِلدِّمَاءِ.

. الشَّرْطُ التَّاسِعُ: كَوْنُهُ فِي الْوَرَثَةِ ذُكُورًا مُكَلَّفِينَ «؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» . وَلِأَنَّ الْقَسَامَةَ يَثْبُتُ بِهَا قَتْلُ الْعَمْدِ فَلَمْ تُسْمَعْ مِنْ النِّسَاءِ كَالشَّهَادَةِ؛ وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ الْمُدَّعَاةَ الَّتِي تَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَيْهَا هِيَ الْقَتْلُ، وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِي إثْبَاتِهِ، وَإِذَا ثَبَتَتْ الدِّيَةُ ضِمْنًا، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى رَجُلٍ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ بَعْدَ مَوْتِهَا لِيَرِثَهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الْمَالَ (وَلَا يَقْدَحُ غَيْبَةُ بَعْضِهِمْ) ؛ أَيْ: بَعْضِ الْوَرَثَةِ (وَلَا عَدَمُ تَكْلِيفِهِ) بِأَنْ كَانَ بَعْضُهُمْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا.
(وَ) لَا يُقَدَّمُ (نُكُولُهُ) ؛ أَيْ: نُكُولُ بَعْضِ الْوَرَثَةِ عَنْ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ حَقٌّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ؛ فَقِيَامُ الْمَانِعِ بِصَاحِبِهِ لَا يَمْنَعُ حَلِفَهُ وَاسْتِحْقَاقَ نَصِيبِهِ كَالْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا (فَلِذَكَرٍ حَاضِرٍ مُكَلَّفٍ أَنْ يَحْلِفَ بِقِسْطِهِ) مِنْ الْأَيْمَانِ (وَيَسْتَحِقُّ مِنْ الدِّيَةِ نَصِيبَهُ) كَمَا لَوْ كَانَ الْكُلُّ حَاضِرِينَ مُكَلَّفِينَ.
(وَلِمَنْ قَدِمَ) مِنْ الْغَائِبِينَ (أَوْ كُلِّفَ) مِنْ غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ بِأَنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ عَقَلَ الْمَجْنُونُ (أَنْ يَحْلِفَ بِقِسْطِ نَصِيبِهِ) مِنْ الْأَيْمَانِ (وَيَأْخُذَهُ) ؛ أَيْ: نَصِيبَهُ مِنْ الدِّيَةِ؛ لِبِنَائِهِ عَلَى أَيْمَانِ صَاحِبِهِ كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا مُكَلَّفًا ابْتِدَاءً.
(قَالَ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى (: لِلْأَوْلِيَاءِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ) أَنْ زَيْدًا قَتَلَهُ (الْحَلِفُ) عَلَى ذَلِكَ، (وَلَوْ كَانُوا غَائِبِينَ عَنْ مَكَانِ الْقَتْلِ) ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ تُقَارِبُ الْيَقِينَ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْأَنْصَارِ: تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» وَكَانُوا بِالْمَدِينَةِ وَالْقَتِيلُ بِخَيْبَرَ وَفِي

بَعْضِ النُّسَخِ: (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ مِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: مَسْأَلَةُ الشَّهَادَةِ، وَإِلَيْهَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ (فَلَهُ) ؛ أَيْ: مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُ قَضِيَّةٍ (أَنْ يَشْهَدَ بِخَبَرٍ مَنْ) ؛ أَيْ: ثِقَةٍ (ظَنَّ صِدْقَهُ) فِيهِ بِصِحَّةِ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ كَمَا لَوْ سَمِعَ إنْسَانًا يُقِرُّ بِنَسَبِ أَبٍ أَوْ ابْنٍ، وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ أَوْ سَكَتَ (وَاحْتَمَلَ) صِدْقُهُ كَكَوْنِ الْمُقِرِّ بِأُبُوَّةٍ أَوْ بُنُوَّةٍ يَحْتَمِلُ سِنُّهُ ذَلِكَ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": إذَا سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِصَبِيٍّ هَذَا ابْنِي جَازَ أَنْ يَشْهَدَ، وَإِذَا سَمِعَ الصَّبِيُّ يَقُولُ: هَذَا أَبِي وَالرَّجُلُ يَسْمَعُهُ، فَسَكَتَ جَازَ أَنْ يَشْهَدَ الشَّهَادَةَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا أُقِيمَ السُّكُوتُ مَقَامَ النُّطْقِ؛ لِأَنَّهُ الْإِقْرَارُ عَلَى الِانْتِسَابِ؛ لِأَنَّ سُكُوتَ الْأَبِ إقْرَارٌ، وَالْإِقْرَارُ يُثْبِتُ النَّسَبَ، فَجَازَتْ، الْفَاسِدُ لَا يَجُوزُ؛ بِخِلَافِ سَائِرِ الدَّعَاوَى، (وَلَوْ) كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ (الْمُدَّعِيَ) ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ حَيْثُ أَمْكَنَ يَغْلِبُ فِيهِ الْإِثْبَاتُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَحَيْثُ كَانَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ (فَمَنْ اشْتَرَى مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا، فَجَاءَ آخَرُ يَدَّعِيهِ فَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُشْتَرِي (الْحَلِفُ أَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِي لَا يَسْتَحِقُّهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ (مِلْكُ الَّذِي بَاعَهُ) لَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا وُجِدَ شَيْئًا بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ أَبِيهِ فِي دَفْتَرِهِ جَازَ أَنْ يَحْلِفَ إذَا عَلِمَ مِنْهُ الصِّدْقَ وَالْأَمَانَةَ، وَأَنَّهُ لَا يَكْتُبُ إلَّا حَقًّا.

. الشَّرْطُ (الْعَاشِرُ: كَوْنُ الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ لَا أَكْثَرَ، مُعَيَّنٍ لَا مُبْهَمٍ) «؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْأَنْصَارِيِّ: يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ» ؛ وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ ضَعِيفَةٌ خُولِفَ فِي قَتْلِ الْوَاحِدِ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ، وَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ فِيمَا عَدَاهُ.
وَبَيَانُ مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ بِهَا أَنَّهَا ثَبَتَتْ بِاللَّوْثِ شُبْهَةٌ مُغَلِّبَةٌ عَلَى الظَّنِّ صِدْقَ الْمُدَّعِي.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَلَوْ قَالُوا) ؛ أَيْ: وَرَثَةُ الْقَتِيلِ (قَتَلَهُ هَذَا مَعَ آخَرَ) فَلَا قَسَامَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ؛ (أَوْ) قَالُوا: قَتَلَهُ (أَحَدُهُمَا فَلَا قَسَامَةَ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى مُعَيَّنٍ.

(وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا) ؛ أَيْ: كَوْنُ الْقَسَامَةِ (بِقَتْلٍ عَمْدٍ) ؛ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ بِهَا الْخَطَأُ كَالْعَمْدِ

(وَيَجُوزُ الْقَوَدُ فِيهَا) ؛ أَيْ: فِي الْقَسَامَةِ (إذَا تَمَّتْ الشُّرُوطُ) الْعَشَرَةُ وَشُرُوطُ الْقَوَدِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ» . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: «وَيُسَلَّمُ إلَيْكُمْ» وَالرُّمَّةُ: الْحَبْلُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ مَنْ عَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَلِأَنَّ الْقَسَامَةَ حُجَّةٌ يَثْبُتُ بِهَا الْعَمْدُ فَيَجِبُ بِهَا الْقَوَدُ كَالْبَيِّنَةِ، قَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَادَ فِي الْقَسَامَةِ فِي الطَّائِفِ» وَهَذَا نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ.

[فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْبَدْءِ فِي الْقَسَامَةِ]

فَصْلٌ (وَيُبْدَأُ فِيهَا) ؛ أَيْ: الْقَسَامَةِ (بِأَيْمَانِ ذُكُورِ عَصَبَتِهِ) ، أَيْ: الْقَتِيلِ (الْوَارِثِينَ) بَدَلٌ مِنْ الْعَصَبَةِ؛ أَيْ: بِذُكُورِ الْوَارِثِينَ عُدُولًا كَانُوا أَوْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَ (لَا) يُبْدَأُ بِأَيْمَانِ (الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) أَيْ: فَلَا يَمْلِكُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ أَنَا الَّذِي أَحْلِفُ مَعَ وُجُودِ ذَكَرٍ مِنْ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ وَمَعَ وُجُودِ شَرْطِ الْقَسَامَةِ؛ لِقِيَامِ أَيْمَانِهِمْ مَقَامَ بَيِّنَتِهِمْ هُنَا خَاصَّةً؛ لِلْخَبَرِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعَصَبَةَ غَيْرَ الْوَارِثِ لَا يَحْلِفُ فِي الْقَسَامَةِ، لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ شَيْئًا مِنْ الدَّمِ.
وَلَا تَخْتَصُّ الْقَسَامَةُ بِالْعَصَبَةِ كَمَا تُوهِمُهُ عِبَارَتُهُ، بَلْ بِذُكُورِ الْوَرَثَةِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي.
تَنْبِيهٌ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعِي إلَّا بَعْدَ الِاسْتِثْبَاتِ، وَغَلَبَةِ ظَنٍّ تُقَارِبُ الْيَقِينِ، وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَعِظَهُمْ وَيَقُولَ لَهُمْ: اتَّقُوا اللَّهَ وَاسْبُتُوا، وَيَقْرَأَ عَلَيْهِمْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: 77] الْآيَةَ وَيُعَرِّفَهُمْ مَا فِي الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ مِنْ الْإِثْمِ وَإِنَّهَا تَدَعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا بِقَدْرِ إرْثِهِمْ) مِنْ الْقَتِيلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ ثَبَتَ تَبَعًا لِلْمِيرَاثِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يُقَسَّمَ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ كَالْمَالِ (وَيُكْمِلُ الْكَسْرَ كَابْنٍ وَزَوْجَةٍ) قَتِيلَةٍ (فَيَحْلِفُ الِابْنُ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ وَ) يَحْلِفُ (الزَّوْجُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ) يَمِينًا؛ لِأَنَّ لِلزَّوْجِ الرُّبُعَ، وَهُوَ مِنْ الْخَمْسِينَ اثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ، فَيُكْمِلُ؛ (فَتَصِيرُ ثَلَاثَ عَشَرَةَ) وَلِلِابْنِ الْبَاقِي وَهُوَ سَبْعٌ وَثَلَاثُونَ وَنِصْفٌ، فَيُكْمِلُ؛ فَتَصِيرُ كَمَا ذَكَرَ.
(فَلَوْ كَانَ مَعَهُمَا) ؛ أَيْ: الزَّوْجِ وَالِابْنِ (بِنْتٌ حَلَفَ زَوْجٌ سَبْعَ عَشَرَةَ)

يَمِينًا (وَ) حَلَفَ (ابْنٌ أَرْبَعَةً وَثَلَاثِينَ) لِأَنَّ حِصَّةَ الْبِنْتِ وَهِيَ الرُّبْعُ تُرَدُّ عَلَى الزَّوْجِ وَالِابْنِ بِقَدْرِ حِصَّتَيْهِمَا، فَتُقَسَّمُ الْخَمْسُونَ بَيْنَ الِابْنِ وَالزَّوْجِ عَلَى ثَلَاثَةٍ كَمَسَائِلِ الرَّدِّ وَيَكْمُلُ الْكَسْرُ.
(وَإِنْ كَانُوا) ؛ أَيْ: الْوَرَثَةُ (ثَلَاثَةَ بَنِينَ) فَقَطْ أَوْ مَعَ بَنَاتٍ وَزَوْجَةٍ (حَلَفَ كُلُّ) ابْنٍ مِنْهُمْ (سَبْعَةَ عَشَرَةَ) يَمِينًا لِيُكْمِلَ الْكَسْرَ.
(وَمَنْ مَاتَ) مِنْ مُسْتَحِقِّ الْقَسَامَةِ (قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ) فَيَحْلِفُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَيْمَانِ، فَإِنْ مَاتَ بَعْضُ وَرَثَةِ الْمُسْتَحَقِّينَ لِلْقَسَامَةِ، قُسِّمَ نَصِيبُهُ فِي الْأَيْمَانِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ عَلَى حَسَبِ مَوَارِيثِهِمْ؛ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ، فَلَوْ كَانَ لِلْقَتِيلِ ثَلَاثَةُ بَنِينَ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ عَنْ ثَلَاثَةِ بَنِينَ قُسِّمَتْ أَيْمَانُهُ بَيْنَهُمْ كُلُّ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَيْمَانٍ، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ، بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْأَيْمَانِ وَحَلِفِهِ بَعْضَهَا اسْتَأْنَفَهَا وَرَثَتُهُ وَلَا يَبْنُونَ عَلَى أَيْمَانِهِ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ جَرَتْ مَجْرَى الْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ، فَلَا تَتَبَعَّضُ.
وَإِنْ جُنَّ فِي أَثْنَاءِ الْأَيْمَانِ، ثُمَّ أَفَاقَ أَوْ تَشَاغَلَ عَنْهُ الْحَاكِمُ فِي أَثْنَائِهَا تَمَّمَ الْأَيْمَانَ، وَبَنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَلَمْ يَسْتَأْنِفْ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ لَا تَبْطُلُ بِالتَّفْرِيقِ؛ وَكَذَا إنْ عُزِلَ الْحَاكِمُ فِي أَثْنَاءِ الْأَيْمَانِ أَتَمَّهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ الثَّانِي، فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَسَامَةِ أَنْ تَكُونَ الْأَيْمَانُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَكَذَا لَوْ سَأَلَ الْحَالِفُ الْحَاكِمَ فِي أَثْنَائِهَا إنْظَارَهُ، فَأَنْظَرَهُ، ثُمَّ أَرَادَ إتْمَامَهَا؛ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا سَبَقَ.
(وَإِنْ انْفَرَدَ ذَكَرٌ وَاحِدٌ بِالْإِرْثِ) أَوْ انْفَرَدَ بِمِلْكِ الْقِنِّ أَوْ كَانَ مَعَهُ نِسَاءٌ (حَلَفَهَا) ؛ أَيْ: الْخَمْسِينَ يَمِينًا؛ لِاعْتِبَارِ عَدَدِهَا كَنِصَابِ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ خَمْسِينَ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينًا وَاحِدَةً تَعْدِيلًا بَيْنَهُمْ (وَإِنْ جَاوَزُوا) ؛ أَيْ: ذُكُورُ الْوَرَثَةِ (خَمْسِينَ) رَجُلًا (حَلَفَ) مِنْهُمْ (خَمْسُونَ) رَجُلًا بِاخْتِيَارِهِمْ (كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينًا) وَاحِدَةً، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ» وَإِنْ تَشَاحُّوا حَلَفَ مِنْهُمْ خَمْسُونَ بِقُرْعَةٍ.

[فَائِدَةٌ يُقْسِمُ عَلَى الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ سَيِّدُهُ]

فَائِدَةٌ: وَيُقْسِمُ عَلَى الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ سَيِّدُهُ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَ وَارِثِهِ، وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ قَبْلَ وُجُودِهَا كَالْقِنِّ، يُقْسِمُ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ.
وَأَمَّا الْمُبَعَّضُ فَيُقْسِمُ عَلَيْهِ وَارِثُهُ وَسَيِّدُهُ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، فَإِنْ قُتِلَ عَبْدُ الْمُكَاتَبِ فَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْجَانِي، وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْجَانِي؛ فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ؛ لِعَوْدِهِ إلَيْهِ هُوَ وَمَا كَانَ بِيَدِهِ.
وَلَوْ اشْتَرَى الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ عَبْدًا أَوْ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ عَبْدًا، فَقُتِلَ؛ فَالْقَسَامَةُ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ دُونَهُ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ لِامْرَأَةٍ أَوْ نِسَاءٍ فَكَمَا لَوْ كَانَ وَرَثَةٌ لِحُرٍّ كُلُّهُمْ نِسَاءٌ، وَيَأْتِي (وَيُعْتَبَرُ لَحَلِفٍ حُضُورُ مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ وَقْتَهُ) ؛ أَيْ: وَقْتَ الْحَلِفِ (كَبَيِّنَةٍ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْقَتْلِ فَلَا تُسْمَعُ إلَّا بِحَضْرَةِ كُلٍّ مِنْ مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ.
وَ (لَا) يُعْتَبَرُ فِيهَا (مُوَالَاةُ الْأَيْمَانِ وَلَا كَوْنُهَا فِي مَجْلِسٍ) وَاحِدٍ، فَلَوْ جِيءَ بِهَا فِي مَجَالِسَ أَجْزَأَتْهُ كَمَا لَوْ أَتَى مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ بِشَاهِدٍ (وَمَتَى حَلَفَ الذُّكُورُ) مِنْ الْوَرَثَةِ (فَالْحَقُّ) الْوَاجِبُ بِالْقَتْلِ (حَتَّى فِي) قَتْلِ (عَمْدٍ لِلْجَمِيعِ) ؛ أَيْ: جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ذُكُورٍ أَوْ نِسَاءٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلْمَيِّتِ فَصَارَ لِوَرَثَتِهِ كَالدَّيْنِ.

. وَصِفَةُ الْيَمِينِ أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَه إلَّا هُوَ عَالِمُ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، لَقَدْ قَتَلَ فُلَانٌ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ، وَيُشِيرُ إلَيْهِ فُلَانًا ابْنِي أَوْ أَخِي أَوْ نَحْوَهُ مُنْفَرِدًا بِقَتْلِهِ، مَا شَارَكَهُ غَيْرُهُ عَمْدًا أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ أَوْ خَطَأً بِسَيْفٍ أَوْ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنْ اقْتَصَرَ الْحَالِفُ عَلَى لَفْظَةِ " وَاَللَّهِ " كَفَّرَ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ تَغْلِيظٌ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ كَمَا يَأْتِي فَلَا يَكُونُ نَاكِلًا بِتَرْكِهِ، " وَيَكُونُ لَفْظُ الْجَلَالَةِ بِالْجَرِّ، فَلَوْ قَالَ: " وَاَللَّهُ " مَضْمُومًا أَوْ مَنْصُوبًا أَجْزَأَهُ.
قَالَ الْقَاضِي:

تَعَمَّدَهُ أَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ؛ لِأَنَّهُ لَحْنٌ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى، وَبِأَيِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ حَلَفَ إذَا كَانَ إطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.

(وَإِنْ نَكَلُوا) ؛ أَيْ: ذُكُورُ الْوَرَثَةِ عَنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ (أَوْ كَانُوا) ؛ أَيْ: الْوَرَثَةُ (كُلُّهُمْ خَنَاثَى أَوْ نِسَاءٌ؛ حَلَفَ مُدَّعًى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا؛ كَ) قَوْلِهِ وَاَللَّهِ: مَا قَتَلْتُهُ وَلَا شَارَكْتُ فِي قَتْلِهِ وَلَا فَعَلْتُ شَيْئًا (مَاتَ مِنْهُ) وَلَا كَانَ سَبَبًا فِي مَوْتِهِ وَلَا مُعِينًا عَلَى مَوْتِهِ، وَيَبْرَأُ إنْ رَضُوا بِأَيْمَانِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ» أَيْ: يَبْرَءُونَ مِنْكُمْ وَفِي لَفْظٍ: " فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَبْرَءُونَ مِنْ دَمِهِ " (إنْ رَضُوا) ؛ أَيْ: الْوَرَثَةُ بِأَيْمَانِهِ؛ أَيْ: أَيْمَانِ مُدَّعًى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يُحَلِّفْ الْيَهُودَ حِينَ قَالَ الْأَنْصَارُ: كَيْف تَأْخُذُ بِأَيْمَانِ قَوْمٍ كُفَّارٍ.
(فَإِنْ نَكَلَ) مُدَّعًى عَلَيْهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْخَمْسِينَ يَمِينًا (لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ بِالنُّكُولِ؛ فَيَثْبُتُ فِي حَقِّهِ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى، وَلَوْ رَدَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي؛ فَلَيْسَ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ؛ بَلْ يُقَالُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: إمَّا أَنْ تَحْلِفَ؛ أَوْ جَعَلْتُكَ نَاكِلًا، وَقَضَيْتُ عَلَيْكَ بِالنُّكُولِ.
(وَإِنْ نَكَلُوا) ؛ أَيْ: الْوَرَثَةُ عَنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ (وَلَمْ يَرْضَوْا بِيَمِينِهِ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فَدَى الْإِمَامُ الْقَتِيلَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) وَخَلَّى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَدَى الْأَنْصَارِيَّ مِنْ عِنْدِهِ لَمَّا لَمْ تَرْضَ الْأَنْصَارُ بِيَمِينِ الْيَهُودِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ سَبِيلٌ إلَى الثُّبُوتِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُوجِبُ السُّقُوطَ؛ فَوَجَبَ الْغُرْمُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِئَلَّا يَضِيعَ الْمَعْصُومُ هَدَرًا (كَمَيِّتٍ فِي زَحْمَةٍ نَحْوِ جُمُعَةٍ وَطَوَافٍ) فَيُفْدَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ نَصًّا، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَمِنْهُ مَا رَوَى سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ " عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ قُتِلَ رَجُلٌ فِي زِحَامِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، فَجَاءَ أَهْلُهُ إلَى عُمَرَ فَقَالَ: بَيِّنَتَكُمْ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ: فَقَالَ عَلِيٌّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: لَا تُبْطِلْ دَمَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إنْ عَلِمْتَ قَاتِلَهُ، وَإِلَّا فَأَعْطِ دِيَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.

(وَإِنْ وُجِدَ قَتِيلٌ وَثَمَّ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ؛ أَيْ: هُنَاكَ فِي مَحَلِّ الْقَتْلِ فِي الزَّحْمَةِ (مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ) ؛ أَيْ: الْقَتِيلِ (عَدَاوَةٌ أُخِذَ بِهِ) نَقَلَهُ مُهَنَّا وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا بِقَسَامَةٍ وَدُونِهَا.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يُؤْخَذُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْقَتِيلِ (أَيْ:) إنْ أَتَى الْمُدَّعِي (بِالْقَسَامَةِ) وَهِيَ حَلِفُهُ خَمْسِينَ يَمِينًا (بِشُرُوطِهَا) الْعَشَرَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (وَإِلَّا) تُشْتَرَطْ الْقَسَامَةُ فِي ذَلِكَ (فَ) أَخْذُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْقَتِيلِ (ضَعِيفٌ) . قَالَ الْقَاضِي فِي قَوْمٍ ازْدَحَمُوا فِي مَضِيقٍ وَتَفَرَّقُوا عَنْ قَتِيلٍ فَقَالَ: إنْ كَانَ فِي الْقَوْمِ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ هُوَ قَتَلَهُ؛ فَهُوَ لَوْثٌ، انْتَهَى.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِهِ مُطْلَقًا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْقَسَامَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

[كِتَابُ الْحُدُودِ]

(الْحُدُودُ) وَهِيَ جَمْعُ حَدٍّ، وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ، وَحُدُودُ اللَّهِ تَعَالَ مَحَارِمُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187] وَهِيَ مَا حَدَّهُ وَقَدَّرَهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُتَعَدَّى كَتَزَوُّجِ الْأَرْبَعِ، وَمَا حَدَّهُ الشَّرْعُ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَلَا النُّقْصَانُ وَالْحُدُودُ وَالْعُقُوبَاتُ الْمُقَدَّرَةُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ الْمَنْعِ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنْ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الذَّنْبِ، وَأَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ بِالْحُدُودِ الَّتِي هِيَ الْمَحَارِمُ؛ لِكَوْنِهَا زَوَاجِرَ عَنْهَا، أَوْ بِالْحُدُودِ الَّتِي هِيَ الْمُقَدَّرَاتُ.
وَالْحَدُّ عُرْفًا (عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ شَرْعًا فِي مَعْصِيَةٍ) مِنْ زِنًا وَقَذْفٍ وَشُرْبٍ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَسَرِقَةٍ، وَإِنَّمَا شُرِعَ الْحَدُّ (لِيَمْنَعَ مِنْ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِهَا) ؛ أَيْ: الْمَعْصِيَةِ.

(وَلَا يَجِبُ حَدٌّ) إلَّا عَلَى مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ لِحَدِيثِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ إذَا سَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْإِثْمُ فِي الْمَعَاصِي؛ فَالْحَدُّ الْمَبْنِيُّ عَلَى الدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ أَوْلَى، وَكَذَا لَا حَدَّ عَلَى نَائِمٍ وَنَائِمَةٍ (عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ) لِقَوْلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ: لَا حَدَّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ.
فَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ جَهِلَهُ كَمَنْ جَهِلَ تَحْرِيمَ الزِّنَا أَوْ عَيْنَ الْمَرْأَةِ كَأَنْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ، وَطِئَهَا ظَنًّا أَنَّهَا امْرَأَتُهُ وَنَحْوُهُ، لِحَدِيثِ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (مُلْتَزِمٍ) أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ (كَذِمِّيٍّ لَا) حَرْبِيٍّ " مُعَاهِدٍ وَمُسْتَأْمَنٍ " وَتَقَدَّمَ فِي هُدْنَةٍ يُؤْخَذُ مُهَادَنٌ بِحَدٍّ لِآدَمِيٍّ كَحَدِّ قَذْفٍ وَسَرِقَةٍ لَا بِحَدٍّ لِلَّهِ كَزِنًا.

(وَإِقَامَتُهُ) ؛ أَيْ: الْحَدِّ (لِإِمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ مُطْلَقًا) : أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ الْحَدُّ لِلَّهِ كَحَدِّ زِنًا أَوْ لِآدَمِيٍّ كَحَدِّ قَذْفٍ؛ لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى الِاجْتِهَادِ، وَلَا يُؤْمَنُ فِيهِ الْحَيْفُ؛ فَوَجَبَ تَفْوِيضُهُ إلَى نَائِبِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُقِيمُ الْحُدُودَ فِي حَيَاتِهِ وَكَذَا خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَيَقُومُ نَائِبُ الْإِمَامِ فِيهِ مَقَامَهُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسٌ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا» . وَأَمَرَ بِرَجْمِ مَاعِزٍ وَلَمْ يَحْضُرْهُ وَقَالَ فِي سَارِقٍ أُتِيَ بِهِ: «اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ» .

(وَتَحْرُمُ شَفَاعَةٌ) فِي حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ يَبْلُغَ الْإِمَامَ، (وَ) يَحْرُمُ (قَبُولُهَا) ؛ أَيْ: الشَّفَاعَةِ فِي (حَدٍّ لِلَّهِ) تَعَالَى (بَعْدَ أَنْ يَبْلُغَ الْحَاكِمَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» وَلِأَنَّ الشَّفَاعَةَ طَلَبُ فِعْلٍ مُحَرَّمٍ عَلَى مَنْ طَلَبَهُ مِنْهُ.

(وَلِسَيِّدٍ حُرٍّ مُكَلَّفٍ عَالِمٍ بِهِ) ؛ أَيْ: الْحَدِّ (وَبِشُرُوطِهِ، وَلَوْ) كَانَ، السَّيِّدُ (فَاسِقًا أَوْ امْرَأَةً إقَامَتُهُ) ؛ أَيْ: الْحَدَّ (بِجَلْدِ خَاصَّتِهِ) عَلَى رَقِيقِهِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا»

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ.
(وَ) لِلسَّيِّدِ (إقَامَةُ تَعْزِيرٍ عَلَى رَقِيقٍ كُلِّهِ) لَا مُبَعِّضٍ لَهُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ تَأْدِيبَ رَقِيقِهِ وَضَرَبَهُ عَلَى الذَّنْبِ، وَهَذَا مِنْ جِنْسِهِ، وَلِكَوْنِ سَبَبِ وِلَايَتِهِ الْمِلْكَ، اسْتَوَى الْعَدْلُ وَالذَّكَرُ فِيهِ وَضِدُّهُمَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِمُكَاتَبٍ وَلَا شَرِيكٍ فِي قِنٍّ إقَامَتُهُ عَلَيْهِ؛ لِقُصُورِ وِلَايَتِهِ، وَلَا لِغَيْرِ مُكَلَّفٍ، لِأَنَّهُ مُوَلًّى عَلَيْهِ، (وَ) لَوْ كَانَ الرَّقِيقُ (مُكَاتَبًا) عَلَى مَا قَطَعَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ ". وَتَبِعَهُ صَاحِبُ " الْمُنْتَهَى " " وَالْإِقْنَاعِ " قَالَ فِي " الْمُنَوِّرِ " وَيَمْلِكُهُ " السَّيِّدُ مُطْلَقًا عَلَى قِنٍّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَقَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " إنَّهُ هُوَ الْمَذْهَبُ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِتَمَامِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ (أَوْ مَرْهُونًا أَوْ مُسْتَأْجَرًا) ؛ أَيْ: فَلِلسَّيِّدِ إقَامَتُهُ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُمَا مِلْكُهُ.
(وَلَا) يُقِيمُهُ سَيِّدٌ عَلَى أَمَةٍ (مُزَوَّجَةٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ مُزَوَّجَةً رُفِعَتْ إلَى السُّلْطَانِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ جَلَدَهَا سَيِّدُهَا نِصْفَ مَا عَلَى الْمُحْصَنِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ مِلْكًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ، أَشْبَهَتْ الْمُشْتَرَكَةَ (وَمَا ثَبَتَ) مِمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى رَقِيقٍ (بِعِلْمِ سَيِّدٍ لَا حَاكِمٍ) بِرُؤْيَةٍ (أَوْ بِإِقْرَارِ) رَقِيقٍ (كَ) كَالثَّابِتِ (بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى التَّأْدِيبِ، بِخِلَافِ الْحَاكِمِ فَإِنَّهُ مُتَّهَمٌ.
وَلِلسَّيِّدِ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ عَلَى رَقِيقِهِ إذَا عَلِمَ شُرُوطَهَا.
(وَلَيْسَ لَهُ) ؛ أَيْ: السَّيِّدِ (قَتْلٌ فِي رِدَّةٍ وَلَا قَطْعٌ فِي سَرِقَةٍ) لِأَنَّ الْأَصْلَ تَفْوِيضُ إقَامَةِ الْحَدِّ إلَى الْإِمَامِ وَإِنَّمَا فُوِّضَ إلَى السَّيِّدِ الْجَلْدُ خَاصَّةً لِأَنَّهُ تَأْدِيبٌ.
وَالْحَدِيثُ جَاءَ فِي جَارِيَةٍ زَنَتْ؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ ذَلِكَ الْحَدَّ وَشِبْهَهُ، وَلِأَنَّ فِي الْجَلْدِ سِتْرًا عَلَى رَقِيقِهِ، لِئَلَّا يَفْتَضِحَ بِإِقَامَةِ الْإِمَامِ الْحَدَّ عَلَيْهِ، فَتَنْقُصُ قِيمَتُهُ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِيهِمَا.

(وَتَجِبُ إقَامَةُ الْحُدُودِ وَلَوْ كَانَ مَنْ يُقِيمُهُ) ؛ أَيْ: الْحَدَّ (شَرِيكًا)

لِمُقَامٍ عَلَيْهِ الْحَدُّ (أَوْ) كَانَ مَنْ يُقِيمُهُ (عَوْنًا لِمُقَامٍ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ) ، لِأَنَّ مُشَارَكَتَهُ أَوْ إعَانَتَهُ لَهُ مَعْصِيَةٌ وَعَدَمَ إقَامَتِهِ مَعْصِيَةٌ؛ فَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ مَعْصِيَتَيْنِ (وَكَذَا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ) لَا يَسْقُطُ بِالْمُشَارَكَةِ أَوْ الْإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى (فَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ مَعْصِيَتَيْنِ بَلْ يَجِبُ الْإِقْلَاعُ عَنْهُمَا) .

(وَتَحْرُمُ إقَامَتُهُ) ؛ أَيْ: الْحَدِّ (بِمَسْجِدٍ) جَلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ؛ لِمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ تُقَامَ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ» . وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِرَجُلٍ زَنَى فَقَالَ؛ أَخْرِجُوهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَاضْرِبُوهُ.
وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَأَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَقَطَعَ يَدَهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ، فَيُنَجِّسَهُ وَيُؤْذِيَهُ، فَإِنْ أُقِيمَ بِهِ لَمْ يَعُدْ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ الزَّجْرِ.

(وَ) يَحْرُمُ (أَنْ يُقِيمَهُ إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ بِعِلْمِهِ) ؛ أَيْ: بِلَا بَيِّنَةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15] لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13] وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّكَلُّمُ بِهِ؛ فَالْعَمَلُ أَوْلَى حَتَّى وَلَوْ رَمَاهُ بِمَا عَلِمَهُ مِنْهُ كَانَ قَاذِفًا يُحَدُّ لِلْقَذْفِ.

(أَوْ) ؛ أَيْ: وَيَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ (وَصِيٌّ عَلَى رَقِيقِ مُوَلِّيهِ) لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ (كَأَجْنَبِيٍّ) فَلَا يُقِيمُهُ عَلَى رَقِيقِ غَيْرِهِ (وَلَا يَضْمَنُ مَنْ) أَقَامَ حَدًّا عَلَى مَنْ (لَا لَهُ إقَامَتُهُ) عَلَيْهِ (فِيمَا حَدُّهُ الْإِتْلَافُ) مِنْ عُضْوٍ أَوْ نَفْسٍ كَقَتْلِ زَانٍ مُحْصَنٍ وَقَطْعٍ فِي سَرِقَةٍ، فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَهُ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ يُؤَدَّبُ لِافْتِئَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ.

(وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ) الْحَدَّ (قَائِمًا) لِيُعْطَى كُلُّ عُضْوٍ حَظَّهُ مِنْ الضَّرْبِ (بِسَوْطٍ لَا خَلَقٍ) نَصًّا (بِفَتْحِ اللَّامِ) لِأَنَّهُ لَا يُؤْلِمُ (وَلَا جَدِيدٍ) لِئَلَّا يَجْرَحَ

(غَيْرَ جِلْدٍ) بَيْنَ الْيَابِسِ وَالرَّطْبِ، (قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ " فَوْقَ الْقَضِيبِ وَدُونَ الْعَصَا) وَلَا يُضْرَبُ فِي الْحَدِّ بِعَصًا وَلَا غَيْرِهَا مِنْ جِلْدٍ أَوْ نَحْوِهِ، نَقُولُ: عَلَى ضَرْبٍ بَيْنَ ضَرْبَيْنِ، وَسَوْطٍ بَيْنَ سَوْطَيْنِ يَعْنِي لَا شَدِيدٍ فَيَقْتُلَ، وَلَا ضَعِيفٍ فَلَا يَرْدَعُ.
وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا: «أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَى بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ فَقَالَ: فَوْقَ هَذَا، فَأَتَى بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُكْسَرْ ثَمَرَتُهُ، فَقَالَ: بَيْنَ هَذَيْنِ» (بِلَا مَدٍّ وَلَا رَبْطٍ وَلَا تَجْرِيدٍ) مِنْ ثَبَاتٍ، لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَيْسَ فِي دِينِنَا مَدٌّ وَلَا قَيْدٌ وَلَا تَجْرِيدٌ (لِلْمَحْدُودِ) وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِعْلُ ذَلِكَ (بَلْ) يَكُونُ الْمَحْدُودُ (فِي قَمِيصٍ أَوْ قَمِيصَيْنِ) وَيُنْزَعُ عَنْهُ فَرْوٌ وَجُبَّةٌ مَحْشُوَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تُرِكَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَمْ يُبَالِ بِالضَّرْبِ.
(وَلَا يُبَالَغُ فِي ضَرْبٍ) بِحَيْثُ يَشُقُّ الْجِلْدَ، لِأَنَّ الْقَصْدَ أَدَبُهُ لَا إهْلَاكُهُ.
(وَلَا يُبْدِي ضَارِبٌ إبْطَهُ فِي رَفْعِ يَدٍ) لِلضَّرْبِ نَصًّا (وَسُنَّ تَفْرِيقُهُ) ؛ أَيْ: الضَّرْبِ (عَلَى الْأَعْضَاءِ) لِيَأْخُذَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ حَظَّهُ، وَتَوَالِي الضَّرْبِ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ يُؤَدِّي إلَى قَتْلِهِ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِعَدَمِهِ.
(وَيُضْرَبُ مِنْ جَالِسٍ ظَهْرُهُ وَمَا قَارَبَهُ) ؛ أَيْ: الظَّهْرَ (وَ) وَيُكْثَرُ مِنْهُ (فِي مَوَاضِعِ اللَّحْمِ كَالْأَلْيَتَيْنِ وَالْفَخِذَيْنِ) لِأَنَّهُمَا أَشَدُّ تَحَمُّلًا، (وَ) يَجِبُ فِي الْجَلْدِ (اتِّقَاءُ وَجْهٍ وَ) اتِّقَاءُ (رَأْسٍ وَ) اتِّقَاءُ (فَرْجٍ وَ) اتِّقَاءُ (مَقْتَلٍ) كَفُؤَادٍ وَخُصْيَتَيْنِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ ضَرْبُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ إلَى قَتْلِهِ أَوْ ذَهَابِ مَنْفَعَتِهِ، وَالْقَصْدُ أَدَبُهُ فَقَطْ (وَامْرَأَةٌ كَرَجُلٍ إلَّا أَنَّهَا تُضْرَبُ جَالِسَةً) لِقَوْلِ عَلِيٍّ: تُضْرَبُ الْمَرْأَةُ جَالِسَةً وَالرَّجُلُ قَائِمًا، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ، وَهَذَا سَتْرٌ لَهَا وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، (وَتُمْسَكُ يَدَاهَا) لِئَلَّا تَنْكَشِفَ.
(وَيُجْزِئُ ضَرْبٌ فِي حَدٍّ بِسَوْطٍ مَغْصُوبٍ) عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى النَّهْيِ؛ لِلْإِجْمَاعِ، ذَكَرَهُ فِي " التَّمْهِيدِ (وَلَا تُعْتَبَرُ) لِإِقَامَةِ حَدٍّ (مُوَالَاةُ) الضَّرْبِ فِي الْجَلْدِ لِزِيَادَةِ الْعُقُوبَةِ وَالسُّقُوطِ بِالشُّبْهَةِ، (بَلْ) تُعْتَبَرُ (نِيَّةٌ لِيَصِيرَ قُرْبَةً، فَيَضْرِبُهُ لِلَّهِ، وَلَمَّا وَضَعَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ) لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (فَإِنَّ جَلْدَهُ لِلتَّشَفِّي إثْمٌ) لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ وَلَيْسَ بِحَدٍّ (وَلَا يُعِيدُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمَحْدُودِ، قَطَعَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " (وَفِي نُسَخِ الْإِنْصَافِ " " وَالْفُرُوعِ " وَيُعِيدُهُ) ذَكَرَهُ فِي " الْمَنْثُورِ " عَنْ الْقَاضِي (وَهُوَ أَنْسَبُ حَيْثُ اُعْتُبِرَتْ النِّيَّةُ) . قَالَ فِي " الْفُصُولِ: يُحْتَاجُ عِنْدَ إقَامَتِهِ إلَى نِيَّةِ الْإِمَامِ أَنْ يَضْرِبَ لِلَّهِ وَلِمَا وَضَعَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْجَلَّادُ، لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا تَوَلَّى أَوْ أَمَرَ عَبْدًا أَعْجَمِيًّا يَضْرِبُ لَا عِلْمَ لَهُ بِالنِّيَّةِ؛ أَجْزَأَتْ نِيَّتُهُ، وَالْعَبْدُ كَالْآلَةِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عَلَى الْمُقِيمِ لِلْحُدُودِ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا النَّفْعَ وَالْإِحْسَانَ، كَمَا يَقْصِدُ الْوَالِدُ بِعُقُوبَةِ الْوَلَدِ وَالطَّبِيبُ بِدَوَاءِ الْمَرِيضِ، فَلَمْ يَأْمُرْ الشَّرْعُ إلَّا بِمَا هُوَ نَفْعٌ لِلْعِبَادِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَقْصِدَ ذَلِكَ (وَأَشَدُّهُ) ؛ أَيْ: [الْجَلْدِ] فِي الْحُدُودِ (جَلْدُ زِنًا فَ) جَلْدُ (قَذْفٍ فَ) جَلْدُ (شُرْبِ) خَمْرٍ (فَ) جَلْدُ (تَعْزِيرٍ) لِأَنَّهُ تَعَالَى خَصَّ الزِّنَا بِمَزِيدِ تَأْكِيدٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ فَيَكُونُ فِي الصِّفَةِ، وَلِأَنَّ مَا دُونَهُ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الْعَدَدِ فَكَذَا فِي الصِّفَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا خَفَّ عَدَدُهُ خَفَّ فِي صِفَتِهِ.

(وَإِنْ رَأَى إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ الضَّرْبَ فِي حَدِّ شُرْبِ) مُسْكِرٍ (بِجَرِيدٍ أَوْ بِنِعَالٍ) فَلَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " " وَالشَّرْحِ " " وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ جَمْعٌ: مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْهِدَايَةِ " " وَالْمُذَهَّبِ " " وَالْمُسْتَوْعِبِ " " وَالْخُلَاصَةِ " " وَالرِّعَايَتَيْنِ " " وَالْحَاوِي " " وَالْبُلْغَةِ " وَغَيْرِهِمْ وَبِأَيْدٍ، أَيْضًا، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْحَدِيثِ.
وَكَذَلِكَ اسْتَدَلَّ الشَّارِحُ بِذَلِكَ (قَالَ الْمُنَقِّحُ: وَهُوَ أَظْهَرُ فَلَهُ ذَلِكَ) لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ: اضْرِبُوهُ» . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ وَالضَّارِبُ بِيَدِهِ.

(وَلَا يُؤَخَّرُ) اسْتِيفَاءُ (حَدٍّ لِمَرَضٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ (وَلَوْ رُجِيَ زَوَالُهُ) لِأَنَّ عُمَرَ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي مَرَضِهِ، وَلَمْ يُؤَخِّرْهُ، وَانْتَشَرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ؛ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ (وَلَا تُؤَخَّرُ النُّفَسَاءُ فَتُحَدُّ) النُّفَسَاءُ (بِمُجَرَّدِ وَضْعٍ) (خِلَافًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ؛ أَيْ: الْحَدُّ جَلْدًا، فَإِذَا وَضَعَتْهُ وَانْقَطَعَ النِّفَاسُ، وَكَانَتْ قَوِيَّةً يُؤْمَنُ تَلَفُهَا؛ أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَتْ فِي نِفَاسِهَا أَوْ ضَعِيفَةً يُخَافُ عَلَيْهَا، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهَا حَتَّى تَطْهُرَ وَحَتَّى تَقْوَى.
قَالَ: وَهَذَا الَّذِي تَقْتَضِيهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ فَلَا يُؤَخَّرُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ.

(وَلَا) يُؤَخَّرُ الِاسْتِيفَاءُ (لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ) وَلَوْ مُفْرِطَيْنِ (أَوْ ضَعْفٍ لِوُجُوبِهِ فَوْرًا) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ كَانَ) الْمَحْدُودُ مَرِيضًا أَوْ نَصَفَ الْخِلْقَةِ أَوْ فِي شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، أَوْ كَانَ الْحَدُّ (جَلْدًا، أَوْ خِيفَ) عَلَى الْمَحْدُودِ: (مِنْ السَّوْطِ لَمْ يَتَعَيَّنْ، فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِطَرَفِ ثَوْبٍ أَوْ عُثْكُولِ نَخْلٍ) وَالْعُثْكُولُ بِوَزْنِ عُصْفُورٍ هُوَ الضِّغْثُ بِالضَّادِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ (فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، فَيَضْرِبُ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً) أَوْ يَضْرِبُ بِخَمْسِينَ شِمْرَاخًا ضَرْبَتَيْنِ.
لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّ رَجُلًا اشْتَكَى حَتَّى ضَنِيَ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ، فَهَشَّ لَهَا، فَوَقَعَ بِهَا، فَسُئِلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنْ يَأْخُذُوا مِائَةَ شِمْرَاخٍ فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ.
وَلِأَنَّ ضَرْبَهُ التَّامَّ يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِهِ، وَتَرْكَهُ بِالْكُلِّيَّةِ غَيْرُ جَائِزٍ؛ فَتَعَيَّنَ مَا ذُكِرَ.

[تَتِمَّةٌ لَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى حَامِلٍ]

تَتِمَّةٌ: وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ رَجْمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ عَلَى حَامِلٍ وَلَوْ مِنْ زِنًا حَتَّى تَضَعَ؛ لِئَلَّا يَتَعَدَّى إلَى الْحَمْلِ، فَإِنْ كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا لَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَسْقِيَهُ اللِّبَأَ، ثُمَّ إنْ كَانَ

لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ أَوْ تَكَفَّلَ أَحَدٌ بِرَضَاعِهِ، رُجِمَتْ، وَإِلَّا تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ حَمْلُ الزَّانِيَةِ لَمْ تُؤَخَّرْ، لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ حَمَلَتْ لِأَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ وَاجِبَةٌ فَوْرًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ - أَيْ الْحَمْلِ - وَإِنْ ادَّعَتْ الزَّانِيَةُ الْحَمْلَ قَبْلَ قَبُولِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.

(وَيُؤَخَّرُ) الْحَدُّ (لِسُكْرٍ حَتَّى يَصْحُوَ) الشَّارِبُ نَصًّا لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ وَهُوَ الزَّجْرُ (فَلَوْ خَالَفَ) وَأَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي سُكْرِهِ (سَقَطَ الْحَدُّ إنْ أَحَسَّ) بِأَلَمِ الضَّرْبِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ سَكْرَانَ (وَإِلَّا) يُحِسَّ بِأَلَمِ الضَّرْبِ (فَلَا) يَسْقُطُ الْحَدُّ (لِأَنَّ كُلَّ حَدٍّ شَرْطُهُ التَّأْلِيمُ) وَلَمْ يُوجَدْ (وَيُؤَخَّرُ قَطْعٌ) فِي سَرِقَةٍ وَنَحْوِهَا (خَوْفَ تَلَفٍ) مَحْدُودٍ بِقَطْعِهِ؛ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْقَصْدَ زَجْرُهُ لَا إهْلَاكُهُ.

(وَيَحْرُمُ بَعْدَ) إقَامَةِ (حَدٍّ حَبْسٌ وَإِيذَاءٌ بِكَلَامٍ) نَصَّ عَلَيْهِ كَالتَّعْيِيرِ؛ لِنَسْخِهِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الْحَدِّ كَنَسْخِ حَبْسِ الْمَرْأَةِ.

(وَمَنْ مَاتَ) بِجَلْدٍ (فِي تَعْزِيرٍ أَوْ حَدٍّ بِقَطْعٍ) فِي سَرِقَةٍ (أَوْ جَلْدٍ) أَوْ تَأْدِيبٍ مُعْتَادٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ مُعَلِّمٍ أَوْ وَالِدٍ أَوْ زَوْجٍ (وَلَمْ يَلْزَمْهُ تَأْخِيرٌ) ، أَيْ: الْحَدِّ (فَ) هُوَ (هَدَرٌ) لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ شَرْعًا، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ نَائِبٌ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَكَانَ التَّلَفُ مَنْسُوبٌ إلَى اللَّهِ، فَإِنْ لَزِمَ تَأْخِيرُ الْحَدِّ بِأَنْ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ كَانَ مَرِيضًا، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، فَاسْتَوْفَاهُ حِينَئِذٍ، (فَتَلِفَ الْمَحْدُودُ) ضَمِنَهُ، لِعِدْوَانِهِ.

(وَمَنْ زَادَ) فِي عَدَدِ جَلْدٍ (وَلَوْ) كَانَ الزَّائِدُ (جَلْدَةً أَوْ) زَادَ (فِي السَّوْطِ) الَّذِي ضَرَبَهُ بِهِ؛ بِأَنْ ضَرَبَهُ بِأَكْبَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ (أَوْ اعْتَمَدَ) الْجَلَّادُ (فِي ضَرْبِهِ) فَتَلِفَ الْمَحْدُودُ، ضَمِنَهُ بِدِيَتِهِ، (أَوْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ لَا يَحْتَمِلُهُ) لِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ (فَتَلِفَ؛ ضَمِنَهُ) لِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ ضَرَبَهُ فِي غَيْرِ الْحَدِّ (بِدِيَتِهِ) كَامِلَةٍ؛ لِحُصُولِ تَلَفِهِ بِعُدْوَانِهِ، وَكَمَا لَوْ أَلْقَى حَجَرًا أَوْ نَحْوَهُ عَلَى سَفِينَةٍ مَوْقُورَةٍ فَخَرَقَهَا.

(وَمَنْ أُمِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (بِزِيَادَةٍ) عَلَى الْجَلْدِ الْوَاجِبِ فِي الْحَدِّ (فَزَادَ جَهْلًا) بِعَدَدِ الضَّرْبِ الْوَاجِبِ أَوْ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ مُحَرَّمَةٌ، فَمَاتَ الْمَضْرُوبُ (ضَمِنَهُ آمِرٌ) لِأَنَّ الْجَلَّادَ مَعْذُورٌ بِالْجَهْلِ، (وَإِلَّا) يَجْهَلْ الْجَلَّادُ ذَلِكَ.
(فَضَارِبٌ) يَضْمَنُهُ وَحْدَهُ، كَمَنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِالْقَتْلِ ظُلْمًا فَقَتَلَ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ (وَإِنْ تَعَمَّدَهُ) ؛ أَيْ: الزَّائِدَ (الْعَادُّ فَقَطْ) ؛ أَيْ: دُونَ الْآمِرِ وَالضَّارِبِ؛ ضَمِنَهُ الْعَادُّ؛ لِحُصُولِ التَّلَفِ بِسَبَبِ تَعَمُّدِهِ (أَوْ أَخْطَأَ) الْعَادُّ (وَادَّعَى ضَارِبٌ الْجَهْلَ) بِالزِّيَادَةِ (ضَمِنَهُ الْعَادُّ) لِحُصُولِ التَّلَفِ بِسَبَبِهِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ ضَارِبٍ فِي الْجَهْلِ بِذَلِكَ بِيَمِينِهِ (وَتَعَمُّدُ إمَامٍ لِزِيَادَةٍ شِبْهِ عَمْدٍ؛ تَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُ) لِأَنَّ الدِّيَةَ وَجَبَتْ بِخَطَئِهِ فَكَانَتْ عَلَى عَاقِلَتِهِ، كَمَا لَوْ رَمَى صَيْدًا فَقَتَلَ آدَمِيًّا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ خَطَئِهِ فِي حُكْمِهِ لِيَكُونَ فِي بَيْتِ الْمَالِ.

(وَلَا يُحْفَرُ لِمَرْجُومٍ وَلَوْ) كَانَ الْمَرْجُومُ أُنْثَى؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَحْفِرْ لِمَاعِزٍ [قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَمَّا «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجْمِ مَاعِزٍ] خَرَجْنَا بِهِ إلَى الْبَقِيعِ فَوَاَللَّهِ مَا حَفَرْنَا لَهُ وَلَا أَوْثَقْنَاهُ؛ وَلَكِنْ قَامَ لَنَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَالْمَرْأَةُ كَذَلِكَ.
نَصَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَرْكِ الْحَفْرِ، وَسَوَاءٌ ثَبَتَ الزِّنَا بِإِقْرَارٍ أَوْ (ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ) «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَحْفِرْ لِلْجُهَنِيَّةِ وَالْيَهُودِيِّينَ» ، وَتُشَدُّ ثِيَابُ الْمَرْأَةِ عَلَيْهَا؛ لِئَلَّا تَنْكَشِفَ؛ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

(وَيَجِبُ فِي) إقَامَةِ (حَدِّ زِنًا حُضُورُ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ) أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " (وَ) يَجِبُ فِي حَدٍّ حُضُورُ (طَائِفَةٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) ، وَلَوْ وَاحِدًا؛ أَيْ: مَعَ مَنْ يُقِيمُ الْحَدَّ نَقَلَهُ فِي " الْكَافِي " عَنْ الْأَصْحَابِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] . (وَسُنَّ حُضُورُ مَنْ شَهِدَ) بِزِنًا، (وَ) سُنَّ (بَدْأَتُهُمْ) ؛ أَيْ: الشُّهُودِ

(بِرَجْمٍ وَأَنْ يَدُورَ النَّاسُ حَوْلَ مَرْجُومٍ) مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (كَالدَّائِرَةِ إنْ كَانَ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى تَمْكِينِهِ مِنْ الْهَرَبِ.
وَ (لَا) يُسَنُّ ذَلِكَ إنْ كَانَ زِنَاهُ ثَبَتَ (بِإِقْرَارٍ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَهْرُبَ، فَيُتْرَكُ) وَلَا يُتَمَّمُ عَلَيْهِ الْحَدُّ (فَلَوْ ثَبَتَ الزِّنَا بِإِقْرَارٍ سُنَّ بُدَاءَةُ إمَامٍ أَوْ مَنْ يُقِيمُهُ) إمَامٌ مُقَامَهُ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عَلِيٍّ: الرَّجْمُ رَجْمَانِ؛ فَمَا كَانَ مِنْهُ بِإِقْرَارٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الْإِمَامُ، وَمَا كَانَ بِبَيِّنَةٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الْبَيِّنَةُ ثُمَّ النَّاسُ، وَلِأَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ أَبْعَدُ مِنْ التُّهْمَةِ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِ.
(وَمَتَى رَجَعَ مُقِرٌّ بِهِ) ؛ أَيْ: بِزِنًا عَنْ إقْرَارٍ، لَمْ يُقَمْ، أَوْ رَجَعَ مُقِرٌّ (بِسَرِقَةِ شَيْءٍ أَوْ شُرْبِ) خَمْرٍ عَنْ إقْرَارِهِ (قَبْلَهُ) ؛ أَيْ: قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ (وَلَوْ بَعْدَ الشَّهَادَةِ عَلَى إقْرَارِهِ) بِالزِّنَا أَوْ السَّرِقَةِ أَوْ الشُّرْبِ (لَمْ يُقَمْ) عَلَيْهِ (وَإِنْ رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ حَدٍّ لِلَّهِ) تَعَالَى (أَوْ هَرَبَ) ؛ (تُرِكَ وُجُوبًا) لِأَنَّ مَاعِزًا هَرَبَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ» ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ وَمَعْمَرِ بْنِ هَزَّالٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَلِأَنَّ رُجُوعَهُ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَكَمَا لَوْ رَجَعَتْ الْبَيِّنَةُ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَفَارَقَ سَائِرَ الْحُقُوقِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
(فَإِنْ تُمِّمَ) حَدٌّ عَلَى رَاجِعٍ عَنْ إقْرَارِهِ (فَلَا قَوَدَ) فِيهِ؛ لِلشُّبْهَةِ (وَضَمِنَ رَاجِعٌ) صَرِيحًا (لَا هَارِبٌ بِالدِّيَةِ) لِزَوَالِ إقْرَارِهِ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْهَارِبِ، فَإِنْ قَالَ: رُدُّونِي لِلْحَاكِمِ، وَجَبَ رَدُّهُ، فَلَوْ لَمْ يَرُدُّوهُ حَتَّى تَمَّ الْحَدُّ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي رُجُوعِهِ.

(وَإِنْ ثَبَتَ) زِنًا أَوْ سَرِقَةٌ أَوْ شُرْبٌ (بِبَيِّنَةٍ عَلَى الْفِعْلِ) ، أَيْ: فِعْلِ مَا ذَكَرَ لَا عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ (فَهَرَبَ) مَحْدُودٌ (لَمْ يُتْرَكْ) لِثُبُوتِ فِعْلِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ، فَلَا يُؤَثِّرُ رُجُوعُهُ وَلَا هَرَبُهُ.

(وَإِنْ أَقَرَّ مَنْ يُجَنُّ - أَحْيَانًا - بِزِنًا، وَلَمْ يُضِفْهُ لِإِفَاقَتِهِ) فَلَا حَدَّ (أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِزِنًا، وَلَمْ تُضِفْهُ) لِإِفَاقَتِهِ (فَلَا حَدَّ) عَلَيْهِ؛ لِلشُّبْهَةِ.

(وَمَنْ أَتَى) مَا يُوجِبُ (حَدًّا سَتَرَ نَفْسَهُ) اسْتِحْبَابًا (وَلَمْ) يَجِبْ، وَلَمْ (يُسَنَّ أَنْ يُقِرَّ بِهِ عِنْدَ حَاكِمٍ) لِحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ سِتِّيرٌ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ السِّتِّيرَ» .

(وَمَنْ قَالَ لَحَاكِمٍ أَصَبْت حَدًّا) فَقَطْ (لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) مَا لَمْ يُبَيِّنْ نَصًّا، وَيُحَدُّ مَنْ زَنَى هَزِيلًا وَلَوْ بَعْدَ سُمْنَةٍ، وَكَذَا عُقُوبَةُ الْآخِرَةِ كَمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ زَنَى أُعِيدَتْ بَعْدَ بَعْثِهِ وَعُوقِبَ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُنُونِ ".

(وَالْحَدُّ كَفَّارَةٌ لِذَلِكَ الذَّنْبِ) الَّذِي أَوْجَبَهُ نَصًّا؛ لِلْخَبَرِ.

[فَصْلٌ اجْتَمَعَتْ حُدُودٌ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ]

فَصْلٌ (وَإِنْ اجْتَمَعَتْ حُدُودٌ لِلَّهِ) تَعَالَى (مِنْ جِنْسٍ) وَاحِدٍ (بِأَنْ زَنَى) مِرَارًا (أَوْ سَرَقَ) مِرَارًا (أَوْ شَرِبَ) الْخَمْرَ (مِرَارًا تَدَاخَلَتْ، فَلَا يُحَدُّ سِوَى مَرَّةٍ) وَاحِدَةٍ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعُ كُلِّ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ الْغَرَضَ الزَّجْرُ عَنْ إتْيَانِ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِحَدٍّ وَاحِدٍ وَكَالْكَفَّارَاتِ مِنْ جِنْسٍ.
(وَ) إنْ اجْتَمَعَتْ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى (مِنْ أَجْنَاسٍ) كَأَنْ زَنَى وَسَرَقَ وَشَرِبَ الْخَمْرَ (وَفِيهَا قَتْلٌ) بِأَنْ كَانَ فِي الْمِثَالِ مُحْصَنًا (اسْتَوْفَى) الْقَتْلَ (وَحْدَهُ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا اجْتَمَعَ حَدَّانِ أَحَدُهُمَا الْقَتْلُ أَحَاطَ الْقَتْلُ بِذَلِكَ.
وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَكَالْمُحَارِبِ إذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ الزَّجْرُ، وَمَعَ الْقَتْلِ لَا حَاجَةَ إلَى زَجْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ

وَإِنْ اجْتَمَعَ مَا يُوجِبُ الرَّجْمَ وَالْقَتْلَ لِلْمُحَارَبَةِ وَالرِّدَّةِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْتَلَ لِلْمُحَارَبَةِ، وَيَسْقُطُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ آدَمِيٍّ فِي الْقِصَاصِ،

وَالْمُحَارَبَةُ إنَّمَا أَثَّرَتْ بِتَحَتُّمِهِ، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ، (وَإِلَّا) يَكُنْ فِيهَا قَتْلٌ وَهِيَ مِنْ أَجْنَاسٍ كَبِكْرٍ زَنَى وَشُرْبٍ وَسَرِقَةٍ (وَجَبَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَحَقِّ فَالْأَحَقُّ) فَيَحُدُّ أَوَّلًا لِشُرْبٍ ثُمَّ لِزِنًا ثُمَّ لِقَطْعٍ (وَتُسْتَوْفَى حُقُوقُ آدَمِيٍّ كُلُّهَا) فِيهَا قَتْلٌ أَوْ لَا كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَلِأَنَّ مَا دُونَ الْقَتْلِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ؛ فَلَا يَسْقُطُ بِالْقَتْلِ كَالدُّيُونِ، بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ.
(وَيَبْدَأُ بِغَيْرِ قَتْلٍ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفُّ وُجُوبًا) فَمَنْ قَذَفَ وَقَطَعَ عُضْوًا وَقَتَلَ مُكَافِئًا؛ حُدَّ أَوَّلًا لِقَذْفٍ ثُمَّ قُطِعَ ثُمَّ قُتِلَ (وَكَذَا لَوْ اجْتَمَعَتْ) حُقُوقُ آدَمِيٍّ (مَعَ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى) فَيَسْتَوْفِي كُلَّهَا (وَيُبْدَأُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ، فَلَوْ زَنَى وَشَرِبَ، وَقَذَفَ، وَقَطَعَ يَدًا؛ قُطِعَ) ؛ أَيْ: قُطِعَتْ يَدُهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ حَقِّ آدَمِيٍّ؛ لِسُقُوطِهِ بِإِسْقَاطِهِ؛ (ثُمَّ حُدَّ لِقَذْفٍ) لِلِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهِ حَقًّا لِآدَمِيٍّ (فَشُرْبٍ فَزِنًا لَكِنْ لَوْ قَتَلَ) مُكَافِئًا عَمْدًا (وَارْتَدَّ أَوْ سَرَقَ) مَا يُوجِبُ الْقَطْعَ (وَقَطَعَ يَدًا، قُتِلَ لَهُمَا أَوْ قُطِعَ لَهُمَا) لِاتِّحَادِ حَقِّ مَحِلِّ الْحَقَّيْنِ، فَتَدَاخَلَا.
(وَلَا يُسْتَوْفَى حَدٌّ حَتَّى يَبْرَأَ مَا قَبْلَهُ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَوَالِي الْحُدُودِ عَلَيْهِ إلَى تَلَفِهِ.

[تَتِمَّةٌ سَرَقَ وَقَتَلَ فِي الْمُحَارَبَةِ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ]

تَتِمَّةٌ وَإِنْ سَرَقَ وَقَتَلَ فِي الْمُحَارَبَةِ، وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ؛ قُتِلَ حَتْمًا لِلْقَتْلِ وَلَمْ يُطْلَبْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مَالًا، وَلَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ لِلسَّرِقَةِ؛ لِأَنَّهُ حُدَّ لِلَّهِ فَيَدْخُلُ فِي الْقَتْلِ.

وَإِنْ قَتَلَ مَعَ الْمُحَارَبَةِ جَمَاعَةً قُتِلَ بِالْأَوَّلِ حَتْمًا، وَلِأَوْلِيَاءِ الْبَاقِينَ مِنْ الْقَتْلَى دِيَاتُهُمْ فِي مَالِ الْقَاتِلِ كَمَا لَوْ مَاتَ، لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ.

[فَصْلٌ قَتَلَ أَتَى حَدًّا خَارِجَ مَكَّةَ ثُمَّ لَجَأَ إلَيْهَا أَوْ لَجَأَ حَرْبِيٌّ أومرتد إلَيْهِ]

فَصْلٌ (وَمَنْ قَتَلَ أَوْ قَطَعَ طَرَفًا) أَوْ أَتَى حَدًّا خَارِجَ حَرَمِ مَكَّةَ لَا الْمَدِينَةِ ثُمَّ لَجَأَ إلَيْهِ، (أَوْ) لَجَأَ (حَرْبِيٌّ أَوْ) لَجَأَ مُرْتَدٌّ (إلَيْهِ؛ حَرُمَ أَنْ يُؤْخَذَ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْحَرَمِ (بِقَتْلٍ وَغَيْرِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97] وَهُوَ خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ الْأَمْرُ؛ أَيْ: أَمِّنُوهُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَرَّمَ سَفْكَ الدِّمَاءِ بِمَكَّةَ» ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُولُوا إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ» . وَقَوْلُهُ: «إنَّ أَعْدَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَحَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ وَجَدْتُ قَاتِلَ عُمَرَ فِي الْحَرَمِ مَا هَيَّجْتُهُ (لَكِنْ لَا يُبَايَعُ وَلَا يُشَارَى وَلَا يُكَلَّمُ) وَلَا يُطْعَمُ وَلَا يُسْقَى وَلَا يُؤَاكَلُ وَلَا يُشَارَبُ وَلَا يُجَالَسُ؛ وَيُهْجَرُ (حَتَّى يَخْرُجَ) مِنْ الْحَرَمِ، (فَيُقَامُ عَلَيْهِ) لِئَلَّا يَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِقَامَةِ دَائِمًا، فَيَضِيعُ الْحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ.

(وَمَنْ فَعَلَهُ) ؛ أَيْ: قَتَلَ أَوْ أَتَى حَدًّا فِيهِ - أَيْ فِي الْحَرَمِ أُخِذَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (بِهِ) ؛ أَيْ بِمَا فَعَلَهُ (فِيهِ) -، أَيْ: فِي الْحَرَمِ - قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فِي الْحَرَمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ مَا أَحْدَثَ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: 191] الْآيَةَ، فَأَبَاحَ قَتْلَهُمْ عِنْدَ قِتَالِهِمْ فِي الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ يَحْتَاجُونَ

إلَى الزَّجْرِ عَنْ الْمَعَاصِي حِفْظًا لِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ، وَلَوْ لَمْ يُشْرَعْ الْحَدُّ فِيهِ لَتَعَطَّلَتْ الْحُدُودُ فِي حَقِّهِمْ، وَفَاتَتْ الْمَصَالِحُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا.

(وَمَنْ قُوتِلَ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْحَرَمِ (دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ فَقَطْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 191] قُرِئَ بِهِمَا، ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ مُجَاهِدًا وَغَيْرَهُ قَالُوا: الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ.
وَفِي التَّمْهِيدِ " أَنَّهَا نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ تُقَاتَلُ الْبُغَاةُ إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ بَغْيُهُمْ إلَّا بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، وَحِفْظُهَا فِي حَرَمِهِ أَوْلَى مِنْ إضَاعَتِهَا، وَذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَحَمَلَ الْخَبَرَ عَلَى مَا يَعُمُّ إتْلَافَهُ كَالْمَنْجَنِيقِ إذَا أَمْكَنَ إصْلَاحٌ بِدُونِ ذَلِكَ.
(وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيِّ لَوْ تَغَلَّبَ فِيهِ كُفَّارٌ أَوْ بُغَاةٌ، وَجَبَ قِتَالُهُمْ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْحَرَمِ (بِالْإِجْمَاعِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ تَعَدَّى أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى الرَّكْبِ؛ فَإِنَّهُ (يُدْفَعُ مُتَعَدٍّ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْحَرَمِ (كَ) مَا يُدْفَعُ (الصَّائِلُ) وَلِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْفَعَ مَعَ الرَّكْبِ، بَلْ يَجِبُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ.
وَفِي " الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ " الطَّائِفَةُ الْمُمْتَنِعَةُ بِالْحَرَمِ مِنْ مُبَايَعَةِ الْإِمَامِ لَا تُقَاتَلُ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ لَهَا تَأْوِيلٌ.

(وَلَا تَعْصِمُ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ وَسَائِرُ الْبِقَاعِ شَيْئًا مِنْ الْحُدُودِ وَالْجِنَايَاتِ) فَلَوْ أَتَى بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلَ شَهْرٌ حَرَامٌ؛ أُقِيم عَلَيْهِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ.

(وَإِذَا أَتَى غَازٍ حَدًّا، أَوْ أَتَى قَوَدًا) وَهُوَ (بِأَرْضِ الْعَدُوِّ أَوْ خَارِجِهَا، ثُمَّ دَخَلَ إلَيْهَا؛ لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ) ؛ أَيْ: الْحَدِّ أَوْ الْقَوَدِ (حَتَّى يَرْجِعَ لِدَارِ الْإِسْلَامِ) لِخَبَرِ بَشِيرِ بْنِ أَرْطَاةَ أَنَّهُ أَتَى بِرَجُلٍ فِي الْغَزَاةِ قَدْ سَرَقَ بُخْتِيَّةً فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَوْ تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي الْغَزَاةِ لَقَطَعْتُكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَهُوَ إجْمَاعٌ لِلصَّحَابَةِ، فَإِذَا رَجَعَ إلَى دَارِ

الْإِسْلَامِ يُقَامُ عَلَيْهِ، لِعُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ.
وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى النَّاسِ أَنْ لَا يَجْلِدَنَّ أَمِيرُ الْجَيْشِ وَلَا سَرِيَّةٍ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَدًّا وَهُوَ غَازٍ حَتَّى يَقْطَعَ الدَّرْبَ قَافِلًا، وَإِنَّمَا أُخِّرَ لِعَارِضٍ وَقَدْ زَالَ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا تَلْحَقُهُ حَمِيَّةُ الشَّيْطَانِ فَيَلْحَقُ بِالْكُفَّارِ.
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ أَتَى بِمَا يُوجِبُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا فِي الثُّغُورِ أُقِيمَ عَلَيْهِ فِيهَا قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ "؛ لِأَنَّهَا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى زَجْرِ أَهْلِهَا كَالْحَاجَةِ إلَى زَجْرِ غَيْرِهِمْ؛ وَإِنْ أَتَى حَدًّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ أَوْ أُسِرَ؛ أُقِيمَ عَلَيْهِ إذَا خَرَجَ مِنْهَا.

[بَابٌ حَدُّ الزِّنَا]

الزِّنَا، بِالْقَصْرِ فِي لُغَةِ الْحِجَازِ وَالْمَدِّ عِنْدَ تَمِيمٍ، وَالزِّنَا اسْمٌ لِفِعْلٍ مَعْلُومٍ، وَهُوَ إيلَاجُ فَرْجٍ فِي مَحِلٍّ مُحَرَّمٍ مُشْتَهًى، وَمَعْنَاهُ قَضَاءُ شَهْوَةِ الْفَرْجِ بِسَفْحِ الْمَاءِ فِي مَحِلٍّ مُحَرَّمٍ مُشْتَهًى مِنْ غَيْرِ دَاعِيَةٍ لِلْوَلَدِ، وَيُسَمَّى سِفَاحًا (وَهُوَ فِعْلُ الْفَاحِشَةِ فِي قُبُلٍ أَوْ فِي دُبُرٍ وَهُوَ) ؛ أَيْ: الزِّنَا (أَكْبَرُ الذُّنُوبِ) الْمُوبِقَاتِ (بَعْدَ شِرْكٍ) قُدِّمَ الشِّرْكُ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى كُلِّ مُشْرِكٍ، وَأَبَاحَ دَمَهُ وَمَالَهُ وَأَهْلَهُ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ، وَأَنْ يَتَّخِذُوهُمْ عَبِيدًا لَهُمْ لَمَّا تَرَكُوا الْقِيَامَ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ، وَأَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا أَوْ يَقْبَلَ فِيهِ شَفَاعَةً، أَوْ يَسْتَجِيبَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ دَعْوَةً، فَإِنَّ الْمُشْرِكَ أَجْهَلُ الْجَاهِلِينَ بِاَللَّهِ حَيْثُ جَعَلَ لَهُ مِنْ خَلْقِهِ نِدًّا، وَذَلِكَ غَايَةُ الْجَهْلِ بِهِ، كَمَا أَنَّهُ غَايَةُ الظُّلْمِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُ لَمْ يَظْلِمْ رَبَّهُ وَإِنَّمَا ظَلَمَ نَفْسَهُ [ (وَقَتْلٍ) قَدْ جَعَلَ اللَّهُ] الْقَتْلَ بِإِزَاءِ الشِّرْكِ، وَيَقْرَبُ مِنْهُ الزِّنَا وَاللُّوَاطَةُ؛ فَإِنَّ هَذَا يُفْسِدُ الْأَدْيَانَ، وَهَذَا يُفْسِدُ الْأَبْدَانَ، وَهَذَا يُفْسِدُ الْأَنْسَابَ (قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ بَعْدَ الْقَتْلِ ذَنْبًا أَعْظَمُ مِنْ الزِّنَا) وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَيُّ: الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ.
قَالَ: قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تَصْدِيقَهَا ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: 68] الْآيَةَ» . وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ أَعْلَاهُ لِيُطَابِقَ جَوَابُهُ سُؤَالَ السَّائِلِ؛ فَإِنْ سَأَلَهُ عَنْ أَعْظَمِ الذَّنْبِ فَأَجَابَهُ بِمَا تَضَمَّنَ ذِكْرَ أَعْظَمِ أَنْوَاعِهَا، وَمَا هُوَ أَعْظَمُ كُلِّ نَوْعٍ.
فَأَعْظَمُ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ أَنْ يَجْعَلَ الْعَبْدُ لِلَّهِ نِدًّا، وَأَعْظَمُ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ أَنْ يَقْتُلَ وَلَدَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، وَأَعْظَمُ أَنْوَاعِ الزِّنَا أَنْ يَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِهِ؛ فَإِنَّ مَفْسَدَةَ الزِّنَا تُضَاعَفُ بِتَضَاعُفِ مَا انْتَهَكَهُ مِنْ الْحَقِّ.
(وَ) عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الزِّنَا (يَتَفَاوَتُ) إثْمُهُ وَيَعْظُمُ جُرْمُهُ بِحَسَبِ مَوَارِدِهِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ (فَزِنًا بِذَاتِ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ) لَهُ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ (أَعْظَمُ مِنْ زِنًا بِمَنْ لَا زَوْجَ لَهَا أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ) إذْ فِيهِ انْتِهَاكُ حُرْمَةِ الزَّوْجِ، وَإِفْسَادُ فِرَاشِهِ، وَتَعْلِيقُ نَسَبٍ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ أَذَاهُ، فَهُوَ أَعْظَمُ إثْمًا وَجُرْمًا مِنْ الزِّنَا بِغَيْرِ ذَاتِ الْبَعْلِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ (فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا جَارًا انْضَمَّ لَهُ سُوءُ الْجِوَارِ) وَإِيذَاءُ جَارٍ بِأَعْلَى أَنْوَاعِ الْأَذَى، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْبَوَائِقِ أَوْ كَانَ الْجَارُ أَخًا (أَوْ قَرِيبًا) مِنْ أَقَارِبِهِ (انْضَمَّ لَهُ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ) فَيَتَضَاعَفُ الْإِثْمُ.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» وَلَا بَائِقَةَ أَعْظَمُ مِنْ الزِّنَا بِامْرَأَةِ الْجَارِ، فَإِنْ كَانَ الْجَارُ غَائِبًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ كَالْعِبَادَةِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ تَضَاعَفَ الْإِثْمُ حَتَّى إنَّ الزَّانِيَ بِامْرَأَةِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوقَفُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ: خُذْ عَلَى حَسَنَاتِهِ مَا شِئْتَ.
«قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا: ظَنُّكُمْ؟» [أَيْ:] مَا ظَنُّكُمْ أَنْ يُتْرَكَ لَهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ قَدْ حَكَمَ فِي أَنَّهُ يَأْخُذُ مَا شَاءَ عَلَى شِدَّةِ الْحَاجَةِ

إلَى حَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، حَيْثُ لَا يَتْرُكُ الْأَبُ لِابْنِهِ، وَلَا الصِّدِّيقُ لِصِدِّيقِهِ حَقًّا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ اتَّفَقَ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ رَحِمًا لَهُ انْضَافَ إلَى ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمِهَا، فَإِنْ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ الزَّانِي مُحْصَنًا كَانَ الْإِثْمُ أَعْظَمَ، فَإِنْ كَانَ شَيْخًا كَانَ أَعْظَمَ إثْمًا وَعُقُوبَةً، وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، فَإِنْ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ أَوْ بَلَدٍ حَرَامٍ أَوْ وَقْتٍ مُعَظَّمٍ عِنْدَ اللَّهِ كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَأَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ تَضَاعَفَ الْإِثْمُ، وَعَلَى هَذَا فَاعْتُبِرَ مَفَاسِدُ الذُّنُوبِ وَتَضَاعُفُ دَرَجَاتِهَا فِي الْإِثْمِ وَالْعُقُوبَةِ.
وَلَمَّا كَانَ مَعْنَى الزِّنَا مَوْجُودًا فِي اللِّوَاطِ مِنْ كَوْنِهِ إيلَاجَ فَرْجٍ فِي مَحِلٍّ مُحَرَّمٍ إلَى آخِرِهِ، بَلْ هُوَ فَوْقَهُ لِأَنَّهُ مُسْتَنْكَرٌ شَرْعًا وَعَقْلًا، تَعَدَّى الْحُكْمُ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ فَلِذَلِكَ قَالَ: (وَيَتَّجِهُ وَأَفْظَعُهُ) ؛ أَيْ: أَفْظَعُ أَنْوَاعِ الزِّنَا (اللِّوَاطُ) وَإِنْ كَانَ الزِّنَا وَاللِّوَاطُ مُشْتَرِكَيْنِ فِي الْفُحْشِ، وَفِي كُلِّ فَسَادٍ يُنَافِي حِكْمَةَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ، فَإِنَّ فِي اللِّوَاطِ مِنْ الْمَفَاسِدِ مَا يَفُوتُ الْحَصْرَ وَالتَّعْدَادَ، وَلَأَنْ يُقْتَلَ الْمَفْعُولُ بِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُؤْتَى فَإِنَّهُ يَفْسُدُ فَسَادًا لَا يُرْجَى لَهُ بَعْدَهُ صَلَاحٌ أَبَدًا، وَيَذْهَبُ خَيْرُهُ كُلُّهُ، وَتَمْتَصُّ الْأَرْضُ مَاوِيَّةَ الْحَيَاءِ مِنْ وَجْهِهِ، فَلَا يَسْتَحْيِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مِنْ خَلْقِهِ، وَتَعْمَلُ فِي قَلْبِهِ وَرُوحِهِ نُطْفَةُ الْفَاعِلِ مَا يَعْمَلُ السُّمُّ فِي الْبَدَنِ، وَهُوَ جَدِيرٌ أَنْ لَا يُوَفَّقَ لِخَيْرٍ، وَأَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَكُلَّمَا عَمِلَ خَيْرًا قُيِّضَ لَهُ مَا يُفْسِدُهُ عُقُوبَةً لَهُ؛ وَقَلَّ أَنْ تَرَى مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فِي صِغَرِهِ إلَّا وَهُوَ فِي كِبَرِهِ شَرٌّ مِمَّا كَانَ، وَلَا يُوَفَّقُ لِعِلْمٍ نَافِعٍ، وَلَا عَمَلٍ صَالِحٍ، وَلَا تَوْبَةٍ نَصُوحٍ غَالِبًا.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَمَفْسَدَةُ اللِّوَاطِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَفَاسِدِ، وَعُقُوبَاتُهُ مِنْ أَعْظَمِ الْعُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
لِقَوْلِ [اللَّهِ تَعَالَى: " ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80] . وَقَالَ فِي الزِّنَا: " ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: 32] وَلَمْ يَقُلْ مَا سَبَقَكُمْ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ اللِّوَاطَ أَفْظَعُ مِنْ الزِّنَا، وَلِذَلِكَ قَالَ] (كَثِيرٌ) مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ

وَعَلِيٌّ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْمَرٍ (بِقَتْلِهِ) ؛ أَيْ: اللَّائِطِ وَالْمَلُوطِ بِهِ بِاخْتِيَارِهِ، وَمِمَّنْ قَالَ مِنْ الْأَئِمَّةِ بِقَتْلِهِ الزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ (عَلَى كُلِّ حَالٍ) مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ، وَقَدْ أَطْبَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَتْلِهِ، لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ مِنْهُمْ رَجُلَانِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُمْ فِي صِفَةِ قَتْلِهِ؛ فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ مِنْهُمْ فِي قَتْلِهِ، فَحَكَاهَا مَسْأَلَةَ نِزَاعٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَهِيَ بَيْنَهُمْ مَسْأَلَةُ إجْمَاعٍ، لَا مَسْأَلَةُ نِزَاعٍ.
رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ.
وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّ حَدَّ اللُّوطِيِّ كَالزَّانِي سَوَاءٌ، وَيَأْتِي (وَنَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ) فِي " الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ " وَغَيْرِهِ (قَالَ) بَعْضُ (الْأَصْحَابِ لَوْ رَأَى الْإِمَامُ تَحْرِيقَ اللُّوطِيِّ فَلَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ) ، أَيْ: الْقَوْلُ بِتَحْرِيقِ اللُّوطِيِّ (مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَمِنْ ذَلِكَ مَا يَثْبُتُ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ وَجَدَ فِي بَعْضِ ضَوَاحِي الْعَرَبِ رَجُلًا يُنْكَحُ كَمَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ فَكَتَبَ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَاسْتَشَارَ أَبُو بَكْرٍ الصَّحَابَةَ وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَشَدَّهُمْ قَوْلًا فِيهِ.
فَقَالَ: مَا فَعَلَ هَذَا إلَّا أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِهَا أَرَى أَنْ يُحْرَقَ؛ بِالنَّارِ.
فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إلَى خَالِدٍ فَحَرَقَهُ.

(فَإِذَا زَنَى مُحْصَنٌ.
وَجَبَ رَجْمُهُ حَتَّى يَمُوتَ بِحِجَارَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ) كَالْكَفِّ (فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُثْخَنَ بِصَخْرَةٍ كَبِيرَةٍ، وَلَا أَنْ يُطَوَّلَ عَلَيْهِ بِحَصَيَاتٍ صَغِيرَةٍ) حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ إجْمَاعًا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - رَجَمَ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ فِي أَخْبَارٍ تُشْبِهُ التَّوَاتُرَ، وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، ثُمَّ نَسَخَ رَسْمَهُ، وَبَقِيَ حُكْمُهُ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ الْخَبَرُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَتْ فِي الْمَصَاحِفِ لَاجْتَمَعَ الْعَمَلُ بِحُكْمِهَا، وَثَوَابُ تِلَاوَتِهَا.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَجَابَ

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل