فَالْقَوَدُ عَيْنًا،
[منح الجليل]
مَنْ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَهُ دِيَتُهَا فَعَلَيْهِ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي هَذَيْنِ إنْ قُتِلَا خَطَأً، وَإِنْ قُطِعَ لَهُمَا عُضْوٌ فَلَهُمَا الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ لِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وَجَبَ فِي النَّفْسِ لَا فِي الْعُضْوِ.
الشَّيْخُ عِيسَى مَنْ اغْتَاظَ مِنْ ذِمِّيٍّ شَتَمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَتَلَهُ، فَإِنْ كَانَ شَتْمًا يُوجِبُ قَتْلَهُ وَثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ وَضُرِبَ مِائَةً وَسُجِنَ عَامًا.
وَفِي التَّوْضِيحِ نَصَّ عَلَى نَفْيِ الْقِصَاصِ عَنْ قَاتِلِ الْمُرْتَدِّ وَلَوْ نَصْرَانِيًّا.
اهـ. وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي الدِّيَاتِ أَنَّ دِيَةَ الْمُرْتَدِّ كَدِيَةِ الْمَجُوسِيِّ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَفَى الْقِصَاصَ هُنَا، وَالْكَلَامُ هُنَاكَ فِي الدِّيَةِ، وَنَفْيُ أَحَدِهِمَا لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْآخَرِ، وَأَمَّا الزَّانِي الْمُحْصَنُ فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ تَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَكَأَنَّ قَاتِلَهُ قَتَلَ كَافِرًا مُحَرَّمَ الْقَتْلِ بِخِلَافِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ اهـ.
(تَنْبِيهَانِ)
الْأَوَّلُ: ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ مِقْدَارُ أَدَبِهِمْ، فَمَنْ طَلَبَ السِّتْرَ عَلَيْهِ كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ فَالْجُرْأَةُ عَلَى الْإِمَامِ بِقَتْلِهِ أَشَدُّ وَكُفْرُ الزَّنْدَقَةِ أَشَدُّ مِنْ كُفْرِ الِارْتِدَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: أَبُو الْحَسَنِ قَالُوا هَذَا إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُنْصِفُهُ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ حَقِّهِ.
أَبُو عِمْرَانَ الَّذِي قَتَلَ وَلِيِّهِ رَجُلٌ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ حَقِّهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَيَقْتُلُ الْوَلِيُّ قَاتِلَ وَلِيِّهِ غِيلَةً أَوْ بِاحْتِيَالٍ، فَإِنَّهُ لَا أَدَبَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ سُلْطَانٌ يُنْصِفُهُ فَلَهُ أَخْذُ حَقِّهِ بِنَفْسِهِ.
وَجَوَابُ إنْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ مَعْصُومًا (فَالْقَوَدُ) أَيْ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُودُونَ الْجَانِيَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ تَبَرِّيًا مِنْ شَرِّهِ (عَيْنًا) أَيْ مُتَعَيِّنًا لِلْوَلِيِّ إنْ شَاءَ أَخَذَ حَقَّهُ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَعَفْوُهُ أَوْلَى وَأَكْمَلُ، وَرَوَى أَشْهَبُ تَخْيِيرُهُ إنْ شَاءَ أَخَذَ حَقَّهُ بَيْنَ الْقَوَدِ وَالْعَفْوِ عَلَى الدِّيَةِ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ، وَإِمَّا أَنْ
وَلَوْ قَالَ: إنْ قَتَلْتنِي أَبْرَأْتُك
[منح الجليل]
يُقَادَ» ، وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ إنْ اخْتَارَ الْوَلِيُّ الدِّيَةَ فَإِنَّ الْقَاتِلَ يُجْبَرُ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مَلِيئًا.
ابْنُ يُونُسَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَاتِلُ الْعَمْدِ يَطْلُبُ الْأَوْلِيَاءُ الدِّيَةَ مِنْهُ فَيَأْبَى إلَّا قَتْلَهُ فَلَيْسَ لَهُمْ إلَّا قَتْلَهُ أَوْ الْعَفْوَ عَنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْبَى وَيُجْبَرَ عَلَى الدِّيَةِ إنْ كَانَ مَلِيئًا لِأَنَّهُ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ لِيَتْرُكَ مَالَهُ لِغَيْرِهِ مَضَارٌّ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ جَعَلَ الْوَلِيَّ إنْ أَحَبَّ قَتَلَ وَإِنْ أَحَبَّ أَخَذَ الدِّيَةَ» وَقَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ جَمَاعَةٌ الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي النَّفْسِ، وَأَمَّا جُرْحُ الْعَمْدِ فَيُوَافِقُ أَشْهَبُ فِيهِ الْمَشْهُورَ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ التَّخْيِيرُ فِي جُرْحِ الْعَمْدِ كَالنَّفْسِ.
(تَنْبِيهٌ)
اسْتَثْنَى مِنْ هَذَا جُرْحَ عَبْدٍ أَوْ قَتْلَهُ مِثْلَهُ، فَإِنَّ لِسَيِّدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ أَوْ أَخْذَ الْجَانِي، فَإِنْ اقْتَصَّ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ أَخَذَ الْجَانِيَ خُيِّرَ سَيِّدُهُ فِي فِدَائِهِ بِقِيمَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَإِسْلَامِهِ.
وَفِي الْجُرْحِ يُخَيَّرُ بَيْنَ إسْلَامِهِ وَفِدَائِهِ بِأَرْشِ الْجُرْحِ إنْ كَانَ لَهُ أَرْشٌ مُسَمًّى، وَإِلَّا فَإِنْ حَصَلَ بِهِ عَيْبٌ خُيِّرَ بَيْنَ إسْلَامِهِ وَفِدَائِهِ بِأَرْشِ الْعَيْبِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ عَيْبٌ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْقِصَاصُ إنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَبْدًا وَإِنْ كَانَ حُرًّا فَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا الْأَدَبَ.
وَإِنْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ غَيْرَ حَرْبِيٍّ وَلَا زَائِدِ حُرِّيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ مَعْصُومًا تَعَيَّنَ الْقَوَدُ إنْ لَمْ يَقُلْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لِلْجَانِي إنْ قَتَلْتنِي أَبْرَأْتُك، بَلْ (وَلَوْ قَالَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لِلْجَانِي (إنْ قَتَلْتنِي أَبْرَأْتُك) فَقَتَلَهُ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ لِعَفْوِهِ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَجِبْ لَهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ لِأَوْلِيَائِهِ وَلَا يُشْبِهُ مَنْ أَنْفَذَ مَقْتَلِهِ وَأُدْرِكَ حَيًّا فَقَالَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي عَفَوْت عَنْ قَاتِلِي.
وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالْأَظْهَرُ سُقُوطُ الْقَتْلِ وَلُزُومُ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ لِشُبْهَةِ الْعَفْوِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ قَالَ لِلْقَاتِلِ إنْ قَتَلْتنِي فَقَدْ وَهَبْت لَك دَمِي فَقَوْلَانِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَحْسَنُهُمَا أَنْ يَقْتُلَ بِخِلَافِ عَفْوِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ، فَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي قَطْعِ يَدِهِ عُوقِبَ، وَلَا قِصَاصَ الْمُوَضِّحُ الَّذِي نَسَبَهُ الْمُصَنِّفُ لِابْنِ الْقَاسِمِ، ذَكَرَ فِي الْجَوَاهِرِ أَنَّ أَبَا زَيْدٍ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ
وَلَا دِيَةَ لِعَافٍ مُطْلِقٍ إلَّا أَنْ تَظْهَرَ إرَادَتُهَا.
فَيَحْلِفُ، وَيَبْقَى عَلَى حَقِّهِ إنْ امْتَنَعَ.
[منح الجليل]
فِي الْعُتْبِيَّةِ لِسَحْنُونٍ، ثُمَّ قَالَ وَزَادَ فِي الْبَيَانِ ثَالِثًا بِنَفْيِ الْقِصَاصِ لِشُبْهَةِ الْعَفْوِ وَالدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، قَالَ وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ اهـ.
ابْنُ عَرَفَةَ الصِّقِلِّيُّ رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْهُ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ اُقْتُلْنِي وَلَك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَتَلَهُ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَيُضْرَبُ مِائَةً وَيُحْبَسُ عَامًا، وَلَا جُعْلَ لَهُ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ لِلْأَوْلِيَاءِ قَتْلُهُ وَلَوْ قَالَ لَهُ اُقْتُلْ عَبْدِي وَلَك كَذَا أَوْ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَقَتَلَهُ ضُرِبَ مِائَةً وَحُبِسَ، وَكَذَا السَّيِّدُ يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُ عَلَى الْقَاتِلِ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَمْ لَا، وَالصَّوَابُ لَا قِيمَةَ لَهُ كَقَوْلِهِ أَحْرِقْ ثَوْبِي فَفَعَلَ فَلَا يَغْرَمُ.
الشَّيْخُ رَوَى ابْنُ عَبْدُوسٍ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ اقْطَعْ يَدِي أَوْ يَدَ عَبْدِي عُوقِبَ الْمَأْمُورُ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ.
ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ يَغْرَمُ قِيمَةَ الْعَبْدِ لِحُرْمَةِ الْقَتْلِ كَمَا تَلْزَمُهُ دِيَةُ الْحُرِّ إذَا قَتَلَهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ اهـ
وَإِنْ قَتَلَ مُكَلَّفٌ غَيْرَ حَرْبِيٍّ وَلَا زَائِدِ حُرِّيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ مَعْصُومًا فَعَفَا عَنْهُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ وَأَطْلَقَ فِي عَفْوِهِ فَ (لَا دِيَةَ لِ) وَلِيٍّ (عَافٍ) عَنْ قَاتِلِ وَلِيِّهِ عَمْدًا عُدْوَانًا (مُطْلِقٍ) بِكَسْرِ اللَّامِ عَنْ تَقْيِيدِهِ بِالدِّيَةِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ تَظْهَرَ) مِنْ حَالِ الْوَلِيِّ (إرَادَتُهَا) أَيْ الدِّيَةِ حِينَ الْعَفْوِ بِقَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى إرَادَتِهَا (فَيَحْلِفُ) الْوَلِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا عَفَا إلَّا لِإِرَادَةِ أَخْذِهَا مِنْ الْقَاتِلِ (وَيَبْقَى) الْوَلِيُّ (عَلَى حَقِّهِ) مِنْ الْقِصَاصِ (إنْ امْتَنَعَ) الْقَاتِلُ مِنْ إعْطَاءِ الدِّيَةِ.
وَمَفْهُومُ مُطْلِقٍ أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِعَفْوِهِ مَجَّانًا لَزِمَهُ، وَلَوْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ عَلَى الدِّيَةِ وَأَجَابَهُ الْقَاتِلُ لَزِمَتْهُ وَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ فَالْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَقَوْلُهُ يَظْهَرُ مِثْلُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَفِيهَا يَتَبَيَّنُ وَهُوَ أَقْوَى، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَتْبَعْ لَفْظَهَا وَإِنْ كَانَ أَقْوَى لِقَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ إنَّ فَاعِلَ قَالَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ هُوَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِنَّمَا نَسَبَهُ لَهُ لَا شَكًّا لَهُ لِأَنَّ الدِّيَةَ إذَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لَهُ فِي الْأَصْلِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إرَادَتِهَا قَالَهُ تت.
طفي كَأَنَّهُ قَالَ لَمْ يَتْبَعْ لَفْظَهَا لِأَنَّ مَا عَبَّرَ بِهِ لِمَالِكٍ أَيْضًا، وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَوْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ أَوْ مُطْلَقًا سَقَطَ الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ، قَالَ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ أَنَّهُ أَرَادَهَا فَيَحْلِفُ.
اهـ.
كَعَفْوِهِ عَنْ الْعَبْدِ
[منح الجليل]
لَكِنْ إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا الِاعْتِذَارُ لتت إذَا سَلَّمَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي أَتَى بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ هُوَ نَفْسُ لَفْظِ الْإِمَامِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْلِمٍ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مُرَادُ ابْنِ الْحَاجِبِ يَظْهَرُ بِأَمَارَةٍ قَوِيَّةٍ، لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ لَا شَيْءَ لَك إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّك أَرَدْتهَا فَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ كَلَامَ مَالِكٍ بِالْمَعْنَى، فَلَمْ يَتِمَّ اعْتِذَارُ تت.
قَالَ وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ فِي الْحَضْرَةِ إنَّمَا عَفَوْت عَلَى الدِّيَةِ وَلَوْ سَكَتَ وَطَالَ ثُمَّ قَالَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ.
طفي نَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَزَادَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ، وَأَصْلُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَحَيْثُ كَانَ لِلْوَلِيِّ الْقِيَامُ بِشَرْطِهِ الْمُتَقَدِّمِ فَزَادَ ابْنُ حَبِيبٍ شَرْطًا آخَرَ، وَهُوَ قُرْبُ الزَّمَانِ فَأَمَّا إنْ قَامَ بَعْدَ طُولٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ رَوَاهُ مُطَرِّفٌ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ اهـ.
وَفِي جَعْلِ مَا ذَكَرَهُ قَيْدًا لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيَّ وَغَيْرِهِ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " هَذَا مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ، خِلَافٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ مَنْ قَالَ إنَّمَا عَفَوْت عَلَى الدِّيَةِ، فَرَوَى مُطَرِّفٌ إنْ كَانَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ طَالَ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ، قَالَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إنْ قَالَ مَا عَفَوْت إلَّا عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ حَلَفَ مَا أَرَادَ تَرْكَهَا وَأَخَذَ حَقَّهُ مِنْهَا ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فَقَالَ لَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ لِمَا قَالَهُ وَجْهٌ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي بَعْضِ مَجَالِسِهِ لَيْسَ عَفْوٌ عَنْ الدَّمِ عَفْوًا عَنْ الدِّيَةِ إلَّا أَنْ يُرَى لَهُ وَجْهٌ.
اهـ. لَا يُقَالُ قَيْدُ الْحُضُورِ يُحْرِزُهُ قَيْدُ الظُّهُورِ، إذْ قَدْ تَظْهَرُ إرَادَتُهَا حِينَ الْعَفْوِ، ثُمَّ يَتَغَافَلُ عَنْ ذَلِكَ زَمَانًا طَوِيلًا إنْ ظَهَرَ عُذْرُ التَّرَاخِي.
وَشَبَّهَ فِي أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْوَلِيِّ الْمُطْلِقِ فِي عَفْوِهِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ إرَادَتُهَا فَقَالَ (كَعَفْوِهِ) أَيْ الْوَلِيِّ (عَنْ الْعَبْدِ) الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ عَبْدًا أَوْ حُرًّا عَفْوًا مُطْلَقًا، وَقَالَ إنَّمَا عَفَوْت عَنْهُ لِأَخْذِهِ أَوْ أَخْذِ قِيمَتِهِ أَوْ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ أَوْ دِيَةِ الْحُرِّ فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ تَظْهَرَ إرَادَةُ ذَلِكَ، فَيَحْلِفُ الْوَلِيُّ وَيَبْقَى عَلَى حَقِّهِ، وَيُخَيَّرُ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ بَيْنَ إسْلَامِهِ وَفِدَائِهِ
(وَ) إنْ قَتَلَ شَخْصٌ شَخْصًا عَمْدًا عُدْوَانًا وَقَتَلَ الْقَاتِلَ شَخْصٌ غَيْرُ الْمُسْتَحِقِّ عَمْدًا عُدْوَانًا أَيْضًا
وَاسْتَحَقَّ وَلِيُّ دَمَ مَنْ قَتَلَ الْقَاتِلَ
أَوْ قَطَعَ يَدَ الْقَاطِعِ، كَدِيَةِ خَطَأٍ؛ فَإِنْ أَرْضَاهُ وَلِيُّ الثَّانِي: فَلَهُ
وَإِنْ فُقِئَتْ عَيْنُ الْقَاتِلِ، أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ، وَلَوْ مِنْ الْوَلِيِّ
[منح الجليل]
اسْتَحَقَّ وَلِيٌّ) الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ (دَمَ مَنْ) أَيْ الشَّخْصِ الَّذِي (قَتَلَ الْقَاتِلَ) الْأَوَّلَ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ وَلِيَّ الْأَوَّلِ اسْتَحَقَّ دَمَ قَاتِلِهِ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ، وَلَوْ كَانَ دَمُ قَاتِلِ الْقَاتِلِ حَقًّا لِوَلِيِّ الْقَاتِلِ لَلَزِمَ ضَيَاعُ حَقِّ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ مَعْصُومٌ مِنْ غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ عَمْدًا عُدْوَانًا قَدَّمَهُ لِأَوْلِيَاءِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ أَرْضَى أَوْلِيَاءُ الثَّانِي أَوْلِيَاءَ الْأَوَّلِ فَدَمُهُ لَهُمْ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَفِيهَا مَنْ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا فَتَفَرَّسَ عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ فَقَتَلَهُ عَمْدًا فَدَمُهُ لِأَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ، وَيُقَالُ لِأَوْلِيَاءِ الثَّانِي اُرْضُوَا أَوْلِيَاءَ الْأَوَّلِ وَشَأْنُكُمْ بِقَاتِلِ وَلِيِّكُمْ، وَإِنْ لَمْ تُرْضُوهُمْ فَلِأَوْلِيَاءِ الْأَوَّلِ قَتْلُهُ أَوْ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَلَهُمْ أَنْ لَا يَرْضَوْا بِمَا بَذَلُوا لَهُمْ مِنْ دِيَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَعَزَاهُ الشَّيْخُ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِمَا
. (أَوْ) قَطَعَ شَخْصٌ يَدَ شَخْصٍ عَمْدًا عُدْوَانًا وَقَطَعَ شَخْصٌ غَيْرُ الْمَقْطُوعِ يَدَ الْقَاطِعِ عَمْدًا عُدْوَانًا أَيْضًا اسْتَحَقَّ الْمَقْطُوعُ الْأَوَّلُ قَطْعَ يَدِ مَنْ (قَطَعَ يَدَ الْقَاطِعِ) الْأَوَّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَشَبَّهَ فِي اسْتِحْقَاقِ وَلِيِّ الْأَوَّلِ وَالْمَقْطُوعِ الْأَوَّلِ فَقَالَ (كَدِيَةِ) قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ (خَطَأٍ) لِلْقَاتِلِ الْأَوَّلِ أَوْ لِلْقَاطِعِ الْأَوَّلِ.
فَيَسْتَحِقُّهَا وَلِيُّ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ أَوْ الْمَقْطُوعِ الْأَوَّلِ (فَإِنْ أَرْضَاهُ) أَيْ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ (وَلِيُّ) الْمَقْتُولِ الثَّانِي بِمَالٍ أَوْ شَفَاعَةٍ أَوْ حُسْنِ كَلَامٍ (فَلَهُ) أَيْ وَلِيِّ الثَّانِي دَمُ الْقَاتِلِ الثَّانِي، فَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ
(وَإِنْ فُقِئَتْ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ قُلِعَتْ (عَيْنُ) الشَّخْصِ (الْقَاتِلِ) عَمْدًا عُدْوَانًا (أَوْ قُطِعَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (يَدُهُ) أَيْ الْقَاتِلِ عَمْدًا عُدْوَانًا مَثَلًا إنْ كَانَ الْفَقْءُ أَوْ الْقَطْعُ مِنْ غَيْرِ الْوَلِيِّ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ مِنْ (الْوَلِيِّ) لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ دَمَهُ، وَأَمَّا أَعْضَاؤُهُ فَهِيَ مَعْصُومَةٌ بِالنِّسْبَةِ لَهُ، فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ فِيهَا فَلَهُ الْقَوَدُ مِنْهُ، وَأَشَارَ بِلَوْ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ
بَعْدَ أَنْ أُسْلِمَ لَهُ: فَلَهُ الْقَوَدُ
وَقُتِلَ الْأَدْنَى بِالْأَعْلَى: كَحُرٍّ كِتَابِيٍّ بِعَبْدٍ مُسْلِمٍ،
[منح الجليل]
لَا يُقَادُ مِنْ الْوَلِيِّ وَيُعَاقِبُهُ الْإِمَامُ إنْ جَنَى عَلَيْهِ الْوَلِيُّ قَبْلَ إسْلَامِهِ لَهُ، بَلْ (وَلَوْ) جَنَى عَلَيْهِ الْوَلِيُّ (بَعْدَ أَنْ أُسْلِمَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْقَاتِلُ (لَهُ) أَيْ الْوَلِيِّ لِيَقْتُلَهُ بَعْدَ حُكْمِ الْقَاضِي بِقَتْلِهِ قِصَاصًا (فَلَهُ) أَيْ الْقَاتِلِ الَّذِي فُقِئَتْ عَيْنُهُ أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ قَبْلَ إسْلَامِهِ أَوْ بَعْدَهُ (الْقَوَدُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْوَاوِ مِمَّنْ جَنَى عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيَّ أَوْ غَيْرَهُ، وَلِلْوَلِيِّ قَتْلُهُ بَعْدَ اقْتِصَاصِهِ مِنْهُ.
ابْنُ الْحَاجِبِ إنْ فُقِئَتْ عَيْنُ الْقَاتِلِ أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَهُ الْقَوَدُ أَوْ الْعَفْوُ أَوْ الدِّيَةُ أَوْ الْعَفْوُ وَلَا سُلْطَانَ لِوُلَاةِ الْمَقْتُولِ، فَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ هُوَ الْقَاطِعُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَوْ كَانَ سُلِّمَ لَهُ وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا فَحُبِسَ لِقَتْلِهِ أَوْ حُكِمَ بِقَتْلِهِ فَسُلِّمَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ لِيَقْتُلُوهُ فَقَطَعَ رَجُلٌ يَدَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَهُ الْقِصَاصُ وَالْعَقْلُ وَالْعَفْوُ، وَلَا شَيْءَ لِوُلَاةِ الْقَتِيلِ فِي ذَلِكَ إنَّمَا لَهُمْ سُلْطَانٌ عَلَى مَنْ أَذْهَبَ نَفْسَهُ، وَمَنْ قَتَلَ وَلِيَّك عَمْدًا فَقَطَعْت يَدَهُ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْك وَلَوْ قَطَعْتهَا خَطَأً حَمَلَتْ دِيَتَهَا عَاقِلَتُك وَيُسْتَقَادُ لَهُ مَا لَمْ يُقَدْ مِنْهُ وَتَحْمِلُ عَاقِلَتُهُ مَا أَصَابَ مِنْ الْخَطَإِ
(وَقُتِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ يُقْتَلُ الشَّخْصُ (الْأَدْنَى) أَيْ الدَّنِيءِ بِرِقِّيَّةٍ أَوْ كُفْرٍ (بِ) سَبَبِ قَتْلِ الشَّخْصِ (الْأَعْلَى) أَيْ الْعَلِيِّ بِحُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ مَثَّلَ ذَلِكَ فَقَالَ (كَحُرٍّ كِتَابِيٍّ بِ) سَبَبِ قَتْلِ (عَبْدٍ مُسْلِمٍ) فَشَرَفُ الْإِسْلَامِ أَعْظَمُ مِنْ شَرَفِ الْحُرِّيَّةِ، فَالْحُرُّ الْكِتَابِيُّ دَنِيءٌ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ فَلَا يُقْتَلُ الرَّقِيقُ الْمُسْلِمُ بِالْحُرِّ الْكِتَابِيِّ.
الْحَطّ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَعْظَمُ حُرْمَةٍ مِنْ الْحُرِّيَّةِ، كَأَنَّ مَنْ انْفَرَدَ بِهِ مِنْ قَاتِلٍ أَوْ الْمَقْتُولِ هُوَ الْأَعْلَى.
وَلِمَا قَدَّمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ كَوْنَ الْقَاتِلِ زَائِدًا عَلَى الْمَقْتُولِ بِحُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ مَانِعٌ مِنْ قَتْلِهِ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْقَاتِلِ أَدْنَى مِنْ الْمَقْتُولِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَدْنَى إذَا قَتَلَ الْأَعْلَى فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ، ثُمَّ مَثَّلَ ذَلِكَ بِفَرْعٍ يَتَرَدَّدُ فِيهِ النَّظَرُ وَهُوَ قَتْلُ الْحُرِّ الْكِتَابِيِّ عَبْدًا مُسْلِمًا، فَاخْتُلِفَ هَلْ يُقْتَلُ الْحُرُّ الْكِتَابِيُّ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ لَا يُقْتَلُ بِهِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِأَنَّهُ كَسِلْعَةٍ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ.
وَالْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ مِنْ كِتَابِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَمُؤَمَّنٍ:
[منح الجليل]
ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي سَمَاعِ عِيسَى فِي نَصْرَانِيٍّ حُرٍّ قَتَلَ عَبْدًا مُسْلِمًا قَالَ أَرَى أَنْ يُقْتَلَ بِهِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَهُوَ كَسِلْعَةٍ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ أَرَى أَنْ يُقْتَلَ بِهِ مَعْنَاهُ إنْ أَرَادَ السَّيِّدُ أَنْ يَسْتَقِيدَ مِنْ الْكِتَابِيِّ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ عَبْدِهِ وَلَا يَقْتُلَهُ بِهِ فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ إذَا أَرَادَ قَتْلَهُ بِهِ فَقِيلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اتِّبَاعِ مَا فِي الْقُرْآنِ، وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ لَهُ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، ثُمَّ اسْتَظْهَرَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ يُقْتَلُ الْحُرُّ الذِّمِّيُّ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَالْقِيمَةُ هُنَا كَالدِّيَةِ وَنَصُّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَالْقِيمَةُ هُنَا كَالدِّيَةِ إلَى أَنَّ سَيِّدَ الْعَبْدِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمَ الذِّمِّيَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ لَجَرَى عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي الدِّيَةِ، فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ إلَّا قَتْلُ الذِّمِّيِّ أَوْ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُ قِيمَتَهُ وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ لَهُ إلْزَامُهُ قِيمَتَهُ.
وَتَبِعَ فِيهِ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَالظَّاهِرُ مَا لِابْنِ رُشْدٍ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّهُ إذَا جَرَحَ عَبْدٌ عَبْدًا، أَوْ قَتَلَهُ فَسَيِّدُ الْمَجْرُوحِ أَوْ الْمَقْتُولِ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَسْتَقِيدَ أَوْ يَأْخُذَ الْأَرْشَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ الذِّمِّيَّ بَدَلَ الْكِتَابِيِّ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ جَعَلَ الْحُرَّ الْكِتَابِيَّ أَدْنَى مِنْ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالْحُرِّ الْكِتَابِيِّ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَحَكَى فِي الْبَيَانِ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ.
ابْنُ الْحَاجِبِ يُخَيَّرُ سَيِّدُ الْعَبْدِ فِي فَكِّهِ بِالدِّيَةِ وَإِسْلَامِهِ فَيُبَاعُ لِأَوْلِيَاءِ الْحُرِّ الْكِتَابِيِّ.
الْمُوَضِّحُ يَعْنِي بِدِيَةِ الْحُرِّ الذِّمِّيِّ، وَيُبَاعُ لِأَوْلِيَاءِ الذِّمِّيِّ لِعَدَمِ جَوَازِ مِلْكِ الْكَافِرِ الْمُسْلِمَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا بِيعَ يَدْفَعُ جَمِيعَ ثَمَنِهِ لِأَوْلِيَاءِ الذِّمِّيِّ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ دِيَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ". وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ فَضَلَ عَنْ دِيَتِهِ فَضْلٌ فَلِسَيِّدِهِ أَصْبَغَ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ اهـ ضَيْح
(وَ) يُقْتَلُ (الْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ مِنْ كِتَابِيٍّ) يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ (وَمَجُوسِيٍّ وَمُؤَمَّنٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالْمِيمِ مُثَقَّلًا مِنْ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ فَيُقْتَلُ الْيَهُودِيُّ بِالنَّصْرَانِيِّ وَبِالْمَجُوسِيِّ وَعَكْسُهُ وَالْمُؤَمَّنُ بِالذِّمِّيِّ وَعَكْسُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ قَتْلُ الْيَهُودِيِّ بِالْمَجُوسِيِّ، وَنَقْصُ الدِّيَةِ لَغْوٌ
كَذَوِي الرِّقِّ، وَذَكَرٍ، وَصَحِيحٍ، وَضِدِّهِمَا
وَإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ عَمْدًا بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَسَامَةٍ:
[منح الجليل]
كَالرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ.
وَشَبَّهَ فِي قَتْلِ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ فَقَالَ (كَذَوِي) أَيْ أَصْحَابِ (الرِّقِّ) أَيْ الْأَشْخَاصِ الْأَرِقَّاءِ فَيُقْتَلُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ ذَا شَائِبَةِ حُرِّيَّةٍ وَالْمَقْتُولُ قِنًّا، فِيهَا الْقِصَاصُ لِلْمَمَالِيكِ بَيْنَهُمْ كَهَيْئَتِهِ فِي الْأَحْرَارِ نَفْسُ الْأَمَةِ بِنَفْسِ الْعَبْدِ وَجُرْحُهَا بِجُرْحِهِ يُخَيَّرُ سَيِّدُ الْمَجْرُوحِ إنْ شَاءَ اسْتَقَادَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْعَقْلَ، إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ الْجَانِيَ سَيِّدُهُ، وَإِنْ جَرَحَ عَبْدٌ عَبْدًا فَقَالَ سَيِّدُ الْمَجْرُوحِ لَا أَقْتَصُّ وَآخُذُ الْعَبْدَ الْجَارِحَ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ سَيِّدُهُ بِالْأَرْشِ وَقَالَ سَيِّدُ الْجَارِحِ إمَّا أَنْ تَقْتَصَّ أَوْ تَدَعَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ سَيِّدِ الْمَجْرُوحِ وَكَذَلِكَ فِي الْقَتْلِ.
أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ يُونُسَ لِأَنَّ نَفْسَ الْقَاتِلِ وَجَبَتْ لِسَيِّدِ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ أَوْ أَحْيَاهُ فَإِنْ أَحْيَاهُ صَارَ عَمْدًا كَالْخَطَأِ فَيَرْجِعُ الْخِيَارُ إلَى سَيِّدِهِ بَيْنَ إسْلَامِهِ وَفِدَائِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ يَقْتُلُ حُرًّا فَيَعْفُو عَنْهُ عَلَى الدِّيَةِ فَيَأْبَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعَبْدَ سِلْعَةٌ تُمْلَكُ، فَلَمَّا جَازَ قَتْلُهُ وَإِتْلَافُهُ عَلَى سَيِّدِهِ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ وَخُرُوجُهُ عَنْ مِلْكِهِ وَالْحُرُّ لَا يُمْلَكُ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ مَالِهِ إلَّا بِطَوْعِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَقُولُ أُؤَدِّي قِصَاصِي وَأُبْقِي مَالِي لِوَرَثَتِي وَالْعَبْدُ لَا حُكْمَ لَهُ فِي نَفْسِهِ وَلَا حُجَّةَ لِسَيِّدِهِ لِأَنَّ قَتْلَهُ وَأَخْذَهُ سَوَاءٌ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ الْأَرْشَ فَلَا حُجَّةَ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ لِأَنَّهُمْ رَفَعُوا عَنْهُ الْقَوَدَ فَصَارَ فِعْلُهُ كَالْخَطَأِ وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ فِي الْحُرِّ لِأَنَّهُ كَأَنْ تَكُونَ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَهِيَ لَا تَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ عَمْدِهِ فَأَمْرُهُمَا مُفْتَرَقٌ.
(وَ) كَ (ذَكَرٍ وَصَحِيحٍ وَضِدِّهِمَا) أَيْ أُنْثَى وَمَرِيضٍ فَيُقْتَلُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَيُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى وَالصَّحِيحُ بِالْمَرِيضِ، وَلَا يُنْظَرُ لِنَقْصِ الْأَعْضَاءِ وَلَا لِلْعُيُوبِ وَلَا لِصِغَرٍ وَلَا لِكِبَرٍ لِأَنَّ الْقِصَاصَ فِي النُّفُوسِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45]
(وَإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ) حُرًّا أَوْ عَبْدًا قَتْلًا (عَمْدًا) عُدْوَانًا وَثَبَتَ قَتْلُهُ (بِبَيِّنَةٍ) فِي قَتْلِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ (أَوْ قَسَامَةٍ) فِي قَتْلِ الْحُرِّ فَقَطْ بِأَنْ قَالَ قَتَلَنِي فُلَانٌ الْعَبْدُ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ عَدْلٌ بِهِ
خُيِّرَ الْوَلِيُّ، فَإِنْ اسْتَحْيَاهُ: فَلِسَيِّدِهِ، إسْلَامُهُ، أَوْ فِدَاؤُهُ
إنْ قَصَدَ ضَرْبًا؛
[منح الجليل]
وَحَلَفَ أَوْلِيَاؤُهُ خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ (خُيِّرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (الْوَلِيُّ) لِلْمَقْتُولِ الْحُرِّ أَوْ الْعَبْدِ أَوَّلًا بَيْنَ قَتْلِ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ وَاسْتِحْيَائِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُفُؤًا لِلْحُرِّ.
(فَإِنْ) قَتَلَهُ فَوَاضِحٌ وَإِنْ (اسْتَحْيَاهُ) أَيْ الْوَلِيُّ الْعَبْدَ (فَلِسَيِّدِهِ) أَيْ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ الْخِيَارُ ثَانِيًا بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ (إسْلَامِهِ) أَيْ دَفْعِ الْعَبْدِ الْجَانِي لِلْوَلِيِّ فِي جِنَايَتِهِ بِمَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ (أَوْ فِدَاؤُهُ) أَيْ الْعَبْدِ الْجَانِي بِدِيَةِ الْحُرِّ أَوْ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ.
طفي تَعْيِينُ الْمُصَنِّفِ الْبَيِّنَةَ أَوْ الْقَسَامَةَ احْتِرَازًا مِنْ إقْرَارِ الْعَبْدِ بِالْقَتْلِ، فَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ فِيهِ إلَّا الْقَتْلُ أَوْ الْعَفْوُ، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِحْيَاؤُهُ لِأَخْذِهِ أَوْ أَخْذِ الدِّيَةِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَقَرَّ عَبْدٌ أَنَّهُ قَتَلَ حُرًّا عَمْدًا فَلِوَلِيِّهِ الْقِصَاصُ، فَإِنْ عَفَا عَلَى أَنْ يَسْتَحْيِيَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَلَهُ مُعَاوَدَةُ الْقَتْلِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُظَنُّ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ.
أَبُو عِمْرَانَ وَأَمَّا إنْ كَانَ عَالِمًا أَنَّهُ إنْ عَفَا عَنْ الْعَبْدِ يَبْطُلُ الدَّمُ فَلَا قَتْلَ لَهُ.
وَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ مَا أَقَرَّ بِهِ الْعَبْدُ مِمَّا يَلْزَمُهُ فِي جَسَدِهِ مِنْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَقْبَلُ إقْرَارَهُ، وَفِي الرِّسَالَةِ إقْرَارُ الْعَبْدِ فِيمَا يَلْزَمُهُ فِي بَدَنِهِ مِنْ حَدٍّ أَوْ قَطْعٍ يَلْزَمُهُ وَمَا كَانَ فِي رَقَبَتِهِ فَلَا إقْرَارَ لَهُ، أَرَادَ إلَّا الْمَأْذُونَ لَهُ، فَإِنَّ إقْرَارَهُ فِي مَالِهِ لَازِمٌ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الرُّكْنِ الثَّالِثِ وَهِيَ الْجِنَايَةُ فَقَالَ (إنْ قَصَدَ) الْمُكَلَّفُ غَيْرُ الْحَرْبِيِّ الَّذِي لَمْ يَزِدْ بِحُرِّيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ (ضَرْبًا) لِلْمَقْتُولِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لَهُ ضَرْبُهُ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ، أَمَّا إنْ قَصَدَ ضَرْبَ مَنْ يَجُوزُ لَهُ ضَرْبُهُ كَحَرْبِيٍّ فَتَبَيَّنَ مُسْلِمًا فَهُوَ الْخَطَأُ فِيهِ الدِّيَةُ، وَقَدْ قَتَلَ الصَّحَابَةُ مُسْلِمًا يَظُنُّونَهُ حَرْبِيًّا فَوَدَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُهَدِّدْهُمْ، وَإِنْ قَصَدَهُ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ فَقِيلَ إنَّهُ خَطَأٌ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقِيلَ عَمْدٌ يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَثَالِثُهَا إنْ تَلَاعَبَا فَخَطَأٌ وَإِنْ لَمْ يُلَاعِبْهُ فِيهِ الْقَوَدُ، وَلَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ زَيْدٌ فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ فُلَانٍ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ آخَرَ لِقَتْلِهِمْ قَاتِلَ خَارِجَةَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا لِقَوْلِهِ أَرَدْت عَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ خَارِجَةَ اهـ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
عب الْبُنَانِيُّ لُزُومُ الْقَوَدِ فِي هَذِهِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَرَفَةَ أَوَّلًا خِلَافُ مَا نَقَلَهُ بَعْدَهُ عَنْ مُقْتَضَى قَوْلِ الْبَاجِيَّ، وَوَقَعَ فِي الْحَطّ، وَتَبِعَهُ الْخَرَشِيُّ أَنَّهُ إذَا قَصَدَ ضَرْبَ شَخْصٍ فَأَصَابَتْ الضَّرْبَةُ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ عَمْدٌ فِيهِ الْقَوَدُ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَدْ نَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْخَطَأِ لَا قَوَدَ فِيهِ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ إنْ قَصَدَ ضَرْبًا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ قَتْلِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ إنْ قَصَدَ الضَّرْبَ وَلَمْ يَقْصِدْ الْقَتْلَ وَكَانَ الضَّرْبُ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ الْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ عَمْدٌ وَفِيهِ الْقِصَاصُ.
الْبُنَانِيُّ عَنْ ابْنِ مَرْزُوقٍ عِبَارَتُهُمْ تَقْتَضِي أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ، فَنَبَّهَ
وَإِنْ بِقَضِيبٍ كَخَنْقٍ وَمَنْعِ طَعَامٍ، وَمُثَقَّلٍ، وَلَا قَسَامَةَ إنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ بِشَيْءٍ؛
[منح الجليل]
الْمُصَنِّفُ عَلَى الْعَمْدِ بِقَوْلِهِ إنْ قَصَدَ إلَخْ، وَأَمَّا الْعُدْوَانُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ وَإِلَّا أُدِّبَ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَتْلَ عَلَى أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَقْصِدَ بِرَمْيِهِ شَيْئًا أَوْ يَقْصِدَ حَرْبِيًّا فَيُصِيبُ مُسْلِمًا وَهَذَا خَطَأٌ بِإِجْمَاعٍ فِيهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ.
الثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ الضَّرْبَ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ وَهُوَ خَطَأٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَمِثْلُهُ قَصْدُ الْأَدَبِ الْجَائِزِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ لِلنَّائِرَةِ وَالْغَضَبِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ عَمْدٌ يُقْتَصُّ بِهِ إلَّا فِي الْأَبِ وَنَحْوِهِ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَتُغَلَّظُ فِيهِ الدِّيَةُ.
الثَّالِثُ قَصْدُ الْقَتْلِ عَلَى وَجْهِ الْغِيلَةِ فَيَتَحَتَّمُ فِيهِ الْقَتْلُ فَلَا عَفْوَ عَنْهُ قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَمِثْلُهُ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ.
هَذَا إنْ ضَرَبَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا كَسَيْفٍ وَرُمْحٍ وَسَهْمٍ، بَلْ (وَإِنْ) ضَرَبَهُ (بِقَضِيبٍ) أَيْ عُودٍ مَقْضُوبٍ مِنْ شَجَرَةٍ وَنَحْوَهُ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا.
ابْنُ شَاسٍ فَأَمَّا إنْ لَطَمَهُ أَوْ وَكَزَهُ فَمَاتَ فَتَخَرَّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي نَفْيِ شِبْهِ الْعَمْدِ وَإِثْبَاتِهِ فَعَلَى رِوَايَةِ النَّفْيِ هُوَ عَمْدٌ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْكِتَابِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي إثْبَاتِهِ الْوَاجِبَ فِيهِ الدِّيَةُ.
اهـ. وَشَبَّهُ فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ فَقَالَ (كَخَنْقٍ) لِمَعْصُومٍ حَتَّى مَاتَ فَعَلَى خَانِقِهِ الْقِصَاصُ (وَ) كَ (مَنْعِ طَعَامٍ) أَوْ شَرَابٍ عَنْ مَعْصُومٍ حَتَّى مَاتَ فَعَلَى مَانِعِهِ الْقِصَاصُ.
ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ صُوَرِ الْعَمْدِ مَا ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ إنْ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ مُسَافِرًا عَالِمًا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ مَنْعُهُ، وَأَنَّهُ يَمُوتُ إنْ لَمْ يَسْقِهِ قُتِلَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَلِ قَتْلَهُ بِيَدِهِ اهـ.
(وَ) كَضَرْبٍ بِشَيْءٍ (مُثَقَّلٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ مُثَقَّلَةً، أَيْ رَاضٍّ لِلْبَدَنِ بِلَا جُرْحٍ كَحَجَرٍ وَخَشَبَةٍ وَمَاتَ الْمَضْرُوبُ فَيُقْتَصُّ مِنْ ضَارِبِهِ بِهِ، فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَضْرُوبِ بِهِ لَهُ حَدٌّ يَجْرَحُ (وَلَا قَسَامَةَ) فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (إنْ أَنْفَذَ) الضَّرْبَ (مَقْتَلَهُ) بِأَنْ قَطَعَ وَدْجَهُ أَوْ ثَقَبَ مَصِيرَهُ أَوْ نَثَرَ دِمَاغَهُ أَوْ قَطَعَ نُخَاعَهُ
(أَوْ) لَمْ يُنْفِذْ مَقْتَلَهُ
أَوْ مَاتَ مَغْمُورًا
وَكَطَرْحِ غَيْرِ مُحْسِنٍ لِلْعَوْمِ، عَدَاوَةً، وَإِلَّا فَدِيَةٌ
[منح الجليل]
وَ (مَاتَ مَغْمُورًا) عَقْلُهُ لَا يَعِي شَيْئًا لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَتَكَلَّمُ وَلَمْ يُفِقْ مِنْ غَمْرَتِهِ حَتَّى مَاتَ.
وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُنْفِذْ مَقْتَلَهُ وَلَمْ يَغْمُرْ وَأَكَلَ وَشَرِبَ وَعَاشَ حَيَاةً تُعْرَفُ أَوْ غَمَرَ ثُمَّ أَفَاقَ كَذَلِكَ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْ قَاتِلِهِ إلَّا بَعْدَ الْقَسَامَةِ.
" غ " قَوْلُهُ إنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ أَوْ مَاتَ مَغْمُورًا كَذَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي نَفْيِ الْقَسَامَةِ، فَقَالَ فِي الْأَوَّلِ وَأَمَّا إنْ شُقَّتْ حَشْوَتُهُ فَتَكَلَّمَ وَأَكَلَ وَعَاشَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَإِنَّهُ يُقْتَلُ قَاتِلُهُ بِغَيْرِ قَسَامَةٍ إذَا كَانَ قَدْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ، وَقَالَ فِي الثَّانِي وَمَنْ ضَرَبَ فَمَاتَ تَحْتَ الضَّرْبِ أَوْ بَقِيَ مَغْمُورًا لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يُفِقْ حَتَّى مَاتَ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ، كَذَا اخْتَصَرَهَا أَبُو سَعِيدٍ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْأُمَّهَاتِ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ قَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ فِي الْمَغْمُورِ الْقَسَامَةَ اهـ.
وَشَبَّهَ فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ بِلَا قَسَامَةٍ فَقَالَ (كَطَرْحِ) شَخْصٍ (غَيْرِ مُحْسِنٍ لِلْعَوْمِ) فِي نَحْوِ بَحْرٍ (عَدَاوَةً) فَمَاتَ فَعَلَى طَارِحِهِ الْقِصَاصُ بِلَا قَسَامَةٍ، فَفِيهَا وَإِنْ طَرَحَ رَجُلًا فِي نَهْرٍ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الْعَوْمَ فَمَاتَ فَإِنْ كَانَ فِي الْعَدَاوَةِ وَالْقِتَالِ قُتِلَ بِهِ.
ابْنُ نَاجِي ظَاهِرُهَا أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يُحْسِنُ الْعَوْمَ لَا يُقْتَلُ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعَدَاوَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الطَّرْحُ لِغَيْرِ مُحْسِنِ الْعَوْمِ عَدَاوَةً بِأَنْ كَانَ لِمُحْسِنِهِ أَوْ لِغَيْرِ مُحْسِنِهِ لَعِبًا لَا عَدَاوَةَ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْ طَارِحِهِ، وَإِذَا لَمْ يَقْتُلْ (فَ) فِيهِ (دِيَةٌ) بِلَا قَسَامَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَالدِّيَةُ بِقَسَامَةٍ لَا الْقَتْلِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرُهُ الْقَسَامَةَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُوَضِّحِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ الدِّيَةِ بِقَسَامَةٍ لَمْ أَرَهُ وَلَا وَجْهَ لِلْقَسَامَةِ هُنَا.
تت أَجْمَلَ فِي قَوْلِهِ دِيَةٌ، إذْ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا دِيَةُ خَطَأٍ مُخَمَّسَةٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا مُغَلَّظَةٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ، وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ إنْ خَرَجَ عَنْ الْمُعْتَادِ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا هَلْ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَوْ لَا.
وَكَحَفْرِ بِئْرٍ، وَإِنْ بِبَيْتِهِ
[منح الجليل]
طفي لَا إجْمَالَ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ عَيَّنَ فِيمَا يَأْتِي مَوَاضِعَ التَّغْلِيظِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهَا، فَيُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهَا دِيَةٌ خَطَأً مُخَمَّسَةً وَكَلَامُهُ يُبَيِّنُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَنَصَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُغَلَّظَةَ هِيَ الَّتِي تَكُونُ فِي مَالِ الْجَانِي، وَمَا عَدَاهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَكَلَامُهُ مُحَرَّرٌ لِمَنْ أَحَاطَ بِأَطْرَافِهِ قَوْلُهُ إنْ كَانَ أَيْ اللَّعِبُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ.
اهـ. أَقُولُ الْإِخْفَاءُ فِي إجْمَالِ كَلَامِهِ هُنَا خُصُوصًا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافُ.
الْبُنَانِيُّ يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ إنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يُحْسِنُ الْعَوْمَ فَلَا قِصَاصَ أَلْقَاهُ لَعِبًا وَعَدَاوَةً، وَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الْعَوْمَ فَالْقِصَاصُ مُطْلَقًا وَإِذَا جَهِلَ فَفِي الْعَدَاوَةِ الْقِصَاصُ، وَفِي اللَّعِبِ لَا قِصَاصَ فَالدِّيَةَ فَقَوْلُهُ غَيْرِ مُحْسِنٍ الْعَوْمَ، أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَالْمُلْقَى جَاهِلٌ زَادَ بَعْضُهُمْ مَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُحْسِنُ الْعَوْمَ، لَكِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَنْجُو لِشِدَّةِ بَرْدٍ أَوْ طُولِ مَسَافَةٍ
وَشَبَّهَ فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ بِلَا قَسَامَةٍ فَقَالَهُ (كَحَفْرِ بِئْرٍ) لِقَصْدِ إهْلَاكِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَلَوْ سَارِقًا فَهَلَكَ فِيهَا، فَعَلَى حَافِرِهَا الْقِصَاصُ لِتَسَبُّبِهِ فِي إهْلَاكِهِ إنْ حَفَرَهَا فِي الطَّرِيقِ، بَلْ (وَإِنْ) حَفَرَهَا (بِبَيْتِهِ) الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ حَفَرَ بِئْرًا لِلِّصِّ لِيَهْلَكَ فِيهَا فَهَلَكَ فِيهَا، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إهْلَاكَ مُعَيَّنٍ فَلَا يُقْتَلُ وَتَلْزَمُهُ الدِّيَةُ، وَإِنْ هَلَكَ فِيهَا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَفِي الْحُرِّ دِيَتُهُ وَفِي الْعَبْدِ قِيمَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرَ أَحَدٍ وَحَفَرَهَا فِي مِلْكِهِ لِحَاجَتِهِ فَهَلَكَ فِيهَا إنْسَانٌ أَوْ حَيَوَانٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ الْبِئْرِ الْمِطْمَرُ.
أَصْبَغُ سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ لَهُ زَرْعٌ تَدْخُلُهُ دَوَابُّ النَّاسِ فَتُفْسِدُهُ فَحَفَرَ حَفِيرًا حَوْلَهُ لِمَنْعِ الدَّوَابِّ وَأَنْذَرَ أَصْحَابَهَا فَوَقَعَ فِيهِ بَعْضُ الدَّوَابِّ فَهَلَكَ أَتَرَى عَلَيْهِ ضَمَانُهُ، فَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَوْ لَمْ يُنْذِرْهُمْ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ مِنْ الْحَفْرِ فِي أَرْضِهِ وَحَقِّهِ تَحْصِينًا لِزَرْعِهِ لَا لِإِتْلَافِ دَوَابِّ النَّاسِ، وَلَوْ فَعَلَهُ لِإِتْلَافِ دَوَابِّهِمْ لَلَزِمَهُ الضَّمَانُ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يَصْنَعُ فِي دَارِهِ شَيْئًا لِإِتْلَافِ السَّارِقِ، فَيَتْلَفُ السَّارِقُ أَوْ غَيْرُهُ فِيهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ اهـ.
ابْنُ يُونُسَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إنْ جَعَلَ فِي حَائِطِهِ حَفِيرًا لِلسِّبَاعِ أَوْ حِبَالَةً فَلَا يَضْمَنُ مَا
أَوْ وَضْعِ مُزْلِقٍ؛ أَوْ رَبْطِ دَابَّةٍ بِطَرِيقٍ، أَوْ اتِّخَاذِ كَلْبٍ عَقُورٍ تَقَدَّمَ لِصَاحِبِهِ قَصْدُ الضَّرَرِ؛ وَهَلَكَ الْمَقْصُودُ، وَإِلَّا فَالدِّيَةُ
[منح الجليل]
عَطِبَ بِذَلِكَ مِنْ سَارِقٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ جَعَلَ فِي بَابِ جِنَانِهِ قَصَبًا يَدْخُلُ فِي رِجْلِ مَنْ يَدْخُلُهُ أَوْ اتَّخَذَ تَحْتَ عَتَبَتِهِ مَسَامِيرَ لِمَنْ يَدْخُلُ أَوْ رَشَّ قَنَاةً يُرِيدُ زَلْقَ مَنْ يَدْخُلُهُ مِنْ دَابَّةٍ أَوْ إنْسَانٍ أَوْ اتَّخَذَ كَلْبًا عَقُورًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أُصِيبَ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ رَشَّ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَضْمَنُ مَنْ عَطِبَ فِيهِ كَحَافِرِ الْبِئْرِ فِي دَارِهِ لِحَاجَتِهِ أَوْ لِإِرْصَادِ سَارِقٍ فَهُوَ مُفْتَرَقٌ اهـ. قَوْلُهُ فَهُوَ مُفْتَرَقٌ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَحْفِرَهَا لِحَاجَتِهِ فَلَا يَضْمَنُ أَوْ يَرْصُدَ بِهَا السَّارِقَ فَيَضْمَنُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(أَوْ) كَ (وَضْعِ) شَيْءٍ (مُزْلِقٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الزَّاي وَكَسْرِ اللَّامِ بِطَرِيقٍ كَقِشْرِ بِطِّيخٍ وَرَشِّ فِنَاءٍ مُرِيدًا إزْلَاقَ مَنْ يَمُرُّ بِهِ مِنْ إنْسَانٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَضْمَنُ مَا يَتْلَفُ بِهِ (أَوْ رَبْطِ دَابَّةٍ) تَعَضُّ أَوْ تَرْفُسُ مَنْ يَمُرُّ (بِطَرِيقٍ) فَيَضْمَنُ مَا يَهْلَكُ بِهَا، وَأَمَّا إنْ أَوْقَفَهَا لِحَاجَةٍ بِأَنْ نَزَلَ عَنْهَا لِقَضَاءِ حَاجَةٍ وَتَرَكَهَا فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا فَلَا يَضْمَنُهُ (أَوْ اتِّخَاذِ كَلْبٍ عَقُورٍ) بِبَيْتِهِ أَوْ جِنَانِهِ لِإِهْلَاكِ سَارِقٍ وَنَحْوَهُ فَيَهْلَكُ فَالْقَوَدُ إنْ (تَقَدَّمَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ سَبَقَ (لِصَاحِبِهِ) فِيهِ إنْذَارٌ فَيَضْمَنُ مَا هَلَكَ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ إنْذَارٌ فَلَا يَضْمَنُهُ، وَمَحَلُّ ضَمَانِهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا إذَا (قَصَدَ) فَاعِلُهَا (لِضَرَرٍ) لِمُعَيَّنٍ (وَهَلَكَ الْمَقْصُودُ) فَالْقَوَدُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَهْلَكْ الْمَقْصُودُ وَهَلَكَ غَيْرُهُ (فَالدِّيَةُ) لِلْهَالِكِ عَلَى الْفَاعِلِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرًا وَفَعَلَهَا لِحَاجَتِهِ فِيمَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهَا فِيهِ فَلَا يَضْمَنُ كَمَا تَقَدَّمَ.
طفي لَا حَاجَةَ لِذِكْرِ قَيْدِ تَقَدُّمِ الْإِنْذَارِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ حَيْثُ قَصَدَ الضَّرَرَ وَهَلَكَ الْمَقْصُودُ وَهَذَا لَا قَيْدَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْقَيْدُ حَيْثُ اتَّخَذَهُ لِمَا يَجُوزُ لَهُ اتِّخَاذُهُ فِيهِ كَحِرَاسَةِ زَرْعٍ أَوْ ضَرْعٍ.
فَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا اتَّخَذَهُ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ فَلَا يَضْمَنُ مَا أَصَابَ حَتَّى يَتَقَدَّمَ فِيهِ إلَيْهِ، وَإِنْ اتَّخَذَهُ بِمَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ لَهُ اتِّخَاذُهُ فِيهِ كَالدَّارِ وَشَبَهِهَا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ عَقُورٌ ضَمِنَ مَا أَصَابَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا فِي دَارِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا
وَكَالْإِكْرَاهِ وَتَقْدِيمِ مَسْمُومٍ وَرَمْيِهِ عَلَيْهِ حَيَّةٍ
وَكَإِشَارَتِهِ
[منح الجليل]
أَصَابَ إنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِ فِيهِ.
اهـ. وَفِيهَا مَا أَحْدَثَهُ بِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا لَا يَجُوزُ إحْدَاثُهُ مِنْ حَفْرِ بِئْرٍ أَوْ رَبْطِ دَابَّةٍ ضَمِنَ اهـ. عِيَاضٌ مَعْنَاهُ جَعَلَهُ لَهَا مَرْبِطًا دَائِمًا وَلَوْ كَانَ نَزَلَ عَنْهَا أَوْ أَوْقَفَهَا وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَيْهَا أَمَامَ حَانُوتٍ لِيَشْتَرِيَ مِنْهُ أَوْ يَحْمِلَ مِنْهُ أَوْ أَمَامَ بَابِ دَارِهِ أَوْ نَزَلَ لِلصَّلَاةِ بِمَسْجِدٍ أَوْ أَوْقَفَهَا بِبَابِ الْأَمِيرِ يَطْلُبُ الْإِذْنَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ
وَعَطَفَ عَلَى الْمُشَبَّهِ فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ مُشَبَّهًا آخَرَ فِيهِ فَقَالَ (وَالْإِكْرَاهِ) عَلَى قَتْلِ مَعْصُومٍ بِتَخْوِيفٍ بِقَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَتَلَهُ الْمُكْرَهُ فَيُقْتَلُ الْمُكْرِهُ بِالْكَسْرِ لِتَسَبُّبِهِ، وَالْمُكْرَهُ بِالْفَتْحِ لِمُبَاشَرَتِهِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْمَأْمُورُ مُخَالَفَةَ الْآمِرِ وَإِلَّا اُقْتُصَّ مِنْ الْمَأْمُورِ وَأُدِّبَ الْآمِرُ كَمَا يَأْتِي (وَ) كَ (تَقْدِيمِ) شَيْءٍ (مَسْمُومٍ) سَوَاءٌ كَانَ طَعَامًا أَوْ شَرَابًا أَوْ لِبَاسًا أَوْ غَيْرَهَا فَيُقْتَصُّ مِنْ مُقَدِّمِهِ لِتَسَبُّبِهِ إذَا عَلِمَ بِأَنَّهُ مَسْمُومٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُقَدَّمُ لَهُ بِالْفَتْحِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ الْمُقَدِّمُ أَوْ عَلِمَهُ الْمُقَدَّمُ لَهُ فَلَا قِصَاصَ وَلَا أَدَبَ عَلَى الْمُقَدِّمِ فِيمَا يَظْهَرُ قَالَهُ عج.
وَقَالَ اللَّقَانِيُّ فِيهِ الْقِصَاصُ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَنْ قَتَلَ رَجُلًا بِسَقْيِ سُمٍّ قُتِلَ بِهِ (وَ) كَ (رَمْيِهِ حَيَّةً) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتِيَّةِ مُثَقَّلَةً، أَيْ ثُعْبَانًا كَبِيرًا حَيًّا (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَعْصُومِ فَمَاتَ فَيُقْتَصُّ مِنْ رَامِيهَا وَلَوْ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ، وَإِنْ لَمْ تَلْدَغْهُ خِلَافًا لِدَاوُدَ وتت فِي تَقْيِيدِهِمَا بِلَدْغِهَا، وَإِنْ رَمَاهَا عَلَيْهِ مَيِّتَةً أَوْ صَغِيرَةً لَا تَقْتُلُ عَادَةً عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ فَمَاتَ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَعَلَى وَجْهِ الْعَدَاوَةِ فِيهِ الْقِصَاصُ.
أَصْبَغُ مَنْ طَرَحَ عَلَى رَجُلٍ حَيَّةً مَسْمُومَةً مِثْلَ الْحُوَاةِ الْعَارِفِينَ بِالْحَيَّاتِ الْمَسْمُومَةِ فَمَاتَ قُتِلَ بِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ عَلَى اللَّعِبِ، إنَّمَا اللَّعِبُ مِثْلُ بَعْضِ الشُّرَّاطِ يَطْرَحُ الْحَيَّةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَا تُعْرَفُ لِمِثْلِ هَذَا فَتَقْتُلُ، فَهَذَا خَطَأٌ، بِخِلَافِ طَرْحِهِ عَلَيْهِ حَيَّةً مَعْرُوفَةً أَنَّهَا تَقْتُلُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لَمْ أُرِدْ قَتْلَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَى قَوْلِهَا إنْ تَعَمَّدَهُ بِضَرْبِ اللَّطْمَةِ فَمَاتَ قُتِلَ بِهِ عَدَمُ شَرْطِ مَعْرِفَةِ أَنَّهَا قَاتِلَةٌ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ، وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ مَا لَا يَقْتُلُ مِنْ الْحَيَّاتِ يُقْبَلُ قَوْلُ مُلْقِيهِ لَمْ أُرِدْ قَتْلَهُ لِتَقَرُّرِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ صَوَابٌ، وَيَجْرِي فِيهِ أَقْوَالُ اللَّعِبِ
(وَكَإِشَارَتِهِ) أَيْ الْمُكَلَّفِ غَيْرِ الْحَرْبِيِّ وَلَا الزَّائِدِ بِحُرِّيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ إلَى مَعْصُومٍ
بِسَيْفٍ فَهَرَبَ، وَطَلَبَهُ، وَبَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ؛ وَإِنْ سَقَطَ: فَبِقَسَامَةٍ وَإِشَارَتُهُ فَقَطْ خَطَأً
[منح الجليل]
بِسَيْفٍ) أَوْ رُمْحٍ أَوْ بُنْدُقِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ آلَاتِ الْقَتْلِ (فَهَرَبَ) الْمَعْصُومُ الْمُشَارُ إلَيْهِ (وَطَلَبَهُ) أَيْ تَبِعَ الْمُشِيرُ الْمُشَارَ إلَيْهِ حَتَّى مَاتَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِلَا سُقُوطٍ، سَوَاءٌ اسْتَنَدَ لِشَيْءٍ أَمْ لَا، فَيُقْتَصُّ مِنْ الْمُشِيرِ بِلَا قَسَامَةٍ لِتَسَبُّبِهِ فِي مَوْتِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، (وَبَيْنَهُمَا) أَيْ الْمُشِيرِ وَالْمُشَارِ إلَيْهِ (عَدَاوَةٌ) وَاوُهُ لِلْحَالِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ فَلَا قِصَاصَ وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهُ خَطَأٌ.
(وَإِنْ سَقَطَ) الْمُشَارُ إلَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ حَالَ هُرُوبِهِ وَطَلَبَهُ وَمَاتَ (فَ) يُقْتَصُّ مِنْ الْمُشِيرِ الطَّالِبِ (بِقَسَامَةٍ) خَمْسِينَ يَمِينًا أَنَّهُ مَاتَ مِنْ خَوْفِهِ مِنْ الْمُشِيرِ الطَّالِبِ لَا مِنْ السُّقُوطِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ (وَإِشَارَتُهُ) أَيْ الْمُكَلَّفِ إلَخْ، إلَى مَعْصُومٍ بِسَيْفٍ مَثَلًا (فَقَطْ) أَيْ بِدُونِ طَلَبٍ فَمَاتَ الْمُشَارُ إلَيْهِ مِنْ خَوْفِهِ وَبَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ (خَطَأً) فَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُخَمَّسَةً قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ مُغَلَّظَةً عَلَى الْمُشِيرِ.
ابْنُ شَاسٍ اُخْتُلِفَ فِي الْإِشَارَةِ بِالسَّيْفِ فَقَالَ مُحَمَّدٌ مَنْ أَشَارَ إلَى رَجُلٍ بِسَيْفٍ وَبَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ وَتَمَادَى بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ وَهُوَ يَهْرُبُ مِنْهُ وَطَلَبَهُ حَتَّى مَاتَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ طَلَبَهُ بِهِ حَتَّى سَقَطَ فَمَاتَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ بِقَسَامَةٍ أَنَّهُ مَاتَ خَوْفًا مِنْهُ.
الْبَاجِيَّ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ مِنْ السَّقْطَةِ وَلَوْ أَشَارَ لَهُ فَقَطْ فَمَاتَ فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
ابْنُ حَبِيبٍ عَلَيْهِ الْقَوَدُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَالْمُغِيرَةُ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ طَلَبَ رَجُلًا بِسَيْفٍ فَعَثَرَ الْمَطْلُوبُ قَبْلَ ضَرْبِهِ فَمَاتَ قُتِلَ بِهِ وَقَالَهُ الْمُغِيرَةُ.
ابْنُ رُشْدٍ مِثْلُهُ لِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَلَا أَعْرِفُ فِيهِ نَصَّ خِلَافٍ وَيَدْخُلُهُ بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُ مِنْ شِبْهِ الْعَمْدِ الْمُخْتَلَفِ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ فِيهِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ فِيمَنْ أَشَارَ بِسَيْفٍ فَهَرَبَ فَطَلَبَهُ حَتَّى مَاتَ وَبَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ أَرْبَعَةٌ: الْقَوَدُ وَالدِّيَةُ وَالْقَسَامَةُ وَإِلْحَاقُهُ بِشِبْهِ الْعَمْدِ، قُلْت الثَّانِي نَقْلُ ابْنِ شَاسٍ.
وَقَالَ ابْنُ مُيَسِّرٍ لَا قِصَاصَ فِي هَذَا وَاسْتَحْسَنَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ مِنْ الْخَوْفِ أَوْ الْجَرْيِ أَوْ مِنْهُمَا أَفَادَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
وَكَالْإِمْسَاكِ لِلْقَتْلِ
وَيُقْتَلُ الْجَمْعُ بِوَاحِدٍ،
[منح الجليل]
وَكَالْإِمْسَاكِ) مِنْ مُكَلَّفٍ غَيْرِ حَرْبِيٍّ إلَخْ لِمَعْصُومٍ (لِلْقَتْلِ) مِنْ شَخْصٍ آخَرَ فَقَتَلَهُ فَيُقْتَلُ الْمُمْسِكُ لِتَسَبُّبِهِ وَالْقَاتِلُ لِمُبَاشَرَتِهِ.
ابْنُ شَاسٍ شَرَطَ الْقَاضِي ابْنُ هَارُونَ الْبَصْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُمْسِكِ شَرْطًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَوْلَا الْإِمْسَاكُ لَمْ يَقْدِرْ الْقَاتِلُ عَلَى قَتْلِهِ.
اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَزَادَ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إذَا حُمِلَ عَلَى ظَهْرِ آخَرَ شَيْئًا فِي الْحِرْزِ فَخَرَجَ بِهِ الْحَامِلُ فَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِهِ إلَّا بِحَمْلِ الْحَامِلِ عَلَيْهِ قُطِعَا مَعًا، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى حَمْلِهِ دُونَهُ قُطِعَ الْخَارِجُ فَقَطْ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُقَابِلٌ لِلْمَشْهُورِ، وَأَقَرَّهُ الْمُوَضِّحُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إطْلَاقُ ابْنِ الْحَاجِبِ إيجَابَ الْإِمْسَاكِ الْقَوَدَ بِلَا قَيْدٍ مُتَعَقَّبٌ.
اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْمُوَطَّإِ مَنْ أَمْسَكَ رَجُلًا لِيَضْرِبَهُ آخَرُ فَضَرَبَهُ فَمَاتَ فَإِنْ أَمْسَكَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ قُتِلَا مَعًا، وَإِنْ كَانَ رَأَى أَنَّهُ لَا يَقْتُلُهُ قُتِلَ الْقَاتِلُ فَقَطْ وَعُوقِبَ الْمُمْسِكُ أَشَدَّ عُقُوبَةٍ وَسُجِنَ سَنَةً.
الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ دَلِيلُ حُبِّهِ لِلْقَتْلِ أَنْ يَرَى الْقَاتِلَ يَطْلُبُهُ وَبِيَدِهِ سَيْفٌ أَوْ رُمْحٌ وَإِنْ لَمْ يَرَ مَعَهُ ذَلِكَ فَلَا يُقْتَلُ الْحَابِسُ وَيُجْلَدُ بِقَدْرِ مَا يَرَى السُّلْطَانُ.
وَقَالَ عِيسَى يُجْلَدُ مِائَةً فَقَطْ ابْنُ مُزَيْنٍ الْقَوْلُ مَا قَالَ ابْنُ نَافِعٍ.
ابْنُ الْقَصَّارِ إنَّمَا يُقْتَلُ الْمُمْسِكُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ ظُلْمًا
(وَيُقْتَلُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ (الْجَمْعُ) مِنْ الْمُكَلَّفِينَ غَيْرِ الْحَرْبِيِّينَ وَلَا الزَّائِدِينَ بِحُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ غَيْرِ الْمُتَمَاثِلِينَ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ، وَسَوَاءٌ قَصَدَ كُلَّ وَاحِدٍ ضَرْبَهُ فَقَطْ أَوْ قَتْلَهُ أَوْ اخْتَلَفُوا إذَا ضَرَبُوهُ جَمِيعًا وَاسْتَوَتْ ضَرَبَاتُهُمْ فِي تَرَتُّبِ الْمَوْتِ عَلَيْهَا أَوْ تَفَاوَتَتْ فِيهِ وَلَمْ يُعْلَمْ صَاحِبُ الضَّرْبَةِ الْقَاتِلَةِ، أَوْ لَمْ تَتَمَيَّزْ الضَّرَبَاتُ إذَا مَاتَ الْمَضْرُوبُ فِي مَكَانِهِ، أَوْ نَفَذَ مَقْتَلُهُ أَوْ غَمَرَ إلَى مَوْتِهِ وَإِلَّا فَلِأَوْلِيَائِهِ الْقَسَامَةُ عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَقَتْلُهُ وَحْدَهُ، وَيُعَاقَبُ بَاقِيهِمْ.
وَإِنْ تَفَاوَتَتْ الضَّرَبَاتُ وَعُلِمَ صَاحِبُ الضَّرْبَةِ الْقَاتِلَةِ اُقْتُصَّ مِنْهُ وَعُوقِبَ الْبَاقِي.
عج شَرْطُ قَتْلِ الْجَمْعِ بِالْوَاحِدِ أَنْ يَقْصِدُوا قَتْلَهُ، وَلَا يَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ
وَالْمُتَمَالِئُونَ، وَإِنْ بِسَوْطِ سَوْطٍ
[منح الجليل]
إنْ قَصَدَ الضَّرْبَ عَدَاوَةً يُوجِبُ الْقِصَاصَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ وَقَتْلِ الْوَاحِدِ لِشِدَّةِ الْخَطَرِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَحَمَلَ شَيْخُنَا مَا هُنَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاعْتُرِضَ عَلَى الشَّارِحِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ شَرْطَ قَصْدِ الْقَتْلِ هُنَا هُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ نَقْلُ الْمَوَّاقِ وَالشَّارِحِ وَغَيْرِهِمَا.
طفي فِي كَلَامِ عج نَظَرٌ وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ شَيْخُهُ، وَلَيْسَ فِي " ق " مَا يُفِيدُ مَا قَالَ عج، بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى نَقْلِ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ الْمَذْهَبُ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، وَأَمَّا الشَّارِحُ فَنَقَلَ قَوْلُهَا، وَإِذَا اجْتَمَعَ نَفَرٌ عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ صَبِيَّةٍ عَمْدًا قُتِلُوا بِذَلِكَ، وَقَوْلُ الْجَوَاهِرِ لَوْ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ عَلَى رَجُلٍ يَضْرِبُونَهُ فَقَطَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ وَفَقَأَ آخَرُ عَيْنَهُ وَجَدَعَ آخَرُ أَنْفَهُ وَقَتَلَهُ آخَرُ، وَقَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ فَمَاتَ مَكَانَهُ قُتِلُوا كُلُّهُمْ بِهِ، وَلَا قِصَاصَ لَهُ فِي الْجُرْحِ مَا لَمْ يَتَعَمَّدُوا الْمُثْلَةَ، وَإِنْ لَمْ يُرِيدُوا قَتْلَهُ اُقْتُصَّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ جُرْحِهِ وَقُتِلَ قَاتِلُهُ، وَكَلَامُهُمَا فِي التَّمَالُؤِ، وَلِذَا اعْتَرَضَهُ شَيْخٌ عج، وَتَفْرِيقُ عج بَيْنَ مَا هُنَا وَمَا تَقَدَّمَ لَا سَلَفَ لَهُ فِيهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ إنْ اجْتَمَعَ نَفَرٌ عَلَى ضَرْبِ رَجُلٍ ثُمَّ انْكَشَفُوا وَقَدْ مَاتَ قُتِلُوا بِهِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَلِيٌّ إنْ ضَرَبَهُ هَذَا بِسِلَاحٍ وَهَذَا بِعَصًا وَتَمَادَيَا حَتَّى مَاتَ قُتِلَا بِهِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ ضَرْبَ أَحَدِهِمْ قَتَلَهُ اهـ. الْبُنَانِيُّ هَذَا قُصُورٌ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَا نَصُّهُ مَسْأَلَةُ الْأَسْوَاطِ جَارِيَةٌ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ، بِشَرْطِ أَنْ يَقْصِدُوا جَمِيعًا إلَى قَتْلِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
وَأَمَّا إنْ قَصَدَ الْأَوَّلُونَ إلَى إيخَافِهِ بِالضَّرْبِ فَلَيْسَ السَّوْطُ الْأَوَّلُ وَمَا بَعْدَهُ مِمَّا يَقْرَبُ مِنْهُ مِمَّا يَكُونُ عَنْهُ الْقَتْلُ غَالِبًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْتَلَ بِهِ الْآخَرُ وَمَنْ قَصَدَ قَتْلَهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَهُ اهـ. قَالَ شب بَحْثُ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ ضَعِيفٌ وَإِنْ ارْتَضَاهُ الْجَمَاعَةُ لِأَنَّ زَهُوقَ الرُّوحِ إنَّمَا تَمَّ بِفِعْلِ الْجَمِيعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَيُقْتَلُ) الْجَمَاعَةُ (الْمُتَمَالِئُونَ) بِكَسْرِ اللَّامِ، أَيْ الْمُتَوَافِقُونَ عَلَى قَتْلِ شَخْصٍ مَعْصُومٍ بِهِ إنْ تَمَالَئُوا بِضَرْبِهِ بِنَحْوِ سُيُوفٍ، بَلْ (وَإِنْ بِسَوْطٍ) مِنْ أَحَدِهِمْ وَ (سَوْطٍ) مِنْ آخَرَ، وَهَكَذَا حَتَّى مَاتَ فَيُقْتَلُونَ بِهِ لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عُمَرَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَوْ تَمَالَأَ أَهْلُ صَنْعَاءَ عَلَى قَتْلِ صَبِيٍّ
وَالْمُتَسَبِّبُ مَعَ الْمُبَاشِرِ، كَمُكْرِهٍ، وَمُكْرَهٍ،
[منح الجليل]
لَقَتَلْتهمْ بِهِ.
شب يُشْتَرَطُ فِي الْقَتْلِ بِالْمُمَالَأَةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ أَنْ يَقْصِدُوا قَتْلَهُ، فَإِنْ قَصَدُوا ضَرْبَهُ فَقَطْ جَرَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَأَنْ يَحْضُرُوا بِحَيْثُ يَكُونُ الَّذِي لَمْ يَضْرِبْ لَوْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِضَرْبٍ وَلَوْ لَمْ يَلِ الْقَتْلَ إلَّا وَاحِدٌ، وَاَلَّذِي يَحْرُسُ لَهُمْ كَهُمْ، وَأَنْ يَمُوتَ فَوْرًا أَوْ مَغْمُورًا، فَإِنْ عَاشَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَسَامَةِ وَلَا يُقْسِمُ فِي الْعَمْدِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يُقْتَصُّ مِنْهُمْ لَهُ بِخِلَافِ قَتْلِ الْحِرَابَةِ وَتَمَالُؤٍ الْوَالِدِ مَعَهُمْ
وَيُقْتَلُ الشَّخْصُ (الْمُتَسَبِّبُ) فِي الْقَتْلِ (مَعَ) الشَّخْصِ (الْمُبَاشِرِ) لَهُ كَحَافِرِ بِئْرٍ لِإِهْلَاكِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَمَوْقِعٍ لَهُ فَيُقْتَلَانِ بِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ هَارُونَ يُقْتَلُ الْمُوقِعُ فَقَطْ تَغْلِيبًا لِلْمُبَاشَرَةِ، فَلَوْ حَفَرَهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا فِيمَا يَجُوزُ لَهُ حَفْرُهَا فَأَوْقَعَ غَيْرَهُ فِيهَا مَعْصُومًا فَلَا شَيْءَ عَلَى حَافِرِهَا، وَيُقْتَصُّ مِنْ الْمُوقِعِ، وَمَثَّلَ لَهُمَا بِقَوْلِهِ (كَمُكْرِهٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى قَتْلِ مَعْصُومٍ (وَمُكْرَهٍ) بِفَتْحِهَا فَيُقْتَلَانِ بِهِ مَعًا الْأَوَّلُ لِتَسَبُّبِهِ، وَالثَّانِي لِمُبَاشَرَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ الْمُكْرَهُ أَبَا الْمَقْتُولِ فَيُقْتَلُ مُكْرِهُهُ وَحْدَهُ.
ابْنُ الْحَاجِبِ يُقْتَلُ مُكْرِهُ الْأَبِ دُونَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ ذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ شَرِكَةَ الْأَبِ فِي قَتْلِ ابْنِهِ قَالَ وَسَقَطَ الْقَوَدُ عَنْ الْأَبِ لِمَعْنًى فِيهِ لَا فِي الْقَتْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مُكْرِهَ الْأَبِ عَلَى قَتْلِ ابْنِهِ يُقْتَلُ لِأَنَّ فِعْلَهُ مَنْقُولٌ إلَيْهِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ وَلِذَا قُتِلَ مُكْرِهُ الْأَبِ دُونَهُ.
قُلْت فِي النَّوَادِرِ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْهُ لَوْ أَكْرَهَ لِصٌّ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ ابْنِهِ أَوْ أَخِيهِ وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرَهُ بِوَعِيدٍ بِقَتْلٍ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ مَالِهِ وَلَا مِنْ دِيَتِهِ شَيْئًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُبَاحٍ لَهُ قَتْلُهُ، وَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ مِنْ الْقَوَدِ، ثُمَّ قَالَ لَوْ أَنَّ الْأَبَ أَكْرَهَ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ ابْنِهِ وَهُوَ يَعْقِلُ فَقَتَلَهُ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْقَوَدُ عَلَى الْقَاتِلِ وَلَا قَوَدَ عَلَى الْأَبِ وَلَا يَرِثُ مِنْ ابْنِهِ شَيْئًا.
ابْنُ الْقَصَّارِ فِي الْقَوَدِ بِالْإِكْرَاهِ وَبِشَهَادَةِ الزُّورِ رِوَايَتَانِ، وَاخْتَارَ الْأُولَى الْمَازِرِيُّ مَنْ أَكْرَهَ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا قُتِلَ الْمُبَاشِرُ، إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُبِيحُ لَهُ قَتْلَ مُسْلِمٍ ظُلْمًا، وَيُقْتَلُ الْمُكْرَهُ أَيْضًا لِأَنَّ الْقَاتِلَ كَآلَةٍ لَهُ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مُكَلَّفٍ فَلَا يُقْتَلُ وَنِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَكَأَبٍ، أَوْ مُعَلِّمٍ أَمَرَ وَلَدًا صَغِيرًا، وَسَيِّدٍ أَمَرَ عَبْدًا مُطْلَقًا؛ فَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْمَأْمُورُ: اُقْتُصَّ مِنْهُ فَقَطْ
[منح الجليل]
وَكَأَبٍ أَوْ مُعَلِّمٍ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (أَمَرَ) الْأَبُ أَوْ الْمُعَلِّمُ (وَلَدًا صَغِيرًا) بِقَتْلِ مَعْصُومٍ (أَوْ سَيِّدٍ أَمَرَ عَبْدًا مُطْلَقًا) عَنْ تَقْيِيدِهِ بِالصِّغَرِ بِقَتْلِ مَعْصُومٍ فَقَتَلَ الصَّغِيرُ أَوْ الْعَبْدُ مَنْ أُمِرَ بِقَتْلِهِ فَيُقْتَلُ الْآمِرُ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ لِتَسَبُّبِهِ فِي قَتْلِهِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّغِيرِ نِصْفُ دِيَةِ مَقْتُولِهِ، فَإِنْ تَعَدَّدَ الصِّبْيَانُ فَنِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ بِالسَّوِيَّةِ وَإِنْ خَصَّ كُلَّ عَاقِلَةٍ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ.
وَمَفْهُومُ صَغِيرٍ أَنَّهُ إنْ أَمَرَ بِهِ كَبِيرًا فَقَتَلَ قُتِلَ الْوَلَدُ وَالْمُتَعَلِّمُ وَحْدَهُ، وَعُوقِبَ آمِرُهُ وَقُتِلَ الْعَبْدُ مَعَ سَيِّدِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ لَوْ قَتَلَ الِابْنُ الْبَالِغُ بِأَمْرِ أَبِيهِ أَوْ بَالِغٍ مُتَعَلِّمِي الصَّانِعِ بِأَمْرِهِ أَوْ الْمُؤَدِّبِ بِأَمْرِهِ فَفِي قَتْلِ الْقَاتِلِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي عُقُوبَةِ الْآمِرِ وَقَتْلِهِمَا مَعًا قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَتَيْ يَحْيَى عَنْهُ وَسَحْنُونٍ، ثُمَّ قَالَ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ يُضْرَبُ الْآمِرُ مِائَةً وَيُسْجَنُ سَنَةً.
وَيُضْرَبُ الْغُلَامُ الْمُرَاهِقُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ بِقَدْرِ احْتِمَالِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ أَوْ الْمُعَلِّمُ أَوْ الْمُؤَدِّبُ مُبَاشِرًا لِذَلِكَ مُشَدِّدًا عَلَيْهِ فَيَجِبُ حِينَئِذٍ قَتْلُهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فِي السِّنِّ فَلَا خِلَافَ فِي قَتْلِ الْآمِرِ وَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّغِيرِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
(فَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْمَأْمُورُ) بِقَتْلِ الْمَعْصُومِ ظُلْمًا مِنْ الْآمِرِ (اُقْتُصَّ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ (مِنْهُ) أَيْ الْمَأْمُورِ وَحْدَهُ وَضُرِبَ الْآمِرُ مِائَةً وَحُبِسَ سَنَةً.
" ق " صَوَّرَ ابْنُ رُشْدٍ هُنَا سِتَّ صُوَرٍ
الْأُولَى: أَنْ يَأْمُرَ رَجُلٌ رَجُلًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا لِغَيْرِهِ بِقَتْلِ مَعْصُومٍ فَيَقْتُلُهُ فَلَا خِلَافَ فِي قَتْلِ الْقَاتِلِ وَضَرْبِ الْآمِرِ مِائَةً وَحَبْسِهِ عَامًا.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَأْمُرَ عَبْدَهُ الْبَالِغَ بِهِ فَيَقْتُلُهُ فَيُقْتَلَانِ مَعًا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي هَذَا كَانَ الْعَبْدُ فَصِيحًا أَوْ أَعْجَمِيًّا.
وَقَالَهُ أَصْبَغُ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ بَعْضَ أَعْوَانِهِ بِقَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا فَيَقْتُلُهُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُمَا يُقْتَلَانِ مَعًا.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَأْمُرَ الرَّجُلُ ابْنَهُ الْبَالِغَ الَّذِي فِي حِجْرِهِ أَوْ الْمُؤَدِّبُ مُؤَدَّبَهُ الْبَالِغَ بِقَتْلِ رَجُلٍ فَيَقْتُلُهُ فَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَفِي سَمَاعِ يَحْيَى بِقَتْلِ الْقَاتِلِ وَيُبَالِغُ فِي عُقُوبَةِ الْآمِرِ، وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْهُ قَتْلَهُمَا مَعًا.
الْخَامِسَةُ: أَنْ يَكُونَ الِابْنُ مُرَاهِقًا وَمِثْلُهُ يَنْتَهِي عَمَّا يُنْهَى
وَعَلَى شَرِيكِ الصَّبِيِّ الْقِصَاصُ، إنْ تَمَالَآ عَلَى قَتْلِهِ
لَا شَرِيكِ مُخْطِئٍ مَجْنُونٍ
وَهَلْ يُقْتَصُّ مِنْ شَرِيكِ سَبُعٍ وَجَارِحِ نَفْسِهِ، وَحَرْبِيٍّ وَمَرَضٍ بَعْدَ الْجُرْحِ، أَوْ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ؟ قَوْلَانِ
[منح الجليل]
عَنْهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُقْتَلُ الْآمِرُ وَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ.
السَّادِسَةُ: كَوْنُهُ دُونَ ذَلِكَ فِي السِّنِّ، فَلَا خِلَافَ فِي قَتْلِ الْآمِرِ وَغُرْمُ عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ
(وَ) إنْ اشْتَرَكَ مُكَلَّفٌ غَيْرُ حَرْبِيٍّ إلَى آخِرِهِ مَعَ صَبِيٍّ فِي قَتْلِ مَعْصُومٍ فَ (عَلَى) الْمُكَلَّفِ (شَرِيكِ الصَّبِيِّ) فِي قَتْلِ الْمَعْصُومِ (الْقِصَاصُ) وَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ (إنْ تَمَالَآ) أَيْ اتَّفَقَ الْمُكَلَّفُ وَالصَّبِيُّ عَلَى قَتْلِهِ أَيْ الْمَعْصُومِ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُمَا إنْ تَعَمَّدَا بِلَا تَمَالُؤٍ فَلَا يُقْتَلُ الْمُكَلَّفُ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ مَوْتِهِ مِنْ فِعْلِ الصَّبِيِّ، وَلَوْ أَخْطَآ مَعًا أَوْ الْمُكَلَّفُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتَيْهِمَا، وَكَذَا إنْ تَعَمَّدَ الْمُكَلَّفُ وَأَخْطَأَ الصَّبِيُّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَكِنْ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْمُكَلَّفِ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ عَمْدًا
وَإِنْ شَارَكَ الْمُكَلَّفُ الْمُتَعَمِّدَ مُخْطِئًا أَوْ مَجْنُونًا فِي قَتْلِ مَعْصُومٍ فَ (لَا) قِصَاصَ عَلَى مُكَلَّفٍ مُتَعَمِّدٍ (شَرِيكِ) مُكَلَّفٍ (مُخْطِئٍ وَمَجْنُونٍ) فِي قَتْلِ مَعْصُومٍ وَعَلَى الْمُتَعَمِّدِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ، وَيُضْرَبُ مِائَةً، وَيُحْبَسُ عَامًا، وَنِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْمُخْطِئِ أَوْ الْمَجْنُونِ
(وَهَلْ يُقْتَصُّ) بِضَمِّ الْيَاءِ (مِنْ) مُكَلَّفٍ مُتَعَمِّدٍ (شَرِيكِ سَبُعٍ) فِي قَتْلِ مَعْصُومٍ (وَ) شَرِيكِ (جَارِحِ نَفْسِهِ) لِشِدَّةِ مَرَضِهِ مَثَلًا (وَ) شَرِيكِ (حَرْبِيٍّ وَ) شَرِيكِ (مَرَضٍ) حَدَثَ (بَعْدَ الْجُرْحِ) لِمَعْصُومٍ يَمُوتُ مِنْهُ غَالِبًا كَطَاعُونٍ (أَوْ لَا) يُقْتَصُّ مِنْ الشَّرِيكِ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعَةِ (وَ) إنَّمَا (عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ) فِي مَالِهِ وَيُضْرَبُ مِائَةً وَيُسْجَنُ سَنَةً، فِي الْجَوَابِ (قَوْلَانِ) لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ، وَالْقِصَاصُ مَشْرُوطٌ بِالْقَسَامَةِ فِيهَا فَإِنْ تَقَدَّمَ الْمَرَضُ الْمَخُوفُ عَلَى الْجُرْحِ فَلَا قِصَاصَ اتِّفَاقًا لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَوْتَهُ مِنْ مَرَضِهِ وَالْجُرْحُ
وَإِنْ تَصَادَمَا، أَوْ تَجَاذَبَا مُطْلَقًا قَصْدًا فَمَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَالْقَوَدُ، وَحُمِلَا
[منح الجليل]
هَيَّجَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَرَضِ سَبَبُ الْمَوْتِ فَيَشْمَلُ السُّقُوطَ وَالضَّرْبَ أَيْضًا، وَحُصُولُهُ حِينَ الْجُرْحِ كَحُصُولِهِ بَعْدَهُ أَفَادَهُ الْخَرَشِيُّ وشب وعب.
الْبُنَانِيُّ اُنْظُرْ مِنْ أَيْنَ أَتَى بِهِ وَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَنَصُّهُ إذَا كَانَ الْمَرَضُ قَبْلَ الْجُرْحِ فَالظَّاهِرُ الْقِصَاصُ فَقَطْ بِمُنَابَةِ قَتْلِ مَرِيضٍ وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ وَذَكَرٍ وَصَحِيحٍ وَضِدِّهِمَا.
أَقُولُ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ قَتْلُ مَرِيضٍ وَفِيهِ الْقِصَاصُ اتِّفَاقًا كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
عج الَّذِي تَجِبُ الْفَتْوَى بِهِ فِي شَرِيكِ الْمَرَضِ الْقَسَامَةُ وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَإِنْ تَصَادَمَا) أَيْ تَلَاطَمَ الْمُكَلَّفَانِ غَيْرَ الْحَرْبِيَّيْنِ الْمُتَكَافِئَانِ قَصْدًا فَمَاتَا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا فَالْقَوَدُ، فَإِنْ مَاتَا مَعًا فَقَدْ فَاتَ مَحَلُّهُ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا اُقْتُصَّ مِنْ الْحَيِّ.
وَإِنْ تَصَادَمَ حَرْبِيٌّ وَمَعْصُومٌ فَلَا قَوَدَ سَوَاءٌ مَاتَا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا، وَإِنْ تَصَادَمَ مُكَلَّفٌ وَصَبِيٌّ قَصْدًا فَإِنْ مَاتَا فَلَا قَوَدَ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ اُقْتُصَّ مِنْ الْمُكَلَّفِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُكَلَّفُ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ، وَإِنْ تَصَادَمَ مُكَلَّفَانِ أَحَدُهُمَا حُرٌّ وَالْآخَرُ رِقٌّ، فَإِنْ مَاتَا فَلَا قَوَدَ، وَإِنْ مَاتَ الْحُرُّ فَدِيَتُهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ فَقِيمَتُهُ عَلَى الْحُرِّ (أَوْ تَجَاذَبَا) أَيْ تَسَاحَبَ الشَّخْصَانِ بِأَيْدِيهِمَا أَوْ بِنَحْوِ حَبْلٍ تَصَادُمًا أَوْ تَجَاذُبًا (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَا رَاجِلَيْنِ أَوْ رَاكِبَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَا بَصِيرَيْنِ أَوْ ضَرِيرَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ تَصَادُمً اأَوْ تَجَاذُبًا (قَصْدًا فَمَاتَا) أَيْ الْمُتَصَادِمَانِ أَوْ الْمُتَجَاذِبَانِ مَعًا (أَوْ) مَاتَ (أَحَدُهُمَا) أَيْ الْمُتَصَادِمَيْنِ أَوْ الْمُتَجَاذِبَيْنِ فَقَطْ وَسُلِّمَ الْآخَرُ (فَالْقَوَدُ) أَيْ أَحْكَامُ الْقِصَاصِ مُعْتَبَرَةٌ ثُبُوتًا أَوْ نَفْيًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، فَيَنْتَفِي فِي مَوْتِهِمَا لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَيَثْبُتُ مِنْ الْحَيِّ فِي مَوْتِ أَحَدِهِمَا إنْ كَانَا مُكَلَّفَيْنِ مُتَكَافِئَيْنِ وَلَا يُقْتَصُّ مِنْ صَبِيٍّ وَلَا مِنْ حُرٍّ لِعَبْدٍ، إذْ لَمْ يَتَكَافَآ، وَدِيَةُ الْمُكَلَّفِ الْحُرِّ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ وَفِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ فِي مَالِ الْحُرِّ.
(وَ) إنْ جَهِلَ حَالَ الْمُتَصَادِمَيْنِ أَوْ الْمُتَجَاذِبَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْقَصْدِ وَعَدَمِهِ (حُمِلَا) بِضَمٍّ
عَلَيْهِ عَكْسُ السَّفِينَتَيْنِ، إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ:
[منح الجليل]
فَكَسْرٍ، أَيْ الْمُتَصَادِمَانِ أَوْ الْمُتَجَاذِبَانِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْقَصْدِ حَتَّى يَثْبُتَ عَدَمُهُ (عَكْسُ) تَصَادُمِ (السَّفِينَتَيْنِ) إذَا تَلِفَتَا أَوْ إحْدَاهُمَا وَجَهِلَ قَصْدَ مَا فِيهِمَا وَعَدَمِهِ فَيُحْمَلُونَ عَلَى عَدَمِ الْقَصْدِ، فَلَا يَضْمَنُونَ مَالًا وَلَا دِيَةً لِعُذْرِهِمْ بِغَلَبَةِ الْبَحْرِ وَالرِّيحِ.
الْحَطّ أَيْ فَإِنَّهُمْ يُحْمَلُونَ عَلَى عَدَمِ الْقَصْدِ إذَا جُهِلَ أَمْرُهُمْ، فَإِنْ تَحَقَّقَ تَعَمُّدُهُمْ لِإِتْلَافِهِمْ فَهُمْ ضَامِنُونَ فِيهَا لَوْ أَنَّ سَفِينَةً صَدَمَتْ أُخْرَى فَكَسَرَتْهَا فَغَرِقَ أَهْلُهَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ رِيحٍ غَلَبَتْهُمْ أَوْ مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَسْتَطِيعُوا مَعَهُ حَبْسَهَا عَنْ الْأُخْرَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى صَرْفِهَا وَلَمْ يَصْرِفُوهَا ضَمِنُوا.
ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَقِيلَ الدِّيَاتُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ الدِّيَاتُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْعَوَاقِلِ إلَّا أَنْ يَتَعَمَّدُوا ذَلِكَ وَيَعْلَمُوا أَنَّهُ مُهْلِكٌ فَالدِّيَاتُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ أَهْلَ السَّفِينَةِ إذَا تَعَمَّدُوا إغْرَاقَ الْأُخْرَى فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إلَّا الدِّيَةُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ طَرْحِ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْعَوْمَ بِمَنْزِلَةِ الْمُثَقَّلِ.
أَبُو الْحَسَنِ مَسْأَلَتَا السَّفِينَةِ وَالْفَرَسِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الرِّيحِ فِي السَّفِينَةِ وَفِي الْفَرَسِ مِنْ غَيْرِ رَاكِبِهِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ سَبَبِ النَّوَاتِيَّةِ فِي السَّفِينَةِ وَالرَّاكِبِ فِي الْفَرَسِ فَلَا إشْكَالَ فِي ضَمَانِهِمْ، وَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ حُمِلَ فِي السَّفِينَةِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الرِّيحِ وَفِي الْفَرَسِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الرَّاكِبِ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ حُمِلَا عَلَيْهِ اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا فَقَالَ (إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ) عَنْ صَرْفِ كُلِّ الْمُتَصَادِمِينَ فَرَسَهُ عَنْ الْآخَرِ فَلَا يَضْمَنَانِ شَيْئًا لَا مَالًا وَلَا دِيَةً إذَا عُلِمَ أَنَّ جُمُوحَهُمَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الرَّاكِبِينَ، بَلْ مِمَّا مَرَّا بِهِ مَثَلًا.
ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا جَمَحَتْ فَرَسَاهُمَا بِهِمَا وَلَمْ يَقْدِرَا عَلَى صَرْفِهِمَا فَلَا يَضْمَنَانِ يُرَدُّ بِقَوْلِهَا إنْ جَمَحَتْ دَابَّةٌ بِرَاكِبِهَا فَوَطِئَتْ إنْسَانًا فَعَطِبَ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَيَقُولُهَا إنْ كَانَ فِي الْفَرَسِ اغْتِرَامٌ فَحَمَلَ بِصَاحِبِهِ فَصَدَمَ فَرَاكِبُهُ ضَامِنٌ لِأَنَّ سَبَبَ جَمْحِهِ مِنْ رَاكِبِهِ وَفِعْلِهِ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا نَفَرَ مِنْ شَيْءٍ مَرَّ بِهِ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ رَاكِبِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ فَعَلَ بِهِ غَيْرُهُ مَا جَمَحَ بِهِ فَذَلِكَ عَلَى الْفَاعِلِ وَالسَّفِينَةُ الرِّيحُ هِيَ الْغَالِبَةُ، فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
قُلْت فَهَذَا كَالنَّصِّ عَلَى أَنَّ مَا تَلِفَ بِسَبَبِ الْجُمُوحِ ضَمَانُهُ مِنْ رَاكِبِهِ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مَا تَلِفَ بِالْجُمُوحِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَرْفِهِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ اهـ. الْحَطّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَرَشِيِّ إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ رَاجِعٍ لِلْمُتَصَادَمَيْنِ، أَيْ لِقَوْلِهِ وَحُمِلَا عَلَيْهِ، أَيْ الْعَمْدِ عِنْدَ الْجَهْلِ إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ لَا يَسْتَطِيعُ أَصْحَابُهُمَا صَرْفَهُمَا عَنْهُ فَلَا ضَمَانَ حِينَئِذٍ، وَسَيَأْتِي إذَا تَحَقَّقَ الْخَطَأُ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِلسَّفِينَتَيْنِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ الْمَعْنَى عَكْسَ السَّفِينَتَيْنِ، أَيْ فَإِنَّهُمَا يُحْمَلَانِ عَلَى الْعَجْزِ عِنْدَ الْجَهْلِ إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ، فَإِنَّهُمَا يُحْمَلَانِ عَلَى الْقَصْدِ وَهُوَ فَاسِدٌ وَنَحْوُهُ لعب.
الْعَدَوِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِصُورَتَيْ اصْطِدَامِ الْفَارِسَيْنِ وَالسَّفِينَتَيْنِ، وَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ السَّابِقِ، أَيْ إنَّ تَصَادُمَ السَّفِينَتَيْنِ مُخَالِفٌ تَصَادُمَ غَيْرِهِمَا فِي الْحُكْمِ إلَّا إذَا تَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ الصَّرْفِ عَنْ التَّصَادُمِ فَإِنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي أَنَّهُ لَا مَالَ وَلَا قَوَدَ فِي تَصَادُمِ السَّفِينَتَيْنِ وَلَا فِي تَصَادُمِ غَيْرِهِمَا.
الْبُنَانِيُّ الَّذِي لِابْنِ عَاشِرٍ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلسَّفِينَتَيْنِ وَالْمُتَصَادَمِينَ، أَيْ فَيَرْجِعُ وَإِنْ تَصَادَمَا إلَخْ، وَيَكُونُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ جَارِيًا عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ الْحَطّ فِي السَّفِينَتَيْنِ مِنْ الْقَوَدِ عِنْدَ الْقَصْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
تت إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَتَبِعَهُ هُنَا مَعَ أَنَّهُ نَاقَشَهُ فِي تَوْضِيحِهِ فَقَالَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَلَوْ اصْطَدَمَ سَفِينَتَانِ فَلَا ضَمَانَ بِشَرْطِ الْعَجْزِ عَنْ الصَّرْفِ، وَالْمُعْتَبَرُ الْعَجْزُ حَقِيقَةً يُنَاقِشُ الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِهِ بِشَرْطِ الْعَجْزِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُ الْعَجْزِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فَلَا ضَمَانَ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّوَاتَيْنِ قَادِرَتَيْنِ عَلَى صَرْفِهَا اهـ.
طفي وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت عَلِمْت أَنَّ الْمُنَاقَشَةَ لَا تَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ، إذْ حَاصِلُهَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُهُ، بَلْ كَذَلِكَ إذَا جُهِلَ الْأَمْرُ، وَهَذَا أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ عَكْسُ السَّفِينَتَيْنِ فَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَتَّبِعْ ابْنَ الْحَاجِبِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ زَادَ هَذَا وَإِنْ كَانَ يُفْهِمُ سُقُوطَ الضَّمَانِ فِيهِ بِالْأَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ عَكْسُ السَّفِينَتَيْنِ لِإِخْرَاجِ الظُّلْمَةِ وَخَوْفِ الْغَرَقِ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْعَجْزِ مُطْلَقُ الْعُذْرِ، بَلْ الْعَجْزُ الْحَقِيقِيُّ وَهُوَ الَّذِي لَا قُدْرَةَ مَعَهُ أَصْلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(لَا) يَنْتَفِي الضَّمَانُ عَنْ أَهْلِ السَّفِينَةِ إنْ قَدَرُوا عَلَى صَرْفِهَا عَنْ الْأُخْرَى وَلَمْ يَصْرِفُوهَا
لَا لِكَخَوْفِ غَرَقٍ، أَوْ ظُلْمَةٍ، وَإِلَّا فَدِيَةُ كُلٍّ عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ، وَفَرَسُهُ فِي مَالِ الْآخَرِ كَثَمَنِ الْعَبْدِ
[منح الجليل]
عَنْهَا (لِكَخَوْفِ غَرَقٍ) أَوْ نَهْبٍ أَوْ أَسْرٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ كَسْرٍ إنْ صَرَفُوهَا حَتَّى تَلِفَتَا أَوْ إحْدَاهُمَا وَمَا فِيهِمَا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، فَيَضْمَنُونَ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى صَرْفِهَا، إذْ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُسَلِّمُوا أَنْفُسَهُمْ بِإِهْلَاكِ غَيْرِهِمْ (أَوْ) اصْطَدَمَتَا بِسَبَبِ (ظُلْمَةٍ) فَلَمْ يَشْعُرُوا حَتَّى اصْطَدَمَتَا فَيَضْمَنُونَ كَمُصْطَدِمَيْنِ فِي الْبَرِّ لِظُلْمَةٍ لِأَنَّ اصْطِدَامَهُمَا بِفِعْلِهِمْ وَعَدَمَ شُعُورِهِمْ لِلظُّلْمَةِ لَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ الضَّمَانِ كَالْخَطَأِ.
ابْنُ يُونُسَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي السَّفِينَتَيْنِ تَصْطَدِمَانِ فَتَغْرَقُ إحْدَاهُمَا بِمَا فِيهَا فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّ الرِّيحَ تَغْلِبُهُمْ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّوَاتِيَّةِ لَوْ أَرَادُوا صَرْفَهُمَا قَدَرُوا عَلَى حَبْسِهِمَا إلَّا أَنَّ فِي ذَلِكَ هَلَاكَهُمْ وَغَرَقَهُمْ فَلَمْ يَفْعَلُوا فَلْتَضْمَنْ عَوَاقِلُهُمْ دِيَاتِهِمْ، وَيَضْمَنُوا هُمْ الْأَمْوَالَ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَطْلُبُوا نَجَاتَهُمْ بِغَرَقِ غَيْرِهِمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَرَوْهُمْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَهُمْ لَوْ رَأَوْهُمْ لَقَدَرُوا عَلَى صَرْفِهَا فَهُمْ ضَامِنُونَ لِمَا فِي السَّفِينَةِ وَدِيَةُ مَنْ مَاتَ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ، وَلَكِنْ لَوْ غَلَبَتْهُمْ الرِّيحُ أَوْ غَفَلُوا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ.
اهـ. " ق " اهـ بُنَانِيٌّ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اصْطِدَامُ السَّفِينَتَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا أَوْ تَجَاذُبُ الْمُتَجَاذِبَيْنِ قَصْدًا بِأَنْ كَانَ خَطَأً وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ (فَدِيَةُ كُلٍّ) مِنْ الْآدَمِيِّينَ (عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ) لِأَنَّهَا عَنْ جِنَايَةٍ خَطَأً (وَفَرَسُهُ) قِيمَتُهَا (فِي مَالِ الْآخَرِ) وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْفَرَسِ، بَلْ كُلُّ مَا تَلِفَ بِسَبَبِ التَّصَادُمِ حُكْمُهُ كَالْفَرَسِ.
وَشَبَّهَ فِي التَّعَلُّقِ بِمَالِ الْآخَرِ فَقَالَ (كَثَمَنِ) أَيْ قِيمَةِ (الْعَبْدِ) الْمُصَادِمِ لِحُرٍّ فَهِيَ فِي مَالِ الْحُرِّ وَدِيَةُ الْحُرِّ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ.
ابْنُ يُونُسَ ابْنُ الْمَوَّازِ فَإِنْ فَضَلَتْ دِيَةُ الْحُرِّ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ مَالٌ فَتَكُونُ بَقِيَّةُ الدِّيَةِ فِيهِ.
تت تَنْكِيتُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُتَصَادِمَيْنِ وَالسَّفِينَتَيْنِ هُوَ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ لَيْسَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الرِّوَايَاتِ مَا يَقْتَضِي الْقِصَاصَ فِي ذَلِكَ، وَسَاقَ كَلَامَ دِيَاتِهَا فِي ذَلِكَ فَانْظُرْهُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
طفي بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ هُوَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مَرْزُوقٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِهِ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَاعْتِرَاضُهُ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمَا، إذْ لَمْ يَذْكُرَا فِي تَصَادُمِ السَّفِينَتَيْنِ قِصَاصًا، وَإِنَّمَا عَبَّرَا بِالضَّمَانِ، وَنَصُّ الْأَوَّلِ وَأَمَّا لَوْ اصْطَدَمَتْ سَفِينَتَانِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَصْحَابِهِمَا إلَّا أَنْ يَتَعَمَّدُوا ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الْمَلَّاحُونَ قَادِرِينَ عَلَى صَرْفِهِمَا فَلَمْ يَصْرِفُوهُمَا ضَمِنُوا وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ مِنْ خَوْفِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ الْغَرَقِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْ أَجْلِ الظُّلْمَةِ وَهُمْ لَوْ رَأَوْهُمْ قَدَرُوا عَلَى صَرْفِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَنَصُّ الثَّانِي تَقَدَّمَ وَتَبِعَهُمَا الْمُصَنِّفُ فَلَمْ يَنُصَّ عَلَى الْقِصَاصِ فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى الضَّمَانِ كَكَلَامِهِمَا وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِ دِيَاتِهَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ رِيحٍ غَلَبَتْهُمْ أَوْ مِنْ شَيْءٍ لَا يَسْتَطِيعُونَ حَبْسَهَا مَعَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى صَرْفِهَا فَلَمْ يَفْعَلُوا ضَمِنُوا.
ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَأَمَّا التَّصَادُمُ فَنَصُّ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى الْقِصَاصِ فِيهِ وَتَبِعَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَأَقَرَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ وَنُصُوصُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَا سِيَّمَا أَنَّ الْعَمْدَ الْمُوجِبَ لِلْقِصَاصِ عَلَى مَذْهَبِ الْكِتَابِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعُدْوَانِ وَلَوْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يَقْتُلُ كَلَطْمَةٍ فَالتَّصَادُمُ أَحْرَى، فَفِيهَا مَنْ تَعَمَّدَ ضَرْبَ رَجُلٍ بِلَطْمَةٍ أَوْ لَكْزَةٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ بُنْدُقَةٍ أَوْ قَضِيبٍ أَوْ عَصًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَفِيهِ الْقَوَدُ، وَفِيهَا أَيْضًا فِي الْمُتَصَارِعِينَ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْقِتَالِ فَصَرَعَهُ فَمَاتَ أَوْ أَخَذَ بِرِجْلِهِ فَسَقَطَ فَمَاتَ فَفِيهِ الْقَوَدُ، وَأَمَّا قَوْلُ دِيَاتِهَا وَمِثْلُهُ فِي رَوَاحِلهَا إذَا اصْطَدَمَ الْفَارِسَانِ فَمَاتَ الْفَرَسَانِ وَالرَّاكِبَانِ فَدِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ، وَقِيمَةُ فَرَسِ كُلِّ وَاحِدٍ فِي مَالِ الْآخَرِ فَهُوَ فِي الْخَطَأِ بِدَلِيلِ ذِكْرِ الْعَاقِلَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ، وَنَصُّهُ فَلَوْ اصْطَدَمَ فَارِسَانِ حُرَّانِ خَطَأً فَمَاتَا هُمَا وَفَرَسَاهُمَا فَفِي لُزُومِ دِيَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَاقِلَةُ الْآخَرِ، وَقِيمَةُ فَرَسِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي مَالِ الْآخَرِ أَوْ نِصْفَيْهِمَا فَقَطْ قَوْلَانِ لَهَا وَلِعُيُونِ مَسَائِلِ ابْنِ الْقَصَّارِ عَنْ أَشْهَبَ مَعَ تَخْرِيجِهِ اللَّخْمِيُّ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فِي حَافِرَيْ بِئْرٍ انْهَارَتْ عَلَيْهِمَا عَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْبَاقِي نِصْفُ دِيَتِهِ اهـ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِابْنِ مَرْزُوقٍ، فَقَدْ ظَهَرَ سُقُوطُ اعْتِرَاضِهِ لِمَنْ تَأَمَّلَ وَأَنْصَفَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُبَاشِرُ، فَفِي الْمُمَالَأَةِ يُقْتَلُ الْجَمِيعُ، وَإِلَّا قُدِّمَ الْأَقْوَى
وَلَا يَسْقُطُ الْقَتْلُ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ بِزَوَالِهَا بِعِتْقٍ، أَوْ إسْلَامٍ وَضَمِنَ وَقْتَ الْإِصَابَةِ، وَالْمَوْتِ
[منح الجليل]
وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُبَاشِرُ) لِلضَّرْبِ أَوْ الْجُرْحِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ مَوْتُ مَعْصُومٍ مُكَافِئٍ لِلْمُبَاشِرِينَ غَيْرِ الْحَرْبِيِّينَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ أَوْ أَزْمَانٍ مُتَوَالِيَةٍ (فَفِي الْمُمَالَأَةِ) عَلَى قَتْلِهِ (يُقْتَلُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ (الْجَمِيعُ) بِقَتْلِ وَاحِدٍ كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى إنْ مَاتَ مَكَانَهُ أَوْ غُمِرَ حَتَّى مَاتَ وَإِلَّا فَلَا يُقْتَلُ إلَّا وَاحِدٌ بِقَسَامَةٍ.
الْخَرَشِيُّ هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ وَالْمُتَمَالَئُونَ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَمَالَئُوا عَلَى قَتْلِهِ بِأَنْ قَصَدَ كُلُّ وَاحِدٍ قَتْلَهُ بِانْفِرَادِهِ بِدُونِ اتِّفَاقٍ مَعَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ قَالَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ.
وَقَالَ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلْمُوَضِّحِ بِأَنْ قَصَدَ كُلُّ وَاحِدٍ ضَرْبَهُ لَا قَتْلَهُ وَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِمْ وَتَمَيَّزَتْ الضَّرَبَاتُ وَتَفَاوَتَتْ فِي إيجَابِ الْمَوْتِ (قُدِّمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا فِي الْقِصَاصِ مِنْهُ (الْأَقْوَى) فِعْلًا، أَيْ مَنْ مَاتَ عَنْ فِعْلِهِ بِأَنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ وَاقْتُصَّ مِمَّنْ جُرِحَ بِمِثْلِ جُرْحِهِ وَضُرِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَاقِينَ وَسُجِنَ مِائَةَ سَنَةٍ وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ أَوْ اسْتَوَتْ قُتِلَ الْجَمِيعُ كَمَا تَقَدَّمَ إنْ مَاتَ مَكَانَهُ أَوْ غُمِرَ وَإِلَّا عُيِّنَ وَاحِدٌ وَأُقْسِمَ عَلَيْهِ وَقُتِلَ وَضُرِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَاقِينَ مِائَةً وَسُجِنَ سَنَةً
(وَ) إنْ قَتَلَ رَقِيقٌ رَقِيقًا أَوْ كَافِرٌ كَافِرًا ثُمَّ تَحَرَّرَ الْقَاتِلُ أَوْ أَسْلَمَ فَ (لَا يَسْقُطُ الْقَتْلُ) قِصَاصًا بِسَبَبِ الْقَتْلِ (عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ) بَيْنَ الْقَاتِلِ وَمَقْتُولِهِ فِي الرِّقِّيَّةِ أَوْ الْكُفْرِ فَلَا يَسْقُطُ (بِ) سَبَبِ (زَوَالِهَا) أَيْ الْمُسَاوَاةِ بَعْدَ الْقَتْلِ (بِ) سَبَبِ (عِتْقٍ) لِلْقَاتِلِ (أَوْ إسْلَامٍ) إذْ الْمُعْتَبَرُ الْمُكَافَأَةُ حَالَ الْقَتْلِ لَا حَالَ الْقِصَاصِ وَلِأَنَّ حُدُوثَ الْمَانِعِ بَعْدَ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ لَا يُفِيدُ وَلَا يُتَعَقَّبُ هَذَا بِوَصِيَّةٍ لِغَيْرِ وَارِثٍ فَيَصِيرُ وَارِثًا لِأَنَّهَا مُنْحَلَّةٌ وَلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالُ الْمَوْتِ لَا حَالُ الْإِيصَاءِ (وَضَمِنَ) الْجَانِي عَلَى نَفْسٍ خَطَأً أَوْ طَرَفٍ خَطَأً أَوْ عَمْدًا لَا قِصَاصَ فِيهِ كَجَائِفَةِ الدِّيَةِ لِلْحُرِّ وَالْقِيمَةِ لِلرِّقِّ بِاعْتِبَارِ حَالِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (وَقْتَ الْإِصَابَةِ) بِالسَّهْمِ مَثَلًا فِي الْجُرْحِ (وَ) وَقْتَ (الْمَوْتِ) فِي النَّفْسِ.
الْحَطّ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا زَالَ التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَيْنَ حُصُولِ الْمُوجِبِ، أَيْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
السَّبَبِ وَوُصُولِ الْأَثَرِ، أَيْ الْمُسَبَّبِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْمُعْتَبَرُ فِي الضَّمَانِ أَيْ ضَمَانِ دِيَةِ الْحُرِّ وَقِيمَةِ الرِّقِّ حَالُ الْإِصَابَةِ وَحَالُ الْمَوْتِ، أَيْ حُصُولُ الْمُسَبَّبِ هَذَا لَفْظُ التَّوْضِيحِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: حَالُ الْإِصَابَةِ وَالْمَوْتِ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَلَوْ زَالَ التَّكَافُؤُ بَيْنَ حُصُولِ الْمُوجِبِ وَوُصُولِ الْأَثَرِ كَعِتْقِ أَحَدِهِمَا أَوْ إسْلَامِهِ بَعْدَ رَمْيِهِ وَقَبْلَ إصَابَتِهِ وَبَعْدَ جُرْحِهِ وَقَبْلَ مَوْتِهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْمُعْتَبَرُ حَالُ الْإِصَابَةِ، وَحَالُ الْمَوْتِ كَمَنْ رَمَى صَيْدًا ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ أَصَابَهُ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ حَالُ الرَّمْيِ ثُمَّ رَجَعَ سَحْنُونٌ.
اهـ. فَفِي الْكَلَامِ لَفٌّ وَنَشْرٌ لِشَيْءٍ مُقَدَّرٍ، فَقَوْلُهُ حَالُ الْإِصَابَةِ أَيْ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا زَالَ التَّكَافُؤُ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ، وَقَوْلُهُ وَالْمَوْتِ، أَيْ فِي مَسْأَلَةِ زَوَالِهِ بَيْنَ الْجُرْحِ وَالْمَوْتِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِضَمَانِ الدِّيَةِ وَالْقِيمَةِ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْقِصَاصِ فَيُشْتَرَطُ دَوَامُ التَّكَافُؤِ مِنْ حُصُولِ السَّبَبِ إلَى حُصُولِ الْمُسَبَّبِ اتِّفَاقًا.
ابْنُ الْحَاجِبِ أَثَرَ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ فَأَمَّا الْقِصَاصُ فَبِالْحَالَيْنِ مَعًا.
الْمُوَضِّحُ أَيْ فَيُشْتَرَطُ دَوَامُ التَّكَافُؤِ مِنْ حُصُولِ السَّبَبِ إلَى حُصُولِ مُسَبَّبِهِ اتِّفَاقًا.
قُلْت يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْقِصَاصَ يُشْتَرَطُ فِيهِ حُصُولُ التَّكَافُؤِ فِي حَالِ السَّبَبِ، فَيُشْتَرَطُ فِي الْقِصَاصِ فِي الرَّمْيِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا مِنْ حِينِ الرَّمْيِ إلَى حِينِ الْإِصَابَةِ فَلَوْ كَانَ عَبْدًا حِينَ الرَّمْيِ أَوْ كَافِرًا ثُمَّ عَتَقَ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا صَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يُشِيرُ إلَى هَذَا.
الْبُنَانِيُّ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْقِصَاصِ مِنْ اسْتِمْرَارِ التَّكَافُؤِ فِي الْحَالَاتِ الثَّلَاثَةِ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ وَالْمَوْتِ، فَمَتَى فُقِدَ التَّكَافُؤُ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَبَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ إذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ لِفَقْدِ التَّكَافُؤِ يَضْمَنُ الدِّيَةَ، وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ضَمَانِهَا وَقْتُ الْإِصَابَةِ فِي الْجُرْحِ وَوَقْتُ الْمَوْتِ فِي النَّفْسِ، وَلَا يُرَاعَى فِيهِ وَقْتُ السَّبَبِ وَهُوَ الرَّمْيُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ سَحْنُونٌ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، اُنْظُرْ الْحَطّ.
طفي لَمَّا كَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَعْتَبِرُ فِي الْقِصَاصِ الْحَالَيْنِ عَبَّرَ فِيمَا تَقَدَّمَ بِالْغَايَةِ، فَقَالَ مَعْصُومًا لِلتَّلَفِ وَالْإِصَابَةِ، وَيَعْتَبِرُ فِي الضَّمَانِ وَقْتَ
وَالْجُرْحُ: كَالنَّفْسِ فِي الْفِعْلِ، وَالْفَاعِلِ، وَالْمَفْعُولِ، إلَّا نَاقِصًا جَرَحَ كَامِلًا
[منح الجليل]
الْإِصَابَةِ.
وَالْمَوْتِ لَمْ يُعَبِّرْ بِهَا، وَالْكَلَامُ كُلُّهُ فِي النَّفْسِ، وَيَشْمَلُ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ، وَالْمَعْنَى إذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ لِتَغَيُّرِ الْحَالِ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ وَرَجَعَ الْحُكْمُ لِلضَّمَانِ فَالْمُعْتَبَرُ وَقْتُ الْإِصَابَةِ أَوْ بَيْنَ الْجُرْحِ وَالْمَوْتِ فَالْمُعْتَبَرُ فِي الضَّمَانِ وَقْتُ الْمَوْتِ وَاعْتَبَرَ سَحْنُونٌ حَالَ الرَّمْيِ وَالْجُرْحِ، فَلَوْ رَمَى مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ أَوْ حَرْبِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ أَصَابَهُ السَّهْمُ فَقَتَلَهُ فَلَا قِصَاصَ، وَعَلَيْهِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الدِّيَةُ حَالَّةً لِأَنَّهُ لَوْ جُرِحَ وَهُوَ مُرْتَدٌّ ثُمَّ نَزَّى فِي جُرْحِهِ فَمَاتَ بَعْدَ إسْلَامِهِ، فَإِنَّ أَوْلِيَاءَهُ يَقْسِمُونَ لَمَاتَ مِنْهُ وَدِيَتُهُ فِي مَالِهِ، وَلَوْ جَرَحَ نَصْرَانِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ فَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ فِي مَالِهِ بِاعْتِبَارِ حَالِ الْمَوْتِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ غَيْرُهُ دِيَةُ نَصْرَانِيٍّ اعْتِبَارًا بِحَالِ جُرْحِهِ، وَلِذَا لَوْ رَمَى نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ قَبْلَ وُصُولِ السَّهْمِ إلَيْهِ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِصَاصِ الْحَالَانِ وَفِيهِ دِيَةُ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ
(وَالْجُرْحُ) بِضَمِّ الْجِيمِ، أَيْ الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ بِإِبَانَةِ طَرَفٍ أَوْ كَسْرِ عُضْوٍ أَوْ إذْهَابِ مَنْفَعَةٍ أَوْ جُرْحٍ، وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْجُرْحِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ.
الْبُنَانِيُّ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالرَّشَاقَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْجُرْحِ مَا دُونَ النَّفْسِ، فَيَشْمَلُ الْقَطْعَ وَالْكَسْرَ وَالْفَقْءَ وَإِتْلَافَ الْمَعَانِي مِنْ السَّمْعِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ خَالَفَتْهُ اللُّغَةُ وَالِاصْطِلَاحُ.
ابْنُ عَرَفَةَ مُتَعَلِّقُ الْجِنَايَةِ غَيْرُ نَفْسٍ إنْ أَبَانَتْ بَعْضَ الْجِسْمِ فَقُطِعَ، وَإِلَّا فَإِنْ أَزَالَتْ اتِّصَالَ عَظْمٍ لَمْ يَبِنْ فَكَسْرٌ، وَإِلَّا فَإِنْ أَثَّرَتْ فِي الْجِسْمِ فَجُرْحٌ وَإِلَّا فَإِتْلَافُ مَنْفَعَةٍ أَيْ الْقِصَاصُ بِهِ (كَ) الْقِصَاصِ بِقَتْلِ (النَّفْسِ فِي) شَرْطِ (الْفِعْلِ) وَهُوَ كَوْنُهُ عَمْدًا عُدْوَانًا (وَ) شَرْطُ (الْفَاعِلِ) وَهُوَ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا غَيْرَ حَرْبِيٍّ وَلَا زَائِدَ حُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ (وَ) شَرْطُ (الْمَفْعُولِ) وَهُوَ كَوْنُهُ مَعْصُومًا مِنْ الرَّمْيِ لِلْإِصَابَةِ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَالْفَاعِلِ فَقَالَ (إلَّا) شَخْصًا (نَاقِصًا) بِرِقِّيَّةٍ أَوْ كُفْرٍ (جَرَحَ) إنْسَانًا (كَامِلًا) بِحُرِّيَّةٍ وَإِسْلَامٍ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، لِأَنَّهُ كَالْأَشَلِّ وَالسَّلِيمِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ
وَإِنْ تَمَيَّزَتْ
[منح الجليل]
الْإِمَامِ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "، وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُخَيَّرُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ.
وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ الْقِصَاصُ، وَصَحَّحَ الْحَطّ يَعْنِي أَنَّ النَّاقِصَ إذَا جَرَحَ الْكَامِلَ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ كَجُرْحِ الْعَبْدِ الْحُرِّ وَالْكَافِرِ الْمُسْلِمِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَصَّارِ عَنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وُجُوبَ الْقِصَاصِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ قِيلَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَرُوِيَ يَجْتَهِدُ السُّلْطَانُ، وَرُوِيَ أَنَّهُ يُوقَفُ، وَرُوِيَ أَنَّ الْمُسْلِمَ يُخَيَّرُ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَخَرَّجُوهَا فِي الْعَبْدِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ بَرِئَ الْمَجْرُوحُ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَارِحِ إلَّا الْأَدَبَ إلَّا مَا لَهُ دِيَةٌ مُقَدَّرَةٌ كَالْجَائِفَةِ، وَإِنْ بَرِئَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَذِمَّةِ النَّصْرَانِيِّ.
فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَيْسَ لِلْمُسْلِمِ إلَّا الدِّيَةُ فِي الْجِرَاحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَافِرِ وَالْعَبْدِ، وَإِذَا جَرَحَ الذِّمِّيُّ أَوْ الْعَبْدُ مُسْلِمًا عَمْدًا فَبَرِئَ بِغَيْرِ شَيْنٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْأَدَبِ، وَإِنْ بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ مِنْ جُرْحِ الْعَبْدِ فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ اهـ. يُرِيدُ إلَّا الْجِرَاحَ الْمُقَدَّرَةَ فَدِيَتُهَا فِي رَقَبَتِهِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ مَالِكٌ إنْ جَنَى حُرٌّ عَلَى عَبْدٍ فَيُنْظَرُ إلَى نَقْصِهِ يَوْمَ بُرْئِهِ أَنْ لَوْ كَانَ هَذَا يَوْمَ الْجِنَايَةِ لَا يَوْمَ الْبُرْءِ مَعَ الْأَدَبِ، يُرِيدُ فِي الْعَمْدِ، وَلَوْ بَرِئَ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فَلَا شَيْءَ غَيْرَ الْأَدَبِ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، إذْ لَا قِصَاصَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ، وَإِنْ جَنَى عَبْدٌ عَلَى حُرٍّ نُظِرَ إلَى دِيَتِهِ بَعْدَ بُرْئِهِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، فَهُوَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَ بِذَلِكَ وَفِي الْعَمْدِ الْأَدَبُ وَإِنْ بَرِئَ الْحُرُّ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا الْأَدَبُ وَإِنْ بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ فَفِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ
(وَإِنْ) جَنَى اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ عَلَى وَاحِدٍ بِجِرَاحَاتٍ و (تَمَيَّزَتْ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا
جِنَايَاتٌ بِلَا تَمَالُؤٍ، فَمِنْ كُلٍّ: كَفِعْلِهِ
وَاقْتُصَّ مِنْ مُوضِحَةٍ، أَوْضَحَتْ عَظْمَ الرَّأْسِ وَالْجَبْهَةِ، وَالْخَدَّيْنِ؛ وَإِنْ كَإِبْرَةٍ،
[منح الجليل]
جِنَايَاتٌ) مِنْهُمْ حَالَ كَوْنِهَا (بِلَا تَمَالُؤٍ) مِنْهُمْ عَلَيْهَا بِأَنْ قَطَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ الْيُمْنَى وَآخَرُ الْيُسْرَى وَآخَرُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَآخَرُ الْيُسْرَى وَفَقَأَ آخَرُ عَيْنَهُ الْيُمْنَى وَآخَرُ الْيُسْرَى (فِ) يُقْتَصُّ (مِنْ كُلٍّ) مِنْهُمْ (كَفِعْلِهِ) بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
الْبُنَانِيُّ عَنْ بَعْضِ الشَّارِحِينَ قَوْلُهُ بِلَا تَمَالُؤٍ، وَكَذَا لَوْ تَمَيَّزَتْ بِتَمَالُؤٍ كَمَا ذَكَرَ الْإِبْيَانِيُّ أَنَّهُ الصَّحِيحُ فِيمَا إذَا تَمَالَأَ رَجُلَانِ عَلَى فَقْءِ عَيْنَيْ رَجُلٍ فَفَقَأَ كُلُّ وَاحِدٍ عَيْنًا فَإِنَّهُ يَفْقَأُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مُمَاثِلَ مَا فَقَأَ، وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إذَا تَمَالَأَ جَمَاعَةٌ عَلَى قَطْعِ يَدِ شَخْصٍ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ كُلُّ وَاحِدٍ لَا يُخَالِفُهُ، إذْ هُوَ إذَا تَمَالَئُوا عَلَى قَطْعِ عُضْوٍ وَاحِدٍ.
الْعَدَوِيُّ لَا مَفْهُومَ لِذَلِكَ، بَلْ وَلَوْ تَمَيَّزَتْ مَعَ التَّمَالُؤِ فَإِذَا تَمَالَأَ رَجُلَانِ عَلَى فَقْءِ عَيْنَيْ رَجُلٍ فَفَقَأَ كُلُّ وَاحِدٍ عَيْنًا فَإِنَّهُ يَفْقَأُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مُمَاثَلَةَ مَا فَقَأَ.
وَأَمَّا إذَا تَمَالَأَ عَلَى فَقْءِ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ يَفْقَأُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ عَيْنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَالَئُوا عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ يُقْتَصُّ لَهُ مِنْ كُلٍّ أَوْ لَهُ عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ.
عب وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ وَلَمْ يَتَمَالَئُوا فَقَالَ أَحْمَدُ اُنْظُرْ هَلْ يُقْتَصُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ الْجَمِيعِ أَوْ عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ
(وَاقْتُصَّ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ (مِنْ مُوضِحَةٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ (مَا) أَيْ جِنَايَةُ جِنْسٍ يَشْمَلُ غَيْرَهَا أَيْضًا (أَوْضَحَتْ) أَيْ أَظْهَرَتْ، وَهَذَا أَفْضَلُ مَخْرَجِ الدَّامِيَةِ وَالْحَارِصَةِ وَالسِّمْحَاقِ (عَظْمَ الرَّأْسِ) وَآخِرُهُ مُنْتَهَى الْجُمْجُمَةِ (وَ) عَظْمَ (الْجَبْهَةِ وَ) عَظْمَ (الْخَدَّيْنِ) وَهَذَا فَصْلُ مَخْرَجِ مَا عَدَاهَا مِنْ الْجِرَاحَاتِ إنْ اتَّسَعَ مَا أَظْهَرَتْهُ مِنْ الْعَظْمِ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (كَ) مَغْرَزِ رَأْسِ (إبْرَةٍ) الْبِسَاطِيُّ إنَّمَا يَظْهَرُ تَعْرِيفُ الْمُوضِحَةِ بِمَا ذَكَرَ بِاعْتِبَارِ الدِّيَةِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْقِصَاصِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ وَغَيْرِهَا مِنْ مُوضِحَةِ الْجَسَدِ فَمِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يَذْكُرَ هَذَا التَّفْسِيرَ هُنَا بَلْ يَقُولُ أَوْضَحَتْ الْعَظْمَ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ تَفْسِيرُهَا بِمَا ذَكَرَهُ فِي الدِّيَاتِ كَمَا فَعَلَ هُنَاكَ.
عب جَوَابُهُ أَنَّ مَا أَوْضَحَ عَظْمَ غَيْرِ مَا ذَكَرَ هُنَا لَا يُسَمَّى مُوضِحَةً عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَتَفْسِيرُ الْمُصَنِّفِ هُنَا إنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِمَعْنَاهَا فِي الِاصْطِلَاحِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا الْقِصَاصُ مُطْلَقًا، وَيَدُلُّ لَهُ
وَسَابِقِهَا مِنْ دَامِيَةٍ، وَخَارِصَةٍ شَقَّتْ الْجِلْدَ؛ وَسِمْحَاقٍ كَشَطَتْهُ، وَبَاضِعَةٍ شَقَّتْ اللَّحْمَ، وَمُتَلَاحِمَةٍ غَاصَتْ فِيهِ بِتَعَدُّدٍ، وَمِلْطَأَةٍ قَرُبَتْ لِلْعَظْمِ:
[منح الجليل]
قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ حَدُّ الْمُوضِحَةِ مَا أَفْضَى إلَى الْعَظْمِ وَلَوْ بِقَدْرِ إبْرَةٍ وَعَظْمُ الرَّأْسِ مَحَلُّهَا، وَحَدُّ ذَلِكَ مُنْتَهَى الْجُمْجُمَةِ وَمُوضِحَةُ الْخَدِّ كَالْجَبْهَةِ اهـ.
(وَ) اُقْتُصَّ مِنْ (سَابِقِهَا) بِقَافٍ، أَيْ جِرَاحٍ سَابِقٍ عَلَى الْمُوضِحَةِ فِي الْوُجُودِ وَهِيَ سِتَّةٌ ثَلَاثَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجِلْدِ وَثَلَاثَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِاللَّحْمِ وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ (مِنْ دَامِيَةٍ) بِإِهْمَالِ الدَّالِ وَكَسْرِ الْمِيمِ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ، وَتُسَمَّى دَامِعَةً بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ أَيْضًا وَهِيَ الَّتِي تُضْعِفُ الْجِلْدَ حَتَّى يَرْشَحَ مِنْهُ شَيْءٌ كَالدَّمِ مِنْ غَيْرِ انْشِقَاقِهِ (وَحَارِصَةٍ) بِإِهْمَالِ الْحَاءِ وَالصَّادِ وَتُحْذَفُ الْأَلِفُ أَيْضًا وَهِيَ الَّتِي (شَقَّتْ الْجِلْدَ) سَوَاءٌ وَصَلَتْ نِهَايَتَهُ أَمْ لَا، وَجَعَلَهَا فِي التَّنْبِيهَاتِ مُرَادِفَةً لِلدَّامِيَةِ قَالَهُ تت، وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّ الَّتِي لَمْ تَصِلْ لِنِهَايَتِهِ لَمْ تَشُقَّهُ، وَإِنَّمَا شَقَّتْ بَعْضَهُ وَبِعِبَارَةِ شَقَّتْ الْجِلْدَ وَأَفَضْت إلَى اللَّحْمِ، وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ، فَالْمُرَادُ عَلَى هَذَا بِالدَّامِيَةِ مَا شَقَّتْ بَعْضَ الْجِلْدِ (وَسِمْحَاقٍ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَإِهْمَالِ الْحَاءِ ثُمَّ قَافٍ وَهِيَ الَّتِي (كَشَطَتْهُ) أَيْ أَزَالَتْ الْجِلْدَ عَنْ اللَّحْمِ هَذَا مَعْنَاهَا فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَفِي الْمِصْبَاحِ السِّمْحَاقُ بِكَسْرِ السِّينِ الْقِشْرَةُ الرَّقِيقَةُ فَوْقَ عَظْمِ الرَّأْسِ إذَا بَلَغَتْهَا الشَّجَّةُ سُمِّيَتْ سِمْحَاقًا، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ هِيَ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ فَوْقَ قِحْفِ الرَّأْسِ إذَا انْتَهَتْ الشَّجَّةُ إلَيْهَا سُمِّيَتْ سِمْحَاقًا، وَكُلُّ جَلْدَةٍ رَقِيقَةٍ تُشْبِهُهَا تُسَمَّى سِمْحَاقًا أَيْضًا
(وَبَاضِعَةٍ) بِمُوَحَّدَةٍ وَضَادٍ.
مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وَهِيَ الَّتِي (شَقَّتْ اللَّحْمَ وَمُتَلَاحِمَةٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الَّتِي (غَاصَتْ فِيهِ) أَيْ اللَّحْمِ (بِتَعَدُّدٍ) أَيْ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَمْ تَقْرَبْ لِلْعَظْمِ فَإِنْ انْتَفَى التَّعَدُّدُ فَبَاضِعَةٌ قَالَهُ شب.
ابْنُ شَاسٍ الْمُتَلَاحِمَةُ هِيَ الَّتِي تَغُوصُ فِي اللَّحْمِ عَرْضًا بَالِغًا وَتَقْطَعُهُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ.
عِيَاضٌ هِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ (وَمِلْطَاةً) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَإِهْمَالِ الطَّاءِ فَهَمْزٍ فَهَاءٍ وَعَدَمِهِ وَالْمَدِّ وَعَدَمِهِ وَهِيَ الَّتِي (قَرُبَتْ لِلْعَظْمِ) وَبَقِيَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ رَقِيقٌ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْجِرَاحِ مَا قَبْلَ الْهَاشِمَةِ الْقَوَدُ.
عِيَاضٌ أَوَّلُهَا الْحَارِصَةُ بِحَاءٍ وَصَادٍ مُهْمَلَيْنِ هِيَ مَا حَرَصَ الْجِلْدَ أَيْ شَقَّهُ وَهِيَ الدَّامِيَةُ لِأَنَّهَا تُدْمِي، وَالدَّامِعَةُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ لِأَنَّ الدَّمَ يَدْمَعُ مِنْهَا، وَقِيلَ الدَّامِيَةُ أَوَّلًا لِأَنَّهَا تَخْدِشُ فَتُدْمِي وَلَا تَشُقُّ الْجِلْدَ ثُمَّ الْحَارِصَةُ لِأَنَّهَا شَقَّتْ الْجِلْدَ وَقِيلَ هِيَ السِّمْحَاقُ لِأَنَّهَا جَعَلَتْ الْجِلْدَ كَسَمَاحِيقِ السَّحَابِ ثُمَّ الدَّامِعَةُ لِأَنَّ دَمَهَا كَالدَّمْعِ ثُمَّ الْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ وَبَضَعَتْهُ وَهِيَ الْمُتَلَاحِمَةُ.
وَقِيلَ الْمُتَلَاحِمَةُ بَعْدَ الْبَاضِعَةِ لِأَنَّهَا أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ثُمَّ الْمَلَطَى بِالْقَصْرِ.
وَيُقَالُ مِلْطَاةٌ بِالْهَاءِ وَهِيَ مَا قَرُبَ مِنْ الْعَظْمِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَهُ قَلِيلٌ مِنْ اللَّحْمِ.
وَقِيلَ هِيَ السِّمْحَاقُ ثُمَّ الْمُوضِحَةُ وَهِيَ مَا كَشَفَتْ عَنْ الْعَظْمِ، وَفِيهَا حَدُّ الْمُوضِحَةِ مَا أَفْضَى إلَى الْعَظْمِ وَلَوْ بِقَدْرِ إبْرَةٍ وَعَظْمُ الرَّأْسِ مَحَلُّهَا كُلُّ نَاحِيَةٍ مِنْهُ سَوَاءٌ، وَحَدُّ ذَلِكَ مُنْتَهَى الْجُمْجُمَةِ لَا مَا تَحْتَهَا لِأَنَّهُ مِنْ الْعُنُقِ، وَمُوضِحَةُ الْخَدِّ كَالْجَبْهَةِ وَلَيْسَ الْأَنْفُ وَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ مِنْ الرَّأْسِ فِي جِرَاحِهِمَا لِأَنَّهُمَا عَظْمَانِ مُنْفَرِدَانِ.
عِيَاضٌ ثُمَّ الْهَاشِمَةُ مَا هَشَّمَتْ الْعَظْمَ، ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ مَا كَسَرَتْهُ فَيَفْتَقِرُ لِإِخْرَاجِ بَعْضِ عِظَامِهَا لِإِصْلَاحِهَا وَتَخْتَصُّ بِالرَّأْسِ، ثُمَّ الْمَأْمُومَةُ وَهِيَ الَّتِي أَفَضْت إلَى أُمِّ الدِّمَاغِ وَتَخْتَصُّ بِالْجَوْفِ الْجَائِفَةُ وَهِيَ مَا أَفْضَى إلَى الْجَوْفِ وَلَوْ بِمَدْخَلِ إبْرَةٍ وَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا قِصَاصَ فِي هَاشِمَةِ الرَّأْسِ لِأَنِّي لَا أَجِدُ هَاشِمَةً فِي الرَّأْسِ إلَّا كَانَتْ مُنَقِّلَةً.
اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ فِي الْهَاشِمَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا قَوَدَ فِيهَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ يُقَادُ مِنْهُ مُوضِحَةً إنْ لَمْ يُنَقِّلْ.
مُحَمَّدٌ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ إنْ كَانَ بَدْءُ جُرْحِ الْأَوَّلِ مُوضِحَةً ثُمَّ تَهَشَّمَتْ، وَإِنْ كَانَتْ الضَّرْبَةُ هَشَّمَتْهَا فَلَا قَوَدَ يُرِيدُ إذَا رَضَّتْ اللَّحْمَ وَهَشَّمَتْ مَا تَحْتَهُ مِنْ الْعَظْمِ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ شَقَّتْ اللَّحْمَ وَبَلَغَتْ الْعَظْمَ، ثُمَّ هَشَّمَتْهُ فَلَهُ الْقَوَدُ مِنْ مُوضِحَةٍ لِأَنَّ الْجَارِحَ لَوْ وَقَفَ لَمَا بَلَغَ الْعَظْمَ كَانَتْ مُوضِحَةً وَإِنْ نُقِلَتْ بَعْدَ الْهَشِمِ فَفِيهَا دِيَةُ الْمُنَقِّلَةِ، وَاخْتُلِفَ إذَا أَحَبَّ أَنْ يَسْتَقِيدَ مِنْ مُوضِحَةٍ، فَقَالَ أَشْهَبُ ذَلِكَ لَهُ وَابْنُ الْقَاسِمِ لَا، وَفِيهَا لَا قَوَدَ فِي الْمُنَقِّلَةِ.
اللَّخْمِيُّ رَوَى الْقَاضِي فِيهَا الْقَوَدُ.
قُلْت وَحَكَاهَا ابْنُ الْجَلَّابِ وَفِيهَا مَعَ غَيْرِهَا لَا قَوَدَ فِي الْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ.
كَضَرْبَةِ السَّوْطِ
وَجِرَاحِ الْجَسَدِ؛ وَإِنْ مُنَقِّلَةٌ بِالْمِسَاحَةِ
[منح الجليل]
وَشَبَّهَ فِي الْقِصَاصِ فَقَالَ (كَضَرْبَةِ) مُكَلَّفٍ مَعْصُومًا بِ (السَّوْطِ) فَفِيهَا الْقِصَاصُ، وَقِيلَ كَاللَّطْمَةِ فِي عَدَمِ الْقِصَاصِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ يَعْسُرُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، أَجَابَ عَنْهُ الْبِسَاطِيُّ بِأَنَّ ضَرْبَةَ السَّوْطِ تَجْرَحُ بِخِلَافِ اللَّطْمَةِ، بَعْضُهُمْ الْمَشْهُورُ أَنَّ ضَرْبَ الْعَصَا لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ أَفَادَهُ تت.
طفي اُنْظُرْ نِسْبَةُ الْجَوَابِ لِلْبِسَاطِيِّ، مَعَ أَنَّ الشَّارِحَ ذَكَرَهُ وَنَظَرَ فِيهِ، وَنَصَّهُ بَعْدَ قَوْلِهِ يَعْسُرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَمَا قِيلَ أَنَّ ضَرْبَةَ السَّوْطِ تَسْتَلْزِمُ الْجُرْحَ فَتَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] فِيهِ نَظَرٌ.
اهـ. وَفِي التَّوْضِيحِ الْخِلَافُ فِي السَّوْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْجُرْحَ غَالِبًا أَوْ لَا يَسْتَلْزِمُهُ وَالشَّارِحُ لَيْسَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَسِيرٌ، بَلْ سَبَقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ، ثُمَّ قَالَ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ وَالْبَعْضِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
(وَ) يُقْتَصُّ مِنْ (جِرَاحِ الْجَسَدِ) أَيْ مَا عَدَا الرَّأْسِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُنَقِّلَةً، بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ جِرَاحُ الْجَسَدِ (مُنَقِّلَةٌ) الْبُنَانِيُّ صَوَابُهُ وَإِنْ هَاشِمَةً فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " الْأَمْرُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُنَقِّلَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ فِي جِرَاحِ الْجَسَدِ مِنْ الْهَاشِمَةِ وَغَيْرِهَا الْقَوَدُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَعْظُمَ الْخَطَرُ كَعِظَامِ الصَّدْرِ وَالْعُنُقِ وَالصُّلْبِ وَالْفَخْذِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لِمَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي عِظَامِ الْجَسَدِ الْقَوَدُ كَالْهَاشِمَةِ، وَفِي كَسْرِ الزَّنْدَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ وَالْعَضُدَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ وَالتَّرْقُوَةِ.
مُحَمَّدٌ وَفِي كَسْرِ الْأَنْفِ.
وَيَكُونُ الْقِصَاصُ فِي الْجِرَاحِ (بِالْمِسَاحَةِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ الْقِيَاسِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا، أَيْ انْخِفَاضًا وَغَوْصًا فِي الْبَدَنِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَتْ نِسْبَتُهُ لِعُضْوِ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ الْجُرْحُ قَدْرَ أُصْبُعٍ وَهُوَ رُبُعُ عُضْوِ الْجَانِي وَأَكْثَرُ مِنْ رُبُعِ عُضْوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ أَقَلُّ.
ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي اعْتِبَارِ الْقَدْرِ بِالْمِسَاحَةِ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَدْرِ الرَّأْسِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَعَلَيْهِمَا لَوْ كَانَتْ الشَّجَّةُ نِصْفَ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ وَهِيَ ثُلُثَا رَأْسِ الشَّاجِّ، وَلَا تَكْمُلُ بِغَيْرِ الرَّأْسِ اتِّفَاقًا.
ابْنُ حَارِثٍ اتَّفَقُوا فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ فِي الْجَسَدِ أَنَّ الْقِصَاصَ مِنْهَا عَلَى قَدْرِ الْجُرْحِ فِي طُولِهِ وَعَرْضِهِ وَعُمْقِهِ، فَإِنْ كَانَ مُوضِحَةً فِي الرَّأْسِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقَوَدُ عَلَى قَدْرِ الْمُوضِحَةِ،
إنْ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ: كَطَبِيبٍ زَادَ عَمْدًا؛
[منح الجليل]
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ عَلَى قَدْرِ جُرْمِهَا مِنْ الرَّأْسِ.
أَصْبَغُ وَإِلَيْهِ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ سَحْنُونٌ مَا زَعَمَ أَصْبَغُ أَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ هُوَ قَوْلُهُ أَوَّلًا وَرَجَعَ إلَى الْقَوَدِ عَلَى قَدْرِ الْمُوضِحَةِ وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ فِي طَبِيبٍ اسْتَقَادَ مِنْ أُصْبُعِ الْمَقْطُوعِ وَقَطَعَ مِنْ الْقَاطِعِ قَدْرَ ذَلِكَ الْقِيَاسِ، فَنَقَصَ مِنْ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ أَكْثَرُ مِمَّا قَطَعَ لِقِصَرِ أَصَابِعِ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ عَنْ أَصَابِعِ الْمُسْتَقَادِ لَهُ أَخْطَأَ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ، وَالصُّنْعُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقِيسَ إلَى الْمَقْطُوعِ بَعْضِهَا.
فَإِنْ كَانَ الْمَقْطُوعُ ثُلُثًا أَوْ رُبُعًا قَطَعَ مِنْ أُنْمُلَةِ الْقَاطِعِ ثُلُثًا أَوْ رُبُعًا.
ابْنُ رُشْدٍ لَا اخْتِلَافَ فِي هَذَا كَمَا تُقْطَعُ الْأُنْمُلَةُ كَانَتْ أَطْوَلَ أَوْ أَقْصَرَ، وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي الْجِرَاحِ فِي الرَّأْسِ أَوْ فِي عُضْوٍ كَالذِّرَاعِ أَوْ الْعَضُدِ وَنَحْوِهِ، فَذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَوْلَ أَشْهَبَ، قَالَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ أَشْهَبُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَدِيمًا إنَّهُ يُقَادُ بِقَدْرِ الْجُرْحِ الْأَوَّلِ وَإِنْ اسْتَوْعَبَ عُضْوَ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ يُرِيدُ وَلَوْ لَمْ يَفِ بِالْقِيَاسِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَذَا الْجَبْهَةُ وَالذِّرَاعُ يُرِيدُ مَا لَمْ يَضِقْ عَنْهُ الْعُضْوُ فَلَا يُزَادُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْقَدِيمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] لِأَنَّ الْأَلَمَ فِي الْجُرْحِ إنَّمَا هُوَ بِقَدْرِ عَظْمِهِ وَقَوْلُهُ وَقِصَرِهِ لَا بِقَدْرِهِ مِنْ الرَّأْسِ.
وَكَوْنُ الْقِصَاصِ بِالْمِسَاحَةِ (إنْ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ) فَلَوْ زَادَتْ الْمِسَاحَةُ عَلَى عُضْوِ الْجَانِي لِقِصَرِهِ فَلَا يَنْتَقِلُ لِعُضْوٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ عُضْوُ الْجَانِي أَكْبَرَ فَلَا يُزَادُ عَلَى الْمِسَاحَةِ.
وَشَبَّهَ فِي الْقِصَاصِ فَقَالَ (كَطَبِيبٍ زَادَ) فِي الْقِصَاصِ مِنْ الْجَانِي عَلَى الْمِسَاحَةِ (عَمْدًا) فَيُقْتَصُّ بِقَدْرِ مِسَاحَةِ الزِّيَادَةِ الشَّارِحُ كَذَا قَالَهُ الشُّيُوخُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ مُتَعَذِّرَةٌ هُنَا، لِأَنَّ زِيَادَةَ الطَّبِيبِ بَعْدَ قَطْعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَإِذَا أُرِيدَ الْقِصَاصُ فَلَا يُتَوَصَّلُ لَهُ إلَّا بَعْدَ قَطْعٍ يَتَّصِلُ بِهِ الْبِسَاطِيُّ لَمْ يَظْهَرْ لِي صِحَّةُ هَذَا الْكَلَامِ لِأَنَّهُ إذَا قَطَعَ الطَّبِيبُ دَائِرَةً مَثَلًا، وَالْمَوْضِعُ الْمَأْذُونُ فِيهِ دَائِرَةٌ فِي ضِمْنِ هَذِهِ الدَّائِرَةِ فَمَا بَيْنَ مُحِيطَيْ الدَّائِرَتَيْنِ قَدْرُ مِسَاحَةِ كَذَا فَيُكْسَرُ وَيُقْتَصُّ دَائِرَةٌ بِقَدْرِهِ مَثَلًا، فَإِنْ قُلْتَ الدَّائِرَةُ الَّتِي اُقْتُصَّتْ مِنْهُ لَيْسَتْ عَلَى كَيْفِيَّةِ الدَّائِرَةِ الَّتِي تَعَدَّى عَلَيْهَا.
قُلْتُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْقِصَاصِ قَدْرُ الْمِسَاحَةِ، وَأَمَّا كَوْنُهَا مُثَلَّثَةً أَوْ مُرَبَّعَةً إلَى غَيْرِ ذَلِكَ
وَإِلَّا فَالْعَقْلُ: كَيَدٍ شَلَّاءَ عَدِمَتْ النَّفْعَ بِصَحِيحَةٍ،
[منح الجليل]
فَقَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْمِسَاحَةِ.
تت مَا أَوْرَدَهُ الشَّارِحُ نَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَجَوَابُ الْبِسَاطِيِّ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِي الْعُمْقِ فَالْإِيرَادُ بَاقٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
طفي مِنْ تَنْظِيرِهِ فِي الْجَوَابِ نَظَرٌ، بَلْ كَذَلِكَ يَتَأَتَّى فِي الْعُمْقِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ إيرَادَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ هَذَا مِثْلُ مَا قَالَهُ فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى قَطْعِ يَدِ رَجُلٍ وَتَعَقَّبَهُ الْقِصَاصُ مِنْ الثَّانِي، وَتَقَدَّمَ جَوَابُهُ.
اهـ. وَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى قَطْعِ يَدِ رَجُلٍ هُوَ قَوْلُهُ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، أَمَّا لَوْ تَمَيَّزَتْ الْجِنَايَاتُ مِنْ غَيْرِ مُمَالَأَةٍ اُقْتُصَّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِمِسَاحَةِ مَا جَرَحَ، هَذَا صَحِيحٌ إذَا بَانَتْ الْيَدُ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ حَدِّهِمَا لِلْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي ابْتَدَأَ الْآخَرُ مِنْهَا.
وَأَمَّا لَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ الْيَدِ وَابْتَدَأَ الثَّانِي الْقَطْعَ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى الْأَوَّلُ وَقَطَعَ بَاقِيهَا، فَإِنَّ السِّكِّينَ يُوضَعُ فِي الْقِصَاصِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ابْتَدَأَ هُوَ بِهِ، فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا لَا يُنَافِي التَّمَاثُلَ لِأَنَّ الْجَانِيَ إنَّمَا ابْتَدَأَ الْقَطْعَ فِي طَرَفٍ وَكَوْنُهُ وَسَطًا طَرْدِيٌّ، وَفِي الْقِصَاصِ مِنْهُ إنَّمَا اُبْتُدِئَ الْقَطْعُ فِيهِ مِنْ طَرَفٍ.
اهـ. فَهَذَا صَرِيحٌ فِي تَأَتِّي الْقِصَاصِ فِي الْعُمْقِ، وَقَدْ سَلَّمَ عج تَنْظِيرَ تت، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الطَّبِيبُ الزِّيَادَةَ بِأَنْ زَادَ خَطَأً (فَالْعَقْلُ) أَيْ دِيَةُ الزَّائِدِ إنْ لَمْ تَبْلُغْ ثُلُثَ الدِّيَةِ لِلْجَانِي أَوْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي مَالِ الطَّبِيبِ، وَإِنْ بَلَغَتْهُ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا زَادَ الطَّبِيبُ فِي الْقَوَدِ خَطَأً فَعَلَى عَاقِلَتِهِ.
قُلْت مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ زَادَ عَمْدًا فَالْقِصَاصُ وَهُوَ وَاضِحٌ مِنْ إطْلَاقَاتِ الرِّوَايَاتِ فِي النَّوَادِرِ، وَمِنْ الْوَاضِحَةِ إنْ تَعَمَّدَ الطَّبِيبُ وَالْخَاتِنُ وَالْمُعَلِّمُ قَتْلًا أَوْ قَطْعًا أَوْ جُرْحًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا شُبْهَةَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْقِصَاصِ وَتَرَتَّبَ الْعَقْلُ فَقَالَ (كَذِي) أَيْ صَاحِبِ (يَدٍ شَلَّاءَ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ اللَّامِ مَمْدُودًا (عَدِمَتْ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، أَيْ فَقَدَتْ (النَّفْعَ) فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهَا (بِ) سَبَبِ قَطْعِ صَاحِبِهَا الْيَدَ (صَحِيحَةٍ) مِنْ الشَّلَلِ عَمْدًا عُدْوَانًا، وَيَلْزَمُ الْقَاطِعُ عَقْلَ الصَّحِيحَةِ فِي مَالِهِ.
تت ظَاهِرُهُ وَلَوْ رَضِيَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِقَطْعِ الشَّلَّاءِ وَهُوَ
وَبِالْعَكْسِ وَعَيْنِ أَعْمَى، وَلِسَانِ أَبْكَمَ
[منح الجليل]
كَذَلِكَ فِي الْجَوَاهِرِ وَمَفْهُومُ عَدِمَتْ النَّفْعَ أَنَّهَا لَوْ كَانَ بِهَا نَفْعٌ لَقُطِعَتْ بِالصَّحِيحَةِ إنْ رَضِيَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ.
طفي نَحْوُهُ لِلشَّارِحِ وَهُوَ صَوَابٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ إنْ كَانَ جُلُّ مَنْفَعَةِ عَيْنِ الْجَانِي أَوْ يَدِهِ بَاقِيًا فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ فِي الْقَوَدِ وَالْعَقْلِ اتِّفَاقًا وَإِنْ ذَهَبَ كُلُّ مَنْفَعَتِهَا أَوْ جُلُّهَا فَفِي تَخْيِيرِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ بَقِيَتْ مَنْفَعَةٌ وَلَوْ قَلَّتْ ثَالِثُهَا مَا لَمْ يَذْهَبْ جُلُّ مَنْفَعَتِهَا.
اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْجَرْيُ عَلَى الثَّانِي (وَبِالْعَكْسِ) أَيْ لَا تُقْطَعُ الصَّحِيحَةُ بِالشَّلَّاءِ وَعَلَى الْقَاطِعِ الْأَرْشُ فِي مَالِهِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ
(وَلَا) يُقْتَصُّ (مِنْ عَيْنِ أَعْمَى) بِفَقْئِهِ عَيْنًا بَصِيرَةً عَمْدًا عُدْوَانًا وَعَلَيْهِ دِيَةُ الْبَصِيرَةِ فِي مَالِهِ وَلَا مِنْ عَيْنٍ بَصِيرَةٍ بِعَيْنٍ عَمْيَاءَ كَذَلِكَ، وَفِيهَا الْأَرْشُ بِالِاجْتِهَادِ فِي مَالِ الْجَانِي (وَ) لَا يُقْتَصُّ مِنْ (لِسَانِ) إنْسَانٍ (أَبْكَمَ) بِقَطْعِ لِسَانٍ نَاطِقٍ عَمْدًا عُدْوَانًا، وَعَلَى الْجَانِي دِيَةُ الصَّحِيحِ فِي مَالِهِ وَلَا مِنْ لِسَانِ نَاطِقٍ بِقَطْعِ لِسَانِ أَبْكَمَ، وَعَلَى الْجَانِي أَرْشُ الْأَبْكَمِ بِالِاجْتِهَادِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي دِيَاتِهَا إنْ قَطَعَ أَشَلُّ الْيَدِ الْيُمْنَى يُمْنَى رَجُلٍ فَلَهُ الْعَقْلُ وَلَا قَوَدَ لَهُ.
الشَّيْخُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى بْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الْجَانِي أَشَلَّ الْيَدِ خُيِّرَ مَقْطُوعُ الْيَدِ السَّلِيمَةِ فِي الْقَوَدِ مِنْهَا وَالْعَقْلِ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنَّمَا لَهُ الْعَقْلُ وَمِثْلُهُ فِي الْأَسَدِيَّةِ.
مُحَمَّدٌ وَقَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدُوسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَلِأَشْهَبَ فِي الْكِتَابَيْنِ إنْ كَانَ شَلَلًا يَابِسًا أَوْ كَثِيرًا أَذْهَبَ أَكْثَرَ مَنَافِعِ يَدِهِ.
وَأَمَّا الْخَفِيفُ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مَعَهُ، وَكَذَا عَيْنُ فَاقِئِ عَيْنٍ سَلِيمَةٍ إنْ كَانَتْ نَاقِصَةَ النَّظَرِ وَهُوَ يَنْظُرُ بِهَا أَوْ بِهَا بَيَاضٌ فَلَهُ الْقَوَدُ، وَإِنْ ذَهَبَ أَكْثَرُهَا فَلَا قَوَدَ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ الَّتِي ذَهَبَ بَصَرُهَا إنْ فُقِئَتْ، وَالْيَدُ الشَّلَّاءُ تُقْطَعُ إلَّا الِاجْتِهَادَ، وَكَذَا الْأَصَابِعُ إذَا تَمَّ شَلَلُهَا ثُمَّ قُطِعَتْ، وَكَذَا ذَكَرُ الْخَصِيِّ وَلِسَانُ الْأَبْكَمِ الْأَخْرَسِ.
الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ذَكَرُ الْخَصِيِّ عَسِيبٌ قُطِعَتْ حَشَفَتُهُ، وَفِي جِرَاحَاتِهَا فِي شَلَلِ الْأَصَابِعِ دِيَتُهَا كَامِلَةٌ، ثُمَّ إنْ قُطِعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَفِيهَا حُكُومَةٌ لَا قَوَدٌ
وَمَا بَعْدَ الْمُوضِحَةِ، مِنْ مُنَقِّلَةٍ طَارَ فِرَاشُ الْعَظْمِ مِنْ الدَّوَاءِ وَآمَّةٍ أَفْضَتْ لِلدِّمَاغِ وَدَامِغَةٍ خَرَقَتْ خَرِيطَتَهُ وَلَطْمَةٍ وَشُفْرِ عَيْنٍ، وَحَاجِبٍ، وَلِحْيَةٍ، وَعَمْدُهُ كَالْخَطَإِ
[منح الجليل]
فِي عَمْدِهِ الْقَاضِي.
ابْنُ الْقَصَّارِ فِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ حُكُومَةٌ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ كَافَّةً
(وَ) لَا يُقْتَصُّ مِ (مَا) أَيْ الْجِرَاحَاتِ الَّتِي (بَعْدَ الْمُوضِحَةِ) وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ (مِنْ مُنَقِّلَةٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ، وَحُكِيَ فَتْحُهَا مُثَقَّلَةً فِيهِمَا وَهِيَ الَّتِي (طَارَ) أَيْ زَالَ (فِرَاشُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا، أَيْ رَقِيقُ (الْعَظْمِ) أَيْ يُزِيلُهُ الطَّبِيبُ (مِنْ الدَّوَاءِ) أَيْ لِأَجْلِ الْمُدَاوَاةِ وَالْتِئَامِ الْجُرْحِ (وَ) لَا يُقْتَصُّ مِنْ (آمَّةٍ) بِمَدِّ الْهَمْزِ وَشَدِّ الْمِيمِ، وَيُقَالُ لَهَا مَأْمُومَةٌ أَيْضًا وَهِيَ الَّتِي (أَفَضْت) أَيْ وَصَلَتْ (لِ) لَهُمْ ا (لِدِمَاغِ) أَيْ الْجِلْدَةِ السَّاتِرَةِ لِلْمُخِّ (وَ) لَا يُقْتَصُّ مِنْ (دَامِغَةٍ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَهِيَ الَّتِي (خَرَقَتْ خَرِيطَتَهُ) أَيْ الْجَلْدَةَ الرَّقِيقَةَ السَّاتِرَةَ لِلْمُخِّ، وَهِيَ آخِرُ الرَّأْسِ.
ابْنُ شَاسٍ وَبِالْجُمْلَةِ لَا قِصَاصَ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَعْظُمُ خَطَرُهُ كَائِنًا مَا كَانَ.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْقِصَاصِ فَقَالَ (كَلَطْمَةٍ) بِيَدٍ عَلَى وَجْهٍ فَلَا قِصَاصَ فِيهَا.
أَبُو الْحَسَنِ لِأَنَّهَا لَا تَنْضَبِطُ كَضَرْبَةِ الْعَصَا بِخِلَافِ ضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَفِيهَا الْقِصَاصُ لِانْضِبَاطِهَا، وَمَحَلُّ كَوْنِ اللَّطْمَةِ وَضَرْبَةِ الْعَصَا لَا قِصَاصَ فِيهِمَا إذَا لَمْ يَنْشَأْ عَنْهُمَا جُرْحٌ وَإِلَّا جَرَى فِيهِ التَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ
(وَ) لَا يُقْتَصُّ مِنْ (شُفْرَيْ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مَثْنَى شُفْرٍ، كَذَلِكَ حُذِفَتْ نُونُهُ لِإِضَافَتِهِ أَصْلُ مَعْنَاهُ حَرْفُ الـ (عَيْنِ) وَالْمُرَادُ بِهِ الشَّعْرُ النَّابِتُ بِهِ لِعِلَاقَةِ الْمَحَلِّيَّةِ، أَيْ إزَالَتِهِ عَمْدًا عُدْوَانًا، وَفِيهِ حُكُومَةٌ فِي مَالِ الْجَانِي (وَ) لَا فِي شَعْرِ (حَاجِبٍ) أُزِيلَ عَمْدًا عُدْوَانًا وَفِيهِ حُكُومَةٌ فِي مَالِ الْجَانِي (وَ) لَا فِي شَعْرِ (لِحْيَةٍ) كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ إذَا لَمْ تَنْبُتْ الْمَذْكُورَاتُ عَلَى هَيْئَتِهَا وَفِيهِ الْحُكُومَةُ (وَعَمْدُهُ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ شُفْرِ الْعَيْنِ وَشَعْرِ الْحَاجِبِ وَاللِّحْيَةِ (كَالْخَطَأِ) فِي إيجَابِ الْحُكُومَةِ، لَكِنْ فِي الْعَمْدِ فِي مَالِ الْجَانِي مُطْلَقًا، وَفِي الْخَطَإِ عَلَى الْعَاقِلَةِ إنْ بَلَغَتْ الثُّلُثَ وَإِلَّا فَفِي مَالِ
إلَّا فِي الْأَدَبِ، وَإِلَّا أَنْ يَعْظُمَ الْخَطَرُ فِي غَيْرِهَا: كَعَظْمِ الصَّدْرِ
[منح الجليل]
الْجَانِي (إلَّا فِي) إيجَابِ (الْأَدَبِ) أَيْ التَّأْدِيبِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فَيَثْبُتُ فِي الْعَمْدِ لَا فِي الْخَطَأِ.
أَشْهَبُ الْحَاجِبَانِ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ سَوَاءٌ فِيهِمَا حُكُومَةٌ فِي جِرَاحَاتِهَا لَيْسَ فِي جُفُونِ الْعَيْنِ وَأَشْفَارِهَا إلَّا الِاجْتِهَادُ، وَفِي حَلْقِ الرَّأْسِ إذَا لَمْ يَنْبُتَا إلَّا الِاجْتِهَادُ، وَكَذَلِكَ اللِّحْيَةُ، وَلَيْسَ فِي عَمْدِ ذَلِكَ قِصَاصٌ، وَكَذَلِكَ الْحَاجِبَانِ إذَا لَمْ يَنْبُتَا لَثَبَتَ فِيهِمَا الِاجْتِهَادُ، وَفِي كُلِّ عَمْدٍ الْقِصَاصُ مَعَ الْأَدَبِ.
أَبُو الْحَسَنِ أَبُو عِمْرَانَ إنْ اُقْتُصَّ مِنْهُ فَأَدَبُهُ دُونَ أَدَبِ مَنْ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ.
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ الَّذِي اُقْتُصَّ مِنْهُ هَلْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ قَالَ نَعَمْ.
ابْنُ رُشْدٍ قَدْ قِيلَ لَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ مَعَ الْقِصَاصِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
وَوَجْهُ إيجَابِ الْأَدَبِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَعَ الْقِصَاصِ هُوَ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ لِيَتَنَاهَى النَّاسُ.
اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ إيجَابَ الْأَدَبِ مَعَ الْقِصَاصِ هُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ وَاسْتَظْهَرَهُ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَكَلَامُهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَذْهَبِ، قَالَ فِيهَا وَيَجِبُ عَلَى الْجَارِحِ مَعَ الْقِصَاصِ الْأَدَبُ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِجُرْأَتِهِ.
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ ضَرْبُهُ وَلَا سَجْنُهُ وَإِنَّمَا هُوَ الْقِصَاصُ اهـ.
(وَإِلَّا أَنْ يَعْظُمَ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ، أَيْ يَكْثُرُ وَيَشْتَدُّ (الْخَطَرُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ خَوْفُ الْمَوْتِ عَلَى الْجَانِي بِسَبَبِ الْقِصَاصِ مِنْهُ (فِي غَيْرِهَا) أَيْ الْجِرَاحَاتِ الَّتِي بَعْدَ الْمُوضِحَةِ، وَمَثَّلَ لِمَا يَعْظُمُ فِيهِ الْخَطَرُ فَقَالَ (كَ) كَسْرِ (عَظْمِ الصَّدْرِ) وَالرَّقَبَةِ وَالظَّهْرِ وَالْفَخْذِ عَمْدًا عُدْوَانًا فَلَا قِصَاصَ فِيهَا، وَفِيهَا حُكُومَةٌ فِي مَال الْجَانِي.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا لَا قِصَاصَ فِي الْمَخُوفِ كَالْفَخْذِ وَشِبْهِهِ وَكَسْرِ الضِّلَعِ، فَعَظْمِ الصَّدْرِ إنْ كَانَ مَخُوفًا كَالْفَخْذِ فَلَا قَوَدَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْيَدِ فَالْقَوَدُ.
الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ عَبْدُوسٍ لَا قَوَدَ فِي عِظَامِ الصَّدْرِ وَقَالَهُ أَشْهَبُ، وَقَالَ مَعَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا فِي عِظَامِ الْعَيْنِ، وَفِي الْقَوَدِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
مِنْ الظُّفْرِ رِوَايَتَانِ لَهَا وَلِغَيْرِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَالْعَظْمِ أَوْ كَالشَّعْرِ.
مُحَمَّدٌ الْقَوَدُ أَحَبُّ إلَيَّ.
ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ لَا قَوَدَ فِي كَسْرِ الصُّلْبِ.
ابْنُ زَرْقُونٍ رَأَى رَبِيعَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْقَوَدَ فِي كُلِّ جُرْحٍ وَلَوْ مُتْلِفًا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْقَوَدُ فِي كُلِّ جُرْحٍ وَإِنْ كَانَ مُتْلِفًا إلَّا مَا خَصَّهُ الْحَدِيثُ الْمَأْمُومَةَ وَالْجَائِفَةَ، قُلْت يُقْتَصُّ مِنْ كُلِّ مَا لَيْسَ بِمُتْلِفٍ تَتَحَقَّقُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ اتِّفَاقًا وَالْمَشْهُورُ لَا يُقْتَصُّ مِنْ مُتْلِفٍ، وَمَا لَيْسَ بِمُتْلِفٍ وَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ ضَرْبَانِ لَا تَتَأَتَّى فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ لَا قِصَاصَ فِيهِ كَبَيَاضِ الْعَيْنِ، وَضَرْبٍ تَتَأَتَّى فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ، وَالْغَالِبُ نَفْيُهَا، كَكَسْرِ الْعِظَامِ حَكَى الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَتَيْنِ.
قُلْت وَلِلْبَاجِيِّ عَنْ أَشْهَبَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنْ لَا قَوَدَ فِي الْمَخُوفِ.
مُحَمَّدٌ وَأَجْمَعْنَا أَنْ لَا قَوَدَ فِي عِظَامِ الْعُنُقِ وَالْفَخْذِ وَالصُّلْبِ وَشَبَّهَ ذَلِكَ مِنْ الْمَتَالِفِ.
عَبْدُ الْمَلِكِ لَا قَوَدَ فِي الْعَيْنِ يُصَابُ بَعْضُهَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى حَدِّهِ إلَّا أَنْ تُصَابَ كُلَّهَا.
تت اُخْتُلِفَ فِي عَطْفِ إلَّا وَمَوْقِعِهَا مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَ وَإِلَّا فَقَالَ الشَّارِحُ إنَّمَا كَرَّرَ أَدَاةَ الْحَصْرِ خَشْيَةَ أَنْ يُتَوَهَّمَ عَطْفَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ عَظُمَ الْخَطَرُ فِي غَيْرِهَا أَوْ نَحْوِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فَإِنْ قُلْت فَمَا مَوْقِعُ إلَّا وَعَطْفُهَا مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَ وَإِلَّا وَلَيْسَ الْحُكْمُ هُنَا مُخَالِفًا لِمَا بَعْدَ إلَّا الْأُولَى.
قُلْت جَمِيعُ مَا قَدَّمَهُ لَهُ أَسْمَاءٌ مَخْصُوصَةٌ كَانَ فِي الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَمَّا بَيَّنَ مَا فِيهِ الْقِصَاصُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْهَا أَعْطَى قَانُونًا كُلِّيًّا فِي غَيْرِهَا، وَهُوَ أَنَّ مَا عَظُمَ الْخَطَرُ فِيهِ لَا قَوَدَ فِيهِ، وَالْآخَرُ يُقَادُ مِنْهُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَك أَنْ تَبْحَثَ فِيهِ فَهُوَ أَنْسَبُ مِنْ غَيْرِهِ.
" غ " الَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَإِلَّا أَنْ يَعْظُمَ الْخَطَرُ فِي غَيْرِهَا، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا قَالَ وَكَأَنْ يَعْظُمَ بِكَافِ التَّشْبِيهِ فَالْتَبَسَتْ عَلَى النَّاسِخِ بِإِلَّا.
وَأَمَّا جَعْلُهُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ وَإِلَّا فَالْعَقْلُ فَهُجْنَتُهُ لَا تَلِيقُ بِالْمُصَنِّفِ لِأَنَّ إلَّا الثَّانِيَةَ اسْتِثْنَائِيَّةٌ، وَإِلَّا الْأُولَى مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَنْ الشَّرْطِيَّةِ وَلَا النَّافِيَةِ.
الْبُنَانِيُّ لَا وَجْهَ لِهَذَا الْعَطْفِ هُنَا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَكَأَنْ يَعْظُمَ الْخَطَرُ بِلَفْظِ التَّشْبِيهِ مَعَ الْعَطْفِ، وَهَذِهِ النُّسْخَةُ هِيَ الصَّوَابُ.
وَأَمَّا جَعْلُ الشَّارِحِ وَإِلَّا أَنْ يَعْظُمَ عَطْفًا عَلَى وَإِلَّا فَالْعَقْلُ فَغَيْرُ صَوَابٍ، لِأَنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ، وَقَوْلُهُ وَإِلَّا فَالْعَقْلُ شَرْطٌ.