وَمُنِعَ بَيْعُ: مُسْلِمٍ، وَمُصْحَفٍ، وَصَغِيرٍ لِكَافِرٍ
وَأُجْبِرَ عَلَى إخْرَاجِهِ
[منح الجليل]
يُعْلَمْ فَلَهُ أَخْذُ مَا زَادَ عَلَى شَطْرِ مَا بِيَدِهِ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمُوَضِّحُ وَابْنُ فَرْحُونٍ، وَمَحَلُّ أَخْذِ الشَّطْرِ إنْ وَفَّى مَا ظُلِمَ فِيهِ وَإِلَّا أَخَذَ جَمِيعَ مَا بِيَدِهِ إنْ تَوَقَّفَتْ التَّوْفِيَةُ عَلَيْهِ وَلَا يَتْرُكُ إلَّا مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ.
(وَمُنِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (بَيْعُ) رَقِيقٍ (مُسْلِمٍ) صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ (وَمُصْحَفٍ) وَجُزْئِهِ وَكُتُبِ حَدِيثٍ وَفِقْهٍ وَعِلْمٍ شَرْعِيٍّ (وَ) رَقِيقٍ (صَغِيرٍ) كَافِرٍ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْمَجُوسِيُّ اتِّفَاقًا وَالْكِتَابِيُّ عَلَى الرَّاجِحِ، وَصِلَةُ بَيْعُ (لِ) شَخْصٍ (كَافِرٍ) وَمَفْهُومُ صَغِيرٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ كَبِيرًا فَإِنْ كَانَ مَجُوسِيًّا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ كِتَابِيًّا جَازَ بَيْعُهُ لِكَافِرٍ إنْ كَانَ عَلَى دِينِهِ وَإِلَّا فَلَا وَكَالْبَيْعِ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ، وَقَوْلُهَا هِبَةُ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ جَائِزَةٌ مَعْنَاهُ مَاضِيَةٌ بَعْدَ وُقُوعِهَا ثُمَّ يُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهِ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَيُمْنَعُ بَيْعُ آلَةِ الْحَرْبِ لِلْحَرْبِيِّينَ مِنْ سِلَاحٍ وَكُرَاعٍ وَسُرُوجٍ وَنَحْوِهَا كَنُحَاسٍ وَخِبَاءٍ وَآلَةِ سَفَرٍ وَمَاعُونِهِ، وَيُجْبَرُونَ عَلَى بَيْعِهِ إنْ وَقَعَ فِي التَّوْضِيحِ، وَيُمْنَعُ بَيْعُ الدَّارِ لِمَنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً، وَالْخَشَبَةِ لِمَنْ يَتَّخِذُهَا صَلِيبًا، وَالْعِنَبِ لِمَنْ يَعْصِرُهُ خَمْرًا، وَالنُّحَاسِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ نَاقُوسًا، وَكُلِّ شَيْءٍ عُلِمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَصَدَ بِهِ أَمْرًا لَا يَجُوزُ كَبَيْعِ جَارِيَةٍ لِأَهْلِ الْفَاسِدِ الَّذِينَ لَا غِيرَةَ لَهُمْ، أَوْ يُطْعِمُونَهَا مِنْ حَرَامٍ وَمَمْلُوكٍ لِمَنْ يُعْلَمُ مِنْهُ الْفَسَادُ بِهِ.
الْحَطَّابُ وَأَمَّا بَيْعُ الطَّعَامِ لِلْحَرْبِيِّينَ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَجُوزُ فِي الْهُدْنَةِ وَيُمْنَعُ فِي غَيْرِهَا.
وَكَلَامُ الشَّاطِبِيِّ يُفِيدُ أَنَّ الْمَذْهَبَ مَنْعُهُ مُطْلَقًا، وَعَزَاهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَابْنُ جُزَيٍّ لِابْنِ الْقَاسِمِ.
الشَّاطِبِيُّ يَمْنَعُ بَيْعَ الشَّمْعِ لَهُمْ إذَا كَانُوا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى إضْرَارِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ لِأَعْيَادِهِمْ فَيُكْرَهُ.
(وَ) إنْ بِيعَ مُسْلِمٌ أَوْ مُصْحَفٌ أَوْ صَغِيرٌ لِكَافِرٍ مَضَى بَيْعُهُ فَلَا يُفْسَخُ وَ (أُجْبِرَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْكَافِرُ الَّذِي اشْتَرَى مُصْحَفًا أَوْ مُسْلِمًا أَوْ صَغِيرًا (عَلَى إخْرَاجِهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ عَنْ مِلْكِهِ، وَلَا يُفْسَخُ شِرَاؤُهُ، وَلَوْ مَعَ الْقِيَامِ، وَمُقْتَضَى ابْنِ عَرَفَةَ
بِعِتْقٍ أَوْ هِبَةٍ وَلَوْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ عَلَى الْأَرْجَحِ
، لَا بِكِتَابَةٍ
[منح الجليل]
أَنَّ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ وَأَنَّ الْقَوْلَ بِفَسْخِهِ مَعَ الْقِيَامِ ضَعِيفٌ، وَيُعَاقَبُ الْمُتَبَايِعَانِ إنْ لَمْ يُعْذَرَا بِجَهْلٍ، وَصِلَةُ إخْرَاجِهِ (بِعِتْقٍ) مِنْ الْمُشْتَرِي الْكَافِرِ لِلرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ أَوْ الصَّغِيرِ أَوْ بِبَيْعٍ وَيَتَوَلَّاهُ الْإِمَامُ لَا الْكَافِرُ؛ لِأَنَّهَا إهَانَةٌ لِلْمُسْلِمِ (أَوْ) بِ (هِبَةٍ) لِأَجْنَبِيٍّ أَوْ لِوَلَدٍ كَبِيرٍ مُسْلِمٍ بَلْ (وَلَوْ لِوَلَدِهَا) أَيْ الْكَافِرَةِ الْمُشْتَرِيَةِ مَا ذَكَرَ (الصَّغِيرِ) الْمُسْلِمِ بِأَنْ كَانَ مِنْ زَوْجِهَا الْمُسْلِمِ أَوْ أَسْلَمَ الْوَلَدُ الصَّغِيرُ لِصِحَّةِ إسْلَامِهِ وَقُدْرَتِهَا عَلَى اعْتِصَارِ مَا وَهَبَتْهُ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ لَا تُمْنَعُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِهَا فِي الْإِخْرَاجِ (عَلَى الْأَرْجَحِ) عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ مِنْ الْخِلَافِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْكَاتِبِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِقَوْلِ ابْنِ مَنَاسٍ لَا تَكْفِي فِيهِ هِبَتُهَا لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ مُحْتَجًّا بِعَدَمِ كِفَايَتِهَا فِي حَلَبَةِ الْأُخْتِ.
وَفَرَّقَ ابْنُ يُونُسَ بِأَنَّ مَالِكَ الْأُخْتَيْنِ لَهُ الِاعْتِصَارُ وَالْكَافِرَةَ مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ، فَإِنْ اعْتَصَرَتْ أُجْبِرَتْ عَلَى الْإِخْرَاجِ.
الْحَطّ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ وَتَرْجِيحُ ابْنِ يُونُسَ إنَّمَا هُوَ فِي عَبْدِ النَّصْرَانِيَّةِ يُسْلِمُ، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي اشْتِرَاءِ الْكَافِرَةِ فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ كَذَلِكَ.
طفي هَذَا لَا يُنَجِّي مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ أَرَادَ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ فَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادَ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ فَبَيْنَهُمَا بَوْنٌ، فَعَلَى الْمُصَنِّفِ الْمُؤَاخَذَةُ فِي تَخْلِيطِهِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَجَعْلِ الْمُبَالَغَةَ عَلَى فَرْضٍ فِي فَرْضٍ آخَرَ غَيْرَهُ.
وَهَبْ أَنَّ نَظَرَهُ يُوجِبُ مُسَاوَاتَهُمَا فَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ كُلَّ مَسْأَلَةٍ فِي مَحَلِّهَا وَحَيْثُ فَرَضَهَا الْأَوَّلُونَ إذْ هَذِهِ وَظِيفَةُ الْمُقَلِّدِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
الْحَطّ وَالذَّكَرُ الْكَافِرُ كَالْأُنْثَى فَإِنَّهَا فَرْضُ مَسْأَلَةٍ.
أَبُو عَلِيٍّ هَذَا يَحْتَاجُ إلَى نَصٍّ وَقِيَاسُهُ عَلَى الْأُمِّ لَا يَنْهَضُ لِلْفَرْقِ بِأَنَّ لِلْأَبِ تَسَلُّطًا عَلَى مَالِ وَلَدِهِ، بِخِلَافِ الْأُمِّ فَلَا حَجْرَ لَهَا عَلَيْهِ غَالِبًا.
وَإِنْ شَارَكَتْ الْأَبَ فِي الِاعْتِصَارِ فَلَعَلَّ فَرْضَهَا فِي الْأُمِّ مَقْصُودٌ لِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَعَ تَوَلِّي الْكَافِرِ قَبْضَ نُجُومِ الْكِتَابَةِ فَتُبَاعُ لِمُسْلِمٍ وَسَيُفِيدُ مُضِيَّهَا وَوُجُوبَ بَيْعِهَا بِقَوْلِهِ وَمَضَتْ كِتَابَةُ كَافِرٍ لِمُسْلِمٍ وَبِيعَتْ، وَالْأَوْلَى كَكِتَابَةٍ لِيَشْمَلَ التَّدْبِيرَ وَالِاسْتِيلَادَ وَيُؤَاجِرَ الْمُدَبَّرُ، وَصُورَةُ الِاسْتِيلَادِ
وَرَهْنٍ وَأَتَى بِرَهْنِ ثِقَةٍ، إنْ عَلِمَ مُرْتَهِنُهُ بِإِسْلَامِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ، وَإِلَّا عُجِّلَ: كَعِتْقِهِ.
[منح الجليل]
أَنَّ أَمَتَهُ أَسْلَمَتْ وَوَطِئَهَا بَعْدَ إسْلَامِهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ فَيُنْجَزُ عِتْقُهَا عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُسْلِمَ قَبْلَ عِتْقِهَا، أَوْ حَمَلَتْ مِنْهُ وَهِيَ قِنٌّ ثُمَّ أَسْلَمَتْ كَمَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِيهِمَا ذَكَرَهُ الْحَطَّابُ عَنْهَا، وَتُبَاعُ خِدْمَةُ مُعْتَقٍ لِأَجَلٍ، وَبِيعَ عَلَيْهِ مَا يَمْلِكُهُ مِنْ مُعْتَقٍ بَعْضُهُ أَسْلَمَ، فَإِنْ أَعْتَقَ هُوَ بَعْضَهُ قُوِّمَ بَاقِيهِ عَلَيْهِ إنْ أَيْسَرَ.
(وَ) لَا يَكْفِي الْإِخْرَاجُ بِ (رَهْنٍ) مِنْ الْكَافِرِ لِلرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ لِمُسْلِمٍ فَيُبَاعُ عَلَيْهِ (وَأَتَى) أَيْ يَأْتِي الْكَافِرُ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ (بِرَهْنِ ثِقَةٍ) أَيْ مُوفٍ لِلدَّيْنِ (إنْ عَلِمَ مُرْتَهِنُهُ) أَيْ الْمُتَوَثِّقُ بِالرَّقِيقِ فِي دِينِهِ (بِإِسْلَامِهِ) أَيْ الرَّقِيقِ الَّذِي رَهَنَهُ الْكَافِرُ حِينَ عَقَدَ الرَّهْنَ، هَذَا الْقَيْدُ لِابْنِ مُحْرِزٍ (وَلَمْ يُعَيَّنْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ مُثْقَلَةً أَيْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ أَوْ الْقَرْضِ رَهْنُهُ، وَهَذَا الْقَيْدُ لِبَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مُرْتَهِنُهُ بِإِسْلَامِهِ سَوَاءٌ عُيِّنَ أَمْ لَا أَمْ عُيِّنَ لِلرَّهِينَةِ (عَجَّلَ) الْكَافِرُ الرَّاهِنُ الدَّيْنَ الْمَرْهُونَ فِيهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَالدَّيْنُ مِمَّا يُعَجَّلُ بِأَنْ كَانَ عَيْنًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، أَوْ عَرَضًا مِنْ قَرْضٍ، فَإِنْ كَانَ عَرَضًا مِنْ بَيْعٍ خُيِّرَ الْمُرْتَهِنُ فِي قَبُولِ التَّعْجِيلِ وَإِبْقَاءِ ثَمَنِ الرَّقِيقِ رَهْنًا إلَى الْأَجَلِ وَالْإِتْيَانِ بِرَهْنِ ثِقَةٍ، وَلَيْسَ إبْقَاءُ الرَّقِيقِ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ اسْتِمْرَارُ الْمُسْلِمِ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ، وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ جَبْرُ الْمُرْتَهِنِ عَلَى بَقَاءِ دِينِهِ بِلَا رَهْنٍ، وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ قَيْدًا فِي إتْيَانِ الرَّاهِنِ بِرَهْنِ ثِقَةٍ وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ الرَّاهِنُ أَخْذَ ثَمَنِ الرَّقِيقِ الَّذِي بِيعَ بِهِ، فَإِنْ أَرَادَ تَعْجِيلَهُ فِي الدَّيْنِ فَلَهُ ذَلِكَ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ دُونَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ الرَّهْنِ يَقُومُ مَقَامَهُ وَيَتْبَعُ بِبَاقِي الدَّيْنِ.
وَشَبَّهَ فِي التَّعْجِيلِ فَقَالَ (كَعِتْقِهِ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ الْكَافِرِ رَقِيقَهُ الْمُسْلِمَ الَّذِي رَهَنَهُ عِنْدَ أَمْرِهِ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ فَيُعَجِّلُ الدَّيْنَ لِمَرْهُونٍ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا وَلَا يَبْقَى الرَّقِيقُ رَهْنًا فِي عُسْرِهِ لِئَلَّا يَسْتَمِرَّ الْمُسْلِمُ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَعْجِيلَ الْحَقِّ مِنْ الْمُعْسِرِ إنَّمَا يَكُونُ بِرَدِّ عِتْقِهِ وَبَيْعِ رَقِيقِهِ فِي الدَّيْنِ،
وَجَازَ رَدُّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ
: وَفِي خِيَارِ مُشْتَرٍ مُسْلِمٍ يُمْهَلُ لِانْقِضَائِهِ وَيُسْتَعْجَلُ الْكَافِرُ
[منح الجليل]
وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ الْآتِيَ فِي الرَّهْنِ وَمَضَى عِتْقُ الْمُوسِرِ وَكِتَابَتُهُ وَعُجِّلَ وَالْمُعْسِرُ يَبْقَى فِي غَيْرِ الْكَافِرِ الَّذِي أَعْتَقَ، الرَّهْنُ الْمُسْلِمُ قَرَّرَهُ بَعْضُ شُيُوخِ أَحْمَدَ وَأَحْمَدَ بَابَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَرَدَّهُ عج غَيْرُ صَحِيحٍ.
(وَ) إنْ بَاعَ الْكَافِرُ رَقِيقَهُ الْمُسْلِمَ أَوْ الْكَافِرَ لِمُسْلِمٍ ثُمَّ أَسْلَمَ وَظَهَرَ لِمُشْتَرِيهِ عَيْبٌ قَدِيمٌ (جَازَ) لَهُ (رَدُّهُ) أَيْ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْكَافِرِ (بِعَيْبٍ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَقْضٌ لِلْبَيْعِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ وَيَرْجِعُ بِأَرْشِ الْعَيْبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ ابْتِدَاءُ بَيْعٍ لَا يُقَالُ الَّذِي يَتَوَلَّى بَيْعَهُ السُّلْطَانُ وَبَيْعُهُ بَيْعُ بَرَاءَةٍ فَكَيْفَ يَتَأَتَّى رَدُّهُ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بَيْعُهُ هُنَا لَيْسَ بَيْعَ بَرَاءَةٍ قَالَهُ عج، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ، فَالصَّوَابُ إبْقَاءُ الْقَاعِدَةِ عَلَى عُمُومِهَا، وَأَنَّ السُّؤَالَ إنَّمَا يَرِدُ عَلَى فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا يَشْمَلُ إسْلَامَ الرَّقِيقِ قَبْلَ بَيْعِهِ كَالْمُصَنِّفِ وَبَعْضِ مَنْ شَرَحَهُ كَالْحَطِّ، وَأَمَّا مَنْ فَرَضَهَا فِي خُصُوصِ إسْلَامِهِ بَعْدَ بَيْعِهِ كَابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ شَاسٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ و " ق " فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ.
(وَ) إنْ بَاعَ كَافِرٌ رِقَّهُ الْكَافِرَ لِمُسْلِمٍ بِخِيَارٍ لِلْمُشْتَرِي وَأَسْلَمَ الرَّقِيقُ (فِي) زَمَنِ (خِيَارِ) شَخْصٍ (مُشْتَرٍ مُسْلِمٍ) فَإِنَّهُ (يُمْهَلُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ الْمُشْتَرِي الْمُسْلِمُ (لِانْقِضَائِهِ) أَيْ الْخِيَارِ، فَإِنْ اخْتَارَ إمْضَاءَ الْبَيْعِ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ مِنْ خُرُوجِ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ مِنْ مِلْكِ الْكَافِرِ، وَإِنْ اخْتَارَ رَدَّهُ جُبِرَ الْكَافِرُ عَلَى إخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ (وَ) إنْ بَاعَ كَافِرٌ رَقِيقَهُ الْكَافِرَ لِكَافِرٍ بِخِيَارٍ لِأَحَدِهِمَا وَأَسْلَمَ الرَّقِيقُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ (يُسْتَعْجَلُ) الشَّخْصُ (الْكَافِرُ) الَّذِي لَهُ الْخِيَارُ فِي إمْضَاءِ الْبَيْعِ أَوْ رَدِّهِ وَلَا يُمْهَلُ لِانْقِضَائِهِ، وَيُجْبَرُ مَنْ يَصِيرُ لَهُ عَلَى إخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ بَائِعًا كَانَ أَوْ مُشْتَرِيًا لِئَلَّا يَلْزَمَ بَقَاءُ الْمُسْلِمِ فِي مِلْكِ كَافِرٍ.
فَإِنْ قُلْت هَذَا فِي إسْلَامِهِ فِي خِيَارِ مُشْتَرٍ مُسْلِمٍ أَيْضًا فَلِمَ أُمْهِلَ.
قُلْت لِسَبْقِ حَقِّهِ وَمُرَاعَاةِ الْقَوْلِ بِأَنَّ بَيْعَ الْخِيَارِ مُنْعَقِدٌ وَالْمِلْكَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْمَشْهُورِ فِيهَا لَوْ بَاعَ نَصْرَانِيٌّ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا مِنْ نَصْرَانِيٍّ بِخِيَارٍ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لِلْبَائِعِ فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ
كَبَيْعِهِ إنْ أَسْلَمَ، وَبَعُدَتْ غِيبَةُ سَيِّدِهِ
وَفِي الْبَائِعِ يُمْنَعُ مِنْ الْإِمْضَاءِ.
[منح الجليل]
فَلَا يُفْسَخُ وَيُقَالُ لِمَالِكِ الْخِيَارِ اخْتَرْ أَوْ رُدَّ، ثُمَّ يُبَاعُ عَلَى مَنْ يَصِيرُ إلَيْهِ.
وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ اسْتِعْجَالُ الْكَافِرِ سَوَاءٌ كَانَ الْعَاقِدُ مَعَهُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، وَاَلَّذِي فِي نَصِّ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا كَانَ الْعَاقِدَانِ كَافِرَيْنِ، وَنَصُّهُ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إذَا كَانَ الْمُتَبَايِعَانِ كَافِرَيْنِ عُجِّلَ الْخِيَارُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا فَلَا يُعَجَّلُ إذْ قَدْ يَصِيرُ لِلْمُسْلِمِ مِنْهُمَا.
وَفِي ابْنِ عَرَفَةَ التُّونُسِيِّ اُنْظُرْ لَوْ كَانَ الثَّلَاثَةُ كُفَّارًا وَأَسْلَمَ الْعَبْدُ وَبَائِعُهُ فَهَلْ يُعَجَّلُ تَخْيِيرُ الْكَافِرِ، وَكَمَا لَوْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ، وَحْدَهُ أَوْ يُؤَخَّرُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ وَالْخَرَاجَ لِمُسْلِمٍ.
قُلْت يُرِيدُ أَنَّ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي.
الْبُنَانِيُّ لَمْ أَرَ فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَلَا غَيْرِهِ.
وَلَا يُوَافِقُ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ، وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ وَاعْتَمَدَهُ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ وَلَمْ يُشِرْ إلَى ضَعْفِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ مِثْلَ الَّذِي لِلتُّونُسِيِّ وَأَقَرَّ كَلَامَهُمَا.
وَشَبَّهَ فِي التَّعْجِيلِ فَقَالَ (كَبَيْعِهِ) أَيْ الرَّقِيقِ مِنْ السُّلْطَانِ (إنْ أَسْلَمَ) الرَّقِيقُ الْمَمْلُوكُ الْكَافِرُ فِي غَيْبَةِ الْكَافِرِ (وَبَعُدَتْ غَيْبَةُ سَيِّدِهِ) بِكَوْنِهَا عَلَى مَسَافَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ، أَوْ يَوْمَيْنِ مَعَ خَوْفِهِ وَهَلْ يُتَلَوَّمُ لَهُ إنْ رَجَا قُدُومَهُ أَمْ لَا، فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْخِيَارِ بِقَوْلِهِ فَتُلُوِّمَ فِي بَعِيدِ الْغَيْبَةِ إنْ رُجِيَ قُدُومُهُ، كَأَنْ لَمْ يَعْلَمْ مَوْضِعَهُ، وَفِيهَا نَفْيُ التَّلَوُّمِ.
وَفِي حَمْلِهِ عَلَى الْخِلَافِ تَأْوِيلَانِ، وَمَفْهُومُهُ إنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ فَلَا يُبَاعُ وَيُكْتَبُ لَهُ لِاحْتِمَالِ إسْلَامِهِ قَبْلَ إسْلَامِ الرَّقِيقِ أَوْ قَبْلَ بَيْعِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، فَإِنْ بِيعَ فِي بَعْدِ الْغَيْبَةِ وَقَدِمَ السَّيِّدُ وَأَثْبَتَ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَهُ نُقِضَ بَيْعُهُ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي نُقِضَ عِتْقُهُ وَلَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا أَفَادَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
(وَ) إنْ بَاعَ مُسْلِمٌ رَقِيقًا كَافِرًا لِكَافِرٍ بِخِيَارٍ لِلْبَائِعِ وَأَسْلَمَ الرَّقِيقُ (فِي) زَمَنِ خِيَارِ (الْبَائِعُ) الْمُسْلِمِ فَإِنَّهُ (يُمْنَعُ) بِضَمِّ الْيَاءِ الْبَائِعُ الْمُسْلِمُ (مِنْ الْإِمْضَاءِ) لِلْبَيْعِ.
الْبُنَانِيُّ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي هَذَا قَوْلَيْنِ خَرَّجَهُمَا ابْنُ شَاسٍ وَالْمَازِرِيُّ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْخِيَارِ مُنْحَلٌّ فَيُمْنَعُ الْإِمْضَاءُ؛ لِأَنَّهُ كَابْتِدَاءِ بَيْعٍ أَوْ مُتَبَرِّمٍ فَيَجُوزُ الْمُوَضَّحُ وَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ انْحِلَالُهُ، ثُمَّ
وَفِي جَوَازِ بَيْعِ مَنْ أَسْلَمَ بِخِيَارٍ: تَرَدُّدٌ
[منح الجليل]
قَالَ وَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ وَلَوْ قُلْنَا إنَّهُ مُتَبَرِّمٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا بِيَدِ الْمُسْلِمِ رَفْعُ تَقْرِيرِهِ وَبَيْنَ ابْتِدَاءِ بَيْعِهِ بِجَامِعِ تَمْلِيكِ الْكَافِرِ الْمُسْلِمِ فِي الْوَجْهَيْنِ فَاعْتَمَدَ الْمُصَنِّفُ هُنَا مَا هُوَ مُخْرَجٌ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ مَعَ أَنَّ الْمَنْصُوصَ لِابْنِ مُحْرِزٍ خِلَافُهُ، وَنَصُّهُ لَوْ كَانَ الْبَائِعُ مُسْلِمًا وَالْخِيَارُ لَهُ وَأَسْلَمَ الْعَبْدُ فَوَاضِحٌ كَوْنُ الْمُسْلِمِ عَلَى خِيَارِهِ، وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي اُحْتُمِلَ بَقَاءُ الْخِيَارِ لِمُدَّتِهِ إذْ الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ وَتَعْجِيلُهُ إذْ لَا حُرْمَةَ لِعَقْدِ الْكَافِرِ.
اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَقَرَّهُ، وَبِهِ نَظَرَ " ق " فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَأَيَّدَهُ بِكَلَامِ ابْنِ يُونُسَ الْمُتَقَدِّمِ.
نَعَمْ نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ قَالَ اُسْتُحْسِنَ عَدَمُ إمْضَائِهِ، فَإِنْ فَعَلَ مَضَى وَمِثْلُهُ لِأَبِي الْحَسَنِ فَعَدَمُهُ عِنْدَهُمَا مُسْتَحَبٌّ، وَالصُّوَرُ الْعَقْلِيَّةُ فِي الْمَسْأَلَةِ تِسْعٌ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ إمَّا كَافِرَانِ مَعًا أَوْ الْكَافِرُ الْبَائِعُ فَقَطْ أَوْ الْمُشْتَرِي فَقَطْ فَهَذِهِ ثَلَاثٌ، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا الْخِيَارُ فِيهِ إمَّا لِلْبَائِعِ فَقَطْ أَوْ لِلْمُشْتَرِي فَقَطْ أَوْ لَهُمَا مَعًا فَهَذِهِ تِسْعٌ، أُخِذَ مِمَّا تَقَدَّمَ حُكْمُ سِتٍّ مِنْهَا وَهِيَ مَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِأَحَدِهِمَا فَقَطْ، وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فَهِمَ مِنْهُ حُكْمَ التِّسْعِ كُلِّهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالْخِيَارُ لَهُمَا فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ بَائِعًا مُنِعَ مِنْ الْإِمْضَاءِ عَلَى مَا لِلْمُصَنِّفِ، وَإِنْ كَانَ مُشْتَرِيًا بَقِيَ الْخِيَارُ لِمُدَّتِهِ لِحَقِّ الْمُسْلِمِ، ثُمَّ إنْ اتَّفَقَا عَلَى الرَّدِّ أَوْ الْإِمْضَاءِ عُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا قَضَى لِمَنْ رَدَّ مِنْهُمَا، وَفِي ذَلِكَ إنْ صَارَ لِلْمُسْلِمِ فَظَاهِرٌ وَلِلْكَافِرِ أُجْبِرَ عَلَى إخْرَاجِهِ، وَمِثْلُ مَا قُلْنَاهُ يَأْتِي إذَا كَانَا مَعًا كَافِرَيْنِ، لَكِنْ مَعَ الِاسْتِعْجَالِ، وَمَنْ صَارَ لَهُ مِنْهُمَا عُجِّلَ عَلَيْهِ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَفِي جَوَازِ بَيْعِ مَنْ) أَيْ رَقِيقٍ كَانَ كَافِرًا وَ (أَسْلَمَ) فِي مِلْكِ كَافِرٍ وَأُجْبِرَ عَلَى إخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ (بِخِيَارٍ) لَهُ لِلِاسْتِقْصَاءِ فِي ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ، وَهَلْ مُدَّتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ وَكَجُمُعَةٍ فِي رَقِيقٍ أَوْ جُمُعَةٍ طَرِيقَتَانِ ذَكَرَهُمَا أَبُو الْحَسَنِ عَازِيًا الْأُولَى لِعِيَاضٍ، وَالثَّانِيَةَ لِابْنِ رُشْدٍ، وَعَدَمُ جَوَازِ بَيْعِهِ بِخِيَارٍ (تَرَدُّدٌ) تت لِلْمَازِرِيِّ وَحْدَهُ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ.
فَإِنْ قِيلَ الْقَوْلُ بِجَوَازِ بَيْعِهِ بِخِيَارٍ يُخَالِفُ اسْتِعْجَالَ الْكَافِرِ.
قُلْت لَا يُخَالِفُهُ
وَهَلْ مَنْعُ الصَّغِيرِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيهِ أَوْ مُطْلَقًا إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ؟ تَأْوِيلَانِ.
[منح الجليل]
؛ لِأَنَّ مَا مَرَّ لَمَّا وَقَعَ فِيهِ الْبَيْعُ بِخِيَارٍ حَصَلَ الِاسْتِقْصَاءُ فِي الثَّمَنِ فَلَا مَضَرَّةَ فِي الِاسْتِعْجَالِ، وَلَوْ مُنِعَ هُنَا مِنْ بَيْعِهِ بِخِيَارٍ ابْتِدَاءً لَفَاتَ الِاسْتِقْصَاءُ فَيَحْصُلُ لَهُ الضَّرَرُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ نَفْسَ عَقْدِ الْخِيَارِ فِيهِ اسْتِقْصَاءٌ، بِخِلَافِ عَقْدِ الْبَتِّ فَلَا يُرَدُّ أَنَّهُ قَدْ يُسْلِمُ عَقِبَ بَيْعِهِ بِخِيَارٍ فَلَا يَتِمُّ الْفَرْقُ.
وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ بَيْعِ مَنْ أَسْلَمَ أَنَّ إسْلَامَ الْعَبْدِ طَرَأَ عِنْدَ الْكَافِرِ وَهُوَ مُقْتَضَى نَصِّ الْمَازِرِيِّ.
وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَى الْكَافِرُ مُسْلِمًا وَجُبِرَ عَلَى إخْرَاجِهِ فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ بِخِيَارٍ لِتَعَدِّيهِ بِشِرَاءِ الْمُسْلِمِ.
(وَهَلْ مَنْعُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ بَيْعِ الرَّقِيقِ (الصَّغِيرِ) لِكَافِرٍ (إذَا لَمْ يَكُنْ) الصَّغِيرُ (عَلَى دِينِ) كَافِرٍ (مُشْتَرِيهِ) أَيْ الصَّغِيرِ أَيْ مُعْتَقَدِهِ الْخَاصِّ، فَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِهِ جَازَ بَيْعُهُ لَهُ (أَوْ) الْمَنْعُ (مُطْلَقًا) عَنْ تَقْيِيدِهِ بِكَوْنِهِ عَلَى غَيْرِ دِينِ مُشْتَرِيهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ) أَيْ الصَّغِيرِ (أَبُوهُ) فِي الْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَبُوهُ فِيهِ فَلَا كَلَامَ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّغِيرِ لِتَبَعِيَّتِهِ أَبَاهُ، فَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيهِ جَازَ وَإِلَّا مُنِعَ.
قَالَ سَحْنُونٌ أَمَّا الصَّغِيرُ الَّذِي مَعَهُ أَبُوهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ أَبِيهِ وَالْحُكْمُ قَوْلُهُ وَلَهُ شِرَاءُ بَالِغٍ عَلَى دِينِهِ فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) الْبِسَاطِيُّ هَذَا كُلُّهُ تَعَسُّفٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَنْعَ مُطْلَقٌ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيهِ أَمْ لَا، كَانَ مَعَهُ أَبُوهُ أَمْ لَا، وَالْعِلَّةُ الْجَبْرُ عَلَى الْإِسْلَامِ.
الْبُنَانِيُّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الصَّغِيرُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ هَذَا ثَانِيهَا، فَحَمَلَهُ الْحَطّ فِي هَذَا وَمَا بَعْدُ عَلَى الْكِتَابِيِّ قَالَ وَالْأَوَّلُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ لِيَجْرِيَ الْكَلَامُ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ، وَتَكُونَ أَلْ فِيمَا بَعْدَهُ لِلْعَهْدِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيَكُونَ حُكْمُ الْمَجُوسِيِّ مَأْخُوذًا بِالْأَحْرَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمَجُوسَ يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ صَغِيرَهُمْ وَكَبِيرَهُمْ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا يَعُمُّ الْمَجُوسِيَّ، وَلَكِنْ يُحْتَاجُ إلَى تَخْصِيصِ التَّأْوِيلَيْنِ بِالْكِتَابِيِّ وَكَأَنَّهُ قَبِلَ تَقْيِيدَ عِيَاضٍ لِلْمُدَوَّنَةِ بِكَوْنِ الْكِتَابِيِّ لَيْسَ مَعَهُ أَبُوهُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيهِ شَرْطٌ فِي كُلٍّ مِنْ التَّأْوِيلَيْنِ فَلَوْ قَدَّمَهُ عَلَيْهِمَا فَقَالَ وَهَلْ مُنِعَ الصَّغِيرُ إذَا لَمْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
يَكُنْ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيهِ مُطْلَقٌ، أَوْ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ أَوْ أَخَّرَهُ عَنْهُمَا فَقَالَ وَهَلْ مُنِعَ الصَّغِيرُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ، أَوْ مُطْلَقٌ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيهِ لَكَانَ أَوْلَى، يَدُلُّ عَلَى هَذَا كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ وَعِيَاضٍ اُنْظُرْ ضَيْح وَالْحَطّ.
وَجَبْرُهُ: تَهْدِيدٌ، وَضَرْبٌ.
وَلَهُ شِرَاءُ بَالِغٍ عَلَى دِينِهِ، إنْ أَقَامَ بِهِ
لَا غَيْرِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ
وَالصَّغِيرِ عَلَى الْأَرْجَحِ
[منح الجليل]
(وَ) إذَا اشْتَرَى الْمُسْلِمُ رَقِيقًا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْمَجُوسِيُّ مُطْلَقًا وَالْكِتَابِيُّ الصَّغِيرُ الْحَرْبِيُّونَ جَبْرًا عَلَى الْإِسْلَامِ وَ (جَبْرُهُ تَهْدِيدٌ) أَيْ تَخْوِيفٌ بِالضَّرْبِ (وَضَرْبٌ) بِالْفِعْلِ إنْ لَمْ يُفِدْ التَّهْدِيدُ بِمَجْلِسٍ وَاحِدٍ.
تت كَذَا فَسَّرَهُ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ فَحَلَّ الشَّارِحُونَ وَالْأَقْفَهْسِيُّ كَلَامَهُ عَلَى أَنَّهُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَأُجْبِرَ عَلَى إخْرَاجِهِ إذَا امْتَنَعَ فَجَبْرُهُ بِالتَّهْدِيدِ وَالضَّرْبِ يَحْتَاجُ لِنَقْلٍ، وَإِنْ كَانَ وَاضِحًا فِي نَفْسِهِ.
اهـ. عب لَيْسَ رَاجِعًا لِقَوْلِهِ وَأُجْبِرَ إلَخْ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى ذَلِكَ الْإِمَامُ وَلَا يَتَوَلَّاهُ هُوَ فَكَيْفَ يَتَأَتَّى جَبْرُهُ بِمَا ذَكَرَ.
(وَلَهُ) أَيْ الْكَافِرِ (شِرَاءُ بَالِغٍ عَلَى دِينِهِ) أَيْ مُعْتَقَدِهِ الْخَاصِّ فَلَا يَكْفِي مُوَافَقَتُهُ فِي مُطْلَقِ النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ الْيَهُودِيَّةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِلَلٌ مَنْ تَمَسَّكَ بِشَيْءٍ مِنْهَا حَكَمَ بِكُفْرِ غَيْرِهِ وَعَادَاهُ (إنْ أَقَامَ) الْكَافِرُ الْمُشْتَرِي (بِهِ) أَيْ الْبَالِغِ الَّذِي عَلَى دِينِهِ أَيْ شَرَطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ إقَامَتَهُ بِهِ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ لَهُ، وَلَوْ أَقَامَ بِهِ بِالْفِعْلِ، وَهَذَا خُصَّ بِالذَّكَرِ وَأَمَّا الْأُنْثَى فَيَجُوزُ بَيْعُهَا لِمَنْ هِيَ عَلَى دِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ، لَكِنْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهَا بِاَلَّتِي لَيْسَتْ كَالذَّكَرِ فِي كَشْفِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ
(لَا) يَجُوزُ لِكَافِرٍ شِرَاءُ (غَيْرِهِ) أَيْ الْبَالِغِ الَّذِي عَلَى دِينِهِ وَهُوَ الصَّغِيرُ مُطْلَقًا وَالْبَالِغُ الَّذِي لَيْسَ عَلَى دِينِهِ (عَلَى الْمُخْتَارِ) اللَّخْمِيُّ مِنْ الْخِلَافِ.
ابْنُ نَاجِي وَهُوَ الْمَشْهُورُ
(وَالصَّغِيرِ) تت يُحْتَمَلُ عَطْفُهُ عَلَى بَالِغٍ أَيْ وَلَهُ شِرَاءُ الصَّغِيرِ (عَلَى الْأَرْجَحِ) عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ وَنَبَّهَ بِهِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ الْمُدَوَّنَةَ.
وَيُحْتَمَلُ عَطْفُهُ عَلَى غَيْرِهِ أَيْ وَلَهُ شِرَاءُ الصَّغِيرِ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ أَوَّلًا.
وَمُنِعَ بَيْعُ صَغِيرٍ لِكَافِرٍ وَأَتَى بِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى اخْتِيَارِهِ.
ابْنُ يُونُسَ وَلَمْ يُقَدِّمْهُ هُنَاكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَوْدُهُ لِلثَّلَاثَةِ وَهَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا الشَّارِحُ.
طفي يَتَعَيَّنُ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْأَصَحِّ فَيَكُونُ إشَارَةً لِتَرْجِيحِ التَّأْوِيلِ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا كَانَ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيهِ أَمْ لَا.
وَالْمُصَحَّحُ هُوَ عِيَاضٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَبْعَدَ التَّأْوِيلَ الْآخَرَ.
وَأَمَّا ابْنُ يُونُسَ فَلَمْ يُوجَدْ هُنَا تَرْجِيحٌ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ وَالْحَطّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا.
وَشُرِطَ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ: طَهَارَةٌ لَا: كَزِبْلٍ.
وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ
[منح الجليل]
وَشُرِطَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (لِ) صِحَّةِ بَيْعِ الشَّيْءِ (الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ) ثَمَنًا كَانَ أَوْ مُثَمَّنًا (طَهَارَةٌ) حَاصِلَةٌ بِالْفِعْلِ أَوْ يُمْكِنُ حُصُولُهَا كَثَوْبٍ تَنَجَّسَ مَعَ الِاخْتِيَارِ، وَأَمَّا مَعَ الِاضْطِرَارِ الْمُبِيحِ لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ النَّجِسِ فَلَا تُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ لَا بِالْفِعْلِ وَلَا بِالْقُوَّةِ، فَ (لَا) يَصِحُّ بَيْعُ النَّجِسِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الطَّهَارَةَ.
(كَزِبْلٍ) لِمُحْرِمٍ كَفَرَسٍ، وَبَغْلٍ وَحِمَارٍ، أَوْ مَكْرُوهٍ كَسَبُعٍ وَهِرٍّ.
الْبُنَانِيُّ مَشَى الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِمَنْعِ الزِّبْلِ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَنْعِ بَيْعِ الْعُذْرَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْعُذْرَةِ مَمْنُوعٌ بِالْأَحْرَوِيَّةِ، وَقَدْ حَصَّلَ الْحَطّ فِي بَيْعِهَا أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ الْمَنْعُ لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى فَهْمِ الْأَكْثَرِ الْمُدَوَّنَةَ وَالْكَرَاهَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا وَفَهْمِهَا أَبُو الْحَسَنِ، وَالْجَوَازُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاضْطِرَارِ لَهَا فَيَجُوزُ وَعَدَمِهِ فَيُمْنَعُ لِأَشْهَبَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا الزِّبْلُ فَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي بَيْعِهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ الْمَنْعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ قِيَاسًا عَلَى مَنْعِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَيْعَ الْعُذْرَةِ، وَقَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِجَوَازِهِ، وَقَوْلَ أَشْهَبَ فِيهَا الْمُشْتَرِي أَعْذَرُ مِنْ الْبَائِعِ، وَتُزَادُ الْكَرَاهَةُ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ فِي بَيْعِ الْعُذْرَةِ، وَفَهْمُ أَبِي الْحَسَنِ.
وَفِي التُّحْفَةِ:
وَنَجِسٌ صَفْقَتُهُ مَحْظُورَةٌ ... وَرَخَّصُوا فِي الزِّبْلِ لِلضَّرُورَةِ
وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى بَيْعِ الزِّبْلِ دُونَ الْعُذْرَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ لُبٍّ وَهُوَ الَّذِي بِهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا لِلضَّرُورَةِ.
(وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ) بِفَتَحَاتٍ مُثْقَلًا، وَأُدْخِلَتْ الْكَافُ سَائِرَ الْمَائِعَاتِ الْمُتَنَجِّسَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّطْهِيرَ.
ابْنُ الْحَاجِبِ وَالزَّيْتُ الْمُتَنَجِّسُ يُمْنَعُ فِي الْأَكْثَرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ.
ضَيْح صَرَّحَ الْمَازِرِيُّ بِمَشْهُورِيَّتِهِ وَمُقَابِلُهُ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "، وَبِهَا أَفْتَى ابْنُ اللَّبَّادِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " الْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ بَيْعَهُ لَا يَجُوزُ وَالْأَظْهَرُ فِي الْقِيَاسِ أَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ مِمَّنْ لَا يَغُشُّ بِهِ إذَا بَيَّنَ؛ لِأَنَّ تَنْجِيسَهُ بِسُقُوطِ النَّجَاسَةِ فِيهِ لَا يُسْقِطُ مِلْكَهُ عَنْهُ وَلَا يُذْهِبُ جُمْلَةَ الْمَنَافِعِ مِنْهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَصْرِفُهُ
وَانْتِفَاعٌ لَا: كَمُحَرَّمٍ أَشْرَفَ
وَعَدَمُ نَهْيٍ، لَا: كَكَلْبِ صَيْدٍ
[منح الجليل]
فِيمَا كَانَ لَهُ هُوَ أَنْ يَصْرِفَهُ فِيهِ، وَهَذَا فِي الزَّيْتِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يُجِيزُ غَسْلَهُ.
وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَجَازَ غَسْلَهُ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فَسَبِيلُهُ فِي الْبَيْعِ سَبِيلُ الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ نَحْوِ ثَوْبٍ تَنَجَّسَ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَكِنَّهُ عَيْبٌ فِي الْجَدِيدِ مُطْلَقًا كَغَيْرِهِ إنْ أَفْسَدَهُ الْغَسْلُ.
الْحَطّ الظَّاهِرُ وُجُوبُ التَّبْيِينِ وَإِنْ كَانَ لَا يُفْسِدُهُ الْغَسْلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَيْبًا خَشْيَةَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ مُشْتَرِيهِ خُصُوصًا إنْ كَانَ بَائِعُهُ مِمَّنْ يُصَلِّي؛ لِأَنَّهُ يَحْمِلُهُ عَلَى الطَّهَارَةِ.
تت يَجِبُ بَيَانُهُ إنْ كَانَ الْغَسْلُ يُفْسِدُهُ أَوْ كَانَ مُشْتَرِيهِ مُصَلِّيًا.
(وَانْتِفَاعٌ) بِهِ انْتِفَاعًا شَرْعِيًّا حَالًا أَوْ مَآلًا كَرَقِيقٍ صَغِيرٍ أَوْ بَهِيمَةٍ صَغِيرَةٍ فَ (لَا) يَصِحُّ بَيْعُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ (كَ) حَيَوَانٍ (مُحَرَّمٍ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثْقَلًا أَكْلُهُ كَبَغْلٍ (أَشْرَفَ) عَلَى الْمَوْتِ تَبِعَ فِي التَّقْيِيدِ بِالْمُحَرَّمِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ مَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، سَوَاءٌ كَانَ مُبَاحًا أَوْ مُحَرَّمًا.
وَأُجِيبَ بِحَمْلِ الْمُشْرِفِ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ السِّيَاقِ.
وَأَمَّا الْبَالِغُ حَدَّ السِّيَاقِ فَاتُّفِقَ عَلَى مَنْعِهِ مُحَرَّمًا أَوْ مُبَاحًا.
وَرُدَّ بِأَنَّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ السِّيَاقِ يَجُوزُ بَيْعُهُ مُطْلَقًا مُبَاحًا أَوْ مُحَرَّمًا كَالْحَامِلِ الْمُقَرَّبِ وَذِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ.
(وَعَدَمُ نَهْيٍ) عَنْ بَيْعِهِ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا مُنْتَفِعًا بِهِ مَأْذُونًا فِي اتِّخَاذِهِ فَ (لَا) يَصِحُّ بَيْعُ مَا نُهِيَ عَنْ بَيْعِهِ (كَكَلْبِ صَيْدٍ) وَحِرَاسَةِ زَرْعٍ وَبُسْتَانٍ وَمَاشِيَةٍ.
أَبُو عُمَرَ فِي تَمْهِيدِهِ، وَيَجُوزُ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ لِلْمَنَافِعِ كُلِّهَا وَدَفْعِ الْمَضَارِّ وَلَوْ فِي غَيْرِ الْبَادِيَةِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمُخَوَّفِ فِيهَا السِّرَاقُ.
ابْنُ نَاجِي عَلَى قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَلَا يُتَّخَذُ كَلْبٌ فِي الدُّورِ فِي الْحَضَرِ مَا نَصُّهُ مَا لَمْ يَضْطَرَّ لِحِفْظِهِ فَيُتَّخَذَ حَتَّى يَزُولَ الْمَانِعُ، وَقَدْ اتَّخَذَ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ كَلْبًا فِي دَارِهِ حِينَ وَقَعَ حَائِطٌ مِنْهَا وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الشِّيعَةِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَوْ أَدْرَكَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " عَنْهُ زَمَنَنَا لَاتَّخَذَ أَسَدًا ضَارِيًا.
وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى بَيْعِ كَلْبِ الصَّيْدِ لِلْخِلَافِ فِيهِ فَأَوْلَى غَيْرُهُ، وَمَنَعَ بَيْعَهُ قَوْلُ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "، وَرِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَشَهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ وَابْنُ نَافِعٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَيَجُوزُ بَيْعُهُ.
سَحْنُونٌ أَبِيعُهُ وَأَحُجُّ بِثَمَنِهِ.
وَالْخِلَافُ فِي بَيْعِ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ.
وَيُمْنَعُ قَتْلُهُ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِجَوَازِ بَيْعِ الْمَنْهِيِّ عَنْ اتِّخَاذِهِ، وَيَجُوزُ قَتْلُهُ بَلْ يُنْدَبُ.
طفي لَمْ يَجْعَلْ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا ابْنُ شَاسٍ، وَلَا الْمَازِرِيُّ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا غَيْرُهُمْ عَدَمَ النَّهْيِ شَرْطًا مُسْتَقِلًّا فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَأَدْرَجُوهُ فِي شَرْطِ كَوْنِهِ مُنْتَفِعًا بِهِ وَهُوَ الصَّوَابُ، إذْ مَا فُقِدَ مِنْهُ شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ كُلِّهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَالنَّجِسِ وَغَيْرِ الْمُنْتَفَعِ بِهِ وَغَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَأَصْلُهُ لِلْمَازِرِيِّ فِي الْمُعَلِّمِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مُنْتَفَعًا بِهِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ بَيْعِ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، بَلْ لَا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا مَنَافِعُهُ كُلُّهَا مُحَرَّمَةٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَعْدُومِ شَرْعًا وَالْمَعْدُومِ حِسًّا، وَمَا تَنَوَّعَتْ مَنَافِعُهُ إلَى مُحَلَّلَةٍ وَمُحَرَّمَةٍ فَإِنْ كَانَتْ الْمَنَافِعُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ خَاصَّةً كَانَ الِاعْتِبَارُ بِهَا وَتَبِعَهَا الْحُكْمُ، وَصَارَ النَّوْعُ الْآخَرُ كَالْمَعْدُومِ.
وَإِنْ تَوَزَّعَتْ فِي النَّوْعَيْنِ فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُ الْمُحَرَّمَ مِنْهُمَا مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَمَا سِوَاهُ مِنْ بَقِيَّةِ الثَّمَنِ مَجْهُولٌ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَطَّرِدُ فِي كَوْنِ الْمُحَرَّمِ مَنْفَعَةً وَاحِدَةً مَقْصُودَةً كَمَا يَطَّرِدُ فِي كَوْنِ الْمَنَافِعِ كُلِّهَا مُحَرَّمَةً، وَهَذَا النَّوْعُ وَإِنْ امْتَنَعَ بَيْعُهُ لِلْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَمِلْكُهُ صَحِيحٌ لِيَنْتَفِعَ بِهِ مَالِكُهُ بِمَنْفَعَتِهِ الْمُبَاحَةِ.
وَلَوْ تَحَقَّقَ وُجُودُ مَنْفَعَةٍ مُحَرَّمَةٍ، وَوَقَعَ الِالْتِبَاسُ فِي كَوْنِهَا مَقْصُودَةً مِنْهُ أَمْ لَا فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ وَقَفَ فِي حُكْمِ بَيْعِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْأَصْلِ الْمُتَّسَعِ بَيْعُ كَلْبِ الصَّيْدِ فَإِذَا بُنِيَ الْخِلَافُ فِيهِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ قِيلَ فِي الْكَلْبِ مِنْ الْمَنَافِعِ كَذَا وَكَذَا، وَعُدِّدَتْ مَنَافِعُهُ ثُمَّ نُظِرَ فِيهَا فَمَنْ رَأَى جُمْلَتَهَا مُحَرَّمَةً مَنَعَ، وَمَنْ رَأَى
وَجَازَ: هِرٌّ، وَسَبُعٌ لِلْجِلْدِ
[منح الجليل]
جَمِيعَهَا مُحَلَّلَةً أَجَازَ، وَمَنْ رَآهَا مُنَوَّعَةً إلَى مُحَلَّلَةٍ وَمُحَرَّمَةٍ نَظَرَ هَلْ الْمَقْصُودُ الْمُحَرَّمُ أَوْ الْمُحَلَّلُ، وَجَعَلَ الْحُكْمَ لِلْمَقْصُودِ وَلَوْ مَنْفَعَةً وَاحِدَةً مُحَرَّمَةً.
وَمَنْ الْتَبَسَ عَلَيْهِ الْمَقْصُودُ وَقَفَ أَوْ كَرِهَ.
اهـ. وَنَقْلَة الْحَطّ وَكَلَامُ الْمَازِرِيِّ، وَقَدْ اعْتَرَفَ فِي تَوْضِيحِهِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَفِي كِلَابِ الصَّيْدِ وَالسِّبَاعِ قَوْلَانِ بِأَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْقَيْدِ الثَّانِي، وَهُوَ كَوْنُهُ مُنْتَفِعًا بِهِ قَائِلًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي جَعْلِهِ عَدَمَ النَّهْيِ شَرْطًا مُسْتَقِلًّا نَظَرًا، وَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ السَّلَامَةُ مِنْ الْمَنْهِيَّاتِ كُلِّهَا، فَالْعَامُّ لَا يُذْكَرُ خَاصًّا فَتَأَمَّلْهُ اهـ كَلَامُ طفي.
ابْنُ عَاشِرٍ كَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَرْتَضِ رُجُوعَ بَيْعِ الْكَلْبِ لِشَرْطِ الِانْتِفَاعِ لِوُجُودِ الِانْتِفَاعِ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَالْحِرَاسَةِ، فَبَنَى حُكْمَ بَيْعِهِ هُنَا عَلَى شَرْطِ عَدَمِ النَّهْيِ عَنْ الْبَيْعِ، وَكَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَرَادَ بِهِ مَا نُهِيَ عَنْ بَيْعِهِ مِمَّا لَمْ يُفْقَدْ فِيهِ شَرْطٌ آخَرُ اهـ. الْبُنَانِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَازِرِيَّ وَابْنَ شَاسٍ وَغَيْرَهُمَا ذَكَرُوا أَنَّ مِثْلَ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ مَا مَنَافِعُهُ كُلُّهَا مُحَرَّمَةٌ كَالدَّمِ أَوْ جُلُّ الْمَقْصُودِ مِنْهُ مُحَرَّمٌ كَالزَّيْتِ النَّجِسِ، بِخِلَافِ مَا مَنَافِعُهُ كُلُّهَا أَوْ جُلُّهَا مُحَلَّلَةٌ كَالزَّيْتِ فَإِنْ كَانَتْ الْمَنَافِعُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا مُحَلَّلٌ وَمِنْهَا مُحَرَّمٌ كَكَلْبِ الصَّيْدِ أَشْكَلَ الْأَمْرُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِالْمَمْنُوعِ اهـ.
وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَقْنَعْ بِأَخْذِهِ مِنْ شَرْطِ الِانْتِفَاعِ لِإِشْكَالِهِ وَخَفَائِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ وَأَدْرَجُوهُ أَيْ بَيْعَ الْكَلْبِ لَا عَدَمَ النَّهْيِ وَإِلَّا نَافَى مَا بَعْدَهُ، الْمُفِيدُ أَنَّ عَدَمَ النَّهْيِ هُوَ الْعَامُّ، وَالشُّرُوطَ كُلَّهَا جُزْئِيَّاتُهُ.
وَقَوْلُهُ فَالْعَامُّ لَا يُذْكَرُ خَاصًّا فِيهِ.
«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ» . وَقَالَ الْفُقَهَاءُ النَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَسَيَأْتِي لِلْمَتْنِ وَفَسَدَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إلَّا لِدَلِيلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَجَازَ) أَنْ يُبَاعَ (هِرٌّ) بِكَسْرِ الْهَاءِ وَشَدِّ الرَّاءِ (وَسَبُعٌ لِ) قَصْدِ أَخْذٍ (لِجِلْدٍ) لِلِانْتِفَاعِ بِهِ وَاللَّحْمُ لِلْمُشْتَرِي.
وَأَمَّا شِرَاؤُهُمَا لِلَحْمٍ فَقَطْ أَوْ لَهُ وَلِلْجِلْدِ فَمَكْرُوهٌ.
وَلَوْ قَالَ وَجَازَ كَهِرٍّ لِلْجِلْدِ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَحْسَنَ لِشُمُولِ مَكْرُوهِ الْأَكْلِ وَالْفِيلِ لِعَظْمِهِ، وَقِطِّ الزَّبَادَةِ لِزَبَادِهِ.
الْبُنَانِيُّ الصَّوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ لِلْجِلْدِ قَيْدٌ فِي بَيْعِ السَّبُعِ.
وَأَمَّا الْهِرُّ فَيَجُوزُ
وَحَامِلُ مُقْرِبٍ
، وَقُدْرَةٌ عَلَيْهِ، لَا: كَآبِقٍ
[منح الجليل]
لِيُنْتَفَعَ بِهِ حَيًّا.
وَلِلْجِلْدِ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَبِهِ شَرْحُ " ق "
(وَ) جَازَ أَنْ تُبَاعَ (حَامِلٌ) بِجَنِينٍ (مُقْرِبٌ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ أَيْ قَرِيبَةُ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ سَلَامَتُهَا فَخِيفَ غَرَرُهَا.
الْبُنَانِيُّ اعْتَمَدَ الْمُصَنِّفُ فِي جَوَازِ بَيْعِ ذِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ وَالْحَامِلِ الْمُقْرِبِ، نَقَلَ ابْنُ مُحْرِزٍ وَابْنُ رُشْدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ الْجَوَازَ، وَقَطَعَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ سَلْمُونٍ بِأَنَّهُ الْأَصَحُّ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ مُحْرِزٍ ذُو مَرَضِ السِّيَاقِ وَمُقَارِبِ الْمَوْتِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَجَوَازُ بَيْعِ ذِي مَرَضِ غَيْرِهِ يُوجِبُ قَصْرَ تَصَرُّفِ الْحُرِّ عَلَى ثُلُثِهِ.
نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَعَ دَلِيلٍ فِي قَوْلِهَا فِي الْخِيَارِ إذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَوَلَدُهَا مَعَهَا فِي بَتِّ الْبَيْعِ وَرَدِّهِ اُنْظُرْ تَمَامَهُ فِي مُخْتَصَرِهِ فَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ.
(وَ) شُرِطَ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ثَمَنًا كَانَ أَوْ مُثَمَّنًا (قُدْرَةٌ) لِبَائِعٍ وَمُشْتَرٍ حِسْبَةً (عَلَيْهِ) أَيْ تَسْلِيمِهِ وَتَسَلُّمِهِ، وَمِنْهُ النَّحْلُ فِي جُبْحِهِ؛ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عَدَدُهُ لِعَدَمِ إمْكَانِهِ عَادَةً.
وَيُمْنَعُ شِرَاؤُهُ وهُوَ طَائِرٌ عَنْهُ وَإِنْ اشْتَرَى وَهُوَ فِيهِ تَبِعَهُ الْجُبْحُ.
وَإِنْ اشْتَرَى الْجُبْحَ دَخَلَ النَّحْلُ الَّذِي فِيهِ، وَلَا يَدْخُلُ الْعَسَلُ فِي الْوَجْهَيْنِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ (فَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (كَآبِقٍ) بِمَدِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ رَقِيقٍ هَارِبٍ مِنْ مَالِكِهِ لَمْ يَعْلَمْ مَوْضِعَهُ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَوْ لِأَحَدٍ فِيهِ فَيُمْنَعُ بَيْعُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ عِنْدَ مَنْ يَتَيَسَّرُ خَلَاصُهُ مِنْهُ وَعُلِمَتْ صِفَتُهُ جَازَ بَيْعُهُ.
الْمُتَيْطِيُّ يَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ الْآبِقِ إذَا عَلِمَ الْمُبْتَاعُ مَوْضِعَهُ وَصِفَتَهُ، فَإِنْ وَجَدَهُ بِصِفَتِهِ قَبَضَهُ الْمُبْتَاعُ وَصَحَّ بَيْعُهُ وَإِنْ وَجَدَهُ قَدْ تَغَيَّرَ أَوْ تَلِفَ كَانَ مِنْ الْبَائِعِ وَيَسْتَرْجِعُ الْمُبْتَاعُ الثَّمَنَ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ إنَّمَا يَجُوزُ ابْتِيَاعُ الْآبِقِ إذَا كَانَ فِي وَثَاقٍ.
الصِّقِلِّيُّ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ عِنْدَ رَجُلٍ فِي حِيَاطَتِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ.
صَالِحٌ يُرِيدُ وَقَدْ حَاطَهُ عَلَيْك وَعَلِمَ أَنَّهُ لَك احْتِرَازًا مِنْ شِرَاءِ مَا فِيهِ خُصُومَةٌ.
وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ لَمْ يُجِزْ سَحْنُونٌ بَيْعَ الْآبِقِ وَإِنْ عَرَفَ الْمُبْتَاعُ مَوْضِعَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا لِصَاحِبِهِ عِنْدَ غَيْرِ سُلْطَانٍ وَلَا خُصُومَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ.
فَإِنْ وَقَفَ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَوْ كَانَتْ فِيهِ خُصُومَةٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَإِبِلٍ أُهْمِلَتْ
، وَمَغْصُوبٍ إلَّا مِنْ غَاصِبِهِ، وَهَلْ إنْ رَدَّ لِرَبِّهِ مُدَّةً؟ تَرَدُّدٌ.
وَلِلْغَاصِبِ، نَقْضُ مَا بَاعَهُ إنْ وَرِثَهُ
[منح الجليل]
وَ) لَا يَصِحُّ بَيْعُ (إبِلٍ أُهْمِلَتْ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ تُرِكَتْ فِي الْمَرْعَى حَتَّى تَوَحَّشَتْ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَجَهْلِ صِفَتِهَا
(وَ) لَا يَصِحُّ بَيْعُ شَيْءٍ (مَغْصُوبٍ) لِغَيْرِ غَاصِبِهِ إذَا كَانَ الْغَاصِبُ لَا تَمْضِي عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ أَقَرَّ بِهِ أَمْ لَا اتِّفَاقًا، أَوْ تَأْخُذُهُ الْأَحْكَامُ وَأَنْكَرَ الْغَصْبَ وَعَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَيُمْنَعُ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا فِيهِ خُصُومَةٌ وَهُوَ غَرَرٌ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ تَأْخُذُهُ الْأَحْكَامُ وَأَقَرَّ بِهِ جَازَ بَيْعُهُ لِغَيْرِهِ (إلَّا) بَيْعَ الْمَغْصُوبِ (مِنْ غَاصِبِهِ) أَيْ لَهُ فَيَجُوزُ.
(وَهَلْ) جَوَازُ بَيْعِهِ لِغَاصِبِهِ (إنْ رُدَّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثْقَلًا الْمَغْصُوبُ (لِرَبِّهِ) وَبَقِيَ عِنْدَهُ (مُدَّةً) حَدَّهَا بَعْضُهُمْ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ، وَهَذَا طَرِيقُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، أَوْ إنْ عَلِمَ عَزْمَهُ عَلَى رَدِّهِ جَازَ بَيْعُهُ لَهُ اتِّفَاقًا وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ، وَإِنْ عَلِمَ عَزْمَهُ عَلَى عَدَمِ رَدِّهِ مُنِعَ اتِّفَاقًا.
وَإِنْ أَشْكَلَ فَقَوْلَانِ مَشْهُورُهُمَا الْجَوَازُ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ (تَرَدُّدٌ) لَا يُقَالُ دُخُولُ صُورَةِ الْإِشْكَالِ فِي التَّرَدُّدِ لَا يُوَافِقُ اصْطِلَاحَ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَيْنِ مَنْصُوصَانِ فِيهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ يَصِحُّ لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي نَقْلِهِمَا، ثُمَّ الرَّاجِحُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الرَّدِّ مُدَّةً إذَا عَزَمَ عَلَيْهِ أَوْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ " غ ". مِنْهُ يَسْتَرْوِحُ إنْ فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ عَزْمٌ لِلْغَاصِبِ عَلَى الرَّدِّ.
اهـ. فَتَقْدِيرُ كَلَامِهِ وَهَلْ إنْ رُدَّ لِرَبِّهِ أَوْ مُطْلَقًا تَرَدُّدٌ فَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ مَطْوِيَّةٌ لِلْعِلْمِ بِهَا مِنْ كَلَامِهِ.
(وَلِ) لِشَخْصِ ا (الْغَاصِبِ) شَيْئًا وَبَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ (نَقْضُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَإِعْجَامِ الضَّادِ أَيْ فَسْخُ بَيْعِ (مَا) أَيْ الْمَغْصُوبِ الَّذِي (بَاعَهُ) الْغَاصِبُ أَوْ هِبَةِ مَا وَهَبَهُ، أَوْ صَدَقَةِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ لِتَصَرُّفِهِ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ هُوَ فُضُولِيٌّ، وَبَيْعُهُ صَحِيحٌ غَيْرُ لَازِمٍ لِمَالِكِهِ فَلَهُ نَقْضُهُ (إنْ وَرِثَهُ) أَيْ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ مِنْ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِنَسَبٍ أَوْ زَوْجِيَّةٍ أَوْ وَلَاءٍ لِانْتِقَالِ مَا كَانَ لِمُوَرِّثِهِ لَهُ إنْ أَرَادَ نَقْضَهُ بِفَوْرِ إرْثِهِ، فَإِنْ سَكَتَ وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ عَامٍ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْغَاصِبِ بِمَا ذَكَرَ فَيَجْرِي فِي بَيْعِ كُلِّ فُضُولِيٍّ، فَفِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْغَصْبِ لَوْ تَعَدَّى شَرِيكٌ فِي دَارٍ فَبَاعَ جَمِيعَهَا ثُمَّ وَرِثَ
لَا اشْتَرَاهُ
، وَوُقِفَ مَرْهُونٌ عَلَى رِضَا مُرْتَهِنِهِ
وَمِلْكُ غَيْرِهِ عَلَى رِضَاهُ.
وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي
[منح الجليل]
حَظَّ شَرِيكِهِ فَلَهُ نَقْضُ بَيْعِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ وَأَخْذُ حِصَّتِهِ بِالشُّفْعَةِ
(لَا) أَيْ لَيْسَ لِلْغَاصِبِ شَيْئًا، وَبَاعَهُ نُقِضَ بَيْعُهُ إنْ (اشْتَرَاهُ) أَيْ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ بَعْدَ بَيْعِهِ إذَا اشْتَرَاهُ لِيَتَحَلَّلَ صَنِيعُهُ، أَوْ احْتَمَلَ الْأَمْرُ شِرَاءَهُ لِذَلِكَ.
وَأَمَّا إنْ بَيَّنَ قَبْلَ شِرَائِهِ أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لِيَتَمَلَّكَهُ فَلَهُ نَقْضُ بَيْعِهِ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ.
ابْنُ عَاشِرٍ اُنْظُرْ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ شِرَاؤُهُ بَعْدَ بَيْعِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ رَدِّهِ لِرَبِّهِ مُدَّةً، بَلْ وَعَلَى اشْتِرَاطِ الْعَزْمِ عَلَيْهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ الِاشْتِرَاطِ الْمُتَقَدِّمِ لِلْغَاصِبِ غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ الَّذِي لَا تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ، وَإِلَّا جَازَ بَيْعُهُ لَهُ بِلَا شَرْطٍ وَعَلَيْهِ مَا هُنَا.
(وَ) إنْ بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ بِلَا إذْنِ مُرْتَهِنِهِ صَحَّ بَيْعُهُ وَ (وُقِفَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ شَيْءٌ.
(مَرْهُونٌ) أَيْ بَيْعُهُ مِنْ رَاهِنِهِ (عَلَى رِضَا مُرْتَهِنِهِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ الْمُتَوَثَّقِ بِهِ فِي حَقِّهِ إذَا بَاعَهُ الرَّاهِنُ بَعْدَ قَبْضِهِ الْمُرْتَهَنَ فَلَهُ إجَازَةُ بَيْعِهِ وَلَهُ رَدُّهُ إنْ كَانَ دَيْنُهُ عَرَضًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ بَيْعٍ بِغَيْرِ جِنْسِ دَيْنِهِ أَوْ بِنَقْدٍ لَا يَفِي بِالدَّيْنِ وَلَمْ يُكْمِلْ لَهُ، وَكَذَا إنْ بَاعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَمْ يُفَرِّطْ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، وَالْآخَرُ يَمْضِي كَبَيْعِهِ قَبْلَهُ مَعَ تَفْرِيطِهِ، وَقَدْ أَفَادَ هَذَا فِي بَابِ الرَّهْنِ بِقَوْلِهِ وَمَضَى بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ إنْ فَرَّطَ مُرْتَهِنُهُ وَإِلَّا فَتَأْوِيلَانِ، وَبَعْدَهُ فَلَهُ رَدُّهُ إنْ بِيعَ بِأَقَلَّ أَوْ دَيْنُهُ عَرَضًا وَإِنْ أَجَازَ تُعُجِّلَ، وَلِذَا قَالَ " غ " مَا هُنَا مُجْمَلٌ وَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الرَّهْنِ.
(وَ) إنْ بَاعَ شَخْصٌ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ صَحَّ بَيْعُهُ وَوُقِفَ (مِلْكُ غَيْرِهِ) أَيْ بَيْعُهُ وَالضَّمِيرُ لِلْبَائِعِ (عَلَى رِضَاهُ) أَيْ الْمَالِكِ، فَإِنْ أَمْضَاهُ مَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ رَدَّهُ رُدَّ وَهُوَ صَحِيحٌ إنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْبَائِعَ فُضُولِيٌّ، بَلْ (وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي) أَنَّهُ فُضُولِيٌّ فَهُوَ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي مُنْحَلٌّ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ، وَظَاهِرُهُ كَابْنِ الْحَاجِبِ وَلَوْ كَانَ الْمَالِكُ غَائِبًا بَعِيدَ الْغَيْبَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَبِيعَ مِلْكُ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَالْمُبْتَاعُ يَجْهَلُهُ الْمَذْهَبُ لِرَبِّهِ إمْضَاؤُهُ، وَفِيهَا كَانَ بَائِعُهُ غَاصِبًا أَوْ مُتَعَدِّيًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الْمَازِرِيُّ لَوْ عَلِمَ الْمُبْتَاعُ غَصْبَهُ فَفِي إمْضَائِهِ بِإِمْضَاءِ مُسْتَحِقِّهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى بَتِّ الْبَيْعِ مُطْلَقًا وَعَدَمِ تَمْكِينِ مُسْتَحِقِّهِ مِنْ رَدِّهِ، وَلَوْ دَخَلَا عَلَى تَمْكِينِهِ مِنْ حِلِّهِ لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يُخْتَلَفَ فِي فَسَادِهِ، وَفِيهَا لَوْ عَلِمَ مُبْتَاعُهُ أَنَّ الْمَبِيعَ مَغْصُوبٌ وَرَبَّهُ غَائِبٌ فَلَهُ رَدُّهُ لِحُجَّتِهِ بِتَخْيِيرِ رَبِّهِ إذَا قَدِمَ اهـ. وَأَطْلَقَ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْغَيْبَةَ، وَقَيَّدَ اللَّخْمِيُّ بِالْبَعِيدَةِ وَقَبِلَهُ أَبُو الْحَسَنِ قَالَهُ " ح ". وَإِذَا أَجَازَ الْمَالِكُ فَلَهُ مُطَالَبَةُ الْفُضُولِيِّ فَقَطْ بِثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ بِإِجَازَتِهِ صَارَ وَكِيلًا لَهُ، وَشَرَطَ فِي رَدِّهِ أَنْ لَا يَسْكُتَ عَامًا مَعَ الْعِلْمِ وَإِلَّا فَلَا رَدَّ لَهُ، وَلَهُ طَلَبُ الثَّمَنِ مَا لَمْ يَسْكُت مُدَّةَ الْحِيَازَةِ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ.
وَقُيِّدَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ: أَحَدُهَا أَنْ لَا يَحْضُرَ الْمَالِكُ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ، فَإِنْ حَضَرَهُ وَسَكَتَ لَزِمَهُ الْبَيْعُ.
ثَانِيهَا: كَوْنُ الْعَقْدِ غَيْرَ صِرْفٍ، وَأَمَّا فِيهِ فَفَسْخٌ وَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ يُخْبِرْ الْمُصْطَرِفَ.
ثَالِثُهَا: فِي غَيْرِ الْوَقْفِ فَيَبْطُلُ فِيهِ وَلَوْ رَضِيَ وَاقِفُهُ وَمَحَلُّ نَقْضِ بَيْعِ فُضُولِيٍّ إنْ لَمْ يَفُتْ الْمَبِيعُ بِذَهَابِ عَيْنِهِ، فَإِنْ فَاتَ بِذَهَابِ عَيْنِهِ فَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِهِ وَقِيمَتِهِ وَالْمُعْتَمَدُ حُرْمَةُ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ هُوَ الْمَشْهُورُ لَا جَوَازُهُ وَلَا نَدْبُهُ قَالَهُ الْحَطّ وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ الْمَقَاصِدِ، وَمَا يُعْلَمُ مِنْ حَالِ الْمَالِكِ أَنَّهُ الْأَصْلَحُ لَهُ، وَحُكْمُ اشْتِرَائِهِ كَحُكْمِ بَيْعِهِ، وَإِنْ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ وَلَمْ يُجْزِهِ لَزِمَ الشِّرَاءُ الْمُشْتَرِيَ، وَلَا يَرْجِعُ مَالِكُ الثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ إلَّا إذَا أَشْهَدَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الشِّرَاءَ لِفُلَانٍ بِمَالِهِ وَعَلِمَ الْبَائِعُ ذَلِكَ، أَوْ صَدَقَ الْمُشْتَرِي فِيهِ أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ الثَّمَنَ لِلْمُشْتَرِي لَهُ فَإِنْ أَخَذَهُ انْتَقَضَ الْبَيْعُ إذَا صَدَّقَ الْبَائِعُ أَنَّهُ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ، أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِعِلْمِ الْبَائِعِ ذَلِكَ، وَلَا يُنْتَقَضُ إذَا شَهِدَتْ بِأَنَّ الثَّمَنَ لِلْمُشْتَرَى لَهُ، وَيَرْجِعُ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَيَلْزَمُهُ الْبَيْعُ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ.
وَالْعَبْدُ الْجَانِي عَلَى رِضَا مُسْتَحَقِّهَا.
وَحُلِّفَ إذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ الرِّضَا بِالْبَيْعِ، ثُمَّ لِلْمُسْتَحِقِّ رَدُّهُ، إنْ لَمْ يَدْفَعْ لَهُ السَّيِّدُ أَوْ الْمُبْتَاعُ الْأَرْشَ.
وَلَهُ أَخْذُ ثَمَنِهِ؛
[منح الجليل]
وَ) إنْ بَاعَ الْمَالِكُ عَبْدَهُ الْجَانِيَ قَبْلَ تَخْلِيصِهِ مِنْ جِنَايَتِهِ بِلَا إذْنِ مُسْتَحِقِّهَا صَحَّ بَيْعُهُ وَوَقَفَ (الْعَبْدُ الْجَانِي) عَلَى نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ أَوْ مَالٍ أَيْ بَيْعَهُ مِنْ سَيِّدِهِ قَبْلَ تَخْلِيصِهِ مِنْ جِنَايَتِهِ (عَلَى رِضَا مُسْتَحِقِّهَا) أَيْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيَّهُ فَلَهُ رَدُّ بَيْعِ الْمَالِكِ وَإِمْضَاؤُهُ الْبُنَانِيُّ لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الْإِقْدَامِ عَلَى الْبَيْعِ مَعَ عِلْمِ الْجِنَايَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي هِبَاتِهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ بَاعَ عَبْدَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِجِنَايَتِهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْأَرْشُ وَإِلَّا حَلَفَ مَا أَرَادَ حَمْلَهُ.
اهـ. وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ اللَّخْمِيِّ الْجَوَازَ، وَاسْتَحْسَنَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَوَازَ بِمَعْنَى الْمُضِيِّ فَلَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ لِحُكْمِ الْإِقْدَامِ.
(وَ) إنْ بَاعَ الْمَالِكُ عَبْدَهُ الْجَانِيَ عَالِمًا بِجِنَايَتِهِ قَبْلَ تَخْلِيصِهِ مِنْهَا فَادَّعَى عَلَيْهِ مُسْتَحِقُّهَا أَنَّهُ رَضِيَ بِتَحَمُّلِ أَرْشِهَا وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ الرِّضَا بِهِ (حَلَفَ) السَّيِّدُ الَّذِي بَاعَ عَبْدَهُ الْجَانِيَ عَالِمًا بِجِنَايَتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَبِعْهُ رَاضِيًا بِحَمْلِ أَرْشِ جِنَايَتِهِ (إنْ ادَّعَى) الْمُسْتَحِقُّ أَوْ الْمُشْتَرِي (عَلَيْهِ) أَيْ السَّيِّدِ (الرِّضَا) بِتَحَمُّلِ أَرْشِهَا (بِ) سَبَبِ (الْبَيْعِ) لِلْجَانِي مَعَ الْعِلْمِ بِجِنَايَتِهِ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ دَلَالَةً ظَاهِرَةً وَكَالْبَيْعِ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ الْأَرْشُ.
(ثُمَّ) بَعْدَ حَلِفِ السَّيِّدِ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِحَمْلِ الْأَرْشِ (لِلْمُسْتَحِقِّ رَدُّهُ) أَيْ الْبَيْعِ وَأَخْذُ الْعَبْدِ فِي جِنَايَتِهِ (إنْ لَمْ يَدْفَعْ لَهُ) أَيْ الْمُسْتَحِقِّ (السَّيِّدُ أَوْ الْمُبْتَاعُ) أَيْ مُشْتَرِي الْجَانِي (الْأَرْشَ) فَالْخِيَارُ أَوَّلًا لِلسَّيِّدِ إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى غَيْرِ نَفْسٍ عَمْدًا كَانَتْ أَوْ خَطَأً، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى نَفْسٍ خَطَأً فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا فَالْخِيَارُ أَوَّلًا لِلْوَلِيِّ فِي الْقِصَاصِ وَالِاسْتِحْيَاءِ فَإِنْ اسْتَحْيَاهُ خُيِّرَ السَّيِّدُ فَإِنْ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ دَفْعِ الْأَرْشِ خُيِّرَ الْمُبْتَاعُ فِي دَفْعِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ السَّيِّدِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِعَيْنِ الْعَبْدِ، فَإِنْ امْتَنَعَ أَيْضًا مِنْ دَفْعِهِ فَلِلْمُسْتَحِقِّ رَدُّ بَيْعِهِ وَأَخْذُهُ.
(وَلَهُ) أَيْ الْمُسْتَحِقِّ إمْضَاءُ بَيْعِهِ وَ (أَخْذُ ثَمَنِهِ) أَيْ الْعَبْدِ الْجَانِي الَّذِي بَاعَهُ سَيِّدُهُ بِهِ
وَرَجَعَ الْمُبْتَاعُ بِهِ أَوْ بِثَمَنِهِ، إنْ كَانَ أَقَلَّ.
وَلِلْمُشْتَرِي: رَدُّهُ، إنْ تَعَمَّدَهَا
وَرُدَّ الْبَيْعُ فِي لَأَضْرِبَنَّهُ مَا يَجُوزُ، وَرُدَّ لِمِلْكِهِ
[منح الجليل]
وَالْأَوْلَى تَأْخِيرٌ إنْ لَمْ يَدْفَعْ إلَخْ عَنْ قَوْلِهِ، وَلَهُ أَخْذُ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ أَيْضًا، وَلِذَا قَالَ السُّودَانِيُّ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَأَصْلُهُ ثُمَّ لِلْمُسْتَحِقِّ رَدُّهُ وَأَخْذُ ثَمَنِهِ إنْ لَمْ يَدْفَعْ إلَخْ، ثُمَّ إنْ دَفَعَ السَّيِّدُ الْأَرْشَ فَلَا إشْكَالَ (وَ) إنْ دَفَعَهُ الْمُبْتَاعُ (رَجَعَ) الْمُبْتَاعُ عَلَى الْبَائِعِ (بِهِ) أَيْ الْأَرْشِ الَّذِي دَفَعَهُ لِلْمُسْتَحِقِّ (أَوْ بِثَمَنِهِ) أَيْ الْعَبْدِ الْجَانِي (إنْ كَانَ) الثَّمَنُ (أَقَلَّ) مِنْ الْأَرْشِ لِحُجَّةِ الْبَائِعِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا دَفَعَهُ الْمُبْتَاعُ لَهُ، وَأَنَّهُ يَخْتَارُ حِينَئِذٍ إسْلَامَ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ الْأَرْشُ أَقَلَّ فَلَا يَرْجِعُ إلَّا بِهِ لِحُجَّةِ الْبَائِعِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا دَفَعَهُ الْمُبْتَاعُ لِلْعَبْدِ فَيَرْجِعُ بِالْأَقَلِّ مِنْهُمَا وَقَيَّدَ قَوْلَهُ أَوْ بِثَمَنِهِ بِإِسْلَامِ الْبَائِعِ الْعَبْدِ الْجَانِي لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ فَدَاهُ لِلْمُشْتَرِي فَإِنْ سَلَّمَهُ لِلْمُسْتَحِقِّ فَدَفَعَ لَهُ الْمُشْتَرِي الْأَرْشَ أَوْ الثَّمَنَ فَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ بِثَمَنِهِ عَلَى الْبَائِعِ وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْأَرْشِ الَّذِي فَدَاهُ بِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ لِلْبَائِعِ أَنْتَ أَخَذْت الثَّمَنَ مِنِّي فِي مُقَابَلَةِ الْعَبْدِ وَسَلَّمْته لِلْمُسْتَحِقِّ فَرُدَّ عَلَيَّ مَا أَخَذْته مِنِّي وَهُوَ قَيْدٌ مُتَعَمَّدٌ كَمَا أَفَادَهُ السُّودَانِيُّ.
(وَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ) أَيْ الْعَبْدِ الْجَانِي عَلَى بَائِعِهِ (إنْ) كَانَ (تَعَمَّدَهَا) أَيْ الْعَبْدُ الْجِنَايَةَ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِهَا حِينَ شِرَائِهِ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ
(وَ) إنْ قَالَ الْمَالِكُ لِرَقِيقِهِ إنْ لَمْ أَفْعَلْ بِك كَذَا مِمَّا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ بِهِ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ بَاعَهُ قَبْلَ فِعْلِهِ بِهِ ذَلِكَ (رُدَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ (الْبَيْعُ فِي) حَلِفِهِ قَبْلَهُ بِحُرِّيَّةِ رَقِيقِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى بِصِيغَةِ حَنِثَ (لَأَضْرِبَنَّهُ) أَيْ الرَّقِيقَ أَوْ أَحْبِسَنَّهُ أَوْ أَفْعَلُ بِهِ (مَا) أَيْ فِعْلًا (يَجُوزُ) فَمُنِعَ مِنْ بَيْعِهِ حَتَّى يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ سَوَاءٌ قَيَّدَ يَمِينَهُ بِأَجَلٍ أَمْ لَا فَتَجَرَّأَ وَبَاعَهُ قَبْلَ بِرِّهِ.
فِي يَمِينِهِ فَيُرَدُّ بَيْعُهُ، فَإِنْ لَمْ يُرَدَّ الْبَيْعُ حَتَّى انْقَضَى الْأَجَلُ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ وَلَا يُرَدُّ الْبَيْعُ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ.
الْحَطّ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّ الرَّقِيقَ قَبْلَ رَدِّ بَيْعِهِ مِلْكُ مُشْتَرِيهِ وَضَمَانِهِ.
(وَرُدَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ الرَّقِيقُ الْمَحْلُوفُ بِعِتْقِهِ بِصِيغَةِ حَنِثَ عَلَى فِعْلِهِ بِهِ مَا يَجُوزُ (لِمِلْكِهِ) أَيْ الْحَالِفِ الْمُسْتَمِرِّ دَفَعَ بِهَذَا مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ رَدِّهِ لِفِعْلِ مَا يَجُوزُ ثُمَّ جَبَرَهُ عَلَى رَدِّهِ لِمُشْتَرِيهِ
وَجَازَ بَيْعُ عَمُودٍ عَلَيْهِ بِنَاءٌ لِلْبَائِعِ، إنْ انْتَفَتْ الْإِضَاعَةُ وَأُمِنَ كَسْرُهُ وَنَقَضَهُ
[منح الجليل]
وَرَدَّ بِهِ عَلَى ابْنِ دِينَارٍ الْقَائِلِ بِهَذَا، فَإِنْ كَانَ حَلَفَ بِحُرِّيَّتِهِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ كَضَرْبِهِ أَلْفَ سَوْطٍ وَبَاعَهُ رُدَّ بَيْعُهُ وَنُجِزَ عِتْقُهُ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ فِعْلِهِ مَا لَا يَجُوزُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَجَّلْت عِتْقَهُ أَيْ بَعْدَ رَدِّ بَيْعِهِ إذْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مِلْكِ مُشْتَرِيهِ، فَإِنْ تَجَرَّأَ وَفَعَلَ بِهِ مَا لَا يَجُوزُ قَبْلَ تَنْجِيزِ عِتْقِهِ، فَإِنَّ شَأْنَهُ نَجْزُ عِتْقِهِ وَإِلَّا بِيعَ عَلَيْهِ.
(وَجَازَ بَيْعُ عَمُودٍ) مَثَلًا أَوْ الْمُرَادُ بِهِ مَا يُعْتَمَدُ فَيَعُمُّ الْخَشَبَةَ وَالْحَجَرَ (عَلَيْهِ) أَيْ الْعَمُودِ (بِنَاءٌ لِلْبَائِعِ) أَوْ غَيْرِهِ كَمُسْتَأْجِرٍ أَوْ مُسْتَعِيرٍ (إنْ انْتَفَتْ الْإِضَاعَةُ) لِمَالِ مَنْ لَهُ الْبِنَاءُ الَّذِي عَلَى الْعَمُودِ.
اللَّخْمِيُّ بِأَنْ أَضْعَفَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ.
الْحَطّ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ الْإِضَاعَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ عَرْضٌ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَفِي الْجَوَاهِرِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ مَا نَصُّهُ وَإِضَاعَةُ الْمَالِ إتْلَافُهُ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ، وَأَمَّا مَا اقْتَضَاهُ رَأْيٌ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ أَخْطَأَ فِيهِ أَوْ أَصَابَ فَغَيْرُ مُرَادٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَمِمَّا تَنْتَفِي بِهِ الْإِضَاعَةُ إمْكَانُ تَعْلِيقِ الْبِنَاءِ وَتَدْعِيمِهِ وَكَوْنِ الْبِنَاءِ الَّذِي عَلَيْهِ مُشْرِفًا عَلَى السُّقُوطِ أَوْ يَسِيرًا، فَإِنْ لَمْ تَنْتَفِ الْإِضَاعَةُ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ وَقَعَ صَحَّ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا حَاجَةَ لِهَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ النَّفِيسِ بِالثَّمَنِ الْيَسِيرِ رَاجِعٌ إلَى بَابِ الْغَبْنِ أَوْ السَّفَهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْآدَمِيِّ وَالْكَلَامُ هُنَا إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يَصِحُّ تَرْكُهُ.
وَلَوْ تَوَاطَأَ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَيْهِ فَهَذَا الَّذِي يُذْكَرُ فِي الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ وَالْمَوَانِعِ.
اهـ. وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّ مَا ضَاعَ عَلَى أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي الْغَبْنِ يَنْتَفِعُ بِهِ الْآخَرُ، وَنَقْضَ الْبِنَاءِ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَحَدٌ فَهِيَ إضَاعَةٌ مَحْضَةٌ فَهِيَ مِنْ الْفَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، قَالَ عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ قَالُوا إنَّمَا هَذَا إذَا كَانَ يُمْكِنُ تَدْعِيمُهُ وَتَعْلِيقُهُ، وَلَوْ كَانَ الْبِنَاءُ الَّذِي عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُ نَزْعُ الْعَمُودِ إلَّا بِهَدْمِهِ لَكَانَ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ الَّذِي لَا يَجُوزُ.
(وَ) إنْ (أُمِنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (كَسْرُهُ) أَيْ الْعَمُودِ حِينَ إخْرَاجِهِ مِنْ الْبِنَاءِ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، فَإِنْ خِيفَ كَسْرُهُ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ (وَنَقَضَهُ) أَيْ الْبِنَاءَ الَّذِي عَلَى
الْبَائِعُ
وَهَوَاءٍ فَوْقَ هَوَاءٍ،
[منح الجليل]
الْعَمُودِ أَوْ عَلَّقَهُ وَأَدْعَمَهُ (الْبَائِعُ) اتِّفَاقًا، فَإِنْ انْكَسَرَ الْعَمُودُ حِينَئِذٍ فَضَمَانُهُ مِنْهُ.
وَأَمَّا قَلْعُهُ مِنْ مَحَلِّهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ، فَحَكَى الْمَازِرِيُّ عَنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّهُ عَلَى الْبَائِعِ أَيْضًا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الشَّامِلِ.
وَالْآخَرُ أَنَّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَصَدَّرَ بِهِ الْقَرَافِيُّ، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ النُّكَتِ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَعَزَاهُ ابْنُ يُونُسَ لِلْقَابِسِيِّ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ فَضَمَانُهُ حَالَ قَلْعِهِ مِنْ بَائِعِهِ، وَعَلَى الثَّانِي مِنْ مُشْتَرِيهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي غَرَرِهَا أَيَجُوزُ إنْ اشْتَرَى عَمُودًا عَلَيْهِ بِنَاءُ الْبَائِعِ وَأَنْقَضَ الْعَمُودَ إنْ أَحْبَبْت، قَالَ نَعَمْ.
اللَّخْمِيُّ يُرِيدُ إنْ قَدَرَ عَلَى تَعْلِيقِ مَا عَلَيْهِ أَوْ كَانَ يَسِيرًا أَوْ عَلَى سُقُوطٍ أَوْ أَضْعَفَ لَهُ فِي الثَّمَنِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ فَسَادٌ اهـ. ثُمَّ قَالَ وَفِي النُّكَتِ إذَا اشْتَرَى عَمُودًا عَلَيْهِ بِنَاءٌ لِبَائِعِهِ فَقَطْعُ الْعَمُودِ عَلَى الْبَائِعِ.
الصِّقِلِّيُّ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ قَلْعُهُ عَلَى بَائِعِهِ.
عِيَاضٌ، وَظَاهِرُ قَوْلِهَا وَانْقُضْ الْعَمُودَ إنْ أَحْبَبْت أَنَّ قَلْعَهُ عَلَى بَائِعِهِ.
الصِّقِلِّيُّ وَعَبْدُ الْحَقِّ عَنْ الشَّيْخِ وَأَبُو الْحَسَنِ إنَّمَا عَلَيْهِ إزَالَةُ مَا عَلَيْهِ وَقَلْعُهُ عَلَى مُبْتَاعِهِ.
زَادَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ وَمَا أَصَابَهُ فِي قَلْعِهِ فَعَلَى مُبْتَاعِهِ.
التُّونُسِيُّ كَمَنْ بَاعَ غَنَمًا اسْتَثْنَى صُوفَهَا، أَوْ أَصْلًا اسْتَثْنَى ثَمَرَتَهُ عَلَيْهِ إزَالَةُ الصُّوفِ وَالثَّمَرِ.
الْمَازِرِيُّ لَا وَجْهَ لِاسْتِبْعَادِ كَوْنِ أَجْرِ الْقَلْعِ عَلَى بَائِعِهِ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَهُ بِمَا تَحْتَهُ يَمْنَعُ تَمَكُّنَ مُبْتَاعِهِ مِنْ أَخْذِهِ.
عِيَاضٌ قِيلَ فِي هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ قَوْلَانِ، هَلْ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ أَوْ الْمُبْتَاعِ كَبَيْعِ صُوفٍ عَلَى ظَهْرِ غَنَمٍ وَنَحْوِهِ لِلَّخْمِيِّ إنْ كَانَ حَوْلَهُ بِنَاءٌ لِبَائِعِهِ فَعَلَيْهِ إزَالَتُهُ، وَشَرْطُهُ كَوْنُ أَخْذِهِ بَعْدَ إزَالَةِ مَا عَلَيْهِ لَا غَرَرَ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ اللَّخْمِيُّ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِي سَلَامَتَهُ بَعْدَ حَطِّهِ قُلْت هَذَا خِلَافُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ الْمَانِعَ مَانِعٌ وَلَوْ اشْتَرَطَ سَلَامَةَ تَمَكُّنٍ.
(وَ) جَازَ بَيْعُ قَدْرٍ مُعَيَّنٍ كَعَشْرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ مَحَلِّ (هَوَاءٍ) بِالْمَدِّ أَيْ الرِّيحُ الْمَالِئُ مَا بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ (فَوْقَ) مَحَلِّ (هَوَاءٍ) مُتَّصِلٍ بِأَرْضٍ أَوْ بِنَاءٍ بِأَنْ كَانَ لِشَخْصٍ أَرْضٌ خَالِيَةٌ مِنْ الْبِنَاءِ أَرَادَ الْبِنَاءَ بِهَا، أَوْ بِنَاءٌ أَرَادَ الْبِنَاءَ عَلَيْهِ، فَيَشْتَرِي شَخْصٌ مِنْهُ قَدْرًا
إنْ وُصِفَ الْبِنَاءُ
وَغَرْزُ جِذْعٍ فِي حَائِطٍ وَهُوَ مَضْمُونٌ، إلَّا أَنْ يَذْكُرَ مُدَّةً، فَإِجَارَةٌ تَنْفَسِخُ بِانْهِدَامِهِ.
وَعَدَمُ حُرْمَةٍ،
[منح الجليل]
مُعَيَّنًا مِنْ الْفَرَاغِ الْمَوْهُومِ الَّذِي يَكُونُ فَوْقَ الْبِنَاءِ الَّذِي أَرَادَ إحْدَاثَهُ فَيَجُوزُ (إنْ وُصِفَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (الْبِنَاءُ) الَّذِي أُرِيدَ إحْدَاثُهُ أَسْفَلَ وَأَعْلَى لِيَقِلَّ الْغَرَرُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَسْفَلِ رَغْبَتُهُ فِي خِفَّةِ الْأَعْلَى، وَصَاحِبَ الْأَعْلَى رَغْبَتُهُ فِي مَتَانَةِ الْأَسْفَلِ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي زِيَادَةُ الْبِنَاءِ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي اشْتَرَاهُ وَلَهُ الِانْتِفَاعُ بِمَا فَوْقَ بِنَائِهِ بِغَيْرِ الْبِنَاءِ.
وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَسْفَلِ الِانْتِفَاعُ بِمَا فَوْقَ بِنَاءِ الْأَعْلَى لَا بِالْبِنَاءِ وَلَا بِغَيْرِهِ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا مِرْفَقَ لِصَاحِبِ الْأَسْفَلِ فِي سَطْحِ الْأَعْلَى إذْ لَيْسَ مِنْ الْأَفْنِيَةِ تت الظَّاهِرُ أَنَّ مَفْهُومَ فَوْقَ وَهُوَ هَوَاءٌ تَحْتَ هَوَاءٍ بِأَنْ يَبْنِيَ الْمُشْتَرِي الْأَسْفَلُ وَالْبَائِعُ الْأَعْلَى مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ.
وَغَرْزُ جِذْعٍ فِي حَائِطٍ (وَ) جَازَ (غَرْزُ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ إدْخَالُ (جِذْعٍ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَصْلُهُ سَاقُ الشَّجَرَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ الْجَائِزَةَ، أَيْ جِنْسَهُ الصَّادِقَ بِالْمُتَعَدِّدِ أَيْضًا (فِي حَائِطٍ) لِجَارٍ أَيْ الْعَقْدُ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ أَوْ الْإِجَارَةِ وَخَرْقُ مَوْضِعِ الْجِذْعِ مِنْ الْحَائِطِ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ الْمُكْتَرِي (وَهُوَ) أَيْ الْغَرْزُ (مَضْمُونٌ) أَيْ فِي ضَمَانِ صَاحِبِ الْحَائِطِ أَوْ وَارِثِهِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ أَحَدِهِمَا أَبَدًا لِبَيْعِهِ مَوْضِعَ الْغَرْزِ مِنْ الْحَائِطِ كَبَيْعِ عُلُوٍّ عَلَى سُفْلٍ، فَإِنْ انْهَدَمَ الْحَائِطُ فَعَلَى رَبِّهِ أَوْ وَارِثِهِ أَوْ الْمُشْتَرِي مِنْ أَحَدِهِمَا، عَالِمًا بِالْغَرْزِ بِنَاؤُهُ، وَيَسْتَمِرُّ مِلْكُ وَضْعِ الْغَرْزِ لِلْمُشْتَرِي أَوْ وَارِثِهِ أَوْ الْمُشْتَرِي مِنْ أَحَدِهِمَا.
وَإِنْ اخْتَلَّ مَوْضِعُ الْغَرْزِ فَقَطْ فَإِصْلَاحُهُ عَلَى صَاحِبِ الْجِذْعِ وَالضَّمَانُ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَذْكُرَ) فِي الْعَقْدِ عَلَى الْغَرْزِ (مُدَّةً) مُعَيَّنَةً كَعَشْرِ سِنِينَ (فَ) الْعَقْدُ (إجَارَةٌ تَنْفَسِخُ) الْإِجَارَةُ (بِانْهِدَامِهِ) أَيْ الْحَائِطِ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ وَيَرْجِعَانِ لِلْمُحَاسَبَةِ فَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الْحَائِطِ بِنَاؤُهُ.
(وَ) شُرِطَ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (عَدَمُ حُرْمَةٍ) لِتَمَلُّكِهِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا حُرِّمَ تَمَلُّكُهُ كَحُرٍّ وَخِنْزِيرٍ وَإِنَاءِ نَقْدٍ، هَذَا مُقْتَضَى هَذَا الشَّرْطِ، وَلَكِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى صِحَّةِ بَيْعِهِ قَالُوا؛ لِأَنَّ ذَاتَهُ مَمْلُوكَةٌ، فَلَعَلَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْهُ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا كَانَتْ الْحُرْمَةُ لِجَمِيعِهِ، بَلْ
وَلَوْ لِبَعْضِهِ
، وَجَهْلٍ بِمَثْمُونٍ، أَوْ ثَمَنٍ وَلَوْ تَفْصِيلًا: كَعَبْدَيْ رَجُلَيْنِ بِكَذَا،
[منح الجليل]
وَلَوْ) كَانَتْ (لِبَعْضِهِ) أَيْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِحُرْمَتِهِ كَبَيْعِ حُرٍّ وَرَقِيقٍ مَعًا وَمِلْكٍ وَحُبْسٍ مَعًا فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ لِجَمْعِ الصَّفْقَةِ حَلَالًا وَحَرَامًا مَعَ عِلْمِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا بِالْحَرَامِ.
وَأَمَّا إنْ جَهِلَا الْحَرَامَ حَالَ الْعَقْدِ فَلَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْحَرَامُ وَجْهَ الصَّفْقَةِ فَعَلَيْهِ رَدُّ الْحَلَالِ وَأَخْذُ الثَّمَنِ أَوْ التَّمَسُّكُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ التَّمَسُّكُ بِالْحَلَالِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ.
أَبُو الْحَسَنِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ بَعْدَ قَوْلِ التَّهْذِيبِ مَنْ ابْتَاعَ عَبْدَيْنِ فِي صَفْقَةٍ فَاسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا بِحُرِّيَّةٍ، فَإِنْ كَانَ وَجْهَ الصَّفْقَةِ فَلَهُ رَدُّ الْبَاقِي إلَخْ مَا نَصُّهُ اُنْظُرْ لَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ كَالصَّفْقَةِ الْجَامِعَةِ حَلَالًا وَحَرَامًا؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَدْخُلَا عَلَى ذَلِكَ، وَجَعَلُوهُ مِنْ قَبِيلِ الْعُيُوبِ فَفَرَّقُوا بَيْنَ وَجْهِ الصَّفْقَةِ وَغَيْرِهِ.
اهـ. فَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُمَا إنْ دَخَلَا عَلَى ذَلِكَ أَوْ أَحَدُهُمَا فَسَدَ الْعَقْدُ، وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَصَّارِ تَخْرِيجًا بِإِبْطَالِ الْحَرَامِ وَإِمْضَاءِ الْحَلَالِ بِمَا يُقَابِلُهُ.
(وَ) شُرِطَ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَدَمُ (جَهْلٍ) مِنْ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا (بِمَثْمُونٍ أَوْ ثَمَنٍ) فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ شَيْءٍ مَجْهُولٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا كَبَيْعِ مَا فِي بَيْتٍ أَوْ حَانُوتٍ أَوْ مَا وَرِثَهُ أَوْ مَا وُهِبَ لَهُ وَهُمَا لَا يَعْلَمَانِهِ، بَلْ (وَلَوْ) جُهِلَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ (تَفْصِيلًا) وَعُلِمَتْ جُمْلَتُهُ (كَ) بَيْعِ (عَبْدَيْ) بِفَتْحِ الدَّالِ مُثَنَّى عَبْدٍ حُذِفَتْ نُونُهُ لِإِضَافَتِهِ لِ (رَجُلَيْنِ بِكَذَا) أَيْ ثَمَنٍ مَعْلُومٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا فِي مُقَابَلَةِ الْعَبْدَيْنِ، وَكُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمَا لَهُ عَبْدٌ لِأَحَدِهِمَا عَبْدٌ وَالْآخَرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا نِصْفُ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ وَثُلُثُ الْعَبْدِ الْآخَرِ، وَلِلثَّانِي نِصْفُ الْأَوَّلِ وَثُلُثَا الثَّانِي مَثَلًا وَبِيعَا صَفْقَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانِ مَا لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْ الثَّمَنِ الْمُقَابِلِ لَهُمَا، فَجُمْلَتُهُ مَعْلُومَةٌ وَتَفْصِيلُهُ مَجْهُولٌ.
وَمَحَلُّ الْفَسَادِ بِجَهْلِ الْمَثْمُونِ إذَا تَيَسَّرَ الْعِلْمُ بِهِ كَشِرَاءِ حَضَرِيٍّ بِحَاضِرَةٍ بِمِكْيَالِ بَادِيَةٍ مَجْهُولٍ لَهُ، وَشِرَاءِ بَادٍ بِبَادِيَةٍ بِمِكْيَالِ حَاضِرَةٍ مَجْهُولٍ لَهُ، وَإِلَّا جَازَ كَشِرَاءِ حَضَرِيٍّ بِبَادِيَةٍ بِمِكْيَالِهَا الْمَجْهُولِ لَهُ وَشِرَاءِ بَادٍ بِحَاضِرَةٍ بِمِكْيَالِهَا الْمَجْهُولِ لَهُ.
وَالْمُرَادُ عِلْمُ الْمُثَمَّنِ حَقِيقَةً أَوْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
حُكْمًا كَبَيْعِ سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ عَسَلٍ وُزِنَ بِظَرْفِهِ كُلُّ رِطْلٍ بِكَذَا عَلَى أَنْ يُفَرَّغَ وَيُوزَنَ ظَرْفُهُ وَيُطْرَحَ وَزْنُهُ مِنْ وَزْنِ الْمَجْمُوعِ أَوْ عَلَى أَنْ يَتَحَرَّى وَزْنَ الظَّرْفِ وَيُطْرَحَ مِنْهُ.
أَفْتَى بِجَوَازِهِ ابْنُ سِرَاجٍ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الظَّرْفُ زِقًّا وَغَيْرَهُ خَصَّهُ بِالزِّقِّ.
قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -؛ لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ عَرَفُوا وَزْنَهَا أَيْ الزِّقَاقِ، أَيْ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوهُ فَلَا يَجُوزُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ شَأْنَ ذَلِكَ أَنْ يَعْرِفَهُ النَّاسُ وَيَتَسَاهَلُونَ فِيهِ وَيَجْعَلُونَ الزَّائِدَ عَلَى الظَّرْفِ إنْ كَانَ هِبَةً.
وَلَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ تَنْقِيصُ الْوَزْنِ لِيَزِيدَهُ بَعْدَهُ شَيْئًا يَسِيرًا يَرَى أَنَّهُ وَفَّى لَهُ بِهِ حَقَّهُ.
وَشَدَّدَ فِي مَنْعِهِ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ وَمَنْ جَهِلَ الثَّمَنَ الْبَيْعُ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ بِلَا بَيَانٍ صِفَتُهَا مَعَ تَعَدُّدِهَا فِي الْبَلَدِ وَعَدَمِ غَلَبَةِ إطْلَاقِهَا عَلَى شَيْءٍ خَاصٍّ وَاخْتِلَافِهَا فِي الْقِيمَةِ، فَإِنْ غَلَبَ إطْلَاقُهَا عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ حَمْلًا عَلَيْهِ.
وَإِنْ اتَّفَقَتْ نِفَاقًا وَقِيمَةً صَحَّ الْبَيْعُ وَجُبِرَ الْبَائِعُ عَلَى قَبُولِ مَا يُدْفَعُ لَهُ مِنْهَا، وَمَنْ جَهِلَ الْمُثَمَّنَ بِيعَ نِصْفُ شُقَّةٍ بِلَا بَيَانِ مَا يَدْفَعُهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ أَيِّ نَاحِيَةٍ مِنْهَا، وَلَا عَادَةَ لَهُمْ وَإِلَّا عُمِلَ بِهَا وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْبَيَانِ حَلَفَا وَفُسِخَ، وَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِهِمَا وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بَيَانًا وَلَا نِيَّةً كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الشُّقَّةِ فَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا بِالْقُرْعَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَإِنْ جُهِلَتْ الْجُمْلَةُ مَعَ عِلْمِ التَّفْصِيلِ كَبَيْعِ صُبْرَةٍ مَجْهُولَةِ الْقَدْرِ بِتَمَامِهَا كُلُّ صَاعٍ بِكَذَا فَيَجُوزُ، وَمَحَلُّ الْفَسَادِ إذَا جَهِلَ أَحَدُهُمَا التَّفْصِيلَ إذَا عَلِمَ الْعَالِمُ بِجَهْلِ الْجَاهِلِ وَإِلَّا فَلَا يَفْسُدُ، وَحُكْمُهُ كَبَيْعِ الْغِشِّ وَالْخَدِيعَةِ فَلِلْجَاهِلِ مِنْهُمَا إذَا عَلِمَ الْخِيَارُ بَيْنَ إمْضَاءِ الْبَيْعِ وَرَدِّهِ، وَإِنْ ادَّعَى الْجَاهِلُ عِلْمَ الْعَالِمِ بِجَهْلِهِ حَلَفَ لِرَدِّ دَعْوَاهُ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَفُسِخَ.
الْبُنَانِيُّ هَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ فِي الْبَيَانِ وَجَزَمَ بِهِ، وَنَحْوُهُ فِي الْمِعْيَارِ، لَكِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ إطْلَاقِ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ مُخْتَارُ اللَّخْمِيِّ، فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَمَدَ عَلَى ظَاهِرِهَا فَيُحْمَلُ عَلَى إطْلَاقِهِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَسْأَلَةُ الْعَبْدَيْنِ.
وَنَظَرَ أَبُو الْحَسَنِ فِي تَفْصِيلِ ابْنِ رُشْدٍ بِدُخُولِهِمَا عَلَى الْغَرَرِ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الْعَقْدُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَهْمَا جَهِلَا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا عَلِمَ الْعَالِمُ بِجَهْلِ صَاحِبِهِ أَمْ لَا كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا وَهُوَ الَّذِي شَهَرَهُ عِيَاضٌ.
ابْنُ مُحْرِزٍ وَهُوَ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ.
أَبُو عَلِيٍّ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي النَّازِلَةِ، وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ
أَوْ رِطْلٍ مِنْ شَاةٍ
تُرَابٌ صَائِغ، وَتُرَابٍ صَائِغٍ، وَرَدَّهُ مُشْتَرِيهِ وَلَوْ خَلَّصَهُ وَلَهُ الْأَجْرُ
[منح الجليل]
خِلَافُ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ مَيَّارَةُ حَمْلُ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ هُوَ الصَّوَابُ.
وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَابْنِ الْقَاسِمِ بِاغْتِفَارِ جَهْلِ التَّفْصِيلِ.
(وَ) لَا يَجُوزُ شِرَاءُ (رِطْلٍ) مَثَلًا (مِنْ) لَحْمِ (شَاةٍ) مَثَلًا قَبْلَ تَذْكِيَتِهَا أَوْ قَبْلَ سَلْخِهَا لِلْجَهْلِ بِصِفَةِ اللَّحْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي هُوَ بَائِعُ الشَّاةِ عَقِبَ بَيْعِهَا لِعِلْمِهِ بِصِفَةِ لَحْمِهَا بِحَسَبِ عَلَفِهَا، وَلِأَنَّ اللَّاحِقَ لِلْعَقْدِ كَالْوَاقِعِ فِيهِ، فَكَأَنَّهُ بَاعَهَا وَاسْتَثْنَى مَا اشْتَرَاهُ.
وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْمَنْعِ بِعَدَمِ شَرْطِ خِيَارِ الْمُشْتَرِي بِالرُّؤْيَةِ.
(وَ) لَا يَجُوزُ بَيْعُ (تُرَابٍ صَائِغٍ) إنْ لَمْ يُرَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ النَّقْدِ فَهُوَ مَجْهُولُ الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَجْهُولُ التَّفْصِيلِ فَقَطْ.
وَيُقَدَّرُ دُخُولُ الْكَافِ عَلَى صَائِغٍ لِيَشْمَلَ تُرَابَ الْعَطَّارِ وَكُلَّ صَنْعَةٍ تَخْتَلِطُ بِالتُّرَابِ وَيَعْسُرُ تَخْلِيصُهُ (وَ) إنْ وَقَعَ فَسْخٌ (وَرَدَّهُ مُشْتَرِيهِ) لِبَائِعِهِ إنْ لَمْ يُخَلِّصْهُ، بَلْ (وَلَوْ خَلَّصَهُ) فَلَهُ تَخْلِيصُهُ مَانِعًا مِنْ رَدِّهِ (وَلَهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي (الْأَجْرُ) فِي تَخْلِيصِهِ إنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى قِيمَةِ الْخَارِجِ وَإِلَّا فَهَلْ لَهُ الْأَجْرُ أَيْضًا أَمْ لَا قَوْلَانِ، وَعَلَى
الْأَوَّلِ: فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا شَيْءَ لَهُ، فَإِنْ ذَهَبَتْ عَيْنُهُ فَعَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَتُهُ يَوْمَ قَبْضِهِ عَلَى غَرَرِهِ أَنْ لَوْ جَازَ بَيْعُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ فَاتَ بِتَخْلِيصِهِ فَفِي لُزُومِ الْبَائِعِ أَخْذُ مَا خَرَجَ مِنْهُ وَدَفْعُ أُجْرَةِ خَلَاصِهِ وَتَخْيِيرِهِ فِي أَخْذِهِ بِذَلِكَ وَتَرْكِهِ مَجَّانًا.
ثَالِثُهَا: يَبْقَى لِمُبْتَاعِهِ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ عَلَى غَرَرِهِ لَوْ جَازَ بَيْعُهُ كَغُرْمِ قِيمَتِهِ إنْ تَلِفَ بِيَدِهِ.
وَرَابِعُهَا: يَأْخُذُهُ رَبُّهُ مَجَّانًا.
لِلصَّقَلِّيِّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مَعَ الْمَازِرِيِّ عَنْ الْمَشْهُورِ وَلِاخْتِيَارِ الصِّقِلِّيِّ وَلِنَقْلِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَلِتَخْرِيجِ التُّونُسِيِّ.
وَفِي التَّوْضِيحِ إنْ خَلَّصَهُ الْمُشْتَرِي رُدَّ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَتُهُ عَلَى غَرَرِهِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَلَهُ أَجْرُ تَخْلِيصِهِ.
وَأَجْرَى الْأَشْيَاخُ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ اشْتَرَى أَشْجَارًا بِوَجْهِ شُبْهَةٍ فَسَقَى وَعَالَجَ ثُمَّ رُدَّتْ إلَى رَبِّهَا.
وَمَنْ اشْتَرَى آبِقًا وَأَنْفَقَ عَلَى رَدِّهِ ثُمَّ فُسِخَ الْبَيْعُ وَرُدَّ إلَى رَبِّهِ فَهَلْ يَرْجِعُ بِالنَّفَقَةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أَمْ لَا.
لَا مَعْدِنِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ
، وَشَاةٍ قَبْلَ سَلْخِهَا
وَحِنْطَةٍ فِي سُنْبُلٍ وَتِبْنٍ
[منح الجليل]
وَأَصْلُ ذَلِكَ إنْ كَانَتْ النَّفَقَةُ لَهَا عَيْنٌ قَائِمَةٌ رَجَعَ بِلَا خِلَافٍ، وَإِلَّا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَرْجِعُ وَقِيلَ لَا يَرْجِعُ، وَصَرَّحَ ابْنُ بَشِيرٍ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ الرُّجُوعُ بِنَفَقَةِ الْآبِقِ، وَحَيْثُ قُلْنَا إنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرْجِعُ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ فَزَادَتْ عَلَى قِيمَةِ الْخَارِجِ فَهَلْ يَرْجِعُ بِهَا أَوْ إنَّمَا يَرْجِعُ بِهَا مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الْخَارِجِ، ثُمَّ قَالَ وَاقْتَصَرَ ابْنُ يُونُسَ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ بِهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا تَزِيدَ عَلَى الْخَارِجِ اهـ. الْبُنَانِيُّ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ هُوَ الثَّانِي فِي عِبَارَةِ ابْنِ عَرَفَةَ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ مُقَابِلٌ لِلْمَشْهُورِ.
(لَا) يُمْنَعُ بَيْعُ تُرَابِ (مَعْدِنِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) بِغَيْرِ صِنْفِهِ وَأَمَّا بِصِنْفِهِ فَيُمْنَعُ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي التَّمَاثُلِ كَتَحَقُّقِ التَّفَاضُلِ.
وَيَنْبَغِي جَوَازُ بَيْعِ تُرَابِ مَعْدِنِ نُحَاسٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَعَادِنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ تُرَابِ الْمَعْدِنِ وَبَيْنَ تُرَابِ الصَّائِغِ شِدَّةُ الْغَرَرِ فِي تُرَابِ الصَّائِغِ وَنَحْوِهِ دُونَ تُرَابِ الْمَعْدِنِ.
" د " بَيْعُ تُرَابِ مَعْدِنِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بَيْعُ جِزَافٍ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ شُرُوطِهِ الْمُمَكِّنَةِ بَعْضُ الشُّيُوخِ لَا مَانِعَ مِنْ بَيْعِهِ بِالْكَيْلِ مَثَلًا فَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ فِي الْكَيْلِ وَالْجِزَافِ فَيُجْزِي عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ.
(وَ) جَازَ بَيْعُ (شَاةٍ) مَثَلًا مُذَكَّاةٍ (قَبْلَ سَلْخِهَا) جِزَافًا لَا وَزْنًا فَيُمْنَعُ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ وَالْحَطّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ عَرَضٍ وَلَحْمٍ وَزْنًا لِدُخُولِهَا فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ فَلَيْسَ مِنْ بَيْعِ اللَّحْمِ الْمَغِيبِ.
بِخِلَافِ رِطْلٍ مِنْ شَاةٍ وَبَيْعِهَا وَزْنًا.
طفي يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى بَيْعِهَا جُمْلَةً لَا عَلَى الْوَزْنِ؛ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِقَوْلِهِ وَرِطْلٍ مِنْ شَاةٍ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ لَحْمٍ مَغِيبٍ، وَلِيُطَابِقَ مَا أَصَّلَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ فَلَيْسَ مِنْ بَيْعِ اللَّحْمِ الْمَغِيبِ كَالشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ، بِخِلَافِ مَا لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ بِالْعَقْدِ فَإِنَّهُ مِنْ بَيْعِ اللَّحْمِ الْمَغِيبِ، وَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ الْحَطّ وَغَيْرُهُ فَتَشْهِيرُ الْبُرْزُلِيُّ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
(وَ) جَازَ بَيْعُ (حِنْطَةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَإِهْمَالِ الطَّاءِ أَيْ قَمْحٍ مَثَلًا بَعْدَ يُبْسِهَا (فِي سُنْبُلٍ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ سُنْبُلَةٍ كَذَلِكَ قَائِمَةٌ بِأَرْضِهَا قَبْلَ حَصْدِهَا أَوْ بَعْدَهُ قَتًّا أَوْ مَنْفُوشًا قَبْلَ دَرْسِهَا (وَ) فِي (تِبْنٍ) بَعْدَ دَرْسِهَا وَقَبْلَ تَذْرِيَتِهَا
إنْ بِكَيْلٍ
وَقَتٍّ جِزَافًا
، لَا مَنْقُوشًا
[منح الجليل]
إنْ) كَانَ الْبَيْعُ (بِكَيْلٍ) فِيهِمَا كَكُلِّ إرْدَبٍّ بِكَذَا، أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ تَمَامُ حَصْدِهِ وَدَرْسِهِ وَتَذْرِيَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ شَهْرٍ.
(وَ) جَازَ بَيْعُ (قَتٍّ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَشَدِّ الْفَوْقِيَّةِ أَيْ مَقْتُوتٍ أَيْ حُزَمًا رُءُوسُهَا كُلُّهَا فِي نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا ثَمَرَتُهُ فِي رَأْسِهِ كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ (جِزَافًا) بِتَثْلِيثِ الْجِيمِ وَإِعْجَامِ الزَّايِ ثُمَّ بِالْفَاءِ، أَيْ مَحْزُورًا قَدْرَ كَيْلِهِ دُونَ فِعْلِهِ لِإِمْكَانِ حَزْرِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ لَا نَحْوَ فُولٍ وَحِمَّصٍ وَعَدْسٍ مِمَّا ثَمَرَتُهُ فِي جَمِيعِ قَصَبَتِهِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ قَتِّهِ لِعَدَمِ إمْكَانِ حَزْرِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ وَكَالْقَتِّ الْقَائِمِ بِأَرْضِهِ قَبْلَ حَصْدِهِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ جِزَافًا لِإِمْكَانِ حَزْرِهِ اتِّفَاقًا لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهَى، وَعَنْ ثَمَرِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَيْبَسَ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ» وَلَهُ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ، أَحَدُهَا: بَيْعُهُ جِزَافًا لَا بِالْفَدَّانِ وَنَحْوِهِ.
ثَانِيهَا: كَوْنُ ثَمَرَتِهِ فِي رَأْسِ قَصَبَتِهِ.
ثَالِثُهَا: بَيْعُهُ مَعَ تِينِهِ.
رَابِعًا: كَوْنُ بَيْعِهِ بَعْدَ يُبْسِهِ.
(لَا) يَجُوزُ بَيْعُ الزَّرْعِ جِزَافًا حَالَ كَوْنِهِ (مَنْفُوشًا) أَيْ مَجْعُولًا رُؤْسُهُ إلَى جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ لِعَدَمِ إمْكَانِ حَزْرِهِ إذَا لَمْ يُحْزَرْ وَهُوَ قَائِمٌ أَوْ مَقْتُوتٌ.
الْبُنَانِيُّ أَحْوَالُ الزَّرْعِ خَمْسَةٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا قَائِمٌ أَوْ مَحْصُودٌ وَالْمَحْصُودُ إمَّا قَتٌّ وَإِمَّا مَنْفُوشٌ؛ وَإِمَّا فِي تِينِهِ وَإِمَّا مُخْلَصٌ مِنْهُ، وَالْمَبِيعُ إمَّا الْحَبُّ وَحْدَهُ وَإِمَّا مَعَ تِينِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ الْحَبَّ وَحْدَهُ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْكَيْلِ فِي الْأَحْوَالِ الْخَمْسَةِ كُلِّهَا، وَيَجُوزُ جِزَافًا فِي الْمُخْلَصِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ الْمَجْمُوعَ جَازَ جِزَافًا فِي الْقَائِمِ وَالْقَتِّ لَا فِي الْمَنْفُوشِ، وَمَا فِي تِبْنِهِ.
الْبَاجِيَّ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْرِدَ الْحِنْطَةَ فِي سُنْبُلِهَا فِي الشِّرَاءِ دُونَ السُّنْبُلِ، وَكَذَلِكَ الْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَالْبَاقِلَاءُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرَدَ بِالْبَيْعِ دُونَ قِشْرِهِ عَلَى الْجِزَافِ مَا دَامَ فِيهِ.
وَأَمَّا شِرَاءُ السُّنْبُلِ إذَا يَبِسَ وَلَا يَنْفَعُهُ الْمَاءُ فَجَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَالْبَاقِلَاءُ.
وَمِنْ الْقَتِّ جِزَافًا الْأَنْدَرُ الْمَجْعُولُ فَرْشَةً أَوْ فَرَاشَاتٍ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ جِزَافًا لِإِمْكَانِ حَزْرِهِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْمَنْفُوشِ فَتَمْثِيلُ عِيَاضٍ لِلْمَنْفُوشِ بِمَا فِي الْأَنْدَرِ يَعْنِي بِهِ مَا يُنْفَشُ لِيُدْرَسَ
وَزَيْتِ زَيْتُونٍ بِوَزْنٍ؛ إنْ لَمْ يَخْتَلِفْ إلَّا أَنْ يُخَيَّرَ
وَدَقِيقِ حِنْطَةٍ
[منح الجليل]
فَيَخْتَلِطُ فَلَا يُمْكِنُ حَزْرُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
وَقَلَّ نَقْلُ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الصَّوَابَ جَوَازُ بَيْعِ الْقَمْحِ فِي أَنْدَرِهِ قَبْلَ دَرْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يُرَى سُنْبُلُهُ فَيُحْزَرُ وَيُعْرَفُ قَدْرُهُ وَهُوَ نَقْلُ الْجَلَّابِ عَنْ الْمَذْهَبِ.
(وَ) جَازَ بَيْعُ (زَيْتِ زَيْتُونٍ) أَيْ قَدْرٍ مَعْلُومٍ مِنْهُ قَبْلَ عَصْرِهِ (بِوَزْنٍ) كَرِطْلٍ أَوْ قِنْطَارٍ (إنْ) لَمْ (يَخْتَلِفْ) وَصْفُهُ بِأَنْ عُرِفَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ وَلَمْ يَتَأَخَّرْ تَمَامُ عَصْرِهِ عَنْ نِصْفِ شَهْرٍ، وَيَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ بِشَرْطٍ كَمَا تُقَيِّدُهُ الْمُدَوَّنَةُ، فَإِنْ اخْتَلَفَ وَصْفُهُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا بَعْدَ عَصْرِهِ وَعِلْمِ صِفَتِهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يُخَيَّرَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ أَيْ يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْبَيْعِ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي إذَا عَلِمَ صِفَتَهُ بَعْدَ عَصْرِهِ فَيَجُوزُ الْبَيْعُ وَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ حِينَئِذٍ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ.
تت وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ زَيْتِ بِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى زَيْتُونًا عَلَى أَنَّ عَلَى رَبِّهِ عَصْرَهُ لَمْ يَجُزْ وَهُوَ كَذَلِكَ فَفِيهَا لَا يَجُوزُ شِرَاءُ سِمْسِمٍ وَزَيْتُونٍ وَحَبِّ فُجْلٍ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ عَصْرَهُ أَوْ زَرْعٍ قَائِمٍ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ حَصْدَهُ وَدَرْسَهُ، وَكَأَنَّهُ ابْتَاعَ مَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَذَلِكَ مَجْهُولٌ.
أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ النَّصِّ الْمَذْكُورِ مَا نَصُّهُ الشَّيْخُ إنْ قَالَ أَشْتَرِي مِنْك مَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا فَهُوَ فَاسِدٌ، وَإِنْ قَالَ أَشْتَرِي مِنْك هَذَا وَأُؤَاجِرُك بِكَذَا عَلَى عَصْرِهِ فَهَذَا جَائِزٌ وَهُوَ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ، وَإِنْ قَالَ أَشْتَرِيهِ مِنْك عَلَى أَنَّ عَلَيْك عَصْرَهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِحَمْلِهِ عَلَى الْفَسَادِ.
اهـ. وَبِهَذَا يُرَدُّ قَوْلُ ابْنِ عَاشِرٍ لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ مَنْعِهِ إذْ غَايَةُ مَا فِيهِ اجْتِمَاعُ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَهُوَ جَائِزٌ.
(وَ) جَازَ بَيْعُ قَدْرٍ مَعْلُومٍ كَصَاعٍ أَوْ إرْدَبٍّ مِنْ (دَقِيقِ حِنْطَةٍ) قَبْلَ طَحْنِهَا إنْ لَمْ يَخْتَلِفْ وَصْفُهُ، فَإِنْ اخْتَلَفَ وَصْفُهُ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِشَرْطِ خِيَارِ الْمُشْتَرِي كَمَا فِي جُعْلِ الْمُدَوَّنَةِ، فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَلَى الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ لِيَعْلَمَ رُجُوعَهُمَا إلَيْهِ أَيْضًا، وَفِيهَا وَإِنْ ابْتَعْت قَمْحًا عَلَى أَنْ يَطْحَنَهُ لَك فَاسْتَخَفَّهُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " بَعْدَ أَنْ كَرِهَهُ وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْقَمْحَ يُعْرَفُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَجُلُّ قَوْلِهِ ذَلِكَ التَّخْفِيفُ وَالِاسْتِحْسَانُ لَا الْقِيَاسُ.
وَصَاعٍ، أَوْ كُلِّ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ، وَإِنْ جُهِلَتْ، لَا مِنْهَا، وَأُزِيدَ الْبَعْضُ
وَشَاةٍ، وَاسْتِثْنَاءُ أَرْبَعَةِ أَرْطَالٍ
[منح الجليل]
وَ) جَازَ بَيْعُ (صَاعٍ) مِثْلًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ صُبْرَةٍ مَعْلُومَةٍ جُمْلَةُ مَا فِيهَا مِنْ الصِّيعَانِ أَوْ مَجْهُولَتِهَا وَالْمُشْتَرِي عَدَدٌ مَعْلُومٌ مِنْ صِيعَانِهَا (أَوْ كُلِّ صَاعٍ) أَيْ جَازَ بَيْعُ كُلِّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ مِثْلًا (مِنْ صُبْرَةٍ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُشْتَرَى جَمِيعُهَا إنْ عُلِمَتْ جُمْلَةَ مَا فِيهَا مِنْ الصِّيعَانِ، بَلْ (إنْ جُهِلَتْ) جُمْلَةُ صِيعَانِهَا؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ اغْتِفَارُ جَهْلِ الْجُمْلَةِ إذَا عُلِمَ التَّفْصِيلُ فَهَذِهِ عَكْسُ عَبْدَيْ رَجُلَيْنِ بِكَذَا وَكَذَا ذِرَاعٍ أَوْ كُلُّ ذِرَاعٍ مِنْ شُقَّةٍ وَرِطْلٌ أَوْ كُلُّ رِطْلٍ مِنْ زَيْتٍ أَوْ سَمْنٍ أَوْ عَسَلٍ (لَا) يَجُوزُ بَيْعُ صِيعَانٍ أَوْ أَذْرُعٍ أَوْ أَرْطَالٍ غَيْرِ مَعْلُومَةِ الْعَدَدِ (مِنْهَا) أَيْ الصُّبْرَةِ أَوْ الشُّقَّةِ أَوْ نَحْوِ الزَّيْتِ (وَأُرِيدَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَفَتْحِ الدَّالِ (الْبَعْضُ) أَيْ شِرَاؤُهُ فَقَطْ لَا الْجَمِيعِ لِتَعَلُّقِ الْجَهْلِ بِالتَّفْصِيلِ أَيْضًا وَالْوَاوُ لِلْحَالِ، وَمَفْهُومُ وَأُرِيدَ الْبَعْضُ الْجَوَازُ إذَا لَمْ يُرَدْ شَيْءٌ كَإِرَادَةِ الْكُلِّ.
فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا قَالَ أَبِيعُك مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ حِسَابَ كُلِّ عَشَرَةِ أَقْفِزَةٍ بِدِينَارٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا بَاعَهُ مِنْهَا فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مَا عَلِمْتُ فِيهَا نَصًّا.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُعَاصِرِينَ الْبَيْعُ فَاسِدٌ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " الْقَاضِي يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ زَائِدَةً فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْفَسَادِ.
اهـ. فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَارَ مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي مِنْ الْجَوَازِ فِي هَذِهِ، فَلِذَا قَيَّدَ الْمَنْعَ بِإِرَادَةِ الْبَعْضِ، وَإِنْ كَانَ الْفَاكِهَانِيُّ اعْتَرَضَ مَا قَالَهُ الْقَاضِي مِنْهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمُخَالَفَتِهِ لِقَاعِدَةِ الْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهَا تُوجِبُ كَوْنَ مِنْ هُنَا لِلتَّبْعِيضِ، فَإِنَّ مِعْيَارَهَا عِنْدَ النُّحَاةِ صِحَّةُ تَقْدِيرِهَا بِبَعْضٍ نَحْوَ أَكَلْت مِنْ الرَّغِيفِ، وَلَا رَيْبَ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ هُنَا، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ أَنَّ مِنْ لَا تُزَادُ فِي الْإِيجَابِ، وَالْكَلَامُ هُنَا مُوجَبٌ فَلَا يَصِحُّ كَوْنُهَا فِيهِ صِلَةً.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ إرَادَةِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْبَعْضِ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْكُلَّ أَمْكَنَ حَزْرُهُ بِرُؤْيَتِهِ، وَلَا يُمْكِنُ حَزْرُ الْبَعْضِ الْمُبْهَمِ بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) جَازَ بَيْعُ (شَاةٍ) حَيَّةٍ أَوْ مَذْبُوحَةٍ قَبْلَ سَلْخِهَا (وَاسْتِثْنَاءُ أَرْبَعَةِ أَرْطَالٍ) مِنْهَا وَنَحْوَهَا مِمَّا دُونَ ثُلُثِهَا، فَإِنْ بِيعَتْ بَعْدَ سَلْخِهَا جَازَ اسْتِثْنَاءُ قَدْرِ ثُلُثِهَا فَقَطْ.
الْحَطّ التَّحْدِيدُ
وَلَا يَأْخُذُ لَحْمَ غَيْرِهَا
[منح الجليل]
بِأَرْبَعَةٍ هُوَ الَّذِي فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ لِلْمُدَوَّنَةِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَضَّاحٍ ثَلَاثَةُ أَرْطَالٍ.
أَبُو الْحَسَنِ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ أَوْ أَكْثَرُ مِمَّا دُونَ الثُّلُثِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهَا وَلَمْ يَبْلُغْ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " الثُّلُثَ.
الْحَطّ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ قَدْرَ مَا يُسْتَثْنَى مِنْ الْبَقَرَةِ وَالنَّاقَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اسْتَحْسَنَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْتِبَارَ قَدْرِ صِغَرِ الْمَبِيعِ أَوْ كِبَرِهِ كَالشَّاةِ وَالْبَقَرَةِ وَالْبَعِيرِ، وَفِيهَا لَا بَأْسَ بِاسْتِثْنَاءِ الصُّوفِ وَالشَّعْرِ.
اللَّخْمِيُّ إذَا كَانَ يَجُزْ إلَى يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، بِخِلَافِ كَوْنِ الصُّوفِ هُوَ الْمَبِيعُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَقَاؤُهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
أَبُو الْحَسَنِ هَذَا التَّقْيِيدُ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مُبْقًى وَمَسْأَلَةُ الِاسْتِثْنَاءِ لَا تَخْلُو مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ اسْتِثْنَاءُ الصُّوفِ وَالشَّعْرِ فَهَذَا جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْجَزِّ أَوْ يَتَأَخَّرَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ كَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِ الدَّابَّةِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فِي الْبَيْعِ الثَّانِي اسْتِثْنَاءُ جُزْءٍ شَائِعٍ، فَهَذَا جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الذَّبْحِ، الثَّالِثُ: اسْتِثْنَاءُ الْجِلْدِ وَالرَّأْسِ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَرِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَجُوزُ فِي السَّفَرِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْحَضَرِ.
الرَّابِعُ: اسْتِثْنَاءُ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ كَفَخِذٍ وَكَبِدٍ مَنَعَهُ نَصًّا فِي الْكِتَابِ.
الْخَامِسُ: اسْتِثْنَاءُ الْأَرْطَالِ الْيَسِيرَةِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ جَوَازُ أَرْبَعَةِ أَرْطَالٍ.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ثَلَاثَةٌ، وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ خَمْسَةٌ وَسِتَّةٌ مِمَّا دُونَ الثُّلُثِ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ الثُّلُثَ، وَقِيلَ الثُّلُثُ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ رَأْسًا؛ لِأَنَّ فِيهِ بَيْعَ لَحْمٍ مَغِيبٍ سَوَاءٌ قِيلَ إنَّ الْمُسْتَثْنَى مُشْتَرًى وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ مُبْقًى؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُجْبَرُ عَلَى الذَّبْحِ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى مَا زَادَ عَلَى الْمُسْتَثْنَى وَهُوَ مَغِيبٌ.
وَيُجَابُ عَلَى أَنَّهُ مُشْتَرِي بِأَنَّ اشْتِرَاءَ اللَّحْمِ الْمَغِيبِ مُغْتَفَرٌ لِبَائِعِ الشَّاةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى أَنَّهُ مُبْقًى بِأَنَّ اشْتِرَاءَ مَا زَادَ عَلَى الْمُسْتَثْنَى بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاءِ جُمْلَةِ الشَّاةِ بَعْدَ ذَبْحِهَا وَقَبْلَ سَلْخِهَا وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلَا يَأْخُذُ) بَائِعُ الشَّاةِ الْمُسْتَثْنِي أَرْبَعَةَ أَرْطَالٍ مِنْهَا (لَحْمَ غَيْرِهَا) أَيْ الشَّاةِ الْمَبِيعَةِ عِوَضًا عَنْهَا.
وَلَوْ قَالَ بَدَلَهَا أَيْ الْأَرْطَالِ لَشَمِلَ أَخْذَ بَدَلِهَا لَحْمًا وَغَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ بِيعَ طَعَامُ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مُشْتَرًى وَبِيعَ لَحْمٌ مَغِيبٌ عَلَى أَنَّهُ مُبْقًى، وَإِنْ مَاتَتْ الشَّاةُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ ذَبَحَهَا وَأَكَلَهَا كُلَّهَا فَعَلَيْهِ مِثْلُ الْأَرْطَالِ.
وَصُبْرَةٍ، وَثَمَرَةٍ، وَاسْتِثْنَاءَ قَدْرِ ثُلُثٍ
، وَجِلْدٍ، وَسَاقِطٍ بِسَفَرٍ فَقَطْ؛
[منح الجليل]
وَ) جَازَ بَيْعُ (صُبْرَةٍ وَثَمَرَةٍ) عَلَى أَصْلِهَا وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ جِزَافًا فِيهِمَا (وَاسْتِثْنَاءُ) كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ مَعْلُومٍ (قَدْرِ ثُلُثٍ) مِنْ الصُّبْرَةِ أَوْ الثَّمَرَةِ لَا أَكْثَرَ، وَمِثْلُ الثَّمَرَةِ الْمَقَائِيُّ وَالْخُضَرُ وَمُغَيَّبُ الْأَصْلِ، وَمَفْهُومُ قَدْرِ أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْجُزْءِ الشَّائِعِ جَائِزٌ وَلَوْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَجُزْءٌ مُطْلَقًا.
(وَ) جَازَ بَيْعُ حَيَوَانٍ وَاسْتِثْنَاءُ (جِلْدٍ وَسَاقِطٍ) مِنْهُ أَيْ رَأْسِهِ وَأَكَارِعِهِ لَا كِرْشِهِ وَكَبِدِهِ فَإِنَّهُمَا مِنْ اللَّحْمِ، فَيَجْرِي عَلَيْهِمَا حُكْمُهُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْجَوَازُ فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ إنْ اسْتَثْنَى مِنْهُ أَرْطَالًا، وَالْمَنْعُ إنْ اسْتَثْنَى الْبَطْنَ كُلَّهُ أَوْ جُزْءًا مُعَيَّنًا مِنْهُ لِقَوْلِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ الْفَخِذَ أَوْ الْبَطْنَ أَوْ الْكَبِدَ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ الصُّوفَ وَالشَّعْرَ (بِسَفَرٍ فَقَطْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَيَّدَ فِي الْجِلْدِ وَالسَّاقِطِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْجِلْدِ وَالرَّأْسِ فَقَدْ أَجَازَهُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي السَّفَرِ إذْ لَا ثَمَنَ لَهُ هُنَاكَ، وَكَرِهَهُ فِي الْحَضَرِ، فَمَذْهَبُهَا التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا أَبُو الْحَسَنِ.
عِيَاضٌ وَتَسْوِيَةُ حُكْمِ الْجِلْدِ وَالرَّأْسِ إذْ لَا قِيمَةَ لَهُمَا فِي السَّفَرِ، وَحَمْلُ الْمُسَافِرِ لَهُمَا أَوْ عَمَلُهُمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَاللَّحْمُ يَأْكُلُهُ لِحِينِهِ وَيُمَلِّحُهُ وَيَتَزَوَّدُهُ، وَفِي الْحَضَرِ لَهُمَا قِيمَةٌ وَصُنَّاعٌ وَإِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا ذَهَبَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَهُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّأْوِيلُ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى التَّفْرِقَةِ وَأَنَّ جَوَابَهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْجِلْدِ.
وَأَمَّا الرَّأْسُ فَلَهُ حُكْمُ قَلِيلِ اللَّحْمِ الْمُشْتَرَطِ وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ لَا فِي السُّؤَالِ وَلَا فِي الْجَوَابِ وَلَا فِي التَّعْلِيلِ.
ابْنُ مُحْرِزٍ وَمِنْ الْمُذَاكِرِينَ مَنْ قَالَ إنَّمَا وَقَعَ جَوَابُهُ عَلَى الْجِلْدِ دُونَ الرَّأْسِ، وَإِنَّ سَبِيلَ الرَّأْسِ سَبِيلُ اللَّحْمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ اهـ. وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ اسْتِثْنَاءُ الرَّأْسِ وَالْأَكَارِعِ لَا يُكْرَهُ فِي سَفَرٍ وَحَضَرٍ.
ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ اسْتَثْنَى الْجِلْدَ وَالرَّأْسَ فَثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ فِي السَّفَرِ لَا فِي الْحَضَرِ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ مُخَالِفٌ لَهَا وَنَحْوُهُ فِي الشَّامِلِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ.
مِنْ الشُّيُوخِ مَنْ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْجِلْدِ وَاخْتَارَ جَوَازَ
وَجُزْءٍ مُطْلَقًا، وَتَوَلَّاهُ الْمُشْتَرِي
، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى الذَّبْحِ فِيهِمَا بِخِلَافِ الْأَرْطَالِ
[منح الجليل]
اسْتِثْنَاءِ الرَّأْسِ وَالْأَكَارِعِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الرَّأْسِ كَاسْتِثْنَاءِ الْفَخِذِ، فَقَدْ ظَهَرَ لَك الْحَقُّ إنْ كُنْت مُنْصِفًا قَالَهُ طفي.
(وَ) جَازَ بَيْعُ شَيْءٍ وَاسْتِثْنَاءُ (جُزْءٍ) شَائِعٍ مِنْهُ كَرُبُعِهِ أَوْ ثُلُثِهِ أَوْ نِصْفِهِ (مُطْلَقًا) عَنْ تَقْيِيدِهِ بِالسَّفَرِ وَقَدْ بَاعَ مَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى، وَسَوَاءٌ بَاعَ الْحَيَوَانَ عَلَى ذَبْحِهِ أَوْ اسْتِحْيَائِهِ وَيَصِيرُ الْبَائِعُ شَرِيكًا لِلْمُشْتَرِي بِقَدْرِ الْمُسْتَثْنَى (وَتَوَلَّاهُ) أَيْ الْمَبِيعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَرْطَالٌ أَوْ جِلْدٌ وَرَأْسٌ بِذَبْحٍ وَسَلْخٍ وَعَلَفٍ وَسَقْيٍ وَحِفْظٍ وَغَيْرِهَا (الْمُشْتَرِي) فِي صُورَةِ اسْتِثْنَاءِ الْجِلْدِ وَالسَّاقِطِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا يُجْبَرُ عَلَى الذَّبْحِ وَلَهُ دَفْعُ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ لِلْبَائِعِ صَارَا كَأَنَّهُمَا فِي ذِمَّتِهِ، وَكَأَنَّ الْبَائِعَ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْمَبِيعِ وَهَذَا لَازِمٌ مِنْ كَلَامِهِمْ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ بِنَاءً عَلَى مَا صَوَّبَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ مِنْ أَنَّ أُجْرَةَ الذَّبْحِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ، وَعَلَى هَذَا حَمَلَهُ " ق " فَانْدَفَعَ قَوْلُ طفي، اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ فَإِنَّهُ مُشْكِلٌ سَوَاءٌ عَادَ ضَمِيرُ تَوَلَّاهُ عَلَى الذَّبْحِ أَوْ عَلَى الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُمَا شَرِيكَانِ وَأُجْرَةُ الذَّبْحِ عَلَيْهِمَا وَلَمْ أَرَ هَذَا الْفَرْعَ بِعَيْنِهِ لِغَيْرِ الْمُصَنِّفِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ جُزْءٌ شَائِعٌ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ فَيَتَوَلَّيَانِ مَعًا عَلَفَهُ وَسَقْيَهُ بِحَسَبِ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِيهِ وَأُجْرَةُ ذَبْحِهِ وَسَلْخِهِ عَلَيْهِمَا كَذَلِكَ.
(وَلَمْ يُجْبَرْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (الْمُشْتَرِي عَلَى الذَّبْحِ فِيهِمَا) أَيْ مَسْأَلَةِ الْجِلْدِ وَالسَّاقِطِ وَمَسْأَلَةِ الْجُزْءِ الشَّائِعِ (بِخِلَافِ) اسْتِثْنَاءِ (الْأَرْطَالِ) فَيُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى الذَّبْحِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَتَوَصَّلُ لِحَقِّهِ مِنْ اللَّحْمِ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ إلَّا بِهِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الذَّبْحِ فِي اسْتِثْنَاءِ الْجُزْءِ بِيعَ عَلَيْهِمَا وَأَعْطَى لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا يَخُصُّهُ مِنْ ثَمَنِهِ وَأُجْرَةُ الذَّبْحِ وَالسَّلْخِ عَلَيْهِمَا بِحَسَبِ مَا لِكُلٍّ فِي الْجُزْءِ وَالْأَرْطَالِ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي فِي السَّاقِطِ.
الْحَطّ وَفِي كَوْنِهَا فِي مَسْأَلَةِ الْجِلْدِ وَالسَّاقِطِ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ مَا لِكُلٍّ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ يُونُسَ، أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْبِرُهُ عَلَى ذَبْحِهِ وَصَوَّبَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ قَوْلَانِ، وَأَمَّا السَّلْخُ فَفِي الْجِلْدِ إنْ قُلْنَا الْمُسْتَثْنَى مُبْقًى فَعَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ قُلْنَا مُشْتَرًى فَاخْتُلِفَ عَلَى مَنْ تَكُونُ، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهَا
وَخُيِّرَ فِي دَفْعِ رَأْسٍ أَوْ قِيمَتِهَا وَهِيَ أَعْدَلُ، وَهَلْ التَّخْيِيرُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي؟ قَوْلَانِ.
وَلَوْ مَاتَ مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ مُعَيَّنٌ: ضَمِنَ الْمُشْتَرِي جِلْدًا وَسَاقِطًا،
[منح الجليل]
عَلَيْهِمَا، وَنَقَلَ ابْنُ عَاشِرٍ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ أُجْرَةَ السَّلْخِ فِي الرَّأْسِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِضَمَانِهِ فِي الْمَوْتِ.
(وَخُيِّرَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ مُشَدَّدَةً (فِي دَفْعِ) بَدَلِ أَوْ مِثْلِ (رَأْسٍ) وَبَقِيَّةِ سَاقِطٍ وَمِثْلِ جِلْدٍ، فَلَوْ قَالَ كَرَأْسٍ لَشَمِلَهُ (أَوْ) دَفْعِ (قِيمَتِهَا) أَيْ الرَّأْسِ أَنَّثَهُ وَإِنْ كَانَ مُذَكَّرًا اتِّفَاقًا بِتَأْوِيلِهِ بِبِضْعَةٍ أَوْ هَامَةٍ حَيْثُ لَمْ يُذْبَحْ، وَإِلَّا تَعَيَّنَ مَا اسْتَثْنَاهُ الْبَائِعُ مِنْ جِلْدٍ وَسَاقِطٍ إلَّا أَنْ يَفُوتَ فَقِيمَتُهُ (وَهِيَ) أَيْ الْقِيمَةُ (أَعْدَلُ) لِبُعْدِهَا عَنْ شَائِبَةِ الرِّبَا.
(وَهَلْ التَّخْيِيرُ) بَيْنَ الْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ (لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي قَوْلَانِ) الرَّجْرَاجِيُّ تُؤُوِّلَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَيْهِمَا وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي أَسْعَدُ بِظَاهِرِهَا وَصَوَّبَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ.
طفي الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَفْرُوضٌ فِي كَلَامِ عِيَاضٍ وَابْنِ عَرَفَةَ وَالتَّوْضِيحِ فِي الْجِلْدِ فَعَلَيْهِ ذِكْرُهُ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الرَّأْسِ مَقِيسَةٌ فَفِيهَا قِيلَ فَإِنْ أَبَى الْمُبْتَاعُ فِي السَّفَرِ مِنْ ذَبْحِهَا وَقَدْ اسْتَثْنَى الْبَائِعُ رَأْسَهَا أَوْ جِلْدَهَا قَالَ قَدْ قَالَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِيمَنْ وَقَفَ بَعِيرَهُ فَبَاعَهُ مِنْ أَهْلِ الْمِيَاهِ لِيَنْحَرُوهُ، وَاسْتَثْنَى جِلْدَهُ فَاسْتَحْيَوْهُ فَعَلَيْهِمْ شَرْوَى جِلْدِهِ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ كَجَدْوَى، أَيْ مِثْلُهُ أَوْ قِيمَتُهُ كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك.
اهـ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ عِيَاضٌ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا غَيْرُهُمَا مِمَّنْ وَقَفْت عَلَيْهِ لِذِكْرِ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الرَّأْسِ اهـ. الْبُنَانِيُّ وَالْخِلَافُ وَإِنْ كَانَ مَفْرُوضًا فِي الْجِلْدِ فِي كَلَامِ عِيَاضٍ وَابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِمَا لَكِنَّ كَلَامَهَا الَّذِي تُؤُوِّلَ بِهِمَا صَرِيحٌ فِي تَسْوِيَةِ الْجِلْدِ وَالرَّأْسِ فِي الْحُكْمِ، فَلَا يُقَالُ عَلَى الْمُصَنِّفِ ذِكْرُهُ فِي مَحَلِّهِ وَهُوَ الْجِلْدُ.
(وَلَوْ مَاتَ مَا) أَيْ الْحَيَوَانُ الَّذِي يَبِيعُ وَ (اُسْتُثْنِيَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ النُّونِ (مِنْهُ) جُزْءٌ (مُعَيَّنٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالتَّحْتِيَّةُ مُشَدَّدَةٌ وَهُوَ الْجِلْدُ وَالرَّأْسُ وَالْأَكَارِعُ وَالْأَرْطَالُ (ضَمِنَ) الشَّخْصُ (الْمُشْتَرِي) لِلْبَائِعِ (جِلْدًا وَسَاقِطًا) لِعَدَمِ جَبْرِهِ عَلَى الذَّبْحِ
لَا لَحْمًا
وَجِزَافٍ إنْ رُئِيَ
[منح الجليل]
فِيهِمَا.
طفي أَطْلَقَ فِي الضَّمَانِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْمُشْتَرِي تَفْرِيطٌ أَمْ لَا وَهُوَ مُرْتَضًى.
ابْنُ رُشْدٍ قَالَ: وَلَيْسَ مَعْنَى الضَّمَانِ أَنَّهُ يَغْرَمُ لِلْبَائِعِ قِيمَةَ الْجِلْدِ أَوْ مِثْلِهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى قِيمَتِهِ، فَإِنْ كَانَتْ دِرْهَمَيْنِ وَكَانَ بَاعَ الشَّاةَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِسُدُسِ قِيمَةِ الشَّاةِ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ بَاعَهَا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَعَرْضُ قِيمَتِهِ دِرْهَمَانِ فَاسْتُحِقَّ الْعَرْضُ مِنْ الْبَائِعِ، وَقَدْ فَاتَتْ الشَّاةُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ.
اهـ. وَقَدْ نَقَلَ كَلَامَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ وَقَبِلُوهُ فَهُوَ مُرَادُهُ بِالضَّمَانِ، فَقَوْلُ " س " لَهُ دَفْعُ مِثْلِهَا خِلَافُهُ (لَا) يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ (لَحْمًا) وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ قَبْلُ بِالْأَرْطَالِ لِجَبْرِهِ عَلَى الذَّبْحِ، وَلَمَّا سَكَتَ عَنْهُ الْبَائِعُ كَانَ مُفَرِّطًا، وَاحْتَرَزَ بِالْمُعَيَّنِ مِنْ الْجُزْءِ الشَّائِعِ فَلَا يَضْمَنُهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُمَا شَرِيكَانِ وَهُوَ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ كَالْمُودِعِ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ.
(وَ) جَازَ بَيْعُ (جِزَافٍ) فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ الْجِزَافُ مُثَلَّثُ الْجِيمِ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَهُوَ بَيْعُ الشَّيْءِ بِلَا كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ وَلَا عَدَدٍ.
وَحَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ بَيْعُ مَا يُمْكِنُ عِلْمُ قَدْرِهِ دُونَ أَنْ يُعْلَمَ، وَالْأَصْلُ مَنْعُهُ وَخَفَّفَ فِيمَا شَقَّ عِلْمُهُ يُرِيدُ مِنْ الْمَعْدُودِ وَقَلَّ جَهْلُهُ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ إذْ لَا تُشْتَرَطُ الْمَشَقَّةُ فِيهِمَا (إنْ رُئِيَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَوْ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ يَلِيهَا هَمْزٌ، أَيْ أَبْصَرَ حَالَ الْبَيْعِ أَوْ قَبْلَهُ، وَاسْتَمَرَّا عَلَى مَعْرِفَتِهِ إلَى حِينِ بَيْعِهِ عَلَى مُخْتَارِ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الصُّبْرَةِ الْغَائِبَةِ بِرُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ.
ابْنُ رُشْدٍ لَوْ كَانَ الْمُبْتَاعُ رَأَى الصُّبْرَةَ أَوْ الزَّرْعَ ثُمَّ اشْتَرَى ذَلِكَ صَاحِبُهُ عَلَى رُؤْيَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهُوَ غَائِبٌ لَجَازَ ذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ، وَفَرَّقَ فِي الْمَدَنِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - بَيْنَ الصُّبْرَةِ وَالزَّرْعِ الْقَائِمِ فَمَنَعَ شِرَاءَ الصُّبْرَةِ غَائِبَةً بِرُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، وَأَجَازَهُ فِي الزَّرْعِ الْقَائِمِ وَهِيَ تَفْرِقَةٌ لَا حَظَّ لَهَا فِي النَّظَرِ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ وَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ يَطْلُبُ فِي الصُّبْرَةِ مَعْرِفَةَ قَدْرِهَا زِيَادَةً عَلَى مَعْرِفَةِ صِفَتِهَا فِي الْحِرْزِ حِينَ الْعَقْدِ وَلِلرُّؤْيَةِ الْمُقَارِنَةِ لَهُ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ، وَيَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الزَّرْعِ الْغَائِبِ.
الْحَطَّابُ
وَلَمْ يَكْثُرْ جِدًّا، وَجَهِلَاهُ، وَحَزَرَا،
[منح الجليل]
الظَّاهِرُ مِنْ الْمَدَنِيَّةِ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ عَدَمُ حُضُورِ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ حَالَ الْعَقْدِ عَلَيْهِمَا جِزَافًا لِظُهُورِ التَّغَيُّرِ فِيهِمَا إنْ حَصَلَ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، بِخِلَافِ الصُّبْرَةِ وَنَحْوِهَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْجِزَافِ الْحُضُورُ مُطْلَقًا عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الرُّؤْيَةُ بِالْبَصَرِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُقَارِنَةً لِلْعَقْدِ أَوْ سَابِقَةً عَلَيْهِ، وَعَلَى مَا فِي الْمَدَنِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ الْجِزَافِ كُلِّهِ حُضُورُهُ حِينَ الْعَقْدِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الزَّرْعُ الْقَائِمُ وَالثِّمَارُ فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ، فَقَدْ اُغْتُفِرَ فِيهِمَا عَدَمُ الْحُضُورِ إنْ تَقَدَّمَتْ الرُّؤْيَةُ، وَبِالثَّانِي قَرَّرَ الْحَطَّابُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فَقَالَ مُرَادُهُ بِالْمَرْئِيِّ الْحَاضِرُ، كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ضَيْح، وَيَلْزَمُ مِنْ حُضُورِهِ رُؤْيَتُهُ كُلِّهِ أَوْ رُؤْيَةُ بَعْضِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَ لَا يُبَاعُ بِالصِّفَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَّا لِعُسْرِ رُؤْيَتِهِ، كَقِلَالِ الْخَلِّ الْمَخْتُومَةِ وَفِي فَتْحِهَا مَشَقَّةٌ وَفَسَادٌ، فَيَجُوزُ بَيْعُهَا دُونَ فَتْحٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ شَرْطُ رُؤْيَتِهِ مَعَ قَبُولِ غَيْرِ وَاحِدٍ قَوْلُ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِيهَا، وَكَذَلِكَ حَوَائِطُ التَّمْرِ الْغَائِبَةِ يُبَاعُ تَمْرُهَا كَيْلًا أَوْ جِزَافًا وَهِيَ عَلَى مَسِيرَةِ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا بِشَرْطٍ وَإِنْ بَعُدَتْ جِدًّا كَإِفْرِيقِيَةَ مِنْ مِصْرَ فَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ تَمْرِهَا فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ يَجِدُ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَمْرًا يَابِسًا مُتَنَافٍ لِاقْتِضَائِهِ جَوَازَ بَيْعِهَا غَائِبَةً جِزَافًا، وَفِي كَوْنِ الصِّفَةِ تَقُومُ مَقَامَ الْعِيَانِ فِي الْحَزْرِ نَظَرٌ.
اهـ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُبَاعُ بِرُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ إذْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجِزَافِ بِصِفَةٍ قَالَهُ عِيَاضٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
(وَ) إنْ (لَمْ يَكْثُرْ) الْمَبِيعُ كَثْرَةً (جِدًّا) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَشَدِّ الدَّالِ أَيْ كَثْرَةً مَانِعَةً مِنْ حَزْرٍ قَدْرُهُ بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ أَوْ الْعَدِّ، فَإِنْ كَثُرَ جِدًّا مُنِعَ بَيْعُهُ جِزَافًا لِعَدَمِ حَزْرِهِ، وَإِنْ قَلَّ جِدًّا فَإِنْ كَانَ مَوْزُونًا أَوْ مَكِيلًا جَازَ بَيْعُهُ جِزَافًا، وَإِنْ كَانَ مَعْدُودًا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جِزَافًا.
(وَ) إنْ (جَهِلَاهُ) أَيْ الْعَاقِدَانِ الْمَبِيعَ أَيْ وَزْنَهُ وَكَيْلَهُ وَعَدَدَهُ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ عِلْمِهِ أَحَدُهُمَا لَا عَنْ عِلْمِهِمَا لِخُرُوجِهِمَا حِينَئِذٍ عَنْ بَيْعِ الْجِزَافِ (وَ) إنْ (حَزَرَا) أَيْ الْعَاقِدَانِ
وَاسْتَوَتْ أَرْضُهُ
، وَلَمْ يُعَدَّ بِلَا مَشَقَّةٍ، وَلَمْ تُقْصَدْ أَفْرَادُهُ، إلَّا أَنْ يَقِلَّ ثَمَنُهُ
[منح الجليل]
الْمَبِيعَ أَيْ عَرَفَا قَدْرَهُ بِالْحَزْرِ أَيْ الظَّنِّ وَكَانَا مُعْتَادَيْنِ لِلْحَزْرِ، وَلِذَا أَسْقَطَ الْمَفْعُولَ لِيُؤْذِنَ بِالْعُمُومِ إنْ حَزَرَا كُلَّ شَيْءٍ أَيْ اعْتَادَاهُ وَحَزْرُ الْمَبِيعِ بِالْفِعْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ.
(وَ) إنْ (اسْتَوَتْ أَرْضُهُ) أَيْ الْمَبِيعِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا أَيْ عَلِمَ الْعَاقِدَانِ أَوْ ظَنَّا اسْتِوَاءَهَا حِينَ الْبَيْعِ، فَإِنْ عَلِمَا أَوْ ظَنَّا عَدَمَهُ أَوْ شَكَّا فِيهِ فَسَدَ لِلْغَرَرِ، وَإِنْ عَلِمَا أَوْ ظَنَّا الِاسْتِوَاءَ ثُمَّ تَبَيَّنَ عَدَمُهُ فَالْخِيَارُ فِي الِانْخِفَاضِ لِلْبَائِعِ وَفِي الِارْتِفَاعِ لِلْمُشْتَرِي.
(وَ) إنْ (لَمْ يُعَدَّ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الدَّالِ الْمَبِيعُ جِزَافًا (بِلَا مَشَقَّةٍ) مَنْطُوقُهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ الْمَوْزُونُ وَالْمَكِيلُ مُطْلَقًا وَالْمَعْدُودُ بِمَشَقَّةٍ، فَيَجُوزُ بَيْعُهَا جِزَافًا.
وَمَفْهُومُهُ صُورَةُ الْمَعْدُودِ بِلَا مَشَقَّةٍ يَمْنَعُ بَيْعَهُ جِزَافًا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَدَّ يَتَيَسَّرُ لِكُلِّ مُمَيِّزٍ وَالْكَيْلَ وَالْوَزْنَ يَفْتَقِرَانِ لِآلَةٍ وَتَحْرِيرٍ (وَلَمْ تُقْصَدْ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ (أَفْرَادُهُ) أَيْ الْمَبِيعِ جِزَافًا فَإِنْ كَانَتْ أَفْرَادُهُ تُقْصَدُ وَتَخْتَلِفُ الرَّغْبَةُ فِيهَا كَالرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جِزَافًا فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَقِلَّ ثَمَنُ) الْإِفْرَادِ مِنْ (هـ) كَبَيْضٍ وَبِطِّيخٍ وَرُمَّانٍ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِ بُيُوعِ ابْنِ جَمَاعَةَ مَا نَصُّهُ قَيَّدُوا لِجَوَازٍ فِي الْمَعْدُودِ بِمَا تَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ فِي عَدَدِهِ لِكَثْرَتِهِ وَتَتَسَاوَى أَفْرَادُهُ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ، أَوْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ مُبَالَغَةً لَا آحَادَهُ كَالْبِطِّيخِ فَيَجُوزُ الْجِزَافُ فِيهِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ آحَادُهُ وَالنُّصُوصُ بِذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ.
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَا يُبَاعُ الْجَوْزُ جِزَافًا إلَّا إذَا عُرِفَ عَدَدُهُ وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْقِثَّاءِ جِزَافًا؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ صَغِيرٌ وَكَبِيرٌ وَالْعَدْلُ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ عَدَدًا أَكْبَرُ مِنْ الْعَدْلِ الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ عَدَدًا.
ابْنُ رُشْدٍ مَعْرِفَةُ عَدَدِ الْقِثَّاءِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ جِزَافًا إذْ لَا يُعْرَفُ قَدْرُ وَزْنِهِ بِمَعْرِفَةِ عَدَدِهِ لِاخْتِلَافِهِ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، بِخِلَافِ الْجَوْزِ الَّذِي يَقْرَبُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ وَهَذَا بَيِّنٌ.
ابْنُ بَشِيرٍ الْمَعْدُودَاتُ إنْ قَلَّتْ أَثْمَانُهَا جَازَ بَيْعُهَا جِزَافًا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَا يَتَعَلَّقُ الْغَرَضُ بِعَدَدِهِ يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ جِزَافًا
لَا غَيْرِ مَرْئِيٍّ؛ وَإِنْ مِلْءَ ظَرْفٍ وَلَوْ ثَانِيًا بَعْدَ تَفْرِيغِهِ،
[منح الجليل]
إلَّا أَنْ يَقِلَّ ثَمَنُ هَذَا النَّوْعِ فَقَدْ وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ جِزَافًا.
(لَا) يَجُوزُ بَيْعُ (غَيْرِ مَرْئِيٍّ) جِزَافًا إلَّا الْخَلَّ الَّذِي يُفْسِدُهُ الْفَتْحُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِلْءَ ظَرْفٍ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (مِلْءَ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ (ظَرْفٍ) بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ وِعَاءٍ كَغِرَارَةٍ وَقَارُورَةٍ إنْ كَانَ فَارِغًا، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ مَلْآنَ وَبَاعَ مَا فِيهِ مَعَ مِلْئِهِ (ثَانِيًا بَعْدَ تَفْرِيغِهِ) بِدِرْهَمٍ مَثَلًا فَلَا يَجُوزُ لِعَدَمِ رُؤْيَةِ مِلْئِهِ ثَانِيًا حِينَ بَيْعِهِمَا مَعًا، وَلَيْسَ الظَّرْفُ مِكْيَالًا مُعْتَادًا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ جِزَافًا.
وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِمَا فِي سَمَاعِ عِيسَى بْنِ الْقَاسِمِ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مِكْتَلًا مَلْآنَ طَعَامًا فَاشْتَرَاهُ بِدِينَارٍ فَفَرَّغَهُ ثُمَّ قَالَ امْلَأْهُ لِي ثَانِيَةً بِدِينَارٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنْ قَالَ لَهُ أَعْطِنِي الْآنَ كَيْلَهَا بِدِينَارٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ، وَلَوْ وَجَدَ غِرَارَةً مَلْأَى لَمْ يَكُنْ بَأْسٌ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِدِينَارٍ، وَلَوْ جَاءَهُ بِغِرَارَةٍ فَقَالَ لَهُ امْلَأْ لِي هَذِهِ الْغِرَارَةَ بِدِينَارٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ إنَّمَا يَجُوزُ شِرَاءُ ذَلِكَ جِزَافًا إذَا لَمْ يَقْصِدْ فِيهِ إلَى الْغَرَرِ بِأَنْ وَجَدَهُ جِزَافًا فِي وِعَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَشْتَرِيهِ كَمَا وَجَدَهُ، فَالْفَرْقُ بَيْنَ شِرَاءِ الطَّعَامِ يَجِدُهُ فِي الْمِكْتَلِ أَوْ الْغِرَارَةِ جِزَافًا بِدِينَارٍ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ امْلَأْ لِي ذَلِكَ ثَانِيَةً بِدِينَارٍ أَنَّ الْأُولَى لَمْ يَقْصِدْ إلَى الْغَرَرِ إذَا اشْتَرَاهُ كَمَا وَجَدَهُ جِزَافًا، وَالثَّانِي قَصْدًا إلَى الْغَرَرِ إذْ تَرَكَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِمِكْيَالٍ مَعْلُومٍ فَاشْتَرَاهُ بِمِكْيَالٍ مَجْهُولٍ وَلَا يَجُوزُ الشِّرَاءُ بِمِكْيَالٍ مَجْهُولٍ إلَّا فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ مِكْيَالٌ مَعْلُومٌ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ فِيهِ مَكَايِيلُ، فَلَمَّا كَانَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لَهُ ابْتِدَاءً امْلَأْ لِي هَذِهِ الْغِرَارَةَ بِدِينَارٍ إذْ لَا يُعْلَمُ مَبْلَغُ كَيْلِهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ اشْتَرَاهَا مَلْأَى كَمَا وَجَدَهَا إذْ لَا يُعْلَمُ كَيْلُهَا بِتَقَدُّمِ شِرَائِهِ إيَّاهَا جِزَافًا.
وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ صَبِّرْ لِي مِنْ طَعَامِك هَاهُنَا صُبْرَةً وَأَنَا أَشْتَرِيهَا مِنْك جِزَافًا لَمَا انْبَغَى أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْقَصْدِ إلَى الْغَرَرِ عَلَى قِيَاسِ مَا قُلْنَاهُ، وَيَجُوزُ شِرَاءُ مَا فِي الْمِكْيَالِ الْمَجْهُولِ عَلَى أَنَّهُ جِزَافٌ بِشُرُوطِهِ لَا عَلَى أَنَّهُ مَكِيلٌ بِهِ مَعَ تَيَسُّرِ الْمِكْيَالِ الْمَعْلُومِ.
إلَّا فِي كَسَلَّةِ تِينٍ، وَعَصَافِيرَ حَيَّةٌ بِقَفَصٍ، وَحَمَامِ بُرْجٍ
[منح الجليل]
الْمَازِرِيُّ هَجَسَ فِي نَفْسِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا أَجَازُوهُ وَمَا مَنَعُوهُ إذْ لَا يَخْتَلِفُ حَزْرُ الْحَازِرِ لِزَيْتٍ فِي قَارُورَةٍ وَلِمِقْدَارِ مِلْئِهَا مِنْهُ، وَأَشَارَ ابْنُ رُشْدٍ لِمَا يُفِيدُ جَوَابَهُ بِأَنَّ مَا أَجَازُوهُ لَمْ يُقْصَدْ فِيهِ إلَى الْغَرَرِ لِحُضُورِهِ فَخَفَّ أَمْرُهُ بِخِلَافِ مِلْئِهِ ثَانِيًا، فَإِنَّهُ غَرَرٌ مَدْخُولٌ عَلَيْهِ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الرُّخْصَةَ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْحَاضِرِ وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا.
وَذَكَرَ " غ " عَنْ الْقَبَّابِ أَنَّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ إعْطَاءِ الْبَزَّارِ دِرْهَمًا لِيُعْطِيَهُ بِهِ أَبْزَارًا نَحْوَ فُلْفُلٍ فَيَجْعَلُ شَيْئًا فِي وَرَقَةٍ وَيَطْوِيهَا عَلَيْهِ وَيَأْخُذُهُ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ حَزْرِهِ وَلَا رُؤْيَتِهِ لَا يَجُوزُ فَإِنْ فَتَحَهُ وَرَآهُ جَازَ.
وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ جَوَابِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ شَرْطَ الْجِزَافِ مُصَادَفَتُهُ فَلَا يَجُوزُ الدُّخُولُ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُعْطِيَ الْفَوَّالَ أَوْ الْعَطَّارَ دِرْهَمًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَك شَيْئًا جِزَافًا وَخُصُوصًا مَعَ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ وَعَدَمِ حَزْرِهِ، وَقَدْ اعْتَرَضَ ابْنُ عَلَّالٍ وَمُعَاصِرُوهُ قَوْلَ الْقَبَّابِ، فَإِنْ فَتَحَهُ وَرَآهُ جَازَ بِأَنَّ فِيهِ جَزَفَ لِي وَاشْتَرَى مِنْك، وَقَدْ نَصَّ فِي الْبَيَانِ عَلَى مَنْعِهِ، قَالَ وَعِنْدِي أَنَّ مَعْنَى مَا فِي الْبَيَانِ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْخِيَارِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ جَازَ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ وَإِنْ مِلْءَ ظَرْفٍ إلَخْ فَقَالَ (إلَّا) أَنْ يَقَعَ بَيْعُ مِلْءِ ظَرْفٍ ثَانِيًا بَعْدَ تَفْرِيغِهِ (فِي كَسَلَّةِ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ اللَّامِ، أَيْ إنَاءٍ مَضْفُورٍ مِنْ خَشَبٍ رَقِيقٍ أَوْ قَصَبٍ فَارِسِيٍّ لِ (تِينٍ) وَزَبِيبٍ وَقِرْبَةِ مَاءٍ وَجَرَّتِهِ وَرَاوِيَتِهِ وَنَحْوِهَا مِمَّا جَرَى الْعُرْفُ بِجَعْلِهِ كَالْمِكْيَالِ الْمَعْلُومِ، فَيَجُوزُ بَيْعُ مِلْئِهِ فَارِغًا وَبَيْعُ مِلْئِهِ الْحَاضِرِ مَعَ مِلْئِهِ ثَانِيًا بَعْدَ تَفْرِيغِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمِكْيَالِ الْمَعْلُومِ.
(وَ) لَا يَجُوزُ بَيْعُ (عَصَافِيرَ) وَنَحْوِهَا مِمَّا يَتَدَاخَلُ مِنْ الطَّيْرِ (حَيَّةٍ بِقَفَصٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ بَعْضُهُ تَحْتَ بَعْضٍ فَلَا يُمْكِنُ حَزْرُهُ، وَمَفْهُومُ حَيَّةٍ جَوَازُ بَيْعِ الْمَذْبُوحَةِ جِزَافًا (وَهُوَ كَذَلِكَ) وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ (حَمَامِ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ (بُرْجٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ آخِرُهُ جِيمٌ بِنَاءً مِنْ قَوَادِيسَ لِسُكْنَى الْحَمَامِ لِعَدَمِ إمْكَانِ حَزْرِهِ، فَإِنْ حَزَرَهُ جَازَ
وَثِيَابٍ
وَنَقْدٍ، إنْ سُكَّ، وَالتَّعَامُلُ بِالْعَدَدِ، وَإِلَّا جَازَ
، فَإِنْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا بِعِلْمِ الْآخَرِ
[منح الجليل]
قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ أَجَازَ بَيْعَ الْبُرْجِ بِمَا فِيهِ، وَبَيْعَ جَمِيعِ مَا فِيهِ إذَا رَآهُ وَأَحَاطَ بِهِ مَعْرِفَةً وَحَزْرًا.
اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ مَا فِي الْبُرْجِ مِنْ حَمَامٍ أَوْ بَيْعِهِ بِحَمَامِهِ جِزَافًا وَالْمَنْعُ فِيهِمَا لِابْنِ نَافِعٍ فِي الْمَدَنِيَّةِ.
الْحَطَّابُ وَرَجَّحَ فِي الشَّامِلِ الْجَوَازَ وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ.
(وَ) لَا يَجُوزُ بَيْعُ (ثِيَابٍ) وَرَقِيقٍ وَدَوَابَّ وَنَحْوَهَا جِزَافًا لِقَصْدِ إفْرَادِهَا
(وَ) لَا يَجُوزُ بَيْعُ (نَقْدٍ) أَيْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ جِزَافًا (إنْ سُكَّ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْكَافِ أَيْ صِيغَ بِالْكَيْفِيَّةِ الْخَاصَّةِ وَخُتِمَ أَيْ النَّقْدُ بِخَتْمِ السُّلْطَانِ (وَالتَّعَامُلُ) بِهِ بَيْنَ النَّاسِ (بِالْعَدَدِ) وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْوَزْنِ لِقَصْدِ إفْرَادِهِ، وَكَذَا فُلُوسُ النُّحَاسِ، الْمُتَعَامَلُ بِهَا عَدَدًا.
قَالَ ابْنُ نَاجِي إنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَكَذَا الْجَوَاهِرُ الْكِبَارُ، وَخُصَّ النَّقْدُ لِكَثْرَةِ غَرَرِهِ لِحُصُولِهِ مِنْ جِهَةِ الْكَمِّيَّةِ وَجِهَةِ قَصْدِ الْآحَادِ وَلَا يُعَلَّلُ بِكَثْرَةِ الثَّمَنِ لِئَلَّا تُرَدَّ الْجَوَاهِرُ الصِّغَارُ وَاللُّؤْلُؤُ وَنَحْوُهَا الَّتِي تُبَاعُ جِزَافًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّقْدُ مَسْكُوكًا سَوَاءٌ تُعُومِلَ بِهِ وَزْنًا أَوْ عَدَدًا أَوْ كَانَ مَسْكُوكًا، وَإِنْ لَمْ يُتَعَامَلْ بِهِ عَدَدًا بِأَنْ تُعُومِلَ بِهِ وَزْنًا (جَازَ) بَيْعُهُ جِزَافًا لِعَدَمِ قَصْدِ آحَادِهِ.
الْبُنَانِيُّ الصَّوَابُ رُجُوعُ قَوْلِهِ وَإِلَّا لِلْقَيْدَيْنِ مَعًا، أَيْ وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ الشَّرْطَانِ بِأَنْ فُقِدَا أَوْ أَحَدُهُمَا جَازَ فَيَدْخُلُ تَحْتَ وَإِلَّا ثَلَاثُ صُوَرٍ، لَكِنْ يَقْتَضِي الْجَوَازَ فِي غَيْرِ الْمَسْكُوكِ الْمُتَعَامَلِ بِهِ عَدَدًا مَعَ أَنَّ حُكْمَهُ الْمَنْعُ.
وَقَدْ يُقَالُ لِبُعْدِ هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَسْتَثْنِهَا عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ بَحَثَ فِي جَوَازِهِ فِي الْمَسْكُوكِ الْمُتَعَامَلِ بِهِ وَزْنًا بِأَنَّ آحَادَهُ مَقْصُودَةٌ لِلرَّغْبَةِ فِي كَثْرَتِهَا لِسُهُولَةِ شِرَاءِ السِّلَعِ الْيَسِيرَةِ كَنِصْفِ دِرْهَمٍ وَرُبْعِهِ.
وَأَفَادَ تَفْصِيلًا فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ وَجَهِلَاهُ فَقَالَ (فَإِنْ) تَبَايَعَا شَيْئًا جِزَافًا وَأَحَدُهُمَا يَعْلَمُ قَدْرَهُ دُونَ الْآخَرِ ثُمَّ (عَلِمَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الْمُتَبَايِعَيْنِ جِزَافًا بَعْدَ الْبَيْعِ (بِعِلْمِ الْآخَرِ) حِينَ
بِقَدْرِهِ، خُيِّرَ وَإِنْ أَعْلَمَهُ أَوَّلًا: فَسَدَ كَالْمُغَنِّيَةِ
، وَجِزَافِ حَبٍّ مَعَ مَكِيلٍ مِنْهُ، أَوْ أَرْضٍ
وَجِزَافِ أَرْضٍ مَعَ مَكِيلِهِ
، لَا مَعَ حَبٍّ.
[منح الجليل]
الْبَيْعِ (بِقَدْرِهِ) أَيْ الْمَبِيعِ جِزَافًا (خُيِّرَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ مُثْقَلَةً غَيْرُ الْعَالِمِ بِقَدْرِهِ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ بِقَدْرِهِ غَرَّهُ.
ابْنُ رُشْدٍ مَا يُعَدُّ أَوْ يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جِزَافًا إلَّا مَعَ اسْتِوَاءِ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ فِي الْجَهْلِ بَعْدَمَا يُعَدُّ مِنْهُ وَوَزْنِ مَا يُوزَنُ وَكَيْلِ مَا يُكَالُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى عَلِمَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا وَجَهِلَهُ الْآخَرُ كَانَ الْعَالِمُ بِذَلِكَ قَدْ غَرَّ الْجَاهِلَ وَغَشَّهُ، فَإِذَا عَلِمَ عَدَدَ الْجَوْزِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ جِزَافًا وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ فِيهِ أَنَّهُ يُبَاعُ كَيْلًا لِمَعْرِفَةِ كَيْلِهِ بِمَعْرِفَةِ عَدَدِهِ.
وَأَمَّا مَعْرِفَةُ عَدَدِ الْقِثَّاءِ فَلَا تَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهَا جِزَافًا إذْ لَا يُعْرَفُ قَدْرُ وَزْنِهِ بِمَعْرِفَةِ عَدَدِهِ لِاخْتِلَافِهِ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ بِخِلَافِ الْجَوْزِ الَّذِي يَقْرُبُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ وَهَذَا بَيِّنٌ اهـ.
(وَإِنْ أَعْلَمَهُ) أَيْ الْعَالِمُ الْجَاهِلَ بِعِلْمِهِ بِقَدْرِهِ أَوْ عَلِمَ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ (فَسَدَ) الْبَيْعُ لِلْغَرَرِ وَالْخَطَرِ فَيُفْسَخُ وَيُرَدُّ الْمَبِيعُ لِبَائِعِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا، فَإِنْ فَاتَ رُدَّتْ قِيمَتُهُ وَمَا فِيهِ التَّخْيِيرُ وَفَاتَ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الْأَقَلُّ مِنْ ثَمَنِهِ وَقِيمَتِهِ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ، فَإِنْ كَانَ لِلْبَائِعِ فَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ.
وَشَبَّهَ فِي الْفَسَادِ فَقَالَ (كَ) بَيْعِ الْأَمَةِ (الْمُغَنِّيَةِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً بِشَرْطِ كَوْنِهَا مُغَنِّيَةً لِاسْتِزَادَةِ ثَمَنِهَا فَهُوَ فَاسِدٌ، فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ وَظَهَرَ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ الشِّرَاءِ خُيِّرَ فِي رَدِّهَا، وَإِنْ كَانَ لِلتَّبَرِّي فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي وَلَا يَفْسُدُ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُغَنِّي بِشَرْطِ غِنَاهُ لِلِاسْتِزَادَةِ، نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ مَعَ كَوْنِ الْمَنْفَعَةِ لَيْسَتْ شَرْعِيَّةَ عَدَمُ خَشْيَةِ تَعَلُّقِ الْقُلُوبِ بِهِ غَالِبًا.
(وَ) لَا يَجُوزُ بَيْعُ (جِزَافِ حَبٍّ) كَقَمْحٍ مِمَّا أَصْلُهُ أَنْ يُبَاعَ كَيْلًا (مَعَ مَكِيلٍ مِنْهُ) أَيْ الْحَبِّ كَإِرْدَبٍّ لِخُرُوجِ أَحَدِهِمَا عَنْ أَصْلِهِ (أَوْ) مَعَ مَكِيلِ (أَرْضٍ) وَنَحْوِهَا مِمَّا أَصْلُهُ الْبَيْعُ جِزَافًا لِخُرُوجِهِمَا مَعًا عَنْ أَصْلِهِمَا
(وَ) لَا يَجُوزُ بَيْعُ (جِزَافِ أَرْضٍ مَعَ مَكِيلِهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ لِخُرُوجِ أَحَدِهِمَا عَنْ أَصْلِهِ
(لَا) يُمْنَعُ بَيْعُ جِزَافِ أَرْضٍ (مَعَ مَكِيلِ حَبٍّ)