منح الجليل شرح مختصر خليلصفحات 149-188
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَإِنْ بِسُفُنٍ، وَبِالْحِصْنِ

[منح الجليل]

الْمَذْكُورَيْنِ فَقَالَ (وَإِنْ) كُنَّا وَإِيَّاهُمْ أَوْ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ (بِسُفُنٍ) بِضَمِّ السِّينِ وَالْفَاءِ جَمْعُ سَفِينَةٍ وَيَصِحُّ رُجُوعُهَا لِلْمَفْهُومِ لَكِنَّهُ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَفْهُومِ الشَّرْطِ الثَّانِي، وَغَيْرُ ظَاهِرٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَفْهُومِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الرَّاجِحَ جَوَازُ قِتَالِهِمْ بِهَا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ، وَكُنَّ وَإِيَّاهُمْ بِسُفُنٍ سَوَاءٌ أَمْكَنَ غَيْرُهَا أَمْ لَا أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ رُجُوعُهَا لِلْمَنْطُوقِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ بِهَا فِي السُّفُنِ مَعَ اجْتِمَاعِ الشَّرْطَيْنِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْحِصْنِ فَلَا مَحَلَّ لِلْمُبَالَغَةِ، وَبِهَذَا اعْتَرَضَهَا الشَّارِحُ فَالصَّوَابُ رُجُوعُهَا لِلْمَفْهُومِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَفْهُومِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ.
وَنَصُّ ابْنِ رُشْدٍ وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ فِيمَا يَجُوزُ بِهِ قَتْلُ الْعَدُوِّ وَمَا لَا يَجُوزُ وَتَلْخِيصُهُ أَنَّ الْحُصُونَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا الْمُقَاتِلَةُ فَأَجَازَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يُرْمَوْا بِالنَّارِ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ سَحْنُونٌ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْحَضْرَمِيِّ، وَلَا خِلَافَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ تَغْرِيقِهِمْ بِالْمَاءِ وَرَمْيِهِمْ بِالْمَجَانِيقِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ فِيهَا الْمُقَاتِلَةُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرْمَوْا بِالنَّارِ وَيُغَرَّقُوا بِالْمَاءِ وَيُرْمَوْا بِالْمَجَانِيقِ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْعَلَ بِهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرْمَوْا بِالْمَجَانِيقِ وَيُغَرَّقُوا بِالْمَاءِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرْمَوْا بِالنَّارِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرْمَوْا بِالْمَجَانِيقِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغَرَّقُوا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي الْحِصْنِ مَعَ الْمُقَاتِلَةِ أَسِيرٌ فَلَا يُرْمَوْا بِالنَّارِ، وَلَا يُغَرَّقُوا بِالْمَاءِ، وَاخْتُلِفَ فِي قَطْعِهِ عَنْهُمْ وَرَمْيِهِمْ بِالْمَجَانِيقِ فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَمَنَعَهُ ابْنُ حَبِيبٍ حَاكِيًا عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ الْمَدَنِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ.
وَأَمَّا السُّفُنُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ فَيَجُوزُ رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ أَسِيرٌ فَأَجَازَهُ أَشْهَبُ وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
(وَ) قُوتِلُوا (بِالْحِصْنِ) أَتَى بِهِ مُعَرَّفًا تَنْبِيهًا عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ حَيِّزِ الْمُبَالَغَةِ وَعَلَى

بِغَيْرِ تَحْرِيقٍ وَتَغْرِيقٍ مَعَ ذُرِّيَّةٍ، وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِذُرِّيَّةٍ تُرِكُوا؛ إلَّا لِخَوْفٍ، وَبِمُسْلِمٍ لَمْ يُقْصَدْ التُّرْسُ؛ إنْ لَمْ يُخَفْ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ.

[منح الجليل]

احْتِرَامِ الذُّرِّيَّةِ فِيهِ، وَلِذَا قَالَ (بِغَيْرِ تَغْرِيقٍ وَتَحْرِيقٍ) أَمْكَنَ غَيْرُهُمَا أَمْ لَا وَهَذَا كَالتَّخْصِيصِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ بِقَطْعِ مَاءٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ عَلَيْهِمْ حَالَ كَوْنِهِمْ (مَعَ ذُرِّيَّةٍ) أَوْ نِسَاءٍ وَأَوْلَى مَعَ مُسْلِمٍ فَيُتْرَكُونَ إنْ لَمْ يُخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُمْ يُرْمَوْنَ بِالْمَنْجَنِيقِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِ الْجِيمِ وَلَوْ مَعَ ذُرِّيَّةٍ أَوْ نِسَاءٍ أَوْ مُسْلِمٍ وَهُوَ كَذَلِكَ.
(وَإِنْ تَتَرَّسُوا) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ الْحَرْبِيُّونَ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِمْ بِحِصْنٍ (بِذُرِّيَّةٍ) لَهُمْ أَوْ نِسَائِهِمْ أَيْ جَعَلُوهَا تُرْسًا يَتَوَقَّوْنَ بِهِ (تُرِكُوا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ بِلَا قِتَالٍ لِحَقِّ الْغَانِمِينَ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا لِخَوْفٍ) مِنْهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيُقَاتَلُونَ وَظَاهِرُهُ كَابْنِ بَشِيرٍ وَإِنْ قَلَّ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ خِيفَ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ (وَ) إنْ تَتَرَّسُوا (بِمُسْلِمٍ) قُوتِلُوا وَ (لَمْ يُقْصَدْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الصَّادِ (التُّرْسُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ بِالرَّمْيِ وَإِنْ خِفْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا؛ لِأَنَّ دَمَ الْمُسْلِمِ لَا يُبَاحُ بِالْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ (إنْ لَمْ يُخَفْ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ (عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ) شَرْطٌ لِلْأَخِيرَةِ وَلِقَوْلِهِ وَبِنَارٍ، وَلِقَوْلِهِ وَبِالْحِصْنِ إلَخْ فَإِنْ خِيفَ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ جَازَ قِتَالُهُمْ وَسَقَطَتْ حُرْمَةُ التُّرْسِ، سَوَاءٌ كَانَ ذُرِّيَّتَهُمْ أَوْ مُسْلِمًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَتَرُّسِهِمْ بِمُسْلِمٍ وَتَتَرُّسِهِمْ بِذُرِّيَّتِهِمْ أَنَّ نُفُوسَ الْمُسْلِمِينَ مَجْبُولَةٌ عَلَى بُغْضِ الْكَافِرِينَ، فَلَوْ أُبِيحَ قِتَالُهُمْ حَالَ تَتَرُّسِهِمْ بِذُرِّيَّتِهِمْ مَعَ عَدَمِ قَصْدِ التُّرْسِ لَأَدَّى لِقَتْلِ ذُرِّيَّتِهِمْ لِعَدَمِ تَحَرُّزِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ لِبُغْضِهِمْ، وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ قِتَالِهِمْ حَالَ تَتَرُّسِهِمْ بِمُسْلِمٍ وَإِنْ لَمْ يُخَفْ مِنْهُمْ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَالْجَوَاهِرِ إذْ قَوْلُهُ وَبِمُسْلِمٍ إلَخْ صَادِقٌ بِعَدَمِ الْخَوْفِ أَصْلًا وَبِخَوْفٍ يَسِيرٍ بِدَلِيلِ الشَّرْطِ بَعْدَهُ وَالِاسْتِثْنَاءِ قَبْلَهُ.
وَحُمِلَ أَحَدُ قَوْلِهِ وَبِمُسْلِمٍ عَلَى الْخَوْفِ مِنْهُمْ.
أَيْ وَإِنْ تَتَرَّسُوا وَخِيفَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ يُرْمَوْنَ، وَلَا يُقْصَدْ التُّرْسُ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى أَكْثَرِ

وَحَرُمَ نَبْلٌ سُمَّ وَاسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ إلَّا لِخِدْمَةٍ،

[منح الجليل]

الْمُسْلِمِينَ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ عَدَمِ قَصْدِ التُّرْسِ وَالْأَحْوَالُ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا الْخَوْفُ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ فَيُقَاتَلُونَ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ أَوْ بِذُرِّيَّةٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ عَدَمُ قَصْدِ التُّرْسِ، ثَانِيًا الْخَوْفُ مِنْهُمْ عَلَى أَقَلِّ الْمُسْلِمِينَ فَيُقَاتَلُونَ إنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ وَلَا يُقْصَدُ التُّرْسُ وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِذُرِّيَّةٍ فَيُقَاتَلُونَ، وَلَا يُعْتَبَرُ التُّرْسُ، ثَالِثُهَا أَنْ لَا يُخَافَ مِنْهُمْ، فَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ قُوتِلُوا أَوْ لَا يُقْصَدُ التُّرْسُ وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِذُرِّيَّةٍ تُرِكُوا عَلَى الْفَرْقِ الْمُتَقَدِّمِ وَعَلَى تَقْرِيرِ أَحْمَدَ يُتْرَكُونَ فِيهِمَا.

(وَحَرُمَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ (نَبْلٌ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ مَعْنَاهُ السِّهَامُ الْعَرَبِيَّةُ مُؤَنَّثٌ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ (سُمَّ) بِضَمِّ السِّينِ وَشَدِّ الْمِيمِ وَنَائِبُ فَاعِلِهِ ضَمِيرُ النَّبْلِ، فَالْمُنَاسِبُ سُمَّتْ أَيْ جُعِلَ فِيهَا السُّمُّ الْقَاتِلُ أَيْ حَرُمَ عَلَيْنَا رَمْيُهُمْ بِهَا، وَاَلَّذِي فِي النَّوَادِرِ كَرِهَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يُسَمَّ النَّبْلُ وَالرِّمَاحُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ يُونُسَ، فَحَمَلَ الْمُصَنِّفُ الْكَرَاهَةَ عَلَى الْحُرْمَةِ وَقَيَّدَهَا بَعْضُهُمْ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْعَدُوِّ نَبْلٌ مَسْمُومٌ وَإِلَّا فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ، وَكَرِهَ سَحْنُونٌ جَعْلَ سُمٍّ فِي قِلَالِ خَمْرٍ لِيَشْرَبَهَا الْعَدُوُّ وَهِيَ عَلَى بَابِهَا وَلَوْ كَانَ فِي الْقَتْلِ بِهَا مُثْلَةٌ وَتَعْذِيبٌ لِجَوَازِهَا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ بِأَيِّ قِتْلَةٍ وَحُرْمَةُ الْمُثْلَةِ الْآتِيَةِ خَاصَّةٌ بِمَا بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ.
(وَ) حَرُمَ عَلَيْنَا (اسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ) أَيْ كَافِرٍ فِي الصَّفِّ وَالزَّحْفِ وَالسِّينُ وَالتَّاءُ.
لِلطَّلَبِ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ فَلَا يُمْنَعُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ يُمْنَعُ أَشَدَّ الْمَنْعِ، وَدَلِيلُ الْأَوَّلِ غَزْوُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ قَبْلَ إسْلَامِهِ.
عج وَفِيهِ شَيْءٌ.
عب لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ صَفْوَانَ كَانَ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَجَازَهُ لِلتَّأَلُّفِ لَا لِخُرُوجِهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
وَيَدُلُّ لِأَصْبَغَ ظَاهِرُ خَبَرِ مُسْلِمٍ «ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ قَالَهُ لِيَهُودِيٍّ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ» . وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ النَّهْيَ كَانَ فِي وَقْتٍ خَاصٍّ وَهُوَ بَدْرٌ بِدَلِيلِ غَزْوِ صَفْوَانَ مَعَهُ فِي حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْبِيرِهِ بِمُشْرِكٍ الْحَدِيثَ، وَأَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْكِتَابِيَّ بِدَلِيلِ تَعْبِيرِ الْمُصْطَفَى بِهِ لِرَدِّ الْكِتَابِيِّ فَلَا يُقَالُ عِبَارَتُهُ تَقْتَضِي جَوَازَهَا بِكِتَابِيٍّ مَعَ مَنْعِهَا أَيْضًا (إلَّا لِخِدْمَةٍ) مِنْهُ لَنَا كَحَفْرٍ أَوْ هَدْمٍ أَوْ رَمْيٍ بِمَنْجَنِيقٍ أَوْ صَنْعَةٍ فَلَا تَحْرُمُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ فِيهَا.

وَإِرْسَالُ مُصْحَفٍ لَهُمْ، وَسَفَرٌ بِهِ لِأَرْضِهِمْ: كَمَرْأَةٍ إلَّا فِي جَيْشٍ آمِنٍ

وَفِرَارٌ؛ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا

[منح الجليل]

(وَ) حَرُمَ (إرْسَالُ مُصْحَفٍ) وَلَوْ طَلَبَهُ الطَّاغِيَةُ لِيَتَدَبَّرَهُ خَشْيَةَ إهَانَتِهِمْ (لَهُ) أَوْ إصَابَةِ نَجَاسَةٍ، وَأَرَادَ بِهِ مَا قَابَلَ الْكِتَابَ الَّذِي فِيهِ كَآيَةٍ بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ بَعْدُ فَلَا يُقَالُ مَفْهُومُ مُصْحَفٍ أَنَّ مَا دُونَهُ وَلَوْ الْجُلُّ لَا يَحْرُمُ إرْسَالُهُ وَهُوَ يُعَارِضُ مَفْهُومَ قَوْلِهِ الْآتِي فِيمَا يَجُوزُ وَبُعِثَ كِتَابٌ فِيهِ كَآيَةٍ.
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنْ طَلَبَك كَافِرٌ أَنْ تُعَلِّمَهُ قُرْآنًا فَلَا تَفْعَلْ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيمُهُ الْفِقْهَ.
وَكَرِهَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إعْطَاءَهُمْ دِرْهَمًا فِيهِ آيَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ، وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ فِيهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى اُنْظُرْ الْحَطّ.
(وَ) حَرُمَ (سَفَرٌ بِهِ) أَيْ الْمُصْحَفِ (لِأَرْضِهِمْ) أَيْ بِلَادِ الْكُفَّارِ تَنَازَعَ فِيهِ إرْسَالٌ وَسَفَرٌ وَلَوْ مَعَ جَيْشٍ كَثِيرٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُتُبَ الْحَدِيثِ كَالْقُرْآنِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُ.
وَشَبَّهَ فِي الْحُرْمَةِ فَقَالَ (كَ) سَفَرٍ بِ (امْرَأَةٍ) لِأَرْضِهِمْ مُسْلِمَةٍ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ كِتَابِيَّةٍ زَوْجَةٍ لِمُسْلِمٍ فَيَحْرُمُ (إلَّا فِي جَيْشٍ آمِنٍ) بِمَدِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْمِيمِ فَيَجُوزُ السَّفَرُ بِالْمَرْأَةِ خَاصَّةً، وَلِذَا فَصَلَ بِالْكَافِ؛ لِأَنَّهَا تُنَبِّهُ عَلَى نَفْسِهَا وَالْمُصْحَفُ قَدْ يَسْقُطُ، وَلَا يُشْعَرُ بِهِ، وَقَدْ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقْرِعُ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي سَفَرِ الْغَزْوِ؛ لِأَنَّ جَيْشَهُ آمِنٌ» .

(وَ) حَرُمَ (فِرَارٌ) مِنْ عَدُوٍّ عَلَى مُسْلِمٍ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْجِهَادُ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ مَنْدُوبًا (إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ) الَّذِينَ مَعَهُمْ سِلَاحٌ (النِّصْفَ) مِنْ عَدَدِ الْكُفَّارِ كَمِائَةٍ مِنْ مِائَتَيْنِ وَلَوْ فَرَّ الْأَمِيرُ فَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْجُمْهُورِ الْعَدَدُ لَا الْقُوَّةُ وَالْجَلَدُ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَتَخْتَصُّ الْحُرْمَةُ بِمَنْ فَرَّ أَوَّلًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ سِلَاحٌ أَوْ لَمْ يَبْلُغُوا النِّصْفَ فَلَا يَحْرُمُ (وَلَمْ يَبْلُغُوا) أَيْ الْمُسْلِمُونَ (اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) عَطْفٌ عَلَى مَفْهُومٍ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ، وَقَيَّدَ فِيهِ أَيْ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا النِّصْفَ وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا جَازَ الْفِرَارُ أَوْ الْحَالُ أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ

إلَّا تَحَرُّفًا

[منح الجليل]

عَشَرَ أَلْفًا، فَإِنْ بَلَغُوهَا حَرُمَ وَلَوْ كَثُرَ الْكُفَّارُ جِدًّا مَا لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ وَإِلَّا جَازَ لِخَبَرِ «لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ إلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ كَلِمَتُهُمْ» ، وَمَا لَمْ يَكُنْ الْعَدُوُّ بِمَحَلِّ مَدَدِهِ وَلَا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا جَازَ.
وَفِي بَعْضِ التَّقَايِيدِ مَحَلُّ الْحُرْمَةِ أَيْضًا إذَا كَانَ فِي الِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذَلِكَ وَظَنَّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَقْتُلُونَهُمْ جَازَ الْفِرَارُ انْتَهَى.
فَإِنْ كَانَ ظَنُّ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْكُفَّارِ رُجِعَ لِلتَّقْيِيدِ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ لِشَجَاعَتِهِمْ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ، وَالْفِرَارُ الْمُحَرَّمُ مِنْ الْكَبَائِرِ فَتَسْقُطُ الْعَدَالَةُ بِهِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَارِّ إلَّا أَنْ يَتُوبَ.
ابْنُ عَرَفَةَ تَظْهَرُ تَوْبَتُهُ بِثُبُوتِهِ فِي زَحْفٍ آخَرَ، وَنَازَعَهُ الْآبِي قَائِلًا: بَلْ هِيَ بِالنَّدَمِ وَالْإِقْلَاعِ وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، هَذَا الْقَيْدُ ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَنَسَبَهُ لِأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَسَلَّمَهُ وَابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ غَازِيٍّ فِي تَكْمِيلِهِ وَأَقَرَّاهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِمَادِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَنْكَرَهُ سَحْنُونٌ وَنَسَبَهُ لِلْعِرَاقِيِّينَ، وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ عَوَّلَ عَلَى ابْنِ رُشْدٍ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ» ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ.
وَقَوْلُ " ز " مَا لَمْ يَكُنْ الْعَدُوُّ بِمَحَلِّ مَدَدِهِ، وَلَا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ إلَخْ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ هَذَا الْقَيْدَ هُنَا وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِيمَا إذَا بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَنَصُّهُ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَحِلُّ فِرَارُ مِائَةٍ مِنْ ضَعْفِهَا وَلَوْ كَانَ أَشَدَّ سِلَاحًا وَقُوَّةً وَجَلَدًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ بِمَحَلِّ مَدَدِهِ وَلَا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ فَفِي التَّوْلِيَةِ سِعَةٌ اهـ. وَأَمَّا الِاثْنَا عَشَرَ أَلْفًا فَلَا يَفِرُّونَ وَلَوْ كَانَ الْعَدُوُّ أَضْعَافَ أَضْعَافِهِمْ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ بِمَحَلِّ مَدَدِهِ، هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ.
وَقَوْلُ " ز " وَنَازَعَهُ الْآبِي إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ إذْ ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ يَقُلْ إنَّ حَقِيقَةَ التَّوْبَةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى ثُبُوتِهِ فِي زَحْفٍ آخَرَ، وَإِنَّمَا قَالَ ظُهُورُهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ.
(إلَّا تَحَرُّفًا) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ مُشَدَّدَةً لِقِتَالٍ بِأَنْ يُظْهِرَ الْهَزِيمَةَ

وَتَحَيُّزًا إنْ خِيفَ

وَالْمُثْلَةُ، وَحَمْلُ رَأْسٍ لِبَلَدٍ أَوْ وَالٍ

وَخِيَانَةُ أَسِيرٍ ائْتُمِنَ طَائِعًا وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ،

[منح الجليل]

لِيَتْبَعَهُ الْعَدُوُّ فَيَرْجِعَ عَلَيْهِ فَيَقْتُلَهُ وَهُوَ مِنْ مَكَايِدِ الْحَرْبِ.
(وَ) إلَّا تَحَيُّزًا إلَى أَمِيرِ الْجَيْشِ أَوْ إلَى فِئَةٍ فَيَتَقَوَّى بِهِمْ، وَشَرْطُ جَوَازِهِمَا كَوْنُ الْمُتَحَرِّفِ وَالْمُتَحَيِّزِ غَيْرَ أَمِيرِ الْجَيْشِ وَالْإِمَامِ، وَأَمَّا هُمَا فَلَيْسَ لَهُمَا التَّحَرُّفُ، وَلَا التَّحَيُّزُ لِحُصُولِ الْخَلَلِ وَالْمَفْسَدَةِ بِهِ وَاَلَّذِي مِنْ خَصَائِصِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وُجُوبُ مُصَابَرَةِ الْعَدُوِّ وَالْكَثِيرِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ مَا هُنَا (إنْ خِيفَ) الْعَدُوُّ أَيْ خَافَ مِنْهُ الْمُتَحَيِّزُ أَنْ يَقْتُلَهُ خَوْفًا بَيِّنًا إنْ كَانَ انْحِيَازُهُ إلَى فِئَةٍ خَرَجُوا مَعَهُمْ، أَمَّا لَوْ كَانُوا خَرَجُوا مِنْ بَلَدِ الْأَمِيرِ وَهُوَ مُقِيمٌ فِي بَلَدِهِ فَلَا يَكُونُ فِئَةً لَهُمْ يَنْحَازُونَ إلَيْهِ قَالَهُ الْحَطّ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَحِلُّ الْفِرَارُ مِنْ الضَّعْفِ إلَّا انْحِرَافًا لِلْقِتَالِ أَوْ مُتَحَيِّزًا لِفِئَةٍ كَالِانْحِيَازِ لِلْجَيْشِ الْعَظِيمِ أَوْ سَرِيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ لِمُتَأَخِّرَةٍ عَنْهَا وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ رِوَايَةً لَا يَنْحَازُ إلَّا لِخَوْفٍ بَيِّنٍ.

(وَ) حَرُمَ (الْمُثْلَةُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ التَّمْثِيلُ بِالْكُفَّارِ بِقَطْعِ أَطْرَافِهِمْ وَقَلْعِ أَعْيُنِهِمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُمَثِّلُوا بِمُسْلِمٍ فَيَجُوزُ حَالَ الْقِتَالِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ أَوْ بَعْدَ تَمْثِيلِهِمْ بِمُسْلِمٍ قَالَهُ الْبَاجِيَّ فِي أَسِيرٍ كَافِرٍ عِنْدَنَا وَقَدْ مَثَّلُوا بِأَسِيرٍ مُسْلِمٍ عِنْدَهُمْ.
(وَ) حَرُمَ (حَمْلُ رَأْسٍ) مِنْ عَدُوٍّ وَمِنْ بَلَدِ قَتْلِهِ (لِبَلَدٍ) آخَرَ (أَوْ) لِ (وَالٍ) أَيْ أَمِيرِ جَيْشٍ فِي بَلَدِ الْقِتَالِ وَيَجُوزُ حَمْلُهَا فِي بَلَدِ الْقِتَالِ لِغَيْرِ وَالٍ وَاسْتُظْهِرَ جَوَازُ حَمْلِهَا لِبَلَدٍ آخَرَ لِمَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَاطْمِئْنَانِ الْقُلُوبِ بِالْجَزْمِ بِمَوْتِهِ، وَقَدْ حُمِلَ رَأْسُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ مِنْ خَيْبَرَ إلَى الْمَدِينَةِ.

(وَ) حَرُمَ (خِيَانَةُ) مُسْلِمٍ (أَسِيرٍ) فِي بَلَدِ الْعَدُوِّ (ائْتُمِنَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ ائْتَمَنَهُ كَافِرٌ صَرَاحَةً نَحْوُ أَمَّنَّاك عَلَى أَمْوَالِنَا وَذُرِّيَّتِنَا وَنِسَائِنَا أَوْ ضِمْنًا كَإِعْطَائِهِ شَيْئًا يَصْنَعُهُ حَالَ كَوْنِ الْأَسِيرِ (طَائِعًا) فِي ائْتِمَانِهِ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ وَنِسَائِهِمْ بَلْ (وَلَوْ) ائْتُمِنَ (عَلَى نَفْسِهِ) بِعَهْدٍ مِنْهُ أَنْ لَا يَهْرُبَ، وَلَا يَخُونَهُمْ فِيمَا تَقَدَّمَ أَوْ بِغَيْرِ عَهْدٍ بِيَمِينٍ فِيهِمَا أَوْ بِغَيْرِهَا وَمَفْهُومُ ائْتُمِنَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُؤْتَمَنْ تَجُوزُ خِيَانَتُهُ، وَمَفْهُومُ طَائِعًا أَنَّهُ إنْ ائْتُمِنَ مُكْرَهًا

وَالْغُلُولُ، وَأُدِّبَ إنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ

وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ: نَعْلًا، وَحَرَامًا، وَإِبْرَةً، وَطَعَامًا وَإِنْ نَعَمًا، وَعَلَفًا:

[منح الجليل]

تَجُوزُ خِيَانَتُهُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَلَوْ حَلَّفُوهُ يَمِينًا عَلَى عَدَمِهَا.
فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يُتَصَوَّرُ طَوْعُهُ وَهُوَ أَسِيرٌ.
قُلْت يُتَصَوَّرُ فِيمَنْ أَحَبُّوهُ وَظَنُّوا فِيهِ الْأَمَانَةَ وَأَطْلَقُوهُ يَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَ فِي بِلَادِهِمْ فَأَعْجَبَتْهُ لِكَثْرَةِ زِينَةِ الدُّنْيَا مَثَلًا.

(وَ) حَرُمَ (الْغُلُولُ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَأَصْلُهُ الْمَاءُ الْجَارِي بَيْنَ الشَّجَرِ، ثُمَّ نُقِلَ لِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ حَوْزِهَا لِإِدْخَالِ الْغَالِّ مَا يَأْخُذُهُ بَيْنَ مَتَاعِهِ لِيُخْفِيَهُ عَنْ غَيْرِهِ وَعَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ أَخْذُ مَا لَمْ يُبَحْ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ حَوْزِهَا أَيْ إنْ كَانَ الْإِمَامُ يَقْسِمُ الْغَنِيمَةَ قِسْمَةً شَرْعِيَّةً وَإِلَّا جَازَ بِمَثَابَةِ مَنْ أَخَذَ عَيْنَ شَيْئِهِ نَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ أَيْ إنْ أَمِنَ فِتْنَةً وَرَذِيلَةً.
(وَأُدِّبَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مُثَقَّلَةً أَيْ الْغَالُّ (إنْ ظُهِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ اُطُّلِعَ (عَلَيْهِ) ، وَلَا يَمْنَعُهُ سَهْمُهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَمَفْهُومُ إنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ جَاءَ تَائِبًا فَلَا يُؤَدَّبُ إنْ كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَتَفَرُّقِ الْجَيْشِ وَإِلَّا أُدِّبَ فَفِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلُ ابْنِ رُشْدٍ وَمَنْ تَابَ بَعْدَ الْقَسْمِ، وَافْتِرَاقِ الْجَيْشِ أُدِّبَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي الشَّاهِدِ يَرْجِعُ بَعْدَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ افْتِرَاقَ الْجَيْشِ كَنُفُوذِ الْحُكْمِ بَلْ هُوَ أَشَدُّ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْغُرْمِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَعَجْزِهِ عَنْهُ فِي الْجَيْشِ، وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْهَا بَعْدَ حَوْزِهَا فَسَرِقَةٌ وَسَتَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَحُدَّ زَانٍ وَسَارِقٌ إنْ حِيزَ الْمَغْنَمُ.

(وَجَازَ أَخْذُ) شَخْصٍ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ الَّذِينَ يُسْهَمُ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ (مُحْتَاجٍ) ظَاهِرُهُ وَلَمْ يَبْلُغْ الضَّرُورَةَ الْمُبِيحَةَ لِلْمَيْتَةِ، فَإِنْ كَانَ لَا يُسْهَمُ لَهُ فَفِي جَوَازِ أَخْذِهِ وَعَدَمِهِ قَوْلَانِ وَمَفْعُولُ أَخْذٍ الْمُضَافُ لِفَاعِلِهِ قَوْلُهُ (نَعْلًا وَحِزَامًا وَإِبْرَةً وَطَعَامًا) إنْ لَمْ يَكُنْ نَعَمًا بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (نَعَمًا) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْعَيْنِ اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ أَيْ إبِلًا أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا يُذَكِّيهِ وَيَأْكُلُ لَحْمَهُ وَيَرُدُّ جِلْدَهُ لِلْغَنِيمَةِ إنْ لَمْ يَحْتَجْ لَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا وَلَوْ نَهَاهُمْ الْإِمَامُ ثُمَّ اضْطَرُّوا إلَيْهِ جَازَ لَهُمْ أَكْلُهُ.
أَبُو الْحَسَنِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذْ ذَاكَ عَاصٍ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ (وَعَلَفًا) لِدَابَّتِهِ.

كَثَوْبٍ، وَسِلَاحٍ، وَدَابَّةٍ لِيَرُدَّ، وَرَدَّ الْفَضْلَ إنْ كَثُرَ؛ فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهِ، وَمَضَتْ الْمُبَادَلَةُ بَيْنَهُمْ

[منح الجليل]

وَشَبَّهَ فِي جَوَازِ الْأَخْذِ فَقَالَ (كَثَوْبٍ وَسِلَاحٍ وَدَابَّةٍ لِيَرُدَّ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ أَيْ الثَّوْبَ وَالسِّلَاحَ وَالدَّابَّةَ لِلْغَنِيمَةِ بَعْدَ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهَا فَهُوَ رَاجِعٌ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ، وَلِذَا فَصَلَهُ بِهَا.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ نَحْوِ الثَّوْبِ بِلَا نِيَّةٍ وَظَاهِرُهَا جَوَازُهُ فَالْمَمْنُوعُ إنَّمَا هُوَ أَخْذُهُ بِنِيَّةِ تَمَلُّكِهِ (وَرَدَّ) الْآخِذُ لِلْغَنِيمَةِ (الْفَضْلَ) أَيْ الْفَاضِلَ عَنْ حَاجَتِهِ مِنْ جَمِيعِ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ مِمَّا قَبْلَ الْكَافِ وَمَا بَعْدَهَا (إنْ كَثُرَ) أَيْ زَادَتْ قِيمَتُهُ عَنْ دِرْهَمٍ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْيَسِيرَ وَهُوَ مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا لَا يَجِبُ رَدُّهُ إلَيْهَا، وَهَذَا فِيمَا قَبْلَ الْكَافِ فَقَطْ دُونَ مَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّهُ بِعَيْنِهِ كَالدَّابَّةِ وَالسِّلَاحِ فَلَا مَعْنَى لِلْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ فِيمَا يُرَدُّ بِعَيْنِهِ قَالَهُ الْبُنَانِيُّ، فَإِنْ أَقْرَضَ الْكَثِيرَ أَوْ بَاعَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ عِوَضِهِ مِنْ الْمُقْتَرِضِ، وَلَا ثَمَنِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ لِيُفَرِّقَهُ عَلَى الْجَيْشِ إنْ كَانَ الْمُقْتَرِضُ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ فَلَا يَرُدُّهُ إنْ احْتَاجَ لَهُ وَإِلَّا يَرُدَّهُ.
(فَإِنْ تَعَذَّرَ) رَدَّ مَا وَجَبَ رَدُّهُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا قَبْلَ الْكَافِ أَوْ مِمَّا بَعْدَهَا لِسَفَرِ الْإِمَامِ وَتَفَرُّقِ الْجَيْشِ (تَصَدَّقَ) مَنْ هُوَ بِيَدِهِ (بِهِ) كُلِّهِ بِلَا تَخْمِيسٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ التَّوْضِيحِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يُتَصَدَّقُ مِنْهُ حَتَّى يَبْقَى الْيَسِيرُ فَلَهُ إبْقَاؤُهُ لِنَفْسِهِ، وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ الْيَسِيرَ يُغْتَفَرُ مُنْفَرِدًا لَا مُجْتَمِعًا مَعَ غَيْرِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَا فَضَلَ مِنْ طَعَامٍ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ يَتَصَدَّقُ بِكَثِيرِهِ، وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ يَسِيرَهُ.
اللَّخْمِيُّ وَالْبَاجِيِّ إنَّمَا يَتَصَدَّقُ بِهِ إذَا افْتَرَقَ الْجَيْشُ وَإِلَّا رَدَّهُ لِلْقَسْمِ.
ابْنُ بَشِيرٍ هُوَ كَمَالٍ مَجْهُولٍ مَالِكُهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ اهـ. (وَ) إنْ أَخَذَ شَخْصَانِ مِمَّنْ يُسْهَمُ لَهُمَا مُحْتَاجَانِ صِنْفَيْ طَعَامٍ كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ وَفَضَلَ عَنْ حَاجَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَثِيرٌ مِمَّا أَخَذَهُ، وَاحْتَاجَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِمَا فَضَلَ بِيَدِ الْآخَرِ فَتَبَادَلَا بِتَفَاضُلٍ كَصَاعٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ (مَضَتْ الْمُبَادَلَةُ) قَبْلَ الْقَسْمِ الْوَاقِعَةُ (بَيْنَهُمْ) أَيْ الْمُجَاهِدِينَ وَتَجُوزُ ابْتِدَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَأَنَّهُ رَدَّ مَا فَضَلَ عَنْهُ لِلْغَنِيمَةِ وَأَخَذَهُ

وَبِبَلَدِهِمْ إقَامَةُ الْحَدِّ وَتَخْرِيبٌ وَقَطْعُ نَخْلٍ، وَحَرْقٌ: إنْ أَنْكَى،

[منح الجليل]

الْآخَرُ مِنْهَا فَلَا مُبَادَلَةَ فِي الْحَقِيقَةِ، فَإِنْ تَبَادَلَا بَعْدَ الْقَسْمِ بِتَفَاضُلٍ فُسِخَ.
وَكَذَا إنْ تَبَادَلَا بِهِ مَعَ عَدَمِ احْتِيَاجِ كُلٍّ لِفَاضِلِ الْآخَرِ لِوُجُوبِ رَدِّهِ لِلْغَنِيمَةِ، وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي تَعْبِيرِهِ بِمَضَتْ وَوَجَّهَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِإِفَادَتِهِ عَدَمَ جَبْرِهِ عَلَى دَفْعِ الْعِوَضِ إنْ امْتَنَعَ مِنْهُ كَعَدَمِ جَبْرِهِ عَلَيْهِ إنْ اقْتَرَضَهُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّهُمَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ رَدُّ الْعِوَضِ فِي أَحَدِهِمَا ثَبَتَ مِثْلُهُ فِي الْآخَرِ لَكِنْ إنْ لَمْ يَعْثُرْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى رَدَّ الْعِوَضَ فِي الْمُبَادَلَةِ فَإِنَّهُ يُمْضَى كَرَدِّهِ فِي الْقَرْضِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ لَا شَيْءَ عَلَى مُقْتَرِضِ طَعَامٍ مِمَّنْ أَصَابَهُ بِبَلَدِ الْحَرْبِ لِمُقْرِضِهِ.
اللَّخْمِيُّ لَوْ كَانَ الطَّعَامُ قَدْرَ حَاجَتِهِ أَيَّامًا فَأَقْرَضَهُ بَعْضَهُ لِيَأْخُذَهُ وَقْتَ حَاجَتِهِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَعَلَى الْمَعْرُوفِ لَوْ رَدَّهُ مُقْتَرِضُهُ لِظَنِّ لُزُومِهِ مِنْ طَعَامٍ يَمْلِكُهُ، فَفِي رُجُوعِهِ بِهِ بِشَرْطِ قِيَامِهِ أَوْ مُطْلَقًا نَقْلًا.
عَبْدِ الْحَقِّ عَنْ الْجَارِي بِمَجَالِسِ بَلَدِهِ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهَا مَنْ أَثَابَ مِنْ صَدَقَتِهِ لِظَنِّ لُزُومِهِ، وَبَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ مُفَرِّقًا بِأَنَّ رَدَّ الطَّعَامِ بِالْجَبْرِ لِمَكَانِ شَرْطِهِ وَعَدَمَ الْجَبْرِ فِي الصَّدَقَةِ لِعَدَمِهِ وَصَوَّبَ الصِّقِلِّيُّ الْأَوَّلَ وَعَبْدُ الْحَقِّ الثَّانِي وَلَوْ رَدَّهُ مِنْ طَعَامِ أَهْلِ الْجَيْشِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهِ مُطْلَقًا.
وَفِي جَوَازِ بَدَلِ الْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ بَيْنَ أَهْلِ الْجَيْشِ مُتَفَاضِلًا نَقْلَا اللَّخْمِيِّ عَنْ سَحْنُونٍ وَابْنِ أَبِي الْعُمَرِيِّ.
الْمَازِرِيُّ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ غَيْرِ الْجَيْشِ مَنَعَ الرِّبَا، وَفِيهَا لَا بَأْسَ بِمَنْعِ مَنْ بِيَدِهِ قَمْحٌ أَوْ لَحْمٌ أَوْ عَسَلٌ مَا بِيَدِهِ آخَرَ بِيَدِهِ مِنْهَا مَا لَيْسَ بِيَدِ الْأَوَّلِ حَتَّى يُعْطِيَهُ ذَلِكَ مُبَادَلَةً، وَمَفْهُومٌ بَيْنَهُمْ امْتِنَاعُهَا بَيْنَ بَعْضِ الْجَيْشِ وَآخَرَ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ كَانَ فِيهَا رِبًا وَإِلَّا جَازَتْ.

(وَ) جَازَ أَيْ أُذِنَ لِلْإِمَامِ (بِبَلَدِهِمْ) أَيْ الْكُفَّارِ (إقَامَةُ الْحَدِّ) الشَّرْعِيِّ لِزِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ حِرَابَةٍ عَلَى مَنْ فَعَلَ مُوجِبَهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَيُشْعِرُ بِهِ تَقْدِيمُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ الْمُفِيدِ لِلِاخْتِصَاصِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يُقِيمُهُ إلَّا بِبَلَدِهِمْ فَلَا يُؤَخِّرُهُ حَتَّى يَرْجِعَ لِبَلَدِهِ.
(وَ) جَازَ (تَخْرِيبٌ) لِدِيَارِهِمْ (وَقَطْعُ نَخْلٍ وَحَرْقٌ) لِزَرْعِهِمْ وَشَجَرِهِمْ (إنْ أَنْكَى)

أَوْ لَمْ تُرْجَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ: كَعَكْسِهِ، وَوَطْءُ أَسِيرٍ: زَوْجَةً، أَوْ أَمَةً سَلِمَتَا، وَذَبْحُ حَيَوَانٍ، وَعَرْقَبَتُهُ وَأُجْهِزَ عَلَيْهِ،

[منح الجليل]

أَيْ مَا ذُكِرَ بِغَيْرِ هَمْزٍ أَيْ كَانَ فِيهِ نِكَايَةٌ لِلْكُفَّارِ وَرُجِيَتْ لِلْمُسْلِمِينَ (أَوْ) لَمْ يُنْكِ وَ (لَمْ تُرْجَ) لَهُمْ فَالْجَوَازُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ، فَإِنْ أَنْكَى وَلَمْ تُرْجُ تَعَيَّنَ التَّخْرِيبُ أَوْ الْقَطْعُ أَوْ الْحَرْقُ وَإِنْ لَمْ يُنْكِ وَرُجِيَتْ وَجَبَ الْإِبْقَاءُ فَلَا تَدْخُلُ هَاتَانِ الصُّورَتَانِ فِي كَلَامِهِ.
(وَالظَّاهِرُ) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ (أَنَّهُ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ التَّخْرِيبِ وَالْقَطْعِ (مَنْدُوبٌ) إنْ لَمْ يُرْجَ لِنِكَايَتِهِمْ.
وَشَبَّهَ فِي النَّدْبِ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ فَقَالَ (كَعَكْسِهِ) وَهُوَ الْإِبْقَاءُ مَنْدُوبٌ إنْ رُجِيَ لِلْمُسْلِمِينَ.
الْبُنَانِيُّ إنَّمَا تَكَلَّمَ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى صُورَتَيْنِ إذَا أَنْكَى وَلَمْ تُرْجَ فُضِّلَ الْقَطْعُ، وَإِنْ رُجِيَتْ فُضِّلَ الْإِبْقَاءُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى مَا سِوَاهُمَا، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مُنْكِيًا.
(وَ) جَازَ (وَطْءُ) مُسْلِمٍ (أَسِيرٍ) فِي بَلَدِ الْعَدُوِّ (زَوْجَةً وَأَمَةً) لَهُ مَسْبِيَّتَيْنِ مَعَهُ إنْ أَيْقَنَ أَنَّهُمَا (سَلِمَتَا) مِنْ وَطْءِ سَابِيهِمَا؛ لِأَنَّ سَبْيَهُمْ الْمُسْلِمَةَ لَا يَهْدِمُ نِكَاحَهَا إنْ كَانَتْ زَوْجَةً، وَلَا يُبْطِلُ مِلْكَهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً.
وَقَوْلُهُ وَهَدَمَ السَّبْيُ النِّكَاحَ فِي سَبْيِ الْمُسْلِمِينَ نِسَاءَ الْكَافِرِينَ وَأَرَادَ بِالْجَوَازِ عَدَمَ حُرْمَتِهِ إذْ هُوَ مَكْرُوهٌ لِقَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَكْرَهُ ذَلِكَ لِمَا أَخَافُ مِنْ بَقَاءِ ذُرِّيَّتِهِ بِأَرْضِ الْحَرْبِ.
وَمَفْهُومُ سَلِمَتَا يَقِينًا حُرْمَتُهُ إنْ تَيَقَّنَ وَطْأَهَا أَوْ ظَنَّهُ أَوْ شَكَّ فِيهِ، وَتَيَقُّنُ السَّلَامَةِ بِعَدَمِ غَيْبَةِ الْكَافِرِ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ غَابَ عَلَيْهَا فَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا، وَلَا تُصَدَّقُ فِي عَدَمِهِ (وَ) جَازَ (ذَبْحُ حَيَوَانٍ) مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ عَجَزَ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ أَيْ قَطْعِ حُلْقُومِهِ وَوَدَجَيْهِ (وَعَرْقَبَتُهُ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ أَيْ أَوْ قَطْعُ عُرْقُوبَيْهِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ لَا نِكَايَةَ فِيهِ وَيُرْجَى لِلْمُسْلِمِينَ.
وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّخْلِ أَنَّ هَذَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بَعْدَ فِعْلِ مَا ذُكِرَ بِهِ بِخِلَافِ الْقَطْعِ وَالتَّخْرِيبِ (وَأُجْهِزَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْهَاءِ (عَلَيْهِ)

وَفِي النَّحْلِ إنْ كَثُرَتْ وَلَمْ يُقْصَدْ عَسَلُهَا: رِوَايَتَانِ، وَحُرِقَ إنْ أَكَلُوا الْمَيْتَةَ

[منح الجليل]

أَيْ الْحَيَوَانِ وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَيْ أَوْ فُعِلَ بِهِ مَا يُعَجِّلُ مَوْتَهُ وَلَوْ غَيْرَ الذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ.
فِي التَّوْضِيحِ إذَا عَجَزَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ حَمْلِ مَالِ الْكُفَّارِ أَوْ عَنْ حَمْلِ بَعْضِ مَتَاعِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُتْلِفُونَهُ لِئَلَّا يَنْتَفِعَ بِهِ الْعَدُوُّ، وَسَوَاءٌ الْحَيَوَانُ وَغَيْرُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ الْمَعْرُوفِ، ثُمَّ قَالَ وَعَلَى الْمَشْهُورِ.
اُخْتُلِفَ بِمَاذَا يُتْلَفُ الْحَيَوَانُ قَالَ الْمِصْرِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - يُعَرْقَبُ أَوْ يُذْبَحُ أَوْ يُجْهَزُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْمَدَنِيُّونَ مِنْهُمْ يُجْهَزُ عَلَيْهِ وَكَرِهُوا عَرْقَبَتَهُ وَذَبْحَهُ.
ابْنُ حَبِيبٍ وَبِهِ أَقُولُ لِأَنَّ الذَّبْحَ مُثْلَةٌ وَالْعَرْقَبَةَ تَعْذِيبٌ.
اهـ وَمِثْلُهُ لِلْبَاجِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ دَرَجَ عَلَى قَوْلِ الْمِصْرِيِّينَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَنَّ الْوَاوَ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى أَوْ أَوَّلًا وَثَانِيًا كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ اجْتِمَاعَ الثَّلَاثَةِ، وَلَا اثْنَيْنِ مِنْهَا إذْ لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَلَا مَعْنَى لَهُ فَقَوْلُ الشُّرَّاحِ وَأُجْهِزَ عَلَيْهِ عَقِبَ عَرْقَبَتِهِ إلَخْ غَيْرُ صَوَابٍ.
طفي مَا هُوَ إلَّا تَهَافُتٌ إذْ لَوْ كَانَ يُجْهَزُ عَلَيْهِ فَمَا فَائِدَةُ عَرْقَبَتِهِ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَبَثٌ فَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَاهُ وَيَجُوزُ الْإِجْهَازُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى ذَبْحٍ وَإِنْ كَانَ تَغْيِيرُهُ الْأُسْلُوبَ يُشْعِرْ بِمَا قَالُوهُ، لَكِنْ يَتَعَيَّنُ مَا قُلْنَا لِيُطَابِقَ النَّقْلَ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي إتْلَافِهَا بِالْعَقْرِ دُونَ ذَبْحٍ، وَلَا نَحْرٍ أَوْ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ تَسْرِيحِهَا سَالِمَةً.
رَابِعُهَا ذَبْحُهَا أَحْسَنُ.
وَخَامِسُهَا يُكْرَهُ كَعَرْقَبَتِهَا مِنْ الْجَهْدِ عَلَيْهَا.
وَفِي الشَّامِلِ فَيُجْهَزُ عَلَيْهِ، وَلَا يُكْرَهُ ذَبْحُهُ وَعَرْقَبَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
(وَفِي) جَوَازِ إتْلَافِ (النَّحْلِ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ بِحَرْقٍ وَنَحْوِهِ (إنْ كَثُرَتْ) لِنِكَايَتِهِمْ بِهِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يُقْصَدْ) بِإِتْلَافِهَا (عَسَلُهَا) أَيْ أَخْذُهُ وَكَرَاهَتُهُ (رِوَايَتَانِ) وَمَفْهُومُ إنْ كَثُرَتْ إنْ كَانَتْ قَلِيلَةً وَلَمْ يُقْصَدْ عَسَلُهَا كُرِهَ إتْلَافُهَا، وَمَفْهُومُ لَمْ يُقْصَدْ عَسَلُهَا أَنَّهُ إنْ قُصِدَ عَسَلُهَا فَلَا يُكْرَهُ إتْلَافُهَا قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ (وَحُرِقَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ الْمَذْبُوحُ وَالْمُعَرْقَبُ وَالْمُجْهَزُ عَلَيْهِ وُجُوبًا (إنْ أَكَلُوا) أَيْ اسْتَحَلَّ الْكُفَّارُ فِي دِينِهِمْ أَنْ يَأْكُلُوا (الْمَيْتَةَ) وَلَوْ

كَمَتَاعٍ عُجِزَ عَنْ حَمْلِهِ وَجَعْلُ الدِّيوَانِ،

[منح الجليل]

ظَنًّا لِئَلَّا يَنْتَفِعُوا بِهِ.
تت وَالْأَظْهَرُ حَرْقُهُ مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ أَكْلِهِمْ إيَّاهُ حَالَ الِاضْطِرَارِ إلَيْهِ.
وَشَبَّهَ فِي الْحَرْقِ فَقَالَ (كَمَتَاعٍ) لَهُمْ أَوْ لِمُسْلِمٍ (عُجِزَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (عَنْ حَمْلِهِ) لِبَلَدِ الْإِسْلَامِ وَعَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ فَيُحْرَقُ لِئَلَّا يَنْتَفِعُوا بِهِ (وَ) جَازَ (جَعْلٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ اتِّخَاذٌ وَوَضْعٌ وَضَمُّهَا أَيْ مَالِ (الدِّيوَانِ) بِكَسْرِ الدَّالِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَفَتْحِهَا عَلَى خِلَافِهِ أَيْ الدَّفْتَرِ وَالْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ دِيوَانًا أَيْ دَفْتَرًا يَجْمَعُ فِيهِ أَسْمَاءَ الْجُنْدِ وَعَطَاءَهُمْ.
وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَأْخُذَ الْجُعْلَ الَّذِي رَتَّبَهُ لَهُ الْإِمَامُ عَلَى خُرُوجِهِ لِلْجِهَادِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَكَتَبَهُ لَهُ فِي الدِّيوَانِ.
أَبُو الْحَسَنِ إذَا كَانَ الْعَطَاءُ حَلَالًا وَيُزَادُ كَوْنُهُ مُحْتَاجًا لَهُ وَكَوْنُهُ قَدْرَ حَاجَتِهِ الْمُعْتَادَةِ لِأَمْثَالِهِ لَا أَزْيَدَ مِنْهَا فَيَحْرُمُ، بِخِلَافِ مُرَتَّبِ تَدْرِيسٍ وَنَحْوِهِ فَيَجُوزُ لِمَنْ هُوَ عَالَمٌ وَقَامَ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ أَخْذُهُ وَلَوْ غَنِيًّا لِقَصْدِ الْوَاقِفِ إعْطَاءَهُ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا دُونَ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا مُحْتَاجٌ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مُرَتَّبًا لِغَيْرِهِ وَاشْتَرَاهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي دَفَعَهُ لِلْبَائِعِ إنَّمَا هُوَ فِي مُقَابَلَةِ رَفْعِ يَدِهِ عَنْهُ وَيُحْتَمَلُ جَوَازُ هَذَا مُطْلَقًا قَرَّرَهُ عج أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَيُزَادُ إلَخْ، لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ هَذَيْنِ الْقَيْدَيْنِ فَانْظُرْهُمَا، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ نَصُّهُ سَمِعَ ابْنَ الْقَاسِمِ لَا أَرَى قَبُولَ سِلَاحٍ أَوْ فَرَسٍ أُعْطِيَهُ فِي الْجِهَادِ وَلَا بَأْسَ بِهِ لِلْمُحْتَاجِ.
ابْنُ رُشْدٍ قَبُولُ الْمُحْتَاجِ أَفْضَلُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقُوَّةِ عَلَى الْجِهَادِ.
اهـ. وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْأَوْلَى لِلْغَنِيِّ أَنْ لَا يَسْتَعِينَ عَلَى الْجِهَادِ بِمَالِ غَيْرِهِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ فَإِنْ أَرَادَ " ز " أَنَّهُمَا شَرْطَانِ فِي الْكَمَالِ ظَهَرَ كَلَامُهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُمَا شَرْطَانِ فِي الْجَوَازِ فَفِيهِ نَظَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْت فَرَضَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ الْجِهَادَ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ فَقَالَ ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 41] وَمَالُ بَيْتِ الْمَالِ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَكُلُّ مُحْتَاجٍ لَهُ فِيهِ حَقٌّ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمُحْتَاجِينَ وَهُمْ غَيْرُ مَحْصُورِينَ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ إلَّا بِقَدْرِ حَاجَتِهِ، وَهَذَا مَشْهُورٌ بَيْنَ

وَجُعَلٌ مِنْ قَاعِدٍ لِمَنْ يَخْرُجُ عَنْهُ، إنْ كَانَا بِدِيوَانٍ،

[منح الجليل]

الْفُقَهَاءِ فَلَا وَجْهَ لِلتَّوَقُّفِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُ " ز " وَيُحْتَمَلُ جَوَازُ مَا يَشْتَرِي مُطْلَقًا قَرَّرَهُ عج.
. . إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ غَيْرُ صَوَابٍ؛ لِأَنَّ شِرَاءَهُ حَرَامٌ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصُّهَا قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي اسْمٍ مَكْتُوبٍ فِي الْعَطَاءِ فَأَعْطَى أَحَدُهُمَا إلَى آخَرَ مَالًا عَلَى أَنْ يَبْرَأَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الِاسْمِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَعْطَى الدَّرَاهِمَ إنْ كَانَ صَاحِبَ الِاسْمِ فَقَدْ أَخَذَ الْآخَرُ مَا يَحِلُّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخَذَ الدَّرَاهِمَ هُوَ صَاحِبُ الِاسْمِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا بَاعَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَلَا يَدْرِي مَا تَبْلُغُ حَيَاةُ صَاحِبِهِ فَهَذَا غَرَرٌ، وَلَا يَجُوزُ اهـ. قُلْت إنْ كَانَ الشِّرَاءُ بِنَقْدٍ فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمُرَتَّبِ فَفِيهِ رِبَا الْفَضْلِ وَالنَّسَاءِ وَإِلَّا فَالثَّانِي فَقَطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَجُعَلٌ مِنْ قَاعِدٍ لِمَنْ يَخْرُجُ عَنْهُ الْمُتَخَلِّفُ عَنْ الْجِهَادِ (وَ) جَازَ (جُعَلٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ قَدْرٌ مِنْ الْمَالِ أَيْ إعْطَاؤُهُ (مِنْ) شَخْصٍ (قَاعِدٍ) أَيْ مُتَخَلِّفٍ عَنْ الْجِهَادِ (لِمَنْ يَخْرُجُ) لِلْجِهَادِ نَائِبًا (عَنْهُ) أَيْ الْقَاعِدِ فِي الْخُرُوجِ لَهُ (إنْ كَانَا) أَيْ الْقَاعِدُ وَالْخَارِجُ (بِدِيوَانٍ) وَاحِدٍ.
فِي التَّوْضِيحِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ سَدَّ الثُّغُورِ وَرُبَّمَا خَرَجَ لَهُمْ وَرُبَّمَا لَمْ يَخْرُجْ، وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُجْعَلَ لِمَنْ لَيْسَ مَعَهُمْ فِي دِيوَانٍ لِيَغْزُوَ عَنْهُ وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ لِمَنْ فِي السَّبِيلِ إجَارَةَ فَرَسِهِ لِمَنْ يُرَابِطُ عَلَيْهِ أَوْ يَغْزُو عَلَيْهِ، فَهَذَا إذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَكَأَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَشَارَ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُ هَذِهِ الْإِجَارَةِ لِلْجَهْلِ وَأُجِيزَتْ إذَا كَانَا بِدِيوَانٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا عَلَى الْآخَرِ فَلَيْسَ إجَارَةً حَقِيقِيَّةً اهـ. اللَّقَانِيُّ، أَيْ مَجْهُولَةَ الْعَمَلِ إذْ لَا يَدْرِي هَلْ يَقَعُ لِقَاءٌ أَمْ لَا وَلَا كَمْ مَرَّةً اللِّقَاءُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْجُعَلِ مِنْ الْعَطَاءِ أَوْ مِنْ عِنْدِ الْجَاعِلِ؛ لِأَنَّ جَهْلَ الْعَمَلِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا كَوْنُ الْخُرُوجِ الْمُجَاعَلِ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
احْتِرَازًا عَنْ الِاتِّفَاقِ مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ مَتَى وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ خَرَجَ نَائِبًا عَنْهُ فَلَا يَجُوزُ لِقُوَّةِ الْغَرُورِ وَأَنْ لَا يُعَيِّنَ الْإِمَامُ الْجَاعِلَ بِشَخْصِهِ بِأَنْ عَيَّنَهُ بِوَصْفِهِ بِأَنْ قَالَ أَصْحَابُ فُلَانٍ أَوْ أَهْلُ النَّوْبَةِ الصَّيْفِيَّةِ أَوْ

وَرَفْعُ صَوْتِ مُرَابِطٍ بِالتَّكْبِيرِ.

وَكُرِهَ التَّطْرِيبُ، وَقَتْلُ عَيْنٍ،

[منح الجليل]

الشِّتْوِيَّةِ مَثَلًا وَهُوَ مِنْهُمْ، فَلَهُ الِاسْتِنَابَةُ، فَإِنْ عَيَّنَهُ بِشَخْصِهِ كَزَيْدٍ فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ جَوَازُهَا.
وَقَالَ التُّونُسِيُّ إنَّمَا تَجُوزُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَجُنْدُ مِصْرَ أَهْلُ دِيوَانٍ وَاحِدٍ، وَجُنْدُ الشَّامِ أَهْلُ دِيوَانٍ آخَرَ وَاحِدٍ فَلَا يَنُوبُ مِصْرِيٌّ عَنْ شَامِيٍّ وَلَا عَكْسُهُ، وَأَنْ تَكُونَ النِّيَابَةُ إذَا خَافَ الْخُرُوجَ وَسَهْمُ الْغَنِيمَةِ لِلْقَاعِدِ لَا لِلْخَارِجِ.
الصِّقِلِّيُّ بِذَا أَفْتَى بَعْضُ شُيُوخِنَا عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا، وَيُنْدَبُ لِلْخَارِجِ أَنْ لَا يَنْوِيَ بِغَزْوِهِ الْجُعَلَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ وَدَفَعَ بِقَوْلِهِ فِيهَا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ سَدَّ الثُّغُورِ إيهَامَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذِهِ مُعَاوَضَةٌ عَلَى الْجِهَادِ فَكَيْفَ تَجُوزُ فَأَبْطَلَ هَذَا بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ سَدَّ الثُّغُورِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسُدُّ مَسَدَّ الْآخَرِ كَالْإِمَامِ إذَا أَحْدَثَ، فَإِنَّمَا يَسْتَخْلِفُ مَنْ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ.
وَالثَّانِي أَنْ يُقَالَ كَيْفَ جَازَ الْجُعَلُ فِي الْبُعُوثِ وَهُوَ غَرَرٌ إذْ لَا يَدْرِي هَلْ يَخْرُجُ لَهُ الْعَطَاءُ أَمْ لَا وَإِذَا خَرَجَ هَلْ يَقِلُّ أَوْ يَكْثُرُ فَأَبْطَلَ هَذَا بِقَوْلِهِ قَالَ مَالِكٌ رُبَّمَا خَرَجَ الْعَطَاءُ وَرُبَّمَا لَمْ يَخْرُجْ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَطَاءَ الَّذِي يَخْرُجُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً هُوَ مَا أَعْطَاهُ الْقَاعِدُ لِلْخَارِجِ، فَإِنْ كَانَ الْعَطَاءُ الْمَكْتُوبُ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ وَهُوَ تَبَعٌ فَلَا غَرَرَ اهـ.

وَرَفْعُ صَوْتِ مُرَابِطٍ بِالتَّكْبِيرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ (وَ) جَازَ بِرَاجِحِيَّةٍ (رَفْعُ صَوْتِ مُرَابِطٍ) وَحَارِسِ بَحْرٍ (بِالتَّكْبِيرِ) فِي حَرَسِهِمْ؛ لِأَنَّهُ شِعَارُهُمْ لَيْلًا وَنَهَارًا وَكَذَا رَفْعُهُ بِتَكْبِيرِ الْعِيدِ وَالتَّلْبِيَةِ وَالسِّرُّ فِي غَيْرِ هَذِهِ أَفْضَلُ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَافِعِي أَصْوَاتِهِمْ بِالدُّعَاءِ إنَّ الَّذِي تَدْعُونَ بَيْنَ أَكْنَافِكُمْ» قَالَ فِيهَا قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا بَأْسَ بِالتَّكْبِيرِ فِي الرِّبَاطِ وَالْحَرَسِ عَلَى الْبَحْرِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ.
اهـ. وَفِي الْمَدْخَلِ يُسْتَحَبُّ، وَكِلَاهُمَا مُقَيَّدٌ بِأَنْ لَا يُؤْذِيَ النَّاسَ فِي قِرَاءَةٍ أَوْ صَلَاةٍ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ كَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ.

(وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (التَّطْرِيبُ) أَيْ التَّغَنِّي بِالتَّكْبِيرِ (وَقُتِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ شَخْصٍ (عَيْنٌ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ جَاسُوسٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يُطْلِعُ الْحَرْبِيِّينَ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنْقُلُ أَخْبَارَهُمْ إلَيْهِمْ وَهُوَ رَسُولُ الشَّرِّ وَالنَّامُوسُ

وَإِنْ أُمِّنَ وَالْمُسْلِمُ كَالزِّنْدِيقِ، وَقَبُولُ الْإِمَامِ هَدِيَّتَهُمْ، وَهِيَ لَهُ إنْ كَانَتْ مِنْ بَعْضٍ لِكَقَرَابَةٍ، وَفَيْءٌ إنْ كَانَتْ مِنْ الطَّاغِيَةِ، إنْ لَمْ يَدْخُلْ بَلَدَهُ

[منح الجليل]

رَسُولُ الْخَيْرِ إنْ لَمْ يُؤْمَنْ بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الْجَاسُوسُ ذِمِّيًّا عِنْدَنَا أَوْ حَرْبِيًّا (أُمِّنَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مُشَدَّدَةً؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ كَوْنَهُ عَيْنًا، وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ، وَلَا يَجُوزُ عَقْدُهُ عَلَيْهِ وَيَتَعَيَّنُ قَتْلُهُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ: وَنُقِلَ عَنْ سَحْنُونٍ إنْ رَأَى الْإِمَامُ اسْتِرْقَاقَهُ فَهُوَ لَهُ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ شَرَّهُ (وَالْمُسْلِمُ) الْعَيْنُ (كَالزِّنْدِيقِ) أَيْ الَّذِي أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَأَخْفَى الْكُفْرَ فِي تَعَيُّنِ قَتْلِهِ وَإِنْ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ بَعْدَ الْإِطْلَاعِ عَلَيْهِ وَقَبُولِ تَوْبَتِهِ إنْ أَظْهَرَهَا قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الرِّدَّةِ وَقُتِلَ الْمُسْتَسِرُّ بِلَا اسْتِتَابَةٍ إلَّا أَنْ يَجِيءَ تَائِبًا.
(وَ) جَازَ (قَبُولُ الْإِمَامِ) حَقِيقَةً أَوْ أَمِيرِ الْجَيْشِ إنْ لَمْ يَكُنْ إمَامٌ (هَدِيَّتَهُمْ) إنْ كَانَ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَقُوَّةٌ لَا إنْ ضَعُفُوا وَأَشْرَفَ الْإِمَامُ عَلَى أَخْذِهِمْ فَقَصَدُوا التَّوْهِينَ بِهَا قَالَهُ فِي الشَّامِلِ (وَهِيَ) أَيْ الْهَدِيَّةُ (لَهُ) أَيْ الْإِمَامِ خَاصَّةً (إنْ كَانَتْ) الْهَدِيَّةُ (مِنْ بَعْضٍ) مِنْ الْحَرْبِيِّينَ لِلْإِمَامِ (لِكَقَرَابَةٍ) بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَوْ مُكَافَأَةٍ لَهُ أَوْ لِرَجَاءِ بَدَلِهَا أَوْ نَحْوِهَا، وَسَوَاءٌ دَخَلَ بَلَدَ الْعَدُوِّ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَتْ مِنْ بَعْضٍ لِلْإِمَامِ لَا لِكَقَرَابَةٍ فَفَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِلَا تَخْمِيسٍ إنْ كَانَتْ قَبْلَ دُخُولِ بَلَدِهِمْ وَإِلَّا فَغَنِيمَةٌ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ لَهُ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ بَعْضٍ لِغَيْرِهِ لِكَقَرَابَةٍ فَيَخْتَصُّ بِهَا الْمُسْلِمُ بِالْأَوْلَى مِنْ الْإِمَامِ دَخَلَ بَلَدَهُمْ أَمْ لَا، وَيَبْعُدُ كَوْنُهَا مِنْ بَعْضٍ لِمُسْلِمٍ غَيْرِ الْإِمَامِ لَا لِكَقَرَابَةٍ وَانْظُرْ مَا حُكْمُهَا إنْ اتَّفَقَتْ.
(وَ) هِيَ (فَيْءٌ) أَيْ لِمَصَالِحِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ (إنْ كَانَتْ) الْهَدِيَّةُ (مِنْ الطَّاغِيَةِ) أَيْ مَلِكِهِمْ لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَدَّثُ عَنْهُ قَبْلُ وَلِقَوْلِهِ (إنْ لَمْ يَدْخُلْ) الْإِمَامُ (بَلَدَهُ) أَيْ الْعَدُوِّ كَانَتْ لِقَرَابَةٍ أَمْ لَا، فَإِنْ دَخَلَ بَلَدَهُ فَغَنِيمَةٌ كَانَتْ لِكَقَرَابَةٍ أَمْ لَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَجْهَ عَدَمِ مُرَاعَاةِ كَوْنِ هَدِيَّةِ الطَّاغِيَةِ لِكَقَرَابَةٍ كَوْنُ الْغَالِبِ فِيهَا الْخَوْفَ مِنْ الْمَلِكِ وَجَيْشِهِ، فَلِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ قَالَهُ أَحْمَدُ وَعَوَّلَ عَلَيْهِ عج دُونَ مَا لِجَدِّهِ، وَأَرَادَ بِالطَّاغِيَةِ هُنَا مَلِكُ

وقِتَالُ رُومٍ وَتُرْكٍ كُفَّارٍ وَقِتَالُ رُومٍ وَتُرْكٍ، وَاحْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ بِقُرْآنٍ وَبَعْثُ كِتَابٍ فِيهِ كَالْآيَةِ

وَإِقْدَامُ الرَّجُلِ عَلَى كَثِيرٍ،

[منح الجليل]

الْكُفَّارِ مُطْلَقًا.
وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ مَلِكَ الرُّومِ خَاصَّةً، وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ هَدِيَّةِ الطَّاغِيَةِ لِبَعْضِ الْجَيْشِ وَهِيَ لَهُ إنْ كَانَتْ لِكَقَرَابَةٍ دَخَلَ الْإِمَامُ بَلَدَ الْعَدُوِّ أَمْ لَا.
فَإِنْ كَانَتْ لِوَجَاهَةٍ وَنَفَاذِ كَلِمَةٍ عِنْدَ الْإِمَامِ فَيُفَصَّلُ فِيهَا تَفْصِيلُ الْهَدِيَّةِ لِلْإِمَامِ مِنْ الطَّاغِيَةِ أَفَادَهُ عب.
وَاَلَّذِي فِي حَاشِيَةِ جَدَّ عج وَارْتَضَاهُ أَبُو زَيْدٍ الْفَاسِيُّ إنَّمَا فَرَّقَ فِي الْبَيَانِ بَيْنَ كَوْنِهَا لِقَرَابَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا إذَا دَخَلَ بَلَدَهُمْ فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فَهِيَ فَيْءٌ كَانَتْ مِنْ الطَّاغِيَةِ أَوْ غَيْرِهِ.
فَلَوْ قَالَ وَهِيَ فَيْءٌ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بَلَدَهُ وَإِلَّا فَهِيَ لَهُ إنْ كَانَتْ مِنْ بَعْضٍ لِكَقَرَابَةٍ وَغَنِيمَةٌ إنْ كَانَتْ مِنْ الطَّاغِيَةِ لَوَفَى بِهَذَا.
اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الْبَيَانِ وَنَقَلَهُ الْحَطّ.

(وَ) جَازَ (قِتَالُ رُومٍ وَتُرْكٍ) كُفَّارٍ أَيْ أُذِنَ فِيهِ فَيَصْدُقُ بِوُجُوبِهِ وَفِي نُسْخَةٍ نُوَبٍ بَدَلَ رُومٍ وَيُرَادُ بِهِمْ الْحَبَشَةُ وَإِنْ كَانَ النُّوَبُ فِي الْأَصْلِ غَيْرَهُمْ وَهِيَ صَوَابٌ كَمَا فِي الْحَطّ، وَقَصَدَ الْمُصَنِّفُ بِهَا الْإِشَارَةَ إلَى أَنَّ حَدِيثَيْ «اُتْرُكُوا الْحَبَشَةَ حَيْثُمَا تَرَكُوكُمْ» «وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ» لَيْسَ مَعْمُولًا بِهِمَا عَلَى ظَاهِرِهِمَا مِنْ وُجُوبِ التَّرْكِ، وَحُرْمَةِ الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ فِيهِمَا الْإِرْشَادُ فَقَطْ فَلَا يُنَافِي الْجَوَازَ، فَلِذَا نَصَّ عَلَيْهِ أَوْ أَنَّ قِتَالَ غَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَوْلَى أَوْ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَهُ تِلْكَ الْآثَارُ، وَأَمَّا الرُّومُ فَلَمْ يَرِدْ النَّهْيُ عَنْ قِتَالِهِمْ حَتَّى يُعْتَنَى بِالنَّصِّ عَلَى جَوَازِ قِتَالِهِمْ.
(وَ) جَازَ (احْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ) أَيْ الْكُفَّارِ (بِقُرْآنٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَثُرَ إنْ أَمِنَ سَبَّهُمْ لَهُ وَلِمَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَإِلَّا حَرُمَ، وَالْمُرَادُ بِالِاحْتِجَاجِ تِلَاوَتُهُ عَلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ لَا الْمُحَاجَّةُ الَّتِي يَقُولُ الْخَصْمُ بِالْحُجِّيَّةِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ قَائِلِينَ بِهِ حَالَ تِلَاوَتِهِ عَلَيْهِمْ.
(وَ) جَازَ (بَعْثُ كِتَابٍ) لِلْعَدُوِّ (فِيهِ كَالْآيَةِ) وَالْآيَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ.
وَعَبَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِالْآيَاتِ فَيَشْمَلُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَكَذَا فِيهِ حَدِيثٌ شَاهِدٌ عَلَيْهِمْ إنْ أُمِنَ سَبُّهُمْ وَامْتِهَانُهُمْ لَهُ

(وَ) جَازَ (إقْدَامُ الرَّجُلِ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ (عَلَى) قِتَالٍ عَدَدٍ (كَثِيرٍ) مِنْ

إنْ لَمْ يَكُنْ لِيُظْهِرَ شَجَاعَةً عَلَى الْأَظْهَرِ

وَانْتِقَالٌ مِنْ مَوْتٍ لِآخَرَ، وَوَجَبَ إنْ رَجَا حَيَاةً أَوْ طُولَهَا: كَالنَّظَرِ فِي الْأَسْرَى: بِقَتْلٍ، أَوْ مَنٍّ، أَوْ فِدَاءٍ، أَوْ جِزْيَةٍ،

[منح الجليل]

الْكَافِرِينَ (إنْ لَمْ يَكُنْ) إقْدَامُهُ (لِيُظْهِرَ) بِهِ (شَجَاعَةً) بِأَنْ كَانَ يَقْصِدُ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى (عَلَى الْأَظْهَرِ) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ الْخِلَافِ رَاجِعٌ لِجَوَازِ الْإِقْدَامِ كَمَا يُفِيدُهُ نَقْلُ الْمَوَّاقِ لَا إلَى الشَّرْطِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ.
فَشَرْطُ الْجَوَازِ قَصْدُ الْإِعْلَاءِ وَالتَّقَرُّبِ لَا مَا يُعْطِيهِ لَفْظُهُ الشَّامِلُ لِعَدَمِ الْقَصْدِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَظُنَّ تَأْثِيرَهُ فِيهِمْ فَيَجُوزُ لَهُ الْإِقْدَامُ وَلَوْ عَلِمَ ذَهَابَ نَفْسِهِ.

(وَ) جَازَ لِمَنْ تَيَقَّنَ الْمَوْتَ وَتَعَارَضَتْ عَلَيْهِ أَسْبَابُهُ (انْتِقَالٌ مِنْ) سَبَبِ (مَوْتٍ) كَحَرْقِ مَرْكَبٍ هُوَ بِهَا (لِ) سَبَبٍ (آخَرَ) كَطَرْحِ نَفْسِهِ فِي بَحْرٍ مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَةِ عَوْمٍ (وَوَجَبَ) الِانْتِقَالُ (إنْ رَجَا) بِهِ وَلَوْ شَكًّا (حَيَاةً) مُسْتَمِرَّةً (أَوْ طُولَهَا) أَيْ الْحَيَاةِ وَلَوْ يَحْصُلُ لَهُ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ الْمَوْتِ الْمُعَجَّلِ؛ لِأَنَّ حِفْظَ النَّفْسِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ أَوْ كَانَ مَنْفُوذَ مَقْتَلٍ، وَأَقَامَ أَبُو الْحَسَنِ مِنْ هَذِهِ مَا فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ قَطْعِ مَنْ أَكَلَتْ الْأَكَلَةُ بَعْضَ كَفِّهِ خَوْفَ أَكْلِهَا جَمِيعَهُ مَا لَمْ يَخَفْ الْمَوْتَ مِنْ قَطْعِهِ.
أَحْمَدُ وَيُؤْخَذُ مِنْهَا أَيْضًا أَنَّ مَنْ فَعَلَ بِهِ مَا لَا يَعِيشُ مَعَهُ لَا يَجُوزُ سَقْيُهُ مَا يُعَجِّلُ مَوْتَهُ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ الْبُرْزُلِيُّ وَمِثْلُ سَقْيِهِ ضَرْبُهُ بِنَحْوِ مُدْيَةٍ فِي لِيَّتِهِ كَمَا يُفْعَلُ بِالْمُخَوْزَقِ وَالْمُكَسَّرِ مَا لَمْ يَكُنْ قَتْلُهُمْ قِصَاصًا وَحَدُّهُمْ السَّيْفُ، فَفُعِلَ بِهِمْ مَا ذُكِرَ ظُلْمًا فَيَنْبَغِي جَوَازُهُ.
اهـ. عب.
وَشَبَّهَ فِي الْوُجُوبِ فَقَالَ (كَالنَّظَرِ) مِنْ الْإِمَامِ بِالْمَصْلَحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ (فِي الْأَسْرَى) الصَّالِحِينَ لِلْقِتَالِ مِنْ الْكُفَّارِ قَبْلَ قَسْمِ الْغَنِيمَةِ (بِقَتْلٍ) لِمَنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ (أَوْ مَنٍّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَشَدِّ النُّونِ، أَيْ عِتْقٍ وَتَخْلِيَةِ سَبِيلٍ لِمَنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ وَتُحْسَبُ مِنْ الْخُمُسِ (أَوْ فِدَاءً) بِمَالٍ مِنْ الْكُفَّارِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ بِأَسِيرٍ مُسْلِمٍ عِنْدَهُمْ وَتُحْسَبُ قِيمَتُهُ مِنْ الْخُمُسِ، وَيُجْعَلُ الْفِدَاءُ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ إنَّمَا يُفْدَى بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ.
(أَوْ) ضَرْبِ (جِزْيَةٍ) عَلَى مَنْ يَصِحُّ ضَرْبُهَا عَلَيْهِ وَتُحْسَبُ قِيمَتُهُ مِنْ الْخُمُسِ هَذَا

أَوْ اسْتِرْقَاقٍ، وَلَا يَمْنَعُهُ حَمْلٌ بِمُسْلِمٍ، وَرُقَّ إنْ حَمَلَتْ بِهِ بِكُفْرٍ، وَالْوَفَاءُ بِمَا فَتَحَ لَنَا بِهِ بَعْضُهُمْ، وَبِأَمَانِ الْإِمَامِ مُطْلَقًا

[منح الجليل]

هُوَ الَّذِي صَرَّحَ اللَّخْمِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ بِهِ، وَنَقَلَهُ الْحَطّ، وَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ الثَّلَاثَةَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَيُجْعَلُ الْفِدَاءُ فِي الْغَنِيمَةِ وَرَجَّحَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ (أَوْ اسْتِرْقَاقٍ) فِيمَنْ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ وَهَذِهِ الْوُجُوهُ الْخَمْسَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَالِ الْمُقَاتِلِينَ، وَأَمَّا الذَّرَارِيُّ وَالنِّسَاءُ فَلَيْسَ فِيهِمْ إلَّا الِاسْتِرْقَاقُ وَالْمُفَادَاةُ، فَمَنْ قُتِلَ فَمِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ، وَمَنْ رُقَّ يُقْسَمْ، وَمَنْ فُدِيَ أَوْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ أَوْ مُنَّ عَلَيْهِ فَمِنْ الْخُمُسِ أَفَادَهُ الْحَطّ.
عج مَعْنَى قَوْلِهِ مِنْ الْخُمُسِ أَنَّ قِيمَةَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ تُحْسَبُ مِنْ الْخُمُسِ الْمُعَدِّ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ مَا يُفِيدُ أَنَّهَا لَا تُحْسَبُ مِنْهُ وَتَكُونُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَأَنَّ الْفِدَاءَ يُجْعَلُ فِي الْغَنِيمَةِ فَيُخَمَّسُ (وَلَا يَمْنَعُهُ) أَيْ اسْتِرْقَاقُ الْأَسِيرَةِ الْكَافِرَةِ (حَمْلٌ) مِنْهَا (بِ) جَنِينٍ (مُسْلِمٍ) بِأَنْ تَزَوَّجَهَا كِتَابِيَّةً مُسْلِمٌ بِأَرْضِ الْحَرْبِ وَسُبِيَتْ حَامِلًا مِنْهُ أَوْ أَسْلَمَ زَوْجُهَا الْكَافِرُ وَسُبِيَتْ حَامِلًا، وَقَدْ أَحْبَلَهَا قَبْلَ إسْلَامِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَالْجَنِينُ مُسْلِمٌ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثَةِ تَبَعًا لِأَبِيهِ وَتُرَقُّ فِي جَمِيعِهَا (وَرُقَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الْقَافِ أَيْ الْحَمْلُ (إنْ حَمَلَتْ) أُمُّهُ (بِهِ بِكُفْرٍ) مِنْ أَبِيهِ ثُمَّ أَسْلَمَ كَمَا فِي الصُّورَةِ الْوُسْطَى لَا إنْ حَمَلَتْ بِهِ حَالَ إسْلَامِ أَبِيهِ كَمَا فِي الطَّرَفَيْنِ.
(وَ) وَجَبَ (الْوَفَاءُ بِمَا) أَيْ الشَّرْطِ الَّذِي (فُتِحَ لَنَا) الْحِصْنُ أَوْ الْبَلَدُ (بِ) سَبَبِ اشْتِرَاطِ (هـ بَعْضُهُمْ) أَيْ الْمُحَارِبِينَ كَأَفْتَحَ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى فُلَانٍ رَأْسِ الْحِصْنِ، فَالرَّأْسُ مَعَ الْقَائِلِ آمِنَانِ لِأَنَّهُ لَا يَطْلُبُ الْأَمَانَ لِغَيْرِهِ إلَّا مَعَ طَلَبِهِ لِنَفْسِهِ، وَكَذَا عَلَى أَهْلِي أَوْ عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِي فَإِنْ قَالَ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي أَخَذَهَا مِنْ مَالِهِ عَيْنًا كَانَ أَوْ عَرَضًا، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهَا فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ، فَإِنْ قَالَ مِنْ دَرَاهِمِي، وَلَا دَرَاهِمَ لَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَمَالُهُ فَيْءٌ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ.
(وَ) وَجَبَ الْوَفَاءُ (بِأَمَانِ الْإِمَامِ) وَفَاءً (مُطْلَقًا) أَيْ عَنْ التَّقْيِيدِ بِبَلَدِ السُّلْطَانِ

كَالْمُبَارِزِ مَعَ قِرْنِهِ، وَإِنْ أُعِينَ بِإِذْنِهِ، وَقُتِلَ مَعَهُ،

[منح الجليل]

الْمُؤَمِّنِ فَيَكُونُ مُؤَمَّنًا فِي بِلَادِ جَمِيعِ سَلَاطِينِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَخْتَصُّ بِبِلَادِ الْمُؤَمِّنِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَوْنِ حُكْمِهِ مَعَ سُلْطَانٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي أَمَّنَهُ كَاَلَّذِي أَمَّنَهُ، وَكَوْنُهُ حَلَالًا لَهُ مُطْلَقًا قَوْلُ مَالِكٍ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا، وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ مَعَ الصِّقِلِّيِّ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَسَوَاءٌ قَيَّدَ الْإِمَامُ صُلْحَهُ أَوْ أَطْلَقَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ أَوْ بَعْدَهُ، اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ وَالْمَوَّاقَ، وَيَكْفِي إخْبَارُ الْإِمَامِ بِأَنَّهُ آمِنٌ.
وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيُشْتَرَطُ شَهَادَةُ بَيِّنَةٍ عَلَى تَأْمِينِهِ.
وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الْوَفَاءِ فَقَالَ (كَ) الْمُسْلِمِ (الْمُبَارِزِ) لِكَافِرٍ عَلَى شُرُوطٍ فَيَجِبُ وَفَاؤُهُ بِالشُّرُوطِ (مَعَ قِرْنِهِ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ مِثْلِهِ فِي الْقُوَّةِ وَتَجُوزُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ الْعَدْلِ.
ابْنُ عَرَفَةَ سَحْنُونٌ قَالَ لِي مَعْنٌ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - إنْ دَعَا الْعَدُوُّ لِلْمُبَارَزَةِ فَأَكْرَهُ أَنْ يُبَارِزَهُ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ ابْنُ حَبِيبٍ.
قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ لَا بَأْسَ بِالْمُبَارَزَةِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ رُبَّ رَجُلٍ ضَعِيفٍ يُقْتَلُ فَيَهُدُّ النَّاسَ.
الْحَطّ ابْنُ وَهْبٍ فِي سَمَاعِ زُونَانَ وُجُوبُ اسْتِئْذَانِ الْإِمَامِ فِي الْمُبَارَزَةِ وَالْقِتَالِ إذَا كَانَ عَدْلًا وَارْتَضَاهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمَوَّاقُ، وَلَا يَقْتُلُهُ غَيْرُ مَنْ بَارَزَهُ لِأَنَّ مُبَارَزَتَهُ كَالْعَهْدِ عَلَى أَنْ لَا يَقْتُلَهُ إلَّا مَنْ بَارَزَهُ، لَكِنْ لَوْ سَقَطَ الْمُسْلِمُ وَأَرَادَ الْحَرْبِيُّ الْإِجْهَازَ عَلَيْهِ مَنَعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ بِغَيْرِ قَتْلِهِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فِيهِ قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ وَالشَّارِحُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَوْلُ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ وَابْنِ حَبِيبٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُعَانُ بِحَالٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُعَضَّدَ الْمُبَارِزُ إنْ خِيفَ قَتْلُهُ.
وَقِيلَ لَا لِأَجْلِ الشَّرْطِ، وَلَا يُعْجِبُنَا؛ لِأَنَّ الْعِلْجَ إنْ أَسَرَهُ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنَّ نَسْتَنْقِذَهُ مِنْهُ.
الْمَوَّاقُ هَذَا مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِهِ الْفَتْوَى فِي الْمَشَارِقِ، الْقِرْنُ بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُهُ أَقْرَانٌ الَّذِي يُقَارِنُك فِي بَطْشٍ أَوْ شِدَّةٍ أَوْ قِتَالٍ أَوْ عِلْمٍ، فَأَمَّا الَّذِي فِي السِّنِّ فَقَرْنٌ بِالْفَتْحِ وَقَرِينٌ وَجَمْعُهُ قُرَنَاءُ.
(وَإِنْ أُعِينَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْكَافِرُ الْمُبَارِزُ لِمُسْلِمٍ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ (بِإِذْنِهِ) أَيْ الْكَافِرِ الْمُبَارِزِ (قُتِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ الْمُعَانُ (مَعَهُ) أَيْ مُعِينُهُ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ قُتِلَ

وَلِمَنْ خَرَجَ فِي جَمَاعَةٍ لِمِثْلِهَا، إذَا فَرَغَ مِنْ قِرْنِهِ: الْإِعَانَةُ وَأُجْبِرُوا

[منح الجليل]

الْمُعِينُ وَحْدَهُ وَتُرِكَ الْمُعَانُ مَعَ قِرْنِهِ عَلَى مَا دَخَلَ مَعَهُ عَلَيْهِ (وَلِمَنْ) أَيْ الْمُسْلِمِ الَّذِي (خَرَجَ) لِلْمُبَارَزَةِ حَالَ كَوْنِهِ (فِي جَمَاعَةٍ) مُسْلِمِينَ (لِمِثْلِهَا) مِنْ الْحَرْبِيِّينَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ شَخْصٍ لِآخَرَ وَبَرَزَ عِنْدَ مُنَاشَبَةِ الْقِتَالِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَافِرِينَ.
(فَإِذَا فَرَغَ) أَحَدُ الْمُسْلِمِينَ (مِنْ قِرْنِهِ) بِقَتْلِهِ فَتَجُوزُ لَهُ (الْإِعَانَةُ) لِمُسْلِمٍ آخَرَ عَلَى قِرْنِهِ نَظَرًا لِخُرُوجِ الْجَمَاعَةِ لِلْجَمَاعَةِ فَكَانَتْ كُلُّ جَمَاعَةٍ بِمَنْزِلَةِ قِرْنٍ وَاحِدٍ وَلِقَضِيَّةِ عَلِيٍّ وَحَمْزَةَ وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَتَلَ عَلِيٌّ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَقَتَلَ حَمْزَةُ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَمَّا شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ فَضَرَبَ عُبَيْدَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ فَكَّرَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ فَاسْتَنْقَذَاهُ مِنْ شَيْبَةَ وَقَتَلَاهُ قَالَهُ تت وَسَالِمٌ، وَاَلَّذِي فِي السِّيرَةِ أَنَّ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَالْمُطَّلِبُ عَمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَاجِعْ غَزْوَةَ بَدْرٍ فَلَوْ عُيِّنَ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٌ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمْ إعَانَةُ غَيْرِهِ بَلْ يَمْنَعُهُ مِنْ قَتْلِهِ فَقَطْ، وَهَذِهِ دَخَلَتْ فِي قَوْلِهِ كَالْمُبَارِزِ مَعَ قِرْنِهِ لِشُمُولِهِ مُبَارَزَةَ وَاحِدٍ لِوَاحِدٍ فَقَطْ، وَجَمَاعَةٍ لِجَمَاعَةٍ كُلُّ وَاحِدٍ لِوَاحِدٍ أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ ابْنُ حَجَرٍ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ أَيُّهُمَا لِعُبَيْدَةَ وَحَمْزَةَ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ شَيْبَةَ لِعُبَيْدَةَ وَعُتْبَةَ لِحَمْزَةَ وَعَكْسُهُ لِابْنِ إِسْحَاقَ، وَفِي ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ رِوَايَةِ الْبَزَّارِ أَنَّ عَلِيًّا بَارَزَ شَيْبَةَ وَعُبَيْدَةَ بَارَزَ الْوَلِيدَ خِلَافُ مَا لِلْأَكْثَرِ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ السِّيرَةِ مِنْ أَنَّ عُبَيْدَةَ مُطَّلِبِيٌّ لَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ هُوَ الصَّوَابُ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ فِي الِاسْتِيعَابِ وَابْنُ حَجَرٍ فِي الْإِصَابَةِ وَالْفَتْحِ، قَالَ فَالثَّلَاثَةُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَالثَّلَاثَةُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ؛ لِأَنَّ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَعُتْبَةَ هُوَ أَخُوهُ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَأُجْبِرُوا) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ الْكُفَّارُ الْمُتَحَصِّنُونَ بِحِصْنٍ وَمَدِينَةٍ أَوْ

عَلَى حُكْمِ مَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا وَعَرَفَ الْمَصْلَحَةَ وَإِلَّا نَظَرَ الْإِمَامُ: كَتَأْمِينِ غَيْرِهِ إقْلِيمًا،

[منح الجليل]

الْقَادِمُونَ أَرْضَ الْإِسْلَامِ بِنَحْوِ تِجَارَةٍ إذَا نَزَلُوا بِأَمَانٍ عَلَى حُكْمِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَحَكَمَ فِيهِمْ بِحُكْمٍ فَأَبَوْهُ فَيُجْبَرُونَ (عَلَى) تَنْفِيذِ (حُكْمِ مَنْ) أَيْ الشَّخْصِ الَّذِي (نَزَلُوا) أَيْ الْكُفَّارُ مِنْ حِصْنِهِمْ أَوْ بَلَدِهِمْ أَوْ سَفِينَتِهِمْ (عَلَى حُكْمِهِ) فِيهِمْ إذَا أَنْزَلَهُمْ الْإِمَامُ عَلَى حُكْمِ أَحَدٍ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءً «وَإِنْزَالُ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانَ عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ حُكِّمَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خُصُوصِيَّةً لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ الْأَنْصَارِ الْأَوْسِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَوَالِيَهُمْ» عَلَى أَنَّ الْحَطّ نَقَلَ عَنْ عِيَاضٍ جَوَازَ إنْزَالِهِمْ عَلَى حُكْمِ غَيْرِ الْإِمَامِ بَعْدَ نَقْلِهِ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُنْزِلُهُمْ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ.
(إنْ كَانَ) مَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ (عَدْلًا) فِي الشَّهَادَةِ عَلَى أَنَّهَا شَرْطٌ فِي كُلِّ حَاكِمٍ عَامًّا كَانَ أَوْ خَاصًّا.
ابْنُ عَرَفَةَ وَلَوْ حَكَّمُوا عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا عَاقِلِينَ عَالَمِينَ بِهِمْ لَمْ يَجُزْ وَحُكِّمَ الْإِمَامُ.
وَقَالَ عِيَاضٌ مَنْ يَجُوزُ تَحْكِيمُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالدِّيَانَةِ (وَعَرَفَ) مَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ (الْمَصْلَحَةَ) لِلْمُسْلِمِينَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا عَارِفًا الْمَصْلَحَةَ، فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ جَاهِلًا الْمَصْلَحَةَ صَحَّ حُكْمُهُ وَ (نَظَرَ الْإِمَامُ) فِيهِ فَإِنْ رَآهُ صَوَابًا أَمْضَاهُ وَإِلَّا رَدَّهُ وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً أَوْ رَقِيقًا لَمْ يَصِحَّ حُكْمُهُ، وَيُحَكَّمُ الْإِمَامُ فَالْعَدَالَةُ بِمَعْنَى عَدَمِ الْفِسْقِ شَرْطٌ فِي الْجَوَازِ لَا فِي الصِّحَّةِ، وَبِمَعْنَى الْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ شَرْطٌ فِي الْجَوَازِ وَالصِّحَّةِ مَعًا، فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُجْمَلٌ.
وَفِي الْجَوَاهِرِ إنْ حَكَّمُوا فَاسِقًا صَحَّ ثُمَّ يَنْظُرُ الْإِمَامُ، وَإِنْ حَكَّمُوا عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً لَمْ يَصِحَّ حُكْمُهُ.
وَشَبَّهَ فِي نَظَرِ الْإِمَامِ فَقَالَ (كَتَأْمِينِ غَيْرِهِ) أَيْ الْإِمَامِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ، وَمَفْعُولُهُ قَوْلُهُ (إقْلِيمًا) أَيْ عَدَدًا كَثِيرًا لَا يَنْحَصِرُ إلَّا بِعُسْرٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ وَهِيَ الْهِنْدُ وَالْحِجَازُ وَمِصْرُ، وَمِنْهَا الشَّامُ وَالْمَغْرِبُ بِدَلِيلِ اتِّحَادِ الْمِيقَاتِ وَالدِّيَةِ وَبَابِلَ وَالرُّومِ وَالتُّرْكِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَالصِّينِ.

وَإِلَّا فَهَلْ يَجُوزُ؟ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، أَوْ يَمْضِي

[منح الجليل]

وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُؤَمِّنْ غَيْرُ الْإِمَامِ إقْلِيمًا بِأَنْ أَمَّنَ عَدَدًا مَحْصُورًا (فَهَلْ يَجُوزُ) تَأْمِينُهُ ابْتِدَاءً وَيَمْضِي، وَلَا نَظَرَ لِلْإِمَامِ فِيهِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ جَوَازِهِ ابْتِدَاءً (الْأَكْثَرُ) مِنْ شَارِحِيهَا (أَوْ) لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً وَلَكِنْ (يُمْضَى) إنْ أَمْضَاهُ الْإِمَامُ.
طفي ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُمَا فِيمَنْ سِوَى الْإِمَامِ وَلَوْ مُسْتَوْفِيًا لِشُرُوطِ التَّأْمِينِ بِأَنْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا عَاقِلًا بَالِغًا ذَكَرًا، وَذَكَرَهُمَا فِي تَوْضِيحِهِ فِيهِ وَحْدَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَأْمِينَهُ لَازِمٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِيهَا، وَاقْتَصَرَ عَلَى تَأْمِينِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَنَصَّهَا مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَمَانُ الْمَرْأَةِ جَائِزٌ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَا عِنْدِي أَمَانُ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ إذَا عَقَلَهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ اهـ أَبُو الْحَسَنِ.
ابْنُ يُونُسَ أَصْحَابُنَا حَمَلُوا قَوْلَ الْغَيْرِ وَهُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى وِفَاقِ قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَحَمَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَلَى الْخِلَافِ، وَكَذَا ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ فَبَانَ أَنَّهُمَا لَيْسَا عَامَّيْنِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا فِي خُصُوصِ مُسْتَوْفِي الشُّرُوطِ كَمَا فِي تَوْضِيحِهِ وَأَنَّ مَعْنَاهُمَا هَلْ يَمْضِي ابْتِدَاءً وَيَلْزَمُ، أَوْ يَمْضِي إنْ أَمْضَاهُ الْإِمَامُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُمَا هَلْ يَجُوزُ ابْتِدَاءً، أَوْ لَا يَجُوزُ وَلَكِنْ يَمْضِي إنْ وَقَعَ؛ لِأَنَّ كَلَامَ عَبْدِ الْوَهَّابِ لَيْسَ فِي ذَلِكَ كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ، وَقَدْ عَزَا الْبَاجِيَّ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ لُزُومَ أَمَانِ الْعَبْدِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَصَرَّحُوا فِي تَأْوِيلِ الْوِفَاقِ بِأَنَّهُ بِالتَّخْيِيرِ.
فَإِنْ قُلْت فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً أَوْ لَا.
قُلْت عَبَّرَتْ الْمُدَوَّنَةُ بِالْجَوَازِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامُهَا مُحْتَمَلٌ لِإِرَادَةِ الْجَوَازِ بَعْدَ الْوُقُوعِ لَا إبَاحَةِ الْقُدُومِ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، وَكَذَا قَوْلُ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا مُحْتَمَلٌ.
ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِ الْإِمَامِ التَّأْمِينُ ابْتِدَاءً وَإِنْ وَقَعَ نَظَرُ الْإِمَامِ فِي التَّوْضِيحِ هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِاقْتِضَاءِ قَوْلِهِ وَكَذَلِكَ جَوَازُهُ ابْتِدَاءً وَهَذَا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ فَفِيهَا: وَيَجُوزُ أَمَانُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَمْضِي إنْ وَقَعَ وَاخْتُلِفَ فِي كَلَامِ

مِنْ مُؤْمِنٍ مُمَيِّزٍ وَلَوْ صَغِيرًا، أَوْ امْرَأَةً أَوْ رِقًّا، أَوْ خَارِجًا عَلَى الْإِمَامِ

[منح الجليل]

ابْنُ حَبِيبٍ هَلْ هُوَ مُوَافِقٌ أَوْ مُخَالِفٌ لَهَا اهـ، وَبِهَذَا قَرَّرَ الشَّارِحُ فِي صَغِيرِهِ وَصَدَّرَ بِهِ الْحَطّ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الشَّامِلِ بِقَوْلِهِ وَهَلْ لِغَيْرِهِ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَهُوَ ظَاهِرُهَا أَوْ لَا تَأْوِيلَانِ.
اهـ. وَهَذَا أَمْثَلُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ لَمْ أَرَ هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ لِغَيْرِهِ.
اهـ. الْبُنَانِيُّ.
كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَحْتَمِلُ تَقْرِيرَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْحَطّ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إشَارَةٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَمَانُ الْمَرْأَةِ جَائِزٌ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَا عِنْدِي أَمَانُ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ إذَا كَانَ يَعْقِلُهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ.
ابْنُ يُونُسَ جَعَلَ عَبْدُ الْوَهَّابِ قَوْلَ الْغَيْرِ خِلَافًا وَجَعَلَهُ غَيْرُهُ وِفَاقًا، وَيَرِدُ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا فِي تَأْمِينِ مَنْ سِوَى الْإِمَامِ وَلَوْ مُسْتَوْفِيًا لِشُرُوطِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِنَصِّهَا الْمُتَقَدِّمِ.
وَقَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ الْمَشْهُورُ أَنَّ مِنْ كَمُلَتْ فِيهِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ، فَتَأْمِينُهُ كَتَأْمِينِ الْإِمَامِ.
اهـ. الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَعْنَاهُمَا هَلْ يَجُوزُ ابْتِدَاءً أَوْ لَا يَجُوزُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مَعْنَاهُمَا هَلْ يَمْضِي ابْتِدَاءً أَوْ لَا يَمْضِي إلَّا بِإِمْضَاءِ الْإِمَامِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ فِيهِمَا تَعَرُّضٌ لِجَوَازِهِ وَعَدَمِهِ.
وَأَمَّا تَعْبِيرُهَا بِالْجَوَازِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْمُضِيَّ بَعْدَ الْوُقُوعِ لَا إبَاحَةَ الْإِقْدَامِ ابْتِدَاءً، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ لَا يَقْبَلُ هَذَا.
وَالتَّقْرِيرُ الثَّانِي أَنَّهُ أَشَارَ لِقَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ نَصَّ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي التَّأْمِينُ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ ابْتِدَاءً أَوْ هُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِهَا يَجُوزُ أَمَانُ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ إنْ عَقَلَ الْأَمَانَ، وَيُحْتَمَلُ يَجُوزُ إنْ وَقَعَ، وَلِذَا اُخْتُلِفَ فِي كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ هَلْ هُوَ وِفَاقٌ لَهَا أَوْ خِلَافٌ.
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَجَوَازُ التَّأْمِينِ أَوْ مُضِيُّهُ إذَا كَانَ (مِنْ مُؤَمِّنٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَشَدِّ الْمِيمِ مَكْسُورَةً (مُمَيِّزٍ) كَذَلِكَ أَيْ عَاقِلِ الْأَمَانِ إنْ كَانَ بَالِغًا ذَكَرًا حُرًّا مُطِيعًا الْإِمَامَ بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (صَغِيرًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ رِقًّا أَوْ خَارِجًا عَلَى الْإِمَامِ) الْعَدْلِ وَكَانَ

لَا ذِمِّيًّا خَائِفًا مِنْهُمْ؟ تَأْوِيلَانِ

وَسَقَطَ الْقَتْلُ وَلَوْ بَعْدَ الْفَتْحِ: بِلَفْظٍ، أَوْ إشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ،

[منح الجليل]

مُسْلِمًا وَغَيْرَ خَائِفٍ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ (لَا) إنْ كَانَ (ذِمِّيًّا) ؛ لِأَنَّ كُفْرَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى سُوءِ نَظَرِهِ لِلْمُسْلِمِينَ (وَ) لَا إنْ كَانَ (خَائِفًا مِنْهُمْ) أَيْ الْحَرْبِيِّينَ فِي جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ (تَأْوِيلَانِ) فَهُوَ رَاجِعٌ لِمَا قَبْلَ لَا فَلَوْ قَدَّمَهُ عَلَيْهَا لَكَانَ أَحْسَنَ، وَقَوْلُهُ وَلَوْ صَغِيرًا يَقْتَضِي أَنَّ مَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ وَهُوَ الْحُرُّ الْبَالِغُ فِيهِ الْخِلَافُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، كَذَا الْخَارِجُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ إنْ كَانَ عَدْلًا وَعَرَفَ الْمَصْلَحَةَ، وَإِلَّا نَظَرَ الْإِمَامُ.
وَأَمَّا الْحُرُّ الْبَالِغُ الْمُسْلِمُ وَلَوْ خَارِجًا فَيَجُوزُ تَأْمِينُهُ وَيَمْضِي عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَوْ خَسِيسًا لَا يُسْأَلُ عَنْهُ إنْ غَابَ، وَلَا يُشَاوَرُ إنْ حَضَرَ

(وَسَقَطَ الْقَتْلُ) عَنْ الْحَرْبِيِّ بِتَأْمِينِهِ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ وَأَمْضَاهُ قَبْلَ الْفَتْحِ بَلْ (وَلَوْ بَعْدَ الْفَتْحِ) هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَوَّازِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَجُوزُ لِمُؤَمِّنِهِ قَتْلُهُ وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ، فَالْخِلَافُ فِي سُقُوطِ الْقَتْلِ بِالتَّأْمِينِ بَعْدَ الْفَتْحِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْمُؤَمِّنِ.
وَأَمَّا هُوَ فَلَيْسَ لَهُ قَتْلُهُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا فِي التَّوْضِيحِ وَالْحَطّ، وَمُقْتَضَى نَقْلِ الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّ الْخِلَافَ فِي تَأْمِينِ غَيْرِ الْإِمَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَتْلِ، وَكَذَا غَيْرُ الْقَتْلِ إنْ كَانَ التَّأْمِينُ قَبْلَ الْفَتْحِ لَا بَعْدَهُ فَيَسْقُطُ الْقَتْلُ فَقَطْ لَا الْفِدَاءُ أَوْ الْجِزْيَةُ أَوْ الِاسْتِرْقَاقُ فَيَرَى الْإِمَامُ رَأْيَهُ فِيهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَتْلِ مَعَ أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لَهُ حَيْثُ وَقَعَ التَّأْمِينُ قَبْلَ الْفَتْحِ لِلْمُبَالَغَةِ عَلَى مَا بَعْدَهُ، إذْ لَا يَسْقُطُ حِينَئِذٍ إلَّا هُوَ دُونَ غَيْرِهِ.
ثُمَّ الْأَمَانُ يَكُونُ (بِلَفْظٍ أَوْ إشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ) أَيْ شَأْنُهَا فَهْمُ الْعَدُوِّ الْأَمَانَ مِنْهَا وَإِنْ قَصَدَ الْمُسْلِمُونَ بِهَا ضِدَّهُ كَفَتْحِنَا الْمُصْحَفَ، وَحَلِفِنَا أَنْ نَقْتُلَهُمْ فَظَنُّوهُ تَأْمِينًا فَهُوَ صِلَةُ تَأْمِينٍ فَيُفِيدُ فَائِدَتَيْنِ كَوْنَهُ بِلَفْظٍ إلَخْ، وَسُقُوطُ الْقَتْلِ بِهِ وَتَعْلِيقُهُ بِسُقُوطٍ لَا يُفِيدُ الْأُولَى، وَيُحْتَمَلُ تَنَازُعُهُمَا فِيهِ وَإِعْمَالُ الثَّانِي فِي لَفْظِهِ لِقُرْبِهِ، وَالْأَوَّلُ فِي ضَمِيرِهِ وَحَذْفِهِ؛ لِأَنَّهُ فَضْلَةٌ.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَإِنْ قَصَدَ الْمُسْلِمُونَ ضِدَّهُ إلَخْ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ ظَنَّهُ حَرْبِيٌّ إلَخْ، وَمَعْنَى

إنْ لَمْ يَضُرَّ.

وَإِنْ ظَنَّهُ حَرْبِيٌّ فَجَاءَ أَوْ نَهَى النَّاسَ عَنْهُ فَعَصَوْا أَوْ نَسُوا أَوْ جَهِلُوا، أَوْ جَهِلَ إسْلَامَهُ

[منح الجليل]

كَوْنِهِ تَأْمِينًا أَنَّهُ يَعْصِمُ دَمَهُ وَمَالَهُ لَكِنْ يُخَيَّرُ الْإِمَامُ بَيْنَ إمْضَائِهِ وَرَدِّهِ لِمَأْمَنِهِ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَا فِي التَّوْضِيحِ مِنْ اشْتِرَاطِ قَصْدِهِ، وَمَا فِي الْمَوَّاقِ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ بِحَمْلِ مَا فِي التَّوْضِيحِ عَلَى التَّأْمِينِ الْمُنْعَقِدِ الَّذِي لَا يُرَدُّ، وَمَا فِي الْمَوَّاقِ عَلَى مَا يُخَيَّرُ فِيهِ الْإِمَامُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ وَتَعْلِيقُهُ يَسْقُطُ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ إذْ يُفِيدُ الْأَوْلَى أَيْضًا؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ الْمَذْكُورَ ثَمَرَةُ التَّأْمِينِ وَنَتِيجَتُهُ.
وَشَرْطُ جَوَازِ التَّأْمِينِ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ مُضِيِّهِ (إنْ لَمْ يَضُرُّ) التَّأْمِينُ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُمْ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ مَصْلَحَةٌ، وَلَا مَضَرَّةٌ فَهُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ بِأَمَانِ الْإِمَامِ إلَخْ، فَفِي الْجَوَاهِرِ وَشَرْطُ الْأَمَانِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ضَرَرًا فَلَوْ أَمَّنَ جَاسُوسًا أَوْ طَلِيعَةً أَوْ مَنْ فِيهِ مَضَرَّةٌ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَلَا تُشْتَرَطُ الْمَصْلَحَةُ بَلْ عَدَمُ الْمَضَرَّةِ، ثُمَّ قَالَ فَلَوْ فُقِدَ الشَّرْطُ بِأَنْ كَانَ عَيْنًا أَوْ جَاسُوسًا أَوْ طَلِيعَةً أَوْ مَنْ فِيهِ مَضَرَّةٌ لَمْ يَنْعَقِدْ.
وَأَمَّا تَمْثِيلُ الشَّارِحِينَ الْمَضَرَّةَ بِقَوْلِهِمْ كَإِشْرَافِهِمْ عَلَى فَتْحِ حِصْنٍ إلَخْ، فَهُوَ لِسَحْنُونٍ عَزَاهُ جَمِيعُ مَنْ وَقَفْنَا عَلَيْهِ لَهُ وَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ أَنَّ التَّأْمِينَ بَعْدَ الْفَتْحِ لَا يَصِحُّ، وَلَا يَأْتِي عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ صِحَّتِهِ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ بَعْدَهُ فَأَحْرَى قَبْلَهُ، لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي حُكْمِهِ بَعْدَ الْإِشْرَافِ هَلْ هُوَ كَمَا بَعْدَ الْفَتْحِ فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ فَقَطْ أَوْ تَأْمِينًا مُطْلَقًا وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ الثَّانِي.
ابْنُ بَشِيرٍ لَمَّا ذَكَرَ الْأَمَانَ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْأَمَانُ قَبْلَ الْفَتْحِ وَمَا دَامَ الَّذِي أُمِّنَ مُتَمَنِّعًا.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي شُرُوطِهِ وَكَوْنُهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَرْبِيِّينَ أَفَادَهُ طفي.

(وَإِنْ ظَنَّهُ) أَيْ التَّأْمِينَ (حَرْبِيٌّ) مِنْ غَيْرِ إشَارَةٍ مِنَّا وَلَمْ نَقْصِدْهُ كَقَوْلِنَا لِرَئِيسِ مَرْكَبِ الْعَدُوِّ أَرْخِ قَلْعَك أَوْ مَتَرْسْ أَيْ لَا تَخَفْ فَظَنَّهُ تَأْمِينًا (فَجَاءَ) الْحَرْبِيُّ إلَيْنَا مُعْتَمِدًا عَلَى ظَنِّهِ (أَوْ نَهَى) الْإِمَامُ (النَّاسَ عَنْهُ) أَيْ التَّأْمِينِ (فَعَصَوْا) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ خَالَفُوا نَهْيَ الْإِمَامِ وَأَمَّنُوا (أَوْ نَسُوا) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ النَّاسُ نَهْيَ الْإِمَامِ وَأَمَّنُوا (أَوْ جَهِلُوا) أَيْ لَمْ يَعْلَمُوا نَهْيَهُ أَوْ وُجُوبَ امْتِثَالِهِ وَحُرْمَةَ مُخَالِفَتِهِ فَأَمَّنُوا.
(وَ) أَمَّنَ ذِمِّيٌّ حَرْبِيًّا وَ (جَهِلَ) الْحَرْبِيُّ (إسْلَامَهُ) أَيْ اعْتَقَدَ إسْلَامَ الذِّمِّيِّ الَّذِي

لَا إمْضَاءَهُ: أُمْضِيَ أَوْ رُدَّ لِمَحَلِّهِ

وَإِنْ أُخِذَ مُقْبِلًا بِأَرْضِهِمْ، وَقَالَ: جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ، أَوْ بِأَرْضِنَا، وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ لَا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ، أَوْ بَيْنَهُمَا، رُدَّ لِمَأْمَنِهِ،

[منح الجليل]

أَمَّنَهُ، هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهُمْ فَيْءٌ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ (لَا) إنْ عَلِمَ الْحَرْبِيُّ أَنَّهُ ذِمِّيٌّ وَجَهِلَ أَيْ اعْتَقَدَ (إمْضَاءَهُ) أَيْ تَأْمِينَ الذِّمِّيِّ فَلَا يَمْضِي وَيَكُونُ فَيْئًا.
وَجَوَابُ إنْ ظَنَّهُ حَرْبِيٌّ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ (أُمْضِيَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ التَّأْمِينُ أَيْ أَمْضَاهُ الْإِمَامُ إنْ رَآهُ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ (أَوْ رُدَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ أَيْ الْحَرْبِيُّ (لِمَحَلِّهِ) أَيْ التَّأْمِينِ الَّذِي كَانَ بِهِ حَالُهُ وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَلَا اسْتِرْقَاقُهُ.
ابْنُ رَاشِدٍ هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ لَا قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ لِمَأْمَنِهِ لِصِدْقِهِ بِمَا إذَا كَانَ قَبْلَ التَّأْمِينِ بِمَحَلِّ خَوْفٍ، فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ لِحَيْثُ يَأْمَنُ بَلْ لِمَحَلِّهِ قَبْلَ التَّأْمِينِ.
طفى نُصُوصُ الْمَذْهَبِ كُلُّهَا عَلَى الرَّدِّ لِمَأْمَنِهِ مِثْلُ نَصِّ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ إلَّا الْبَاجِيَّ حَيْثُ قَالَ لَعَلَّ هَذَا تَجَوُّزٌ مِمَّنْ قَالَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنْ يُرَدَّ إلَى مِثْلِ حَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ التَّأْمِينِ.
اهـ. فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُ اخْتِيَارٌ لَهُ وَهُوَ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّهُ خَالَفَ فِيهِ قَوْلَ الْأَصْحَابِ اهـ الْبُنَانِيُّ.
قُلْت وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْبَاجِيَّ فَهِمَ عِبَارَةَ الْأَئِمَّةِ عَلَى التَّجَوُّزِ وَهُوَ مُتَّبَعٌ فِي فَهْمِهِ.

(وَإِنْ أُخِذَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْحَرْبِيُّ حَالَ كَوْنِهِ (مُقْبِلًا) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ أَيْ حَالَةَ إقْبَالِهِ إلَيْنَا وَصِلَةُ أُخِذَ (بِأَرْضِهِمْ) أَيْ الْكُفَّارِ (وَقَالَ) الْحَرْبِيُّ الْمَأْخُوذُ بِأَرْضِهِمْ (جِئْت) لَكُمْ (أَطْلُبُ الْأَمَانَ) مِنْكُمْ (أَوْ) أُخِذَ (بِأَرْضِنَا) وَمَعَهُ سِلَعٌ وَدَخَلَهَا بِلَا تَأْمِينٍ (وَقَالَ) الْحَرْبِيُّ الْمَأْخُوذُ بِأَرْضِنَا جِئْت لِأَتَّجِرَ وَ (ظَنَنْت أَنَّكُمْ لَا تَعَرَّضُونَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا حُذِفَتْ مِنْهُ إحْدَى التَّاءَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ (لِتَاجِرٍ أَوْ) أُخِذَ (بَيْنَهُمَا) أَيْ أَرْضَيْ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ.
وَقَالَ جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ (رُدَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ مُشَدَّدَةً الْحَرْبِيُّ (لِمَأْمَنِهِ) بِفَتْحِ الْمِيمَيْنِ بَيْنَهُمَا هَمْزٌ سَاكِنٌ أَيْ مَحَلٍّ يَأْمَنُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي الْمَسَائِلِ

وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ، فَعَلَيْهَا، وَإِنْ رُدَّ بِرِيحٍ، فَعَلَى أَمَانِهِ حَتَّى يَصِلَ، وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا؛ فَمَالُهُ فَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَارِثٌ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ،

[منح الجليل]

الثَّلَاثَةِ.
وَكَذَا إنْ أُخِذَ بِأَرْضِهِمْ مُقْبِلًا إلَيْنَا بِسِلَعٍ وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّكُمْ لَا تَتَعَرَّضُونَ لِتَاجِرٍ بِالْأَوْلَى.
وَلَوْ أُخِذَ بِأَرْضِنَا وَقَالَ: جِئْت لِلْأَمَانِ أَوْ لِلْإِسْلَامِ أَوْ لِلْفِدَاءِ فَقِيلَ يُرَدُّ لِمَأْمَنِهِ، وَقِيلَ يُخَيَّرُ فِيهِ الْإِمَامُ وَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ إنْ أُخِذَ بَحَدَثَانِ مَجِيئِهِ وَإِلَّا فَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ عج اُنْظُرْ مَا وَجْهُ رَدِّهِ لِمَأْمَنِهِ إذَا قَالَ جِئْت لِلْإِسْلَامِ وَلِمَ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ فَإِنْ أَبَاهُ خُيِّرَ فِيهِ الْإِمَامُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى لِعَرْضِ أَحْكَامِهِ عَلَيْهِ فَيُنْظَرُ هَلْ يُسْلِمُ أَمْ لَا.
(وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ) عَلَى صِدْقِهِ كَوُجُودِ سِلَعٍ دُونَ سِلَاحٍ مَعَهُ أَوْ عَلَى كَذَا كَعَكْسِهِ (فَعَلَيْهَا) أَيْ الْقَرِينَةِ يُعْمَلُ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ (وَإِنْ رُدَّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا الْحَرْبِيُّ الْمُؤَمَّنُ بَعْدَ تَوَجُّهِهِ لِبَلَدِهِ وَقَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِ (بِرِيحٍ) وَكَذَا إنْ رَجَعَ مُخْتَارًا عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ (فَ) هُوَ (عَلَى أَمَانِهِ) السَّابِقِ (حَتَّى يَصِلَ) لِبَلَدِهِ أَوْ لِمَأْمَنِهِ وَلَهُ نُزُولُهُ بِالْمَكَانِ الَّذِي كَانَ بِهِ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إلْزَامُهُ الذَّهَابَ.
وَقِيلَ يُخَيَّرُ إنْ شَاءَ أَنْزَلَهُ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، فَإِنْ رُدَّ بَعْدَ وُصُولِهِ لِمَأْمَنِهِ فَقِيلَ يُخَيَّرُ فِيهِ الْإِمَامُ، وَقِيلَ هُوَ فَيْءٌ، وَقِيلَ إنْ رُدَّ غَلَبَةً خُيِّرَ الْإِمَامُ فِيهِ.
وَإِنْ رَجَعَ اخْتِيَارًا فَهُوَ حِلٌّ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ رَجَعَ بَعْدَ بُلُوغِهِ مَأْمَنَهُ فَفِي قَوْلِهِ حِلًّا لِمَنْ أَخَذَهُ أَوْ تَخْيِيرُ الْإِمَامِ فِي إنْزَالِهِ أَمْنًا وَرَدِّهِ ثَالِثًا إنْ رَجَعَ اخْتِيَارًا اهـ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الْأَمَانِ شَرَعَ فِي مُتَعَلَّقَاتِ الِاسْتِئْمَانِ وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ تَأْمِينُ حَرْبِيٍّ يَنْزِلُ لِأَمْرٍ يَنْصَرِفُ بِانْقِضَائِهِ فَقَالَ (فَإِنْ مَاتَ) الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ فِي غَيْرِ مَعْرَكَةٍ، وَلَا أَسْرٍ (عِنْدَنَا فَمَالُهُ) أَيْ الْحَرْبِيُّ وَدِيَتُهُ إنْ قُتِلَ (فَيْءٌ) لِبَيْتِ الْمَالِ (إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ) أَيْ الْحَرْبِيُّ (وَارِثٌ) لَهُ بِبَلَدِنَا فَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَارِثٌ لَهُ عِنْدَهُمْ بِقَوْلِ أَسَاقِفَتِهِمْ وَلَوْ زَوْجَةً أَوْ بِنْتًا أَوْ ذَا رَحِمٍ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ فَهُمَا لَهُ سَوَاءٌ دَخَلَ عَلَى التَّجْهِيزِ أَمْ لَا (وَلَمْ يَدْخُلْ) الْحَرْبِيُّ بَلَدَنَا (عَلَى التَّجْهِيزِ) أَيْ شِرَاءِ أَمْتِعَةٍ بِأَنْ دَخَلَ عَلَى الْإِقَامَةِ أَوْ كَانَتْ مُعْتَادَةً لَهُمْ، أَوْ جَهِلَ

وَلِقَاتِلِهِ إنْ أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ

[منح الجليل]

مَا دَخَلَ عَلَيْهِ، وَلَا عَادَةَ لَهُمْ أَوْ طَالَتْ إقَامَتُهُ بِالْعُرْفِ بَعْدَ دُخُولِهِ عَلَى التَّجْهِيزِ، أَوْ اعْتِيَادِهِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الدُّخُولِ عَلَيْهَا، فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْخَمْسَةِ مَالُهُ وَدِيَتُهُ فَيْءٌ وَإِنْ لَمْ يَمُتْ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى بَلَدِهِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُ لِئَلَّا يُخْبِرَهُمْ بِعَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَا يَكُونُ مَالُهُ فَيْئًا فِيهَا إنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ بِلَا أَسْرٍ.
فَإِنْ حَارَبَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ عِنْدِنَا وَأُسِرَ فَأَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (وَ) إنْ نَقَضَ الْعَهْدَ وَحَارَبَ فَقَتَلُوهُ فَمَالُهُ (لِقَاتِلَهُ إنْ أُسِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْحَرْبِيُّ حَيًّا (ثُمَّ قُتِلَ) وَلَمْ يُقْتَلْ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَلِآسِرِهِ، وَحَذْفُ لَفْظِ قَاتِلِهِ ثُمَّ قُتِلَ لِمِلْكِهِ بِأَسْرِهِ رَقَبَتَهُ " غ " وَالصَّوَابُ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ تَأْخِيرُ قَوْلِهِ وَلِقَاتِلِهِ إنْ أُسِرَ عَنْ قَوْلِهِ قَوْلَانِ، لِأَنَّهَا فِي قَوْلِهِ وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا إلَخْ، وَفِي قَوْلِهِ وَإِلَّا أُرْسِلَ مَعَ دِيَتِهِ لِوَارِثِهِ وَفِي قَوْلِهِ كَوَدِيعَتِهِ فَهُوَ كَالْمُسْتَثْنَى مِنْ الْمَحَلَّاتِ الثَّلَاثَةِ، أَوْ أَنَّهَا مَحْذُوفَةٌ مِنْ الْأَخِيرَيْنِ لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، وَمَحَلُّ كَوْنِهِ لِقَاتِلِهِ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْجَيْشِ وَغَيْرُ الْمُسْتَنَدِ لَهُ وَإِلَّا فَيُخَمَّسُ كَسَائِرِ الْقَسِيمَةِ اهـ عب.
وَنَصَّ " غ " وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا فَمَالُهُ فَيْءٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَارِثٌ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ وَإِلَّا أُرْسِلَ مَعَ دِيَتِهِ لِوَارِثِهِ كَوَدِيعَتِهِ وَهَلْ وَإِنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ أَوْ فَيْءٍ قَوْلَانِ، وَلِقَاتِلِهِ إنْ أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ يَقَعُ هَذَا الْكَلَامُ فِي النُّسَخِ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ عَلَى خِلَافِ هَذَا التَّرْتِيبِ وَالصَّوَابُ مَا رَسَمْت لَك يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ اهـ الْبُنَانِيُّ.
الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَمُوتَ عِنْدَنَا وَإِمَّا أَنْ يَمُوتَ فِي بَلَدِهِ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْسَرَ وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ فِي مَعْرَكَةٍ.
أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْأُولَى بِقَوْلِهِ وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا إلَخْ مَعَ قَوْلِهِ وَإِلَّا أُرْسِلَ مَعَ دِيَتِهِ إلَخْ وَأَشَارَ لِلثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ كَوَدِيعَتِهِ، فَالتَّشْبِيهُ تَامٌّ كَمَا فِي س وخش يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ الْآتِي خِلَافًا لز وَأَشَارَ إلَى الثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ وَلِقَاتِلِهِ إنْ أُسِرَ فَهُوَ قَسِيمٌ لِمَا قَبْلَهُ وَلِمَا بَعْدَهُ فَلَا يُتَوَهَّمُ رُجُوعُهُ لَهُمَا كَمَا تَوَهَّمَهُ " ز " وَشَيْخُهُ.
وَأَشَارَ إلَى الرَّابِعَةِ بِقَوْلِهِ وَهَلْ وَإِنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ قَوْلَانِ هَذَا تَحْقِيقُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ

وَإِلَّا أُرْسِلَ مَعَ دِيَتِهِ لِوَارِثِهِ: كَوَدِيعَتِهِ، وَهَلْ وَإِنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ، أَوْ فَيْءٌ قَوْلَانِ وَكُرِهَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ: اشْتِرَاءُ سِلَعِهِ،

[منح الجليل]

إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهِ تَعْلَمُ مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ ز مِنْ الْخَلَلِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الصِّقِلِّيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ حُكْمُ مَالِهِ عِنْدَنَا فِي مَوْتِهِ بِبَلَدِهِ كَمَوْتِهِ عِنْدَنَا وَمَالُهُ فِي مَوْتِهِ بَعْدَ أَسْرِهِ لِمَنْ أَسَرَهُ.
وَلَوْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ فَفِي كَوْنِهِ لِوَارِثِهِ أَوْ فَيْئًا لَا يُخَمَّسُ نَقْلُ الصِّقِلِّيِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَابْنِ حَبِيبٍ مَعَ نَقْلِهِ مَعَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ.
اهـ. وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ كَوَدِيعَتِهِ الْمَالُ الْمَتْرُوكُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ لَا خُصُوصُ الْوَدِيعَةِ الْعُرْفِيَّةِ، وَلِذَا عَبَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ بِلَفْظِ مَالٍ وَعَمَّمَ فِي الْقَوْلَيْنِ، وَبِهِ قَرَّرَ الشَّارِحَانِ فَقَوْلُ " ز ". وَكَذَا يَكُونُ مَالُهُ فَيْئًا فِيهِ نَظَرٌ بَلْ فِيهِ الْقَوْلَانِ الْآتِيَانِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ دَخَلَ عَلَى التَّجْهِيزِ بِنَصٍّ أَوْ عَادَةٍ وَلَمْ تَطُلْ إقَامَتُهُ فِيهِمَا (أُرْسِلَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ السِّينِ مَالُهُ الَّذِي عِنْدَنَا (مَعَ دِيَتِهِ) أَيْ الْحَرْبِيِّ الْمَقْتُولِ ظُلْمًا فِي غَيْرِ مَعْرَكَةٍ (لِوَارِثِهِ) أَيْ الْحَرْبِيِّ فِي دِيَتِهِ فَهَذَا مَفْهُومٌ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ.
وَشَبَّهَ فِي الْإِرْسَالِ لِلْوَارِثِ فَقَالَ (كَوَدِيعَتِهِ) أَيْ مَالِ الْحَرْبِيِّ الْمَتْرُوكِ عِنْدَنَا سَوَاءٌ كَانَ وَدِيعَةً عُرْفِيَّةً أَمْ لَا وَقَدْ مَاتَ بِبَلَدِهِ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ عِنْدَنَا فَيُرْسَلُ لِوَارِثِهِ بِبَلَدِهِ (وَهَلْ) تُرْسَلُ وَدِيعَتُهُ لِوَارِثِهِ إنْ مَاتَ بِبَلَدِنَا أَوْ قُتِلَ ظُلْمًا بَلْ (وَإِنْ قُتِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ الْحَرْبِيُّ (فِي مَعْرَكَةٍ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِلَا أَسْرٍ (أَوْ) إنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ فَهِيَ (فَيْءٌ) لِبَيْتِ الْمَالِ فَلَا تُرْسَلُ لِوَارِثِهِ، وَلَا تُخَمَّسُ فِيهِ (قَوْلَانِ) لَمْ يَطَّلِعْ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِهِمَا، الثَّانِي لِابْنِ الْقَاسِمِ وَالْأَوَّلُ لِابْنِ الْمَوَّازِ حَكَاهُمَا ابْنُ يُونُسَ.
(وَ) إنْ نَهَبَ حَرْبِيٌّ سِلَعًا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ وَذَهَبَ بِهَا لِأَرْضِهِ ثُمَّ رَجَعَ بِهَا لِبِلَادِنَا بِأَمَانٍ (كُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ كَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَبُو الْحَسَنِ تَنْزِيهًا (لِغَيْرِ) الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ (الْمَالِكِ) لِلسِّلَعِ الَّتِي قَدِمَ الْحَرْبِيُّ بِهَا بِأَمَانٍ (اشْتِرَاءُ سِلَعِهِ) أَيْ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ إغْرَاءٌ لَهُمْ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ وَتَقْوِيَةٌ لَهُمْ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ يُفَوِّتُهَا عَلَى مَالِكِهَا.

وَفَاتَتْ بِهِ وَبِهِبَتِهِمْ لَهَا، وَانْتُزِعَ مَا سُرِقَ، ثُمَّ عِيدَ بِهِ لِبَلَدِنَا عَلَى الْأَظْهَرِ؛ لَا أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ، وَمَلَكَ بِإِسْلَامِهِ غَيْرَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ،

[منح الجليل]

(وَ) إنْ اشْتَرَاهَا غَيْرُ مَالِكِهَا (فَاتَتْ) السِّلَعُ عَلَى مَالِكِهَا (بِهِ) أَيْ شِرَاءُ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا مِنْ مُشْتَرِيهَا جَبْرًا بِالثَّمَنِ، وَلَا بِغَيْرِهِ (وَ) فَاتَتْ أَيْضًا (بِهِبَتِهِمْ) أَيْ الْحَرْبِيِّينَ بِأَرْضِنَا بَعْدَ دُخُولِهَا بِأَمَانٍ، وَظَاهِرُهُ جَوَازُ قَبُولِ هِبَتِهِمْ، وَعِلَّةُ التَّفْوِيتِ تَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ فِيهِ أَقُولُ (لَهَا) أَيْ سِلَعِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ سَوَاءٌ وَهَبُوهَا لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، إمَّا؛ لِأَنَّ التَّأْمِينَ يُحَقِّقُ مِلْكَهُمْ أَوْ؛ لِأَنَّهُ بِهِ صَارَتْ لَهُ حُرْمَةٌ لَيْسَتْ لَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، بِخِلَافِ مَا وَقَعَ فِي الْمُقَاسِمِ، أَوْ بَاعُوهُ أَوْ وَهَبُوهُ بِدَارِهِمْ فَلَا يَفُوتُ عَلَى رَبِّهِ فَيَأْخُذُ الْمَوْهُوبَ مَجَّانًا وَالْمَبِيعَ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ (وَانْتُزِعَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الزَّاي مِنْ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ أَوْ الَّذِي ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ (مَا) أَيْ الشَّيْءُ الَّذِي (سُرِقَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فِي زَمَنِ الْعَهْدِ أَوْ غُصِبَ وَلَوْ رَقِيقًا وَذُهِبَ بِهِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ.
(ثُمَّ عِيدَ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ رُجِعَ (بِهِ) لِبَلَدِنَا فَيُنْتَزَعُ (عَلَى الْأَظْهَرِ) مِنْ الْخِلَافِ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ سَوَاءٌ عَادَ بِهِ سَارِقُهُ أَوْ غَيْرُهُ وَتُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إنْ عَادَ بِهِ كَقَتْلِ مَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا حَالَ تَأْمِينِهِ ثُمَّ هَرَبَ إلَى أَرْضِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْنَا، وَلَا يُسْقِطُ ذَلِكَ عَنْهُ تَأْمِينَهُ (لَا) يُنْزَعُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ (أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ) أَسَرُوهُمْ ثُمَّ (قَدِمُوا بِهِمْ) بِأَمَانٍ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ وَطْءِ الْإِنَاثِ وَالرُّجُوعِ بِهِمْ إلَى بِلَادِهِمْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَالرِّوَايَةُ عَنْهُ هَكَذَا إنَاثُهُمْ لَا إمَاؤُهُمْ، وَقَوْلُهُ الْآخَرُ: إنَّهُ تُنْزَعُ الْإِنَاثُ مِنْهُمْ بِقِيمَتِهِنَّ دُونَ الذُّكُورِ.
وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنَّهُمْ يُنْزَعُونَ مِنْهُمْ بِقِيمَتِهِمْ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَبِهِ الْعَمَلُ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ.
(وَمَلَكَ) الْحَرْبِيُّ سَوَاءٌ قَدِمَ بِلَادَنَا بِأَمَانٍ حَالَ كُفْرِهِ أَمْ لَا (بِإِسْلَامِهِ) بِأَرْضِنَا أَوْ بِأَرْضِهِمْ، ثُمَّ قَدِمَ بِلَادَنَا وَإِلَّا فَسَيَأْتِي أَنَّ مَالَهُ وَوَلَدَهُ فَيْءٌ جَمِيعُ مَا غَصَبَهُ أَوْ نَهَبَهُ قَبْلَ إسْلَامِهِ (غَيْرَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ) مِنْ رَقِيقٍ وَلَوْ مُسْلِمًا وَذِمِّيٍّ وَأَمَتِهِ لَا حُرٍّ مُسْلِمٍ وَلَا مَسْرُوقٍ، وَلَا حَبْسٍ

وَفُدِيَتْ أُمُّ الْوَلَدِ، وَعَتَقَ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِ سَيِّدِهِ، وَمُعْتَقٌ لِأَجَلٍ بَعْدَهُ، وَلَا يُتَّبَعُونَ بِشَيْءٍ، وَلَا خِيَارَ لِلْوَارِثِ.

[منح الجليل]

مُحَقَّقٍ كَوْنُهُ حَبْسًا وَفِي مِلْكِهِ مَا احْتَمَلَهُ كَفَرَسٍ فِي فَخِذِهِ لِلسَّبِيلِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكْتُبُ الرَّجُلُ ذَلِكَ لِيَمْنَعَهُ مِنْ النَّاسِ وَعَدَمِهِ قَوْلَانِ، وَلَا مَا تَسَلَّفَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ لَهُ بِشِرَاءٍ أَوْ إجَارَةٍ مِنْهُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَلَوْ تَعَامَلَا بِأَرْضِ الْحَرْبِ، كَمَا يُفِيدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ لَزِمَهُ كُلُّ مَا رَضِيَ بِهِ حَالَ كُفْرِهِ.
(وَفُدِيَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (أُمُّ الْوَلَدِ) لِحُرٍّ مُسْلِمٍ أَسَرَهَا حَرْبِيٌّ ثُمَّ قَدِمَ بِهَا أَوْ أَسْلَمَ فَيَجِبُ عَلَى سَيِّدِهَا فِدَاؤُهَا مِنْهُ بِقِيمَتِهَا لِقُرْبِهَا مِنْ الْحُرِّيَّةِ إذْ لَمْ يَبْقَ فِيهَا إلَّا الِاسْتِمْتَاعُ وَيَسِيرُ الْخِدْمَةِ وَيَدْفَعُهَا حَالَّةً إنْ كَانَ مَلِيئًا وَيُتْبَعُ بِهَا فِي ذِمَّتِهِ إنْ كَانَ مُعْدَمًا وَتُقَوَّمُ قِنًّا، فَإِنْ مَاتَتْ هِيَ أَوْ سَيِّدُهَا سَقَطَتْ قِيمَتُهَا.
(وَ) إنْ أَسْلَمَ حَرْبِيٌّ وَبِيَدِهِ مُدَبَّرٌ لِمُسْلِمٍ بَقِيَ بِيَدِهِ إلَى مَوْتِ سَيِّدِهِ فَإِنْ مَاتَ (عَتَقَ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِ) مَالِ (سَيِّدِهِ) إنْ حَمَلَهُ فَإِنْ حَمَلَ بَعْضَهُ رَقَّ بَاقِيهِ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ (وَ) إنْ أَسْلَمَ حَرْبِيٌّ وَبِيَدِهِ (مُعْتَقٌ لِأَجَلٍ) لِمُسْلِمٍ بَقِيَ بِيَدِهِ إلَى غَايَةِ الْأَجَلِ وَعَتَقَ (بَعْدَهُ) أَيْ الْأَجَلِ (وَلَا يُتَّبَعُونَ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَفَتْحٍ ثَانٍ أَيْ الْمُدَبَّرُ الَّذِي عَتَقَ جَمِيعُهُ أَوْ بَعْضُهُ، وَالْمُعْتَقُ لِأَجَلٍ الَّذِي عَتَقَ بَعْدَ الْأَجَلِ أَيْ لَا يَتْبَعُهُمْ مَنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِمْ (بِشَيْءٍ) مِنْ قِيمَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا خِدْمَتُهُمْ إلَى مَوْتِ السَّيِّدِ أَوْ تَمَامِ الْأَجَلِ كَمَالِكِهِمْ الْأَصْلِيِّ، وَجُمِعَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ أَوْ اُسْتُعْمِلَ ضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي اثْنَيْنِ أَوْ بِاعْتِبَارِ رُجُوعِهِ لِلْحُرِّ الْمُسْلِمِ أَيْضًا.
(وَ) إنْ مَاتَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ الْمُدَبَّرَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ رُقَّ مُقَابِلَ الدَّيْنِ لِلَّذِي أَسْلَمَ عَلَيْهِ وَعَتَقَ ثُلُثُ بَاقِيهِ لِتَقَدُّمِ حَقِّهِ عَلَى حَقِّ أَرْبَابِ الدُّيُونِ فِيمَا تَسْتَغْرِقُهُ دُيُونُهُمْ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ و (لَا خِيَارَ لِلْوَارِثِ) لِلسَّيِّدِ فِيمَا رُقَّ مِنْ الْمُدَبَّرِ بَيْنَ إسْلَامِهِ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ وَفِدَائِهِ مِنْهُ بِقِيمَتِهِ كَمَالِهِ، هَذَا فِي الْمُدَبَّرِ الْجَانِي لِأَنَّ السَّيِّدَ هُنَا لَمْ يَكُنْ لَهُ انْتِزَاعُهُ مِمَّنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ، فَكَذَا وَارِثُهُ وَسَكَتَ عَنْ الْمُكَاتَبِ لِوُضُوحِ حُكْمِهِ وَهُوَ أَنَّهُ يُؤَدِّي النُّجُومَ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ وَيَخْرُجُ حُرًّا وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ الْأَصْلِيِّ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا رُقَّ لِلَّذِي أَسْلَمَ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ لِسَيِّدِهِ.

وَحُدَّ زَانٍ وَسَارِقٌ

وَإِنْ حِيزَ الْمَغْنَمُ وَوُقِفَتْ الْأَرْضُ:

[منح الجليل]

وَحُدَّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا (زَانٍ) مِنْ الْجَيْشِ بِحَرْبِيَّةٍ أَوْ ذَاتِ مَغْنَمٍ قَلَّ الْجَيْشُ أَوْ كَثُرَ (وَ) قُطِعَ (سَارِقٌ) نِصَابًا فَمَا فَوْقَهُ لِضَعْفِ الشُّبْهَةِ هُنَا فَلَمْ تَدْرَأْ الْحَدَّ.
وَقِيلَ إنْ سَرَقَ فَوْقَ حَقِّهِ نِصَابًا.
الْبُنَانِيُّ الصَّوَابُ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا يُحَدُّ الزَّانِي بِذَاتِ الْمَغْنَمِ لِلشُّبْهَةِ، وَلَا يُقْطَعُ السَّارِقُ حَتَّى يَسْرِقَ نِصَابًا فَوْقَ حَظِّهِ قف عَلَى الْحَطّ

(إنْ حِيزَ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ أَيْ جُمِعَ (الْمَغْنَمُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالنُّونِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ الْغَنِيمَةُ فِي مَكَان بِالْفِعْلِ بِحَيْثُ يَكُونُ مُعَيَّنًا بَيْنَ أَيْدِي الْمُجَاهِدِينَ قَبْلَ قَسْمِهِ، فَإِنْ سَرَقَ مِنْهُ قَبْلَ حَوْزِهِ فَلَا يُقْطَعُ فَهُوَ رَاجِعٌ لِلسَّارِقِ فَقَطْ، وَأَمَّا الزَّانِي فَيُحَدُّ مُطْلَقًا عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ فِي بَابِ الزِّنَا.
(وَوُقِفَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ حُبِسَتْ (الْأَرْضُ) غَيْرُ الْمَوَاتِ وَهِيَ الْأَرْضُ الصَّالِحَةُ لِزِرَاعَةِ الْحَبِّ وَالْمَبْنِيَّةُ دُورًا وَنَحْوُهَا أَيْ صَارَتْ وَقْفًا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا بِلَا صِيغَةٍ مِنْ الْإِمَامِ، فَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ فِي بَابِ الْوَقْفِ بِحُبِسَتْ وَوُقِفَتْ إلَخْ، وَأَمَّا الْمَوَاتُ فَلِلْإِمَامِ تَمْلِيكُهَا لِمَنْ يَشَاءُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقِيلَ أَرْضُ الدُّورِ لِلْغَانِمِينَ، وَقِيلَ يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي وَقْفِهَا وَقَسْمِهَا وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُؤْخَذُ لَهَا كِرَاءٌ، بِخِلَافِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي كِرَاءِ دُورِ مَكَّةَ الْمَشْهُورُ مَنْعُ كِرَائِهَا لِفَتْحِهَا عَنْوَةً وَمَا يَقَعُ مِنْ الْقَضَاءِ فِي إثْبَاتِ الْأَمْلَاكِ وَعُقُودِ الْإِيجَارَاتِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفُعَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لِلْإِمَامِ قَسْمَهَا كَسَائِرِ الْغَنَائِمِ أَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ.
وَالْقَاعِدَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا أَنَّ مَسَائِلَ الْخِلَافِ إنْ اتَّصَلَ بِبَعْضِ أَقْوَالِهَا قَضَاءُ حَاكِمٍ تَعَيَّنَ ذَلِكَ الْقَوْلُ وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ، فَإِذَا قَضَى حَاكِمٌ بِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ ثَبَتَ الْمِلْكُ وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ وَتَعَيَّنَ مَا حَكَمَ بِهِ، وَهَذَا يَطَّرِدُ عَنْ مَكَّةَ وَمِصْرَ وَغَيْرِهِمَا، وَالدُّورُ الْمَوْقُوفَةُ هِيَ الَّتِي صَادَفَهَا الْفَتْحُ وَبَقِيَتْ مَبْنِيَّةً فَإِنْ تَهَدَّمَتْ وَبُنِيَتْ مُلِكَتْ وَجَازَ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَالْكِرَاءِ وَنَحْوِهِمَا، فَقَوْلُ الْإِمَامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا تُكْرَى دُورُ مَكَّةَ أَرَادَ بِهِ مَا كَانَ فِي زَمَانِهِ بَاقِيًا مِنْ دُورِ الْكُفَّارِ الَّتِي صَادَفَهَا الْفَتْحُ وَالْيَوْمَ ذَهَبَتْ تِلْكَ الْأَبْنِيَةُ فَلَا يَكُونُ قَضَاءُ الْحُكَّامِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

فِيهَا بِذَلِكَ خَطَأً.
نَعَمْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْأَرْضِينَ فَإِنَّهَا بَاقِيَةٌ بِحَالِهَا إلَى الْأَبَدِ، وَإِذَا جُهِلَ الْأَمْرُ انْتَفَعَ الْحَائِزُ بِحِيَازَتِهِ إذَا جُهِلَ أَصْلُ مَدْخَلِهِ فِيهَا.
وَهَلْ يُطَالَبُ بِبَيَانِ سَبَبِ مِلْكِهِ فَقَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ لَا يُطَالَبُ، وَقَالَ غَيْرُهُ يُطَالَبُ، وَقِيلَ إنْ لَمْ يَثْبُتْ أَصْلٌ لِمِلْكِ الْمُدَّعِي فَلَا يُسْأَلُ الْحَائِزُ عَنْ بَيَانِ أَصْلِ مِلْكِهِ وَإِلَّا سُئِلَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ عَتَّابٍ لَا يُطَالَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْغَصْبِ وَالِاسْتِطَالَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ) لَا تُقْسَمُ الْأَرْضُ كَغَيْرِهَا لِتَكُونَ فِي أُعْطِيَاتِ الْمُقَاتِلَةِ وَأَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ قَسَمَهَا بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ مَضَى، وَلَا يُنْقَضُ.
اللَّخْمِيُّ بِلَا خِلَافٍ اهـ عب.
طفي قَوْلُ تت وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا صَارَتْ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا فِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ إنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، لِأَنَّ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ بِهَا هَلْ يَقْسِمُهَا كَغَيْرِهَا، أَوْ يَتْرُكُهَا لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ فَمَعْنَى وَقْفِهَا تَرْكُهَا غَيْرَ مَقْسُومَةٍ لَا الْوَقْفُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ وَهُوَ التَّحْبِيسُ، وَسَرَى لَهُ مَا قَالَ مِنْ قَوْلِ الْبِسَاطِيِّ أَيْ كَمَا حَكَمَ عُمَرُ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي أَرْضِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْسِمْهَا.
وَهَلْ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا بِأَنَّهَا وَقْفٌ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ أَوْ طِيبِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى ذَلِكَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ الْأَوَّلُ.
اهـ. وَذَا حَسَنٌ أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ هَلْ أَوْقَفَهَا عُمَرُ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ تَطْيِيبِ نُفُوسِ الْمُجَاهِدِينَ فِي الْبَيَانِ، قِيلَ إنَّ عُمَرَ فَعَلَهُ بَعْدَ تَطْيِيبِ نُفُوسِ الْغَانِمِينَ فَمَنْ سَمَحَتْ نَفْسُهُ بِخُرُوجِهِ عَنْ نَصِيبِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ قُبِلَ مِنْهُ وَمَنْ لَمْ يَسْمَحْ أَعْطَاهُ الْعِوَضَ.
اهـ. فَفُهِمَ مِنْهُ تت غَيْرُ مُرَادِهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا حَكَى كَلَامَهُ فِي كَبِيرِهِ قَالَ مَا قَالَ إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ.
قَالَ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَوُقِفَتْ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ وَقْفًا حَتَّى تُوقَفَ.
اهـ. فَفُهِمَ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ عِنْدَهُ هُوَ الَّذِي صَدَّرَ بِهِ الْبِسَاطِيُّ وَقَالَ إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَإِنَّهُ الَّذِي شَهَرَهُ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ وَلَمْ يَنْتَبِهْ لِقَوْلِهِ هَلْ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا مِنْهُ إلَخْ فَلَفْظُ الْحُكْمِ يَنْفِي مَا قَالَ فَافْهَمْ.
اهـ. وَأَقَرَّهُ الْبُنَانِيُّ.

كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ.
وَخُمِّسَ غَيْرُهَا إنْ أُوجِفَ عَلَيْهِ،

[منح الجليل]

شَيْخُ مَشَايِخِنَا الدُّسُوقِيُّ هَذَا الْمَعْنَى مُرَادُ تت بِوَقْفِهَا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا تُتْرَكُ لِلْمَصَالِحِ، وَلَا مَعْنَى لِلْوَقْفِ وَالتَّحْبِيسِ إلَّا ذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ بِالْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ مَا كَانَ بِصِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَقَدْ قَالَ الشَّارِحُ إنَّ هَذَا الْوَقْفَ لَا يَحْتَاجُ لِصِيغَةٍ.
(كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ) عج وَأَمَّا مَا يَقَعُ بِمِصْرَ مِنْ شِرَاءِ بَعْضِ سَلَاطِينِهَا وَكُبَرَائِهَا بِلَادًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَيَجْعَلُونَهَا وَقْفًا عَلَى مَا يَبْنُونَهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ مَثَلًا، فَإِنَّمَا يُحَكِّمُونَ فِيهَا مَنْ يَرَى ذَلِكَ لَا أَهْلَ مَذْهَبِنَا (وَخُمِّسَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مُثَقَّلَةً أَيْ قُسِمَ (غَيْرُهَا) أَيْ الْأَرْضِ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ مُتَسَاوِيَةٍ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِ الْحَرْبِيِّينَ مِثْلِيَّاتٍ أَوْ مُقَوَّمَاتٍ يُجْعَلُ خُمُسٌ مِنْهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَالْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ لِلْغَانِمِينَ (إنْ أُوجِفَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ قُوتِلَ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا بِخَيْلٍ وَرِكَابٍ أَيْ إبِلٍ، وَيُعَبَّرُ عَنْ الْخَيْلِ بِالْكُرَاعِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَهُرُوبِهِمْ قِيلَ مُقَاتَلَتُهُمْ بَعْدَ نُزُولِ الْجَيْشِ بِلَادَهُمْ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ.
وَأَمَّا لَوْ هَرَبُوا قَبْلَ خُرُوجِ الْجَيْشِ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَمَا انْجَلَوْا عَنْهُ فَيْءٌ مَحَلُّهُ بَيْتُ الْمَالِ فَلَا يُخَمَّسُ، وَأَمَّا لَوْ هَرَبُوا بَعْدَ خُرُوجِ الْجَيْشِ وَقَبْلَ نُزُولِهِ بِلَادَهُمْ فَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيَّ أَنَّهُ فَيْءٌ وَلَمْ يَسْتَحْضِرْهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَتَوَقَّفَ فِي هَذَا الْقِسْمِ قَائِلًا تَعَارَضَ فِيهِ مَفْهُومَا نَقْلِ اللَّخْمِيِّ اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ أَوْ حُكْمًا فِيهِ نَظَرٌ إذْ الْمَذْهَبُ لَا يُخَمَّسُ إلَّا مَا أُوجِفَ عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ الْمَازِرِيُّ لَا خِلَافَ أَنَّ الْغَنِيمَةَ تُخَمَّسُ، وَأَمَّا مَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ دُونَ قِتَالٍ فَعِنْدَنَا لَا يُخَمَّسُ وَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُخَمَّسُ كَالْغَنِيمَةِ.
اهـ. وَأَقَرَّهُ الْآبِي فَأَنْتَ تَرَى الْمَازِرِيَّ لَمْ يَعْزُ التَّخْمِيسَ إلَّا لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَعَ سَعَةِ حِفْظِهِ.
وَأَمَّا حِكَايَةُ اللَّخْمِيِّ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ حَيْثُ قَالَ عَلَى نَقْلِ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْهُ مَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ بَعْدَ نُزُولِ الْجَيْشِ فِي كَوْنِهِ غَنِيمَةً أَوْ فَيْئًا لَا شَيْءَ لَهُ فِيهِ قَوْلَانِ، وَلَمْ يَعْزُهُمَا فَلَعَلَّهُ أَرَادَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورَ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ إنْ أَطْلَقُوا الْخِلَافَ فَمُرَادُهُمْ فِي الْمَذْهَبِ وَإِنْ كَانَ

فَخَرَاجُهَا، وَالْخُمُسُ، وَالْجِزْيَةُ، لِآلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ؛ وَبُدِئَ بِمَنْ

[منح الجليل]

فِي غَيْرِهِ نَبَّهُوا عَلَيْهِ، لَكِنَّ اللَّخْمِيُّ خَالَفَهُمْ فِي، حِكَايَةِ الْخِلَافِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: احْذَرُوا أَحَادِيثَ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَإِجْمَاعَاتِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَاتِّفَاقَاتِ ابْنِ رُشْدٍ وَخِلَافَاتِ اللَّخْمِيِّ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ كَانَ مُسْتَقِيمًا حَتَّى أَدْخَلَ الْبَاجِيَّ فِيهِ يَحْتَمِلُ وَيَحْتَمِلُ، حَتَّى جَعَلَ اللَّخْمِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ خِلَافًا قَالَهُ الْمُقْرِي فِي قَوَاعِدِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ فِي تَعْرِيفِ الْغَنِيمَةِ مَا كَانَ بِقِتَالٍ أَوْ بِحَيْثُ يُقَاتَلُ عَلَيْهِ، وَلَازِمُهُ تَخْمِيسُهُ.
اهـ. فَمَعْنَى قَوْلِهِ أَوْ يُقَاتَلُ عَلَيْهِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ حَيْثُ قَالَ وَرَوَى مُحَمَّدٌ مَا أُخِذَ مِنْ، حَيْثُ يُقَاتَلُ كَمَا يَقْرُبُ مِنْ قُرَاهُمْ كَمَا قُوتِلَ عَلَيْهِ.
اهـ. فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ أَوْ بِحَيْثُ يُقَاتَلُ عَلَيْهِ أَيْ بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُ الْقِتَالُ فِيهِ وَلَيْسَ هُوَ عَلَى عُمُومِهِ خِلَافًا لِلرَّصَّاعِ حَيْثُ أَدْخَلَ فِي التَّعْرِيفِ نُزُولَ الْجَيْشِ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ هُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي مَسْأَلَةِ بَنِي النَّضِيرِ قَالَهُ طفي فِي أَجْوِبَتِهِ.
(فَخَرَاجُهَا) أَيْ أُجْرَةُ الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا الْمُسْلِمُونَ أَوْ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ الْإِمَامِ، أَوْ جُزْءُ الْخَارِجِ مِنْهَا إنْ سَاقَى عَلَيْهَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا (وَالْخُمُسُ) مِنْ الْغَنِيمَةِ أَوْ رِكَازٍ (وَالْجِزْيَةُ) الْعَنْوِيَّةُ وَالصُّلْحِيَّةُ وَالْفَيْءُ وَعُشُورُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْمُسْتَأْمَنِينَ وَخَرَاجُ أَرْضِ الصُّلْحِ وَمَا صَالَحَ عَلَيْهِ الْحَرْبِيِّينَ وَمَالُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، وَمَالٌ جُهِلَ مَالِكُهُ مَحَلُّهَا بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَالنَّاظِرُ عَلَيْهَا الْإِمَامُ بِصَرْفِهَا بِاجْتِهَادِهِ فِي مَصَالِحِهِمْ الْعَامَّةِ كَالْمَسَاجِدِ وَالْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْأَسْوَارِ وَالْحُصُونِ وَالْمَرَاكِبِ، وَالْخَاصَّةِ كَتَجْهِيزِ مَيِّتٍ وَفِدَاءِ أَسِيرٍ وَقَضَاءِ دَيْنِ مُعْسِرٍ وَتَزْوِيجِ عَازِبٍ وَنَفَقَةِ فَقِيرٍ وَنُدِبَ بَدْؤُهُ بِالصَّرْفِ (لِآلِهِ) أَيْ النَّبِيِّ (- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ.
(ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ مَصْلَحَةٍ وَمِنْهَا نَفْسُ الْإِمَامِ وَعِيَالُهُ بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ يَبْدَأُ بِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَلَوْ اُسْتُغْرِقَ جَمِيعُهُ بِالْمَعْرُوفِ (وَبُدِئَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ وُجُوبًا مِنْ الْمَصَالِحِ الَّتِي بَعْدَ آلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْبَدْءُ هُنَا إضَافِيٌّ، وَالْمُتَقَدِّمُ حَقِيقِيٌّ (بِمَنْ) أَيْ

فِيهِمْ الْمَالُ، وَنُقِلَ لِلْأَحْوَجِ الْأَكْثَرِ،

[منح الجليل]

مَصَالِحَ مَنْ جُمِعَ (فِيهِمْ الْمَالُ) كَبِنَاءِ مَسَاجِدِهِمْ وَقَنَاطِرِهِمْ وَعِمَارَةِ ثُغُورِهِمْ وَأَرْزَاقِ قُضَاتِهِمْ وَمُؤَذِّنِيهِمْ وَقَضَاءِ دُيُونِهِمْ وَعَقْلِ جِنَايَاتِهِمْ وَتَزْوِيجِ عُزَّابِهِمْ وَيُعْطَوْنَ كِفَايَةَ سَنَةٍ.
(وَنُقِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ وُجُوبًا (لِلْأَحْوَجِ) مِمَّنْ جُبِيَ الْمَالُ فِيهِمْ (الْأَكْثَرِ) وَأُبْقِيَ الْأَقَلُّ لِمَنْ جُبِيَ فِيهِمْ الْمَالُ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمْ لِسَنَةٍ ابْنِ عَرَفَةَ وَفِيهَا أَيُسَوِّي بَيْنَ النَّاسِ فِيهِ قَالَ، قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُفَضِّلُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَبْدَأُ بِأَهْلِ الْحَاجَةِ حَتَّى يُغْنَوْا وَأَهْلُ كُلِّ بَلْدَةٍ افْتَتَحُوهَا عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا أَحَقُّ بِهِ، إلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِقَوْمٍ حَاجَةٌ فَيُنْقَلُ إلَيْهِمْ مِنْهَا بَعْدَ إعْطَاءِ أَهْلِهَا مَا يُغْنِيهِمْ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ.
ابْنُ حَبِيبٍ مَالُ اللَّهِ الَّذِي جَعَلَهُ رِزْقًا لِعِبَادِهِ مَالَانِ: زَكَاةٌ لِأَصْنَافٍ مُعَيَّنَةٍ، وَفَيْءٌ سَاوَى فِيهِ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ.
قُلْت فِي مُجَرَّدِ الْأَخْذِ فِي مُعَيَّنَةٍ قَالَ وَقَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَرَوَى مُطَرِّفٌ يُعْطِي الْإِمَامُ مِنْهُ أَقْرِبَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْرَ مَا يَرَى مِنْ قِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَخُصُّ وَلَدَ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - كُلَّ عَامٍ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ دِينَارٍ سِوَى مَا يُعْطِي غَيْرَهُمْ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى.
ابْنُ حَبِيبٍ سِيرَةُ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ فِي الْفَيْءِ وَشِبْهِهِ أَنْ يَبْدَءُوا بِسَدِّ خَلَلِ الْبَلَدِ الَّذِي جُبِيَ مِنْهُ أَوْ فِيءَ مِنْهُ وَسَدِّ حُصُونِهِ وَالزِّيَادَةِ فِي كُرَاعِهِ وَسِلَاحِهِ وَيَقْطَعَ مِنْهُ رِزْقَ عُمَّالِهِ وَقُضَاتِهِ وَمُؤَذِّنِيهِ وَمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يُخْرِجَ عَطَاءَ الْمُقَاتِلَةِ ثُمَّ لِلْعِيَالِ وَالذُّرِّيَّةِ.
قُلْتُ ظَاهِرُهُ تَبْدِئَةُ الْعُمَّالِ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ وَيَأْتِي لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَكْسُهُ وَهُوَ الصَّوَابُ.
ابْنُ حَبِيبٍ ثُمَّ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ وَيَبْدَأُ بِالْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ فَمَا فَضَلَ رَفَعَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ يَقْسِمُهُ فَيَبْدَأُ فِيهِ بِمِثْلِ مَا بَدَأَ بِهِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي أُخِذَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ الْفُقَرَاءَ وَالْأَغْنِيَاءَ آثَرَ الْفُقَرَاءَ إلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِبَلَدٍ شِدَّةٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا يُذْهِبُهَا فَلْيَعْطِفْ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِهَا بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ وَإِنْ اتَّسَعَ الْمَالُ أَبْقَى مِنْهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِمَا يَعْزُو مِنْ نَوَّائِهِمْ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ وَفَكِّ أَسِيرٍ وَغَزْوٍ وَقَضَاءِ دَيْنٍ وَمُؤْنَةٍ فِي عَقْلِ حَرَجٍ وَتَزْوِيجٍ وَإِعَانَةِ حَاجٍّ.
اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ الْمَالُ مِنْ أَرْضِ صُلْحٍ فَلَا يُصْرَفُ فِي إصْلَاحِ ذَلِكَ الْبَلَدِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْكُفَّارِ

وَنَفَّلَ مِنْهُ السَّلَبَ لِمَصْلَحَةٍ، وَلَمْ يَجُزْ إنْ لَمْ يَنْقَضِ الْقِتَالُ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ السَّلَبُ»

[منح الجليل]

وَإِنْ كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مُسْلِمُونَ فُقَرَاءُ أُعْطُوا مِنْهُ.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَبْدَأُ فِي الْفَيْءِ الَّذِي يَصِيرُ فِي بَيْتِ الْمَالِ بِإِعْطَاءِ الْمُقَاتِلِينَ مِنْ جَمِيعِ الْبُلْدَانِ يَعُدُّ فِيهِمْ مَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مَا يَحْتَاجُونَ فِي الْعَامِ، وَيُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ التَّفَرُّقِ بَعْدَهُ ثُمَّ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ وَأَلْزَمْنَا لِقِوَامِ عَامِهِمْ وَالْأَعْرَابُ وَالْبَوَادِي كَالذُّرِّيَّةِ، وَمَا فَضَلَ عَمَّ بِهِ الْمُسْلِمِينَ فَقِيرَهُمْ وَغَنِيَّهُمْ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَالذُّرِّيَّةَ وَإِنْ قَلَّ آثَرَ الْفُقَرَاءَ بَعْدَ أَنْ يُقِيمَ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهَا لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَبْدَأُ فِي الْفَيْءِ بِالْفُقَرَاءِ فَمَا بَقِيَ كَانَ بَيْنَ النَّاسِ بِالسَّوِيَّةِ إلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ حَبْسَهُ لِنَوَائِبِ الْإِسْلَامِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ عِرِّيفُهُمْ وَمَوْلَاهُمْ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " حَدَّثَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " خَطَبَ فَقَالَ إنِّي عَمِلْت عَمَلًا وَعَمِلَ صَاحِبِي عَمَلًا وَإِنْ بَقِيت لِقَابِلٍ لَأُلْحِقَنَّ أَسْفَلَ النَّاسِ بِأَعْلَاهُمْ مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ أُعْطِيَهُ أَوْ مُنِعَهُ، وَلَوْ كَانَ رَاعِيًا أَوْ رَاعِيَةً بِعَدَنَ فَأَعْجَبَ مَالِكًا هَذَا الْحَدِيثَ وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ أَحَبَّ.
(وَنَفَّلَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ مُثَقَّلَةً أَيْ زَادَ الْإِمَامُ (مِنْهُ) أَيْ خَمَّسَ الْغَنِيمَةَ (السَّلَبَ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ وَهُوَ مَا يُسْلَبُ مِنْ الْقَتِيلِ وَيُسَمَّى نَفْلًا كُلِّيًّا، وَأَمَّا النَّفَلُ الْجُزْئِيُّ فَشَيْءٌ مُعَيَّنٌ كَفَرَسٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ سِلَاحٍ يُعْطِيهِ الْإِمَامُ لِبَعْضِ الْمُجَاهِدِينَ مِنْ الْخُمُسِ أَيْضًا، فَلَوْ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ السَّلَبَ لَشَمِلَهُمَا مَعَ الِاخْتِصَارِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى جَوَازِ تَنْفِيلِ السَّلَبِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ مَنْعِهِ وَيُعْلَمُ مِنْهُ جَوَازُ تَنْفِيلِ الْجُزْئِيِّ بِالْأَوْلَى وَشَرْطُ جَوَازِ التَّنْفِيلِ كَوْنُهُ (لِمَصْلَحَةِ) الْمُسْلِمِينَ كَشَجَاعَةِ الْمُنَفِّلِ وَتَدْبِيرِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ النَّفَلُ مَا يُعْطِيهِ الْإِمَامُ مِنْ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ مُسْتَحِقَّهَا لِمَصْلَحَةٍ وَهُوَ جُزْئِيٌّ وَكُلِّيٌّ، فَالْأَوَّلُ مَا يَثْبُتُ بِإِعْطَائِهِ بِالْفِعْلِ، وَالثَّانِي مَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» . (وَلَمْ يَجُزْ) لِلْإِمَامِ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ يُكْرَهُ فَأَبْقَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَمَلَهُ غَيْرُهُ عَلَى الْمَنْعِ (إنْ لَمْ يَنْقَضِ الْقِتَالُ) صَادِقٌ بِأَثْنَائِهِ وَقَبْلَهُ، وَفَاعِلُ لَمْ يَجُزْ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ»

وَمَضَى إنْ لَمْ يُبْطِلْهُ قَبْلَ الْمَغْنَمِ؟ وَلِلْمُسْلِمِ فَقَطْ سَلَبٌ اُعْتِيدَ؛ لَا سِرَارٌ، وَصَلِيبٌ، وَعَيْنٌ، وَدَابَّةٌ،

[منح الجليل]

أَيْ هَذَا اللَّفْظُ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ مَنْ جَاءَنِي بِشَيْءٍ أَوْ مَتَاعٍ أَوْ خَيْلٍ فَلَهُ رُبُعُهُ مَثَلًا، أَوْ مَنْ صَعِدَ مَوْضِعَ كَذَا أَوْ قَلْعَةَ كَذَا، أَوْ وَقَفَ فِي مَكَانِ كَذَا فَلَهُ كَذَا، لِإِفْسَادِ نِيَّاتِهِمْ بِالْقِتَالِ لِلْمَالِ وَلِتَأْدِيَتِهِ إلَى تَحَامُلِهِمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا تُقَدِّمُوا جَمَاجِمَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْحُصُونِ فَلَمُسْلِمٌ أَسْتَبْقِيهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ حِصْنٍ أَفْتَحُهُ.
ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَمَّا الْجُعَلُ مِنْ السُّلْطَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، أَيْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ مِنْ غَيْرِ السَّلَبِ، وَأَمَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ فَذَلِكَ جَائِزٌ إذْ لَا مَحْذُورَ فِيهِ.
(وَمَضَى) أَيْ نَفَذَ قَوْلُهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا إلَخْ، وَعُمِلَ بِهِ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا؛ لِأَنَّهُ كَحُكْمٍ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ لِإِجَازَتِهِ أَحْمَدَ وَغَيْرُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - (إنْ لَمْ يُبْطِلْهُ) أَيْ الْإِمَامُ قَوْلُهُ مَنْ قَتَلَ إلَخْ (قَبْلَ حَوْزِ الْمَغْنَمِ) بِأَنْ لَمْ يُبْطِلْهُ أَصْلًا أَوْ أَبْطَلَهُ بَعْدَهُ، فَإِنْ أَبْطَلَهُ قَبْلَهُ أَيْ أَظْهَرَ الرُّجُوعَ عَنْهُ قَبْلَهُ اُعْتُبِرَ إبْطَالُهُ فِيمَا يَقْتُلُ بَعْدَهُ لَا فِيمَا قَتَلَ قَبْلَهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ إبْطَالُهُ بَعْدَهُ فَيَسْتَحِقُّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْأَسْبَابِ مَا رَتَّبَهُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ حَيْثُ نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْخُمُسِ أَوْ أَطْلَقَ فَمِنْهُ فَفِي الْمَوَّاقِ سَحْنُونٌ كُلُّ شَيْءٍ يَبْذُلُهُ الْإِمَامُ قَبْلَ الْقِتَالِ فَلَا يَنْبَغِي عِنْدَنَا إلَّا أَنَّهُ إنْ نَزَلَ وَقَالَ ذَلِكَ أَمْضَيْنَاهُ، وَإِنْ أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ.
وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كُلُّ قَاتِلٍ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بَيَّنَ الْمُصَنِّفِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ فَقَالَ (وَلِلْمُسْلِمِ فَقَطْ) أَيْ لَا لِلذِّمِّيِّ.
ابْنُ يُونُسَ إلَّا أَنْ يُنْفِذَهُ لَهُ الْإِمَامُ (سَلَبٌ) مِنْ حَرْبِيٍّ (اُعْتِيدَ) وُجُودُهُ مَعَ الْمَقْتُولِ حَالَ الْحَرْبِ كَسِلَاحِهِ وَثِيَابِهِ وَدَابَّتِهِ الْمَرْكُوبَةِ لَهُ أَوْ الْمَمْسُوكَةِ بِيَدِهِ، أَوْ يَدِ غُلَامِهِ لِلْقِتَالِ (لَا سِرَارٌ) بِيَدِ الْحَرْبِيِّ أَوْ مَعَهُ وَطَوْقٌ بِرَقَبَتِهِ أَوْ مَعَهُ (وَصَلِيبٌ) مِنْ عَيْنٍ (وَعَيْنٌ) ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَتَاجٍ وَقُرْطٍ وَنَحْوِهَا مِنْ عَيْنٍ أَوْ جَوْهَرٍ (وَدَابَّةٌ) جَنِيبٌ أَمَامَهُ لِلزِّينَةِ، وَهَذِهِ مَفْهُومُ اُعْتِيدَ ابْنُ حَبِيبٍ فَرَسُهُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ أَوْ الْمَمْسُوكُ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ مِنْ السَّلَبِ لَا مَا تَجَنَّبَ أَوْ أَفْلَتَ مِنْهُ إنْ سَمِعَ الْمُسْلِمُ قَوْلَ الْإِمَامِ مَنْ قَتَلَ إلَخْ.

وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَوْ تَعَدَّدَ؛ إنْ لَمْ يَقُلْ قَتِيلًا، وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ.

وَلَمْ يَكُنْ لِكَمَرْأَةٍ، إنْ لَمْ تُقَاتِلْ: كَالْإِمَامِ، إنْ لَمْ يَقُلْ مِنْكُمْ، أَوْ يَخُصَّ نَفْسَهُ، وَلَهُ الْبَغْلَةُ؛ إنْ قَالَ عَلَى بَغْلٍ؛

[منح الجليل]

بَلْ (وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ) قَوْلَ الْإِمَامِ لِبُعْدٍ أَوْ غَيْبَةٍ أَوْ صَمَمٍ إذَا سَمِعَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْجَيْشِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ فَلَغْوٌ سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْقَتِيلُ (أَوْ تَعَدَّدَ) الْقَتِيلُ (إنْ لَمْ يَقُلْ) الْإِمَامُ (قَتِيلًا) وَاحِدًا، وَصَوَابُهُ، إنْ لَمْ يُعَيِّنْ قَاتِلًا؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ.
مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ إنْ لَمْ تُقَدَّرْ صِفَتُهُ الْمَحْذُوفَةُ فَالتَّعْيِينُ إمَّا لِلْقَاتِلِ أَوْ لِلْمَقْتُولِ بِالْوَحْدَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ عَيَّنَ قَاتِلًا بِأَنْ قَالَ إنْ قَتَلْت يَا زَيْدُ قَتِيلًا فَلَكَ سَلَبُهُ (فَالْأَوَّلُ) مِنْ الْمَقْتُولِينَ لَهُ سَلَبُهُ دُونَ غَيْرِهِ حَيْثُ تَعَدَّدَ مَقْتُولُهُ بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ: أَنْ لَا يَأْتِيَ الْإِمَامُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الشُّمُولِ، فَإِنْ أَتَى بِهِ بِأَنْ قَالَ مَنْ قَتَلْته يَا زَيْدُ فَلَكَ سَلَبُهُ فَلَهُ سَلَبُ جَمِيعِ مَقْتُولِيهِ، وَأَنْ يَعْلَمَ الْأَوَّلَ مِنْ مَقْتُولِيهِ فَإِنْ جَهِلَ فَلَهُ نِصْفُ كُلٍّ وَقِيلَ لَهُ أَقَلُّهُمَا.
ثَالِثُهَا أَنْ يَقْتُلَهُمَا مُرَتَّبَيْنِ، فَإِنْ قَتَلَهُمَا مَعًا فَقِيلَ لَهُ سَلَبُهُمَا.
وَقِيلَ أَكْثَرُهُمَا وَإِنْ قَالَ إذَا أَصَبْت أَسِيرًا فَهُوَ لَك فَأَصَابَ اثْنَيْنِ فَلَهُ نِصْفُ كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ قِيلَ أَكْثَرُهُمَا، وَقِيلَ لَهُ الْجَمِيعُ.

(وَلَمْ يَكُنْ) السَّلَبُ (لِكَمَرْأَةٍ) اللَّامُ بِمَعْنَى مِنْ، كَسَمِعْت لَهُ صُرَاخًا، أَيْ مَنْ قَتَلَ امْرَأَةً فَلَا يَسْتَحِقُّ سَلَبَهَا (إنْ لَمْ تُقَاتِلْ) بِسِلَاحٍ كَالرِّجَالِ وَلَمْ تَقْتُلْ أَحَدًا، فَإِنْ قَاتَلَتْ بِسِلَاحٍ أَوْ قَتَلَتْ أَحَدًا فَسَلَبُهَا لِقَاتِلِهَا، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الصَّبِيَّ وَالشَّيْخَ الْفَانِي وَالزَّمِنَ وَالْأَعْمَى وَالرَّاهِبَ الْمُنْعَزِلَ بِدَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ بِلَا رَأْيٍ.
وَشَبَّهَ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ فَقَالَ (كَالْإِمَامِ) إذَا قَتَلَ قَتِيلًا فَيَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ الْمُعْتَادَ (إنْ لَمْ يَقُلْ) الْإِمَامُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا (مِنْكُمْ) بِنَاءً عَلَى دُخُولِ الْمُتَكَلِّمِ فِي كَلَامِهِ الْعَامِّ إنْ كَانَ خَبَرًا لَا أَمْرًا (أَوْ) إنْ لَمْ (يَخُصَّ) الْإِمَامُ (نَفْسَهُ) فَإِنْ قَالَ مِنْكُمْ أَوْ خَصَّ نَفْسَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ لِإِخْرَاجِ نَفْسِهِ فِي الْأَوَّلِ وَمُحَابَاتِهَا فِي الثَّانِي (وَلَهُ) أَيْ الْمُسْلِمِ الْقَاتِلِ حَرْبِيًّا (الْبَغْلَةُ) الَّتِي رَكِبَهَا الْحَرْبِيُّ أَوْ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ أَوْ أَمْسَكَهَا لَهُ غُلَامُهُ لِيُقَاتِلَ عَلَيْهَا (إنْ قَالَ) الْإِمَامُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا (عَلَى بَغْلٍ) فَهُوَ لَهُ وَالْحِمَارَةُ إنْ قَالَ عَلَى حِمَارٍ وَالنَّاقَةُ إنْ قَالَ عَلَى جَمَلٍ أَوْ

لَا إنْ كَانَتْ بِيَدِ غُلَامِهِ

وَقَسَمَ الْأَرْبَعَةَ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ حَاضِرٍ: كَتَاجِرٍ وَأَجِيرٍ إنْ قَاتَلَا، أَوْ خَرَجَ بِنِيَّةِ غَزْوٍ؛

[منح الجليل]

بَعِيرٍ لِإِطْلَاقِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَالْجَمَلِ وَالْبَعِيرِ عَلَى الْأُنْثَى، وَهَذَا عُرْفٌ قَدِيمٌ تُنُوسِيَ، وَالْعُرْفُ الْآنَ قَصْرُهُمَا عَلَى الذَّكَرِ، وَقَدْ قَرَّرُوا أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى الْعُرْفِ لَا يُفْتَى بِهَا بَعْدَ تَنَاسِيهِ، وَتَجَدُّدِ غَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُفْتَى بِمَا يَقْتَضِيهِ الْعُرْفُ الْمُتَجَدِّدُ فِي كُلِّ بَلَدٍ وَزَمَنٍ وَلَوْ قَالَ عَلَى بَغْلَةٍ أَوْ حِمَارَةٍ أَوْ نَاقَةٍ فَلَا تَشْمَلُ الذَّكَرَ فَلَوْ قَالَ عَلَى كَبَغْلٍ لَكَانَ أَشْمَلَ.
(لَا) يَسْتَحِقُّ الْمُسْلِمُ الْقَاتِلُ دَابَّةَ مَقْتُولِهِ (إنْ كَانَتْ) الدَّابَّةُ مَمْسُوكَةً (بِيَدِ غُلَامِهِ) أَيْ الْحَرْبِيِّ لِغَيْرِ الْقِتَالِ عَلَيْهَا وَقَتَلَهُ رَاجِلًا أَوْ رَاكِبًا غَيْرَهَا فَلَا حَقَّ لِقَاتِلِهِ فِيهَا إلَّا إذَا كَانَتْ مَمْسُوكَةً لِيُقَاتِلَ عَلَيْهَا كَمَا مَرَّ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بِيَدِ الْمَقْتُولِ أَوْ رُبِطَ بِمِنْطَقَتِهِ

(وَقَسَمَ) الْإِمَامُ الْأَخْمَاسَ (الْأَرْبَعَةَ) الْبَاقِيَةَ بَعْدَ الْخُمُسِ الْمَعْدُودِ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ (لِحُرٍّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ حَاضِرٍ) الْقِتَالَ ذَكَرٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ ذِكْرِ الْأَوْصَافِ الْخَمْسَةِ مُذَكَّرَةً صَحِيحٍ أَوْ مَرِيضٍ شَهِدَ الْقِتَالَ أَوْ ذِي رَأْيٍ وَتَدْبِيرٍ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَهُ رُبُعُ سَهْمٍ وَقَالَ غَيْرُهُ: لَهُ نِصْفُ سَهْمٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أُنْثَى فَلَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَلَهُ سَهْمٌ فَيُعْطَى كَمِيرَاثِهِ وَشَبَّهَ فِي الْإِسْهَامِ فَقَالَ (كَتَاجِرٍ) تِجَارَةً مُتَعَلِّقَةً بِالْجَيْشِ أَمْ لَا (وَأَجِيرٍ) لِمَنْفَعَةٍ عَامَّةٍ كَرَفْعِ الصُّوَارِ وَالْأَحْبُلِ وَتَسْوِيَةِ الطُّرُقِ أَوْ خَاصَّةٍ بِمُعَيَّنٍ كَخِدْمَةِ شَخْصٍ (إنْ قَاتَلَا) أَيْ الْأَجِيرُ وَالتَّاجِرُ فَلَا يَكْفِي شُهُودُهُمَا صَفَّ الْقِتَالِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا.
وَقِيلَ يَكْفِي فِيهِمَا شُهُودُ الْقِتَالِ كَغَيْرِهِمَا.
وَقِيلَ لَا يُسْهَمُ لِلْأَجِيرِ وَلَوْ قَاتَلَ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
وَفِي التَّاجِرِ قَوْلَانِ وَظَاهِرُهُ الْإِسْهَامُ لَهُمَا فِي جَمِيعِ الْغَنِيمَةِ.
وَلَوْ قَاتَلَا مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ مِرَارٍ وَهُوَ الَّذِي فِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيْنٍ.
وَقِيلَ إنْ قَاتَلَا الْأَكْثَرَ أُسْهِمَ لَهُمَا فِي الْجَمِيعِ وَإِلَّا فَفِيمَا حَضَرَاهُ فَقَطْ قَالَهُ يَحْيَى وَهُوَ أَحْسَنُ.
(أَوْ) لَمْ يُقَاتِلَا (خَرَجَا) أَيْ التَّاجِرُ وَالْأَجِيرُ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ (بِنِيَّةِ غَزْوٍ) ، سَوَاءٌ اسْتَوَتْ النِّيَّتَانِ أَوْ تَبِعَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى لِتَكْثِيرِهِمَا عَدَدَ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ

فصول الكتاب · 2 فصل · 721 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منح الجليل شرح مختصر خليل · 721 صفحة
المقدمة
فَصْلٌ) فِي الْخُلْعِ:
جارٍ التحميل