بَرِئَ، لَا عَكْسُهُ
، وَعُجِّلَ بِمَوْتِ الضَّامِنِ، وَرَجَعَ وَارِثُهُ بَعْدَ أَجَلِهِ أَوْ الْغَرِيمِ إنْ تَرَكَهُ.
وَلَا يُطَالَبُ، إنْ حَضَرَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا، أَوْ لَمْ يَبْعُدْ إثْبَاتُهُ عَلَيْهِ
[منح الجليل]
لَازِمٍ (بَرِئَ) مِنْهُ الضَّامِنُ لِأَنَّ طَلَبَهُ فَرْعُ ثُبُوتِ الدَّيْنِ عَلَى الْمَضْمُونِ (لَا) يَثْبُتُ (عَكْسُهُ) أَيْ لَا يَلْزَمُ مِنْ بَرَاءَةِ الْمَضْمُونِ، فَإِنْ أَسْقَطَ رَبُّ الدَّيْنِ الضَّمَانَ عَنْ الضَّامِنِ أَوْ وَهَبَهُ الدَّيْنَ أَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ لِعَدَمِ الْمَضْمُونِ أَوْ غَيْبَتِهِ أَوْ كَانَ الضَّمَانُ مُقَيَّدًا بِمُدَّةٍ وَتَمَّتْ، وَالْمَضْمُونُ حَاضِرٌ مَلِيءٌ بَرِئَ الضَّامِنُ دُونَ الْمَضْمُونِ
(وَعُجِّلَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مُثَقَّلَةً الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ الْمَضْمُونُ (بِمَوْتِ الضَّامِنِ) لَهُ أَوْ فَلَسِهِ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ مِنْ تَرِكَةِ الضَّامِنِ وَحَاصَّ مُسْتَحِقُّهُ بِهِ غُرَمَاءَ الضَّامِنِ فِي مَالِهِ إنْ فُلِّسَ لِخَرَابِ ذِمَّتِهِ وَحُلُولِ مَا عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ أَوْ فَلَسِهِ وَلَوْ حَضَرَ الْمَضْمُونُ مَلِيًّا (وَرَجَعَ وَارِثُهُ) أَيْ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ (بَعْدَ) تَمَامِ (أَجَلِهِ) أَيْ الدَّيْنِ فَلَوْ مَاتَ الضَّامِنُ عِنْدَ حُلُولِ أَجَلِهِ أَوْ بَعْدَهُ وَالْمَضْمُونُ حَاضِرٌ مَلِيءٌ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَةِ الضَّامِنِ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ كَالْحَيِّ (أَوْ) مَوْتِ (الْغَرِيمِ) أَيْ الْمَدِينِ الْمَضْمُونِ فَيُعَجَّلُ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ لِذَلِكَ، وَيُعَجَّلُ (إنْ تَرَكَ) الْكَفِيلُ أَوْ الْغَرِيمُ وَفَاءَ (هـ) أَيْ الدَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ الْغَرِيمُ وَفَاءَهُ فَلَا يُطَالَبُ الْكَفِيلُ بِالدَّيْنِ حَتَّى يَتِمَّ أَجَلُهُ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُلُولِ الدَّيْنِ عَلَى الْمَدِينِ بِمَوْتِهِ أَوْ فَلَسِهِ حُلُولُهُ عَلَى الْكَفِيلِ لِبَقَاءِ ذِمَّتِهِ
(وَ) إنْ حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ وَلَمْ يَدْفَعْهُ الْمَدِينُ فَ (لَا يُطَالَبُ) الضَّامِنُ بِالدَّيْنِ الْمَضْمُونَ فِيهِ (إنْ حَضَرَ الْغَرِيمُ) أَيْ الْمَدِينُ الْمَضْمُونُ حَالَ كَوْنِهِ (مُوسِرًا) بِالدَّيْنِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ الْمَشْهُورُ، وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَبِهِ الْقَضَاءُ، وَلَهُ فِيهَا أَيْضًا لَهُ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا يُطَالَبُ أَيْضًا إذَا غَابَ الْغَرِيمُ وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ يُعَدَّى فِيهِ أَيْ يُسَلِّطُ الْحَاكِمُ رَبَّ الدَّيْنِ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ الْحَاضِرِ الْمَلِيءِ فَيُؤَدِّي مِنْ مَالِهِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (أَوْ) غَابَ الْغَرِيمُ وَ (لَمْ يَبْعُدْ) أَيْ يَشُقَّ وَيَصْعُبْ (إثْبَاتُهُ) أَيْ مَالُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الْغَرِيمِ الْغَائِبِ (عَلَيْهِ) أَيْ الطَّالِبِ وَلَا النَّظَرُ فِيهِ، وَنَصُّهَا وَإِذَا كَانَ لِلْغَائِبِ مَالٌ حَاضِرٌ يُعَدَّى فِيهِ فَلَا يُتْبَعُ الْكَفِيلُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي تَثْبِيتِهِ وَالنَّظَرِ فِيهِ بُعْدٌ فَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَمِيلِ.
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ الْغَيْرِ تَفْسِيرٌ لَا خِلَافٌ، وَكَذَا حَمَلَهُ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ الشُّيُوخِ، وَبِهِ الْعَمَلُ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ لَمْ يَبْعُدْ إثْبَاتُهُ، أَيْ أَوْ غَابَ الْغَرِيمُ وَحَضَرَ مَالُهُ وَلَمْ يَبْعُدْ إثْبَاتُهُ عَلَيْهِ أَيْ الطَّالِبِ.
الْحَطّ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ نَفْيَ مُطَالَبَةِ الضَّامِنِ مَشْرُوطٌ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ إمَّا حُضُورُ الْغَرِيمِ مُوسِرًا أَوْ حُضُورُ مَالِهِ إذَا لَمْ يَبْعُدْ عَلَى الطَّالِبِ إثْبَاتُهُ لِلْمَطْلُوبِ وَالنَّظَرُ فِيهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا رَجَعَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ تَخْيِيرِ الطَّالِبِ فِي طَلَبِ الْحَمِيلِ دُونَ الْغَرِيمِ لِوَقْفِهِ عَلَى الْعَجْزِ عَنْ طَلَبِ الْغَرِيمِ، وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ.
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ مَالِكٍ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَظْهَرُ فِي أَنَّ الْكَفَالَةَ لَا تَلْزَمُ الْكَفِيلَ مَعَ مَلَاءِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ وَحُضُورِهِ وَاسْتِوَائِهِمَا فِي اللَّدَدِ لِأَنَّهُ إنْ قَضَى لِلْمَكْفُولِ لَهُ عَلَى الْكَفِيلِ قَضَى فِي الْحِينِ لِلْكَفِيلِ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ فَالْقَضَاءُ لِلْمَكْفُولِ لَهُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ أَوْلَى وَأَقَلُّ عَنَاءً.
طفي قَوْلُ عج ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ كَثِيرَ الْمَطْلِ وَاللَّدَدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُلِدًّا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقِيلَ الَّتِي لِلتَّمْرِيضِ، وَنَسَبَهُ ابْنُ شَاسٍ لِغَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَنَصُّهُ قَالَ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ كَانَ مُلِدًّا ظَالِمًا، فَلَهُ إتْبَاعُ الْحَمِيلِ وَكَلَامُ الْغَيْرِ هُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفِ خِلَافُ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَإِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي عَدِّهِ خِلَافًا نَظَرٌ، وَجَعَلَهُ فِي الشَّامِلِ تَقْيِيدًا.
الْبُنَانِيُّ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، إذْ قَالَ وَاسْتِوَائِهِمَا فِي اللَّدَدِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَيْطِيِّ أَيْضًا فَسَقَطَ تَوَرُّكُ طفي عَلَى عج.
(تَنْبِيهٌ) بِالتَّخْيِيرِ الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ الْإِمَامُ جَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْعَمَلِيَّاتِ عَنْ سَيِّدِي الْعَرَبِيِّ الْفَاسِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْقَوْلُ لَهُ فِي مُلَائِهِ، وَأَفَادَ شَرْطَ أَخْذِ أَيِّهِمَا شَاءَ
[منح الجليل]
وَ) إنْ تَنَازَعَ الضَّامِنُ وَالْمَضْمُونُ لَهُ فِي مَلَاءِ الْمَضْمُونِ فَ (الْقَوْلُ لَهُ) أَيْ الضَّامِنِ (فِي) ثُبُوتِ (مَلَائِهِ) أَيْ الْمَضْمُونِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَلَيْسَ لِلطَّالِبِ طَلَبُ الضَّامِنِ لِتَصْدِيقِهِ فِي مَلَاءِ الْمَضْمُونِ وَلَا طَلَبُ الْمَضْمُونِ لِإِقْرَارِهِ بِعَدَمِهِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ بِعَدَمِهِ فَلَهُ طَلَبُ الضَّامِنِ أَوْ تَجَدَّدَ مَالٌ لِلْمَضْمُونِ فَلَهُ طَلَبُهُ حِينَئِذٍ، هَذَا خِلَافُ مَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَنْهُ أَنَّ الْقَوْلَ لِلطَّالِبِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْحَمِيلُ بَيِّنَةً بِمَلَاءِ الْغَرِيمِ.
ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» فَوَجَبَ غُرْمُهُ حَتَّى يَثْبُتَ مَا يُسْقِطُهُ، وَلَكِنْ الْمُصَنِّفُ اسْتَظْهَرَ فِي تَوْضِيحِهِ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْقَوْلَ لِلْحَمِيلِ فِي مَلَائِهِ وَمَشَى عَلَيْهِ هُنَا، وَمَنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَهَلْ بِيَمِينٍ أَمْ لَا، لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِشَيْءٍ فِي ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَمِينَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ خَصْمُهُ الْعِلْمَ، وَيُفْهَمُ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُقَدِّمَاتِ.
سَحْنُونٌ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُتَحَمِّلِ لَهُ، وَعَلَى الْكَفِيلِ إقَامَةُ بَيِّنَةٍ أَنَّ الْغَرِيمَ مَلِيءٌ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ لِأَنَّهُ قَالَ إذَا لَمْ يُعْرَفْ لِلْغَرِيمِ مَالٌ ظَاهِرٌ، فَالْحَمِيلُ غَارِمٌ.
الْبُنَانِيُّ مَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَنَصُّهُ وَإِذَا طَالَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْحَمِيلَ بِدَيْنِهِ وَالْغَرِيمُ حَاضِرٌ فَقَالَ لَهُ الْحَمِيلُ شَأْنُك بِغَرِيمِك فَهُوَ مَلِيءٌ بِدَيْنِك.
وَقَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْغَرِيمُ مُعْدِمٌ، وَمَا أَجِدُ لَهُ مَالًا فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَقَالَهُ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ الْحَمِيلَ يَغْرَمُ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ يُسْرَ الْغَرِيمِ وَمَلَاءَهُ فَيَبْرَأُ فَإِنْ عَجَزَ حَلَفَ لَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ مَعْرِفَةَ يُسْرِهِ عَلَى إنْكَارِ مَعْرِفَتِهِ بِذَلِكَ وَغَرِمَ الْحَمِيلُ، وَلَهُ رَدُّ الْيَمِينِ فَإِنْ رَدَّهَا حَلَفَ الْحَمِيلُ وَبَرِئَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْوَاضِحَةِ لَيْسَ عَلَى الْحَمِيلِ سَبِيلٌ حَتَّى يَبْدَأَ بِالْغَرِيمِ.
اهـ. فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ الرَّاجِحَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ اسْتِظْهَارَ نَفْسِهِ، وَمَا اسْتَظْهَرَهُ " ح " مِنْ عَدَمِ الْيَمِينِ إلَّا بِدَعْوَى الْعِلْمِ صَرَّحَ بِهِ الْمُتَيْطِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَأَفَادَ) رَبُّ الدَّيْنِ (شَرْطَ) أَيْ اشْتِرَاطَ (أَخْذِ) أَيْ تَغْرِيمِ (أَيِّهِمَا) أَيْ الضَّامِنِ وَمَضْمُونِهِ (شَاءَ) الْأَخْذَ مِنْهُ مُبْدَأٌ عَلَى الْآخَرِ وَلَوْ حَضَرَ مَلِيًّا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفَائِدَةُ هَذَا
وَتَقْدِيمِهِ، أَوْ إنْ مَاتَ كَشَرْطِ ذِي الْوَجْهِ، أَوْ رَبِّ الدَّيْنِ، التَّصْدِيقَ فِي الْإِحْضَارِ، وَلَهُ طَلَبُ الْمُسْتَحِقِّ
[منح الجليل]
الِاشْتِرَاطِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَمِيلِ لِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ إنْ حَضَرَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا، فَإِنْ اخْتَارَ إتْبَاعَ الْحَمِيلِ سَقَطَ إتْبَاعُهُ الْمَدِينَ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَرَّةً لَا يَجُوزُ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ إلَّا فِي الْقَبِيحِ الْمُطَالَبَةِ، أَوْ ذِي السُّلْطَانِ، وَقَوْلُهُ إنْ اخْتَارَ إتْبَاعَ الْحَمِيلِ سَقَطَ إتْبَاعُهُ الْمَدِينَ نَقَلَهُ أَحْمَدُ عَنْ بَعْضِهِمْ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ اهـ بُنَانِيٌّ.
(وَ) أَفَادَ شَرْطُ (تَقْدِيمِهِ) أَيْ الْحَمِيلِ فِي الْغُرْمِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَكْسَ الْحُكْمِ السَّابِقِ لِأَنَّ الشَّرْطَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ يُوَفِّي لَهُ بِهِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ لِلشَّرْطِ فَائِدَةٌ لِكَوْنِهِ أَمْلَأَ أَوْ أَسْمَحَ أَوْ أَيْسَرَ قَضَاءً أَوَّلًا، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْبَيَانِ وَسَوَاءٌ شَرَطَ بَرَاءَةَ الْمَدِينِ أَمْ لَا، وَإِذَا اخْتَارَ تَقْدِيمَ الْحَمِيلِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ بَرَاءَةَ الْمَدِينِ فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَخْذِ مِنْ الْحَمِيلِ (أَوْ) شَرَطَ الْحَمِيلُ أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ إلَّا (إنْ مَاتَ) الْمَضْمُونُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ قَالَ إنْ لَمْ يُوَفِّك حَقَّك حَتَّى يَمُوتَ فَهُوَ عَلَيَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ الْغَرِيمُ.
ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ أَنْ يَمُوتَ عَدِيمًا، فَلَوْ فُلِّسَ أَوْ افْتَقَرَ أَوْ جَحَدَ الْمَدِينُ فَلَا يُطَالَبُ الضَّامِنُ عَمَلًا بِشَرْطِهِ، وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ ضَمِيرِ مَاتَ لِلضَّامِنِ، أَيْ شَرَطَ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ أَنْ لَا يُطَالَبَ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْحَمِيلِ، وَلَوْ أَعْدَمَ الْمَدِينُ وَشَبَّهَ فِي إفَادَةِ الشَّرْطِ فَقَالَ (كَشَرْطِ ذِي الْوَجْهِ) أَيْ ضَامِنِ الْوَجْهِ (أَوْ) شَرْطِ (رَبِّ الدَّيْنِ التَّصْدِيقَ فِي) شَأْنِ (الْإِحْضَارِ) لِلْمَضْمُونِ، يَعْنِي أَنَّ ضَامِنَ الْوَجْهِ إذَا شَرَطَ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ أَنَّهُ يَصْدُقُ فِي دَعْوَاهُ إحْضَارَ الْمَضْمُونِ إذَا حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ بِلَا يَمِينٍ أَوْ شَرَطَ رَبُّ الدَّيْنِ عَلَى ضَامِنِ الْوَجْهِ أَنَّهُ يَصْدُقُ فِي إحْضَارِهِ بِلَا يَمِينٍ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ.
الْمُتَيْطِيُّ إذَا اشْتَرَطَ ضَامِنُ الْوَجْهِ أَنَّهُ يَصْدُقُ فِي إحْضَارِ مَضْمُونِهِ دُونَ يَمِينٍ فَلَهُ شَرْطُهُ، وَإِنْ انْعَقَدَ فِي وَثِيقَةِ الضَّمَانِ تَصْدِيقُ الْمَضْمُونِ لَهُ فِي عَدَمِ إحْضَارِهِ إنْ ادَّعَى الضَّامِنُ أَنَّهُ قَدْ أَحْضَرَهُ دُونَ يَمِينٍ فَهُوَ مِنْ الْحَزْمِ لِلْمَضْمُونِ لَهُ وَسَقَطَ عَنْهُ الْيَمِينُ إنْ ادَّعَى الضَّامِنُ إحْضَارَهُ.
(وَلَهُ) أَيْ الضَّامِنِ (طَلَبُ) الشَّخْصِ (الْمُسْتَحِقِّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ رَبِّ الدَّيْنِ
بِتَخْلِيصِهِ عِنْدَ أَجَلِهِ؛ لَا بِتَسْلِيمِ الْمَالِ إلَيْهِ
[منح الجليل]
الْمَضْمُونِ لَهُ (بِتَخْلِيصِهِ) أَيْ الضَّامِنِ مِنْ الضَّمَانِ بِأَنْ يَقُولَهُ (عِنْدَ حُلُولِ أَجَلِهِ) أَيْ الدَّيْنِ وَسُكُوتِهِ عَنْ طَلَبِ دَيْنِهِ مِنْ الْمَضْمُونِ الْحَاضِرِ الْمَلِيءِ أَوْ تَأْخِيرِهِ إمَّا أَنْ تَأْخُذَ دَيْنَك مِنْ الْمَضْمُونِ أَوْ تُسْقِطَ الضَّمَانَ عَنِّي وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ طَلَبَ الْمُسْتَحِقُّ دَيْنَهُ مِنْ الضَّامِنِ أَوْ لَا.
وَمَفْهُومٌ عِنْدَ أَجَلِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ.
الْحَطّ كَلَامُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَرِيحٌ فِي طَلَبِ الضَّامِنِ رَبَّ الدَّيْنِ بِأَنْ يُخَلِّصَ دَيْنَهُ مِنْ الْغَرِيمِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ، وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ فِيهِ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ طَلَبَ الْكَفِيلُ بِمَا عَلَى الْغَرِيمِ أَمْ لَا لِأَنَّ الْكَفِيلَ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ طَلَبٌ فِي حُضُورِ الْغَرِيمِ وَيُسْرِهِ غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَهُ لَا بِتَسْلِيمِ الْمَالِ إلَيْهِ لَا يُلَائِمُهُ كُلَّ الْمُلَاءَمَةِ، لَكِنْ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ وَلَزِمَهُ تَأْخِيرُ رَبِّهِ الْمُعْسِرِ إلَخْ، وَيَشْهَدُ لَهُ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَوْ قَوْلُهُ وَلَزِمَهُ تَأْخِيرُ رَبِّهِ وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَلِلضَّامِنِ الْمُطَالَبَةُ بِتَخْلِيصِهِ عِنْدَ الطَّلَبِ يَعْنِي أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ إذَا تَوَجَّهَ لَهُ الطَّلَبُ عَلَى غَرِيمِهِ فَسَكَتَ عَنْهُ أَيْ نَصَّ عَلَى تَأْخِيرِهِ فَلِلْحَمِيلِ أَنْ يَرْضَى بِذَلِكَ، وَيَقُولَ لِرَبِّ الدَّيْنِ إمَّا أَنْ تَطْلُبَ حَقَّك مِنْ الْغَرِيمِ مُعَجَّلًا وَإِلَّا فَأَسْقِطْ عَنِّي الْحَمَالَةَ لِأَنَّ فِي تَرْكِ الْمُطَالَبَةِ بِالدَّيْنِ عِنْدَ وُجُوبِهِ ضَرَرًا بِالْحَمِيلِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا الْآنَ وَيُعْسِرُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ الْمُطَالَبَةُ إذَا كَانَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا مَقَالَ لِلْحَمِيلِ لِأَنَّ الطَّالِبَ لَا طَلَبَ لَهُ عَلَى الْغَرِيمِ فِي هَذَا الْحَالِ اهـ.
وَأَمَّا طَلَبُ الضَّامِنِ الْمِدْيَانَ أَنْ يُخَلِّصَ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَفِي الْجَوَاهِرِ لِلْكَفِيلِ إجْبَارُ الْأَصْلِ عَلَى تَخْلِيصِهِ إذَا طُولِبَ وَلَيْسَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ اهـ، وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ فِي ذَخِيرَتِهِ وَالْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ.
قُلْت وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهَا فِي السَّلَمِ.
الثَّانِي لَيْسَ لِلْكَفِيلِ أَخْذُ الطَّعَامِ مِنْ الْغَرِيمِ بَعْدَ الْأَجَلِ لِيُوَصِّلَهُ إلَى رَبِّهِ، وَلَهُ طَلَبُهُ حَتَّى يُوَصِّلَهُ إلَى رَبِّهِ وَيَبْرَأُ مِنْ حَمَالَتِهِ.
اهـ. وَهَذَا هُوَ الْمُلَائِمُ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا بِتَسْلِيمِ الْمَالِ إلَيْهِ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلَهُ طَلَبُ الْمِدْيَانِ بِتَخْلِيصِهِ عِنْدَ أَجَلِهِ لَا بِتَسْلِيمِ الْمَالِ إلَيْهِ لَكَانَ حَسَنًا اهـ.
(لَا) أَيْ لَيْسَ لِلضَّامِنِ طَلَبُ الْمَضْمُونِ (بِتَسْلِيمِ الْمَالِ) الْمَضْمُونِ فِيهِ (إلَيْهِ) أَيْ الضَّامِنِ
وَضَمِنَهُ إنْ اقْتَضَاهُ لَا أُرْسِلَ بِهِ
[منح الجليل]
عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ لِيُؤَدِّيَهُ لِلْمَضْمُونِ لَهُ
(وَ) إنْ سَلَّمَهُ لَهُ فَضَاعَ (ضَمِنَهُ) أَيْ الْكَفِيلُ الْمَالَ (إنْ اقْتَضَاهُ) أَيْ أَخَذَ الْكَفِيلُ الْمَالَ مِنْ الْمَضْمُونِ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْلِيصِ لِتَنَزُّلِهِ مَنْزِلَةَ صَاحِبِ الْمَالِ، فَهُوَ وَكِيلٌ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ تَعَدِّيًا (لَا) يَضْمَنُ الْكَفِيلُ الْمَالَ الَّذِي اسْتَلَمَهُ مِنْ الْمَضْمُونِ إنْ (أُرْسِلَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ السِّينِ، أَيْ الضَّامِنُ أَيْ أَرْسَلَهُ الْمَضْمُونُ (بِهِ) أَيْ الْمَالِ لِرَبِّهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ أَمِينٌ لِلْمَضْمُونِ، فَضَمَانُ الْمَالِ عَلَى الْمَضْمُونِ حَتَّى يَصِلَ لِرَبِّهِ.
الْحَطّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَدْ أَشْبَعَ الْكَلَامَ عَلَيْهَا الرَّكْرَاكِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلَاتِ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصُّهُ لَا يَخْلُو قَبْضُ الْكَفِيلِ الطَّعَامَ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَمُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَقْبِضَهُ عَلَى مَعْنَى الرِّسَالَةِ فَلَا يَخْلُو الطَّعَامُ مِنْ كَوْنِهِ قَائِمًا بِيَدِهِ أَوْ فَائِتًا، فَإِنْ كَانَ قَائِمًا فَالطَّالِبُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَتْبَعَ الْكَفِيلَ، وَإِنْ شَاءَ أَتْبَعَ الْأَصْلَ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا.
وَإِنْ فَاتَ الطَّعَامُ فَلَا يَخْلُو مِنْ كَوْنِهِ بِتَلَفٍ أَوْ إتْلَافٍ، فَإِنْ كَانَ بِتَلَفٍ فَهُوَ مُصَدَّقٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَيَبْقَى عَلَيْهِ الطَّلَبُ بِالْكَفَالَةِ خَاصَّةً، ثُمَّ يَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْهُودِ فِي الْحَمَالَةِ فِي التَّبْدِئَةِ بِالْمُطَالَبَةِ، وَإِنْ كَانَ بِإِتْلَافٍ مِنْ الْكَفِيلِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْأَصِيلِ مِثْلَ ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَإِنْ غَرِمَ الْكَفِيلُ الطَّعَامَ لِلطَّالِبِ فَلَا تَرَاجُعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَصِيلِ، فَإِنْ غَرِمَهُ لِلْأَصِيلِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْكَفِيلِ بِمِثْلِ طَعَامِهِ أَوْ أَخْذِ ثَمَنِهِ إنْ بَاعَهُ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنْ غَرِمَ الْكَفِيلُ الطَّعَامَ لِلطَّالِبِ بَعْدَ أَنْ بَاعَ مَا أَخَذَ مِنْ الْأَصِيلِ فَأَرَادَ الْأَصِيلُ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ مِثْلَ مَا غَرِمَ مِنْ الطَّعَامِ وَيَأْخُذَ مِنْهُ الثَّمَنَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنْ يَقْبِضَهُ عَلَى مَعْنَى الْوَكَالَةِ، فَإِذَا قَبَضَهُ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْأَصِيلِ قَوْلًا وَاحِدًا، فَإِنَّ الطَّالِبَ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ بِقَبْضِ الْكَفِيلِ، فَإِنْ تَعَدَّى عَلَيْهِ الْكَفِيلُ بَعْدَ صِحَّةِ قَبْضِهِ فَالْعَدَاءُ عَلَى الطَّالِبِ وَقَعَ بِلَا إشْكَالٍ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَقْبِضَهُ عَلَى مَعْنَى الِاقْتِضَاءِ إمَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ الْقَضَاءُ بِهِ، كَمَا إذَا غَابَ الطَّالِبُ وَحَلَّ الْأَجَلُ وَخَافَ الْكَفِيلُ إعْدَامَ الْأَصِيلِ وَإِحْدَاثَ الْفَلَسِ، وَبِهَذَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
يُؤَوَّلُ مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِهِ قَبَضَهُ بِحُكْمِ قَاضٍ أَوْ قَبَضَهُ بِرِضَا الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ بِلَا حُكْمٍ، فَالْكَفِيلُ فِي هَذَا الْوَجْهِ ضَامِنٌ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَى الطَّعَامِ وَذِمَّتُهُ عَامِرَةٌ بِهِ أَوْ بِمِثْلِهِ حَتَّى يُوَصِّلَهُ إلَى طَالِبِهِ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا اتِّفَاقًا مَعَ قِيَامِ الطَّعَامِ بِيَدِ الْكَفِيلِ أَوْ فَوَاتِهِ، فَإِنْ غَرِمَ الْأَصِيلُ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْكَفِيلِ بِطَعَامِهِ أَوْ مِثْلِهِ إنْ أَتْلَفَهُ، أَوْ بِثَمَنِهِ إنْ بَاعَهُ إنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّمَنَ.
وَلَا يَجُوزُ لِطَالِبِهِ بَيْعُهُ بِهَذَا الْقَبْضِ إنْ كَانَ قَائِمًا وَلَا أَخْذُ ثَمَنِهِ إنْ بَاعَهُ لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ الطَّالِبُ مِثْلَ طَعَامِهِ بَعْدَ بَيْعِهِ مَا اقْتَضَاهُ سَاغَ الثَّمَنُ لَهُ، فَإِنْ أَرَادَ الْأَصِيلُ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ مِثْلَ الطَّعَامِ الَّذِي غَرِمَهُ وَيَأْخُذَ مِنْهُ الثَّمَنَ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ.
الرَّابِعُ: اخْتِلَافُهُمَا فِي صِفَةِ الْقَبْضِ فَادَّعَى الْكَفِيلُ أَنَّهُ عَلَى مَعْنَى الْإِرْسَالِ وَالْأَصِيلُ أَنَّهُ عَلَى مَعْنَى الِاقْتِضَاءِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ قَائِمَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْأَصِيلِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْقَرْضِ إذَا قَالَ قَابِضُهُ قَبَضْته عَلَى مَعْنَى الْوَدِيعَةِ.
وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ بَلْ قَرْضًا إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ.
وَالثَّانِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَابِضِ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ تَعَارُضُ أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا اتِّفَاقُهُمَا عَلَى أَنَّ الْمَالَ الْمَقْبُوضَ لِلدَّافِعِ وَلَا شَيْءَ فِيهِ لِلْقَابِضِ، وَقَدْ أَقَرَّ بِقَبْضِهِ ثُمَّ ادَّعَى مَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ عَنْهُ فَالْأَصْلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَالْأُصُولُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى أَنَّ وَضْعَ الْيَدِ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَبِهَذَا قِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْأَصِيلِ، وَالْأَصْلُ الثَّانِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ إذَا اجْتَمَعَا أَنْ يَغْلِبَ حُكْمُ الْحَظْرِ، وَالْكَفِيلُ هَاهُنَا قَدْ ادَّعَى قَبْضًا صَحِيحًا، وَالْأَصِيلُ قَدْ ادَّعَى قَبْضًا فَاسِدًا، فَوَجَبَ كَوْنُ الْقَوْلِ قَوْلَ الْقَابِضِ الَّذِي هُوَ الْكَفِيلُ لِأَنَّ قَوْلَهُ قَدْ أَشْبَهَ وَقَدْ ادَّعَى أَمْرًا مُبَاحًا وَالْأَصِيلُ قَدْ ادَّعَى الْفَسَادَ لِأَنَّ الْكَفِيلَ لَا يَجُوزُ لَهُ قَبْضُ الطَّعَامِ مِنْ الْمَكْفُولِ، وَإِنَّمَا لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالدَّفْعِ إلَى الطَّالِبِ لِيَبْرَأَ مِنْ الْكَفَالَةِ، فَإِذَا ادَّعَى الْأَصِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى الِاقْتِضَاءِ فَقَدْ ادَّعَى أَمْرًا مَحْظُورًا فَوَجَبَ أَنْ لَا يُصَدَّقَ.
الْخَامِسُ: إبْهَامُ الْأَمْرِ وَخُلُوُّ الْقَبْضِ عَنْ الْقَرَائِنِ وَقَدْ مَاتَ الْأَصِيلُ وَالْكَفِيلُ، فَهَلْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
يُحْمَلُ عَلَى الْإِرْسَالِ حَتَّى يَثْبُتَ الْقَبْضُ عَلَى الِاقْتِضَاءِ، أَوْ يُحْمَلَ عَلَى الِاقْتِضَاءِ حَتَّى يَثْبُتَ الْإِرْسَالُ، فَهَذَا مِمَّا يَتَخَرَّجُ فِيهِ قَوْلَانِ.
اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ إذَا قَبَضَهُ عَلَى مَعْنَى الرِّسَالَةِ وَادَّعَى التَّلَفَ أَنَّهُ يَحْلِفُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَإِنْ قَبَضَ عَلَى مَعْنَى الرِّسَالَةِ فَالضَّمَانُ مِنْ الدَّافِعِ بَعْدَ يَمِينِ الْقَابِضِ عَلَى التَّلَفِ، وَيَبْقَى الْحَقُّ عَلَيْهِمَا عَلَى مَا كَانَ قَبْلُ اهـ. وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْحَمِيلِ فِي دَعْوَاهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ وَإِنْ اُتُّهِمَ أُحْلِفَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي إذَا قَبَضَهُ عَلَى وَجْهِ الْوَكَالَةِ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي دَعْوَى تَلَفِهِ بِيَمِينِهِ إنْ اُتُّهِمَ، وَإِذَا صُدِّقَ فِيهِ كَانَتْ الْمُصِيبَةُ مِنْ الطَّالِبِ وَبَرِئَ الْمَطْلُوبُ وَسَقَطَتْ الْكَفَالَةُ إذَا كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى الدَّفْعِ وَلَا يَكْفِي تَصْدِيقُ الْقَابِضِ إذَا ادَّعَى التَّلَفَ، وَلَا اخْتِلَافَ فِي هَذَا.
ثُمَّ قَالَ الْحَطّ وَقَوْلُهُ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ إذَا قَبَضَهُ عَلَى مَعْنَى الِاقْتِضَاءِ أَنَّ الْكَفِيلَ ضَامِنٌ سَوَاءٌ قَبَضَهُ بِحُكْمِ حَاكِمٍ أَوْ بِرِضَا مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ فِي كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ خِلَافُهُ.
قَالَ قَوْلُهُ بِقَضَاءِ سُلْطَانٍ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ أَنْكَرَ سَحْنُونٌ هَذَا اللَّفْظَ، وَقَالَ لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ هُنَا حُكْمٌ.
قَالَ وَرَأَيْت فِيمَا أَمْلَاهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يَغِيبَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ غَيْبَةً بَعِيدَةً وَيَحِلَّ الْأَجَلُ وَيَقُومَ الْكَفِيلُ عَلَى الْمَكْفُولِ، وَيَقُولَ أَخْشَى أَنْ يَعْدَمَ قَبْلَ قُدُومِهِ فَأَغْرَمَ فَيَنْظُرَ الْحَاكِمُ، فَإِنْ كَانَ الْمَكْفُولُ مَلِيًّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْكَفِيلِ، وَإِنْ كَانَ يُخَافُ عَلَيْهِ الْعُدْمُ أَوْ كَانَ مُلِدًّا قَضَى عَلَيْهِ بِدَفْعِ الدَّيْنِ وَأَبْرَأَهُ مِنْهُ وَجَعَلَهُ عِنْدَ عَدْلٍ أَوْ عِنْدَ الْكَفِيلِ إنْ كَانَ ثِقَةً، وَنَقَلَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ عَنْ ابْنِ مَسْلَمَةَ.
أَبُو الْحَسَنِ إلَّا أَنَّ فِي هَذَا إحَالَةً لِلْمَسْأَلَةِ عَنْ وَجْهِهَا إذْ لَا ضَمَانَ فِي هَذَا الْفَرْضِ، وَمَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فِيهَا الضَّمَانُ اهـ. وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا أَرَادَ الْحَمِيلُ أَخْذَ الْحَقِّ بَعْدَ مَحِلِّهِ وَالطَّالِبُ غَائِبٌ وَقَالَ أَخَافُ أَنْ يُفَلَّسَ وَهُوَ مِمَّنْ يُخَافُ عُدْمُهُ قَبْلَ قُدُومِهِ، أَوْ لَا يُخَافُ إلَّا أَنَّهُ كَثِيرُ اللَّدَدِ وَالْمَطْلِ مُكِّنَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ أَمِينًا أَقَرَّ عِنْدَهُ وَإِلَّا أَوْدَعَ وَيَبْرَأُ الْحَمِيلُ وَالْغَرِيمُ وَضَمَانُ الْمَالِ مِنْ الْغَائِبِ لِأَنَّهُ قَبَضَ لَهُ بِالْحَاكِمِ، وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ مَلِيًّا وَفِيًّا فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ
وَلَزِمَهُ تَأْخِيرُ رَبِّهِ، الْمُعْسِرِ، أَوْ الْمُوسِرِ، إنْ سَكَتَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، إنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْهُ مُسْقِطًا
وَإِنْ أَنْكَرَ: حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ وَلَزِمَهُ
[منح الجليل]
وَلَزِمَهُ) أَيْ الضَّامِنَ (تَأْخِيرُ رَبِّهِ) أَيْ الدَّيْنِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَمَفْعُولُهُ الْمَضْمُونَ (الْمُعْسِرَ) ابْنُ رُشْدٍ وَلَا كَلَامَ لِلضَّامِنِ فِي هَذَا اتِّفَاقًا لِوُجُوبِ إنْظَارِ الْمُعْسِرِ، وَنَبَّهَ الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذَا لِئَلَّا يَحْتَجَّ الضَّامِنُ بِأَنَّ تَأْخِيرَهَا إسْقَاطٌ لِلضَّمَانِ عَنْهُ، فَأَفَادَ أَنَّ التَّأْخِيرَ يَلْزَمُهُ وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَالَةُ (أَوْ) تَأْخِيرُ رَبِّهِ الْمَضْمُونَ (الْمُوسِرَ) بِالدَّيْنِ فَيَلْزَمُ الضَّامِنَ (إنْ سَكَتَ) الضَّامِنُ عَالِمًا بِالتَّأْخِيرِ زَمَانًا يَرَى عُرْفًا أَنَّ سُكُوتَهُ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِبَقَاءِ ضَمَانِهِ إلَى الْأَجَلِ الَّذِي أَخَّرَ إلَيْهِ (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) الضَّامِنُ بِالتَّأْخِيرِ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ الَّذِي أَخَّرَ رَبُّ الدَّيْنِ الْمَضْمُونَ إلَيْهِ، فَالضَّمَانُ مُسْتَمِرٌّ عَلَى الضَّامِنِ (إنْ حَلَفَ) رَبُّ الدَّيْنِ (أَنَّهُ) أَيْ رَبَّ الدَّيْنِ (لَمْ يُؤَخِّرْهُ) أَيْ الْمَضْمُونَ حَالَ كَوْنِهِ (مُسْقِطًا) لِلضَّمَانِ عَنْ الضَّمَانِ.
اللَّخْمِيُّ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْحَمِيلُ بِالتَّأْخِيرِ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ حَلَفَ الطَّالِبُ أَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْهُ لِيُسْقِطَ الْكَفَالَةَ وَيَكُونَ عَلَى حَقِّهِ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَمَحِلُّهُ إذَا كَانَتْ ذِمَّةُ الْغَرِيمِ يَوْمَ حُلُولِ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي سَوَاءٌ وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا يَوْمَ حَلَّ الْأَجَلُ الْأَوَّلُ ثُمَّ أَعْسَرَ الْآنَ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْحَمِيلِ لِتَفْرِيطِهِ حَتَّى تَلِفَ مَالُ غَرِيمِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْكَفِيلُ فَيُعَدُّ رَاضِيًا.
اهـ. فَإِنْ نَكَلَ سَقَطَتْ الْحَمَالَةُ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ وَابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُمَا، وَلَوْ أَشْهَدَ رَبُّ الدَّيْنِ حِينَ التَّأْخِيرِ أَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ الْحَمَالَةَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ قَالَهُ الْحَطّ
(وَإِنْ أَنْكَرَ) الضَّامِنُ التَّأْخِيرَ حِينَ عِلْمِهِ بِهِ (حَلَفَ) الطَّالِبُ (أَنَّهُ) أَيْ الطَّالِبَ (لَمْ يُسْقِطْ) الطَّالِبُ الْحَمَالَةَ بِتَأْخِيرِ الْمَضْمُونِ (وَلَزِمَهُ) أَيْ الضَّمَانُ الضَّامِنَ وَسَقَطَ التَّأْخِيرُ وَبَقِيَ الدَّيْنُ حَالًّا، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ التَّأْخِيرُ وَسَقَطَتْ الْكَفَالَةُ، هَذَا هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ فِيهَا الْكَفَالَةُ سَاقِطَةٌ بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ حَلَفَ أَوْ نَكَلَ.
وَقِيلَ لَازِمَةٌ بِكُلِّ حَالٍ نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ عَرَفَةَ، وَنَصُّهُ وَإِنْ أَخَّرَهُ مَلِيًّا فَأَنْكَرَ حَمِيلُهُ فَفِي سُقُوطِهِ حَمَالَتُهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَبَقَائِهَا.
ثَالِثُهَا إنْ أَسْقَطَ الْحَمَالَةَ صَحَّ تَأْخِيرُهُ وَإِلَّا حَلَفَ مَا أَخَّرَ إلَّا عَلَى بَقَائِهَا وَسَقَطَ تَأْخِيرُهُ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ وَسَقَطَتْ الْكَفَالَةُ.
الْحَطّ غَيْرَ أَنَّهُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي رَأَيْت مِنْ الْبَيَانِ آثَرَ قَوْلَهُ فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ التَّأْخِيرُ، وَالْكَفَالَةُ سَاقِطَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ، وَقَوْلُهُ بِكُلِّ حَالٍ مُشْكِلٍ لِاقْتِضَائِهِ سُقُوطَ الْكَفَالَةِ مَعَ حَلِفِهِ، وَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْلِ الثَّانِي.
وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ بِلَفْظٍ وَالْكَفَالَةُ ثَابِتَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَاسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّهُ مِثْلُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ، وَكَذَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ فِي غَالِبِ نُسَخِهِ وَهُوَ مُشْكِلٌ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ لُزُومُ الْكَفَالَةِ إذَا نَكَلَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ وَاسْتَشْكَلَهُ الْبِسَاطِيُّ بِوَجْهٍ آخَرَ، قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ إنَّهَا ثَابِتَةٌ بِكُلِّ حَالٍ فِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِالتَّأْخِيرِ سُقُوطَ الْكَفَالَةِ، فَإِنْ نَكَلَ فَالْقِيَاسُ سُقُوطُهَا وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
اهـ. وَهَذَا يَرْتَفِعُ بِأَنَّ الَّذِي فِي الْبَيَانِ سَاقِطَةٌ بِكُلِّ حَالٍ لَا ثَابِتَةٌ، وَيَبْقَى الْإِشْكَالُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَلَكِنْ عَلَى مَا فِي الْبَيَانِ يَبْقَى الْقَوْلُ الثَّانِي، كَأَنَّهُ الْأَوَّلُ لَا كَمَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ مِنْ كَوْنِ الثَّالِثِ كَالْأَوَّلِ، وَيَزُولُ الْإِشْكَالُ مَرَّةً وَاحِدَةً بِزَوَالِ قَوْلِهِ بِكُلِّ حَالٍ مِنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا فِي الْبَيَانِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ لِأَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ نَقَلَهُ كَذَلِكَ، وَكَانَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ الَّذِي لِابْنِ الْقَاسِمِ يُفَرِّقُ بَيْنَ حَلِفِهِ فَلَا يُسْقِطُ الْكَفَالَةَ وَيُسْقِطُ التَّأْخِيرَ، وَبَيْنَ نُكُولِهِ فَتَسْقُطُ الْكَفَالَةُ وَلَا يُسْقِطُ التَّأْخِيرَ وَقَوْلُ غَيْرِهِ سُقُوطُهَا فِي الْوَجْهَيْنِ بِمُجَرَّدِ التَّأْخِيرِ، وَالثَّالِثُ ثُبُوتُهَا فِيهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
طفي وَاَلَّذِي عَلَيْهِ النَّاقِلُونَ لِكَلَامِ الْبَيَانِ هُوَ نَقْلُ أَبِي الْحَسَنِ وَصَاحِبِ الذَّخِيرَةِ وَلَا إشْكَالَ فِيهِ.
وَقَوْلُ " ح " لِاقْتِضَائِهِ سُقُوطَ الْكَفَالَةِ مَعَ حَلِفِهِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ابْنَ رُشْدٍ مُعْتَرِفٌ بِسُقُوطِهَا لِقَوْلِهِ أَوَّلَ كَلَامِهِ، فَإِنْ عَلِمَ فَأَنْكَرَ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَالَةُ، وَيُقَالُ لِلطَّالِبِ إنْ أَحْبَبْت أَنْ تُمْضِيَ التَّأْخِيرَ عَلَى أَنْ لَا كَفَالَةَ لَك عَلَى الْكَفِيلِ، وَإِلَّا فَاحْلِفْ أَنَّك إنَّمَا أَخَّرْته عَلَى أَنْ يَبْقَى الْكَفِيلُ عَلَى كَفَالَتِهِ، فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّأْخِيرُ وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ
وَتَأَخَّرَ غَرِيمُهُ بِتَأْخِيرِهِ،
[منح الجليل]
التَّأْخِيرُ وَالْكَفَالَةُ سَاقِطَةٌ بِكُلِّ حَالٍ.
. . إلَخْ وَلِأَنَّ حَلِفَهُ إنَّمَا هُوَ لِيُبْطِلَ التَّأْخِيرَ حَيْثُ بَطَلَتْ الْكَفَالَةُ كَمَا فِي نَقْلِ " ق "، وَهَكَذَا فِي نَقْلِ أَبِي الْحَسَنِ وَ " ح " اخْتَصَرَهُ وَأَخَلَّ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْكَفَالَةَ سَاقِطَةٌ بِكُلِّ حَالٍ لَيْسَ هُوَ الْأَوَّلَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِسُقُوطِهَا فِي كُلِّ حَالٍ فِي الْأَوَّلِ، أَيْ بِقَيْدِ الْإِنْكَارِ حَلَفَ أَمْ لَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى فَهْمِهَا.
ابْنُ رُشْدٍ وَالْقَوْلُ الثَّانِي سُقُوطُهَا بِكُلِّ حَالٍ لَا بِقَيْدِ الْإِنْكَارِ فَعِنْدَهُ أَنَّ نَفْسَ التَّأْخِيرِ مُسْقِطٌ لَهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْغَيْرِ، فَافْتَرَقَ الْقَوْلَانِ.
وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْكَفِيلُ بِالتَّأْخِيرِ خُيِّرَ الطَّالِبُ، فَأَمَّا إبْرَاءُ الْحَمِيلِ مِنْ حَمَالَتِهِ وَيَصِحُّ التَّأْخِيرُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَا الْحَمِيلِ.
فَإِنْ سَكَتَ الْحَمِيلُ وَقَدْ عَلِمَ بِذَلِكَ لَزِمَتْهُ الْحَمَالَةُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى حَلَّ أَجَلُ التَّأْخِيرِ حَلَفَ الطَّالِبُ مَا أَخَّرَهُ لِيُبَرِّئَ الْحَمِيلَ وَثَبَتَتْ الْحَمَالَةُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ إنْ كَانَ الْغَرِيمُ مَلِيًّا وَأَخَّرَهُ تَأْخِيرًا بَيِّنًا سَقَطَتْ الْحَمَالَةُ.
اهـ. فَأَنْت تَرَى قَوْلَ الْغَيْرِ بِسُقُوطِ الْحَمَالَةِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْإِنْكَارِ، بَلْ مُطْلَقٌ وَلَوْ عَلِمَ وَسَكَتَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى حَلَّ التَّأْخِيرُ، بِخِلَافِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَدْ اتَّضَحَ لَك الْحَقُّ، وَبَانَ لَك أَنَّ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بَوْنًا، وَإِنْ كَانَ ابْنُ رُشْدٍ أَتَى بِهِمَا فِي قِسْمِ الْإِنْكَارِ، وَلَا يَضُرُّنَا ذَلِكَ، لِأَنَّهُ أَشَارَ إلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَأَمَّا نَقْلُ الْمُصَنِّفِ فِي تَوْضِيحِهِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْحَمَالَةَ ثَابِتَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، فَتَبِعَ فِيهِ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ، وَهُوَ سَبْقُ قَلَمٍ مِنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى وَجْهِهِ، بَلْ اخْتَصَرَهُ فَطَغَى الْقَلَمُ.
وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَعْزِيَ لِابْنِ رُشْدٍ ثُبُوتَ الْحَمَالَةِ بِكُلِّ حَالٍ، وَهُوَ قَدْ قَالَ إنْ عَلِمَ فَأَنْكَرَ فَلَا تَلْزَمُهُ الْحَمَالَةُ فَتَأَمَّلْ مُنْصِفًا، وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ، وَتَبِعَهُ الْبُنَانِيُّ.
تت تَنْبِيهٌ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ هُنَا عَنْ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ، هَذَا كُلُّهُ فِي التَّأْخِيرِ الْكَثِيرِ، وَأَمَّا الْيَسِيرِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلضَّامِنِ مَعَ ذِكْرِهِ فِي تَوْضِيحِهِ
(وَ) إنْ حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ وَأَخَّرَ رَبُّهُ الضَّامِنُ (تَأَخَّرَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا (غَرِيمُهُ) أَيْ مَدِينُ رَبِّ الدَّيْنِ (بِ) سَبَبِ (تَأْخِيرِهِ) أَيْ الْحَمِيلِ، فَلَيْسَ لَهُ طَلَبُ الْغَرِيمِ إلَّا بَعْدَ حُلُولِ
إلَّا أَنْ يَحْلِفَ
وَبَطَلَ، إنْ فَسَدَ مُتَحَمَّلٌ بِهِ
أَوْ فَسَدَتْ: كَبِجُعْلٍ مِنْ غَيْرِ رَبِّهِ لِمَدِينِهِ،
[منح الجليل]
أَجَلِ التَّأْخِيرِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَحْلِفَ) رَبُّ الدَّيْنِ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِتَأْخِيرِهِ الْحَمِيلَ تَأْخِيرَ الْغَرِيمِ، فَلَهُ طَلَبُ الْغَرِيمِ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ تَأْخِيرُ الْغَرِيمِ أَيْضًا، وَاسْتَشْكَلَ قَوْلُهُ تَأَخَّرَ إلَخْ بِأَنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُطَالِبُ الْحَمِيلَ مَعَ حُضُورِ الْغَرِيمِ وَيُسْرِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَخَّرَهُ وَالْمَدِينُ مُعْسِرٌ أَوْ غَائِبٌ فَأَيْسَرَ الْغَرِيمُ أَوْ حَضَرَ فِي أَثْنَاءِ الْأَجَلِ مَلِيًّا فَلَا يُطَالَبُ حَتَّى يَحِلَّ أَجَلُ تَأْخِيرِ الضَّامِنِ
(وَبَطَلَ) الضَّمَانُ (إنْ فَسَدَ) الْعَقْدُ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَالٌ (مُتَحَمَّلٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ الثَّانِيَةِ، تَحَمَّلَ (بِهِ) الضَّامِنُ عَنْ الْمَدِينِ الَّذِي تَرَتَّبَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ ادْفَعْ لَهُ دِينَارًا فِي دِينَارَيْنِ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا إلَى شَهْرٍ وَأَنَا ضَامِنٌ لَهُ، فَهَذِهِ حَمَالَةٌ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ، وَفِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَسَوَاءٌ كَانَ الضَّمَانُ فِي الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ اتِّفَاقًا فِي الثَّانِي، وَعَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْأَوَّلِ فَلَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ شَيْءٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ كُلُّ حَمَالَةٍ وَقَعَتْ عَلَيَّ حَرَامٌ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمَا أَوْ بَعْدَهُ، فَهِيَ سَاقِطَةٌ لَا يَلْزَمُ الْحَمِيلَ بِهَا شَيْءٌ عَلِمَ الْمُتَبَايِعَانِ بِحَرَامِ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَاهُ عَلِمَ الْحَمِيلُ بِذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ لَزِمَ فِي الْمُتَحَمَّلِ بِهِ قِيمَتُهُ لِفَوَاتِهِ أَمْ لَا، وَصَرَّحَ ابْنُ سَلْمُونٍ وَالْجَزِيرِيُّ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ الْمُتَحَمِّلُ بِفَسَادِ الْحَمَالَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْحَمِيلَ الْحَمَالَةُ بِالْقِيمَةِ لَا إنْ عَلِمَ
(أَوْ) أَيْ وَبَطَلَ الضَّمَانُ أَيْ لَغِيَ وَلَمْ يَلْزَمْ الْحَمِيلَ بِهِ شَيْءٌ إنْ (فَسَدَتْ) الْحَمَالَةُ نَفْسُهَا بِانْتِفَاءِ رُكْنِهَا أَوْ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعِهَا فَلَمْ يَتَّحِدْ الْمُعَلَّقُ وَالْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ فَلَا اعْتِرَاضَ بِتَعْلِيقٍ أُنْشِئَ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَثَّلَ شَيْنَ الْفَاسِدَةِ فَقَالَ (كَ) حَمَالَةٍ (بِجُعْلٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ، أَيْ عِوَضٍ (مِنْ غَيْرِ رَبِّهِ) أَيْ الدَّيْنِ (لِمَدِينِهِ) بِأَنْ كَانَ مِنْ رَبِّهِ وَمِنْ الْمَدِينِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ لِلضَّامِنِ لِأَنَّ الضَّامِنَ إذَا غَرِمَ رَجَعَ بِمِثْلِ مَا غَرِمَهُ وَازْدَادَ الْجُعْلَ، وَهَذَا سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ وَلِأَنَّ الضَّمَانَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّتِي لَا تَكُونُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي الْقَرْضُ، وَالثَّالِثُ الْجَاهُ، فَمَنْطُوقُهُ صَادِقٌ بِثَلَاثِ صُوَرٍ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الْجُعْلُ مِنْ رَبِّهِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ لِمَدِينِهِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِشَرْطِ حُلُولِ الْأَجَلِ فِي الْأَوَّلِ، فَهَذِهِ النُّسْخَةُ صَحِيحَةٌ أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ فِي التَّوْضِيحِ لَا يَجُوزُ لِلضَّامِنِ أَنْ يَأْخُذَ جُعْلًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ أَوْ مِنْ الْمَدِينِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا.
الْمَازِرِيُّ لِلْمَنْعِ عِلَّتَانِ أُولَاهُمَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بِيَاعَاتِ الْغَرَرِ لِأَنَّ مَنْ أَخَذَ عَشَرَةً عَلَى أَنْ يَتَحَمَّلَ بِمِائَةٍ لَمْ يَدْرِ هَلْ يُفْلِسُ مَنْ تَحَمَّلَ عَنْهُ أَوْ يَغِيبُ فَيَخْسَرَ مِائَةً وَلَمْ يَأْخُذْ إلَّا الْعَشَرَةَ أَوْ يَسْلَمُ مِنْ الْغَرَامَةِ وَيَفُوزُ بِالْعَشَرَةِ، ثَانِيَتُهُمَا أَنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مَمْنُوعَيْنِ لِأَنَّهُ إنْ أَدَّى الْغَرِيمُ الدَّيْنَ كَانَ لَهُ الْجُعْلُ بَاطِلًا، وَإِنْ أَدَّى الضَّامِنُ وَرَجَعَ بِهِ عَلَى الْمَضْمُونِ صَارَ كَأَنَّهُ أَسْلَفَ مَا أَدَّى وَرَبِحَ الْجُعْلَ فَكَانَ سَلَفًا بِزِيَادَةٍ.
اهـ. وَالْبُطْلَانُ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِ الْجُعْلِ مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَعِلْمِ رَبِّ الدَّيْنِ وَإِلَّا لَزِمَتْ الْحَمَالَةُ، وَرَدَّ الْجُعْلَ.
قَالَ فِي شَرْحِ التُّحْفَةِ اعْلَمْ أَنَّ الْجُعْلَ إنْ كَانَ لِلْحَمِيلِ رَدَّ الْجُعْلَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَيَفْتَرِقُ الْجَوَابُ فِي ثُبُوتِ الْحَمَالَةِ وَسُقُوطِهَا، وَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَفَسَادِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فَتَارَةً تَسْقُطُ الْحَمَالَةُ وَيَثْبُتُ الْبَيْعُ، وَتَارَةً تَثْبُتُ الْحَمَالَةُ وَالْبَيْعُ.
وَالثَّالِثُ يَخْتَلِفُ فِيهِ فِي الْحَمَالَةِ وَالْبَيْعِ جَمِيعًا، فَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ الْبَائِعِ كَانَتْ الْحَمَالَةُ سَاقِطَةً لِأَنَّهَا بِعِوَضٍ وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِي لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيمَا فَعَلَ الْبَائِعُ مَعَ الْحَمِيلِ وَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ الْمُشْتَرِي، أَيْ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَلَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ بِهِ فَالْحَمَالَةُ لَازِمَةٌ كَالْبَيْعِ لِأَنَّ الْحَمِيلَ غَرَّ الْبَائِعَ حَتَّى أَخْرَجَ سِلْعَتَهُ.
وَاخْتُلِفَ إذَا عَلِمَ الْبَائِعُ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ تَسْقُطُ الْحَمَالَةُ يُرِيدُ وَيُخَيَّرُ الْبَائِعُ فِي سِلْعَتِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْكَفَالَةُ لَازِمَةٌ وَإِنْ عَلِمَ الْبَائِعُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ سَبَبٌ، وَأَصْلُهُ لِلَّخْمِيِّ اُنْظُرْ " ح "، وَقَوْلُ " ز " وَمَفْهُومُهُ صُورَتَانِ إلَخْ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ مِنْهُمَا دَاخِلَةٌ فِي مَنْطُوقِ الْمُصَنِّفِ وَلَيْسَتْ مِنْ مَفْهُومِهِ وَقَدْ عُلِمَ جَوَازُهَا فَتَرِدُ عَلَى الْمَنْطُوقِ
وَإِنْ ضَمَانَ مَضْمُونِهِ،
[منح الجليل]
وَتَفْسُدُ بِهَا، هَذِهِ النُّسْخَةُ أَعْنِي مِنْ غَيْرِ رَبِّهِ لِمَدِينِهِ " غ " فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ أَوْ فَسَدَتْ كَبِجُعْلٍ، وَإِنْ مِنْ غَيْرِ رَبِّهِ كَمَدِينِهِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْيَاءِ وَالرَّاءِ وَزِيَادَةِ وَإِنْ وَكَمَدِينِهِ بِكَافِ التَّشْبِيهِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ لَا يَجُوزُ لِلضَّامِنِ أَنْ يَأْخُذَ جُعْلًا مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ أَوْ الْمَدِينِ أَوْ غَيْرِهِمَا.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَإِنْ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ لِمَدِينِهِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَالدَّالِ وَلِمَدِينِهِ بِاللَّامِ، وَصَوَابُهُ عَلَى هَذَا لَا مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ لِمَدِينِهِ بِلَا النَّافِيَةِ حَتَّى يُطَابِقَ قَوْلَهُ فِي تَوْضِيحِهِ اُخْتُلِفَ إذَا كَانَ رَبُّ الدَّيْنِ أَعْطَى الْمِدْيَانَ شَيْئًا عَلَى أَنْ أَعْطَاهُ حَمِيلًا فَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَغَيْرُهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ لَا يَصِحُّ، وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَرِهَهُ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ الْجَوَازُ أَبْيَنُ.
الْحَطّ هَاتَانِ النُّسْخَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرَهُمَا غَيْرُ مُشْتَهِرَتَيْنِ، وَالنُّسْخَةُ الْمَشْهُورَةُ مِنْ غَيْرِ رَبِّهِ لِمَدِينِهِ كَمَا ذَكَرْته أَوَّلًا بِإِسْقَاطِ وَإِنْ وَغَيْرُ بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ وَالْيَاءِ وَلِمَدِينِهِ فَاللَّامُ الْجَرِّ، وَهَذِهِ مَعْنَاهَا فَاسِدٌ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الضَّمَانَ يَفْسُدُ إذَا دَفَعَ غَيْرُ رَبِّ الدَّيْنِ لِلْمِدْيَانِ جُعْلًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَ لِرَبِّ الدَّيْنِ حَمِيلًا، وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ غَازِيٍّ أَنَّ الْجُعْلَ لَوْ كَانَ مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ لِلْمِدْيَانِ يَصِحُّ، فَأَحْرَى إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ بَدَلَ اللَّامِ كَافٌ صَحَّتْ، لِأَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى الْأُولَى غَيْرَ أَنَّهُ يَدَّعِي فِيهَا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْجُعْلُ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ أَحْرَوِيًّا فَأَوْلَى النُّسَخِ وَأَحْسَنُهَا النُّسْخَةُ الْأُولَى الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ غَازِيٍّ.
وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ بِكَجُعْلٍ جَمِيعُ الصُّوَرِ الَّتِي لَا تَجُوزُ فِيهَا الْحَمَالَةُ لِدُخُولِ الْفَسَادِ بَيْنَ الْكَفِيلِ وَالطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ وَيَبْطُلُ الضَّمَانُ بِجُعْلٍ لِلضَّامِنِ إنْ كَانَ الْجُعْلُ مَالًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الْجُعْلُ (ضَمَانَ مَضْمُونِهِ) أَيْ الضَّامِنِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ الضَّامِنُ بِأَنْ ضَمَّنَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ لِيُضَمِّنَهُ الْآخَرُ بِأَنْ تَدَايَنَ رَجُلَانِ دَيْنًا مِنْ رَجُلٍ أَوْ مِنْ رَجُلَيْنِ، وَيُضَمِّنَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فِيمَا عَلَيْهِ لِرَبِّ الدَّيْنِ فَيُمْنَعُ إذَا شَرَطَا ذَلِكَ لَا إنْ اتَّفَقَ بِدُونِ شَرْطٍ، وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيرُ مَفْعُولِ الْمَصْدَرِ مَدِينُ الضَّامِنِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ اضْمَنِّي وَأَنَا أَضْمَنُ لَك مَدِينَك.
إلَّا فِي اشْتِرَاءِ شَيْءٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ بَيْعِهِ، كَقَرْضِهِمَا عَلَى الْأَصَحِّ
وَإِنْ تَعَدَّدَ حُمَلَاءُ أُتْبِعَ كُلٌّ بِحِصَّتِهِ،
[منح الجليل]
وَاسْتَثْنَى مِنْ الْمُبَالَغِ عَلَيْهِ فَقَالَ (إلَّا) تَضَامُنُهُمَا (فِي) ثَمَنٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا بِسَبَبِ (اشْتِرَاءِ شَيْءٍ) مُعَيَّنٍ مُشْتَرَكٍ (بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمُتَضَامِنَيْنِ بِأَنْ يَشْتَرِيَا شَيْئًا مُعَيَّنًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا بِالنِّصْفِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ مُؤَجَّلٍ عَلَيْهِمَا إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَيَضْمَنُ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فِيمَا عَلَيْهِ لِلْبَائِعِ فَيَجُوزُ لِعَمَلِ السَّلَفِ (أَوْ) تَضَامُنُهُمَا فِي عَرْضٍ أَوْ طَعَامٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ بِ (بَيْعِهِ) لِأَجَلٍ مَعْلُومٍ عَلَى وَجْهِ السَّلَمِ فَيَجُوزُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ.
وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ فَقَالَ (كَقَرْضِهِمَا) أَيْ تَسَلُّفِ شَخْصَيْنِ شَيْئًا بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ وَتَضَامُنِهِمَا فِيهِ فَيَجُوزُ (عَلَى الْأَصَحِّ) مِنْ الْخِلَافِ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، قَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَابْنُ الْعَطَّارِ خِلَافًا لِابْنِ الْفَخَّارِ رَآهُ سَلَفًا جَرَّ مَنْفَعَةً.
تت وَقَيَّدْنَا بِالسَّوِيَّةِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَكْثَرُ مِمَّا لِلْآخَرِ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَضْمَنَ أَحَدُهُمَا قَدْرَ مَا ضَمِنَهُ الْآخَرُ فِيهِ فَقَطْ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ.
عب جَازَ فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ لِعَمَلِ الْمَاضِينَ فَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِمَّا امْتَنَعَ، وَالْجَوَازُ فِيهَا مُقَيَّدٌ بِأَنْ يُضَمِّنَ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ فِي قَدْرِ مَا ضَمَّنَهُ فِيهِ الْآخَرُ وَإِلَّا امْتَنَعَ، فَإِذَا اشْتَرَيَا شَيْئًا عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثَ وَالْبَاقِي لِلْآخَرِ، فَإِنْ ضَمِنَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فِي جَمِيعِ مَالِهِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ ضَمِنَ ذُو الثُّلُثِ نِصْفَ مَا لِصَاحِبِهِ جَازَ
(وَإِذَا تَعَدَّدَ حُمَلَاءُ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مَمْدُودًا جَمْعُ حَمِيلٍ، وَأَرَادَ بِهِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ فَيَشْمَلُ الِاثْنَيْنِ أَيْضًا لِمَدِينٍ ضَمِنُوهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَحَلَّ الْأَجَلُ وَغَابَ الْغَرِيمُ أَوْ أَفْلَسَ (اتَّبَعَ) الْمَضْمُونُ لَهُ (كُلًّا) مِنْ الْحُمَلَاءِ (بِحِصَّتِهِ) أَيْ الْحَمِيلِ الْمُتَّبِعِ فَقَطْ مِنْ قِسْمَةِ الدَّيْنِ الْمَضْمُونِ فِيهِ عَلَى عَدَدِهِمْ، فَلَا يَكُونُ بَعْضُهُمْ حَمِيلًا عَنْ بَعْضِهِمْ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ
إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ: كَتَرَتُّبِهِمْ، وَرَجَعَ الْمُؤَدِّي بِغَيْرِ الْمُؤَدَّى عَنْ نَفْسِهِ بِكُلِّ مَا عَلَى الْمُلْقِي؛ ثُمَّ سَاوَاهُ،
[منح الجليل]
فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ مَلِيءٍ حِصَّةُ مُعْدِمٍ، وَلَا مِنْ حَاضِرٍ نَصِيبُ غَائِبٍ، وَلَا مِنْ حَيٍّ حَظُّ مَيِّتٍ، بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمْ ضَمَانُهُ عَلَيْنَا وَوَافَقَهُ الْبَاقِي، أَوْ قِيلَ لَهُمْ تَضْمَنُونَ فُلَانًا فَقَالُوا جَمِيعًا نَعَمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ مُتَعَاقِبِينَ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ) الْمَضْمُونُ لَهُ فِي عَقْدِ الضَّمَانِ (حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ) أَيْ الْحُمَلَاءِ (عَنْ بَعْضٍ) فَلَهُ أَخْذُ جَمِيعِ حَقِّهِ مِنْ بَعْضِهِمْ إنْ غَابَ غَيْرُهُ أَوْ أَعْدَمَ وَإِنْ حَضَرُوا أَمْلِيَاءَ اتَّبَعَ كُلًّا بِحِصَّتِهِ فَقَطْ، فَإِنْ كَانَ قَالَ مَعَ ذَلِكَ أَيُّكُمْ شِئْت أَخَذْت حَقِّي مِنْهُ فَلَهُ أَخْذُ جَمِيعِ حَقِّهِ مِمَّنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَلَوْ حَضَرَ غَيْرُهُ مَلِيًّا.
وَأَقْسَامُ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةٌ، تَعَدُّدُهُمْ بِلَا شَرْطٍ فَلَا يَتَّبِعُ كُلًّا إلَّا بِحِصَّتِهِ.
تَعَدُّدُهُمْ وَاشْتِرَاطُ حَمَالَةِ بَعْضِهِمْ، وَقَالَ أَيُّكُمْ شِئْت أَخَذْت حَقِّي مِنْهُ فَلَهُ أَخْذُهُ مِمَّنْ شَاءَ وَلَوْ حَضَرُوا أَمْلِيَاءَ.
تَعَدُّدُهُمْ بِشَرْطِ حَمَالَةِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ وَلَمْ يَقُلْ أَيُّكُمْ إلَخْ، فَيَأْخُذُ جَمِيعَ حَقِّهِ مِمَّنْ حَضَرَ مَلِيًّا إنْ غَابَ الْبَاقِي أَوْ أَعْدَمَ وَإِنْ حَضَرُوا أَمْلِيَاءَ اتَّبَعَ كُلًّا بِحِصَّتِهِ.
تَعَدُّدُهُمْ وَلَمْ يَشْتَرِطْ حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، وَقَالَ أَيُّكُمْ شِئْت أَخَذْت حَقِّي مِنْهُ فَلَهُ أَخْذُهُ مِمَّنْ شَاءَ وَلَوْ حَضَرُوا أَمْلِيَاءَ.
وَشَبَّهَ فِي أَخْذِهِ الْحَقَّ مِمَّنْ شَاءَ الْمَضْمُونُ لَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ الْمَفْهُومُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ (كَتَرَتُّبِهِمْ) أَيْ الْحُمَلَاءِ فِي الْحَمَالَةِ بِأَنْ ضَمِنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ فَلَهُ أَخْذُهُ مِمَّنْ شَاءَ، وَلَوْ حَضَرُوا جَمِيعًا أَمْلِيَاءَ إنْ أَعْدَمَ الْمَضْمُونُ أَوْ غَابَ، وَسَوَاءٌ شَرَطَ حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ أَمْ لَا عَلِمَ الْمُتَأَخِّرُ بِالتَّقَدُّمِ أَمْ لَا، " غ " كَأَنَّهُ يُشِيرُ لِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَخَذَ مِنْ غَرِيمِهِ كَفِيلًا بَعْدَ كَفِيلٍ فَلَهُ فِي عُدْمِ الْغَرِيمِ أَنْ يَأْخُذَ بِجَمِيعِ حَقِّهِ أَيَّ الْكَفِيلَيْنِ شَاءَ (وَرَجَعَ) الضَّامِنُ (الْمُؤَدِّي) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الدَّالِ مُثَقَّلًا، وَمَفْهُومُهُ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، أَيْ الدَّيْنِ الْمَضْمُونُ فِيهِ (بِغَيْرِ) الْقَدْرِ (الْمُؤَدَّى) بِفَتْحِ الدَّالِ مُثَقَّلًا (عَنْ نَفْسِهِ) أَيْ الْمُؤَدِّي، وَأَبْدَلَ مِنْ بِغَيْرِ إلَخْ قَوْلُهُ (بِكُلِّ مَا) أَيْ الْقَدْرِ الَّذِي (عَلَى) الشَّخْصِ (الْمُلْقِي) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَشَدِّ الْيَاءِ (ثُمَّ سَاوَاهُ) أَيْ الْمُؤَدِّي الْمُلْقِي بِالْكَسْرِ فِيهِمَا فِيمَا
فَإِنْ اشْتَرَى سِتَّةٌ بِسِتِّمِائَةٍ بِالْحَمَالَةِ فَلَقِيَ أَحَدَهُمْ: أَخَذَ مِنْهُ الْجَمِيعَ، ثُمَّ إنْ لَقِيَ أَحَدَهُمْ: أَخَذَهُ بِمِائَةٍ، ثُمَّ بِمِائَتَيْنِ، فَإِنْ لَقِيَ أَحَدُهُمَا ثَالِثًا: أَخَذَهُ بِخَمْسِينَ وَبِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ: فَإِنْ لَقِيَ الثَّالِثُ رَابِعًا: أَخَذَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ
[منح الجليل]
أَدَّاهُ عَنْ صَاحِبِهِمَا الْغَائِبِ إذَا كَانُوا حُمَلَاءَ غُرَمَاءَ، بِدَلِيلِ تَمْثِيلِهِ الْآتِي أَوْ حُمَلَاءَ فَقَطْ، وَاشْتَرَطَ حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْآتِيَيْنِ فِي هَذَا كَثَلَاثَةٍ اشْتَرَوْا سِلْعَةً بِثَلَاثِمِائَةٍ عَلَى كُلِّ مِائَةٍ وَتَضَامَنُوا فَلَقِيَ الْبَائِعُ أَحَدَهُمْ فَأَخَذَ مِنْهُ الْجَمِيعَ مِائَةً عَنْ نَفْسِهِ وَمِائَتَيْنِ عَنْ صَاحِبَيْهِ، فَإِنْ وَجَدَ الْغَارِمُ أَحَدَهُمَا أَخَذَ مِنْهُ الْمِائَةَ الَّتِي دَفَعَهَا عَنْهُ وَخَمْسِينَ نِصْفَ الْمِائَةِ الَّتِي دَفَعَهَا عَنْ صَاحِبِهِمَا ثُمَّ كُلُّ مَنْ وُجِدَ مِنْهُمَا.
الثَّالِثُ أَخَذَ مِنْهُ خَمْسِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْحُمَلَاءِ السِّتَّةِ الَّتِي أُفْرِدَتْ بِالتَّصَانِيفِ مُفَرِّعًا لَهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَقَالَ (فَإِنْ اشْتَرَى سِتَّةٌ) سِلْعَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمْ سَوِيَّةً (بِسِتِّمِائَةٍ) عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ مِائَةٌ (بِ) شَرْطِ (الْحَمَالَةِ) مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِبَاقِيهِمْ (فَلَقِيَ) الْبَائِعُ (أَحَدَهُمْ فَأَخَذَ مِنْهُ الْجَمِيعَ) أَيْ السِّتَّمِائَةِ مِائَةً عَنْ نَفْسِهِ أَصَالَةً لَا يَرْجِعُ بِهَا، وَخَمْسَمِائَةٍ حَمَالَةً عَنْ الْخَمْسَةِ الْبَاقِينَ يَرْجِعُ بِهَا عَلَيْهِمْ (ثُمَّ إنْ لَقِيَ) الدَّافِعُ (أَحَدَهُمْ) أَيْ الْخَمْسَةِ (أَخَذَهُ) أَيْ الدَّافِعُ الْمُلْقِي (بِمِائَةٍ) عَنْ نَفْسِ الْمُلْقِي تَبْقَى أَرْبَعُمِائَةٍ لِلدَّافِعِ فَيُسَاوِي الْمُلْقِي فِيهَا فَيَأْخُذَهُ (بِمِائَتَيْنِ) فَيَصِيرُ كُلٌّ مِنْهُمَا غَرِمَ مِائَتَيْنِ عَنْ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِينَ.
(فَإِنْ لَقِيَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الدَّافِعُ وَالْمُلْقِي الْأَوَّلُ (ثَالِثًا) مِنْ السِّتَّةِ الْمُتَضَامِنِينَ (أَخَذَهُ) أَيْ أَحَدَهُمَا الْمُلْقِي الثَّالِثُ (بِخَمْسِينَ) عَنْ نَفْسِ الْمُلْقِي الثَّالِثِ رُبْعَ الْمِائَتَيْنِ الْمَدْفُوعَتَيْنِ عَنْ الْأَرْبَعَةِ يَبْقَى مِنْ الْمِائَتَيْنِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ فَيُسَاوِي أَحَدَهُمَا فِيهَا الْمُلْقِي الثَّالِثُ (وَ) يَأْخُذُهُ (بِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ) عَنْ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِينَ.
(فَإِنْ لَقِيَ الثَّالِثَ) الَّذِي دَفَعَ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ حَمَالَةً عَنْ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِينَ (رَابِعًا) مِنْ السِّتَّةِ (أَخَذَهُ) أَيْ الثَّالِثُ الرَّابِعَ (بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ) عَنْ نَفْسِ الرَّابِعِ يَبْقَى مِنْ الْخَمْسَةِ
وَبِمِثْلِهَا، ثُمَّ بِاثْنَيْ عَشَرَ وَنِصْفٍ، وَبِسِتَّةٍ وَرُبُعٍ
[منح الجليل]
وَالسَّبْعِينَ الَّتِي دَفَعَهَا الثَّالِثُ حَمَالَةً خَمْسُونَ فَيُسَاوِي الثَّالِثُ الرَّابِعَ فِيهَا (وَ) يَأْخُذُهُ (بِمِثْلِهَا) أَيْ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ حَمَالَةً عَنْ الْبَاقِيَيْنِ.
(ثُمَّ) إنْ لَقِيَ هَذَا الرَّابِعُ خَامِسًا مِنْ السِّتَّةِ أَخَذَهُ (بِاثْنَيْ عَشَرَ وَنِصْفٍ) عَنْ نَفْسِ الْخَامِسِ يَبْقَى لِلرَّابِعِ مِنْ الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ اثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٍ فَيُسَاوِي الْخَامِسَ فِيهَا (وَ) يَأْخُذُهُ (بِسِتَّةٍ وَرُبُعٍ) حَمَالَةً عَنْ السَّادِسِ، فَإِنْ لَقِيَ الْخَامِسُ السَّادِسَ أَخَذَهُ بِسِتَّةٍ وَرُبُعٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ لِوُضُوحِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا أَيْضًا كَيْفِيَّةَ اسْتِيفَاءِ الْعَمَلِ حَتَّى يَصِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ السِّتَّةِ دَافِعًا الْمِائَةَ الَّتِي عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي تَوْضِيحِهِ عَنْ الْمَازِرِيِّ بَعْضُ مَشَايِخِي فِيهِ تَطْوِيلٌ تَنْفِرُ مِنْهُ النُّفُوسُ، وَذَكَرَ طَرِيقًا قَالَ وَإِنْ كَانَ لَا يُنَاسِبُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ كُلَّ الْمُنَاسَبَةِ فَقَالَ إذَا لَقِيَ الْبَائِعُ أَحَدَ الْمُشْتَرِينَ وَأَخَذَ مِنْهُ السِّتَّمِائَةِ، ثُمَّ لَقِيَ هَذَا الدَّافِعُ وَاحِدًا مِنْ شُرَكَائِهِ فِي الشِّرَاءِ طَالَبَهُ بِثَلَاثِمِائَةٍ مِائَةٍ تَخُصُّهُ وَمِائَتَيْنِ بِطَرِيقِ الْحَمَالَةِ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ قَدْ دَفَعْت سِتَّمِائَةٍ مِائَةً تَخُصُّنِي لَا رُجُوعَ لِي بِهَا وَخَمْسَمِائَةٍ عَنْك، وَعَنْ أَصْحَابِك يَخُصُّك مِنْهَا مِائَةٌ تَبْقَى أَرْبَعُمِائَةٍ عَنْ أَصْحَابِنَا الْأَرْبَعَةِ أَنْتَ حَمِيلٌ مَعِي بِهَا فَلِذَلِكَ يُطَالِبُهُ بِثَلَاثِمِائَةٍ.
فَإِذَا أَخَذَهَا مِنْهُ اسْتَقَرَّ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَفَعَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَقَدْ عَلِمْت تَفْصِيلَهَا، فَإِذَا لَقِيَا ثَالِثًا طَالَبَاهُ بِمِائَةٍ تَخُصُّهُ وَتَبْقَى ثَلَاثُمِائَةٍ هُوَ مَعَهُمَا حَمِيلٌ بِهَا فَيُطَالِبُهُ بِمِائَةٍ مِنْهَا بِالْحَمَالَةِ فَيَأْخُذَانِ الْمِائَتَيْنِ فَيَقْتَسِمَانِهِمْ افَيَبْقَى لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِائَةٌ، وَلِلثَّالِثِ أَيْضًا مِائَةٌ، فَإِذَا لَقِيَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ رَابِعًا طَالَبُوهُ بِمِائَةٍ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَبْقَى لَهُمْ مِائَتَانِ هُوَ حَمِيلٌ بِهِمَا مَعَهُمْ فَيُطَالِبُونَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْهُمَا بِطَرِيقِ الْحَمَالَةِ وَهِيَ خَمْسُونَ، وَيَتَقَاسَمُ الثَّلَاثَةُ هَذِهِ الْمِائَةُ وَالْخَمْسِينَ أَثْلَاثًا فَيَبْقَى لِكُلٍّ خَمْسُونَ وَلِلرَّابِعِ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَهِيَ الَّتِي دَفَعَهَا بِطَرِيقِ الْحَمَالَةِ فَالْبَاقِي مِائَتَانِ.
فَإِذَا لَقِيَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ خَامِسًا طَالَبُوهُ بِمِائَةٍ عَنْ نَفْسِهِ وَبِعِشْرِينَ مِنْ الْمَائِهِ السَّادِسَةِ لِأَنَّ الْخَمْسَةَ حُمَلَاءُ بِهَا فَتُضَمُّ هَذِهِ الْعِشْرُونَ إلَى الْمِائَةِ، وَيُوَزَّعُ الْمَجْمُوعُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ فَيَنُوبُ كُلًّا ثَلَاثُونَ، وَيَبْقَى لِكُلٍّ عِشْرُونَ، وَلِلْخَامِسِ أَيْضًا عِشْرُونَ، وَمَجْمُوعُهَا مِائَةٌ فَيَأْخُذُهَا الْخَمْسَةُ مِنْ السَّادِسِ إذَا ظَفِرُوا بِهِ وَيَتَقَاسَمُونَهَا أَخْمَاسًا فَيَظْفَرُ كُلٌّ بِمَجْمُوعِ حَقِّهِ اهـ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
(تَنْبِيهٌ) هَذَا الْعَمَلُ نَحْوُهُ عَمِلَ الطُّنَيْزِيُّ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ اُنْظُرْهُ فِي الْكَبِيرِ قَالَهُ تت فِي الصَّغِيرِ طفي جَعْلُهُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ مَشَايِخِهِ طَرِيقًا آخَرَ لَا يُنَاسِبُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ وَنَحْوًا لِعَمَلِ الطُّنَيْزِيِّ وَهُمْ، بَلْ هُوَ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ التَّرَاجُعِ تُنَاسِبُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ وَتُؤْخَذُ مِنْهُ وَلَيْسَتْ طَرِيقًا أُخْرَى، لِأَنَّ صُوَرَ التَّرَاجُعِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيمَا ذَكَرَ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ اعْلَمْ أَنَّ وُجُوهَ التَّرَاجُعِ لَا تَنْحَصِرُ بَيْنَهُمْ فِي عَدَدٍ، إذْ قَدْ يَلْتَقُونَ عَلَى رُتَبٍ مُخْتَلِفَةٍ وَصُوَرٍ شَتَّى لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ إمَّا أَنْ يَلْقَى جَمِيعَهُمْ أَوْ يَلْقَى خَمْسَةً مِنْهُمْ أَوْ أَرْبَعَةً أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ وَاحِدًا، وَإِذَا لَقِيَ أَرْبَعَةً مِنْهُمْ أَوْ أَقَلَّ فَأَخَذَ مَالَهُ مِمَّنْ لَقِيَ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْغَرِيمَ إمَّا أَنْ يَلْقَى سَائِرَهُمْ مُجْتَمَعِينَ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جَانِبَيْ الْمُلْتَقِينَ أَوْ مُجْتَمَعِينَ فِي جَانِبٍ وَمُفْتَرِقِينَ فِي آخَرَ وَالِافْتِرَاقُ عَلَى أَقْسَامٍ كَثِيرَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ التَّرَاجُعِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ إلَى أَنْ قَالَ وَإِنْ لَقِيَ اثْنَانِ مِنْهُمْ وَاحِدًا رَجَعَا عَلَيْهِ بِمَا أَدَّيَا عَنْهُ مِنْ أَصْلِ الْحَقِّ وَبِثُلُثِ مَا أَدَّيَا عَنْ أَصْحَابِهِ بِالْحَمَالَةِ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَلَقُوا وَاحِدًا رَجَعُوا عَلَيْهِ بِمَا أَدَّوْا عَنْهُ بِحِمَالَةِ مَا أَدَّوْا عَنْ أَصْحَابِهِ بِالْحَمَالَةِ.
اهـ. بِاخْتِصَارٍ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ هَذِهِ وُجُوهٌ مُفَرَّعَةٌ عَلَى طَرِيقِ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا طَرِيقًا مُخَالِفًا لِغَيْرِهِ، وَالْخِلَافُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَالطُّنَيْزِيِّ حَيْثُ لَقِيَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ الثَّالِثَ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَكَذَا مَنْ بَعْدَهُ حَسْبَمَا هُوَ مَفْرُوضٌ فِي كَلَامِ عِيَاضٍ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ أَمَّا إنْ لَقِيَاهُ مَعًا كَمَا فَرَضَ بَعْضُ مَشَايِخِ تت فَلَا خِلَافَ فِيهَا، وَلَا تَنْحُو لِمَا قَالَ الطُّنَيْزِيُّ وَنَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ: وَضَابِطُ تَرَاجُعِهِمْ فِي ثَمَنِ مَا ابْتَاعُوهُ مُتَحَامِلِينَ رُجُوعُ كُلِّ غَارِمٍ عَلَى مَنْ لَقِيَهُ بِمَا غَرِمَ عَنْهُ مِنْ ثَمَنِ مَا ابْتَاعَهُ، وَبِمَا يُوجِبُ مُسَاوَاتَهُ إيَّاهُ فِيمَا غَرِمَهُ بِالْحَمَالَةِ عَنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ فِي رُجُوعِهِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى حَالِ لِقَاءِ الْغَارِمِ مَنْ لَقِيَهُ فَقَطْ أَوْ عَلَى مُقْتَضَى مَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ كُلِّ مَنْ غَرِمَ لَوْ لَقِيَهُمْ رَبُّ الْحَقِّ مُجْتَمِعِينَ قَوْلًا الْأَكْثَرُ.
وَنَقَلَ عِيَاضٌ حَيْثُ قَالَ لَوْ لَقِيَ ثَانِي السِّتَّةِ ثَالِثُهُمْ فَفِيهَا يَأْخُذُهُ بِخَمْسِينَ قَضَاهَا عَنْهُ فِي
وَهَلْ لَا يَرْجِعُ بِمَا يَخُصُّهُ أَيْضًا إذَا كَانَ الْحَقُّ عَلَى غَيْرِهِمْ أَوْ لَا وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ؟
[منح الجليل]
خَاصَّتِهِ، وَبِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ نِصْفِ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ أَدَّاهَا بِالْحَمَالَةِ فَذَلِكَ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَعَلَى هَذَا حَسَبَ كُلُّ الْفُقَهَاءِ الْمَسْأَلَةَ فِي التَّرَاجُعِ بَيْنَهُمْ.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطُّنَيْزِيُّ الْفَارِضِيُّ هَذَا غَلَطٌ فِي الْحِسَابِ وَالْوَاجِبُ إذَا الْتَقَى الثَّالِثُ مَعَ أَحَدِ الْأَوَّلِينَ أَنْ يَقُولَ الثَّالِثُ نَحْنُ كَأَنَّا اجْتَمَعْنَا مَعًا بِاجْتِمَاعِ بَعْضِنَا بِبَعْضٍ، وَلَوْ اجْتَمَعْنَا مَعًا كَانَ الْمَالُ عَلَيْنَا أَثْلَاثًا عَلَيَّ مِنْهُ مِائَتَانِ غَرِمْتُهُمَا أَنْتَ وَصَاحِبُك عَنِّي خُذْ مِائَتَك وَادْفَعْ لِصَاحِبِك مِائَتَهُ إذَا لَقِيته وَكَذَا فِي بَقِيَّةِ الْمَسْأَلَةِ.
قُلْت قَبِلَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ وَهُوَ غَلَطٌ فِي الْفِقْهِ لِأَنَّ مَآلَهُ عَدَمُ غُرْمِ الثَّالِثِ شَيْئًا بِالْحَمَالَةِ لِأَنَّ جُمْلَةَ مَا غَرِمَهُ عَلَى قَوْلِهِ فِي لِقَائِهِ.
الثَّانِي مِائَةٌ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ وَاسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْتِزَامِ الْحَمَالَةِ يُوجِبُ اسْتِوَاءَهُمَا فِي الْغُرْمِ بِهَا وَاسْتِوَاؤُهُمَا فِيهِ يُوجِبُ رُجُوعَ الثَّانِي عَلَى الثَّالِثِ بِمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ
(وَ) إذَا كَانُوا حُمَلَاءَ غَيْرَ غُرَمَاءَ بِأَنْ ضَمِنُوا شَخْصًا فِي مَالٍ عَلَيْهِ بِشَرْطِ حَمَالَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَأَدَّى بَعْضُهُمْ الْحَقَّ لِرَبِّهِ لِعَدَمِ الْغَرِيمِ أَوْ غَيْبَتِهِ وَلَقِيَ الْمُؤَدِّي أَحَدَ أَصْحَابِهِ فَ (هَلْ لَا يَرْجِعُ) الْمُؤَدِّي عَلَى الْمُلْقِي (بِمَا) أَيْ الْقَدْرِ الَّذِي أَيْ الْمُؤَدَّى (أَيْضًا) أَيْ كَمَا لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهِ إذَا كَانُوا حُمَلَاءَ غُرَمَاءَ (إذَا كَانَ الْحَقُّ) الْمَضْمُونُ (عَلَى غَيْرِهِمْ) أَيْ الْحُمَلَاءِ الْمُشْتَرَطِ حَمَالَةُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ (أَوَّلًا) بِشَدِّ الْوَاوِ مُنَوَّنًا، أَيْ ابْتِدَاءً وَعَلَيْهِمْ ثَانِيًا بِالْحَمَالَةِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَدَمِ رُجُوعِ الْمُؤَدِّي بِمَا يَخُصُّهُ عَلَى الْمُلْقِي (الْأَكْثَرُ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَكَيْفِيَّةُ التَّرَاجُعِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ إذَا تَحَمَّلَ ثَلَاثَةٌ عَنْ وَاحِدٍ بِثَلَاثِمِائَةٍ وَغَرِمَهَا أَحَدُهُمْ ثُمَّ لَقِيَ آخَرَ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِائَةً عَنْ نَفْسِهِ وَخَمْسِينَ بِحَمَالَةِ الثَّالِثِ، وَمَنْ لَقِيَ مِنْهُمَا الثَّالِثَ أَخَذَ مِنْهُ خَمْسِينَ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي طَوَاهُ الْمُصَنِّفُ تَقْدِيرُهُ أَوْ يَرْجِعُ بِمَا يَخُصُّهُ، وَكَيْفِيَّةُ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ أَنَّ الْغَارِمَ الْأَوَّلَ يَأْخُذُ مِنْ الْمُلْقِي الْأَوَّلِ مِائَةً وَخَمْسِينَ بِالْحَمَالَةِ، وَإِذَا لَقِيَ أَحَدُهُمَا الثَّالِثَ فَيَأْخُذُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
مِنْهُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ، وَإِذَا لَقِيَهُ الْآخَرُ طَالَبَهُ بِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ فَيَقُولُ لَهُ الثَّالِثُ دَفَعْت لِصَاحِبِنَا الَّذِي لَقِيَنِي قَبْلَك خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَاوَيْتُك فِيهَا يَبْقَى لَك زَائِدًا مِثْلُهَا فَخُذْ نِصْفَهُ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ وَنِصْفًا، ثُمَّ كُلُّ مَنْ لَقِيَ مِنْهُمَا الَّذِي لَمْ يَدْفَعْ إلَّا خَمْسَةً وَسَبْعِينَ أَخَذَ مِنْهُ اثْنَيْ عَشَرَ وَنِصْفًا فَيَسْتَوِي الْجَمِيعُ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دَفَعَ مِائَةً بِالْحَمَالَةِ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّأْوِيلَيْنِ فِي كَيْفِيَّةِ تَرَاجُعِهِمْ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ، وَكَلَامُ مَنْ وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ الشُّرَّاحِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَلَا وَافٍ بِالْمَقْصُودِ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَهَلْ كَذَا إنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَى غَيْرِهِمْ لَكَانَ أَوْلَى لِاخْتِصَارِهِ وَإِفَادَتِهِ جَرَيَانَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْأَوْلَى فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ قَوْلِهِ وَرَجَعَ الْمُؤَدِّي إلَى قَوْلِهِ ثُمَّ سَاوَاهُ قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
طفي قَوْلُهُ وَهَلْ لَا يَرْجِعُ بِمَا يَخُصُّهُ.
. . إلَخْ، أَيْ إذَا أَخَذَ مِنْ أَحَدِهِمْ مَا يَخُصُّهُ فَقَطْ فَهَلْ لَا يَرْجِعُ بِهِ كَمَا إذَا كَانَ الْحَقُّ عَلَيْهِمْ أَوْ يَرْجِعُ بِهِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي تَقْرِيرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَبِهِ تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ، وَالْمَسْأَلَةُ هَكَذَا مَفْرُوضَةٌ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَنَصُّهُ فَإِنْ تَحَمَّلَ بِالْمَالِ حُمَلَاءُ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَنُوبُهُ مِنْهُ مُوَزَّعًا عَلَى عَدَدِهِمْ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ أَوْ عَنْ أَصْحَابِهِ، قَالَ بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ لَمْ يَقُلْ فَيُؤْخَذُ مَلِيُّهُمْ بِمُعْدِمِهِمْ كَأَخْذِهِمْ بِعُدْمِ الْغَرِيمِ، وَيَأْخُذُ أَيَّهُمْ شَاءَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَعَلَى كِلَيْهِمَا إنْ اشْتَرَطَ أَخْذَ أَيِّهِمْ شَاءَ، فَإِنْ أَخَذَا أَحَدَهُمْ بِمَا يَنُوبُهُ مِنْ الْمَالِ فَاخْتُلِفَ هَلْ لِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ ذَلِكَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى مَنْ وَجَدَ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى يُسَاوِيَهُ فِيهِ فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ.
وَقِيلَ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ مَا يَنُوبُهُ مِنْهُ إنَّمَا أَدَّاهُ عَنْ نَفْسِهِ وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَهُوَ الْآتِي عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لِغَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي السِّتَّةِ كُفَلَاءُ اهـ نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَ " ق ".
وَأَمَّا فَرْضُهَا فِي أَخْذِ جَمِيعِ الْحَقِّ مِنْ أَحَدِهِمْ فَلَا يَظْهَرُ لِلْخِلَافِ فِيهِ مَعْنًى لِمَنْ تَأَمَّلَ وَأَنْصَفَ وَإِنْ كَانَ جَمْعٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ فَرَضُوهُ فِيهِ كَعِيَاضٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ، بَلْ وَجَمِيعُ مَنْ وَقَفْت عَلَيْهِمْ إلَّا ابْنَ رُشْدٍ، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَنْقُلُوا إلَّا كَلَامَهُ، وَلَعَلَّهُمْ حَرَّفُوهُ وَإِنْ بَعُدَ تَوَاطُؤُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْأَجِلَّاءِ عَلَى التَّحْرِيفِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فَرْضُهُمْ، وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ
تَأْوِيلَانِ
وَصَحَّ بِالْوَجْهِ
وَلِلزَّوْجِ: رَدُّهُ مِنْ زَوْجَتِهِ
[منح الجليل]
يُتَّبَعَ، وَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ صَرِيحٌ فِيمَا فَرَضُوهُ لَا تَأْوِيلَ فِيهِ وَلَا خِلَافَ، وَنَصُّهَا فِي الثَّلَاثَةِ الْحُمَلَاءِ فَقَطْ إنْ أَخَذَ مِنْ أَحَدِهِمْ جَمِيعَ الْمَالِ رَجَعَ الْغَارِمُ عَلَى صَاحِبَيْهِ إذَا لَقِيَهُمَا بِالثُّلُثَيْنِ، وَإِنْ لَقِيَ أَحَدَهُمَا رَجَعَ عَلَيْهِ بِالنِّصْفِ.
اهـ. فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهَا صَرَّحْت بِمَا يَرْجِعُ بِهِ وَهُوَ كَلَامٌ ظَاهِرٌ لَا تَأْوِيلَ فِيهِ وَلَا خِلَافَ، فَلَوْ كَانَ الْخِلَافُ فِيمَا فَرَضُوهُ لَنَبَّهُوا عَلَى نَصِّهَا إذْ يَبْعُدُ أَنْ يُنْسَبَ إلَى التُّونُسِيِّ وَابْنِ الْمَوَّازِ وَسَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ وَيُتْرَكَ نَصُّهَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَبِهِ يَظْهَرُ لَك مَا فِي تَقْرِيرِ تت وَبَعْضِ مَشَايِخِهِ مِنْ الْخَبْطِ، لَكِنَّ الْعُذْرَ لَهُمَا أَنَّهُمَا مَسْبُوقَانِ بِذَلِكَ مِمَّنْ لَهُ قَدَمٌ رَاسِخٌ فِي التَّحْقِيقِ وَالْكَمَالُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْمَحَلُّ لَيْسَ مَحَلًّا لِلتَّأْوِيلَيْنِ، إذْ لَمْ يُؤَوِّلَا عَلَيْهَا.
وَجَعْلُ تت فِي كَبِيرِهِ تَبَعًا لِلْبِسَاطِيِّ نَصَّهَا الْمُتَقَدِّمَ مَحَلَّ التَّأْوِيلَيْنِ غَيْرُ ظَاهِرٍ اهـ.
الْبُنَانِيُّ وَانْدَفَعَ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمِسْنَاوِيِّ مَا هَوَّلَ بِهِ طفي، ثُمَّ قَالَ سَلَّمْنَا وُجُودَ الْخِلَافِ فِي فَرْضِ ابْنِ رُشْدٍ كَمَا بَيَّنَهُ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ التَّأْوِيلَيْنِ فِي الْفَرْضِ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَدْ عَلِمْت ثَمَرَتَهُمَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ قُلْت الْعَجَبُ كَيْفَ حَمَلَهُ عَدَمُ فَهْمِهِ ثَمَرَةَ الْخِلَافِ فِي فَرْضِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الثَّانِي بِالنِّصْفِ فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ لِسُكُوتِهِ عَنْ رُجُوعِ أَحَدِهِمَا عَلَى الثَّالِثِ، فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لطفي، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) تت.
(تَنْبِيهٌ) أَوَّلًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُنَوَّنٌ كَذَا رَأَيْته بِخَطِّ الْأَقْفَهْسِيِّ مَضْبُوطًا بِالْقَلَمِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ.
وَأَمَّا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ نَفْيًا لِقَوْلِهِ لَا يَرْجِعُ بِمَا يَخُصُّهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِينَ، فَيَنْعَكِسُ النَّقْلُ إذْ يَصِيرُ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ هُوَ التَّأْوِيلُ الثَّانِي وَلَيْسَ كَذَلِكَ
(وَصَحَّ) الضَّمَانُ (بِالْوَجْهِ) أَيْ الذَّاتِ أَيْ الْإِتْيَانُ بِالْمَدِينِ وَقْتَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَلَا اخْتِلَافَ فِي صِحَّتِهِ عِنْدَنَا، وَتَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي تَعْبِيرِهِ يَصِحُّ، وَعَبَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ بِجَازِ كَمَا لِإِرْشَادٍ.
وَفِي الشَّامِلِ وَجَازَ بِوَجْهٍ وَالْعُضْوُ الْمُعَيَّنُ كَالْجَمِيعِ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَجْهِ وَغَيْرِهِ
(وَ) إنْ ضَمِنَتْ زَوْجَةٌ بِالْوَجْهِ فَ (لِلزَّوْجِ رَدُّهُ مِنْ زَوْجَتِهِ) أَيْ ضَمَانِ الْوَجْهِ وَلَوْ بِغَيْرِ مَالٍ، لِأَنَّهُ
وَبَرِئَ بِتَسْلِيمِهِ لَهُ، وَإِنْ بِسِجْنٍ،
[منح الجليل]
يَقُولُ قَدْ تَخْرُجُ لِلتَّفْتِيشِ عَلَى الْمَضْمُونِ وَإِحْضَارِهِ، وَذَلِكَ عَارٌ عَلَيَّ وَمِثْلُهُ ضَمَانُ الطَّلَبِ.
وَأَمَّا ضَمَانُ الْمَالِ فَقَدَّمَ صِحَّتَهُ فِي قَدْرِ ثُلُثِ مَالِهَا.
الْحَطّ ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمَالُ الْمَضْمُونُ فِيهِ دُونَ ثُلُثِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَالشَّامِلِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَقَبِلُوهُ، وَزَادَ وَلَوْ شَرَطَتْ عَدَمَ الْغُرْمِ فِي التَّوْضِيحِ وَلَوْ تَكَفَّلَتْ ذَاتُ زَوْجٍ بِوَجْهِ رَجُلٍ عَلَى أَنْ لَا مَالَ عَلَيْهَا فَلِزَوْجِهَا رَدُّهُ لِأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ تُحْبَسُ وَامْتَنَعَ مِنْهَا وَتَخْرُجُ لِلْخُصُومَةِ، وَذَلِكَ شَيْنٌ عَلَيَّ فَلَهُ مَنْعُ تَحَمُّلِهَا بِالطَّلَبِ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَبَرِئَ) ضَامِنُ الْوَجْهِ (بِتَسْلِيمِهِ لَهُ) أَيْ الْمَضْمُونِ لِلْمَضْمُونِ لَهُ زَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِمَكَانٍ فِيهِ حَاكِمٌ، وَإِمَّا مَكَان لَا سُلْطَانَ فِيهِ أَوْ فِي حَالِ فِتْنَةٍ أَوْ مَفَازَةٍ أَوْ بِمَكَانٍ يَقْدِرُ الْغَرِيمُ عَلَى الِامْتِنَاعِ لَمْ يَبْرَأْ أَفَادَهُ تت، وَيَبْرَأُ بِتَسْلِيمِهِ فِي مَكَان يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِ حَقِّهِ مِنْهُ فِيهِ إنْ كَانَ بِغَيْرِ سِجْنٍ، بَلْ (وَإِنْ) سَلَّمَهُ لَهُ (بِسِجْنٍ) بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ مَحَلٍّ مَسْجُونٍ فِيهِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّهُ يُسْجَنُ لَهُ بَعْدَ تَمَامِ مَا حُبِسَ فِيهِ.
الْبَاجِيَّ سَوَاءٌ كَانَ سَجْنُهُ فِي دَمٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَكْفِي قَوْلُهُ بَرِئْت مِنْهُ إلَيْك وَهُوَ فِي السِّجْنِ فَشَأْنُك بِهِ كَانَ سَجْنُهُ فِي حَقٍّ أَوْ تَعَدِّيًا.
اللَّخْمِيُّ وَلَوْ تَعَدِّيًا.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي التَّعَدِّي نَظَرٌ لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِإِخْرَاجِهِ بِرَفْعِ التَّعَدِّي عَنْهُ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِإِمْكَانِ مُحَاكَمَتِهِ فِي الْحِينِ، فَإِنْ مُنِعَ مِنْهُ جَرَى مَجْرَى مَوْتِهِ، فَفِي التَّوْضِيحِ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ سَوَاءٌ سُجِنَ بِحَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ لِإِمْكَانِ مُحَاكَمَتِهِ عِنْدَ الْقَاضِي الَّذِي حَبَسَهُ، فَإِنْ مُنِعَ هَذَا الطَّالِبُ مِنْهُ وَمِنْ الْوُصُولِ إلَيْهِ فَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى مَوْتِهِ، وَمَوْتُهُ يُسْقِطُ الْكَفَالَةَ.
(فَرْعٌ) إنْ أَحْضَرَهُ بِزَاوِيَةٍ لَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ مِنْهَا، فَاَلَّذِي وَقَعَ بِهِ الْحُكْمُ وَالْعَمَلُ أَنَّهُ كَإِحْضَارِهِ يَبْرَأُ بِهِ، قَالَ فِي نَظْمِ الْعَمَلِيَّاتِ:
وَضَامِنٌ مَضْمُونَهُ قَدْ أَحْضَرَ ... بِمَوْضِعٍ إخْرَاجُهُ تَعَذَّرَا
يَكْفِيهِ مَا لَمْ يَضْمَنْ الْإِحْضَارُ لَهْ ... بِمَجْلِسِ الشَّرْعِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَهْ
أَوْ بِتَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ، إنْ أَمَرَهُ بِهِ، إنْ حَلَّ الْحَقُّ، وَبِغَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ، وَبِغَيْرِ بَلَدِهِ، إنْ كَانَ بِهِ
[منح الجليل]
اهـ. بُنَانِيٌّ (أَوْ بِتَسْلِيمِهِ) أَيْ الْمَضْمُونِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَمَفْعُولِهِ (نَفْسِهِ) أَيْ الْمَضْمُونِ لِلْمَضْمُونِ لَهُ فَيَبْرَأُ الْحَمِيلُ بِهِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَزَادَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ (إنْ أَمَرَهُ) أَيْ الضَّامِنُ الْمَضْمُونَ (بِهِ) أَيْ تَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ لِلْمَضْمُونِ لَهُ لِأَنَّهُ كَوَكِيلِهِ فَإِنْ سَلَّمَ نَفْسَهُ بِدُونِ أَمْرِهِ فَلَا يَبْرَأُ الضَّامِنُ بِهِ، وَلَوْ قَالَ سَلَّمْت نَفْسِي نِيَابَةً عَمَّنْ تَحَمَّلَ بِي كَمَا لَوْ سَلَّمَهُ أَجْنَبِيٌّ بِدُونِ أَمْرِ الضَّامِنِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا لَمْ يُرِدْ الطَّالِبُ قَبُولَهُ حَتَّى يُسَلِّمَهُ لَهُ الْحَمِيلُ وَلَوْ قَبْلَهُ بَرِئَ كَمَنْ دَفَعَ دَيْنًا عَنْ أَجْنَبِيٍّ لِلطَّالِبِ أَنْ لَا يَقْبَلَهُ إلَّا بِتَوْكِيلِ الْغَرِيمِ، وَلَهُ قَبُولُهُ فَيَبْرَأُ، زَادَ الصِّقِلِّيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ إنْ أَنْكَرَ الطَّالِبُ كَوْنَ الْحَمِيلِ أَمَرَهُ بِتَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ، فَإِنْ شَهِدَ بِهِ أَحَدٌ بَرِئَ الْحَمِيلُ.
وَفِي الشَّامِلِ لَوْ أَنْكَرَ الطَّالِبُ أَمْرَهُ لَهُ بَرِئَ إنْ شَهِدَ لَهُ بِهِ أَحَدٌ.
وَشَرْطُ بَرَاءَةِ الْحَمِيلِ بِتَسْلِيمِ الْمَضْمُونِ (إنْ حَلَّ الْحَقُّ) الْمَضْمُونُ بِهِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي إحْضَارِهِ قَبْلَ حُلُولِهِ قَالَهُ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ عج أَيْ عَلَى الْغَرِيمِ كَمَا فِي الشَّرْحِ، وَلَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا عَلَى الضَّامِنِ بِأَنْ أَخَّرَهُ وَحَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ تَأْخِيرَ الْغَرِيمِ، قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ ضَامِنَ الْوَجْهِ كَضَامِنِ الْمَالِ فِي هَذَا (وَ) بَرِئَ بِتَسْلِيمِهِ (بِغَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ) الْمَضْمُونُ لَهُ عَلَى الضَّامِنِ تَسْلِيمَهُ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَإِنْ اشْتَرَطَهُ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِتَسْلِيمِهِ بِهِ قَالَهُ فِي الْكَافِي، وَلَوْ أَحْضَرَهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَوَجَدَ الْمَضْمُونَ لَهُ غَائِبًا فَلَا يَبْرَأُ لِعَدَمِ التَّسْلِيمِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الضَّامِنُ سُقُوطَ الضَّمَانِ عَنْهُ بِإِحْضَارِهِ لَوْ لَمْ يَجِدْهُ وَلَا وَكِيلَهُ لَكِنَّهُ يُشْهِدُ عَلَى إحْضَارِهِ، وَيَبْرَأُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ بَقِيَ مَجْلِسُ الْحُكْمِ بِحَالِهِ أَوْ خَرِبَ وَلَمْ تَجْرِ فِيهِ الْأَحْكَامُ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَهُ تت عب فَإِنْ خَرِبَ وَانْتَقَلَ الْعُمْرَانُ لِغَيْرِهِ فَفَيْءُ بَرَاءَتِهِ بِإِحْضَارِهِ فِيمَا خَرِبَ وَعَدَمِهَا قَوْلَانِ مَبْنَاهُمَا مُرَاعَاةُ اللَّفْظِ أَوْ الْمَعْنَى ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(وَ) بَرِئَ بِتَسْلِيمِهِ لَهُ (بِغَيْرِ بَلَدِهِ) أَيْ الِاشْتِرَاطِ الْمَفْهُومِ مِنْ يَشْتَرِطُ (إنْ كَانَ بِهِ)
حَاكِمٌ وَلَوْ عَدِيمًا، وَإِلَّا أُغْرِمَ بَعْدَ خَفِيفِ تَلَوُّمٍ، إنْ قَرُبَتْ غَيْبَةُ غَرِيمِهِ: كَالْيَوْمِ
وَلَا يَسْقُطُ الْغُرْمُ بِإِحْضَارِهِ؛ إنْ حَكَمَ بِهِ،
[منح الجليل]
أَيْ بَلَدِ التَّسْلِيمِ (حَاكِمٌ) شَرْعِيٌّ يُخَلِّصُ الْحَقَّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاكِمٌ فَلَا يَبْرَأُ بِهِ، وَقِيلَ لَا يَبْرَأُ بِهِ حَكَاهُمَا عَبْدُ الْحَكَمِ الْمَازِرِيُّ وَهَذَا الْخِلَافُ يَجْرِي عِنْدِي عَلَى الْخِلَافِ فِي الشَّرْطِ الَّذِي لَا يُقَيَّدُ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَدْ يَكُونُ هَذَا الشَّرْطُ مُقَيَّدًا بِأَنْ كَانَ الْبَلَدُ الْمُشْتَرَطُ إحْضَارُهُ فِيهِ مَوْضِعَ سُكْنَى الْبَيِّنَةِ، أَوْ كَانَ الْحَقُّ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَلِلطَّالِبِ غَرَضٌ فِي أَخْذِهِ فِي مَحَلِّ الِاشْتِرَاطِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَلَوْ شَرَطَ إحْضَارَهُ بِبَلَدٍ فَأَحْضَرَهُ بِغَيْرِهِ حَيْثُ تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ، فَفِي بَرَاءَتِهِ بِإِحْضَارِهِ فِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَيُفْهَمُ مِمَّا ذَكَرَ بَرَاءَتَهُ بِالْأَحْرَى إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ إحْضَارَهُ بِبَلَدٍ مُعَيَّنٍ وَأَحْضَرَهُ فِي غَيْرِ بَلَدِ الضَّمَانِ مِمَّا يَأْخُذُهُ الْحُكْمُ فِيهِ وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا أَحْضَرَهُ بَرِئَ إنْ كَانَ مَلِيًّا بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (عَدِيمًا) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْجَهْمِ وَابْنِ اللَّبَّادِ لَا يَبْرَأُ بِإِحْضَارِهِ عَدِيمًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ الْحَمِيلُ بِوَجْهٍ مِمَّا تَقَدَّمَ (أُغْرِمَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الضَّامِنُ الْحَقَّ الْمَضْمُونَ فِيهِ (بَعْدَ خَفِيفِ) أَيْ يَسِيرِ (تَلَوُّمٍ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَضَمِّ الْوَاوِ مُشَدَّدَةً أَيْ تَأْخِيرٍ (إنْ قَرُبَتْ غَيْبَةُ غَرِيمِهِ) أَيْ مَضْمُونِ الضَّامِنِ (كَالْيَوْمِ) وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ يَوْمًا آخَرَ، فَإِنْ بَعُدَتْ أُغْرِمَ بِلَا تَلَوُّمٍ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ عَدَمُ التَّلَوُّمِ إذَا حَضَرَ الْغَرِيمُ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ التَّلَوُّمُ فِي حُضُورِهِ أَيْضًا.
فَلَوْ قَالَ إنْ حَضَرَ أَوْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ لَوَفَّى بِمَا فِيهَا وَالتَّلَوُّمُ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، وَلَوْ أَدَّاهُ إلَى أَمَدٍ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ الْخِيَارِ عَلَى الظَّاهِرِ
(وَ) إنْ حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ وَلَمْ يَحْضُرْ ضَامِنُ الْوَجْهِ الْمَضْمُونِ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ عَلَى ضَامِنٍ بِغُرْمِ مَا عَلَى الْمَضْمُونِ فَأَحْضَرَ الضَّامِنُ الْمَضْمُونَ فَ (لَا يَسْقُطُ) الْغُرْمُ عَنْ ضَامِنِ الْوَجْهِ (بِإِحْضَارِهِ) أَيْ الْمَضْمُونِ (إنْ) كَانَ (حُكِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ عَلَى الضَّامِنِ (بِهِ) أَيْ الْغُرْمِ قَبْلَ إحْضَارِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مَضَى.
فَإِنْ كَانَ دَفَعَ الْمَالَ ثُمَّ أَحْضَرَهُ مَضَى اتِّفَاقًا قَالَهُ
لَا إنْ أَثْبَتَ عَدَمَهُ، أَوْ مَوْتَهُ فِي غَيْبَتِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ بَلَدِهِ
[منح الجليل]
فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ يُخَيَّرُ الطَّالِبُ فِي إتْبَاعِ الْغَرِيمِ أَوْ الْحَمِيلِ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إنْ أَحْضَرَهُ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَالدَّعْوَى، وَقَبْلَ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الْغُرْمُ عَنْهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْحُكْمِ فَقِيلَ هُوَ إشْهَادُ الْحَاكِمِ عَلَى حُكْمِهِ بِالْغُرْمِ وَقِيلَ الْقَضَاءُ بِالْمَالِ وَدَفْعِهِ لِرَبِّهِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِيُسْرِ الْمَضْمُونِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا رُدَّ الْحُكْمُ بِالْغُرْمِ، وَرَجَعَ الضَّامِنُ بِمَا دَفَعَهُ لِقَوْلِهِ (لَا) يَغْرَمُ الضَّامِنُ (إنْ ثَبَتَ عُدْمُهُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ فَقْرُ الْمَضْمُونِ وَعَجْزُهُ عَنْ وَفَاءِ الدَّيْنِ الْمَضْمُونِ فِيهِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَلَوْ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَى الضَّامِنِ بِالْغُرْمِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ اللَّخْمِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ يَمِينَ الْمَدِينِ مَعَ الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِعُدْمِهِ اسْتِظْهَارٌ، وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْفَلَسِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ بِغُرْمِهِ وَلَوْ أَثْبَتَ عُدْمَهُ فِي غَيْبَتِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَتْمِيمٌ لِلنِّصَابِ وَرَجَعَ تت وَغَيْرُهُ مَا هُنَا
(أَوْ) أَيْ وَلَا يَغْرَمُ ضَامِنُ الْوَجْهِ إنْ أَثْبَتَ (مَوْتَهُ) أَيْ الْمَضْمُونِ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْغُرْمِ، فَإِنْ أَثْبَتَ مَوْتَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِهِ فَهُوَ حُكْمٌ مَضَى وَيَلْزَمُهُ الْغُرْمُ، فَإِنْ سَبَقَ الْحُكْمُ الْمَوْتَ لَزِمَ الْغُرْمُ، وَإِنْ سَبَقَ الْمَوْتُ الْحُكْمَ لَمْ يَلْزَمْ لِتَبَيُّنِ خَطَإِ الْحُكْمِ، وَقَوْلُهُ (فِي غَيْبَتِهِ) قَيْدٌ فِي ثُبُوتِ عُدْمِهِ فَقَطْ، وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ إثْبَاتِ عُدْمِهِ فِي حَالِ حُضُورِهِ مَعَ عَدَمِ إحْضَارِهِ لِلطَّالِبِ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْغُرْمُ عَنْ الْحَمِيلِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي إثْبَاتِ الْعُدْمِ مِنْ حَلِفِ مَنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِعُدْمِهِ إذَا حَضَرَ، بِخِلَافِ الْغَائِبِ فَيَثْبُتُ عُدْمُهُ بِمُجَرَّدِ الْبَيِّنَةِ وَيَسْقُطُ غُرْمُ ضَامِنِ الْوَجْهِ بِثُبُوتِ مَوْتِ الْمَضْمُونِ بِبَلَدِ الضَّمَانِ، بَلْ (وَلَوْ) مَاتَ (بِغَيْرِ بَلَدِهِ) أَيْ الضَّمَانِ لِذَهَابِ الذَّاتِ الْمَكْفُولَةِ.
أَشْهَبُ لَا أُبَالِي مَاتَ غَائِبًا أَوْ بِبَلَدِهِ فَيَبْرَأُ الْحَمِيلُ، هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْحَمَالَةَ تَسْقُطُ بِمَوْتِ الْمِدْيَانِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ مَاتَ بِبَلَدِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ مَاتَ بِغَيْرِ بَلَدِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ أَوْ قَبْلَهُ بِزَمَنٍ لَا يُمْكِنُ إحْضَارُهُ فِيهِ عِنْدَ الْأَجَلِ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي مَاتَ بِهِ أَنْ لَوْ كَانَ حَيًّا فَلَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِأَنَّ تَفْرِيطَهُ فِي
وَرَجَعَ بِهِ
وَبِالطَّلَبِ، وَإِنْ فِي قِصَاصٍ كَأَنَا حَمِيلٌ بِطَلَبِهِ، أَوْ اشْتَرَطَ نَفْيَ الْمَالِ، أَوْ قَالَ لَا أَضْمَنُ إلَّا وَجْهَهُ،
[منح الجليل]
الْغَرِيمِ حَتَّى خَرَجَ عَنْ الْبَلَدِ كَعَجْزِهِ عَنْ إحْضَارِهِ حَيًّا لِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَهُ مِنْ الْخُرُوجِ لِحِلِّ الْأَجَلِ وَهُوَ بِالْبَلَدِ وَتَمَكُّنِ الطَّالِبِ مِنْهُ وَإِلَّا سَقَطَ، وَصَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ هَذَا خِلَافُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ
(وَ) إنْ حَلَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَحْضُرْ ضَامِنُ الْوَجْهِ الْمَضْمُونِ وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِالْغُرْمِ وَغَرِمَ ثُمَّ أَثْبَتَ الضَّامِنُ مَوْتَ الْمَضْمُونِ أَوْ عُدْمَهُ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ (رَجَعَ) الضَّامِنُ الَّذِي حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْغُرْمِ وَغَرِمَ فَيَرْجِعُ (بِهِ) أَيْ مَا غَرِمَهُ إذَا أَثْبَتَ أَنَّ الْغَرِيمَ مَاتَ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ أَعْدَمَ حِينَ حَلَّ الْحَقُّ فَهُوَ رَاجِعٌ لِإِثْبَاتِ الْعُدْمِ وَالْمَوْتِ كَمَا فِي طخ.
وَأَمَّا إذَا غَرِمَ لِرَبِّ الدَّيْنِ فِي غَيْبَةِ الْغَرِيمِ بِلَا قَضَاءٍ ثُمَّ أَثْبَتَ مَوْتَهُ أَوْ عُدْمَهُ فَلَا يَرْجِعُ لِتَبَرُّعِهِ كَمَا فِي.
طخ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَوْ غَرِمَ الْحَمِيلُ ثُمَّ أَثْبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّ الْغَرِيمَ قَدْ مَاتَ فِي غَيْبَتِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ رَجَعَ الْحَمِيلُ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ بِمَا أَدَّى، لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ حِينَ طَلَبَ الْحَمِيلُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا تَقَعُ الْحَمَالَةُ بِالنَّفْسِ مَا كَانَ حَيًّا.
الْحَطّ وَانْظُرْ إذَا غَرِمَ ثُمَّ أَثْبَتَ أَنَّهُ كَانَ عَدِيمًا قَبْلَ الْقَضَاءِ هَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبُنَانِيُّ لَمْ أَجِدْ فِي طخ رُجُوعَهُ فِي إثْبَاتِ أَنَّهُ كَانَ عَدِيمًا قَبْلَ الْقَضَاءِ
(وَ) صَحَّ الضَّمَانُ (بِالطَّلَبِ) أَيْ التَّفْتِيشِ عَلَى الْمَضْمُونِ وَإِعْلَامِ الْمَضْمُونِ لَهُ بِمَحَلِّهِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ إنْ كَانَ فِي مَالٍ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (فِي) شَأْنِ (قِصَاصٍ) مِنْ نَفْسِهَا أَوْ دُونِهَا إذْ لَا يَلْزَمُ ضَامِنَ الطَّلَبِ إلَّا طَلَبُ الْمَضْمُونِ بِمَا يَقْوَى عَلَيْهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ حَمَالَةُ الطَّلَبِ لَا تُوجِبُ غُرْمَ مَالٍ، وَأَشَارَ لِصِيغَتِهِ بِقَوْلِهِ (كَ) قَوْلِ الضَّامِنِ (أَنَا حَمِيلٌ بِطَلَبِهِ) أَيْ الْمَضْمُونِ أَوْ عَلَى طَلَبِهِ أَوْ لَا أَضْمَنُ إلَّا طَلَبَهُ أَوْ عَلَى إحْضَارِهِ أَوْ الْتَزَمْت بِإِحْضَارِهِ أَوْ أَنَا مُطَالَبٌ بِطَلَبِهِ (أَوْ اشْتَرَطَ) الضَّامِنُ (فَفِي) أَيْ عَدَمِ ضَمَانِ (الْمَالِ) بِالتَّصْرِيحِ بِأَنْ قَالَ أَضْمَنُ وَجْهَهُ لَا الْمَالَ الَّذِي عَلَيْهِ (أَوْ قَالَ) الضَّامِنُ (لَا أَضْمَنُ إلَّا وَجْهَهُ) أَيْ الْمَضْمُونَ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَصِيغَتُهَا حَمِيلٌ بِطَلَبِهِ وَمُرَادِفُهُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهَا أَنَا حَمِيلُ الْوَجْهِ أَطْلُبُهُ، فَإِنْ لَمْ
وَطَلَبَهُ بِمَا يَقْوَى عَلَيْهِ، وَحَلَفَ مَا قَصَّرَ، وَغَرِمَ إنْ فَرَّطَ أَوْ هَرَّبَهُ، وَعُوقِبَ،
[منح الجليل]
أَجِدْهُ بَرِئْت مِنْ الْمَالِ.
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ قَائِلٌ لَا أَضْمَنُ إلَّا وَجْهَهُ لَا يَلْزَمُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنَا ضَامِنٌ لِوَجْهِهِ وَلَا أَضْمَنُ إلَّا وَجْهَهُ فِي ضَمَانِ الْوَجْهِ عَلَيْهِ وَمَنْ ضَمِنَ الْوَجْهَ ضَمِنَ الْمَالَ كَمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَسْلَفَنِي فُلَانٌ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَمَا أَسْلَفَنِي إلَّا أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ قَوْلُهُ إذَا كَانَ لِكَلَامِهِ بِسَاطٌ يَدُلُّ عَلَى إسْقَاطِ الْمَالِ مِثْلُ أَنْ يُقَالَ تَحَمَّلْ لَنَا بِوَجْهِ فُلَانٍ، فَإِنْ جِئْت بِهِ بَرِئْت مِنْ الْمَالِ فَيَقُولُ لَا أَضْمَنُ لَكُمْ إلَّا وَجْهَهُ وَشَبِيهُ ذَلِكَ اهـ.
(وَطَلَبَهُ) أَيْ ضَامِنُ الطَّلَبِ الْمَضْمُونِ وُجُوبًا (بِمَا) أَيْ شَيْءٍ أَوْ الشَّيْءِ الَّذِي (يَقْوَى) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالْوَاوِ وَسُكُونِ الْقَافِ، أَيْ يَقْدِرُ ضَامِنُ الطَّلَبِ (عَلَيْهِ) عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ سَوَاءٌ عَلِمَ مَوْضِعَهُ أَوْ جَهِلَهُ فِي الْبَلَدِ وَقُرْبَهُ.
وَقِيلَ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمَيْنِ.
وَقِيلَ وَإِنْ بَعُدَ مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ، وَقِيلَ عَلَى مَسَافَةِ نَحْوِ شَهْرٍ هَذَا عَلَى نَقْلِ اللَّخْمِيِّ، وَعَزَا ابْنُ رُشْدٍ لِلْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ طَلَبُهُ إنْ بَعُدَ أَوْ جَهِلَ مَوْضِعَهُ (وَحَلَفَ) حَمِيلُ الطَّلَبِ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَضْمُونَهُ وَكَذَّبَهُ الطَّالِبُ وَصِيغَةُ يَمِينِهِ أَنَّهُ (مَا قَصَّرَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا فِي الطَّلَبِ وَلَا دَلَّسَ وَأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ لَهُ مَحَلًّا.
(وَغَرِمَ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ حَمِيلُ الطَّلَبِ الْمَالَ الَّذِي عَلَى مَضْمُونِهِ (إنْ فَرَّطَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا حَمِيلُ الطَّلَبِ فِي مَضْمُونِهِ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ حَتَّى هَرَبَ وَلَمْ يَعْلَمْ مَوْضِعَهُ (أَوْ هَرَّبَهُ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ أَمَرَ الْحَمِيلُ الْمَضْمُونَ بِهُرُوبِهِ مِنْ الطَّالِبِ فَهَرَبَ وَلَمْ يَعْلَمْ مَحَلَّهُ (وَعُوقِبَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ أَيْ يُؤَدَّبُ حَمِيلُ الطَّلَبِ الَّذِي فَرَّطَ أَوْ هَرَّبَ بِمَا يَرَى السُّلْطَانُ بِاجْتِهَادِهِ مِنْ حَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ.
الْحَطُّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ جَمْعُ التَّغْرِيمِ وَالْعُقُوبَةِ، وَاَلَّذِي فِي الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يُحْبَسُ إذَا فَرَّطَ فِي الطَّلَبِ حَتَّى يَجْتَهِدَ فِيهِ.
وَأَمَّا إذَا ثَبَتَ تَفْرِيطُهُ فِيهِ بِأَنْ لَقِيَهُ وَتَرَكَهُ أَوْ غَيَّبَهُ وَهَرَّبَهُ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ الْمَالَ فَقَطْ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا عُقُوبَةً.
عج إذَا كَانَ الْمَضْمُونُ فِيهِ قِصَاصًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ بِتَفْرِيطِهِ يَضْمَنُ
وَحُمِلَ فِي مُطْلَقٍ: أَنَا حَمِيلٌ، وَزَعِيمٌ، وَأَذِينٌ، وَقَبِيلٌ، وَعِنْدِي وَإِلَيَّ وَشِبْهِهِ عَلَى الْمَالِ عَلَى الْأَرْجَحِ وَالْأَظْهَرِ
[منح الجليل]
دِيَةَ عَمْدٍ، وَلَكِنْ مُفَادُ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَاقَبَ اهـ. الْبُنَانِيُّ هَذَا قُصُورٌ، فَإِنَّ ابْنَ رُشْدٍ إنَّمَا قَالَ فِي ضَمَانِ الطَّلَبِ فِي الْقِصَاصِ أَنَّ الضَّامِنَ يَلْزَمُهُ طَلَبُ الْمَكْفُولِ، قَالَ وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ إذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسِ فِي قِصَاصٍ أَوْ جِرَاحٍ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَجِئْ بِهِ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ وَأَرْشُ الْجِرَاحَةِ، وَكَانَتْ لَهُ فِي مَالِ الْجَانِي إذْ لَا قِصَاصَ عَلَى الْكَفِيلِ.
اهـ. فَأَنْتَ تَرَاهُ إنَّمَا عَزَا لُزُومَ الدِّيَةِ لِعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الْمَذْهَبِ.
وَفِي التَّنْبِيهَاتِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ إلَّا عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فَأَلْزَمَهُ دِيَةَ النَّفْسِ فِي الْقَتْلِ وَأَرْشَ الْجِرَاحَاتِ وَلِأَصْبَغَ فِي الْفَاسِقِ الْمُتَعَسِّفِ عَلَى النَّاسِ بِالْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ فَيُؤْخَذُ وَيُعْطَى حَمِيلًا بِمَا عَلَيْهِ مِنْ قَتْلٍ، وَأَخْذِ مَالٍ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ الْحَمِيلُ بِمَا يُؤْخَذُ بِهِ الْفَاسِقُ إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ.
فَضْلُ بْنُ مَسْلَمَةَ هَلْ أَرَادَ يُؤْخَذُ بِالْمَالِ خَاصَّةً أَوْ بِهِ وَبِالدِّيَةِ فِي الْقَتْلِ.
عِيَاضٌ وَهُوَ عَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي مُوَافِقٌ لِعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ اهـ. تت تَكْمِيلٌ بَقِيَ نَوْعٌ مِنْ الضَّمَانِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَسَمَّاهُ ضَمَانَ الدَّرْكِ، فَقَالَ وَمَنْ تَكَفَّلَ لِرَجُلٍ بِمَا أَدْرَكَهُ مِنْ دَرْكٍ فِي جَارِيَةٍ ابْتَاعَهَا مِنْ رَجُلٍ أَوْ دَارٍ أَوْ غَيْرِهِمَا جَازَ ذَلِكَ وَلَزِمَهُ الثَّمَنُ حِينَ الدَّرْكِ فِي غَيْبَةِ الْبَائِعِ وَعُدْمِهِ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ فَانْظُرْهُ.
(وَحُمِلَ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الضَّمَانُ (فِي مُطْلَقِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ قَوْلِ الضَّامِنِ أَيْ عَنْ التَّقْيِيدِ بِالْمَالِ وَالْوَجْهِ وَالطَّلَبِ (أَنَا حَمِيلٌ أَوْ) أَنَا (زَعِيمٌ أَوْ) أَنَا (أَذِينٌ) بِفَتْحِ أَوَّلِهَا وَكَسْرِ ثَانِيهَا وَإِعْجَامِ الذَّالِ (وَ) أَنَا (قَبِيلٌ) كَذَلِكَ (وَعِنْدِي وَإِلَيَّ) بِشَدِّ الْيَاءِ (وَشَبَهِهِ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ الصِّيَغِ.
كَعَلَيَّ بِشَدِّ الْيَاءِ وَصَبِيرٍ وَكَوَيْنَ بِالنُّونِ مِنْ كُنْت لَهُ بِكَذَا، وَكَفِيلٌ وَضَامِنٌ وَغُرَيْرٌ بِمُعْجَمَةٍ فَرَاءَيْنَ مُهْمَلَيْنِ بَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٌ.
عِيَاضٌ وَكُلُّهَا مِنْ الْحِفْظِ وَالْحِيَاطَةِ، وَصْلَةٌ حُمِلَ (عَلَى) ضَمَانِ (الْمَالِ عَلَى الْأَرْجَحِ) عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ لِقَوْلِهِ هُوَ الصَّوَابُ (وَ) عَلَى (الْأَظْهَرِ) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ لِقَوْلِهِ هُوَ الْأَصَحُّ.
ابْنُ عَرَفَةَ الصِّيغَةُ مَا دَلَّ عَلَى الْحَقِيقَةِ عُرْفًا فِيهَا مَنْ قَالَ أَنَا حَمِيلٌ بِفُلَانٍ أَوْ زَعِيمٌ أَوْ
لَا إنْ اخْتَلَفَا، وَلَمْ يَجِبْ وَكِيلٌ لِلْخُصُومَةِ
وَلَا كَفِيلٌ بِالْوَجْهِ
[منح الجليل]
كَفِيلٌ أَوْ ضَامِنٌ أَوْ قَبِيلٌ أَوْ هُوَ لَك عِنْدِي أَوْ عَلَيَّ أَوْ إلَيَّ أَوْ قِبَلِي فَهِيَ حَمَالَةٌ لَازِمَةٌ إنْ أَرَادَ الْوَجْهَ، وَإِنْ أَرَادَ الْمَالَ لَزِمَهُ.
عِيَاضٌ وَمِثْلُهَا قَبِيلٌ وَأَذِينٌ وَعَوِينٌ وَصَبِيرٌ وَكَوِينٌ، وَفِي حَمْلِ لَفْظِهَا الْمُبْهَمِ الْعُرْيُ عَنْ بَيَانِ لَفْظٍ أَوْ قَرِينَةٍ عَلَى الْمَالِ أَوْ النَّفْسِ نَقْلًا عِيَاضٍ عَنْ شُيُوخِنَا.
ابْنِ رُشْدٍ الْأَصَحُّ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحَمِيلُ غَارِمٌ» . وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مُطْلَقٌ عَمَّا لَوْ قَيَّدَ بِالْمَالِ أَوْ الْوَجْهِ أَوْ الطَّلَبِ فَيَلْزَمُهُ مَا قَيَّدَ بِهِ بِلَفْظٍ أَوْ قَرِينَةٍ.
فِي التَّوْضِيحِ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ هُنَا عَلَى الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا أَهْلُ الْعُرْفِ فِي الضَّمَانِ اهـ.
وَتَلَخَّصَ مِنْ مَنْطُوقِ كَلَامِهِ وَمَفْهُومِهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ الْأَوَّلُ: عَرْوُ الصِّيغَةِ عَنْ التَّقْيِيدِ بِالْمَالِ وَالْوَجْهِ لَفْظًا وَنِيَّةً، وَهَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ وَالتَّرْجِيحِ.
وَالثَّانِي.
تَقْيِيدُهَا بِأَحَدِهِمَا لَفْظًا وَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِ مَا قَيَّدَ بِهِ.
وَالثَّالِثُ: تَقْيِيدُهَا نِيَّةً وَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِهِ أَيْضًا كَمَا فِي نَصِّهَا السَّابِقِ وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَقَدْ تَعَقَّبَ الْبِسَاطِيُّ الْمُصَنِّفَ بِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(لَا) تُحْمَلُ صِيغَةُ الضَّمَانِ عَلَى ضَمَانِ الْمَالِ (إنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الضَّامِنُ وَالْمَضْمُونُ لَهُ بِأَنْ قَالَ الضَّامِنُ إنَّمَا ضَمِنْت الْوَجْهَ وَقَالَ الْمَضْمُونُ لَهُ بَلْ ضَمِنْت الْمَالَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الضَّامِنِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحِ.
وَقَالَ الْبِسَاطَيْ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ أَنَّهُ بَحْثٌ لِقَوْلِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْحَمِيلِ (وَ) إنْ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ بِحَقٍّ وَأَنْكَرَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَطَلَبَ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَوْكِيلَ ثِقَةٍ حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَتِهِ الْغَائِبَةِ خَائِفًا مِنْ هُرُوبِهِ (لَمْ) الْأُولَى لَا (يَجِبْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُنْكِرِ وَادَّعَى الْمُدَّعِي غَيْبَةَ بَيِّنَتِهِ وَطَلَبَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَوْكِيلَ ثِقَةٍ مَأْمُونٍ خَوْفًا مِنْ هُرُوبِهِ إذَا حَضَرَتْ بَيِّنَتُهُ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَكِيلٌ) أَيْ تَوْكِيلُهُ (لِلْخُصُومَةِ) عَنْهُ إذَا حَضَرَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى وَغَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الشَّهَادَاتِ اخْتِلَافَ الشُّيُوخِ فِي فَهْمِ نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
(وَلَا) يَجِبُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُنْكِرِ (كَفِيلٌ بِالْوَجْهِ) لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِ) سَبَبٍ مُجَرَّدِ
بِالدَّعْوَى، إلَّا بِشَاهِدٍ
وَإِنْ ادَّعَى بَيِّنَةً بِكَالسُّوقِ أَوْقَفَهُ الْقَاضِي عِنْدَهُ.
[منح الجليل]
الدَّعْوَى) صِلَةُ يَجِبْ الْمَنْفِيُّ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ أَنَّ الْعَمَلَ جَرَى بِإِلْزَامِ الْمَطْلُوبِ بِحَمِيلٍ، وَجْهٌ بِالدَّعْوَى سَوَاءٌ ادَّعَى الطَّالِبُ قُرْبَ بَيِّنَتِهِ أَوْ بُعْدَهَا.
بُنَانِيٌّ (إلَّا بِ) شَهَادَةِ (شَاهِدٍ) وَاحِدٍ وَزَعَمَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَهُ شَاهِدٌ آخَرُ وَطَلَبَ الْإِمْهَالَ لِإِحْضَارِهِ وَقَالَ أَخَافُ هُرُوبَ الْمَطْلُوبِ فَلْيَأْتِ بِوَكِيلٍ أَوْ كَفِيلٍ بِوَجْهِهِ فَيَلْزَمُهُ لِتَقْوَى دَعْوَاهُ بِالشَّاهِدِ وَسَيَأْتِي آخَرَ الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ يَجِبُ كَفِيلٌ بِالْمَالِ مَعَ الشَّاهِدِ قَالَهُ تت.
الْحَطّ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ لِلْكَفِيلِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَفَالَةِ الْمُدَوَّنَةِ.
وَفِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْهَا خِلَافُ هَذَا وَأَنَّهُ يَجِبُ لِلْكَفِيلِ بِالْوَجْهِ وَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِشَاهِدٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ كَلَامَهَا فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ، وَكَلَامُ الشُّيُوخِ عَلَيْهِ فِي كَوْنِهِ وِفَاقًا أَوْ خِلَافًا.
الْبُنَانِيُّ مَذْهَبُ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَعَ الشَّاهِدِ إلَّا حَمِيلٌ بِالْوَجْهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَجِبُ حَمِيلٌ بِالْمَالِ ذَكَرَ الْخِلَافَ ابْنُ هِشَامٍ فِي الْمُفِيدِ، وَقَالَ مَذْهَبُ سَحْنُونٍ هُوَ الَّذِي بِهِ الْعَمَلُ فَيَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ خِلَافُ مَا فِي التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِنْ ادَّعَى) شَخْصٌ عَلَى آخَرَ بِحَقٍّ فَأَنْكَرَهُ وَطَلَبَ الْقَاضِي مِنْ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ فَأَجَابَهُ الطَّالِبُ بِأَنَّ لَهُ (بَيِّنَةً) عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُنْكِرِ (بِكَالسُّوقِ) وَجَانِبِ الْبَلَدِ الْآخَرِ وَالْمَكَانِ الْآخَرِ وَبَعْضِ الْقَبَائِلِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ (وَقَفَهُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (الْقَاضِي عِنْدَهُ) مِقْدَارَ مَا يَأْتِي بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا خَلَّى سَبِيلَهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(بَابٌ) الشَّرِكَةُ: إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسِهِمَا
[منح الجليل]
[بَابٌ الشَّرِكَةِ]
(الشَّرِكَةُ) بِفَتْحِ الشِّينِ مَعَ سُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَبِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَالْأُولَى أَفْصَحُهَا وَهِيَ لُغَةً الِاخْتِلَاطُ وَالِامْتِزَاجُ، وَشَرْعًا (إذْنٌ) مِنْ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا) أَيْ الْآذِنَيْنِ فِي مَالِهِمَا أَوْ بِبَدَنِهِمَا أَوْ عَلَى ذِمَّتَيْهِمَا (مَعَ) بَقَاءِ تَصَرُّفِ (أَنْفُسِهِمَا) لَهُمَا فِيهِمَا، أَيْ أَنْ يَأْذَنَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَوْ مِنْهُمْ لِلْآخَرِ فِي أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَجْمُوعٍ مِنْ مَالِهِمَا أَوْ بِبَدَنِهِمَا أَوْ عَلَى ذِمَمِهِمَا وَمَا يَنْشَأُ عَنْ تَصَرُّفِهِمَا مِنْ الرِّبْحِ لَهُمَا وَالْخُسْرِ عَلَيْهِمَا، فَقَوْلُهُ: إذْنٌ جِنْسٌ شَمِلَ الشَّرِكَةَ وَغَيْرَهَا وَقَوْلُهُ فِي التَّصَرُّفِ فَصْلٌ مُخْرِجٌ الْإِذْنَ فِي غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ لَهُمَا صِلَةُ التَّصَرُّفِ فَصْلٌ ثَانٍ مُخْرِجٌ تَوْكِيلَ كُلٍّ مِنْ شَخْصَيْنِ الْآخَرَ عَلَى التَّصَرُّفِ لَهُ فِي مَالِهِ، وَقَوْلُهُ مَعَ أَنْفُسِهِمَا فَصْلٌ ثَالِثٌ مُخْرِجٌ دَفْعَ كُلٍّ مِنْ شَخْصَيْنِ مَالًا لِلْآخَرِ لِيَتَّجِرَ فِيهِ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الشَّرِكَةُ الْأَعَمِّيَّةُ تَقَرُّرُ مُتَمَوَّلٍ بَيْنَ مَالِكَيْنِ فَأَكْثَرَ مِلْكًا فَقَطْ، وَالْأَخَصِّيَّةُ بَيْعُ مَالِكٍ كُلَّ بَعْضِهِ بِبَعْضِ كُلِّ الْآخَرِ يُوجِبُ صِحَّةَ تَصَرُّفِهِ فِي الْجَمِيعِ فَيَدْخُلُ فِي الْأُولَى شَرِكَةُ الْإِرْثِ وَالْغَنِيمَةِ لَا شَرِكَةُ التَّجْرِ، وَهُمَا فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْعَكْسِ، وَشَرِكَةُ الْأَبْدَانِ وَالْحَرْثِ بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ فِي الثَّانِيَةِ وَنِيَّةِ عِوَضِهِ فِي الْأُولَى، وَقَدْ يَتَبَايَنَانِ فِي الْحُكْمِ، فَشَرِكَةُ الشَّرِيكِ بِالْأُولَى جَائِزَةٌ، وَبِالثَّانِيَةِ مَمْنُوعَةٌ فِيهَا لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُفَاوِضَ شَرِيكًا دُونَ إذْنِ شَرِيكِهِ، وَلَهُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا دُونَ إذْنِهِ.
وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسِهِمَا قَبِلُوهُ، وَيَبْطُلُ طَرْدُهُ بِقَوْلِ مَالِكِ شَيْءٍ لِآخَرَ أَذِنْت لَك فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ مَعِي، وَقَوْلِ الْآخَرِ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ شَرِكَةً إذْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
لَوْ هَلَكَ مِلْكُ أَحَدِهِمَا لَمْ يَضْمَنْهُ الْآخَرُ وَهُوَ لَازِمُ الشَّرِكَةِ، وَنَفْيُ اللَّازِمِ يَنْفِي الْمَلْزُومَ وَعَكْسُهُ بِخُرُوجِ شَرِكَةِ الْجَبْرِ كَالْوَرَثَةِ وَشَرِكَةِ الْمُبْتَاعَيْنِ شَيْئًا بَيْنَهُمَا، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا إذْ لَا إذْنَ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا، وَلِذَا اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِ تَصَرُّفِ أَحَدِهِمَا كَغَاصِبٍ أَمْ لَا، سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لِأَحَدِ مَالِكَيْ عَبْدٍ ضَرْبُهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ وَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهُ إلَّا فِي ضَرْبٍ لَا يَتْلَفُ فِي مِثْلِهِ أَوْ ضَرْبِ أَدَبٍ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ يَضْمَنُهُ مُطْلَقًا وَلَوْ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ كَأَجْنَبِيٍّ.
ابْنُ رُشْدٍ رَأْيُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - شَرِكَتُهُ شُبْهَةٌ تُسْقِطُ الضَّمَانَ فِي ضَرْبِ الْأَدَبِ، وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ سَحْنُونٍ لِأَنَّ تَرْكَ ضَرْبِهِ أَدَبًا يُفْسِدُهُ وَعَلَيْهِ زَرْعُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَبِنَاؤُهُ فِي أَرْضٍ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فِي كَوْنِهِ كَغَاصِبٍ يُقْلَعُ زَرْعُهُ وَبِنَاؤُهُ أَوْ لَا لِشَبَهِ الشَّرِكَةِ فَلَهُ الزَّرْعُ، وَإِنْ لَمْ يُفْتِ إلَّا بَانٍ وَعَلَيْهِ الْكِرَاءُ لِنِصْفِ شَرِيكِهِ وَلَهُ قِيمَةُ بِنَائِهِ قَائِمًا وَعَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي إيلَادِ الْعَبْدِ أَمَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُرٍّ نِصْفُ قِيمَتِهَا جِنَايَةً فِي رَقَبَتِهِ، وَقَوْلُ سَحْنُونٍ هُوَ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِمَا نَقَصَ ثَمَنُهَا عَنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا اهـ.
وَأُجِيبَ عَنْ إبْطَالِ الطَّرْدِ بِتَعْلِيقٍ لَهُمَا بِالتَّصَرُّفِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَنْ إبْطَالِ الْعَكْسِ بِأَنَّ سِيَاقَ ابْنِ الْحَاجِبِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ حَدُّ شَرِكَةِ التَّجْرِ، وَأَنَّهَا الْمَعْقُودُ لَهَا الْبَابُ، وَذِكْرُ غَيْرِهَا فِيهِ اسْتِطْرَادٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَطّ اُنْظُرْ مَا مَعْنَى تَسْمِيَةُ الْأُولَى أَعَمِّيَّةً مَعَ خُرُوجِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الشَّرِكَةِ عَنْهَا بِمَا ذَكَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، قُلْت إذَا حَذَفَ قَوْلَهُ فَقَطْ ظَهَرَتْ الْأَعَمِّيَّةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّصَّاعُ فِي اسْتِثْنَائِهِ شَرِكَةَ التَّجْرِ نَظَرٌ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْأَعَمِّ صِدْقُهُ عَلَى الْأَخَصِّ، فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِيهِ وَإِلَّا انْتَفَى عُمُومُهُ، فَالْأَوْلَى حَذْفُ مِلْكًا فَقَطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَحُكْمُهَا الْجَوَازُ كَجُزْأَيْهَا الْبَيْعِ وَالْوَكَالَةِ وَعُرُوضُ وُجُوبِهَا بَعِيدٌ، بِخِلَافِ عُرُوضِ مُوجِبِ حُرْمَتِهَا وَكَرَاهَتِهَا، وَدَلِيلُهَا الْإِجْمَاعُ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُد بِسَنَدِهِ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْت مِنْ بَيْنِهِمْ» ، ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ، وَصَحَّحَهُ بِسُكُوتِهِ عَنْهُ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَفِيهِ خَرَجْت مِنْ بَيْنِهِمَا.
وَإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ
[منح الجليل]
ابْنُ شَاسٍ وَأَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ، الْأَوَّلُ: الْعَاقِدَانِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْأَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلُ وَالتَّوَكُّلُ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَصَرِّفٌ لِصَاحِبِهِ بِإِذْنِهِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ وَالْمُصَنِّفُ فَقَالَ (وَإِنَّمَا تَصِحُّ) الشَّرِكَةُ (مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ) لِغَيْرِهِ عَنْ نَفْسِهِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ (وَ) أَهْلِ (التَّوَكُّلِ) عَنْ غَيْرِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمُوَكِّلِ، وَأَهْلُهُمَا الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الْحُرُّ الرَّشِيدُ الْمُسْلِمُ غَيْرُ الْعَدُوِّ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَتَبِعُوا كُلُّهُمْ وَجِيزَ الْغَزَالِيِّ وَيَرُدُّ بِوُجُوبِ زِيَادَةِ وَأَهْلِ الْبَيْعِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَبَاعَ لِصَاحِبِهِ بَعْضَ مَالِهِ وَلَا يَسْتَلْزِمُهَا أَهْلِيَّةُ الْوَكَالَةِ لِجَوَازِ تَوْكِيلِ الْأَعْمَى اتِّفَاقًا وَتَوَكُّلِهِ، وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ اهـ. وَذَكَرَهُ " غ " كَالْمُنَكِّتِ بِهِ عَلَى الْمُصَنِّفِ.
الْحَطّ لَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ أَهْلِيَّةِ الْبَيْعِ لِأَنَّ بَيْعَ الْأَعْمَى جَائِزٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْمُصَنِّفُ إنَّمَا فَرَّعَ عَلَيْهِ، نَعَمْ لَوْ اقْتَصَرُوا عَلَى أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ فَقَالُوا مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ أَوْ أَهْلِ التَّوَكُّلِ لَكَفَى إذْ مَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ جَازَ تَوْكِيلُهُ وَجَازَ كَوْنُهُ وَكِيلًا إلَّا لِمَانِعٍ، وَمَسَائِلُ الْمَذْهَبِ وَاضِحَةٌ بِهِ.
فَإِنْ قُلْت قَدْ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ التَّوْكِيلُ وَلَا يَجُوزُ تَوَكُّلُهُ كَالذِّمِّيِّ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ وَلَا يَجُوزُ تَوَكُّلُهُ عَنْ مُسْلِمٍ، وَكَالْعَدُوِّ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ عَلَى عَدُوِّهِ كَمَا أَشَارَ إلَى هَذَا ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ لِقَوْلِهِمَا إلَّا لِمَانِعٍ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ إخْرَاجَ ذَلِكَ مِنْ الشَّرِكَةِ أَيْضًا.
قُلْت أَمَّا أَوَّلًا فَعَلَى تَسْلِيمِهِ، فَكَانَ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَقْتَصِرُوا عَلَى قَوْلِهِمْ مِنْ أَهْلِ التَّوَكُّلِ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَهْلِيَّةَ التَّوْكِيلِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الذِّمِّيَّ وَالْعَدُوَّ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّوَكُّلِ لِأَنَّ تَوَكُّلَهُمَا إنَّمَا امْتَنَعَ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الْأَشْخَاصِ فَقَطْ، وَأَيْضًا فَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ جَوَازُ مُشَارَكَةِ الْعَدُوِّ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ صِحَّةُ مُشَارَكَةِ الذِّمِّيِّ وَإِنْ لَمْ تَصْلُحْ ابْتِدَاءً، قَالَ فِيهَا فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ وَلَا يَصْلُحُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُشَارِكَ ذِمِّيًّا إلَّا أَنْ لَا يَغِيبَ الذِّمِّيُّ عَلَى بَيْعٍ وَلَا شِرَاءٍ وَلَا قَضَاءٍ وَلَا اقْتِضَاءٍ إلَّا بِحَضْرَةِ الْمُسْلِمِ.
ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ فَإِنْ وَقَعَ اُسْتُحِبَّ صَدَقَتُهُ بِرِبْحِهِ إنْ شَكَّ فِي عَمَلِهِ بِالرِّبَا، وَبِجَمِيعِ
وَلَزِمَتْ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا: كَاشْتَرَكْنَا
[منح الجليل]
مَالِهِ إنْ شَكَّ فِي عَمَلِهِ بِهِ فِي خَمْرٍ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
اهـ. وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ مُشَارَكَةِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يُحَافِظُ عَلَى دِينِهِ فِي التَّصَدُّقِ بِالرِّبْحِ كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ فَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ شَرِكَةَ الذِّمِّيِّ إذَا لَمْ يَغِبْ صَحِيحَةٌ، بَلْ وَجَائِزَةٌ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ وَكُرِهَتْ مُشَارَكَةُ ذِمِّيٍّ وَمُتَّهَمٍ فِي دِينِهِ إنْ تَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، وَإِلَّا جَازَتْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاقْتَضَى كَلَامُ الْمُصَنِّفِ صِحَّةَ مُشَارَكَةِ النِّسَاءِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ وَبَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الرِّجَالِ.
اللَّخْمِيُّ يُرِيدُ إنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً أَوْ شَابَّةً وَلَا تُبَاشِرُهُ فِي التِّجَارَةِ لِأَنَّ كَثْرَةَ مُحَادَثَةِ الشَّابَّةِ الرَّجُلَ يُخْشَى مِنْهَا الْفِتْنَةُ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ فَلَا بَأْسَ.
ابْنُ عَرَفَةَ يُرِيدُ وَاسِطَةً مَأْمُونَةً.
ابْنُ الْهِنْدِيِّ إنَّمَا تَجُوزُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إذَا كَانَا صَالِحَيْنِ مَشْهُورَيْنِ بِالْخَيْرِ وَالدِّينِ وَالْفَضْلِ وَإِلَّا فَلَا.
أَبُو الْحَسَنِ أَوْ مَعَ ذِي مُحْرِمٍ.
وَفِيهَا تَجُوزُ شَرِكَةُ الْعَبِيدِ الْمَأْذُونِ لَهُمْ فِي التِّجَارَةِ.
اللَّخْمِيُّ إنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَوَلِيَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، فَلَا يَضْمَنُ وَضِيعَةَ الْمَالِ وَلَا تَلَفَهُ، وَكَذَا إنْ وَلِيَا مَعًا الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَوَزَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مَنَابَهُ وَأَغْلَقَا عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَنْفَرِدْ الْحُرُّ بِهِمَا، وَإِنْ انْفَرَدَ بِتَوَلِّي ذَلِكَ ضَمِنَ رَأْسَ الْمَالِ إنْ هَلَكَ أَوْ خَسِرَ.
اهـ. فَإِنْ كَانَا عَبْدَيْنِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ تَوَلَّى ذَلِكَ مِنْهُمَا وَلَا يَضْمَنُ الْعَبْدُ مَالَ الْحُرِّ إنْ ضَاعَ.
وَأَشَارَ لِلرُّكْنِ الثَّانِي وَهِيَ الصِّيغَةُ بِقَوْلِهِ (وَلَزِمَتْ) الشَّرِكَةُ (بِمَا يَدُلُّ) عَلَيْهَا (عُرْفًا) مِنْ قَوْلٍ (كَاشْتَرَكْنَا) وَتَعَامَلْنَا فِي هَذَا الْمَالِ عَلَى كَذَا وَنَحْوِهِ، أَوْ فِعْلٍ كَخَلْطِ الْمَالَيْنِ وَالْعَمَلِ فِيهِمَا وَشَمِلَ مَا يَدُلُّ عُرْفًا الْإِشَارَةَ الْمُفْهِمَةَ شُهِرَ هَذَا فِي الْمُعِينِ.
وَقِيلَ جَائِزَةٌ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْخَلْطِ.
الْبُنَانِيُّ لُزُومُهَا بِالْقَوْلِ هُوَ الَّذِي لِابْنِ يُونُسَ وَعِيَاضٍ، وَنَصُّهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ الشَّرِكَةُ عَقْدٌ يَلْزَمُ بِالْقَوْلِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالْمُعَاوَضَاتِ وَهِيَ رُخْصَةٌ فِي بَابِهَا الَّذِي يَخْتَصُّ بِهَا، هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ، وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْخَلْطِ اهـ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُعِينِ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ عَبْدِ الرَّفِيعِ فِي لُزُومِهَا بِالْقَوْلِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَذْهَبُ لُزُومُ شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ
بِذَهَبَيْنِ أَوْ وَرِقَيْنِ اتَّفَقَ صَرْفُهُمَا
[منح الجليل]
بِالْعَقْدِ دُونَ الشُّرُوعِ اهـ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ هِيَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْهَا مَتَى شَاءَ وَنَحْوُهُ اللَّخْمِيُّ.
خَلِيلٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمْ وَمُرَادُ ابْنِ يُونُسَ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ الضَّمَانِ، أَيْ إذَا هَلَكَ شَيْءٌ بَعْدَ الْعَقْدِ فَضَمَانُهُ مِنْهُمَا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِالْخَلْطِ اهـ. الْحَطّ الظَّاهِرُ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ.
اهـ. وَوَفَّقَ الْعَوْفِيُّ تَوْفِيقًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ اللُّزُومَ بِالْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ بَيْعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْضَ مَالِهِ الْآخَرَ، وَعَدَمِ اللُّزُومِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَصِلَ مَتَى شَاءَ كَمَا هُوَ صَرِيحُ ابْنِ رُشْدٍ وَإِذَا تَفَاصَلَا اقْتَسَمَا مَا صَارَ بَيْنَهُمَا لَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَرْجِعُ فِي عَيْنِ شَيْئِهِ، فَإِذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا عَيْنًا وَالْآخَرُ عَرْضًا فَالشَّرِكَةُ لَزِمَتْهُمَا بِالْعَقْدِ، فَإِنْ انْفَصَلَا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الْعَيْنِ وَنِصْفُ الْعَرْضِ.
وَأَشَارَ لِلرُّكْنِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْمَالُ الَّذِي يُشْتَرَكُ بِهِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِالْمَحِلِّ فَقَالَ وَمَحِلُّهَا الْمَالُ وَالْعَمَلُ بِقَوْلِهِ تَصِحُّ (بِذَهَبَيْنِ) مِنْ الشَّرِيكَيْنِ (أَوْ) ب (وَرِقَيْنِ) مِنْهُمَا بِكَسْرِ الرَّاءِ إنْ (اتَّفَقَ صَرْفُهُمَا) أَيْ الذَّهَبَيْنِ أَوْ الْوَرِقَيْنِ وَوَزْنُهُمَا وَيُغْتَفَرُ الْفَضْلُ الْيَسِيرُ فِي الْوَزْنِ، سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ سِكَّتُهُمَا أَوْ اخْتَلَفَتْ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا دَنَانِيرَ هَاشِمِيَّةٍ وَأَخْرَجَ الْآخَرُ مِثْلَ وَزْنِهَا دَنَانِيرَ دِمَشْقِيَّةٍ أَوْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ يَزِيدِيَّةٍ وَالْآخَرُ وَزْنَهَا مُحَمَّدِيَّةٍ وَصَرْفُهُمَا مُخْتَلِفٌ لَمْ يَجُزْ إلَّا فِي الِاخْتِلَافِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا بَالَ لَهُ فَيُجَوِّزُوهُمَا فِيمَا كَثُرَ كَتَفَاضُلِ الْمَالَيْنِ، وَلَوْ جَعَلَا الرِّبْحَ وَالْعَمَلَ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ فَضْلِ مَا بَيْنَ السِّكَّتَيْنِ لَمْ يَجُزْ إذْ صَرَفَاهُمَا إلَى الْقِيَمِ وَحُكْمُهُمَا الْوَزْنُ فِي الْبَيْعِ وَالشَّرِكَةِ.
أَبُو الْحَسَنِ صُورَةُ الْقِيمَةِ أَنْ يُقَالَ مَا قِيمَةُ الْمُحَمَّدِيَّةِ، فَيُقَالُ عَشَرَةٌ، وَمَا قِيمَةُ الْيَزِيدِيَّةِ فَيُقَالُ خَمْسَةٌ، فَيَشْتَرِكَانِ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ فَيَلْزَمُ التَّفَاضُلُ.
ابْنُ الْمَوَّازِ فَإِنْ نَزَلَ أَخَذَ كُلٌّ مِثْلَ رَأْسِ مَالِهِ مِنْ سِكَّتِهِ وَمِنْ الرِّبْحِ بِقَدْرِ وَزْنِ رَأْسِ مَالِهِ لَا عَلَى فَضْلِ مَا بَيْنَ السِّكَّتَيْنِ، وَقَالَهُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ". بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ لَعَلَّ مُحَمَّدًا أَرَادَ إذَا لَمْ تَخْتَلِفْ سُوقُ السِّكَّتَيْنِ مِنْ الشَّرِكَةِ إلَى الْقِسْمَةِ فَإِنْ اخْتَلَفَتْ فَيَظْلِمُ الَّذِي زَادَ سُوقُ سِكَّتِهِ صَاحِبَهُ إذَا أَخَذَ مِثْلَ رَأْسِ
وَبِهِمَا مِنْهُمَا، وَبِعَيْنٍ: وَبِعَرْضٍ، وَبِعَرْضَيْنِ مُطْلَقًا
وَكُلٌّ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ أُحْضِرَ، لَا فَاتَ، إنْ صَحَّتْ
[منح الجليل]
مَالِهِ وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِمَّا دَفَعَ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ اتَّفَقَتْ السِّكَّتَانِ فِي الصَّرْفِ يَوْمَ الشَّرِكَةِ جَازَتْ، فَإِنْ افْتَرَقَا وَقَدْ حَالَّ الصَّرْفُ فَلَا يُنْظَرُ إلَيْهِ وَيَقْتَسِمَانِ مَا بِأَيْدِيهِمَا عَرْضًا كَانَ أَوْ طَعَامًا أَوْ عَيْنًا أَفَادَهُ الْحَطّ.
(وَ) تَصِحُّ الشَّرِكَةُ (بِهِمَا) أَيْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ مَعًا (مِنْهُمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ بِأَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا ذَهَبًا وَوَرِقًا وَالْآخَرُ مِثْلَهُمَا اتِّفَاقًا بِشَرْطِ اسْتِوَاءِ الذَّهَبَيْنِ وَالْوَرِقَيْنِ فِي الْوَزْنِ وَالصَّرْفِ (وَ) تَصِحُّ (بِعَيْنٍ) أَيْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ بِهِمَا مِنْ أَحَدِهِمَا (وَبِعَرْضٍ) مِنْ الْآخَرِ، وَأَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الطَّعَامَ (وَ) تَصِحُّ (بِعَرْضَيْنِ) غَيْرِ طَعَامَيْنِ مِنْ كُلِّ شَرِيكٍ عَرْضٌ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِاتِّحَادِ جِنْسِهِمَا فَتَجُوزُ بِعَرْضَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَصُوفٍ وَحَرِيرٍ، وَشَمِلَ عَرْضًا مِنْ أَحَدِهِمَا وَطَعَامًا مِنْ الْآخَرِ.
فَفِي الْمُدَوَّنَةِ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِطَعَامٍ وَدَرَاهِمَ وَبِعَيْنٍ وَعَرْضٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْقِيَمِ، وَبِقَدْرِهَا يَكُونُ الرِّبْحُ وَالْعَمَلُ.
(وَكُلٌّ) مِنْ الْعَرْضِ الْمُتَشَارَكِ بِهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا يُعْتَبَرُ رَأْسَ مَالٍ (بِالْقِيمَةِ) لَهُ (يَوْمَ أُحْضِرَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الْعَرْضُ لِلشَّرِكَةِ، فَإِنْ اسْتَوَتْ قِيمَةُ الْعَرْضَيْنِ أَوْ قِيمَةُ الْعَرْضِ وَالْعَيْنِ الْمُقَابِلَةِ لَهُ فَالشَّرِكَةُ بِالنِّصْفِ وَإِلَّا فَبِقَدْرِ الِاخْتِلَافِ (لَا) تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْفَوَاتِ إنْ (فَاتَ) الْعَرْضُ (إنْ صَحَّتْ) الشَّرِكَةُ، فَإِنْ فَسَدَتْ فَلَا يُقَوَّمُ وَرَأْسُ مَالِ مُخْرِجِ الْعَرْضِ مَا يُبَاعُ بِهِ عَرْضُهُ لِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِهِ وَضَمَانِهِ إلَيَّ بَيْعِهِ كَالْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا.
" غ " عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تُوهِمُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي قِيمَةِ الْعَرْضِ فِي الْفَاسِدَةِ يَوْمَ الْفَوَاتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ أَبْيَنُ مِنْهَا إذَا قَالَ فَلَوْ وَقَعَتْ فَاسِدَةً فَرَأْسُ مَالِهِ مَا بِيعَ بِهِ عَرْضُهُ وَقَالَ الصَّقَلِّيَّانِ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ يُونُسَ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفَا مَا بِيعَتْ سِلْعَتَاهُمَا بِهِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ قِيمَةُ عَرْضِهِ يَوْمَ بَيْعِهِ، وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا بَعِيدٌ اهـ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ فِي طَعَامٍ فَاسِدَةً فَرَأْسُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مَا بِيعَ بِهِ طَعَامُهُ إذْ هُوَ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يُبَاعَ وَلَوْ خُلِطَ قَبْلَ بَيْعِهِ فَرَأْسُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ قِيمَةُ طَعَامِهِ يَوْمَ
إنْ خَلَطَا وَلَوْ حُكْمًا
[منح الجليل]
خَلْطِهِ.
طفي اُنْظُرْ فَائِدَةَ قَوْلِهِ لَا فَاتَ لِأَنَّ عَادَةَ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا اُسْتُقْرِئَ مِنْ كَلَامِهِ إذَا نَفَى شَيْئًا فَإِنَّمَا يُنَكِّتُ بِهِ عَلَى مَنْ قَالَ بِهِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ الْقِيمَةَ تُعْتَبَرُ فِي الصَّحِيحَةِ يَوْمَ الْفَوَاتِ مَعَ مَا تُوهِمُهُ عِبَارَتُهُ أَنَّ الْقِيمَةَ فِي الْفَاسِدَةِ تُعْتَبَرُ يَوْمَ الْفَوَاتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ " غ ".
وَإِنْ اشْتَرَكَ شَخْصَانِ أَوْ أَكْثَرُ شَرِكَةً صَحِيحَةً ثُمَّ تَلِفَ مَالُ أَحَدِهِمَا أَوْ بَعْضُهُ ضَمِنَهُ شَرِيكُهُ مَعَهُ (إنْ خَلَطَا) أَيْ الشَّرِيكَانِ مَا أَخْرَجَاهُ لِلشَّرِكَةِ بِهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ حَقِيقَةً، بَلْ (وَلَوْ حُكْمًا) بِجَعْلِهِمَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ بِلَا خَلْطٍ فَهُوَ شَرْطٌ فِي مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ، وَإِلَّا فَالتَّالِفُ مِنْ رَبِّهِ.
وَقَالَ الْحَطّ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي حُصُولِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الرِّبْحِ وَالْخَسَارَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الضَّمَانِ.
قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّ الْخَلْطَ شَرْطُ الِانْعِقَادِ فِي التَّوَاءِ، أَيْ الْهَلَاكِ لَا فِي النَّمَاءِ لِأَنَّهُ قَالَ مَا اشْتَرَاهُ أَحَدُهُمَا بِمَالِهِ قَبْلَ الْخَلْطِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَمَا ضَاعَ فَهُوَ مِنْ صَاحِبِهِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي شَرْطِ ثُبُوتِ لَازِمِهَا وَهُوَ ضَمَانُ الْمُشْتَرَكِ مِنْهُمَا بِالْخَلْطِ الْحُكْمِيِّ فَضْلًا عَنْ الْحِسِّيِّ، أَوْ بِالْحِسِّيِّ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ فِيهَا، وَالْحُكْمُ كَوْنُ الْمَالَيْنِ فِي حَوْزِ وَاحِدٍ وَلَوْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبُنَانِيُّ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْخَلْطَ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ، وَدَرَجَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمَقْصَدِ الْمَحْمُودِ وَصَاحِبُ الْمَعُونَةِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ عِيَاضٍ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، فَلِذَا تَأَوَّلَهُ " ح "، ثُمَّ قَالَ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ بَعْدَ لُزُومِهَا بِالْعَقْدِ يَكُونُ ضَمَانُ كُلِّ مَالِ مِنْ صَاحِبِهِ قَبْلَ الْخَلْطِ، فَإِنْ وَقَعَ الْخَلْطُ وَلَوْ حُكْمًا فَالضَّمَانُ مِنْهُمَا.
وَإِلَّا فَالتَّالِفُ مِنْ رَبِّهِ، وَمَا اُبْتِيعَ بِغَيْرِهِ فَبَيْنَهُمَا، وَعَلَى الْمُتْلِفِ نِصْفُ الثَّمَنِ
وَهَلْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِالتَّلَفِ فَلَهُ وَعَلَيْهِ؟ أَوْ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْأَخْذَ لَهُ؟ تَرَدُّدٌ.
[منح الجليل]
وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ خَلْطٌ لِلْمَالَيْنِ لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا وَتَلِفَ الْمَالَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا (فَ) الْمَالُ (التَّالِفُ) ضَمَانُهُ (مِنْ رَبِّهِ) خَاصَّةً (وَمَا) أَيْ الْعَرْضُ الَّذِي (اُبْتِيعَ) أَيْ اُشْتُرِيَ لِلتِّجَارَةِ (بِغَيْرِهِ) أَيْ التَّالِفِ (فَ) هُوَ مُشْتَرَكٌ (بَيْنَهُمَا) أَيْ صَاحِبِ السَّالِمِ وَصَاحِبِ التَّالِفِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنْ رَبِحَ فَلَهُمَا وَإِنْ خَسِرَ فَعَلَيْهِمَا (وَعَلَى الْمُتْلِفِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا، أَيْ الَّذِي تَلِفَ مَالُهُ (نِصْفُ الثَّمَنِ) الَّذِي اشْتَرَى بِهِ الْعَرْضَ إنْ كَانَتْ شَرِكَتُهُمَا بِالنِّصْفِ وَإِلَّا فَبِحَسَبِ مَالِهِ فَلَوْ قَالَ ثَمَنُ حِصَّتِهِ لَشَمِلَهُمَا.
(وَهَلْ) يَكُونُ الْعَرْضُ الْمُشْتَرَى بِالسَّالِمِ شَرِكَةً بَيْنَهُمَا فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ) صَاحِبُ السَّالِمِ (بِالتَّلَفِ) لِمَالِ شَرِيكِهِ حِينَ شِرَائِهِ، فَإِنْ عَلِمَهُ حِينَهُ فَلَا يَكُونُ الْعَرْضُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، وَيَخْتَصُّ بِهِ ذُو السَّالِمِ (فَلَهُ) أَيْ رَبِّ السَّالِمِ رِبْحُ مَا اشْتَرَاهُ إنْ رَبِحَ فِيهِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ رَبِّ السَّالِمِ نِصْفُهُ إنْ خَسِرَ فِيهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ (أَوْ) هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا (مُطْلَقًا) أَيْ عَنْ التَّقْيِيدِ بِعَدَمِ عِلْمِ رَبِّ السَّالِمِ تَلَفَ مَالِ شَرِيكِهِ حِينَ شِرَائِهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ، وَالْخِلَافُ الْمُتَقَدَّمُ فِي كُلِّ حَالٍّ (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ) رَبُّ السَّالِمِ أَنَّهُ قَصَدَ (الْأَخْذَ) أَيْ الشِّرَاءَ (لِنَفْسِهِ) خَاصَّةً، فَإِنْ ادَّعَى ذَلِكَ فَيَخْتَصُّ بِمَا ابْتَاعَهُ اتِّفَاقًا، فِي الْجَوَابِ (تَرَدُّدٌ) فِي فَهْمِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ بَقِيَتْ صُرَّةُ كُلٍّ بِيَدِ رَبِّهَا حَتَّى ابْتَاعَ أَحَدُهُمَا بِصُرَّتِهِ أَمَةً عَلَى الشَّرِكَةِ وَتَلِفَتْ الصُّرَّةُ الْأُخْرَى فَالصُّرَّةُ التَّالِفَةُ مِنْ رَبِّهَا وَالْأَمَةُ بَيْنَهُمَا، فَفَهِمَهَا ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ عَلَى الْأَوَّلِ وَابْنُ يُونُسَ عَلَى الثَّانِي، فَالْجَارِي عَلَى اصْطِلَاحِ الْمُصَنِّفِ تَأْوِيلَانِ قَالَهُ تت.
طفى قَرَّرَ تت كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ مَعَ أَنَّهُ مُنْتَقَدٌ مِنْ " ح " وَمَنْ تَبِعَهُ، وَهُوَ انْتِقَادٌ صَحِيحٌ.
وَحَاصِلُ النَّقْلِ عَنْ جَمِيعِ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي أَشَارَ لَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ بَيْنَ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ يُونُسَ مَعَ عَبْدِ الْحَقِّ فَابْنُ رُشْدٍ عِنْدَهُ إنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
اشْتَرَى بَعْدَ تَلَفِ مَا أَخْرَجَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُلْزِمَهُ حِصَّتَهُ مِمَّا اشْتَرَاهُ أَوْ يَنْفَرِدَ بِهِ عَنْهُ، وَإِنْ اشْتَرَى بَعْدَ عِلْمِهِ بِالتَّلَفِ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً هَكَذَا فِي مُقَدِّمَاتِهِ، وَهَكَذَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَغَيْرُهُ.
وَعِنْدَ ابْنِ يُونُسَ وَعَبْدِ الْحَقِّ إنْ اشْتَرَى بَعْدَ عِلْمِهِ التَّلَفَ فَشَرِيكُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهَا أَوْ يَدَعَهَا إلَّا أَنْ يَقُولَ اشْتَرَيْتهَا لِنَفْسِي فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّلَفِ حِينَ اشْتَرَى فَهِيَ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ اشْتَرَى فَتَلِفَتْ الصُّرَّةُ الْأُخْرَى، هَكَذَا فِي نَقْلِ أَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ فَابْنُ رُشْدٍ عَكَسَ مَا قَالَاهُ إذْ التَّخْيِيرُ عِنْدَهُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ لِلْمُشْتَرِي بِخِلَافِهِمَا، وَقَدْ أَحْسَنَ صَاحِبُ الشَّامِلِ فِي عَزْوِهِمَا، وَنَصُّهُ وَهَلْ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالتَّلَفِ فَيُخَيَّرُ، وَإِنْ عَلِمَ يَخْتَصُّ بِهِ أَوْ يُخَيَّرُ الْآخَرُ مَعَ الْعِلْمِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ ابْتَاعَ لِنَفْسِهِ تَرَدُّدٌ اهـ.
وَقَالَ تت فِي كَبِيرِهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ السَّالِمَ صُرَّتُهُ تَلْزَمُهُ الشَّرِكَةُ فِيمَا اُبْتِيعَ بِهَا بِشَرْطِهِ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ يُونُسَ، وَاَلَّذِي فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ وَبِهِ قَرَّرَ الشَّارِحُ كَلَامَهُ هُنَا، وَدَرَجَ عَلَيْهِ فِي شَامِلِهِ ثُمَّ سَاقَ كَلَامَ الشَّامِلِ الْمُتَقَدِّمَ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ فِي مُقَدِّمَاتِهِ لِلْمُشْتَرِي وَهُوَ السَّالِمُ صُرَّتُهُ، كَمَا عَلِمْت، وَكَمَا فِي الشَّامِلِ، وَقَدْ نَقَلَ لَفْظَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ فِي صَغِيرِهِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
الْحَطّ الْأَلْيَقُ بِاصْطِلَاحِهِ تَأْوِيلَانِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِمَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ بَقِيَتْ كُلٌّ صُرَّةٍ بِيَدِ رَبِّهَا حَتَّى ابْتَاعَ أَحَدَهُمَا بِصُرَّتِهِ أَمَةً عَلَى الشَّرِكَةِ وَتَلِفَتْ الصُّرَّةُ الْأُخْرَى وَالْمَالَانِ مُتَّفِقَانِ، فَالْأَمَةُ بَيْنَهُمَا وَالصُّرَّةُ مِنْ رَبِّهَا.
ابْنُ يُونُسَ قَوْلُهُ فَالْأَمَةُ بَيْنَهُمَا يُرِيدُ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ ثَمَنِهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهَا عَلَى الشَّرِكَةِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنْ اشْتَرَاهَا بَعْدَ التَّلَفِ عَالِمًا بِهِ فَشَرِيكُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهَا أَوْ يَدَعَهَا لَهُ، إلَّا أَنْ يَقُولَ إنَّمَا اشْتَرَيْتهَا لِنَفْسِي فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّلَفِ حَتَّى اشْتَرَى الْأَمَةَ فَهِيَ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثُمَّ تَلِفَتْ صُرَّةُ الْآخَرِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
أَبُو الْحَسَنِ وَلِابْنِ رُشْدٍ عَكْسُ هَذَا، قَالَ إنْ اشْتَرَى بَعْدَ التَّلَفِ وَهُوَ لَمْ يَعْلَمْ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُلْزِمَهُ مَا اشْتَرَاهُ أَوْ يَنْفَرِدَ بِهِ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَوْ عَلِمْت تَلَفَهُ لَمْ أَشْتَرِ إلَّا لِنَفْسِي، وَمَا