وَهَلْ يُلْغَى الْيَوْمَانِ كَالصَّحِيحَةِ تَرَدُّدٌ
[منح الجليل]
لِكَثْرَتِهَا فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يَشْتَرِكَا فِي مِلْكِهَا، أَوْ يَكْتَرِي مِنْ الْآخَرِ نِصْفَهُ اهـ الْحَطّ.
وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ إذَا تَطَوَّعَ أَحَدُهُمَا بِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
طفي أَبُو الْحَسَنِ مَعْنَى تَطَاوَلَ تَفَضَّلَ، ثُمَّ قَالَ قَوْلُهَا لَا يَجُوزُ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ شَرِكَةَ الْأَبْدَانِ لَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، وَإِنَّمَا تُلْزِمُ بِالشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ وَأَمَّا عَلَى أَنَّهَا تُلْزِمُ بِالْعَقْدِ فَتَجُوزُ.
اهـ. فَحَمَلَهَا ابْنُ رُشْدٍ عَلَى التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَأَخَّرَهُ أَبُو الْحَسَنِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ.
وَفَهِمَهَا الْحَطّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَطَوَّلَ فِي الْعَقْدِ وَلَوْ بِلَا شَرْطٍ، وَبِهِ قَرَّرَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مَتْرُوكًا عَلَى الْبِسَاطِيِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَأَبِي الْحَسَنِ وَتَبِعَهُ عج، وَنَقَلَ كَلَامَ أَبِي الْحَسَنِ قَبْلَ هَذَا وَلَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ.
الْبُنَانِيُّ مَا لِابْنِ رُشْدٍ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي شَرِكَةِ الْمَالِ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، وَجَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى لُزُومِهَا بِهِ، وَكَلَامُ الْحَطّ جَارٍ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَهَلْ يُلْغَى) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ (الْيَوْمَانِ) أَيْ مَرَضُهُمَا وَغَيْبُهُمَا فِي الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ بِسَبَبِ اشْتِرَاطِ إلْغَاءِ الْكَثِيرِ فَيَشْتَرِكَانِ فِي أُجْرَةِ عَمَلِ الْيَوْمَيْنِ، وَيَخْتَصُّ الْعَامِلُ بِأُجْرَةِ الْعَمَلِ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِمَا (كَ) إلْغَائِهِمَا فِي الشَّرِكَةِ (الصَّحِيحَةِ) وَهَذَا لِبَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ أَوْ لَا يُلْغَيَانِ فَيَخْتَصُّ الْعَامِلُ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ فِيهِمَا أَيْضًا، وَهَذَا لِابْنِ يُونُسَ، فِي الْجَوَابِ (تَرَدُّدٌ) لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْحُكْمِ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَهُ تت.
الْحَطّ وَجَعَلَ الشَّارِحَانِ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَاللَّخْمِيِّ، مَعْنَى قَوْلِهِ وَهَلْ يُلْغَى الْيَوْمَانِ كَالصَّحِيحَةِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ يُلْغَى ذَلِكَ وَيَخْتَصُّ بِمَا زَادَ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ لَا يُلْغَى، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ وَنَحْوِهِ فِي الصَّغِيرِ وَفِي الشَّامِلِ فَإِنْ شُرِطَ عَدَمُهُ فِي الْعَقْدِ أَوْ كَثِيرُ آلَةٍ فَسَدَتْ وَلَا يُلْغَى الْيَوْمَانِ فِيهِمَا عَلَى الْأَظْهَرِ اهـ.
الْحَطّ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَلَا يُسَامَحُ بِالْيَسِيرِ فِي الْفَاسِدَةِ، وَإِنَّمَا يُسَامَحُ فِيهِ فِي الصَّحِيحَةِ فَكَلَامُ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ اللَّخْمِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ كَلَامِهِ عَلَى الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَلَوْ اشْتَرَكَا عَلَى الْعَفْوِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ كَانَتْ شَرِكَةً فَاسِدَةً وَلَوْ فَسَدَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، لَكَانَ التَّرَاجُعُ بَيْنَهُمَا فِي
وَبِاشْتِرَاكِهِمَا بِالذِّمَمِ أَنْ يَشْتَرِيَا بِلَا مَالٍ وَهُوَ بَيْنَهُمَا
[منح الجليل]
قَرِيبِ ذَلِكَ وَبَعِيدِهِ اهـ. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى الْقَوْلِ بِلَغْوِ الْيَوْمَيْنِ فِي الْفَاسِدَةِ بَعْدَ مُرَاجَعَةِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ يُونُسَ وَأَبِي الْحَسَنِ وَالرَّجْرَاجِيِّ وَالذَّخِيرَةِ وَابْنِ عَرَفَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي التَّوْضِيحِ، فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ وَهَلْ يُلْغَى الْيَوْمَانِ كَالْقَصِيرَةِ تَرَدُّدٌ، وَيَكُونُ مُرَادُهُ وَهَلْ يُلْغَى الْيَوْمَانِ مِنْ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ كَمَا يُلْغَيَانِ فِي الْقَصِيرَةِ وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ أَوْ لَا يُلْغِيَانِ، وَهُوَ الَّذِي نَسَبَهُ أَبُو الْحَسَنِ لِلَّخْمِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ شَرِكَةَ الذِّمَمِ وَتُسَمَّى شَرِكَةَ الْوُجُوهِ أَيْضًا فَقَالَ (وَ) فَسَدَتْ الشَّرِكَةُ (بِاشْتِرَاكِهِمَا) أَيْ الشَّخْصَيْنِ (بِالذِّمَمِ) بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ ذِمَّةٍ بِكَسْرِهَا وَشَدِّ الْمِيمِ وَهِيَ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى (أَنْ يَشْتَرِيَا) مَا تَيَسَّرَ لَهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا (بِلَا مَالٍ) مُشْتَرَكٍ بَيْنَهَا يَدْفَعَانِ مِنْهُ ثَمَنَ مَا يَشْتَرِيَانِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَيَكُونُ ثَمَنُهُ دَيْنًا بِذِمَّتِهِمَا، وَبَيَّنَ الْحُكْمَ بَعْدَ الْوُقُوعِ فَقَالَ (وَهُوَ) أَيْ مَا اشْتَرَيَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا مُشْتَرَكٌ (بَيْنَهُمَا) عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ مَا يَشْتَرِيهِ أَحَدُهَا يَخْتَصُّ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ إلَّا بِالْأَمْوَالِ أَوْ بِعَمَلِ الْأَبْدَانِ إنْ كَانَ صَنْعَةً وَاحِدَةً فَأَمَّا بِالذِّمَمِ بِغَيْرِ مَالٍ عَلَى أَنْ يَضْمَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا ابْتَاعَ الْآخَرُ فَلَا تَجُورُ كَانَا بِبَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ بِبَلَدَيْنِ يُجَهِّزُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي الرَّقِيقِ أَوْ فِي جَمِيعِ التِّجَارَاتِ أَوْ بَعْضِهَا، وَكَذَا اشْتِرَاكُهُمَا بِمَالٍ قَلِيلٍ عَلَى أَنْ يَتَدَايَنَا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَالَ لِصَاحِبِهِ تَحْمِلُ عَنِّي بِنِصْفِ مَا أَشْتَرِي وَأَتَحَمَّلُ عَنْك بِنِصْفِ مَا تَشْتَرِي إلَّا أَنْ يَشْتَرِكَا فِي شِرَاءِ سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ حَاضِرَةٍ أَوْ غَائِبَةٍ فَيَبْتَاعَانِهَا بِدَيْنٍ فَيَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَا حَاضِرَيْنِ لِأَنَّ الْعُقْدَةَ وَقَعَتْ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ ضَمِنَ أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ اهـ.
أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَكَا بِمَالٍ قَلِيلٍ لَيْسَ بِشَرْطٍ، قَالَ فِيمَا يَأْتِي وَأَكْرَهُ أَنْ يُخْرِجَا مَالًا عَلَى أَنْ يَتَّجِرَا بِهِ وَبِالدَّيْنِ مُفَاوَضَةً، فَإِنْ فَعَلَا فَمَا اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَبَيْنَهُمَا وَإِنْ جَاوَزَ رَأْسَ مَالَيْهِمَا.
اهـ. وَالْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ الْمَنْعُ قَالَ فِيهَا فَإِذَا وَقَعَ بِالذِّمَمِ فَمَا اشْتَرَيَا فَبَيْنَهُمَا عَلَى مَا عَقَدَا وَتُفْسَخُ الشَّرِكَةُ مِنْ الْآنِ.
أَبُو الْحَسَنِ الْفَسْخُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرَاهَةِ الْمَنْعُ، وَفِي سَمَاعِ عِيسَى فِي الرَّجُلِ قَالَ لِصَاحِبِهِ اُقْعُدْ فِي هَذَا الْحَانُوتِ تَبِيعُ فِيهِ،
وَكَبَيْعِ وَجِيهٍ مَالٍ خَامِلٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ
وَكَذِي رَحًى وَذِي بَيْتٍ، وَذِي دَابَّةٍ
[منح الجليل]
وَأَنَا آخُذُ الْمَتَاعَ بِوَجْهِي وَالضَّمَانُ عَلَيَّ وَعَلَيْك، قَالَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا تَعَامَلَا عَلَيْهِ وَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ أُجْرَةَ مَا يَفْضُلُهُ بِهِ فِي الْعَمَلِ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ الرِّبْحَ تَابِعٌ لِلضَّمَانِ إذَا عَمِلَا بِمَا تَدَايَنَا بِهِ كَمَا يَتْبَعُ الْمَالُ إذَا عَمِلَا بِمَا أَخْرَجَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْمَالِ.
اهـ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ أَقْعَدْت صَانِعًا فِي حَانُوتٍ عَلَى أَنْ تَنْقُلَ إلَيْهِ الْمَتَاعُ وَيَعْمَلُ هُوَ فِيمَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ بَيْنَكُمَا نِصْفَيْنِ فَلَا يَجُوزُ.
اهـ. وَفِي سَمَاعِ عِيسَى فِي رَجُلٍ قَالَ اُقْعُدْ فِي حَانُوتٍ وَأَنَا آخُذُ لَك مَتَاعًا تَبِيعُهُ وَلَك نِصْفُ رِبْحِهِ أَوْ ثُلُثُهُ، فَلَا يَصْلُحُ، فَإِنْ عَمِلَا عَلَيْهِ فَلِلَّذِي فِي الْحَانُوتِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلَّذِي أَجْلَسَهُ فِي الْحَانُوتِ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرِّبْحَ تَابِعٌ لِلضَّمَانِ، فَإِنْ كَانَ ضَمَانُ السِّلَعِ مِنْ الَّذِي أَجْلَسَهُ وَجَبَ كَوْنُ جَمِيعِ الرِّبْحِ لَهُ وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ أَفَادَهُ الْحَطّ.
وَذَكَرُ الْمُصَنِّفُ تَفْسِيرًا ثَانِيًا لِشَرِكَةِ الْوُجُوهِ فَقَالَ (وَكَبَيْعِ) شَخْصٍ تَاجِرٍ (وَجِيهٍ) أَيْ مَرْغُوبٍ فِي الشِّرَاءِ مِنْهُ مَشْهُورٍ بَيْنَ النَّاسِ (مَالَ) أَيْ عَرْضَ تَاجِرٍ (خَامِلٍ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، أَيْ خَفِيٍّ بَيْنَ النَّاسِ لَا يَرْغَبُونَ فِي شِرَاءِ عُرُوضِهِ، وَصِلَةُ بَيْعٍ (بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ) أَيْ مَالِ الْخَامِلِ كَثُلُثِهِ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ بِأُجْرَةٍ مَجْهُولَةٍ، وَإِنْ نَزَلَ فَلِلْوَجِيهِ جَعْلُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَلِلْمُشْتَرِي رَدُّ السِّلْعَةِ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً، وَإِنْ فَاتَتْ لَزِمَهُ الْأَقَلُّ مِنْ ثَمَنِهَا أَوْ قِيمَتِهَا لِأَنَّ الْوَجِيهَ غَشَّهُ.
ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا تَصِحُّ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ، وَفُسِّرَتْ بِأَنَّ بَيْعَ الْوَجِيهِ مَالَ الْخَامِلِ بِبَعْضِ رِبْحِهِ.
وَقِيلَ هِيَ شَرِكَةُ الذِّمَمِ يَشْتَرِيَانِ وَيَبِيعَانِ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ مَالٍ وَكِلْتَاهُمَا فَاسِدَةٌ وَتُفْسَخُ، وَمَا اشْتَرَيَاهُ فَبَيْنَهُمَا عَلَى الْأَشْهَرِ اهـ وَنَحْوُهُ لِابْنِ شَاسٍ، وَنُسِبَ الْأَوَّلُ لِبَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالثَّانِي لِعَبْدِ الْوَهَّابِ.
وَعَطَفَ عَلَى الْمُشَبَّهِ فِي الْفَسَادِ مُشَبَّهًا آخَرَ فِيهِ فَقَالَ (وَكَ) شَرِكَةِ (ذِي) أَيْ صَاحِبِ (رَحًى) أَيْ آلَةِ طَحْنِ الْحَبِّ (وَذِي بَيْتٍ) تُنْصَبُ الرَّحَى فِيهِ (وَذِي دَابَّةٍ) أَيْ بَعِيرٍ
لِيَعْمَلُوا إنْ لَمْ يَتَسَاوَ الْكِرَاءُ وَتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ، وَتَرَادُّوا الْأَكْرِيَةَ
[منح الجليل]
أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ بَقَرَةٍ تَدُورُ بِالرَّحَى (لِيَعْلَمُوا) أَيْ الثَّلَاثَةُ فِي طَحْنِ الْحُبُوبِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ بِأَجْرٍ يَقْسِمُونَهَا بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهَا فَهِيَ شَرِكَةٌ فَاسِدَةٌ (إنْ لَمْ يَتَسَاوَ الْكِرَاءُ لِلرَّحَى وَالْبَيْتِ وَالدَّابَّةِ) بِأَنْ كَانَ كِرَاءُ الرَّحَى اثْنَيْنِ وَالْبَيْتُ وَاحِدًا وَالدَّابَّةُ ثَلَاثَةً، وَبَيَّنَ حُكْمَهَا بَعْدَ وُقُوعِهَا فَقَالَ (وَتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ) النَّاشِئَةِ مِنْ عَمَلِهِمْ لِأَنَّ رَأْسَ مَالِهِمْ عَمَلُ أَيْدِيهِمْ وَقَدْ تَكَافَئُوا فِيهِ (وَتَرَادُّوا) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَضَمِّ الدَّالِ مُشَدَّدَةً (الْأَكْرِيَةَ) لِلرَّحَى وَالْبَيْتِ وَالدَّابَّةِ، أَيْ يَتَسَاوَوْنَ فِيهَا بِأَنْ يَدْفَعَ مَنْ نَقَصَ كِرَاءُ شَيْئِهِ عَنْ شَيْءِ صَاحِبِهِ نِصْفَ الْفَضْلِ بَيْنَهُمَا فَيَدْفَعُ ذُو الْبَيْتِ وَاحِدًا لِذِي الدَّابَّةِ فِي الْمِثَالِ.
وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهُمْ بِرَحًى وَالْآخَرُ بِدَابَّةٍ وَالْآخَرُ بِبَيْتٍ عَلَى الْعَمَلِ بِأَيْدِيهِمْ وَالْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ، فَعَمِلُوا عَلَى ذَلِكَ، وَجَهِلُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَيُقْسَمُ مَا أَصَابُوهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا إنْ كَانَ كِرَاءُ الْبَيْتِ وَالرَّحَى وَالدَّابَّةِ مُعْتَدِلًا، وَتَصِحُّ الشَّرِكَةُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ أَكْرَى مَتَاعَهُ بِمَتَاعِ صَاحِبِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّحَى وَالْبَيْتَ وَالدَّابَّةَ لَوْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمْ فَأَكْرَى ثُلُثَيْ ذَلِكَ مِنْ صَاحِبَيْهِ وَعَمِلُوا جَازَتْ الشَّرِكَةُ، وَإِنْ كَانَ مَا أَخْرَجُوهُ مُخْتَلِفًا قُسِمَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا لِأَنَّ رُءُوسَ أَمْوَالِهِمْ إعْمَالُ أَيْدِيهِمْ وَقَدْ تَكَافَئُوا فِيهَا، وَرَجَعَ مَنْ لَهُ فَضْلُ كِرَاءٍ عَلَى صَاحِبِهِ فَيَتَرَادُّونَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا شَيْئًا لِأَنَّ مَا أَخْرَجُوهُ مِمَّا يُكْرَى قَدْ أُكْرِيَ كِرَاءً فَاسِدًا، وَلَا يَتَرَاجَعُونَ فِي إعْمَالِ أَيْدِيهِمْ لِتُسَاوِيهِمْ فِيهَا اهـ. وَظَاهِرُهَا أَنَّهَا لَا تَجُورُ ابْتِدَاءً حَتَّى يُكْرِيَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ، لَكِنَّهَا إنْ وَقَعَتْ صَحَّتْ إنْ تَسَاوَتْ الْأَكْرِيَةُ وَعَلَيْهِ حَمَلَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ، وَتَأَوَّلَهَا سَحْنُونٌ عَلَى أَنَّهَا إنَّمَا تَمْتَنِعُ إذَا كَانَ كِرَاءُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُخْتَلِفًا، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ وَتَصِحُّ الشَّرِكَةُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ أَكْرَى مَتَاعَهُ بِمَتَاعِ صَاحِبِهِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَعْنَى تَصِحُّ أَنَّهَا تَئُولُ إلَى الصِّحَّةِ لَا أَنَّهَا تَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَعَلَى تَأْوِيلِ سَحْنُونٍ مَشَى الْمُصَنِّفُ لِأَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ أَعْنِي قَوْلَهُ إنْ لَمْ يَتَسَاوَ الْكِرَاءُ أَنَّهُ إذَا تَسَاوَى الْكِرَاءُ جَازَتْ، وَقَوْلُهُ وَتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ قَابِلٌ لَأَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِفَرْضِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَأَنْ يَكُونَ تَقْرِيرًا لِحُكْمِهَا بَعْدَ وُقُوعِهَا كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ، وَصِفَةُ التَّرَادِّ ذَكَرَهَا ابْنُ يُونُسَ عَنْ
وَإِنْ اُشْتُرِطَ عَمَلُ رَبِّ الدَّابَّةِ: فَالْغَلَّةُ لَهُ، وَعَلَيْهِ كِرَاؤُهُمَا
وَقُضِيَ عَلَى شَرِيكٍ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ أَنْ يُعَمِّرَ أَوْ يَبِيعَ:
[منح الجليل]
أَبِي زَيْدٍ، وَنَقَلَهَا أَبُو الْحَسَنِ وَالشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ قَالَهُ الْحَطّ.
تت وَكَيْفِيَّةُ الرُّجُوعِ أَنْ تُجْمَعَ الْأَكْرِيَةُ وَتُفْضِي عَلَى جَمِيعِ الشُّرَكَاءِ وَيَسْقُطُ مَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَيُرَدُّ مَنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِمُسْتَحِقِّهِ، فَإِنْ كَانَ كِرَاءُ الرَّحَى ثَلَاثَةً وَالْبَيْتُ اثْنَيْنِ وَالدَّابَّةُ وَاحِدًا مَثَلًا، فَالْمَجْمُوعُ سِتَّةٌ تُفَضُّ عَلَى الثَّلَاثَةِ بِالسَّوِيَّةِ، فَيَكُونُ عَلَى كُلٍّ اثْنَانِ فَلِصَاحِبِ الْبَيْتِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِ فَلَا يَدْفَعُ شَيْئًا وَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا، وَصَاحِبُ الرَّحَى عَلَيْهِ اثْنَانِ وَلَهُ ثَلَاثَةٌ فَيَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِ الدَّابَّةِ بِوَاحِدٍ.
(وَإِنْ اُشْتُرِطَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ فِي عَقْدِ شَرِكَةِ ذِي الرَّحَى وَذِي الْبَيْتِ وَذِي الدَّابَّةِ، وَنَائِبُ فَاعِلِ اُشْتُرِطَ (عَمَلُ رَبِّ الدَّابَّةِ) وَحْدَهُ وَعَمِلَ وَحْدَهُ (فَالْغَلَّةُ) النَّاشِئَةُ مِنْ عَمَلِهِ (لَهُ) أَيْ رَبِّ الدَّابَّةِ وَحْدَهُ (وَعَلَيْهِ) أَيْ رَبِّ الدَّابَّةِ (كِرَاؤُهُمَا) أَيْ الرَّحَى وَالْبَيْتِ.
الْحَطّ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِذِكْرِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّخْمِيُّ وكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْعَامِلُ صَاحِبَ الرَّحَى، فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَكُونُ مَا أَصَابَ لَهُ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْآخَرَيْنِ، وَلَيْسَ هَذَا بِالْبَيِّنِ، وَأَرَى أَنْ يَكُونَ مَا أَصَابَ مَفْضُوضًا عَلَى قَدْرِ أُجْرَةِ الرَّحَى وَالدَّابَّةِ فَمَا نَابَ الرَّحَى مِنْ الْعَمَلِ رَجَعَ عَلَيْهِ الْعَامِلُ فِيهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ لِأَنَّ صَاحِبَ الرَّحَى لَمْ يَبِعْ مَنَافِعَهَا مِنْ الْعَامِلِ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ وَأَجِّرْهَا وَلَك بَعْدُ مَا تُؤَاجِرُهَا بِهِ، فَإِنَّمَا يُؤَاجِرُهَا عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا ثُمَّ يَغْرَمَانِ جَمِيعًا أُجْرَةَ الْبَيْتِ.
اهـ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْعَامِلُ رَبَّ الْبَيْتِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، لَا الْغَلَّةُ تَابِعَةٌ لِلْعَمَلِ فِي هَذَا الْبَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَقُضِيَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ حُكِمَ (عَلَى) شَخْصٍ (شَرِيكٍ) امْتَنَعَ مِنْ الْعِمَارَةِ (فِيمَا) أَيْ عَقَارٍ (لَا يَنْقَسِمُ) كَحَمَّامٍ وَبُرْجٍ احْتَاجَ لِلْعِمَارَةِ، وَصِلَةُ قُضِيَ ب (أَنْ يُعَمِّرَ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا مَعَ شَرِيكِهِ الدَّاعِي لِلْعِمَارَةِ (أَوْ) بِأَنْ (يَبِيعَ) نَصِيبَهُ مِنْهُ لِمَنْ يُعَمِّرُ.
عب وَالْمَعْنَى يَأْمُرُهُ الْقَاضِي بِالتَّعْمِيرِ بِلَا حُكْمٍ عَلَيْهِ بِهَا، فَإِنْ أَبَى حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ فَالْقَضَاءُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
إنَّمَا هُوَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ الْبَيْعُ، فَاسْتَعْمَلَهُ الْمُصَنِّفُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّعْمِيرِ، وَبِمَعْنَى الْحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَيْعِ، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَلَا يَتَوَلَّى الْقَاضِي الْبَيْعَ.
طفي ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَقْضِي عَلَيْهِ بِأَحَدِهِمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ الْأَمْرُ، أَيْ يُؤْمَرُ بِأَحَدِهِمَا فَيَكُونُ كَقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمُشْتَرَكُ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ يَلْزَمُ أَنْ يُعَمِّرَ أَوْ يَبِيعَ وَإِلَّا بَاعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يُعَمِّرُ اهـ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُ شَرِيكَيْنِ مَا لَا يَنْقَسِمُ لِإِصْلَاحِهِ أُمِرَ الْآبِي بِهِ، فَإِنْ أَبَى فَفِي جَبْرِهِ عَلَى بَيْعِهِ لِمَنْ يُصْلِحُهُ أَوْ يَبِيعُ الْقَاضِي عَلَيْهِ مِنْ حَظِّهِ بِقَدْرِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْعَمَلِ فِيمَا يَبْقَى مِنْ حَقِّهِ بَعْدَمَا يُبَاعُ عَلَيْهِ مِنْهُ، ثَالِثُهَا إنْ كَانَ مَلِيًّا جُبِرَ عَلَى الْإِصْلَاحِ، وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ لِابْنِ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ وَسَحْنُونٍ ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِبَيْعِ بَعْضِ حَظِّهِ إنَّمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ مُرَتَّبًا عَلَى إبَايَتِهِ مِنْ الْإِصْلَاحِ فَقَطْ لَا عَلَيْهَا مَعَ إبَايَتِهِ عَنْ بَيْعِهِ مِمَّنْ يُصْلِحُ، وَهُوَ فِي نَقْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِمَا مَعًا، فَهُوَ إنْ صَحَّ قَوْلٌ رَابِعٌ اهـ.
الْبُنَانِيُّ وَالظَّاهِرُ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إذَا لَمْ يُصْلِحْ وَأَرَادَ الْبَيْعَ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ، لَكِنْ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي بَحْثِهِ مَعَ ابْنِ رُشْدٍ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَطّ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ الْعَيْنُ وَالْبِئْرُ الْمُشْتَرَكَانِ، وَقَدْ قُسِمَتْ أَرْضُهُمَا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا زَرْعٌ وَلَا شَجَرٌ مُثْمِرٌ يُخَافُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْآبِيَ مِنْ الْعَمَلِ لَا يُلْزَمُ بِهِ، وَيُقَالُ لِصَاحِبِهِ أَصْلِحْ وَلَك الْمَاءُ كُلُّهُ أَوْ مَا زَادَ بِعَمَلِك إلَى أَنْ يَأْتِيَك صَاحِبُك بِمَا عَلَيْهِ مِمَّا أَنْفَقْته، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ ظَاهِرُ كَلَامِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يَعْمَلُ وَإِنْ كَانَ مَقْسُومًا، ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَيْهَا شَجَرٌ أَوْ زَرْعٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا شَيْءٌ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَالْمَخْزُومِيُّ إنَّ الشَّرِيكَ فِي الْعَيْنِ وَالْبِئْرِ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُعَمِّرَ مَعَهُ أَوْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ مِمَّنْ يُعَمِّرُ كَالْعُلْوِ لِرَجُلٍ وَالسُّفْلِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
لِآخَرَ فَيَنْهَدِمُ وَهُوَ نَظِيرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، إذْ لَا يَقْدِرُ صَاحِبُ الْعُلْوِ أَنْ يَبْنِيَ عُلْوَهُ حَتَّى يَبْنِيَ صَاحِبُ السُّفْلِ سُفْلَهُ، وَيَقْدِرُ الَّذِي يُرِيدُ السَّقْيَ مِنْ الْبِئْرِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُمَا إذَا انْهَدَمَتْ أَنْ يَصِلَ إلَى مَا يُرِيدُ مِنْ السَّقْيِ بِأَنْ يُصْلِحَ الْبِئْرَ، وَيَكُونَ أَحَقَّ بِجَمِيعِ مَائِهَا إلَى أَنْ يَأْتِيَهُ صَاحِبُهُ بِمَا يَنُوبُهُ مِنْ النَّفَقَةِ، فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ وَالْمَخْزُومِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فُرُوعٌ) : الْأَوَّلُ: إذَا كَانَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ غَائِبًا، فَإِنَّ الْقَاضِي يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيْعِ إنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَا يُعَمِّرُ بِهِ نَصِيبَهُ نَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ.
الثَّانِي: إذَا كَانَ الْمُشْتَرَكُ لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ كَفُرْنٍ ثُمَّ خَرِبَ وَصَارَ أَرْضًا تُقْبَلُ الْقِسْمَةُ، فَإِنَّهُ يُقْسَمُ نَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ إسْكَنْدَرِيَّةَ.
الثَّالِثُ: فِي الْعُتْبِيَّةِ سُئِلَ سَحْنُونٌ فِي رَجُلَيْنِ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَحْمِلَ فِي نَصِيبِهِ مِنْهَا مَتَاعًا وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ شَيْءٌ يَحْمِلُهُ فِي نَصِيبِهِ، فَقَالَ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ لَا أَدَعُكَ تَحْمِلُ فِيهَا شَيْئًا إلَّا بِكِرَاءٍ.
وَقَالَ الْأَوَّلُ إنَّمَا أَحْمِلُ فِي نَصِيبِي، قَالَ فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ فِي نَصِيبِهِ وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ لِشَرِيكِهِ بِكِرَاءٍ، فَأَمَّا أَنْ يَحْمِلَ فِي نَصِيبِهِ مِثْلَ مَا يَحْمِلُ صَاحِبُهُ مِنْ الشَّحْنِ وَالْمَتَاعِ، وَإِلَّا بِيعَ الْمَرْكَبُ عَلَيْهِمَا.
اهـ. وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ، وَزَادَ وَلَوْ أَوْسَقَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَجِدْ الْآخَرُ مَا يُوسِقُ لَكَانَ لِهَذَا أَنْ يُسَفِّرَ الْمَرْكَبَ وَلَا مَقَالَ لِشَرِيكِهِ فِي كِرَاءٍ وَلَا بَيْعٍ، لِأَنَّهُ وَسَقَهُ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ إذْنٌ بِتَسْفِيرِهِ تِلْكَ الطَّرِيقَ وَلَوْ كَانَ غَائِبًا حِينَ أَوَسْقَ وَلَمَّا حَضَرَ أَنْكَرَ وَلَمْ يَجِدْ كِرَاءً لَكَانَ لَهُ أَنْ يَدْعُوهُ إلَى بَيْعِهِ، فَإِنْ صَارَ لِمَنْ أَوَسْقَهُ أَقَرَّ وَسْقَهُ، وَإِنْ صَارَ لِلْغَائِبِ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ أَمَرَ أَنْ يَحُطَّ وَسْقَهُ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَوْا عَلَى كِرَاءٍ فَيَتْرُكَ وَهَذَا إذَا كَانَ يُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ حَالِ الْمَرْكَبِ تَحْتَ الْمَاءِ.
اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
وَأَجَابَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مَا يَحْمِلُهُ فِي نَصِيبِهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَرِيكِهِ حِصَّتَهُ مِنْ الْكِرَاءِ، وَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ حَتَّى يُعَامِلَهُ عَلَيْهِ أَوْ يَنْفَصِلَا بِبَيْعِهِ وَقِسْمَةِ ثَمَنِهِ.
الْبُرْزُلِيُّ وَالدَّوَابُّ وَالْعَبِيدُ كَالْمَرْكَبِ.
الْحَطّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ،
كَذِي سُفْلٍ، وَإِنْ وَهِيَ
[منح الجليل]
لِأَنَّ حَاصِلَ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ لَا يَقْضِي الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مَا يَحْمِلُهُ بِكِرَاءٍ عَلَى الْآخَرِ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ السَّفَرِ مُطْلَقًا، وَلَا يَقْضِي لِلْآخَرِ بِالسَّفَرِ بِهِ مُطْلَقًا، بَلْ إمَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى كِرَاءٍ أَوْ عَلَى شَيْءٍ وَإِلَّا بِيعَ عَلَيْهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: إذَا زَرَعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِي بَعْضِ الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، فَفِي سَمَاعِ عِيسَى إذَا كَانَ الشَّرِيكُ حَاضِرًا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا تَرَكَهُ رَاضِيًا بِزَرْعِهِ، وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ.
الْخَامِسُ: ابْنُ يُونُسَ فِي مَرْكَبٍ بَيْنَ شَخْصَيْنِ نِصْفَيْنِ خَرِبَ أَسْفَلُهُ حَتَّى صَارَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَأَصْلَحَهُ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، قَالَ فَالشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ إمَّا أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ مَا أَنْفَقَ وَيَكُونَ الْمَرْكَبُ بَيْنَهُمَا أَوْ يَأْخُذَ مِنْ شَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ خَرِبًا إنْ شَاءَ شَرِيكُهُ ذَلِكَ، فَإِنْ أَبَيَا فَلِلَّذِي أَنْفَقَ بِقَدْرِ مَا زَادَتْ نَفَقَتُهُ مَعَ حِصَّتِهِ الْأُولَى، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ خَرِبًا مِائَةً وَمَصْلُوحًا مِائَتَيْنِ فَلِلَّذِي أَنْفَقَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ.
ابْنُ يُونُسَ وَاَلَّذِي أَرَى أَنَّ شَرِيكَهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ مَا أَنْفَقَ أَوْ نِصْفَ مَا زَادَ فِي الْمَرْكَبِ، وَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ بِقَدْرِ مَا زَادَ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ بِعْ الْآنَ وَخُذْ مَا زَادَ.
وَشَبَّهَ فِي الْأَمْرِ بِالتَّعْمِيرِ وَالْقَضَاءِ بِالْبَيْعِ إنْ أَبَى فَقَالَ (كَذِي) بِنَاءٍ (سُفْلٍ) أَيْ مُنْخَفِضٍ وَعَلَيْهِ بِنَاءٌ لِآخَرَ فَيُؤْمَرُ ذُو السُّفْلِ بِتَعْمِيرِهِ، فَإِنْ أَبَى قُضِيَ عَلَيْهِ بِبَيْعِهِ (إنْ وَهَى) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْهَاءِ أَيْ ضَعُفَ وَأَشْرَفَ عَلَى السُّقُوطِ وَخِيفَ سُقُوطُ الَّذِي عَلَيْهِ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَنْزِلِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ لِأَحَدِهِمَا الْعُلْوُ وَلِلْآخَرِ السُّفْلُ فَيَنْكَسِرُ سَقْفُ الْبَيْتِ الْأَسْفَلِ، فَعَلَى صَاحِبِهِ إصْلَاحُهُ، وَكَذَا لَوْ انْهَدَمَ جِدَارُ الْأَسْفَلِ فَعَلَيْهِ بِنَاؤُهُ وَتَسْقِيفُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَلَا اخْتِلَافَ أَعْلَمُهُ فِيهَا.
وَدَلِيلُ
وَعَلَيْهِ التَّعْلِيقُ وَالسَّقْفُ
وَكَنْسُ مِرْحَاضٍ
[منح الجليل]
صِحَّتِهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: 33] فَلَمَّا أَضَافَ السَّقْفَ لِلْبَيْتِ وَجَبَ أَنْ يَحْكُمَ بِالسَّقْفِ لِحَاجِبِ الْبَيْتِ الْأَسْفَلِ إذَا اخْتَلَفَ فِيهِ مَعَ صَاحِب الْأَعْلَى فَادَّعَاهُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ وَأَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَهُ فَيَلْزَمُهُ بِنَاؤُهُ إنْ نَفَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ لِصَاحِبِهِ لِيُوجِبَ عَلَيْهِ بُنْيَانَهُ.
(فَرْعٌ) إذَا كَانَ سَبَبُ انْهِدَامِ السُّفْلِ وَهَاءَ الْعُلْوِ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ السُّفْلِ حَاضِرًا عَالِمًا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فَلَا يَضْمَنُ صَاحِبُ الْعُلْوِ.
وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ غَائِبًا، فَإِنْ كَانَ وَهَاءُ الْعُلْوِ مِمَّا لَا يَخْفَى سُقُوطُهُ، فَهَلْ يَضْمَنُ أَوْ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ اللَّخْمِيُّ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَإِنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِ وَلَمْ يُصْلِحْ ضَمِنَ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ سَبَبُ انْهِدَامِ الْعُلْوِ وَهَاءَ السُّفْلِ اهـ مِنْ التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ.
(وَعَلَيْهِ) أَيْ ذِي السُّفْلِ (التَّعْلِيقُ) لِلْأَعْلَى أَيْ حَمْلُهُ عَلَى خَشَبٍ وَنَحْوَهُ حَتَّى يَبْنِيَ (وَ) عَلَيْهِ (السَّقْفُ) السَّاتِرُ لِسُفْلِهِ، إذْ لَا يُسَمَّى السُّفْلُ بَيْتًا إلَّا بِهِ.
(تَتْمِيمٌ) سَمِعَ أَشْهَبُ بَابُ الدَّارِ عَلَى رَبِّ السُّفْلِ (وَ) عَلَيْهِ (كَنْسُ) فَضَلَاتِ (مِرْحَاضٍ) سَقَطَتْ فِيهِ مِنْ ذِي الْأَعْلَى وَذِي الْأَسْفَلِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ لِأَنَّهُ لِصَاحِبِ الْأَسْفَلِ كَالسَّقْفِ.
وَقِيلَ عَلَيْهِمَا مَعًا فِي التَّوْضِيحِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ رَقَبَةٌ لِلْأَعْلَى أَمْ لَا.
ابْنُ أَبِي زَيْدٍ أَخَذَ بَعْضُ مُتَوَلِّي الْحُكْمِ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا بِالْأَوَّلِ إنْ كَانَ فِي الدَّارِ رَقَبَةٌ وَبِالثَّانِي إنْ كَانَ فِي الْفِنَاءِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي كَوْنِ كَنْسِ مِرْحَاضٍ بِالسُّفْلِ يُلْقِي فِيهِ رَبُّ الْعُلْوِ فَضْلَتَهُ عَلَى رَبِّ السُّفْلِ أَوْ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ الْجَمَاجِمِ نَقْلًا ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ بَاعَ شَاةً مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ عَنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ لِأَشْهَبَ، وَقَوْلُ أَصْبَغَ مَعَ ابْنِ وَهْبٍ وَعَلَيْهِمَا الْخِلَافُ فِي كَنْسِ كَنِيفِ الدَّارِ الْمُكْتَرَاةِ.
أَشْهَبُ عَلَى رَبِّهَا، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَسَمِعَ أَبُو زَيْدِ بْنُ الْقَاسِمِ عَلَى الْمُكْتَرِي عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَصْبَغَ وَابْنِ وَهْبٍ وَفِيهَا دَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ.
لَا سُلَّمٌ
وَبِعَدَمِ زِيَادَةِ الْعُلْوِ، وَإِلَّا الْخَفِيفَ وَبِالسَّقْفِ لِلْأَسْفَلِ
وَبِالدَّابَّةِ لِلرَّاكِبِ
[منح الجليل]
قُلْت وَزَادَ الشَّيْخُ وَقَالَ لَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَتْ رَقَبَةُ الْبِئْرِ لِرَبِّ أَسْفَلَ فَالْكَنْسُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِرَبِّ الْعُلْوِ رَقَبَةٌ فَرَقَبَةُ الْبِئْرِ مِلْكٌ فَالْكَنْسُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ الْجَمَاجِمِ.
الشَّيْخُ خَرَّجَ عَلَى قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ أَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ كَانَ لِرَبِّ الْعُلْوِ مِلْكٌ فِي الْبِئْرِ فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ مِلْكِهِ وَابْنُ وَهْبٍ لَا يَسْأَلُهُ عَنْ الرَّقَبَةِ الْكَنْسَ عَلَى كُلِّ مَنْ انْتَفَعَ وَأَخَذَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا مِمَّنْ وَلِيَ الْحُكْمَ فَقَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ إنْ كَانَتْ مَحْفُورَةً فِي الْفِنَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ مَحْفُورَةً فِي الدَّارِ فَالْكَنْسُ عَلَى مَنْ مَلَكَ رَقَبَةَ الْبِئْرِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ وَالْقَوْلُ فِي مِرْحَاضٍ بَيْنَ دَارَيْنِ كَالْقَوْلِ فِي الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ فِيمَنْ لَهُ رَقَبَةُ الْبِئْرِ أَوْ لَيْسَتْ لَهُ.
(لَا) يَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الْأَسْفَلِ (سُلَّمٌ) بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ اللَّامِ مُشَدَّدًا يَرْقَى عَلَيْهِ رَبُّ الْأَعْلَى فَهُوَ عَلَى رَبِّ الْأَعْلَى لِأَنَّهُ الْمُنْتَفِعُ بِهِ، وَكَذَا الْبَلَاطُ عَلَى السَّقْفِ.
وَشَمِلَ كَلَامَهُ عَلْوَانَ عَلَى سُفْلٍ فَلَيْسَ عَلَى ذِي السُّفْلِ شَيْءٌ مِنْهُ، وَلَيْسَ عَلَى الْوَسَطِ سُلَّمٌ لِلْأَعْلَى مِنْهُ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ سُلَّمٌ مِنْ الْأَسْفَلِ إلَى مَحِلِّهِ الْوَسَطِ كَمَا يُفِيدُهُ التَّوْضِيحُ لِتَوَقُّفِ انْتِفَاعِهِ بِالْوَسَطِ عَلَيْهِ وَإِنْ انْتَفَعَ بِهِ الْأَعْلَى أَيْضًا وَعَلَى ذِي الْأَعْلَى سُلَّمٌ مِنْ الْوَسَطِ إلَى أَعْلَاهُ.
(وَ) قُضِيَ عَلَى ذِي عُلْوٍ (بِعَدَمِ زِيَادَةِ) بِنَاءِ (الْعُلْوِ) الْمَدْخُولِ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا تَضُرُّ السُّفْلَ (إلَّا) الشَّيْءَ (الْخَفِيفَ) الَّذِي لَا يَضُرُّ السُّفْلَ حَالًا وَمَآلًا (وَ) قُضِيَ (بِالسَّقْفِ) الْحَامِلِ لِلْأَعْلَى الْمُتَنَازَعِ فِي أَخْذِ نَقْضِهِ بَعْدَ هَدْمِهِ (لِ) رَبِّ (الْأَسْفَلِ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَسْفَلَ لَا يُسَمَّى بَيْتًا إلَّا بِهِ، وَلِلْقَضَاءِ عَلَى ذِي الْأَسْفَلِ بِوَضْعِهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فِيهِ
(و) قُضِيَ (بِالدَّابَّةِ) الْمُتَنَازَعِ فِي مِلْكِهَا رَاكِبُهَا وَالْقَائِدُ لَهَا بِزِمَامِهَا أَوْ السَّائِقُ لَهَا (لِلرَّاكِبِ) عَلَيْهَا إلَّا لِعُرْفٍ أَوْ قَرِينَةٍ وَأَوْلَى بَيِّنَةٍ، فَإِنْ تَنَازَعَ فِيهَا رَاكِبَانِ عَلَى ظَهْرِهَا قُضِيَ بِهَا لِلْمُقَدَّمِ، فَإِنْ رَكِبَاهَا بِجَنْبَيْهَا قُضِيَ بِهَا لَهُمَا، فَإِنْ سَاقَاهَا تَابِعَيْنِ لَهَا أَوْ سَاقَهَا أَحَدُهُمَا وَقَادَهَا الْآخَرُ فَهِيَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ رَكِبَهَا وَاحِدٌ عَلَى ظَهْرِهَا وَاثْنَانِ عَلَى جَنْبَيْهَا قُضِيَ بِهَا لِمَنْ عَلَى ظَهْرِهَا إلَّا
لَا مُتَعَلِّقٍ بِلِجَامٍ
وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمْ رَحًى إذْ أَبَيَا، فَالْغَلَّةُ لَهُمْ، وَيَسْتَوْفِي مِنْهَا: مَا أَنْفَقَ
[منح الجليل]
لِعُرْفٍ أَوْ قَرِينَةٍ وَأَوْلَى بَيِّنَةٍ (لَا) يُقْضَى بِالدَّابَّةِ لِشَخْصٍ (مُتَعَلِّقٍ) بِكَسْرِ اللَّامِ (بِلِجَامٍ) لِلدَّابَّةِ الْمُتَنَازَعِ فِي مِلْكِهَا إلَّا لِعُرْفٍ أَوْ قَرِينَةٍ وَأَوْلَى بَيِّنَةٍ.
(وَإِنْ) اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي رَحًى وَخَرِبَتْ فَ (أَقَامَ) أَيْ أَصْلَحَ (أَحَدُهُمْ) أَيْ الشُّرَكَاءِ (رَحًى) مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمْ (إذْ) بِسُكُونِ الذَّالِ أَيْ حِينَ (أَبَيَا) أَيْ امْتَنَعَ شَرِيكَاهُ فِيهَا مِنْ إصْلَاحِهَا مَعَهُ (فَالْغَلَّةُ) لِلرَّحَى بَعْدَ إصْلَاحِهَا (لَهُمْ) أَيْ الشُّرَكَاءِ بِحَسَبِ أَنْصِبَائِهِمْ فِيهَا (وَيَسْتَوْفِي) مُقِيمُهَا (مِنْهَا) أَيْ الْغَلَّةِ (مَا) أَيْ الْمَالَ الَّذِي (أَنْفَقَ) هـ مُقِيمُهَا فِي إقَامَتِهَا أَوَّلًا، ثُمَّ تُقْسَمُ غَلَّتُهَا بَيْنَهُمْ.
الْحَطّ هَذَا خِلَافُ مَا قَدَّمَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَنَصَّ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَإِذَا انْهَدَمَتْ الرَّحَى الْمُشْتَرَكَةُ فَأَقَامَهَا أَحَدُهُمْ إذْ أَبَى الْبَاقِي فَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْغَلَّةُ كُلُّهَا لِمُقِيمِهَا، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ نَصِيبِهِمْ خَرَابًا، وَعَنْهُ أَيْضًا يَكُونُ شَرِيكًا فِي الْغَلَّةِ بِمَا زَادَ بِعِمَارَتِهِ؛ فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهَا عَشَرَةً وَبَعْدَ عِمَارَتِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ فَلَهُ ثُلُثُ غَلَّتِهَا بِعِمَارَتِهِ وَبَاقِيهَا بَيْنَهُمْ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ يَدْفَعُ لَهُ مَا يَنُوبُهُ مِنْ قِيمَتِهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَقِيلَ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ وَيَسْتَوْفِي مِنْهَا مَا أَنْفَقَ اهـ. وَنَصَّ ابْنُ رُشْدٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ فَتَحَصَّلَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُحَاصِصُ بِالنَّفَقَةِ فِي الْغَلَّةِ انْهَدَمَتْ الرَّحَى أَوْ انْخَرَقَ سَدُّهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُحَاصِصُ بِهَا فِيهَا فِي الْوَجْهَيْنِ.
وَالثَّالِثُ: الْغَلَّةُ بَيْنَهُمَا وَكُلُّهَا مَرْوِيَّةٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُحَاصِصُ بِهَا فِيهَا فِي الْغَلَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: كُلُّهَا لِلْعَامِلِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ شَرِيكُهُ الدُّخُولَ مَعَهُ، وَيَأْتِيهِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ فِي حَظِّ شَرِيكِهِ مِنْ الرَّحَى فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ بِئْرٍ غَارَ مَاؤُهَا أَوْ انْهَدَمَتْ نَاحِيَةٌ مِنْهَا فَأَرَادَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْعَمَلَ وَأَبَى صَاحِبُهُ فَقِيلَ لِمَنْ أَبَى اعْمَلْ مَعَهُ أَوْ بِعْ مِمَّنْ يَعْمَلُ فَأَبَى وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَمَلِ وَحْدَهُ فَالْمَاءُ كُلُّهُ لِلْعَامِلِ حَتَّى يَدْفَعَ لَهُ نَصِيبَهُ مِنْ النَّفَقَةِ فَكَذَلِكَ الرَّحَى، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ قَوْلِهِ لَا كِرَاءَ عَلَيْهِ لَحَظِّ شَرِيكِهِ مِنْ الرَّحَى أَنَّهَا لَا كِرَاءَ لَهَا مَا دَامَتْ مَهْدُومَةً، وَإِنَّمَا صَارَ لَهَا الْكِرَاءُ بِإِصْلَاحِهَا.
وَبِالْإِذْنِ فِي دُخُولِ جَارِهِ لِإِصْلَاحِ جِدَارٍ وَنَحْوِهِ
[منح الجليل]
وَالثَّانِي: أَنَّ الْغَلَّةَ لِلْعَامِلِ وَعَلَيْهِ كِرَاءُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْ الرَّحَى وَهُوَ قَوْلُ عِيسَى، وَوَجْهُهُ أَنَّهَا تُكْرَى لِمَنْ يُعَمِّرُهَا وَقَدْ عَمَّرَهَا الْعَامِلُ وَانْتَفَعَ بِهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ مِنْ كِرَائِهَا، وَهُوَ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ قَوْلِ عِيسَى وَقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا فِيمَا ذَكَرَ مِنْ كِرَاءِ نَصِيبِ الْآبِي.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْغَلَّةَ بَيْنَهُمَا وَلِغَيْرِ الْعَامِلِ يُقَدَّرُ حَظُّهُ مِنْ الرَّحَى خَرِبَةً وَلِلْعَامِلِ بِقَدْرِ حَظِّهِ مِنْهَا أَيْضًا وَيُقَدَّرُ عَمَلُهُ إلَى أَنْ يُرِيدَ شَرِيكُهُ الدُّخُولَ مَعَهُ وَيَأْتِيهِ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِيمَا عَمِلَ.
اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ بَعْدَهُ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ فَهِمَ هَذَا التَّحْصِيلَ إجْمَالُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ.
الْحَطّ وَاعْتَمَدَ الْمُصَنِّفُ هُنَا عَلَى قَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ نَاقِلًا عَنْ أَنَّ عَبْدَ السَّلَامِ أَثَرَ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَبِالثَّانِي قَالَ ابْنُ دِينَارٍ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالثَّالِثُ أَقْوَاهَا عِنْدِي.
وَفِي الثَّانِي إلْزَامُهُمْ الشِّرَاءَ مِنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ أَوْ انْفِرَادُهُ بِأَكْثَرَ الْغَلَّةِ عَنْهُمْ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ لِاسْتِلْزَامِهِ حَجْرُ مِلْكِهِمْ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ إلَّا أُجْرَةَ الْخَرَابِ.
فَإِنْ قِيلَ الثَّالِثُ ضَعِيفٌ أَيْضًا لِأَنَّ مُتَوَلِّي النَّفَقَةَ أَخْرَجَ مِنْ يَدِهِ مَا أَنْفَقَ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَيَأْخُذُهُ مِنْ الْغَلَّةِ مُقَطَّعًا، قِيلَ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ اخْتِيَارًا، وَلَوْ شَاءَ لَرَفَعَهُمْ إلَى الْقَاضِي فَحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِمَا قَالَهُ عِيسَى عَنْ مَالِكٍ إمَّا أَنْ يُسَلِّمُوا أَوْ يَبِيعُوا مِمَّنْ يُصَلَّحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) قَضَى عَلَى جَارٍ (بِالْإِذْنِ فِي دُخُولِ جَارِهِ) دَارِهِ (لِإِصْلَاحِ جِدَارٍ وَنَحْوَهُ) أَيْ الْجِدَارِ كَخَشَبٍ وَنَحْوِهِ أَوْ الْإِصْلَاحِ كَإِخْرَاجِ ثَوْبِهِ الْوَاقِعِ فِي الدَّارِ إنْ لَمْ يُخْرِجْهُ لَهُ، لَكِنْ هَذَا لَيْسَ خَاصًّا بِالْجَارِ، بَلْ كُلُّ مَنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ فِي دَارِ غَيْرِهِ حُكْمُهُ كَذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ النَّوَادِرِ وَلَوْ قَلَعَ الرِّيحُ ثَوْبَ رَجُلٍ فَأَلْقَتْهُ فِي دَارِ آخَرَ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ دُخُولِهَا لِأَخْذِهِ إنْ لَمْ يُخْرِجْهُ لَهُ اهـ. الْبِسَاطِيُّ مِثْلُهُ دُخُولُ دَابَّةٍ فِي دَارِهِ وَلَا يَسْتَطِيعُ إخْرَاجَهَا مِنْهَا إلَّا مَالِكُهَا.
الْحَطّ وَهُوَ وَاضِحٌ، فَعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْإِصْلَاحِ أَحْسَنُ لِشُمُولِهِ مَا ذَكَرَ أَيْضًا وَتَفَقُّدُ الْجِدَارِ مِنْ بَيْتِ الْجَارِ.
وَبِقِسْمَتِهِ، إنْ طُلِبَتْ
[منح الجليل]
ابْنُ عَرَفَةَ فِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ عَنْ الْمُشَاوَرِ لِمَنْ لَهُ حَائِطٌ بِدَارِ رَجُلٍ بِالدُّخُولِ إلَيْهِ لِافْتِقَادِهِ كَمَنْ لَهُ شَجَرَةٌ فِي دَارِ رَجُلٍ.
ابْنُ فَتُّوحٍ مَنْ ذَهَبَ إلَى طَرِّ حَائِطٍ مِنْ نَاحِيَةِ جَارِ دَارِهِ فَمَنَعَهُ مِنْهُ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ يَحْتَاجُ إلَى الطَّرِّ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلِجَارِهِ مَنْعُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا كَالْمُخَالِفِ لِقَوْلِ الْمُشَاوِرِ لَهُ الدُّخُولُ لِافْتِقَادِهِ.
الْحَطّ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ قَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ فَتُّوحٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ كَلَامَ الْمُشَاوِرِ لِأَنَّهُ فِي الْجِدَارِ الَّذِي فِي دَارِ الرَّجُلِ وَلَا يُمْكِنُهُ النَّظَرُ إلَيْهِ إلَّا مِنْ دَارِ جَارِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ تَشْبِيهُهُ بِالشَّجَرَةِ وَكَلَامُ ابْنِ فَتُّوحٍ فِي الْجِدَارِ الْمُجَاوِرِ، وَهَذَا يُمْكِنُهُ نَظَرُهُ مِنْ دَارِ نَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي النَّوَادِرِ لِابْنِ سَحْنُونٍ عَنْهُ فِي جَوَابِهِ حَبِيبًا مَنْ أَرَادَ أَنْ يُطِرَّ حَائِطَهُ مِنْ دَارِ جَارِهِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ دُخُولِهَا لِطَرِّهِ.
ابْنُ حَارِثٍ لَيْسَ لَهُ الطَّرُّ لِأَنَّهُ يَقَعُ فِي هَوَاءِ جَارِهِ إلَّا أَنْ يَنْحِتَ مِنْ حَائِطٍ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّرُّ.
اهـ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَطُرَّ دَاخِلَ دَارِهِ وَلِجَارِهِ حَائِطٌ فِيهَا فَيَمْنَعُهُ مِنْهُ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ وَلِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا لَهُ وَلَا يَضُرُّ جَارَهُ.
ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ سَحْنُونٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ الدُّخُولَ لِطَرِّ جِدَارِهِ، وَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ إدْخَالِ الْجَصِّ وَالطِّينِ وَيَفْتَحُ فِي حَائِطِهِ كُوَّةً لِأَخْذِ ذَلِكَ.
ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فَإِنْ أَرَادَ طَرَّ حَائِطِهِ فَذَهَبَ جَارُهُ إلَى أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الدُّخُولِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ الْبِنَاءِ وَالْأُجَرَاءِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَيُقَالُ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ صِفْ لَهُمْ مَا تُرِيدُ وَأَمَّا أَنْتَ فَلَا تَدْخُلْ دَارِهِ لِكَرَاهَةِ جَارِك دُخُولَك فِيهَا، فَإِنْ مَنَعَ إدْخَالَ الطِّينِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْبَابِ أُمِرَ صَاحِبُ الْحَائِطِ بِفَتْحِ مَوْضِعٍ فِي حَائِطِهِ لِيُدْخِلَ مِنْهُ الطِّينَ وَالطُّوبَ وَالصَّخْرَ وَسَائِرَ مَا يَحْتَاجُ الْحَائِطُ إلَيْهِ وَيَعْجِنُ الطِّينَ فِي دَارِهِ وَيُدْخِلُهُ إلَى دَارِ جَارِهِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي فَتَحَهُ، فَإِذَا أَتَمَّ الْعَمَلَ بَنَى ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَحَصَّنَهُ.
(وَ) إذَا كَانَ حَائِطٌ مُشْتَرَكًا وَطَلَبَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ قِسْمَتَهُ قُضِيَ (بِقِسْمَتِهِ) أَيْ الْحَائِطِ (إنْ طُلِبَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ قِسْمَتُهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِشَرْطِ عَدَمِ الضَّرَرِ قِيلَ لَهُ إنْ كَانَ لِكُلٍّ جُذُوعٌ عَلَيْهِ، قَالَ إنْ كَانَ جُذُوعُ هَذَا مِنْ هُنَا وَهَذَا مِنْ هُنَا فَلَا تُسْتَطَاعُ قِسْمَتُهُ وَيَتَقَاوَيَانِهِ كَمَا لَا يَنْقَسِمُ مِنْ الْعَرْضِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ، وَصِفَةُ قَسْمِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ
لَا بِطُولِهِ عَرْضًا
[منح الجليل]
يُقْسَمَ (طُولًا) أَيْ بِاعْتِبَارِ امْتِدَادِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ لِجِهَةِ الْمَغْرِبِ أَوْ جِهَةِ الْجَنُوبِ إلَى جِهَةِ الشِّمَالِ لَا بِاعْتِبَارِ ارْتِفَاعِهِ مِنْ الْأَرْضِ إلَى جِهَةِ السَّمَاءِ، فَإِذَا كَانَ طُولُهُ عِشْرِينَ ذِرَاعًا وَعَرْضُهُ ذِرَاعٌ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ عَشَرَةً بِعَرْضِهَا بِالْقُرْعَةِ.
و (لَا) يَصِحُّ قِسْمَةٌ (بِطُولِهِ) أَيْ امْتِدَادِ الْحَائِطِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ وَمِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ إلَى جِهَةِ الْجَنُوبِ (عَرْضًا) أَيْ بِاعْتِبَارِ عَرْضِهِ بِأَنْ يَصِيرَ نِصْفُ عَرْضِهِ مِنْ أَوَّلِهِ لِآخِرِهِ لِأَحَدِهِمَا وَنِصْفُ الْآخَرِ لِلْآخَرِ بِالْقُرْعَةِ لِاحْتِمَالِ إخْرَاجِهَا قَسْمَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي جِهَةٍ لِآخَرَ، فَيَتَعَذَّرُ الِانْتِفَاعُ بِمَا تُخْرِجُهُ لَهُ الْقُرْعَةُ " غ " أَيْ وَلَا بِقِسْمَةِ طُولِهِ عَرْضًا، فَإِذَا كَانَ الْجِدَارُ جَارِيًا مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ مَثَلًا عَلَى صُورَةِ سُورٍ لَهُ شُرُفَاتٌ وَمَمْشًى، فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِمَا بِقَسْمِهِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا جِهَةَ الشُّرَّافَاتِ وَالْآخَرُ جِهَةَ الْمَمْشَى، وَلَكِنْ يُقْسَمُ عَلَى أَخْذِ أَحَدِهِمَا الْجِهَةَ الشَّرْقِيَّةَ بِشُرُفَاتِهَا وَمَمْشَاهَا وَالْآخَرِ الْجِهَةَ الْغَرْبِيَّةَ كَذَلِكَ، فَلَفْظُ عَرْضًا عَلَى هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِالْمُضَافِ الْمُقَدَّرِ أَيْ قِسْمَةٍ وَيَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِلَفْظِ قِسْمَةِ الظَّاهِرِ.
وَفِي نُسْخَةٍ بِقِسْمَتِهِ إنْ طُلِبَتْ عَرْضًا لَا بِطُولِهِ وَيَرْجِعُ فِي الْمَعْنَى لِلْأَوَّلِ وَهُوَ يُحَرَّمُ عَلَى إثْبَاتِ الصِّفَةِ الَّتِي قَالَهَا اللَّخْمِيُّ وَابْنُ الْهِنْدِيِّ، وَحَكَاهَا ابْنُ الْعَطَّارِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَفْيُ الصِّفَةِ الَّتِي تَأَوَّلَهَا أَبُو إبْرَاهِيمَ الْفَاسِيُّ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ، وَحَكَاهَا ابْنُ الْعَطَّارِ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ وَيَتِمُّ هَذَا بِالْوُقُوفِ عَلَى نُصُوصِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُقْسَمُ الْجِدَارُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ.
أَبُو الْحَسَنِ يَعْنِي بِالْقُرْعَةِ.
وَأَمَّا بِالتَّرَاضِي فَيَجُوزُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ وَيَأْتِي الِاعْتِرَاضُ الَّذِي فِي قَسْمِ السَّاحَةِ بَعْدَ قَسْمِ الْبُيُوتِ لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْجِهَةُ الَّتِي تَلِي الْآخَرَ إلَّا أَنْ يَقْتَسِمَا عَلَى أَنَّ مَنْ صَارَ لَهُ جِهَةُ الْآخَرِ يَكُونُ لِلْآخَرِ عَلَيْهِ الْحَمْلُ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ صِفَةُ الْقَسْمِ فِيهِ إذَا كَانَ جَارِيًا مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ وَالْآخَرُ مِمَّا يَلِي الْجَوْفَ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِقِسْمَةٍ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَضَعُهُ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا مِنْ خَشَبٍ وَبِنَاءٍ فَثَقْلُهُ وَمَضَرَّتُهُ عَلَى جَمِيعِ الْحَائِطِ، وَلَا يَخْتَصُّ النَّوْلُ وَالضَّرَرُ بِمَا يَلِيهِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَقْسِمَا الْأَعْلَى مِثْلَ كَوْنِ عَرْضِهِ شِبْرَيْنِ فَيَبْنِي كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى أَعْلَاهُ يَسِيرًا مِمَّا يَلِيهِ لِنَفْسِهِ، وَيَكُونُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
هَذَا انْضِمَامًا لِلْأَعْلَى وَجُمْلَةُ الْحَائِطِ عَلَى الشَّرِكَةِ الْأُولَى، فَإِذَا انْهَدَمَ اقْتَسَمَا أَرْضَهُ وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَهُ مِمَّا يَلِيهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَصِفَةُ قَسْمِهِ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ أَنْ يُقْسَمَ طُولًا لَا عَرْضًا.
وَقَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ قِسْمَتُهُ عَرْضًا لِقَوْلِهِ وَكَانَ يَنْقَسِمُ، قَالَ وَأَمَّا طُولًا فَيَنْقَسِمُ وَإِنْ قَلَّ، وَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ سُنَّةُ قَسْمِ الْحَائِطِ أَنْ يُقْسَمَ بِخَيْطٍ مِنْ أَعْلَاهُ إلَى أَسْفَلِهِ فَيَقَعُ جَمِيعُ الشَّطْرِ لِوَاحِدٍ، وَجَمِيعُ الشَّطْرِ الْآخَرِ لِوَاحِدٍ آخَرَ إلَّا أَنْ يُتَّفَقَا عَلَى قِسْمَةِ عَرْضِهِ عَلَى طُولِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ وَعِيسَى بْنُ دِينَارٍ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَرْضًا بِأَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ مِمَّا يَلِيهِ، فَإِنْ كَانَ عَرْضُهُ شِبْرَيْنِ أَخَذَ هَذَا شِبْرًا مِمَّا يَلِي دَارِهِ، وَهَذَا شِبْرًا مِمَّا يَلِي دَارِهِ وَلَا تَصْلُحُ الْقُرْعَةُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقِسْمَةِ.
ابْنُ الْعَطَّارِ وَابْنُ فَتُّوحٍ وَالْمُتَيْطِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُمَدُّ الْحَبْلُ بَيْنَهُمَا فِيهِ طُولًا ارْتِفَاعًا مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ، وَيُرْسَمُ مَوْقِفُ نِصْفِ الْحَبْلِ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْجَانِبُ الَّذِي تَقَعُ عَلَيْهِ قُرْعَتُهُ.
زَادَ ابْنُ فَتُّوحٍ إلَى نَاحِيَةٍ بِعَيْنِهَا وَلَا تَصِحُّ قِسْمَةُ الْقُرْعَةِ فِيهِ إلَّا هَكَذَا.
اهـ. وَإِذَا طُوِيَ الْحَبْلُ الْمَذْكُورُ حَقَّقَ نِصْفَهُ.
وَإِذَا عَرَفْت أَنَّ الطُّولَ وَالْعَرْضَ يُعْقَلَانِ نِسْبَةً وَإِضَافَةً أَمْكَنَك الْجَمْعَ بَيْنَ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ ابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَظَهَرَ لَك أَنَّ قَوْلَ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ الْهِنْدِيِّ رَاجِعٌ لِمَا حَكَاهُ ابْنُ الْعَطَّارِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْمُصَنِّفُ، وَأَنَّ تَأْوِيلَ أَبِي إبْرَاهِيمَ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ رَاجِعٌ لِمَا حَكَاهُ ابْنُ الْعَطَّارِ عَنْ عِيسَى وَهُوَ الَّذِي نَفَاهُ الْمُصَنِّفُ.
(تَكْمِيلٌ)
فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ جُذُوعٌ فَلَا يُقْسَمُ وَيَتَقَاوَيَاهُ.
اللَّخْمِيُّ لَيْسَ هَذَا بِالْبَيِّنِ لِأَنَّ الْحَمْلَ الَّذِي عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ الْقَسْمَ كَمَا لَا يَمْنَعُ قَسْمَ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ وَحَمْلَ الْعُلْوِ عَلَى السُّفْلِ وَأَرَى أَنْ يُقْسَمَ طَائِفَتَيْنِ عَلَى أَنَّ مَنْ صَارَتْ لَهُ طَائِفَةٌ كَانَتْ لَهُ وَلِلْآخَرِ الْحَمْلُ عَلَيْهَا، فَإِذَا جَازَتْ الْمُقَاوَاةُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ جَازَتْ الْقِسْمَةُ بِالْأَوْلَى.
ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَتَقَاوَيَاهُ كَمَا لَا يَنْقَسِمُ مِنْ عَرْضٍ وَحَيَوَانٍ أَنَّهُ لَا حَمْلَ فِيهِ عَلَى مَنْ صَارَ لَهُ.
اهـ.
وَبِإِعَادَةِ السَّاتِرِ لِغَيْرِهِ، إنْ هَدَمَهُ ضَرَرًا، لَا لِإِصْلَاحٍ أَوْ هَدْمٍ
[منح الجليل]
كَلَامُ " غ ". الْحَطّ مَا ذَكَرَهُ " غ " فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَافٍ فِي بَيَانِهَا.
(وَ) إنْ هَدَمَ شَخْصٌ حَائِطَهُ السَّاتِرَ لِجَارِهِ قُضِيَ عَلَيْهِ (بِإِعَادَةِ) جِدَارِهِ (السَّاتِرِ لِغَيْرِهِ) عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ (إنْ هَدَمَهُ) أَيْ الْمَالِكُ الْجِدَارَ السَّاتِرَ لِجَارِهِ (ضَرَرًا) أَيْ لِقَصْدِ ضَرَرِ جَارِهِ بِانْكِشَافِهِ (لَا) يُقْضَى عَلَيْهِ بِإِعَادَتِهِ إنْ هَدَمَهُ (لِإِصْلَاحٍ) أَيْ لِمَصْلَحَةٍ، كَخَوْفِ سُقُوطِهِ أَوْ لِيُعِيدَهُ أَوْثَقَ أَوْ لِإِخْرَاجِ مَا تَحْتَهُ (أَوْ) أَيٍّ وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِإِعَادَتِهِ لِ (هَدْمٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، أَيْ انْهِدَامٍ لِلْجِدَارِ بِلَا فِعْلِ مَخْلُوقٍ.
الْحَطّ فُرُوعٌ أَوَّلُ: فِي الْمَسَائِلِ، الْمَلْقُوطَةِ إذَا كَانَ حَائِطٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَانْهَدَمَ وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا إعَادَتَهُ مَعَ صَاحِبِهِ وَامْتَنَعَ الْآخَرُ، فَعَنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " رِوَايَتَانِ فِيهِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ الْآبِي مِنْهُمَا عَلَى الْإِعَادَةِ، وَيُقَالُ لِطَالِبِهَا اُسْتُرْ عَلَى نَفْسِك وَابْنِ إنْ شِئْت، وَلَهُ أَنْ يَقْسِمَ مَعَهُ عَرْضَ الْجِدَارِ وَيَبْنِي لِنَفْسِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى إنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ مَعَ شَرِيكِهِ وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَهَذَا أَحَبُّ إلَيْنَا اهـ.
الثَّانِي فِي عُمْدَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ لَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ حَائِطًا بَيْنَ دَارَيْنِ وَلَا بَيِّنَةَ حُكِمَ بِهِ لِمَنْ إلَيْهِ وُجُوهُ الْآخَرِ وَاللَّبِنُ وَالطَّاقَاتُ وَمَعَاقِدُ الْقُمُطِ، فَإِنْ لَمْ تَدُلَّ إمَارَةٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ وَلَيْسَ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِهَدْمٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ فَتْحِ بَابٍ أَوْ كُوَّةٍ وَنَحْوِهَا إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرَكُ سُتْرَةً بَيْنَهُمَا فَانْهَدَمَ وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا إصْلَاحَهُ وَأَبَاهُ الْآخَرُ فَهَلْ يُجْبَرُ الْآخَرُ عَلَيْهِ رِوَايَتَانِ، وَعَلَى عَدَمِ جَبْرِهِ تُقْسَمُ الْعَرْصَةُ لِيَبْنِيَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فَلَوْ هَدَمَهُ أَحَدُهُمَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ لَزِمَهُ إعَادَتُهُ كَمَا كَانَ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْبِئْرِ الْمُشْتَرَكَةِ تَنْهَارُ اهـ.
الثَّالِثُ: ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا مَنْعُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي شَيْءٍ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ مِنْ تَصَرُّفِهِ فِيهِ دُونَ إذْنِ شَرِيكِهِ لِمَلْزُومِيَّتِهِ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
إلَّا خِوَانٌ لَيْسَ لِأَحَدِ مَالِكَيْ جِدَارٍ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ مَا يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ حَمْلِ مِثْلِهِ عَلَيْهِ إنْ احْتَاجَ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْنَعُ صَاحِبَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ مِثْلَهُ كَحَمْلِ سَقْفِ بَيْتٍ أَوْ غَرْزِ خَشَبَةٍ فَذَلِكَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ.
وَبِهَدْمِ بِنَاءٍ بِطَرِيقٍ، وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ
[منح الجليل]
وَ) قُضِيَ (بِهَدْمِ بِنَاءٍ بِطَرِيقٍ) عَامٍّ لِلْمُسْلِمِينَ إنْ أَضَرَّ الْمَارِّينَ اتِّفَاقًا، بَلْ (وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ) الْبِنَاءُ الْمَارِّينَ لِاتِّسَاعِ الطَّرِيقِ جِدًّا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ هَدْمِهِ إنْ لَمْ يَضُرَّ، وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْوُقُوعِ.
وَأَمَّا ابْتِدَاءً فَلَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ.
فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ زُونَانَ سَأَلَتْهُ عَنْ الرَّجُلِ يَتَزَيَّدُ فِي دَارِهِ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ ذِرَاعًا أَوْ ذِرَاعَيْنِ فَيَبْنِي بِهِ جِدَارًا وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ وَيَجْعَلُهُ بَيْتًا فَيَقُومُ عَلَيْهِ جَارُهُ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُهُ مِنْ جَانِبِ الطَّرِيقِ الْآخَرِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ مَا تَزَيَّدَ وَرَفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ، وَأَرَادَ أَنْ يَهْدِمَ مَا تَزَيَّدَ مِنْ الطَّرِيقِ وَزَعَمَ أَنَّ سَعَةَ الطَّرِيقِ كَانَ رِفْقًا بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ فِنَاءً لَهُ وَمَرْبِطًا لِدَابَّتِهِ وَفِي بَقِيَّةِ الطَّرِيقِ مَمَرٌّ لِلنَّاسِ، وَكَانَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ سَعَةِ الطَّرِيقِ ثَمَانِيَةُ أَذْرُعٍ أَوْ تِسْعَةٌ فَهَلْ لِذَلِكَ الْقَائِمِ إلَى هَدْمِ بُنْيَانِ جَارِهِ سَبِيلٌ؟ أَوْ رَفَعَ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ كَانَ يَسْلُكُ تِلْكَ الطَّرِيقَ وَفِي بَقِيَّةِ سَعَتِهِ مَا قَدْ أَعْلَمْتُكَ؟ فَقَالَ يُهْدَمُ مَا بُنِيَ كَانَ فِي سَعَةِ الطَّرِيقِ ثَمَانِيَةُ أَذْرُعٍ أَوْ تِسْعَةٌ، إذْ لَا يَنْبَغِي التَّزَيُّدُ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ إلَى النَّاسِ وَيَسْتَنْهِي إلَيْهِمْ أَنْ لَا يُحْدِثَ أَحَدٌ بُنْيَانًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَذَكَرَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ الْحَكَمِ الْحِذَامِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ حَدَّادًا ابْتَنَى كِيرًا فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فَرَآهُ فَقَالَ لَقَدْ اسْتَنْقَصْتُمْ السُّوقَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَهَدَمَهُ.
أَشْهَبُ يَأْمُرُ السُّلْطَانُ بِهَدْمِهِ رَفَعَ إلَيْهِ ذَلِكَ مَنْ يَسْلُكُهُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ جِيرَانِهِ، إذْ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ التَّزَيُّدُ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الطَّرِيقِ سَعَةٌ وَلَمْ يَكُنْ مُضِرًّا لَهُ مَا تَزَيَّدَ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَيَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَتَزَيَّدَ أَحَدٌ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ.
ابْنُ رُشْدٍ اتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِيمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَطِعَ أَحَدٌ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَيَزِيدُهُ فِي دَارِهِ وَيُدْخِلُهُ فِي بُنْيَانِهِ، وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا جِدًّا لَا يَضُرُّهُ مَا اقْتَطَعَ مِنْهُ، وَاخْتَلَفُوا إنْ تَزَيَّدَ فِي دَارِهِ مِنْ الطَّرِيقِ الْوَاسِعَةِ مَا لَا يَضُرُّ بِهَا وَلَا يُضَيِّقُهَا عَلَى الْمَارَّةِ فِيهَا فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ يُهْدَمُ عَلَيْهِ مَا تَزَيَّدَ مِنْ الطَّرِيقِ، وَتُعَادُ إلَى حَالِهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْأَبْرِحَةِ يَبْنِيهَا الرَّجُلُ فِي الطَّرِيقِ مُلْصَقَةً بِجِدَارِهِ اخْتِيَارًا.
ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى ظَاهِرِ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الْكِيرِ الَّذِي اُبْتُنِيَ بِالسُّوقِ فَأَمَرَ بِهِ فَهُدِمَ، وَوَجْهُ هَذَا قَوْلُ أَنَّ الطَّرِيقَ حَقٌّ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ كَالْحَبْسِ، فَوَجَبَ أَنْ يُهْدَمَ عَلَى الرَّجُلِ مَا تَزَيَّدَهُ فِي دَارِهِ مِنْهَا كَمَا يُهْدَمُ عَلَيْهِ بِمَا تَزَيَّدَ مِنْ أَرْضٍ مُحْبَسَةٍ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ مِلْكٍ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ.
وَقِيلَ إنَّهُ لَا يُهْدَمُ عَلَيْهِ مَا تَزَيَّدَ مِنْ الطَّرِيقِ إذَا كَانَ لَا يَضُرُّ بِهَا لِسَعَتِهَا لِمَا لَهُ مِنْ الْحَقِّ فِيهِ، إذْ هُوَ فِنَاؤُهُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَكِرَاؤُهُ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا جَاءَ مِنْ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَضَى بِالْأَفْنِيَةِ لِأَرْبَابِ الدُّورِ وَأَفْنِيَتُهَا مَا أَحَاطَ بِهَا مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهَا، فَلَمَّا كَانَ مُخْتَصًّا بِالِانْتِفَاعِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا إلَّا إذَا اسْتَغْنَى هُوَ عَنْهُ وَجَبَ أَنْ لَا يُهْدَمَ عَلَيْهِ بُنْيَانُهُ فَيَذْهَبُ مَالُهُ هَدَرًا، وَهُوَ أَعْظَمُ النَّاسِ حَقًّا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، بَلْ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مَعَهُ فِيهِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ، فَكَيْفَ إذَا لَمْ يُصَلْ إلَى أَخْذِهِ مِنْهُ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ إلَّا بِهَدْمِ بُنْيَانِهِ وَتَلَفِ مَالِهِ، وَهَذَا بَيِّنٌ لَا سِيَّمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ أَبَاحَ لَهُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً.
فِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ سَمْعَانَ عَمَّنْ أَدْرَكَهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالُوا فِي الطَّرِيقِ أَرَادَ أَهْلُهَا بُنْيَانَ عَرْصَتِهَا أَنَّ الْأَقْرَبِينَ إلَيْهَا يَقْتَطِعُونَهَا عَلَى قَدْرِ مَا شُرِعَ فِيهَا مِنْ رُبَاعِهِمْ بِالْحِصَصِ، فَيُعْطَى صَاحِبُ الرُّبْعِ الْوَاسِعِ بِقَدْرِهِ، وَصَاحِبُ الصَّغِيرِ بِقَدْرِهِ، وَيَتْرُكُونَ لِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ ثَمَانِيَةَ أَذْرُعٍ احْتِيَاطًا لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهَا السَّبْعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى زِيَادَةِ الذِّرَاعِ وَنُقْصَانِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَظْهَرُ، وَالْقَائِلُونَ بِهِ أَكْثَرُ، وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَقَدْ نَزَلَتْ بِقُرْطُبَةَ قَدِيمًا فَأَفْتَى ابْنُ لُبَابَةَ وَأَبُو صَالِحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ وَلِيدٍ بِأَنَّهُ لَا يُهْدَمُ مَا تَزَيَّدَهُ مِنْ الطَّرِيقِ إذْ لَمْ يَضُرَّ بِهَا، وَأَفْتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَعِيدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مُطَيَّرٍ بِهَدْمِ مَا تَزَيَّدَ مِنْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَمَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُهْدَمُ مَا تَزَيَّدَ مِنْ الطَّرِيقِ إذَا كَانَ لَا يُضَرُّ بِهِ، أَفْتَى بِهِ أَيْضًا فِي نَوَازِلِهِ، وَرَجَّحَهُ فِي سُؤَالٍ كَتَبَ بِهِ إلَيْهِ عِيَاضٌ عَمَّنْ بَنَى حَائِطًا فِي بَطْنِ
وَبِجُلُوسِ بَاعَةٍ بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ لِلْبَيْعِ إنْ خَفَّ
[منح الجليل]
وَادٍ وَقَدْ كَانَ حَائِطٌ دُونَ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ إنْ كَانَ الْحَائِطُ الَّذِي بَنَاهُ يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ أَوْ بِجَارِهِ فَيُهْدَمُ وَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ لَا يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ وَلَا بِجَارِهِ فَلَا يُهْدَمُ.
وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ تَزَيَّدَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِهِ مَا لَا يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ لَا يُهْدَمُ بُنْيَانُهُ، وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يُهْدَمُ عَلَيْهِ بُنْيَانُهُ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالطَّرِيقِ لِمَا لَهُ مِنْ الْحَقِّ فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي أَقُولُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، لَا سِيَّمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ أَبَاحَ لَهُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً.
أَصْبَغُ وَسَأَلْت أَشْهَبَ عَنْ رَجُلٍ تَهَدَّمَ دَارُهُ وَلَهُ فِنَاءٌ وَاسِعٌ فَيَزِيدُ فِيهَا مِنْهُ يُدْخِلُهُ بُنْيَانَهُ ثُمَّ يُعْلَمُ ذَلِكَ فَقَالَ لَا يُعْرَضُ لَهُ إذَا كَانَ الْفِنَاءُ وَاسِعًا رَحْرَاحًا لَا يَضُرُّ الطَّرِيقَ، وَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٌ وَأَنَا أَكْرَهُهُ وَلَا آمُرُهُ بِهِ وَلَا أَقْضِي عَلَيْهِ بِهَدْمِهِ إذَا كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا رَحْرَاحًا لَا يَضُرُّ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَا يُقَارِبُهُ الْمَشْيُ، ثُمَّ قَالَ الْحَطَّابُ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ يَحْصُلُ مِنْ هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ اتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ ابْتِدَاءً أَنْ يَقْطَعَ مِنْ الطَّرِيقِ شَيْئًا وَيُدْخِلَهُ فِي بُنْيَانِهِ وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا جِدًّا لَا يَضُرُّهُ مَا اقْتَطَعَ مِنْهُ، فَإِنْ اقْتَطَعَ شَيْئًا مِنْهُ وَأَدْخَلَهُ فِي بُنْيَانِهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَضُرُّ بِهَا وَيُضَيِّقُهَا عَلَى الْمَارَّةِ فَيُهْدَمُ عَلَيْهِ مَا تَزَيَّدَ مِنْهَا وَتُعَادُ لِحَالِهَا بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَضُرُّ بِهَا وَلَا يُضَيِّقُهَا عَلَى الْمَارَّةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ، الْأَوَّلُ: يُهْدَمُ مَا تَزَيَّدَ مِنْهَا وَتُعَادُ لِحَالِهَا وَهُوَ الَّذِي شَهَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالثَّانِي: لَا يُهْدَمُ، وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ، وَرَجَّحَهُ فِي نَوَازِلِهِ، وَأَشَارَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بِوَلَوْ لَمْ يَضُرَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ أَبَاحَ ذَلِكَ لَهُ ابْتِدَاءً لَا يُنَافِي قَوْلَهُ اتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ ابْتِدَاءً لِأَنَّهُ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْخَارِجِينَ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) قُضِيَ (بِجُلُوسِ بَاعَةٍ) جَمْعِ بَائِعٍ كَحَاكَةٍ جَمْعِ حَائِكٍ وَصَاغَةٍ جَمْعِ صَائِغٍ (بِأَفْنِيَةٍ) جَمْعِ فِنَاءٍ كَأَبْنِيَةٍ جَمْعِ بِنَاءٍ، أَيْ فُسُحَاتِ (الدُّورِ) بِضَمِّ الدَّالِ جَمْعِ دَارٍ، وَصِلَةُ جُلُوسٍ (لِلْبَيْعِ) لَا لِلْحَدِيثِ أَوْ اللَّعِبِ (إنْ خَفَّ) الْجُلُوسُ لِلْبَيْعِ وَظَاهِرُهُ لِأَرْبَابِ الدُّورِ وَغَيْرِهِمْ وَقَرَّرَ بِهِ الشَّارِحُ، وَاَلَّذِي فِي ابْنِ الْحَاجِبِ قَضَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِأَرْبَابِ الدُّورِ، وَبِهِ قَرَّرَ الْبِسَاطِيُّ وَبَعْضُ مَشَايِخِي قَالَهُ تت.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ابْنُ عَرَفَةَ فِنَاءُ الدَّارِ مَا بَيْنَ يَدَيْ بِنَائِهَا فَاضِلًا عَنْ مَمَرِّ الطَّرِيقِ الْمُعَدِّ لِلْمُرُورِ غَالِبًا كَانَ بَيْنَ يَدَيْ بَابِهَا أَوْ غَيْرِهِ، وَكَانَ بَعْضٌ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ مَا بَيْنَ يَدَيْ بَابِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِقَوْلِهَا وَإِنْ قَسَمَا دَارًا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ طَائِفَةً، فَمَنْ صَارَتْ لَهُ الْأَجْنِحَةُ فِي حَظِّهِ فَهِيَ لَهُ وَلَا تُعَدُّ مِنْ الْفِنَاءِ وَإِنْ كَانَتْ فِي هَوَاءِ الْأَفْنِيَةِ وَفِنَاءُ الدَّارِ لَهُمْ أَجْمَعِينَ الِانْتِفَاعُ بِهِ.
الْحَطّ كَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي تَفْسِيرِ الْفِنَاءِ إلَّا مَا أَخَذَ عَنْ نَصِّهَا، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ فَقَالَ الْأَفْنِيَةُ دُونَ الدُّورِ كُلِّهَا مُقْبِلِهَا وَمُدْبِرِهَا.
الثَّانِي: مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْأَفْنِيَةُ الَّتِي فِي الطَّرِيقِ يُكْرِيهَا أَهْلُهَا أَذَلِكَ لَهُمْ وَهُوَ طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ أَمَّا كُلُّ فِنَاءٍ ضَيِّقٍ إذَا وُضِعَ فِيهِ شَيْءٌ أَضَرَّ بِالْمُسْلِمِينَ فِي طَرِيقِهِمْ فَلَا أَرَى أَنْ يُمَكَّنَ أَحَدٌ مِنْ الِانْتِقَاعِ بِهِ وَأَنْ يُمْنَعُوا وَأَمَّا كُلُّ فِنَاءٍ إنْ انْتَفَعَ بِهِ أَهْلُهُ فَلَا يُضَيِّقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مُرُورِهِمْ لِسَعَتِهِ فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ إنَّ لِأَرْبَابِ الْأَفْنِيَةِ أَنْ يَكْرُوهَا مِمَّنْ يَصْنَعُ بِهَا مَا لَا يُضَيِّقُ بِهِ الطَّرِيقَ عَلَى الْمَارَّةِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُمْ الِانْتِفَاعُ بِهَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَكَانُوا أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُكْرُوهَا لِأَنَّ مَا كَانَ لِلرَّجُلِ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَانَ لَهُ كِرَاؤُهُ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ أَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذِهِ الْكُلِّيَّةُ غَيْرُ مُسَلَّمَةٌ، لِأَنَّ بَعْضَ مَا لِلرَّجُلِ الِانْتِفَاعُ بِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ كِرَاؤُهُ كَجِلْدِ أُضْحِيَّةٍ وَبَيْتٍ وَمَدْرَسَةٍ لِطَالِبٍ وَنَحْوِهِمَا.
الثَّالِثُ: سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَمَّنْ لَهُ دَارَانِ بَيْنَهُمَا رَحْبَةٌ، وَأَهْلُ الطَّرِيقِ رُبَّمَا ارْتَفَقُوا بِهِ إذَا ضَاقَ الطَّرِيقُ عَنْ الْأَحْمَالِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَدَخَلُوهُ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهِ نِجَافًا وَبَابًا حَتَّى تَكُونَ الرَّحْبَةُ فِنَاءً لَهُ.
وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا بَابٌ وَلَا نِجَافٌ فَقَالَ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى الرَّحْبَةِ نِجَافًا وَلَا بَابًا لِيَخْتَصَّ بِمَنْفَعَتِهَا وَيَقْطَعُ حَقَّ النَّاسِ مِنْهَا فِي الِارْتِفَاقِ بِهَا لِأَنَّ الْأَفْنِيَةَ لَا تُحْجَرُ إنَّمَا
وَلِلسَّابِقِ
[منح الجليل]
لِأَرْبَابِهَا الِانْتِفَاعُ بِهَا وَكِرَاؤُهَا فِيمَا لَا يُضَيِّقُهَا عَلَى الْمَارَّةِ فِيهَا مِنْ النَّاسِ.
الرَّابِعُ: مَفْهُومُ إنْ خَفَّ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِجُلُوسِهِمْ لَمَّا كَثُرَ وَطَالَ.
ابْنُ الْحَاجِبِ لَا يُمْنَعُ فِيمَا خَفَّ الْبَاعَةُ وَلَا غَيْرُهُمْ.
التَّوْضِيحُ اُحْتُرِزَ بِمَا خَفَّ مِمَّا يُسْتَدَامُ.
خَلِيلٌ وَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَى مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْرِزُونَ الْخَشَبَ فِي الشَّوَارِعِ عِنْدَنَا لِأَنَّهُمْ غُصَّابٌ لِلطَّرِيقِ، وَقَالَهُ سَيِّدِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
الْخَامِسُ: رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ اقْتَطَعَ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَفْنِيَتِهِمْ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» وَقَضَى عُمَرُ بِالْأَفْنِيَةِ لِأَرْبَابِ الدُّورِ.
ابْنُ حَبِيبٍ أَيْ بِالِانْتِفَاعِ بِالْمَجَالِسِ وَالْمَرَابِطِ وَالْمَسَاطِبِ وَجُلُوسِ الْبَاعَةِ لِلْبَيْعِ الْخَفِيفِ.
وَمَرَّ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِكِيرِ حَدَّادٍ فِي السُّوقِ فَأَمَرَ بِهِ فَهُدِمَ، وَقَالَ يُضَيِّقُونَ عَلَى النَّاسِ السُّوقَ اهـ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمَسَاطِبِ الدِّكَكُ الَّتِي تُبْنَى إلَى جَانِبِ الْأَبْوَابِ، وَأَمَامَ الْحَوَانِيتِ.
السَّادِسُ: ابْنُ رُشْدٍ أَفْنِيَةُ الدُّورِ الْمُتَّصِلَةُ بِالطَّرِيقِ لَيْسَتْ بِمِلْكٍ لِأَرْبَابِ الدُّورِ كَالْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ، فَإِذَا كَانَ لِقَوْمٍ فِنَاءٌ وَغَابُوا فَاتُّخِذَ مَقْبَرَةً، فَمِنْ حَقِّهِمْ أَنْ يَعُودُوا إلَى الِانْتِفَاعِ بِهَا لِلرَّمْيِ فِيهَا إذَا قَدِمُوا إلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ لَهُمْ دَرْسَهَا إذَا كَانَتْ جَدِيدَةً مُسَنَّمَةً لَمْ تَنْدَرِسْ وَلَمْ تَعْفُ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَأَنْ يَمْشِيَ أَحَدُكُمْ عَلَى الرَّضْفِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى قَبْرِ أَخِيهِ» ، وَقَوْلِهِ «الْمَيِّتُ يُؤْذِيهِ فِي قَبْرِهِ مَا يُؤْذِيهِ فِي بَيْتِهِ» ، فَلَوْ كَانَتْ مِنْ الْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ وَدُفِنَ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ كَانَ مِنْ حَقِّهِمْ نَبْشُهَا وَتَحْوِيلُهُمْ إلَى مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَ) قُضِيَ بِفِنَاءِ الدُّورِ (لِلسَّابِقِ) إلَيْهِ مِنْ الْبَاعَةِ لِلْبَيْعِ الْخَفِيفِ إنْ نَازَعَهُ لَا حَقَّ لَهُ، وَاخْتُلِفَ إذَا أَقَامَ مِنْهُ نَاوِيًا الْعُودَ إلَيْهِ فَسَبَقَهُ غَيْرُهُ إلَيْهِ فَقِيلَ الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يَقْضِيَ غَرَضَهُ.
وَقِيلَ هُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ فَمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ.
وَفِي الشَّامِلِ وَلِلْبَاعَةِ وَغَيْرِهِمْ الْجُلُوسُ فِيمَا خَفَّ، وَالسَّابِقُ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ كَمَسْجِدٍ، وَيَسْقُطُ حَقُّهُ إنْ قَامَ لَا بِنِيَّةِ عَوْدِهِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَذَكَرَ " غ " قَوْلَيْنِ فِيمَنْ قَامَ مِنْ الْبَاعَةِ مِنْ الْمَجْلِسِ نَاوِيًا
كَمَسْجِدٍ
[منح الجليل]
الرُّجُوعَ إلَيْهِ فِي غَدٍ فَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُتِمَّ غَرَضَهُ.
وَقِيلَ هُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ، فَلِمَنْ سَبَقَ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ وَقَضَى لِلسَّابِقِ
وَشَبَّهَ فِي الْقَضَاءِ لِلسَّابِقِ فَقَالَ (كَمَسْجِدٍ) فَيُقْضَى بِهِ لِمَنْ سَبَقَ بِالْجُلُوسِ بِهِ.
(فُرُوعٌ) الْأَوَّلُ: الْعَوْفِيُّ مَنْ وَضَعَ بِمَسْجِدٍ شَيْئًا لِحَجْرِهِ بِهِ كَفَرْوَةٍ حَتَّى يَأْتِيَ إلَيْهِ لِلصَّلَاةِ بِهِ، يَتَخَرَّجُ عَلَى أَنَّ التَّحْجِيرَ يُعَدُّ إحْيَاءً.
الْحَطّ سَيَأْتِي فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْإِحْيَاءِ، وَنَصَّ فِي الْمَدْخَلِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ السَّابِقُ إلَى الْمَسْجِدِ بِإِرْسَالِ سَجَّادَتِهِ إلَيْهِ وَأَنَّهُ غَاصِبٌ لِذَلِكَ الْمَحِلِّ.
قَالَ فِي فَصْلِ اللِّبَاسِ فِي ذَمِّ الطُّولِ وَالتَّوْسِيعِ فِيهِ أَنَّ أَحَدَهُمْ إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ ضَمَّ ثَوْبَهُ وَقَعَ فِي النَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَضُمَّهُ أُفْرِشَ عَلَى الْأَرْض وَأَمْسَكَ بِهِ مَكَانًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا مَوْضِعُ قِيَامِهِ وَسُجُودِهِ وَجُلُوسِهِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا بَسَطَ شَيْئًا يُصَلِّي عَلَيْهِ احْتَاجَ أَنْ يَبْسُطَ شَيْئًا كَبِيرَ السَّعَةِ كَثَوْبِهِ فَيُمْسِكُ بِهِ مَوْضِعَ رَجُلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ هَابَهُ النَّاسُ لِكِبَرِ كُمِّهِ وَثَوْبِهِ وَتَبَاعَدُوا مِنْهُ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ فَيُمْسِكُ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ بَعَثَ سَجَّادَتَهُ إلَى الْمَسْجِدِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَهُ فَفُرِشَتْ فِيهِ وَتَأَخَّرَ إلَى أَنْ يَمْتَلِئَ الْمَسْجِدُ بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَأْتِي يَتَخَطَّى رِقَابَهُمْ فَيَقَعُ فِي مَحْذُورَاتٍ جُمْلَةً مِنْهَا غَصْبُهُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي فُرِشَتْ بِهِ السَّجَّادَةُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَجْرُهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ إلَّا مَوْضِعَ صَلَاتِهِ، وَمَنْ سَبَقَ فَهُوَ أَوْلَى، وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا قَالَ إنَّ السَّبْقَ لِلسَّجَّادَاتِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِبَنِي آدَمَ فَوَقَعَ فِي الْغَصْبِ لِمَنْعِهِ السَّابِقَ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَمِنْهَا تَخْطِي رِقَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اتَّخَذَ جِسْرًا إلَى جَهَنَّمَ» ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ تَخَطَّى رَقَبَةَ أَخِيهِ جَعَلَهُ اللَّهُ جِسْرًا» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ فِي سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ السَّبَقَ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَالَ إذَا أُمِرَ إنْسَانٌ أَنْ يُبَكِّرَ إلَى الْجَامِعِ فَيَأْخُذَ لَهُ مَكَانًا يَقْعُدَ فِيهِ، فَإِذَا جَاءَ الْآمِرُ يَقُومُ لَهُ مِنْهُ الْمَأْمُورُ وَيَقْعُدُ الْآمِرُ فِيهِ فَلَا يُكْرَهُ، لِمَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
رُوِيَ أَنْ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يُرْسِلُ غُلَامَهُ إلَى مَجْلِسٍ لَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيَجْلِسُ فِيهِ، فَإِذَا جَاءَ قَامَ لَهُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ وَعَلَى هَذَا مَنْ أَرْسَلَ بِسَاطًا أَوْ سَجَّادَةً لِتُبْسَطَ لَهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَسْجِدِ.
اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ مُحْتَجًّا بِهِ.
الْحَطّ وَتَخْرِيجُهُ إرْسَالَ سَجَّادَةٍ عَلَى إرْسَالِ الْغُلَامِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، فَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ مِنْ أَنَّ السَّبَقَ بِالْفُرُشِ لَا يُعْتَبَرُ.
الثَّانِي الْقُرْطُبِيُّ إذَا قَعَدَ إنْسَانٌ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُقِيمَهُ وَيَجْلِسَ فِي مَكَانِهِ.
الثَّالِثُ: الْقُرْطُبِيُّ إذَا قَامَ الْقَاعِدُ فِي مَكَان مِنْ الْمَسْجِدِ لِيَجْلِسَ غَيْرُهُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي قَامَ إلَيْهِ مِثْلَ الْأَوَّلِ فِي الْفَضِيلَةِ لَمْ يُكْرَهْ قِيَامُهُ، وَإِلَّا كُرِهَ لِإِيثَارِهِ غَيْرَهُ فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ.
الرَّابِعُ: ابْنُ فَرْحُونٍ يُنْدَبُ لِلْقَاضِي وَالْعَالَمِ وَالْمُفْتِي اتِّخَاذُ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَسْجِدِ لِلْجُلُوسِ فِيهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَيْهِمْ مَنْ أَرَادَهُمْ، وَفِي الْمَدَارِك أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ يَجْلِسُ فِيهِ مِنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مَكَانُ الْإِمَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانَ يُوضَعُ فِيهِ فِرَاشُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اعْتَكَفَ.
الْخَامِسُ: فِي إقْلِيدِ، التَّقْلِيدِ لِابْنِ أَبِي جَمْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ اتِّخَاذَ الْعُلَمَاءِ الْمَسَاطِبَ وَالْمَنَابِرَ فِي الْمَسْجِدِ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّذْكِيرِ جَائِزٌ، وَهُمْ أَحَقُّ بِهِ، وَإِقْرَارُ الْعُلَمَاءِ مَا فِي جَوَامِعِ مِصْرَ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ، وَأَمَّا الْمَوْضِعُ لِطَلَبِ الْأُجْرَةِ كَمُعَلِّمِي الْقُرْآنِ فَلَا حَقَّ، فَيَنْبَغِي إزَالَتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّادِسُ: إذَا جَلَسَ إنْسَانٌ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَامَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ أَوْ تَجْدِيدِ
وَبِسَدِّ كُوَّةٍ فُتِحَتْ أُرِيدَ سَدٌّ خَلْفَهَا
[منح الجليل]
وُضُوءٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . السَّابِعُ: إذَا عُرِفَ مَوْضِعٌ مِنْ الْمَسْجِدِ بِجُلُوسِ إنْسَانٍ فِيهِ لِتَعْلِيمِ عِلْمٍ أَوْ فُتْيَا وَسَبَقَهُ غَيْرُهُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ عُرِفَ بِالْمَوْضِعِ أَحَقُّ بِهِ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ هُوَ أَحَقُّ بِهِ اسْتِحْسَانًا لَا وُجُوبًا، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
(وَ) قُضِيَ عَلَى جَارٍ (بِسَدِّ كُوَّةٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ فِي الْأَشْهَرِ وَضَمِّهَا وَشَدِّ الْوَاوِ، أَيْ طَاقَةٍ (فُتِحَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ أَحْدَثَ فَتْحَهَا وَيُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى جَارِهِ و (أُرِيدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (سَدٌّ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الدَّالِ كَذَلِكَ مُنَوَّنًا (خَلْفَهَا) أَيْ دَاخِلَهَا مِنْ نَاحِيَةِ مَنْ فَتَحَهَا وَإِبْقَاؤُهَا مَفْتُوحَةً مِنْ نَاحِيَةِ جَارِهِ وَلَمْ يَرْضَهُ، إذْ لَا يَكْفِي ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، إذْ ذَاكَ زَرِيعَةٌ إلَى ادِّعَاءِ فَاتِحِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ قَدِمَهَا وَاسْتِدْلَالِهِ عَلَيْهِ بِفَتْحِهَا مِنْ جِهَةِ جَارِهِ، وَمَفْهُومُ فُتِحَتْ أَنَّ الْقَدِيمَةَ لَا يُقْضَى بِسَدِّهَا وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَمَنْ فَتَحَ فِي جِدَارِهِ كُوَّةً أَوْ بَابًا يَضُرُّ بِجَارِهِ فِي الْإِشْرَافِ عَلَيْهِ مِنْهُ مُنِعَ، فَأَمَّا كُوَّةٌ قَدِيمَةٌ أَوْ بَابٌ قَدِيمٌ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ، وَفِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَى جَارِهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ أَبُو الْحَسَنِ الْكُوَّةُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الطَّاقِ.
ابْنُ يُونُسَ رَأَيْت بَعْضَ فُقَهَائِنَا يُفْتِي وَيَسْتَحْسِنُ أَنَّ لَهُ مَنْعَهُ عَنْ التَّكَشُّفِ وَإِنْ كَانَتْ قَدِيمَةً، وَإِنْ رَضِيَا بِذَلِكَ فَلَا يُتْرَكَا لِرِضَاهُمَا وَهُوَ خِلَافُ الْمَنْصُوصِ، وَالصَّوَابُ جَبْرُ الْمُحْدِثِ عَلَى السَّتْرِ عَلَى نَفْسِهِ أَيْ مُحْدِثِ الْبُنْيَانِ أَبُو الْحَسَنِ الْقِدَمُ طُولُ الْمُدَّةِ لَا إنَّهُ أَقْدَمُ مِنْ جَارِهِ، وَفِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ الْقِدَمَ إمَّا سُكُوتُ الثَّانِي مُدَّةَ حِيَازَةِ الضَّرَرِ أَوْ التَّقَدُّمُ عَلَى بِنَائِهِ، وَأَفْتَى ابْنُ عَرَفَةَ بِسَدِّ الْكُوَّةِ الْقَدِيمَةِ وَقَوَّى ابْنُ عَبْدِ النُّورِ فِي حَاوِيهِ سَدَّهَا، وَلَكِنْ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ عَدَمُ الْقَضَاءِ بِسَدِّهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا ضَرَرٌ عَلَى الْجَارِ ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ابْنُ الْهِنْدِيِّ إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ كُوَّةٌ قَدِيمَةٌ يُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى جَارِهِ فَلَا قِيَامَ لِلْجَارِ فِيهَا وَيَجِبُ فِي التَّحَفُّظِ بِالدِّينِ التَّطَوُّعُ بِغَلْقِهَا مِنْ جِهَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَوْرَاتِ وَالتَّحَفُّظُ بِالدِّينِ أَوْكَدُ مِنْ حُكْمِ السُّلْطَانِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الْقَضَاءَ بِسَدِّهَا وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِقُرْبِهَا بِحَيْثُ يُمْكِنُ التَّطَلُّعُ مِنْهَا بِلَا تَكَلُّفٍ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ رَفَعَ بِنَاءَهُ وَفَتَحَ كُوًى يُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى جَارِهِ مُنِعَ وَكَتَبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي هَذَا أَنْ يُوقَفُ عَلَى سَرِيرٍ، فَإِنْ نَظَرَ إلَى مَا فِي دَارِ جَارِهِ مُنِعَ وَإِلَّا فَلَا يُمْنَعُ، وَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ ضَرَرٌ، وَأَمَّا لَا يَنَالُ النَّظَرُ مِنْهُ إلَّا بِتَكَلُّفٍ فَلَا يُمْنَعُ عِيَاضٌ الْمُرَادُ بِالسَّرِيرِ السَّرِيرُ الْمَعْلُومُ، وَمِثْلُهُ الْكُرْسِيُّ وَشَبَهَهُ لَا السُّلَّمُ لِأَنَّ فِي وَضْعِهِ إيذَاءٌ وَالصُّعُودُ عَلَيْهِ تَكَلُّفٌ لَا يُفْعَلُ إلَّا لِمُهِمٍّ وَلَا يَسْهُلُ صُعُودُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ إنْ نَظَرَ إلَخْ أَيْ اطَّلَعَ مِنْ الْكُوَّةِ وَاسْتَبَانَ مِنْهَا مِنْ دَارِ الْآخَرِ الْوُجُوهَ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَبِنْ الْوُجُوهَ فَلَيْسَ ذَلِكَ ضَرَرًا أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُ مَالِكٍ مَا فِيهِ ضَرَرٌ، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِسَرِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ.
الثَّانِي: ابْنُ نَاجِي ظَاهِرُ قَوْلِ الرِّسَالَةِ فَلَا يَفْعَلُ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ وَمَنْ فَتَحَ كُوَّةً قَرِيبَةً يَكْشِفُ جَارَهُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ يُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى بُسْتَانِ جَارِهِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ، وَهُوَ أَحَدُ نَقْلَيْ ابْنِ الْحَاجِّ فِي نَوَازِلِهِ.
قَالَ وَلَا خِلَافَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى الْمَزَارِعِ.
الثَّالِثُ: الْمُسْتَنَدُ إلَى مَا يُسَدُّ بِالْحُكْمِ تُزَالُ شَوَاهِدُهُ فَتُقْلَعُ عَتَبَةُ الْبَابِ لِأَنَّهَا إنْ تُرِكَتْ وَطَالَ الزَّمَانُ وَنُسِيَ الْأَمْرُ كَانَتْ حُجَّةً لِلْمُحْدِثِ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا غَلَقَهُ لِيُعِيدَهُ مَتَى شَاءَ.
وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ فِي كَيْفِيَّةِ قَطْعِ ضَرَرِ الِاطِّلَاعِ قَوْلَيْنِ، أَحَدَهُمَا وُجُوبُ الْحُكْمِ بِسَدِّهِ وَإِزَالَةِ أَثَرِهِ خَوْفَ دَعْوَى قِدَمِهِ لِسَمَاعِ أَشْهَبَ.
الثَّانِي عَدَمُ وُجُوبِ سَدِّهِ وَالِاكْتِفَاءُ بِجَعْلِ مَا يَسْتُرُهُ أَمَامَهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الْمُتَيْطِيُّ إذَا حُكِمَ بِسَدِّ الْبَابِ أُزِيلَتْ أَعْتَابُهُ وَعَضَائِدُهُ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ قَالَهُ سَحْنُونٌ.
الرَّابِعُ: ابْنُ فَرْحُونٍ مَنْ أَحْدَثَ ضَرَرًا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ اطِّلَاعٍ أَوْ خُرُوجِ مَاءِ مِرْحَاضٍ قُرْبَ جِدَارِهِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْأَحْدَاثِ الْمُضِرَّةِ وَعَلِمَ بِذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَلَمْ يُعَارِضْ فِيهِ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ وَنَحْوَهَا، بِلَا عُذْرٍ مَانِعٍ مِنْ الْقِيَامِ فَلَا قِيَامَ لَهُ بَعْدَهَا، وَهُوَ كَالِاسْتِحْقَاقِ، هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ لَا يَنْقَطِعُ الْقِيَامُ فِي إحْدَاثِ الضَّرَرِ إلَّا بَعْدَ سُكُوتٍ عِشْرِينَ سَنَةً وَنَحْوَهَا وَبِالْأَوَّلِ الْقَضَاءُ.
ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِي حِيَازَةِ الضَّرَرِ الْمُحْدَثِ فَقِيلَ
وَبِمَنْعِ دُخَانٍ: كَحَمَّامٍ، وَرَائِحَةٍ: كَدِبَاغٍ، وَأَنْدَرٍ قِبَلَ بَيْتٍ
[منح الجليل]
لَا يُحَازُ أَصْلًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَقِيلَ يُحَازُ بِمَا تُحَازُ بِهِ الْأَمْلَاكُ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ وَنَحْوَهَا، قَالَهُ أَصْبَغُ، وَقَالَ أَيْضًا لَا يُحَازُ إلَّا بِعِشْرِينَ سَنَةً وَنَحْوِهِمَا.
وَكَانَ ابْنُ زَرْبٍ يَسْتَحْسِنُ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ يُحَازُ بِأَرْبَعِ سِنِينَ لِأَنَّ الْجَارَ قَدْ يَتَغَافَلُ عَنْ جَارِهِ فِي نَحْوِ السَّنَتَيْنِ.
وَقِيلَ إنْ كَانَ ضَرَرُهُ بِحَدٍّ وَاحِدٍ فَهُوَ الَّذِي يُحَازُ بِالسُّكُوتِ، وَإِنْ كَانَ يَتَزَايَدُ كَالْمَطْمُورِ إلَى جَانِبِ الْحَائِطِ فَلَا يُحَازُ.
وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الْخَامِسُ: مَنْ أُحْدِثَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي مِلْكِهِ فَبَاعَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ فَهَلْ يَنْتَقِلُ لِلْمُشْتَرَى مَا كَانَ لِلْبَائِعِ أَمْ لَا، قَوْلَانِ وَقِيلَ يُفَرَّقُ بَيْنَ كَوْنِ بَيْعِهِ بَعْدَ خِصَامِهِ فَلِلْمُشْتَرِي الْقِيَامُ وَكَوْنِهِ قَبْلَهُ فَلَا قِيَامَ لَهُ، وَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ وَحَلَّ مُبْتَاعٌ مَحَلَّ بَائِعٍ خَاصَمَ، وَبَاعَ قَبْلَ الْحُكْمِ لَا قَبْلَ قِيَامِهِ.
(وَ) قُضِيَ (بِمَنْعِ) إحْدَاثِ ذِي (دُخَانٍ كَحَمَّامِ) بِشَدِّ الْمِيمِ وَفُرْنٍ وَمَطْبَخٍ وَمُجَيِّرَةٍ وَمُجَيِّسَةٍ (وَ) قُضِيَ بِمَنْعِ إحْدَاثِ ذِي (رَائِحَةٍ) كَرِيهَةٍ (كَدِبَاغٍ) وَمَذْبَحٍ وَمَسْمَطٍ وَمِرْحَاضٍ الْبِسَاطِيُّ إنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّائِحَةِ وَالدُّخَانِ وَالْكُلُّ دُخَانٌ وَمَشْمُومٌ، قُلْت الْفَرْقُ أَنَّهُ عُنِيَ بِالدُّخَانِ الْمَحْسُوسِ بِالْبَصَرِ وَبِالرَّائِحَةِ الْمَحْسُوسِ بِالشَّمِّ، وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ دُخَانًا وَالدُّخَانُ يَضُرُّ غَيْرَ الشَّمِّ، كَتَسْوِيدِ الثِّيَابِ وَالْحِيطَانِ وَشَبَهِهَا (وَ) قُضِيَ بِمَنْعِ إحْدَاثِ (أَنْدَرُ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ أَيْ مَوْضِعُ لِدَرْسِ الزَّرْعِ وَتَذْرِيَتِهِ (قِبَلَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ مُقَابِلَ بَابِ (بَيْتٍ) الْحَطّ لَا مَفْهُومَ لِقِبَلِ، وَكَذَا إحْدَاثُهُ جَنْبَ بَيْتٍ مِنْ أَيْ جِهَةٍ، وَالْجِنَانُ كَالْبَيْتِ نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُ.
(تَنْبِيهٌ) ابْنُ الْهِنْدِيِّ إنْ قَامَ رَجُلٌ عَلَى جَارِهِ فِي شَيْءٍ أَرَادَ إحْدَاثَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ يَضُرُّهُ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ يَضُرُّهُ بِاطِّلَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَمْنَعُ جَارُهُ مِنْ عَمَلِ مَا أَرَادَهُ، وَإِذَا تَمَّ عَمَلُهُ وَثَبَتَ
وَمُضِرٍّ بِجِدَارٍ
وَإِصْطَبْلٍ
أَوْ حَانُوتٍ قِبَالَةَ بَابٍ
[منح الجليل]
الضَّرَرُ قُضِيَ عَلَيْهِ بِهَدْمِهِ إذَا طَلَبَهُ جَارُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْفَعٌ.
(وَ) قَضَى بِمَنْعِ إحْدَاثِ كُلِّ شَيْءٍ (مُضِرٍّ بِجِدَارٍ) لِجَارِهِ خَوْفَ سُقُوطِهِ أَوْ وَهَنِهِ أَوْ تَسْخِيمِهِ كَطَاحُونٍ وَمِرْحَاضٍ وَمِدَقٍّ
(وَ) يُمْنَعُ إحْدَاثُ (إصْطَبْلٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ كَذَلِكَ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَعْجَمِيٌّ مُعْرَبٌ، مَعْنَاهُ بَيْتُ الْخَيْلِ وَنَحْوِهَا صَاحِبُ الْمُفِيدِ تَابِعًا لِابْنِ فَتُّوحٍ يُمْنَعُ مِنْ إحْدَاثِ إصْطَبْلٍ عِنْدَ بَيْتِ جَارِهِ لِضَرَرِهِ بِبَوْلِ الدَّوَابِّ وَزِبْلِهَا وَحَرَكَتِهَا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الْمَانِعَةِ مِنْ النَّوْمِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ مُسْتَغْنَى عَنْهُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَنَعَهُ لِلرَّائِحَةِ فَقَدْ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ وَرَائِحَةٍ كَدِبَاغٍ وَإِنْ كَانَ لِإِضْرَارِهِ بِالْحِيطَانِ فَقَدْ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ وَمُضِرٍّ بِجِدَارٍ وَإِنْ كَانَ لِلتَّضَرُّرِ بِالصَّوْتِ فَسَيَأْتِي مَا يُغْنِي عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ وَصَوْتٍ كَكَمْدٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَرَادَ النَّصَّ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمُتَقَدِّمُونَ.
(أَوْ) إحْدَاثُ (حَانُوتٍ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَضَمِّ النُّونِ آخِرَهُ مُثَنَّاةٌ فَوْقَ أَيْ مَحَلٍّ مُعَدٍّ لِإِدَامَةِ الْجُلُوسِ بِهِ لِبَيْعٍ أَوْ صَنْعَةٍ أَوْ شَهَادَةٍ (قِبَالَةَ) بِكَسْرِ الْقَافِ فَمُوَحَّدَةٍ أَيْ مُقَابِلَ (بَابٍ) لِدَارٍ " غ " كَذَا هُوَ فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ مَعْطُوفًا بِأَوْ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي إحْدَاثِ إصْطَبْلٍ فِي قِبَالَةِ الْبَابِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَحَانُوتٍ بِالْوَاوِ مَعْطُوفًا عَلَى دُخَانٍ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَكَلَامُهُ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى السِّكَّةِ غَيْرِ النَّافِذَةِ لِقَوْلِهِ فِي مُقَابِلِهِ وَبَابٌ بِسِكَّةٍ نَفَذَتْ عَلَى أَنَّ مَا هُنَا مُسْتَغْنَى عَنْهُ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ آخِرًا إلَّا بَابًا نَكَبَ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ النَّافِذَةِ، وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي آخَرِ كِتَابِ الْقَسْمِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ رُشْدٍ يَتَحَصَّلُ فِي فَتْحِ الرَّجُلِ بَابًا أَوْ حَانُوتًا فِي مُقَابَلَةِ بَابِ جَارِهِ فِي السِّكَّةِ النَّافِذَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا أَنَّ لَهُ ذَلِكَ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَشْهَبَ فِي الْعُتْبِيَّةِ.
ثَانِيًا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ جُمْلَةً إلَّا إنْ نَكَبَهُ قَالَهُ سَحْنُونٌ.
ثَالِثُهَا: لَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَتْ السِّكَّةُ وَاسِعَةً، قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْوَاسِعَةُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ.
وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ رَجُلَيْنِ مُتَجَاوِرِينَ بَيْنَهُمَا زُقَاقٌ نَافِذٌ فَأَحْدَثَ أَحَدُهُمَا فِي دَارِهِ بَابًا وَحَانُوتَيْنِ يُقَابِلُ بَابَ دَارِ جَارِهِ وَلَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْ دَارِهِ وَلَا يَدْخُلُ إلَّا عَلَى نَظَرٍ مِنْ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ فِي الْحَانُوتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِعَمَلِ صِنَاعَتِهِمْ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ بَيِّنٌ يُثْبِتُهُ صَاحِبُ
وَبِقَطْعِ مَا أَضَرَّ مِنْ شَجَرَةٍ بِجِدَارٍ، إنْ تَجَدَّدَتْ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ
لَا مَانِعَ: ضَوْءٍ، وَشَمْسٍ، وَرِيحٍ
[منح الجليل]
الدَّارِ وَكَشَقَّةٍ لِعِيَالِهِ فَأَجَابَ إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْت فَيُؤْمَرُ أَنْ يَنْكُبَ بَابَهُ وَحَانُوتَيْهِ عَنْ مُقَابَلَةِ بَابِ جَارِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ وَلَا وَجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا تُرِكَ وَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِغَلْقِهَا.
اهـ. وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
الْحَطّ هَذَا اقْتَضَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْحَانُوتِ وَالْبَابِ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ السُّلْطَانِ، وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ.
الْبُرْزُلِيُّ فِي الرِّوَايَةِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْحَانُوتِ وَالْبَابِ وَأَنَّ الْخِلَافَ فِيهِمَا وَاحِدٌ، حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ السُّلْطَانِ، وَرَأَيْت فِي التَّعْلِيقَةِ الْمَنْسُوبَةِ لِلْمَازِرِيِّ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ عَنْ السُّيُورِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّ الْحَانُوتَ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْ الْبَابِ لِلَازِمَةِ الْجُلُوسِ فِيهِ، وَأَنَّهُ يَمْنَعُ بِكُلِّ حَالٍ وَوَقَعَتْ بِتُونُسَ، وَأَفْتَى ابْنُ عَرَفَةَ بِالتَّسْوِيَةِ وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ.
(وَ) قَضَى (بِقَطْعِ مَا أَضَرَّ مِنْ) أَغْصَانِ (شَجَرَةٍ بِجِدَارٍ) لِجَارٍ (إنْ تَجَدَّدَتْ) أَيْ حَدَثَتْ الشَّجَرَةُ بَعْدَ الْجِدَارِ اتِّفَاقًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَتَجَدَّدْ بِأَنْ تَقَدَّمَتْ عَلَى بِنَاءِ الْجِدَارِ (فَ) فِي الْقَضَاءِ بِقَطْعِ أَغْصَانِهَا الَّتِي أَضَرَّتْ بِالْجِدَارِ الْحَادِثِ عَلَيْهَا وَعَدَمِهِ (قَوْلَانِ) مُطَرِّفٌ يَقْضِي بِهِ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ وَاسْتَظْهَرَهُ فِي الْبَيَانِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلَا يُقْضَى بِهِ لِأَنَّ بَانِي الْجِدَارِ دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ وَتَعَدَّى عَلَى حَرِيمِهَا، وَأَمَّا أَصْلُهَا فَقَالَ مُطَرِّفٌ إنْ كَانَ عَلَى حَالِ مَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ مِنْ انْبِسَاطِهِ فَلَا يُقْطَعُ قَالَهُ تت ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ إنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ قَدِيمَةً قَبْلَ الْجِدَارِ فَلَيْسَ لِلْجَارِ قَلْعُهَا وَلَوْ أَضَرَّتْ بِجِدَارِهِ، وَفِي قَطْعِهِ مَا أَضَرَّ بِهِ مِنْ أَغْصَانِهَا قَوْلَا أَصْبَغَ مَعَ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ هَذَا يَكُونُ مِنْ حَالِ الشَّجَرَةِ، فَقَدْ حَازَ ذَلِكَ مِنْ حَرِيمِهَا، الْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
وَإِنْ أَحْدَثَ الْجَارُ مَا مَنَعَ الضَّوْءَ أَوْ الشَّمْسَ أَوْ الرِّيحَ عَنْ جَارِهِ فَ (لَا) يُقْضَى بِإِزَالَةِ شَيْءٍ (مَانِعِ ضَوْءٍ) عَنْ جَارٍ (وَ) لَا بِإِزَالَةِ مَانِعِ شُعَاعِ (شَمْسٍ) عَنْهُ (وَ) لَا مَانِعِ (رِيحٍ) عَنْهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مَنَعَ الثَّلَاثَةَ وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ رَفَعَ بُنْيَانَهُ فَسَدَّ عَلَى دَارِ
إلَّا لِأَنْدَرِ
وَعُلُوِّ بِنَاءٍ وَصَوْتٍ كَكَمْدٍ
[منح الجليل]
جَارِهِ كُوَاهَا وَأَظْلَمَتْ عَلَيْهِ أَبْوَابُ غُرَفِهِ وَكُوَاهَا وَمَنَعَ الشَّمْسَ أَنْ تَقَعَ فِي حُجْرَتِهِ، وَمَنَعَ الْهَوَاءَ أَنْ يَدْخُلَ لَهُ فَلَا يُمْنَعُ، وَظَاهِرُهَا كَالْمُصَنِّفِ، وَإِنْ قَصَدَ ضَرَرَ جَارِهِ.
وَقَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ يُمْنَعُ مِنْ رَفْعِهِ الْمُضِرِّ دُونَ مَنْفَعَةٍ يُحْتَمَلُ الْخِلَافُ وَالتَّقْيِيدُ قَالَهُ تت.
طفي قَوْلُهُ ابْنُ نَافِعٍ لَعَلَّهُ ابْنُ كِنَانَةَ إذْ هُوَ الْمُفَصِّلُ، وَأَمَّا ابْنُ نَافِعٍ فَالْمَنْعُ عِنْدَهُ مُطْلَقًا، كَذَا فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ.
الْحَطّ هَذَا الْمَشْهُورُ، وَأَمَّا إحْدَاثُ مَا يُنْقِصُ الْغَلَّةَ فَلَا يُمْنَعُ اتِّفَاقًا كَإِحْدَاثِ فُرْنٍ قُرْبَ فُرْنٍ وَحَمَّامٍ قُرْبَ حَمَّامٍ قَالَهُ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ وَالتَّبْصِرَةِ
(إلَّا) مَانِعَ.
شَمْسٍ وَرِيحٍ (لِأَنْدَرِ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالدَّالِ أَيْ عَنْهُ فَيُقْضَى بِمَنْعِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَنْ وَافَقَهُ.
الْبَاجِيَّ مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ مُلَاصِقَةُ أَنْدَرِ غَيْرِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا مَا يَمْنَعُ الرِّيحَ عَنْ الْأَنْدَرِ وَيَقْطَعُ مَنْفَعَتَهُ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يُمْنَعُ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِمَّا يَضُرُّ بِجَارِهِ فِي قَطْعِ مَرَافِقِ الْأَنْدَرِ الَّذِي تَقَادَمَ ابْنُ يُونُسَ وَالْأَنَادِرُ كَالْأَفْنِيَةِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّضْيِيقُ فِيهَا وَلَا قَطْعُ مَنَافِعِهَا وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ.
الْعُتْبِيُّ وَهُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى مَوَّاقٌ.
وَعَطَفَ بِالْجَرِّ عَلَى مَانِعٍ فَقَالَ (وَ) لَا يُقْضَى بِمَنْعِ زِيَادَةِ (عُلُوِّ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ وَشَدِّ الْوَاوِ أَيْ رَفْعٍ وَإِطَالَةِ (بِنَاءٍ) عَلَى جَارِهِ وَإِنْ أَشْرَفَ عَلَيْهِ نَعَمْ يُمْنَعُ مِنْ التَّطَلُّعِ عَلَيْهِ وَالْإِضْرَارِ بِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ ذُو الْعُلْوِ ذِمِّيًّا.
ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ الطُّرْطُوشِيِّ يُمْنَعُونَ مِنْ إعْلَاءِ بِنَائِهِمْ أَيْ الذِّمِّيِّينَ عَلَى بِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْمُسَاوَاةِ قَوْلَانِ وَلَوْ اشْتَرَوْهَا عَالِيَةً أُقِرُّوا، إنَّمَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ كَالْمُصَوِّبِ لَهُ (وَ) لَا يُمْنَعُ مِنْ (صَوْتٍ كَكَمْدٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ.
الْمِيمِ أَيْ دَقِّ الْقُمَاشِ لِيُحَسَّنَ، وَأَدْخَلْت الْكَافُ الْقَصْرَ وَالنَّدْفَ وَصُنْعَ الْحَدِيدِ وَنَجْرَ الْخَشَبِ وَتَجْرِبَةَ الْآلَاتِ الْمُبَاحَةِ وَتَعْلِيمَ الْأَنْغَامِ وَالصَّبِيَّانِ وَاِتِّخَاذِ السُّمَّانِ وَالْعَصَافِيرِ وَالْحَمَامِ الْهَدَّارِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ اشْتَدَّ وَدَامَ.
وَفِي " ق " خِلَافُهُ قَالَهُ عب، وَنَصَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي ضَرَرِ صَوْتِ الْحَرَكَاتِ طُرِقَ فِي الْمَجْمُوعَةِ،
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ أَحْدَثَ رَحًى تَضُرُّ بِجَارِهِ مُنِعَ.
الْبَاجِيَّ أَمَّا الرَّحَى فَإِنْ ثَبَتَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
أَنَّهَا تَضُرُّ بِجُدْرَانِ الْجَارِ مُنِعَ مِنْهَا، وَأَمَّا صَوْتُهَا فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْغَسَّالِ وَالضَّرَّابِ يُؤْذِي جَارَهُ وَقْعُ صَوْتِهِ إنَّهُ لَا يُمْنَعُ، وَتَحْتَمِلُ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْخِلَافَ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الضَّرَرِ الَّذِي يُمْنَعُ مِنْهُ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ إنَّمَا ذَاكَ فِي الصَّوْتِ الضَّعِيفِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ مَضَرَّةٍ أَوْ مَا لَا يُسْتَدَامُ.
وَأَمَّا مَا كَانَ صَوْتًا شَدِيدًا مُسْتَدَامًا كَالْكَمَّادِينَ وَالْقَصَّارِينَ وَالرَّحَى ذَاتِ الصَّوْتِ الشَّدِيدِ، فَإِنَّهُ ضَرَرٌ يُمْنَعُ مِنْهُ كَالرَّائِحَةِ، وَلَمْ يَحْكِ الصِّقِلِّيُّ غَيْرَ نَقْلِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ.
ابْنُ رُشْدٍ ضَرَرُ الْأَصْوَاتِ كَالْحَدَّادِ وَالْكَمَّادِ وَالنَّدَّافِ، حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ، وَرَوَاهُ مُطَرِّفٌ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى مَنْعِ ضَرَرِ الصَّوْتِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ لِبُرْدٍ اُطْرُدْ هَذَا الْقَارِئَ عَنِّي فَقَدْ آذَانِي.
ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ أَشْهَبَ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَسَنَ الصَّوْتِ وَيَخْرُجُ فِي آخَرِ اللَّيْلِ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَقَرَأَ جَهْرًا فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لِبُرْدٍ اُطْرُدْ هَذَا الْقَارِئَ عَنِّي فَقَدْ آذَانِي، فَسَكَتَ بُرْدٌ، فَقَالَ سَعِيدٌ وَيْحَك.
يَا بُرْدُ اُطْرُدْ هَذَا الْقَارِئَ عَنِّي فَقَدْ آذَانِي، فَقَالَ لَهُ إنَّ الْمَسْجِدَ لَيْسَ لَنَا خَاصَّةً، إنَّمَا هُوَ لِلنَّاسِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ وَتَنَحَّى ابْنُ رُشْدٍ أَمْرُ سَعِيدٍ بِطَرْدِ الْقَارِئِ عَنْهُ يُرِيدُ بِهِ مِنْ جِوَارِهِ لَا مِنْ الْمَسْجِدِ جُمْلَةً، وَلَمْ يَنْتَهِ لِمَكَانِهِ مِنْ الْخِلَافَةِ لِجَزَالَتِهِ وَقُوَّتِهِ فِي الْحَقِّ وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالْأَئِمَّةِ، وَلَمْ يَأْنَفْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ قَوْلِهِ لِفَضْلِهِ وَانْقِيَادِهِ لِلْحَقِّ.
ابْنُ عَرَفَةَ اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ مَالِكٍ كَانَ النَّاسُ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ يَتَوَاعَدُونَ لِقِيَامِهِمْ لِأَسْفَارِهِمْ بِقِيَامِ الْقُرَّاءِ بِالْمَسْجِدِ بِالْأَسْحَارِ تُسْمَعُ أَصْوَاتُهُمْ مِنْ كُلِّ مَنْزِلٍ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ عَاتٍ عَلَى جَوَازِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ فِي الْمَسَاجِدِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِهَذِهِ الْحِكَايَةِ عَلَى أَنَّ الْأَصْوَاتَ مِنْ الضَّرَرِ الَّذِي يَجِبُ الْحُكْمُ بِإِزَالَتِهِ عَلَى الْجَارِ بِقَطْعِهِ عَنْ جَارِهِ كَالْحَدَّادِينَ وَالْكَمَّادِينَ وَالنَّدَّافِينَ، وَشِبْهِ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ بَيِّنٍ لِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ فِي دَارِهِ مِمَّا يَتَأَذَّى بِهِ جَارُهُ بِخِلَافِهِ مَا يَفْعَلُهُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ رَفْعِ صَوْتِهِ لِتَسَاوِي النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ رَفَعَ رَجُلٌ فِي دَارِهِ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ لَمَا وَجَبَ لِجَارِهِ مَنْعُهُ، وَالرِّوَايَةُ مَنْصُوصَةٌ فِي أَنَّهُ
وَبَابٍ بِسِكَّةٍ نَافِذَةٍ
[منح الجليل]
لَيْسَ لِلرَّجُلِ مَنْعُ جَارِهِ الْحَدَّادِ مِنْ ضَرْبِ الْحَدِيدِ فِي دَارِهِ وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ.
قُلْت وَقَالَ فِي رَسْمِ الْمُكَاتَبِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى رَأَيْت لِابْنِ دَحُونٍ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي الْكَمَّادِ وَالطَّحَّانِ أَنَّهُمَا لَا يُمْنَعَانِ وَإِنْ كَانَ مُحْدَثًا يَضُرُّ بِأَسْمَاعِ الْجِيرَانِ، فَإِنْ أَضَرَّ بِالْبِنَاءِ مَنَعَ الْمُتَيْطِيُّ فِي ثَمَانِيَةٍ.
أَبِي زَيْدٍ عَنْ مُطَرِّفٍ سَأَلَتْ مَالِكًا " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " الْحَدَّادُ جَارُ الرَّجُلِ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا إلَّا حَائِطٌ يَضْرِبُ الْحَدِيدَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فَيُؤْذِي جَارَهُ فَيَقُولُ لَا أَقْدِرُ أَنْ أَنَامَ فَهَلْ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ لَا، هَذَا رَجُلٌ يَعْمَلُ لِمَعَاشِهِ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ الضَّرَرَ.
ابْنُ عَتَّابٍ تَنَازَعَ شُيُوخُنَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِيمَنْ يَجْعَلُ بِدَارِهِ رَحًى وَشَبَهَهُ مِمَّا لَهُ دَوِيٌّ أَوْ صَوْتٌ يَضُرُّ بِهِ جَارَهُ كَالْحَدَّادِ وَشَبَهِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ يُمْنَعُ إذَا عَمِلَهُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
وَقَالَ طَائِفَةٌ لَا يُمْنَعُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ اتَّفَقَ شُيُوخُنَا عَلَى مَنْعِهِ اللَّيْلَ لِمَنْ أَضَرَّ بِجَارِهِ وَلَا يُمْنَعُ بِالنَّهَارِ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنْ اجْتَمَعَ ضَرَرَانِ أُسْقِطَ الْأَكْثَرُ وَمُنِعَ الرَّجُلُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِمَالِهِ.
وَصَنْعَتُهُ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْ التَّأَذِّي بِدَوِيِّ مَا يُمْنَعُ.
ابْنُ عَتَّابٍ الَّذِي أَقُولُهُ وَأَتَقَلَّدُهُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّ جَمِيعَ مَا يَضُرُّ الْجَارَ يَجِبُ قَطْعُهُ إلَّا رَفْعَ الْبِنَاءِ الْمَانِعِ مِنْ الرِّيحِ وَضَوْءَ الشَّمْسِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا، فَلَا يُقْطَعُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ قَصْدَ مُحْدِثِهِ ضَرَرَ جَارِهِ، وَكَذَا كُلُّ ضَرَرٍ يَئُولُ لِلْفَسَادِ كَالْكَمَّادِ وَالنَّدَّافِ، ثُمَّ قَالَ وَفِي الْمَجَالِسِ قَضَى شُيُوخُ الْفُتْيَا بِطُلَيْطُلَةَ بِمَنْعِ الْكَمَّادِينَ إذَا اسْتَضَرَّ بِهِمْ الْجِيرَانُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت فَفِي لَغْوِ إحْدَاثِ صَوْتِ الْحَرَكَةِ وَمَنْعِهِ مُطْلَقًا، ثَالِثُهَا إنْ عَمِلَ نَهَارًا لَا لَيْلًا، وَرَابِعُهَا إنْ خَفَّ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ كَبِيرُ مَضَرَّةٍ.
(وَ) لَا يُمْنَعُ الْجَارُ مِنْ إحْدَاثِ (بَابٍ) لِدَارِهِ (بِسِكَّةٍ) بِكَسْرِ السِّينِ وَشَدِّ الْكَافِ، أَيْ طَرِيقٍ (نَافِذَةٍ) أَيْ يَخْرُجُ مِنْهَا إلَى جِهَةٍ أُخْرَى، ظَاهِرُهُ وَاسِعَةً كَانَتْ أَوْ ضَيِّقَةً وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ.
وَمَفْهُومُ نَافِذَةٍ إنْ أَحْدَثَ بَابًا بِسِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ لِجَارٍ مَنْعُهُ مِنْهُ إنْ قَابَلَ بَابَهُ لَا إنْ لَمْ يُقَابِلْهُ، وَسَيُصَرِّحُ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا فِيهَا.
وَأَمَّا فِي السِّكَّةِ النَّافِذَةِ فَلَكَ أَنْ تَفْتَحَ مَا شِئْت أَوْ تُحَوِّلَ بَابَك حَيْثُ شِئْت مِنْهَا.
اهـ. وَكَذَا فِي الْعُتْبِيَّةِ.
وَرَوْشَنٍ
وَسَابَاطٍ لِمَنْ لَهُ الْجَانِبَانِ، بِسِكَّةٍ نَفَذَتْ، وَإِلَّا، فَكَالْمِلْكِ لِجَمِيعِهِمْ
إلَّا بَابًا، إنْ نُكِّبَ
[منح الجليل]
(وَ) لَا يُمْنَعُ مَنْ لَهُ جَانِبٌ وَاحِدٌ عَلَى سِكَّةٍ نَافِذَةٍ مِنْ إحْدَاثِ (رَوْشَنٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ آخِرَهُ نُونٌ، أَيْ جَنَاحٌ فِي أَعْلَى الْحَائِطِ لِتَوْسِعَةِ الدَّارِ وَالتَّطَلُّعِ عَلَى السِّكَّةِ بِشَرْطِ رَفْعِهِ عَنْ رُءُوسِ الْمَارِّينَ رَفْعًا بَيِّنًا الْجَوْهَرِيِّ الرَّوْشَنُ الْكُوَّةُ الْمُحْكَمُ، الرَّوْشَنُ الرَّفُّ.
الْبَاجِيَّ مَا خَرَجَ مِنْ الْعَسَاكِرِ وَالْأَجْنِحَةِ عَلَى الْحِيطَانِ إلَى طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ.
رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا بَأْسَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَنَاحُ بِأَسْفَلِ الْجِدَارِ حَيْثُ يَضُرُّ بِأَهْلِ الطَّرِيقِ فَيُمْنَعُ.
(وَ) لَا يُمْنَعُ (مِنْ سَابَاطٍ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ سَقْفٍ عَلَى حَائِطَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا سِكَّةٌ بِالنِّسْبَةِ (لِمَنْ لَهُ الْجَانِبَانِ) لِلسِّكَّةِ الْمُتَقَابِلَانِ الْأَيْمَنُ وَالْأَيْسَرُ مِنْ دَارَيْنِ مَثَلًا وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِ الْعَسَاكِرِ وَالْأَجْنِحَةِ عَلَى الْحِيطَانِ إلَى طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهِيَ بِالْمَدِينَةِ فَلَا يُنْكِرُونَهَا، وَاشْتَرَى مَالِكٌ دَارًا لَهَا عَسْكَرٌ.
اهـ. نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ وَالْجَوَاهِرِ وَسَمِعَ أَصْبَغُ ابْنُ الْقَاسِمِ لِمَنْ لَهُ دَارَانِ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى جِدَارَيْهِمَا غُرْفَةً فَوْقَ الطَّرِيقِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ الْإِضْرَارِ بِتَضْيِيقِ الطَّرِيقِ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا إنْ رَفَعَ بِنَاءً رَفْعًا يُجَاوِزُ رَأْسَ الْمَارِّ رَاكِبًا وَنَحْوِهِ فِي الزَّاهِي وَكَذَا الْأَجْنِحَةُ اهـ. مَوَّاقٌ إنْ كَانَ الرَّوْشَنُ وَالسَّابَاطُ مُحْدَثَيْنِ (بِسِكَّةٍ نَفَذَتْ) إلَى جِهَةٍ أُخْرَى (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ السِّكَّةُ الَّتِي أُحْدِثَ فِيهَا الْبَابُ أَوْ الرَّوْشَنُ أَوْ السَّابَاطُ نَافِذَةً بِأَنْ سُدَّ آخِرُهَا (فَ) السِّكَّةُ (كَالْمِلْكِ لِجَمِيعِهِمْ) أَيْ الْجِيرَانِ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ إحْدَاثُ رَوْشَنٍ أَوْ سَابَاطٍ بِهَا إلَّا بِإِذْنِ بَاقِيهِمْ وَقَالَ كَالْمِلْكِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُمْ، وَإِلَّا لَكَانَ لَهُمْ تَحْجِيرُهَا بِغَلْقٍ وَنَحْوِهِ.
(فَائِدَةٌ)
فِي الذَّخِيرَةِ هَوَاءُ الْوَقْفِ وَقْفٌ وَهَوَاءُ الْمَوَاتِ مَوَاتٌ وَهَوَاءُ الْمَمْلُوكِ مَمْلُوكٌ.
(إلَّا بَابًا) أُحْدِثَ بِسِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ فَلَيْسَ لِلْجَارِ مَنْعُهُ إنْ (نُكِّبَ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الْكَافِ مُشَدَّدَةً، أَيْ أُمِيلَ عَنْ مُقَابَلَةِ بَابِ الْجَارِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِنْ فَتَحَ مُقَابِلًا لَهُ فَلَهُ مَنْعُهُ.
ابْنُ عَاتٍ حَصَلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي فَتْحِ الرَّجُلِ بَابًا أَوْ تَحْوِيلِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ فِي زُقَاقٍ غَيْرِ نَافِذٍ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، أَحَدِهَا: إنَّهُ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ إلَّا بِإِذْنِ بَاقِيهِمْ، ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ زَرْبٍ وَأَقَامَهُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ بِقُرْطُبَةَ.
ثَانِيهَا: إنَّ لَهُ ذَلِكَ إلَّا مَا يُقَابِلُ بَابَ جَارِهِ أَوْ يَقْرُبُ مِنْهُ بِحَيْثُ يَقْطَعُ مِرْفَقًا عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ وَهْبٍ.
ثَالِثُهَا: لَهُ تَحْوِيلُ بَابِهِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إذَا سَدَّ الْبَابَ الْأَوَّلَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ فِيهَا بَابًا لَمْ يَكُنْ قَبْلُ بِحَالٍ، وَهَذَا دَلِيلُ قَوْلِ أَشْهَبَ فِي سَمَاعِ زُونَانَ.
وَيَتَحَصَّلُ فِي فَتْحِ الرَّجُلِ بَابًا أَوْ حَانُوتًا فِي مُقَابَلَةِ بَاب جَارِهِ فِي زُقَاقٍ نَافِذٍ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَحَدِهَا: أَنَّ ذَلِكَ لَهُ جُمْلَةً مِنْ غَيْر تَفْصِيلٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَشْهَبَ هَاهُنَا.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ إلَّا أَنْ يَنْكُبَهُ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ.
وَالثَّالِثِ: إنَّ ذَلِكَ لَهُ إذَا كَانَتْ السِّكَّةُ وَاسِعَةً، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ هَاهُنَا، وَالسِّكَّةُ الْوَاسِعَةُ مَا فِيهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الطَّرِيقُ الْمِيتَاءِ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ» ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، فِيهَا لَيْسَ لَك أَنْ تَفْتَحَ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ بَابًا يُقَابِلُ بَابَ جَارِك أَوْ يُسَاوِيهِ وَلَا تُحَوِّلُ بَابًا هُنَاكَ إذَا مَنَعَك لِأَنَّهُ يَقُولُ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تَفْتَحَ فِيهِ بَابَك لِي فِيهِ مِرْفَقٌ أَفْتَحُ فِيهِ بَابِي فِي سُتْرَةٍ وَلَا أَدَعُكَ أَنْ تَفْتَحَ قُبَالَةَ بَابِي أَوْ قُرْبَهُ فَتَتَّخِذَ عَلَيَّ، فِيهِ الْمَجَالِسَ وَشِبْهَ هَذَا مِنْ الضَّرَرِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ عَلَى جَارِهِ مَا يَضُرُّ بِهِ.
وَأَمَّا فِي السِّكَّةِ النَّافِذَةِ فَلَكَ أَنْ تَفْتَحَ مَا شِئْت أَوْ تُحَوِّلَ بَابَك حَيْثُمَا شِئْت وَفِي الْمَجْمُوعَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ أَنَّهُ يُمْنَعُ فِي غَيْرِ النَّافِذَةِ مِنْ أَنْ يَضُرَّ بِجَارِهِ فِي أَنْ يَفْتَحَ قُبَالَتَهُ أَوْ بِقُرْبٍ مِنْ بَابِهِ وَلَا يُمْنَعُ مَا لَا يَضُرُّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا النَّافِذَةُ فَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ فِيهَا مَا شَاءَ مِنْ الْأَبْوَابِ أَوْ يُقَدِّمَهَا ابْنُ عَرَفَةَ لَمَّا ذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ الْحَدِيثَ السَّابِقَ فِي تَحْدِيدِ الطَّرِيقِ قَالَ الْمِيتَاءُ الْوَاسِعَةُ اهـ.
وَصُعُودِ نَخْلَةٍ، وَأَنْذَرَ، بِطُلُوعِهِ
[منح الجليل]
الْحَطّ لَمْ أَقِفْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُتَيْطِيَّةِ بَلْ ذُكِرَتْ فِي هَامِشِ نُسْخَةٍ مِنْهَا تَأَمَّلْ الْمِيتَاءُ مَا هِيَ، وَتَفْسِيرُ الْمِيتَاءِ الْوَاسِعَةُ ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَرِيبِ الْحَدِيثِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ فِي فَصْلِ الْهَمْزَةِ مِنْ بَاب الْمُعْتَلِّ وَالْمِيتَاءُ الطَّرِيقُ الْعَامِرَةُ وَمُجْتَمَعُ الطَّرِيقِ أَيْضًا مِيتَاءٌ وَمِبْدَادٌ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ فِي الْمُغْرِبِ وَطَرِيقٌ مِيتَاءٌ تَأْتِيهِ النَّاسُ كَثِيرًا، وَهُوَ مِفْعَالٌ مِنْ الْإِتْيَانِ، وَنَظِيرُهُ دَارٌ مِحْلَالٌ لِلَّتِي تُحَلُّ كَثِيرًا.
وَفِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ الْمِيمِ مَعَ الْيَاءِ، وَفِي حَدِيثِ اللُّقَطَةِ مَا وَجَدْتَ فِي طَرِيقٍ مِيتَاءٍ فَعَرِّفْهُ سَنَةً أَيْ طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ وَهُوَ مِفْعَالٌ مِنْ الْإِتْيَانِ، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ، وَبَابُهُ الْهَمْزَةُ انْتَهَى، يَعْنِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْمِيمِ تَسْهِيلًا عَلَى الطَّالِبِ عَلَى عَادَتِهِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ فِي بَابِ الْمِيمِ وَفِي الْحَدِيثِ طَرِيقٍ مِيتَاءٍ بِكَسْرِ الْمِيم وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَالْمَدُّ وَتَسَهُّلٌ فَيُقَالُ مِيتَاءٌ بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ، قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ مَعْنَاهُ كَثِيرُ السُّلُوكِ عَلَيْهِ مِفْعَالٌ مِنْ الْإِتْيَانِ اهـ. وَفِي فَتْحِ الْبَارِي الْمِيتَاءُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمَدِّ بِوَزْنِ مِفْعَالٍ مِنْ الْإِتْيَانِ وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ.
أَبُو عُمَرَ وَالشَّيْبَانِيُّ الْمِيتَاءُ أَعْظَمُ الطُّرُقِ، وَهِيَ الَّتِي يَكْثُرُ مُرُورُ النَّاسِ بِهَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ هِيَ الطَّرِيقُ الْوَاسِعَةُ وَقِيلَ الْعَامِرَةُ.
اهـ. وَرَأَيْت فِي الْبَيَانِ وَالْمُتَيْطِيَّةِ وَمُخْتَصَرِ ابْنِ عَرَفَةَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ فَفِي الصِّحَاحِ الْمِيْتَاءُ الْأَرْضُ السَّهْلَةُ، وَالْجَمْعُ مِيَتٌ مِثْلُ هَيْفَاءَ وَهِيفٌ وَنَحْوِهِ فِي الْقَامُوسِ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُرَادٍ هُنَا.
(وَ) إلَّا (صُعُودِ) بِضَمِّ الصَّادِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَيْنِ أَيْ رُقِيِّ (نَخْلَةٍ) أَوْ شَجَرَةٍ غَيْرِهَا فِي دَارِهِ يُشْرِفُ الصَّاعِدُ عَلَيْهَا عَلَى دُورِ الْجِيرَانِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ إذَا كَانَ لِإِصْلَاحِهَا أَوْ جَنْيِ ثَمَرِهَا وَيُحْتَمَلُ جَرُّهُ عَطْفًا عَلَى مَانِعٍ (وَأَنْذَرَ) أَيْ أَعْلَمَ الصَّاعِدُ عَلَى النَّخْلَةِ الْمُشْرِفَةِ الْجِيرَانَ (بِطُلُوعِهِ) عَلَيْهَا وُجُوبًا لِيَسْتُرُوا مَا يَكْرَهُونَ اطِّلَاعَ صَاعِدِهَا عَلَيْهِ.
ابْنُ يُونُسَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمَنْ صَعِدَ إلَى شَجَرَةٍ لِيَجْنِيَهَا فَيَرَى مِنْهَا مَا فِي دَارِ جَارِهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ، وَلَكِنْ يُؤْذَنُ جَارُهُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ وَهْبٍ نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ.
وَنُدِبَ: إعَارَةُ جِدَارِهِ لِغَرْزِ خَشَبَةٍ
[منح الجليل]
الْحَطّ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ عَنْ مُطَرِّفٍ أُحِبُّ أَنْ يُعْلِمَهُمْ لِمَوْضِعِ حَقِّ الْجِوَارِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ فَتَاوَى ابْنِ زَرْبٍ.
" غ " فِي أَجْوِبَةِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ عِيَاضًا سَأَلَهُ عَنْ صَوْمَعَةٍ أُحْدِثَتْ فِي مَسْجِدٍ فَشَكَا مِنْهَا بَعْضُ الْجِيرَانِ الْكَشْفَ عَلَيْهِ فَهَلْ لَهُ فِيهَا مَقَالٌ وَقَدْ أَبَاحَ أَئِمَّتُنَا لِمَنْ فِي دَارِهِ شَجَرَةٌ صُعُودُهَا لِجَمْعِ ثَمَرَتِهَا مَعَ الْإِنْذَارِ بِطُلُوعِهِ وَأَوْقَاتُ الطُّلُوعِ لِلْأَذَانِ مَعْلُومَةٌ وَفِي مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ، وَإِنَّمَا يَتَوَلَّاهَا غَالِبًا أَهْلُ الصَّلَاحِ وَمَنْ لَا يَقْصِدُ مُضِرَّةً؟ فَأَجَابَ لَيْسَتْ الصَّوْمَعَةُ فِي الْمَسْجِدِ كَالشَّجَرَةِ فِي دَارِ الرَّجُلِ لِأَنَّ الطُّلُوعَ لِجَنْيِ الثَّمَرَةِ نَادِرٌ، وَالصُّعُودَ فِي الصَّوْمَعَةِ لِلْأَذَانِ يَتَكَرَّرُ مِرَارًا فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَالرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - بِالْمَنْعِ مِنْ الصُّعُودِ فِيهَا وَالرُّقِيِّ عَلَيْهَا مَنْصُوصَةٌ عَلَى عِلْمِك، وَالْمَعْنَى فِيهَا صَحِيحٌ فِيمَا أَقُولُ، وَإِنْ كَانَ يَطَّلِعُ مِنْهَا عَلَى الدُّورِ مِنْ بَعْضِ نَوَاحِيهَا دُونَ بَعْضٍ فَيُمْنَعُ مِنْ الْوُصُولِ مِنْهَا إلَى الْجِهَةِ إلَتِي يَطْلُعُ مِنْهَا إلَّا بِحَاجِزٍ يُبْنَى بَيْنَ تِلْكَ الْجِهَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْجِهَاتِ اهـ.
وَالرِّوَايَةُ عَنْ سَحْنُونٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ يُمْنَعُ الصُّعُودُ فِيهَا ابْنُ رُشْدٍ هَذَا صَحِيحٌ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي أَنَّ الِاطِّلَاعَ مِنْ الضَّرَرِ الْبَيِّنِ الَّذِي يَجِبُ الْقَضَاءُ بِقَطْعِهِ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عِنْدَ مَنْ رَأَى مِنْ أَصْحَابِهِ إنْ أَحْدَثَ فِي مِلْكِهِ اطِّلَاعًا عَلَى جَارِهِ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِسَدِّهِ، وَيُقَالُ لِجَارِهِ اُسْتُرْ عَلَى نَفْسِك فِي مِلْكِك، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّ الْمَنَارَ لَيْسَ مِلْكًا لِلْوَزْنِ، وَإِنَّمَا يُصْعَدُ فِيهِ ابْتِغَاءَ الْخَيْرِ وَالثَّوَابِ وَاطِّلَاعُهُ عَلَى حَرَمِ النَّاسِ مَحْظُورٌ، وَلَا يَحِلُّ الدُّخُولُ فِي نَافِلَةٍ مِنْ الْخَيْرِ بِمَعْصِيَةٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الدُّورُ عَلَى الْقُرْبِ أَوْ الْبُعْدِ إلَّا لِبُعْدٍ كَثِيرٍ لَا تَبِينُ مَعَهُ الْأَشْخَاصُ وَلَا الْهَيْئَاتُ وَلَا الذُّكُورُ مِنْ الْإِنَاثِ فَلَا يُعْتَبَرُ الِاطِّلَاعُ مَعَهُ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ يَسْتَدِلُّ عَلَى هَذَا بِقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - إنْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُصَلِّيَ الصُّبْحَ بِغَلَسٍ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ لَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ» وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ لِلْجَارِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَنَائِبُ فَاعِلِ نُدِبَ (إعَارَةُ جِدَارِهِ) أَيْ الْجَارِ لِجَارِهِ (لِ) أَجْلِ (غَرْزِ) أَيْ إدْخَالِ
وَإِرْفَاقٌ بِمَاءٍ وَفَتْحُ بَابٍ.
[منح الجليل]
خَشَبَةٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالسِّينِ الْمُعْجَمَيْنِ وَبِالتَّاءِ مُفْرَدًا أَوْ بِضَمِّهَا، وَالْإِضَافَةُ لِلْهَاءِ جَمْعًا فِي الْجِدَارِ الْمُعَارِ لِاسْتِنَادٍ إلَيْهِ أَوْ جَعْلِ سَقْفٍ عَلَيْهِ لِخَبَرِ الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ» ، رُوِيَ بِالْإِفْرَادِ وَالْجَمْعِ.
أَبُو هُرَيْرَةَ لَمَّا نَكَّسُوا رُءُوسَهُمْ عِنْدَ رِوَايَتِهِ مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ، وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ، رُوِيَ بِالْمُثَنَّاةِ فَوْقَ جَمْعُ كَتِفٍ بِكَسْرِهَا، وَبِالنُّونِ جَمْعُ كَنَفٍ بِفَتْحِهَا حَمَلَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى النَّدْبِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَأَبُو ثَوْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مَعْنَى الْحَدِيثِ الْوُجُوبُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ لِصَاحِبِ الْجِدَارِ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا رُوِيَ، وَمَا كَانَ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ غَيْرَ وَاجِبٍ وَبِأَنَّهُ قَضَاءٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَرْفَاقِ، وَقَوْلُهُ لَا يَحِلُّ مَالُ إلَخْ فِي التَّمَلُّكِ وَالِاسْتِهْلَاكِ لَا فِي الْإِرْفَاقِ وَبِقَضَاءِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِهِ، وَقَوْلُهُ لِابْنِ مَسْلَمَةَ وَاَللَّهِ لَيَرْمُنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِك، وَلَمْ تَمْنَعْ أَخَاك مَا يَنْفَعُهُ وَلَا يَضُرُّك وَبِقَضَاءِ عُمَرَ بِهِ لِابْنِ عَوْفٍ عَلَى ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَنْبَغِي لَهُ مَنْعُهُ وَإِنْ مَنَعَهُ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ أَفَادَهُ الْمَوَّاقُ.
الْحَطّ فِي التَّوْضِيحِ هَلْ لِجَارِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ لِلشُّيُوخِ قَوْلَانِ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ سَهْلٍ أَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ بِجَوَازِ التَّعْلِيقِ لِلْمَسَاجِدِ الْمُتَّصِلَةِ بِالدُّورِ وَلَمْ يَضُرَّهَا، وَجَوَازُ غَرْزِ جَارِهَا خَشَبَةً بِحَائِطِهَا وَنَقَلَهُ عَنْ الشُّيُوخِ، قَالَ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ لِعَدَمِ اتِّصَالِ الدُّورِ بِهِ وَلَوْ اتَّصَلَتْ بِهِ جَازَ عِنْدِي، وَافَتَى ابْنُ الْقَطَّانِ بِمَنْعِ الْغَرْزِ وَابْنُ مَالِكٍ بِمَنْعِهِ وَمَنْعِ التَّعْلِيقِ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ الصَّوَابُ الْجَارِي عَلَى حَمْلِهِ عَلَى النَّدْبِ، وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ يُمْنَعُ فَتْحُ بَابٍ فِي الْمَسْجِدِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) نُدِبَ لِلْجَارِ (إرْفَاقٌ) أَيْ إعَانَةٌ وَمُسَاعَدَةٌ لِجَارِهِ (بِ) دَفْعِ (مَاءٍ) بِالْمَدِّ حُلْوٍ أَوْ مِلْحٍ (وَ) بِ (فَتْحِ بَابٍ) لِلْمُرُورِ مِنْهُ فِي ذَاتِ الْبَابَيْنِ.
الْبَاجِيَّ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ كُلُّ مَا يَطْلُبُهُ جَارُهُ مِنْ فَتْحِ بَابٍ أَوْ إرْفَاقٍ بِمَاءٍ أَوْ طَرِيقٍ وَشَبَهِهِ فَهُوَ مِثْلُهُ، أَيْ غَرْزُ
وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ، وَفِيهَا: إنْ دَفَعَ مَا أَنْفَقَ أَوْ قِيمَتَهُ، وَفِي مُوَافَقَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ: تَرَدُّدٌ.
[منح الجليل]
الْخَشَبِ فِي الْجِدَارِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَهُ مِمَّا لَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ مَنْعُهُ وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِهِ
(وَ) إنْ أَعَارَ جَارٌ أَرْضًا لِجَارِهِ فَبَنَى أَوْ غَرَسَ فِيهَا فَ (لَهُ) أَيْ الْمُعِيرِ (أَنْ يَرْجِعَ) فِيمَا أَعَارَهُ (إنْ دَفَعَ) الْمُعِيرُ لِلْمُسْتَعِيرِ (مَا) أَيْ مِثْلَ الْمَالِ الَّذِي (أَنْفَقَهُ) الْمُسْتَعِيرُ فِي الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ وَفِيهَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ (أَوْ قِيمَتَهُ) أَيْ الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ قَائِمًا.
(وَفِي مُوَافَقَتِهِ) أَيْ الْمَوْضِعِ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ بِحَمْلِ مَا أَنْفَقَ عَلَى شِرَائِهِ مَا عَمَّرَ بِهِ وَقِيمَتُهُ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ عِنْدِهِ، أَوْ حُمِلَ الْأَوَّلُ عَلَى رُجُوعِهِ بِالْقُرْبِ وَالثَّانِي عَلَى رُجُوعِهِ بَعْدَ طُولٍ أَوْ الْأَوَّلُ إذَا لَمْ يَكُنْ غَبْنٌ فِي شِرَاءِ مَا عَمَّرَ بِهِ، وَالثَّانِي عَلَى مَا فِيهِ غَبْنٌ (وَمُخَالَفَتِهِ) أَيْ الثَّانِي الْأَوَّلَ (تَرَدُّدٌ) حَكَاهُ صَاحِبُ النُّكَتِ وَالْمُنَاسِبُ لِاصْطِلَاحِ الْمُصَنِّفِ تَأْوِيلَاتٌ.
" ق " فِيهَا لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ أَذِنْت لَهُ أَنْ يَبْنِيَ فِي أَرْضِك أَوْ يَغْرِسَ فَلَمَّا فَعَلَ أَرَدْت إخْرَاجَهُ فَإِمَّا بِقُرْبِ إذْنِك لَهُ مِمَّا لَا يُشْبِهُ أَنْ تُعِيرَهُ إلَى مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ الْقَرِيبَةِ فَلَيْسَ لَك إخْرَاجُهُ إلَّا أَنْ تُعْطِيَهُ مَا أَنْفَقَ.
وَقَالَ فِي بَابٍ بَعْدَ هَذَا قِيمَةُ مَا أَنْفَقَ وَإِلَّا تَرَكْته إلَى مِثْلِ مَا يَرَى النَّاسُ أَنَّك أَعَرْته إلَى مِثْلِهِ مِنْ الْأَمَدِ.
أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَنْ أَعَارَ جَارَهُ خَشَبَةً يَغْرِزُهَا فِي جِدَارِهِ ثُمَّ أَغْضَبَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ لِأَمْرٍ نَزَلَ بِهِ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَرَادَ بَيْعَ دَارِهِ فَقَالَ انْزَعْ خَشَبَك فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
الْبَاجِيَّ رَوَى مَرْوَانُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا أَبَاحَ لَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْزِعَهَا وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ وَاحْتَاجَ إلَى جِدَارِهِ مَاتَ أَوْ عَاشَ أَوْ بَاعَ.
وَقَالَ أَصْبَغُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا أَتَى عَلَيْهِ مِنْ الزَّمَانِ مَا يُعَارُ مِثْلُهُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ فَلَهُ مَنْعُهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِهِمْ مَعْنَى قَوْلِهِ فِيهَا يُعْطِيهِ قِيمَتَهُ إذَا أَخْرَجَ مَنْ عِنْدِهِ آجُرًّا أَوْ جِيرًا وَخَشَبًا وَنَحْوَهَا، وَقَوْلُهُ مَا أَنْفَقَ إذَا أَخْرَجَ ثَمَنًا فَاشْتَرَى بِهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَا يَكُونُ اخْتِلَافًا مِنْ قَوْلِهِ وَقِيلَ رَأَى مَرَّةً أَنْ يُعْطِيَهُ مَا أَنْفَقَ إذَا لَمْ يَكُنْ تَغَابُنٌ أَوْ فِيهِ تَغَابُنٌ يَسِيرٌ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَمَرَّةً رَأَى أَنَّ الْقِيمَةَ أَعْدَلُ إذْ قَدْ يَتَسَامَحُ مَرَّةً فِيمَا يَشْتَرِيهِ، وَمَرَّةً يُغْبَنُ فِيهِ، فَإِذَا أَعْطَى قِيمَةَ ذَلِكَ يَوْمَ بِنَائِهِ لَمْ يَظْلِمْ.
ابْنُ يُونُسَ فَلَا يَكُونُ عَلَى هَذَا اخْتِلَافًا مِنْ قَوْلِهِ وَنَحْوُهُ لِعَبْدِ الْحَقِّ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُوَضِّحِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَحَمَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ تَأْوِيلَ وِفَاقٍ، وَنَصَّهُ ابْنُ رُشْدٍ.
وَقِيلَ لَيْسَ اخْتِلَافًا فَلَهُ النَّفَقَةُ إذَا كَانَ لَمْ يُغْبَنْ فِيهَا وَقِيمَتُهَا إذَا كَانَ غَبْنٌ فَيَرْجِعُ إلَى أَنَّ لَهُ الْأَقَلَّ مِنْ النَّفَقَةِ أَوْ قِيمَتِهَا.
اهـ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ابْنُ يُونُسَ وَالتَّأْوِيلَانِ مُحْتَمَلَانِ، وَقِيلَ الثَّانِي خَطَأٌ.
عب قَوْلُهُ وَلَهُ الرُّجُوعُ إلَخْ، إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ أَعَارَ أَرْضًا لِبِنَاءٍ أَوْ غَرْسٍ لَا فِيمَنْ أَعَارَ جِدَارًا لِغَرْزِ خَشَبَةٍ فِيهِ كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ وتت، إذْ لَا رُجُوعَ لَهُ بَعْدَ الْإِذْنِ كَمَا تَبَيَّنَّ مِمَّا تَقَدَّمَ الْحَطّ قَوْلُهُ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا طَالَ الزَّمَانُ أَمْ لَا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْعَرْصَةِ الْمُعَارَةِ لِبِنَاءٍ، لَكِنْ جَمَعَ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ زَرْقُونٍ مَسْأَلَةَ الْجِدَارِ وَمَسْأَلَةَ الْعَرْصَةِ، وَحَكَيَا الْخِلَافَ فِيهِمَا وَتَبَعَهُمَا الْمُصَنِّفُ قَوْلُهُ وَفِيهَا إنْ دَفَعَ مَا أَنْفَقَ أَوْ قِيمَتَهُ إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا أَيْضًا.
فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْعَرْصَةِ الْمُعَارَةِ لِبِنَائِهَا، وَلَكِنْ جَمَعَ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ زَرْقُونٍ مَسْأَلَتَيْ الْجِدَارِ وَالْعَرْصَةِ، وَحَكَيَا الْخِلَافَ فِيهِمَا جَمِيعًا، وَتَبَعَهُمَا الْمُصَنِّفُ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ هُنَا وَفِي الْعَارِيَّةِ الْبُنَانِيُّ لَكِنْ قَوْلُهُ فِيهَا إنْ دَفَعَ مَا أَنْفَقَ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ مَا قَصَدَ إلَّا مَسْأَلَةَ الْعَرْصَةِ لِأَنَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ إلَّا فِيهَا وَابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ زَرْقُونٍ لَمْ يَنْسُبَا الْخِلَافَ فِي الْجِدَارِ لِلْمُدَوَّنَةِ، فَاعْتِذَارُ الْحَطّ لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
فَصْلٌ) لِكُلٍّ، فَسْخُ الْمُزَارَعَةِ
[منح الجليل]
[فَصْلٌ فِي بَيَان أَحْكَام الشَّرِكَة فِي الزَّرْع]
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الشَّرِكَةِ فِي الزَّرْعِ (لِكُلٍّ) مِنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي الزَّرْعِ (فَسْخُ) عَقْدِ (الْمُزَارَعَةِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ابْنُ عَرَفَةَ الْمُزَارَعَةُ شَرِكَةٌ فِي الْحَرْثِ، وَبِالثَّانِي عَبَّرَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ، وَعَبَّرَ بِالْأَوَّلِ كَثِيرٌ، سَمَعُ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا عَلَى مُزَارَعَةٍ وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقُولَن أَحَدُكُمْ زَرَعْت وَلْيَقُلْ حَرَثْت» وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا وَلَا يَزْرَعُ مُسْلِمٌ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ» . الْبُرْزُلِيُّ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «لَا يَقُولَن أَحَدُكُمْ زَرَعَتْ وَلْيَقُلْ حَرَثْت فَإِنَّ الزَّارِعَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى» . أَبُو هُرَيْرَةَ لِقَوْلِهِ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: 63] ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: 64] الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: 261] الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اتِّخَاذَ الْحَرْثِ مِنْ أَعْلَى الْحِرَفِ الْمُتَّخَذَةِ لِلْمَكَاسِبِ، وَيَشْتَغِلُ بِهَا الْعُمَّالُ، وَلِهَذَا ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَثَلَ بِهَا قَالَ وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْتَمِسُوا الرِّزْقَ فِي خَبَايَا الْأَرْضِ» يَعْنِي الزَّرْعَ وَفِي حَدِيثِ مَدْحِ النَّخْلِ «هُنَّ الرَّاسِخَاتُ فِي الْوَحْلِ وَالْمُطْعِمَاتُ فِي الْمَحْلِ» . قَالَ وَالْمُزَارَعَةُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُجْبِرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ غَرْسِ الشَّجَرِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ لَقِيَ ابْنَ شِهَابٍ فَقَالَ دُلَّنِي عَلَى مَالٍ أُعَالِجُهُ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: أَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ يَوْمَ لَقِيتُهُ ... وَقَدْ شَدَّ أَحْلَاسَ الْمَطِيِّ مُشَرِّقَا اتْبَعْ خَبَايَا الْأَرْضِ وَادْعُ مَلِيكَهَا ... لَعَلَّك يَوْمًا أَنْ تُجَابَ فَتُرْزَقَا
إنْ لَمْ يُبْذَرْ
[منح الجليل]
الْقُرْطُبِيُّ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَرْمِي الْبَذْرَ أَنْ يَقُولَ عَقِبَ الِاسْتِعَاذَةِ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: 63] ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: 64] بَلْ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الزَّارِعُ الْمُنْبِتُ الْمُبَلِّغُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَارْزُقْنَا خَيْرَهُ وَجَنِّبْنَا ضَرَرَهُ، وَاجْعَلْنَا لِأَنْعُمِكَ مِنْ الشَّاكِرِينَ اهـ. قَالَ وَهَذَا الْقَوْلُ أَمَانٌ لِلزَّرْعِ مِنْ جَمِيعِ الْآفَاتِ الدُّودِ وَالْجَرَادِ وَغَيْرِهِمَا، سَمِعْته مِنْ ثِقَةٍ وَجُرِّبَ فَوُجِدَ كَذَلِكَ وَاخْتُلِفَ هَلْ الْأَفْضَلُ الزِّرَاعَةُ لِكَثْرَةِ التَّنَاوُلِ مِنْهَا أَوْ الْغِرَاسَةُ لِدَوَامِهَا الْبُرْزُلِيُّ وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ زَرْعِهِ أَوْ غَرْسِهِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُهُ مَا دَامَ قَائِمًا عَلَى أُصُولِهِ وَإِنْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ.
وَلَا تَلْزَمُ الْمُزَارَعَةُ بِمُجَرَّدِ عَقْدِهَا فَلِكُلٍّ فَسْخُهَا (إنْ لَمْ يُبْذَرْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْوَحْدَةِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَمْ يُجْعَلْ الْبَذْرُ بِالْأَرْضِ، فَإِنْ بُذِرَ لَزِمَتْ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّ رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ كِنَانَةَ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ تَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَبْسُوطِ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْعَمَلِ بَذْرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَبِهِ جَرَتْ الْفَتْوَى بِقُرْطُبَةَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الْمُزَارَعَةِ لِأَنَّهَا شَرِكَةٌ وَإِجَارَةٌ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُقْتَضِيَةٌ لِلْأُخْرَى بِكُلِّيَّتِهَا لَا فَضْلَ فِيهَا عَنْهَا، فَاخْتُلِفَ أَيُّهُمَا تُغَلَّبُ، فَمَنْ غَلَّبَ الشَّرِكَةَ لَمْ يَرَهَا لَازِمَةً بِالْعَقْدِ وَلَمْ يُجِزْهَا إلَّا عَلَى التَّكَافُؤِ وَالِاعْتِدَالِ، إلَّا أَنْ يَتَطَاوَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِمَا لَا فَضْلَ لِكِرَائِهِ.
وَمِنْ غَلَّبَ الْإِجَارَةَ أَلْزَمَهَا بِالْعَقْدِ وَأَجَازَ التَّفَاضُلَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُرَاعِ التَّكَافُؤَ غَيْرَ ابْنِ حَبِيبٍ، قَالَ مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ الْأَمْرُ بِمَا لَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ فِي الْبُيُوعِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ ذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ تَفَاحَشَ الْفَضْلُ فِي قِيمَةِ الْكِرَاءِ مَا لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا بِشَيْءٍ لَهُ بَالٌ لَمْ يُخْرِجْ صَاحِبُهُ عِوَضًا عَنْهُ فَلَا يَجُوزُ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْقَوْلِ بِتَغَلُّبِ الْإِجَارَةِ وَإِلْزَامِ الْعَقْدِ أَنْ يَجُوزَ التَّفَاضُلُ بِكُلِّ حَالٍ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ خَلِيلٌ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ دَوَرَانُهَا بَيْنَ الشَّرِكَةِ وَالْإِجَارَةِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهَا شَرِكَةٌ حَقِيقِيَّةٌ إلَّا أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ وَالْأَعْمَالِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي لُزُومِهَا بِالْعَقْدِ أَوْ الشُّرُوعِ ثَالِثُهَا بِالْأَبْذَارِ لِابْنِ رُشْدٍ عَنْ سَحْنُونٍ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ