وَصَحَّتْ، إنْ سَلِمَا مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَمْنُوعٍ، وَقَابَلَهَا مُسَاوٍ، وَتَسَاوَيَا
[منح الجليل]
وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَابْنِ كِنَانَةَ فِي الْمَبْسُوطَةِ وَبِهِ جَرَتْ الْفُتْيَا بِقُرْطُبَةَ.
وَهُوَ عَلَى قِيَاسِ رِوَايَةِ عَلَى لُزُومِ الْجُعْلِ بِالشُّرُوعِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ سَمَاعِهِ أَصْبَغَ وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ حَارِثٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ غَيْرَ الْأَوَّلِ، وَقَالَ اتَّفَقُوا عَلَى انْعِقَادِهَا بِالْعَمَلِ أَفَادَهُ الْحَطّ.
(وَصَحَّتْ) الْمُزَارَعَةُ (إنْ سَلِمَا) بِكَسْرِ اللَّامِ أَيْ الْمُتَزَارِعَانِ أَيْ عَقْدُهُمَا الشَّرِكَةَ فِي الزَّرْعِ (مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِ) شَيْءٍ (مَمْنُوعٍ) كِرَاؤُهَا بِهِ، وَهُوَ الطَّعَامُ، وَلَوْ لَمْ تُنْبِتْهُ الْأَرْضُ كَالسَّمْنِ وَعَسَلِ النَّحْلِ وَمَا تُنْبِتُهُ وَلَا تَطُولُ إقَامَتُهُ بِهَا وَلَوْ غَيْرَ طَعَامٍ، كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ (وَ) إنْ (قَابَلَهَا) أَيْ الْأَرْضَ شَيْءٌ (مُسَاوٍ) لِكِرَائِهَا مِنْ عَمَلِ يَدٍ أَوْ بَقَرٍ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَصْحَابِهِ.
سَحْنُونٌ وَهُوَ صَوَابٌ.
فَالْمُسَاوَاةُ شَرْطٌ، وَعَدَمُهَا مَانِعٌ، وَكَثِيرًا مَا يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ الشَّرْطَ عَلَى عَدَمِ الْمَانِعِ، وَمَفْهُومُ مُسَاوٍ فِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ قَابَلَهَا أَكْثَرُ مِنْ كِرَائِهَا بِكَثِيرٍ فَسَدَتْ وَبِيَسِيرٍ اُغْتُفِرَ أَفَادَهُ تت.
(وَ) إنْ (تَسَاوَيَا) أَيْ الشَّرِيكَانِ فِيمَا يُخْرِجَانِهِ وَالْأَرْضُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا أَوْ مُبَاحَةٌ لِعُمُومِ النَّاسِ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا وَكِرَاؤُهَا يَسِيرٌ لَا خَطْبَ لَهُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ تُلْغَى الْأَرْضُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كِرَاءٌ " ق " فِيهَا لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ فِي الزَّرْعِ إلَّا أَنْ يُخْرِجَا الْبَذْرَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَيَتَسَاوَيَا فِي قِيمَةِ أَكْرِيَةِ مَا يُخْرِجَانِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا الْأَرْضُ وَلِلْآخِرِ الْبَقَرُ، وَالْعَمَلُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْ عَلَيْهِمَا إذَا تَسَاوَيَا وَالْبَذْرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْآخَرُ الْبَذْرَ وَالْعَمَلُ بَيْنَهُمَا وَقِيمَةُ الْبَذْرِ وَكِرَاءُ الْأَرْضِ سَوَاءٌ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ أَكْرَى نِصْفَ أَرْضِهِ بِطَعَامٍ، وَلَوْ اكْتَرَيَا الْأَرْضَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ أَوْ كَانَتْ لَهُمَا جَازَ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا الْبَذْرَ كُلَّهُ وَالْآخَرُ الْبَقَرَ وَالْعَمَلَ وَكِرَاءُ ذَلِكَ وَقِيمَةُ الْبَذْرِ سَوَاءٌ.
وَإِذَا سَلِمَ الْمُتَزَارِعَانِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ أَنَّ الْأَرْضَ لِوَاحِدٍ وَالْبَذْرُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ جَازَتْ الشَّرِكَةُ إنْ تَسَاوَيَا وَلَمْ يَفْضُلْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِشَيْءٍ فِي عَمَلٍ وَلَا نَفَقَةٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ.
سَحْنُونٌ أَنْ تَفَاضَلَا فِي الْعَمَلِ تَفَاضُلًا كَثِيرًا لَهُ بَالٌ، فَالشَّرِكَةُ تَفْسُدُ وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ التَّفَاضُلُ يَسِيرًا لَمْ تَفْسُدْ الشَّرِكَةُ كَمَا أَجَازَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ تُلْغَى الْأَرْضُ الَّتِي لَا كِرَاءَ لَهَا ابْنُ يُونُسَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا الْقَرَوِيِّينَ إذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمْ الْأَرْضَ وَالْآخَرُ الْعَمَلَ فَهَذِهِ إجَارَةٌ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ وَأَجَازَ سَحْنُونٌ أَنْ يَكُونَ كِرَاءُ الْأَرْضِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَمَلِ لِأَنَّ ذَلِكَ إجَارَةٌ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى التَّسَاوِي، وَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ أَنْ يَبْذُرَ مَعَ صَاحِبِهِ لِلُزُومِ الشَّرِكَةِ.
وَنَقَلَ أَهْلُ كُتُبِ الْأَحْكَامِ أَنَّ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ أَنَّ الْمُتَزَارِعَيْنِ إذَا سَلِمَا مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَلَا بَأْسَ بِالتَّفَاضُلِ وَهُوَ قَوْلُ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ، وَفِيهَا لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الزَّرْعِ فَيُخْرِجُ أَحَدُهُمَا أَرْضًا لَهَا قَدْرٌ مِنْ الْكِرَاءِ فَيُلْغِيهَا لِصَاحِبِهِ وَيَعْتَدِلَانِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْعَمَلِ وَالْبَذْرِ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُخْرِجَ صَاحِبُهُ نِصْفَ كِرَاءِ الْأَرْضِ، وَيَكُونُ جَمِيعُ الْعَمَلِ وَالْبَذْرِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ أَوْ تَكُونُ أَرْضًا لَا خَطْبَ لَهَا فِي الْكِرَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ يُلْغِيَ كِرَاءَهَا لِصَاحِبِهِ وَيُخْرِجَانِ مَا عَدَاهَا بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمَا.
سَحْنُونٌ إنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ وَالْآخَرُ الْعَمَلَ وَقِيمَتُهُ مُسَاوِيَةٌ قِيمَةُ كِرَاءِ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ جَازَ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا.
بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ قَوْلُ سَحْنُونٍ هُوَ الْأَشْبَهُ، وَلَيْسَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ بِبَيِّنٍ وَإِذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْآخَرُ الْعَمَلَ فَهَذِهِ إجَارَةٌ تَلْزَمُ بِعَقْدِهَا " غ " قَوْلُهُ وَتَسَاوَيَا أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلُ وَقَابَلَهَا مُسَاوٍ فَهُوَ مُغْنٍ عَنْهُ " ح " قَوْلُهُ تَسَاوَيَا لَا شَكَّ فِي إغْنَائِهِ عَنْ قَوْلِهِ، وَقَابَلَهَا مُسَاوٍ فَشَرْطُهَا شَيْئَانِ كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ.
وَلَا تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ إلَّا بِشَرْطَيْنِ أَنْ يَسْلَمَا مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَأَنْ يَعْتَدِلَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ عب الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَقَابَلَهَا مُسَاوٍ شَرْطُهُمَا قَسْمُ الرِّبْحِ عَلَى قَدْرِ مَا أَخْرَجَاهُ كَأَنْ تَكُونَ أُجْرَةُ الْأَرْضِ مِائَةً وَالْبَقَرِ وَالْعَمَلِ خَمْسِينَ، وَدَخَلَا عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ الثُّلُثَيْنِ
إلَّا لِتَبَرُّعٍ بَعْدَ الْعَقْدِ
[منح الجليل]
وَلِرَبِّ الْبَقَرِ وَالْعَمَلِ الثُّلُثُ، فَتَجُوزُ، وَإِنْ دَخَلَا عَلَى النِّصْفِ لَمْ تَجُزْ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ مَا ذُكِرَ بِعَكْسِ مَا مَرَّ جَازَ إنْ دَخَلَا عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْبَقَرِ وَالْعَمَلِ الثُّلُثَيْنِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ الثُّلُثَ وَإِنْ دَخَلَا عَلَى النِّصْفِ فَسَدَتْ لِدُخُولِهِمَا عَلَى التَّفَاوُتِ، وَإِنْ كَانَتْ أُجْرَةُ الْأَرْضِ خَمْسِينَ وَالْبَقَرِ وَالْعَمَلِ كَذَلِكَ جَازَ إنْ دَخَلَا عَلَى النِّصْفِ فَإِنْ دَخَلَا عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ فَسَدَتْ فَالْمُرَادُ.
بِالتَّسَاوِي أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مُطَابِقًا لِلْمُخْرَجِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْخَارِجِ وَالْمُخْرَجِ جَمِيعًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا النِّصْفُ، وَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ وَتَسَاوَيَا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذَلِكَ.
طفي لَيْسَ الْمُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْمُزَارَعَةِ إلَّا شَرْطَيْنِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَقَابَلَهَا مُسَاوٍ فَهُوَ مُنْدَرِجٌ فِي قَوْلِهِ وَتَسَاوَيَا، فَيُغْنِي عَنْهُ كَمَا قَالَ " غ " وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَخَلْطُ بَذْرٍ فَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِهَا لِأَنَّ شَرْطَهَا مَا كَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ صُوَرِهَا، وَهَذَا خَاصٌّ بِبَعْضِ الصُّوَرِ، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ إنْ كَانَ، وَلِذَا قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَلَهَا شَرْطَانِ: الْأَوَّلُ السَّلَامَةُ مِنْ مُقَابَلَةِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ أَوْ بَعْضِهَا بِمَا لَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِهِ، الثَّانِي: التَّعَادُلُ بَيْنَ الْإِشْرَاكِ فِي قِسْمَةِ الْمُخْرَجِ أَوْ قِيمَتِهِ بِحَسَبِ حِصَصِ الْإِشْرَاكِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثُ أَوْ الرُّبْعُ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنْ الْأَجْزَاءِ، عَلَى أَنَّ لَهُ مِمَّا يَخْرُجُ مَالًا يَكُونُ قَدْرَ ذَلِكَ الْجُزْءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّفَاوُتُ يَسِيرًا لَا يُؤْبَهُ لَهُ فَلَا تَفْسُدُ الْمُزَارَعَةُ.
وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ وَقَابَلَهَا صَارَ فَإِنَّهُ، قَالَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَا يُقَابِلُهَا مُعَادِلًا لِكِرَائِهَا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَا يُغْنِي عَنْهُ وَهُوَ التَّسَاوِي فِي الْمُخْرَجِ، فَجَاءَ كَلَامُهُ حَسَنًا اهـ. قُلْت شَاعَ أَنَّهُ لَا يُعْتَرَضُ بِإِغْنَاءِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِ لِوُقُوعِ الْأَوَّلِ فِي مَرْكَزِهِ.
وَلَا يُغْنِي عَنْ الْمُتَأَخِّرِ فَاحْتِيجَ لِلثَّانِي، فَصَنِيعُ الْمُصَنِّفِ أَحْسَنُ مِنْ صَنِيعِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِإِخْلَالِهِ بِشَرْطِ التَّسَاوِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ مَفْهُومِ وَمُتَسَاوِيًا فَقَالَ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ عَدَمُ التَّسَاوِي (لِتَبَرُّعٍ) مِنْ أَحَدِ شَرِيكَيْ الْمُزَارَعَةِ بِزِيَادَةِ عَمَلٍ أَوْ قَدْرٍ مِمَّا يَخْرُجُ لِلْآخَرِ (بَعْدَ الْعَقْدِ) فَلَا تَفْسُدُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْبَذْرِ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِلُزُومِهَا بِالْعَقْدِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
ق " ابْنُ حَبِيبٍ إنْ تَفَاضَلَا فِيمَا أَخْرَجَهُ الْمُتَزَارِعَانِ فَإِنْ كَانَا عَقَدَا عَلَى الِاعْتِدَالِ جَازَ مَا فَضَلَ بِهِ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ طَوْعًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ إنْ اعْتَدَلَا فِي الزَّرِيعَةِ سَحْنُونٌ إنْ صَحَّ الْعَقْدُ جَازَ أَنْ يَتَفَاضَلَا، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ زَرِيعَةٍ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا لَوْ أَسْلَفَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ وَأْيٍ وَلِإِعَادَةِ الشَّيْخِ يُرِيدُ سَحْنُونٌ لِأَنَّهَا تَلْزَمُ بِعَقْدِهَا كَالْبَيْعِ.
ابْنُ رُشْدٍ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى إنْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ عَلَى غَيْرِ شَرْطِ سَلَفٍ ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُسْلِفَهُ الزَّرِيعَةَ فَفَعَلَ فَلَا بَأْسَ بِهِ نَظَرٌ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ لَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، وَلَا دَلِيلَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَفْسُدْ الْمُزَارَعَةُ إذَا كَانَ السَّلَفُ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ غَيْرَ لَازِمَةٍ بِهِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ رَآهَا لَازِمَةً بِهِ وَلَعَلَّهُمَا ظَنَّا لُزُومَهَا بِهِ فَبَعُدَتْ التُّهْمَةُ عَنْهُمَا فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ " غ " قَوْلُهُ إلَّا لِتَبَرُّعٍ بَعْدَ الْعَقْدِ أَيْ بَعْدَ الْعَقْدِ اللَّازِمِ بِالْبَذْرِ، فَأَلْ عَهْدِيَّةٌ.
الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا قَصَدَ بِهَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَبَحَثَ فِيهِ ابْنُ رُشْدٍ وَأَجَابَ عَنْهُ وَهُوَ لَا شَكَّ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ وَنَصُّ الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي حَرْثٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ أَسْلِفْنِي بَعْدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ الشَّرِكَةُ فَاسِدَةٌ لِلسَّلَفِ الَّذِي أَسْلَفَهُ مِنْ الزَّرِيعَةِ إنْ كَانَا اشْتَرَكَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ عَلَى غَيْرِ سَلَفٍ ثُمَّ سَأَلَهُ ذَلِكَ فَفَعَلَ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَالشَّرِكَةُ حَلَالٌ جَائِزَةٌ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْعَمَلِ مُكَافِئَةً لِقِيمَةِ الْأَرْضِ.
ابْنُ رُشْدٍ فِي قَوْلِهِ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ نَظَرٌ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَجُوزَ السَّلَفُ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَلْزَمُ الْعَقْدَ عِنْدَهُ، وَلَا دَلِيلَ مِنْ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى ذَلِكَ، إذْ قَدْ ذَكَرَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَالشَّرِكَةُ حَلَالٌ جَائِزَةٌ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْعَمَلِ مُكَافِئَةً لَقِيمَةِ الْأَرْضِ لِأَنَّ مَنْ يَرَاهَا لَازِمَةً بِالْعَقْدِ يُجِيزُ التَّفَاضُلَ فِيهَا وَلَا يَشْتَرِطُ جَوَازُهَا التَّكَافُؤَ فِيمَا يُخْرِجَانِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَفْسُدْ إذَا كَانَ السَّلَفُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ غَيْرَ لَازِمَةٍ
وَخَلْطُ بَذْرٍ إنْ كَانَ، وَلَوْ بِإِخْرَاجِهِمَا
[منح الجليل]
بِهِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ رَآهَا لَازِمَةً بِهِ.
اهـ. فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ بِعَدَمِ لُزُومِهَا بِالْعَقْدِ وَيَجُوزُ التَّبَرُّعُ بَعْدَهُ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ الْمُخَالِفِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ جَارٍ عَلَيْهِ فَلَا وَجْهَ لِتَأْوِيلِهِ وَإِخْرَاجِهِ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَبِهِ يَسْقُطُ بَحْثُ اللَّقَانِيِّ، وَأَمَّا بَحْثُ طفي مَعَ " غ " بِأَنْ حَمَلَ الْعَقْدَ عَلَى اللَّازِمِ بِالْبَذْرِ، رَأَى تَمَامَهُ نَقَلَ مَعَهُ فَائِدَةَ التَّبَرُّعِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ، فَفِيهِ نَظَرٌ لِإِمْكَانِ التَّبَرُّعِ بَعْدَ تَمَامِ الْبَذْرِ بِالسَّقْيِ أَوْ التَّنْقِيَةِ أَوْ الْحَصَادِ وَالدِّرَاسِ أَوْ بِالزِّيَادَةِ فِي حِصَّتِهِ أَوْ نَحْوِهَا.
(وَخَلْطُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ مَصْدَرُ خَلَطَ بِفَتْحِهَا فَاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلَى سَلِمَ شَرْطُ أَنْ أَيْ وَحَصَلَ خَلْطُ (بَذْرٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ زَرِيعَةٌ فَشَمِلَ الزَّرِيعَةَ الْخُضَرَ الَّتِي تُنْقَلُ كَالْبَصَلِ وَالْقَصَبِ، هَذَا هُوَ الشَّائِعُ فِي قِرَاءَتِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ عَطْفٌ عَلَى سَلِمَ (إنْ كَانَ) الْبَذْرُ مِنْهُمَا، وَيَكْفِي الْخَلْطُ (وَلَوْ) كَانَ (بِإِخْرَاجِهِمَا) أَيْ شَرِيكَيْ الْمُزَارَعَةِ بَذْرَيْهِمَا وَزَرْعِهِمَا فِي نَاحِيَتَيْنِ مُتَمَيِّزٌ كُلٌّ بَذْرُهُ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَعَلَيْهِ يَتَفَرَّعُ قَوْلُهُ الْآتِي، فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بَذْرُ أَحَدِهِمَا.
. . إلَخْ.
وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ لَا يَكْفِي هَذَا وَلَا بُدَّ مِنْ خَلْطِهِمَا فِي الزِّرَاعَةِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْبَذْرُ الْمُشْتَرَكُ شَرْطُهُ الْخَلْطُ كَالْمَالِ الْمُوَضِّحُ لَمَّا كَانَ الْخَلْطُ ظَاهِرًا فِي عَدَمِ تَمَيُّزِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ بَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَالْمَالِ مُشِيرًا إلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ كِفَايَةِ كَوْنِهِ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا أَوْ أَحَدُهُمَا هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - اللَّخْمِيُّ وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ سَحْنُونٍ فَقَالَ مَرَّةً بِقَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَقَالَ مَرَّةً إنَّمَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ إذَا خَلَطَا الزَّرِيعَةَ أَوْ جَمَعَاهَا فِي بَيْتٍ أَوْ حَمَلَاهَا إلَى فَدَّانٍ وَنَصُّ هَذَا الثَّانِي عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ، وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ، وَإِذَا صَحَّتْ الشَّرِكَةُ فِي الزِّرَاعَةِ وَأَخْرَجَا الْبَذْرَ جَمِيعًا إلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَخْلِطَا فَزَرَعَ هَذَا فِي فَدَّانٍ أَوْ فِي بَعْضِهِ، وَزَرَعَ الْآخَرَ فِي النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى وَلَمْ يَعْمَلَا عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الشَّرِكَةَ لَمْ تَنْعَقِدْ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مَا أَثْبَتَ حَبُّهُ وَيَتَرَاجَعَانِ فِي فَضْلِ الْأَكْرِيَةِ، وَيَتَقَاصَّانِ، وَإِنَّمَا تَتِمُّ الشَّرِكَةُ إذَا خَلَطَا مَا أَخْرَجَاهُ مِنْ الزَّرِيعَةِ أَوْ جَمَعَاهَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ أَوْ حَمَلَاهَا جَمِيعًا إلَى الْفَدَّانِ وَبَذَرَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي طَرَفِهِ فَزَرَعَا وَاحِدَةً ثُمَّ زَرَعَا الْأُخْرَى فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا لَوْ جَمَعَا فِي بَيْتِ، بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ الشَّرِكَةُ جَائِزَةٌ خَلَطَا أَوْ لَمْ يَخْلِطَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إمَّا سَكَتَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِشَرِكَةٍ جَائِزَةٍ خَلَطَا أَمْ لَمْ يَخْلِطَا لِاحْتِمَالِهِ جَوَازَ الْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ أَوْ لَا لَكِنَّهُ إنْ وَقَعَ مَضَى وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَفْرِيعِهِ اهـ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فَصْلٌ اُخْتُلِفَ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِهِمَا هَلْ مِنْ شَرْطِ الصِّحَّةِ أَنْ يَخْلِطَاهُ قَبْلَ الْحَرْثِ فَأَجَازَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الشَّرِكَةَ إذَا أَخْرَجَا قَمْحًا أَوْ شَعِيرًا، وَإِنْ لَمْ يَخْلِطَا وَهُوَ أَيْضًا أَصْلُهُمَا فِي الشَّرِكَةِ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ سَحْنُونٍ فَذَكَرَ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ.
اهـ. فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْخَلْطَ يَكْفِي فِيهِ إخْرَاجُهُمَا الْبَذْرَ وَلَوْ لَمْ يَخْلِطَا كَمَا عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَأَحَدِ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَلَا يَتَأَتَّى عَلَيْهِ مَا فَرَّعَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إلَخْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
طفي قَوْلُهُ وَخَلْطُ بَذْرٍ إنْ كَانَ إلَخْ، هَذَا الشَّرْطُ إنَّمَا يُعْرَفُ لِسَحْنُونٍ وَإِلَيْهِ عَزَاهُ فِي الْجَوَاهِرِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ لَا حِسًّا وَلَا حُكْمًا عَلَى أَصْلِهِمَا فِي شَرِكَةِ الْمَالِ وَسَحْنُونٌ عَلَى أَصْلِهِ فِي اشْتِرَاطِ الْخَلْطِ فِيهَا، فَكُلُّ طَرْدٍ أَصْلُهُ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَالْبَذْرُ الْمُشْتَرَكُ شَرْطُهُ الْخَلْطُ، وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الشَّرِكَةُ جَائِزَةٌ خَلَطَا أَوْ لَمْ يَخْلِطَا عَلَى مَا حَكَاهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ.
اهـ. وَمَا عَزَاهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ هُوَ كَذَلِكَ فِي ابْنِ يُونُسَ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ سَحْنُونٍ شَرْطَهَا خَلْطُ الْبَذْرِ أَوْ جَمْعُهُ فِي بَيْتٍ أَوْ حَمْلُهُ جَمِيعًا إلَى الْفَدَّانِ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَمْ يَشْتَرِطْ الْخَلْطَ لَا حِسًّا وَلَا حُكْمًا وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إلَخْ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَإِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا فَفِي شَرْطِهَا بِخَلْطِهِ قَوْلَا سَحْنُونٍ وَعِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
سَحْنُونٌ جَمَعَهُ فِي بَيْتٍ أَوْ حَمَلَهُ جَمِيعًا لِلْفَدَّانِ زَرِيعَةُ كُلِّ وَاحِدٍ فِي ظَرْفِهِ زَرْعًا وَاحِدًا ثُمَّ الْآخَرُ كَخَلْطِهِمَا.
اهـ. فَظَهَرَ لَك مِنْ هَذِهِ النُّقُولِ أَنَّ شَرْطَ الْخَلْطِ الْحُكْمِيِّ عِنْدَ سَحْنُونٍ فَقَطْ.
وَوَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ فِي تَوْضِيحِهِ مَا يُخَالِفُ هَذَا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْبَذْرُ الْمُشْتَرَكُ شَرْطُهُ الْخَلْطُ كَالْمَالِ مَا نَصُّهُ: وَلَمَّا كَانَ الْخَلْطُ ظَاهِرًا فِي عَدَمِ تَمَيُّزِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ بَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَالْمَالِ، فَأَشَارَ إلَى مَا قَدَّمَهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا، وَهَكَذَا قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -.
اللَّخْمِيُّ وَاخْتُلِفَ عَنْ سَحْنُونٍ فَقَالَ مَرَّةً إلَخْ مَا تَقَدَّمَ، فَظَاهِرُهُ أَنَّ مَالِكًا وَابْنَ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَا بِشَرْطِ الْخَلْطِ الْحُكْمِيِّ هُنَا وَفِي شَرِكَةِ الْمَالِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الصِّحَّةِ عِنْدَهُمَا فِيهِمَا كَمَا عَلِمْت.
وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي شَرِكَةِ الْمَالِ فَفِي شَرْطِهَا بِالْخَلْطِ الْحِسِّيِّ الْمُفِيدِ عَدَمَ تَمِزْ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، أَوْ بِمُجَرَّدِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي حَوْزٍ وَاحِدٍ ثَالِثُهَا هَذَا، أَوْ شِرَاءُ كُلٍّ بِمَالِهِ عَلَى الشَّرِكَةِ، أَوْ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فِي ثُبُوتِهَا فِيهِ لِلَّخْمِيِّ عَنْ الْغَيْرِ وَعَنْ سَحْنُونٍ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا.
اهـ. فَأَفَادَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْخَلْطِ لِسَحْنُونٍ فَقَطْ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا عَدَمُهُ وَكُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ فِي شَرِكَةِ الْمَالِ وَفِي شَرِكَةِ الزَّرْعِ، فَمَا نَسَبَهُ فِي التَّوْضِيحِ لِابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَا سَلَفَ لَهُ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الَّذِي يَتْبَعُهُ الْمُصَنِّفُ غَالِبًا، وَعَلَى مَا قَالَ لَا يَصِحُّ كَلَامُهُ إذْ لَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ قَوْلِ سَحْنُونٍ الَّذِي وَافَقَ فِيهِ مَالِكًا وَابْنَ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَقَوْلِهِ الْآخِرِ لِشَرْطِ الْخَلْطِ الْحُكْمِيِّ فِيهِمَا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَقَدْ اغْتَرَّ " ح " بِكَلَامِ التَّوْضِيحِ الْمَذْكُورِ فَقَالَ بَعْدَهُ وَبَعْدَ شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْخَلْطَ يَكْفِي فِيهِ إخْرَاجُهُمَا الْبَذْرَ وَلَوْ لَمْ يَخْلِطَاهُ كَمَا هُوَ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَحَدِ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَأَشَارَ إلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ بِلَوْ، وَحَمَلَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ.
اهـ. فَظَاهِرُهُ أَنَّ مَالِكًا وَابْنَ الْقَاسِمِ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - " شَرَطَا الْخَلْطَ الْحُكْمِيَّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا عَلِمْت، وَظَهَرَ لَك أَنَّ الصَّوَابَ حَمْلُ الشَّارِحِ، وَقَدْ نَقَلَ الْحَطّ صَدْرَ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ الدَّالِّ عَلَى الْمُرَادِ وَلَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ وَلَا لِمَا فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ مِنْ اتِّحَادِ الْقَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَلَوْ بِإِخْرَاجِهِمَا الْمُرَادُ بِإِخْرَاجِهِمَا كَمَا فِي " ح " إنْ خَرَجَا مَعًا بِالْبَذْرِ وَلَوْ زَرَعَ هَذَا بَذْرَهُ فِي نَاحِيَةٍ، وَهَذَا فِي نَاحِيَةٍ، وَزَرْعُ أَحَدِهِمَا مُتَمَيِّزٌ عَنْ الْآخَرِ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ، وَالْمُرَادُ بِلَوْ قَوْلُهُ الْآخَرُ إنَّهُ لَا يَكْفِي إخْرَاجُهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَصِيرَ الْبَذْرَانِ بَعْدَ زَرْعِهِمَا بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهَا عَنْ الْآخَرِ، هَكَذَا ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ وَابْنِ شَاسٍ، فَحَمْلُ " ز " الْإِخْرَاجَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي غَيْرُ صَوَابٍ.
وَقَوْلُهُ وَرَدُّ الْمُصَنِّفِ بِلَوْ الْقَوْلَ بِاشْتِرَاطِ الْخَلْطِ الْحِسِّيِّ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ اشْتِرَاطُ الْخَلْطِ الْحِسِّيِّ، ثُمَّ قَالَ الْبُنَانِيُّ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ طفي الْمُتَقَدِّمِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ فِي التَّوْضِيحِ حَمْلَ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْخَلْطِ وَأَنَّ تَعْبِيرَهُ بِالْخَلْطِ فِي كَلَامِهِ تَسَامُحٌ بِقَرِينَةِ التَّشْبِيهِ فِي قَوْلِهِ كَالْمَالِ، فَتَبِعَهُ " ح "، عَلَى ذَلِكَ فِي حَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا فِرَارًا مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ضَعِيفٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
أَنَّ مَالِكًا وَابْنَ الْقَاسِمِ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - " قَالَا بِشَرْطِ الْخَلْطِ الْحُكْمِيِّ كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ اتِّحَادُ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِمَّا قَدَّمْنَاهُ، لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْقَوْلِ بِالْخَلْطِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خَلْطِهِمَا بَعْدَ الزِّرَاعَةِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ بِخِلَافِهِ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ إذْ قَالَ لَوْ بَذَرَ كُلٌّ بَذْرَهُ فِي نَاحِيَةٍ عَلَى الشَّرِكَةِ فَلَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمَا وَلِكُلٍّ مَا أَنْبَتَهُ بَذْرُهُ، وَيَتَرَاجَعَانِ فِي فَضْلِ الْأَكْرِيَةِ.
ابْنُ يُونُسَ وَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ هِيَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ صَحِيحَةٌ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَمِثْلُهُ فِي " ح "، وَأَرَادَ طفي حَمْلَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ كَمَا فَعَلَ الشَّارِحُ وَلَيْسَ بِصَوَابٍ، وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بَذْرُ أَحَدِهِمَا إلَخْ، فَإِنَّهُ لَا يَتَفَرَّعُ إلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَا يَصِحُّ تَفْرِيعُهُ عَلَى شَرْطِ الْخَلْطِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِسَحْنُونٍ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ عِنْدَهُ يُوجِبُ بُطْلَانَ الشَّرِكَةِ مُطْلَقًا أَنْبَتَ بَذْرُ كُلٍّ مِنْهُمَا أَمْ لَا.
وَبَقِيَ شَرْطٌ وَهُوَ تَمَاثُلُ الْبَذْرَيْنِ جِنْسًا، فَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا قَمْحًا وَالْآخَرُ شَعِيرًا أَوْ سُلْتًا أَوْ صِنْفَيْنِ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ، فَقَالَ سَحْنُونٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا أَنْبَتَهُ بَذْرُهُ وَيَتَرَاجَعَانِ فِي الْأَكْرِيَةِ، ثُمَّ قَالَ تَجُوزُ إذَا اعْتَدَلَتْ الْقِيمَةُ اللَّخْمِيُّ يُرِيدُ وَالْمَكِيلَةُ ذَكَرَهُ " ح ". عج وَالْخِلَافُ جَارٍ أَيْضًا إذَا كَانَ بَدَلُ الشَّعِيرِ فُولًا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ تَمْتَنِعُ الشَّرِكَةُ بِالْقَمْحِ وَالْفُولِ اتِّفَاقًا أَفَادَهُ عب، وَتَمَامُ عِبَارَةِ ح، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَزَادَ بَعْدَهُ.
قَالَ
فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بَذْرُ أَحَدِهِمَا وَعُلِمَ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ، وَإِنْ غَرَّ، وَعَلَيْهِ مِثْلُ نِصْفِ النَّابِتِ، وَإِلَّا فَعَلَى كُلٍّ: نِصْفُ بَذْرِ الْآخَرِ، وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا:
[منح الجليل]
بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ مَنْ لَمْ يُجِزْ الشَّرِكَةَ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لَمْ يُجِزْ الْمُزَارَعَةَ بِطَعَامَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَلَوْ اعْتَدَلَتْ قِيمَتُهُمَا لِعَدَمِ حُصُولِ الْمُنَاجَزَةِ لِبَقَاءِ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى طَعَامِهِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مَا أَنْبَتَهُ طَعَامُهُ، وَلَا يَكُونُ التَّمْكِينُ قَبْضًا كَالشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ بِالْعُرُوضِ لَا يَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ سِلْعَةَ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِكَانِ بِأَثْمَانِ السِّلَعِ الَّتِي وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ فِيهَا فَاسِدَةً اهـ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بَذْرُ أَحَدِهِمَا) أَيْ شَرِيكَيْ الْمُزَارَعَةِ (وَعُلِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ صَاحِبُ الْبَذْرِ الَّذِي لَمْ يَنْبُتْ بِأَنْ بَذَرَ كُلٌّ بَذْرَهُ فِي نَاحِيَةٍ مُتَمَيِّزَةٍ عَنْ النَّاحِيَةِ الَّتِي بَذَرَ الْآخَرُ فِيهَا وَعُلِمَتْ النَّاحِيَتَانِ (لَمْ يُحْتَسَبْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ السِّينِ (بِهِ) أَيْ الْبَذْرِ الَّذِي لَمْ يَنْبُتْ فِيمَا أُخْرِجَ لِلشَّرِكَةِ وَيَضِيعُ عَلَى صَاحِبِهِ (إنْ غَرَّ) صَاحِبُ الْبَذْرِ الَّذِي لَمْ يَنْبُتْ شَرِيكَهُ بِأَنْ كَانَ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْبُتُ لِإِصَابَتِهِ الدُّخَّانَ مَثَلًا كَبِزْرِ الْكَتَّانِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَارِّ لِشَرِيكِهِ (مِثْلُ نِصْفِ) الْبَذْرِ (النَّابِتِ) وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَيَنْبَغِي الرُّجُوعُ عَلَى الْغَارِّ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَمَلِ الْمُصَنِّفُ وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ كِرَاءِ الْأَرْضِ الَّتِي غُرَّ فِيهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَغُرَّ صَاحِبُ الْبَذْرِ الَّذِي لَمْ يَنْبُتْ شَرِيكَهُ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ عِلَّتَهُ (فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ لِلْآخَرِ مِثْلُ (نِصْفِ بَذْرِ الْآخَرِ) فَعَلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ الَّذِي نَبَتَ مِثْلُ نِصْفِ الْبَذْرِ الَّذِي لَمْ يَنْبُتْ وَعَلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ الَّذِي لَمْ يَنْبُتْ مِثْلُ نِصْفِ الْبَذْرِ الَّذِي نَبَتَ (وَالزَّرْعُ) مُشْتَرَكٌ (لَهُمَا) فِي الصُّورَتَيْنِ.
" غ " أَصْلُ هَذَا مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَنَصَّهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ.
وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خَلَطَا أَوْ لَمْ يَخْلِطَا الشَّرِكَةُ جَائِزَةٌ، وَإِذَا صَحَّتْ الشَّرِكَةُ فِي هَذَا فَنَبَتَ زَرْعُ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَنْبُتْ زَرْعُ الْآخَرِ فَإِنْ غُرَّ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْبُتُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ بَذْرِ صَاحِبِهِ لِصَاحِبِهِ، وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا وَلَا عِوَضَ لَهُ فِي بَذْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَنْبُتُ وَلَمْ
كَأَنْ تَسَاوَيَا فِي الْجَمِيعِ
[منح الجليل]
يَغُرَّهُ، فَعَلَى الَّذِي نَبَتَ بَذْرُهُ أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِهِ مِثْلَ نِصْفِ بَذْرِهِ عَلَى أَنْ يَنْبُتَ وَيَأْخُذَ مِنْهُ مِثْلَ نِصْفِ بَذْرِهِ الَّذِي نَبَتَ، وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ، غَرَّهُ أَوْ لَمْ يَغُرَّهُ، وَلَوْ عَلِمَ ذَلِكَ فِي إبَّانِ الزِّرَاعَةِ وَقَدْ غَرَّ صَاحِبَهُ فَأَخْرَجَ زَرِيعَةً يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَنْبُتُ فَلَمْ تَنْبُتْ فَضَمَانُهَا مِنْهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِثْلَ مَكِيلَتِهَا مِنْ زَرِيعَةٍ تَنْبُتُ فَيَزْرَعُهَا فِي ذَلِكَ الْقَلِيبِ، وَهُمَا عَلَى شَرِكَتِهَا وَلَا غُرْمَ عَلَى الْآخَرِ الْغَارِّ، وَإِنْ لَمْ يَغُرَّ وَلَمْ يَعْلَمْ فَلْيُخْرِجَا جَمِيعًا قَفِيزًا آخَرَ فَيَزْرَعَاهُ فِي الْقَلِيبِ إنْ أَحَبَّا وَهُمَا عَلَى شَرِكَتِهِمَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ سَكَتَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ رُجُوعِ الْمَغْرُورِ عَلَى الْغَارِّ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَمَلِ فِيمَا لَمْ يَنْبُتْ إنْ كَانَ الْعَمَلُ عَلَى الْمَغْرُورِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ غُرُورٌ بِالْفِعْلِ، وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَزَادَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ كِرَاءِ الْأَرْضِ الَّتِي غَرَّهُ فِيهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْخِلَافِ وَنَصَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ لَوْ زَارَعَ بِمَا لَا يَنْبُتُ فَنَبَتَ شَعِيرُ صَاحِبِهِ دُونَ شَعِيرِهِ، فَإِنْ دَاسَ رَجَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ بِنِصْفِ مَكِيلَتِهِ مِنْ شَعِيرٍ صَحِيحٍ وَنِصْفِ كِرَاءِ الْأَرْضِ الَّذِي أَبْطَلَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ.
وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ مِثْلَهُ إلَّا الْكِرَاءَ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ، فَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ سَحْنُونٍ سُقُوطُ الْكِرَاءِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ غَرَّ فِي إنْكَاحِ غَيْرِهِ أَمَةً أَنَّهُ يَغْرَمُ لَهُ الصَّدَاقَ، وَلَا يَغْرَمُ لَهُ مَا يَغْرَمُهُ الزَّوْجُ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ مَنْ بَاعَ عَبْدًا سَارِقًا دَلَّسَ فِيهِ فَسَرَقَ مِنْ الْمُبْتَاعِ فَرَدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ بِعَيْبِهِ فَذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ إنْ عَتَقَ يَوْمًا مَا، وَأَظُنُّ فِي نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ مَنْ بَاعَ مَطْمُورَةً دَلَّسَ فِيهَا بِعَيْبِ السُّوسِ فَخَزَنَ الْمُبْتَاعُ فِيهَا طَعَامًا فَاسْتَاسَ فِيهَا فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى بَائِعِهَا بِمَا اسْتَاسَ فِيهَا.
قَالَ وَلَوْ أَكْرَاهَا لَرَجَعَ عَلَيْهِ، وَنَحْوُ الْمَوَّاقِ وَالْحَطّ.
وَشَبَّهَ فِي الصِّحَّةِ مَسَائِلَ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَقْرُونٌ بِكَافِ التَّشْبِيهِ صِلَتُهُ (تَسَاوَيَا) أَيْ الْمُتَزَارِعَانِ (فِي الْجَمِيعِ) أَيْ الْأَرْضِ وَالْعَمَلِ وَالْبَقَرِ وَالْبَذْرِ وَجَوَّزَ الشَّارِحُ كَوْنَ التَّشْبِيهِ فِي كَوْنِ الزَّرْعِ بَيْنَهُمَا قَالَهُ تت.
" غ " تَمْثِيلٌ
أَوْ قَابَلَ بَذْرَ أَحَدِهِمَا: عَمَلٌ، أَوْ أَرْضُهُ وَبَذْرُهُ، أَوْ بَعْضُهُ، إنْ لَمْ يَنْقُصْ مَا لِلْعَامِلِ عَنْ نِسْبَةِ بَذْرِهِ،
[منح الجليل]
لِمَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ " ق " الْمُتَيْطِيُّ سُنَّةُ الْمُزَارَعَةِ الِاعْتِدَالُ وَالتَّسَاوِي فِي الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ وَالْبَقَرِ وَالْأَدَاةِ وَالْعَمَلِ كُلِّهِ حَتَّى يَصِيرُ مَا هَلَكَ مِنْ ذَلِكَ فِي ضَمَانِهِمَا مَعًا، وَهَذِهِ غَايَةُ الْكَمَالِ فِيهَا.
الْبَرْقِيُّ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُمَا إنْ اشْتَرَكَا فِي زَرْعٍ فِي بَلَدَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ يَحْرُثُ فِي بَلَدِهِ وَيُشَارِكُهُ صَاحِبُهُ فِي حَرْثِهِ وَتَكَافَآ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ جَائِزَةٌ كَمَا فِيهَا فِي مُسَاقَاةِ حَائِطَيْنِ فِي بَلَدَيْنِ عَلَى جُزْءٍ وَاحِدٍ، وَبِهَذَا أَفْتَى ابْنُ حَيْدَرَةَ خِلَافًا لِابْنِ عَرَفَةَ.
(أَوْ) لَمْ يَتَسَاوَيَا فِي الْجَمِيعِ وَ (قَابَلَ بَذْرُ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْمُتَزَارِعَيْنِ (عَمَلٌ) مِنْ الْآخَرِ وَالْأَرْضُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا بِمِلْكٍ أَوْ اكْتِرَاءٍ فِيهَا إنْ اكْتَرَيَا الْأَرْضَ أَوْ كَانَتْ لَهُمَا جَازَ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا الْبَذْرَ كُلَّهُ وَالْآخَرُ الْعَمَلَ (أَوْ) قَابَلَ أَحَدُهُمَا مِنْ عِنْدِ شَرِيكِهِ (أَرْضَهُ وَبَذْرَهُ) أَيْ شَرِيكُ الْعَامِلِ سَحْنُونٌ إنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ وَأَخْرَجَ الْآخَرُ الْعَمَلَ جَازَ.
(أَوْ) قَابَلَ الْأَرْضَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَبَعْضَ الْبَذْرِ عَمَلٌ مِنْ الْآخَرِ (وَبَعْضُهُ) أَيْ الْبَذْرِ، فَالْمَعْنَى أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَبَعْضَ الْبَذْرِ وَالْآخَرُ الْعَمَلَ وَبَعْضَ الْبَذْرِ فَتَصِحُّ شَرِكَتُهُمَا (إنْ لَمْ يَنْقُصْ مَا لِلْعَامِلِ) أَيْ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الزَّرْعِ (عَنْ نِسْبَةِ) قَدْرِ (بَذْرِهِ) لِمَجْمُوعِ بَذْرِهِمَا بِأَنْ زَادَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ عَنْ نِسْبَةٍ بَذْرِهِ أَوْ سِوَاهَا فَالثَّانِي كَمَا لَوْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْعَمَلَ وَثُلُثَ الْبَذْرِ، وَالْآخَرُ الْأَرْضَ وَثُلُثَيْ الْبَذْرِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الْعَامِلُ ثُلُثَ الزَّرْعِ، وَالْأَوَّلُ كَذَلِكَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الْعَامِلُ ثُلُثَيْ الزَّرْعِ.
وَمَفْهُومُ إنْ لَمْ يَنْقُصْ إلَخْ أَنَّهُ إنْ نَقَصَ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ عَنْ نِسْبَةِ بَذْرِهِ كَإِخْرَاجِهِ ثُلُثَيْ الْبَذْرِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ ثُلُثَهُ فَلَا تَجُوزُ لِمُقَابَلَةِ الْأَرْضِ بِبَعْضِ الْبَذْرِ.
" ق " سَحْنُونٌ وَابْنُ حَبِيبٍ إذَا اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَثُلُثَيْ الزَّرِيعَةِ وَالْآخَرُ ثُلُثَ الزَّرِيعَةِ وَالْعَمَلِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
ابْنُ حَبِيبٍ أَوْ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ فَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ إذَا سَاوَى الْعَمَلُ وَمَا فَضَلَهُ بِهِ مِنْ الزَّرِيعَةِ كِرَاءَ الْأَرْضِ،
أَوْ لِأَحَدِهِمَا الْجَمِيعُ، وَإِلَّا الْعَمَلَ، إنْ عَقَدَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ، لَا الْإِجَارَةِ، أَوْ مُطْلَقًا
[منح الجليل]
لِأَنَّ زِيَادَةَ الزَّرِيعَةِ بِإِزَاءِ عَمَلِ الْعَامِلِ.
سَحْنُونٌ وَابْنُ حَبِيبٍ إنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا ثُلُثَيْ الْأَرْضِ وَثُلُثَ الْبَذْرِ وَأَخْرَجَ الْآخَرُ ثُلُثَ الْأَرْضِ وَثُلُثَيْ الْبَذْرِ وَالْعَمَلِ وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لَمْ تَجُزْ وَكَأَنَّهُ أَكْرَى سُدُسَ أَرْضِهِ بِسُدُسِ بَذْرِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ نَزَلَ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ مَا لَهُ مِنْ الْبَذْرِ وَيَتَرَاجَعَانِ فِي فَضْلِ الْأَكْرِيَةِ ابْنُ يُونُسَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا يَنْبَغِي عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
(أَوْ لِأَحَدِهِمَا) أَيْ الْمُتَزَارِعَيْنِ (الْجَمِيعُ) أَيْ الْأَرْضُ وَالْبَقَرُ وَالْبَذْرُ الْأَدَاةُ (إلَّا الْعَمَلَ) بِالْيَدِ، فَإِنَّهُ عَلَى الْآخَرِ وَلَهُ الرُّبْعُ مَثَلًا فَتَصِحُّ شَرِكَتُهُمَا (إنْ عَقَدَا) هَا (بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ لَا) بِلَفْظِ (الْإِجَارَةِ أَوْ) إنْ (أَطْلَقَا) أَيْ لَلْعَاقِدَانِ الشَّرِكَةُ عَنْ تَسْمِيَتِهَا شَرِكَةً أَوْ إجَارَةً فَلَا تَصِحُّ فِيهِمَا " ق " سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ مَا تَقُولُ فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الزِّرَاعَةِ عَلَى أَنْ جَعَلَ أَحَدُهُمَا، الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ وَالْبَقَرَ، وَجَعَلَ الثَّانِي الْعَمَلَ وَيَكُونُ الرُّبْعُ لِلْعَامِلِ، فَأَجَابَ إنْ عَقَدَاهَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ جَازَتْ اتِّفَاقًا، وَإِنْ عَقَدَاهَا بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ لَمْ تَجُزْ اتِّفَاقًا، وَإِنْ تَجَرَّدَ عَقْدُهَا مِنْ اللَّفْظَيْنِ أَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهَا سَحْنُونٌ.
تت هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ هِيَ عَلَى مَا فِي تَوْضِيحِهِ حَيْثُ تَعَقَّبَ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَالْعَمَلُ وَالْبَقَرُ مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ أَجَازَهُ سَحْنُونٌ وَمَنَعَهُ مُحَمَّدٌ وَابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْخُمَاسِ الْبَقَرُ وَالْآلَةُ فِيهَا مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا لِلْعَامِلِ جُزْءٌ مَعْلُومٌ يُسَاوِي قِيمَةَ عَمَلِهِ، وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِالْوُقُوفِ عَلَى مَا فِي أَجْوِبَةِ ابْنِ رُشْدٍ، وَنَصُّهُ يَتَفَضَّلُ الْفَقِيهُ الْأَجَلُّ قَاضِي الْجَمَاعَةِ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَضِيَ عَنْهُ بِالْجَوَابِ عَنْ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الزَّرْعِ عَلَى أَنْ جَعْلَ أَحَدِهِمَا الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ وَالْبَقَرُ، وَالثَّانِي الْعَمَلُ، وَيَكُونُ الرُّبْعُ لِلْعَامِلِ وَالثَّلَاثَةُ الْأَرْبَاعِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا، فَأَجَابَ تَصَفَّحْت سُؤَالَك، فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الِاشْتِرَاكِ فِي الزَّرْعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْت فَلَا يَخْلُو الْأَمْرُ فِيهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا أَنْ يَعْقِدَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ، وَالثَّانِي أَنْ يَعْقِدَا بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَالثَّالِثُ أَنْ لَا يُسَمِّيَا إجَارَةً وَلَا شَرِكَةً، وَأَنَّمَا قَالَ أَدْفَعُ إلَيْك أَرْضِي وَبَقَرِي وَبَذْرِي وَتَتَوَلَّى أَنْتَ الْعَمَلَ، وَيَكُونُ لَك رُبْعُ الزَّرْعِ أَوْ خُمُسُهُ أَوْ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ يُسَمِّيَانِهِ، فَحَمَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى الْإِجَارَةِ فَلَمْ يُجِزْهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَحَمَلَهُ سَحْنُونٌ عَلَى الشَّرِكَةِ فَأَجَازَهُ، هَذَا تَحْصِيلُ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَكَانَ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ شُيُوخِنَا لَا يُحَصِّلُونَهَا هَذَا التَّحْصِيلَ، وَيَذْهَبُونَ إلَى أَنَّهَا مَسْأَلَةُ اخْتِلَافٍ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَلَيْسَ هَذَا عِنْدِي بِصَحِيحٍ اهـ
الْبُنَانِيُّ هَذَا النَّقْلُ هُوَ الصَّوَابُ كَمَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَتَبِعَهُ " غ "، فَانْظُرْهُ، وَالْعَجَبُ مِنْ " ق " كَيْفَ خَالَفَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ ذِي الْأَرْضِ وَالْبَقَرُ وَالْعَمَلُ لِلْآخَرِ فَأَجَازَهُ سَحْنُونٌ وَمَنَعَهُ مُحَمَّدٌ وَابْنُ حَبِيبٍ.
سَحْنُونٌ إنْ اشْتَرَكَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ ثُلُثَ مَا يَحْصُلُ لِرَبِّ الْبَذْرِ وَلِذِي الْعَمَلِ ثُلُثٌ وَالْبَقَرُ ثُلُثٌ وَالْقَيِّمُ كَذَا جَازَ، وَمِثْلُهُ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا الْعَمَلُ فَقَطْ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي مِثْلِ هَذَا هُوَ فَاسِدٌ، وَهَذَا خِلَافُ أَصْلِهِ مِنْ أَنَّهُ إنْ سَلِمَ الْمُتَزَارِعَانِ مِنْ مُقَابَلَةِ الْأَرْضِ الْبَذْرَ جَازَتْ الشَّرِكَةُ إذَا تَسَاوَيَا.
قُلْت تُرَدُّ مُنَاقَضَتُهُ مُحَمَّدًا بِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَهُ فِي الْمُتَزَارِعَيْنِ وَلَا يَصْدُقُ هَذَا اللَّفْظُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِزَرِيعَةٍ.
ابْنُ حَبِيبٍ إنْ نَزَلَ فَالزَّرْعُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ، وَلِلْآخَرِ أَجْرُ مِثْلِهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ تَعَالَ نَتَزَارَعُ عَلَى أَنَّ نِصْفَ أَرْضِي وَنِصْفَ بَذْرِي وَنِصْفَ بَقَرِي كِرَاءُ نِصْفِ عَمَلِك، فَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا كَأَنَّهُ قَبَّضَهُ نِصْفَ الْبَذْرِ فِي أُجْرَتِهِ وَضَمَّهُ وَالصَّوَابُ قَوْلُ سَحْنُونٍ إذَا دَخَلَا عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ وَأَنْ يَعْمَلَا الْبَذْرَ عَلَى أَمْلَاكِهِمَا جَازَ وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِ الْبَذْرِ وَلِلْآخَرِ ثُلُثُ مَا يَخْرُجُ فَسَدَتْ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ أَجَّرَ نَفْسَهُ لِمَجْهُولٍ.
قُلْت قَوْلُهُ فَسَدَتْ قَوْلًا وَاحِدًا نَصٌّ فِي أَنَّ مَعْنَى إجَازَةِ سَحْنُونٍ إنَّمَا هِيَ إذَا كَانَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَا الْبَذْرَ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْخُمَاسِ بِبَلَدِنَا، وَقَالَ فِيهَا ابْنُ رُشْدٍ إنْ عَقَدَهَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ جَازَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ لَمْ يَجُزْ اتِّفَاقًا.
وَإِنْ عَرِيَ الْعَقْدُ مِنْ اللَّفْظَيْنِ فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَرَى أَنَّهُ تَحْقِيقُ الْمَذْهَبِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
قُلْت جَوَابُ ابْنِ رُشْدٍ فِي أَسْئِلَتِهِ مَا نَصُّهُ مَا تَقُولُ فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الزِّرَاعَةِ عَلَى أَنْ جَعْلَ أَحَدِهِمَا الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ وَالْبَقَرَ، وَالثَّانِي الْعَمَلَ، وَيَكُونُ الرُّبْعُ لِلْعَامِلِ فَأَجَابَ بِالتَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ، وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْهُ مِنْ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ أَجَازَهَا وَمَنَعَهَا سَحْنُونٌ وَهْمٌ، لِأَنَّ نَصَّ ابْنِ رُشْدٍ حَمَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى الْإِجَارَةِ فَلَمْ يُجِزْهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَحَمَلَهُ سَحْنُونٌ عَلَى الشَّرِكَةِ فَأَجَازَهُ هَذَا تَحْصِيلُ الْمَسْأَلَةِ.
اهـ. وَزَعْمُهُ أَنَّ مَسْأَلَةَ عُرْفِنَا هِيَ مَسْأَلَةُ سَحْنُونٍ وَمُحَمَّدٍ، فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ مَسْأَلَتَهُمَا لَيْسَ فِيهَا اخْتِصَاصُ رَبِّ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ مِنْ غَلَّةِ الْحَرْثِ، وَمَسْأَلَةُ عُرْفِنَا بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي زَمَنِهِ وَبَعْدَهُ وَقَبْلَهُ إنَّمَا هِيَ عَلَى أَنَّ كُلَّ التِّينِ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ.
الثَّانِي أَنَّ مَسْأَلَةَ سَحْنُونٍ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِالْعَمَلِ أَخْرَجَ مَعَهُ الْبَقَرَ وَمَسْأَلَةُ عُرْفِنَا لَا يَأْتِي الْعَامِلُ فِيهَا إلَّا بِعَمَلِ يَدِهِ فَقَطْ، وَكَوْنُهُ كَذَلِكَ يُصَيِّرُهُ أَجِيرًا، وَيَمْنَعُ كَوْنَهُ شَرِيكًا.
وَدَلَالَةُ جَوَابِ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا عَلَى خِلَافِ مَا قُلْنَاهُ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ، وَمِثْلُهُ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا الْعَمَلُ فَقَطْ تُرَدُّ بِمَا يَأْتِي مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ شَرْطَ الشَّرِكَةِ كَوْنُ عَمَلِهَا مَضْمُونًا لَا مُعَيَّنًا فِي عَامِلٍ مُعَيَّنٍ، وَمَسْأَلَةُ عُرْفِنَا إنَّمَا يَدْخُلُونَ فِيهَا عَلَى أَنَّ عَمَلَهَا مُعَيَّنٌ بِنَفْسِ عَامِلِهَا وَحَامِلُهُمْ عَلَى هَذَا خَوْفُ الِاغْتِرَارِ بِقَوْلِهِ فَيَفْتَقِرُ فِي مَسْأَلَةِ عُرْفِنَا إلَى قَوْلٍ بِالصِّحَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَقَدْ أَجَادَ، وَنَصَحَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْمُحَصِّلُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ عُمَرَ الْهَنْتَانِيُّ الْهَكْوَرِيُّ حَيْثُ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةِ الْخُمَاسِ فِي الزَّرْعِ بِجُزْءٍ مُسَمًّى مِنْ الزَّرْعِ، هَلْ تَجُوزُ أَمْ لَا، وَهَلْ يَنْتَهِضُ عُذْرًا فِي إبَاحَتِهِ تَعَذُّرُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَأَجَابَ بِأَنَّهَا إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ وَلَيْسَتْ شَرِكَةً لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَسْتَدْعِي الِاشْتِرَاكَ فِي الْأُصُولِ الَّتِي هِيَ مُسْتَنَدُ الْأَرْبَاحِ، وَعَدَمُ الْمُسَاعِدِ عَلَى مَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ لَا يَنْهَضُ عُذْرًا لِأَنَّ غَلَبَتَهُ فِي ذَلِكَ وَأَمْثَالِهِ إنَّمَا هِيَ مِنْ إهْمَالِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ وَلَوْ تَعَرَّضُوا لِفُسُوخِ عُقُودِ ذَوِي الْفَسَادِ لَمَا اسْتَمَرُّوا عَلَى فَسَادِهِمْ، وَأَنَّ حَاجَةَ الضَّعِيفِ لِلْفَتْوَى أَشَدُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ - فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: 6 - 7] ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: 8]
كَإِلْغَاءِ أَرْضٍ، وَتَسَاوَيَا غَيْرَهَا
[منح الجليل]
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ نُصُوصٍ طَوِيلَةٍ قُلْت تَقْرِيرُ كَوْنِ مَا قَالُوهُ هُوَ الصَّوَابُ أَنَّ حَقِيقَةَ الشَّرِكَةِ مُبَايِنَةٌ لِحَقِيقَةِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّرِكَةِ عَدَمُ انْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِإِخْرَاجِ الْمَالِ وَالْآخَرِ بِإِخْرَاجِ الْعَمَلِ، وَالْإِجَارَةُ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، وَحُكْمُ الشَّرِكَةِ أَنَّ فَائِدَتَهَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِمُسْتَحِقِّهَا بِطَرِيقِ نِسْبَةِ بَعْضِ الشَّيْءِ إلَيْهِ كَالنِّصْفِ لَا بِمَعْرِفَةِ الْقَدْرِ وَزْنًا أَوْ عَدَدًا كَعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَحُكْمُ الْإِجَارَةِ أَنَّ فَائِدَتَهَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِمُسْتَحِقِّهَا بِعَكْسِ ذَلِكَ، وَالْمُزَارَعَةُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هِيَ شَرِكَةٌ وَإِجَارَةٌ، فَمَنْ غَلَّبَ الشَّرِكَةَ لَمْ يَجْعَلْهَا لَازِمَةً بِعَقْدِهَا، وَمَنْ غَلَّبَ الْإِجَارَةَ جَعَلَهَا لَازِمَةً بِهِ، إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَكُلَّمَا لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا فِي الْمُزَارَعَةِ بِإِخْرَاجِ مَالٍ كَانَ شَبِيهًا بِالشَّرِكَةِ ثَابِتًا ضَرُورَةَ اشْتِمَالِهَا عَلَى خَاصِّيَّةِ الشَّرِكَةِ، وَكُلَّمَا انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِإِخْرَاجِ الْمَالِ وَالْآخَرُ بِالْعَمَلِ بَطَلَ كَوْنُهَا مُزَارَعَةً لِانْتِفَاءِ لَازِمِهَا حِينَئِذٍ وَهُوَ اشْتِمَالُهُمَا عَلَى خَاصِّيَّةِ الشَّرِكَةِ، وَصَارَتْ مَحْضَ إجَارَةٍ لِمُمَاثَلَتِهَا حِينَئِذٍ إيَّاهَا، فَيَجِبُ كَوْنُهَا فَاسِدَةً لِأَنَّ حُكْمَ الْإِجَارَةِ وُجُوبُ كَوْنِ فَائِدَتِهَا مَعْلُومَةَ الْقَدْرِ وَزْنًا أَوْ عَدَدًا.
(تَنْبِيهٌ) ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْعَمَلُ الْمُشْتَرَطُ هُوَ الْحَرْثُ لَا الْحَصَادُ وَالدِّرَاسُ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ.
وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْحَصَادُ وَالدِّرَاسُ.
التَّوْضِيحِ مَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ، وَكَذَلِكَ قَالَهُ التُّونُسِيُّ وَابْنُ يُونُسَ إنَّهُ الصَّوَابُ لِأَنَّ الْحَصَادَ وَالدِّرَاسَ مَجْهُولَانِ.
وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ إنْ كَانَ الْعُرْفُ بِالْبَلَدِ أَنَّ الْحَصَادَ وَالدِّرَاسَ وَالتَّصْفِيَةَ عَلَى الْعَامِلِ وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَعَ جَمِيعِ الْعَمَلِ مُسَاوِيًا لِكِرَاءِ الْأَرْضِ جَازَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَمْ يُجِزْهُ سَحْنُونٌ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَعَمَلُهَا مَئُونَةُ الزَّرْعِ قَبْلَ تَمَامِهِ بِيُبْسِهِ.
وَفِي كَوْنِ الْحَصَادِ وَالدِّرَاسِ مِنْهُ وَعَدَمِهِ فَلَا يَجُوزُ شَرْطُهُ نَقْلًا الصِّقِلِّيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ قَائِلًا إذْ لَا يَدْرِي هَلْ يَتِمُّ وَلَا كَيْفَ يَكُونُ وَصَوَّبَهُ لِأَنَّهُ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ، وَكَذَا شَرْطُ النَّقَاءِ اهـ.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ لَا الْإِجَارَةُ إلَخْ فَقَالَ (كَإِلْغَاءٍ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ عَدَمِ حَسْبِ كِرَاءِ (أَرْضٍ) لَهُ قَدْرٌ مِنْ أَحَدِهِمَا (وَتَسَاوَيَا) أَيْ الشَّرِيكَانِ فِي (غَيْرِهَا)
أَوْ لِأَحَدِهِمَا أَرْضٌ رَخِيصٌ وَعَمَلٌ عَلَى الْأَصَحِّ
[منح الجليل]
أَيْ الْأَرْضِ مِنْ بَذْرٍ وَبَقَرٍ وَعَمَلِ يَدٍ فَلَا تَصِحُّ شَرِكَتُهُمَا لِدُخُولِهِمَا عَلَى التَّفَاوُتِ، فِيهَا إنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا أَرْضًا لَهَا قَدْرٌ مِنْ الْكِرَاءِ.
وَأَلْغَاهَا لِصَاحِبِهِ وَاعْتَدَلَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْعَمَلِ وَالْبَذْرِ، فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يُعْطِيَ شَرِيكَهُ نِصْفَ كِرَاءِ أَرْضِهِ (أَوْ لِأَحَدِهِمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ (أَرْضٌ رَخِيصَةٌ) أَيْ قَلِيلَةُ الْكِرَاءِ (وَلَهُ) أَيْ مُخْرِجُ الْأَرْضِ الرَّخِيصَةِ (عَمَلٌ) بِيَدِهِ وَبَقَرِهِ وَلِلْآخِرِ الْبَذْرُ فَفَاسِدَةٌ لِمُقَابَلَةِ الْأَرْضِ بَعْضَ الْبَذْرِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَرَجَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ.
وَأَشَارَ إلَى تَرْجِيحِهِ بِقَوْلِهِ (عَلَى الْأَصَحِّ) فَالْمُنَاسِبُ إبْدَالُ الْأَصَحِّ بِالْأَرْجَحِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ أَرْضٌ وَعَمَلٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ أَرْضٌ وَبَذْرٌ وَلِلْآخِرِ الْعَمَلُ جَازَ وَهُوَ كَذَلِكَ، إذْ لَمْ تُقَابِلُ الْأَرْضُ الْبَذْرَ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمَنْطُوقِ، وَلِذَا خَصَّ الْمُصَنِّفُ الْعَمَلَ بِكَوْنِهِ مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ كَمَا هُوَ فِي الرِّوَايَةِ قَالَهُ طفي.
" غ " أَوْ لِأَحَدِهِمَا أَرْضٌ رَخِيصَةٌ وَعَمَلٌ عَلَى الْأَصَحِّ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَإِلْغَاءِ أَرْضٍ فَهُوَ أَيْضًا مُشَبَّهٌ بِقَوْلِهِ لَا الْإِجَارَةُ وَعَنْ هَذَا عَبَّرَ فِي تَوْضِيحِهِ بِقَوْلِهِ إذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْبَذْرَ وَالْآخَرُ الْعَمَلَ وَالْأَرْضَ، فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ لَهَا خَطْبٌ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا خَطْبٌ فَقَوْلَانِ الْجَوَازُ لِسَحْنُونٍ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ التَّطَوُّعِ بِالتَّافِهِ فِي الْعَقْدِ وَالْمَنْعُ لِابْنِ عَبْدُوسٍ، وَرَأَى أَنَّهُ يَدْخُلُهُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا.
ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ الصَّوَابُ.
اهـ. فَلَعَلَّ الْأَصَحَّ تَصْحِيفُ الْأَرْجَحِ.
" ق " ابْنُ يُونُسَ فِي بَابٍ آخَرَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْآخَرُ الْبَذْرَ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَرْضًا لَا كِرَاءَ لَهَا، وَقَدْ تُسَاوَيَا فِيمَا سِوَاهَا فَأَخْرَجَ هَذَا الْبَذْرَ وَهَذَا الْعَمَلَ وَقِيمَتُهَا سَوَاءٌ، فَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَا كِرَاءَ لَهَا.
وَأَنْكَرَ ابْنُ عَبْدُوسٍ هَذَا وَقَالَ إنَّمَا أَجَازَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ تُلْغَى الْأَرْضُ إذَا تَسَاوَيَا فِي إخْرَاجِ الْبَذْرِ وَالْعَمَلِ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مُخْرَجُ الْبَذْرِ غَيْرَ مُخْرَجِ الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَتْ لَا كِرَاءَ لَهَا، إذْ يَدْخُلُهُ كِرَاؤُهَا بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، أَلَا تَرَى أَنْ لَوْ أُكْرِيَتْ هَذِهِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ اهـ. الْبُنَانِيُّ أَبُو عَلِيٍّ كَلَامُ ابْنِ يُونُسَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُصَحِّحَ هُوَ ابْنُ عَبْدُوسٍ لَا ابْنُ يُونُسَ، فَلَفْظُ الْأَصَحِّ فِي مَحَلِّهِ، وَنَقَلَ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ فَانْظُرْهُ فِيهِ.
وَإِنْ فَسَدَتْ وَتَكَافَآ عَمَلًا، فَبَيْنَهُمَا، وَتَرَادَّا غَيْرَهُ، وَإِلَّا فَلِلْعَامِلِ، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ، كَانَ لَهُ بَذْرٌ مَعَ عَمَلٍ، أَوْ أَرْضٌ؛ أَوْ كُلٌّ لِكُلٍّ.
[منح الجليل]
وَإِنْ فَسَدَتْ) الْمُزَارَعَةُ لِعَدَمِ شَرْطٍ مِنْ شَرْطَيْ صِحَّتِهَا وَعُثِرَ عَلَيْهَا قَبْلَ الْعَمَلِ فُسِخَتْ وَإِنْ عَمِلَا (وَتَكَافَآ) أَيْ الشَّرِيكَانِ (عَمَلًا) أَيْ تَسَاوَى عَمَلُهُمَا فِي الْقِيمَةِ، وَكَانَتْ الْأَرْضُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْبَذْرُ مِنْ الْآخَرِ عَلَى أَنَّ الزَّرْعَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ (فَ) الزَّرْعُ (بَيْنَهُمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ لِكُلٍّ نِصْفُهُ (وَتَرَادَّا) أَيْ الشَّرِيكَانِ (غَيْرَهُ) أَيْ الْعَمَلِ وَهُوَ الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ، فَعَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ مِثْلُ نِصْفِ مَكِيلَةِ الْبَذْرِ لِصَاحِبِهِ، وَعَلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ نِصْفُ كِرَاءِ الْأَرْضِ وَفَسَدَتْ لِمُقَابَلَةِ الْأَرْضِ الْبَذْرَ.
عب وَإِنْ عَمِلَا مَعًا وَتَفَاوَتَا فِيهِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَالْأَوْلَى وَعَمِلَا بَدَلَ وَتَكَافَآ عَمَلًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلَا مَعًا بِأَنْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالْعَمَلِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ عَمَلُهُمَا بِلَا تَكَافُؤٍ وَإِنْ أَوْهَمَهُ كَلَامُهُ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ (فَ) الزَّرْعُ كُلُّهُ (لِلْعَامِلِ) وَحْدَهُ إذَا انْضَمَّ لِعَمَلِهِ شَيْءٌ مِمَّا سَيَذْكُرُهُ بِقَوْلِهِ كَانَ لَهُ بَذْرٌ إلَخْ فَهُوَ كَالتَّقْيِيدِ لِإِطْلَاقِهِ هُنَا.
(وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُنْفَرِدِ بِالْعَمَلِ الْمُخْتَصِّ بِالزَّرْعِ (الْأُجْرَةُ) لِلْأَرْضِ الَّتِي انْفَرَدَ الْآخَرُ بِهَا، فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لِلْعَامِلِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مِثْلُ الْبَذْرِ سَوَاءٌ (كَانَ لَهُ) أَيْ الْمُنْفَرِدِ بِالْعَمَلِ (بَذْرٌ مَعَ عَمَلٍ) أَيْ عَمَلِهِ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ وَالْأَرْضُ لِلْآخَرِ فَسَدَتْ لِمُقَابَلَةِ الْبَذْرِ بَعْضَ الْأَرْضِ " غ " فَرْضُ الْكَلَامِ فِي الْعَامِلِ وَحْدَهُ أَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ مَعَ عَمَلٍ (أَوْ) كَانَ لَهُ (أَرْضٌ) وَالْبَذْرُ لِلْآخَرِ وَفَسَادُهَا لِمُقَابَلَةِ الْأَرْضِ بَعْضَ الْبَذْرِ (أَوْ) كَانَ (كُلٌّ) مِنْ الْبَذْرِ وَالْأَرْضِ (لِكُلٍّ) مِنْ الشَّرِيكَيْنِ وَالْمَوْضُوعُ عَمَلُ أَحَدِهِمَا فَقَطْ، وَفَسَادُهَا لِدُخُولِهِمَا عَلَى التَّفَاوُتِ، فَالزَّرْعُ لِلْعَامِلِ وَحْدَهُ، وَعَلَيْهِ لِشَرِيكِهِ مِثْلُ مَكِيلَةِ بُذُورِهِ وَكِرَاءِ أَرْضِهِ.
فِي الْمُقَدِّمَاتِ اُخْتُلِفَ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ إذَا فَاتَتْ بِالْعَمَلِ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَيُؤَدِّي لِأَصْحَابِهِ كِرَاءَ مَا أَخْرَجُوهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِصَاحِبِ الْعَمَلِ، وَهُوَ تَأْوِيلُ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ.
قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لِمَنْ اجْتَمَعَ شَيْئًا مِنْ ثَلَاثَةِ أُصُولٍ، هِيَ الْبَذْرُ، وَالْأَرْضُ، وَالْعَمَلُ، فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً وَاجْتَمَعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئَانِ مِنْهَا أَوْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِشَيْءٍ مِنْهَا كَانَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَإِنْ اجْتَمَعَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْئَانِ مِنْهَا دُونَ صَاحِبِهِ كَانَ الزَّرْعُ لَهُ دُونَهُمَا وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الْمَوَّازِ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ أَبُو إِسْحَاقَ.
وَالرَّابِعُ: إنَّهُ يَكُونُ لِمَنْ اجْتَمَعَ لَهُ شَيْئَانِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ عَلَى هَذَا التَّرَيُّبِ وَهِيَ الْأَرْضُ وَالْبَقَرُ وَالْعَمَلُ.
وَالْخَامِسُ: إنَّهُ يَكُونُ لِمَنْ اجْتَمَعَ لَهُ شَيْئَانِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ أَيْضًا، وَهِيَ الْأَرْضُ الْبَذْرُ وَالْعَمَلُ وَالْبَقَرُ.
وَالسَّادِسُ: قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ إنَّ الْفَسَادَ إنْ سَلِمَ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا كَانَ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ اهـ بِلَفْظِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَنَسَبَ ابْنُ الْحَاجِبِ السِّتَّةَ لِلْبَاجِيِّ وَهُوَ وَهْمٌ نَشَأَ عَنْ تَقْلِيدِهِ ابْنَ شَاسٍ وَظَنِّهِ بِقَوْلِهِ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ أَنَّهُ الْبَاجِيَّ.
" غ " فِي التَّكْمِيلِ وَيُقَرِّبُ الْأَقْوَالَ السِّتَّةَ لِلْحِفْظِ أَنْ تَقُولَ:
الزَّرْعُ لِلزَّارِعِ أَوْ لِلْبَاذِرْ ... فِي فَاسِدٍ أَوْ لِسِوَى الْمُخَابِرْ
أَوْ مَنْ لَهُ حَرْفَانِ مِنْ إحْدَى الْكَلِمْ ... عَابَ وَعَاثَ ثَاعِبٌ لِمَنْ فَهِمْ
وَمُرَادُهُ بِالْمُخَابَرِ هُنَا الَّذِي يُعْطِي أَرْضَهُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَالْعَيْنَاتُ لِلْعَمَلِ، وَالْأَلِفَاتُ لِلْأَرْضِ، وَالْبَاءَانِ لِلْبَذْرِ، وَالثَّاءَانِ لِلثِّيرَانِ اهـ. الْبُنَانِيُّ إنَّ مَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ مُوَافِقٌ لِلْقَوْلِ الثَّالِثِ فِي كَلَامِ الْمُقَدِّمَاتِ، وَهُوَ الْمُرْتَضَى، فَقَوْلُ " ز " لَا يُوَافِقُ قَوْلًا مِنْ الْأَقْوَالِ السِّتَّةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَاَللَّهُ سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
بَابٌ) صِحَّةُ الْوَكَالَةِ
[منح الجليل]
[بَابٌ فِي بَيَان أَحْكَام الْوَكَالَةِ]
ِ (صِحَّةُ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ، وَفِي بَعْضِهَا بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي (الْوَكَالَةِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا لُغَةً الْحِفْظُ وَالْكِفَايَةُ وَالضَّمَانُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَلا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا﴾ [الإسراء: 2] قِيلَ حَافِظًا، وَقِيلَ كَافِيًا، وَقِيلَ ضَامِنًا قَالَهُ عِيَاضٌ.
وَاصْطِلَاحًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ نِيَابَةُ ذِي حَقٍّ غَيْرِ ذِي إمْرَةٍ وَلَا عِبَادَةٍ لِغَيْرِهِ فِيهِ غَيْرَ مَشْرُوطَةٍ بِمَوْتِهِ، فَتَخْرُجُ نِيَابَةُ إمَامِ الطَّاعَةِ أَمِيرًا أَوْ قَاضِيًا أَوْ صَاحِبِ الصَّلَاةِ وَالْوَصِيَّةِ، فَلَا يُقَالُ لِنِيَابَةٍ فِي حَقِّ ذِي إمْرَةٍ وَكَالَةٌ لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ تَجْرِي الْوَكَالَةُ فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ لِأَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ مُجَرَّدُ فِعْلٍ لَا إمْرَةَ فِيهِ، هَذَا ظَاهِرُ اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ.
وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ وِلَايَةَ الْإِمْرَةِ وَكَالَةً وَنَحْوُهُ قَوْلُ عِيَاضٍ، اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْوَكَالَةِ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ فِي النِّيَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ وَمَنْ تَأَمَّلَ وَأَنْصَفَ عَلِمَ صِحَّةَ مَا قُلْنَاهُ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرَ لِلذِّهْنِ عُرْفًا، وَيَأْتِي لَهُمْ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ وَكِيلِي أَوْ وَصِيِّي.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ النِّيَابَةُ مُسَاوِيَةٌ لِلْوَكَالَةِ فِي الْعُرْفِ فَتَعْرِيفُهَا بِهَا دَوْرٌ فَيُقَالُ هِيَ جَعْلُ ذِي أَمْرٍ غَيْرِ إمْرَةِ التَّصَرُّفَ فِيهِ لِغَيْرِهِ الْمُوجِبَ لُحُوقَ حُكْمِهِ جَاعِلَهُ، كَأَنَّهُ فَعَلَهُ فَتَخْرُجُ نِيَابَةُ إمَامِ الطَّاعَةِ أَمِيرًا أَوْ قَاضِيًا أَوْ إمَامِ الصَّلَاةِ، لِعَدَمِ لُحُوقِ حُكْمِ فِعْلِ النَّائِبِ فِي الْحُكْمِ أَوْ فِي الصَّلَاةِ الْجَاعِلَ وَالْوَصِيَّةُ لِلُحُوقِ حُكْمِ فِعْلِ فَاعِلِهَا غَيْرَ الْجَاعِلِ.
" ح " الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَسْقَطَ مِنْ النُّسْخَةِ الْمَنْقُولِ مِنْهَا عَقِبَ قَوْلِهِ لِغَيْرِهِ فِيهِ إمَّا مَالُهُ أَوْ التَّصَرُّفُ كَمَا لَهُ يَظْهَرُ هَذَا بِتَأَمُّلِ الْكَلَامِ الْآتِي مِنْ أَوَّلِهِ إلَخْ.
الْبُنَانِيُّ غَيْرُ ظَاهِرٍ إذْ التَّعْرِيفُ تَامٌّ بِغَيْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَقَدْ تَضَافَرَتْ نُسَخٌ كَثِيرَةٌ عَلَى سُقُوطِهَا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ
فِي قَابِلِ النِّيَابَةِ
[منح الجليل]
غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ قِسْمٍ مِنْ الْأَقْسَامِ الْوَكَالَةُ مِنْهُ، وَهُوَ تَوْكِيلُ الْإِمَامِ فِي حَقٍّ لَهُ قِبَلَ شَخْصٍ، فَلَوْ أَسْقَطَ ذِي مِنْ قَوْلِهِ ذِي إمْرَةٍ وَجَعَلَ غَيْرَ نَعْتًا لِحَقٍّ لَشَمِلَهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ وَحُكْمُهَا لِذَاتِهَا الْجَوَازُ رَوَى أَبُو دَاوُد «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ أَرَدْت الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمْت عَلَيْهِ وَقُلْت أَرَدْت الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَتَيْت وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإِنْ ابْتَغَى آيَةً فَضَعْ يَدَك عَلَى تَرْقُوَتِهِ» ، وَصَحَّحَهُ عَبْدُ الْحَقِّ بِسُكُوتِهِ عَلَيْهِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِيهِ رَمَاهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِالْكَذِبِ، وَقَالَ نَحْنُ نَفَيْنَاهُ مِنْ الْمَدِينَةِ وَيَعْرِضُ لَهَا سَائِرُ الْأَحْكَامِ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهَا كَقَضَاءِ دَيْنٍ تَعَيَّنَ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بِهَا وَالصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ وَالْحَرَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَحَكَى الْمَازِرِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِهَا.
وَتَنَازَعَ صِحَّةَ وَالْوَكَالَةَ (فِي) شَيْءٍ (قَابِلِ) بِمُوَحَّدَةٍ أَيْ صَالِحِ (النِّيَابَةِ) فِيهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ فِيمَا تَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ وَاقْتِضَاءِ الدَّيْنِ وَقَضَائِهِ وَعَقْدِ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَبَعْضِ الْقُرَبِ، وَتَبِعَهُ الْمَازِرِيُّ، إلَّا أَنَّهُ أَضَافَ ذَلِكَ لِلنِّيَابَةِ لَا لِلْوَكَالَةِ.
قَالَ وَلَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي أَعْمَالِ الْبَدَنِ الْمَحْضَةِ كَالصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ وَالْحَجِّ إلَّا أَنَّهُ تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِهِ وَيُنْقَضُ قَوْلُهُ فِي أَعْمَالِ الْأَبْدَانِ الْمَحْضَةِ بِقَوْلِهَا مَعَ غَيْرِهَا فِي الْعَاجِزِ عَنْ الرَّمْيِ لِمَرَضِهِ فِي الْحَجِّ يَرْمِي عَنْهُ نَائِبُهُ.
ابْنُ شَاسٍ لَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ فِي الْعِبَادَاتِ إلَّا فِي الْمَالِيَّةِ، كَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَفِي الْحَجِّ خِلَافٌ، وَلَا تَجُورُ فِي الْمَعَاصِي كَالسَّرِقَةِ وَيَلْحَقُ بِالْعِبَادَةِ الشَّهَادَةُ وَالْأَيْمَانُ وَاللِّعَانُ وَالْإِيلَاءُ مِنْهَا، وَتَجُوزُ فِي الْكَفَالَةِ كَالْحَوَالَةِ وَالْبَيْعِ، وَلَا تَصِحُّ بِالظِّهَارِ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ وَزُورٌ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَيْ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَتَكَفَّلُ عَنْهُ فِي حَقٍّ وَجَبَ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ إنَّمَا تُطْلَقُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيمَا يَصِحُّ لِلْمُوَكِّلِ مُبَاشَرَتُهُ وَكَفَالَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ مُمْتَنِعَةٌ.
ابْنُ هَارُونَ هُوَ أَنْ يُوَكِّلَهُ عَلَى أَنْ يَتَكَفَّلَ عَنْهُ لِفُلَانٍ بِمَا عَلَى فُلَانٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا
مِنْ فَسْخٍ، وَقَبْضِ حَقٍّ وَعُقُوبَةٍ؛ وَحَوَالَةٍ وَإِبْرَاءٍ وَإِنْ جَهِلَهُ الثَّلَاثَةُ
[منح الجليل]
أَقْرَبُ مِنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ فِي هَذَا الْمِثَالِ يَصِحُّ مِنْهُ الْفِعْلُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ الْتَزَمَ لِرَبِّ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ أَنْ يَأْتِيَهُ بِكَفِيلٍ بِهِ عَنْهُ بِحَيْثُ صَارَ الْإِتْيَانُ بِالْكَفِيلِ حَقًّا عَلَى الْمُوَكِّلِ الْمَذْكُورِ، وَخَرَّجَ ابْنُ هَارُونَ عَلَى الظِّهَارِ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَقْرَبُ فِي الظِّهَارِ أَنَّهُ كَالطَّلَاقِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ قَوْلَ الْوَكِيلِ زَوْجَةُ مُوَكِّلِي عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ، كَقَوْلِهِ امْرَأَةُ مُوَكِّلِي طَالِقٌ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الظِّهَارَ وَالطَّلَاقَ إنْشَاءٌ مُجَرَّدٌ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.
وَأَمَّا الْيَمِينُ فَمُتَضَمِّنَةٌ لِلْخَبَرِ عَنْ فِعْلِ الْمُوَكِّلِ وَلَا يَدْرِي الْوَكِيلُ حَقِيَةَ مَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ يُرَدُّ بِعِلْمِهِ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ مُوَكِّلِهِ بِذَلِكَ، وَيُرَدُّ قِيَاسُهُ الظِّهَارَ عَلَى الطَّلَاقِ وَجَمْعُهُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ الْإِنْشَاءِ بِالْفَرْقِ بِأَنَّ الطَّلَاقَ يَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَقِّ الْمُوَكِّلِ، بِخِلَافِ الظِّهَارِ، وَالِاسْتِقْرَاءُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ حَقُّ لِلْمُوَكِّلِ أَوْ عَلَيْهِ غَيْرُ خَاصٍّ بِهِ جَازَ فِيهِ التَّوْكِيلُ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ لَا يَصِحُّ.
وَقَوْلُنَا غَيْرُ خَاصٍّ بِهِ احْتِرَازٌ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لِغَيْرِهِ فَوَكَّلَ غَيْرَهُ عَلَى أَدَائِهَا فَإِنَّهَا حَقٌّ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ لِأَنَّ حَلِفَ غَيْرِهِ غَيْرُ حَلِفِهِ فَهُوَ غَيْرُ الْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ.
وَفِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ تَصِحُّ فِي الْإِقْرَارِ وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ خِلَافًا ابْنُ عَاتٍ فِي الْمُكَافِئِ لِأَبِي عُمَرَ جَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنَّهُ إذَا جَعَلَ الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ الْإِقْرَارَ لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي.
وَزَعَمَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ أَنَّ تَحْصِيلَ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إقْرَارُهُ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ.
وَبَيَّنَ قَابِلَ النِّيَابَةِ فَقَالَ (مِنْ عَقْدٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْقَافِ كَنِكَاحٍ وَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَإِجَارَةٍ وَجَعَالَةٍ وَقَرْضٍ وَمُسَاقَاةٍ وَشَرِكَةٍ وَصَدَقَةٍ وَهِبَةٍ وَنَحْوِهَا (وَفَسْخٍ) لِعَقْدٍ يَجُوزُ فَسْخُهُ أَوْ يَتَحَتَّمُ (وَقَبْضِ حَقٍّ) لِلْمُوَكِّلِ وَقَضَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ (وَعُقُوبَةٍ) بِضَمِّ الْعَيْنِ كَحَدٍّ وَقِصَاصٍ وَتَأْدِيبٍ (وَحَوَالَةٍ) لِغَرِيمِ الْمُوَكِّلِ عَلَى مَدِينِهِ (وَإِبْرَاءٍ) لِمَنْ عَلَيْهِ حَقُّ الْمُوَكِّلِ إنْ كَانَ مَعْلُومًا، بَلَى (وَإِنْ جَهِلَهُ) أَيْ الْحَقَّ الْمُبْرَأَ مِنْهُ (الثَّلَاثَةُ) أَيْ الْمُوَكِّلُ وَوَكِيلُهُ وَمَنْ
وَحَجٍّ
وَوَاحِدٍ فِي خُصُومَةٍ، وَإِنْ كَرِهَ خَصْمُهُ
[منح الجليل]
عَلَيْهِ الْحَقُّ.
" ق " ابْنُ الْحَاجِبِ الْوَكَالَةُ نِيَابَةٌ فِيمَا لَا تَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمُبَاشَرَةُ، فَتَجُوزُ فِي الْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ وَالْجَعَالَةِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ.
ابْنُ شَاسٍ وَأَنْوَاعِ الْبَيْعِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ، وَيَجُوزُ أَيْضًا التَّوْكِيلُ بِقَبْضِ الْحُقُوقِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ، وَالتَّوَكُّلُ بِالْإِبْرَاءِ لَا يَسْتَدْعِي عِلْمَ الْمُوَكِّلِ بِمَبْلَغِ الدَّيْنِ الْمُبْرَأِ مِنْهُ، وَلَا عِلْمَ الْوَكِيلِ بِهِ، وَلَا عِلْمَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا كَضَرُورِيٍّ مِنْ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ مَحْضُ تَرْكٍ، وَالتَّرْكُ لَا مَانِعِيَّةَ لِلْغَرَرِ فِيهِ.
(وَحَجٍّ) عَنْ الْمُوَكِّلِ.
اللَّخْمِيُّ لَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ فِي الْأَعْمَالِ الْمَحْضَةِ كَالصَّلَاةِ وَالْعَاجِزِ عَنْ الْحَجِّ لِمَرَضِهِ إلَّا أَنَّهُ تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِهِ وَأَدَاءُ زَكَاةٍ وَتَذْكِيَةٍ
(وَ) صَحَّ تَوْكِيلُ شَخْصٍ (وَاحِدٍ) فَقَطْ (فِي خُصُومَةٍ) بَيْنَ الْمُوَكِّلِ وَغَيْرِهِ لَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - إنْ ادَّعَى شَرِيكَانِ مَعًا عَلَى رَجُلٍ حَقًّا وَقَالَا لِلْقَاضِي مَنْ حَضَرَ مِنَّا يُخَاصِمُهُ فَلَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ، لِقَوْلِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ عِنْدَ الْقَاضِي ثَلَاثًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ إلَّا مِنْ عِلَّةٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ ادَّعَوْا مَنْزِلًا بِيَدِ رَجُلٍ فَلَا يُخَاصِمُهُ كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ، بَلْ يُقِيمُونَ رَجُلًا يُخَاصِمُهُ ابْنُ رُشْدٍ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلَيْنِ يُخَاصِمَانِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ إنْ غَابَ عَنْهُ أَحَدُهُمَا خَاصَمَ لَهُ الْآخَرُ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي خُصُومَةٍ جَوَازُ تَوْكِيلِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فِي غَيْرِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ.
الْمُتَيْطِيُّ لَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ وَلَا امْرَأَةٍ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخِصَامِ أَكْثَرَ مِنْ وَكِيلٍ وَاحِدٍ اهـ.
وَلِلشَّخْصِ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخُصُومَةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا إنْ رَضِيَ خَصْمُهُ، بَلْ (وَإِنْ كَرِهَ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ (خَصْمُهُ) تَوْكِيلَهُ.
الْمُتَيْطِيُّ إنْ أَرَادَ شَخْصٌ التَّوْكِيلَ عَلَى الْخِصَامِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ طَالِبًا كَانَ أَوْ مَطْلُوبًا، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ.
فِي الْجَوَاهِرِ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ فِي الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ بِرِضَا خَصْمِهِ وَبِغَيْرِ رِضًا فِي حُضُورِ الْمُسْتَحِقِّ وَغَيْبَتِهِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إثْبَاتُهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ إلَى حُضُورِهِ أَيْضًا.
وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْذَرَ إلَيْهِ فِي تَوْكِيلِ خَصْمِهِ، قَالَ لَمْ نَرَ أَحَدًا مِنْ الْقُضَاةِ وَلَا غَيْرِهِمْ مِنْ السَّلَاطِينِ ضَرَبَ لِأَحَدٍ أَجَلًا فِي تَوْكِيلٍ، وَإِنَّمَا السِّيرَةُ عِنْدَ الْقُضَاةِ أَنْ يَثْبُتَ التَّوْكِيلُ عِنْدَهُمْ ثُمَّ يَسْمَعُ مِنْ
لَا إنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ: كَثَلَاثٍ، إلَّا لِعُذْرٍ وَحَلَفَ فِي: كَسَفَرٍ، وَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ: عَزْلُهُ
وَلَا لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ
وَلَا الْإِقْرَارُ، إنْ لَمْ يُفَوِّضْ لَهُ،
[منح الجليل]
الطَّالِبِ وَيَنْظُرُ فِيمَا جَاءَ بِهِ.
ابْنُ الْهِنْدِيِّ الْإِعْذَارُ إلَى الْمُوَكَّلِ عَلَيْهِ مِنْ تَمَامِ الْوَكَالَةِ، فَإِنْ لَمْ يَعْذِرْ إلَيْهِ جَازَ ابْنُ عَتَّابٍ كَانَ الْإِعْذَارُ مِنْ الشَّأْنِ الْقَدِيمِ ثُمَّ تُرِكَ ابْنُ بَشِيرٍ تُرِكَ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَعْذِرَ إلَيْهِ عِنْدَ إرَادَةِ الْحُكْمِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، فَاسْتَغْنَى عَنْهُ أَوَّلًا ابْنُ سَهْلٍ هَذِهِ نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ.
(لَا) يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الْخُصُومَةِ (إنْ قَاعَدَ) الْمُوَكِّلُ (خَصْمَهُ) بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي (كَثَلَاثٍ) مِنْ الْمَجَالِسِ لِانْعِقَادِ الْمَقَالَاتِ بَيْنَهُمَا وَقُرْبِ انْفِصَالِ خُصُومَتِهِمَا وَالتَّوْكِيلُ يُؤَدِّي إلَى طُولِهَا وَلَا خَيْرَ فِيهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا التَّوْكِيلُ بَعْدَ الْمُقَاعَدَةِ ثَلَاثَةً (إلَّا لِ) طَرَيَان (عُذْرٍ) كَمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ.
الْمُتَيْطِيُّ إنْ خَاصَمَ الرَّجُلُ عَنْ نَفْسِهِ وَقَاعَدَ خَصْمَهُ ثَلَاثَ مَجَالِسَ وَانْعَقَدَتْ الْمَقَالَاتُ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَتَكَلَّمُ لَهُ إذَا مَنَعَهُ صَاحِبُهُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَمْرَضَ أَوْ يُرِيدَ السَّفَرَ ابْنُ الْعَطَّارِ وَتَلْزَمُهُ الْيَمِينُ فِي السَّفَرِ أَنَّهُ لَا يُسَافِرُ لِلتَّوْكِيلِ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا لَمْ يُتَّجَهْ تَوْكِيلُهُ إلَّا بِرِضَا خَصْمِهِ.
(وَ) إنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ كَثَلَاثٍ وَأَرَادَ السَّفَرَ وَالتَّوْكِيلَ (حَلَفَ فِي كَسَفَرٍ) وَاعْتِكَافٍ وَمَرَضٍ خَفِيفٍ أَنَّهُ مَا قَصَدَهُ لِلتَّوْكِيلِ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْمُوَكِّلِ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ قَاعَدَ وَكِيلُهُ خَصْمَهُ ثَلَاثًا (عَزْلُهُ) أَيْ الْوَكِيلِ عَنْ وَكَالَتِهِ فِي الْخُصُومَةِ لِذَلِكَ
(وَلَا) أَيْ لَيْسَ (لَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (عَزْلُ نَفْسِهِ) عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ، قَالَ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ وَكِيلَهُ عَنْهَا مَتَى شَاءَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْوَكَالَةُ فِي الْخِصَامِ فَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ عَنْهَا وَتَوْكِيلُ غَيْرِهِ أَوْ خِصَامُهُ بِنَفْسِهِ إذَا كَانَ قَاعَدَ الْوَكِيلُ خَصْمَهُ الْمَرَّتَيْنِ وَالثَّلَاثَ إلَّا مِنْ عُذْرٍ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَفِي الْمَكَانِ الَّذِي لَا يَكُونُ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ وَكِيلَهُ عَنْ الْخِصَامِ لَا يَكُونُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَحِلَّ عَنْ نَفْسِهِ إذَا قَبِلَ الْوَكَالَةَ.
(وَلَا) أَيْ وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ فِي الْخُصُومَةِ (الْإِقْرَارُ) عَلَى مُوَكِّلِهِ لِخَصْمِهِ (إنْ لَمْ يُفَوِّضْ)
أَوْ يَجْعَلْ لَهُ
[منح الجليل]
مُوَكِّلُهُ (لَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ فِي الْوَكَالَةِ (أَوْ) إنْ لَمْ (يَجْعَلْ) الْمُوَكِّلُ (لَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ الْإِقْرَارَ، فَإِنْ فَوَّضَ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ أَوْ جَعَلَ لَهُ الْإِقْرَارَ فَلَهُ عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُ مُوَكِّلَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَيْهِ عَلَى الْمَعْرُوفِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ فِي التَّوْضِيحِ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوَكَالَةَ عَلَى الْخِصَامِ لَا تَسْتَلْزِمُ الْوَكَالَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ إذَا لَمْ يَجْعَلْهُ إلَيْهِ، فَلَوْ أَقَرَّ فَلَا يَلْزَمُهُ، هَذَا فِي غَيْرِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ قَالَهُ فِي الْكَافِي.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ الْوَكَالَةُ عَلَى الْخِصَامِ لَا تَشْمَلُ صُلْحًا وَلَا إقْرَارًا فَلَا يَصِحُّ أَحَدُهُمَا مِنْ الْوَكِيلِ إلَّا بِنَصٍّ عَلَيْهِ مِنْ مُوَكِّلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ رُشْدٍ خِلَافًا فِيهِ اهـ.
فِي الشَّامِلِ يَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ إنْ كَانَ مِنْ مَعْنَى الْخُصُومَةِ الَّتِي وُكِّلَ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ عَلَى الْأَصَحِّ.
ابْنُ عَتَّابٍ وَغَيْرُهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ إقْرَارُهُ فِيمَا كَانَ مِنْ مَعْنَى الْمُخَاصَمَةِ الَّتِي وُكِّلَ عَلَيْهَا.
ابْنُ سَهْلٍ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
الْحَطّ لَا شَكَّ أَنَّهُ قَاضٍ قَالَهُ ابْنُ عَتَّابٍ هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تُخَصَّصُ وَتُقَيَّدُ بِالْعُرْفِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَاضٍ بِأَنَّ مَنْ وَكَّلَ عَلَى الْمُخَاصَمَةِ وَجَعَلَ لِوَكِيلِهِ الْإِقْرَارَ إنَّمَا يُرِيدُ فِيمَا هُوَ مِنْ مَعْنَى الْخُصُومَةِ الَّتِي وَكَّلَ فِيهَا.
1 -
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَنْعُ عَزْلِ الْوَكِيلِ بَعْدَ مُقَاعَدَتِهِ الْخَصْمَ ثَلَاثًا مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ غِشِّهِ مُوَكِّلَهُ وَمَيْلِهِ مَعَ خَصْمِهِ وَإِلَّا فَلَهُ عَزْلُهُ.
ابْنُ فَرْحُونٍ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيلِهِ مَا لَمْ يُنَاشِبْ الْخُصُومَةَ، فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ قَدْ نَاشَبَ خَصْمَهُ وَجَالَسَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَكْثَرَ فَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ غِشٌّ أَوْ تَدْخِيلٌ فِي خُصُومَتِهِ، وَمَيْلٌ مَعَ الْمُخَاصِمِ لَهُ فَلَهُ عَزْلُهُ؛ وَكَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَهُ بِأَجْرٍ فَظَهَرَ غِشُّهُ كَانَ عَيْبًا وَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ وَكَالَتَهُ.
اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ.
1 -
الثَّانِي: فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْوَكِيلَ فِي غَيْرِ الْخِصَامِ لِمُوَكِّلِهِ عَزْلُهُ، وَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ وَهُوَ كَذَلِكَ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيلِهِ وَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَنْحَلَّ عَنْ الْوَكَالَةِ مَتَى شَاءَ أَحَدُهُمَا اتِّفَاقًا إلَّا فِي وَكَالَةِ الْخِصَامِ، فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا بَعْدَ أَنْ انْتَشَبَ الْخِصَامُ وَالْمُفَوَّضُ وَالْمَخْصُوصُ إلَيْهِ سَوَاءٌ اهـ. ابْنُ فَرْحُونٍ وَإِنْ كَانَتْ الْوَكَالَةُ بِغَيْرِ عِوَضٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
فَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ الْوَكِيلِ تَلْزَمُهُ إذَا قَبِلَهَا وَلِلْمُوَكِّلِ عَزْلُهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي الْخِصَامِ وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ، وَهَلْ لَا تَلْزَمُ أَوْ إنْ وَقَعَتْ بِأُجْرَةٍ أَوْ جُعْلٍ فَكَهُمَا، وَإِلَّا لَمْ تَلْزَمْ تَرَدُّدٌ.
الثَّالِثُ فِي النَّوَادِرِ ابْنُ الْمَوَّازِ يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ فِي عُذْرِ الْخِصَامِ عَزْلُ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ رِضَا مُوَكِّلِهِ، إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِأَحَدٍ، وَيَكُونُ فِي عَزْلِ نَفْسِهِ إبْطَالٌ لِذَلِكَ الْحَقِّ فَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَرَّعَ بِمَنَافِعِهِ، وَإِنْ كَانَتْ بِعِوَضٍ فَهِيَ إجَارَةٌ تَلْزَمُهُمَا بِعَقْدِهَا وَلَا يَكُونُ لِوَاحِدٍ التَّخَلِّي وَتَكُونُ بِعِوَضٍ مُسَمًّى وَإِلَى أَجَلٍ مَضْرُوبٍ وَفِي عَمَلٍ مَعْرُوفٍ.
1 -
الرَّابِعُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ مَنْعِ عَزْلِ وَكِيلِ الْخِصَامِ بَعْدَ الْمُقَاعَدَةِ ثَلَاثًا أَحَدُ أَقْوَالٍ خَمْسَةٍ، حَصَّلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ كَلَامِ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ فَفِي مَنْعِ الْعَزْلِ بِمُجَرَّدِ إنْشَابِ الْخِصَامِ أَوْ بِمُقَاعَدَتِهِ ثَلَاثًا ثَالِثُهَا بِمُقَاعَدَتِهِ مُقَاعَدَةً تَثْبُتُ فِيهَا الْحُجَجُ، وَرَابِعُهَا مَا لَمْ يُشْرِفْ عَلَى تَمَامِ الْحُكْمِ، وَخَامِسُهَا عَلَى الْحُكْمِ لِابْنِ رُشْدٍ مَعَ اللَّخْمِيِّ وَالْمُتَيْطِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ وَلَهُ عَنْ أَحَدِ قَوْلَيْ أَصْبَغَ وَثَانِيهِمَا وَمُحَمَّدٌ.
1 -
الْخَامِسُ: ابْنُ عَرَفَةَ الْوَكَالَةُ عَلَى الْخِصَامِ لِمَرَضِ الْمُوَكِّلِ أَوْ سَفَرِهِ أَوْ كَوْنِهِ امْرَأَةً لَا يَخْرُجُ مِثْلُهَا جَائِزَةٌ اتِّفَاقًا الْمُتَيْطِيُّ وَكَذَا الْوَكَالَةُ لِعُذْرٍ بِشُغْلِ الْأَمِيرِ أَوْ خُطَّةٍ لَا يَسْتَطِيعُ مُفَارَقَتَهَا كَالْحِجَابَةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي جَوَازِهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ ثَالِثُهَا لِلطَّالِبِ لَا لِلْمَطْلُوبِ لِمَعْرُوفٍ مَعَ قَوْلِ الْمُتَيْطِيِّ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ، ثُمَّ قَالَ وَعَلَى الْمَعْرُوفِ فِي جَوَازِهَا مُطْلَقًا أَوْ بَعْدَ أَنْ يَنْعَقِدَ بَيْنَهُمَا مَا يَكُونُ مِنْ دَعْوَى وَإِقْرَارٍ نَقْلًا ابْنِ سَهْلٍ قَائِلًا ذَكَرَ ابْنُ الْعَطَّارِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ قَبْلَ الْمُجَاوَبَةِ إنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنْ لَا يُمَكَّنَ مِنْهُ لِأَنَّ اللَّدَدَ ظَاهِرٌ فِيهِ، وَمُرَادُهُ أَنْ يُحَدِّثَ عَنْهُ مَا فِيهِ تَشْغِيبٌ وَنَصَّ ابْنُ سَهْلٍ إنْ أَرَادَ الْخَصْمَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا فِي أَوَّلِ مَجْلِسٍ جَلَسَا فِيهِ التَّوْكِيلَ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ، فَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ رَأَى ذَلِكَ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى لَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَنْعَقِدَ بَيْنَهُمَا إقْرَارٌ أَوْ إنْكَارٌ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ ابْنُ الْهِنْدِيِّ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ أَصَحُّ لِأَنَّهُ قَدْ أُجِيزَ لِلْحَاضِرِ ابْنُ الْعَطَّارِ لَهُ التَّوْكِيلُ قَبْلَ الْمُجَاوَبَةِ إذَا كَانَ الْوَكِيلُ بِالْحَضْرَةِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
فَيُجَاوِبُ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُوَكِّلْ فَيُقَالُ بَعْدَ الْأَدَبِ قُلْ الْآنَ مَا تَأْمُرُ بِهِ وَكِيلَك أَنْ يَقُولَهُ عَنْك فَإِنْ أَبَى عُلِمَ أَنَّهُ مُلِدٌّ الْمُتَيْطِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِهَذَا إذَا لَمْ يُوَكِّلَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حَتَّى حَضَرَا عِنْدَ الْقَاضِي، أَمَّا لَوْ وَكَّلَا أَوَّلًا فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّ مُرَادَهُمْ مَا لَمْ يَجْلِسَا ثَلَاثًا عِنْدَ الْحَاكِمِ.
السَّادِسُ ابْنُ فَرْحُونٍ مَنْ وَكَّلَ ابْتِدَاءً ضَرَرًا لِخَصْمِهِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُ.
1 -
السَّابِعُ: ابْنُ فَرْحُونٍ مُحَمَّدٌ وَابْنُ لُبَابَةَ كُلُّ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ عِنْدَ الْقَاضِي لَدَدٌ وَتَشْغِيبٌ فِي خُصُومَةٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ فِي وَكَالَةٍ، وَلَا يَحِلُّ إدْخَالُ اللَّدَدِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
ابْنُ سَهْلٍ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ النَّاسُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ قَبُولُ الْوُكَلَاءِ إلَّا مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ تَشْغِيبٌ وَلَدَدٌ، فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إبْعَادُهُ وَأَنْ لَا تُقْبَلَ لَهُ وَكَالَةٌ عَلَى أَحَدٍ.
1 -
الثَّامِنُ: فِي الْمُتَيْطِيَّةِ كَرِهَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " لِذَوِي الْهَيْئَاتِ الْخُصُومَاتِ، قَالَ مَالِكٌ كَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ الْخُصُومَةَ وَيَتَنَزَّهُ عَنْهَا، وَكَانَ إذَا نَازَعَهُ أَحَدٌ فِي شَيْءٍ قَالَ لَهُ إنْ كَانَ هَذَا الشَّيْءُ لِي فَهُوَ لَك، وَإِنْ كَانَ لَك فَلَا تَحْمَدْنِي عَلَيْهِ وَكَانَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ شَيْءٌ لَا يُخَاصِمُهُ وَيَقُولُ الْمَوْعِدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " مَنْ عَلِمَ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحَاسَبُ فِيهِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ يُوَفَّوْنَ حُقُوقَهُمْ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلْيَطِبْ بِذَلِكَ نَفْسًا، فَإِنَّ الْأَمْرَ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا بَيْنَك وَبَيْنَ الْآخِرَةِ وَمَا فِيهَا إلَّا خُرُوجُ رُوحِك حَتَّى تَنْسَى ذَلِكَ كُلَّهُ حَتَّى كَأَنَّك مَا كُنْت فِيهِ وَلَا عَرَفْتَهُ.
ابْنُ شَعْبَانَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ خَاصَمَ رَجُلُ سَوْءٍ ابْنُ مَسْعُودٍ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " كَفَى بِك ظُلْمًا أَنْ لَا تَزَالَ مُخَاصِمًا وَقَالَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - " قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» .
التَّاسِعُ: ابْنُ الْعَطَّارِ لَا يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَكِّلَ أَبَاهُ لَهُ لِيَطْلُبَ لَهُ حَقًّا لِأَنَّهَا اسْتِهَانَةٌ لِلْأَبِ.
1 -
الْعَاشِرُ: مَنْ عَزَلَ وَكِيلَهُ فَأَرَادَ خَصْمُهُ تَوْكِيلَهُ فَأَبَى الْأَوَّلُ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى عَوْرَاتِهِ وَوُجُوهِ خُصُومَاتِهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَلِخَصْمِهِ تَوْكِيلُهُ، قَالَهُ فِي الِاسْتِغْنَاءِ ابْنُ فَرْحُونٍ يَنْغِي أَنْ لَا يُمَكَّنَ مِنْ تَوْكِيلِهِ، لِأَنَّهُ صَارَ كَعَدُوِّهِ وَلَا يُوَكَّلُ عَدُوٌّ عَلَى عَدُوِّهِ.
1 -
وَلِخَصْمِهِ اضْطِرَارُهُ إلَيْهِ
قَالَ وَإِنْ قَالَ أَقِرَّ عَنِّي بِأَلْفٍ، فَإِقْرَارٌ
[منح الجليل]
الْحَادِي عَشَرَ: ابْنُ فَرْحُونٍ لَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ لِلْمُتَّهَمِ بِدَعْوَى الْبَاطِلِ وَلَا الْمُجَادَلَةُ عَنْهُ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] . إنَّ النِّيَابَةَ عَنْ الْمُتَّهَمِ الْمُبْطِلِ فِي الْخُصُومَةِ لَا تَجُوزُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 106] ، وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ يَنْبَغِي لِلْوَكِيلِ عَلَى الْخُصُومَةِ أَنْ يَتَحَفَّظَ بِدَيْنِهِ وَلَا يَتَوَكَّلَ إلَّا فِي مَطْلَبٍ يَقْبَلُ فِيهِ يَقِينُهُ أَنَّ مُوَكِّلَهُ فِيهِ عَلَى حَقٍّ فَقَدْ جَاءَ فِي جَامِعِ السُّنَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ضَادَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي أَمْرِهِ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي خُصُومَةٍ لَا عِلْمَ لَهُ بِهَا لَمْ يَزَلْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَنْزِعَ.
(وَلِخَصْمِهِ) أَيْ الْمُوَكِّلِ بِالْكَسْرِ عَلَى خُصُومَةٍ (اضْطِرَارُهُ) أَيْ الْمُوَكِّلِ (إلَيْهِ) أَيْ جَعْلُ الْإِقْرَارِ لِوَكِيلِهِ عَلَيْهَا بِأَنْ يَقُولَ لَهُ لَا أَقْبَلُ تَوْكِيلَهُ وَلَا أُخَاصِمُهُ حَتَّى تَجْعَلَ لَهُ الْإِقْرَارَ.
الْمُتَيْطِيُّ قَوْلُنَا فِي النَّصِّ وَكَّلَهُ عَلَى كَذَا وَكَذَا، وَعَلَى الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ وَالْإِنْكَارِ عَنْهُ هُوَ مِمَّا لَا يَتِمُّ التَّوْكِيلُ فِي الْخِصَامِ إلَّا بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ كَانَ لِخَصْمِهِ أَنْ يَضْطَرَّهُ إلَى التَّوْكِيلِ عَلَى هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ، هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ.
ابْنُ الْعَطَّارِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأَنْدَلُسِيِّينَ مِنْ حَقِّ الْخَصْمِ أَنْ لَا يُخَاصِمَ الْوَكِيلَ حَتَّى يَجْعَلَ مُوَكِّلُهُ لَهُ الْإِقْرَارَ.
(قَالَ) الْمَازِرِيُّ مِنْ نَفْسِهِ (وَإِنْ قَالَ) الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ عَلَى الْمُخَاصَمَةِ (أَقَرَّ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مُثَقَّلًا فِعْلُ أَمْرٍ نِيَابَةً (عَنِّي بِأَلْفٍ) مَثَلًا (فَ) قَوْلُهُ لِوَكِيلِهِ أَقَرَّ عَنِّي بِأَلْفٍ (إقْرَارٌ) مِنْ نَفْسِ الْمُوَكِّلِ بِالْأَلْفِ سَوَاءٌ أَقَرَّ وَكِيلُهُ عَنْهُ بِهِ أَوْ لَا.
الْحَطّ هَكَذَا نَقَلَ ابْنُ شَاسٍ عَنْ الْمَازِرِيِّ وَكَلَامُ الْمَازِرِيِّ لَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ، وَنَصُّهُ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمَازِرِيُّ لَوْ قَالَ لِلْوَكِيلِ أَقَرَّ عَنِّي لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَفِي كَوْنِهِ إقْرَارًا مِنْ الْآمِرِ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا نَطَقَ بِهِ الْوَكِيلُ كَالنُّطْقِ مِنْ الْمُوَكِّلِ لِقَوْلِهِ أَقَرَّ عَنِّي فَأَضَافَ الْوَكِيلُ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ مَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا وَجَعَلَهُ فِي الْإِقْرَارِ عَنْهُ كَنَفْسِهِ فَمَا أَقَرَّ بِهِ الْوَكِيلُ يَلْزَمُ مُوَكِّلَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقُولُ كَذَلِكَ فِي أَقِرَّ عَنِّي.
لَا فِي كَيَمِينٍ، وَمَعْصِيَةٍ: كَظِهَارٍ
[منح الجليل]
وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِ أَصْبَغَ كَبِيرُ شَاهِدٍ يُرَدُّ بِأَنَّهُ مَحْضُ دَعْوَى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فِي مُقَابَلَةِ مُسْتَدَلٍّ عَلَيْهِ، وَاسْتِشْهَادُ الْمَازِرِيِّ وَاضِحٌ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَمْرِ الْمُوَكِّلِ وَكِيلَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ وَبَيْنَ جَعْلِهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ بِيَدِهِ كَقَوْلِهِ بِعْ هَذَا الثَّوْبَ أَوْ جَعَلْت بَيْعَهُ بِيَدِكَ، هَذَا إنْ حَمَلْنَا قَوْلَ الْمَازِرِيِّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْوَكِيلِ ذَلِكَ كَقَوْلِ مُوَكِّلِهِ فَيَكُونُ حَاصِلُهُ لُزُومَ إقْرَارِ الْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ مَا وَكَّلَهُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ عَنْهُ، وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا نَطَقَ بِهِ الْوَكِيلُ كَالنُّطْقِ مِنْ الْمُوَكِّلِ لِقَوْلِهِ أَقِرَّ عَنِّي، وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى مَا فَهِمَهُ ابْنُ شَاسٍ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ أَقِرَّ عَنِّي بِكَذَا إقْرَارٌ مِنْهُ بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ شَاسٍ مَا نَصُّهُ لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ أَقِرَّ عَنِّي لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَهُوَ بِهَذَا الْقَوْلِ كَالْمُقِرِّ بِأَلْفِ، قَالَهُ الْمَازِرِيُّ، وَاسْتِقْرَاءٌ مِنْ نَصِّ بَعْضِ الْأَصْحَابِ.
قُلْت فَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى هَذَا صَحَّ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ كَبِيرُ شَاهِدٍ.
وَذَكَرَ مَفْهُومَ قَابِلِ النِّيَابَةِ فَقَالَ (لَا) تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِيمَا لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ (كَيَمِينٍ) وَطَهَارَةٍ وَصَلَاةٍ وَشَهَادَةٍ وَمِنْ الْيَمِينِ الْإِيلَاءُ وَاللِّعَانُ.
ابْنُ شَاسٍ لَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ فِي الشَّهَادَةِ وَالْأَيْمَانِ وَالْإِيلَاءِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الِاسْتِقْرَاءُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ حَقٌّ لِلْمُوَكِّلِ أَوْ عَلَيْهِ غَيْرَ خَاصٍّ بِهِ جَازَ فِيهِ التَّوْكِيلُ، وَقَوْلُنَا غَيْرَ خَاصٍّ بِهِ احْتِرَازًا مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لِغَيْرِهِ فَوَكَّلَ غَيْرَهُ عَلَى حَلِفِهَا فَإِنَّهَا حَقٌّ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ التَّوْكِيلُ لِأَنَّ حَلِفَ غَيْرِهِ غَيْرُ حَلِفِهِ فَهُوَ غَيْرُ الْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ (وَ) كَ (مَعْصِيَةٍ) كَقَتْلِ عَمْدٍ عُدْوَانٍ وَسَرِقَةٍ وَغَصْبٍ.
ابْنُ شَاسٍ لَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ فِي الْمَعَاصِي كَالسَّرِقَةِ وَقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ (وَ) كَ (ظِهَارٍ) .
ابْنُ شَاسٍ لَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ بِالظِّهَارِ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ، وَخَرَّجَ ابْنُ هَارُونَ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَقْرَبُ فِي الظِّهَارِ أَنَّهُ كَالطَّلَاقِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إنْشَاءٌ مُجَرَّدٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ يُرَدُّ قِيَاسُهُ الظِّهَارَ عَلَى الطَّلَاقِ وَجَمْعُهُ بِمُجَرَّدِ الْإِنْشَاءِ بِالْفَرْقِ بِأَنَّ الطَّلَاقَ يَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَقٍّ لِلْمُوَكِّلِ بِخِلَافِ الظِّهَارِ.
1 -
(تَنْبِيهَانِ)
الْأَوَّلُ: الْمِسْنَاوِيُّ الْأَفْعَالُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مَا لَا تَحْصُلُ مَصْلَحَتُهُ إلَّا بِمُبَاشَرَةٍ قَطْعًا لِكَوْنِهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
لَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَصْلَحَةٍ بِالنَّظَرِ لِذَاتِهِ، بَلْ بِالنَّظَرِ لِفَاعِلِهِ، وَمَا تَحْصُلُ بِدُونِهَا قَطْعًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ فَاعِلِهِ، وَهُوَ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَهُمَا، فَاخْتُلِفَ فِي إلْحَاقِهِ بِأَيِّهِمَا، مِثَالُ الْأَوَّلِ الْإِيمَانُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْيَمِينُ، إذْ مَصْلَحَةُ الْأَيْمَانِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ إجْلَالُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِظْهَارُ عُبُودِيَّتِهِ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ مِنْ جِهَةِ فَاعِلِهَا وَمَصْلَحَةُ الْيَمِينِ دَلَالَتُهَا عَلَى صِدْقِ حَالِفِهَا وَلَا تَحْصُلُ بِحَلِفِ غَيْرِهِ، وَلِذَا لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ لِيَسْتَحِقَّ غَيْرُهُ وَالنِّكَاحُ بِمَعْنَى الْوَطْءِ مِنْ الْأَوَّلِ، إذْ مَصْلَحَتُهُ الْعِفَّةُ وَانْتِسَابُ الْوَلَدِ، وَلَا يَحْصُلُ هَذَا بِفِعْلِ الْغَيْرِ، وَبِمَعْنَى الْعَقْدِ مِنْ الثَّانِي، إذْ مَصْلَحَتُهُ تُحَقِّقُ سَبَبَ إبَاحَةِ الْوَطْءِ وَهُوَ يَتَحَقَّقُ بِعَقْدِ الْوَكِيلِ كَتَحَقُّقِهِ بِعَقْدِ الْأَصْلِ.
وَمِثَالُ الثَّانِي رَدُّ الْعَارِيَّةُ الْوَدِيعَةِ وَالْمَغْصُوبِ وَقَضَاءُ الدَّيْنِ وَأَدَاءُ الزَّكَاةِ، فَإِنَّ مَصْلَحَتَهَا إيصَالُ الْحَقِّ لِأَهْلِهِ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ الْوَكِيلِ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ الْأَصِيلُ.
وَمِثَالُ الثَّالِثِ الْحَجُّ، فَمَنْ رَأَى أَنَّ مَصْلَحَتَهُ تَأْدِيبُ النَّفْسِ وَتَهْذِيبُهَا وَتَعْظِيمُ شَعَائِرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تِلْكَ الْبِقَاعِ وَإِظْهَارُ الِانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ تَعَالَى، وَأَنَّ إنْفَاقَ الْمَالِ فِيهِ عَارِضٌ يُمْكِنُ بِدُونِهِ كَحَجِّ مُسْتَطِيعِ الْمَشْيِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَمِنًى وَعَرَفَةَ وَنَحْوِهِمْ أَلْحَقَهُ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَصَالِحَ لَا تَحْصُلُ بِفِعْلِ النَّائِبِ، وَمَنْ رَأَى اشْتِمَالَهُ عَلَى إنْقَاقٍ غَالِبًا أَلْحَقَهُ بِالثَّانِي.
1 -
الثَّانِي الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الْخَامِسِ وَمِائَةٍ إنْ وَقَفَ الْوَاقِفُ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِوَظِيفَةِ الْإِمَامَةِ أَوْ الْأَذَانِ أَوْ الْخُطْبَةِ أَوْ التَّدْرِيسِ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ رِيعِ ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا إذَا قَامَ بِذَلِكَ الشَّرْطِ عَلَى مُقْتَضَى مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ، فَإِنْ اسْتَنَابَ غَيْرَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَنْهُ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الْأَعْذَارِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنْ رِيعِ ذَلِكَ الْوَقْفِ، أَمَّا النَّائِبُ فَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ اسْتِحْقَاقِهِ صِحَّةَ وِلَايَتِهِ وَمَشْرُوطَةٌ بِكَوْنِهَا مِنْ نَاظِرٍ، وَهَذَا الْمُسْتَنِيبُ لَيْسَ نَاظِرًا إنَّمَا هُوَ إمَامٌ أَوْ مُؤَذِّنٌ أَوْ خَطِيبٌ أَوْ مُدَرِّسٌ فَلَا تَصِحُّ الْوِلَايَةُ الصَّادِرَةُ مِنْهُ وَأَمَّا الْمُسْتَنِيبُ فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا أَيْضًا لِعَدَمِ قِيَامِهِ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ، فَإِنْ اسْتَنَابَ فِي أَيَّامِ الْأَعْذَارِ جَازَ لَهُ بِتَنَاوُلِ رِيعِ الْوَقْفِ، وَأَنْ يُطْلِقَ لِنَائِبِهِ مَا أَحَبَّ مِنْ ذَلِكَ الرِّيعِ.
اهـ. وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَالْبَيْغُورِيُّ
بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا
[منح الجليل]
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ أَجِيرَ الْحَجِّ لَا يَجُوزُ لَهُ صَرْفُ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ إلَّا فِي الْحَجِّ وَلَا يَقْضِي بِهَا دَيْنَهُ وَيَسْأَلُ النَّاسَ وَأَنَّ ذَلِكَ جِنَايَةٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ خِلَافُ غَرَضِ الْمُوصِي.
وَأَشَارَ إلَى هَذَا فِي مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلٍ وَجَنَى إنْ وَفَّى دِينَهُ وَمَشَى مَا نَصُّهُ، وَكَانَ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ وَمِثْلُ هَذَا الْمَسَاجِدُ وَنَحْوُهَا يَأْخُذُهَا الْوَجِيهُ بِوَجَاهَتِهِ، ثُمَّ يَدْفَعُ مِنْ مَرْتَبَاتِهَا شَيْئًا قَلِيلًا لِمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، فَأَرَى أَنَّ الَّذِي أَبْقَاهُ لِنَفْسِهِ حَرَامٌ لِأَنَّهُ اتَّخَذَ عِبَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى مَتْجَرًا وَلَمْ يُوَفِّ بِقَصْدِ صَاحِبِهَا إذْ مُرَادُهُ التَّوْسِعَةُ لِيَأْتِيَ الْأَجِيرُ بِذَلِكَ مَشْرُوحَ الصَّدْرِ، قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَمَّا إنْ اُضْطُرَّ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْإِجَارَةِ عَلَى ذَلِكَ فَإِنِّي أَعْذِرُهُ لِضَرُورَتِهِ.
اهـ. وَنَقَلَهُ فِي الْمِعْيَارِ عَنْ ابْنِ الْحَاجِّ فِي مَدْخَلِهِ وَهُوَ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ وَشَيْخُ الْمَنُوفِيِّ.
الْمِسْنَاوِيُّ مُقْتَضَى قَوْلِ الْمَنُوفِيِّ الَّذِي أَبْقَاهُ لِنَفْسِهِ حَرَامٌ اسْتِحْقَاقُ النَّائِبِ جَمِيعَ الْمَعْلُومِ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ بِالْحُرْمَةِ عَلَى مَا أَبْقَاهُ الْمُسْتَنِيبُ لِنَفْسِهِ لَا عَلَى مَا أَخَذَهُ النَّائِبُ، خِلَافُ قَوْلِ الْقَرَافِيِّ لَا يَسْتَحِقُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا، وَلَعَلَّ مَنْشَأَ الْخِلَافِ كَوْنُ التَّوْلِيَةِ شَرْطًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ غَيْرَ شَرْطٍ فِيهِ كَمَا فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ، وَكَوْنُهَا شَرْطًا فِيهِ هُوَ الَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ فِي أَجْوِبَةِ الْعَبْدُوسِيِّ فِي الْمِعْيَارِ، وَقَوْلُهُ وَأَمَّا إنْ اُضْطُرَّ إلَخْ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ مَعْذُورٌ فِيمَا حَرُمَ عَلَى الْأَوَّلِ إبْقَاؤُهُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْقَرَافِيِّ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَاخْتَارَ عج جَوَازَ مَا يُبْقِيهِ الْمُسْتَنِيبُ لِنَفْسِهِ وَإِنْ اسْتَنَابَ اخْتِيَارًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَأَخَذَهُ مِنْ جَوَابِ الْقَاضِي مَنْصُورٍ فِي نَوَازِلِ الْإِحْبَاسِ مِنْ الْمِعْيَارِ، وَنَحْوِ مَا لعج لِلنَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ وَاخْتَارَهُ الْمِسْنَاوِيُّ فِي تَأْلِيفِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ تَكُونُ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى مَجْرَى الْعَادَةِ وَمُوَافَقَةَ الْعُرْفِ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ فِيهَا إلَى حَدِّ الْإِفْرَاطِ وَالزِّيَادَةِ الْمُعْتَادِ فِي الْبَلَدِ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ كَوْنِهَا دَائِمًا أَوْ غَالِبًا أَوْ كَثِيرًا بِغَيْرِ سَبَبٍ يُعْذَرُ بِهِ عَادَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَنْعَقِدُ الْوَكَالَةُ (بِمَا) أَيْ شَيْءٍ (يَدُلُّ) عَلَيْهَا (عُرْفًا) وَلَا يُشْتَرَطُ لِانْعِقَادِهَا لَفْظٌ مَخْصُوصٌ قَالَهُ الْحَطّ فِي اللُّبَابِ مِنْ أَرْكَانِ الْوَكَالَةِ الصِّيغَةُ وَهِيَ لَفْظٌ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ يَدُلُّ عَلَى التَّوْكِيلِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ الْمُعْتَبَرُ الصِّيغَةُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا.
فِي التَّوْضِيحِ أَيْ الْمُعْتَبَرُ فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
صِحَّةِ الْوَكَالَةِ الصِّيغَةُ كَوَكَّلْتُكَ وَأَنْتَ وَكِيلِي، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، كَقَوْلِهِ تَصَرَّفْ عَنِّي فِي هَذَا أَوْ كَإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ وَنَحْوِهِ اهـ. (تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: الْحَطّ هَذَا مِنْ جَانِبِ الْمُوَكِّلِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مِنْ جَانِبِ الْوَكِيلِ مَا يَدُلُّ عَلَى قَبُولِهَا فَوْرًا.
فَفِي اللُّبَابِ إثْرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ وَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ التَّوْكِيلِ، فَإِنْ تَرَاخَى قَبُولُهُ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ فَيَتَخَرَّجُ فِيهِ قَوْلَانِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُخَيَّرَةِ وَالْمُمَلَّكَةِ، فَإِنْ أَجَابَ فِي الْمَجْلِسِ قُبِلَ اخْتِيَارُهَا.
اهـ. وَأَصْلُهُ لِلذَّخِيرَةِ وَزَادَ فِيهِ عَنْ الْجَوَاهِرِ عَنْ الْمَازِرِيِّ.
قَالَ وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْعَادَةِ هَلْ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ جَوَابُهُ عَلَى الْفَوْرِ أَمْ لَا.
ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ شَاسٍ لَا بُدَّ فِي الصِّيغَةِ مِنْ الْقَبُولِ، فَإِنْ وَقَعَ بِالْفَوْرِ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ تَأَخَّرَ فَفِي لَغْوِهِ قَوْلَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي لَغْوِ التَّخْيِيرِ بِانْقِضَاءِ الْمَجْلِسِ.
الْمَازِرِيُّ التَّحْقِيقُ الرُّجُوعُ لِاعْتِبَارِ الْمَقْصُودِ وَالْعَادَةِ هَلْ الْمُرَادُ مِنْ اللَّفْظِ اسْتِدْعَاءُ الْجَوَابِ عَاجِلًا أَوْ وَلَوْ كَانَ مُؤَخَّرًا.
اهـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ.
الثَّانِي: الْحَطّ مَا فَسَّرْنَا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ هُوَ الظَّاهِرُ وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ الْبِسَاطِيُّ، وَحَمَلَهُ الشَّارِحُ عَلَى كَوْنِ الْمُوَكَّلِ فِيهِ مَعْلُومًا بِالْعُرْفِ، وَهَذَا أَغْنَى عَنْهُ قَوْلُهُ بَعْدُ، بَلْ حَتَّى يُفَوِّضَ أَوْ يُعَيِّنَ بِنَصٍّ أَوْ قَرِينَةٍ وَتُخَصَّصُ وَتُقَيَّدُ بِالْعُرْفِ وَأَلْجَأَ الشَّارِحَ إلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ لَا بِمُجَرَّدِ وَكَّلْتُك فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِيمَا قَالَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذَا عَلَى مَعْنَاهُ مَعَ حَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ بِأَنْ يُقَالَ صِحَّةُ الْوَكَالَةِ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا عُرْفًا، وَلَيْسَ مُطْلَقُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا كَافِيًا فِيهَا، إذْ لَا يَصْدُقُ الْمُطْلَقُ مَعَ التَّفْوِيضِ وَالتَّعْيِينِ وَالْأَعَمُّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْأَخَصِّ.
اهـ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا مَا يَدُلُّ عَلَى الْوَكَالَةِ وَعَلَى الْمُوَكَّلِ فِيهِ لِأَنَّهُ يَصِحُّ لَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِالرُّكْنِ.
الثَّالِثُ: أَعْنِي الْمُوَكَّلَ فِيهِ كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ وَالذَّخِيرَةِ، وَيَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِالرُّكْنِ الرَّابِعِ الَّذِي هُوَ الصِّيغَةُ، وَالْمَعْنَى تَصِحُّ الْوَكَالَةُ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا عَلَى الْوَكَالَةِ وَعَلَى الشَّيْءِ الْمُوَكَّلِ فِيهِ، وَلِهَذَا أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ لَا بِمُجَرَّدِ وَكَّلْتُك فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثُ: الْبِسَاطِيُّ يَعْنِي لَيْسَ لِلْوَكَالَةِ صِيغَةٌ خَاصَّةٌ، بَلْ كُلُّ مَا يَدُلُّ لُغَةً أَوْ عُرْفًا فَإِنَّهَا
لَا بِمُجَرَّدِ وَكَّلْتُك، بَلْ حَتَّى يُفَوِّضَ
[منح الجليل]
تَنْعَقِدُ بِهِ، فَإِنْ خَالَفَ الْعُرْفُ اللُّغَةَ فَالْمُعْتَبَرُ الْعُرْفُ اهـ وَهُوَ رَاجِعٌ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْعُرْفُ.
الرَّابِعُ: مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْوَكَالَةِ عُرْفًا الْعَادَةُ، كَمَا إذَا كَانَ رِيعٌ بَيْنَ أَخٍ وَأُخْتٍ وَالْأَخُ يَتَوَلَّى كِرَاءَهُ وَقَبْضَهُ سِنِينَ مُتَطَاوِلَةً ثُمَّ تَنَازَعَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إنَّهُ دَفَعَ لِأُخْتِهِ حَظَّهَا.
ابْنُ نَاجِي عَنْ شَيْخِهِ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ بِالْعَادَةِ.
ابْنُ رُشْدٍ وَتَصَرُّفُ الزَّوْجِ فِي مَالِ زَوْجَتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَكَالَةِ حَتَّى يَثْبُتَ التَّعَدِّي.
الْخَامِسُ: أَرْكَانُ الْوَكَالَةِ أَرْبَعَةٌ الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ وَتَقَدَّمَ شَرْطُهُمَا عِنْدَ قَوْلِهِ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ إنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ، وَالثَّالِثُ الْمُوَكَّلُ فِيهِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ فِي قَابِلِ النِّيَابَةِ، وَالرَّابِعُ الصِّيغَةُ، وَأَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا وَعَدَّهَا جَمَاعَةٌ ثَلَاثَةً.
الْمَشَذَّالِيُّ أَرْكَانُ الْوَكَالَةِ الْعَاقِدَانِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَالصِّيغَةُ وَالْعَاقِدَانِ الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ، وَشَرْطُ الْمُوَكِّلِ جَوَازُ تَصَرُّفِهِ فِيمَا وَكَّلَ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ مِنْ الرَّشِيدِ مُطْلَقًا وَمِنْ الْمَحْجُورِ فِي الْخُصُومَةِ.
السَّادِسُ: تَقَدَّمَ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ أَنَّ وَكَالَةَ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ جَائِزَةٌ، وَفِي تَوْكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ طَرِيقَانِ.
وَفِي النَّوَادِرِ إذَا وَكَّلَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ لَزِمَتْهُ الْوَكَالَةُ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا.
(لَا) تَصِحُّ الْوَكَالَةُ (بِمُجَرَّدِ وَكَّلْتُك) الْخَالِي عَنْ التَّفْوِيضِ وَالتَّعْيِينِ (بَلْ حَتَّى يُفَوِّضَ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا، أَيْ الْمُوَكِّلُ لِلْوَكِيلِ فِي التَّوَكُّلِ عَنْهُ فِي جَمِيعِ حُقُوقِهِ الْقَابِلَةِ لِلنِّيَابَةِ أَوْ يُعَيِّنَ.
ابْنُ شَاسٍ لَوْ قَالَ وَكَّلْتُك أَوْ أَنْتَ وَكِيلِي لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُقَيِّدَ بِالتَّفْوِيضِ أَوْ بِالتَّصَرُّفِ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ وَابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَقَالَ وَهُوَ قَوْلُهُمْ فِي الْوَكَالَةِ إنْ قَصُرَتْ طَالَتْ، وَإِنْ طَالَتْ قَصُرَتْ.
أَبُو الْحَسَنِ فَرَّقَ ابْنُ رُشْدٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْعَادَةُ قَالَ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي عِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ الْوَصِيَّةِ
فَيَمْضِي النَّظَرُ، إلَّا أَنْ يَقُولَ وَغَيْرَ النَّظَرِ
[منح الجليل]
التَّصَرُّفَ فِي كُلِّ الْأَشْيَاءِ وَلَا تَقْتَضِيهِ عِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ الْوَكَالَةِ، وَيَرْجِعُ إلَى اللَّفْظِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ.
الثَّانِي أَنَّ الْمُوَكِّلَ مُتَهَيِّئٌ لِلتَّصَرُّفِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُبْقِيَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا فَيَفْتَقِرُ إلَى تَقْرِيرِ مَا أَبْقَى وَالْمُوصِي لَا تَصَرُّفَ لَهُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى تَقْرِيرٍ.
وَإِذَا فَوَّضَ الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ وَتَصَرَّفَ الْوَكِيلُ (فَيَمْضِي النَّظَرُ) أَيْ السَّدَادُ وَالْمَصْلَحَةُ مِنْ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ وَيَحُوزُ ابْتِدَاءً وَيُرَدُّ غَيْرُهُ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَقُولَ) الْمُوَكِّلُ فَوَّضْت لَك النَّظَرَ (وَغَيْرَ النَّظَرِ) فَيَمْضِي غَيْرُ النَّظَرِ أَيْضًا.
" ق " ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ إنْ قَالَ وَكَّلْتُك بِمَا إلَيَّ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ شَمِلَتْ يَدُ الْوَكِيلِ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ، وَمَضَى فِعْلُهُ فِيهَا إذَا كَانَ نَظَرًا وَمَا لَيْسَ بِنَظَرٍ فَهُوَ مَعْزُولٌ عَنْهُ عَادَةً إلَّا أَنْ يَقُولَ افْعَلْ مَا شِئْت وَلَوْ كَانَ غَيْرَ نَظَرٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ تَبِعَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ، وَمُقْتَضَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ مَنْعُ التَّوْكِيلِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ النَّظَرِ لِأَنَّهُ فَسَادٌ، وَقَيَّدُوا بَيْعَ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ بِخُلُوِّهِ عَنْ الْفَسَادِ، وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ مَنْعَ تَوْكِيلِ السَّفِيهِ اهـ.
خَلِيلٌ فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يَأْذَنُ الشَّرْعُ فِي السَّفَهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ الْوَكِيلُ إذْ لَا يَحِلُّ لَهُمَا ذَلِكَ.
اهـ. وَفَهِمَ ابْنُ فَرْحُونٍ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَنْ تَبِعَهُ بِخِلَافِ مَا فَهِمَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ فَقَالَ إثْرَهُ هَذَا مِثَالٌ لِوَكَالَةِ التَّفْوِيضِ وَلَفْظِ مَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَمَعْنَاهُ فَلَوْ قَالَ لَهُ وَكَّلْتُك بِمَا إلَيَّ تَعَاطِيهِ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَقَلِيلِ الْأَشْيَاءِ وَكَثِيرِهَا جَازَ فِعْلُ الْوَكِيلِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِشَرْطِ كَوْنِهِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، وَعَكْسُهُ هُوَ مَعْزُولٌ عَنْهُ بِالْعَادَةِ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ افْعَلْ مَا رَأَيْتَ كَانَ نَظَرًا عِنْدَ أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْمَعْرِفَةِ، أَوْ غَيْرَ نَظَرٍ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ افْعَلْ مَا شِئْت وَإِنْ كَانَ سَفَهًا كَمَا فَهِمَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ اهـ.
الْحَطّ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى مَنْعِ تَوْكِيلِ السَّفِيهِ وَهُوَ أَحَدُ طَرِيقَتَيْنِ، وَأَمَّا عَلَى جَوَازِ تَوْكِيلِهِ فَيَرْجِعُ فِيهِ إلَى كَلَامِ التَّوْضِيحِ، وَالْحَقُّ أَنَّ النَّظَرَ هُنَا فِي مَقَامَيْنِ، أَحَدُهُمَا: جَوَازُ التَّوْكِيلِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
وَالثَّانِي: مُضِيُّ أَفْعَالِ الْوَكِيلِ وَعَدَمِ تَضْمِينِهِ، فَأَمَّا جَوَازُ التَّوْكِيلِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْإِذْنُ فِيمَا هُوَ السَّفَهُ عِنْدَ الْوَكِيلِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
يَنْبَغِي التَّوْقِيتُ فِيهِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْإِذْنُ فِيمَا يَرَاهُ الْوَكِيلُ صَوَابًا، وَإِنْ كَانَ سَفَهًا عِنْدَ النَّاسِ فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ مَعْلُومَ السَّفَهِ فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ جَازَ.
وَأَمَّا مُضِيُّ أَفْعَالِ الْوَكِيلِ وَعَدَمُ تَضْمِينِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَفْعَالَهُ مَاضِيَةٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ لِإِذْنِ مُوَكِّلِهِ لَهُ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الْجِرَاحِ فِيمَنْ أَذِنَ لِإِنْسَانٍ فِي قَطْعِ يَدِهِ فَقَطَعَهَا لَا قَوَدَ عَلَيْهِ لِإِذْنِهِ لَهُ فِيهِ فَالْمَالُ أَحْرَى، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ، بَلْ هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِمْ مَضَى، أَيْ وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً.
نَعَمْ بَقِيَ وَجْهٌ لِحَمْلِ كَلَامِهِمْ عَلَى الْجَوَازِ ابْتِدَاءً، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَا صَنَعَهُ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ مِنْ شَرِيكٍ أَوْ وَكِيلٍ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ فَلَا يَلْزَمُ، وَلَكِنْ يَلْزَمُ الشَّرِيكَ فِي حِصَّتِهِ، وَيُرَدُّ صَنِيعُ الْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَهْلِكَ مَا صَنَعَهُ الْوَكِيلُ فَيَضْمَنُهُ الْوَكِيلُ، فَإِذَا كَانَ الْوَكِيلُ مَمْنُوعًا مِنْ التَّبَرُّعَاتِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ بِمُضِيِّ النَّظَرِ أَيْ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ تَعُودُ بِتَنْمِيَةِ الْمَالِ لَا لِتَبَرُّعَاتٍ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ إلَّا أَنْ يَقُولَ وَكَّلْتُك وَكَالَةً مُفَوَّضَةً وَأَذِنْت لَك أَنْ تَفْعَلَ جَمِيعَ مَا تَرَاهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ نَظَرٍ أَيْ لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ تَعُودُ بِتَنْمِيَةِ الْمَالِ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَتَمْضِي التَّبَرُّعَاتُ، وَلَا يُقَالُ فِيهَا إنَّهَا سَفَهٌ وَفَسَادٌ إلَّا مَا تَفَاحَشَ مِنْهَا وَخَرَجَ عَنْ الْحَدِّ، وَلَمْ يَكُنْ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ الْيَقِينِ وَالتَّوَكُّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
1 -
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ الْوَكِيلَ الْمُفَوَّضَ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّبَرُّعِ فَأَحْرَى غَيْرُهُ.
وَفِي الْكَافِي مَا نَصُّهُ وَأَمَّا الْوَكِيلُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يُقِيلَ وَيُؤَجِّرَ وَأَنْ يَهْضِمَ الشَّيْءَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، وَيَنْفُذُ فِعْلُهُ فِي الْمَعْرُوفِ وَالصَّدَقَةِ إذَا كَانَ لَهُ وَجْهٌ، وَفِعْلُهُ كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّظَرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ، فَإِذَا بَانَ تَعَدِّيهِ أَوْ فَسَادُهُ ضَمِنَ وَمَا خَالَفَ فِيهِ الْوَكِيلُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُ مَا أُمِرَ بِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَلِمُوَكِّلِهِ تَضْمِينُهُ إنْ شَاءَ اهـ. الْحَطّ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ وَيَنْفُذُ فِعْلُهُ فِي الْمَعْرُوفِ وَالصَّدَقَةِ إذَا كَانَ لَهُ وَجْهٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إذَا كَانَ لَهُ
إلَّا الطَّلَاقَ، وَإِنْكَاحَ بِكْرِهِ، وَبَيْعَ دَارِ سُكْنَاهُ وَعَبْدِهِ،
[منح الجليل]
وَجْهٌ يَعُودُ بِتَنْمِيَةِ الْمَالِ، كَمَا قَالُوا فِي الشَّرِيكِ إنَّهُ يَمْضِي إذَا قَصَدَ بِهِ الِاسْتِئْلَافَ لِلتِّجَارَةِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
1 -
الثَّانِي: إذَا ابْتَدَأَ الْوَكَالَةَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ قَالَ إنَّهُ وَكَّلَهُ وَكَالَةً مُفَوَّضَةً وَأَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ وَأَنْزَلَهُ مَنْزِلَتَهُ وَجَعَلَ لَهُ النَّظَرَ بِمَا يَرَاهُ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ التَّفْوِيضُ إلَى مَا سَمَّاهُ وَلَا يَتَعَدَّاهُ.
لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا سَمَّاهُ وَعَادَ إلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنَّمَا قَالَ وَكَّلْتُهُ وَكَالَةً مُفَوَّضَةً فَهَذَا التَّوْكِيلُ تَامٌّ فِي جَمِيعِ أُمُورِ الْوَكَالَةِ فَيَجُوزُ فِعْلُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَصُلْحٍ وَغَيْرِهَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، قَالَ وَإِنْ قَالَ وَكَالَةً مُفَوَّضَةً جَامِعَةً لِجَمِيعِ وُجُوهِ التَّوْكِيلِ وَمَعَانِيهِ كَانَ أَبْيَنَ فِي التَّفْوِيضِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ زَادَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَهَذَا قَوْلُهُمْ فِي الْوَكَالَةِ إذَا طَالَتْ قَصُرَتْ، وَإِذَا قَصُرَتْ طَالَتْ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالْبَرْزَلِيِّ عَنْ ابْنِ الْحَاجِّ عَنْ ابْنِ عَاتٍ.
الثَّالِثُ: الْمُتَيْطِيُّ اخْتِصَارُ لَفْظِ التَّوْكِيلِ الشَّامِلِ الْعَامِّ أَنْ يَقُولَ وَكَّلَ فُلَانٌ فُلَانًا تَوْكِيلًا مُفَوَّضًا جَامِعًا لِمَعَانِي التَّوْكِيلِ كُلِّهِ لَا يَشِذُّ عَنْهُ فَصْلٌ مِنْ فُصُولِهِ، وَلَا فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِهِ دَائِمًا مُسْتَمِرًّا، وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَنْهُ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ مِنْ فُصُولِهِ فَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ تَوْكِيلَ غَيْرِهِ عَنْهُ فَفِي دُخُولِهِ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمُتَقَدِّمِينَ بَعْضُهُمْ لَمْ أَحْفَظْ فِيهِ قَوْلًا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ التَّوْكِيلَ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَنْزَلَهُ مَنْزِلَتَهُ وَجَعَلَهُ بِمَثَابَتِهِ.
1 -
الرَّابِعُ: ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ حَيْثُ كَانَ لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ، فَإِنَّمَا يُوَكِّلُ أَمِينًا وَظَاهِرُ مَا فِي التَّوْكِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مُسَاوَاتُهُ لَهُ فِي الْأَمَانَةِ، وَظَاهِرُ إجَارَتِهَا اشْتِرَاطُ مُسَاوَاتِهِ لَهُ فِيهَا
وَلِلْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ التَّصَرُّفُ فِي كُلِّ شَيْءٍ لِمُوَكِّلِهِ.
(إلَّا الطَّلَاقَ) لِزَوْجَةِ مُوَكِّلِهِ (وَإِنْكَاحَ) أَيْ تَزْوِيجَ (بِكْرِهِ) أَيْ مُوَكِّلِهِ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (وَبَيْعَ دَارِ سُكْنَاهُ) أَيْ مُوَكِّلِهِ (وَ) بَيْعَ (عَبْدِ) خَدَمْتِ (هـ) أَيْ مُوَكِّلِهِ فَلَا يَدْخُلُ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فِي وَكَالَةِ التَّفْوِيضِ الْعَامَّةِ الْجَامِعَةِ.
ابْنُ فَرْحُونٍ بَعْضُهُمْ يَسْتَثْنِي مِنْ الْوَكَالَةِ الْمُفَوَّضَةِ بَيْعَ دَارِ السُّكْنَى وَطَلَاقَ الزَّوْجَةِ وَبَيْعَ الْعَبْدِ الْقَائِمِ بِأُمُورِ
أَوْ يُعَيِّنَ بِنَصٍّ أَوْ قَرِينَةٍ، وَتَخَصَّصَ، وَتَقَيَّدَ بِالْعُرْفِ
فَلَا يَعْدُهُ إلَّا عَلَى بَيْعٍ فَلَهُ طَلَبُ الثَّمَنِ وَقَبْضُهُ،
[منح الجليل]
الْمُوَكِّلِ وَزَوَاجَ الْبِكْرِ، لِأَنَّ الْعُرْفَ قَاضٍ بِأَنَّهَا لَا تَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِ الْوَكَالَةِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهَا الْوَكِيلُ بِإِذْنٍ خَاصٍّ.
وَفِي اللُّبَابِ إنْ فَوَّضَ إلَيْهِ جَمِيعَ أُمُورِهِ.
وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ فَظَاهِرُ مَا فِي الْجَوَاهِرِ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ، وَاَلَّذِي حَكَاهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ مَعْزُولٌ عُرْفًا عَنْ طَلَاقِ الزَّوْجَةِ وَبَيْعِ دَارِ السُّكْنَى وَتَزْوِيجِ الْبِنْتِ وَعِتْقِ الْعَبْدِ.
وَعَطَفَ عَلَى يُفَوِّضَ (أَوْ يُعَيِّنَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ مُشَدَّدَةً الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ مَا وَكَّلَهُ عَلَيْهِ (بِنَصٍّ) كَوَكَّلْتُكَ عَلَى كَذَا (أَوْ) بِ (قَرِينَةٍ) دَالَّةٍ عَلَى تَوْكِيلِهِ عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ.
ابْنُ الْحَاجِبِ شَرْطُ الْمُوَكَّلِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِالنَّصِّ أَوْ الْقَرِينَةِ أَوْ الْعَادَةِ، فَلَوْ قَالَ وَكَّلْتُك فَلَا يُقَيَّدُ حَتَّى يُقَيِّدَ بِالتَّفْوِيضِ أَوْ بِأَمْرٍ (وَتَخَصَّصَ) بِفَتَحَاتِ مُثَقَّلًا لَفْظُ الْوَكَالَةِ الْعَامِّ كَاشْتَرِ لِي أَيْ الْأَثْوَابَ، فَيُخَصِّصُهُ الْعُرْفُ بِمَا يَلِيقُ بِحَالِ مُوَكِّلِهِ، وَكَبَيْعِ هَذِهِ السِّلْعَةِ فِي أَيِّ سُوقٍ وَلَهَا سُوقٌ خَاصٌّ فَيُخَصِّصُهُ الْعُرْفُ بِهِ (وَتَقَيَّدَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا لَفْظُ الْمُوَكِّلِ الْمُطْلَقِ، وَتَنَازَعَ تَخَصَّصَ وَتَقَيَّدَ فِي قَوْلِهِ (بِالْعُرْفِ) كَاشْتَرِ لِي ثَوْبًا وَبِعْ هَذِهِ السِّلْعَةَ فِي سُوقٍ فَيُقَيِّدُهُ الْعُرْفُ بِلَائِقِ الثِّيَابِ وَمُعْتَادِ الْأَسْوَاقِ لِبَيْعِهَا وَالْعَامُّ لَفْظٌ يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ بِلَا حَصْرِ وَتَخْصِيصُهُ قَصْرُهُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ وَالْمُطْلَقُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ، وَتَقْيِيدُهُ تَعْيِينُ بَعْضِ أَفْرَادِهِ.
وَإِذَا خُصِّصَ لَفْظُ الْمُوَكِّلِ أَوْ قُيِّدَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ (فَلَا يَعْدُهُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ أَيْ لَا يُجَاوِزُ الْوَكِيلُ ذَلِكَ الشَّيْءَ الْمُعَيَّنَ بِالتَّصَرُّفِ إلَى غَيْرِهِ (إلَّا) إذَا وَكَّلَهُ (عَلَى بَيْعِ) شَيْءٍ مُعَيِّنٍ (فَلَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (طَلَبُ الثَّمَنِ) مِمَّنْ اشْتَرَى مِنْهُ الشَّيْءَ الَّذِي وُكِّلَ عَلَى بَيْعِهِ (وَ) لَهُ (قَبْضُهُ) أَيْ الثَّمَنِ مِنْهُ، وَيَبْرَأُ الْمُشْتَرِي بِدَفْعِهِ لَهُ وَإِذَا تَلِفَ مِنْ الْوَكِيلِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ فَلَا يَضْمَنُهُ.
ابْنُ الْحَاجِبِ وَيَمْلِكُ الْوَكِيلُ الْمُطَالَبَةَ بِالثَّمَنِ وَقَبْضَهُ.
خَلِيلٌ يَعْنِي أَنَّ التَّوْكِيلَ عَلَى الْمَبِيعِ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الْوَكِيلِ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ وَقَبْضُهُ فَلَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ وَلَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ وَتَعَذَّرَ قَبْضُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي ضَمِنَهُ.
أَوْ اشْتِرَاءٍ فَلَهُ قَبْضُ الْمَبِيعِ وَرَدُّ الْمَعِيبِ، إنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ مُوَكِّلُهُ
[منح الجليل]
(تَنْبِيهَانِ)
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ لَهُ طَلَبُ الثَّمَنِ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ عَدَمَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ لَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ ضَمِنَهُ.
الثَّانِي: قَيَّدَ فِي التَّوْضِيحِ لُزُومَهُ قَبْضَ الثَّمَنِ بِمَا إذَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِعَدَمِ قَبْضِهِ.
أَبُو عِمْرَانَ لَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ فِي الرِّبَاعِ أَنَّ وَكِيلَ الْبِيَعِ لَا يَقْبِضُ ثَمَنَهَا فَلَا يَبْرَأُ الْمُشْتَرِي بِدَفْعِهِ إلَيْهِ.
وَفِي الشَّامِلِ وَلَهُ قَبْضُ ثَمَنِ مَا وُكِّلَ فِي بَيْعِهِ إلَّا الْعَادَةَ.
ابْنُ فَرْحُونٍ الْوَكِيلُ عَلَى بَيْعِ الدَّارِ وَالْعَقَارِ إنْ أَرَادَ قَبْضَ ثَمَنِهِ مِنْ مُشْتَرِيهِ مِنْهُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَكِيلٌ عَلَى بَيْعِهِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُ، لِأَنَّ الْعُرْفَ وَالْعَادَةَ أَنَّ وَكِيلَ بَيْعِ الدَّارِ وَالْعَقَارِ لَا يَقْبِضُ ثَمَنَهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِتَوْكِيلٍ خَاصٍّ عَلَى قَبْضِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَهْلُ بَلَدٍ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِأَنَّ مُتَوَلِّي بَيْعِهَا يَتَوَلَّى قَبْضَ ثَمَنِهَا فَيُجْزِئُهُ إقَامَةُ بَيِّنَةٍ عَلَى الْوَكَالَةِ عَلَى الْبَيْعِ، وَهَذَا بِخِلَافِ وَكِيلِ بَيْعِ السِّلْعِ فَلَهُ قَبْضُ ثَمَنِهَا، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ فَلَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ لَا غِنَى عَنْ قَوْلِهِ فَلَهُ طَلَبُ الثَّمَنِ.
(أَوْ) إلَّا إذَا وُكِّلَ عَلَى (اشْتِرَاءٍ فَلَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (قَبْضُ الْمَبِيعِ) مِنْ بَائِعِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَمْلِكُ قَبْضَ الْمَبِيعِ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ، وَفِي قَبُولِهِ مُطْلَقًا نَظَرٌ، وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ التَّفْصِيلُ فَحَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الثَّمَنِ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْضُ الْمَبِيعِ، وَحَيْثُ لَا يَجِبُ لَا يَجِبُ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي فَرَّقُوا بِهَا بَيْنَ وُجُوبِ قَبْضِ الْوَكِيلِ مِنْ مَا بَاعَهُ وَعَدَمِ صِحَّةِ قَبْضِ وَلِيِّ الثَّيِّبِ نَقْدَ وَلِيَّتِهِ دُونَ تَوْكِيلٍ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ فِي الْبَيْعِ هُوَ مُسَلِّمٌ الْمَبِيعَ لِمُبْتَاعِهِ، وَلَيْسَ الْوَلِيُّ كَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ اهـ. الْحَطّ مَا قَالَهُ ظَاهِرٌ، وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ فِيهِ دَفْعُ الثَّمَنِ.
(وَ) لِلْوَكِيلِ عَلَى الشِّرَاءِ (رَدُّ الْمَعِيبِ) بِعَيْبٍ قَدِيمٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ حَالَ شِرَائِهِ عَلَى بَائِعِهِ بِدُونِ إذْنِ مُوَكِّلِهِ (إنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ) أَيْ الْمَعِيبَ (مُوَكِّلُهُ) حِينَ تَوْكِيلِهِ عَلَى شِرَائِهِ فَإِنْ عَيَّنَهُ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ إلَّا بِإِذْنِ مُوَكِّلِهِ اتِّفَاقًا لِاحْتِمَالِ عِلْمِ الْمُوَكِّلِ بِالْعَيْبِ وَاغْتِفَارِهِ لِغَرَضِهِ فِي الْمَبِيعِ.
وَاخْتُلِفَ إذَا لَمْ يُعَيِّنْهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَهُ رَدُّهُ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لِمُخَالَفَةِ الصِّفَةِ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَيْسَ لَهُ
وَطُولِبَ بِثَمَنٍ وَمُثْمَنٍ، مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْبَرَاءَةِ كَبَعَثَنِي فُلَانٌ لِتَبِيعَهُ، لَا لِأَشْتَرِيَ مِنْك، وَبِالْعُهْدَةِ، مَا لَمْ يَعْلَمْ
[منح الجليل]
رَدُّهُ وَإِنْ رَدَّهُ فَلِلْمُوَكِّلِ قَبُولُهُ وَتَضْمِينُ الْوَكِيلِ قِيمَتَهُ إنْ فَاتَ أَبُو عِمْرَانَ وَإِذَا لَزِمَهُ الضَّمَانُ بِعَدَمِ الرَّدِّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِهِ عِنْدَ أَشْهَبَ فَالْمَخْلَصُ مِنْهُ رَفْعُهُ لِلْحَاكِمِ فَيَحْكُمُ لَهُ بِأَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ فَيَسْقُطُ الضَّمَانُ بِالْمَذْهَبِ الْآخَرِ.
(وَطُولِبَ) وَكِيلُ الشِّرَاءِ أَوْ الْبَيْعِ (بِثَمَنٍ وَمُثْمَنٍ) وَلَوْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ وَكِيلٌ (مَا لَمْ يُصَرِّحْ) الْوَكِيلُ حِينَ الشِّرَاءِ أَوْ الْبَيْعِ (بِالْبَرَاءَةِ) مِنْ دَفْعِهِ الثَّمَنَ أَوْ الْمُثْمَنَ، فَإِنْ صَرَّحَ بِهَا فَلَا يُطَالِبُ حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا الْمَطَالِبُ بِهِ مُوَكِّلُهُ.
ابْنُ الْحَاجِبِ وَيُطَالِبُ بِالثَّمَنِ وَالْمَثْمُونِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْبَرَاءَةِ وَالْعُهْدَةِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْوَكَالَةِ فِي النِّدَاءِ فِي التَّدْلِيسِ بِالْعُيُوبِ مِنْهَا.
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " مَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً لِرَجُلٍ وَأَعْلَمَ بَائِعَهَا أَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِيهَا لِفُلَانٍ فَالثَّمَنُ عَلَى الْوَكِيلِ نَقْدًا كَانَ أَوْ مُؤَجَّلًا، حَتَّى يَقُولَ لَهُ فِي الْعَقْدِ إنَّمَا يَنْقُدُك فُلَانٌ دُونِي فَالثَّمَنُ عَلَى الْآمِرِ حِينَئِذٍ.
وَشَبَّهَ فِي مُطَالَبَةِ الْمُوَكِّلِ بِالثَّمَنِ فَقَالَ (كَ) قَوْلِ الْوَكِيلِ لِلْبَائِعِ (بَعَثَنِي فُلَانٌ) إلَيْك (لِتَبِيعَهُ) أَيْ فُلَانًا سِلْعَةَ كَذَا بِثَمَنِ كَذَا، فَإِنْ بَاعَهُ فَالثَّمَنُ يُطْلَبُ مِنْ فُلَانٍ لَا مِنْ الرَّسُولِ إنْ أَقَرَّ فُلَانٌ بِإِرْسَالِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَهُ فَيَطْلُبُ مِنْ الرَّسُولِ.
" ق " ابْنُ يُونُسَ مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ إنْ قَالَ فُلَانٌ بَعَثَنِي إلَيْك لِتَبِيعَهُ فَهَذَا كَالشَّرْطِ الْمُؤَكَّدِ فَلَا يَتْبَعُ إلَّا فُلَانًا، فَإِنْ أَنْكَرَ فُلَانٌ غَرِمَ الرَّسُولُ رَأْسَ الْمَالِ (لَا) يُطَالَبُ بِالثَّمَنِ فُلَانٌ إنْ قَالَ الرَّسُولُ بَعَثَنِي إلَيْك (لِأَشْتَرِيَ مِنْك) سِلْعَةَ كَذَا.
ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ قَالَ إنِّي أَبْتَاعُهُ لِفُلَانٍ وَلَمْ يَقُلْ وَهُوَ يَنْقُدُك دُونِي فَلْيَتْبَعْ الْمَأْمُورَ إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْآمِرُ فَلْيَتْبَعْ أَيَّهُمَا شَاءَ.
ابْنُ عَرَفَةَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْآمِرُ أَنَّهُ دَفَعَ الثَّمَنَ لِلْمَأْمُورِ فَيَحْلِفُ وَيَبْرَأُ وَيَتْبَعُ الْمَأْمُورَ.
(وَ) طُولِبَ الْوَكِيلُ عَلَى الْبَيْعِ (بِالْعُهْدَةِ) أَيْ ضَمَانِ الْمَبِيعِ مِنْ عَيْبٍ وَاسْتِحْقَاقٍ (مَا يَعْلَمُ) الْمُشْتَرِي مِنْهُ بِأَنَّهُ وَكِيلٌ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ وَكِيلٌ فَالْمَطَالِبُ بِالْعُهْدَةِ الْمُوَكِّلُ لَا الْوَكِيلُ إنْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا مُفَوَّضًا، فَإِنْ كَانَ مُفَوَّضًا طُولِبَ بِهَا وَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ بِأَنَّهُ وَكِيلٌ
وَتَعَيَّنَ فِي الْمُطْلَقِ، نَقْدُ الْبَلَدِ
وَلَائِقٌ بِهِ،
[منح الجليل]
سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّهُ مُفَوَّضٌ أَمْ لَا.
" ق " فِيهَا مَنْ بَاعَ سِلْعَةً لِرَجُلٍ بِأَمْرِهِ، فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي فِي الْعَقْدِ إنَّهَا لِفُلَانٍ فَالْعُهْدَةُ عَلَى رَبِّهَا إنْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ فَعَلَى رَبِّهَا تُرَدُّ وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ لَا عَلَى الْوَكِيلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا لِفُلَانٍ حَلَفَ الْوَكِيلُ وَإِلَّا رُدَّتْ السِّلْعَةُ عَلَيْهِ وَمَا بَاعَ الطَّوَّافُونَ وَالنَّخَّاسُونَ وَمَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَبِيعُ لِلنَّاسِ فَلَا عُهْدَةَ عَلَيْهِمْ وَلَا اسْتِحْقَاقَ وَالتِّبَاعَةُ عَلَى رَبِّهَا إنْ وُجِدَ وَإِلَّا اُتُّبِعَ.
ابْنُ يُونُسَ إنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ شِرَاءِ الْوَكِيلِ وَبَيْعِهِ إنْ قَالَ الْمَبِيعُ لِفُلَانٍ فَالْعُهْدَةُ عَلَى فُلَانٍ، وَإِنْ قَالَ أَشْتَرِي لِفُلَانٍ فَالثَّمَنُ عَلَى الْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَقُولَ فُلَانٌ يَنْقُدُ دُونِي، لِأَنَّ الْعُهْدَةَ أَمْرُهَا خَفِيفٌ، وَقَدْ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا أَبَدًا وَالثَّمَنُ فِي شِرَائِهِ لَا بُدَّ مِنْهُ وَالْوَكِيلُ قَدْ وَلِيَ مُعَامَلَتَهُ وَقَبَضَ سِلْعَتَهُ فَعَلَيْهِ أَدَاءُ ثَمَنِهَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّهُ عَلَى فُلَانٍ.
(وَتَعَيَّنَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا (فِي) التَّوْكِيلِ عَلَى الْبَيْعِ (الْمُطْلَقِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ عَنْ التَّقْيِيدِ بِنَقْدٍ مَخْصُوصٍ، وَفَاعِلُ تَعَيَّنَ (نَقْدُ الْبَلَدِ) الَّذِي يَبِيعُ الْوَكِيلُ فِيهِ، " ق " فِي الْكَافِي مَنْ وُكِّلَ بِبَيْعِ سِلْعَةٍ فَبَاعَهَا بِغَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَلَا يَلْزَمُ الْآمِرَ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " أَنْ يُبَاعَ الْعَرْضُ، فَإِنْ كَانَ فِي ثَمَنِهِ فَضْلٌ عَنْ قِيمَةِ الْمَبِيعِ فَهُوَ لِلْآمِرِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ ضَمِنَهُ الْوَكِيلُ.
تت سَكَتَ عَنْ حُكْمِ مُخَالَفَةِ الْوَكِيلِ وَبَيْعِهِ بِعَرْضٍ أَوْ بِنَقْدِ غَيْرِ الْبَلَدِ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ إنْ فَاتَ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْآمِرُ فِعْلَهُ وَيَأْخُذَ مَا بَاعَ بِهِ، كَذَا فِي سَلَمِهَا الثَّانِي، وَفِي وَكَالَتِهَا إنْ بَاعَ بِعَرْضٍ وَلَمْ يَفُتْ فَلَيْسَ لَهُ تَضْمِينُهُ، وَيُخَيَّرُ فِي إجَازَةِ بَيْعِهِ وَأَخْذِ مَا بِيعَتْ بِهِ أَوْ نَقْضِهِ وَأَخْذِ سِلْعَتِهِ، وَإِنْ فَاتَ خُيِّرَ فِيمَا بِيعَتْ بِهِ مِنْ عَرْضٍ أَوْ تَضْمِينِ الْوَكِيلِ قِيمَتَهَا وَيُسَلَّمُ الْعَرْضُ لِلْوَكِيلِ.
عِيَاضٌ وَهُوَ وِفَاقٌ وَإِنْ اخْتَلَفَ نَقْدُ الْبَلَدِ فَيَنْبَغِي اعْتِبَارُ غَالِبِهِ.
(وَ) تَعَيَّنَ فِي التَّوْكِيلِ عَلَى الشِّرَاءِ الْمُطْلَقِ شَيْءٌ (لَائِقٌ) أَيْ مُنَاسِبٌ (بِهِ) أَيْ الْمُوَكِّلِ.
" ق " فِي سَلَمِهَا الثَّانِي مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " مَنْ أَمَرَ رَجُلًا يَشْتَرِي لَهُ جَارِيَةً أَوْ ثَوْبًا وَلَمْ يَصِفْ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ اشْتَرَى لَهُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْ ثِيَابِ الْآمِرِ وَخَدَمِهِ جَازَ وَلَزِمَ