منح الجليل شرح مختصر خليلصفحات 109-148
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَإِنْ عَجَزَ عُوِّضَ الْأَدْنَى، ثُمَّ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُصْرَفُ فِيهَا إنْ احْتَاجَتْ، وَإِلَّا

[منح الجليل]

وَنَصُّهُ عَقِبَ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ كَلَامٌ مُعَقَّدٌ كَرَّرَ فِيهِ هَلْ مَرَّتَيْنِ قَابَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَوْ الْعَاطِفَةِ، وَلَا النَّافِيَةِ عَلَى طَرِيقِ التَّلْفِيفِ، كَأَنَّهُ قَالَ وَهَلْ اخْتَلَفَ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ لَهُ فِي أَيِّ شَيْءٍ يَخْتَلِفُ؟ فَقَالَ هَلْ يُقَوِّمُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَقِيلَ لَهُ: إذَا قُلْنَا بِتَرْكِ التَّقْوِيمِ فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ؟ فَقَالَ: نَدْبًا ثُمَّ كَمَّلَ التَّأْوِيلَ الثَّالِثَ فَقَالَ: أَوْ التَّقْوِيمُ إنْ كَانَ بِيَمِينٍ.
هَذَا مَا انْقَدَحَ لِي فِي تَمْشِيَتِهِ.
وَلَعَلَّك يَنْقَدِحُ لَك أَعْلَى مِنْهُ عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ أَوْ مُعَادِلَةً لِهَلْ فِيهِ مَا فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ، إلَّا أَنَّهُ شَائِعٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَهَذَا الْمُخْتَصَرُ مَشْحُونٌ بِهِ، وَبَعْدَ فَهْمِك اللَّفْظَ لَا يَخْفَاك تَنْزِيلُ كَلَامِ الشُّيُوخِ عَلَيْهِ.
وَجَعَلَ ابْنُ عَاشِرٍ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَرْبَعَ تَأْوِيلَاتٍ، فَحَمْلُ أَوَّلًا الثَّانِيَةِ إشَارَةٌ إلَى التَّأْوِيلِ بِأَنَّ مَا فِي السَّمَاعِ، وَالْمَوْضِعِ الْآخَرِ تَفْسِيرٌ قَالَ، وَلَوْ أَرَادَ الْجَرْيَ عَلَى مُصْطَلَحِهِ لَقَالَ وَفِيهَا أَيْضًا التَّقْوِيمُ وَهَلْ خِلَافُ أَوْ لِجَوَازِهِمَا.
أَوْ نُدِبَ الْبَيْعُ أَوْ التَّقْوِيمُ إنْ كَانَ بِيَمِينٍ.
(فَإِنْ عَجَزَ) أَيْ لَمْ يَبْلُغْ الثَّمَنَ الْمَبْعُوثَ لِمَحَلِّ الْجِهَادِ وَالْهَدْيُ ثَمَنَ مِثْلِهِ (عُوِّضَ) بِضَمٍّ فَكَسْر مُثَقَّلًا الْمَبِيعُ بِ (الْأَدْنَى) مِنْهُ كَبَقَرَةٍ بَدَلَ بَدَنَةٍ أَوْ شَاةٍ بَدَلَ أَحَدِهِمَا إنْ أَمْكَنَ (ثُمَّ) إنْ عَجَزَ عَنْ الْأَدْنَى دَفَعَ ثَمَنَ آلَةِ الْجِهَادِ لِمَنْ يَغْزُو بِهِ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَلَا يُشَارِكُ بِهِ فِي جُزْءٍ وَدَفَعَ ثَمَنَ الْهَدْيِ الَّذِي لَا يَصِلُ أَوْ مَا لَا يُهْدَى (لِخَزَنَةٍ بِ) فَتْحِ الزَّايِ جَمْعِ خَازِنٍ أَيْ خَادِمٍ وَهُمْ أُمَنَاءُ (الْكَعْبَةِ) وَأَصْحَابُ حِلِّهَا وَعَقْدِهَا، وَيُقَالُ لَهُمْ حَجَبَةٌ وَسَدَنَةٌ وَهُمْ بَنُو شَيْبَةَ (يُصْرَفُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ (فِيهَا) أَيْ مَصَالِحُ الْكَعْبَةِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ.
وَلَمَّا اُسْتُشْكِلَتْ الرِّوَايَةُ بِأَنَّ الْكَعْبَةَ قَدْ لَا تَحْتَاجُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُنْقَضُ فَتُبْنَى، وَلَا يَكْسُوهَا إلَّا الْمُلُوكُ وَيَأْتِيهَا مِنْ الطِّيبِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَمَكَانِسُهَا خُوصٌ ثَمَنُهَا لَا بَالَ لَهُ وَبَعْدَ الْكَنْسِ يَزِيدُ عَلَى مَا كَانَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تَأْكُلَهُ الْخَزَنَةُ.
وَلَيْسَ مِنْ قَصْدِ النَّاذِرِ فِي شَيْءٍ أَشَارَ لِجَوَابِهِ بِمَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَسَاقَهُ ابْنُ يُونُسَ عَلَى أَنَّهُ تَفْسِيرٌ بِقَوْلِهِ (إنْ احْتَاجَتْ) الْكَعْبَةُ لِلصَّرْفِ فِي مَصَالِحِهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَحْتَجْ

تُصُدِّقَ بِهِ، وَأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -

وَالْمَشْيُ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ وَلَوْ لِصَلَاةٍ

[منح الجليل]

تُصُدِّقَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَالصَّادِ وَكَسْرِ الدَّالِ لِيَشْمَلَ تَصَدُّقَ النَّاذِرِ وَنَائِبِهِ حَيْثُ شَاءَ (بِهِ) هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيهَا.
ابْنُ الْحَاجِبِ فَإِنْ قَصُرَ عَنْ التَّعْوِيضِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَتَصَدَّقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَ، وَفِيهَا أَيْضًا يَبْعَثُهُ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُنْفَقُ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ يَخْتَصُّ أَهْلُ الْحَرَمِ بِالثَّمَنِ.
اهـ. وَالثَّالِثُ قَوْلُ أَصْبَغَ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِهِ ابْتِدَاءً، لَكِنْ خَالَفَهُ بِتَخْصِيصِهِ الصَّدَقَةَ بِسَاكِنِي مَكَّةَ، وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَتْبَعْ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَا أَصْبَغَ خِلَافًا لِلْبِسَاطِيِّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنَّمَا تَبِعَ الْقَوْلَ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهَا وَقَيَّدَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ بِقَوْلِهِ إنْ احْتَاجَتْ.
(وَأَعْظَمَ) أَيْ اسْتَعْظَمَ وَمَنَعَ الْإِمَامُ (مَالِكٌ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (أَنْ يُشْرَكَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ وَالرَّاءِ (مَعَهُمْ) أَيْ خَزَنَةِ الْكَعْبَةِ (غَيْرُهُمْ) فِي خِدْمَةِ الْكَعْبَةِ (لِأَنَّهَا) أَيْ خِدْمَةَ الْكَعْبَةِ (وِلَايَةٌ) لَهُمْ (مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ هَذَا إذَا حَافَظُوا عَلَى حُرْمَتِهِ، وَلَازَمُوا الْأَدَبَ فِي خِدْمَتِهِ، وَإِلَّا جُعِلَ عَلَيْهِمْ مَشْرِقٌ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَنْعِ أَخْذِهِمْ أُجْرَةً عَلَى فَتْحِ الْبَيْتِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا كَمَا يَعْتَقِدُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ بِالْبَيْتِ مَا شَاءُوا قَالَهُ الْحَطّ.
وَنَسَبَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ التَّشْرِيكَ نَوْعٌ مِنْ الِانْتِزَاعِ الْوَارِدِ فِي خَبَرِ هِيَ لَكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْتَزِعُهَا مِنْكُمْ إلَّا ظَالِمٌ.
وَعَطَفَ عَلَى الْبَدَنَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَزِمَ الْبَدَنَةُ

فَقَالَ (وَ) لَزِمَ (الْمَشْيُ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ) مَنْ حَلَفَ بِهِ وَحَنِثَ أَوْ نَذَرَهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بَلْ (وَلَوْ) حَلَفَ بِهِ أَوْ نَذَرَهُ (لِصَلَاةٍ) فِيهِ فَرْضٌ أَوْ نَفْلٌ.
اللَّخْمِيُّ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ التَّضْعِيفَ الْوَارِدَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ فِي الْفَرْضِ فَقَطْ خَارِجُ الْمَذْهَبِ، صَرَّحَ بِهِ عِيَاضٌ آخِرَ الشِّفَاءِ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ لِامْرَأَةٍ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَيَّدَهَا ابْنُ مُحْرِزٍ بِمَا

وَخَرَجَ مَنْ بِهَا وَأَتَى بِعُمْرَةٍ كَمَكَّةَ، أَوْ الْبَيْتِ، أَوْ جُزْئِهِ لَا غَيْرُ،

[منح الجليل]

إذَا لَمْ يَلْحَقْهَا ضَرَرٌ يُظَنُّ بِهِ انْكِشَافُهَا وَلَمْ تُخْشَ الْفِتْنَةُ بِهَا، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهَا الْمَشْيُ بَلْ رُبَّمَا حَرُمَ عَلَيْهَا، وَارْتَضَاهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ نَذْرِ الْمَشْيِ.
وَأَشَارَ بِ وَلَوْ لِقَوْلِ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِلصَّلَاةِ لَا لِلنُّسُكِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ، وَيَرْكَبُ إنْ شَاءَ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ، وَبِهِ اعْتَرَضَ الْمَوَّاقُ.
الْمُصَنِّفَ وَشَهَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ فَقَالَ: وَلَوْ ذَكَرَ الْمَشْيَ فَلَا يَلْزَمُهُ فِي الثَّلَاثَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَيْ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، فَسَوَّى بَيْنَهَا فِي عَدَمِ اللُّزُومِ لَكِنْ لَمَّا تَعَقَّبَ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ: كَلَامُ الْإِكْمَالِ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ إسْمَاعِيلَ مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ.
اهـ. تَبِعَ هُنَا مَا لَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
طفى مَا هُنَا هُوَ الصَّوَابُ لِمَا فِي الْإِكْمَالِ، وَلِنَقْلِ الْآبِي عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّ الْمَشْهُورَ فِيمَنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ بِأَحَدِهَا مَاشِيًا أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي نَذْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ قَوْلُ إسْمَاعِيلَ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ وَنَصُّ الْآبِي فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا لِثَلَاثٍ» . الْمَازِرِيُّ اخْتَصَّتْ الثَّلَاثَةَ لِفَضْلِهَا عَلَى غَيْرِهَا بِأَنَّ مَنْ كَانَ بِغَيْرِهَا وَنَذَرَ الصَّلَاةَ بِأَحَدِهَا أَتَاهَا، فَإِنْ قَالَ مَاشِيًا فَقَالَ إسْمَاعِيلُ لَا يَلْزَمُهُ وَيَأْتِي رَاكِبًا فِي الْجَمِيعِ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي الْجَمِيعِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَطْ.
اهـ. قُلْت تَبَيَّنَ مِمَّا تَقَدَّمَ تَشْهِيرُ كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ عَلَى الْمُصَنِّفِ التَّعْبِيرَ بِخِلَافِ.
اهـ بُنَانِيٌّ (وَخَرَجَ) إلَى الْحِلِّ (مَنْ) نَذَرَ الْمَشْيَ لِمَكَّةَ وَهُوَ (بِهَا) أَيْ مَكَّةَ سَوَاءٌ كَانَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ خَارِجَهُ، وَكَذَا مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ لِلْمَسْجِدِ وَهُوَ دَاخِلُهُ اتِّفَاقًا أَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَالَ كَوْنِهِ خَارِجًا عَنْهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَقَوْلُهُ الْآخَرُ يَكْفِيهِ الْمَشْيُ مِنْ مَوْضِعِهِ لِلْمَسْجِدِ، وَعُزِيَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ أَيْضًا (وَأَتَى بِعُمْرَةٍ) مِنْ طَرَفِ الْحِلِّ مَاشِيًا، وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ حَالَ خُرُوجِهِ.
وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الْمَشْيِ فَقَالَ (كَ) نَاذِرِ الْمَشْيِ (لِمَكَّةَ أَوْ الْبَيْتِ) الْحَرَامِ أَيْ الْكَعْبَةِ (أَوْ جُزْئِهِ) أَيْ الْبَيْتِ الْمُتَّصِلِ بِهِ كَبَابِهِ وَرُكْنِهِ وَمُلْتَزَمِهِ وَشَاذَرْوَانِهِ وَحِجْرِهِ (لَا غَيْرُ)

إنْ لَمْ يَنْوِ نُسُكًا مِنْ حَيْثُ نَوَى، وَإِلَّا حَلَفَ أَوْ مِثْلِهِ إنْ حَنِثَ بِهِ وَتَعَيَّنَ مَحَلٌّ اُعْتِيدَ وَرَكِبَ فِي الْمَنْهَلِ، وَلِحَاجَةٍ كَطَرِيقٍ قُرْبَى اُعْتِيدَتْ،

[منح الجليل]

بِالضَّمِّ عِنْدَ حَذْفِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَنِيَّةِ مَعْنَاهُ أَيْ لَا مُلْتَزِمَ الْمَشْيِ لِغَيْرِ مَا ذُكِرَ مِمَّا لَيْسَ مُتَّصِلًا بِالْبَيْتِ، سَوَاءٌ كَانَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَزَمْزَمَ وَالْمَقَامِ وَالْمِنْبَرِ وَقُبَّةِ الشَّرَابِ أَوْ خَارِجًا عَنْهُ كَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَوْ خَارِجًا عَنْ الْحَرَمِ كَعَرَفَةَ فَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ (إنْ لَمْ يَنْوِ) الْمُلْتَزِمُ (نُسُكًا) بِضَمِّ النُّونِ وَالسِّينِ أَيْ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً، فَإِنْ نَوَاهُ لَزِمَهُ الْمَشْيُ وَيَمْشِي مِنْ لَزِمَهُ الْمَشْيَ فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ (مِنْ حَيْثُ) أَيْ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي (نَوَى) الْمُلْتَزِمُ الْمَشْيَ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ مَوْضِعَ الْتِزَامِهِ أَوْ غَيْرَهُ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْمَشْيَ مِنْ مَكَان مُعَيَّنٍ فَيَمْشِي مِنْ حَيْثُ جَرَى الْعُرْفُ بِالْمَشْيِ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِالْمَشْيِ مِنْ مَحَلٍّ فَيَمْشِي مِنْ حَيْثُ (حَلَفَ) أَوْ نَذَرَ وَقِيلَ مِنْ حَيْثُ حَنِثَ (أَوْ) مِنْ (مِثْلِهِ) أَيْ مَوْضِعِ الْحَلِفِ فِي الْبُعْدِ لَا فِي الصُّعُوبَةِ وَالسُّهُولَةِ (إنْ حَنِثَ) الْحَالِفُ (بِهِ) أَيْ فِي الْمِثْلِ وَمَفْهُومُ هَذَا الشَّرْطِ أَنَّهُ إنْ مَشَى مِنْ مِثْلِهِ وَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ لَا يُجْزِيهِ، وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ يُفِيدُ أَنَّهُ يُجْزِيهِ، وَكَذَا نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا (وَتَعَيَّنَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا لِابْتِدَاءِ مَشْيِ مُلْتَزِمِ الْمَشْيِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَفَاعِلُ تَعَيَّنَ (مَحَلٌّ اُعْتِيدَ) الْمَشْيُ مِنْهُ لِلْحَالِفِينَ سَوَاءٌ اُعْتِيدَ الْمَشْيُ مِنْهُ لِغَيْرِهِمْ أَيْضًا أَمْ لَا كَانَ مِنْ مَكَّةَ أَوْ نَوَاحِيهَا.
(وَرَكِبَ) أَيْ جَاوَزَ رُكُوبَ مُلْتَزِمِ الْمَشْيِ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ (فِي) حَالِ إقَامَتِهِ فِي (الْمَنْهَلِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْهَاءِ بَيْنَهُمَا نُونٌ سَاكِنَةٌ أَيْ مَكَانُ النُّزُولِ كَانَ بِهِ مَاءٌ أَمْ لَا (وَ) رَكِبَ (لِحَاجَةٍ) بِغَيْرِ الْمَنْهَلِ قَبْلَ نُزُولِهِ نَسِيَهَا فَعَادَ إلَيْهَا.
وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ فَقَالَ (ك) مَشْيٍ فِي (طَرِيقٍ قُرْبَى اُعْتِيدَتْ) لِلْحَالِفِينَ سَوَاءٌ اُعْتِيدَتْ لِغَيْرِهِمْ أَيْضًا أَمْ لَا، فَإِنْ اُعْتِيدَتْ الْبُعْدَى لِلْحَالِفِينَ وَالْقُرْبَى لِغَيْرِهِمْ تَعَيَّنَتْ الْبُعْدَى وَإِنْ أُعِيدَتَا مَعًا لِلْحَالِفِينَ مَشَى مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ وَإِنْ لَمْ تُعْتَدْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا لَهُمْ تَعَيَّنَتْ الْبُعْدَى.

وَبَحْرًا اُضْطُرَّ لَهُ، لَا اُعْتِيدَ عَلَى الْأَرْجَحِ لِتَمَامِ الْإِفَاضَةِ وَسَعْيِهَا.

وَرَجَعَ وَأَهْدَى إنْ رَكِبَ كَثِيرًا بِحَسَبِ الْمَسَافَةِ، أَوْ الْمَنَاسِكِ وَالْإِفَاضَةِ

[منح الجليل]

وَ) رَكِبَ (بَحْرًا اُضْطُرَّ لَهُ) بِأَنْ كَانَ فِي جَزِيرَةٍ فَلَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَى مَكَّةَ إلَّا بِرُكُوبِهِ (لَا اُعْتِيدَ) رَكُوبُهُ ظَاهِرُهُ وَلَوْ لِلْحَالِفِينَ فَلَا يَجُوزُ لِلْحَالِفِ رُكُوبُهُ (عَلَى الْأَرْجَحِ) عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ مِنْ الْخِلَافِ.
طفى ظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا وَفِي التَّوْضِيحِ أَنَّ ابْنَ يُونُسَ مَنَعَ رُكُوبَ الْبَحْرِ الْمُعْتَادِ مُطْلَقًا اُعْتِيدَ لِلْحَجِّ أَوْ التَّجْرِ أَوْ الْحَلِفِ، وَإِنَّهُ اخْتَارَ هَذَا مِنْ خِلَافٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِيهِمَا، وَيَتَبَيَّنُ لَك ذَلِكَ بِالْوُقُوفِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَجَازَ رُكُوبَ الْبَحْرِ الْمُعْتَادِ لِلْحُجَّاجِ مُطْلَقًا الْحَالِفِينَ وَغَيْرَهُمْ وَأَنَّ أَبَا عِمْرَانِ مَنَعَ رُكُوبَ الْمُعْتَادِ مُطْلَقًا، وَأَنَّ ابْنَ يُونُسَ قَيَّدَ الْجَوَازَ بِكَوْنِهِ مُعْتَادًا لِلْحَالِفِينَ، فَإِنْ اُعْتِيدَ لِغَيْرِهِمْ فَقَطْ فَلَا يَجُوزُ، فَعَلَى الْمُصَنِّفِ الدَّرَكُ فِي نِسْبَةِ إطْلَاقِ الْمَنْعِ لِابْنِ يُونُسَ وَتَعْبِيرِهِ عَنْ تَرْجِيحِهِ بِالِاسْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَمْشِي مَنْ لَزِمَهُ الْمَشْيُ (لِتَمَامِ) طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ) إنْ كَانَ سَعَى عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ (وَ) لِتَمَامِ (سَعْيِهَا) أَيْ السَّعْيِ عَقِبَ الْإِفَاضَةِ إنْ لَمْ يَسْعَ عَقِبَ الْقُدُومِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْعُمْرَةِ وَيَفُوتُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ عَقِبَ الْقُدُومِ.

(وَ) إذَا لَزِمَ أَحَدًا الْمَشْيُ لِمَكَّةَ بِنَذْرِهِ أَوْ حِنْثِهِ فَرَكِبَ بَعْضَ الطَّرِيقِ (رَجَعَ) وُجُوبًا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي ابْتَدَأَ الرُّكُوبَ مِنْهُ فَلَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلَى بَلَدِهِ (وَأَهْدَى) وُجُوبًا لِتَفْرِيقِ الْمَشْيِ وَيُؤَخِّرُ هَدْيَهُ لِعَامِ رُجُوعِهِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْجَابِرِ الْمَالِيِّ وَالنُّسُكِيِّ، فَإِنْ قَدَّمَهُ عَامَ مَشْيِهِ الْأَوَّلِ أَجْزَأَهُ.
وَوُجُوبُ رُجُوعِهِ وَهَدْيِهِ (إنْ) كَانَ (رَكِبَ كَثِيرًا) فَإِنْ رَكِبَ قَلِيلًا فَيُهْدِي، وَلَا يَرْجِعُ وَالْكَثْرَةُ وَالْقِلَّةُ مُعْتَبَرَةٌ (بِحَسَبِ) جَمِيعِ (الْمَسَافَةِ) الَّتِي لَزِمَهُ مَشْيُهَا صُعُوبَةً وَسُهُولَةً وَمِسَاحَةً، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِكَثِيرًا بِحَسَبِ أَكْثَرِ جَمِيعَ الْمَسَافَةِ الَّتِي رَكِبَهَا، وَاَلَّتِي مَشَاهَا لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ النِّصْفَ يَسِيرٌ مَعَ أَنَّهُ مِنْ الْكَثِيرِ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ (أَوْ) رَكِبَ (الْمَنَاسِكَ) وَهِيَ مِنْ مَكَّةَ إلَى رُجُوعِهِ إلَى مِنًى يَوْمَ الْعِيدِ (وَالْإِفَاضَةَ) أَيْ

نَحْوُ الْمِصْرِيِّ قَابِلًا فَيَمْشِي مَا رَكِبَ فِي مِثْلِ الْمُعَيَّنِ، وَإِلَّا فَلَهُ الْمُخَالَفَةُ

[منح الجليل]

الرُّجُوعَ مِنْ مِنًى لِمَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ لِئَلَّا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ كَالْإِفَاضَةِ فَقَطْ، فَإِنْ رَكِبَ أَحَدَهُمَا فَقَطْ وَجَبَ الرُّجُوعُ فِي رُكُوبِ الْمَنَاسِكِ لَا فِي رُكُوبِ الْإِفَاضَةِ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ بِقَوْلِهِ كَالْإِفَاضَةِ فَقَطْ، فَفِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ بِدَلِيلِ بَقِيَّةِ كَلَامِهِ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ هُنَا.
هَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ لَا رُجُوعَ عَلَى مَنْ رَكِبَ الْمَنَاسِكَ وَالْإِفَاضَةَ؛ لِأَنَّهُ بِوُصُولِهِ إلَى مَكَّةَ بَرَّ وَإِلَيْهَا كَانَتْ يَمِينُهُ، اُنْظُرْ الْمَوَّاقَ.
وَفَاعِلُ رَجَعَ وَأَهْدَى (نَحْوُ الْمِصْرِيِّ) مِمَّنْ عَلَى شَهْرٍ مِنْ مَكَّةَ وَأَوْلَى نَحْوُ الْمَدَنِيِّ وَسَيَأْتِي حُكْمُ الْبَعِيدِ جِدًّا فِي قَوْلِهِ وَكَافِرٌ بَقِيَ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ بِلَا رُجُوعٍ فَاشْتَمَلَ كَلَامُهُ عَلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ: الْقَرِيبُ وَالْمُتَوَسِّطُ وَالْبَعِيدُ وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ وَالْهَدْيُ يَرْجِعُ وَيُهْدِي زَمَنًا (قَابِلًا) سَوَاءٌ كَانَ فِي عَامِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعُمْرَةِ وَلِمَنْ قَرُبَ أَوْ فِي عَامٍ آخَرَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ بَعُدَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَابِلُ وَالِيًا لِلزَّمَنِ الَّذِي رَكِبَ فِيهِ أَوْ مُتَرَاخِيًا عَنْهُ إذْ لَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ فَوْرًا كَقَضَاءِ الْمُفْسِدِ (فَيَمْشِي مَا) أَيْ الْمَكَانَ الَّذِي (رَكِبَ) هـ مُلْتَزِمُ الْمَشْيِ إنْ عَلِمَهُ وَإِلَّا فَيَمْشِي جَمِيعَ الْمَسَافَةِ وَيُحْرِمُ فِي حَالِ رُجُوعِهِ (فِي مِثْلِ) النُّسُكِ (الْمُعَيَّنِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمُثَنَّاةِ أَيْ الَّذِي عَيَّنَهُ فِي الْتِزَامِهِ بِلَفْظٍ أَوْ نِيَّةٍ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يَرْجِعُ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ إنْ كَانَ عَيَّنَ حَجًّا اتِّفَاقًا لِنَقْصِ أَرْكَانِهَا عَنْ أَرْكَانِهِ، وَلَا بِحَجٍّ إنْ كَانَ عَيَّنَ عُمْرَةً عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ حِينَ الْتِزَامِهِ حَجًّا، وَلَا عُمْرَةً وَصَرَفَهُ فِي أَحَدِهِمَا وَرَكِبَ كَثِيرًا (فَلَهُ الْمُخَالَفَةُ) لِمَا أَحْرَمَ بِهِ أَوَّلًا فِي زَمَانِ رُجُوعِهِ بِأَنْ يُحْرِمَ بِخِلَافِ مَا أَحْرَمَ بِهِ أَوَّلًا خِلَافًا لِسَحْنُونٍ فِي مَنْعِهِ جَعْلَ الثَّانِي فِي عُمْرَةٍ إنْ كَانَ الْأَوَّلُ حَجًّا، وَقَيَّدَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَعَبْدُ الْحَقِّ الْمَشْهُورَ بِكَوْنِ رُكُوبِهِ فِي الْأَوَّلِ فِي غَيْرِ الْمَنَاسِكِ وَإِلَّا تَعَيَّنَ جَعْلُ الثَّانِي فِي حَجٍّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِلُ إلَيْهَا، وَتَأَوَّلَهَا غَيْرُهُمَا عَلَى جَوَازِ جَعْلِهِ فِي عُمْرَةٍ وَلَوْ كَانَ رَكِبَ الْمَنَاسِكَ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.

إنْ ظَنَّ أَوَّلًا الْقُدْرَةَ، وَإِلَّا مَشَى مَقْدُورَهُ وَرَكِبَ وَأَهْدَى فَقَطْ كَأَنْ قَلَّ وَلَوْ قَادِرًا كَالْإِفَاضَةِ

[منح الجليل]

وَذَكَرَ شَرْطَ الرُّجُوعِ فَقَالَ (إنْ ظَنَّ) أَوْ عَلِمَ بِالْأَوْلَى مُلْتَزِمُ الْمَشْيِ (أَوَّلًا) بِشَدِّ الْوَاوِ وَمُنَوَّنًا أَيْ حِينَ خُرُوجِهِ الْأَوَّلِ (الْقُدْرَةَ) عَلَى مَشْيِ جَمِيعِ الْمَسَافَةِ وَلَوْ فِي عَامَيْنِ فَخَابَ ظَنُّهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ حِينَ خُرُوجِهِ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ مَعَ ظَنِّهَا حِينَ الْتِزَامِهِ بِأَنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ الْعَجْزَ أَوْ شَكَّ لِطُرُوءِ مَرَضٍ أَوْ كِبَرِ سِنٍّ خَرَجَ أَوَّلَ عَامٍ (وَمَشَى مَقْدُورَهُ) وَلَوْ نِصْفَ مِيلٍ (وَرَكِبَ) مَعْجُوزَهُ (وَأَهْدَى فَقَطْ) أَيْ بِلَا رُجُوعٍ لِمَشْيِ مَا رَكِبَهُ فِي زَمَنٍ قَابِلٍ، فَإِنْ كَانَ ظَنَّ الْعَجْزَ حِينَ الْتِزَامِهِ أَوْ نَوَى أَنْ يَمْشِيَ مَا يُطِيقُهُ فَقَطْ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَمْشِي مَقْدُورَهُ وَيَرْكَبُ مَعْجُوزَهُ، وَلَا رُجُوعَ، وَلَا هَدْيَ.
وَإِنْ ظَنَّ الْعَجْزَ حِينَ خُرُوجِهِ الثَّانِي عَنْ مَشْيِ مَا رَكِبَهُ فِي خُرُوجِهِ الْأَوَّلِ سَقَطَ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، قَالَ فِيهَا لَوْ عَلِمَ أَوَّلَ خُرُوجِهِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَمْشِيَ كُلَّ الطَّرِيقِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلَوْ رَاكِبًا وَيَمْشِيَ وَلَوْ نِصْفَ مِيلٍ، ثُمَّ يَرْكَبَ وَيُهْدِيَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ عَلِمَ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَمَامِ الْمَشْيِ قَعَدَ وَأَهْدَى وَأَجْزَأَهُ الذَّهَابُ الْأَوَّلُ.
وَالْحَاصِلُ مِمَّا تَقَدَّمَ وَمِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ أَنَّهُ إنْ ظَنَّ حِينَ الِالْتِزَامِ عَدَمَ الْقُدْرَةِ فَإِنَّهُ يَمْشِي مَقْدُورَهُ، وَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ، وَلَا هَدْيَ، وَإِنْ ظَنَّ حِينَهُ الْقُدْرَةَ فَإِنْ ظَنَّ حِينَ الْخُرُوجِ الْقُدْرَةَ ثُمَّ عَجَزَ رَجَعَ وَأَهْدَى وَإِلَّا مَشَى مَقْدُورَهُ وَأَهْدَى، وَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ، وَرُجُوعُهُ فِي الثَّانِيَةِ مَشْرُوطٌ بِظَنِّ الْقُدْرَةِ فِيهَا وَإِلَّا قَعَدَ وَأَهْدَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَشَبَّهَ فِي الْهَدْيِ بِلَا رُجُوعٍ فَقَالَ (كَأَنْ قَلَّ رُكُوبُهُ) بِحَسَبِ الْمَسَافَةِ وَلَوْ كَانَ لَهُ بَالٌ فِي نَفْسِهِ، هَذَا ظَاهِرُ ابْنِ عَرَفَةَ أَيْضًا فَيُهْدِي، وَلَا يَرْجِعُ فَهَذَا بَيَانٌ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ كَثِيرًا بِحَسَبِ الْمَسَافَةِ إنْ رَكِبَهُ عَاجِزًا عَنْ مَشْيِهِ، بَلْ (وَلَوْ) رَكِبَ الْقَلِيلَ حَالَ كَوْنِهِ (قَادِرًا) عَلَى مَشْيِهِ.
وَشَبَّهَ فِي الْإِهْدَاءِ لَكِنْ نَدْبًا بِلَا رُجُوعٍ أَيْضًا فَقَالَ (كَ) رُكُوبِ (الْإِفَاضَةِ) أَيْ

فَقَطْ، وَكَعَامٍ عُيِّنَ وَلْيَقْضِهِ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ وَكَإِفْرِيقِيٍّ وَكَإِنْ فَرَّقَهُ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ،

[منح الجليل]

رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى لِمَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ رُكُوبَهُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ الْمَنَاسِكِ مِنْ مَكَّةَ إلَى رُجُوعِهِ إلَى مِنًى، فَإِنْ رَكِبَ فِيهَا فَعَلَيْهِ الرُّجُوعُ، وَيُنْدَبُ لَهُ الْهَدْيُ كَمَا تَقَدَّمَ وَعَدَلَ عَنْ الْعَطْفِ إلَى التَّشْبِيهِ لِيُفِيدَ الرُّجُوعَ فَقَطْ إلَى مَا بَعْدِ الْكَافِ.
وَعَطَفَ عَلَى الْمُشَبَّهِ فِي الْهَدْيِ فَقَطْ مُشَبِّهًا فِيهِ فَقَطْ أَيْضًا فَقَالَ (وَكَعَامٍ عُيِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا الْحَجُّ فِيهِ مَاشِيًا، وَخَرَجَ فِيهِ وَأَدْرَكَ الْحَجَّ أَوْ فَاتَهُ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ وَرَكِبَ فِيهِ كَثِيرًا أَوْ مَشَى فِيهِ جَمِيعَ الْمَسَافَةِ، وَفَاتَهُ الْحَجُّ لِعُذْرٍ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ فِيهِ لِعُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ بِلَا رُجُوعٍ (وَلْيَقْضِهِ) أَيْ الْحَجَّ الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ لَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَوْ خَرَجَ لَهُ وَلَوْ مَاشِيًا وَفَاتَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَيَقْضِيهِ وَلَوْ رَاكِبًا؛ لِأَنَّ الْعَامَ الْمُعَيَّنَ لِلْمَشْيِ فِيهِ قَدْ فَاتَ، وَمَحَلُّ لُزُومِ الرُّجُوعِ ثَانِيًا إنَّمَا هُوَ لِمَنْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى مَشْيِ أَمَاكِنِ رُكُوبِهِ فِي الْعَامِ الثَّانِي وَإِلَّا فَلَا يَرْجِعُ، بَلْ يَقْعُدُ وَيُهْدِي قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ عَاطِفًا عَلَى مَا لَا رُجُوعَ فِيهِ وَفِيهِ الْهَدْيُ (أَوْ) ظَنَّ فِي الْعَامِ الثَّانِي أَنَّهُ إنْ خَرَجَ (لَمْ يَقْدِرْ) عَلَى مَشْيِ مَا رَكِبَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَلَا يَخْرُجُ وَيُهْدِي فَلَيْسَ هَذَا مُعَارِضًا لِقَوْلِهِ سَابِقًا وَإِلَّا مَشَى مَقْدُورَهُ إلَخْ؛ لِأَنَّ مَا مَرَّ ظَنَّ الْعَجْزَ عِنْدَ الْخُرُوجِ الْأَوَّلِ فَيَخْرُجُ وَيَمْشِي مَقْدُورَهُ وَيُهْدِي وَمَا هُنَا ظَنَّهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ الثَّانِي فَلَا يَخْرُجُ وَيُهْدِي.
وَذَكَرَ قَسِيمَ نَحْوِ الْمِصْرِيِّ وَهُوَ مَنْ بَعُدَتْ بَلَدُهُ مِنْ مَكَّةَ جِدًّا مُشَبِّهًا لَهُ فِي الْإِهْدَاءِ فَقَطْ فَقَالَ (وَكَإِفْرِيقِيٍّ) نِسْبَةً لِإِفْرِيقِيَّةَ بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَشَدِ التَّحْتِيَّةِ وَتَخْفِيفِهَا، فَإِنْ الْتَزَمَ الْمَشْيَ لِمَكَّةَ وَرَكِبَ كَثِيرًا بِحَسَبِ مَسَافَتِهِ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ بِلَا رُجُوعٍ وَأَوْلَى مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ كَفَاسِيٍّ وَسُوسِيٍّ (وَكَإِنْ فَرَّقَهُ) أَيْ الْمَشْيَ فِي الزَّمَانِ تَفْرِيقًا غَيْرَ مُعْتَادٍ وَمَشَى جَمِيعَ الْمَسَافَةِ لِعُذْرٍ، بَلْ (وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ) فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ وَيُهْدِي قَالَ الْحَطّ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِلُزُومِ الْهَدْيِ مَعَ التَّفْتِيشِ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ وَكَذَا الْفَرْعُ الَّذِي قَبْلَهُ لَمْ أَرَ مَنْ نَصَّ فِيهِ عَلَى لُزُومِ الْهَدْيِ غَيْرَ ابْنِ غَازِيٍّ وَلَمْ يُجِزْ الْبُنَانِيُّ.

وَفِي لُزُومِ الْجَمِيعِ بِمَشْيِ عَقَبَةٍ وَرُكُوبِ أُخْرَى تَأْوِيلَانِ،

[منح الجليل]

قُلْت نَصَّ عَلَى لُزُومِ الْهَدْيِ فِيهِمَا مَعًا ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ الْبَيَانِ، أَمَّا الْفَرْعُ الْأَوَّلُ فَذَكَرَ فِيهِ فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْحَجِّ الْأَوَّلِ، وَنَصُّهُ وَأَمَّا إنْ كَثُرَ وَلَمْ يَكُنْ جُلَّ الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ ثَانِيَةً لِيَمْشِيَ مَا رَكِبَ بِاتِّفَاقٍ إنْ كَانَ مَوْضِعُهُ قَرِيبًا كَالْمَدِينَةِ.
وَاخْتُلِفَ إنْ كَانَ مَوْضِعُهُ بَعِيدًا كَمِصْرِ، فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ يَرْجِعُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ مُزَيْنٍ لَا يَرْجِعُ.
وَأَمَّا إنْ بَعُدَ مَوْضِعُهُ جِدًّا كَإِفْرِيقِيَّةَ وَالْأَنْدَلُسِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ وَيُجْزِيَهُ الْهَدْيُ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ مِنْ نَحْوِ الْأَنْدَلُسِ أَشَقُّ مِنْ الرُّجُوعِ مِنْ نَحْوِ الْمَدِينَةِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الَّذِي رَكِبَ جُلَّ الطَّرِيقِ فَمَا قَرُبَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ الطَّرِيقَ كُلَّهُ ثَانِيَةً رَوَاهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمَبْسُوطَةِ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ.
وَأَمَّا الْفَرْعُ الثَّانِي فَذَكَرَ فِيهِ خِلَافًا فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَيْضًا وَإِجْزَاءِ التَّفْرِيقِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ الَّذِي فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَمُقَابِلُهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ.
وَفِي التَّوْضِيحِ صَوَّبَ ابْنُ رُشْدٍ الْإِجْزَاءَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَدَمَهُ قَائِلًا؛ لِأَنَّ عُرْفَ النَّاسِ فِي السَّيْرِ إلَى مَكَّةَ تَوَالِيهِ وَعَدَمُ تَفْرِيقِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَاقْتَصَرَ هُنَا عَلَى الْإِحْزَاءِ لِقَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ رَأَى اللَّخْمِيُّ أَنَّ الْإِجْزَاءَ هُوَ الْجَارِي عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ فَلَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا غَيْرَ مُتَتَابِعَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَشَارَ لِلتَّفْرِيقِ بِالرُّكُوبِ فَقَالَ (وَفِي لُزُومِ) مَشْيِ (الْجَمِيعِ) عِنْدَ رُجُوعِهِ لِبُطْلَانِ مَشْيِهِ (بِمَشْيِ عُقْبَةٌ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ (وَرُكُوبِ) عُقْبَةٍ (أُخْرَى) لِحُصُولِ الرَّاحَةِ التَّامَّةِ لَهُ بِمُعَادَلَةِ رُكُوبِهِ لِمَشْيِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمْشِ أَصْلًا وَعَدَمُ لُزُومِ مَشْيَ الْجَمِيعِ بَلْ يَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ فَقَطْ (تَأْوِيلَانِ) سَبَبُهُمَا قَوْلُهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي رُجُوعِهِ ثَانِيَةً وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا أَنْ يَمْشِيَ الطَّرِيقَ كُلَّهُ.
اهـ. وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ مَا رَكِبَ مُتَنَاصِفًا مِثْلُ أَنْ يَمْشِيَ عُقْبَةً وَيَرْكَبَ أُخْرَى فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يَمْشِيَ الطَّرِيقَ كُلَّهَا.
اهـ. فَجَعَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ تَقْيِيدًا لِلْمُدَوَّنَةِ حَمْلًا لِكَلَامِهَا عَلَى مَنْ رَكِبَ دُونَ النِّصْفِ، وَحَمَلَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ مَا

وَالْهَدْيُ وَاجِبٌ إلَّا فِيمَنْ شَهِدَ الْمَنَاسِكَ فَنَدْبٌ، وَلَوْ مَشَى الْجَمِيعَ، وَلَوْ أَفْسَدَ أَتَمَّهُ وَمَشَى فِي قَضَائِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ،

[منح الجليل]

فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَوَاضِعَ مَشْيِهِ مِنْ رُكُوبِهِ فَهُمَا تَأْوِيلَانِ كِلَاهُمَا بِالْوِفَاقِ الْأَوَّلِ لِأَبِي الْحَسَنِ، وَالثَّانِي لِلْمُصَنِّفِ وَابْنِ عَرَفَةَ.
طفى وَالظَّاهِرُ الْخِلَافُ.
(وَالْهَدْيُ) حَيْثُ قِيلَ بِهِ وَجَبَ مَعَهُ رُجُوعٌ أَمْ لَا (وَاجِبٌ إلَّا فِيمَنْ شَهِدَ) أَيْ رَكِبَ (الْمَنَاسِكَ) كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا أَوْ الْإِفَاضَةَ أَوْ هُمَا (فَنُدِبَ وَلَوْ مَشَى) فِي رُجُوعِهِ (الْجَمِيعَ) مُبَالَغَةً فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ؛ لِأَنَّهُ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِمَشْيٍ غَيْرِ وَاجِبٍ، وَأَشَارَ بو لَوْ لِقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ إنْ مَشَى الطَّرِيقَ كُلَّهُ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ مَشْيَهُ.
ابْنُ بَشِيرٍ تَعَقَّبَهُ الْأَشْيَاخُ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَسْقُطُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْهَدْيِ فِي ذِمَّتِهِ بِمَشْيٍ غَيْرِ وَاجِبٍ وَمَثَّلُوهُ بِمَنْ صَلَّى صَلَاةً فَسَهَا فِيهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ فَأَعَادَهَا ثَانِيَةً وَلَمْ يَسْجُدْ فَالسُّجُودُ مُتَقَرِّرٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ أَخْطَأَ فِي الْإِعَادَةِ، وَإِنَّمَا تَقَرَّرَ فِي ذِمَّتِهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ، فَإِنْ أَعَادَهَا فَقَدْ أَتَى بِمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ فَلَمْ تُسْقِطْ إعَادَتُهُ مَا تَقَرَّرَ فِي ذِمَّتِهِ وَفِي الْحَجِّ هُوَ مَأْمُورٌ بِالْعَوْدَةِ، فَإِنْ عَادَ وَمَشَى فَقَدْ وَفَّى مَا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الْمَشْيِ فِي عَوْدَةٍ مَأْمُورٍ بِهَا فَفَارَقَ مَسْأَلَةَ الصَّلَاةِ.
الْمَوَّاقُ فَانْظُرْ اقْتِصَارَ خَلِيلٍ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ مَعَ أَنَّ ابْنَ بَشِيرٍ تَرَدَّدَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَرْتَكِنْ فِيهَا.
ابْنُ يُونُسَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ شَهِدَ الْمَنَاسِكَ رَاكِبًا يُهْدِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ وَلَمْ يَرَهُ فِي الْهَدْيِ مِثْلَ مَنْ عَجَزَ فِي الطَّرِيقِ.
ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ عَجْزًا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدَةَ فِيهِ أَمْ لَا.
ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ الْعَوْدَةَ فِي الْمَشْيِ إذَا بَلَغَ مَكَّةَ وَطَافَ وَرَأَى أَنَّ مَشْيَهُ قَدْ تَمَّ، وَأَرْخَصَ لَهُ فِي الرُّكُوبِ إلَى عَرَفَةَ فَلِذَلِكَ عِنْدِي لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْهَدْيَ.
(وَلَوْ أَفْسَدَ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَشْيُ مَا أَحْرَمَ بِهِ ابْتِدَاءً مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بِوَطْءٍ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا كَوْنَهُ حَاجًّا (أَتَمَّهُ) وُجُوبًا فَاسِدًا وَلَوْ رَاكِبًا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ إتْمَامَهُ لَيْسَ مِنْ النَّذْرِ فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا هُوَ لِإِتْمَامِ الْحَجِّ الْمُفْسَدِ (وَمَشَى فِي قَضَائِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ) الشَّرْعِيِّ إنْ

وَإِنْ فَاتَهُ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ وَرَكِبَ فِي قَضَائِهِ

وَإِنْ حَجَّ نَاوِيًا نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا أَجْزَأَ عَنْ النَّذْرِ،

[منح الجليل]

كَأَنْ أَحْرَمَ مِنْهُ قَبْلَ الْفَسَادِ، فَإِنْ كَانَ أَحْرَمَ فِيهِ قَبْلَهُ مَشَى مِنْ مَوْضِعِ إحْرَامِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَشْيٌ فِيمَا قَبْلَهُ إذْ لَمْ يَتَسَلَّطْ الْفَسَادُ إلَّا عَلَى مَا بَعْدَ إحْرَامِهِ وَعَلَيْهِ هَدْيَانِ: هَدْيٌ لِلْفَسَادِ وَهَدْيٌ لِتَفْرِيقِ الْمَشْيِ فِي عَامَيْنِ؛ لِأَنَّ مَشْيَهُ فِي الْأَوَّلِ بَعْدَ الْفَسَادِ مُلْغًى، وَمَشْيَهُ قَبْلَهُ مُعْتَبَرٌ.
(وَإِنْ فَاتَهُ) أَيْ الْحَجُّ مَنْ لَزِمَهُ الْمَشْيُ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ بِنَذْرٍ مَشْيٍ مُبْهَمٍ أَوْ حِنْثِهِ فِي حَلِفِهِ بِهِ (جَعَلَهُ) أَيْ الْمَشْيَ (فِي عُمْرَةٍ) أَيْ تَحَلَّلَ مِنْهُ بِفِعْلِهَا وَمَشَى فِيهَا التَّمَامَ سَعْيَهَا لِيَخْلُصَ مِنْ نَذْرِ الْمَشْيِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَاتَهُ وَجَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ فَكَأَنَّهُ جَعَلَهُ فِيهَا ابْتِدَاءً وَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ ثُمَّ يَقْضِي الْحَجَّ الَّذِي فَاتَهُ عَلَى حُكْمِ الْفَوَاتِ (وَرَكِبَ) أَيْ جَازَ لَهُ الرُّكُوبُ (فِي قَضَائِهِ) فَهَذَا فِيمَنْ نَذَرَ مَشْيًا مُبْهَمًا وَجَعَلَهُ فِي حَجٍّ وَفَاتَهُ كَمَا فِيهَا.
وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ حَجًّا مَاشِيًا وَفَاتَهُ وَتَحَلَّلَ مِنْهُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ فَإِنَّهُ إذَا قَضَاهُ يَرْكَبُ إلَّا فِي بَقِيَّةِ الْمَنَاسِكِ وَهِيَ مَا زَادَ عَلَى السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَيَمْشِي فِيهَا لِيَخْلُصَ مِنْ نَذْرِ الْمَشْيِ بِذَلِكَ قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي فِيهِ التَّعْلِيلُ السَّابِقُ فِيمَنْ نَذَرَ مَشْيًا مُبْهَمًا.
وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ نَحْوَ مَا لِعَبْدِ الْحَقِّ قَائِلًا: وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ.
اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ سِيَاقُ ابْنِ عَرَفَةَ وَالتَّوْضِيحِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَنَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَنْ نَذَرَ مَشْيًا مُبْهَمًا وَلَوْ فَاتَهُ حَجُّهُ حَلَّ بِعُمْرَةٍ مَاشِيًا وَكَفَتْ وَحَجَّ قَابِلًا رَاكِبًا، وَفِي لُزُومِهِ مَشْيُ الْمَنَاسِكِ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ سَحْنُونٍ وَمَالِكٍ، وَلَمْ أَرَ نَصًّا فِي الثَّانِيَةِ وَالظَّاهِرُ لُزُومُ مَشْيِ الْمَنَاسِكِ فِيهَا بِلَا خِلَافٍ.

(وَإِنْ حَجَّ) مُلْتَزِمُ الْمَشْيِ لِمَكَّةَ مُطْلَقًا وَجَعَلَهُ فِي حَجٍّ أَوْ مُلْتَزِمُ الْحَجِّ مَاشِيًا وَهُوَ ضَرُورَةٌ فِيهِمَا حَالَ كَوْنِهِ (نَاوِيًا نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ) مَعًا حَالَ كَوْنِهِ (مُفْرِدًا) بِكَسْرِ الرَّاءِ (أَوْ) حَالَ كَوْنِهِ (قَارِنًا) الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فِي إحْرَامٍ وَاحِدٍ وَنَوَى الْقَارِنُ بِالْحَجِّ الَّذِي فِي ضِمْنِ قِرَانِهِ فَرْضَهُ وَنَذْرَهُ مَعًا أَوْ نَوَى بِهِ فَرْضَهُ فَقَطْ وَبِالْعُمْرَةِ نَذْرَهُ (أَجْزَأَ عَنْ النَّذْرِ)

وَهَلْ إنْ لَمْ يَنْذُرْ حَجًّا تَأْوِيلَانِ، وَعَلَى الصَّرُورَةِ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ مَكَّةَ عَلَى الْفَوْرِ

[منح الجليل]

فَقَطْ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْفَرْضِ هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
(وَهَلْ) مَحَلُّ إجْزَائِهِ عَنْ النَّذْرِ (إنْ لَمْ يَنْذُرْ حَجًّا) أَيْ لَمْ يُعَيِّنْهُ فِي الْتِزَامِهِ بِأَنْ الْتَزَمَ مَشْيًا مُطْلَقًا وَجَعَلَهُ فِي حَجٍّ وَهُوَ ضَرُورَةٌ، فَإِنْ كَانَ الْتَزَمَ الْحَجَّ مَاشِيًا فَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ النَّذْرِ أَيْضًا لِلتَّشْرِيكِ أَوْ يُجْزِئُ عَنْ النَّذْرِ وَلَوْ نَذَرَ حَجًّا مَاشِيًا فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) : الْأَوَّلُ لِابْنِ يُونُسَ وَالثَّانِي لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ وَهُمَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مِنْ صُورَتَيْ الْقَارِنِ، وَلَا يَأْتِيَانِ فِي ثَانِيَتِهِمَا إذْ لَا يُمْكِنُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ أَنْ يَقُولَ إذَا عَيَّنَ الْحَجَّ فِي نَذْرِهِ وَجَعَلَ الْعُمْرَةَ فِي الْقِرَانِ لِنَذْرِهِ تُجْزِئُهُ عَنْ نَذْرِهِ وَقَدْ فَرَضَهَا عَبْدُ الْحَقِّ وَالْبَاجِيِّ وَغَيْرُهُمَا فِي الْأُولَى فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَهُوَ نَصُّ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَكِنْ رَأَيْت ابْنَ عَرَفَةَ اقْتَصَرَ عَلَى الثَّانِيَةِ وَحَكَى التَّأْوِيلَيْنِ عَقِبَهَا وَهُوَ مُشْكِلٌ.
(وَعَلَى) مُلْتَزِمِ الْمَشْيِ مُبْهَمًا (الصَّرُورَةِ) أَيْ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ (جَعْلُهُ) أَيْ الْمَشْيِ الَّذِي الْتَزَمَهُ (فِي عُمْرَةٍ) يُوَفِّي بِهَا مَا الْتَزَمَهُ (ثُمَّ يَحُجُّ) بَعْدَ تَمَامِهَا (مِنْ مَكَّةَ) حِجَّةَ الْإِسْلَامِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا (عَلَى الْفَوْرِ) وَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا إنْ كَانَتْ الْعُمْرَةُ أَوْ بَعْضُهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بَعْضَ ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَكَذَا عَلَى التَّرَاخِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ أَصَالَةً لَا يَجُوزُ الْإِتْيَانُ بِغَيْرِهِ، وَلَوْ أَحْرَمَ حِينَ أَتَى الْمِيقَاتَ لِحِجَّةِ الْإِسْلَامِ أَجْزَأَهُ ثُمَّ يُوَفِّي الْتِزَامَهُ بِعُمْرَةٍ أَوْ حَجٍّ وَيَمْشِي مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ أَوَّلًا، وَلَوْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ وَلَمْ يُعَيِّنْ فَرْضًا، وَلَا نَذْرًا انْصَرَفَ لِلْفَرْضِ انْتَهَى.
الْبُنَانِيُّ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهَا وَإِنْ جَعَلَ مَشْيَهُ فِي عُمْرَةٍ فَلَهُ إذَا حَلَّ مِنْهَا أَنْ يَحُجَّ الْفَرِيضَةَ مِنْ مَكَّةَ.
اهـ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ التَّخْيِيرَ.
أَبُو الْحَسَنِ يَقُومُ مِنْهَا أَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي إذْ قَوْلُهُ لَهُ يَقْتَضِي التَّرَاخِيَ.
اهـ طفى، فَلَا يَلِيقُ بِالْمُصَنِّفِ تَرْكُ النَّصِّ وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنْهُ.
اهـ. وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى غَيْرِ الصَّرُورَةِ لِقَوْلِهَا بِحَجِّ الْفَرِيضَةِ، وَلَا فَرِيضَةَ عَلَى غَيْرِ الصَّرُورَةِ.
قَوْلُهُ قَالَ بَعْضٌ أَيْ الْبِسَاطِيُّ، وَقَوْلُهُ ظَاهِرُ

وَعَجَّلَ الْإِحْرَامَ فِي أَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أُحْرِمُ إنْ قَيَّدَ بِيَوْمٍ كَذَا كَالْعُمْرَةِ

[منح الجليل]

كَلَامِهِمْ إلَخْ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَلَا أَدْرِي مَا كَلَامُهُمْ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُ مَا قَالَ اُنْظُرْ طفى.

(وَ) مَنْ نَذَرَ الْإِحْرَامَ أَوْ حَلَفَ بِهِ وَحَنِثَ فَإِنْ صَرَّحَ أَوْ نَوَى فَوْرًا أَوْ تَرَاخِيًا عَمِلَ عَلَيْهِ وَإِلَّا (عَجَّلَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ أَنْشَأَ الْمُلْتَزِمُ (الْإِحْرَامَ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (فِي) قَوْلِهِ إنْ فَعَلْت أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَ (أَنَا مُحْرِمٌ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ (أَوْ) فَأَنَا (أُحْرِمُ) بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ (إنْ قَيَّدَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا الْمُلْتَزِمُ إحْرَامَهُ (بِيَوْمِ كَذَا) كَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ أَوْ مَكَانِ كَذَا كَمِصْرِ وَحَنِثَ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي الْبِرِّ أَوْ تَرْكِهِ فِي الْحِنْثِ أَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أُحْرِمُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ مِنْ بَرَكَةِ الْحَاجِّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إنْشَاءُ الْإِحْرَامِ فِي الْيَوْمِ أَوْ الْمَكَانِ الَّذِي قَيَّدَ بِهِ هَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَقَالَ سَحْنُونٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَصِيرُ مُحْرِمًا بِمُجَرَّدِ حِنْثِهِ أَوْ نَذْرِهِ فِي الْيَوْمِ أَوْ الْمَكَان الَّذِي قَيَّدَ بِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ لِإِنْشَاءِ إحْرَامٍ فِي أَنَا مُحْرِمٌ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ، وَأَمَّا إذَا أَحْرَمَ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ فَقَدْ اتَّفَقَ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْإِحْرَامَ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ مُحْرِزٍ وَابْنُ رَاشِدٍ وَغَيْرُهُمْ، هَذَا مُرَادُ الْمُصَنِّفِ لَا مَا يُعْطِيهِ ظَاهِرُهُ مِنْ تَعْجِيلِهِ الْإِحْرَامَ فِي وَقْتِ الْتِزَامِهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ وَقَبْلَ الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ الَّذِي قَيَّدَ بِهِ، وَدَلِيلُ الْمُرَادِ كَلَامُ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ.
وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ تَعْجِيلِ الْإِحْرَامِ فَقَالَ (كَ) نَاذِرِ الْإِحْرَامِ بِ (الْعُمْرَةِ) أَوْ الْحَالِفِ

مُطْلَقًا،

[منح الجليل]

بِهِ وَحَنِثَ حَالَ كَوْنِهِ (مُطْلِقًا) بِكَسْرِ اللَّامِ أَيْ غَيْرَ مُقَيِّدِ الْإِحْرَامِ بِهَا بِزَمَانٍ، وَلَا مَكَان كَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ أَوْ إنْ فَعَلْت أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَأَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أُحْرِمُ بِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ إنْشَاءُ الْإِحْرَامِ بِهَا.
طفى قَوْلُهُ كَالْعُمْرَةِ مُطْلَقًا أَيْ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِيَوْمٍ كَذَا مَعَ كَوْنِهَا مُقَيَّدَةً بِالْإِحْرَامِ بِأَنْ قَالَ مَثَلًا إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ كَمَا فَرَضَهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، أَمَّا لَوْ لَمْ يُقَيِّدْهَا بِالْإِحْرَامِ بَلْ قَالَ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَعَلَيَّ عُمْرَةٌ، أَوْ قَالَهُ ابْتِدَاءً فَلَا يَلْزَمُهُ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ بَلْ يُسْتَحَبُّ كَمَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ، وَكَذَا الْحَجُّ الْمُطْلَقُ أَيْ غَيْرُ الْمُقَيَّدِ بِيَوْمِ كَذَا مَعَ كَوْنِهِ مُقَيَّدًا بِالْإِحْرَامِ بِأَنْ قَالَ مَثَلًا إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِحَجٍّ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُقَيَّدِ بِالْإِحْرَامِ بِأَنْ قَالَ مَثَلًا إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَعَلَيَّ حَجٌّ أَوْ قَالَ عَلَيَّ حَجٌّ فَلَا يَلْزَمُهُ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ وَلَوْ فِي أَشْهُرِهِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ فَقَطْ، وَكَذَا فَرْضُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمُقَيَّدِ بِالْإِحْرَامِ كَالْعُمْرَةِ، وَكَذَا فِي الْجَوَاهِرِ وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ عَرَفَةَ غَيْرَ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ يَحُومُ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّذْرَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ وَكُلُّهَا تُؤْخَذُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مُقَيَّدٌ بِالزَّمَانِ كَيَوْمِ كَذَا يَلْزَمُ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمُقَيَّدٌ بِالْإِحْرَامِ فَقَطْ يَلْزَمُ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ فِي الْعُمْرَةِ إنْ لَمْ يَعْدَمْ صَحَابَةً وَفِي الْحَجِّ لِأَشْهُرِهِ إنْ وَصَلَ وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ يَصِلُ.
وَغَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالْإِحْرَامِ، وَلَا الزَّمَانِ فَلَا يَلْزَمُهُ التَّعْجِيلُ، بَلْ يُسْتَحَبُّ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً وَجَدَ صَحَابَةً أَمْ لَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهَا، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فَتَلَقَّهُ بِالْيَمِينِ، وَشُدَّ عَلَيْهِ يَدَ الضَّنِينِ، وَغُضَّ الطَّرْفَ عَمَّا فِي كَلَامِ الشُّرُوحِ،، وَلَا يَصِحُّ فَتْحُ اللَّامِ مِنْ مُطْلِقًا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْإِطْلَاقِ سَوَاءٌ قُيِّدَتْ بِزَمَنٍ أَمْ لَا، وَالتَّشْبِيهُ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهَا بِغَيْرِ الْمُقَيَّدَةِ لِدُخُولِ الْمُقَيَّدَةِ فِيمَا قَبْلَهُ.
وَأَيْضًا الْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ إنْ لَمْ يَعْدَمْ صَحَابَةً يَجْرِي فِي الْعُمْرَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِالزَّمَانِ، وَمَا قَبْلَ الْكَافِ يَقْتَضِي عَدَمَ جَرَيَانِهِ فِيهَا لِشُمُولِهِ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَيَتَنَاقَضَانِ، وَلَا يَصِحُّ الْإِطْلَاقُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَا قَبْلَ الْكَافِ خَاصًّا بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ لَمْ يَعْدَمْ صَحَابَةً إنَّمَا هُوَ مَنْصُوصٌ فِي الْعُمْرَةِ الْمُطْلَقَةِ دُونَ الْمُقَيَّدَةِ وَلِذَلِكَ تَعَيَّنَ كَسْرُ اللَّامِ.
اهـ.

إنْ لَمْ يَعْدَمْ صَحَابَةً لَا الْحَجِّ وَالْمَشْيَ فَلِأَشْهُرِهِ إنْ وَصَلَ وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ يَصِلُ عَلَى الْأَظْهَرِ

[منح الجليل]

بُنَانِيُّ، فَيَجِبُ تَعْجِيلُ إنْشَاءِ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ الْمُطْلَقَةِ (إنْ لَمْ يَعْدَمْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالدَّالِ مُلْتَزِمُ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ الْمُطْلَقَةِ (صَحَابَةً) بِفَتْحِ الصَّادِ أَيْ رُفْقَةً يُسَافِرُ مَعَهُمْ، فَإِنْ عَدِمَ صَحَابَةً فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ بِهَا، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِالزَّمَانِ فَيَجِبُ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ بِهَا وَلَوْ عَدِمَ صُحْبَةً كَالْحَجِّ الْمُقَيَّدِ بِهِ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ ضَرَرًا مِنْ الْإِحْرَامِ.
وَعَطَفَ بِلَا عَلَى الْعُمْرَةِ فَقَالَ (لَا) مُلْتَزِمُ (الْحَجِّ) الْمُطْلَقِ قَبْلَ أَشْهُرِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ بِهِ قَبْلَهَا (وَ) لَا مُلْتَزِمُ (الْمَشْيِ) لِمَكَّةَ الْمُطْلِقِ عَنْ التَّقْيِيدِ بِزَمَنٍ وَعَنْ التَّقْيِيدِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يُؤْمَرُ بِالتَّعْجِيلِ فِي الصُّورَتَيْنِ (فَ) يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ فِيهِمَا (لِأَشْهُرِهِ) أَيْ الْحَجِّ أَيْ عِنْدَ اسْتِهْلَالِهَا (إنْ وَصَلَ) أَيْ إنْ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ يَصِلُ إلَى مَكَّةَ وَيُدْرِكُ الْحَجَّ فِي عَامِهِ، لَكِنْ فِي الْتِزَامِ الْحَجِّ يُحْرِمُ بِهِ مِنْ مَكَانِهِ، وَفِي الْتِزَامِ الْمَشْيِ الْمُطْلَقِ يُحْرِمُ بِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَهُ أَجْزَأَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُ لِمَكَّةَ إنْ اسْتَمَرَّ فِي بَلَدِهِ إلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ الْحَجِّ وَيَفُوتُهُ الْحَجُّ فِي عَامِهِ (فَ) يُحْرِمُ (مِنْ حَيْثُ) أَيْ الزَّمَانُ الَّذِي (يَصِلُ) فِيهِ لِمَكَّةَ وَيُدْرِكُ الْحَجَّ فِي عَامِهِ، فَاسْتَعْمَلَ حَيْثُ فِي الزَّمَانِ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا ظَرْفُ مَكَان دَائِمًا (عَلَى الْأَظْهَرِ) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ الْخِلَافِ.
ابْنُ غَازِيٍّ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ لِابْنِ رُشْدٍ بَلْ لِابْنِ يُونُسَ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إذْ قَالَ قَيَّدَ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَلْزَمُهُ إحْرَامُ الْحَجِّ إلَّا فِي أَشْهُرِهِ بِمَا إذَا أَمْكَنَ وُصُولُهُ إلَى مَكَّةَ مِنْ مَوْضِعِ الْحَلِفِ إنْ خَرَجَ فِي أَشْهُرِهِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَهُ التَّأْخِيرُ لِلْإِحْرَامِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَصِلُ إلَى مَكَّةَ إذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِ الْحَلِفِ فِي أَشْهُرِهِ فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مُحْرِمًا قَبْلَ أَشْهُرِهِ أَوْ يَخْرُجُ حَلَالًا، فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَشْهُرُهُ أَحْرَمَ سَوَاءٌ وَصَلَ لِلْمِيقَاتِ أَمْ لَا وَالْأَوَّلُ هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَالثَّانِي مَذْهَبُ الْقَابِسِيِّ.
وَالظَّاهِرُ مَذْهَبُ أَبِي مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْذُورَ

، وَلَا يَلْزَمُ فِي: مَالِي فِي الْكَعْبَةِ، أَوْ بَابهَا، أَوْ كُلُّ مَا أَكْتَسِبُهُ

[منح الجليل]

هُوَ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ أَوْ الْحَجِّ لَا الْخُرُوجُ إلَيْهِمَا، فَإِذَا وَجَبَ تَعْجِيلُ الْمَنْذُورِ وَجَبَ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ.
طفى وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالْمَشْيُ فَمُشْكِلٌ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ مَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ فِي حَجٍّ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ فِي أَشْهُرِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ قَوْلُهُ لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ أَوْ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ الْعُمْرَةُ أَوْ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ الْعُمْرَةُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ غَيْرَ الْمُقَيَّدِ بِالْإِحْرَامِ وَالزَّمَانِ لَا يَجِبُ تَعْجِيلُهُ مُطْلَقًا، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ الْمَشْيَ غَيْرَهُ، وَالْعَجَبُ مِنْ تت كَيْفَ أَقَرَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَالَ لَا يُعَجِّلُ الْإِحْرَامَ، وَشَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ.
وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ التَّعْجِيلُ فَلِأَشْهُرِهِ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ قَالَ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ فِي أَشْهُرِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ قَالَ وَالْمَشْهُورُ فِيهِ التَّرَاخِي.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ، وَلَا يَلْزَمُ الْفَوْرُ فِي الْمَشْيِ عَلَى الْمَنْصُوصِ.
اهـ. وَحَمَلَ ابْنُ عَاشِرٍ الْمَشْيَ عَلَى مَعْنَى الْخُرُوجِ وَجَعَلَهُ مِنْ تَمَامِ مَا قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ وَأَطْلَقَ فَلَا يَلْزَمُهُ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ وَالْخُرُوجُ بَلْ لَهُ تَأْخِيرُهُمَا إلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهُوَ بَعِيدٌ.

(وَلَا يَلْزَمُ) الْوَفَاءُ (فِي) قَوْلِهِ (مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِهَا) إنْ كَانَ أَرَادَ صَرْفَهُ فِي بِنَائِهَا إنْ نَقَضَتْ أَوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا، فَإِنْ أَرَادَ كِسْوَتَهَا وَطِيبَهَا وَنَحْوَهُمَا لَزِمَهُ ثُلُثُ مَالِهِ لِلْحَجَبَةِ يَصْرِفُونَهُ بِهَا إنْ احْتَاجَتْ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَمِثْلُ الْبَابِ الْحَطِيمُ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْبَابِ وَالْمَقَامِ وَلِابْنِ حَبِيبٍ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ إلَى الْبَابِ إلَى الْمَقَامِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِحَطْمِهِ الذُّنُوبَ كَحَطْمِ النَّارِ الْحَطَبَ، وَكَمَا لَا يَلْزَمُهُ نَذْرُ مَا ذَكَرَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بَدَلَهُ.
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
(أَوْ) قَالَ إنْ فَعَلْت أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَ (كُلُّ مَا أَكْتَسِبُهُ) فِي الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِهَا أَوْ صَدَقَةٌ لِلْفُقَرَاءِ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَان وَحَنِثَ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، فَإِنْ قَيَّدَ بِأَحَدِهِمَا لَزِمَهُ كُلُّ مَا يَكْتَسِبُهُ بَعْدَ حَلِفِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا الْقِيَاسُ فَإِنْ كَانَ فِي نَذْرٍ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِزَمَانٍ، وَلَا بَلَدٍ لَزِمَهُ ثُلُثُ جَمِيعِ مَا يَكْتَسِبُهُ بَعْدَ نَذْرِهِ وَكُلُّ مَا أُفِيدَهُ مِثْلَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَهَذَا فِي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

الْيَمِينِ وَالنَّذْرِ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ مَنْ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ عَيَّنَهُ لَزِمَهُ الْجَمِيعُ لِمَنْ عَيَّنَهُ لَهُ، وَسَوَاءٌ قَيَّدَ فِي النَّذْرِ بِمُدَّةٍ أَوْ بَلَدٍ أَوْ لَا وَسَكَتَ عَنْ كُلِّ مَا أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ، فَإِنْ أَطْلَقَ لَزِمَهُ ثُلُثُ مَا عِنْدَهُ كَمَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنْ قَيَّدَ بِزَمَنٍ أَوْ بَلَدٍ لَزِمَهُ جَمِيعُ مَا يَتَجَدَّدُ لَهُ فِي النَّذْرِ.
وَأَمَّا فِي الْيَمِينِ كَكُلِّ مَا أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ إنْ فَعَلْت كَذَا أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْهُ وَحَنِثَ لَزِمَهُ ثُلُثُهُ إنْ أَطْلَقَ لِصِدْقِ مَا أَمْلِكُهُ عَلَى مَا مَلَكَهُ حَالَ الْيَمِينِ، وَإِنْ قَيَّدَ بِوَقْتٍ أَوْ بَلَدٍ لَزِمَهُ جَمِيعُ مَا يَتَجَدَّدُ لَهُ عَلَى أَحَدِ أَقْوَالٍ خَمْسَةٍ.
ابْنُ رُشْدٍ إذَا حَلَفَ بِصَدَقَةِ مَا يُفِيدُهُ أَوْ يَكْسِبُهُ إلَى مُدَّةٍ مَا أَوْ فِي بَلَدٍ فَقَوْلَانِ.
وَأَمَّا إذَا قَالَ كُلُّ مَا أَمْلِكُهُ إلَى كَذَا صَدَقَةٌ إنْ فَعَلْت كَذَا فَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ لَفْظَةَ أَمْلِكُ تَصْلُحُ لِلْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، فَعَلَى تَخْلِيصِهِ لِلِاسْتِقْبَالِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ جَمِيعِ مَا يَمْلِكُ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ.
وَعَلَى حَمْلِهِ عَلَى الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ مَعًا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ ثُلُثِهِ السَّاعَةَ وَجَمِيعُ مَا يُفِيدُ إلَى الْأَجَلِ، وَالثَّانِي ثُلُثُهُمَا، وَالثَّالِثُ ثُلُثُ مَالِهِ السَّاعَةَ فَقَطْ.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْيَمِينِ.
وَأَمَّا إذَا نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا يُفِيدُهُ أَبَدًا فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا يُفِيدُهُ إلَى أَجَلٍ أَوْ فِي بَلَدٍ لَزِمَهُ إخْرَاجُ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: 34] ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [النحل: 91] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: 75] ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَنُصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى التَّفْرِقَةِ فِي هَذَا بَيْنَ النَّذْرِ وَالْيَمِينِ، وَالْوَجْهُ حَمْلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى الْيَمِينِ دُونَ النَّذْرِ، وَإِنَّمَا يَسْتَوِيَانِ فِي صَدَقَةِ الرَّجُلِ بِجَمِيعِ مَا يَمْلِكُ مِنْ الْمَالِ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي لُبَابَةَ وَقَدْ نَذَرَ أَنْ يَنْخَلِعَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ يُجْزِيك الثُّلُثُ مِنْ ذَلِكَ» انْتَهَى، وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَبِهِ يُفَسَّرُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ.

أَوْ هَدْيٌ لِغَيْرِ مَكَّةَ

[منح الجليل]

أَوْ) نَذَرَ (هَدْيٍ) بِلَفْظِهِ أَوْ بَدَنَةٍ بِلَفْظِهَا (لِغَيْرِ مَكَّةَ) فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِيهِمَا لَا بَعْثُهُ لِمَنْ عَيَّنَهُ لَهُ، وَلَا ذَكَاتُهُ بِمَوْضِعِهِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ، وَقَالَ فِي الصَّغِيرِ يُذَكِّيهِ بِمَوْضِعِهِ وَعَزَاهُ لَهَا فَفِي جَزْمِ الْبَدْرِ بِأَنَّهُ خَطَأٌ شَيْءٌ، فَإِنْ عَبَّرَ بِغَيْرِ هَدْيٍ وَبَدَنَةٍ فَإِنْ جَعَلَهُ لِمَكَّةَ فَكَالْفِدْيَةِ، وَإِنْ جَعَلَهُ لِغَيْرِهَا كَقَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُهْدَى وَعَبَّرَ عَنْهُ بِبَعِيرٍ أَوْ خَرُوفٍ أَوْ جَزُورٍ نَحَرَهُ أَوْ ذَبَحَهُ بِمَوْضِعِهِ وَفَرَّقَهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَإِنْ شَاءَ أَبْقَاهُ وَأَخْرَجَ مِثْلَ مَا فِيهِ مِنْ اللَّحْمِ وَمَنَعَ بَعْثَهُ وَلَوْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ قَصَدَ بِهِ الْفُقَرَاءَ الْمُلَازِمِينَ لَهُ لِقَوْلِهَا سَوْقُ الْهَدَايَا لِغَيْرِ مَكَّةَ ضَلَالٌ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُهْدَى كَثَوْبٍ وَدَرَاهِمَ وَطَعَامٍ فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الْمُلَازِمِينَ لِلْقَبْرِ الشَّرِيفِ أَرْسَلَهُ إلَيْهِمْ وَلَوْ أَغْنِيَاءَ وَإِنْ قَصَدَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ الثَّوَابَ لَهُ تَصَدَّقَ بِهِ بِمَوْضِعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ فَيُنْظَرُ لِعَادَتِهِمْ اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْبَرْزَلِيُّ وعج، وَلَا يَلْزَمُ بَعْثُ سُتُرٍ، وَلَا شَمْعٍ، وَلَا زَيْتٍ يُوقَدُ عَلَى الْقَبْرِ الشَّرِيفِ، وَلَوْ نَذَرَ فَإِنْ بَعَثَهُ مَعَ شَخْصٍ فَالظَّاهِرُ تَعَيُّنُ فِعْلِهِ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ الْمَكْرُوهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ إخْرَاجَ مَالِ الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْقُرْبَةِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ مِلْكِهِ فَلَا يُبَاحُ لِغَيْرِهِ تَنَاوُلُهُ كَوَضْعِ شَيْءٍ بِصُنْدُوقِ شَيْخٍ أَوْ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ عُلِمَ رَبُّهُ رُدَّ لَهُ وَإِلَّا فَهُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَخْ صَحِيحٌ، وَمِثْلُهُ فِي الْحَطّ لَكِنْ عَبَّرَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ نَحْرُهُ بِغَيْرِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ وَيُسْتَحَبُّ نَحْرُهُ فِيهَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ نَذَرَهُ لِغَيْرِهَا بِلَفْظِ الْهَدْيِ أَوْ الْبَدَنَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي صَغِيرِهِ مِنْ أَنَّهُ يُذَكِّيهِ بِمَوْضِعِهِ، وَعَزْوُهُ لَهَا إنَّمَا يَصِحُّ إذَا حُمِلَ عَلَى مَنْ نَذَرَ بِغَيْرِ لَفْظِ الْهَدْيِ وَالْبَدَنَةِ إذْ هُوَ الَّذِي فِيهَا، وَقَوْلُهُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْفِدْيَةِ أَيْ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَان بَعْدَ بَعْثِهِ لِمَكَّةَ، بِخِلَافِ الْفِدْيَةِ فَلَا يَجِبُ صَرْفُهَا لِمَكَّةَ، وَلِذَا قَالَ عج يَنْحَرُ بِمَكَّةَ.

أَوْ مَالُ غَيْرٍ؛ إنْ لَمْ يُرِدْ إنْ مَلَكَهُ، أَوْ عَلَى نَحْرِ فُلَانٍ وَلَوْ قَرِيبًا؛ إنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالْهَدْيِ، أَوْ يَنْوِهِ أَوْ يَذْكُرْ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ

[منح الجليل]

قَوْلُهُ وَمَنَعَ بَعْثَهُ عِنْدَ الْقَبْرِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ فِي بَعْثِهِ إلَيْهِ شَبَهًا بِسَوْقِ الْهَدْيِ وَفِيهَا سَوْقُ الْهَدْيِ لِغَيْرِهَا مِنْ الضَّلَالِ، وَمُقَابِلُهُ لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ؛ لِأَنَّ إطْعَامَ مَسَاكِينِ أَيِّ بَلَدٍ طَاعَةٌ.
«وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ تَعَالَى فَلْيُطِعْهُ» . ابْنُ عَرَفَةَ وَنَذْرُ شَيْءٍ لِمَيِّتٍ صَالِحٍ مُعَظَّمٍ فِي نَفْسِ النَّاذِرِ لَا أَعْرِفُ فِيهِ نَصًّا، وَأَرَى أَنَّ قَصْدَ مُجَرَّدِ كَوْنِ الثَّوَابِ لِلْمَيِّتِ تَصَدَّقَ بِهِ بِمَوْضِعِ النَّاذِرِ وَإِنْ قَصَدَ الْفُقَرَاءَ الْمُلَازِمِينَ لِقَبْرِهِ أَوْ زَاوِيَتَهُ تَعَيَّنَ لَهُمْ إنْ أَمْكَنَ وُصُولُهُ لَهُمْ.

(أَوْ) نَذَرَ (مَالَ غَيْرِهِ) كَعَبْدِهِ وَدَارِهِ وَبَعِيرِهِ صَدَقَةً أَوْ هَدْيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِخَبَرِ «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» (إنْ لَمْ يُرِدْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ يَنْوِي النَّاذِرُ (إنْ مَلَكَهُ) أَيْ النَّاذِرُ الشَّيْءَ الَّذِي نَذَرَهُ وَهُوَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ وَمَلَكَهُ لَزِمَهُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِهِ، عَبَّرَ بِلَفْظِ جَمِيعِ مَالِ الْغَيْرِ أَمْ لَا فَلَيْسَ كَنَذْرِهِ جَمِيعَ مَالِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ نَاذِرَ مَالِ غَيْرِهِ أَبْقَى مَالَ نَفْسِهِ.
(أَوْ) قَالَ لِلَّهِ (عَلَيَّ نَحْرُ فُلَانٍ) أَوْ عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ وَحَنِثَ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي النَّذْرِ، وَلَا فِي الْيَمِينِ إنْ كَانَ فُلَانٌ أَجْنَبِيًّا، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (قَرِيبًا) لَلْمُلْتَزِمِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مَعْصِيَةً، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَدْ يَمْلِكُ شَرْعًا بِشِرَائِهِ مَثَلًا فَكَأَنَّهُ أَهْدَى ثَمَنَهُ بِخِلَافِ فُلَانٍ الْحُرِّ فَلَا يَمْلِكُ فَيُخَصُّ فُلَانٌ بِالْحُرِّ قَالَهُ سَالِمٌ، فَإِنْ كَانَ عَبْدَ غَيْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَرُدَّ إنْ مَلَكَهُ، وَإِنْ كَانَ عَبْدَ نَفْسِهِ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ (إنْ لَمْ يَلْفِظْ) نَاذِرٌ نَحْرَ فُلَانٍ الْأَجْنَبِيِّ أَوْ الْقَرِيبِ (بِالْهَدْيِ) فَإِنْ لَفَظَ بِهِ بِأَنْ قَالَ عَلَيَّ هَدْيُ فُلَانٍ أَوْ نَحْرُهُ هَدْيًا فَعَلَيْهِ هَدْيٌ.
(أَوْ لَمْ يَنْوِهِ) أَيْ الْمُلْتَزِمُ نَحَرَ فُلَانٌ الْهَدْيَ فَإِنْ نَوَاهُ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ (أَوْ) لَمْ (يَذْكُرْ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ) خَلِيلِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ يَنْوِهِ أَوْ يَذْكُرْ مَكَانًا مِنْ الْأَمْكِنَةِ الَّتِي فِيهَا الْهَدْيُ وَهِيَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

مِنًى وَمَكَّةَ وَأَوْ بَعْدَ النَّفْيِ كَالْوَاوِ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ نَفْيُ أَحَدِهَا الْمُبْهَمِ إلَّا بِنَفْيِهَا فَلَا حَاجَةَ لِجَعْلِهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَعَدَمُ نِيَّةِ الْهَدْيِ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ نِيَّةُ حَقِيقَةِ النَّحْرِ وَعَدَمُ النِّيَّةِ وَالْمَشْهُورُ فِي الثَّانِيَةِ لُزُومُ الْهَدْيِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ، وَالْمُرَادُ بِمَقَامِ إبْرَاهِيمَ قَضِيَّتُهُ مَعَ وَلَدِهِ الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ ثُمَّ فُدِيَ لَا مَقَامُهُ لِبِنَاءِ الْبَيْتِ الْمُتَّخَذِ مُصَلًّى، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِذِكْرِهِ أَوْ نِيَّتِهِ شَيْءٌ كَمَا إذَا نَوَى قَتْلَهُ وَلَوْ مَعَ ذِكْرِ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ أَوْ مَحَلِّ ذَكَاةِ الْهَدْيِ فِيمَا يَظْهَرُ.
فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ إنْ قَصَدَ الْهَدْيَ وَالْقُرْبَةَ لَزِمَهُ ذَلِكَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ قَصَدَ الْمَعْصِيَةَ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِاتِّفَاقٍ، وَاخْتُلِفَ حَيْثُ لَا نِيَّةَ وَالْمَشْهُورُ عَلَيْهِ هَدْيٌ؛ لِأَنَّ صِيغَتَهُ حَقِيقِيَّةٌ عُرْفِيَّةٌ فِي الْتِزَامِ هَدْيٍ.
اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ إلَخْ هَذَا الْفَرْقُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ بَلْ هُوَ كَلَامٌ مُخْتَلٌّ مُنْزَلٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَأَصْلُهُ لِأَبِي الْحَسَنِ ذَكَرَهُ عَلَى قَوْلِهَا وَمَنْ قَالَ لِحُرٍّ إنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا فَأَنَا أُهْدِيك إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَمَنْ قَالَ فَعَبْدُ فُلَانٍ أَوْ دَارُهُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ هَدْيٌ فَحَنِثَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
اهـ. وَنَصُّ أَبِي الْحَسَنِ إنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِهِ لِحُرٍّ أَنَا أُهْدِيك وَقَوْلِهِ لِعَبْدِ غَيْرِهِ هُوَ هَدْيٌ، وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا لَا مِلْكَ لَهُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَصِحُّ مِلْكُهُ فَيَخْرُجُ عِوَضُهُ وَهُوَ قِيمَتُهُ، وَأَمَّا الْحُرُّ فَلَيْسَ مِمَّا يَصِحُّ مِلْكُهُ، وَلَا يَخْرُجُ عِوَضُهُ فَجَعَلَ عَلَيْهِ فِيهِ الْهَدْيَ إذَا قَصَدَ الْقُرْبَةَ.
. اهـ. وَعَزَاهُ فِي التَّوْضِيحِ لِلتُّونُسِيِّ فَكَانَ عَلَى " ز " ذَكَرَهُ عَقِبَ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالْهَدْيِ بِأَنْ يَقُولَ فَإِنْ لَفَظَ بِالْهَدْيِ فِي الْحُرِّ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ، بِخِلَافِ إنْ لَفَظَ بِهِ فِي عَبْدِ غَيْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إلَخْ، وَمَعَ هَذَا فَفِي عِبَارَتِهِ نَظَرٌ وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
الْحَطّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ لَزِمَهُ الْهَدْيُ فِي الْقَرِيبِ وَالْأَجْنَبِيُّ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْبَاجِيَّ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَأَبِي الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَقْيِيدٌ، وَخَصَّ ابْنُ الْحَاجِبِ ذَلِكَ بِالْقَرِيبِ لَكِنْ إنَّمَا فَصَّلَ ابْنُ الْحَاجِبِ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْأَجْنَبِيِّ فِي ذِكْرِ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ وَنَحْوِهِ.
وَأَمَّا إذَا تَلَفَّظَ بِالْهَدْيِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ

وَالْأَحَبُّ حِينَئِذٍ كَنَذْرِ الْهَدْيِ بَدَنَةٌ ثُمَّ بَقَرَةٌ:

[منح الجليل]

وَالْأَجْنَبِيِّ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ شَاسٍ اُنْظُرْ طفى، وَقَوْلُهُ وَالْمَشْهُورُ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ تَبِعَ سَالِمٌ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِيمَا إذَا لَفَظَ بِالْهَدْيِ لَا فِيمَا إذَا لَمْ يَلْفِظْ بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ " ز ". وَنَصُّ التَّوْضِيحِ إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ فُلَانًا فَالْمَشْهُورُ عَلَيْهِ هَدْيٌ.
ابْنِ بَشِيرٍ إنْ قَصَدَ بِنَذْرِهِ الْمَعْصِيَةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ فَيَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي عِمَارَةِ الذِّمَّةِ بِالْأَقَلِّ أَوْ بِالْأَكْثَرِ.
خَلِيلٌ فَعَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إنْ قَصَدَ الْهَدْيَ وَالْقُرْبَةَ لَزِمَهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ قَصَدَ الْمَعْصِيَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ.
وَاخْتُلِفَ حَيْثُ لَا نِيَّةَ وَالْمَشْهُورُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَنَحْوُهُ لِأَبِي الْحَسَنِ.
اهـ. وَكَلَامُ " ز " آخِرًا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَقَالَ الْحَطّ قَيَّدَ ابْنُ بَشِيرٍ مَسْأَلَةَ مَا إذَا ذَكَرَ الْهَدْيَ بِأَنْ لَا يَقْصِدَ الْمَعْصِيَةَ يَعْنِي ذَبْحَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ شَيْءٌ، وَتُقَيَّدُ بِهِ مَسْأَلَةُ نِيَّةِ الْهَدْيِ وَذِكْرُ الْمَقَامِ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَارْتَضَى الْقَيْدَ فِي الشَّامِلِ وَأَتَى بِهِ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ الْمُرَادُ بِمَقَامِ إبْرَاهِيمَ إلَخْ هَذَا لِابْنِ هَارُونَ.
ابْنُ فَرْحُونٍ هَذَا بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَقَامُ الصَّلَاةِ.

(وَالْأَحَبُّ) أَيْ الْأَفْضَلُ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ يَلْفِظُ بِالْهَدْيِ أَوْ يَنْوِيهِ أَوْ يَذْكُرُ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ أَوْ يَنْوِيهِ.
وَشَبَّهَ فِي الْأَحَبِّيَّةِ فَقَالَ (كَنَذْرِ الْهَدْيِ) الْمُطْلَقِ وَخَبَرُ الْأَحَبُّ (بَدَنَةٌ ثُمَّ) يَلِيهَا (بَقَرَةٌ) وَالْأَحَبُّ الَّذِي هُوَ النَّدْبُ مُنْصَبٌّ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَأَمَّا الْهَدْيُ فَوَاجِبٌ بِقَيْدِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْبَقَرَةِ فَشَاةٌ وَاحِدَةٌ لَا سَبْعُ شِيَاهٍ لِأَنَّ هَذَا نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا أَوْ مَا يُفِيدُهُ مِنْ نَحْرِ فُلَانٍ وَمِنْ إفْرَادِهِ الشَّاةَ الْوَاحِدَةَ وَمَا سَبَقَ نَذْرُ بَدَنَةٍ بِلَفْظِهَا، فَإِذَا عَجَزَ

كَنَذْرِ الْحَفَاءِ أَوْ حَمْلَ فُلَانٍ إنْ نَوَى التَّعَبَ، وَإِلَّا رَكِبَ وَحَجّ بِهِ بِلَا هَدْيٍ

[منح الجليل]

عَنْهَا لَزِمَهُ مَا يُقَارِبُهَا مِنْ الْبَقَرَةِ، أَوْ السَّبْعِ شِيَاهٍ.
وَشَبَّهَ فِي صِفَةِ الْهَدْيِ لَا فِي حُكْمِهِ فَقَالَ (كَنَذْرِ الْحَفَاءِ) بِالْمَدِّ وَإِهْمَالِ الْحَاءِ أَيْ الْمَشْيِ لِمَكَّةَ بِلَا نَعْلٍ إذْ الْأَوَّلُ وَاجِبٌ بِقَيْدِهِ، وَالِاسْتِحْبَابُ فِي تَرْتِيبِهِ، وَأَمَّا فِي نَذْرِ الْحَفَاءِ فَالْهَدْيُ مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ، وَيَلْزَمُهُ الْحَجُّ إنْ شَاءَ مُنْتَعِلًا وَإِنْ شَاءَ حَافِيًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَشْبِيهٌ بِقَوْلِهِ، وَلَا يَلْزَمُ فِي مَالِي.
. . إلَخْ فِي عَدَمِ اللُّزُومِ، وَأَدْخَلَ بِالْكَافِ الْمُقَدَّرِ دُخُولَهَا عَلَى الْحَفَاءِ الْحَبْوَ وَالزَّحْفَ وَالْقَهْقَرَى، وَحَيْثُ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا ذَكَرَ فَيَمْشِي فِي نَذْرِ الْحَفَاءِ مُنْتَعِلًا إنْ شَاءَ وَفِي نَذْرِ غَيْرِهِ عَلَى الْعَادَةِ، وَقَدْ «نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى الْكَعْبَةِ الْقَهْقَرَى فَقَالَ مُرُوهُ لِيَمْشِ إلَى وَجْهِهِ» . (أَوْ) نَذَرَ (حَمْلَ فُلَانٍ) عَلَى عُنُقِهِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ (إنْ نَوَى التَّعَبَ) لِنَفْسِهِ بِحَمْلِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ هُوَ مَاشِيًا وَيُهْدِيَ نَدْبًا.
وَقِيلَ وُجُوبًا، فَقَوْلُهُ الْآتِي بِلَا هَدْيٍ لَا يَرْجِعُ لِهَذَا، وَكَلَامُهُ لَا يُفِيدُ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ التَّعَبَ بِأَنْ نَوَى بِحَمْلِهِ إحْجَاجَهُ مَعَهُ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ عَلَى مَا لِابْنِ يُونُسَ وَتَأَوَّلَ الْبَاجِيَّ الْمُوَطَّأَ عَلَيْهِ (رَكِبَ وَحَجَّ بِهِ) أَيْ فُلَانٌ إنْ رَضِيَ فَإِنْ أَبَى فَلَا شَيْءَ لَهُ وَحَجَّ هُوَ وَحْدَهُ (بِلَا هَدْيٍ) عَلَيْهِ فِيهِمَا، وَهَذَا مَا لَمْ يَقُلْ أُحِجُّهُ بِضَمِّ الْهَمْزِ وَإِلَّا لَزِمَهُ إحْجَاجُهُ فِي يَمِينٍ حَنِثَ فِيهَا كَمَا فِي الشَّامِلِ.
وَكَذَا فِي نَذْرٍ كَمَا لِابْنِ الْمُنِيرِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَنَصُّ الشَّامِلِ إنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا أُحِجُّهُ فَحَنِثَ أَحَجَّهُ مِنْ مَالِهِ إلَّا أَنْ يَأْبَى فَلَا شَيْءٍ عَلَيْهِ وَإِنْ قَالَ بِهِ حَجَّ رَاكِبًا وَأَخَذَهُ فَلَوْ قَالَهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ.
وَإِنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ حَمْلُ هَذَا الْعَمُودِ وَنَحْوُ لِمَلِكَةٍ قَاصِدًا بِهِ الْمَشَقَّةَ مَشَى فِي نُسُكٍ غَيْرَ حَامِلٍ شَيْئًا وَأَهْدَى، فَإِنْ رَكِبَ لِعَجْزِهِ فَهَدْيٌ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى حَمْلِهِ رَكِبَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
اهـ. وَقَوْلُهُ فَلَوْ قَالَهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ أَيْ وَمِنْ غَيْرِ نَذْرٍ إذْ لَوْ قَالَهُ فِي نَذْرٍ لَزِمَهُ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْمُنِيرِ أَفَادَهُ عب.

وَلَغَا: عَلَيَّ الْمَسِيرُ، وَالذَّهَابُ، وَالرُّكُوبُ لِمَكَّةَ، وَمُطْلَقُ الْمَشْيِ، وَمَشْيٌ لِمَسْجِدٍ، وَإِنْ لِاعْتِكَافٍ؛

[منح الجليل]

الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَإِلَّا رَكِبَ وَحَجَّ بِهِ إنَّمَا يُحْمَلُ هَذَا عَلَى مَا إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَمَّا إذَا نَوَى إحْجَاجَهُ، فَإِنَّ الْحَالِفَ لَا يَلْزَمُهُ حَجٌّ بَلْ يَدْفَعُ فَقَطْ إلَى الرَّحْلِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مُؤْنَةِ الْحَجِّ كَمَا لِأَبِي الْحَسَنِ.
وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ تَارَةً يَحُجُّ الْحَالِفُ وَحْدَهُ وَهَذَا إذَا أَرَادَ الْمَشَقَّةَ عَلَى نَفْسِهِ بِحَمْلِهِ عَلَى عُنُقِهِ، وَتَارَةً يَحُجُّ الْمَحْلُوفُ بِهِ وَحْدَهُ إذَا أَرَادَ حَمْلَهُ مِنْ مَالِهِ، وَتَارَةً يَحُجَّانِ جَمِيعًا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ.
ابْنُ عَاشِرٍ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الثَّانِي مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِقَوْلِهِ قَالَ عَنْهُ عَلِيٌّ إنْ نَوَى إحْجَاجَهُ مِنْ مَالِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا إحْجَاجُ الرَّجُلِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَهَذَا مِمَّا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، وَقَدْ حَمَلَ أَبُو عِمْرَانَ وَأَبُو إِسْحَاقَ رِوَايَةَ عَلِيٍّ عَلَى الْوِفَاقِ لِابْنِ الْقَاسِمِ.
اهـ. وَبِهِ نَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ " ز " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَلَغَا) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ بَطَلَ قَوْلُ الشَّخْصِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ (عَلَيَّ الْمَسِيرُ) إلَى مَكَّةَ إنْ فَعَلْت أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا (وَالذَّهَابُ وَالرُّكُوبُ) وَالْإِتْيَانُ وَالِانْطِلَاقُ (لِمَكَّةَ) إلَّا أَنْ يَنْوِيَ إتْيَانَهَا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فَيَأْتِيهَا رَاكِبًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَاشِيًا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، إنْ قُلْت مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَيْهَا لَزِمَهُ وَالْمَسِيرُ وَالذَّهَابُ مُسَاوِيَانِ لَهُ فَمَا الْفَرْقُ؟ . قُلْت: الْفَرْقُ أَنَّ الْعُرْفَ إنَّمَا جَرَى بِلَفْظِ الْمَشْيِ وَإِنَّهُ الْوَارِدُ فِي السُّنَّةِ وَلَمْ يَرِدْ غَيْرُهُ فِيهَا.
(وَ) لَغَا (مُطْلَقُ الْمَشْيِ) أَيْ الْمَشْيِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِمَكَّةَ، وَلَا الْكَعْبَةِ بِلَفْظٍ، وَلَا نِيَّةٍ كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ (وَ) لَغَا قَوْلُهُ عَلَيَّ (مَشْيٌ لِمَسْجِدٍ) غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ إنْ كَانَ لِجُلُوسٍ فِيهِ أَوْ قِرَاءَةٍ بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (لِاعْتِكَافٍ) أَوْ صَلَاةٍ فِيهِ لِخَبَرِ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» ، وَلَا يُعَارِضُهُ خَبَرُ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» ؛ لِأَنَّهُ عَامٌّ فَيُخَصُّ بِهَذَا.
قَالَ الشَّارِحُ لَوْ قَالَ إتْيَانٌ أَيْ لَغَا إتْيَانٌ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ جَوَازُ إتْيَانِهِ رَاكِبًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ ذَكَرَ عَدَمَ اللُّزُومِ فِيمَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ اللُّزُومُ وَهُوَ الْمَشْيُ، فَيُعْلَمُ عَدَمُ لُزُومِ غَيْرِهِ بِالْأَوْلَى.

إلَّا الْقَرِيبَ جِدًّا: فَقَوْلَانِ تَحْتَمِلُهُمَا، وَمَشْيٌ لِلْمَدِينَةِ، أَوْ إيلْيَاءَ: إنْ لَمْ يَنْوِ صَلَاةً بِمَسْجِدَيْهِمَا، أَمْ يُسَمِّهِمَا؛ فَيَرْكَبُ.
وَهَلْ إنْ كَانَ بِبَعْضِهَا، أَوْ إلَّا لِكَوْنِهِ بِأَفْضَلَ؟ خِلَافٌ،

[منح الجليل]

وَبِأَنَّهُ عَبَّرَ بِالْمَشْيِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ (إلَّا) الْمَسْجِدَ (الْقَرِيبَ جِدًّا) مِنْ النَّاذِرِ بِأَنْ كَانَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَقِيلَ مَا لَا يُحْتَاجُ فِيهِ لِإِعْمَالِ الْمَطِيِّ وَشَدِّ الرَّحْلِ (فَقَوْلَانِ تَحْتَمِلُهُمَا) الْمُدَوَّنَةِ فِي نَذْرِ الصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ أَحَدُهُمَا لُزُومُ إتْيَانِهِ مَاشِيًا كَمَا فِي الشَّارِحِ وتت.
الثَّانِي عَدَمُ لُزُومُ الْإِتْيَانِ وَيَلْزَمُهُ فِعْلُ مَا نَذَرَ بِمَوْضِعِهِ كَنَاذِرِهِمَا بِمَسْجِدٍ بَعِيدٍ.
(وَ) لَغَا (مَشْيٌ) وَأَوْلَى ذَهَابٌ وَمَسِيرٌ (لِلْمَدِينَةِ) عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ (أَوْ) لِمَسْجِدِ (إيلْيَاءَ) فَلَا يَلْزَمُهُ ذَهَابُهُ لَهُمَا لَا مَاشِيًا، وَلَا رَاكِبًا وَهُوَ مَمْدُودٌ بِوَزْنِ كِبْرِيَاءَ مَعْنَاهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مُعَرَّبٌ، وَحُكِيَ قَصْرُهُ (إنْ لَمْ يَنْوِ صَلَاةً) فَإِنْ نَوَاهَا لَزِمَهُ إتْيَانُهُمَا وَلَوْ نَفْلًا وَإِنْ اخْتَصَّتْ الْمُضَاعَفَةُ بِالْفَرْضِ لِنِيَّتِهِ إقَامَتَهُ أَيَّامًا يَنْتَفِلُ فِيهَا فَيَتَضَمَّنُ الْفَرْضَ أَوْ صَوْمًا أَوْ اعْتِكَافًا (بِمَسْجِدَيْهِمَا) أَيْ الْمَدِينَةِ وَإِيلْيَاءَ (أَوْ يُسَمِّيهِمَا) أَيْ الْمَسْجِدَيْنِ لَا الْبَلَدَيْنِ، فَإِنْ نَوَى صَلَاةً فِيهِمَا أَوْ سَمَّاهُمَا لَزِمَهُ إتْيَانُهُمَا (فَيَرْكَبُ) إنْ شَاءَ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَمَّاهُمَا فَكَأَنَّهُ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِمَا، أَوْ ظَاهِرُهُ وَلَوْ نَفْلًا.
إنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَشْيِ لِهَذَيْنِ وَالْمَشْيِ لِمَكَّةَ؟ . فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَشْيَ لِلْمَدِينَةِ مَثَلًا لَا قُرْبَةَ فِيهِ وَالْمَشْيَ لِمَكَّةَ فِيهِ قُرْبَةٌ لِإِحْرَامِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَأَنَّهُ فِيهِ مُنَاسِبٌ لِعِبَادَةِ الْحَجِّ لِمَشْيِهِ فِي الْمَنَاسِكِ وَالصَّلَاةُ مُنَافِيَةٌ لِلْمَشْيِ.
(وَهَلْ) لُزُومُ إتْيَانِ أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ إنْ كَانَ بِغَيْرِهَا بَلْ (وَإِنْ كَانَ) الْمُلْتَزِمُ (بِبَعْضِهَا) فَاضِلًا أَوْ مَفْضُولًا (أَوْ) يَلْزَمُهُ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا لِكَوْنِهِ بِأَفْضَلَ) مِمَّا الْتَزَمَ الْمَشْيَ إلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُهُ إتْيَانُ الْمَفْضُولِ فِيهِ (خِلَافٌ) فِي التَّشْهِيرِ.
ابْنُ بَشِيرٍ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لُزُومُ إتْيَانِهِ لِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُهُ أَفْضَلَ مِمَّا الْتَزَمَ الْمَشْيَ إلَيْهِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ كَانَ

وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ ثُمَّ مَكَّةُ.

[منح الجليل]

فِي أَحَدِهَا وَالْتَزَمَ الْآخَرَ لَزِمَهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْمَشْهُورِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي مَفْضُولًا.
الْمَازِرِيُّ لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ مَدَنِيٌّ أَوْ مَكِّيٌّ بِمَسْجِدِ إيلْيَاءَ صَلَّى بِمَوْضِعِهِ وَالْعَكْسُ لَازِمٌ.
وَقِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَلْزَمُ الْمَكِّيَّ مَا نَذَرَهُ بِمَسْجِدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا الْعَكْسُ.
وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: الْأَوْلَى إتْيَانُهُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ.
ابْنُ عَرَفَةَ مَا عَزَاهُ لِبَعْضِ شُيُوخِهِ هُوَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ وَذَكَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ.
(وَالْمَدِينَةُ) الْمُنَوَّرَةُ بِأَنْوَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَفْضَلُ) مِنْ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» نَقَلَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ حَبِيبٍ مَكَّةُ أَفْضَلُ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَمَسْجِدُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أَفْضَلُ مِنْ مَسْجِدِ إيلْيَاءَ، وَفِي أَفْضَلِيَّةِ مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ الْعَكْسُ الْمَشْهُورُ.
وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مَعَ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ وَوَقَفَ الْبَاجِيَّ فِي ذَلِكَ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي ضَمَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْكَعْبَةِ وَالسَّمَاءِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَاللَّوْحِ وَالْقَلَمِ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَيَلِيهِ الْكَعْبَةُ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا، وَبَاقِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنْ بَاقِي مَسْجِدِ مَكَّةَ، وَبَاقِي الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنْ بَاقِي مَكَّةَ، وَلِمَا زِيدَ فِي مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُكْمُ مَسْجِدِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَهُمْ عَلَى تَفْضِيلِ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، وَقِيلَ الْأَرْضُ أَفْضَلُ لِخَلْقِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهَا وَدَفْنِهِمْ بِهَا.
(ثُمَّ) يَلِي الْمَدِينَةَ فِي الْفَضْلِ (مَكَّةُ) الْمُشَرَّفَةُ ثُمَّ يَلِي مَكَّةَ فِي الْفَضْلِ بَيْتُ الْمَقْدِسِ فَهُوَ أَفْضَلُ وَلَوْ مِنْ الْمَسَاجِدِ الْمَنْسُوبَةِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَسْجِدِ قُبَاءَ وَمَسْجِدِ الْفَتْحِ وَمَسْجِدِ الْعِيدِ وَمَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ.
(تَتِمَّةٌ) فِي الصَّحِيحَيْنِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمَدِينَةِ «مَنْ صَبَرَ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا كُنْت لَهُ شَهِيدًا وَشَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ «لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَفِيهِ بُشْرَى لِلصَّابِرِ بِهَا بِالْمَوْتِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مَزِيَّةٌ عَظِيمَةٌ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

زَائِدَةٌ عَلَى شَفَاعَتِهِ وَشَهَادَتِهِ الْعَامَّتَيْنِ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ «مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ كُنْت لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَخَبَرُ مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ بِهَا أَشْفَعُ لَهُ وَأَشْهَدُ لَهُ» . وَسُئِلَ عج هَلْ الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ أَمْ تَرْكُهَا، وَهَلْ الْأَفْضَلُ دُخُولُ مَكَّةَ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا فَأَجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ عَدَمَ الْمُجَاوَرَةِ أَفْضَلُ لِقَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَقَفْلٌ أَيْ الرُّجُوعُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِوَارِ، وَكَانَ الْإِمَامُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْقُفُولِ بَعْدَ الْحَجِّ.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا اسْتِوَاءُ دُخُولِ مَكَّةَ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا فِي الْفَضْلِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

بَابُ الْجِهَادِ فِي أَهَمِّ جِهَةٍ كُلَّ سَنَةٍ وَإِنْ خَافَ مُحَارِبًا:

[منح الجليل]

[بَابُ الْجِهَادِ]

بَابٌ فِي الْجِهَادِ (الْجِهَادُ) أَيْ قِتَالُ مُسْلِمٍ كَافِرًا غَيْرَ ذِي عَهْدٍ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حُضُورِهِ لَهُ أَوْ دُخُولِهِ أَرْضَهُ لَهُ فَخَرَجَ قِتَالُ ذِمِّيٍّ مُحَارِبٍ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ نَقْضٍ لِلْعَهْدِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَقْتَضِي أَنَّ الْقِتَالَ لِلْغَنِيمَةِ وَإِظْهَارِ الشَّجَاعَةِ وَنَحْوِهِمَا لَيْسَ جِهَادًا فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ غَنِيمَةً وَفِيهِ نَظَرٌ وَالصَّوَابُ مَا أَفَادَهُ عج أَنَّهَا تُسْتَحَقُّ بِالْقِتَالِ مُطْلَقًا، وَأَنَّ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةِ الْإِعْلَاءِ شَهَادَةُ الْآخِرَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَيَدْخُلُ فِي إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ قِتَالُ الْعَوَامّ الْكَافِرَ لِكُفْرِهِ، وَمَحَلُّ نِيَّتِهِ عِنْدَ الْخُرُوجِ لَهُ لِلْحَدِيثِ الَّذِي فِي الْمَوَّاقِ وَلِأَنَّ سَاعَةَ الْقِتَالِ سَاعَةُ دَهْشَةٍ وَغَفْلَةٍ وَيَكُونُ (فِي أَهَمِّ جِهَةٍ) فَإِنْ اسْتَوَتْ الْجِهَاتُ فِي الْخَوْفِ فَالنَّظَرُ لِلْإِمَامِ فِي الْجِهَةِ الَّتِي يَذْهَبُ إلَيْهَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُسْلِمِينَ كِفَايَةٌ لِجَمِيعِ الْجِهَاتِ وَإِلَّا وَجَبَ جِهَادُ الْجَمِيعِ (كُلَّ سَنَةٍ) إنْ لَمْ يَخَفْ مُحَارِبًا بَلْ (وَإِنْ خَافَ) الْمُجَاهِدُ (مُحَارِبًا) أَيْ مُسْلِمًا قَاطِعَ طَرِيقٍ، وَهَذَا مُبَالَغَةٌ فِي قَوْلِهِ الْآتِي فَرْضُ كِفَايَةٍ أَيْ لَا يُسْقِطُ فَرْضِيَّةَ الْجِهَادِ خَوْفُ مُحَارِبٍ أَوْ لِصٍّ فِي طَرِيقِ الْجِهَادِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَاهُ إذَا كَانَ الْمُحَارِبُ فِي جِهَةٍ وَالْعَدُوُّ فِي جِهَةٍ وَخِيفَ مِنْ الْمُحَارِبِ عِنْدَ الِاشْتِغَالِ بِقِتَالِ الْعَدُوِّ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الْكُفْرِ لَا يَعْدِلُهُ فَسَادٌ.
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ بَعْدَ ذِكْرِ مُسْقِطَاتِ الْوُجُوبِ، وَلَا يَسْقُطُ بِالْخَوْفِ فِي الطَّرِيقِ مِنْ الْمُتَلَصِّصِينَ؛ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ أَهَمُّ، قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ وَقَطَعَةُ الطَّرِيقِ مُخِيفُوا السَّبِيلِ أَحَقُّ بِالْجِهَادِ مِنْ الرُّومِ، أَيْ فَإِذَا كَانَ قِتَالُهُمْ نَفْسَ الْجِهَادِ لَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يَكُونَ مُسْقِطًا لَهُ فَمُقَاتِلُهُمْ مُؤَدٍّ

كَزِيَارَةِ الْكَعْبَةِ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ: عَلَى كُلِّ حُرٍّ ذَكَرٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ:

[منح الجليل]

مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْجِهَادِ، وَنَسَجَ الْمُصَنِّفِ هُنَا عَلَى مِنْوَالِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْغَفَّارِ الْقَزْوِينِيِّ الشَّافِعِيِّ إذَا قَالَ فِي كِتَابِهِ الْحَاوِي فِي الْفَتَاوَى: الْجِهَادُ فِي أَهَمِّ جِهَةٍ وَإِنْ خَافَ مِنْ الْمُتَلَصِّصِينَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً كَزِيَارَةِ الْكَعْبَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّظَائِرَ قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَفِيهَا جِهَادُ الْمُحَارِبِينَ جِهَادٌ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قِتَالُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ.
ابْنُ نَاجِي الْمَشْهُورُ لَيْسَ أَفْضَلَ.
وَشَبَّهَ الْفَرْضِيَّةَ كُلَّ سَنَةٍ فَقَالَ (كَزِيَارَةِ الْكَعْبَةِ) أَيْ إقَامَةِ مَوْسِمِ الْحَجِّ لَا بِطَوَافٍ فَقَطْ أَوْ عُمْرَةٍ وَأَفْرَدَ هَذَا عَنْ نَظَائِرِهِ الْآتِيَةِ لِمُشَارَكَتِهِ الْجِهَادَ فِي وُجُوبِهِ كُلَّ سَنَةٍ وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْقِطُهَا خَوْفُ الْمُحَارِبِينَ وَلَا يُشْكِلُ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ وَأَمْنٌ عَلَى نَفْسٍ وَمَالٍ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْعَيْنِيّ، وَمَا هُنَا فَرْضُ الْكِفَايَةِ أَيْ يُخَاطَبُ كُلُّ النَّاسِ بِقِتَالِ الْمُحَارِبِ وَإِقَامَةِ الْمَوْسِمِ لَا أَهْلُ قُطْرٍ فَقَطْ كَحِجَازٍ، فَإِنْ أَقَامَهُ جَمْعٌ وَلَحِقَهُمْ شَخْصٌ بِعَرَفَةَ فَقَدْ دَخَلَ مَعَهُمْ قِيَاسًا عَلَى مُدْرِكِ تَكْبِيرَةٍ مِنْ الْجِنَازَةِ، فَإِنَّهُ يَنْوِي الْفَرْضَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الْقِيَامُ بِفَرْضِ كِفَايَتِهَا إلَّا بِسَلَامِهَا.
وَخَبَرُ الْجِهَادِ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) نَقَلَ الْجُزُولِيُّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ مُطْلَقًا.
وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ نَافِلَةٌ مَعَ الْأَمْنِ.
الْمِسْنَاوِيُّ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَلَوْ مَعَ الْأَمْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِذْلَالِ الْكُفْرِ إنْ كَانَ مَعَ وَالٍ عَدْلٍ بَلْ (وَلَوْ مَعَ وَالٍ) أَيْ أَمِيرِ جَيْشٍ (جَائِرٍ) لَا يَضَعُ الْخُمُسَ مَوْضِعَهُ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْغَزْوَ مَعَهُ إعَانَةٌ لَهُ عَلَى جَوْرِهِ وَتَرْكَهُ مَعَهُ خِذْلَانٌ لِلْإِسْلَامِ، وَنُصْرَةُ الدَّيْنِ وَاجِبَةٌ، وَكَذَا مَعَ ظَالِمٍ فِي أَحْكَامِهِ أَوْ فَاسِقٍ بِجَارِحَةٍ لَا مَعَ غَادِرٍ يَنْقُضُ الْعَهْدَ عَلَى الْأَصَحِّ وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُغَازِي مَعَهُ وَصِلَةُ فَرْضٍ (عَلَى كُلِّ حُرٍّ ذَكَرٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ) شَمِلَ الْكَافِرَ بِنَاءً عَلَى خِطَابِهِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ حَتَّى الْجِهَادِ، وَقِيلَ إلَّا الْجِهَادَ

كَالْقِيَامِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ

[منح الجليل]

وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُجَاهِدَ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي ذِمِّيٍّ فَيَجِبُ جِهَادُهُ الْحَرْبِيَّ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إسْلَامِهِ كَأَدَاءِ دَيْنٍ وَرَدِّ وَدِيعَةٍ، وَلَا يُنَافِي وُجُوبَهُ عَلَيْهِ حُرْمَةُ اسْتِعَانَتِنَا بِهِ، لَكِنْ عَدَّ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِهِ الْإِسْلَامَ وَنَقَلَهُ الْمَوَّاقُ، وَقَدْ يُقَالُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ رُشْدٍ الْوُجُوبُ الَّذِي يُطَالِبُ الْإِمَامُ بِسَبَبِهِ وَوُلَاةُ الْأُمُورِ الْكُفَّارَ لَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ، وَإِنْ قُلْنَا بِخِطَابِهِمْ بِالْفُرُوعِ وَأَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَلَيْهَا عَذَابًا زَائِدًا عَلَى عَذَابِ الْكُفْرِ قَالَهُ الشَّيْخُ الدُّسُوقِيُّ.
وَشَبَّهَ فِي فَرْضِيَّةِ الْكِفَايَةِ لَا بِقَيْدِ كُلِّ سَنَةٍ فَقَالَ (كَالْقِيَامِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ) مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ غَيْرَ مَا يَجِبُ عَيْنًا وَهُوَ مَا يَحْتَاجُهُ الشَّخْصُ فِي نَفْسِهِ وَمُعَامَلَتِهِ مِنْ فِقْهٍ وَأُصُولِهِ وَحَدِيثٍ وَتَفْسِيرٍ وَعَقَائِدَ وَمَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ كَنَحْوٍ وَلُغَةٍ وَصَرْفٍ وَبَيَانٍ وَمَعَانٍ وَمِمَّا يَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ الْمَنْطِقُ لِقَوْلِ شَارِحِ الْمَطَالِعِ وَلِأَمْرٍ مَا أَصْبَحَ الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ الَّذِينَ تَلَأْلَأَتْ فِي ظُلُمَاتِ اللَّيَالِي قَرَائِحُهُمْ الْوَقَّادَةُ وَاسْتَنَارَ عَلَى صَفَحَاتِ الْأَيَّامِ آثَارُ خَوَاطِرِهِمْ الْمُنْقَادَةِ يَحْكُمُونَ بِوُجُوبِ مَعْرِفَةِ عِلْمِ الْمَنْطِقِ، بَلْ قَالَ السَّيِّدُ عَقِبَ هَذَا مَا نَصُّهُ إمَّا فَرْضُ عَيْنٍ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ، وَإِمَّا فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ شَعَائِرِ الدَّيْنِ بِحِفْظِ عَقَائِدِهِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِهِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ آخَرُونَ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِهِ لَا ثِقَةَ بِعِلْمِهِ وَسَمَّاهُ مِعْيَارَ الْعُلُومِ، وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ بِهَا حِفْظُهَا وَإِقْرَاؤُهَا وَقِرَاءَتُهَا وَتَحْقِيقُهَا وَتَهْذِيبُهَا وَتَعْمِيمُهَا إنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وَتَخْصِيصُهَا كَذَلِكَ، وَتَعْبِيرُهُ بِعُلُومِ الشَّرْعِ أَحْسَنُ مِنْ تَعْبِيرِ غَيْرِهِ بِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعُلُومَ الشَّرْعِيَّةَ قَاصِرَةٌ عَلَى الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ، وَالْمُرَادُ هُنَا أَعَمُّ لِزِيَادَةِ الْعَقَائِدِ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ النِّسَاءُ كَمَا فِي شَرْحِ التَّنْقِيحِ فَيَجِبُ عَلَى الْمُنَاهَلَةِ مِنْهُنَّ الْقِيَامُ بِعُلُومِ الشَّرْعِ كَمَا كَانَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَنِسَاءٌ تَابِعِيَّاتٌ، وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ التَّقْصِيرَ ظَهَرَ فِي أَكْثَرِهِنَّ اهـ. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ غَيْرَ مَا يَجِبُ عَيْنًا إلَخْ الْوَاجِبُ عَيْنًا لَا يَنْحَصِرُ فِي بَابٍ مُعَيَّنٍ فَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ لَا يُقْدِمَ عَلَى أَمْرٍ حَتَّى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ وَلَوْ بِالسُّؤَالِ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ مِمَّا يَتَوَقَّفُ

وَالْفَتْوَى وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ،

[منح الجليل]

عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ أَيْ؛ لِأَنَّ شَارِحَ الْمَطَالِعِ وَهُوَ الْقُطْبُ الرَّازِيّ وَمُحْشِيَةُ السَّيِّدِ لَيْسَا مَالِكِيَّيْنِ، بَلْ، وَلَا مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُحْتَجُّ عَلَى وُجُوبِهِ بِكَلَامِهِمَا.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَوَقُّفِ الْعَقَائِدِ عَلَيْهِ وَتَوَقُّفِ إقَامَةِ الدَّيْنِ عَلَيْهَا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَجَمِيعُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إلَى أَنَّ عِلْمَ الْكَلَامِ وَالْجَدَلِ بِدْعَةٌ وَحَرَامٌ، وَأَنَّ الْعَبْدَ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ بِكُلِّ ذَنْبٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِعِلْمِ الْكَلَامِ اهـ. وَنَهَى عَنْ قِرَاءَةِ الْمَنْطِقِ الْبَاجِيَّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ وَعِيَاضٌ وَقَالَ الشَّاطِبِيُّ فِي الْمُوَافَقَاتِ فِي الْقَضَايَا الشَّرْعِيَّةِ إنَّ عِلْمَ الْمَنْطِقِ مُنَافٍ لَهَا؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تُوضَعْ إلَّا عَلَى الشَّرِيعَةِ الْأُمِّيَّةِ اهـ. وَقَالَ فِي الْإِحْيَاءِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا تَحْصُلُ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ بَلْ يَكَادُ الْكَلَامُ يَكُونُ حِجَابًا عَنْهَا وَمَانِعًا مِنْهَا، وَقَالَ أَيْضًا لَيْسَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ عَقَائِدِ الدَّيْنِ إلَّا الْعَقِيدَةُ الَّتِي يُشَارِكُ فِيهَا الْعَوَامَّ، وَإِنَّمَا يَتَمَيَّزُ عَنْهُمْ بِصَنْعَةِ الْمُجَادَلَةِ اُنْظُرْ سُنَنَ الْمُهْتَدِينَ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَنْطِقُ مَنْهِيًّا عَنْهُ فَلَا أَقَلَّ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ.
وَأَمَّا الْوُجُوبُ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ مَنْ كَانَ فِيهِ مَوْضِعٌ لِلْإِمَامَةِ وَالِاجْتِهَادِ فَطَلَبُ الْعِلْمِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ يَعْنِي أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى مَنْ ظَهَرَتْ فِيهِ الْقَابِلِيَّةُ، وَهَذَا قَوْلُ سَحْنُونٍ.
ابْنُ نَاجِي وَالنَّفْسُ إلَيْهِ أَمْيَلُ وَجَعَلَهُ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ الْمَذْهَبَ قَائِلًا: لَا أَعْرِفُ خِلَافَهُ.
(وَ) الْقِيَامُ بِ (الْفَتْوَى) أَيْ الْإِخْبَارِ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَفْظًا أَوْ كَتْبًا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْإِلْزَامِ (وَ) الْقِيَامُ بِدَفْعِ (الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ) وَنُسْخَةُ " غ " وَالدَّرْءُ مَصْدَرُ دَرَأَ أَيْ الدَّفْعُ أَوْلَى لِعَدَمِ احْتِيَاجِهَا لِتَقْدِيرٍ وَيَلْحَقُ بِالْمُسْلِمِينَ مَنْ فِي حُكْمِهِمْ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ وَالدَّفْعُ بِإِطْعَامِ جَائِعٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ حَيْثُ لَمْ تَفِ الصَّدَقَاتُ، وَلَا بَيْتُ الْمَالِ بِذَلِكَ، وَإِذَا أَخَذَ لِصٌّ مَالَ غَيْرِك وَسَلَّمَ مَالَك فَعَلَيْك مُعَاوَنَتُهُ وَوَرَدَ فِي مُنْتَقَمٍ مِنْهُ، «قَالَ: لَعَلَّهُ رَأَى مَظْلُومًا فَلَمْ يَنْصُرْهُ» ، وَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَى دَفْعِ مَضَرَّةٍ ابْنُ عَرَفَةَ خَوْفُ الْعَزْلِ مِنْ الْخِطَّةِ لَيْسَ مَضَرَّةً.

وَالْقَضَاءِ، وَالشَّهَادَةِ، وَالْإِمَامَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ،

[منح الجليل]

وَ) الْقِيَامُ بِ (الْقَضَاءِ) أَيْ الْحُكْمِ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ (وَ) الْقِيَامُ بِ (الشَّهَادَةِ) تَحَمُّلًا وَأَدَاءً إنْ اُحْتِيجَ لَهُ إنْ وُجِدَ أَكْثَرُ مِنْ نِصَابٍ وَإِلَّا تَعَيَّنَ عَلَى النِّصَابِ (وَ) الْقِيَامُ بِ (الْإِمَامَةِ) بِالصَّلَاةِ حَيْثُ كَانَتْ إقَامَتُهَا بِالْبَلَدِ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَكَذَا الْإِمَامَةُ الْعُظْمَى وَشَرْطُهُ كَوْنُهُ وَاحِدًا.
الْمَازِرِيُّ إلَّا أَنْ يَبْعُدَ النَّظَرُ جِدًّا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ إرْسَالُ نَائِبٍ عَنْهُ فَيَجُوزُ تَعَدُّدٌ.
(وَ) الْقِيَامُ بِ (الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ) وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ كُلٍّ، وَأَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ مَفْسَدَةً، وَأَنْ يَظُنَّ الْإِفَادَةَ وَإِلَّا وَلِأَنَّ شَرْطَانِ لِلْجَوَازِ أَيْضًا فَيَحْرُمُ عِنْدَ عَدَمِهِمَا.
وَالثَّالِثُ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ فَقَطْ فَإِنْ لَمْ يَظُنَّ الْإِفَادَةَ فَلَا يَجِبُ، وَيَجُوزُ إنْ لَمْ يَتَأَذَّ فِي بَدَنِهِ أَوْ عِرْضِهِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، وَهَذَا عُلِمَ مِنْ الثَّانِي وَشَرْطُ الْمُنْكَرِ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ ضَعْفُ مُدْرَكِ الْقَائِلِ بِحِلِّهِ، فَيَجِبُ نَهْيُ الْحَنَفِيِّ عَنْ شُرْبِ النَّبِيذِ وَإِنْ قَالَ بِحِلِّهِ أَبُو حَنِيفَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لِضَعْفِ مُدْرَكِهِ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ إنْ عُلِمَ أَنَّ مُرْتَكِبَهُ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ بِتَقْلِيدِهِ مَنْ قَالَ بِهَا فَلَا يُنْهَى عَنْهُ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ مُعْتَقِدٌ تَحْرِيمَهُ فَيُنْهَى عَنْهُ لِانْتِهَاكِهِ الْحُرْمَةَ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
زَرُّوقٌ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ الْحِلَّ وَلَا الْحُرْمَةَ وَمُدْرَكُهُمَا مُتَوَازٍ أُرْشِدَ لِلتَّرْكِ بِرِفْقٍ بِلَا إنْكَارٍ، وَلَا تَوْبِيخٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَرَعِ، وَلَا يُشْتَرَطُ إذْنُ الْإِمَامِ، وَلَا عَدَالَةُ الْآمِرِ أَوْ النَّاهِي عَلَى الْمَشْهُورِ لِخَبَرِ عَامِرٍ «مُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَجْتَنِبْهُ» وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 44] ، فَخَرَجَ مَخْرَجَ الزَّجْرِ عَنْ نِسْيَانِ النَّفْسِ لَا أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ، وَشَرْطُهُ ظُهُورُ الْمُنْكَرِ بِلَا تَجَسُّسٍ وَلَا اسْتِرَاقِ سَمْعٍ، وَلَا اسْتِنْشَاقِ رِيحٍ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ لِمُنْكَرٍ، وَلَا يَبْحَثُ عَمَّا أُخْفِيَ بِيَدٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ حَانُوتٍ أَوْ دَارٍ فَإِنَّهُ حَرَامٌ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُرْمَةَ الْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ لَا تَمْنَعُ وُجُوبَ النَّهْيِ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَقْوَى مَرَاتِبِهِ الْيَدُ ثُمَّ اللِّسَانُ بِرِفْقٍ وَلِينٍ ثُمَّ بِقَلْبِهِ وَهُوَ أَضْعَفُهَا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَنْ ضَلَّ، قِيلَ لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ النَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِشَيْءٍ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَبُحِثَ فِيهِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ

وَالْحِرَفِ الْمُهِمَّةِ وَرَدِّ السَّلَامِ،

[منح الجليل]

اللَّفْظِيَّيْنِ بِدَلِيلِ تَعَلُّقِهِمَا بِاللِّسَانِ وَنَحْوِهِ كَالْيَدِ لَا النَّفْسِيَّيْنِ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْأَمْرَ اللَّفْظِيَّ لَيْسَ هُوَ النَّهْيَ اللَّفْظِيَّ قَطْعًا، وَلَا يَتَضَمَّنُهُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَشَرْحِهِ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ، أَوْ اقْتِضَاءُ كَفٍّ بِلَفْظِ كَفٍّ وَالنَّهْيُ اقْتِضَاءُ الْكَفِّ عَنْ فِعْلٍ بِغَيْرِ لَفْظِ كَفٍّ.
وَقِيلَ يَتَضَمَّنُهُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إذَا قِيلَ اُسْكُنْ فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَا تَتَحَرَّك أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ السُّكُونُ بِدُونِ الْكَفِّ عَنْ التَّحَرُّكِ.
وَحَمْلُ الْأَمْرِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا يَشْمَلُ النَّهْيَ بِأَنْ يُعْرَفَ بِأَنَّهُ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ وَلَوْ كَفًّا بِلَفْظِ كَفٍّ أَوْ بِغَيْرِ لَفْظِ كَفٍّ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ، وَلَا قَرِينَةَ فِي كَلَامِهِ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْحَمْلِ أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ اللَّفْظِيَّيْنِ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الْمُرَادُ هُنَا النَّفْسِيَّانِ فَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ اقْتِضَاءُ فِعْلِهِ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ أَمْرًا اصْطِلَاحِيًّا أَوْ نَهْيًا، فَنَحْوُ لَا تَفْعَلْ أَمْرٌ بِالْكَفِّ عَنْ الْفِعْلِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ خِلَافًا لِقَوْلِهِ يَسْتَلْزِمُهُ، وَهُوَ وَالْبَحْثُ فِيهِ خُرُوجٌ عَنْ الْمَقْصُودِ.
(وَ) الْقِيَامُ بِ (الْحِرَفِ) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ جَمْعُ حِرْفَةٍ أَيْ الصَّنَائِعُ (الْمُهِمَّةُ) الَّتِي لَا يَسْتَقِيمُ صَلَاحُ مَعَاشِ النَّاسِ إلَّا بِهَا كَخِيَاطَةٍ وَحِيَاكَةٍ وَغَزْلٍ وَبِنَاءٍ وَبَيْعٍ لَا غَيْرِهَا كَقَصْرِ قُمَاشٍ وَنَقْشٍ (وَ) الْقِيَامُ بِ (رَدِّ السَّلَامِ) وَلَوْ عَلَى قَارِئِ قُرْآنٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِدَلِيلِ سُنِّيَّةِ السَّلَامِ عَلَيْهِ أَوْ مُصَلٍّ، لَكِنْ بِإِشَارَةٍ وَلَعَلَّهُ إنْ كَانَ الْمُسْلِمُ بَصِيرًا مَعَ الضَّوْءِ، وَلَا يُطْلَبُ بِرَدِّهِ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ، ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ بَقِيَ الْمُسْلِمُ، وَعَلَى آكِلٍ لَا عَلَى مُلَبٍّ وَمُؤَذِّنٍ وَمُقِيمٍ وَسَامِعِ خُطْبَةٍ وَقَاضِي حَاجَةٍ وَوَاطِئٍ حَالَ تَلَبُّسِ كُلٍّ وَبَعْدَ فَرَاغِهِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ.
وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ فَيَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ إنْ اسْتَمَرَّ الْمُسْلِمُ حَاضِرًا إلَى فَرَاغِهِمْ، وَيَجِبُ إسْمَاعُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ لَمْ يُنْهَ عَنْ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ، وَأَنَّ حَالَ الْأَخِيرَيْنِ يُنَافِي الذِّكْرَ الَّذِي مِنْهُ رَدُّ السَّلَامِ، وَيُشْتَرَطُ إسْمَاعُ الْمُسْلِمِ الْحَاضِرِ السَّمِيعِ وَإِلَّا فَلَا كَرَدِّ سَلَامٍ مَكْتُوبٍ، وَيَسْقُطُ فَرْضُ الرَّدِّ عَنْ جَمَاعَةٍ قُصِدُوا بِالسَّلَامِ بِرَدِّ أَحَدِهِمْ وَالْأَوْلَى رَدُّ جَمِيعِهِمْ، وَهَلْ لِغَيْرِ الرَّادِّ ثَوَابٌ أَمْ؟ لَا، تَرَدُّدٌ.
ثَالِثُهَا إنْ نَوَاهُ وَتَرَكَهُ لِرَدِّ غَيْرِهِ.
وَفِي شَرْحِ التَّنْقِيحِ

وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ، وَفَكِّ الْأَسِيرِ، وَتَعَيَّنَ بِفَجْئِ الْعَدُوِّ

[منح الجليل]

أَنَّ ثَوَابَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ يَحْصُلُ لِغَيْرِ فَاعِلِهِ مِنْ حَيْثُ سُقُوطُ الطَّلَبِ عَنْهُ وَثَوَابُ نَفْسِ الْفِعْلِ لِفَاعِلِهِ فَقَطْ وَإِنْ قُصِدَ وَاحِدٌ مِنْ جَمَاعَةٍ بِالسَّلَامِ تَعَيَّنَ الرَّدُّ عَلَيْهِ، وَإِنْ سَلَّمَ جَمَاعَةٌ دَفْعَةً عَلَى وَاحِدٍ كَفَاهُمْ رَدٌّ وَاحِدٌ.
وَيَجِبُ رَدُّ سَلَامِ صَبِيٍّ وَلَا يَكْفِي رَدُّهُ عَنْ بَالِغِينَ لِعَدَمِ خِطَابِهِ بِالْفَرْضِ.
وَلَا تُسَلِّمُ شَابَّةٌ عَلَى مُحَرَّمِهَا، وَلَا هُوَ عَلَيْهَا.
وَهَلْ يَجِبُ رَدُّ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا أَمْ لَا؛ لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِمَا لَا يَحِلُّ، وَهَلْ الرَّدُّ أَفْضَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ أَوْ الِابْتِدَاءُ؟ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ فَتَكُونُ السُّنَّةُ أَفْضَلَ مِنْ الْفَرْضِ، كَإِبْرَاءِ الْمُعْسِرِ الَّذِي هُوَ مَنْدُوبٌ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ إنْظَارِهِ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ، وَكَالْوُضُوءِ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَإِذَا عَلِمَ اسْتِثْقَالَ سَلَامِهِ عَلَى إنْسَانٍ جَازَ لَهُ تَرْكُهُ.
وَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ السَّلَامَ جَازَ لَهُ تَرْكُ السَّلَامِ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ الْأَوْلَى.
وَفِي الْأَذْكَارِ أَنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ يَجِبُ الرَّدُّ عَلَى آكِلٍ تَقَدَّمَ عَنْ الْحَطّ أَنَّهُ يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْآكِلِ، وَلَا يَرُدُّ، وَقَوْلُهُ لَمْ يُنْهَ عَنْ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ إلَخْ غَيْرُ صَوَابٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ كَمُلَبٍّ عَطْفٌ عَلَى الْمَكْرُوهِ لَا عَلَى الْجَائِزِ، وَمَا نَقَلَهُ عَنْ شَرْحِ التَّنْقِيحِ لَا مَعْنَى لَهُ وَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ حُصُولِ الثَّوَابِ عَلَى النِّيَّةِ إذَا نَوَى الرَّدَّ وَاَلَّذِي قَالَهُ الْقَرَافِيُّ نَصُّهُ: الْفَاعِلُ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إنَّمَا يُسَاوِي غَيْرَ الْفَاعِلِ فِي سُقُوطِ التَّكْلِيفِ لَا فِي الثَّوَابِ وَعَدَمِهِ، فَلَعَلَّ مَا نَقَلَهُ " ز " مُحَرَّفٌ.
وَقَوْلُهُ كَمَا أَنَّ إبْرَاءَ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ إبْرَاءَ الْمُعْسِرِ وَالْوُضُوءَ قَبْلَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ مَعًا فَلَيْسَ فِيهِمَا فَضْلُ مَنْدُوبٍ عَلَى وَاجِبٍ.
(وَ) الْقِيَامُ بِ (تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ) الْمُسْلِمِ بِالتَّغْسِيلِ وَالتَّكْفِينِ وَالدَّفْنِ وَغَيْرِهَا، وَالْكَافِرُ يُتْرَكُ لِلْكُفَّارِ إلَّا أَنْ يُخَافَ ضَيْعَتُهُ فَيُوَارَى فَقَطْ (وَ) الْقِيَامُ بِ (فَكِّ الْأَسِيرِ) إنْ كَانَ بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَانَ بِمَالِهِ أَوْ بِالْفَيْءِ فَلَيْسَ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَإِنْ احْتَاجَ فَكُّهُ لِقِتَالٍ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَيْهِمْ.
الْقَرَافِيُّ يَكْفِي فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ ظَنُّ الْفِعْلِ (وَتَعَيَّنَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ صَارَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ (بِفَجْئِ) أَيْ هُجُومِ (الْعَدُوِّ) أَيْ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ عَلَى قَوْمٍ بَغْتَةً وَلَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى

وَإِنْ عَلَى امْرَأَةٍ، وَعَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إنْ عَجَزُوا، وَبِتَعْيِينِ الْإِمَامِ.

وَسَقَطَ: بِمَرَضٍ، وَصِبًا، وَجُنُونٍ، وَعَمًى، وَعَرَجٍ،

[منح الجليل]

دَفْعِهِ أَوْ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ دَارِهِمْ فَيَلْزَمُ كُلَّ قَادِرٍ عَلَى الْقِتَالِ الْخُرُوجُ لَهُ وَقِتَالُهُ إنْ تَوَقَّفَ دَفْعُهُ عَلَى الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ.
بَلْ (وَأَيْ عَلَى امْرَأَةٍ) وَرَقِيقٍ وَصَبِيٍّ مُطِيقٍ لِلْقِتَالِ.
الْجُزُولِيُّ وَيُسْهَمُ حِينَئِذٍ لِلرَّقِيقِ وَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ (وَ) تَعَيَّنَ الْجِهَادُ (عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ) أَيْ مَنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ (إنْ عَجَزُوا) أَيْ مَنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ عَنْ دَفْعِهِ إنْ لَمْ يَخْشَ غَيْرُ الْمَفْجُوئِينَ مَعَرَّةً عَلَى نِسَائِهِمْ وَعِيَالِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ مِنْ عَدُوٍّ بِتَشَاغُلِهِمْ بِالدَّفْعِ عَمَّنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ، وَإِلَّا تَرَكُوا إعَانَتَهُمْ (وَ) تَعَيَّنَ الْجِهَادُ (بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ) عَبَّ وَلَوْ لِصَبِيٍّ مُطِيقٍ لِلْقِتَالِ كَمَا فِي النَّوَادِرِ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ مَدِينٍ فَيَخْرُجُونَ وَلَوْ مَنَعَهُمْ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ وَالْأَبَوَانِ وَرَبُّ الدَّيْنِ اهـ. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ لِصَبِيٍّ إلَخْ إنَّمَا عَزَاهُ الْمَوَّاقُ لِلنَّوَادِرِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مُفَاجَأَةِ الْعَدُوِّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي تَعْيِينِ الْإِمَامِ، نَعَمْ لَمَّا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ مُطْلَقًا.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ مَا نَصُّهُ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ مُطْلَقًا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ أَمْ لَا كَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ فَإِنَّهُمَا يَلْزَمُهُمَا حِينَئِذٍ الْجِهَادُ وَنَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ شَاسٍ اهـ. قُلْتُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ ابْنَ شَاسٍ إنَّمَا ذَكَرَ الْعَبْدَ وَالْمَرْأَةَ فِي نُزُولِ الْعَدُوِّ، وَلَا فِي تَعْيِينِ الْإِمَامِ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ هُنَا فِي تَعْيِينِ الْإِمَامِ عَلَى أَنَّ تَوَجُّهَ الْوُجُوبِ إلَى الصَّبِيِّ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ، قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الدُّسُوقِيُّ الْمُرَادُ بِتَعَيُّنِهِ عَلَى الصَّبِيِّ بِفَجْئِ الْعَدُوِّ، وَتَعْيِينُ الْإِمَامِ إلْجَاؤُهُ إلَيْهِ وَجَبْرُهُ عَلَيْهِ كَمَا يُلْزَمُ بِمَا فِيهِ صَلَاحُ حَالِهِ لَا بِمَعْنَى عِقَابِهِ عَلَى تَرْكِهِ، كَذَا ذَكَرَ طفي، فَلَا يُقَالُ: إنَّ تَوَجُّهَ الْوُجُوبِ لِلصَّبِيِّ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ.
اهـ. شَيْخُنَا عَدَوِيٌّ.

مُسْقِطَاتُ الْجِهَادِ (وَسَقَطَ) الْجِهَادُ (بِمَرَضٍ) شَدِيدٍ مَانِعٍ بَعْدَ التَّعَيُّنِ بِفَجْئِ عَدُوٍّ أَوْ تَعْيِينِ إمَامٍ (وَصِبًا) مَانِعٍ مِنْ إطَاقَتِهِ وَلَوْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ (وَجُنُونٍ وَعَمًى وَعَرَجٍ) وَفِي تَعَلُّقِ السُّقُوطِ بِالصَّبِيِّ وَالْأَعْمَى وَالْأَعْرَجِ وَالْمَجْنُونِ الَّذِينَ بَلَغُوا كَذَلِكَ تَجَوُّزٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَسْقُطَ عَنْهُمْ،

وَأُنُوثَةٍ، وَعَجْزٍ عَنْ مُحْتَاجٍ لَهُ، وَرِقٍّ، وَدَيْنٍ حَلَّ كَوَالِدِينَ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ:

[منح الجليل]

فَاسْتَعْمَلَ سَقَطَ فِي حَقِيقَتِهِ فِي الْأَوَّلِ وَمَجَازِهِ فِيمَا بَعْدَهُ بِمَعْنَى عَدَمِ لُزُومِهِ اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ فَاعِلُ سَقَطَ عَائِدٌ مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَأَمَّا فَرْضُ الْعَيْنِ فَلَا يَسْقُطُ بِالْأُنُوثَةِ، وَلَا بِالرِّقِّ، وَلَا بِالصِّبَا وَإِنْ سَقَطَ بِغَيْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَإِنْ عَلَى امْرَأَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَأُنُوثَةٍ وَعَجْزٍ عَنْ مُحْتَاجٍ لَهُ) مِنْ سِلَاحٍ وَمَرْكُوبٍ وَنَفَقَةٍ ذَهَابًا وَإِيَابًا فَيُعْتَبَرُ مَا يُرَدُّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَخْشَ ضَيَاعًا لِشِدَّةِ الْإِقَامَةِ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ (وَرِقٍّ) وَلَوْ فِيهِ شَائِبَةَ حُرِّيَّةٍ إنْ لَمْ يُعَيَّنْ (وَدَيْنٍ حَلَّ) وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى وَفَائِهِ وَإِلَّا خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ فَلَوْ كَانَ يَحِلُّ فِي غَيْبَتِهِ وَكَّلَ مَنْ يَقْضِيه عَنْهُ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ، فَلَوْ لَمْ يُوَكِّلْ لِعَدَمِ مَا يَقْضِيهِ بِهِ الْآنَ وَحُصُولِهِ بِبَيْعِهِ وَشِرَائِهِ لَكَانَ لَهُ مَنْعُهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ حِينَئِذٍ، وَسَيَأْتِي أَنَّ لِرَبِّ الدَّيْنِ مَنْعَ مَدِينِهِ مِنْ سَفَرِهِ إذَا كَانَ الدَّيْنُ يَحِلُّ فِي غَيْبَتِهِ، وَقُيِّدَ بِمَا تَقَدَّمَ وَاسْتُشْكِلَ سُقُوطُهُ بِالدَّيْنِ الْحَالِّ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ بِأَنَّهُ إنْ تَرَكَ وَفَاءَهُ مَطْلًا تَرَكَ فَرْضَ الْجِهَادِ وَفَرْضَ أَدَاءِ الدَّيْنِ وَإِنْ وَفَاءً فَلَا وَجْهَ لِسُقُوطِ الْجِهَادِ.
وَأُجِيبَ بِحَمْلِهِ عَلَى غَيْبَةِ رَبِّ الدَّيْنِ وَتَعَذَّرَ دَفْعُهُ لِغَيْرِهِ لِعَدَمِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ وَكِيلٍ وَحَاكِمٍ عَدْلٍ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى احْتِيَاجِهِ لِبَيْعِ عُرُوضِهِ وَقَبْضِ دُيُونِهِ مَثَلًا.
وَشَبَّهَ فِي السُّقُوطِ فَقَالَ (كَ) مَنْعِ (وَالِدَيْنِ) أَوْ أَحَدِهِمَا وَسَكَتَ الْآخَرُ أَوْ مَاتَ أَوْ أَجَازَ (فِي) كُلٍّ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) جِهَادًا أَوْ عِلْمًا كِفَائِيًّا أَوْ غَيْرَهُمَا فَلَا يَخْرُجُ لَهُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا إنْ كَانَ فِي بَلَدِهِ مَنْ يُفِيدُهُ وَإِلَّا خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا إنْ كَانَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ: لَوْ مَنَعَهُ أَبَوَاهُ مِنْ الْخُرُوجِ لِلْفِقْهِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ وَمَرَاتِبِهِ وَمَرَاتِبِ الْقِيَاسِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا بِبَلَدِهِ فَلَا يَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَإِلَّا خَرَجَ، وَلَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي مَنْعِهِ؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَ دَرَجَاتِ الْمُجْتَهِدِينَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَاعْتَرَضَهُ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ طَاعَةَ الْأَبَوَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ فَلَا تَسْقُطُ لِأَجْلِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ.
وَفِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ غَازِيٍّ: وَسَفَرُ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ لَيْسَ لَهُمَا مَنْعُهُ فَإِنْ كَانَ فَرْضَ

بِبَحْرٍ، أَوْ خَطَرٍ؛ لَا جَدٍّ، وَالْكَافِرُ كَغَيْرِهِ فِي غَيْرِهِ.

وَدُعُوا لِلْإِسْلَامِ،

[منح الجليل]

كِفَايَةٍ فَلْيَتْرُكْهُ فِي طَاعَتِهِمَا (بِبَحْرٍ) ابْنُ غَازِيٍّ الَّذِي فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا كَوَالِدَيْنِ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ بِبَحْرٍ أَوْ خَطَرٍ، وَلَعَلَّ صَوَابَهُ كَتَجْرٍ بِبَحْرٍ أَوْ خَطَرٍ بِالْكَافِ الدَّاخِلَةِ عَلَى تَجْرٍ بِالْمُثَنَّاةِ فَوْقَ وَالْجِيمِ مِنْ التِّجَارَةِ ثُمَّ الْبَاءُ الدَّاخِلَةُ عَلَى بَحْرٍ ضِدِّ الْبَرِّ فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ ابْنِ شَاسٍ وَلِلْوَالِدَيْنِ الْمَنْعُ مِنْ رُكُوبِ الْبِحَارِ وَالْبَرَارِي الْمُخْطِرَةِ لِلتِّجَارَةِ وَحَيْثُ لَا خَطَرَ لَا يَجُوزُ لَهُمَا الْمَنْعُ (أَوْ) بَرٍّ (خَطِرٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مَخُوفٍ عَلَى النَّفْسِ لِعَدَمِ أَمْنِهِ أَيْ لَهُمَا الْمَنْعُ مِنْ رُكُوبِ بَحْرٍ وَمِنْ سَفَرٍ فِي بَرٍّ خَطِرٍ لِلتِّجَارَةِ لِمَعَاشِهِ، فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْجِهَادِ.
فَإِنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْنَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ لَهُمَا مَنْعُهُ مُطْلَقًا، وَبَيْنَ التِّجَارَةِ لِمَعَاشِهِ لَهُمَا مَنْعُهُ مِنْهَا بِبَحْرٍ أَوْ بَرٍّ خَطِرٍ.
أَجَابَ عج بِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لَمَّا كَانَ يَقُومُ بِهِ الْغَيْرُ كَانَ لَهُمَا مَنْعُهُ مِنْهُ مُطْلَقًا بِخِلَافِ التِّجَارَةِ، لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ الَّذِي لَهُمَا مَنْعُهُ مِنْهُ حَتَّى فِي الْبَرِّ إلَّا مِنْ خُصُوصِ الْجِهَادِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَلَيْسَ لَهُمَا مَنْعُهُ فِي الْبَرِّ الْآمِنِ، وَهَذَا وَارِدٌ عَلَى تَصْوِيبِ " غ "، فَلَوْ قَالَ عَقِبَ قَوْلِهِ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ إنْ كَانَ جِهَادَ عَدُوٍّ وَأَنْ يَبْرَأَ مَنْ لَا غَيْرُهُ بِهِ لَسَلِمَ مِنْ هَذَا اهـ. (لَا) يَسْقُطُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِمَنْعِ (جَدٍّ) وَلَوْ الْأَقْرَبَ (وَ) الشَّخْصُ (الْكَافِرُ) أَبًا أَوْ أُمًّا (كَغَيْرِهِ) أَيْ الْوَالِدِ الْمُسْلِمِ (فِي) تَرْكِ كُلِّ فَرْضِ كِفَايَةٍ (غَيْرِهِ) أَيْ الْجِهَادِ لَا فِي تَرْكِ الْجِهَادِ لِاتِّهَامِهِ بِقَصْدِهِ بِمَنْعِ وَلَدِهِ مِنْهُ تَوْهِينَ الْإِسْلَامِ.
وَفِي الْمَوَّاقِ تَقْيِيدُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِعِلْمِهِ أَنَّ مَنْعَهُمَا لِكَرَاهَةِ إعَانَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ لِشَفَقَتِهِمَا عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ، لَكِنْ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ مِنْ الْجِهَادِ مُطْلَقًا، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّ لَهُ الْمَنْعَ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَنْعَهُ لِتَوْهِينِ الْإِسْلَامِ فَظَاهِرُهُ أَنَّ تَفْصِيلَ سَحْنُونٍ مُقَابَلٌ وَمِثْلُهُ فِي الْجَوَاهِرِ.

(وَدُعُوا) بِضَمِّ الدَّالِ وَالْعَيْنِ أَيْ الْكُفَّارُ قَبْلَ الْقِتَالِ (لِلْإِسْلَامِ) إجْمَالًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلِ الشَّرَائِعِ إلَّا أَنْ يَسْأَلُوا عَنْهَا فَتُبَيَّنَ لَهُمْ قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ بِلُغَتِهِمْ الدَّعْوَةُ أَمْ لَا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ

ثُمَّ جِزْيَةٍ بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ، وَإِلَّا قُوتِلُوا وَقُتِلُوا؛ إلَّا الْمَرْأَةَ؛ إلَّا فِي مُقَاتَلَتِهَا، وَالصَّبِيَّ

[منح الجليل]

الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَتُكَرَّرُ الدَّعْوَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ.
وَقِيلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي يَوْمٍ وَيُقَاتَلُونَ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ بِلَا دَعْوَةٍ، وَالْمُرَادُ بِالْإِسْلَامِ مَا يُخْرَجُ بِهِ مِنْ الْكُفْرِ كَالشَّهَادَتَيْنِ لِمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِمَضْمُونِهِمَا وَعُمُومِ رِسَالَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُنْكِرِ عُمُومِهَا، فَتُدْعَى كُلُّ فِرْقَةٍ لِلْخُرُوجِ عَمَّا كَفَرَتْ بِهِ.
(ثُمَّ) إنْ امْتَنَعُوا مِنْ الْإِسْلَامِ دُعُوا إلَى أَدَاءِ (جِزْيَةٍ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ مُجْمَلَةً إلَّا أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ تَفْصِيلِهَا فَتُبَيَّنَ لَهُمْ (بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَدْرِ الْكُفَّارِ فِيهِ رَاجِعٌ لِدُعَائِهِمْ لِلْإِسْلَامِ وَلِدُعَائِهِمْ لِلْجِزْيَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُجِيبُوا لِلْجِزْيَةِ أَوْ أَجَابُوا لَهَا لَكِنْ بِمَحَلٍّ لَا تَنَالُهُمْ فِيهِ أَحْكَامُنَا وَلَمْ يَرْتَحِلُوا إلَى بِلَادِنَا أَوْ خِيفَ مِنْ دُعَائِهِمْ إلَى الْإِسْلَامِ أَوْ الْجِزْيَةِ أَنْ يُعَاجِلُونَا بِالْقِتَالِ (قُوتِلُوا) أَيْ أُخِذَ فِي قِتَالِهِمْ (وَ) إذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ (قُتِلُوا) أَيْ جَازَ قَتْلُهُمْ (إلَّا) سَبْعَةً فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ (الْمَرْأَةَ) فَلَا تُقْتَلُ فِي حَالٍ (إلَّا فِي مُقَاتَلَتِهَا) فَتُقْتَلُ إنْ قَتَلَتْ بِسِلَاحٍ أَوْ حِجَارَةٍ أُسِرَتْ أَمْ لَا.
وَتُقْتَلُ أَيْضًا إنْ قَاتَلَتْ بِسِلَاحٍ وَنَحْوِهِ كَالرِّجَالِ أُسِرَتْ أَمْ لَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَإِنْ قَاتَلَتْ بِرَمْيِ حِجَارَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَا تُقْتَلُ بَعْدَ أَسْرِهَا اتِّفَاقًا، وَلَا فِي حَالِ مُقَاتَلَتِهَا عَلَى الرَّاجِحِ، فَالْأَقْسَامُ غَانِيَّةٌ فَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ إلَّا فِي مُقَاتَلَتِهَا هَذَانِ الْأَخِيرَانِ فَقَطْ.
وَتَجْرِي الْأَقْسَامُ الثَّمَانِيَةُ فِي قَوْلِهِ (وَ) إلَّا (الصَّبِيَّ) الْمُطِيقَ لِلْقِتَالِ فَيُقَالُ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ فَكَالْمَرْأَةِ ابْنُ عَرَفَةَ يُقْتَلُ كُلُّ مُقَاتِلٍ حِينَ قِتَالِهِ.
ابْنُ سَحْنُونٍ وَلَوْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا وَسَمِعَ يَحْيَى بْنُ الْقَاسِمِ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ الْمَوَّاقُ.
فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ إلَّا الْمَرْأَةَ وَالصَّبِيَّ إلَّا فِي قِتَالِهِمَا لَأَجَادَ.
الرَّجْرَاجِيُّ الصَّبِيُّ الْمُرَاهِقُ كَالنِّسَاءِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرُوا اهـ. وَتَقْيِيدُهُ بِالْمُرَاهِقِ هُوَ الظَّاهِرُ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ فِي الْعُتْبِيَّةِ، قَالَ يَحْيَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَرْأَةِ وَالْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ مِنْ الْعَدُوِّ يُقَاتِلَانِ مَعَ الْعَدُوِّ ثُمَّ يُؤْسَرَانِ أَنَّ قَتْلَهُمَا بَعْدَ أَسْرِهِمَا حَلَالٌ جَائِزٌ كَمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا فِي حَالِ الْقِتَالِ وَالْمُكَابَرَةِ قَبْلَ الْأَسْرِ، وَلَا يُتْرَكَانِ

وَالْمَعْتُوهَ: كَشَيْخٍ فَانٍ، وَزَمِنٍ، وَأَعْمَى، وَرَاهِبٍ مُنْعَزِلٍ بِدَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ بِلَا رَأْيٍ

[منح الجليل]

«لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ اسْتَوْجَبَا الْقَتْلَ بِقِتَالِهِمَا.
ابْنُ رُشْدٍ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ لَا يُتْرَكَانِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ لَا يُتْرَكُ قَتْلُهُمَا تَحَرُّجًا إذْ لَا تُؤْمَنُ غَائِلَتُهُمَا.
لَا أَنَّ قَتْلَهُمَا وَاجِبٌ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ إنَّ قَتْلَهُمَا حَلَالٌ جَائِزٌ اهـ (وَ) إلَّا (الْمَعْتُوهَ) أَيْ ضَعِيفَ الْعَقْلِ.
سَحْنُونٌ وَالْمَجْنُونَ وَالْمُخْتَلَّ الْعَقْلِ وَشِبْهَهُمْ، وَشَبَّهَ فِي مَنْعِ الْقَتْلِ فَقَالَ (كَشَيْخٍ فَانٍ) أَيْ لَا بَقِيَّةَ فِيهِ لِلْقِتَالِ، وَلَا لِلتَّدْبِيرِ (وَزَمِنٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ مُقْعَدٍ أَوْ أَشَلَّ أَوْ مَفْلُوجٍ أَوْ مُجَزَّمٍ أَوْ نَحْوِهِمْ (وَأَعْمَى) وَأَعْرَجَ (وَرَاهِبٍ مُنْعَزِلٍ) عَنْ الْكُفَّارِ (بِدَيْرٍ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ (أَوْ صَوْمَعَةٍ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ لِاعْتِزَالِهِمْ أَهْلَ دِينِهِمْ وَتَرْكِهِمْ مَعُونَتَهُمْ بِيَدٍ أَوْ رَأْيٍ قَالَهُ فِي الْبَيَانِ.
ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ لِاعْتِزَالِهِمْ أَهْلَ دِينِهِمْ عَنْ مُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ لَا لِفَضْلِ تَبَتُّلِهِمْ بَلْ هُمْ أَبْعَدُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى لِشِدَّةِ كُفْرِهِمْ وَأَوْلَى فِي عَدَمِ الْقَتْلِ الرَّاهِبَةُ.
وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ الِاسْتِذْكَارِ كَانَ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُ إتْلَافِ النُّفُوسِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي دَفْعَ الْمَفْسَدَةِ وَمَنْ لَا يُقَاتِلُ، وَلَا هُوَ أَهْلٌ لَهُ فِي الْعَادَةِ لَيْسَ فِي إحْدَاثِ الْمَفْسَدَةِ كَالْمُقَاتِلِينَ فَرَجَعَ الْحُكْمُ فِيهِمْ إلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْمَنْعُ.
(بِلَا رَأْيٍ) قَيْدٌ فِي مَنْعِ قَتْلِ الشَّيْخِ وَمَنْ بَعْدَهُ، وَلِذَا فَصَلَهُ بِالْكَافِ عَمَّا قَبْلَهُ.
وَمَفْهُومُ بِدَيْرٍ إلَخْ أَنَّ الرَّاهِبَ الْمُنْعَزِلَ بِكَنِيسَةٍ يُقْتَلُ كَمُنْعَزِلٍ بِدَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ وَلَهُ رَأْيٌ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى اسْتِثْنَاءِ السَّبْعَةِ يُفِيدُ قَتْلَ أُجَرَائِهِمْ وَزُرَّاعِهِمْ وَأَهْلِ صِنَاعَاتِهِمْ وَهُوَ كَذَلِكَ، هَذَا قَوْلُ سَحْنُونٍ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ حَبِيبٍ يُؤْسَرُونَ، وَلَا يُقْتَلُونَ، وَحَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، قَالَ وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فِي دِينِهِمْ كَالْمُسْتَضْعَفِينَ.
وَصَرَّحَ الْقَلْشَانِيُّ بِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ قَائِلًا خِلَافًا لِسَحْنُونٍ، وَلِذَا أَدْخَلَهُمْ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَلْحَقُ بِهِمْ الزَّمْنَى وَالشَّيْخُ الْفَانِي

وَتُرِكَ لَهُمْ الْكِفَايَةُ فَقَطْ، وَاسْتَغْفَرَ قَاتِلُهُمْ: كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ، وَإِنْ حِيزُوا فَقِيمَتُهُمْ، وَالرَّاهِبُ وَالرَّاهِبَةُ حُرَّانِ.

[منح الجليل]

وَنَحْوُهُمْ، قَالَ مُرَادُهُ بِنَحْوِهِمْ الْفَلَّاحُونَ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ.
(وَتُرِكَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (لَهُمْ) أَيْ مَنْ لَا يُقْتَلُونَ (الْكِفَايَةُ فَقَطْ) مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ لِظَنِّ يَسْرَتِهِمْ وَيُقَدَّمُ مَالُهُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْكُفَّارِ مَالٌ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُوَاسَاتُهُمْ قَالَ فِيهَا وَيُتْرَكُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا يَعِيشُونَ بِهِ، وَلَا تُؤْخَذُ كُلُّهَا فَيَمُوتُونَ (وَاسْتَغْفَرَ) أَيْ تَابَ (قَاتِلُهُمْ) أَيْ الشَّيْخُ وَمَنْ بَعْدَهُ قَبْلَ صَيْرُورَتِهِمْ غَنِيمَةً، وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ، وَلَا كَفَّارَةَ وَكُلُّ مَنْ لَا يُقْتَلُ يُسْبَى إلَّا الرَّاهِبَ وَالرَّاهِبَةَ.
وَشَبَّهَ فِي الِاسْتِغْفَارِ فَقَالَ (كَ) قَاتِلِ (مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ) وَلَوْ مُتَمَسِّكًا بِكِتَابِ نَبِيِّهِ وَنَصُّ التَّوْضِيحِ فَإِنْ قُوتِلَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ قَبْلَهَا فَقَتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ فَلَا دِيَةَ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُمْ.
وَحَكَى الْمَازِرِيُّ عَنْ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ إنْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَقْتُولَ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِكِتَابِهِ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بَعْثَةَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفِيهِ الدِّيَةُ اهـ. (وَإِنْ) قُتِلَ مَنْ يُؤْسَرُ وَهُوَ مَنْ عَدَا الرَّاهِبَ وَالرَّاهِبَةَ بَعْدَ أَنْ (حِيزُوا) وَصَارُوا مَغْنَمًا (فَ) عَلَى قَاتِلِهِمْ (قِيمَتُهُمْ) يَجْعَلُهَا الْإِمَامُ فِي الْغَنِيمَةِ (وَالرَّاهِبُ وَالرَّاهِبَةُ) الْمُنْعَزِلَانِ بِدَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ بِلَا رَأْيٍ (حُرَّانِ) فَلَا يُؤْسَرَانِ وَلَا يُسْتَرَقَّانِ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَالَ سَحْنُونٌ تُسْتَرَقُّ الرَّاهِبَةُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ تَرَهَّبَ بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ وَذَهَبَ لِأَرْضِ الْحَرْبِ وَهُوَ كَذَلِكَ فَيُسْتَصْحَبُ لَهُ ذَلِكَ الْحُكْمِ حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُهُ وَعَلَى قَاتِلِهِمَا دِيَتُهُمَا إذَا قُتِلَا بَعْدَ أَنْ صَارَا فِي الْغَنِيمَةِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا دِيَةَ فِي قَتْلِ مَنْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ إنَّمَا هُوَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرُوا فِي الْمَغْنَمِ.
سَحْنُونٌ وَمَنْ قَتَلَ مَنْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ فَإِنْ قَتَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ فِي الْمَغْنَمِ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ تَعَالَى، وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ مَغْنَمًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَجْعَلُهَا الْإِمَامُ فِي الْمَغْنَمِ يَعْنِي فِي غَيْرِ الرَّاهِبِ وَالرَّاهِبَةِ؛ لِأَنَّهُمَا حُرَّانِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ فِيهِمَا الدِّيَةَ لَكِنْ لَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا لِأَحَدٍ، وَمَا ذَكَرَهُ عج مِنْ أَنَّ عَلَى قَاتِلِهِمَا قَبْلَ صَيْرُورَتِهِمَا

بِقَطْعِ مَاءٍ وَآلَةٍ وَبِنَارٍ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ،

[منح الجليل]

فِي الْمَغْنَمِ الدِّيَةَ.
قَالَ طفي لَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا، وَلَا وَجْهَ لَهُ وَاَلَّذِي رَأَيْته لِلْبَاجِيِّ خِلَافَهُ وَذَكَرَ نَصَّ الْمُنْتَقَى فَانْظُرْهُ.

وَصْلَةُ قُوتِلُوا (بِقَطْعِ مَاءٍ) عَنْهُمَا لِيَمُوتُوا عَطَشًا أَوْ عَلَيْهِمْ لِيَمُوتُوا غَرَقًا (وَ) بِ (آلَةٍ) لِقَتْلٍ كَسَيْفٍ وَرُمْحٍ وَنَبْلٍ وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ نِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ وَلَوْ خِيفَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ كَمَا «فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَهْلِ الطَّائِفِ» (وَ) قُوتِلُوا (بِنَارٍ) تُرْسَلُ عَلَيْهِمْ لِتُحْرِقَهُمْ (إنْ) خِيفَ مِنْهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ اتِّفَاقًا وَ (لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَا) أَيْ النَّارُ لِتَحَصُّنِهِمْ بِمَا لَا يُفِيدُ فِيهِ غَيْرُهَا، فَإِنْ أَمْكَنَ غَيْرُهَا فَلَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ بِهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُقَاتَلُونَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يُخَفْ مِنْهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهَلْ يَجُوزُ إحْرَاقُهُمْ إذَا انْفَرَدَ الْمُقَاتِلَةُ وَلَمْ يُمْكِنْ قَتْلُهُمْ إلَّا بِهَا، فِي الْمَذْهَبِ قَوْلَانِ الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ.
ابْنُ رُشْدٍ الْحُصُونُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا الْمُقَاتِلَةُ أَجَازَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يُرْمَوْا بِالنَّارِ.
(وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ) فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ فَلَا يُقَاتَلُونَ بِهَا اتِّفَاقًا بَرًّا أَوْ بَحْرًا وَلَوْ خِيفَ مِنْهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ اهـ تَوْضِيحٌ.
وَبَالَغَ عَلَى جَوَازِ قِتَالِهِمْ بِالنَّارِ بِالشَّرْطَيْنِ

فصول الكتاب · 2 فصل · 721 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منح الجليل شرح مختصر خليل · 721 صفحة
المقدمة
فَصْلٌ) فِي الْخُلْعِ:
جارٍ التحميل