فَبِقِيمَتِهِ يَوْمَ دَفْعِهِ.
وَلَوْ شَرَطَ نَفْيَهُ،
[منح الجليل]
الصَّبَّاغِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَتَى عَلَى أَيْدِيهمْ فِيهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ تَعَدَّى فِيهَا أَوْ أَخَذَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ مَأْخَذِهَا فَيَضْمَنُ حِينَئِذٍ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْبَيْطَارُ يَطْرَحُ الدَّابَّةَ فَتَمُوتُ مِنْهُ وَالْخَاتِنِ يَخْتِنُ الصَّبِيَّ فَيَمُوتُ مِنْ خِتَانِهِ وَالطَّبِيبِ يَسْقِي الْمَرِيضَ فَيَمُوتُ مِنْ سَقْيِهِ، أَوْ يَكْوِيهِ فَيَمُوتُ مِنْ كيه أَوْ يَقْطَعُ مِنْهُ شَيْئًا فَيَمُوتُ مِنْ قَطْعِهِ، وَالْحَجَّامِ يَقْلَعُ ضِرْسَهُ فَيَمُوتُ مِنْ قَلْعِهِ فَلَا يَضْمَنُ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا فِي مَالِهِ وَلَا عَاقِلَتِهِ فِي جَمِيعِ هَذَا لِأَنَّ مَا فِيهِ التَّغْرِيرُ كَانَ صَاحِبُهُ هُوَ الَّذِي عَرَّضَهُ لِمَا أَصَابَهُ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُخْطِئْ فِي فِعْلِهِ، فَإِنْ أَخْطَأَ مِثْلَ سَقْيِ الطَّبِيبِ الْمَرِيضَ مَا لَا يُوَافِقُ مَرَضَهُ أَوْ تَزِلُّ يَدُ الْخَاتِنِ أَوْ الْقَاطِعِ فَيَتَجَاوَزُ فِي الْقَطْعِ، أَوْ يَدُ الْكَاوِي فَيَتَجَاوَزُ فِي الْكَيِّ، أَوْ يَدُ الْحَجَّامِ فَيَقْلَعُ غَيْرَ الضِّرْسِ الَّتِي أَمَرَ بِقَلْعِهَا.
فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَلَمْ يَغُرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَذَلِكَ خَطَأٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ، فَفِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ أَوْ غَرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَيُعَاقَبُ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ الدِّيَةَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَإِذَا ضَمِنَ الصَّانِعُ (فَ) يَضْمَنُ الْمَصْنُوعَ (بِقِيمَتِهِ) مُعْتَبَرَةً (يَوْمَ دَفْعِهِ) ، أَيْ الْمَصْنُوعِ لِلصَّانِعِ خَالِيًا عَنْ الصَّنْعَةِ، وَلَيْسَ لِرَبِّهِ أَنْ يَقُولَ أَنَا أَدْفَعُ الْأُجْرَةَ وَآخُذُ قِيمَتَهُ مَعْمُولًا لِأَنَّ الْقِيمَةَ إنَّمَا تَلْزَمُ الصَّانِعَ يَوْمَ الدَّفْعِ.
ابْنُ رُشْدٍ إذَا ادَّعَى الصَّانِعُ ضَيَاعَ الْمَتَاعِ الَّذِي اُسْتُعْمِلَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ دَفْعِهِ إلَيْهِ عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنْ صِفَتِهِ حِينَئِذٍ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّ قِيمَتَهُ يَوْمَ ضَاعَ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ دَفَعَهُ إلَيْهِ بِمُدَّةٍ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ ظَهَرَ عِنْدَهُ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَئِذٍ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَئِذٍ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ دَفْعِهِ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ وَالْعَارِيَّةُ.
(وَ) يَضْمَنُ الصَّانِعُ مَصْنُوعَهُ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ (وَلَوْ شَرَطَ) الصَّانِعُ (نَفْيَهُ) أَيْ الضَّمَانِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَرَوَى أَشْهَبُ لَا يَضْمَنُ إنْ شَرَطَ نَفْيَهُ وَهُمَا رِوَايَتَانِ.
ابْنُ رُشْدٍ إنْ اشْتَرَطَ الصَّانِعُ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَلَا يَنْفَعُهُ شَرْطُهُ وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، هَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنَّ لَهُ أَجْرَ مِثْلِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِالْأَجْرِ الْمُسَمَّى لِإِسْقَاطِ الضَّمَانِ عَنْهُ، وَيَضْمَنُ الصَّانِعُ إنْ لَمْ يَدْعُ رَبَّهُ لِأَخْذِهِ.
أَوْ دَعَا لِأَخْذِهِ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ: فَتَسْقُطُ الْأُجْرَةُ، وَإِلَّا أَنْ يَحْضُرَهُ بِشَرْطِهِ
[منح الجليل]
(أَوْ دَعَا) الصَّانِعُ رَبَّهُ (لِأَخْذِهِ) أَيْ الْمَصْنُوعِ فَلَمْ يَأْخُذْهُ وَضَاعَ فَيَضْمَنُهُ الصَّانِعُ فِي كُلِّ حَالٍ فِيهَا إذَا دَعَاك الصَّانِعُ لِأَخْذِ الثَّوْبِ وَقَدْ فَرَغَ مِنْهُ فَلَمْ تَأْخُذْهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ حَتَّى يَصِيرَ إلَى يَدِك.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا إنْ لَمْ يَقْبِضْ الْأُجْرَةَ (إلَّا أَنْ تَقُومَ) أَيْ تَشْهَدَ (بَيِّنَةٌ) بِتَلَفِهِ بِلَا تَفْرِيطِهِ وَلَا تَعَدِّيهِ (فَ) لَا يَضْمَنُهُ وَ (تَسْقُطُ الْأُجْرَةُ) الَّتِي اُسْتُؤْجِرَ بِهَا عَنْ مُسْتَأْجَرِهِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ لِكُلِّ صَانِعٍ أَوْ حَمَّالٍ عَلَى ظَهْرٍ أَوْ سَفِينَةٍ مَنْعُ مَا حُمِلَ أَوْ عُمِلَ حَتَّى يَأْخُذَ أَجْرَهُ، وَإِنْ هَلَكَ ذَلِكَ بِأَيْدِيهِمْ فِي مَنْعِهِمْ فَالصُّنَّاعُ ضَامِنُونَ وَلَا أَجْرَ لَهُمْ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى الضَّيَاعِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ وَلَا أَجْرَ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُسَلِّمُوا مَا عَمِلُوا إلَى أَرْبَابِهِ، وَفِيهَا إنْ احْتَرَقَ الثَّوْبُ عِنْدَ الْقَصَّارِ أَوْ أَفْسَدَهُ أَوْ ضَاعَ عِنْدَهُ بَعْدَ الْقِصَارَةِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ قَبْضِهِ أَبْيَضَ، وَلَيْسَ لِرَبِّهِ أَنْ يُغَرِّمَهُ قِيمَتَهُ مَصْنُوعًا عَلَى صِفَةٍ وَيُعْطِيَهُ أُجْرَتَهُ.
(وَإِلَّا أَنْ يَحْضُرَهُ) أَيْ الصَّانِعُ الْمَصْنُوعَ (لِرَبِّهِ) مَصْنُوعًا (بِشَرْطِهِ) أَيْ بِالصِّفَةِ الَّتِي شَرَطَهَا عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ عِنْدَهُ فَادَّعَى ضَيَاعَهُ فَلَا يَضْمَنُهُ.
اللَّخْمِيُّ لَوْ أَحْضَرَ الصَّانِعُ الثَّوْبَ وَرَآهُ صَاحِبُهُ مَصْنُوعًا بِصِفَةِ مَا شَارَطَهُ عَلَيْهِ وَكَانَ قَدْ دَفَعَ لَهُ الْأُجْرَةَ ثُمَّ تَرَكَهُ عِنْدَهُ فَادَّعَى ضَيَاعَهُ فَيُصَدَّقُ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الِاسْتِصْنَاعِ وَصَارَ إلَى حُكْمِ الْإِيدَاعِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ تَلَفِ الْمَصْنُوعِ بِالصَّنْعَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا.
ابْنُ الْحَاجِبِ تَلِفَ بِصَنْعَتِهِ أَوْ بِغَيْرِ صَنْعَتِهِ فِي التَّوْضِيحِ كَمَا ادَّعَى أَنَّ سَارِقًا سَرَقَهُ.
الثَّانِي: ابْنُ رُشْدٍ الضَّمَانُ بِسَبَبِ الصَّنْعَةِ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَغْرِيرٌ.
فَإِنْ كَانَ فِيهَا تَغْرِيرٌ كَثَقْبِ اللُّؤْلُؤِ وَنَقْشِ الْفُصُوصِ وَتَقْوِيمِ السُّيُوفِ وَاحْتِرَاقِ الْخُبْزِ عِنْدَ الْفَرَّانِ وَالثَّوْبِ فِي قِدْرِ الصَّبَّاغِ، فَلَا يَضْمَنُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ تَعَدَّى فِيهَا أَوْ أَخَذَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ مَأْخَذِهَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
الثَّالِثُ: إذَا ضَاعَ الْمَصْنُوعُ وَغَرِمَ الصَّانِعُ قِيمَتَهُ ثُمَّ يُوجَدُ فَهُوَ لِلصَّانِعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى سَيِّدُ عَبْدٍ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ عَبْدَهُ فَأَنْكَرَهُ فَصَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ وُجِدَ الْعَبْدُ.
ابْنُ رُشْدٍ هُوَ
وَصُدِّقَ إنْ ادَّعَى خَوْفَ مَوْتٍ: فَنَحَرَ أَوْ سَرِقَةَ مَنْحُورِهِ، أَوْ قَلْعَ ضِرْسٍ أَوْ صِبْغًا: فَنُوزِعَ
وَفُسِخَتْ بِتَلَفِ مَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ، لَا بِهِ
[منح الجليل]
لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُصُ الصُّلْحُ صَحِيحًا كَانَ أَوْ مَعِيبًا إلَّا أَنْ يَجِدَهُ عِنْده قَدْ أَخْفَاهُ فَهُوَ لِرَبِّهِ.
وَفِي التَّهْذِيبِ فِي الْمُكْتَرِي عَلَى الدَّابَّةِ فَتَضِلُّ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا ثُمَّ تُوجَدُ فَهِيَ لِلْمُكْتَرِي.
(وَصُدِّقَ) بِضَمِّ الصَّادِ وَكَسْرِ الدَّالِ مُثَقَّلَةً الرَّاعِي (إنْ ادَّعَى) الرَّاعِي (خَوْفَ مَوْتٍ) عَلَى بَعِيرٍ أَوْ شَاةٍ مَثَلًا (فَنَحَرَ) أَوْ ذَبَحَ مَا خَافَ مَوْتَهُ وَكَذَّبَهُ رَبُّهُ، وَقَالَ لَهُ تَعَدَّيْت لِأَنَّهُ أَمِينٌ (أَوْ) ادَّعَى الرَّاعِي (سَرِقَةَ مَنْحُورِهِ) أَوْ مَذْبُوحِهِ الَّذِي خَافَ مَوْتَهُ وَقَالَ رَبُّهُ بَلْ بِعْته مَثَلًا فَيُصَدَّقُ الرَّاعِي لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالرَّاعِي مُصَدَّقٌ فِيمَا هَلَكَ أَوْ سُرِقَ، وَلَوْ قَالَ ذَبَحْتهَا ثُمَّ سُرِقَتْ صُدِّقَ وَلَوْ خَافَ مَوْتَ الشَّاةِ فَأَتَى بِهِمَا مَذْبُوحَةً أَوْ بِثَمَنِهَا صُدِّقَ وَلَا يَضْمَنُ، فَإِنْ أَكَلَهَا فَلَا يُصَدَّقُ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
(أَوْ) أَدَّى الْحَجَّامُ (قَلْعَ ضِرْسٍ) مَأْمُورٍ بِقَلْعِهِ وَقَالَ رَبُّهُ بَلْ بِغَيْرِهِ فَيُصَدَّقُ الْحَجَّامُ فَلَا يَضْمَنُ، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا قَلَعَ الْحَجَّامُ ضِرْسَ رَجُلٍ بِأَجْرٍ فَقَالَ لَهُ لَمْ آمُرْك إلَّا بِقَلْعِ الَّذِي يَلِيهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِهِ حِينَ قَلَعَهُ فَتَرَكَهُ وَلَهُ أَجْرُهُ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْحَجَّامُ فَلَا أَجْرَ لَهُ، أَرَادَ وَعَلَيْهِ الْعَقْلُ فِي الْخَطَأِ وَالْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ.
(أَوْ) ادَّعَى الصَّبَّاغُ صِبْغَ ثَوْبٍ بِ (صِبْغٍ) بِكَسْرِ الصَّادِ، أَيْ مَصْبُوغٍ بِهِ كَزَعْفَرَانٍ أُمِرَ بِهِ (فَنُوزِعَ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الزَّايِ، أَيْ نَازَعَهُ رَبُّ الثَّوْبِ بِأَنْ قَالَ لَهُ لَمْ آمُرْك بِصَبْغِهِ بِهَذَا بَلْ بِوَرْسٍ فَيُصَدَّقُ الصَّابِغُ، وَكَذَا إذَا تَنَازَعَا فِي قَدْرِ الْأُجْرَةِ أَوْ قَدْرِ مَا يُصْبَغُ بِهِ كَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَخَمْسَةٍ مِنْ زَعْفَرَانٍ.
فِيهَا إنْ صَبَغَهُ أَحْمَرَ أَوْ أَسْوَدَ وَقَالَ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبُّهُ، وَقَالَ رَبُّهُ بِأَخْضَرَ صُدِّقَ الصَّابِغُ إلَّا أَنْ يَصْبُغَهُ صِبْغًا لَا يُشْبِهُ مِثْلَهُ.
(وَفُسِخَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْإِجَارَةُ (بِ) سَبَبِ (تَلَفِ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَاللَّامِ (مَا) أَيْ كُلِّ شَيْءٍ (يُسْتَوْفَى) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ مَا قَبْلَ آخِرِهِ (مِنْهُ) الْمَنْفَعَةُ كَمَوْتِ حَيَوَانٍ مُعَيَّنٍ وَانْهِدَامِ عَقَارٍ مُعَيَّنٍ (لَا) تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِ مَا يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ (بِهِ) كَالرَّاكِبِ وَالسَّاكِنِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
طفي أَطْلَقَ فِي عَدَمِ الْفَسْخِ كَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ وَغَيْرِ وَاحِدٍ سَوَاءٌ كَانَ التَّلَفُ بِسَمَاوِيٍّ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْحَامِلِ.
ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي هَلَاكِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْتَقِضُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَالثَّانِي تَنْتَقِضُ بِتَلَفِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَهُ مِنْ كِرَائِهِ بِقَدْرِ مَا سَارَ مِنْ الطَّرِيقِ.
الثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ تَلَفُهُ مِنْ قِبَلِ مَا عَلَيْهِ اُسْتُعْمِلَ أَوْ مِنْ السَّمَاءِ، فَإِنْ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ مَا عَلَيْهِ اُسْتُعْمِلَ انْفَسَخَ الْكِرَاءُ فِيمَا بَقِيَ، وَلَهُ مِنْ كِرَائِهِ بِقَدْرِ مَا مَضَى مِنْ الطَّرِيقِ، وَإِنْ كَانَ تَلَفُهُ مِنْ السَّمَاءِ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ بِمِثْلِهِ وَلَا يَنْتَقِضُ الْكِرَاءُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
الرَّابِعُ: إنْ أَتَاهُ تَلَفُهُ مِنْ قِبَلِ مَا عَلَيْهِ اُسْتُعْمِلَ الْكِرَاءُ وَلَا كِرَاءَ لَهُ فِي الْمَاضِي، وَإِنْ كَانَ مِنْ السَّمَاءِ أَتَاهُ الْمُسْتَأْجِرُ بِمِثْلِهِ وَلَا يَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ اهـ. وَفِي الْبَيَانِ مَنْ عَثَرَ بِجَرَّةٍ حَمَلَهَا بِأُجْرَةٍ فَانْكَسَرَتْ وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى حَمْلِهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا أَجْرَ لَهُ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا وَرِوَايَتُهُ لِأَنَّهُ عَلَى الْبَلَاغِ، ثُمَّ قَالَ طفي فَإِنْ حُمِلَ قَوْلُهُ لَا بِهِ عَلَى إطْلَاقِهِ كَانَ جَارِيًا عَلَى مَا شَهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَمُخَالِفًا مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتَهُ فِيمَا تَلِفَ بِسَبَبِ حَامِلِهِ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ لَا أَجْرَ لَهُ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُكْتَرِي الْإِتْيَانُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، إذْ لَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ لَا تَنْتَقِضُ لَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ وَيَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ، وَلِتَصْرِيحِ ابْنِ رُشْدٍ بِأَنَّ مَذْهَبَهَا الْفَسْخُ ثُمَّ قَالَ طفي وَعَلَى هَذَا لَا يُفَسَّرُ قَوْلُهُ أَوْ عَثَرَ بِدُهْنٍ أَوْ طَعَامٍ إلَخْ، بِقَوْلِهَا لَا ضَمَانَ وَلَا كِرَاءَ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَارٍ عَلَى غَيْرِ مَذْهَبِهَا خِلَافًا لِجَدِّ عج فِي تَفْسِيرِهِ بِهِ وَاسْتِدْلَالُهُ بِكَلَامِهَا الْمُتَقَدِّمِ، وَتَبِعَهُ عج وَأَطَالَ بِنَقْلِ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ وَلَمْ يَتَنَبَّهَا لِإِطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ هُنَا.
وَإِنْ قُيِّدَ كَلَامُهُ هُنَا بِغَيْرِ مَا كَانَ مِنْ سَبَبِ حَامِلِهِ كَانَ جَارِيًا عَلَى مَذْهَبِهَا، وَبِهِ يُفَسَّرُ قَوْلُهُ أَوْ عَثَرَ بِدُهْنٍ أَوْ طَعَامٍ إلَخْ، كَمَا فَعَلَ جَدّ عج وَمَنْ تَبِعَهُ، لَكِنْ يُبْعِدُهُ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ إلَّا الْأَرْبَعَةَ وَالْعَجَبُ مِنْ شُرَّاحِهِ حَيْثُ لَمْ يُنَبِّهُوا عَلَى هَذَا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
الْبُنَانِيُّ الَّذِي رَأَيْته فِي الْبَيَانِ أَنَّ الْقَوْلَ الْمَشْهُورَ هُوَ الَّذِي عَزَاهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي
إلَّا صَبِيَّ تَعَلُّمٍ وَرَضْعٍ، وَفَرَسِ نَزْوٍ، وَرَوْضٍ، وَسِنٍّ لِقَلْعٍ
[منح الجليل]
الْمُدَوَّنَةِ وَرِوَايَتُهُ، وَذَكَرَ نَصَّهُ ثُمَّ قَالَ تَتَحَصَّلُ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْفَسْخُ بِتَلَفِهِ بِلَا تَفْصِيلٍ وَعَدَمُهُ بِلَا تَفْصِيلٍ وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ تَلَفِهِ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا تَنْفَسِخُ، وَتَلَفُهُ مِنْ قِبَلِ مَا عَلَيْهِ اُسْتُعْمِلَ انْفَسَخَ الْكِرَاءُ فِيمَا بَقِيَ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِيمَا مَضَى.
وَقِيلَ لَهُ بِحِسَابِ مَا سَارَ.
(إلَّا) تَلَفَ (صَبِيِّ تَعَلُّمٍ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْعَيْنِ وَضَمِّ اللَّامِ مُثَقَّلَةً الْقِرَاءَةُ أَوْ صَنْعَةِ (وَ) صَبِيِّ (رَضْعٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، أَيْ رَضَاعٍ (وَفَرَسِ نَزْوٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (وَ) فَرَسِ (رَوْضٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَعُجَامِ الضَّادِ، أَيْ تَأْدِيبٍ فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ إنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلٍ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَا غَايَةَ إلَّا بِضَرْبِ الْأَجَلِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ عَلَى أَنْ يَرْعَى لَهُ غَنَمًا بِأَعْيَانِهَا أَوْ يَتَّجِرَ لَهُ فِي مَالٍ شَهْرًا أَوْ سَنَةً، فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ هَذِهِ الْإِجَارَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِشَرْطِ الْخَلَفِ إلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ فِيهَا بِمَوْتِ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ مَوْتُ الصَّبِيِّ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى تَعْلِيمِهِ، وَمَوْتُ الصَّبِيِّ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى إرْضَاعِهِ وَمَوْتُ الدَّابَّةِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى رِيَاضَتِهَا وَعُقُوقِ الرَّمَكَةِ قَبْلَ تَمَامِ الْأَكْوَامِ الْمُشْتَرَطَةِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ تَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ كَمَوْتِ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ وَانْهِدَامِ الدَّارِ، وَأَمَّا مَحَلُّ الْمَنْفَعَةِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلْزَمُ تَعْيِينُهُ كَالرَّضِيعِ وَالْمُتَعَلِّمِ فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا تَنْفَسِخُ عَلَى الْأَصَحِّ كَثَوْبِ الْخِيَاطَةِ.
(وَ) فُسِخَتْ إجَارَةٌ إلَى (سِنٍّ لِقَلْعٍ فَسَكَنَتْ) السِّنُّ، أَيْ بَرِئَتْ وَذَهَبَ أَلَمُهَا قَبْلَ
فَسَكَنَتْ، كَعَفْوِ الْقِصَاصِ، وَبِغَصْبِ الدَّارِ، وَغَصْبِ مَنْفَعَتِهَا
وَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِإِغْلَاقِ الْحَوَانِيتِ؛ وَحَمْلِ ظِئْرٍ،
[منح الجليل]
قَلْعِهَا، وَشَبَّهَ فِي الِانْفِسَاخِ فَقَالَ (كَ) إجَارَةٍ عَلَى قِصَاصٍ مِنْ جَانٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ فَتُفْسَخُ بِ (عَفْوِ) مُسْتَحِقِّ (الْقِصَاصِ) عَنْ الْجَانِي.
ابْنُ شَاسٍ تَنْفَسِخُ بِمَنْعِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ شَرْعًا كَسُكُونِ أَلَمِ السِّنِّ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى قَلْعِهَا وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا إذَا كَانَ الْعَفْوُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَانْظُرْ هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ فِي ذَهَابِ أَلَمِهَا وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ (وَ) فَسْخُ الْكِرَاءِ لِدَارٍ مُعَيَّنَةٍ شَهْرًا أَوْ سَنَةً مَثَلًا (بِ) سَبَبِ (غَصْبِ) ذَاتِ (الدَّارِ) غَاصِبٌ لَا تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ (وَ) (غَصْبِ مَنْفَعَتِهَا) أَيْ الدَّارِ كَذَلِكَ فِي الْوَاضِحَةِ مَنْ اكْتَرَى دَارًا شَهْرًا أَوْ سَنَةً وَقَبَضَهَا ثُمَّ غَصَبَهَا السُّلْطَانُ فَمُصِيبَتُهُ عَلَى رَبِّهَا، وَلَا كِرَاءَ لَهُ، وَقَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطَةِ فِي غُصَّابٍ أَخْرَجُوا الْمُتَكَارِينَ وَسَكَنُوا، وَكَذَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ ابْنُ حَبِيبٍ سَوَاءٌ غَصَبُوا الدَّارَ مِنْ أَصْلِهَا أَوْ أَخْرَجُوا أَهْلَهَا وَسَكَنُوهَا لَا يُرِيدُونَ إلَّا السُّكْنَى حَتَّى يَرْتَحِلُوا.
(وَ) فَسْخُ كِرَاءِ الْحَوَانِيتِ (بِ) سَبَبِ (أَمْرِ السُّلْطَانِ بِإِغْلَاقِ الْحَوَانِيتِ) لِعَدَمِ إمْكَانِ مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ.
ابْنُ حَبِيبٍ وَكَذَلِكَ الْحَوَانِيتُ يَأْمُرُ السُّلْطَانُ بِغَلْقِهَا.
ابْنُ يُونُسَ الْجَائِحَةُ فِي الْمُكْتَرِي لِلسُّكْنَى مِنْ أَمْرٍ غَالِبٍ لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَاصِبٍ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَنَعَهُ أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، كَانْهِدَامِ الدَّارِ وَامْتِنَاعِ مَاءِ السَّمَاءِ حَتَّى مَنَعَهُ حَرْثُ الْأَرْضِ فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى مَا اكْتَرَى.
وَقَالَ أَصْبَغُ مَنْ اكْتَرَى رَحًى سَنَةً فَأَصَابَ أَهْلَ ذَلِكَ الْمَكَانِ فِتْنَةٌ جَلَوْا بِهَا مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَجَلَا مَعَهُمْ الْمُكْتَرِي، أَوْ بَقِيَ آمِنًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَأْتِيهِ الطَّعَامُ لِجَلَاءِ النَّاسِ فَهُوَ كَبُطْلَانِ الرَّحَى مِنْ نَقْصِ الْمَاءِ أَوْ كَثْرَتِهِ، وَيُوضَعُ عَنْهُ قَدْرُ الْمُدَّةِ الَّتِي جَلَوْا فِيهَا، بِخِلَافِ الدَّارِ تُكْتَرَى ثُمَّ يَجْلُو النَّاسُ لِفِتْنَةٍ وَأَقَامَ الْمُكْتَرِي آمِنًا أَوْ رَحَلَ لِلْوَحْشَةِ وَهُوَ آمِنٌ فَيَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ كُلُّهُ وَلَوْ انْجَلَى لِلْخَوْفِ سَقَطَ عَنْهُ كِرَاءُ مُدَّةِ الْجَلَاءِ.
(و) فُسِخَتْ إجَارَةُ الظِّئْرِ بِسَبَبِ ظُهُورِ (حَمْلِ ظِئْرٍ) بِأَنْ كَانَتْ وَقْتَ الْعَقْدِ غَيْرَ ظَاهِرَتِهِ ثُمَّ ظَهَرَ فِيهَا إنْ حَمَلَتْ الْمُرْضِعُ فَخَافُوا عَلَى الصَّبِيِّ أَلَهُمْ فَسْخَ الْإِجَارَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ،
أَوْ مَرَضٌ لَا تَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى رَضَاعٍ وَمَرَضُ عَبْدٍ وَهَرَبُهُ لِكَعَدُوٍّ، إلَّا أَنْ يَرْجِعَ فِي بَقِيَّتِهِ
[منح الجليل]
وَلَمْ أَحْفَظْهُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ". ابْنُ عَرَفَةَ نَقَلَ اللَّخْمِيِّ فَسْخَهُ بِمُجَرَّدِ حَمْلِهَا لَا بِقَيْدِ الْخَوْفِ عَلَى الْوَلَدِ قَائِلًا لِأَنَّ إرْضَاعَ الْحَامِلِ يَضُرُّ بِالْوَلَدِ.
ابْنُ نَاجِي لَا يُعَارِضُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَنْعِ الزَّوْجِ مِنْ وَطْئِهَا إمَّا لِكَوْنِهِ تَعَدَّى وَإِمَّا لِكَوْنِ هَذَا الْحَمْلِ مِنْ وَطْءٍ سَابِقٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ وَقْتَ الْعَقْدِ فِيهَا، وَإِذَا حَمَلَتْ الظِّئْرُ وَخِيفَ عَلَى الصَّبِيِّ فَلَهُمْ فَسْخُ الْإِجَارَةِ وَلَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَأْتِيَ بِغَيْرِهَا.
ابْنُ نَاجِي فِي قَوْلِهَا لَهُمْ تَسَامُحٌ وَهُوَ بِمَعْنَى عَلَيْهِمْ، سَوَاءٌ خَافُوا عَلَيْهِ الْمَوْتَ أَوْ دُونَهُ.
وَقَوْلُ الْمَغْرِبِيِّ يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِي الْأَوَّلِ، وَيُنْدَبُ فِي الثَّانِي بَعِيدٌ.
اهـ. وَالْمُصَنِّفُ ذَكَرَ التَّخْيِيرَ فِيمَا تَقَدَّمَ تَبَعًا لِظَاهِرِ لَفْظِهَا، وَلِقَوْلِ الْمَغْرِبِيِّ لَا يَجِبُ إلَّا إذَا خِيفَ مَوْتُهُ، فَأَمَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ هُنَا عَلَى التَّخْيِيرِ أَيْضًا وَإِنْ أَوْجَبَ التَّكْرَارَ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ جَدّ عج، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ صَنِيعِ الْحَطّ، أَوْ عَلَى تَحَتُّمِ الْفَسْخِ لِخَوْفِهِمْ مَوْتَهُ عَلَى حَمْلِ الْمَغْرِبِيِّ، وَإِنْ اسْتَبْعَدَهُ ابْنُ نَاجِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَفَادَهُ طفي.
(أَوْ) بِحُصُولِ (مَرَضٍ) لِلظِّئْرِ (لَا تَقْدِرُ) الظِّئْرُ (مَعَهُ) أَيْ الْمَرَضِ (عَلَى رَضَاعٍ) مِنْهَا فَتَنْفَسِخُ إجَارَتُهَا عَلَيْهِ.
فِيهَا إنْ مَرِضَتْ الظِّئْرُ بِحَيْثُ لَا تَقْدِرُ عَلَى رَضَاعِ الصَّبِيِّ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ، فَإِنْ صَحَّتْ فِي بَقِيَّةٍ مِنْهَا جُبِرَتْ عَلَى إرْضَاعِهِ بَقِيَّتَهَا، وَلَهَا مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا أَرْضَعَتْ وَلَا عَلَيْهَا إرْضَاعُ مَا مَرِضَتْ قَالَ غَيْرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَا تَفَاسَخَا فَلَا تُجْبَرُ عَلَى إرْضَاعِهِ بَقِيَّتَهَا.
(و) فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ بِسَبَبِ (مَرَضِ عَبْدٍ) مُسْتَأْجَرٍ لِخِدْمَةٍ أَوْ صَنْعَةٍ لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى فِعْلٍ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ (وَ) بِسَبَبِ (هَرَبِهِ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالرَّاءِ، أَيْ هُرُوبُ الْعَبْدِ (لِ) بَلَدٍ بَعِيدٍ (كَ) بَلَدِ (الْعَدُوِّ) أَيْ الْكَافِرِ الْمُحَارِبِ لِلْمُسْلِمِينَ فَتُفْسَخُ إجَارَتُهُ (إلَّا أَنْ يَرْجِعَ) الْعَبْدُ لِصِحَّتِهِ أَوْ لِبَلَدِ مُسْتَأْجِرِهِ (فِي بَقِيَّتِهِ) أَيْ زَمَنَ إجَارَتِهِ فَيَلْزَمُهُ بَقِيَّةُ عَمَلِهِ تَوْفِيَةً لِلْعَقْدِ، وَيَسْقُطُ مِنْ أُجْرَتِهِ حِصَّةَ أَيَّامِ مَرَضِهِ أَوْ هَرَبِهِ، فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ أَجَرَ عَبْدَهُ ثُمَّ هَرَبَ السَّيِّدُ إلَى بَلَدِ الْحَرْبِ فَالْأُجْرَةُ بِحَالِهَا لَا تَنْتَقِضُ، وَأَمَّا إنْ هَرَبَ
بِخِلَافِ مَرَضِ دَابَّةٍ بِسَفَرٍ ثُمَّ تَصِحُّ،
[منح الجليل]
الْعَبْدُ إلَى بَلَدِ الْحَرْبِ أَوْ أَبَقَ فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَرْجِعَ الْعَبْدُ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ الْمُدَّةِ فَيَلْزَمُهُ تَمَامُهَا.
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَوْ مَرِضَ الْعَبْدُ الْمُسْتَأْجَرُ مَرَضًا بَيِّنًا انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَصِحَّ الْعَبْدُ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ فَيَلْزَمُهُ تَمَامُهَا.
قَالَ غَيْرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَا تَفَاسَخَا أَوْ فُسِخَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ تَمَامُهَا.
أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ ظَاهِرُهُ بِحُكْمٍ وَعَلَيْهِ فَقَوْلُ الْغَيْرِ خِلَافٌ، وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ ابْنُ يُونُسَ، قَالَ وَيَحْتَمِلُ الْوِفَاقَ وَأَنَّهُ لَمْ يَنْفَسِخْ أَوَّلًا بِحُكْمِ ابْنُ يُونُسَ، وَكَذَلِكَ الدَّارُ يَنْهَدِمُ بَعْضُهَا، ثُمَّ يُصْلِحُهَا رَبُّهَا قَبْلَ الْفَسْخِ، وَقَدْ بَقِيَ بَعْضَ الْمُدَّةِ فَيَلْزَمُهُ تَمَامُهَا.
وَأَمَّا لَوْ انْهَدَمَ جَمِيعًا ثُمَّ بَنَاهَا فَلَا يَلْزَمُ الْمُكْتَرِيَ سُكْنَى بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ.
وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ لَوْ تَرَوَّغَ الْعَبْدُ الْمُسْتَأْجَرُ حَتَّى تَمَّتْ الْمُدَّةُ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ كَانَ عَمِلَ شَيْئًا فَلَهُ بِحِسَابِهِ، وَهَذَا فِي شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَإِنَّمَا الَّذِي يَلْزَمُهُ عَمَلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ اطْحَنْ فِي هَذَا الشَّهْرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَيْبَةً، فَهَذَا لَا يَضُرُّ ذِكْرُ الْوَقْتِ فِيهِ، وَيَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بَعْدَهُ وَلَيْسَ بِوَاقِعٍ عَلَى وَقْتٍ، وَلَكِنْ عَلَى عَمَلٍ مُسَمًّى، وَكَمَنْ قَالَ لِلسَّقَّاءِ اُسْكُبْ لِي فِي هَذَا الشَّهْرِ ثَلَاثِينَ قُلَّةً فَتَرَوَّغَ فِيهِ، فَذَلِكَ بَاقٍ عَلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِشَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَمَرِضَهُ كُلَّهُ أَوْ مَرِضَ بَعْضَهَا أَوْ وَرَغَ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ فِي يَوْمٍ آخَرَ، بَلْ لَا يَجُوزُ رِضَاهُمَا بِهِ إذَا كَانَ قَدْ نَقَدَ إلَّا فِيمَا قَلَّ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ.
(بِخِلَافِ) حُدُوثِ (مَرَضِ دَابَّةٍ) مُكْتَرَاةٍ (فِي سَفَرٍ) مَنَعَهَا مِمَّا اُكْتُرِيَتْ لَهُ مِنْ رُكُوبٍ أَوْ حَمْلٍ (ثُمَّ تَصِحُّ) الدَّابَّةُ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ فَلَا تَرْجِعُ لِلْعَمَلِ الَّذِي اُكْتُرِيَتْ لَهُ بَعْدَ الْفَسْخِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا اعْتَلَّتْ الدَّابَّةُ الْمُكْتَرَاةُ فِي الطَّرِيقِ، أَيْ وَهِيَ مُعَيَّنَةٌ فِي عَقْدِ كِرَائِهَا فُسِخَ الْكِرَاءُ وَإِنْ صَحَّتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ كِرَاؤُهَا بَقِيَّةَ الطَّرِيقِ.
بِخِلَافِ الْعَبْدِ لِلضَّرُورَةِ فِي صَبْرِ الْمُسَافِرِ عَلَيْهَا، وَهِيَ وَإِنْ صَحَّتْ بَعْدَهُ لَمْ تَلْحَقْهُ، وَإِنْ لَحِقَتْهُ فَلَعَلَّهُ قَدْ اكْتَرَى غَيْرَهَا.
ابْنُ يُونُسَ أَرَادَ كَذَلِكَ لَوْ كَانَ إيجَارُهُ الْعَبْدَ فِي السَّفَرِ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ مَا يَلْحَقُهُ فِي الدَّابَّةِ.
وَافْتَرَقَ جَوَابُهُ فِي الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ لِاخْتِلَافِ السُّؤَالِ عَنْ الْعَبْدِ فِي الْحَضَرِ وَالدَّابَّةِ فِي السَّفَرِ، وَلَوْ كَانَتْ فِي الْحَضَرِ وَالْعَبْدُ فِي السَّفَرِ فَاسْتَوَى الْجَوَابُ.
وَخُيِّرَ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سَارِقٌ، وَبِرُشْدِ صَغِيرٍ عَقَدَ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى سِلْعَةِ وَلِيٍّ، إلَّا لِظَنِّ عَدَمِ بُلُوغِهِ، وَبَقِيَ كَالشَّهْرِ:
[منح الجليل]
(وَخُيِّرَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ مُشَدَّدَةً الْمُسْتَأْجِرُ فِي فَسْخِ إجَارَتِهِ وَعَدَمِهِ (إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ) أَيْ الْأَجِيرَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا لِخِدْمَةٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ رَعْيٍ (سَارِقٌ) أَيْ شَأْنُهُ السَّرِقَةُ لِأَنَّهُ عَيْبٌ مُضِرٌّ فِيهَا مَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ فَأَلْفَاهُ سَارِقًا فَهُوَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ التَّحَفُّظَ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَقِيت الْمُسَاقِيَ بِالْفَتْحِ سَارِقًا.
ابْنُ يُونُسَ لِأَنَّ أَجِيرَ الْخِدْمَةِ قَدْ مُلِكَتْ جَمِيعُ مَنَافِعِهِ فَهُوَ كَالشِّرَاءِ وَالْمُسَاقِي إنَّمَا أُوجِرَ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، فَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى التَّحَفُّظِ مِنْهُ.
(وَ) إنْ أَجَرَ وَلِيٌّ صَغِيرًا أَوْ سِلَعَهُ مُدَّةً فَرَشَدَ فِيهَا خُيِّرَ الرَّشِيدُ فِي فَسْخِ إجَارَتِهِ وَعَدَمِهِ (بِ) سَبَبِ (رُشْدِ صَغِيرٍ عَقَدَ) الْإِجَارَةَ (عَلَيْهِ) أَيْ الصَّغِيرِ نَفْسِهِ (أَوْ) عَقَدَهَا (عَلَى سِلَعِهِ) أَيْ الصَّغِيرِ، وَفَاعِلُ عَقَدَ (وَلِيٌّ) أَيْ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ لَهُ أَوْ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا لِظَنِّ) الْوَلِيِّ لِ (عَدَمِ بُلُوغِهِ) أَيْ الصَّغِيرِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَتَخَلَّفَ ظَنُّهُ بِرُشْدِهِ (وَ) قَدْ (بَقِيَ) مِنْهَا يَسِيرٌ (كَأَشْهُرٍ) فَيَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا، فَإِنْ بَقِيَ مِنْهَا كَثِيرٌ فَلَا يَلْزَمُهُ، وَهَذَا فِي الْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا فِي الْعَقْدِ عَلَى سِلَعِهِ فَيَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا وَلَوْ بَقِيَ مِنْهَا كَثِيرٌ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ أَجَرَ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ فَاحْتَلَمَ بَعْدَ سَنَةٍ وَلَمْ يَظُنَّ ذَلِكَ بِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ بَاقِيَ الْمُدَّةِ إلَّا أَنْ يَبْقَى كَالشَّهْرِ وَيَسِيرَ الْأَيَّامِ، وَلَا يُؤَاجِرُ وَصِيٌّ يَتِيمَهُ وَلَا أَبٌ وَلَدَهُ بَعْدَ احْتِلَامِهِ بِحَيٍّ وَرُشْدِهِ وَإِنْ أَكْرَى الْوَصِيُّ رُبْعَ يَتِيمِهِ وَدَوَابِّهِ وَرَقِيقِهِ سِنِينَ فَاحْتَلَمَ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ فَإِنْ كَانَ يُظَنُّ بِمِثْلِهِ أَنْ لَا يَحْتَلِمَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَعَجِلَ عَلَيْهِ الِاحْتِلَامُ وَأَيِسَ مِنْهُ فَلَا فَسْخَ لَهُ وَيَلْزَمُهُ بَاقِيهَا لِأَنَّ الْوَصِيَّ صَنَعَ مَا جَازَ لَهُ وَأَمَّا إنْ عَقَدَ عَلَيْهِ أَمَدًا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَبْلُغُ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُهُ فِي نَفْسِهِ وَلَا فِيمَا يَمْلِكُ مِنْ رُبْعٍ وَغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ الْأَبُ.
طفي وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت ظَهَرَ لَك أَنَّ، هَذَا أَيْ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْفَسْخِ وَعَدَمِهِ مُرَادُ مَنْ عَبَّرَ بِالْفَسْخِ كَابْنِ الْحَاجِبِ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحَانِ، وَلِذَا أَتَى الْمُصَنِّفُ بِبَاءِ الْجَرِّ
كَسَفِيهٍ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَبِمَوْتِ مُسْتَحِقٍّ وَقْفُ آجِرٍ، وَمَاتَ قَبْلَ تَقَضِّيهَا عَلَى الْأَصَحِّ
[منح الجليل]
عَطْفًا عَلَى مَا يُفْسَخُ بِهِ، وَلَا يُتَوَهَّمُ تَحَتُّمُ الْفَسْخِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلرَّشِيدِ لَا عَلَيْهِ كَيْفٌ.
وَقَدْ نَقَلَ الشَّارِحُ لَفْظَ التَّهْذِيبِ وَعِبَارَةَ ابْنِ شَاسٍ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ وَلَا يَلْزَمُهُ بَاقِيَ الْمُدَّةِ.
اهـ. فَهَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ مُرَادَ مَنْ عَبَّرَ بِالْفَسْخِ عَدَمُ اللُّزُومِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ نَسَجَ عَلَى مِنْوَالِ ابْنِ شَاسٍ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ، وَتَقْرِيرُهُ بِالْعَطْفِ عَلَى مَعْمُولِ خَيْرٍ يُشْكَلُ بِدُخُولِ الْبَاءِ، فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى التَّوَهُّمِ أَيْ خَبَرٌ بِأَنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سَارِقٌ وَيُرْشِدُ إلَخْ فَيُشْكَلُ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَبِمَوْتِ مُسْتَحِقِّ وَقْفٍ لِتَحَتُّمِ الْفَسْخِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ " غ " فِي بَعْضِ النُّسَخِ كَرُشْدِ صَغِيرٍ بِكَافِ التَّشْبِيهِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ رَاجِعٌ لِلتَّخْيِيرِ ابْنُ عَاشِرٍ قَدْ قَطَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِالْفَسْخِ فَيَطْلُبُ نَقْلٌ يُسَاعِدُ مَحْمِلَ " غ " وَإِنْ كَانَ وَاضِحًا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ الْبُنَانِيُّ وَالْعَجَبُ مِنْهُ وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمُ صَرِيحٌ فِي التَّخْيِيرِ، إذْ قَوْلُهَا فَلَا يَلْزَمُهُ صَرِيحٌ فِيهِ، وَإِذَا تَأَمَّلْت ظَهَرَ لَك أَنَّ هَذَا مُرَادٌ مِنْ مُجْبَرٍ بِالْفَسْخِ كَابْنِ الْحَاجِبِ، ثُمَّ قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا دَرَكَ عَلَى الْمُصَنِّفِ إلَّا فِي قَوْلِهِ وَبَقِيَ كَالشَّهْرِ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَالْمُعْتَمَدُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْأُولَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَشَبَّهَ فِي اللُّزُومِ فَقَالَ (كَ) عَقْدِ وَلِيِّ (سَفِيهٍ) أَيْ بَالِغٍ لَا يُحْسِنُ حِفْظَ مَالِهِ وَلَا تَصَرُّفَهُ فِيهِ عَلَى مَنَافِعِ رَبْعِهِ أَوْ رَقِيقِهِ أَوْ دَابَّتِهِ (ثَلَاثَ سِنِينَ) فَرَشَدَ فِيهَا فَيَلْزَمُهُ الْبَقَاءُ عَلَى حُكْمِ الْكِرَاءِ وَالْإِجَارَةِ إلَى تَمَامِهَا لِفِعْلِ وَلِيِّهِ مَا جَازَ لَهُ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَمَّا سَفِيهٌ بَالِغٌ أَجَرَ عَلَيْهِ وَلِيٌّ أَوْ سُلْطَانٌ رَبْعَهُ وَرَقِيقَهُ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى حَالِ الرُّشْدِ فَذَلِكَ يَلْزَمُهُ لِأَنَّ الْوَلِيَّ عَقَدَ يَوْمَئِذٍ مَا جَازَ لَهُ (و) فُسِخَتْ (بِ) سَبَبِ (مَوْتِ) شَخْصٍ (مُسْتَحِقٍّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ رُبْعًا (وَقْفًا آجَرَ) بِمَدِّ الْهَمْزِ أَيْ أَكْرَى الْمُسْتَحِقَّ لِوَقْفِ سِنِينَ (وَمَاتَ) الْمُسْتَحِقُّ الْمُؤَجَّرُ (قَبْلَ تَقَضِّيهَا) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْقَافِ، أَيْ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي أَجَرَ الْوَقْفَ فِيهَا فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ لِانْقِطَاعِ حَقِّهِ مِنْ الْوَقْفِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِهِ وَانْتِقَالِ الْحَقِّ لِمَنْ يَلِيهِ فِي تَرْتِيبِ الْوَقْفِ (عَلَى الْأَصَحِّ) مِنْ الْخِلَافِ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ، وَمُقَابِلُهُ إذَا
لَا بِإِقْرَارِ الْمَالِكِ، أَوْ خَلْفَ رَبَّ دَابَّةٍ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ، أَوْ حَجٍّ وَإِنْ فَاتَ مَقْصِدُهُ
[منح الجليل]
أَكْرَى الْمُسْتَحِقُّ الْوَقْفَ مُدَّةً يَجُوزُ لَهُ كِرَاؤُهُ فِيهَا وَمَاتَ فِيهَا فَإِنَّ كِرَاءَهُ لَا يَنْفَسِخُ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ أَجَرَهُ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ كَوَاقِفٍ وَنَاظِرٍ مُدَّةً وَمَاتَ قَبْلَ تَقَضِّيهَا فَلَا يُفْسَخُ وَهُوَ كَذَلِكَ.
ابْنُ شَاسٍ إنْ مَاتَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ مِنْ ذَوِي الْوَقْفِ بَعْدَ إجَارَتِهِ قَبْلَ تَمَامِ مُدَّتِهَا انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فِي بَاقِي الْمُدَّةِ لِتَنَاوُلِهَا مَا لَا حَقَّ فِيهِ لِلْمُؤَجِّرِ.
وَقِيلَ إنْ أَكْرَى مُدَّةً يَجُوزُ الْكِرَاءُ لَهَا لَزِمَ بَاقِيهَا، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْقَوْلَيْنِ بِلَا تَرْجِيحٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَا أَعْرِفُ هَذَا الْقَوْلَ الثَّانِيَ لِغَيْرِ ابْنِ شَاسٍ، وَلَمْ يَعْزُهُ ابْنُ هَارُونَ وَلَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَظَاهِرُ أَقْوَالِ الشُّيُوخِ نَفْيُهُ.
وَفِيهَا إنْ أَعْمَرَك رَجُلٌ حَيَاتَك خِدْمَةَ عَبْدٍ فَلَا تُؤَاجِرْهُ إلَّا لِمُدَّةٍ قَرِيبَةٍ كَسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ أَمَدًا مَأْمُونًا، وَلَوْ أَوْصَى لَك بِخِدْمَتِهِ عَشْرَ سِنِينَ فَأَكْرَيْتَهُ فِيهَا جَازَ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُخْدِمِ حَيَاتَهُ لِأَنَّهُ إنْ مَاتَ الْمُخْدِمُ حَيَاتَهُ سَقَطَتْ الْخِدْمَةُ، أَوْ الْمُؤَجَّلُ يَلْزَمُ فِيهَا لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَالْمُتَيْطِيِّ وَابْنِ فَتُّوحٍ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِمَوْتِ الْمُخْدِمِ فِيهَا.
(لَا) تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَالْكِرَاءُ (بِإِقْرَارِ الْمَالِكِ) لِمُؤَجِّرٍ أَوْ الْمُكْرِي بِأَنَّ مَا آجَرَهُ أَوْ أَكْرَاهُ لِغَيْرِهِ بَاعَهُ لَهُ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ قَبْلَ إيجَارِهِ أَوْ إكْرَائِهِ تَعَدِّيًا مِنْهُ عَلَى مَالِكِهِ لِاتِّهَامِهِ بِالْكَذِبِ فِي إقْرَارٍ تَحَيُّلًا عَلَى فَسْخِ الْإِجَارَةِ أَوْ الْكِرَاءِ اللَّازِمِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا تَفْسَخُ الْإِجَارَةُ بِإِقْرَارِ الْمُكْرِي بِغَصْبِهِ الْمُكْرِيَ وَاضِحٌ كَقَوْلِهَا فِي لَغْوِ إقْرَارِ الرَّاهِنِ بِجِنَايَةِ عَبْدِهِ الرَّهْنِ بَعْدَ رَهْنِهِ وَعَدَمِ قَبُولِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ.
(أَوْ) أَيْ لَا يَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ بِ (خُلْفٍ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ فَفَاءٍ أَيْ تَخَلُّفٍ وَمُخَالَفَةٍ (رَبِّ دَابَّةٍ) اكْتَرَاهَا مِنْهُ شَخْصٌ لِيَرْكَبَهَا (فِي) زَمَنٍ (غَيْرِ مُعَيَّنٍ) بِضَمٍّ فَفَتْحَتَيْنِ مُثَقَّلًا كَمُلَاقَاةِ قَادِمٍ مِنْ سَفَرٍ وَتَشْيِيعِ مُسَافِرٍ وَوَاعَدَهُ عَلَى إتْيَانِهِ لَهُ بِهَا غَدًا وَأَخْلَفَ الْوَعْدَ وَأَتَاهُ بِهَا بَعْدَ غَدٍ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَلَا يَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ لِأَنَّهُ كَشِرَاءِ سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ يَدْفَعُهَا لَهُ غَدًا فَمُطِلُّهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
(وَ) فِي غَيْرِ (حَجٍّ) إنْ لَمْ يَفُتْ مَقْصِدًا لِمُكْتَرِي، بَلْ (وَإِنْ فَاتَ مَقْصِدُهُ) أَيْ
أَوْ فِسْقِ مُسْتَأْجِرٍ، وَآجَرَ الْحَاكِمُ، إنْ لَمْ يَكْفِ،
[منح الجليل]
الْمُكْتَرِي بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ مِنْ مُلَاقَاةٍ أَوْ تَشْيِيعٍ وَمَفْهُومٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَحَجٍّ انْفِسَاخُهُ يَخْلُفُهُ فِي مُعَيَّنٍ كَيَوْمِ كَذَا أَوْ شَهْرِ كَذَا، أَوْ فِي حَجٍّ وَهُوَ كَذَلِكَ.
" ق " فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنْ اكْتَرَيْت مِنْ رَجُلٍ إبِلَهُ إلَى بَلَدٍ فَهَرَبَ بِهَا وَالْكِرَاءُ إلَى مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا تَكَارَى لَك الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ، وَرَجَعْت عَلَيْهِ بِمَا اكْتَرَيْت بِهِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ إنَّمَا يُكْرَى عَلَيْهِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ مَعْرُوفٌ.
وَفِيهَا إذَا تَغَيَّبَ الْجَمَّالُ يَوْمَ خُرُوجِك فَلَيْسَ لَك عَلَيْهِ إنْ لَقِيته بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا الرُّكُوبُ أَوْ الْحَمْلُ، وَلَهُ كِرَاؤُهُ، وَهَذَا فِي كُلِّ سَفَرٍ فِي كِرَاءٍ مَضْمُونٍ إلَّا الْحَاجَّ، فَإِنَّهُ يُفْسَخُ وَإِنْ كَانَ قَبْضُ الْكِرَاءِ رَدَّهُ لِزَوَالِ إبَّانِهِ لِأَنَّ أَيَّامَ الْحَجِّ حَمِينَةٌ، فَإِنْ فَاتَتْ انْفَسَخَ الْكِرَاءُ، وَكَذَا كُلُّ مُكْتَرٍ أَيَّامًا بِأَعْيَانِهَا وَلَا يَتَمَادَى وَإِنْ رَضِيَا.
ابْنُ يُونُسَ هَذَا إنْ كَانَ نَقْدُهُ الْكِرَاءَ لِأَنَّ بِذَهَابِ الْأَيَّامِ الْمُعَيَّنَةِ يَجِبُ فَسْخُ الْكِرَاءِ، وَرَدُّ مَا انْتَقَدَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ فِي ذَلِكَ رُكُوبًا لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَفِيهَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الدَّابَّةِ بِعَيْنِهَا يَكْتَرِيهَا لِيَرْكَبَهَا إلَى غَدٍ فَيَغِيبُ رَبُّهَا، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا رُكُوبُهَا.
ابْنُ يُونُسَ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَعْيِينَ الْيَوْمِ، وَإِنَّمَا قَصْدَ الرُّكُوبِ، قَالَ غَيْرُهُ لَوْ رُفِعَ إلَى الْإِمَامِ نَظَرَ وَفَسَخَ مَا آلَ إلَى الضَّرَرِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ أَكْرَاهَا أَيَّامًا مُعَيَّنَةً انْتَقَضَ الْكِرَاءُ فِيمَا غَابَ مِنْهَا كَالْعَبْدِ يَسْتَأْجِرُهُ شَهْرًا بِعَيْنِهِ يُمَرِّضُهُ أَوْ يَأْبِقُهُ، فَإِنَّهُ تَنْتَقِضُ الْإِجَارَةُ، وَكَذَلِكَ شَهْرًا بِعَيْنِهِ فِي الرَّاحِلَةِ بِعَيْنِهَا لِرُكُوبٍ أَوْ طَحْنٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَضْمُونِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ اكْتَرَى عَلَى الْحَجِّ فَلَمْ يَأْتِ الْكَرِيُّ حَتَّى فَاتَ الْإِبَّانُ، فَإِنَّ الْمُكْتَرِيَ يُخَيَّرُ، فَإِنْ شَاءَ بَقِيَ لِقَابِلٍ، بِخِلَافِ الْأَيَّامِ الْمُعَيَّنَةِ إذَا فَاتَتْ لَا بُدَّ مِنْ الْفَسْخِ.
(أَوْ) أَيْ وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِظُهُورِ (فِسْقِ مُسْتَأْجِرِ) دَارٍ مَثَلًا فَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَيَنْهَى عَنْ فِسْقِهِ، فَإِنْ انْتَهَى عَنْهُ أَقَرَّ فِيهَا (وَ) إلَّا (آجَرَ الْحَاكِمُ) الدَّارَ مَثَلًا عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ بَعْدَ إخْرَاجِهِ مِنْهَا (إنْ لَمْ يَكُفَّ) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ مُثَقَّلًا عَنْ فِسْقِهِ.
فِيهَا إذَا ظَهَرَتْ مِنْ مُكْتَرِي الدَّارِ خَلَاعَةٌ وَفِسْقٌ وَشُرْبُ خَمْرٍ فَلَا يَنْتَقِضُ الْكِرَاءُ وَلَكِنْ يَمْنَعُهُ الْإِمَامُ مِنْ ذَلِكَ وَيَكُفُّ أَذَاهُ عَنْ الْجِيرَانِ وَعَنْ رَبِّ الدَّارِ، وَإِنْ رَأَى إخْرَاجَهُ أَخْرَجَهُ وَأَكْرَاهَا عَلَيْهِ،
أَوْ بِعِتْقِ عَبْدٍ وَحُكْمُهُ عَلَى الرِّقِّ،
[منح الجليل]
ابْنُ حَبِيبٍ وَكَذَلِكَ إذَا أَظْهَرَ فِيهَا الزِّعَارَةُ وَالطَّنَابِرُ وَالزَّمْرُ وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَبَيْعُهَا فَلْيَمْنَعْهُ الْإِمَامُ وَيُعَاقِبُهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ أَخْرَجَهُ عَنْ جِيرَتِهِ وَأَكْرَاهَا عَلَيْهِ وَلَا يُفْسَخُ الْكِرَاءُ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْفَاسِقِ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي دَارِ نَفْسِهِ أَنَّهُ يُعَاقِبهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ بَاعَ الدَّارَ عَلَيْهِ.
اللَّخْمِيُّ أَرَى أَنْ يَبْدَأَ بِعُقُوبَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ أَكْرَيْت عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ إذَايَتِهِ لِإِتْيَانِهِ إلَيْهَا بِيعَتْ عَلَيْهِ، وَسَمِعَ أَبُو زَيْدٍ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي فَاسِقٍ يَأْوِي إلَيْهِ أَهْلُ الْفِسْقِ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ وَتُخَارَجُ عَلَيْهِ الدَّارُ وَالْبُيُوتُ، وَلَا تُبَاعُ عَلَيْهِ لَعَلَّهُ يَتُوبُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ أَخْرَجَ وَأَكْرَى عَلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ رِوَايَةً ابْنِ حَبِيبٍ يُبَاعُ عَلَيْهِ خِلَافُ هَذَا السَّمَاعِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ أَصَحُّ لِمَا ذَكَره مِنْ رَجَاءِ تَوْبَتِهِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الدَّارُ لَهُ إلَّا بِكِرَاءٍ أُكْرِيَتْ عَلَيْهِ، وَلَا يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ ابْن عَرَفَة لِأَنَّ فَسْخَهُ مَضَرَّةٌ عَلَى مُكْرِيهِ، وَيَحْتَمِلُ حَمْلُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى مَنْ لَا تَرْتَفِعُ مَضَرَّةُ فِسْقِهِ إلَّا بِرَفْعِ مِلْكِهِ، وَحَمَلَ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَنْ تَرْتَفِعُ مَضَرَّتُهُ بِمُجَرَّدِ كِرَائِهَا عَلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَّهُ قَالَ أَرَى أَنْ يُحَرَّقَ بَيْتُ الْخَمَّارِ.
قَالَ وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " كَانَ يَسْتَحِبُّ حَرْقَ بَيْتِ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَبِيعُ الْخَمْرَ، قِيلَ لَهُ فَالنَّصْرَانِيُّ يَبِيعُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ إنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِ فَلَمْ يَنْتَهِ أُحْرِقَ بَيْتُهُ، قَالَ وَحَدَّثَنِي اللَّيْثُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَحْرَقَ بَيْتَ رُوَيْشِدٍ الثَّقَفِيِّ لِبَيْعِهِ الْخَمْرَ بِهِ، وَقَالَ لَهُ أَنْتَ فُوَيْسِقٌ لَا رُوَيْشِدٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(أَوْ) أَيْ وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ (بِعِتْقِ عَبْدٍ) مُؤَجَّرٍ أَوْ أَمَةٍ مُؤَجَّرَةٍ فَلَا تَنْفَسِخُ إجَارَتُهُ (وَيَبْقَى حُكْمُهُ) أَيْ الْمُعْتَقُ وَهُوَ مُؤَجَّرٌ (عَلَى) حُكْمِ (الرِّقُّ) فِي شَهَادَتِهِ وَقِصَاصِهِ حَتَّى تَتِمَّ مُدَّةُ إجَارَتِهِ فِيهَا مَنْ أَجَرَ عَبْدَهُ أَوْ أَخَدَمَهُ سَنَةً ثُمَّ أَعْتَقَهُ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ فَلَا يَعْتِقُ حَتَّى تَتِمَّ، وَلَوْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ فَلَا تَنْتَقِضُ الْإِجَارَةُ وَلَا الْخِدْمَةُ، وَيَعْتِقُ الْعَبْدُ لِتَمَامِ
وَأُجْرَتُهُ لِسَيِّدِهِ، إنْ أَرَادَ أَنَّهُ حُرٌّ بَعْدَهَا.
[منح الجليل]
السَّنَةِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إلَّا أَنْ يَتْرُكَ الْمُسْتَأْجَرَ أَوْ الْمُخْدِمُ (وَأُجْرَتَهُ) أَيْ الرَّقِيقِ الَّذِي أُعْتِقَ وَهُوَ مُؤَجَّرٌ بَعْدَ عِتْقِهِ فِي بَقِيَّةِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ (لِسَيِّدِهِ إنْ أَرَادَ) سَيِّدُهُ بِإِعْتَاقِهِ وَهُوَ مُؤَجَّرٌ (أَنَّهُ) أَيْ الرَّقِيقَ (حُرٌّ بَعْدَ) تَمَامِ مُدَّتْ (هَا) أَيْ الْإِجَارَةِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ حُرٌّ بِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ أَوْ لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا مِنْهُمَا فَأُجْرَتُهُ لَهُ فِي سَمَاعِ عِيسَى، وَكِرَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَثْنِ مَالَهُ وَإِنْ كَانَ أَمَةً فَلَا يَطَؤُهَا.
ابْنُ حَبِيبٍ الْإِجَارَةُ أَمْلَكُ بِهِ وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ عَبْدٍ، وَاخْتُلِفَ فِي أُجْرَتِهِ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " يُسْأَلُ سَيِّدُهُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ حُرٌّ بِتَمَامِ الْإِجَارَةِ فَيُصَدَّقُ وَالْأُجْرَةُ لَهُ وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا أَوْ إنْ أَرَادَ تَعْجِيلَ عِتْقِهِ فَهِيَ لِلْعَبْدِ قَبَضَهَا أَمْ لَا.
(تَتْمِيمٌ) ابْنُ يُونُسَ مَنْ اكْتَرَى دَارًا فَوَجَدَ لَهَا جِيرَانَ سُوءٍ فَلَهُ رَدُّهَا لِأَنَّهُ عَيْبٌ، وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ اشْتَرَى دَارًا فَإِذَا لَهَا جِيرَانُ سُوءٍ إنَّهُ عَيْبٌ تُرَدُّ بِهِ قَالَ الشَّاعِرُ:
يَقُولُونَ لِي بِعْت الدِّيَارَ رَخِيصَةً ... وَلَا أَنْتَ مَدْيُونٌ وَلَا أَنْتَ مُفْلِسُ
فَقُلْت لَهُمْ كُفُّوا الْمَلَامَةَ وَاقْصُرُوا ... بِجِيرَانِهَا تَغْلُو الدِّيَارُ وَتَرْخُصُ
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (فَصْلٌ) وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ، وَجَازَ عَلَى أَنَّ عَلَيْك عَلَفَهَا، أَوْ طَعَامَ رَبِّهَا، أَوْ عَلَيْهِ طَعَامَك
[منح الجليل]
[فَصْل كِرَاء الدَّابَّة]
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ كِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالرِّبَاعِ (وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ) أَيْ إيجَارُ عَاقِلٍ وَمُمْكِنُ النَّقْلِ غَيْرِ السَّفِينَةِ وَالدَّابَّةِ فِي تَوَقُّفِ الصِّحَّةِ عَلَى عَاقِدٍ وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ وَالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ وَاللُّزُومِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ.
وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ السَّابِقَةِ.
ابْنُ شَاسٍ أَقْسَامُ الْإِجَارَةُ ثَلَاثَةٌ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي اسْتِئْجَارِ الْآدَمِيِّ، الْقِسْمُ الثَّانِي فِي اسْتِئْجَارِ الْأَرَاضِي، الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي اسْتِئْجَارِ الدَّوَابِّ وَهِيَ تُسْتَأْجَرُ لِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: لِلرُّكُوبِ ولِلْحَمْلِ وَلِلِاسْتِقَاءِ وَلِلْحَرْثِ.
(وَجَازَ) كِرَاءُ الدَّابَّةِ (عَلَى) شَرْطِ (أَنَّ عَلَيْك) يَا مُكْتَرِي (عَلَفَهَا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ وَالْفَاءِ أَيْ مَا تَأْكُلُهُ الدَّابَّةُ الْمُكْتَرَاةُ، وَهُوَ الْكِرَاءُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ نَقْدٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ طَعَامٍ مَعْلُومٍ (أَوْ) عَلَى أَنَّ عَلَيْك (طَعَامَ رَبِّهَا) أَيْ الدَّابَّةِ الَّذِي يَأْكُلُهُ فِي السَّفَرِ، وَهُوَ الْكِرَاءُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَلَوْ مَانِعَةً خُلُوٍّ فَقَطْ، فَيَجُوزُ عَلَى أَنَّ عَلَيْك عَلَفَهَا وَطَعَامَ رَبِّهَا مَعًا كَذَلِكَ (أَوْ) عَلَى أَنَّ (عَلَيْهِ) أَيْ رَبِّ الدَّابَّةِ (طَعَامَك) يَا مُكْتَرِي الَّذِي تَأْكُلُهُ فِي سَفَرِك إنْ اكْتَرَيْتهَا بِغَيْرِ طَعَامٍ.
وَفِي هَذَا اجْتِمَاعُ إكْرَاءٍ وَبَيْعٍ فِي صَفْقَةٍ، وَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَا تُعْطِيهِ لِرَبِّهَا فِي رُكُوبِهَا وَبَعْضَهُ فِي طَعَامِك فِيهَا لَا بَأْسَ أَنْ تَكْتَرِيَ إبِلًا مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنَّ عَلَيْكَ رِحْلَتَهَا، أَوْ تَكْتَرِيَ دَابَّةً بِعَلَفِهَا أَوْ أَجِيرًا بِطَعَامِهِ أَوْ إبِلًا عَلَى
أَوْ لِيَرْكَبَهَا فِي حَوَائِجِهِ
أَوْ لِيَطْحَنَ بِهَا شَهْرًا
أَوْ لِيَحْمِلَ عَلَى دَوَابِّهِ مِائَةً،
[منح الجليل]
أَنَّ عَلَيْك عَلَفَهَا أَوْ طَعَامَ رَبِّهَا أَوْ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ هُوَ طَعَامَك ذَاهِبًا وَرَاجِعًا فَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ تُوصَفْ النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَاجِرَ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ أَجَلًا مَعْلُومًا بِطَعَامِهِ فِي الْأَجَلِ، أَوْ بِكِسْوَتِهِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَ الْكِسْوَةِ وَالطَّعَامِ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ أَوْ عُرُوضٌ بِعَيْنِهَا مُعَجَّلَةٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ عُرُوضًا مَضْمُونَةً بِغَيْرِ عَيْنِهَا جَازَ تَأْخِيرُهَا إنْ ضَرَبَا لَهَا أَجَلًا كَأَجَلِ السَّلَمِ.
(أَوْ) كِرَاؤُهَا (لِيَرْكَبَهَا) أَيْ الْمُكْتَرِي الدَّابَّةَ (فِي) قَضَاءِ (حَوَائِجِهِ) أَيْ الْمُكْتَرِي شَهْرًا فِيهَا، وَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فِي حَوَائِجِهِ شَهْرًا مَتَى شَاءَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَا يَرْكَبُ النَّاسُ الدَّوَابَّ جَازَ.
أَبُو الْحَسَنِ مَعْنَاهُ فِي الْبَلَدِ وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْهَا يَكْتَرِيهَا شَهْرًا عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا فِي حَوَائِجِهِ حَيْثُ شَاءَ، وَإِنْ كَانَتْ تَقِلُّ مَرَّةً وَتَكْثُرُ أُخْرَى لِلضَّرُورَةِ، إذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَعْيِينِ مَا يَحْتَاجُهُ.
اهـ. فَتَأَمَّلْهُ مَعَ نَصِّهَا.
وَفِي الشَّامِلِ أَوْ لِتَرْكَبَهَا فِي حَوَائِجِكَ إنْ عَرَفَ، وَقِيلَ لِلضَّرُورَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ مُخَالِفٌ لَهَا فِي اشْتِرَاطِهَا مَعْرِفَةَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ وَاللَّخْمِيُّ لَمْ يَشْتَرِطْهَا وَإِنَّمَا الْجَوَازُ عِنْدَهُ لِلضَّرُورَةِ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ أَبِي الْحَسَنِ تَعْلِيلُ اللَّخْمِيِّ خِلَافُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ جَوَازُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ.
اهـ. فَعَلَى هَذَا يُوَافِقُ اللَّخْمِيُّ الْكِتَابَ عَلَى شَرْطِ مَعْرِفَةِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا يُخَالِفُهُ فِي تَقْيِيدِهِ بِالضَّرُورَةِ قَالَهُ طفي.
(أَوْ) أَيْ وَيَجُوزُ كِرَاؤُهَا (لِيَطْحَنَ) أَيْ الْمُكْتَرِي (بِهَا) أَيْ الدَّابَّةِ (شَهْرًا) مُعَيَّنًا فَيَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ مَا يَطْحَنُهُ بِهَا كُلَّ يَوْمٍ فِيهَا عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهَا، وَكَذَلِكَ إنْ اكْتَرَاهَا لِطَحْنِ قَمْحٍ شَهْرًا بِعَيْنِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَمْ يَطْحَنُ كُلَّ يَوْمٍ جَازَ؛ لِأَنَّ طَحِينَ النَّاسِ كُلَّ يَوْمٍ مَعْرُوفٌ.
اللَّخْمِيُّ إنْ اعْتَادُوا طَحْنَ نَوْعٍ خَاصٍّ كَقَمْحٍ جَازَ، وَإِنْ كَانَ مَرَّةً شَعِيرًا وَمَرَّةً قَمْحًا وَمَرَّةً أُرْزًا وَكَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ سَوَاءً وَمُتَقَارِبَةً جَازَ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِتَعْيِينِ النَّوْعِ.
(أَوْ) أَيْ يَجُوزُ كِرَاؤُهَا (لِيَحْمِلَ) الْمُكْتَرِي (عَلَى دَوَابِّهِ) أَيْ الْمُكْرِي (مِائَةً)
وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ مَا لِكُلٍّ
وَعَلَى حَمْلِ آدَمِيٍّ لَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْفَادِحُ، بِخِلَافِ وَلَدٍ وَلَدَتْهُ
وَبَيْعُهَا، وَاسْتِثْنَاءُ رُكُوبِهَا الثَّلَاثَ
[منح الجليل]
مِنْ أَرَادِبِ الْقَمْحِ أَوْ قَنَاطِيرِ الْقُطْنِ أَوْ مِنْ الرَّقِيقِ فَيَجُوزُ إنْ سَمَّى لِكُلِّ دَابَّةٍ مَا تَحْمِلُهُ مِنْ الْمِائَةِ، بَلْ (وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ) الْمُكْتَرِي قَدْرَ (مَا لِكُلٍّ) مِنْ دَوَابِّهِ مِنْ الْمِائَة وَيَحْمِلُ عَلَى كُلِّ دَابَّةٍ مَا تُطِيقُ حَمْلَهُ، فِيهَا مَنْ اسْتَأْجَرَ دَوَابَّ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ فِي صَفْقَةٍ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مِائَةَ إرْدَبِّ قَمْحٍ وَلَمْ يُسَمِّ مَا يَحْمِلُ عَلَى كُلِّ دَابَّةٍ جَازَ، وَلْتُحَمَّلْ كُلُّ دَابَّةٍ بِقَدْرِ قُوَّتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ الدَّوَابُّ لِرِجَالٍ شَتَّى وَحَمْلُهَا مُخْتَلِفٌ فَلَا يَجُوزُ، إذْ لَا يَدْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مَا أَكْرَى دَابَّتَهُ لِحَمْلِهِ.
(وَ) جَازَ كِرَاءُ دَابَّةٍ (عَلَى حَمْلِ آدَمِيٍّ) غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْ مِصْرَ لِلْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ (لَمْ يَرَهُ) أَيْ الْآدَمِيَّ الَّذِي أُرِيدَ حَمْلُهُ صَاحِبُ الدَّابَّةِ لِيَسَارَةِ الْغَرَرِ بِتَقَارُبِ الْأَجْسَامِ غَالِبًا (وَلَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ رَبَّ الدَّابَّةِ الْآدَمِيَّ (الْفَادِحُ) بِالْفَاءِ وَإِهْمَالِ الدَّالِ وَالْحَاءِ، أَيْ الْخَارِجُ عَنْ الْمُعْتَادِ فِي عِظَمِ جِسْمِهِ وَثِقَلِهِ.
عِيَاضٌ الْفَادِحُ مِنْ الرِّجَالِ وَالْأَحْمَالِ الثَّقِيلُ جِدًّا الَّذِي تَهْلِكُ الدَّابَّةُ تَحْتَهُ.
(بِخِلَافِ وَلَدٍ وَلَدَتْهُ) الْمَرْأَةُ فِي سَفَرِهَا فَيَلْزَمُ الْجَمَّالُ حَمْلُهُ؛ لِأَنَّ شَأْنَهَا ذَلِكَ.
فَهُوَ دَاخِلٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ كَانَ مَحْمُولًا مَعَهَا فِي بَطْنِهَا.
فِيهَا مَنْ أَكْرَى دَابَّةً مِنْ رَجُلٍ عَلَى حَمْلِ رَجُلَيْنِ أَوْ امْرَأَتَيْنِ لَمْ يَرَهُمَا جَازَ لِتَسَاوِي الْأَجْسَامِ إلَّا الْخَاصَّ، فَإِنْ أَتَاهُ بِفَادِحَيْنِ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ أَرَادَ لَا يَلْزَمُهُ حَمْلُهُمَا وَالْكِرَاءُ بَاقٍ بَيْنَهُمَا وَيَأْتِيهِ بِالْوَسَطِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يُكْرِي الْإِبِلَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
وَأَجَازَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لِلْمُكْتَرِي أَنْ يَحْمِلَ فِي عَيْبَتِهِ ثَوْبًا أَوْ ثَوْبَيْنِ لِغَيْرِهِ، وَلَا يُخْبِرَ بِذَلِكَ الْجَمَّالَ، وَهُوَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ وَلَوْ تُبَيَّنُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بِوَزْنِهَا كَانَ أَحْسَنَ وَإِذَا وَلَدَتْ الْمُكْتَرِيَةُ فِي الطَّرِيقِ أُجْبِرَ الْجَمَّالُ عَلَى حَمْلِ وَلَدِهَا وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ.
ابْنُ يُونُسَ أَرَادَ؛ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ.
ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُهَا لَا يَحْتَاجُ لِتَعْيِينِ الرَّاكِبِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ رُكُوبَ النِّسَاءِ أَشَدُّ.
(وَجَازَ بَيْعُهَا) أَيْ الدَّابَّةُ (وَاسْتِثْنَاءُ) أَيْ اشْتِرَاطُ بَائِعِهَا لِ (رُكُوبِهَا) أَيْ الدَّابَّةِ (الثَّلَاثَ) مِنْ الْأَيَّامِ وَأَوْلَى الْيَوْمَيْنِ وَالْيَوْمِ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ "
لَا جُمُعَةً.
وَكُرِهَ الْمُتَوَسِّطُ
وَكِرَاءُ دَابَّةٍ شَهْرًا، إنْ لَمْ يَنْقُدْ
وَالرِّضَا بِغَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ الْهَالِكَةِ؛ إنْ لَمْ يَنْقُدْ،
[منح الجليل]
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَى مِنْهُ جَمَلًا فِي رُجُوعِهِمْ إلَى الْمَدِينَةِ وَجَعَلَ لَهُ رُكُوبَهُ إلَيْهَا ثُمَّ أَعْطَاهُ الثَّمَنَ، ثُمَّ الْجَمَلَ» ، وَقَيَّدَهُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " بِقُرْبِ الْمَسَافَةِ (لَا) يَجُوزُ بَيْعُهَا وَاسْتِثْنَاءُ رُكُوبِهَا (جُمُعَةً وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (الْمُتَوَسِّطُ) بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالْجُمُعَةِ، أَيْ اسْتِثْنَاءُ رُكُوبِهِ، وَهُوَ الْأَرْبَعَةُ وَالْخَمْسَةُ وَالسِّتَّةُ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ بَاعَ دَابَّةً فَاسْتَثْنَى رُكُوبَهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ يُسَافِرُ عَلَيْهَا الْيَوْمَ أَوْ إلَى الْمَكَانِ الْقَرِيبِ جَازَ، وَلَا يَنْبَغِي فِيمَا بَعُدَ، إذْ لَا يَدْرِي الْمُبْتَاعُ كَيْفَ تَرْجِعُ إلَيْهِ وَضَمَانُهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ فِيمَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ، وَمِنْ الْبَائِعِ فِيمَا لَا يَجُوزُ.
اللَّخْمِيُّ مَنْ بَاعَ رَاحِلَةً وَاسْتَثْنَى رُكُوبَهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ جَازَ وَكُرِهَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُمْنَعُ مَا كَثُرَ كَالْجُمُعَةِ.
أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ يَوْمًا أَوَيَوْمَيْنِ أَيْ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ رُشْدٍ وَالْمَازِرِيِّ.
وَحَمَلَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلَهُ لَا يَنْبَغِي عَلَى الْمَنْعِ وَنُوقِشَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ كَرَاهَةَ الْمُتَوَسِّطِ لِلَّخْمِيِّ، وَالثَّالِثُ دَاخِلٌ فِيهِ عِنْدَهُ.
(وَ) يَجُوزُ (كِرَاءُ دَابَّةٍ) مُعَيَّنَةٍ لِيَرْكَبَهَا الْمُكْتَرِي مِنْ مِصْرَ إلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى أَنْ يَتَأَخَّرَ الشُّرُوعُ فِي رُكُوبِهَا (شَهْرًا إنْ لَمْ يَنْقُدْ) أَيْ يَدْفَعْ الْمُكْتَرِي الْكِرَاءَ لِلْمُكْرِي عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَمَنَعَهُ غَيْرُهُ، وَمَفْهُومُ شَهْرًا جَوَازُ مَا دُونَهُ وَإِنْ نَقَدَ.
وَمَفْهُومُ إنْ لَمْ يَنْقُدْ مَنْعُهُ إنْ نَقَدَ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِيهِمَا " غ " فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَكِرَاءُ دَابَّةٍ إنْ لَمْ يَنْقُدْ إلَى شَهْرٍ بِجَرِّ شَهْرٍ بِإِلَى، وَهُوَ الصَّوَابُ، فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهَا وَمَنْ اكْتَرَى رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا عَلَى أَنْ يَرْكَبَ إلَى الْيَوْمِ أَوْ الْيَوْمَيْنِ وَمَا قَرُبَ جَازَ ذَلِكَ وَجَازَ النَّقْدُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ الرُّكُوبُ إلَى شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ جَازَ مَا لَمْ يَنْقُدْهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ اهـ. وَقَالَ " ق " لَعَلَّهُ إلَى شَهْرٍ، وَنَقَلَ نَصَّهَا الْمُتَقَدِّمَ.
(وَ) إنْ اكْتَرَى دَابَّةً مُعَيَّنَةً لِيَرْكَبَهَا مِنْ مِصْرَ إلَى مَكَّةَ مَثَلًا وَهَلَكَتْ فِي أَثْنَائِهَا جَازَ (الرِّضَا بِ) دَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ مَضْمُونَةٍ يَرْكَبُهَا بَاقِيَ الْمَسَافَةِ (غَيْرِ) الدَّابَّةِ (الْمُعَيَّنَةِ الْهَالِكَةِ) فِي الْأَثْنَاءِ (إنْ لَمْ يَنْقُدْ) الْمُكْتَرِي الْكِرَاءَ لِلْمُكْرِي، فَإِنْ كَانَ نَقَدَهُ فَلَا يَجُوزُ الرِّضَا بِغَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ
أَوْ نَقَدَ، وَاضْطُرَّ.
وَفَعَلَ الْمُسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ، وَدُونَهُ
وَحَمْلٌ بِرُؤْيَتِهِ، أَوْ كَيْلِهِ، أَوْ وَزْنِهِ، أَوْ عَدِّهِ، إنْ لَمْ تَتَفَاوَتْ
[منح الجليل]
لِانْفِسَاخِ الْكِرَاءِ بِهَلَاكِهَا وَوُجُوبِ الرُّجُوعِ بِحِصَّةِ الْبَاقِي، وَهُوَ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ الْمُكْرِي، فَإِنْ رَضِيَ بِغَيْرِهَا فَقَدْ فَسَخَ دَيْنًا فِي دَيْنٍ (أَوْ) كَانَ (نَقَدَ) الْكِرَاءَ لِلْمُكْرِي (وَ) قَدْ (اُضْطُرَّ) الْمُكْتَرِي لِلرِّضَا بِغَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ لِعَدَمِ وُجُودِ دَابَّةٍ يَكْتَرِيهَا أَوْ يَشْتَرِيهَا، وَهُوَ فِي مَفَازَةٍ يَخْشَى الْهَلَاكَ فِيهَا إنْ لَمْ يَرْضَ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ فَيَجُوزُ رِضَاهُ بِغَيْرِهَا وَإِنْ لَزِمَهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ لِلضَّرُورَةِ وَمَفْهُومُ الْمُعَيَّنَةِ جَوَازُ الرِّضَا بِغَيْرِ الْمَضْمُونَةِ الْهَالِكَةِ، وَإِنْ كَانَ نَقَدَ الْكِرَاءَ لِعَدَمِ انْفِسَاخِ الْكِرَاءِ بِهَلَاكِهَا، فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَلَوْ هَلَكَتْ الدَّابَّةُ الْمُعَيَّنَةُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، أَيْ وَقَدْ نَقَدَهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَهُ دَابَّةً أُخْرَى يَرْكَبُهَا بَقِيَّةَ سَفَرِهِ إلَّا أَنْ يُصِيبَهُ ذَلِكَ بِفَلَاةٍ وَمَوْضِعٍ لَا يُوجَدُ فِيهِ كِرَاءٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الضَّرُورَةِ إلَى مَوْضِعٍ مُسْتَعْتَبٍ فَقَطْ، وَسَوَاءٌ تَحَوَّلَ فِي كِرَاءٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مَضْمُونٍ إذَا كَانَ الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ مُعَيَّنًا.
ابْنُ رُشْدٍ إنْ لَمْ يَنْقُدْ جَازَ؛ لِأَنَّهُ كِرَاءٌ مُبْتَدَأٌ.
(وَفَعَلَ) الْمُسْتَأْجِرُ الْفِعْلَ (الْمُسْتَأْجَرَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ (عَلَى) فِعْلِ (هـ) وَهَذَا مَعْلُومٌ، وَذَكَرَهُ تَوَصُّلًا لِمَا بَعْدَهُ وَمُسَاوِيهِ (وَدُونَهُ) بِالْأَوْلَى وَ (لَا) يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا (أَضَرَّ) مِنْهُ بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا.
فِيهَا مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِحَمْلِ مَحْمَلٍ فَحَمَّلَهَا زَامِلَةً فَعَطِبَتْ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ الْمَحْمَلِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ فَلَا يَضْمَنُ، وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ غَيْرَ مَا سَمَّى إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَضَرَّ وَلَا أَثْقَلَ مِنْ مَحْمَلٍ.
الْبُنَانِيُّ أَيْ فَعَلَ مِثْلَهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ عَيْنَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَمَا فِي " ز " وَغَيْرِهِ لِقِلَّةِ فَائِدَتِهِ.
(وَ) جَازَ كِرَاءُ دَابَّةٍ لِحَمْلٍ (بِرُؤْيَتِهِ) أَيْ الْمَحْمُولِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ جِنْسِهِ اكْتِفَاءً بِرُؤْيَتِهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَيَكُونُ قَدْرُ الْمَحْمُولِ عُرْفًا أَوْ نَصًّا (أَوْ) بِ (كَيْلِهِ) أَيْ الْمَحْمُولِ كَإِرْدَبٍّ (أَوْ) بِ (وَزْنِهِ) كَقِنْطَارٍ (أَوْ عَدَدِهِ) كَمِائَةٍ (إنْ لَمْ يَتَفَاوَتْ) الْمَكِيلُ بِالْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ أَوْ الْمَوْزُونُ بِاللُّيُونَةِ وَالْيُبُوسَةِ أَوْ الْمَعْدُودُ بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ.
ابْنُ شَاسٍ الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ اسْتِئْجَارُ الدَّابَّةِ لِلْحَمْلِ، وَيُعْرَفُ الْمَحْمُولُ بِالرُّؤْيَةِ إنْ حَضَرَ، فَإِنْ غَابَ فَبِذِكْرِ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ أَوْ الْعَدَدِ
وَإِقَالَةٌ قَبْلَ النَّقْدِ
[منح الجليل]
فِيمَا لَا كَثِيرَ تَفَاوُتٍ بَيْنَ آحَادِهِ، فِيهَا مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً وَلَمْ يُسَمِّ مَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا لَمْ يَجُزْ إلَّا مِنْ قَوْمٍ قَدْ عُرِفَ حَمْلُهُمْ، فَذَلِكَ لَازِمٌ عَلَى مَا عَرَفُوا مِنْ الْحَمْلِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَوْ سَمَّى حِمْلَ طَعَامٍ أَوْ بَزٍّ أَوْ عِطْرٍ جَازَ، وَحَمْلُهَا قَدْرُ حَمْلِ مِثْلِهَا.
عِيَاضٌ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا فَحَمَلَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ عَلَى الْخِلَافِ وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ قَدْ عُرِفَ حَمْلُهُمْ أَيْ قَدْرُهُ وَالْأَنْدَلُسِيُّونَ عَلَى الْوِفَاقِ أَيْ عَرَّفُوا جِنْسَ وَنَوْعَ مَا يَحْمِلُونَ مِنْ التِّجَارَةِ وَلَا يَضُرُّهُمْ جَهْلُ قَدْرِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ فَضْلٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ مَتَى عُرِفَ جِنْسُهُ لَمْ يُبَالَ بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ، وَحَمَلَتْ الدَّابَّةُ حَمْلَ مِثْلِهَا، وَقَدْ قَالَهُ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا فِي مُكْتَرِي دَوَابَّ مِنْ وَاحِدٍ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مِائَةَ إرْدَبٍّ وَلَمْ يُسَمِّ مَا تَحْمِلُ دَابَّةٌ جَازَ وَيَحْمِلُ عَلَى كُلِّ دَابَّةٍ مَا تَقْوَى عَلَى حَمْلِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي زَامِلَةِ الْحَاجِّ.
أَبُو الْحَسَنِ حَاصِلُ هَذَا أَنَّ الْقَرَوِيِّينَ قَالُوا لَا يَجُوزُ وَإِنْ سَمَّى الْجِنْسَ حَتَّى يُعْرَفَ الْقَدْرُ إمَّا بِنَصٍّ أَوْ عُرْفٍ وَلَا يَكْفِي الِاجْتِهَادُ، وَقَالَ الْأَنْدَلُسِيُّونَ إنْ سَمَّى الْجِنْسَ جَازَ، وَيُصْرَفُ الْقَدْرُ لِلِاجْتِهَادِ، وَمِمَّنْ أَوَّلَ بِالْخِلَافِ.
اللَّخْمِيُّ فَقَالَ: إنْ سَمَّى قَدْرَ مَا يَحْمِلُ دُونَ جِنْسِهِ لَمْ يَجُزْ فَقَدْ يَتَّفِقُ الْوَزْنُ وَيَخْتَلِفُ الْكِرَاءُ لِاخْتِلَافِ الْمَضَرَّةِ كَالْكَتَّانِ وَالرَّصَاصِ الْمُسْتَوِيَيْنِ وَزْنًا وَاخْتُلِفَ إذَا سَمَّى الْجِنْسَ دُونَ الْقَدْرِ فَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَجَازَهُ غَيْرُهُ.
وَيَحْمِلُ عَلَيْهَا حَمْلَ مِثْلِهَا، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ، إذْ قَدْ لَا يَعْرِفُ قَدْرَ مَا تَحْمِلُهُ إلَّا رَبُّهَا، وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ ابْنَ شَاسٍ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي حَمْلِ كَلَامِ الْغَيْرِ عَلَى الْخِلَافِ لِاخْتِيَارِهِ اللَّخْمِيُّ، وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ يَتَفَاوَتْ خَاصٌّ بِالْمَعْدُودِ كَمَا قَالَ الشَّارِحَانِ، وَبِهِ قَرَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ فَرْحُونٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، إذْ ذِكْرُ الْجِنْسِ لَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ، وَالْجِنْسُ الْمَكِيلُ أَوْ الْمَوْزُونُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَفَاوُتٌ بِالْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ أَفَادَهُ طفي.
(وَ) مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِحَجٍّ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ تَقَايَلَا جَازَتْ (الْإِقَالَةُ) مِنْ الِاكْتِرَاءِ إنْ كَانَتْ (قَبْلَ النَّقْدِ) لِلْكِرَاءِ مِنْ الْمُكْتَرِي لِلْمُكْرِي، سَوَاءٌ كَانَتْ بِالْكِرَاءِ أَوْ بِأَزْيَدَ مِنْهُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ عَرْضًا بِشَرْطِ تَعْجِيلِهَا؛ لِأَنَّ الْمُكْرِيَ اكْتَرَى الدَّابَّةَ مِنْ الْمُكْتَرِي بِالْكِرَاءِ فَقَطْ أَوْ بِهِ وَبِالزِّيَادَةِ، فَإِنْ أُجِّلَتْ الزِّيَادَةُ مُنِعَتْ الْإِقَالَةُ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ.
وَبَعْدَهُ، إنْ لَمْ يَعِبْ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا، إلَّا مِنْ الْمُكْتَرِي فَقَطْ، إنْ اقْتَصَّا، أَوْ بَعْدَ سَيْرٍ كَثِيرٍ
[منح الجليل]
وَ) تَجُوزُ الْإِقَالَةُ مِنْهُ (بَعْدَهُ) أَيْ النَّقْدِ (إنْ لَمْ يَغِبْ) الْمُكْرِي (عَلَيْهِ) أَيْ الْكِرَاءِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ كَانَ غَابَ عَلَيْهِ (فَلَا) تَجُوزُ الْإِقَالَةُ لِاتِّهَامِهِمَا عَلَى السَّلَفِ بِزِيَادَةٍ (إلَّا أَنْ) تَكُونَ الزِّيَادَةُ (مِنْ الْمُكْتَرِي فَقَطْ) أَيْ دُونَ الْمُكْرِي فَتَجُوزُ (إنْ) كَانَا (اقْتَصَّا) أَيْ شَرَطَا الْمُقَاصَّةَ لِيَسْلَمَا مِنْ ابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ (أَوْ) تَقَايَلَا بِزِيَادَةٍ مِنْ الْمُكْرِي أَوْ الْمُكْتَرِي (بَعْدَ سَيْرٍ كَثِيرٍ) لِنَفْيِهِ تُهْمَةَ السَّلَفِ بِزِيَادَةٍ مَا فَتَجُوزُ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ.
الْخَرَشِيُّ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هَذَا فِي الْإِقَالَةِ بِزِيَادَةٍ مِنْ الْمُكْتَرِي عَلَى الْمَنَافِعِ وَمِنْ الْمُكْرِي عَلَى الْكِرَاءِ، وَأَمَّا الْإِقَالَةُ بِالْكِرَاءِ فَجَائِزَةٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ قَبْلَ النَّقْدِ أَوْ بَعْدَهُ غَابَ الْمُكْرِي عَلَى النَّقْدِ أَمْ لَا لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْمَنْعِ حِينَئِذٍ، وَهِيَ تُهْمَةُ السَّلَفِ بِزِيَادَةٍ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ لَك أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ الْإِقَالَةُ بِزِيَادَةٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى نُسْخَةِ ابْنِ غَازِيٍّ وَإِقَالَةٍ بِزِيَادَةٍ إلَخْ.
طفي لَيْسَ فِي نُسْخَةِ تت لَفْظُ بِزِيَادَةٍ، فَلِذَا قَالَ: سَوَاءٌ كَانَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ أَوْ أَزْيَدَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَإِقَالَةٌ بِزِيَادَةٍ، وَعَلَيْهَا شَرْحُ جَمْعٍ مِنْ الشُّرَّاحِ؛ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ فِي الْإِقَالَةِ بِزِيَادَةٍ أَمَّا عَلَى رَأْسِ الْمَالِ فَتَجُوزُ مُطْلَقًا قَبْلَ النَّقْدِ وَبَعْدَهُ اللَّخْمِيُّ الْإِقَالَةُ مِنْ الْكِرَاءِ إذَا لَمْ تَكُنْ بِزِيَادَةٍ مِنْ الْمُكْرِي وَلَا مِنْ الْمُكْتَرِي فَهِيَ جَائِزَةٌ بَعْدَ النَّقْدِ، وَتَجُوزُ أَيْضًا قَبْلَهُ عَلَى أَنَّهَا حِلُّ بَيْعٍ أَوْ ابْتِدَاءُ بَيْعٍ، وَأَنَّ الذِّمَمَ تَبْرَأُ بِهَا وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِبَرَاءَةِ الذِّمَمِ بِهَا يَمْنَعُ ذَلِكَ فِي الْمَضْمُونِ، وَهُوَ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ عِنْدَ أَخْذِ الدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ الرُّكُوبُ عَنْ دَيْنٍ اسْتَحَقَّهُ عِنْدَهُ، وَهُوَ الْكِرَاءُ.
وَإِنْ كَانَ الرُّكُوبُ مُعَيَّنًا جَازَ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمُكْتَرِي فِيهَا الْآنَ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مُقَارِنٌ أَخْذَ الْمُكْرِي مَنَافِعَ عَنْ دَيْنٍ.
اهـ. وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى كَلَامِ اللَّخْمِيِّ هَذَا.
الْبُنَانِيُّ حَاصِلُ مَسْأَلَةِ الْإِقَالَةِ بِزِيَادَةٍ فِي الْكِرَاءِ كَمَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ بِالذَّهَبِ إمَّا ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ أَوْ عَرْضٌ، وَهِيَ فِيهَا إمَّا مُعَجَّلَةٌ أَوْ مُؤَجَّلَةٌ فَهَذِهِ سِتَّةٌ وَهِيَ فِي كُلٍّ مِنْهَا إمَّا مِنْ الْمُكْتَرِي، وَإِمَّا مِنْ الْمُكْرِي، فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ وَفِي كُلٍّ مِنْهَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
إمَّا قَبْلَ النَّقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، فَهَذِهِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ، فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْمُكْتَرِي قَبْلَ النَّقْدِ فَتَجُوزُ إنْ عُجِّلَتْ وَكَانَتْ ذَهَبًا أَوْ عَرْضًا، وَإِنْ كَانَتْ فِضَّةً فَتَجُوزُ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ صَرْفِ دِينَارٍ، فَإِنْ أُجِّلَتْ امْتَنَعَتْ فِي الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهَا فِي الذَّهَبِ كِرَاءٌ وَسَلَفٌ، وَفِي الْفِضَّةِ كِرَاءٌ وَصَرْفٌ مُؤَخَّرٌ، وَفِي الْعَرْضِ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْمُكْتَرِي بَعْدَ النَّقْدِ غَابَ الْمُكْرِي عَلَى الْكِرَاءِ أَمْ لَا، فَتَجُوزُ الْمُعَجَّلَةُ مِنْ الْعَرْضِ مُطْلَقًا، وَمِنْ الذَّهَبِ بِشَرْطِ الْمُقَاصَّةِ وَمِنْ الْفِضَّةِ بِشَرْطِ كَوْنِهَا أَقَلَّ مِنْ صَرْفِ دِينَارٍ وَتُمْنَعُ الْمُؤَخَّرَةُ مِنْ الذَّهَبِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ عَرْضٍ وَذَهَبٍ بِذَهَبٍ لِأَجَلٍ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَفِيهِ كِرَاءٌ وَسَلَفٌ أَيْضًا، وَمِنْ الْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ مُؤَخَّرٌ، وَيَجُوزُ مِنْ الْعَرْضِ بِشُرُوطِ السَّلَمِ، فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ فِي زِيَادَةِ الْمُكْتَرِي يَمْتَنِعُ خَمْسٌ مِنْهَا وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْمُكْرِي قَبْلَ النَّقْدِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْغَيْبَةِ عَلَيْهِ فَتَجُوزُ الْمُعَجَّلَةُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ عَرْضًا وَتُمْنَعُ الْمُؤَخَّرَةُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ عَرْضًا؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَتُمْنَعُ بَعْدَ الْغَيْبَةِ فِيهَا إلَّا بَعْدَ سَيْرٍ كَثِيرٍ يَدْفَعُ التُّهْمَةَ فَتَجُوزُ، وَتُمْنَعُ الثَّلَاثُ إنْ أُخِّرَتْ مُطْلَقًا فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ فِي زِيَادَةِ الْمُكْرِي
وَاشْتِرَاطُ هَدِيَّةِ مَكَّةَ، وَإِنْ عُرِفَ
[منح الجليل]
تَجُوزُ مِنْهَا ثَلَاثٌ هَذَا حَاصِلُ مَا لِابْنِ رُشْدٍ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إلَّا بَعْدَ سَيْرٍ كَثِيرٍ إنَّمَا هُوَ فِي زِيَادَةِ الْمُكْرِي بَعْدَ غَيْبَتِهِ عَلَى الْكِرَاءِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي كِرَاءِ الدَّابَّةِ الْمَضْمُونَةِ.
وَأَمَّا الْمُعَيَّنَةُ فَإِنْ نَقَدَ الْكِرَاءَ بِشَرْطٍ أَوْ عُرْفٍ، فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْمُكْتَرِي وَعُجِّلَتْ فَتَجُوزُ بِالذَّهَبِ وَتُمْنَعُ بِالْعَرْضِ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبٌ مَنْقُودٌ وَمَنَافِعُ بِذَهَبٍ لِأَجَلٍ وَبِالْفِضَّةِ لِلصَّرْفِ الْمُؤَخَّرِ، وَتَجُوزُ بِالذَّهَبِ الْمُؤَخَّرِ بِشَرْطِ الْمُقَاصَّةِ وَتُمْنَعُ بِالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ مُؤَخَّرٌ وَبِالْعَرْضِ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْمُكْرِي وَعُجِّلَتْ فَتَجُوزُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ عَرْضٍ وَتُمْنَعُ بِالْمُؤَجَّلِ فِي الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي الذَّهَبِ وَالْعَرْضِ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَفِي الْفِضَّةِ صَرْفٌ مُؤَخَّرٌ، فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً فِي الْمُعَيَّنِ الْمُؤَجَّلِ، وَفِي الْمُعَيَّنِ الْمُعَجَّلِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ فَمَجْمُوعُ صُوَرِ الْمُعَيَّنِ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ.
وَأَمَّا الْإِقَالَةُ فِي الدُّورِ فَهِيَ كَالْإِقَالَةِ فِي الْكِرَاءِ الْمُعَيَّنِ فَفِيهَا سِتٌّ وَثَلَاثُونَ أَيْضًا إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ إذَا غَابَ الْمُكْرِي عَلَى الْمَالِ فَلَا تَجُوزُ الْإِقَالَةُ عَلَى الزِّيَادَةِ مِنْهُ، وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ سُكْنَى بَعْضِ الْمُدَّةِ كَسَيْرِ بَعْضِ الْمَسَافَةِ لِضَعْفِ التُّهْمَةِ فِي الْمَسَافَةِ، فَتَحَصَّلَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مَجْمُوعَ صُوَرِ الْإِقَالَةِ بِزِيَادَةٍ: سِتٌّ وَتِسْعُونَ بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ هَكَذَا حَصَّلَهَا أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ رُشْدٍ وَصَاحِبُ التَّكْمِيلِ، وَنَظَّمَهَا أَبُو الْحَسَنِ وَغَيْرُهُ، وَوَضَعَ لَهَا فِي التَّكْمِيلِ جَدْوَلًا، وَأَمَّا الْأَرْضُ فَإِنْ كَانَتْ مَأْمُونَةً فَكَالدُّورِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْمُونَةٍ فَزِيَادَةُ الْمُكْرِي لَا تَجُوزُ نَقْدًا لِاحْتِمَالِ عَدَمِ رَيِّهَا فَيَفْسَخُ الْكِرَاءُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) يَجُوزُ اشْتِرَاطُ حَمْلِ (هَدِيَّةِ) الْحَاجِّ لِ (مَكَّةَ) عَلَى الْمُكْرِي (إنْ عُرِفَ) بِضَمٍّ
وَعُقْبَةُ الْأَجِيرِ
لَا حَمْلِ مَنْ مَرِضَ، وَلَا اشْتِرَاطُ إنْ مَاتَتْ
[منح الجليل]
فَكَسْرٍ قَدْرُهَا، فِيهَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ حَمْلَ هَدَايَا مَكَّةَ، فَإِنْ كَانَ أَمْرًا عُرِفَ وَجْهُهُ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ.
أَبُو الْحَسَنِ أَيْ كِسْوَتُهَا وَطِيبُهَا فَظَاهِرُهُ جَوَازُ تَطْيِيبِهَا وَكِسْوَتِهَا إلَّا أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ كَمَا قَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ، وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِ مَا يُخَلِّقُ بِهِ الْمَسْجِدَ أَوْ يُجَمِّرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ اهـ، وَقَدْ قَالُوا: إنَّ كِسْوَةَ الْكَعْبَةِ مُخَصَّصَةٌ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ كِسْوَةِ الْجُدَرَانِ، وَبِهَذَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ، وَقَرَّرَهُ الْبِسَاطِيُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُكْرِي أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُكْتَرِي هَدِيَّةَ وُصُولِهِ إلَى مَكَّةَ إنْ عُرِفَ قَدْرُهَا.
(وَ) يَجُوزُ لِلْمُكْتَرِي اشْتِرَاطُ (عُقْبَةِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، أَيْ رُكُوبِ (الْأَجِيرِ) أَيْ الْخَدَّامِ الَّذِي يَقُودُ بِهِ الدَّابَّةَ الْمِيلَ السَّادِسَ عَلَى الدَّابَّةِ مَعَ الْمُكْتَرِي أَوْ بَدَلِهِ وَيُمْشِيهِ الْمُكْتَرِي.
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتَرِيَ مَحْمَلًا وَيَشْتَرِطَ عُقْبَةَ الْأَجِيرِ.
ابْنُ يُونُسَ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ رَأْسُ سِتَّةِ أَمْيَالٍ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَرْكَبُ الْمِيلَ السَّادِسَ، وَفِي نَدْبِ اشْتِرَاطِ عُقْبَةِ الْأَجِيرِ لِيَخْرُجَ مِنْ كَرَاهَةِ فِعْلِ مِثْلِ مَا اُسْتُؤْجِرَ لَهُ وَوُجُوبِهِ لِيَخْرُجَ مِنْ حُرْمَةِ فِعْلِ الْأَضَرِّ مِمَّا اُسْتُؤْجِرَ لَهُ قَوْلَانِ.
أَبُو الْحَسَنِ أَيْ يَعْقُبُهُ أَجِيرُهُ فِي الرُّكُوبِ بَعْضُهُمْ يَرْفَعُ اشْتِرَاطَ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ إكْرَاؤُهُ لِغَيْرِهِ إنْ أَكْرَاهَا لِلرُّكُوبِ.
أَبُو الْحَسَنِ لَيْسَ هَذَا بِبَيِّنٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا وَعَاقَبَهُ صَارَ كَمِنْ أَكْرَى لِمَنْ هُوَ أَثْقَلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَيِيَّ أَثْقَلُ مِنْ غَيْرِهِ أَبَدًا، فَفَائِدَتُهُ رَفْعُ الْمَنْعِ.
اهـ. وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ سَمَاعِ عِيسَى ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالثَّانِي نَصُّ قَوْلِ أَصْبَغَ فِيهِ ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْجَوَازُ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ نَدْبٌ وَلَا وُجُوبٌ.
(لَا) يَجُوزُ اكْتِرَاءُ جَمَاعَةٍ مُشَاةٍ دَابَّةً لِحَمْلِ أَزْوَادِهِمْ بِشَرْطِ (حَمْلِ مَنْ مَرِضَ) مِنْهُمْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَجَهَالَةٌ وَقَدْ يَظْهَرُ صَحِيحُ الْمَرَضِ لِرَغْبَتِهِ فِي الرُّكُوبِ فَيُؤَدِّي لِلتَّنَازُعِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ تَكَارَى مِنْ رَجُلٍ إلَى مَكَّةَ مِثْلَ مَا يَتَكَارَى النَّاسُ فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ أَكْرَى مُشَاةً عَلَى أَزْوَادِهِمْ عَلَى أَنَّ لَهُمْ حَمْلَ مَنْ مَرِضَ مِنْهُمْ فَلَا يَجُوزُ.
(وَلَا) يَجُوزُ اكْتِرَاءُ دَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ مِصْرَ إلَى مَكَّةَ مَثَلًا وَلَا (اشْتِرَاطُ إنْ مَاتَتْ) دَابَّةٌ
مُعَيَّنَةً أَتَاهُ: بِغَيْرِهَا.
كَدَوَابَّ لِرِجَالٍ، أَوْ لِأَمْكِنَةٍ
أَوْ لَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ نَقْدَ مُعَيَّنٍ.
وَإِنْ نَقَدَ
[منح الجليل]
مُعَيَّنَةٌ) أَوْ عَجَزَتْ (أَتَاهُ) أَيْ الْمُكْرِي الْمُكْتَرِيَ (بِغَيْرِهَا) أَيْ الْمُعَيَّنَةِ الْهَالِكَةِ لِيَرْكَبَهَا فِي بَقِيَّةِ الْمَسَافَةِ إنْ كَانَ نَقَدَ الْكِرَاءَ وَلَوْ تَطَوُّعًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فَسْخَ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْ جَازَ ابْنُ يُونُسَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا إلَى بَلَدٍ بِعَيْنِهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى دَابَّةٍ أَوْطَأَ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ بِزِيَادَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا.
قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ وَلَوْ شَرَطَ فِي أَوَّلِ كِرَائِهِ أَنَّهَا إنْ مَاتَتْ فَدَابَّتُهُ الْأُخْرَى بِعَيْنِهَا مَكَانَهَا إلَى غَايَةِ سَفَرِهِ أَوْ شَرَطَ أَنَّ كِرَاءَهُ بَاقٍ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ فَقَالَ (كَ) اكْتِرَاءِ (دَوَابَّ) مَمْلُوكَةٍ (لِرِجَالٍ) لِكُلِّ رَجُلٍ دَابَّةٌ أَوْ لِرَجُلٍ وَاحِدَةٌ وَالْبَاقِي لِآخَرَ أَوْ مُشْتَرِكِينَ فِيهَا بِأَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ لِحَمْلِ أَحْمَالٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَا لِكُلِّ دَابَّةٍ فَلَا يَجُوزُ لِلْجَهْلِ بِمَا تَحْمِلُهُ كُلُّ دَابَّةٍ وَتَأْدِيَتِهِ لِلتَّنَازُعِ.
فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ الدَّوَابُّ لِرِجَالٍ شَتَّى وَأَحْمَالُهَا مُخْتَلِفَةٌ فَلَا يَجُوزُ، إذْ لَا يَدْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مَا أَكْرَى دَابَّتَهُ لِحَمْلِهِ (أَوْ) كِرَاءِ دَوَابَّ فِي صَفْقَةٍ (لِأَمْكِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ) كَبَرْقَةَ وَإِفْرِيقِيَّةَ وَطَنْجَةَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَا لِكُلِّ دَابَّةٍ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ، وَلَوْ كَانَتْ لِمَالِكٍ وَاحِدٍ لِاخْتِلَافِ أَغْرَاضِ الْمُتَكَارِيَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ يَرْغَبُ فِي رُكُوبِ الْقَوِيَّةِ لِلْمَكَانِ الْبَعِيدِ وَالْمُكْرِيَ يَرْغَبُ فِي عَكْسِهِ إبْقَاءً لِقُوَّةِ الْقَوِيَّةِ فَفِيهِ مُخَاطَرَةٌ وَتَنَازُعٌ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ اكْتَرَى دَابَّتَيْنِ وَاحِدَةٌ إلَى بَرْقَةَ وَالْأُخْرَى إلَى إفْرِيقِيَّةَ وَهُمَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يُعَيِّنَ الَّتِي إلَى بَرْقَةَ وَاَلَّتِي إلَى إفْرِيقِيَةَ.
(أَوْ) كِرَاءِ دَابَّةٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ عَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ طَعَامٍ وَ (لَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ) فِي بَلَدِ الْكِرَاءِ (نَقْدَ) أَيْ تَعْجِيلَ كِرَاءٍ (مُعَيَّنٍ) وَلَمْ يَشْتَرِطْ تَعْجِيلَهُ أَيْضًا فَلَا يَجُوزُ إنْ لَمْ يَنْقُدَاهُ، بَلْ (وَإِنْ نَقَدَا) أَيْ عَجَّلَا الْكِرَاءَ الْمُعَيَّنَ، فَإِنْ عُرِفَ تَعْجِيلُهُ أَوْ شُرِطَ جَازَ، فِيهَا مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً أَوْ دَارًا أَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَتْ سُنَّةُ الْبَلَدِ الْكِرَاءُ بِالنَّقْدِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُنَّتُهُمْ الْكِرَاءُ بِالنَّقْدِ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ عُجِّلَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ إلَّا أَنْ
أَوْ بِدَنَانِيرَ عُيِّنَتْ، إلَّا بِشَرْطِ الْخَلِفِ
أَوْ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مَا شَاءَ.
أَوْ لِمَكَانٍ شَاءَ.
أَوْ لِيُشَيِّعَ رَجُلًا.
[منح الجليل]
يُشْتَرَطَ النَّقْدُ فِي الْعَقْدِ وَأَعَادَ هَذَا وَإِنْ قَدَّمَهُ بِقَوْلِهِ وَفَسَدَتْ إنْ انْتَفَى تَعْجِيلَ الْمُعَيَّنِ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، وَإِنْ نَقَدَ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لِذِكْرِهِمَا بَعْدَهُ
(أَوْ) كِرَاءِ دَابَّةٍ مَثَلًا (بِدَنَانِيرَ) أَوْ دَرَاهِمَ (عُيِّنَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا وَهِيَ غَائِبَةٌ عَنْ مَجْلِسِ الْكِرَاءِ بِأَنْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى يَدِ قَاضٍ أَوْ وَدِيعَةً عِنْدَ أَمِينٍ فَلَا يَجُوزُ (إلَّا بِشَرْطِ الْحَلِفِ) عَلَى الْمُكْتَرِي إنْ تَلِفَتْ قَبْلَ قَبْضِهَا الْمُكْرِي فَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً عُرِفَ أَوْ شُرِطَ تَعْجِيلُهَا جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ عُجِّلَتْ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ اكْتَرَى مَا ذَكَرْنَا بِدَنَانِيرَ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ تَشَاحَّا فِي النَّقْدِ فَإِنْ كَانَ الْكِرَاءُ بِالنَّقْدِ قَضَى بِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ تَعْجِيلُهَا فِي الْعَقْدِ كَقَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِيمَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً بِدَنَانِيرَ بِبَلَدٍ أُخْرَى عِنْدَ قَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ شُرِطَ ضَمَانُهَا إنْ تَلِفَتْ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، فَأَحْرَى إنْ كَانَ الْكِرَاءُ لَا يُنْقَدُ فِي مِثْلِهِ أَنْ لَا يَجُوزَ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الدَّنَانِيرِ إنْ تَلِفَتْ فَعَلَيْهِ مِثْلُهَا.
(أَوْ) اكْتِرَاءِ دَابَّةٍ (لِيَحْمِلَ) الْمُكْتَرِي (عَلَيْهَا) أَيْ الدَّابَّةِ (مَا) أَيْ الْمَتَاعَ الَّذِي (شَاءَ) الْمُكْتَرِي حَمْلُهُ عَلَيْهَا فَلَا يَجُوزُ لِلْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمَحْمُولَاتِ تَخْتَلِفُ بِالثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ وَالْيُبُوسَةِ وَاللُّيُونَةِ (أَوْ) لِيَرْكَبَهَا (لِ) أَيِّ (مَكَان شَاءَ) الْمُكْتَرِي فَلَا يَجُوزُ لِاخْتِلَافِ الطُّرُقِ بِالسُّهُولَةِ وَالصُّعُوبَةِ وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ وَالْأَمْنِ وَالْخَوْفِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً وَلَمْ يُسَمِّ مَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا فَلَا يَجُوزُ إلَّا مِنْ قَوْمٍ قَدْ عُرِفَ حَمْلُهُمْ فَذَلِكَ لَازِمٌ عَلَى مَا عُرِفُوا بِهِ مِنْ الْحَمْلِ.
وَلَوْ قَالَ أَحْمِلُ عَلَيْهَا حَمْلَ مِثْلِهَا مِمَّا شِئْت فَلَا يَجُوزُ لِاخْتِلَافِ ضَرَرِ الْأَشْيَاءِ فِي الْحَمْلِ، وَكَذَلِكَ لِيَرْكَبَهَا إلَى أَيِّ بَلَدٍ شَاءَ لَا يَجُوزُ لِاخْتِلَافِ الطُّرُقِ بِالسُّهُولَةِ وَالْوُعُورَةِ، وَكَذَلِكَ الْحَوَانِيتُ وَالدُّورُ وَكُلُّ مَا تَبَاعَدَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَا هُوَ أَضَرُّ بِالْجُدْرَانِ.
(أَوْ) اكْتِرَاؤُهَا (لِيُشَيِّعَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الْأُولَى وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ
أَوْ بِمِثْلِ كِرَاءِ النَّاسِ.
أَوْ إنْ وَصَلْتَ فِي كَذَا فَبِكَذَا.
أَوْ لِيَنْتَقِلَ لِبَلَدٍ وَإِنْ سَاوَتْ.
إلَّا بِإِذْنٍ
[منح الجليل]
الثَّانِيَةِ مُثَقَّلَةً الْمُكْتَرِي عَلَيْهَا (رَجُلًا) مُسَافِرًا، أَيْ يَسِيرُ مَعَهُ بَعْضَ الْمَسَافَةِ تَأْنِيسًا لَهُ وَتَدْرِيبًا عَلَى السَّفَرِ وَجَبْرًا لِخَاطِرِهِ وَتَوْدِيعًا لَهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ نِهَايَةِ التَّشْيِيعِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْجَهْلِ بِغَايَتِهِ فِيهَا لَا يَجُوزُ كِرَاءُ دَابَّةٍ لِيُشَيِّعَ عَلَيْهَا رَجُلًا حَتَّى يُسَمِّيَ مُنْتَهَى التَّشْيِيعِ، قَالَ غَيْرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَبْلَغُ التَّشْيِيعِ؛ بِالْبَلَدِ قَدْ عُرِفَ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
(أَوْ) اكْتِرَاءِ دَابَّةٍ مِنْ مِصْرَ لِمَكَّةَ مَثَلًا (بِمِثْلِ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (كِرَاءِ النَّاسِ) الَّذِي يَظْهَرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَا يَجُوزُ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِ الْكِرَاءِ حَالَ عَقْدِهِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ تَكَارَى مِنْ رَجُلٍ إلَى مَكَّةَ بِمِثْلِ مَا يَتَكَارَى بِهِ النَّاسُ لَمْ يَجُزْ.
أَبُو الْحَسَنِ أَمَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَمَجْهُولٌ، وَانْظُرْ إذَا كَانَ مِثْلَ كِرَاءِ النَّاسِ فِي الْمَاضِي فَهَلْ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَوْ لَا يَجُوزُ لِاخْتِلَافِ أَكْرِيَةِ الدَّوَابِّ اهـ. طفي الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَابَعَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا لِلْمُدَوَّنَةِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتْبَعَ لَفْظَهَا فِي التَّعْبِيرِ بِالْمُسْتَقْبَلِ.
(أَوْ) كِرَاءٍ قَالَ فِيهِ (إنْ وَصَلْت) مِنْ مِصْرَ إلَى مَكَّةَ (فِي كَذَا) يَوْمًا كَثَلَاثِينَ (فَ) الِاكْتِرَاءُ (بِكَذَا) دِرْهَمًا كَعَشَرَةٍ، وَإِنْ وَصَلْت إلَيْهَا فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَبِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ مَثَلًا فَلَا يَجُوزُ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِ الْأُجْرَةِ وَالْغَرَرِ حَالَ الْعَقْدِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ اكْتَرَى رَجُلَ دَابَّةٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ بَلَّغَهُ مَوْضِعَ كَذَا يَوْمَ كَذَا فَلَهُ كَذَا دِرْهَمًا وَإِلَّا فَلَا كِرَاءَ لَهُ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إنْ بَلَّغَك إلَى مَكَّةَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَلَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَإِنْ أَوْصَلَك فِي أَكْثَرَ فَلَهُ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ فَلَا يَجُوزُ، وَيُفْسَخُ إنْ نَزَلَ قَبْلَ الرُّكُوبِ، فَإِنْ رَكِبَ لِلْمَكَانِ فَلَهُ كِرَاءُ مِثْلِهِ فِي سُرْعَةِ غَيْرِهِ وَإِبْطَائِهِ وَلَا يُنْظَرُ لِمَا سَمَّيَاهُ.
(أَوْ) أَيْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ (يَنْتَقِلَ) أَيْ يَعْدِلَ الْمُكْتَرِي دَابَّةً لِيُسَافِرَ عَلَيْهَا إلَى بَلَدٍ مُعَيَّنٍ لِلسَّفَرِ عَلَيْهَا (لِبَلَدٍ) آخَرَ غَيْرِ الَّذِي اكْتَرَاهَا إلَيْهِ إنْ لَمْ تُسَاوِهَا، بَلْ (وَإِنْ سَاوَتْ) الَّتِي انْتَقَلَ إلَيْهَا الَّتِي اكْتَرَى إلَيْهَا فِي قَدْرِ الْمَسَافَةِ وَسُهُولَتِهَا أَوْ صُعُوبَتِهَا (إلَّا بِإِذْنِهِ) أَيْ الْمُكْرِي لِاخْتِلَافِ الطُّرُقِ بِصَدَاقَةِ أَهْلِهَا وَعَدَاوَتِهَا الْمُكْرِيَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَهْل الْأُولَى أَصْدِقَاؤُهُ فَلَا
كَإِرْدَافِهِ خَلْفَك، أَوْ حَمَلَ مَعَك، وَالْكِرَاءُ لَك، إنْ لَمْ تَحْمِلْ زِنَةً:
كَالسَّفِينَةِ،
[منح الجليل]
يَخْشَى عَلَى دَابَّتِهِ مِنْهُمْ وَأَهْلَ الثَّانِيَةِ أَعْدَاؤُهُ فَيَخْشَى عَلَيْهَا مِنْهُمْ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ رَبُّهَا فِي الِانْتِقَالِ جَازَ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ فِيهَا مَنْ اكْتَرَى مِنْ رَجُلٍ عَلَى حُمُولَةٍ إلَى بَلَدٍ فَلَيْسَ لَهُ صَرْفُهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي اكْتَرَى إلَيْهِ وَإِنْ سَاوَاهُ فِي الْمَسَافَةِ وَالسُّهُولَةِ أَوْ الصُّعُوبَةِ إلَّا بِإِذْنِ الْمُكْرِي، وَلَمْ يُجْزِهِ غَيْرُهُ وَإِنْ رَضِيَا؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ.
وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ فَقَالَ (كَإِرْدَافِهِ) أَيْ رَبِّ الدَّابَّةِ الَّتِي اكْتَرَيْتهَا مِنْهُ بِعَيْنِهَا رَدِيفًا (خَلْفَك) يَا مُكْتَرِي عَلَيْهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ (أَوْ حَمَلَ) عَلَيْهَا (مَعَك) مَتَاعًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ؛ لِأَنَّك مَلَكْتَ جَمِيعَ مَنْفَعَتِهَا إلَى نِهَايَةِ سَفَرِك.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِنْ اكْتَرَيْت دَابَّةً بِعَيْنِهَا فَلَيْسَ لِرَبِّهَا أَنْ يَحْمِلَ تَحْتَك مَتَاعًا وَلَا يُرْدِفَ خَلْفَك رَدِيفًا، وَكَأَنَّك مَلَكْت ظَهْرَهَا وَكَذَلِكَ السَّفِينَةُ (وَ) إنْ أَرْدَفَ شَخْصًا خَلْفَك أَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا شَيْئًا مَعَك فَ (الْكِرَاءُ) لِلرَّدِيفِ أَوْ الْمَحْمُولِ مَعَك حَقٌّ (لَك) يَا مُكْتَرِي (إنْ لَمْ تَحْمِلْ زِنَةً) مَعْلُومَةً فَإِنْ اكْتَرَيْت مِنْهُ حَمْلَ زِنَةٍ مَعْلُومَةٍ فَكِرَاءُ الزَّائِدِ لِرَبِّهَا، وَلَهُ الزِّيَادَةُ إنْ لَمْ تَضُرَّ الزِّيَادَةُ بِالْمُكْتَرِي، فَإِنْ أَضَرَّتْ بِهِ بِأَنْ كَانَ يَصِلُ فِي يَوْمِهَا بِدُونِهَا وَبِهَا لَا يَصِلُ إلَّا فِي يَوْمَيْنِ فَيَمْنَعُ الْمُكْرِيَ مِنْ الزِّيَادَةِ، أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنْ حَمَلَ فِي مَتَاعِك عَلَى الدَّابَّةِ مَتَاعًا بِكِرَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ كِرَاءٍ، فَلَكَ كِرَاؤُهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ اكْتَرَيْت مِنْهُ حَمْلَ أَرْطَالٍ مُسَمَّاةٍ، فَالزِّيَادَةُ لَهُ قَالَ أَشْهَبُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ أَكْرَاهُ لِيَحْمِلَهُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ مَتَاعِهِ فَكِرَاءُ الزِّيَادَةِ لِلْمُكْتَرِي.
ابْنُ يُونُسَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا قَوْلُ أَشْهَبَ وِفَاقٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.
وَشَبَّهَ السَّفِينَةَ بِالدَّابَّةِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ فَقَالَ (كَالسَّفِينَةِ وَ) مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِرُكُوبِهِ عَلَيْهَا مِنْ مِصْرَ لِمَكَّةَ مَثَلًا ثُمَّ أَكْرَاهَا لِغَيْرِهِ فَعَطِبَتْ أَوْ ضَاعَتْ
وَضَمِنَ إنْ أَكْرَى لِغَيْرِ أَمِينٍ.
أَوْ عَطِبَتْ بِزِيَادَةِ مَسَافَةٍ
أَوْ حَمْلٍ تَعْطَبُ بِهِ، وَإِلَّا فَالْكِرَاءُ: كَأَنْ لَمْ تَعْطَبْ
[منح الجليل]
ضَمِنَ) الْمُكْتَرِي الْأَوَّلُ قِيمَتَهَا (إنْ أَكْرَا) هَا (لِغَيْرِ أَمِينٍ) أَوْ لَأَنْقَلَ مِنْهُ، فَإِنْ أَكْرَاهَا لِأَمِينٍ مِثْلِهِ أَوْ أَخَفَّ مِنْهُ فَلَا يَضْمَنُهَا.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فَحَمَلَ عَلَيْهَا مَكَانَهُ مِثْلَهُ فِي الْخِفَّةِ وَالْأَمَانَةِ فَلَا يَضْمَنُهَا وَإِنْ أَكْرَاهَا مِمَّنْ هُوَ أَثْقَلُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِ مَأْمُونٍ ضَمِنَ.
الْبُنَانِيُّ حَاصِلُهُ مَعَ زِيَادَةِ أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا تَلِفَتْ عِنْدَ الثَّانِي فَإِمَّا عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ بِسَمَاوِيٍّ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يُعْلَمَ بِتَعَدِّي الْأَوَّلِ أَوْ بِأَنَّهُ مُكْتَرٍ فَقَطْ أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ الْمَالِكُ، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا ضَمِنَ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَإِنْ عَلِمَ بِالْعَدَاءِ ضَمِنَ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ، وَإِنْ كَانَ بِسَمَاوِيٍّ فَإِنْ عَلِمَ بِالتَّعَدِّي ضَمِنَ مُطْلَقًا، وَإِنْ عَلِمَ بِالْكِرَاءِ فَقَطْ ضَمِنَ إنْ أُعْدِمَ الْأَوَّلُ وَإِنْ ظَنَّهُ الْمَالِكُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَوْ عَطِبَتْ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَيْنِ الدَّابَّةُ الْمُكْتَرَاةُ (بِ) سَبَبِ (زِيَادَةِ) الْمُكْتَرِي عَلَى (مَسَافَةٍ) مُشْتَرَطَةٍ زِيَادَةً لَهَا بَالٌ، نَحْوُ مِيلٍ، فَيَضْمَنُ قِيمَتَهَا يَوْمَ بُلُوغِهَا إلَى نِهَايَةِ الْمَسَافَةِ الْمُشْتَرَطَةِ أَوْ كِرَاءَ الزِّيَادَةِ الْخِيَارُ لِلْمُكْرِي، وَسَوَاءٌ كَانَ شَأْنُ الزِّيَادَةِ التَّعْطِيبَ أَوْ السَّلَامَةَ، فَإِنْ سَلِمَتْ فَلَهُ كِرَاؤُهَا فَقَطْ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا بَلَغَ الْمُكْتَرِي الْغَايَةَ الَّتِي اكْتَرَى إلَيْهَا ثُمَّ زَادَهُ مِيلًا أَوْ نَحْوَهُ فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ فَلِرَبِّهَا كِرَاؤُهُ الْأَوَّلُ، وَالْخِيَارُ فِي أَخْذِ كِرَاءِ الزِّيَادَةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ أَوْ قِيمَةِ الدَّابَّةِ يَوْمَ التَّعَدِّي.
ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يَضْمَنُ فِي زِيَادَةِ الْمِيلِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا مِثْلُ مَا يَعْدِلُ النَّاسُ إلَيْهِ فِي الْمَرْحَلَةِ فَلَا يَضْمَنُ.
(أَوْ) عَطِبَتْ بِسَبَبِ زِيَادَةِ (حَمْلٍ) عَلَى الْحَمْلِ الْمُشْتَرَطِ شَأْنُهُ (تَعْطَبُ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الدَّابَّةُ (بِ) سَبَبِ زِيَادَةِ مِثْلِ (هـ) فَيَضْمَنُ قِيمَتَهَا يَوْمَ الزِّيَادَةِ أَوْ كِرَاءَ الزِّيَادَةِ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَصْلِيِّ الْخِيَارُ لِرَبِّهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا زَادَهُ شَأْنُهُ التَّعْطِيبُ، سَوَاءٌ سَلِمَتْ أَوْ عَطِبَتْ (فَالْكِرَاءُ) لِلْحَمْلِ الزَّائِدِ مُتَعَيِّنٌ لِرَبِّهَا مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ وَشَبَّهَ فِي تَعَيُّنِ كِرَاءِ الزِّيَادَةِ فَقَالَ (كَأَنْ) زَادَ مَا تَعْطَبُ بِمِثْلِهِ و (لَمْ تَعْطَبْ) فَلِرَبِّهَا كِرَاءُ الزَّائِدِ فَقَطْ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ.
إلَّا أَنْ يَحْبِسَهَا كَثِيرًا فَلَهُ كِرَاءُ الزَّائِدِ، أَوْ قِيمَتُهَا.
[منح الجليل]
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا زَادَ الْمُكْتَرِي عَلَى الْحِمْلِ الَّذِي شُرِطَ فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ، فَإِنْ كَانَ زَادَ مَا تَعْطَبُ بِمِثْلِهِ خُيِّرَ رَبُّهَا بَيْنَ أَخْذِهِ الْمُكْتَرِيَ بِكِرَاءِ مَا زَادَ عَلَى الدَّابَّةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ أَوْ قِيمَةِ الدَّابَّةِ يَوْمَ التَّعَدِّي، وَلَا كِرَاءَ لَهُ.
ابْنُ يُونُسَ أَرَادَ إذَا زَادَ فِي أَوَّلِ الْمَسَافَةِ فَإِنْ زَادَ بَعْدَ سَيْرِ نِصْفِ الطَّرِيقِ وَاخْتَارَ أَخْذَ قِيمَةِ الدَّابَّةِ فَلَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ التَّعَدِّي وَنِصْفُ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ فِي ثُلُثِ الطَّرِيقِ أَوْ رُبُعِهَا لَهُ ثُلُثُ الْكِرَاءِ أَوْ رُبُعُهُ مَعَ قِيمَتِهَا.
الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنْ زَادَ مَا لَا تَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَعَطِبَتْ فَلَهُ كِرَاءُ الزِّيَادَةِ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ.
ابْنُ يُونُسَ؛ لِأَنَّ عَطَبَهَا لَيْسَ مِنْ أَجْلِ الزِّيَادَةِ بِخِلَافِ مُجَاوَزَةِ الْمَسَافَةِ؛ لِأَنَّ مُجَاوَزَتَهَا تَعَدٍّ كُلُّهُ فَيَضْمَنُ إذَا هَلَكَتْ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْحِمْلِ الْمُشْتَرَطِ اجْتَمَعَ فِيهِ إذْنٌ وَتَعَدٍّ، فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَا تَعْطَبُ فِي مِثْلِهَا عُلِمَ أَنَّ هَلَاكَهَا بِمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ، وَصِفَةُ كِرَاءِ الزِّيَادَةِ فِي الْحَمْلِ إذَا وَجَبَتْ لِرَبِّهَا وَاخْتَارَهُ فِيمَا تَعْطَبُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ كَمْ يُسَاوِي كِرَاءُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ الْمُحَمَّلَةِ حَسْبَمَا تَعَدَّى عَلَيْهِ الْمُكْتَرِي فَيَكُونُ ذَلِكَ لِرَبِّهَا مَعَ كِرَائِهِ الْأَوَّلِ، وَفِيهَا لَوْ رَدَّهَا بِحَالِهَا بَعْدَ زِيَادَةِ الْمِيلِ أَوْ الْأَمْيَالِ أَوْ بَعُدَ أَوْ حَبَسَهَا الْيَوْمَ أَوْ نَحْوَهُ.
ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَوْ أَيَّامًا يَسِيرَةً فَلَا يَضْمَنُ الْإِكْرَاءَ الزِّيَادَةَ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَإِلَّا فَالْكِرَاءُ فَقَالَ (إلَّا أَنْ يَحْبِسَهَا) أَيْ يُؤَخِّرَ الدَّابَّةَ عَنْ رَبِّهَا مُكْتَرِيهَا زَمَنًا (كَثِيرًا) كَشَهْرٍ (فَلَهُ) أَيْ رَبِّهَا (كِرَاءُ الزَّائِدِ) الَّذِي حَبَسَهَا فِيهِ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَصْلِيِّ إذَا رَدَّهَا بِحَالِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ سَوَاءٌ اسْتَعْمَلَهَا الْمُكْتَرِي فِي مُدَّةِ حَبْسِهَا أَمْ لَا (أَوْ قِيمَتُهَا) يَوْمَ التَّعَدِّي.
ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَثُرَتْ الزِّيَادَةُ أَوْ حَبَسَهَا أَيَّامًا أَوْ شَهْرًا أَوْ رَدَّهَا بِحَالِهَا فَلِرَبِّهَا كِرَاؤُهُ الْأَوَّلُ وَالْخِيَارُ فِي أَخْذِ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي أَوْ كِرَائِهَا فِيمَا حَبَسَهَا فِيهِ، مِنْ عَمَلٍ أَوْ حَبْسِهِ إيَّاهَا بِغَيْرِ عَمَلِ مَا بَلَغَ وَإِنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ.
(تَنْبِيهَانِ)
الْأَوَّلُ: ابْنُ عَاشِرٍ سَوْقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي حَيِّزِ الِاسْتِثْنَاءِ يُوهِمُ تَفْرِيعَهَا عَلَى التَّعَدِّي بِزِيَادَةِ مَسَافَةٍ أَوْ حَمْلٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَلَوْ قَالَ: وَإِنْ حَبَسَهَا إلَخْ كَانَ أَخْصَرَ وَأَوْضَحَ.
وَلَك فَسْخُ عَضُوضٍ، أَوْ جَمُوحٍ، أَوْ أَعْشَى أَوْ دَبَرُهُ فَاحِشًا:
كَأَنْ يَطْحَنَ لَك كُلَّ يَوْمٍ إرْدَبَّيْنِ بِدِرْهَمٍ، فَوُجِدَ لَا يَطْحَنُ إلَّا إرْدَبًّا.
وَإِنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ الْكَيْلَ فَلَا لَك وَلَا عَلَيْك
[منح الجليل]
الثَّانِي رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ: الْأَيَّامُ الْيَسِيرَةُ كَالْيَوْمِ وَالْأَيَّامُ الْكَثِيرَةُ مِثْلَ الشَّهْرِ وَنَحْوِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَسِيرَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ مُدَّةُ مَا يَضْمَنُهَا فِيهِ مِنْ الْحَبْسِ مَا تَتَغَيَّرُ الْأَسْوَاقُ إلَيْهِ، وَهُوَ قَدْ أَجَازَ السَّلَمَ إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ الْأَسْوَاقَ تَتَغَيَّرُ إلَيْهِ.
(وَ) إنْ اكْتَرَيْتَ دَابَّةً فَوَجَدْتَهَا عَضُوضًا أَوْ جَمُوحًا أَوْ عَشْوَاءَ أَوْ بِهَا دَبَرٌ فَاحِشٌ فَ (لَك) يَا مُكْتَرِي (فَسْخُ) كِرَاءِ بَعِيرٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ (عَضُوضٍ) أَيْ شَأْنُهُ عَضُّ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكْثُرْ مِنْهُ (أَوْ جَمُوحٍ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا أَيْ لَا يَنْقَادُ إلَّا بِعُسْرٍ (أَوْ أَعْشَى) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِعْجَامِ الشِّينِ، أَيْ لَا يُبْصِرُ لَيْلًا أَوْ أَجْهَرَ لَا يُبْصِرُ نَهَارًا (أَوْ) كَانَ (دَبَرُهُ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ جُرْحُهُ الَّذِي فِي ظَهْرِهِ (فَاحِشًا) تَضُرُّ رَائِحَتُهُ رَاكِبَهُ.
فِيهَا وَإِنْ اكْتَرَيْت دَابَّةً أَوْ بَعِيرًا بِعَيْنِهِ فَإِذَا هُوَ عَضُوضٌ أَوْ جَمُوحٌ أَوْ لَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ أَوْ دَبَرَتْ تَحْتَك دَبْرَةً فَاحِشَةً يُؤْذِيك رِيحُهَا، فَمَا أَضَرَّ مِنْ ذَلِكَ بِرَاكِبِهَا فَلَكَ فِيهِ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهَا عُيُوبٌ.
وَالْكِرَاءُ غَيْرُ مَضْمُونٍ.
الْبُنَانِيُّ مُقْتَضَى الْخِيَارِ أَنَّهُ إنْ تَمَسَّكَ لَا يُحَطُّ عَنْهُ شَيْءٌ وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ الْحَطّ مَعَ التَّمَسُّكِ.
وَشَبَّهَ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِبْقَاءِ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَقْرُونٌ بِكَافِ التَّشْبِيهِ صِلَتُهُ تَسْتَأْجِرُ ثَوْرًا مَثَلًا عَلَى أَنْ (يَطْحَنَ لَكَ كُلَّ يَوْمٍ إرْدَبَّيْنِ بِدِرْهَمٍ فَوُجِدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرِ النُّونِ مَثَلًا (لَا يَطْحَنُ) فِي الْيَوْمِ (إلَّا إرْدَبًّا) وَاحِدًا فَلَكَ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَعَدَمِهِ فَيَسْقُطُ عَنْك نِصْفُ الْكِرَاءِ قَالَهُ تت، وَصَوَّبَهُ طفي رَادًّا عَلَى أَحْمَدَ وعج وَمَنْ تَبِعَهُمَا فِي إلْزَامِهِ جَمِيعَ الْكِرَاءِ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا دَخَلَا وَعَقَدَا عَلَيْهِ.
الْحَطّ وَنَصُّهَا وَإِنْ اكْتَرَيْت ثَوْرًا لِتَطْحَنَ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ إرْدَبَّيْنِ بِدِرْهَمٍ فَوَجَدْتَهُ لَا يَطْحَنُ إلَّا إرْدَبًّا
فَصْل) جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ
[منح الجليل]
فَلَكَ رَدُّهُ، وَعَلَيْك فِي الْإِرْدَبِّ نِصْفُ دِرْهَمٍ اهـ.
وَظَاهِرُهَا صِحَّةُ الْعَقْدِ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي التَّقْيِيدِ بِالْعَمَلِ وَالزَّمَانِ الَّذِي يَحْمِلُ الْعَمَلَ، كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَاللَّخْمِيِّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْخِلَافَ إذَا أَمْكَنَ إتْمَامُ الْعَمَلِ فِي الزَّمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا عَلَى صِحَّةِ الْكِرَاءِ مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالزَّمَنِ إذَا زَادَ عَلَى الْعَمَلِ أَوْ سَاوَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) إنْ اكْتَرَى ثَوْرًا مَثَلًا لِطَحْنِ إرْدَبَّيْنِ فِي يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ مَثَلًا فَ (زَادَ) مَا يَطْحَنُهُ فِيهِ عَلَى إرْدَبَّيْنِ مَا يُشْبِهُ الْكَيْلَ (أَوْ نَقَصَ) مَا يَطْحَنُهُ عَنْهُمَا وَتَنَازَعَ زَادَ وَنَقَصَ (مَا) أَيْ قَدْرًا (يُشْبِهُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ (الْكَيْلَ) أَيْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِزِيَادَتِهِ فِيهِ تَارَةً وَنَقْصِهِ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرَى (فَلَا) شَيْءَ (لَك) يَا مُكْرِي فِي الزِّيَادَةِ (وَلَا) شَيْءَ (عَلَيْك) يَا مُكْتَرِي فِي النَّقْصِ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا حَمَلَ لَك رَجُلٌ طَعَامًا فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ زِيَادَةَ الْكَيْلِ أَوْ نَقْصِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا لَك مِنْ ضَمَانٍ وَلَا حِصَّةِ كِرَاءٍ، وَبِهَذَا قَرَّرَ الشَّارِحَانِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّقْرِيرَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْل كِرَاءُ الْحَمَّامِ]
(فَصْلٌ) فِي أَحْكَامِ كِرَاءِ الْحَمَّامِ وَالدَّارِ وَالْأَرْضِ وَالْعَبْدِ وَاخْتِلَافِ الْمُتَكَارِيَيْنِ (جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْمِيمِ أَيْ الْبَيْتِ الْمُعَدِّ لِلْحُمُومِ فِيهِ بِالْمَاءِ الْحَارِّ وَمَا أَشْبَهَ كَفُرْنٍ وَمَعْمَلِ فُرُوجٍ.
فِيهَا لَا بَأْسَ بِكِرَاءِ الْحَمَّامَاتِ.
أَبُو الْحَسَنِ يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ دُخُولِ الْحَمَّامِ بِشَرْطِهِ.
اللَّخْمِيُّ إجَارَةُ الْحَمَّامِ لِلرِّجَالِ جَائِزَةٌ إذَا كَانُوا يَدْخُلُونَهُ مُسْتَتِرِينَ، وَإِجَارَتُهُ لِلنِّسَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: جَائِزَةٍ إنْ كُنَّ يَسْتُرْنَ جَمِيعَ جَسَدِهِنَّ، وَغَيْرِ جَائِزَةٍ إنْ كَانَتْ عَادَتُهُنَّ عَدَمَ سَتْرِ عَوْرَاتِهِنَّ.
وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ عَادَتُهُنَّ الدُّخُولَ بِالْمَآزِرِ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي دُخُولُ الرَّجُلِ الْحَمَّامَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ دُخُولُهُ مَعَ زَوْجَتِهِ أَوْ
وَدَارٌ غَائِبَةٍ: كَبَيْعِهَا
أَوْ نِصْفِهَا أَوْ نِصْفِ عَبْدٍ
وَشَهْرًا عَلَى إنْ سَكَنَ يَوْمًا: لَزِمَ، إنْ مَلَكَ الْبَقِيَّةَ
[منح الجليل]
جَارِيَتِهِ أَوْ وَحْدَهُ فَمُبَاحٌ.
الثَّانِي دُخُولُهُ مَعَ قَوْمٍ لَا يَسْتَتِرُونَ فَمَمْنُوعٌ.
الثَّالِثُ دُخُولُهُ مَعَ قَوْمٍ مُسْتَتِرِينَ فَمَكْرُوهٌ، إذْ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَنْكَشِفَ بَعْضُهُمْ فَيَقَعُ بَصَرُهُ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ، وَقِيلَ يَجُوزُ فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَقَوْلُ الْعُتْبِيَّةِ: وَاَللَّهِ مَا دُخُولُهُ بِصَوَابٍ لَا يُخَالِفُ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ لَا بَأْسَ بِكِرَاءِ الْحَمَّامَاتِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَفَى فِي الْعُتْبِيَّةِ صَوَابَ دُخُولِهِ سَاكِتًا عَنْ عَقْدِ كِرَائِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ مُتَعَدٍّ فِي فِعْلِهِ مَا يَنْفِي صَوَابَ دُخُولِهِ وَمُكْرِيهِ بَرِيءٌ مِنْهُ وَلَمْ يَقُلْ فِي فِعْلِهِ صَوَابُ مَا يَنْفِي عَقْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ.
(وَ) جَازَ كِرَاءُ (دَارٍ غَائِبَةٍ) وَرَبْعٍ وَحَانُوتٍ وَأَرْضٍ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ بَعِيدَةً كَاكْتِرَائِهِ دَارًا بِمِصْرَ، وَهُوَ بِمَكَّةَ حَالَ كَوْنِ كِرَاءِ الْحَمَّامِ وَالدَّارِ الْغَائِبَةِ (كَبَيْعِهَا) أَيْ الْحَمَّامِ وَالدَّارِ وَنَحْوِهِمَا.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَبَيْعِهِمَا فِي اشْتِرَاطِ رُؤْيَةٍ سَابِقَةٍ لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا أَوْ وَصْفٌ وَلَوْ مِنْ الْمُكْرِي أَوْ شُرِطَ خِيَارُ الْمُكْتَرِي بِالرُّؤْيَةِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَهُوَ بِمِصْرَ جَازَ كَالشِّرَاءِ، وَلَا بَأْسَ بِالنَّقْدِ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مَأْمُونَةٌ، فَإِنْ قَدِمَ فَلَمْ يَرْضَهَا حِينَ رَآهَا وَقَالَ هِيَ بَعِيدَةٌ مِنْ الْمَسْجِدِ فَالْكِرَاءُ لَا يَصْلُحُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَى الدَّارَ وَعَرَفَ مَوْضِعَهَا، أَوْ عَلَى صِفَةٍ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، وَلَا بَأْسَ بِكِرَاءِ أَرْضٍ بِبَلَدٍ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ عَلَى صِفَةٍ أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ وَيَنْقُدُهُ كَالْبَيْعِ، ثُمَّ لَا رَدَّ لَهُ إنْ وَجَدَهَا عَلَى الصِّفَةِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ مُنْذُ أَمَدٍ لَا تَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِهِ اهـ. أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ وَيَنْقُدُهُ كَالْبَيْعِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ لَا يَنْقُدُهُ عَلَى صِفَةِ رَبِّهَا، وَإِنَّمَا يَنْقُدُهُ عَلَى صِفَةِ غَيْرِهِ أَوْ يُرْسِلُ الْمُكْتَرِي رَسُولًا يُبْصِرُهَا.
(أَوْ) كِرَاءُ (نِصْفِهَا) أَيْ الدَّارِ مَثَلًا مُشَاعًا.
فِيهَا لَا بَأْسَ بِكِرَاءِ نِصْفِ دَارٍ أَوْ سُدُسِهَا أَوْ جُزْءٍ شَائِعٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ مِنْهَا كَالشِّرَاءِ (أَوْ) كِرَاءُ (نِصْفِ عَبْدٍ) أَوْ دَابَّةٍ فِيهَا يَجُوزُ إجَارَةُ نِصْفِ عَبْدِ وَنِصْفِ دَابَّةٍ يَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ يَوْمًا، وَلِلَّذِي لَهُ النِّصْفُ الْآخَرُ يَوْمًا كَالْبَيْعِ، وَمَا جَازَ لَك بَيْعُهُ مِنْ ثَمَرَتِك جَازَ لَك إجَارَتُهُ بِهِ.
(وَ) جَازَ كِرَاءُ الدَّارِ (شَهْرًا) عَلَى شَرْطِ (إنْ سَكَنَ) الْمُكْتَرِي (يَوْمًا) مِنْهُ
وَعَدَمُ بَيَانِ الِابْتِدَاءِ وَحُمِلَ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ
وَمُشَاهَرَةً، وَلَمْ يَلْزَمْ لَهُمَا،
[منح الجليل]
لَزِمَ) هـ كِرَاءُ الشَّهْرِ كُلِّهِ (إنْ مَلَكَ) الْمُكْتَرِي (الْبَقِيَّةَ) مِنْ الشَّهْرِ بِسُكْنَاهَا أَوْ إسْكَانِهَا غَيْرَهُ بِكِرَاءٍ أَوْ مَجَّانًا، فَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ إنْ سَكَنَهَا يَوْمًا مَثَلًا مِنْهُ وَخَرَجَ مِنْهَا لَزِمَهُ كِرَاءُ الشَّهْرِ كُلِّهِ، وَلَا يَمْلِكُ الْبَقِيَّةَ، بَلْ تَعُودُ الْمَنْفَعَةُ لِلْمُكْرِي فَلَا يَجُوزُ.
فِيهَا مَنْ اكْتَرَى بَيْتًا شَهْرًا بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ سَكَنَ فِيهِ يَوْمًا وَاحِدًا فَالْكِرَاءُ لَازِمٌ لَهُ جَازَ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْكُنَ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ، أَوْ يُكْرِيَهُ إذَا خَرَجَ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ.
بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْعَقْدَ جَائِزٌ وَأَنَّهُ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَسْكُنْ، فَإِنْ سَكَنَ لَزِمَ الْكِرَاءُ فِي شَهْرٍ، فَإِنْ أَرَادَ إنْ سُكِنَتْ يَوْمًا فَالْكِرَاءُ لِي لَازِمٌ وَلَيْسَ لِي أَنْ أُكَرِي مِنْ غَيْرِي كَانَ مِنْ بَيْعِ الشُّرُوطِ الَّذِي يَبِيعُ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَهَبُ وَلَا يَبِيعُ، فَإِنْ أُسْقِطَ الشَّرْطُ صَحَّ الْعَقْدُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ شَرَطَ إنْ خَرَجَ عَادَ الْمَسْكَنُ إلَى الْمُكْرِي، وَعَلَى الْمُكْتَرِي جَمِيعُ الْكِرَاءِ، فَهَذَا فَاسِدٌ لَا بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ، وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ.
(وَ) جَازَ لِمَنْ اكْتَرَى دَارًا مَثَلًا شَهْرًا أَوْ سَنَةً (عَدَمُ بَيَانِ الِابْتِدَاءِ) لِوَقْتِ سُكْنَاهَا (وَحُمِلَ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَهَا (مِنْ حِينِ الْعَقْدِ) فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ وَلَمْ يُسَمِّ مَتَى يَسْكُنُ جَازَ، وَيَسْكُنُ أَوْ يُسْكِنُ غَيْرَهُ مَتَى شَاءَ مَا لَمْ يَأْتِ مِنْ ذَلِكَ ضَرَرٌ بَيِّنٌ عَلَى الدَّارِ، أَيْ فِي السُّكْنَى.
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ وَإِنْ أَغْلَقَهَا الْمُكْتَرِي وَخَرَجَ مِنْهَا فَذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ لِلْمُكْرِي أَنْ يَقُولَ إغْلَاقُهَا يُخْرِبُهَا.
عَلَى ابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - السَّنَةُ مَحْسُوبَةٌ مِنْ يَوْمِ التَّعَاقُدِ كَمَا لَوْ قَالَ هَذِهِ السَّنَةُ بِعَيْنِهَا فِي التَّوْضِيحِ لَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى ذَلِكَ فَسَدَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْكِرَاءَ لَا يَجُوزُ عَلَى سَنَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ.
(وَ) جَازَ كِرَاءُ الدَّارِ وَنَحْوَهَا مُيَاوَمَةً وَ (مُشَاهَرَةً) وَمُسَانَاةً بِأَنْ يَكْتَرِيَهَا كُلَّ يَوْمٍ أَوْ كُلَّ شَهْرٍ أَوْ كُلَّ سَنَةٍ بِكَذَا، وَصَحَّ وَ (لَمْ يَلْزَمْ) الْعَقْدُ فِيمَا ذُكِرَ (لَهُمَا) أَيْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، سَوَاءٌ سَكَنَ بَعْضَ الشَّهْرِ أَوْ السَّنَةِ أَوْ لَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَفِي رِوَايَتِهِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ
إلَّا بِنَقْدٍ فَقَدْرُهُ:
[منح الجليل]
- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِيهَا وَاخْتَارَهَا ابْنُ يُونُسَ، وَرَوَى مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لُزُومَهَا فِي أَقَلِّ الْمُسَمَّى مِنْ شَهْرٍ أَوْ عَامٍ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ اللُّزُومِ فَقَالَ (إلَّا) إذَا كَانَتْ الْمُشَاهَرَةُ مَصْحُوبَةً (بِنَقْدٍ) أَيْ تَعْجِيلِ كِرَاءٍ مِنْ الْمُكْتَرِي لِلْمُكْرِي (فَ) يَلْزَمُ (قَدْرُهُ) أَيْ الْمَنْقُودِ مِنْ كِرَاءِ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَ قَالَ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ عَامٍ بِدِرْهَمٍ وَعَجَّلَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَشْهُرٍ أَوْ سِنِينَ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ أَكْتَرِي مِنْك دَارَكَ أَوْ حَانُوتَك أَوْ أَرْضَك أَوْ غُلَامَك أَوْ دَابَّتَكَ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَوْ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِكَذَا، أَوْ قَالَ فِي الشَّهْرِ أَوْ فِي السَّنَةِ بِكَذَا أَوْ الشَّهْرِ أَوْ السَّنَةِ فَلَا يَقَعُ الْكِرَاءُ عَلَى تَعْيِينٍ، وَلَيْسَ بِعَقْدٍ لَازِمٍ، فَلِرَبِّ الدَّارِ أَنْ يُخْرِجَهُ مَتَى شَاءَ، وَلِلْمُكْتَرِي أَنْ يَخْرُجَ مَتَى شَاءَ، وَيَلْزَمُهُ حِصَّةُ مَا سَكَنَ مِنْ الْكِرَاءِ.
ابْنُ يُونُسَ كَأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ لَهُ أُكْرِيكَ مِنْ حِسَابِ الشَّهْرِ أَوْ السَّنَةِ بِكَذَا، هَذَا مَوْضُوعُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إلَّا أَنْ يَنْقُدَهُ فِي ذَلِكَ كِرَاءَ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ فَيَلْزَمُهُ تَمَامُ الشَّهْرِ أَوْ السَّنَةِ.
الْبُنَانِيُّ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي كِرَاءِ الدُّورِ مُشَاهَرَةً ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَلْزَمُهُ الشَّهْرُ الْأَوَّلُ وَلَا مَا بَعْدَهُ، وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ مَتَى شَاءَ، وَيَلْزَمُهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِحَسَبِ مَا سَكَنَ.
وَالثَّانِي قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ يَلْزَمُهُمَا الشَّهْرُ الْأَوَّلُ وَلَا يَلْزَمُهُمَا مَا بَعْدَهُ.
وَالثَّالِثُ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَلْزَمُهُ كِرَاءُ الشَّهْرِ بِسُكْنَى بَعْضِهِ كَانَ أَوَّلَ الْأَشْهُرِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَكَذَلِكَ تَجْرِي الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِي كِرَاءِ الدُّورِ مُسَانَاةً.
اهـ. وَذَكَرَهَا ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ أَيْضًا، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَعِبَارَتُهَا: وَلَيْسَ بِعَقْدٍ لَازِمٍ، وَلِرَبِّ الدَّارِ أَنْ يُخْرِجَهُ مَتَى شَاءَ، وَلِلْمُكْتَرِي أَنْ يَخْرُجَ مَتَى شَاءَ.
وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَوْلَ الثَّانِيَ عَنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُمَا أَوْجَبَا بَيْنَهُمَا عَقْدًا وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ خِيَارًا، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَقَلِّ مَا تَقْتَضِيهِ تِلْكَ التَّسْمِيَةُ، وَذَكَرَهَا الشَّيْخُ مَيَّارَةَ فِي شَرْحِ التُّحْفَةِ، وَقَالَ: وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الثَّالِثِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا، وَأَنَّ
كَوَجِيبَةٍ بِشَهْرِ كَذَا، وَهَذَا الشَّهْرُ، أَوْ أَشْهُرًا، أَوْ إلَى كَذَا
[منح الجليل]
مَنْ اكْتَرَى مُشَاهَرَةً كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا إذَا سَكَنَ بَعْضَ الشَّهْرِ كَأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لَزِمَ كُلًّا مِنْهُمَا بَقِيَّةُ الشَّهْرِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا خُرُوجٌ عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَا الْآخَرِ، وَمَنْ قَامَ مِنْهُمَا عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
(تَنْبِيهٌ) اللَّخْمِيُّ قَدْ يَلْزَمُ الْمُكْرِيَ الصَّبْرُ إلَى مُدَّةٍ لَمْ يَذْكُرَاهَا فِي الْعَقْدِ لِلْعَادَةِ فِي ذَلِكَ، كَمَنْ يَكْتَرِي مِطْمَرًا لِيَطَّمِرَ فِيهِ قَمْحًا وَشَعِيرًا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كُلَّ شَهْرٍ أَوْ كُلَّ سَنَةٍ بِكَذَا، فَلَيْسَ لِلْمُكْرِي إخْرَاجُهُ وَلَا يُجْبَرُ الْمُكْتَرِي عَلَى إخْرَاجِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَتَغَيَّرَ الْأَسْوَاقُ إلَى مَا الْعَادَةُ الْبَيْعُ فِي مِثْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَبِعْ فَلِلْمُكْرِي إخْرَاجُهُ، وَهَكَذَا جَرَتْ الْعَادَةُ عِنْدَنَا فِي كِرَاءِ الْمَطَامِيرِ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُكْتَرِي إخْرَاجَ ذَلِكَ قَبْلَ غَلَائِهِ، فَلَيْسَ لِلْمُكْرِي مَنْعُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ مِنْ حَقِّ الْمُكْتَرِي وَيُعْفَى عَمَّا يَكُونُ فِي ذَلِكَ مِنْ غَرَرِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ، وَيُنْظَرُ إلَى الْعَادَةِ فِي خَزْنِ الزَّيْتِ فَيُحْمَلَانِ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الْعَادَةُ فِي كِرَاءِ الْمُخَزَّنِ لِلطَّعَامِ فِي الصَّيْفِ، وَيُعْلَمُ أَنَّهُ قَصَدَ أَنْ يُشْتِيَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلْمُكْرِي إخْرَاجُهُ قَبْلَهُ، نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، ثُمَّ قَالَ: حَاصِلُ قَوْلِهِ أَنَّهُ جَعَلَ خَزْنَ الطَّعَامِ مُؤَجَّلًا لِغَايَةٍ فِي حَقِّ الْمُكْتَرِي عَلَى الْمُكْرِي دُونَ الْعَكْسِ، وَمِنْ الْوَاضِحِ كَوْنُهُ أَجَلًا مَجْهُولًا، وَقَوْلُهُ يُعْفَى عَنْ غَرَرٍ الْمُدَّةِ لِلضَّرُورَةِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الضَّرُورَةَ مِمَّا شَهِدَ الشَّرْعُ بِإِلْغَائِهَا حَسْبَمَا تَقَرَّرَ فِي بَيْعِ الْغَرَرِ وَأَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنْهُ، وَكَانَ ابْنُ عَرَفَةَ مِمَّنْ يُنْشِدُ:
لَقَدْ مَزَّقَتْ قَلْبِي سِهَامُ جُفُونِهَا ... كَمَا مَزَّقَ اللَّخْمِيُّ مَذْهَبَ مَالِكِ
وَشَبَّهَ فِي اللُّزُومِ فَقَالَ (كَ) كِرَاءِ (وَجِيبَةٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ، أَيْ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مُصَوَّرَةٍ (بِشَهْرِ كَذَا) أَيْ بِتَسْمِيَةِ الشَّهْرِ أَوْ السَّنَةِ كَرَمَضَانَ وَسَنَةِ كَذَا كَسَنَةِ سَبْعَةٍ وَثَمَانِينَ بِتَقْدِيمِ السِّينِ (أَوْ) بِ (هَذَا الشَّهْرِ) أَوْ هَذِهِ السَّنَةِ (أَوْ) بِقَوْلِهِ أَكْتَرِيهَا (أَشْهُرًا) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ جَمْعُ شَهْرٍ أَوْ سَنَتَيْنِ (أَوْ) بِقَوْلِهِ أَكْتَرِيهَا (إلَى كَذَا) أَيْ كَتَمَامِ سَنَةِ سَبْعَةٍ وَثَمَانِينَ.
" غ " كَأَنَّهُ اخْتَصَرَ بِهَذَا قَوْلَ عِيَاضٍ فِي تَنْبِيهَاتِهِ لَا خِلَافَ إذَا نَصَّ عَلَى تَعْيِينِ السَّنَةِ
وَفِي سَنَةٍ بِكَذَا: تَأْوِيلَانِ.
[منح الجليل]
أَوْ الشَّهْرِ أَوْ جَاءَ بِمَا يَقُومُ مَقَامَ التَّعْيِينِ، أَنَّهُ لَازِمٌ لَهُمَا، وَذَلِكَ فِي خَمْسِ صُوَرٍ إذَا قَالَ هَذِهِ السَّنَةُ أَوْ هَذَا الشَّهْرُ أَوْ سَنَةَ كَذَا، أَوْ سَمَّى عَدَدًا زَائِدًا عَلَى وَاحِدٍ كَسَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ ذَكَرَ الْأَجَلَ فَقَالَ أُكْرِيهَا إلَى شَهْرِ كَذَا أَوْ سَنَةِ كَذَا أَوْ نَقَدَهُ أَشْهُرًا أَوْ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ اهـ.
فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَوْ أَشْهُرًا كَذَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ عِيَاضٍ أَوْ سَمَّى عَدَدًا زَائِدًا عَلَى وَاحِدٍ كَسَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
" ق " اُنْظُرْ قَوْلَ عِيَاضٍ وَسَمَّى عَدَدًا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ، فَلَعَلَّ لَفْظَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ كَانَ أَوْ شَهْرًا فَأَسْقَطَ النَّاسِخُ الْأَلِفَ.
وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ اكْتَرَى مِنْهُ سَنَةً بِعَيْنِهَا أَوْ شَهْرًا بِعَيْنِهِ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهُ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا جَمِيعًا.
ابْنُ حَبِيبٍ وَكَذَا لَوْ قَالَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ هَذِهِ السَّنَةَ أَوْ إلَى سَنَةِ كَذَا فَهَذَا كُلُّهُ وَجِيبَةٌ لَازِمَةٌ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَا الْخُرُوجَ لِمَنْ شَاءَ جَدّ عج
جَعَلَ الْمُصَنِّفُ شَهْرًا مِنْ أَلْفَاظِ الْوَجِيبَةِ، كَمَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَسَيَقُولُ وَفِي سَنَةِ بِكَذَا تَأْوِيلَانِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، وَكَانَ وَجْهُهُ أَنَّهُ إذَا حُمِلَ عَلَى الِابْتِدَاءِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ هَذَا الشَّهْرُ فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ اهـ. الْبُنَانِيُّ صَدَقَ فِي أَنَّ هَذَا عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ.
ابْنُ عَرَفَةَ جَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْأَلْفَاظَ الدَّالَّةَ عَلَى التَّعْيِينِ أَرْبَعَةً فَقَطْ: التَّسْمِيَةُ كَشَهْرِ كَذَا وَالْإِشَارَةُ كَهَذَا الشَّهْرِ، وَالثَّالِثُ التَّنْكِيرُ دُونَ إضَافَةٍ لِلْمُنَكَّرِ، كَقَوْلِهِ أُكْرِيك الدَّارَ شَهْرًا أَوْ سَنَةً.
الرَّابِعُ قَوْلُهُ أُكْرِيَ لِوَقْتِ كَذَا وَإِنْ سَمَّى الْكِرَاءَ دُونَ تَعْيِينِ مُدَّتِهِ كَأَكْتَرِي الشَّهْرَ بِكَذَا أَوْ كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا، وَفِي كُلِّ شَهْرٍ بِكَذَا أَوْ فِي لَفْظِ السَّنَةِ، كَذَلِكَ فَالْكِرَاءُ غَيْرُ لَازِمٍ.
اهـ. فَعِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ اللُّزُومُ فِي الْمُنَكَّرِ غَيْرِ الْمُضَافِ فَقَرَّرَ بِهِ تت كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَلَمْ يَتَنَبَّهْ لِمُنَافَاتِهِ مَا بَعْدَهُ، وَالْكَمَالُ لِلَّهِ تَعَالَى.
(وَفِي) كَوْنِ أَكْتَرِيهَا (سَنَةً) أَوْ شَهْرًا (بِكَذَا) كَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَجِيبَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الِابْتِدَاءُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ السَّنَةُ أَوْ هَذَا الشَّهْرُ، وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ لُبَابَةَ، وَالْأَكْثَرُ أَوْ غَيْرِ وَجِيبَةٍ لِعَدَمِ تَعْيِينِ الْمُدَّةِ لِصِدْقِ سَنَةٍ بِأَيِّ سَنَةٍ وَشَهْرٍ بِأَيِّ شَهْرٍ، وَهَذَا
وَأَرْضِ مَطَرٍ عَشْرًا، إنْ لَمْ يَنْقُدْ، وَإِنْ سَنَةً
[منح الجليل]
تَأْوِيلُ أَبِي مُحَمَّدٍ صَالِحٍ (تَأْوِيلَانِ) عِيَاضٌ اُخْتُلِفَ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ إذَا قَالَ أَكْتَرِي مِنْك سَنَةً أَوْ شَهْرًا دِرْهَمٌ فَحُمِلَ الْأَكْثَرُ، ظَاهِرَ الْكِتَابِ عَلَى أَنَّهُ مِثْلُ هَذِهِ السَّنَةِ فِي لُزُومِهِمَا السَّنَةَ أَوْ الشَّهْرَ، وَهُوَ بَيِّنٌ مِنْ قَوْلِهَا إنْ أَكْرَيْتهُ دَارًا سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ فَجَائِزٌ، وَلَهُ أَنْ يَسْكُنَ وَيُسْكِنَ مَنْ يَشَاءُ، وَلَوْ كَانَ لِرَبِّهَا الْخِيَارُ وَإِخْرَاجُهُ لَمْ يَتْرُكْهُ يُسْكِنُ مَنْ شَاءَ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ إنْ اسْتَأْجَرْت دَارًا بَعْدَ مُضِيّ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ، قَالَ تُحْسَبُ هَذِهِ الْأَيَّامُ ثُمَّ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ تَكْمُلُ مَعَ الْأَيَّامِ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
وَفِي كِتَابِ الْمُدَبَّرِ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ اخْدِمْنِي سَنَةً وَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ هَذِهِ السَّنَةَ لِسَنَةٍ سَمَّاهَا فَمَرِضَ حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ، فَإِنَّهُ حُرٌّ، قَالَ: وَإِنَّمَا سَأَلْت مَالِكًا عَنْ سَنَةٍ مُؤَقَّتَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الَّذِي أَكْرَى دَارِهِ أَوْ دَابَّتَهُ أَوْ غُلَامَهُ فَقَالَ أُكْرِيهَا مِنْك سَنَةَ، فَالسَّنَةُ مِنْ يَوْمِ وَقَعَ الْكِرَاءُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: هَذِهِ السَّنَةَ بِعَيْنِهَا، وَهَكَذَا لَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي تَفْسِيرِ يَحْيَى وَكِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ.
وَذَهَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ أُكْرِيَ مِنْك سَنَةً لَا يَقْتَضِي التَّعْيِينَ، وَلَهُ الْخُرُوجُ، وَلِرَبِّهِ إخْرَاجُهُ مَتَى شَاءَ، مِثْلُ قَوْلِهِ كُلَّ سَنَةٍ وَأَنَّ مَا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ مِنْ هَذَا إنَّمَا مَعْنَاهُ سَنَةٌ مُعَيَّنَةٌ وَخَلَفَهُ ابْنُ لُبَابَةَ فِي تَأْوِيلِ لَفْظِ الْكِتَابِ عَلَى مَا بَعْدُ، ثُمَّ قَالَ: الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ أُكْرِيكَ كُلَّ سَنَةٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، فَمَذْهَبُ الْكِتَابِ وَالْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ، وَالثَّالِثَةُ قَوْلُهُ أُكْرِيكَ السَّنَةَ بِدِرْهَمٍ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ سَنَةً الشَّارِحُ جَرَى الْخِلَافُ فِي الْمُفْرَدِ؛ لِأَنَّهُ يُذْكَرُ تَارَةً لِتَحْدِيدِ الْمُدَّةِ وَتَارَةً لِتَحْدِيدِ الْكِرَاءِ.
(وَ) جَازَ كِرَاءُ (أَرْضِ مَطَرٍ عَشْرًا) مِنْ السِّنِينَ (إنْ لَمْ يَنْقُدْ) الْمُكْتَرِي الْكِرَاءَ لِلْمُكْرِي، أَيْ لَمْ يَشْرِطْ النَّقْدَ، وَلَوْ نَقَدَ بِالْفِعْلِ، فَإِنْ شَرَطَ النَّقْدَ فَلَا يَجُوزُ.
طفي الْمُضِرُّ هُوَ شَرْطُ النَّقْدِ فَلَا يَضُرُّ النَّقْدُ مَعَ السُّكُوتِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي فَصْلِ الْخِيَارِ، وَقَدْ صَرَّحَ هُنَاكَ بِجَوَازِ النَّقْدِ تَطَوُّعًا كَ الْمُدَوَّنَةِ، فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ مَعْنَاهُ: إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ النَّقْدَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَإِنْ شَرَطَ النَّقْدَ فَسَدَ الْكِرَاءُ كُلُّهُ إنْ شَرَطَ النَّقْدَ لِكُلِّ الْعَشْرِ، بَلْ (وَلَوْ) شَرَطَ النَّقْدَ (سَنَةً) وَاحِدَةً مِنْ الْعَشْرِ، فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا بَأْسَ بِكِرَاءِ
إلَّا الْمَأْمُونَةَ: كَالنِّيلِ، وَالْمَعِينَةِ فَيَجُوزُ.
.
[منح الجليل]
أَرْضِ الْمَطَرِ عَشْرَ سِنِينَ إنْ لَمْ يَنْقُدْ.
أَبُو الْحَسَنِ مَعْنَاهُ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ النَّقْدَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَإِنْ شَرَطَ النَّقْدَ فَسَدَ الْكِرَاءُ، وَإِنْ اكْتَرَاهَا سِنِينَ وَقَدْ أَمْكَنَتْ لِلْحَرْثِ جَازَ نَقْدُ حِصَّةٍ عَامَّةٍ، هَذَا وَلِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ اكْتَرَى أَرْضَ الْمَطَرِ سَنَةً قُرْبَ الْحَرْثِ، وَحِينَ تَوَقُّعِ الْغَيْثِ فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ حَتَّى تُرْوَى وَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْحَرْثِ (إلَّا) الْأَرْضَ (الْمَأْمُونَةَ) الرَّيِّ (كَ) أَرْضِ (النِّيلِ) بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، أَيْ نَهْرِ مِصْرَ الْمُنْخَفِضَةِ (وَ) الْأَرْضِ (الْمَعِينَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ الَّتِي تُسْقَى بِعَيْنٍ جَارِيَةٍ أَوْ بِئْرٍ (فَيَجُوزُ) شَرْطُ النَّقْدِ.
فِيهَا ابْنُ رُشْدٍ عَقْدُ الْكِرَاءِ جَائِزٌ فِي الْأَرْضِينَ كُلِّهَا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ لِلسِّنِينَ الْكَثِيرَةِ، وَسَوَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَانَتْ مَأْمُونَةً أَوْ غَيْرَ مَأْمُونَةٍ وَتَنْقَسِمُ فِي جَوَازِ النَّقْدِ.
فِيهَا عَلَى قِسْمَيْنِ فَمَا كَانَ مِنْهَا مَأْمُونًا كَأَرْضِ النِّيلِ وَأَرْضِ الْمَطَرِ الْمَأْمُونَةِ وَأَرْضِ السَّقْيِ بِالْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ الثَّابِتَةِ وَالْآبَارِ الْمَعِينَةِ، فَالنَّقْدُ فِيهَا لِلْأَعْوَامِ الْكَثِيرَةِ جَائِزٌ، وَمَا كَانَ مِنْهَا غَيْرَ مَأْمُونٍ فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُرْوَى، وَيُمَكَّنَ مِنْ الْحَرْثِ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ النِّيلِ أَوْ مِنْ أَرْضِ الْمَطَرِ أَوْ السَّقْيِ بِالْعُيُونِ وَالْآبَارِ.
طفي مُرَادُهُ بِالْجَوَازِ وَعَدَمِهِ مَعَ الشَّرْطِ، وَكَذَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَيَجُوزُ، أَيْ مَعَ الشَّرْطِ وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ غَيْرَ الْمَأْمُونَةِ يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا بِالشَّرْطِ سَنَةً وَاحِدَةً بَعْدَ رَيِّهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْ حَرْثِهَا، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ ذَلِكَ فِي السِّنِينَ الْكَثِيرَةِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ أَكْرَاهَا سِنِينَ وَقَدْ أُمْكِنَتْ لِلْحَرْثِ جَازَ نَقْدُ حِصَّةِ عَامِهِ هَذَا.
أَبُو الْحَسَنِ مَعْنَى هَذَا بِشَرْطٍ وَقَوْلُهُ وَقَدْ أَمْكَنَتْ أَيْ وَرُوِيَتْ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ لَمْ يَنْقُدْ فِي مَفْهُومِهِ تَفْصِيلٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَلَوْ سَنَةً.
أَبُو الْحَسَنِ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا إذَا رُوِيَتْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَجُوزُ النَّقْدُ حَتَّى تُرْوَى رَيًّا مَأْمُونًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَرْضَ الْغَيْرَ الْمَأْمُونَةِ إنَّمَا يَمْتَنِعُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ فِيهَا السِّنِينَ أَوْ قَبْلَ رَيِّهَا أَوْ بَعْدَهُ فَيَجُوزُ سَنَةً وَاحِدَةً، وَعِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا يَجُوزُ حَتَّى تُرْوَى رَيًّا مَأْمُونًا،
وَيَجِبُ فِي مَأْمُونَةِ النِّيلِ إذَا رُوِيَتْ؛
وَقَدْرٍ مِنْ أَرْضِك، إنْ عُيِّنَ، أَوْ تَسَاوَتْ
[منح الجليل]
وَفِيهَا عَقِبَ مَا سَبَقَ وَإِنْ أَكْرَاهَا قُرْبَ الْحَرْثِ وَحِينَ تَوَقُّعِ الْغَيْثِ لَمْ يَجُزْ النَّقْدُ حَتَّى تُرْوَى، وَقَالَ غَيْرُهُ لَا تُكْرَى أَرْضُ الْمَطَرِ حَتَّى تُرْوَى مَرَّةً وَتَعْطَشَ أُخْرَى الْأَقْرَبُ الْحَرْثُ وَتَوَقُّعُ الْغَيْثِ إذَا لَمْ يَنْقُدْ، وَلَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِالنَّقْدِ حَتَّى تُرْوَى رَيًّا مَأْمُونًا مُتَوَالِيًا مُبْلَغًا لِلزَّرْعِ أَوْ لِأَكْثَرِهِ مَعَ رَجَاءِ وُقُوعِ الْمَطَرِ.
أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ النَّقْدُ مَعْنَاهُ بِشَرْطٍ.
(وَيَجِبُ) النَّقْدُ أَيْ يُقْضَى بِهِ لِمُكْرِي الْأَرْضِ عَلَى مُكْتَرِيهَا (فِي مَأْمُونَةِ النِّيلِ إذَا رُوِيَتْ) ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ لِسَقْيٍ آخَرَ.
وَمَفْهُومُ النِّيلِ أَنَّ أَرْضَ الْمَطَرِ وَالسَّقْيِ لَا يَجِبُ النَّقْدُ فِيهَا بِرَيِّهَا؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ لِلسَّقْيِ مِرَارًا فَلَا يَجِبُ النَّقْدُ فِيهَا حَتَّى يَتِمَّ الزَّرْعُ وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ الْمَاءِ.
ابْنُ رُشْدٍ فَأَمَّا أَرْضُ النِّيلِ فَيَجِبُ النَّقْدُ فِيهَا إذَا رُوِيَتْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى السَّقْيِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ فَبِالرَّيِّ يَكُونُ الْمُكْتَرِي قَابِضًا لِمَا اكْتَرَى، وَأَمَّا أَرْضُ السَّقْيِ وَالْمَطَرِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُكْتَرِي دَفْعُ الْكِرَاءِ حَتَّى يَتِمَّ الزَّرْعُ وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ الْمَاءِ.
طفي فَلَمْ يُقَيِّدْ ابْنُ رُشْدٍ أَرْضَ النِّيلِ الَّتِي رُوِيَتْ بِالْمَأْمُونَةِ كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَصَدَ اخْتِصَارَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، إذْ هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ فِي تَوْضِيحِهِ، وَقَدْ اعْتَرَضَهُ " ج " فِي التَّقْيِيدِ بِالْمَأْمُونَةِ، إذْ بِحُصُولِ الرَّيِّ تَكُونُ مَأْمُونَةً.
وَقَوْلُهُ إذَا رُوِيَتْ أَيْ بِالْفِعْلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَلْزَمُ النَّقْدُ فِي أَرْضِ النِّيلِ إنْ رُوِيَتْ إذَا انْكَشَفَ الْمَاءُ عَنْهَا وَأَمْكَنَ قَبْضُ مَنَافِعِهَا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَلْزَمَ النَّقْدُ فِيهَا بِرَيِّهَا؛ لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ الْمَاءَ وَمَنَافِعَ الْأَرْضِ، فَلَا يَلْزَمُهُ النَّقْدُ بِأَحَدِهِمَا.
وَلِابْنِ عَرَفَةَ مَعَهُ كَلَامٌ لَا نُطِيلُ بِهِ، وَإِنَّمَا أَطَلْت فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْضَ الطُّولِ، لِأَنِّي لَمْ أَرَ مَنْ حَقَّقَهَا مِنْ شُرَّاحِهِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(وَ) جَازَ كِرَاءُ (قَدْرٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ مِقْدَارٍ مَحْدُودٍ وَبَيَانُ قَدْرٍ (مِنْ أَرْضِك) يَا مُكْرِي كَفَدَّانٍ (إنْ عُيِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا بِتَسْمِيَةٍ أَوْ إشَارَةٍ أَوْ عَلَامَةٍ (أَوْ) لَمْ يُعَيَّنْ وَ (تَسَاوَتْ) أَرْضُك فِي الْجَوْدَةِ أَوْ الرَّدَاءَةِ وَفِي الْأَغْرَاضِ الْمُرَادَةِ مِنْهَا.
وَمَفْهُومُ