منح الجليل شرح مختصر خليلصفحات 69-108
أهل الأثرالأرشيف العلمي

أَوْ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا أَنْ يُحَاشِيَهُ، وَبِفَتْحٍ عَلَيْهِ، وَبِلَا إذْنِهِ فِي لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِي

وَبِعَدَمِ عِلْمِهِ فِي

[منح الجليل]

لِأَنَّهُ الِاعْتِقَادُ حَالَ الْيَمِينِ، وَهَذَا حَالُ فِعْلِ غَيْرِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ الْخَطَأُ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ مُقْتَضٍ لِلْحِنْثِ كَالنِّسْيَانِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ فِي صَلَاةٍ مَعَ طَلَبِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّ هَذَا طَلَبٌ لِخُصُوصِ التَّحِيَّةِ وَذَاكَ لَا لِخُصُوصِهَا بَلْ لِلصَّلَاةِ، فَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِخُصُوصِهِ بِالتَّحِيَّةِ.
(أَوْ) بِسَلَامِهِ عَلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ (فِي جَمَاعَةٍ) فَيَحْنَثُ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يُحَاشِيَهُ) أَيْ يُخْرِجَ الْحَالِفُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ أَرَادَ السَّلَامَ عَلَيْهِمْ بِلَفْظٍ أَوْ نِيَّةٍ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ، فَإِنْ أَتَمَّ السَّلَامَ قَبْلَ مُحَاشَاتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُحَاشَاتِهِ بِاللَّفْظِ بِشُرُوطِهِ، وَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ فَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا مَا يَشْمَلُ الْأَمْرَيْنِ.
(وَ) حَنِثَ الْحَالِفُ لَا كَلَّمَهُ (بِفَتْحٍ) أَيْ إرْشَادٍ مِنْ الْحَالِفِ لِلصَّوَابِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي الْقِرَاءَةِ إذَا وَقَفَ أَوْ انْتَقَلَ مِنْ آيَةٍ لِأُخْرَى بِقِرَاءَةِ الْحَالِفِ مَا غَلِطَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِيهِ وَإِسْمَاعِهِ لِيَهْتَدِيَ إلَى الصَّوَابِ، ظَاهِرُهُ وَلَوْ وَجَبَ الْفَتْحُ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عَلَى الْحَالِفِ بِأَنْ صَلَّى الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ إمَامًا لِلْحَالِفِ وَغَلِطَ فِي الْفَاتِحَةِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مُخَاطَبَتِهِ بِقُلْ أَوْ اقْرَأْ كَذَا.
(وَ) حَنِثَ بِخُرُوجِهَا مِنْ الدَّارِ بَعْدَ إذْنِهِ لَهَا فِيهِ (بِلَا عِلْمِ) هَا بِ (إذْنِهِ) أَيْ الْحَالِفِ لَهَا فِيهِ (فِي) حَلِفِهِ (وَلَا تَخْرُجِي) مِنْ الدَّارِ (إلَّا بِإِذْنِي) ثُمَّ أَذِنَ لَهَا فِيهِ حَاضِرًا أَوْ مُسَافِرًا، وَلَمْ تَعْلَمْ بِإِذْنِهِ، وَخَرَجَتْ فَيَحْنَثُ وَلَوْ أَشْهَدَ عَلَى الْإِذْنِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ مَعْنَى إلَّا بِإِذْنِي إلَّا بِسَبَبِ إذْنِي وَقَدْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ سَبَبِهِ، فَلَوْ حَلَفَ لَا تَخْرُجِي إلَّا إذَا أَذِنْت وَخَرَجَتْ بَعْدَ إذْنِهِ وَقَبْلَ عِلْمِهَا بِهِ فَلَا يَحْنَثُ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ لِوُجُودِ إذْنِهِ قَبْلَ خُرُوجِهَا، وَفِي قَوْلِهِ لَا تَخْرُجِي حَذَفَ نُونَ الرَّفْعِ لِغَيْرِ جَازِمٍ وَلَا نَاصِبٍ عَلَى لُغَةٍ شَاذَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لِكَوْنِهِ جَوَابَ قَسَمٍ يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ خَبَرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَ) لَا يَبَرُّ (بِعَدَمِ) أَيْ تَرْكِ (عِلْمِهِ) أَيْ إعْلَامِ الْحَالِفِ الْمَحْلُوفَ لَهُ بِالْأَمْرِ (فِي)

لَأُعْلِمَنَّهُ، وَإِنْ بِرَسُولٍ، وَهَلْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ عَلِمَ: تَأْوِيلَانِ.
أَوْ عَلِمَ وَالٍ ثَانٍ فِي حَلِفه لِأَوَّلَ فِي نَظَرٍ، وَبِمَرْهُونٍ فِي لَا ثَوْبَ لِي

[منح الجليل]

حَلِفِهِ (لَأُعْلِمَنَّهُ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَيْ الْمَحْلُوفِ لَهُ بِكَذَا، فَإِنْ أَعْلَمَهُ بِهِ بَرَّ إنْ أَعْلَمَهُ بِنَفْسِهِ بَلْ (وَإِنْ رَسُولٌ) مِنْ الْحَالِفِ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَالْمُبَالَغَةُ فِي الْمَفْهُومِ وَبَرُّهُ بِالْكِتَابِ أَحْرَى (وَهَلْ) يَحْنَثُ بِتَرْكِ إعْلَامِهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يُعْلِمَ) الْحَالِفَ (أَنَّهُ) أَيْ الْمَحْلُوفَ لَهُ (عَلِمَ) بِالْخَبَرِ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَحْنَثُ لِتَنْزِيلِ عِلْمِ الْحَالِفِ بِعِلْمِهِ مِنْ غَيْرِهِ مَنْزِلَةَ إعْلَامِهِ هُوَ أَوْ يَحْنَثُ بِتَرْكِهِ مُطْلَقًا، وَلَوْ عَلِمَ بِعِلْمِهِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ فِيهِ (تَأْوِيلَانِ) الْأَوَّلُ لِلَّخْمِيِّ وَالثَّانِي لِأَبِي عِمْرَانَ.
(أَوْ) تَرْكُ (عِلْمِ) أَيْ إعْلَامِ (وَالٍ) أَيْ مُتَوَلٍّ الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ (ثَانٍ) عَقِبَ عَزْلِ أَوْ مَوْتِ وَالٍ أَوَّلٍ (فِي) حَلِفِهِ طَائِعًا (لِ) وَالٍ (أَوَّلٍ) لَيُعْلِمَنَّهُ بِكَذَا إنْ عَلِمَهُ فَعُزِلَ الْأَوَّلُ أَوْ مَاتَ وَعَلِمَ الْحَالِفُ بِالْأَمْرِ فَلَا يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ حَتَّى يَعْلَمَ الْوَالِي الثَّانِي الَّذِي تَوَلَّى فِي مَحَلِّ الْأَوَّلِ بِذَلِكَ الْأَمْرِ إذَا كَانَ حَلِفُهُ (فِي نَظَرٍ) أَيْ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَوْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ خَاصَّةً بِالْوَالِي الْأَوَّلِ بَرَّ بِإِعْلَامِهِ بَعْدَ عَزْلِهِ، وَهَلْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ عَلِمَ تَأْوِيلَانِ وَلَوْ بِرَسُولٍ أَوْ كِتَابٍ، وَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَالِفِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعْلَامُ وَارِثِهِ أَوْ وَصِيِّهِ قَالَهُ أَشْهَبُ.
(وَ) حَنِثَ (بِ) مِلْكِ ثَوْبٍ (مَرْهُونٍ) فِي حَقٍّ (فِي) حَلِفِهِ لِمَنْ طَلَبَ مِنْهُ إعَارَةَ ثَوْبٍ (لَا ثَوْبٍ لِي) ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ.
وَذَكَرَ الْحَطّ أَنَّ الرِّوَايَاتِ وَالْأَجْوِبَةَ اخْتَلَفَتْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ نَقَلَ تَحْصِيلَهَا عَنْ الرَّجْرَاجِيِّ وَنَصُّهُ أَنَّهُ إنْ ادَّعَى نِيَّةً أَنَّهُ لَا ثَوْبَ لِي أَقْدِرُ عَلَى إعَارَتِهِ مَثَلًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَرْهُونِ فَضْلٌ عَنْ الدَّيْنِ الْمَرْهُونِ فِيهِ أَوْ كَانَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى فَكِّهِ لِعُسْرِهِ أَوْ كَوْنِ الدَّيْنِ مِمَّا لَا يُعَجَّلُ قُبِلَتْ نِيَّتُهُ، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ وَقَدَرَ عَلَى فَكِّهِ فَقَوْلَانِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ رِوَايَةُ التَّهْذِيبِ حِنْثُهُ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ أَمْ لَا.

وَبِالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فِي لَا أَعَارَهُ، وَبِالْعَكْسِ، وَنُوِّيَ، إلَّا فِي صَدَقَةٍ عَنْ هِبَةٍ

وَبِبَقَاءٍ وَلَوْ لَيْلًا فِي لَا سَكَنْت،

[منح الجليل]

وَ) حَنِثَ (بِالْهِبَةِ) لِغَيْرِ ثَوَابٍ (وَالصَّدَقَةِ) وَالنِّحْلَةِ وَالْإِعْمَارِ وَالْإِسْكَانِ وَالتَّحْبِيسِ أَيْ بِكُلٍّ مِنْهَا (فِي) حَلِفِهِ (لَا أَعَارَهُ) أَيْ الْحَالِفُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ شَيْئًا (وَبِالْعَكْسِ) أَيْ يَحْنَثُ بِالْإِعَارَةِ فِي حَلِفِهِ لَا وَهَبَهُ شَيْئًا أَوْ لَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِهِ، لِأَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ وَفُهِمَ مِنْهُ بِالْأَوْلَى حِنْثُهُ بِالصَّدَقَةِ فِي حَلِفِهِ لَا وَهَبَهُ وَبِالْعَكْسِ (وَنُوِّيَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ قُبِلَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ ثَوْبًا غَيْرَ الْمَرْهُونِ مُطْلَقًا، وَنِيَّةُ خُصُوصِ الْإِعَارَةِ فِي حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِهَا ثُمَّ وَهَبَهُ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ إلَّا لِرَفْعٍ مَعَ بَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ فِي إطْلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ مُعَيَّنٍ (إلَّا فِي صَدَقَةٍ) تَصَدَّقَ بِهَا الْحَالِفُ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عِوَضًا (عَنْ هِبَةٍ) حَلَفَ لَا وَهَبَهَا لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَادَّعَى أَنَّهُ نَوَى خُصُوصَ الْهِبَةِ تُقْبَلُ نِيَّتُهُ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا لَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ أَوْ لَا يَتَصَدَّقُ فَأَعَارَ وَادَّعَى نِيَّةَ خُصُوصِ الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ أَوْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ فَوَهَبَ وَادَّعَى نِيَّةَ الصَّدَقَةِ خَاصَّةً فَتُقْبَلُ نِيَّتُهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ.
وَقَيَّدَ ابْنُ رُشْدٍ الْأَخِيرَةَ بِكَوْنِهِ لَهُ اعْتِصَارُ الْهِبَةِ.

(وَ) حَنِثَ (بِبَقَاءٍ) فِي الدَّارِ الَّتِي حَلَفَ لَا يَسْكُنُهَا بَعْدَ يَمِينِهِ مُدَّةً زَائِدَةً عَلَى مَا يُمْكِنُهُ الِانْتِقَالُ فِيهِ نَهَارًا بَلْ (وَلَوْ لَيْلًا فِي) حَلِفِهِ (لَا سَكَنْت) هَذِهِ الدَّارَ فَإِنْ بَقِيَ بِهَا وَهُوَ لَا يُمْكِنُهُ الِانْتِقَالُ لِعَدَمِ مَنْ يَنْقُلُ لَهُ مَتَاعَهُ أَوْ خَوْفِ ظَالِمٍ أَوْ سَارِقٍ وَأَقَامَ بِهَا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً وَهُوَ يَنْقُلُ مَتَاعَهُ لِكَثْرَتِهِ وَعَدَمِ إمْكَانِ نَقْلِهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عَادَةً لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ

لَا فِي لَأَنْتَقِلَنَّ، وَلَا بِخَزْنٍ، وَانْتَقَلَ فِي لَا سَاكَنَهُ

[منح الجليل]

كَالْمَقْصُودِ بِالْيَمِينِ وَلَيْسَ غُلُوُّ الْكِرَاءِ وَعَدَمُ مُنَاسَبَةِ الْمَسْكَنِ لِحَالِهِ عُذْرًا فَيَنْتَقِلُ وَلَوْ لِبَيْتِ شَعْرٍ، وَإِذَا انْتَقَلَ مِنْهَا فَلَا يَعُودُ لَهَا أَبَدًا لِعُمُومِ يَمِينِهِ السُّكْنَى فِيهَا أَبَدًا بِخِلَافِ حَلِفِهِ لَأَنْتَقِلَنَّ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَلَهُ الْعَوْدُ إلَيْهَا بَعْدَ نِصْفِ شَهْرٍ.
وَنُدِبَ كَمَا لَهُ، هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُقِيمَ فِيهَا بَعْدَ يَمِينِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً.
وَقَالَ أَصْبَغُ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَزِيدَ عَلَيْهِمَا.
(لَا) يَحْنَثُ بِالْبَقَاءِ بَعْدَ الْيَمِينِ (فِي) حَلِفِهِ (لَأَنْتَقِلَنَّ) مِنْ هَذِهِ الدَّارِ وَيُؤْمَرُ بِالِانْتِقَالِ لِيَبَرَّ فِي يَمِينِهِ وَهُوَ عَلَى حِنْثٍ فَلَا يَطَأُ الْمَحْلُوفَ بِطَلَاقِهَا حَتَّى يَنْتَقِلَ، فَإِنْ قَيَّدَ بِزَمَنٍ حَنِثَ بِمُضِيِّهِ قَبْلَ انْتِقَالِهِ وَهُوَ عَلَى بِرٍّ إلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ فِي حَمْلِ يَمِينِهِ لَأَفْعَلَنَّ عَلَى الْفَوْرِ فَيَحْنَثُ بِتَأْخِيرِهِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي فَلَا يَحْنَثُ بِهِ قَوْلَانِ ثَانِيهِمَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَفِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ حَكَى الصَّرْصَرِيُّ فِيمَنْ قَالَ وَاَللَّهِ إنْ بَقِيت فِي هَذِهِ الدَّارِ أَوْ لَا بَقِيتُ أَوْ مَا نَبْقَى هَلْ يُرَدُّ إلَى لَأَنْتَقِلَنَّ فَلَا يَحْنَثُ إذَا رَجَعَ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْبَالُصُوتِيُّ، وَأَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ الْقَصَّارُ أَوْ يُرَدُّ إلَى لَا سَكَنْت فَيَحْنَثُ مَتَى رَجَعَ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو إبْرَاهِيمَ الْقَارِي قَالَ: لِأَنَّ تَفْسِيرَ النَّفْيِ بِالنَّفْيِ أَوْلَى.
اهـ. وَالظَّاهِرُ الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلَا) يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ السُّكْنَى فِي دَارٍ (بِخَزْنٍ) فِيهَا إذْ لَا يُعَدُّ سُكْنَى إذَا انْفَرَدَ وَإِنَّمَا عَدَّ ابْنُ الْقَاسِمِ بَقَاءَ الْمَتَاعِ سُكْنَى إذَا كَانَ تَبَعًا لِسُكْنَى الْأَهْلِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْحِنْثُ بِالْخَزْنِ وَاسْتَظْهَرَ فِي التَّوْضِيحِ خِلَافَهُ، وَلَوْ كَانَ فِي الدَّارِ الَّتِي حَلَفَ لَا يَسْكُنُهَا مَطَامِيرَ فَهَلْ يَنْقُلُ مَا فِيهَا نَظَرَ فِيهِ التُّونُسِيُّ، ثُمَّ قَالَ وَيَنْبَغِي إنْ كَانَتْ الْمَطَامِيرُ لَا تَدْخُلُ فِي كِرَاءِ الدَّارِ إلَّا بِشَرْطٍ وَاكْتَرَاهَا وَحْدَهَا لِخَزْنِ الطَّعَامِ فَلَا تَدْخُلُ فِي يَمِينِهِ وَلَهُ إبْقَاءُ مَا فِيهَا سَوَاءٌ اكْتَرَاهَا قَبْلَ اكْتِرَاءِ الدَّارِ أَوْ بَعْدَهُ، إلَّا أَنْ لَا يَلِيقَ الْخَزْنُ بِهَا إلَّا وَهُوَ سَاكِنٌ فِي الدَّارِ فَيَنْبَغِي نَقْلُ مَا فِيهَا.
وَفِي نَقْلِ الْمَوَّاقِ أَنَّ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا أَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ وَخَرَجَ مِنْهَا ثُمَّ خَزَنَ فِيهَا فَلَا يَحْنَثُ وَأَمَّا لَوْ كَانَ فِيهَا شَيْءٌ مَخْزُونٌ وَأَبْقَاهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ (وَانْتَقَلَ) الْحَالِفُ (فِي) حَلِفِهِ (لَا سَاكَنَهُ) أَيْ الْحَالِفُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِدَارٍ أَوْ

عَمَّا كَانَا عَلَيْهِ، أَوْ ضَرَبَا جِدَارًا، وَلَوْ جَرِيدًا بِهَذِهِ الدَّارِ،

[منح الجليل]

حَارَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ لِيَبَرَّ فِي يَمِينِهِ وَيَبَرَّ بِانْتِقَالِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَيْضًا (عَمَّا) أَيْ الْوَجْهِ الَّذِي (كَانَا) أَيْ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ سَاكِنَيْنِ (عَلَيْهِ) انْتِقَالًا يَزُولُ مَعَهُ اسْمُ الْمُسَاكَنَةِ عُرْفًا حَيْثُ لَا نِيَّةَ وَلَا بِسَاطَ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الدَّارُ سَاحَةً هُمَا بِهَا أَوْ هِيَ بَيْتٌ هُمَا بِهِ أَوْ ذَاتُ بُيُوتٍ كُلٌّ بِبَيْتٍ، وَانْتَقَلَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي لِحَارَةٍ أُخْرَى إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَا أُسَاكِنُهُ أَوْ بِهَذِهِ الْحَارَةِ، وَأَمَّا لَا أُسَاكِنُهُ بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ أَوْ بِبَلْدَةٍ فَيَنْتَقِلُ لِأُخْرَى عَلَى فَرْسَخٍ كَالْقِسْمِ الثَّالِثِ إنْ صَغُرَتْ.
فَإِنْ كَبُرَتْ كَالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فَلَا يَتَوَقَّفُ بِرُّهُ عَلَى انْتِقَالِهِ، وَيَتَوَقَّفُ عَلَى تَرْكِ مُقَارَبَتِهِ وَسُكْنَاهُ مَعَهُ، هَذَا إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَا أُسَاكِنُهُ بِدَارٍ أَوْ حَارَةٍ أَوْ حَارَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ لَا أُسَاكِنُهُ بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ أَوْ بِبَلْدَةٍ فَالظَّاهِرُ انْتِقَالُهُ لِأُخْرَى عَلَى فَرْسَخٍ، وَأَمَّا إنْ حَلَفَ لَا أُسَاكِنُهُ وَكُلٌّ بِقَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ فَمَعْنَى انْتِقَالِهِ حَيْثُ لَا نِيَّةَ وَلَا بِسَاطَ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ مَعَهُ فِي مَسْقًى أَوْ مُحْتَطَبٍ أَوْ مَسْرَحٍ بَلْ يَتَبَاعَدَ عَنْهُ، فَإِنْ كَبُرَتْ الْبَلْدَتَانِ وَحَلَفَ لَا أُسَاكِنُهُ فَلَا يَقْرَبُ مِنْهُ عُرْفًا.
وَلَمَّا شَمِلَ كَلَامُهُ مَنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ أَوْ مَدِينَةٍ أَوْ دَارٍ وَأَفَادَ أَنَّ الِانْتِقَالَ مُخْرِجٌ مِنْ الْحِنْثِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَكَانَ لِلْخُرُوجِ عَنْهُ فِي الدَّارِ وَجْهٌ آخَرُ أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (أَوْ ضَرْبًا) أَيْ وَضَعَ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا (جِدَارًا) أَيْ شَرَعَا فِي بِنَائِهِ بِأَثَرِ الْيَمِينِ وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ أَحَدُهُمَا حَتَّى يَضْرِبَ فَقَدْ يَكُونُ ضَرْبُهُ أَسْرَعَ مِنْ الِانْتِقَالِ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ وَثِيقًا بِطُوبٍ أَوْ بِحَجَرٍ بَلْ (وَلَوْ) كَانَ الْجِدَارُ (جَرِيدًا) فِي حَلِفِهِ لَا أُسَاكِنُهُ بِدُونِ تَعْيِينِ الدَّارِ بَلْ، وَلَوْ عَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ لَا أُسَاكِنُهُ (بِهَذِهِ الدَّارِ) ابْنُ غَازِيٍّ عَطَفَهُ بِأَوْ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُمَا إذَا كَانَا سَاكِنَيْنِ فِي دَارٍ فَالْحَالِفُ مُخَيَّرٌ فِي الِانْتِقَالِ وَضَرْبِ الْجِدَارِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا، وَأَمَّا مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فَكَرِهَ الْجِدَارَ فِيهَا.
وَأَشَارَ بِلَوْ لِخِلَافَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْخِلَافُ فِي إجْزَاءِ الْحَاجِزِ إذَا لَمْ يَكُنْ وَثِيقًا بِالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ بِأَنْ كَانَ مِنْ جَرِيدٍ وَشِبْهِهِ.
وَالثَّانِي الْخِلَافُ فِي إجْزَاءِ الْحَاجِزِ إذَا عَيَّنَ الدَّارَ فَقَالَ بِهَذِهِ الدَّارِ مَثَلًا أَمَّا الْجِدَارُ فَبِالْجَرِيدِ فَسَّرَ ابْنُ مُحْرِزٍ الْمُدَوَّنَةَ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ حَبِيبٍ.

وَبِالزِّيَادَةِ إنْ قَصَدَ التَّنَحِّيَ، لَا لِدُخُولِ عِيَالٍ، إنْ لَمْ يُكْثِرْهَا نَهَارًا، وَمَبِيتٍ بِلَا مَرَضٍ

[منح الجليل]

وَأَمَّا الثَّانِي فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ ظَاهِرُ قَوْلِهَا سَمَّاهَا أَمْ لَا إجْزَاءُ الْحَاجِزِ فِي الْمُعَيَّنَةِ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ لَوْ عَيَّنَ الدَّارَ وَلَمْ يَبَرَّ بِالْجِدَارِ وَقَدْ سَبَقَهُمَا لِهَذَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ، وَزَادَ إذْ الْمُسَاكَنَةُ يُزِيلُهَا الْجِدَارُ خِلَافُ السُّكْنَى وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَشَرْطُ كِفَايَةِ ضَرْبِ الْجِدَارِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَحَلٍّ مَرْفِقٌ وَمَدْخَلٌ عَلَى حِدَةٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ الْحَلِفُ لِأَجْلِ مَا يَحْصُلُ بَيْنَ الْعِيَالِ فَإِنْ كَانَ لِكَرَاهَةِ جِوَارِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الِانْتِقَالِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَقَوْلَانِ وَجَمِيعُ مَا مَرَّ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْعَمُودِ، وَأَمَّا هُمْ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُ نَقْلَةً بَيِّنَةً حَتَّى يَنْقَطِعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ خُلْطَةِ الْعِيَالِ وَالصَّبِيَّانِ وَلَا يَنَالَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْعَارِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِ إلَّا بِكُلْفَةٍ، وَصِيغَةُ الْيَمِينِ لَا يُجَاوِرُهُ أَوْ لَيَنْتَقِلَنَّ عَنْهُ، وَلَا يَحْنَثُ فِي لَا أُسَاكِنُهُ بِسَفَرِهِ مَعَهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ التَّنَحِّيَ.
وَنَصَّ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا عَلَى أَنَّهُمَا إنْ كَانَا بِمَحَلٍّ وَفَوْقَهُ مَحَلٌّ فَانْتَقَلَ أَحَدُهُمَا إلَيْهِ كَفَى قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ هَذَا إذَا كَانَ سَبَبُ الْيَمِينِ مَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا مِنْ أَجْلِ الْمَاعُونِ، فَإِنْ كَانَ الْعَدَاوَةُ فَلَا يَكْفِي.
(وَ) حَنِثَ فِي لَا أُسَاكِنُهُ (وَبِالزِّيَارَةِ) مِنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ (إنْ قَصَدَ) الْحَالِفُ بِلَا أُسَاكِنُهُ (التَّنَحِّيَ) أَيْ الْبُعْدَ عَنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِذَاتِهِ؛ لِأَنَّهَا مُوَاصَلَةٌ وَقُرْبٌ (لَا) إنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّنَحِّيَ عَنْهُ لِذَاتِهِ بِأَنْ كَانَتْ يَمِينُهُ (لِدُخُولِ) شَيْءٍ بَيْنَ (عِيَالٍ) أَيْ نِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ لَهُمَا فَلَا يَحْنَثُ بِهَا.
وَكَذَا إنْ كَانَ لَا نِيَّةَ لَهُ فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَفْهُومُ الشَّرْطِ بِشَرْطَيْنِ أَفَادَهُمَا بِقَوْلِهِ (إنْ لَمْ يُكْثِرْهَا) أَيْ الزَّائِرُ مِنْهُمَا الزِّيَارَةُ (نَهَارًا وَمَبِيتٍ) عَطْفٌ عَلَى يُكْثِرْ فَهُوَ مَجْزُومٌ وَمَنْفِيٌّ (بِلَا مَرَضٍ) فَمَنْطُوقُهُ صُورَتَانِ وَهُمَا انْتِفَاءُ إكْثَارِهَا نَهَارًا مَعَ انْتِفَاءِ الْبَيَاتِ وَمَعَ الْبَيَاتِ بِمَرَضٍ وَلَا حِنْثَ فِيهِمَا.
وَمَفْهُومُهُ أَرْبَعُ صُوَرٍ إكْثَارُهَا نَهَارًا وَلَمْ يَبِتْ أَوْ بَاتَ لِمَرَضٍ أَوْ بَاتَ بِلَا مَرَضٍ وَعَدَمُ إكْثَارِهَا مَعَ الْبَيَاتِ بِلَا مَرَضٍ فَيَحْنَثُ فِيهَا.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بَابَا: الثَّابِتُ فِي خَطِّ الْمُصَنِّفِ عَطْفُ مَبِيتٍ بِأَوْ وَهُوَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقُ

وَسَافَرَ الْقَصْرَ فِي لَأُسَافِرَنَّ وَمَكَثَ نِصْفَ شَهْرٍ وَنُدِبَ كَمَالُهُ، كَأَنْتَقِلَنَّ

[منح الجليل]

لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ فِي حَدِّ الطُّولِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الزَّائِرُ فِي مَعْنَى السَّاكِنِ عَلَى قَوْلَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَالثَّانِي أَنَّ الطُّولَ أَنْ يُكْثِرَ الزِّيَارَةَ بِالنَّهَارِ أَوْ يَبِيتَ فِي غَيْرِ مَرَضٍ إلَّا أَنْ يَشْخَصَ إلَيْهِ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقِيمَ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ عَلَى غَيْرِ مَرَضٍ.
اهـ. وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ مَرَضٍ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَأَوْ هُنَا لِكَوْنِهَا وَاقِعَةً بَعْدَ نَفْيٍ تُفِيدُ نَفْيَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا كَمَا فِي الرِّضَى وَالْمَغْنَى.
فَإِذَا قُلْت لَمْ يَجِئْ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو فَالْمَعْنَى لَمْ يَجِئْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: 24] فَمَنْطُوقُ الْمَتْنِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ نَفْيُهُمَا مَعًا وَهِيَ صُورَةُ عَدَمِ الْحِنْثِ، وَمَفْهُومُهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ ثُبُوتُ الْأَمْرَيْنِ وَثُبُوتُ أَحَدِهِمَا وَهِيَ صُوَرِ الْحِنْثِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ عج مُقْتَضَى كَوْنِ الْيَمِينِ لِمَا يَدْخُلُ بَيْنَ الْعِيَالِ عَدَمُ الْحِنْثِ بِالزِّيَارَةِ وَلَوْ أَكْثَرَهَا نَهَارًا وَبَاتَ بِلَا مَرَضٍ.
عب لِعِلَّةِ أَنَّ إكْثَارَهَا نَهَارًا وَبَيَاتَهُ بِلَا مَرَضٍ وَسِيلَةٌ لِمَجِيءِ أَوْلَادِهِ فَيَقَعُ بَيْنَ الْعِيَالِ مَا حَلَفَ لِزَوَالِهِ.
(وَسَافَرَ) الْحَالِفُ (الْقَصْرَ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الصَّادِ أَيْ الْمَسَافَةَ الَّتِي تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِيهَا شَرْعًا وَهِيَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ لِيَبَرَّ (فِي) حَلِفِهِ (لَأُسَافِرَنَّ) وَبَرَّ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصُرْ الصَّلَاةَ فِيهِ لِعَدَمِ قَصْدِهَا دَفْعَةً أَوْ لِعِصْيَانِهِ بِهِ مَثَلًا (وَمَكَثَ) أَيْ لَا يَرْجِعُ الْحَالِفُ بَعْدَ سَفَرِهِ الْقَصْرَ لِلْبَلَدِ الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ أَوْ لِغَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ (نِصْفُ شَهْرٍ) سَوَاءٌ أَقَامَ فِي بَلَدٍ خَارِجٍ عَنْ أَرْبَعَةِ الْبُرُدِ أَوْ اسْتَمَرَّ مُسَافِرًا مِنْ بَلَدٍ لِبَلَدٍ خَارِجَهَا حَتَّى أَتَمَّ نِصْفَ شَهْرٍ.
(وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (كَمَالُهُ) أَيْ الشُّهُورِ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْهَا وَشَبَّهَ فِي سَفَرِ الْقَصْرِ وَعَدَمِ الرُّجُوعِ نِصْفَ شَهْرٍ وَنُدِبَ كَمَالُهُ فَقَالَ (كَ) الْحَالِفِ لَ (أَنْتَقِلَنَّ) مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً أَوْ بِسَاطًا، وَأَمَّا مَنْ حَلَفَ لَيَنْتَقِلَنَّ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ الْحَارَةِ كَذَلِكَ فَيَكْفِيهِ الِانْتِقَالُ لِأُخْرَى وَمُكْثُهُ نِصْفَ شَهْرٍ، وَنُدِبَ كَمَالُهُ فِي التَّوْضِيحِ هَذَا إذَا قَصَدَ إرْهَابَ جَارِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ كَرِهَ مُجَاوَرَتَهُ فَلَا يُسَاكِنُهُ أَبَدًا، وَكَذَا يَنْبَغِي فِي مَسْأَلَةِ الْمِنَّةِ

وَلَوْ بِإِبْقَاءِ رَحْلِهِ لَا بِكَمِسْمَارٍ، وَهَلْ إنْ نَوَى عَدَمَ عَوْدِهِ؟

[منح الجليل]

أَنَّهُ إنْ رَجَعَ إلَيْهِ حَنِثَ.
اهـ. وَنَحْوُهُ فِي الْحَطّ عَنْ الْعُتْبِيَّةِ.
وَبَالَغَ عَلَى الْحِنْثِ بِالْبَقَاءِ فِي لَا سَكَنْت وَعَدَمِ الْبِرِّ بِعَدَمِ الِانْتِقَالِ فِي لَأَنْتَقِلَنَّ فَقَالَ (وَلَوْ) كَانَ بَقَاؤُهُ بَعْدَ حَلِفِهِ لَا سَكَنْت أَوْ عَدَمِ انْتِقَالِهِ بَعْدَ حَلِفِهِ لَأَنْتَقِلَنَّ (بِإِبْقَاءِ رَحْلِهِ) أَيْ مَتَاعِ الْحَلِفِ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى الرُّجُوعِ لَهُ أَوْ طَلَبِهِ لَوْ تَرَكَهُ، وَالْحِنْثُ فِي الْأُولَى بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ أَنْ لَا يَكُونَ فِي نَقْلِهِ فَسَادٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَسَادٌ كَثَمَرِ شَجَرٍ بِدَارٍ لَمْ يَطِبْ فَلَا يَحْنَثُ بِإِبْقَائِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَمَّى رَحْلًا حَقِيقَةً وَأَنْ يَكُونَ حَلِفُهُ لِقَطْعِ مَنِّهِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ لِمَا يَدْخُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جِيرَانِهِ مِنْ مَشَارَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَا يَحْنَثُ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَأَنْ يُبْقِيَهُ بِمَحَلِّ السُّكْنَى أَوْ مُلْحَقٍ بِهِ مِمَّا دَخَلَ فِي عَقْدِ إجَارَتِهِ بِلَا شَرْطٍ، وَأَمَّا لَا يَدْخُلُ إلَّا بِشَرْطٍ كَالْمَطَامِيرِ فَلَا يَحْنَثُ بِإِبْقَائِهِ مَا خَزَنَ بِهَا قَالَهُ التُّونُسِيُّ، وَمِثْلُ الْمَطَامِيرِ الصَّهَارِيجُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ، فَإِنْ أَبْقَى رَحْلَهُ فِي الْمَطَامِيرِ أَوْ الصَّهَارِيجِ لَمْ يَحْنَثْ إنْ أَكْرَاهَا مُنْفَرِدَةً عَنْ مَحَلِّ سَكَنِهِ وَكَانَتْ مَأْمُونَةً حَالَ انْتِقَالِهِ عَنْهَا.
وَنَصُّ الْعُتْبِيَّةِ فِي رَسْمِ أَوْصَى عَنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَنْتَقِلَنَّ فَانْتَقَلَ وَتَرَكَ مِنْ السَّقْطِ مَا لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِ قَالَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ أَمَّا إذَا تَرَكَهُ رَافِضًا لَهُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهِ فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ، وَاخْتُلِفَ إنْ تَرَكَهُ نَاسِيًا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَفِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِتَرْكِهِ نَاسِيًا، وَأَمَّا إنْ تَرَكَهُ عَلَى أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ فَيَأْخُذَهُ فَإِنَّهُ حَانِثٌ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ الَّذِي قَالَ لَا يَحْنَثُ بِتَرْكِ مَتَاعِهِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَظْهَرُ.
اهـ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ بِالتَّفْصِيلِ وَمُقَابِلُهَا طَرِيقَةُ ابْنِ يُونُسَ لَا يَحْنَثُ بِتَرْكِ السَّقْطِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ مُطْلَقًا وَإِلَيْهِمَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالتَّرَدُّدِ (لَا) يَحْنَثُ (بِ) إبْقَاءِ شَيْءٍ تَافِهٍ لَا يَحْمِلُهُ عَلَى الرُّجُوعِ لَهُ أَوْ طَلَبِهِ لَوْ تَرَكَهُ (كَمِسْمَارٍ) وَوَتِدٍ وَخَشَبَةٍ إهْمَالًا أَوْ نِسْيَانًا (وَهَلْ) عَدَمُ حِنْثِهِ.
(إنْ نَوَى عَدَمَ عَوْدِهِ لَهُ) أَيْ الْحَالِفِ أَيْ كَالْمِسْمَارِ، فَإِنْ نَوَى عَوْدَهُ لَهُ حَنِثَ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ، أَوْ عَدَمُ حِنْثِهِ مُطْلَقٌ سَوَاءٌ نَوَى عَوْدَهُ لَهُ أَوْ عَدَمَهُ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ يُونُسَ

تَرَدُّدٌ

وَبِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ، أَوْ عَيْبِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ،

[منح الجليل]

تَرَدُّدٌ) لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَأَوْرَدَ عَلَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَقْتَضِي حِنْثَهُ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ بِأَنَّهُ نَسِيَهُ مَعَ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا عَدَمُ الْحِنْثِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ، فَلَوْ قَالَ: وَهَلْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ عَوْدَهُ لَهُ تَرَدُّدٌ كَانَ أَوْلَى فَمَحَلُّ التَّرَدُّدِ إنْ نَوَى الْعَوْدَ فَإِنْ نَوَى عَدَمَهُ لَمْ يَحْنَثْ اتِّفَاقًا اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ: التَّرَدُّدُ هُنَا لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي فَهْمِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فَإِنْ تَرَكَ مِنْ السَّقْطِ مِثْلَ الْوَتِدِ وَالْمِسْمَارِ وَالْخَشَبَةِ مِمَّا لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِ أَوْ تَرَكَ ذَلِكَ نِسْيَانًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
اهـ. هَلْ يُفِيدُ بِقَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ إنْ نَوَى عَوْدَهُ إلَيْهِ حَنِثَ أَوْ يَبْقَى عَلَى إطْلَاقِهِ فِي عَدَمِ الْحِنْثِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ اخْتِلَافُهُمْ فِي فَهْمِ الْمُدَوَّنَةِ عَبَّرَ بِالتَّرَدُّدِ دُونَ التَّأْوِيلَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَ) مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلِ كَذَا فَقَضَاهُ إيَّاهُ فَاسْتَحَقَّ الْمُقْتَضَى كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ مِنْ يَدِهِ أَوْ ظَهَرَ فِيهِ عَيْبٌ حَنِثَ (بِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ) أَيْ الْمَدْفُوعِ وَأَوْلَى بِاسْتِحْقَاقِ جَمِيعِهِ وَلَوْ وَفِي الْبَعْضِ الْبَاقِي بِالدَّيْنِ (أَوْ) ظُهُورِ (عَيْبِهِ) الْقَدِيمِ الْمُوجِبِ لِرَدِّهِ وَقَامَ الْمَحْلُوفُ لَهُ بِحَقِّهِ صَرَّحَ بِهِ فِيهَا، وَظَاهِرُهُ جَرَيَانُهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالْعَيْبِ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَصِلَةُ اسْتِحْقَاقٍ (بَعْدَ) مُضِيِّ (الْأَجَلِ) الْمَحْلُوفِ عَلَى الدَّفْعِ فِيهِ فَقَدْ حَنِثَ الْحَالِفُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ.
ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ مُشْكِلُ التَّوْضِيحِ لِأَنَّ الْقَصْدَ أَنْ لَا يُمَاطِلَ وَقَدْ فَعَلَ اللَّخْمِيُّ، الْحِنْثَ عَلَى مُرَاعَاةِ اللَّفْظِ، وَلَا يَحْنَثُ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لِأَنَّ الْقَصْدَ أَنْ لَا يَمُدَّ، وَلَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ فَإِنْ لَمْ يُوجِبْ الرَّدَّ أَوْ لَمْ يَقُمْ الْمَحْلُوفُ لَهُ بِحَقِّهِ لَمْ يَحْنَثْ الْحَالِفُ.
وَالْقَيْدُ الثَّانِي يَجْرِي فِي الِاسْتِحْقَاقِ كَمَا لِأَبِي الْحَسَنِ وَلَا يُنَافِيهِ حِنْثُهُ مَعَ إجَازَةِ الْمُسْتَحِقِّ؛ لِأَنَّهُ فِي الْإِجَازَةِ بَعْدَ الْقِيَامِ، فَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُسْتَحِقُّ لَمْ يَحْنَثْ الْحَالِفُ وَقَدْ يُقَالُ: يَحْنَثُ بِالْعَيْبِ الْمُوجِبِ لِلرَّدِّ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ لِأَنَّهُ كَهِبَةِ الدَّيْنِ أَوْ بَعْضِهِ وَسَيَأْتِي حِنْثُهُ بِهَا، وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ الْعَيْبُ نَقْصُ عَدَدٍ أَوْ وَزْنٍ فِيمَا يَتَعَامَلُ بِهِ وَزْنًا وَإِلَّا حَنِثَ وَلَوْ لَمْ يَقُمْ الْمَحْلُوفُ لَهُ، وَمَفْهُومُ بَعْدَ الْأَجَلِ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ بِهِ قَبْلَهُ وَأَجَازَ فَلَا حِنْثَ أَوْ لَمْ يُجِزْ وَاسْتَوْفَى حَقَّهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ وَإِلَّا حَنِثَ.

وَبَيْعٍ فَاسِدٍ فَاتَ قَبْلَهُ، إنْ لَمْ تَفِ، كَأَنْ لَمْ يَفُتْ، عَلَى الْمُخْتَارِ.

[منح الجليل]

(وَ) حَنِثَ مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلِ كَذَا (بِبَيْعٍ فَاسِدٍ) مُتَّفَقٍ عَلَى فَسَادِهِ بَاعَهُ لَهُ وَقَاصَمَهُ بِثَمَنِهِ مِنْ حَقِّهِ وَ (فَاتَ) الْمَبِيعُ فِي يَدِ صَاحِبِ الْحَقِّ (قَبْلَهُ) أَيْ الْأَجَلِ الْمَحْلُوفِ إلَيْهِ، وَقِيمَتُهُ أَقَلُّ مِنْ الدَّيْنِ وَلَمْ يُكْمِلْ الْحَالِفُ لِلْمَحْلُوفِ لَهُ بَقِيَّةَ حَقِّهِ حَتَّى مَضَى الْأَجَلُ فَإِنْ أَكْمَلَ الْحَقَّ قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ وَقْتَ الْقِيمَةِ بِالدَّيْنِ فَلَا حِنْثَ فَقَوْلُهُ (إنْ لَمْ تَفِ) يَصِحُّ ضَبْطُهُ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ أَيْ الْقِيمَةُ بِالدَّيْنِ وَضَبْطُهُ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ أَيْ الْبَائِعُ، وَالْمُرَادُ بِالْحِنْثِ عَدَمُ الْبِرِّ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ فَاتَ وَقِيمَتُهُ كَالدَّيْنِ بَرَّ مُطْلَقًا، وَأَنَّهُ إنْ فَاتَ وَهِيَ أَقَلُّ وَوَفَاءُ تَمَامِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ بَرَّ، وَخَرَجَ بِالْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَيَبَرُّ بِهِ مُطْلَقًا لِمُضِيِّهِ بِالثَّمَنِ فَكَلَامُهُ فِيمَا يَمْضِي بِالْقِيمَةِ.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْبِرِّ إنْ لَمْ تَفِ وَالْبِرُّ إنْ وَقَّتَ فَقَالَ (كَأَنْ لَمْ يَفُتْ) الْمَبِيعُ قَبْلَ الْأَجَلِ وَفَاتَ بَعْدَهُ، فَإِنْ لَمْ تَفِ الْقِيمَةُ لَمْ يَبَرَّ وَإِنْ وَفَّتْ بَرَّ (عَلَى الْمُخْتَارِ) لِلَّخْمِيِّ مِنْ الْخِلَافِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَفُتْ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْأَجَلِ وَلَا بَعْدَهُ فَالْحِنْثُ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَالْمُنَاسِبُ التَّعْبِيرُ بِالْفِعْلِ، لِأَنَّ سَحْنُونًا قَالَ بِالْحِنْثِ وَأَشْهَبُ وَأَصْبَغُ بِعَدَمِهِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ بِالثَّانِي إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ مُسَاوِيَةً نَظَرًا إلَى أَنَّهُ حَصَلَ بِيَدِهِ عِوَضُ حَقِّهِ، فَاخْتِيَارُهُ مِنْ نَفْسِهِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ تَفْصِيلَهُ لَمَّا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْقَوْلَيْنِ كَانَ مُخْتَارًا مِنْ خِلَافٍ.
اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَفَاتَ بَعْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَفُتْ الْمَبِيعُ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ إذْ ظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ كَظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْخِلَافَ وَالِاخْتِيَارَ فِيمَا إذَا لَمْ يَفُتْ قَبْلَهُ سَوَاءٌ فَاتَ بَعْدَهُ أَوْ لَا.
وَنَصُّ اللَّخْمِيِّ وَإِنْ مَضَى الْأَجَلُ وَهُوَ قَائِمٌ فَقَالَ سَحْنُونٌ يَحْنَثُ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَحْنَثُ وَأَرَى بِرَّهُ إنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءً نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ.
وَقَدْ شَرَحَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ، وَقَالَ ابْنُ عَاشِرٍ مَفْهُومُ قَبْلِهِ مُنْدَرِجٌ فِي قَوْلِهِ كَأَنْ لَمْ يَفُتْ لِأَنَّ هَذَا صَادِقٌ بِمَا إذَا لَمْ يَفُتْ أَصْلًا وَمَا فَاتَ بَعْدَ الْأَجَلِ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مِنْ فَوْتِهِ وَبَقَائِهِ إنَّمَا هُوَ وَقْتُ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَلَا عِبْرَةَ بِمَا يَطْرَأُ بَعْدَهُ.

وَبِهِبَتِهِ لَهُ، أَوْ دَفْعِ قَرِيبٍ عَنْهُ، وَإِنْ مِنْ مَالِهِ، أَوْ شَهَادَةِ بَيِّنَةٍ بِالْقَضَاءِ إلَّا بِدَفْعِهِ، ثُمَّ أَخَذَهُ

[منح الجليل]

(وَ) حَنِثَ الْحَالِفُ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلِ كَذَا (بِهِبَتِهِ) أَيْ الدَّيْنِ (لَهُ) أَيْ الْمَدِينِ وَقَبِلَهُ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ بِهِ وَسُقُوطِ الْحَقِّ عَنْهُ فَتَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَلَا يَبَرُّ بِدَفْعِهِ لَهُ بَعْدَ قَبُولِهِ وَقَبْلَ الْأَجَلِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ وَوَفَّاهُ فِي الْأَجَلِ وَإِلَّا فَلَا أَفَادَهُ عب.
وَفِي التَّوْضِيحِ فَهَلْ يَحْنَثُ بِنَفْسِ قَبُولِ الْهِبَةِ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ الْأَجَلُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْبَغُ وَابْنُ حَبِيبٍ أَوْ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَقْضِهِ الدَّيْنَ، وَلَوْ قَضَاهُ إيَّاهُ بَعْدَ الْقَبُولِ وَقَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ بَرَّ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - اهـ. الْحَطّ وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ حَمَلَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَفِي كَبِيرِ تت عَنْ ابْنِ نَاجِي أَنَّهُ الْمَشْهُورُ فَالصَّوَابُ حَمْلُ الْمَتْنِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ إلَّا بِدَفْعِهِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ رُجُوعِهِ لِهَذِهِ أَيْضًا أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ.
(أَوْ دَفَعَ قَرِيبٌ) لِلْحَالِفِ غَيْرُ وَكِيلِ قَضَاءٍ وَتَفْوِيضٍ أَوْ سُلْطَانٍ الدَّيْنَ لِلْمَحْلُوفِ لَهُ نِيَابَةً (عَنْهُ) أَيْ الْحَالِفِ بِغَيْرِ إذْنِهِ إنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ مِنْ مَالِ الدَّافِعِ بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (مِنْ مَالِهِ) أَيْ الْحَالِفِ فَلَا يَبَرُّ بِهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ قَبْلَ الْأَجَلِ بِدَفْعِهِ عَنْهُ وَيَرْضَى بِهِ فَيَبَرُّ بِهِ سَوَاءٌ دَفَعَ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ مَالِ الْحَالِفِ، كَدَفْعِ قَرِيبِهِ وَهُوَ وَكِيلُ قَضَاءٍ أَوْ تَفْوِيضٍ كَوَكِيلِ تَقَاضٍ دَيْنًا أَوْ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ وَإِلَّا لَمْ يَبَرَّ قَالَهُ الْمَوَّاقُ، وَيَنْبَغِي إلَّا أَنْ يَعْلَمَ قَبْلَ الْأَجَلِ وَيَرْضَى وَلَا يَبَرُّ بِقَضَاءِ وَكِيلِ الضَّيْعَةِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِهِ وَيَرْضَى قَبْلَهُ (أَوْ شَهَادَةِ بَيِّنَةٍ) لَهُ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ (بِالْقَضَاءِ) وَلَوْ زُكِّيَتْ وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهَا أَوْ تَذَكَّرَ الطَّالِبُ أَنَّهُ كَانَ قَبَضَهُ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ فَلَا يَبَرُّ الْحَالِفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (إلَّا بِدَفْعِهِ) أَيْ الْحَالِفِ الْحَقَّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِإِذْنِهِ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ أَوْ عِلْمِهِ بِدَفْعِ غَيْرِهِ عَنْهُ رِضَاهُ قَبْلَ الْأَجَلِ.
وَقَوْلُهُ (ثُمَّ أَخَذَهُ) أَيْ الْحَالِفُ الْمَدْفُوعَ مِنْ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ إنْ لَمْ يَرُدَّ الْهِبَةَ مِنْ تَتِمَّةِ الْحُكْمِ لَا لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ عُهْدَةِ الْيَمِينِ إلَّا بِهِ، وَكَلَامُهُ هُنَا عَلَى مُرَاعَاةِ اللَّفْظِ دُونَ الْبِسَاطِ وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ قَالَهُ عج، وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ كَلَامُهُ فِيمَا هُنَا بِخُصُوصِهِ وَلَا غَرَابَةَ فِي بِنَاءٍ مَشْهُورٍ

لَا إنْ جُنَّ، وَدَفَعَ الْحَاكِمُ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ فَقَوْلَانِ.

وَبِعَدَمِ قَضَاءٍ فِي غَدٍ، فِي لَأَقْضِيَنَّك غَدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَيْسَ هُوَ.
لَا إنْ قَضَى قَبْلَهُ،

[منح الجليل]

عَلَى ضَعِيفٍ.
وَمِثْلُ مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ إذَا كَانَ الْحَقُّ الْمَحْلُوفُ عَلَى وَفَائِهِ عِوَضَ عَبْدٍ فَاسْتُحِقَّ أَوْ ظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ وَرَدَّهُ فَلَا يَبَرُّ حَتَّى يُوَفِّيَهُ ثُمَّ يَرُدَّهُ قَالَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ.
ابْنُ عَاشِرٍ أَيْ إنْ قَبِلَ الْمَحْلُوفُ لَهُ قَبْضَ الْمَالِ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ وَيَقَعُ الْحِنْثُ اهـ. الْبُنَانِيُّ قُلْت لَهُ أَنْ يَبَرَّ بِرَفْعِهِ لِلْحَاكِمِ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا فِي الْحَطّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ، وَنَصُّهُ وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ لَهُ حَاضِرًا فَالسُّلْطَانُ يُحْضِرُهُ وَيُجْبِرُهُ عَلَى قَبْضِ حَقِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مِمَّا لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبْضِهِ كَعَارِيَّةٍ غَابَ عَلَيْهَا فَتَلِفَتْ عِنْدَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيَبْرَأُ مِنْ يَمِينِهِ عَلَى دَفْعِ ذَلِكَ إلَيْهِ بِرَفْعِهِ إلَى السُّلْطَانِ.
(لَا إنْ جُنَّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَشَدِّ النُّونِ الْحَالِفِ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلِ كَذَا أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ أُسِرَ أَوْ حُبِسَ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الدَّفْعُ، أَوْ سَكِرَ بِحَلَالٍ كَذَا يَظْهَرُ فِي الْجَمِيعِ وَانْظُرْ الْفَقْدَ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (دَفَعَ الْحَاكِمُ) الْحَقَّ عَنْهُ لِرَبِّهِ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ مِنْ مَالِهِ فَلَا يَحْنَثُ أَوْ مِنْ مَالِ الْحَاكِمِ حَيْثُ لَا وَلِيَّ لِمَنْ جُنَّ، وَإِلَّا لَمْ يَبَرَّ بِدَفْعِ الْحَاكِمِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُ.
(وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ) الْحَاكِمُ الْحَقَّ عَنْ الْمَجْنُونِ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ وَدَفَعَهُ بَعْدَهُ (فَقَوْلَانِ) بِالْحِنْثِ وَعَدَمِهِ لِأَصْبَغَ وَابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، أَوْ مَاتَ الْمَحْلُوفُ لَهُ وَالْحَالِفُ وَارِثُهُ اُسْتُحْسِنَ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ فَيَقْضِيَهُ ثُمَّ يَرُدَّ لَهُ وَعَنْهُ الْوِرَاثَةُ كَالْقَضَاءِ.

(وَ) حَنِثَ (بِعَدَمِ قَضَاءٍ فِي غَدٍ فِي) حَلِفِهِ (لَأَقْضِيَنَّكَ) حَقَّك (غَدًا) يَوْمَ الْجُمُعَةِ (وَ) الْحَالُ (لَيْسَ هُوَ) أَيْ الْغَدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَلْ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِتَعَلُّقِ الْحِنْثِ بِلَفْظِ غَدٍ لَا بِتَسْمِيَتِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَقَعُ بِأَدْنَى سَبَبٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غَدًا وَاقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ لِتَوَهُّمِ أَنَّ الثَّانِيَ نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ نَوَى يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمُنَافَاةِ نِيَّتِهِ لِقَوْلِهِ غَدًا (لَا) يَحْنَثُ (إنْ قَضَى قَبْلَهُ) أَيْ الْيَوْمَ الَّذِي حَلَفَ عَلَى الْقَضَاءِ فِيهِ لِأَنَّ قَصْدَهُ أَنْ لَا يَلِدَ إلَّا لِقَصْدِ

بِخِلَافِ لَآكُلَنَّهُ، وَلَا إنْ بَاعَهُ بِهِ عَرَضًا

وَبَرّ إنْ غَابَ بِقَضَاءِ وَكِيلِ تَقَاضٍ، أَوْ مُفَوَّضٍ،

[منح الجليل]

مَطْلِهِ بِالتَّأْخِيرِ لَهُ إلَى غَدٍ مَثَلًا فَيَحْنَثُ بِقَضَائِهِ قَبْلَهُ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَقَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حُرْمَةُ الْمَطْلِ وَالْحِنْثِ.
(بِخِلَافِ) حَلِفِهِ عَلَى طَعَامٍ (لَآكُلَنَّهُ) غَدًا فَأَكَلَهُ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ لِأَنَّ الطَّعَامَ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ الْيَوْمُ وَالْقَصْدُ فِي الْقَضَاءِ عَدَمُ الْمَطْلِ، وَلِذَا لَوْ كَانَ الْحَالِفُ مَرِيضًا لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهِ قَبْلَ غَدٍ الْمَحْلُوفِ أَنْ يَأْكُلَهُ فِيهِ لَدَلَالَةِ بِسَاطِ يَمِينِهِ عَلَى قَصْدِ عَدَمِ تَأْخِيرِهِ، فَتَقْدِيمُ أَكْلِهِ عَلَيْهِ فِيهِ الْمَقْصُودُ وَزِيَادَةٌ.
(وَلَا) يَحْنَثُ (إنْ بَاعَهُ) أَيْ الْحَالِفُ الْمَحْلُوفَ لَهُ (بِهِ) أَيْ الدَّيْنَ الَّذِي حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ فِي أَجَلِ كَذَا (عَرَضًا) وَهُوَ عَيْنٌ وَقَصَدَ بِحَلِفِهِ مُطْلَقَ التَّوْفِيَةِ لَا دَفْعَ خُصُوصِ الْعَيْنِ وَكَانَتْ قِيمَةُ الْعَرَضِ قَدْرَ الْعَيْنِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ لَمْ يَبَرَّ وَلَوْ بَاعَهُ لَهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَإِنْ جَازَ الْغَبْنُ احْتِيَاطًا لِلْبِرِّ فَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ عَيْنًا فَلَا يَبَرُّ بِبَيْعِهِ بِهَا عَرَضًا إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى مُطْلَقَ الْقَضَاءِ، وَإِيضَاحُهُ أَنَّ الصُّوَرَ سِتٌّ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَأَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ أَوْ دَرَاهِمَهُ وَفِي كُلٍّ، إمَّا أَنْ يَقْصِدَهُ مُطْلَقَ الْوَفَاءِ أَوْ عَيْنَ الدَّرَاهِمِ أَوْ لَا قَصْدَ لَهُ، فَإِنْ قَصَدَ مُطْلَقَ الْوَفَاءِ بَرَّ بِبَيْعِ الْعَرَضِ الَّذِي نَفَى قِيمَتَهُ بِالدَّيْنِ سَوَاءٌ عَبَّرَ بِالْحَقِّ أَوْ الدَّرَاهِمِ، وَإِنْ كَانَ نَوَى دَفْعَ الْعَيْنِ لَمْ يَبَرَّ بِهِ فِيهِمَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ بَرَّ بِهِ إنْ كَانَ عَبَّرَ بِالْحَقِّ لَا بِالدَّرَاهِمِ أَفَادَهُ عب.
وَقَالَ اللَّقَانِيُّ لَا يُشْتَرَطُ فِي بِرِّهِ مُسَاوَاةُ قِيمَةِ الْعَرَضِ الدَّيْنَ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ، وَتَقْيِيدُ تت لَهُ بِذَلِكَ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَنَقَلَهُ الْعَدَوِيُّ وَأَقَرَّهُ.

(وَبَرَّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءُ مُشَدَّدَةٌ الْحَالِفُ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ عِنْدَ أَجَلِ كَذَا (إنْ غَابَ) الْمَحْلُوفُ لَهُ أَوْ تَغَيَّبَ وَاجْتَهَدَ الْحَالِفُ فِي طَلَبِهِ لِيَقْضِيَهُ حَقَّهُ عِنْدَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَيَبَرُّ (بِقَضَاءِ) أَيْ دَفْعِ الْحَقِّ لِ (وَكِيلِ) الْمَحْلُوفِ لَهُ عَلَى (تَقَاضٍ) أَيْ قَبْضٍ لِدَيْنٍ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ لِلْمَحْلُوفِ لَهُ (أَوْ) قَضَاءِ وَكِيلٍ (مُفَوَّضٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَالْوَاوُ مُشَدَّدَةٌ أَيْ تَفْوِيضٌ مِنْ الْمَحْلُوفِ لَهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ فَهُوَ مَصْدَرٌ سُمِّيَ كَمَفْتُونٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: 6] ،

وَهَلْ ثُمَّ وَكِيلُ ضَيْعَةٍ أَوْ إنْ عُدِمَ الْحَاكِمُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ: تَأْوِيلَانِ.
وَبَرِئَ فِي الْحَاكِمِ إنْ لَمْ يُحَقِّقْ جَوْرَهُ، وَإِلَّا بَرَّ كَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ

[منح الجليل]

أَيْ الْفِتْنَةُ لَا اسْمُ مَفْعُولٍ لِإِضَافَةِ وَكِيلٍ إلَيْهِ لِعَطْفِهِ عَلَى تَقَاضٍ، نَعَمْ إنْ جُعِلَتْ الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ فَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ، وَكَذَا إنْ عُطِفَ عَلَى وَكِيلٍ وَجُعِلَ مِنْ حَذْفِ الْمَوْصُوفِ وَإِقَامَةِ صِفَتِهِ مَقَامَهُ وَالْأَصْلُ أَوْ وَكِيلٌ مُفَوَّضٌ.
(وَهَلْ ثَمَّ) عِنْدَ عَدَمِ وَكِيلِ التَّقَاضِي وَالْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ يَبَرُّ بِقَضَاءِ (وَكِيلِ ضَيْعَةٍ) أَيْ عَقَارٍ أَوْ نَفَقَةٍ لِلْعِيَالِ مِنْ لَحْمٍ وَخُضَارٍ وَغَيْرِهِمَا سَوَاءٌ وُجِدَ حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ أَوْ لَمْ يُوجَدْ (أَوْ) مَحَلُّ بِرِّهِ بِقَضَاءِ وَكِيلِ الضَّيْعَةِ (إنْ عُدِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ لَمْ يُوجَدْ (الْحَاكِمُ) الشَّرْعِيُّ فَإِنْ وُجِدَ فَلَا يَبَرُّ بِقَضَاءِ وَكِيلِ الضَّيْعَةِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ التَّقْيِيدُ بِعَدَمِ الْحَاكِمِ (الْأَكْثَرُ) مِنْ شُرَّاحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) الْأَوَّلُ لِابْنِ رُشْدٍ، وَالثَّانِي لِابْنِ لُبَابَةَ فَهُمَا هَلْ الْحَاكِمُ وَوَكِيلُ الضَّيْعَةِ سَوَاءٌ فِي بِرِّ الْحَالِفِ بِالدَّفْعِ لِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ رُشْدٍ أَوْ الْحَاكِمِ مُقَدَّمٌ عَلَى وَكِيلِ الضَّيْعَةِ، وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ لُبَابَةَ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
ابْنُ يُونُسَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا بَرَّ بِدَفْعِهِ لِلسُّلْطَانِ وَإِنْ كَانَ لَا يُقْبَضُ دَيْنٌ غَائِبٌ إلَّا الْمَفْقُودُ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ لِلْحَالِفِ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ وَبِرِّهِ فِي يَمِينِهِ، وَلَمَّا كَانَ الْبِرُّ مِنْ الْيَمِينِ حَاصِلًا بِقَضَاءِ أَحَدِ الْأَرْبَعَةِ وَالْبَرَاءَةُ مِنْ الدَّيْنِ حَاصِلَةٌ بِالْأَوَّلَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ.
وَفِيهَا فِي الرَّابِعِ تَفْصِيلٌ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَبَرِئَ) الْحَالِفُ مِنْ الدَّيْنِ (فِي) دَفْعِهِ إلَى (الْحَاكِمِ) عِنْدَ عَدَمِ وَكِيلِ التَّقَاضِي وَوَكِيلِ التَّفْوِيضِ وَأَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ السُّلْطَانَ وَالْقَاضِيَ وَالْوَالِيَ (إنْ لَمْ يُحَقِّقْ) الْحَالِفُ (جَوْرَهُ) أَيْ الْحَاكِمِ بِأَنْ عَلِمَ عَدْلَهُ أَوْ جَهِلَهُ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ جَائِرًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ عِنْدَ النَّاسِ، وَهَذَا عَلَى أَنْ يُحَقِّقَ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ، وَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ لَمْ يُحَقَّقْ جَوْرُهُ أَوْ يُنْظَرْ لِشُهْرَتِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ حُقِّقَ جَوْرُهُ (بَرَّ) فِي يَمِينِهِ وَلَمْ يَبَرَّ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ كَالدَّفْعِ لِوَكِيلِ الضَّيْعَةِ.
وَشَبَّهَ فِي الْبِرِّ دُونَ الْبَرَاءَةِ فَقَالَ (كَ) الدَّفْعِ لِ (جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ) حَيْثُ لَا حَاكِمَ أَوْ جَارٍ

يُشْهِدُهُمْ، وَلَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فِي رَأْسِ الشَّهْرِ، أَوْ عِنْدَ رَأْسِهِ، أَوْ إذَا اسْتَهَلَّ أَوْ إلَى رَمَضَانَ أَوْ لِاسْتِهْلَالِهِ:

[منح الجليل]

أَوْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ وَكِيلٌ، وَيَنْبَغِي تَقْدِيمُهُمْ عَلَى وَكِيلِ الضَّيْعَةِ عَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي لِقِيَامِهِمْ مَقَامَ الْحَاكِمِ (يُشْهِدُهُمْ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ أَيْ الْحَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى إحْضَارِهِ الدَّيْنَ وَعَلَى عَدَدِهِ، وَوَزْنِهِ إنْ كَانَ التَّعَامُلُ بِالْوَزْنِ وَيُخْبِرُهُمْ بِاجْتِهَادِهِ فِي طَلَبِ الْمَحْلُوفِ لَهُ وَعَدَمُ وُجُودِهِ لِسَفَرِهِ أَوْ تَغَيُّبِهِ وَيَدْفَعُهُ لِعَدْلٍ مِنْهُمْ أَوْ يُبْقِيهِ عِنْدَهُ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَحْلُوفُ لَهُ، وَلَا يَحْنَثُ بِمَطْلِهِ بِهِ إذَا حَضَرَ قَالَهُ سَحْنُونٌ، وَظَاهِرُهُ بِرُّهُ بِإِشْهَادِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَلَوْ لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ بِحَيْثُ يُخَافُ الْحِنْثُ بِخُرُوجِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ.
وَفِي ابْنِ بَشِيرٍ مَا يُقَيِّدُ اشْتِرَاطَهُ، وَأَرَادَ بِالْجَمَاعَةِ مَا زَادَ عَلَى وَاحِدٍ إنْ كَانُوا عُدُولًا وَإِلَّا فَالْجَمْعُ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ جَمَاعَةً أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَكْفِي وَاَلَّذِي فِي الْحَطّ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ الْحَقَّ لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَوْقَفَهُ عَلَى يَدِهِ فَإِنَّهُ يَبَرُّ إذَا لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْحَقِّ وَكِيلٌ وَلَا سُلْطَانٌ، وَمِثْلُهُ فِي الشَّارِحِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا تَفْصِيلٌ فِي الْمَفْهُومِ.
(وَ) يُوسَعُ (لَهُ) أَيْ الْحَالِفِ (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) مِنْ الشَّهْرِ التَّالِي لِلشَّهْرِ الَّذِي حَلَفَ فِيهِ (فِي) حَلِفِهِ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فِي (رَأْسِ) أَيْ أَوَّلِ (الشَّهْرِ) الْفُلَانِيِّ كَرَجَبٍ فَلَهُ لَيْلَةٌ وَيَوْمٌ مِنْ الشَّهْرِ الَّذِي أَضَافَ الرَّأْسَ إلَيْهِ كَرَجَبٍ، وَالْأَوْلَى لَيْلَةٌ وَيَوْمٌ لِسَبْقِ اللَّيْلَةِ الْيَوْمَ لِسَبْقِ لَيْلَةِ الْهِلَالِ، وَلِإِبْهَامِ تَقْدِيمِ الْيَوْمِ أَنَّ لَهُ لَيْلَةً بَعْدَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ (أَوْ عِنْدَ رَأْسِهِ) أَيْ أَوَّلِ الشَّهْرِ (أَوْ إذَا اسْتَهَلَّ) الشَّهْرُ الْفُلَانِيُّ.
عج وَكَذَا فِي رَأْسِ الْعَامِ أَوْ عِنْدَ رَأْسِهِ أَوْ إذَا اسْتَهَلَّ، وَمِثْلُ مَا إذَا كَرِهَ الْمُصَنِّفُ لَأَقْضِيَنَّكَ حَقَّكَ عِنْدَ انْسِلَاخِ رَمَضَانَ أَوْ إذَا انْسَلَخَ رَمَضَانُ فَلَهُ لَيْلَةٌ وَيَوْمٌ مِنْ شَوَّالٍ فِي الصِّيغَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الِانْسِلَاخُ لُغَةً: الْفَرَاغُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: 5] . (وَ) إنْ قَالَ لَأَقْضِيَنَّك حَقَّك (إلَى رَمَضَانَ أَوْ لِاسْتِهْلَالِهِ) أَيْ رَمَضَانَ أَوْ إلَى رُؤْيَةِ

شَعْبَانَ

وَبِجَعْلِ ثَوْبٍ قَبَاءً، أَوْ عِمَامَةً فِي لَا أَلْبَسُهُ، لَا إنْ كَرِهَهُ لِضِيقِهِ، وَلَا وَضَعَهُ عَلَى فَرْجِهِ،

[منح الجليل]

هِلَالَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ انْسِلَاخٍ عَقِبَ إلَى فَلَهُ (شَعْبَانَ) فَقَطْ وَلَيْسَ لَهُ لَيْلَةٌ وَيَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ صِيغَتَهُ تَحْتَمِلُ إلَى فَرَاغِ رَمَضَانَ وَإِلَى ابْتِدَائِهِ، فَحُمِلَ عَلَى الثَّانِي احْتِيَاطًا لِلْبِرِّ وَخَوْفًا مِنْ الْحِنْثِ بِأَدْنَى سَبَبٍ، وَلِعَدَمِ دُخُولِ الْمُغَيَّا بِإِلَى فِيمَا قَبْلَهُ، وَمِثْلُهُ إلَى اسْتِهْلَالِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوْ لِاسْتِهْلَالِهِ فَضَعِيفٌ فَإِنَّ مُفَادَ الشَّارِحِ وَالْأَقْفَهْسِيِّ أَنَّ لَهُ لَيْلَةً وَيَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فِي إدْخَالِ اللَّامِ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ، فَإِنَّ ذِكْرَ لَفْظِ انْسِلَاخِ عَقِبَ إلَى أَوْ اللَّامِ كَقَوْلِهِ إلَى انْسِلَاخِ رَمَضَانَ أَوْ لِانْسِلَاخِهِ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِفَرَاغِهِ قَالَهُ عب، وَنَصُّهَا: وَإِنْ قَالَ إلَى رَمَضَانَ أَوْ إلَى اسْتِهْلَالِهِ فَإِذَا انْسَلَخَ شَعْبَانُ اسْتَهَلَّ الشَّهْرُ وَلَمْ يَقْضِهِ حَنِثَ اهـ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ الْمَوَّازِ ابْنُ الْقَاسِمِ كَذَلِكَ كُلَّمَا ذَكَرَ فِيهِ إلَى فَهُوَ يَحْنَثُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ كَقَوْلِهِ إلَى الْهِلَالِ أَوْ إلَى مَجِيئِهِ أَوْ إلَى رُؤْيَتِهِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ إلَى وَذَكَرَ اللَّامَ أَوْ عِنْدَ أَوْ إذَا فَلَهُ لَيْلَةَ يُهِلُّ الْهِلَالُ وَيَوْمَهَا كَقَوْلِهِ لِرُؤْيَتِهِ لِدُخُولِهِ لِاسْتِهْلَالِهِ أَوْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، أَوْ إذْ اسْتَهَلَّ أَوْ إذَا دَخَلَ اهـ وَنَحْوِهِ فِي ابْنِ يُونُسَ وَابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ عَرَفَةَ، وَلِذَا اعْتَرَضَ الْحَطّ وَمَنْ تَبِعَهُ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ.

(وَ) حَنِثَ (بِجَعْلِ ثَوْبٍ قَبَا) بِفَتْحِ الْقَافِ مَقْصُورًا وَمَمْدُودًا أَيْ مُفْرَجًا مِنْ أَمَامٍ (أَوْ عِمَامَةٍ) أَوْ سَرَاوِيلَ (فِي) حَلِفِهِ (لَا أَلْبَسُهُ) أَيْ الثَّوْبَ وَلَبِسَهُ عَلَى حَالٍ مِنْهَا وَكَذَا إذَا أَدَارَهُ عَلَيْهِ ائْتَزَرَ بِهِ أَوْ لَفَّهُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ جَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ أَوْ جَلَسَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ مُرَادُهُ مُجَرَّدَ الْجَعْلِ بِلَا لُبْسٍ (لَا) يَحْنَثُ بِجَعْلِهِ قَبَا أَوْ عِمَامَةً (إنْ كَرِهَهُ) أَيْ الْحَالِفُ الثَّوْبَ الَّذِي حَلَفَ لَا يَلْبَسُهُ (لِضِيقِهِ) أَوْ لِسُوءِ صَنَعْته إذَا كَانَ الثَّوْبُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِمَّا يُلْبَسُ بِأَنْ كَانَ قَمِيصًا أَوْ قَبَا أَوْ مَا أَشْبَهَهُمَا، فَإِنْ كَانَ لَا يُلْبَسُ بِوَجْهٍ بِأَنْ كَانَ شَقَّةً فَفَصَلَهَا وَلَبِسَهَا حَنِثَ وَلَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ أَنَّهُ كَرِهَ ضِيقَهَا قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ.
(وَلَا) يَحْنَثُ إنْ (وَضَعَهُ) أَيْ الثَّوْبَ الَّذِي حَلَفَ لَا يَلْبَسُهُ (عَلَى فَرْجِهِ) بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ إنْ لَمْ يَلُفَّهُ عَلَيْهِ وَإِلَّا حَنِثَ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهَا وَلَوْ

وَبِدُخُولِهِ مِنْ بَابٍ غُيِّرَ، فِي لَا أَدْخُلُهُ إنْ لَمْ يُكْرَهْ ضِيقُهُ، وَبِقِيَامِهِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَبِمُكْتَرًى فِي لَا أَدْخُلُ لِفُلَانٍ بَيْتًا، وَبِأَكْلٍ مِنْ وَلَدٍ دَفَعَ لَهُ مَحْلُوفٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ إنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ

[منح الجليل]

جَعَلَهُ فِي اللَّيْلِ عَلَى فَرْجِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَأْتَزِرَ بِهِ.
اهـ. لِأَنَّ قَوْلَهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ لَا مَفْهُومَ لَهُ.
أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ إنَّمَا هُوَ فِي السُّؤَالِ وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ اللُّبْسُ اهـ. (وَ) حَنِثَ (بِدُخُولِهِ) أَيْ الْحَالِفِ الدَّارَ الَّتِي حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا (مِنْ بَابٍ غُيِّرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ الْبَابِ عَنْ حَالِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَوْ سُدَّ وَفُتِحَ غَيْرُهُ (فِي) حَلِفِهِ (لَا أَدْخُلُهُ) أَيْ مِنْهُ الدَّارَ نَاوِيًا تَجَنُّبَهَا أَوْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ (إنْ لَمْ يَكْرَهْ) الْحَالِفُ (ضِيقَهُ) أَيْ الْبَابِ وَاطِّلَاعَهُ عَلَى مَا لَا يُحِبُّ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ أَوْ مُرُورَهُ عَلَى مَا لَا يُحِبُّ الْمُرُورَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَرِهَ ضِيقَهُ وَنَحْوَهُ وَغُيِّرَ بِمَا أَرَادَ كَرَاهَتَهُ فَلَا يَحْنَثُ بِالدُّخُولِ مِنْهُ.
(وَ) حَنِثَ (بِقِيَامِهِ) أَيْ اسْتِقْرَارِ الْحَالِفِ (عَلَى ظَهْرِهِ) أَيْ الْبَيْتِ الَّذِي حَلَفَ لَا يَدْخُلُهُ (وَ) حَنِثَ (بِ) دُخُولِ بَيْتٍ (مُكْتَرًى) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (فِي) حَلِفِهِ (لَا دَخَلَ لِفُلَانٍ بَيْتًا) لِمِلْكِهِ مَنْفَعَتَهُ وَنِسْبَتِهِ إلَيْهِ، وَلِذَا لَوْ حَلَفَ لَا أَدْخُلُ مَنْزِلَ أَوْ بَيْتَ فُلَانٍ فَأَكْرَاهُ فُلَانٌ لِغَيْرِهِ ثُمَّ دَخَلَهُ الْحَالِفُ فَلَا يَحْنَثُ.
وَمِثْلُ الْمُكْتَرَى الْمُعَارُ (وَ) حَنِثَ الْحَالِفُ لَا يَأْكُلُ طَعَامَ فُلَانٍ (بِأَكْلِ) شَيْءٍ (مِنْ) يَدِ (وَلَدٍ) لِلْحَالِفِ أَنْ لَا يَأْكُلَ طَعَامَ فُلَانٍ (دَفَعَ) الطَّعَامَ الَّذِي أَكَلَهُ الْحَالِفُ (لَهُ) أَيْ الْوَلَدِ شَخْصٌ (مَحْلُوفٌ عَلَى) تَرْكِ أَكْلِ طَعَامِ (هـ) وَكَذَا لَوْ دَفَعَهُ لَهُ غَيْرُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، هَذَا عَلَى ضَبْطِ دَفَعَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، فَإِنْ ضُبِطَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَمَحْلُوفٌ نَائِبُ فَاعِلِهِ وَضَمِيرُ عَلَيْهِ لِلطَّعَامِ شَمِلَ الصُّورَتَيْنِ فَهُوَ أَوْلَى إنْ عَلِمَ الْحَالِفُ بِدَفْعِ الطَّعَامِ لِلْوَلَدِ، بَلْ (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْحَالِفُ بِأَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي أَكَلَهُ الطَّعَامُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (إنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ) أَيْ وَلَدِ الْحَالِفِ وَاجِبَةً (عَلَيْهِ) أَيْ الْحَالِفِ لِيُسْرِهِ وَفَقْرِ وَلَدِهِ مَعَ صِبَاهُ، أَوْ عَجْزِهِ عَنْ الِاكْتِسَابِ

وَبِالْكَلَامِ أَبَدًا، فِي لَا كَلَّمَهُ الْأَيَّامَ، أَوْ الشُّهُورَ، وَثَلَاثَةً فِي كَأَيَّامٍ، وَهَلْ كَذَلِكَ فِي لَأَهْجُرَنَّهُ، أَوْ شَهْرٌ: قَوْلَانِ.
وَسَنَةٌ فِي حِينٍ، وَزَمَانٍ، وَعَصْرٍ، وَدَهْرٍ

[منح الجليل]

إنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ لِلْوَلَدِ يَسِيرًا وَإِلَّا لَمْ يَحْنَثْ إذْ لَيْسَ لِلْأَبِ رَدُّ الْكَثِيرِ الْمُعْطَى لِوَلَدِهِ.
بِخِلَافِ الْيَسِيرِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْأَبِ رَدُّهُ فَكَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالْيَسِيرُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْحَالِ فَقَطْ وَعَبْدُهُ كَوَلَدِهِ لَكِنْ يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مِمَّا دُفِعَ لَهُ وَلَوْ كَثُرَ إذْ لَهُ رَدُّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مَدِينًا بِمَا لَا يُسْقِطُهُ عَنْهُ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ مَا وُهِبَ لَهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ، وَأَمَّا وَالِدُهُ الَّذِي تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مِمَّا دُفِعَ لَهُ مِنْ الطَّعَامِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ يَسِيرًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا إذْ لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ، وَكَذَا وَلَدُ وَلَدِهِ لِعَدَمِ وُجُوبِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ.

(وَ) حَنِثَ الْحَالِفُ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا مَثَلًا الْأَيَّامَ أَوْ الشُّهُورَ أَوْ السِّنِينَ (بِالْكَلَامِ) مَثَلًا مِنْ الْحَالِفِ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (أَبَدًا) أَيْ فِي جَمِيعِ مَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ الزَّمَانِ (فِي) حَلِفِهِ (لَا أُكَلِّمُهُ) مَثَلًا أَيْ الْحَالِفُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ (الْأَيَّامَ أَوْ الشُّهُورَ) أَوْ الْأَشْهُرَ أَوْ السِّنِينَ لِحَمْلِ أَلْ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ حَيْثُ لَا نِيَّةَ لِلْحَالِفِ (وَ) لَزِمَ (ثَلَاثَةٌ) أَيْ تَرْكُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِيهَا (فِي) حَلِفِهِ عَلَى تَرْكِهِ (كَأَيَّامٍ) وَشُهُورٍ وَسِنِينَ مُنَكَّرًا؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ، وَلَا يُحْسَبُ مِنْهَا يَوْمُ الْحَلِفِ إنْ سُبِقَ بِالْفَجْرِ، لَكِنْ لَا يَفْعَلُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِيهِ، فَإِنْ فَعَلَهُ حَنِثَ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَظَاهِرُ مَا فِي نُذُورِهَا تَرْجِيحُ عَدَمِ إلْغَاءِ الْمَسْبُوقِ بِهِ وَتَكْمِيلُ الْيَوْمِ مِنْ تَالِي الْيَوْمَيْنِ بَعْدَهُ.
(وَهَلْ كَذَلِكَ) أَيْ حَلِفُهُ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ أَيَّامًا فِي لُزُومِ تَرْكِهِ ثَلَاثَةً (فِي) حَلِفِهِ (لَأَهْجُرَنَّهُ) حَمْلًا عَلَى الْهَجْرِ الْجَائِزِ (أَوْ) يَلْزَمُهُ (شَهْرٌ) حَمْلًا عَلَى الْعُرْفِ (قَوْلَانِ) لَمْ يَطَّلِعْ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِهِمَا، الْأَوَّلُ لِلْعُتْبِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ، وَالثَّانِي لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ (وَ) لَزِمَ الْحَالِفَ (سَنَةٌ) مِنْ يَوْمِ حَلَفَ إنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ (فِي حِينٍ) أَوْ الْحِينِ (وَزَمَانٍ وَعَصْرٍ وَدَهْرٍ) فَإِنْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَى تَرْكِهِ قَبْلَ تَمَامِهَا حَنِثَ، وَإِنْ

وَبِمَا يُفْسَخُ، أَوْ بِغَيْرِ نِسَائِهِ، فِي لَأَتَزَوَّجَن

وَبِضَمَانِ الْوَجْهِ، فِي لَا أَتَكَفَّلُ: إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَدَمَ الْغُرْمِ، وَبِهِ لِوَكِيلٍ،

[منح الجليل]

تَمَّتْ وَلَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَى فِعْلِهِ حَنِثَ، فَإِنْ عَرَفَ الزَّمَانَ وَمَا بَعْدَهُ لَزِمَهُ الْأَبَدُ رَعْيًا لِلْعُرْفِ، وَإِنْ كَانَ الْحِينُ بِمَعْنَى الزَّمَانِ لُغَةً، وَلَعَلَّ هَذَا إذَا اشْتَهَرَ اسْتِعْمَالُهَا عُرْفًا فِي السَّنَةِ وَإِلَّا فَيَلْزَمُهُ أَقَلُّ مَا تَصْدُقُ عَلَيْهِ لُغَةً.

(وَ) حَنِثَ أَيْ لَا يَبَرُّ (بِمَا) أَيْ عَقْدِ نِكَاحٍ فَاسِدٍ (يُفْسَخُ) قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ (أَوْ) بِتَزَوُّجِهِ (بِ) مَرْأَةٍ (غَيْرِ نِسَائِهِ) أَيْ أَدْنَى مِنْهُنَّ عُرْفًا كَكِتَابِيَّةٍ وَدَنِيَّةٍ (فِي) حَلِفِهِ (لَأَتَزَوَّجَنَّ) وَلَمْ يُقَيِّدْ بِأَجَلٍ، فَإِنْ قَيَّدَ بِأَجَلٍ وَعَقَدَ فِيهِ مَا يُفْسَخُ أَبَدًا أَوْ عَلَى مَنْ لَا تُشْبِهُ نِسَاءَهُ وَمَضَى حَنِثَ حَقِيقَةً وَلَا يَبَرُّ إلَّا بِعَقْدٍ صَحِيحٍ وَوَطْءٍ مُبَاحٍ عَلَى مُشْبِهَةِ نِسَائِهِ خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ مِنْ بِرِّهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ عَلَى لَائِقَةٍ بِهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ لَوْ حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَوْ الشَّهْرِ وَتَزَوَّجَ فِيهِ وَبَنَى بَعْدَهُ حَنِثَ، وَاشْتَرَطَ الْمُغِيرَةُ أَنْ تُشْبِهَهُ وَتُشْبِهَ زَوْجَتَهُ الَّتِي حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَغِيظُهَا وَالْمُشَابَهَةُ فِي الْقَدْرِ وَالرِّفْعَةِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ نِكَاحِهِ نِكَاحَ رَغْبَةٍ وَنَسَبٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ وَلَوْ قَصَدَ بِهِ مُجَرَّدَ إبْرَارِ يَمِينِهِ اللَّخْمِيُّ وَهُوَ الْقِيَاسُ.

(وَ) حَنِثَ (بِضَمَانِ الْوَجْهِ فِي) حَلِفِهِ (لَا أَتَكَفَّلُ) بِمَالٍ لِأَنَّهُ يَئُولُ لِغُرْمِ الْمَالِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ إحْضَارِ الْمَضْمُونِ، وَقَرِينَةُ تَقْيِيدِهِ بِالْمَالِ قَوْلُهُ (إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ) الْحَالِفُ فِي ضَمَانِ الْوَجْهِ (عَدَمَ الْغُرْمِ) لِلْمَالِ الْمَضْمُونِ فِيهِ إذَا عَجَزَ عَنْ إحْضَارِ الْمَضْمُونِ، فَإِنْ اشْتَرَطَهُ فَلَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ ضَمَانَ طَلَبٍ وَهُوَ لَا يَحْنَثُ بِهِ إذَا حَلَفَ لَا يَتَكَفَّلُ بِمَالٍ أَوْ وَجْهٍ، لِأَنَّهُ لَا يَئُولُ لِغُرْمِ الْمَالِ، وَأَمَّا إنْ أَطْلَقَ فِي يَمِينِهِ فَيَحْنَثُ بِأَنْوَاعِ الضَّمَانِ كُلِّهَا، وَإِنْ قَيَّدَ بِالْوَجْهِ حَنِثَ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ مِمَّا سُمِّيَ.
(وَ) مَنْ حَلَفَ لَا يَضْمَنُ لِزَيْدٍ حَنِثَ (بِهِ) أَيْ الضَّمَانِ (لِ) شَخْصٍ (وَكِيلٍ) عَنْ

فِي لَا أَضْمَنُ لَهُ إنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ، وَهَلْ إنْ عَلِمَ تَأْوِيلَانِ.
وَبِقَوْلِهِ مَا ظَنَنْته قَالَهُ لِغَيْرِي لِمُخْبِرٍ، فِي لَيُسِرَّنَّهُ

وَبِاذْهَبِي الْآنَ

[منح الجليل]

زَيْدٍ الْمَحْلُوفِ عَلَى عَدَمِ الضَّمَانِ لَهُ فِيمَا بَاعَهُ أَوْ أَسْلَمَ فِيهِ الْوَكِيلَ لِزَيْدٍ وَلَمْ يَعْلَمْ الْحَالِفُ بِوَكَالَتِهِ عَنْهُ فِيهِ (فِي) حَلِفِهِ (لَا أَضْمَنُ لَهُ) أَيْ زَيْدٍ (إنْ كَانَ) الْوَكِيلُ الَّذِي ضَمِنَ لَهُ الْحَالِفُ فِيمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ عَنْ زَيْدٍ (مِنْ نَاحِيَتِهِ) أَيْ مُنَاسَبَةِ زَيْدٍ بِقَرَابَةٍ أَوْ صَدَاقَةٍ أَوْ شَرِكَةٍ أَوْ إجَارَةٍ لِخِدْمَةِ أَوْ رِقٍّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
(وَهَلْ) مَحَلُّ حِنْثِ الْحَالِفِ (إنْ عَلِمَ) الْحَالِفُ بِأَنَّ الْوَكِيلَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ أَوْ يَحْنَثُ مُطْلَقًا فِيهِ (تَأْوِيلَانِ) أَيْ فَهْمَانِ لِشَارِحِي قَوْلِهَا: وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَفَّلَ لِفُلَانٍ بِكَفَالَةٍ فَتَكَفَّلَ لِوَكِيلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَكِيلُ مِنْ سَبَبِ فُلَانٍ وَنَاحِيَتِهِ لَمْ يَحْنَثْ الْحَالِفُ.
اهـ. وَسَبَبُهُمَا قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ قَيَّدَ مَالِكٌ وَأَشْهَبُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الْحِنْثَ بِعِلْمِ الْحَالِفِ أَنَّهُ مِنْ نَاحِيَتِهِ فَحَمَلَهَا ابْنُ يُونُسَ عَلَيْهِ، وَحَمَلَهَا عِيَاضٌ عَلَى ظَاهِرِهَا عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، فَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِوَكِيلٍ وَفِي قَوْلِهِ لَهُ لِلتَّعْدِيَةِ لَا زَائِدَةٍ.
(وَ) مَنْ أَعْلَمَ زَيْدًا مَثَلًا بِشَيْءٍ وَحَلَّفَهُ لَيَكْتُمَنَّهُ أَوْ لَا يُخْبِرُ بِهِ أَحَدًا ثُمَّ أَعْلَمَ بِهِ عَمْرًا مَثَلًا فَحَكَاهُ عَمْرٌو لِزَيْدٍ الْحَالِفِ لَيَكْتُمَنَّهُ فَقَالَ زَيْدُ لِعَمْرٍو مَا ظَنَنْتُهُ قَالَهُ لِغَيْرِي حَنِثَ زَيْدٌ (بِقَوْلِهِ مَا ظَنَنْتُهُ) أَيْ الْمَحْلُوفَ لَهُ (قَالَهُ) أَيْ الْخَبَرَ أَوْ أَسَرَّهُ (لِغَيْرِي) أَوْ لِأَحَدٍ غَيْرِي أَوْ لِأَحَدٍ وَلَمْ يَقُلْ غَيْرِي (لِمُخْبِرٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَوْ فَتْحِهَا صِلَةَ قَوْلِهِ (فِي) حَلِفِهِ لِمُخْبِرِهِ الْأَوَّلِ (لَيُسِرَّنَّهُ) أَيْ لَيَكْتُمَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ وَلَا يُخْبِرُ بِهِ أَحَدًا تَنْزِيلًا لِقَوْلِهِ مَا ظَنَنْته قَالَهُ إلَخْ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ قَالَهُ لِي، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ، لِدَلَالَتِهِ عُرْفًا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا لَوْ قَالَ مَا أَظُنُّهُ يَقُولُ هَذَا وَنَحْوَهُ مِمَّا لَا يَدُلُّ عُرْفًا عَلَى أَنَّهُ أَسَرَّهُ لَهُ فَلَا يَحْنَثُ.

(وَ) حَنِثَ (بِ) قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ مَثَلًا (اذْهَبِي) أَوْ افْعَلِي (الْآنَ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ

إثْرَ لَا كَلَّمْتُك حَتَّى تَفْعَلِي، وَلَيْسَ قَوْلُهُ لَا أُبَالِي، بَدْءًا لِقَوْلٍ آخَرَ، لَا كَلَّمْتُك حَتَّى تَبْدَأَنِي، وَبِالْإِقَالَةِ، فِي لَا تَرَكَ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا إنْ لَمْ تَفِ، لَا إنْ أَخَّرَ الثَّمَنَ عَلَى الْمُخْتَارِ

[منح الجليل]

اللَّامِ وَمَدِّ الْهَمْزِ الثَّانِي ظَرْفُ اذْهَبِي (إثْرَ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ عَقِبَ ظَرْفٍ لِلْقَوْلِ الْمُقَدَّرِ حَلِفُهُ (لَا كَلَّمْتُكِ حَتَّى تَفْعَلِي) كَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُ اذْهَبِي كَلَامٌ قَبْلَ الْفِعْلِ (وَلَيْسَ قَوْلُهُ) أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَى تَرْكِ كَلَامِهِ (لَا أُبَالِي) بِضَمِّ الْهَمْزِ أَيْ لَا أَهْتَمُّ وَلَوْ كَرَّرَهُ أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُبَالِي (بَدْءًا) يُعْتَدُّ بِهِ فِي حِلِّ الْيَمِينِ (لِقَوْلٍ) أَيْ كَلَامِ شَخْصٍ (آخَرَ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالْخَاءُ مَمْدُودًا حَلَفَ (لَا كَلَّمْتُك حَتَّى تَبْدَأَنِي) فَإِنْ كَلَّمَهُ عَقِبَ قَوْلِهِ لَا أُبَالِي حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْتَدِئَهُ بِالْكَلَامِ احْتِيَاطًا لِلْبِرِّ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّهُ فِي الْحِنْثِ وَهُوَ يَقَعُ بِأَدْنَى سَبَبٍ.
فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ حَلَفَ لِآخَرَ بِالطَّلَاقِ لَا كَلَّمْتُكَ حَتَّى تَبْدَأَنِي فَقَالَ الْآخَرُ إذَنْ وَاَللَّهِ لَا أُبَالِي فَلَيْسَ ذَلِكَ تَبْدِئَةً اهـ. (وَ) حَنِثَ بَائِعُ سِلْعَةٍ لِشَخْصٍ بِثَمَنٍ لَمْ يَقْبِضْهُ وَسَأَلَهُ الْمُشْتَرِي أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُ بَعْضَهُ فَحَلَفَ لَا تَرَكَ مِنْهُ شَيْئًا فَاسْتَقَالَهُ فَأَقَالَهُ فَيَحْنَثُ (بِالْإِقَالَةِ) أَيْ قَبُولِ رَدِّ سِلْعَتِهِ إلَيْهِ بِثَمَنِهَا (فِي) حَلِفِهِ (لَا تَرَكَ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا إنْ لَمْ تَفِ) قِيمَةُ السِّلْعَةِ بِثَمَنِهَا بِأَنْ نَقَصَتْ عَنْهُ لِأَنَّهَا بَيْعٌ فَقَدْ أَخَذَ السِّلْعَةَ بِبَعْضِ الثَّمَنِ وَأَسْقَطَ الْبَاقِيَ وَهُوَ قَدْ حَلَفَ عَلَى عَدَمِ الْإِسْقَاطِ، فَإِنْ وَفَّتْ قِيمَتُهَا بِثَمَنِهَا لَمْ يَحْنَثْ أَوْ لَمْ تَفِ الْقِيمَةُ بِهِ وَأَتَمَّ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ لَمْ يَحْنَثْ أَيْضًا لِعَدَمِ تَرْكِهِ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ فِيهِمَا (لَا) يَحْنَثُ الْحَالِفُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ (إنْ أَخَّرَ) بِفَتَحَاتِ مُثَقَّلًا (الثَّمَنَ) أَيْ أَجَّلَهُ بَعْدَ حُلُولِهِ (عَلَى الْمُخْتَارِ) عِنْدَ اللَّخْمِيِّ لِأَنَّهُ يُخَفِّفُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَيَعِدُهُ حُسْنَ مُعَامَلَةٍ وَلَا يَعِدُهُ وَضِيعَةً لِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَا يُخَفِّفُ عَلَيْهِ تَرْكَ الْيَسِيرِ.
الْأَقْفَهْسِيُّ وَالْأَجَلُ إنَّمَا يَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ إذَا وَقَعَ ابْتِدَاءً حِينَ الْعَقْدِ، وَأَمَّا بَعْدَ تَقَرُّرِ الثَّمَنِ فَلَا.
ابْنُ رُشْدٍ إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يُنْظِرَهُ فَوَضَعَ عَنْهُ لَمْ يَحْنَثْ بِلَا خِلَافٍ.

وَلَا إنْ دَفَنَ مَالًا فَلَمْ يَجِدْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَكَانَهُ فِي أَخَذْتِيهِ، وَبِتَرْكِهَا عَالِمًا فِي لَا خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي، لَا إنْ أَذِنَ لِأَمْرٍ فَزَادَتْ بِلَا عِلْمٍ

[منح الجليل]

وَلَا) يَحْنَثُ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (إنْ دَفَنَ مَالًا) أَوْ وَضَعَهُ بِلَا دَفْنٍ، عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ ثُمَّ طَلَبَهُ (فَلَمْ يَجِدْهُ) لِنِسْيَانِهِ الْمَكَانَ الَّذِي دَفَنَهُ أَوْ وَضَعَهُ فِيهِ فَاتَّهَمَ زَوْجَتَهُ مَثَلًا بِأَخْذِهِ وَحَلَفَ لَقَدْ أَخَذَتْهُ (ثُمَّ) طَلَبَهُ ثَانِيًا فَ (وَجَدَهُ مَكَانَهُ) فَلَا يَحْنَثُ (فِي) حَلِفِهِ بِطَلَاقِهَا أَوْ غَيْرِهِ لَقَدْ (أَخَذَتْهُ) جَازِمًا بِأَخْذِهَا إيَّاهُ لِأَنَّ بِسَاطَ يَمِينِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ إنْ كَانَ ذَهَبَ فَأَنْتِ أَخَذْته وَأَوْلَى إنْ وَجَدَهُ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ الَّذِي دَفَنَهُ فِيهِ، وَأَمَّا إنْ وَجَدَهُ عِنْدَ غَيْرِهَا فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِاَللَّهِ فَلَغْوٌ وَإِلَّا حَنِثَ.
(وَ) حَنِثَ مَنْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ زَوْجَتُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَتَرَكَهَا عَالِمًا بِخُرُوجِهَا (بِتَرْكِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ خَارِجَةً بِلَا إذْنِهِ حَالَ كَوْنِهِ (عَالِمًا) بِخُرُوجِهَا (فِي) حَلِفِهِ (لَا خَرَجْت) مِنْ الْبَيْتِ (إلَّا بِإِذْنِي) إذْ لَيْسَ عِلْمُهُ بِخُرُوجِهَا وَتَرْكِهَا إذْنًا احْتِيَاطًا لِلْبِرِّ فَأَحْرَى إنْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ عَلِمَ، وَمَنَعَهَا فَلَمْ تُطَاوِعْهُ.
اللَّخْمِيُّ وَإِنْ قَالَ لَا خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي فَرَآهَا تَخْرُجُ فَلَمْ يَمْنَعْهَا حَنِثَ عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ.
اهـ. وَمِنْ هُنَا فَتْوَى بَعْضِ الشُّيُوخِ بِحِنْثِ مَنْ حَلَفَ عَلَى غَرِيمِهِ أَنْ لَا يُسَافِرَ إلَّا بِإِذْنِهِ فَسَافَرَ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ (لَا) يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْذَنُ لِزَوْجَتِهِ فِي خُرُوجِهَا إلَّا لِزِيَارَةِ وَالِدِيهَا مَثَلًا (إنْ أَذِنَ) الزَّوْجُ لَهَا فِي الْخُرُوجِ (لِأَمْرٍ) مُعَيَّنٍ كَزِيَارَةِ وَالِدَيْهَا (فَزَادَتْ) الزَّوْجَةُ حَالَ خُرُوجِهَا عَلَى الْأَمْرِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي أَذِنَ لَهَا فِيهِ بِأَنْ ذَهَبَتْ لِغَيْرِهِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ اقْتَصَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَا أَذِنَ لَهَا فِيهِ (بِلَا عِلْمٍ) مِنْ الزَّوْجِ حَالَ الزِّيَادَةِ أَوْ الِاقْتِصَارِ بِهَا، فَإِنْ عَلِمَهَا حَالَهَا حَنِثَ تَنْزِيلًا لِعِلْمِهِ مَنْزِلَهُ إذْنِهِ فِي الْحِنْثِ لِوُقُوعِهِ بِأَدْنَى سَبَبٍ.
وَأَمَّا عِلْمُهُ بِهَا بَعْدَ فِعْلِهَا فَلَا يُوجِبُ حِنْثَهُ فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مُتَمِّمَةً مَا قَبْلَهَا، وَعَلَى هَذَا حَمَلَهُ الشَّارِحُ وَأَحْمَدُ وَالْمَوَّاقُ وَهُوَ نَصُّهَا.
وَأَمَّا إنْ حَلَفَ لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِي وَأَذِنَ لَهَا فِي أَمْرٍ مُعَيَّنٍ وَزَادَتْ عَلَيْهِ أَوْ اقْتَصَرَتْ

وَبِعَوْدِهِ لَهَا بَعْدُ بِمِلْكٍ آخَرَ فِي لَا سَكَنْت هَذِهِ الدَّارَ أَوْ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ إنْ لَمْ يَنْوِ مَا دَامَتْ لَهُ، لَا دَارَ فُلَانٍ،

[منح الجليل]

عَلَى مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهَا فِيهِ أَوْ قَدَّمَتْهُ فَيَحْنَثُ سَوَاءٌ عَلِمَ حَالَ فِعْلِهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا يَصِحُّ إدْخَالُ هَذِهِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِتَقْيِيدِهِ الْحِنْثَ بِالْعِلْمِ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ، فَإِنْ حَلَفَ لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِي ثُمَّ قَالَ اُخْرُجِي حَيْثُ شِئْت فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِي انْحَلَّتْ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَخْرُجِي إلَى مَوْضِعٍ إلَّا بِإِذْنِي أَوْ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ إلَّا بِإِذْنِي لَمْ تَنْحَلَّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي الشَّارِحِ وَالْحَطّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَيَّدَ بِإِلَى مَوْضِعٍ أَوْ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِهِ لَهَا فِي الْخُرُوجِ إذْنًا خَاصًّا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا كَذَلِكَ الصِّيغَةُ الْأُولَى.

(وَ) حَنِثَ (بِعَوْدِهِ) أَيْ الْحَالِفِ (لِ) سُكْنَا (هَا) أَيْ الدَّارِ الَّتِي حَلَفَ لَا يَسْكُنُهَا وَصِلَةُ عَوْدِهِ (بَعْدُ) بِالضَّمِّ عِنْدَ حَذْفِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَنِيَّةُ مَعْنَاهُ أَيْ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا وَخُرُوجُهَا عَنْ مِلْكِهِ وَهِيَ (بِمِلْكِ) شَخْصٍ (آخَرَ) بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيْ غَيْرَ الْحَالِفِ (فِي) حَلِفِهِ (لَا سَكَنْت هَذِهِ الدَّارَ) وَهِيَ فِي مِلْكِهِ فَبَاعَهَا وَسَكَنَهَا فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَيَحْنَثُ إنْ لَمْ يَنْوِ مَا دَامَتْ فِي مِلْكِي قَالَهُ الْعِلْمِيُّ.
قِيلَ وَفِي ذِكْرِ الْعَوْدِ نَظَرٌ، إذْ لَا يَتَقَيَّدُ حِنْثُهُ بِتَقَدُّمِ سُكْنَاهُ ثُمَّ عَوْدِهِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْعَوْدَ بِمَعْنَى الدُّخُولِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم: 13] أَيْ لَتَدْخُلُنَّ أَيْ وَبِدُخُولِهِ عَلَى وَجْهِ السُّكْنَى.
(أَوْ) حَلِفِهِ لَا سَكَنْت (دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ) فَبَاعَهَا فُلَانٌ وَسَكَنَهَا الْحَالِفُ وَهِيَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَيَحْنَثُ (إنْ لَمْ يَنْوِ) الْحَالِفُ (مَا دَامَتْ) الدَّارُ مِلْكًا (لَهُ) أَيْ فُلَانٍ فَإِنْ كَانَ نَوَى مَا دَامَتْ لَهُ لَمْ يَحْنَثْ وَهَذَا الشَّرْطُ رَاجِعٌ لِلثَّانِيَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَيَصِحُّ رُجُوعُهُ لِلْأُولَى أَيْضًا إذَا كَانَتْ الدَّارُ مِلْكًا لِغَيْرِ الْحَالِفِ قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ هَذِهِ الدَّارُ فَكَأَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَ سُكْنَى تِلْكَ الدَّارِ فَلَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْيَمِينُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَا دَامَتْ لِفُلَانٍ، فَإِنْ كَانَتْ مِلْكًا لِلْحَالِفِ فَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْعِلْمِيِّ إنْ لَمْ يَنْوِ مَا دَامَتْ فِي مِلْكِي.
(لَا) يَحْنَثُ بِسُكْنَى الدَّارِ فِي مِلْكِ آخَرَ فِي حَلِفِهِ لَا سَكَنْت (دَارَ فُلَانٍ) مِنْ غَيْرِ

وَلَا إنْ خَرِبَتْ وَصَارَتْ طَرِيقًا إنْ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ،

[منح الجليل]

إشَارَةٍ إلَيْهَا فَبَاعَهَا فُلَانٌ وَسَكَنَهَا الْحَالِفُ فِي مِلْكِ مُشْتَرِيهَا إنْ لَمْ يَنْوِ عَيْنَهَا (وَلَا) يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ (إنْ) دَخَلَهَا بَعْدَ أَنْ (خَرِبَتْ وَصَارَتْ طَرِيقًا) الْعِلْمِيُّ وَالْبِسَاطِيُّ وَلَا يَحْنَثُ بِسُكْنَاهَا بَعْدَ خَرَابِهَا وَصَيْرُورَتِهَا طَرِيقًا فِي حَلِفِهِ لَا سَكَنْت هَذِهِ الدَّارَ، وَالْأَوَّلُ فَرْضُ الْمُدَوَّنَةِ.
أَحْمَدُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ وَصُورَةُ سُكْنَاهَا بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا طَرِيقًا بِضَرْبِ خِبَاءٍ أَوْ خُصٍّ فِيهَا، وَظَاهِرُ فَرْضِ الْمُدَوَّنَةِ الْأَوَّلُ سَوَاءٌ كَانَتْ يَمِينُهُ مِنْ أَجْلِ صَاحِبِهَا أَوْ كَرَاهَةً فِيهَا وَقَصَرَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَلَى الْأَوَّلِ، قَالَ وَإِنْ كَانَ كَرَاهَةً فِي الدَّارِ خَاصَّةً فَلَا يَمُرُّ بِهَا.
أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَفْسِيرًا.
اهـ. وَمِثْلُ صَيْرُورَتِهَا طَرِيقًا بِنَاؤُهَا مَسْجِدًا، فَإِنْ بُنِيَتْ بَيْتًا بَعْدَ خَرَابِهَا وَصَيْرُورَتِهَا طَرِيقًا حَنِثَ بِدُخُولِهَا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(إنْ لَمْ يَأْمُرْ) الْحَالِفُ (بِهِ) أَيْ التَّخْرِيبَ وَتَصْيِيرَهَا طَرِيقًا لِيَدْخُلَهَا وَلَا يَحْنَثُ، فَإِنْ أَمَرَ بِهِ حَنِثَ مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ وَإِلَّا فَاسْمُ الدَّارِ زَالَ عَنْهَا لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلسَّاحَةِ مَعَ الْبُنْيَانِ، هَذَا ظَاهِرُهُ الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِهِ عَلَى أَنَّا لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ دَخَلَهَا مُكْرَهًا بَعْدَ بِنَائِهَا فَقَالَ وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ هَذِهِ الدَّارَ فَتَهَدَّمَتْ وَخَرِبَتْ حَتَّى صَارَتْ طَرِيقًا فَدَخَلَهَا لَمْ يَحْنَثْ، فَإِنْ بُنِيَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَدْخُلُهَا وَإِنْ دَخَلَهَا مُكْرَهًا لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذَلِكَ فَيَقُولَ: احْمِلُونِي فَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ اهـ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ فَهِمَ أَنَّ مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالْهَدْمِ وَالتَّخْرِيبِ وَفِيهِ بُعْدٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ.
الْحَطّ وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الشَّيْخَ فَهِمَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَاجِعٌ لِأَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ اهـ. قُلْت: لَا يَصِحُّ أَنْ يَفْهَمَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ وَلَا يُظَنُّ بِهِ مَعَ قَوْلِهَا فَيَقُولَ احْمِلُونِي فَفُعِلَ بِهِ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ بِحَالٍ، وَلِعِلَّةٍ سَقَطَ مِنْ نُسْخَةِ

وَفِي لَا بَاعَ مِنْهُ، أَوْ لَهُ بِالْوَكِيلِ إنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ، وَإِنْ قَالَ حِينَ الْبَيْعِ أَنَا حَلَفْت فَقَالَ هُوَ لِي ثُمَّ صَحَّ أَنَّهُ ابْتَاعَ لَهُ حَنِثَ وَلَزِمَ الْبَيْعُ، وَأَجْزَأَ تَأْخِيرُ الْوَارِثِ فِي إلَّا أَنْ تُؤَخِّرَنِي،

[منح الجليل]

ابْنَ غَازِيٍّ إذْ لَمْ يَنْقُلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَ) حَنِثَ (فِي) حَلِفِهِ (لَا بَاعَ) أَيْ اشْتَرَى (مِنْهُ) أَيْ زَيْدٍ مَثَلًا (أَوْ) حَلِفِهِ لَا بَاعَ (لَهُ) أَيْ زَيْدٍ فَيَحْنَثُ (بَا) لشِّرَاءِ أَوْ الْبَيْعِ (لِوَكِيلٍ) لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (إنْ كَانَ) الْوَكِيلُ (مِنْ نَاحِيَتِهِ) أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَقَرِيبِهِ وَصَدِيقِهِ، وَظَاهِرُهُ كَالْمُدَوَّنَةِ عَلِمَ الْحَالِفُ أَنَّهُ مِنْ نَاحِيَتِهِ أَمْ لَا.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنَّمَا يَحْنَثُ إذَا عَلِمَ مِنْ نَاحِيَتِهِ، وَهَلْ هُوَ خِلَافٌ أَوْ وِفَاقٌ تَأْوِيلَانِ مَحَلُّهُمَا حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ الْحَالِفُ الْوَكَالَةَ وَإِلَّا حَنِثَ إنْ لَمْ يَقُلْ الْحَالِفَ حِين الْبَيْعِ أَنَا حَلَفْت لَا أَبِيعُ لِفُلَانٍ وَأَخَافُ أَنَّك وَكِيلُهُ إلَخْ.
بَلْ (وَإِنْ قَالَ) الْحَالِفُ (حِينَ الْبَيْعِ) لِوَكِيلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (أَنَا حَلَفْت) أَنْ لَا أَبِيعَ لِفُلَانٍ وَأَخْشَى أَنَّك وَكِيلُهُ فِي الشِّرَاءِ لَهُ (فَقَالَ) الْوَكِيلُ (هُوَ) أَيْ الشِّرَاءُ (لِي) لَا لِفُلَانٍ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (ثُمَّ صَحَّ) أَيْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةِ (أَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلُ (ابْتَاعَ) أَيْ اشْتَرَى أَوْ بَاعَ (لَهُ) أَيْ فُلَانٌ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِوَكَالَتِهِ عَنْهُ لَا بِقَوْلِ الْوَكِيلِ لِتَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ (حَنِثَ وَلَزِمَ الْبَيْعُ) الْحَالِفَ فَلَيْسَ لَهُ فَسْخُهُ مَا لَمْ يَقُلْ الْحَالِفُ إنْ ثَبَتَ شِرَاؤُك لِفُلَانٍ فَلَا بَيْعَ بَيْنِي وَبَيْنَك، فَإِنْ كَانَ قَالَهُ لَهُ وَثَبَتَ شِرَاؤُهُ لِفُلَانٍ فَلِلْبَائِعِ رَدُّ الْبَيْعِ وَلَا يَحْنَثُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَقَوْلِهِ إنْ لَمْ تَأْتِ بِالثَّمَنِ لِكَذَا فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا الَّذِي يَبْطُلُ فِيهِ الشَّرْطُ وَيَلْزَمُ الْبَيْعُ أَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَنْعَقِدْ فِي هَذِهِ ابْتِدَاءً وَانْعَقَدَ ابْتِدَاءً فِي الْآتِيَةِ (وَ) مَنْ حَلَفَ لِغَرِيمِهِ لَأَقْضِيَنَّكَ حَقَّكَ لِأَجَلِ كَذَا إلَّا أَنْ تُؤَخِّرَنِي وَمَاتَ الْمَحْلُوفُ لَهُ وَأَخَّرَ وَارِثُهُ الْحَالِفَ (أَجْزَأَ تَأْخِيرُ الْوَارِثِ) الرَّشِيدِ لِلْمَحْلُوفِ لَهُ الْحَالِفَ فَلَا يَحْنَثُ بِعَدَمِ دَفْعِ الْحَقِّ فِي الْأَجَلِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ (فِي) حَلِفِهِ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ لَأَقْضِيَنَّكَ دَيْنَك إلَى أَجَلِ كَذَا (إلَّا أَنْ

لَا فِي دُخُولِ دَارٍ وَتَأْخِيرِ وَصِيٍّ بِالنَّظَرِ وَلَا دَيْنَ، وَتَأْخِيرَ غَرِيمٍ إنْ أَحَاطَ وَأَبْرَأ

[منح الجليل]

تُؤَخِّرَنِي) فَمَاتَ الْمَحْلُوفُ لَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ وَأَخَّرَ وَارِثُهُ الْحَالِفَ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَرِثَهُ عَنْ الْمَحْلُوفِ لَهُ.
ابْنُ نَاجِي بَعْضُ شُيُوخِنَا ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤَخِّرْهُ الْوَارِثُ يَحْنَثُ وَهُوَ خِلَافُ نَقْلِ ابْنِ حَارِثٍ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ لَوْ حَلَفَ لَأَقْضِيَنَّكَ إلَى أَجَلِ كَذَا فَمَاتَ رَبُّهُ قَبْلَ الْأَجَلِ فَقَضَى وَرَثَتُهُ بَعْدَ الْأَجَلِ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَعَلَّهُ ضَعِيفٌ لِمُخَالَفَتِهِ ظَاهِرَ الْكِتَابِ.
(لَا) يُجْزِئُ إذْنُ الْوَارِثِ (فِي دُخُولِهِ دَارًا) حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا إلَّا بِإِذْنِ زَيْدٍ وَهُوَ غَيْرُ مَالِكِهَا فَمَاتَ زَيْدٌ فَلَا يَكْفِي إذْنُ وَارِثِهِ.
ابْنُ يُونُسَ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَيْسَ حَقًّا يُورَثُ، فَإِنْ دَخَلَ مُسْتَنِدًا لِإِذْنِ الْوَارِثِ حَنِثَ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ لِزَيْدٍ كَفَى إذْنُ وَارِثِهِ لِانْتِقَالِهِ بِالْإِرْثِ.
ابْنُ غَازِيٍّ أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ زَيْدٍ أَوْ لَا يَقْضِيَهُ حَقَّهُ إلَّا بِإِذْنِ مُحَمَّدٍ فَمَاتَ مُحَمَّدٌ لَمْ يُجْزِهِ إذْنُ وَارِثِهِ، إذْ لَيْسَ بِحَقٍّ يُورَثُ فَإِنْ دَخَلَ أَوْ قَضَاهُ حَنِثَ.
(وَ) أَجْزَأَ (تَأْخِيرُ) شَخْصٍ (وَصِيٍّ) عَلَى يَتِيمٍ أَوْ سَفِيهٍ أَوْ مَجْنُونٍ حَالَ كَوْنِ التَّأْخِيرِ (بِالنَّظَرِ) أَيْ الْمَصْلَحَةِ لِلْمَحْجُورِ لِكَوْنِهِ يَسِيرًا أَوْ خَوْفًا مِنْ جَحْدِ الْحَالِفِ أَوْ خِصَامِهِ وَإِنْ جُهِلَ الْحَالُ حُمِلَ عَلَى النَّظَرِ، فَإِنْ أَخَّرَ الْوَصِيُّ الْحَالِفَ بِلَا نَظَرٍ بَرَّ الْحَالِفُ أَيْضًا وَأَجْزَأَهُ.
وَإِنْ حَرُمَ عَلَى الْوَصِيِّ وَيَنْبَغِي أَخْذُ الدَّيْنِ حَالًا فَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ تَأْخِيرَ الْوَصِيِّ بِالنَّظَرِ لِجَوَازِهِ ابْتِدَاءً لَا لِإِجْزَائِهِ، فَلِذَا قِيلَ لَوْ حَذَفَهُ لَوَافَقَ النَّقْلَ.
وَقَيَّدَ إجْزَاءَ تَأْخِيرِ الْوَارِثِ وَالْوَصِيِّ بِقَوْلِهِ (وَ) الْحَالُ (لَا دَيْنَ) مُحِيطَ بِتَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ غَيْرُ مُحِيطٍ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ فَالْحَقُّ لِلْغَرِيمِ كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ (وَ) أَجْزَأَ (تَأْخِيرُ غَرِيمٍ) لِلْمَحْلُوفِ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ فِي حَيَاتِهِ (إنْ أَحَاطَ) الدَّيْنُ بِمَالِهِ (وَأَبْرَأَ) الْغَرِيمُ ذِمَّةَ الْمَدِينِ الْمَحْلُوفِ لَهُ مِنْ الْقَدْرِ الَّذِي أَخَّرَ الْحَالِفُ بِهِ حَتَّى يَكُونَ كَأَنَّهُ قَبَضَهُ مِنْ الْحَالِفِ، وَقَيَّدَهُ أَبُو عِمْرَانَ بِكَوْنِ الْحَقِّ مِنْ جِنْسِ دَيْنِ الْغَرِيمِ حَتَّى تَكُونَ حَوَالَةً جَائِزَةً وَإِلَّا فَهُوَ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ.
أَبُو الْحَسَنِ وَانْظُرْ إذَا لَمْ يَتَجَانَسْ الدَّيْنَانِ هَلْ هُوَ مِثْلُ تَأْخِيرِ الْوَصِيِّ أَوْ مِثْلُ الْقَضَاءِ

وَفِي بِرِّهِ فِي لَأَطَأَنَّهَا فَوَطِئَهَا حَائِضًا، وَفِي لَتَأْكُلَنَّهَا فَخَطِفَتْهَا هِرَّةٌ فَشَقَّ جَوْفَهَا وَأُكِلَتْ، أَوْ بَعْدَ فَسَادِهَا قَوْلَانِ، إلَّا أَنْ تَتَوَانَى،

[منح الجليل]

الْفَاسِدِ، وَمَفْهُومُ إنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ أَنَّهُ لَمْ يُحِطْ فَلَا يُجْزِئُ تَأْخِيرُ الْغَرِيمِ وَتَقَدَّمَ وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ حِينَئِذٍ تَأْخِيرُ الْوَارِثِ أَوْ الْوَصِيِّ.

(وَفِي بِرِّهِ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ الْحَالِفِ (فِي) حَلِفِهِ بِصِيغَةِ حِنْثٍ نَحْوُ (لَأَطَأَنَّهَا) أَيْ حَلِيلَتَهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ (فَوَطِئَهَا) وَطْئًا حَرَامًا لِكَوْنِهَا (حَائِضًا) مَثَلًا حَمْلًا لِلَفْظِهِ عَلَى مَعْنَاهُ لُغَةً وَعَدَمِ بِرِّهِ حَمْلًا لَهُ عَلَى مَدْلُولِهِ شَرْعًا قَوْلَانِ، فَإِنْ قَيَّدَ بِزَمَنٍ وَلَمْ يَطَأْهَا فِيهِ لِحَيْضِهَا مَثَلًا حَنِثَ، وَظَاهِرُهُ جَرَيَانُهُمَا، وَلَوْ أَخَّرَهُ حَتَّى حَصَلَ الْحَيْضُ وَكَانَتْ يَمِينُهُ غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ، وَالْقِيَاسُ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْحِنْثِ فِي هَذِهِ، فَإِنْ حَلَفَ لَا وَطِئَهَا وَوَطِئَهَا حَائِضًا حَنِثَ قَالَهُ ابْنُ حَارِثٍ.
الْمُصَنِّفُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ.
(وَفِي) بِرِّهِ فِي حَلِفِهِ لِزَوْجَتِهِ مَثَلًا عَلَى قِطْعَةِ لَحْمٍ (لَتَأْكُلَنَّهَا) أَيْ قِطْعَةَ اللَّحْمِ (فَخَطِفَتْهَا) أَيْ قِطْعَةَ اللَّحْمِ بِكَسْرِ الطَّاءِ هَذِهِ هِيَ اللُّغَةُ الْجَيِّدَةُ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ (هِرَّةٌ) وَبَلَعَتْهَا (فَشُقَّ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الْقَافِ (جَوْفُهَا) أَيْ الْهِرَّةِ عَاجِلًا وَأُخْرِجَتْ مِنْهُ الْقِطْعَةُ قَبْلَ تَحَلُّلِهَا شَيْءٌ مِنْهَا فِيهِ (وَأُكِلَتْ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْكَافِ أَيْ أَكَلَتْ الْمَرْأَةُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا الْقِطْعَةَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَحِنْثُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلَانِ إنْ تَوَانَتْ الْمَرْأَةُ فِي أَخْذِهَا مِنْهُ بِأَنْ كَانَ بَيْنَ يَمِينِهِ وَخَطْفِ الْهِرَّةِ قَدْرُ مَا تَنَاوَلُهَا الْمَرْأَةُ وَتَحُوزُهَا لِنَفْسِهَا، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ هَذَا فَهُوَ عَدَمُ التَّوَانِي، هَذَا هُوَ الَّذِي فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ وَأَرْجَحُهُمَا حِنْثُهُ، فَإِنْ لَمْ تَتَوَانَ لَمْ يَحْنَثْ اتِّفَاقًا وَلَوْ لَمْ يُشَقَّ جَوْفُ الْهِرَّةِ.
(أَوْ) لَمْ تَخْطَفْهَا الْهِرَّةُ وَأَخَّرَتْهَا حَتَّى فَسَدَتْ وَأَكَلَتْهَا (بَعْدَ فَسَادِهَا) فَهَلْ يَبَرُّ بِهِ أَمْ لَا (قَوْلَانِ) فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ، وَاسْتَثْنَى مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي الْأَخِيرَةِ فَقَطْ فَقَالَ (إلَّا أَنْ تَتَوَانَى) الْمَرْأَةُ فِي أَكْلِ اللَّحْمَةِ حَتَّى فَسَدَتْ فَيَحْنَثُ اتِّفَاقًا، وَلَا يَرْجِعُ لِلْأُولَى لِعَدَمِ

وَفِيهَا الْحِنْثُ بِأَحَدِهِمَا فِي لَا كِسْوَتِهَا وَنِيَّتُهُ الْجَمْعُ، وَاسْتُشْكِلَ.

[منح الجليل]

تَأَتِّي رُجُوعِهِ لَهَا، وَلَا لِلثَّانِيَةِ لِتَقْيِيدِ الْقَوْلَيْنِ فِيهَا بِتَوَانِيهَا.
فَإِنْ قُلْت الْفَسَادُ يَسْتَلْزِمُ التَّوَانِي فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ.
قُلْت: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ إذْ قَدْ يَفْسُدُ بِسُقُوطِ شَيْءٍ فِيهِ حِينَ حَلِفِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَانٍ أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ اسْتَثْنَى مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي الْأَخِيرَةِ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ لَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِلْأَخِيرَةِ، وَلَفْظُ التَّوْضِيحِ وَحَكَى اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ فَتَرَكَهُ حَتَّى فَسَدَ ثُمَّ أَكَلَهُ قَوْلَيْنِ.
اهـ. فَحَكَى الْقَوْلَيْنِ مَعَ التَّوَانِي لَا مَعَ عَدَمِهِ وَالصَّوَابُ رُجُوعُهُ لِمَسْأَلَةِ الْهِرَّةِ لَكِنْ لَا بِمَعْنَاهُ الْمُتَقَدِّمِ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ مَعَ عَدَمِ التَّوَانِي بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ عَدَمُ الْحِنْثِ حِينَئِذٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
كَمَا اعْتَرَضَ بِهَذَا عَلَى الْمُصَنِّفِ الشَّارِحُ وَالْحَطّ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ هُنَا التَّوَانِي فِي شَقِّ جَوْفِ الْهِرَّةِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ بِعَدَمِ الْحِنْثِ فِيهَا إذَا لَمْ تَتَوَانَ الْبَضْعَةُ فِي جَوْفِ الْهِرَّةِ حَتَّى تَحَلَّلَ بَعْضُهَا وَإِلَّا حَنِثَ عِنْدَهُ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَشَارَ بِهِ لِقَوْلِهِ فِي الْبَيَانِ وَقَدْ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهَا إنْ اُسْتُخْرِجَتْ مِنْ بَطْنِ الْهِرَّةِ صَحِيحَةً كَمَا هِيَ بِحَدَثَانِ مَا بَلَعَتْهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَحَلَّلَ فِي جَوْفِهَا شَيْءٌ مِنْهَا فَأَكَلَتْهَا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ.
اهـ. فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ الشَّارِحِ وَالْحَطّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى طَرَفَيْنِ وَوَاسِطَةٍ إنْ لَمْ تَتَوَانَ فِي أَخْذِهَا لَمْ يَحْنَثْ اتِّفَاقًا، وَإِنْ تَوَانَتْ فِي أَخْذِهَا وَتَوَانَتْ فِي شَقِّ جَوْفِ الْهِرَّةِ حَنِثَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ تَوَانَتْ فِي أَخْذِهَا وَلَمْ تَتَوَانَ فِي شَقِّ جَوْفِ الْهِرَّةِ فَالْقَوْلَانِ.
(وَفِيهَا) أَيْ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ طَلَبَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ أَنْ يَكْسُوَهَا ثَوْبَيْنِ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَكْسُوَهَا إيَّاهُمَا وَنَوَى أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَكَسَاهَا إحْدَاهُمَا (الْحِنْثُ) بِكِسْوَتِهَا (بِأَحَدِهِمَا) أَيْ الثَّوْبَيْنِ (فِي) حَلِفِهِ (لَا كَسَوْتُهَا) أَيْ الْمَرْأَةَ إيَّاهُمَا وَفِي نُسْخَةٍ لَا كَسَوْتُهُمَا بِضَمِيرِ تَثْنِيَةٍ (وَ) الْحَالُ (نِيَّتُهُ) أَيْ الْحَالِفِ (الْجَمْعُ) أَيْ لَا يَكْسُوَهَا الثَّوْبَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ وَلَا مُفْتَرِقَيْنِ.
(وَاسْتُشْكِلَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْكَافِ تَحْنِيثُهُ بِكِسْوَةِ أَحَدِهِمَا بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِنِيَّتِهِ وَقَوْلُهُمْ يَحْنَثُ بِالْبَعْضِ مَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ الْجَمِيعَ وَإِلَّا فَلَا يَحْنَثُ بِالْبَعْضِ.
وَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ

فَصْلٌ) النَّذْرُ أَيْ حَقِيقَتُهُ شَرْعًا النَّذْرُ الْتِزَامُ مُسْلِمٍ كُلِّفَ

[منح الجليل]

بِحَمْلِ ذَلِكَ عَلَى يَمِينِ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ مُعَيَّنٍ، وَعَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَرَفْعٌ، فَإِنْ اسْتَفْتَى فَيَنْبَغِي الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ حِنْثِهِ.
فَإِنْ قُلْت نِيَّتُهُ مُسَاوِيَةٌ لِظَاهِرِ لَفْظِهِ قُلْت: لَمَّا احْتَمَلَ أَنَّ الْمَعْنَى لَا كَسَوْتُهَا الثَّوْبَيْنِ مَعًا وَلَا كَسَوْتُهَا أَحَدَهُمَا كَانَتْ مُخَالِفَةً لِظَاهِرِ لَفْظِهِ، وَبَقِيَتْ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ فِي كَبِيرِ تت أَفَادَهُ عب.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا حِنْثُ مَنْ حَلَفَ لَا آكُلُ خُبْزًا وَزَيْتًا بِأَحَدِهِمَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ جَمْعَهُمَا ثُمَّ قَالَ: وَفِيهَا مَنْ حَلَفَ لَا كَسَا امْرَأَتَهُ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ وَنِيَّتُهُ لَا كَسَاهَا إيَّاهُمَا جَمِيعًا حَنِثَ بِأَحَدِهِمَا.
التُّونُسِيُّ وَاللَّخْمِيُّ وَالصَّقَلِّيُّ يُرِيدُ جَمِيعًا فِي الْكِسْوَةِ لَا الزَّمَانَ، وَحَمَلَهُ أَشْهَبُ عَلَى مَعِيَّةِ الزَّمَانِ فَلَمْ يُحَنِّثْهُ بِأَحَدِهِمَا حَتَّى يَنْوِيَ الْمَعِيَّةَ فِي الْكِسْوَةِ، وَعَزَا عَبْدُ الْحَقِّ مَا لِلتُّونُسِيِّ لِلشَّيْخِ وَزَادَ عَنْهُ فَارَقَ جَوَابَهُ فِي تَنْوِيَتِهِ فِي لَا آكُلُ خُبْزًا وَزَيْتًا لِأَنَّ الْعُرْفَ جَمَعَهُمَا بِخِلَافِ الثَّوْبَيْنِ لَيْسَ الْعُرْفُ جَمَعَهُمَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ فِي النَّذْر]

(بَابٌ) فِي النَّذْرِ (النَّذْرُ) أَيْ حَقِيقَتُهُ شَرْعًا (الْتِزَامُ) أَيْ إيجَابُ شَخْصٍ (مُسْلِمٍ) لَا كَافِرٍ وَنُدِبَ لَهُ وَفَاؤُهُ إنْ أَسْلَمَ (كُلِّفَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا لَا صَبِيٍّ، وَنُدِبَ لَهُ وَفَاؤُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَمَفْعُولُ الْمَصْدَرِ مَحْذُوفٌ أَيْ قُرْبَةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ وَعَلَى هَذَا فَهُوَ تَعْرِيفٌ لِلنَّذْرِ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ، وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيرُ الْمَفْعُولِ أَمْرًا فَيَعُمَّ الْمَنْدُوبَ وَغَيْرَهُ بِقَرِينَةِ حَذْفِهِ، وَتَعْقِيبُهُ، بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ تَعْرِيفٌ لَهُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: النَّذْرُ الْأَعَمُّ مِنْ الْجَائِزِ إيجَابُ امْرِئٍ عَلَى نَفْسِهِ لِلَّهِ تَعَالَى أَمْرًا لِحَدِيثِ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» . وَإِطْلَاقُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْمُحَرَّمِ نَذْرًا، وَأَخَصُّهُ الْمَأْمُورُ بِأَدَائِهِ الْتِزَامُ طَاعَةٍ بِنِيَّةِ قُرْبَةٍ لَا لِامْتِنَاعٍ

وَلَوْ غَضْبَانَ،

[منح الجليل]

مِنْ أَمْرٍ، فَهَذَا يَمِينٌ حَسْبَمَا مَرَّ وَقَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ.
اهـ. وَشَمِلَ الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفَ الرَّقِيقَ.
وَحَاصِلُ مَا لِابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ إذَا نَذَرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِجَسَدِهِ كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ فَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالسَّيِّدِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ تَعْجِيلِ وَفَائِهِ، وَإِنْ ضَرَّ بِهِ فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْهُ وَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ.
أَبُو عُمَرَ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُؤَقَّتِ، وَأَمَّا الْمُؤَقَّتُ فَفِي سُقُوطِهِ عَنْهُ بِخُرُوجِ وَقْتِهِ وَلُزُومِ قَضَائِهِ قَوْلَانِ وَإِنْ نَذَرَ مَالًا فَلِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْ الْوَفَاءِ بِهِ مَا دَامَ رَقِيقًا، فَإِذَا عَتَقَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ، فَإِنْ رَدَّ سَيِّدُهُ النَّذْرَ وَأَبْطَلَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ كَمَا فِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُ مَا فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ مِنْهَا.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ هُوَ مَا حَمَلَهَا عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ، وَفَرَّقَ الْقَرَوِيُّونَ بَيْنَهُمَا بِفُرُوقٍ أَحْسَنُهَا مَا لِابْنِ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ: وَالصَّوَابُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ اللُّزُومِ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا رَدًّا، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ رَدَّ سَيِّدُهُ نَذْرَهُ بَطَلَ، وَلَا يَلْزَمُ وَفَاؤُهُ إنْ عَتَقَ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ بَلْ مَنَعَهُ الْوَفَاءَ فَقَطْ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ بَعْدَ عِتْقٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَشَمِلَ أَيْضًا السَّفِيهَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فَيَلْزَمُهُ نَذْرُ غَيْرِ الْمَالِ لَا الْمَالِ، فَلَا يَلْزَمُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَعَلَى وَلِيِّهِ رَدُّهُ كُلِّهِ، وَإِنْ رَشَدَ فَلَا يَلْزَمُهُ وَيُنْدَبُ لَهُ، وَشَمِلَ أَيْضًا بَقِيَّةَ الْمَحَاجِيرِ كَمَرِيضٍ وَزَوْجَةٍ رَشِيدَةٍ، وَلَوْ بِزَائِدِ الثُّلُثِ فِيهِمَا، لَكِنْ إنْ أَجَازَهُ الزَّوْجُ وَالْوَارِثُ وَإِلَّا نَفَذَ ثُلُثُ الْمَرِيضِ، وَلِلزَّوْجِ رَدُّ الْجَمِيعِ إنْ نَذَرَتْ زَائِدًا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَرِيضَ لَا يَرُدُّ وَارِثُهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ إنْشَاءُ نَذْرٍ بِثُلُثٍ، وَالزَّوْجَةُ إنْ رَدَّ زَوْجُهَا جَمِيعَ نَذْرِهَا يُمْكِنُهَا إنْشَاءُ نَذْرٍ بِثُلُثِهَا، وَشَمِلَ السَّكْرَانَ بِحَرَامٍ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَهُ حَالَ سُكْرِهِ لَا بِحَلَالٍ فَكَالْمَجْنُونِ، وَيَلْزَمُ الْمُسْلِمَ الْمُكَلَّفَ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ غَضْبَانَ.
بَلْ (وَلَوْ) كَانَ النَّاذِرُ (غَضْبَانَ) خِلَافًا لِمَنْ قَالَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمِثْلُ نَذْرِ الْغَضْبَانِ فِي الْوُجُوبِ نَذْرُ اللَّجَاجِ وَهُوَ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ مَنْعُ النَّفْسِ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ وَمُعَاقَبَتُهَا وَإِلْزَامُهَا النَّذْرَ كَلِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا، وَكَذَا نَذْرُ كَثِيرٍ مِنْ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا

وَإِنْ قَالَ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ أَرَى خَيْرًا مِنْهُ، بِخِلَافِ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَبِمَشِيئَتِهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ

[منح الجليل]

مِمَّا يُؤَدِّي لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ، بِخِلَافِ مَا لَا يُطِيقُهُ فَإِنَّ نَذْرَهُ مَعْصِيَةٌ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَيَلْزَمُ النَّاذِرَ نَذْرُهُ.
(وَإِنْ قَالَ) الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ عَلَيَّ كَذَا (إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي) أَنْ لَا أَفْعَلَ أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَالْمَشِيئَةُ لَا تُفِيدُ فِي النَّذْرِ غَيْرِ الْمُبْهَمِ مُطْلَقًا عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِمَا فِي الْجَلَّابِ مِنْ قَوْلِهِ: تَنْفَعُهُ الْمَشِيئَةُ، وَأَمَّا الْمُبْهَمُ فَكَالْيَمِينِ فِي الْمَشِيئَةِ بِاَللَّهِ، وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ نَذْرُ كَذَا إنْ شِئْت، فَظَاهِرُ كَلَامِ تت أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ أَيْضًا، وَنَصُّهُ عَقِبَ قَوْلِهِ (أَوْ) : إلَّا أَنْ (أَرَى خَيْرًا مِنْهُ) أَيْ النَّذْرِ خِلَافًا لِلْقَاضِي إسْمَاعِيلَ فِي قَوْلِهِ: يَنْفَعُهُ كَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت اهـ. وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّهُ عَهِدَ التَّعْلِيقَ فِي الطَّلَاقِ، وَفِي بَعْضِ التَّقَارِيرِ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَشِيئَتِهِ الْبُنَانِيُّ.
وَحَاصِلُ مَا لَهُمْ فِي الطَّلَاقِ: أَنَّ التَّقْيِيدَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَنْفَعُ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ شَرْطًا، نَحْوُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ كَانَ اسْتِثْنَاءً، نَحْوُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، وَأَنَّ التَّقْيِيدَ فِيهِ بِمَشِيئَةِ الْغَيْرِ نَافِعٌ فِيهِ شَرْطًا كَانَ، نَحْوُ إنْ شَاءَ فُلَانٌ أَوْ اسْتِثْنَاءً، نَحْوُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ فُلَانٌ، وَأَنَّ التَّقْيِيدَ بِمَشِيئَةِ نَفْسِهِ غَيْرُ نَافِعٍ فِيهِ إنْ كَانَ اسْتِثْنَاءً، نَحْوُ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي وَيَنْفَعُهُ إنْ كَانَ شَرْطًا، نَحْوُ إنْ شِئْت عَلَى مَا هُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَمَا قَالَهُ الْحَطّ فِي الطَّلَاقِ، وَلَمْ أَرَ نَصًّا مُصَرِّحًا بِذَلِكَ فِي بَابِ النَّذْرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ جَمِيعَ التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الطَّلَاقِ يَجْرِي هُنَا فِي النَّذْرِ فَالْمَسْأَلَةُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى طَرَفَيْنِ وَوَاسِطَةٍ.
(بِخِلَافِ) عَلَيَّ كَذَا (إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَبِمَشِيئَتِهِ) أَيْ فُلَانٍ مِنْ أَمْضَاءٍ أَوْ رَدٍّ، فَإِنْ مَاتَ فُلَانٌ قَبْلَ أَنْ يَشَاءَ أَوْ لَمْ تُعْلَمْ مَشِيئَتُهُ بِرَدٍّ أَوْ إمْضَاءٍ فَلَا شَيْءَ عَلَى النَّاذِرِ، وَقَوْلُهُ فُلَانٌ أَيْ الْحَيُّ فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا حَالَ قَوْلِهِ لَزِمَهُ نَذْرُهُ لِتَلَاعُبِهِ إنْ كَانَ عَالِمًا بِمَوْتِهِ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ، وَعَلَى نَذْرٍ إنْ شَاءَ هَذَا الْحَجَرُ لَزِمَهُ لِهَزْلِهِ.
(وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ) أَيْ النَّذْرِ (مَا) أَيْ شَيْءٌ (نُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ طُلِبَ فِعْلُهُ

ك لِلَّهِ عَلَيَّ، أَوْ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ

[منح الجليل]

طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ.
ابْنُ عَاشِرٍ يَعْنِي مِمَّا لَا يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ إلَّا قُرْبَةً وَأَمَّا مَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ تَارَةً قُرْبَةً وَتَارَةً غَيْرَهَا فَلَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ كَنِكَاحٍ وَهِبَةٍ ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ التِّلِمْسَانِيُّ، فَشَمِلَ الرَّغِيبَةَ وَالسُّنَّةَ أَيْضًا بِدَلِيلِ التَّمْثِيلِ بِقَوْلِهِ (كَ لِلَّهِ) تَعَالَى (عَلَيَّ) ضَحِيَّةٌ أَوْ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَلَوْ لَمْ يَلْفِظْ بِالنَّذْرِ عَلَى الصَّحِيحِ (أَوْ عَلَى ضَحِيَّةٍ) بِدُونِ لِلَّهِ، وَأَظْهَرَ مِمَّا نَدَبَ قُرْبَةً، وَمِنْهَا صَوْمُ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ وَعِتْقُ رَقِيقٍ كَذَلِكَ، وَلَا يَرِدُ أَنَّ الْقُرْبَةَ تَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَهُوَ لَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ لِقَصْرِ السِّيَاقِ إيَّاهَا عَلَى مَا سِوَاهُ، إذْ فِي شُمُولِهَا إيَّاهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَلَا يَرِدُ عَلَى تَمْثِيلِهِ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ بِالذَّبْحِ فَإِنَّهُ فِي الْوُجُوبِ الَّذِي يُلْغَى الْعَيْبُ الطَّارِئُ بَعْدَهُ كَتَقْلِيدِ الْهَدْيِ وَمَا هُنَا فِيمَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَمِنْ الْمَنْدُوبِ زِيَارَةُ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ فَتَجِبُ بِالنَّذْرِ، وَإِنْ أَعْمَلَ فِيهَا الْمَطِيَّ وَحَدِيثُ لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ مَخْصُوصٌ بِالصَّلَاةِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَكَذَا خَبَرُ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى مَنْعِ الزِّيَارَةِ إذْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ الْمَسْجِدُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مَسَاجِدَ وَالْأَصْلُ فِيهِ الِاتِّصَالُ.
وَيَرِدُ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صَوْمُ رَابِعِ النَّحْرِ وَالْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ زَمَانِهِ أَوْ مَكَانِهِ إذْ هُمَا مَكْرُوهَانِ وَيَلْزَمَانِ بِنَذْرِهِمَا.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الصَّوْمَ وَالْإِحْرَامَ مَنْدُوبَانِ لِذَاتِهِمَا مَكْرُوهَانِ لِوَقْتِهِمَا فَوَجَبَا بِالنَّذْرِ بِاعْتِبَارِ نَدْبِهِمَا لِذَاتِهِمَا، وَأُلْغِيَتْ كَرَاهَتُهُمَا لِوَقْتِهِمَا احْتِيَاطًا لِلنَّذْرِ، وَاحْتُرِزَ بِمَا نُدِبَ عَنْ الْوَاجِبِ فَلَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ حَاصِلٍ، وَعَنْ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْهَا بِالنَّذْرِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَيَحْرُمُ نَذْرُ الْمُحَرَّمِ وَفِي كَوْنِ نَذْرِ الْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ كَذَلِكَ أَوْ مِثْلُهُمَا قَوْلُهُ الْأَكْثَرُ مَعَ ظَاهِرِ الْمُوَطَّأِ وَالْمُقَدِّمَاتِ اهـ. وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّحْرِيمِ قَلْبُ الْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ.
أَفَادَهُ عب.
طفى أَتَى بِكَافِ التَّمْثِيلِ إشَارَةً إلَى عَدَمِ انْحِصَارِ صِيغَتِهِ فِي لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ عَلَيَّ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَيَلْزَمُ بِكُلِّ لَفْظٍ دَالٍّ عَلَى الِالْتِزَامِ فَفِيهَا إنْ قَالَ: دَارِي أَوَعَبْدِي أَوْ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ مِمَّا لَا يُهْدَى هَدْيٌ أَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ وَحَنِثَ فَلْيَبِعْهُ وَيَبْعَثْ ثَمَنَهُ اهـ. وَقَالَ الْبَاجِيَّ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ قَدِمَ غَائِبِي أَوْ نَجَّانِي مِنْ كَذَا

وَنُدِبَ الْمُطْلَقُ

وَكُرِهَ الْمُكَرَّرُ وَفِي كُرْهِ الْمُعَلَّقِ تَرَدُّدٌ

[منح الجليل]

فَأَصُومُ يَوْمَيْنِ أَوْ أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَتَصَدَّقُ بِكَذَا.
اهـ. وَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَعَجَّلَ الْإِحْرَامَ فِي أَنَا مُحْرِمٌ إلَخْ، وَقَوْلُهُ فِي بِمَالِي فِي كَسَبِيلِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ آخِرَ الْهِبَةِ، وَإِنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَنَبَّهْت عَلَى هَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرٌ الْآنَ بَعْضُ النَّاسِ تَوَهَّمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِاَللَّهِ عَلَيَّ أَوْ عَلَيَّ اغْتِرَارًا بِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَبِقَوْلِ الشَّارِحِينَ وَأَشَارَ لِصِيغَتِهِ وَهُوَ خَطَأٌ صُرَاحٌ وَنُصُوصُ الْمَالِكِيَّةِ مُتَضَافِرَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ صِيغَةٌ مَخْصُوصَةٌ حَتَّى اخْتَلَفُوا فِي لُزُومِهِ بِالنِّيَّةِ.

(وَنُدِبَ) النَّذْرُ (الْمُطْلَقُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ أَيْ غَيْرُ الْمُكَرَّرِ وَالْمُعَلَّقِ بِدَلِيلِ مَا يَلِيهِ بِأَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا حَصَلَ، كَمَنْ نَجَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كُرْبَةٍ أَوْ شَفَى مَرِيضَهُ أَوْ رَزَقَهُ عِلْمًا أَوْ مَالًا أَوْ زَوْجَةً صَالِحَةً أَوْ وَلَدًا صَالِحًا فَنَذَرَ صَوْمًا أَوْ صَدَقَةً أَوْ حَجًّا أَوْ عِتْقًا، وَأَمَّا مَا لَيْسَ شُكْرًا عَلَى شَيْءٍ حَصَلَ فَيُبَاحُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ، وَالْتِزَامُهُ بِدُونِ تَعْلِيقٍ، كَذَا فِي الْحَطّ وعب، وَاَلَّذِي فِي الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءٌ.

(وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ النَّذْرُ (الْمُكَرَّرُ) مُتَعَلِّقَةٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَاللَّامِ كَنَذْرِ صَوْمِ كُلِّ خَمِيسٍ لِنَفْلِ الْوَفَاءِ بِهِ فَيُؤَدِّيهِ مُتَكَرِّهًا وَلِخَوْفِ تَفْرِيطِهِ فِي وَفَائِهِ فَيَأْثَمُ (وَفِي كُرْهِ) بِضَمِّ الْكَافِ أَيْ كَرَاهَةِ النَّذْرِ (الْمُعَلَّقِ) بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى شَيْءٍ مَحْبُوبٍ آتٍ لَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهِ مَدْخَلٌ كَإِنْ شَفَى اللَّهُ تَعَالَى مَرِيضِي أَوْ رَزَقَنِي كَذَا أَوْ نَجَّانِي مِنْ كَذَا، فَعَلَيَّ الصَّدَقَةُ بِدِينَارٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ شَائِبَةَ الْمُعَاوَضَةِ وَلِتَوَهُّمِ أَنَّهُ يَجْلِبُ الْخَيْرَ وَيَرُدُّ الشَّرَّ، وَلِذَا «نَهَى رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ وَقَالَ: إنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ» كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَفِيهِمَا أَيْضًا «أَنَّ النَّذْرَ لَا يُقَرِّبُ مِنْ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَكِنَّ النَّذْرَ يُوَافِقُ الْقَدَرَ فَيُخْرَجُ بِذَلِكَ مِنْ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنْ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُ» . اهـ. وَإِبَاحَتُهُ (تَرَدُّدٌ) الْكَرَاهَةُ لِلْبَاجِيِّ وَابْنِ شَاسٍ، وَالْإِبَاحَةُ لِابْنِ رُشْدٍ وَأَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ، وَمَحَلُّهُ كَمَا لِابْنِ رُشْدٍ حَيْثُ عَلَّقَهُ عَلَى مَحْبُوبٍ آتٍ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ كَإِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ

وَلَزِمَ الْبَدَنَةُ بِنَذْرِهَا فَإِنْ عَجَزَ فَبَقَرَةٌ ثُمَّ سَبْعُ شِيَاهٍ لَا غَيْرُ

[منح الجليل]

نَجَّانِي مِنْ كَذَا أَمَّا مَا كَانَ مِنْ فِعْلِهِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ كَذَا، فَقَدْ وَافَقَ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى كَرَاهَتِهِ؛ لِأَنَّهَا وَهِيَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَاتِهِ مَكْرُوهَةٌ مَا لَمْ يَكُنْ نَذْرًا مُبْهَمًا فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ وَالْيَمِينَ بِاَللَّهِ سَوَاءٌ، لَا يُقَالُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي النَّذْرِ لَا فِي الْيَمِينِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا لَمْ يُخْرِجْهَا الْمُصَنِّفُ مِنْ تَعْرِيفِ النَّذْرِ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَرَفَةَ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا عِنْدَهُ نَذْرٌ اُنْظُرْ طفى.
عب مَحَلُّهُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ نَفْعَهُ وَإِلَّا حَرُمَ قَطْعًا، وَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ إنْ وَقَعَ كَالْمُكَرَّرِ وَيَقْضِي بِهِ إنْ كَانَ عِتْقُ مُعَيَّنٍ أَوْ صَدَقَةٌ لِمُعَيَّنٍ وَإِلَّا فَلَا، وَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْعِتْقِ، وَوَجَبَ بِالنَّذْرِ وَلَمْ يُقْضَ إلَّا بَيْتٌ مُعَيَّنٌ، وَفِي الْهِبَةِ وَإِنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهَا وَلَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ وَالتَّرَدُّدُ فِي الْمُعَلَّقِ عَلَى غَيْرِ الْمُحَرَّمِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ فَفِي التَّلْقِينِ أَنَّهُ لَازِمٌ إنْ وُجِدَ كَإِنْ زَنَيْت أَوْ إنْ لَمْ أَزْنِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَدَقَةٌ بِدِينَارٍ.

(وَلَزِمَ الْبَدَنَةُ) أَيْ الْوَاحِدَةُ مِنْ الْإِبِلِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى لِإِطْلَاقِهَا عَلَيْهِمَا فَتَاؤُهَا لِلْوَحْدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ (بِنَذْرِهَا) بِلَفْظِ بَدَنَةٍ، فَإِنْ نَذَرَهَا بِلَفْظِ هَدْيٍ فَإِنْ نَوَى نَوْعًا لَزِمَهُ وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ الْبَدَنَةُ.
(فَإِنْ عَجَزَ) عَنْهَا (فَبَقَرَةٌ ثُمَّ) إذَا عَجَزَ عَنْ الْبَقَرَةِ لَزِمَهُ (سَبْعُ شِيَاهٍ) وَيُشْتَرَطُ فِي الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ وَالشِّيَاهِ سِنُّ الضَّحِيَّةِ وَسَلَامَتُهَا إنْ لَمْ يُعَيِّنْ حِينَ نَذْرِهِ صَغِيرَةً أَوْ مَعِيبَةً (لَا غَيْرُ) بِالضَّمِّ عِنْدَ حَذْفِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَنِيَّةِ مَعْنَاهُ يُحْتَمَلُ لَا غَيْرُ السَّبْعِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا وَيُحْتَمَلُ لَا غَيْرُ السَّبْعِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْهَا مِنْ أَقَلَّ مِنْهَا أَوْ مِنْ صِيَامٍ أَوْ إطْعَامٍ فَيَصِيرُ إلَى وُجُودِ الْأَصْلِ أَوْ بَدَلِهِ أَوْ بَدَلِ بَدَلِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَهُمَا وَإِنْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ السَّبْعِ أَخْرَجَهُ ثُمَّ كَمَّلَهَا مَتَى أَيْسَرَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا كُلِّهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
اهـ. عب.
الْبُنَانِيُّ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلَا أَعْرِفُ فِي هَذَا صَوْمًا إلَّا أَنْ يُحِبَّ الصَّوْمَ فَلْيَصُمْ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ أَيْسَرَ يَوْمًا مَا كَانَ عَلَيْهِ مَا نَذَرَهُ.
اهـ. وَلِذَا قَالَ الْمَوَّاقُ لَوْ زَادَ الْمُصَنِّفُ وَصَامَ

وَصِيَامٌ بِثَغْرٍ

وَثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ

[منح الجليل]

إنْ أَحَبَّ لِتَنْزِلَ عَلَى مَا فِيهَا، وَقَوْلُهُ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ السَّبْعِ أَخْرَجَهُ يُعَارِضُ مَا ذَكَرَهُ فِي الِاحْتِمَالِ الثَّانِي، وَجَعَلَهُمَا الْخَرَشِيُّ مُتَقَابِلَيْنِ فَنُسِبَ الْأَوَّلُ لِظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ وَالْمَوَّاقِ، وَنَقَلَ الثَّانِي عَنْ بَعْضٍ.
وَيُجَابُ عَنْ " ز " بِأَنَّ مُرَادَهُ فِي الِاحْتِمَالِ الثَّانِي مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَقَلِّ فَلَا يُنَافِي دَفْعَ الْأَقَلِّ مَعَ التَّكْمِيلِ إنْ أَيْسَرَ.

(وَ) لَزِمَ (صِيَامُ) نَذْرٍ فَعَلَهُ (بِثَغْرٍ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ بَلَدِ إسْلَامٍ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ يُخْشَى هُجُومُ الْعَدُوِّ مِنْهُ كَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَدِمْيَاطَ، وَلَوْ كَانَ النَّاذِرُ بِمَوْضِعٍ أَفْضَلَ مِنْهُ كَمَكَّةَ كَمَا فِيهَا، وَمِثْلُ الصَّوْمِ الصَّلَاةُ كَمَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَأَبِي الْحَسَنِ عَلَى الرِّسَالَةِ.
وَقَالَ تت لَا يَلْزَمُ الْإِتْيَانُ لِلصَّلَاةِ مِنْ مَكَّةَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا لِابْنِ عَرَفَةَ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ كَمَكَّةَ قَالَهُ عج.
الْبُنَانِيُّ حَاصِلُ مَا حَقَّقَهُ طفى أَنَّ مَنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ بِثَغْرٍ فَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً وَيَعُودُ مِنْ فَوْرِهِ فَلْيُصَلِّهَا بِمَوْضِعِهِ، وَلَا يَأْتِيهِ نَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ فِي الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ.
طفي.
وَالظَّاهِرُ أَنْ لَا خُصُوصِيَّةَ لَهُمَا بِهَذَا فَغَيْرُهُمَا كَذَلِكَ وَإِنْ نَذَرَ صَلَوَاتٍ تُمْكِنُ الْحِرَاسَةُ مَعَهَا لَزِمَهُ إتْيَانُهُ، وَيَدُلُّ لِمَا قُلْنَاهُ قَوْلُ الْجَوَاهِرِ وَلَوْ ذَكَرَ مَوْضِعًا غَيْرَ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ عِبَادَةٌ تُخَصِّصُهُ لَزِمَهُ إتْيَانُهُ وَلَوْ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَرِبَاطِ وَجِهَادٍ نَاجِزٍ.
اهـ. وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ مَا نَسَبَهُ لِابْنِ عَرَفَةَ وَالشَّاذِلِيِّ.

(وَ) لَزِمَ الْحَالِفَ بِمَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى إنْ فَعَلْت كَذَا أَوْ لَأَفْعَلَنَّهُ وَحَنِثَ فَيَلْزَمُهُ (ثُلُثُهُ) أَيْ الْمَالِ مِنْ عَيْنٍ وَعَدَدَيْنِ أَوْ قِيمَتُهُ وَعَرَضٌ وَقِيمَةُ كِتَابَةِ مُكَاتَبٍ، فَإِنْ عَجَزَ وَزَادَتْ قِيمَةُ رَقَبَتِهِ عَنْ قِيمَةِ كِتَابَتِهِ أَخْرَجَ ثُلُثَهَا وَأُجْرَةَ خِدْمَةِ مُدَبَّرٍ وَمُعْتَقٍ لِأَجَلٍ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي أُمِّ وَلَدِهِ، وَالْمُعْتَبَرُ مَالُهُ الْمَوْجُودُ (حِينَ يَمِينِهِ) لَا مَا زَادَ بَعْدَهَا بِهِبَةٍ أَوْ نَمَاءٍ أَوْ وِلَادَةٍ خِلَافًا لِقَوْمٍ، فَلَوْ حَلَفَ، وَمَالُهُ أَلْفٌ وَحَنِثَ وَهُوَ أَلْفَانِ لَزِمَهُ ثُلُثُ الْأَلْفِ، وَبِالْعَكْسِ ثُلُثُ الْأَلْفِ رِفْقًا بِهِ، وَأَفَادَ هَذَا بِقَوْلِهِ (إلَّا أَنْ يَنْقُصَ) قَدْرُ الْمَالِ يَوْمَ حِنْثِهِ عَنْ قَدْرِهِ يَوْمَ يَمِينِهِ (فَ) يَلْزَمُهُ ثُلُثُ (مَا بَقِيَ) بَعْدَ إخْرَاجِ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ

بِمَالِي فِي كَسَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ الْجِهَادُ، وَالرِّبَاطُ بِمَحَلٍّ خِيفَ

[منح الجليل]

وَلَوْ مُؤَجَّلًا أَوْ مَهْرَ زَوْجَتِهِ (بِ) قَوْلِهِ (مَالِي فِي كَسَبِيلِ اللَّه) أَوْ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ أَوْ هَدْيٌ لِلْكَعْبَةِ مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ قُرْبَةٌ غَيْرُ يَمِينٍ، أَوْ كَانَ يَمِينًا كَمَالِي صَدَقَةٌ لِلْفُقَرَاءِ إنْ فَعَلْت كَذَا، وَإِنْ لَمْ أَفْعَلْهُ وَحَنِثَ.
وَالْمَشْهُورُ فِيمَا نَقَصَ قَبْلَ الْحِنْثِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ، وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا فِي الْبِرِّ وَالْحِنْثِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهَا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصُّهُ: وَأَمَّا إنْ نَقَصَ أَيْ قَبْلَ الْحِنْثِ، فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى بِرٍّ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا ثُلُثُ مَا بَقِيَ اتِّفَاقًا، وَكَذَا إنْ كَانَتْ عَلَى حِنْثٍ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَلْزَمُهُ إنْ كَانَ مِنْ سَبَبِهِ.
اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ مَا تَلِفَ بَعْدَ حِنْثِهِ دُونَ تَفْرِيطٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ اتِّفَاقًا، وَبِتَفْرِيطٍ فِي كَوْنِهِ كَذَلِكَ وَلُزُومُ ثُلُثِهِ قَوْلَ هِبَاتِهَا مَعَ الْوَاضِحَةِ وَأَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَبْسُوطَةِ، وَعَنْ دَلِيلِ مَا لَهُ فِيهَا.
ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ مُقْتَضَى النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ كَالزَّكَاةِ يُفَرِّطُ فِيهَا.
قُلْت عَزَاهُ وَقِيَاسُهُ عَلَى الزَّكَاةِ.
الْبَاجِيَّ لِسَحْنُونٍ وَمَا أَنْفَقَهُ بَعْدَ حِنْثِهِ فِي لَغْوِهِ وَلُزُومِ ثُلُثِهِ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ سَمَاعِ يَحْيَى بْنِ الْقَاسِمِ، وَنَقَلَهُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
اهـ. وَنَصُّهَا فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ وَإِنْ لَمْ يُخْرَجْ ثُلُثَ مَالِهِ حَتَّى ضَاعَ مَالُهُ كُلُّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَرَّطَ أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ ذَلِكَ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ فَلَمْ يُخْرَجْ ثُلُثَهُ حَتَّى تَلِفَ جُلُّ مَالِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا إخْرَاجُ ثُلُثِ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ.
طفى ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِمْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْيَمِينِ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ثُلُثُ مَا أَنْفَقَهُ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ حِينَ يَمِينِهِ فَرْضُ مَسْأَلَةٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَحْمَدُ وَتَبِعَهُ عج، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَهُوَ) أَيْ سَبِيلُ اللَّهِ (الْجِهَادُ) فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُعْطَى لِمَنْ فِي مَوْضِعِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ لَا يُعْطَى مِنْهُ مُقْعَدٌ، وَلَا أَعْمَى، وَلَا امْرَأَةٌ، وَلَا صَبِيٌّ وَلَوْ قَاتَلَ، وَلَا مَرِيضٌ مَيْئُوسٌ مِنْهُ، وَلَا مَفْلُوجٌ وَشِبْهُهُ، وَلَا أَقْطَعُ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ أَوْ الْيَدِ الْيُسْرَى.
اهـ (وَالرِّبَاطُ) أَيْ الْحِرَاسَةُ (بِمَحَلٍّ خِيفَ) هُجُومُ الْعَدُوِّ مِنْهُ كَجُدَّةِ بِضَمِّ الْجِيمِ.
الْبُنَانِيُّ فِي التَّمْثِيلِ بِهَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِرِبَاطٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ إذَا ارْتَفَعَ الْخَوْفُ عَنْ الثَّغْرِ لِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ بِهِ أَوْ بُعْدِهِ عَنْ الْعَدُوِّ وَزَالَ حُكْمُ

وَأُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ إلَّا لِمُتَصَدِّقٍ بِهِ عَلَى مُعَيَّنٍ فَالْجَمِيعُ،

[منح الجليل]

الرِّبَاطِ عَنْهُ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ جَعَلَ شَيْئًا فِي السَّبِيلِ لَا يَجْعَلُهُ فِي جُدَّةَ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ الَّذِي كَانَ بِهَا قَدْ ذَهَبَ.
اهـ. وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَنَقَلَهُ الْحَطّ وَالْمَوَّاقُ.
قُلْتُ قَدْ عَادَ الْخَوْفُ الْآنَ أَشَدَّ مِمَّا كَانَ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُقَامَ بِمَحَلٍّ خِيفَ رِبَاطٌ وَإِنْ كَانَ بِالْأَهْلِ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْبَاجِيَّ.
وَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَيْسَ بِرِبَاطٍ.
(وَأَنْفَقَ) مُخْرِجٌ ثُلُثَ مَالِهِ فِي كَسَبِيلِ اللَّهِ (عَلَيْهِ) أَيْ الثُّلُثَ الَّذِي لَزِمَهُ بِقَوْلِهِ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ الثُّلُثَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ لَهُ لَا مِنْهُ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ ثُلُثُ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْهُ اتِّفَاقًا.
وَفَرَّقَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مَالِي إخْرَاجُ جَمِيعِهِ فَلَمَّا خُفِّفَ عَنْهُ بِالثُّلُثِ وَجَبَ إخْرَاجُ جَمِيعِ الثُّلُثِ بِخِلَافِ ثُلُثِ مَالِي.
وَاسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ أَحْوَالِ لُزُومِ الثُّلُثِ بِمَالِي فِي كَسَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ (إلَّا لِتَصَدُّقٍ بِهِ) أَيْ مَالِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ (عَلَى مُعَيَّنٍ) بِشَخْصِهِ كَزَيْدٍ أَوْ وَصْفِهِ كَبَنِي زَيْدٍ (فَ) يَلْزَمُهُ (الْجَمِيعُ) حِينَ حَلَفَ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَالْبَاقِي وَيَتْرُكُ مَا يُتْرَكُ لِمُفْلِسٍ.
ابْنُ غَازِيٍّ الضَّمِيرُ فِي بِهِ رَاجِعٌ لِلْمَالِ، وَهَذَا الْفَرْعُ فِي النَّوَادِرِ وَالنُّكَتِ، وَلَهُمَا عَزَاهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَتَبِعَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَتَصَدُّقٍ بِهِ بِالْكَافِ فَيَدْخُلَ تَحْتَهَا مَنْ نَذَرَ صَدَقَةَ مَالِهِ فَظَنَّ لُزُومَ جَمِيعِهِ فَأَخْرَجَهُ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِي ثُلُثَيْهِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ بِيَدِ غَيْرِهِ فَهُوَ شَبِيهُ التَّصَدُّقِ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَهَذَا الْفَرْعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا فِي مَشَاهِيرِ الْكُتُبِ فَعَلَيْهِ حَمَلَ ابْنُ رَاشِدٍ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَلَوْ أَخْرَجَهُ فَفِي مُضِيِّهِ قَوْلَانِ، وَعَضَّدَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّهُ الْمَأْخُوذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ.
اهـ. وَلَفْظُ ابْنِ بَشِيرٍ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِيمَنْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ هَلْ يَمْضِي فِعْلُهُ أَمْ لَا، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ إذَا أَخْرَجَ جَمِيعَهُ هَلْ يَمْضِي فِعْلُهُ أَمْ لَا، وَحَمَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى الصَّدَقَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ النَّذْرِ وَالْيَمِينِ، وَبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَيْسَ هَذَا شِبْهَ الْمُعَيَّنِ فِي الصُّورَةِ فَلَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ الْكَافِ.

وَكَرَّرَ إنْ أَخْرَجَ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ

{} وَمَا سَمَّى وَإِنْ مُعَيَّنًا أَتَى عَلَى الْجَمِيعِ

وَبَعْثُ فَرَسٍ وَسِلَاحٍ لِمَحَلِّهِ إنْ وَصَلَ وَإِنْ

[منح الجليل]

(وَكَرَّرَ) نَاذِرٌ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ أَوْ ثُلُثِهِ أَوْ الْحَالِفُ بِذَلِكَ إخْرَاجَ الثُّلُثِ لِكُلِّ يَمِينٍ فَيُخْرِجُ ثُلُثَهُ لِلْيَمِينِ الْأُولَى ثُمَّ ثُلُثَ الْبَاقِي لِلثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا هَذَا (إنْ) كَانَ (أَخْرَجَ) الثُّلُثَ الْأَوَّلَ لِلْيَمِينِ الْأُولَى بَعْدَ لُزُومِهِ وَقَبْلَ إنْشَاءِ الثَّانِي، وَقَوْلُنَا بَعْدَ لُزُومِهِ أَيْ نَذْرًا أَوْ يَمِينًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّذْرَ يَلْزَمُ بِلَفْظِهِ وَالْيَمِينَ بِالْحِنْثِ فِيهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ الْأَوَّلَ حَتَّى أَنْشَأَ الثَّانِيَ نَذْرًا أَوْ يَمِينًا، وَفِيهَا صُورَتَانِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُخْرِجَ بَعْدَ إنْشَائِهَا وَقَبْلَ الْحِنْثِ فِيهَا أَوْ بَعْدَهُ (فَقَوْلَانِ) فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثَةِ بِالتَّكْرَارِ وَالِاكْتِفَاءِ بِثُلُثٍ وَاحِدٍ لِجَمِيعِ الْأَيْمَانِ الْمُنْعَقِدَةِ، نَقَلَهُمَا ابْنُ رُشْدٍ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى بْنِ الْقَاسِمِ، وَسَمَاعُ أَبِي زَيْدٍ مُحْتَمَلًا كَوْنُهُ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ ابْنِ كِنَانَةَ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.

(وَ) لَزِمَ النَّاذِرَ (مَا سَمَّى) بِشَدِّ الْمِيمِ مِنْ مَالِهِ إذَا كَانَ شَائِعًا كَرُبُعِهِ وَتِسْعَةِ أَعْشَارِهِ بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الْمُسَمَّى (مُعَيَّنًا) بِفَتْحِ الْيَاءِ كَعَبْدِي أَوْ دَارِي سَوَاءٌ أَبْقَى لِنَفْسِهِ شَيْئًا أَوْ (أَتَى) ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ (عَلَى الْجَمِيعِ) الْبُنَانِيُّ: الْمُرَادُ بِالْعَيْنِ فِي كَلَامِهِ مُقَابِلُ الْجُزْءِ الشَّائِعِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ ابْنِ غَازِيٍّ، فَقَوْلُهُ وَمَا سَمَّى يَشْمَلُ ثَلَاثَ صُوَرٍ: الْجُزْءُ الشَّائِعُ كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ، وَالْعَدَدُ كَمِائَةٍ وَأَلْفٍ، وَالْمُعَيَّنُ بِالذَّاتِ كَالْعَبْدِ وَالثَّوْبِ، وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ يُمْكِنُ إتْيَانُهُمَا عَلَى الْجَمِيعِ، فَلِذَا بَالَغَ عَلَيْهِمَا.
وَتَقْرِيرُ مَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ وَمَا سَمَّى غَيْرَ مُعَيَّنٍ أَوْ مُعَيَّنًا لَمْ يَأْتِ عَلَى الْجَمِيعِ، بَلْ وَإِنْ مُعَيَّنًا أَتَى عَلَى الْجَمِيعِ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ غَازِيٍّ وَجَعَلَ الْمُعَيَّنَ غَايَةً؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إتْيَانُهُ عَلَى الْجَمِيعِ، فَالْجُزْءُ وَلَوْ كَثُرَ أَحْرَى كَتِسْعَةِ أَعْشَارٍ وَيُتْرَكُ لَهُ فِي هَذَا، وَفِي قَوْلِهِ قَبْلُ فَالْجَمِيعُ قَدْرُ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ وَمَا يَصْرِفُهُ فِي حَجِّ فَرْضٍ بِلَا سَرَفٍ، وَكَفَّارَةٍ وَزَكَاةٍ وَنَذْرٍ سَابِقٍ وَمَا يُتْرَكُ لِلْمُفْلِسِ.

(وَ) لَزِمَ (بَعْثُ فَرَسٍ وَسِلَاحٍ) نَذَرَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ حَلَفَ بِهِمَا فَحَنِثَ (لِمَحَلِّهِ) أَيْ الْجِهَادِ وَلَيْسَ لَهُ إبْقَاؤُهُ لِنَفْسِهِ وَإِخْرَاجُ قِيمَتِهِ (إنْ وَصَلَ) أَيْ أَمْكَنَ وُصُولُهُ (وَإِنْ

لَمْ يَصِلْ بِيعَ وَعُوِّضَ كَهَدْيٍ وَلَوْ مَعِيبًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَهُ فِيهِ إذَا بِيعَ الْإِبْدَالُ بِالْأَفْضَلِ، وَإِنْ كَانَ كَثَوْبٍ بِيعَ، وَكُرِهَ بَعْثُهُ وَأُهْدِيَ بِهِ

[منح الجليل]

لَمْ يَصِلْ) أَيْ لَمْ يُمْكِنْ وُصُولُهُ لِعَارِضٍ أَوْ عَدَمِ مُوَصِّلٍ (بِيعَ وَعُوِّضَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا بِثَمَنِهِ فِي مَحَلِّهِ أَوْ قُرْبِهِ مِنْ نَوْعِهِ مِنْ كُرَاعٍ وَهُوَ الْخَيْلُ أَوْ سِلَاحٍ مِمَّا فِيهِ إنْكَاءٌ لِلْعَدُوِّ فَإِنْ جُعِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَيْسَ بِفَرَسٍ وَآلَةِ حَرْبٍ كَعَبْدٍ وَثَوْبٍ بِيعَ، وَدُفِعَ ثَمَنُهُ لِمَنْ يَغْزُو بِهِ وَشَبَّهَ فِي الْبَعْثِ إنْ وَصَلَ وَالْبَيْعِ وَالتَّعْوِيضِ إنْ لَمْ يَصِلْ فَقَالَ (كَهَدْيٍ) كَقَوْلِهِ هَذِهِ الْبَدَنَةُ هَدْيٌ لِمَكَّةَ فَيَلْزَمُهُ بَعْثُهَا لِمِنًى أَوْ مَكَّةَ إنْ كَانَتْ تَصِلُ وَإِلَّا بِيعَتْ وَأُرْسِلَ ثَمَنُهَا إلَى مِنًى أَوْ مَكَّةَ يُشْتَرَى بِهِ فِيهَا بَدَنَةٌ أَوْ بَدَلُهَا، وَيُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَيَلْزَمُ بَعْثُ الْهَدْيِ الْمُعَيَّنِ إنْ كَانَ سَلِيمًا.
بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (مَعِيبًا) عَيْبًا مَانِعًا مِنْ الْإِجْزَاءِ كَعَلَيَّ هَدْيُ هَذِهِ الْبَدَنَةِ وَهِيَ عَوْرَاءُ أَوْ عَرْجَاءُ أَوْ نَحْوُهُمَا مِمَّا لَا يُهْدَى؛ لِأَنَّ السَّلَامَةَ إنَّمَا تُطْلَبُ فِي الْوَاجِبِ الْمُطْلَقِ، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ بِيعَ وَعُوِّضَ سَلِيمًا (عَلَى الْأَصَحِّ) وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ.
الْحَطّ اُنْظُرْ مَنْ صَحَّحَهُ، وَأَشَارَ بِ وَلَوْ لِقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ يُبَاعُ الْمُعَيَّنُ الْمَعِيبُ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ سَلِيمٌ، وَاتَّفَقَا عَلَى لُزُومِ سَلِيمٍ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ كَعَلَيَّ هَدْيٌ أَعْوَرُ (وَلَهُ) أَيْ النَّاذِرِ (فِيهِ) أَيْ الْهَدْيُ سَلِيمًا أَوْ مَعِيبًا (إذَا بِيعَ) لِتَعَذُّرِ وُصُولِهِ (الْإِبْدَالُ) بِالنَّوْعِ (الْأَفْضَلِ) كَإِبْدَالِ كَبْشٍ بِبَقَرَةٍ أَوْ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ بِبَدَنَةٍ فَلَا يُنَافِي وُجُوبَ إبْدَالِ الْمَعِيبِ بِسَلِيمٍ (وَإِنْ كَانَ) الْمَنْذُورُ هَدْيُهُ مُعَيَّنًا مِنْ جِنْسِ مَا لَا يُهْدَى (كَثَوْبٍ) وَعَبْدٍ وَفَرَسٍ وَسِلَاحٍ (بِيعَ) وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهِ هَدْيٌ.
(وَكُرِهَ بَعْثُهُ) إمَّا لِإِيهَامِ تَغْيِيرِ سُنَّةِ الْهَدْيِ؛ لِأَنَّهُ مَحْصُورٌ فِي النَّعَمِ فَبَعْثُ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ يُوهِمُ بُطْلَانَ هَذَا الْحَصْرِ أَوْ أَنَّ ذَلِكَ فِي سِلْعَةٍ تُسَاوِي فِي مَوْضِعِهَا أَكْثَرَ مِمَّا تُسَاوِي بِمَكَّةَ (وَأُهْدِيَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الدَّالِ لِيَشْمَلَ فِعْلَ رَبِّ نَحْوِ الثَّوْبِ وَنَائِبِهِ، وَيَرْجِعَ لِلصُّورَتَيْنِ

وَهَلْ اُخْتُلِفَ هَلْ يُقَوِّمُهُ أَوْ لَا أَوْ لَا نَدْبًا، أَوْ التَّقْوِيمُ إذَا كَانَ بِيَمِينٍ؟ تَأْوِيلَاتٌ،

[منح الجليل]

قَبْلَهُ أَيْ قَوْلِهِ بِيعَ، وَقَوْلِهِ وَكُرِهَ بَعْثُهُ أَيْ فَإِنْ بَعَثَهُ بِيعَ وَأُهْدِيَ بِهِ، هَذَا ظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ هُنَا وَظَاهِرُ مَا فِي كِتَابِ حَجِّهَا وَمَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ نُذُورِهَا: جَوَازُ تَقْوِيمِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَإِخْرَاجِ قِيمَتِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْعُتْبِيَّةِ.
وَإِلَى كَوْنِ مَا فِي حَجِّهَا مَعَ السَّمَاعِ، وَمَا فِيهَا هُنَا مُتَخَالَفَيْنِ أَوْ مُتَوَافِقَيْنِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَهَلْ اُخْتُلِفَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَيْ حُمِلَ مَا فِيهِمَا عَلَى الْخِلَافِ، وَكَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ وَفِي أَيِّ شَيْءٍ اُخْتُلِفَ؟ فَقَالَ (هَلْ يُقَوِّمُهُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مُثَقَّلَةً أَيْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَوِّمَ مَا أُمِرَ بِبَيْعِهِ وَبَعْثِ ثَمَنِهِ لِيُهْدَى بِهِ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَوْضِعٍ وَالْعُتْبِيَّةِ وَيَبْعَثُ قِيمَتَهُ لِيُهْدِيَ بِهَا (أَوْ لَا) يُقَوِّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَلْزَمَهُ بَيْعُهُ وَبَعْثُ ثَمَنِهِ كَمَا فِيهَا هُنَا؛ لِأَنَّ تَقْوِيمَهُ عَلَى نَفْسِهِ رُجُوعٌ فِي الصَّدَقَةِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ، وَقَابَلَ قَوْلَهُ اُخْتُلِفَ بِقَوْلِهِ (أَوْ لَا) أَيْ أَوْ لَا يُحْمَلُ مَا فِيهِمَا عَلَى الْخِلَافِ، بَلْ بَيْنَهُمَا وِفَاقٌ فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إذَا قِيلَ بِالتَّوْفِيقِ فَتَرْكُ التَّقْوِيمِ الْوَاقِعِ فِيهَا هُنَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ يُحْمَلُ؟ فَقَالَ: عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يُقَالَ يُتْرَكُ (نَدْبًا) لَا وُجُوبًا فَلَا يُنَافِي مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ الْجَوَازِ (أَوْ) يُقَالَ (التَّقْوِيمُ) الْمُجَوَّزُ فِي الْعُتْبِيَّةِ (إنْ كَانَ) الِالْتِزَامُ (بِيَمِينٍ) حَنِثَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قُرْبَةً فَلَمْ يَدْخُلْ فِي حَدِيثِ «الْعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» وَالْمَنْعُ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَنْ الْتَزَمَ بِنَذْرٍ فَهُوَ مُتَصَدِّقٌ قَاصِدٌ الْقُرْبَةَ، فَدَخَلَ فِي الْحَدِيثِ فِيهِ (تَأْوِيلَاتٌ) ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ بِالِاخْتِلَافِ وَاثْنَانِ بِالتَّوْفِيقِ، وَبِمَا قَرَّرْنَا عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ أَوَّلًا، الْأَوْلَى عَدِيلَةُ هَلْ الثَّانِيَةِ وَأَوَّلًا الثَّانِيَةُ عَدِيلَةُ هَلْ الْأُولَى، وَإِنَّهُ لَمْ يَجْرِ فِي التَّوْفِيقِ الثَّانِي عَلَى نَسَقِ الْأَوَّلِ وَإِلَّا لَقَالَ أَوْ إنْ كَانَ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَاسْمُ كَانَ عَلَى هَذَا الِالْتِزَامُ لَا التَّقْوِيمُ، وَكَانَ يَحْذِفُ قَوْلَهُ التَّقْوِيمُ.
وَلَوْ أَرَادَ التَّسْهِيلَ لَقَالَ: وَإِنْ كَانَ كَثَوْبٍ بِيعَ وَأُهْدِيَ بِهِ وَكُرِهَ بَعْثُهُ وَفِيهَا مَعَ الْعُتْبِيَّةِ لَهُ تَقْوِيمُهُ عَلَى نَفْسِهِ.
وَهَلْ خِلَافُ أَوَّلًا فَيُبَاعُ نَدْبًا أَوْ عِنْدَ انْتِفَاءِ يَمِينٍ تَأْوِيلَاتٌ أَفَادَهُ عب تَبَعًا لِابْنِ غَازِيٍّ،

فصول الكتاب · 2 فصل · 721 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منح الجليل شرح مختصر خليل · 721 صفحة
المقدمة
فَصْلٌ) فِي الْخُلْعِ:
جارٍ التحميل