منح الجليل شرح مختصر خليلصفحات 189-228
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ) فِي الْخُلْعِ:

صفحات 189-228

أَوْ أَعْتَقَ أَوْ بَاعَ أَوْ وَهَبَ إذَا أَشْهَدَ وَأَعْلَنَ

، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ بِهَا، إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ

[منح الجليل]

مَرِضَ الْوَاهِبُ فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَصِحَّ.
ابْنُ شَاسٍ إذَا كَانَ الْمُطَالَبُ جَادًّا فِي الطَّلَبِ غَيْرَ تَارِكٍ كَمَا إذَا وَقَعَتْ الْهِبَةُ بِشَاهِدٍ أَوْ بِشَاهِدَيْنِ حَتَّى يُزَكِّيَانِ فَمَاتَ الْوَاهِبُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ هُوَ حَوْزُهُ وَقَدْ صَحَّتْ الْهِبَةُ.

(أَوْ) إنْ (أَعْتَقَ) الْمَوْهُوبُ لَهُ الرَّقِيقَ الْمَوْهُوبَ (أَوْ بَاعَ) الْمَوْهُوبُ لَهُ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ رَقِيقًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (أَوْ وَهَبَ) الْمَوْهُوبُ لَهُ مَا وُهِبَ لَهُ لِغَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ صَحَّ حَوْزُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ كَحَوْزِهِ اتِّفَاقًا فِي الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ، وَفِي الْهِبَةِ (إذَا أَشْهَدَ) الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى هِبَتِهِ مَا وَهَبَ لَهُ لِغَيْرِهِ (وَأَعْلَنَ) أَيْ أَظْهَرَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْإِشْهَادَ عِنْدَ الْقَاضِي.
ابْنُ شَاسٍ لَوْ بَاعَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُشْتَرِي حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ بَيْعَهَا حِيَازَةٌ وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ لَيْسَ بَيْعُهَا حِيَازَةً وَلَا غَيْرَهُ إلَّا الْعِتْقَ وَحْدَهُ، وَلَوْ وَهَبَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَمُطَرِّفٍ أَنَّ الْهِبَةَ حَوْزٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَيْسَتْ الْهِبَةُ حَوْزًا لِاحْتِيَاجِهَا إلَى حِيَازَةٍ.
طفي ظَاهِرُ كَلَامِ تت أَنَّ الْإِشْهَادَ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالنَّقْلِ أَنَّهُ فِي الْهِبَةِ فَقَطْ، وَقَالَ ابْنُ رَحَّالٍ فِي شَرْحِهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ وَمُخْتَصَرِهِ مِنْ الْإِشْهَادِ وَالْإِعْلَانِ لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ رُشْدٍ وَلَا الْبَاجِيَّ وَلَا الرَّجْرَاجِيُّ وَلَا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ وَقَفْت عَلَيْهِ، وَنَقَلَ كَلَامَهُمْ قَالَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَحْمَدَ إنَّ الْإِشْهَادَ شَرْطٌ فِي الثَّلَاثَةِ بِخِلَافِ الْإِعْلَانِ فَإِنَّهُ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ.

(أَوْ لَمْ يُعْلَمْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ اللَّامِ (بِهَا) أَيْ الْهِبَةِ (إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ الْمَوْهُوبِ لَهُ.
" غ " أَيْ وَكَذَا تَصِحُّ الْهِبَةُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي حَيَاتِهِ، فَلَمَّا مَاتَ عَلِمَ بِهَا وَرَثَتُهُ فَلَهُمْ الْقِيَامُ بِهَا عَلَى الْوَاهِبِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ جَوَّزَ فِي تَوْضِيحِهِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ عِلْمِهِ فَفِي بُطْلَانِهَا قَوْلَانِ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَا اعْتَرَضَهُ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَأَظُنُّهُ السَّفَاقِسِيَّ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُضْبَطَ " يُعْلَمْ " بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ مَبْنِيًّا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

لِلْمَجْهُولِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِهَا إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْوَاهِبِ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِالصِّحَّةِ لَمْ يُوجَدْ.
تت أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، أَيْ الْوَاهِبِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ كَذَا قَرَّرَهُ الشَّارِحَانِ، وَمِثْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ.
طفي قَرَّرَاهُ بِمَا ذُكِرَ، وَاسْتَدَلَّ الشَّارِحُ بِقَوْلِ ابْنِ رَاشِدٍ نَزَلَتْ عِنْدَنَا بِتُونُسَ وَوَقَعَ فِيهَا اضْطِرَابٌ وَوُجِدَ فِي الطِّرَازِ أَنَّهُ مَعْذُورٌ بِعَدَمِ عِلْمِهِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ فِي شَامِلِهِ فَقَالَ وَصَحَّتْ إنْ قَبَضَهَا لِيَتَرَوَّى أَوْ مَاتَ وَاهِبُهَا قَبْلَ عِلْمِك أَوْ تَزْكِيَةِ شَاهِدِهَا عَلَى الْأَصَحِّ فَانْظُرْ اعْتِمَادَهُ هُنَا.
وَفِي شَامِلِهِ مَا ذُكِرَ، وَقَوْلُ ابْنِ رَاشِدٍ الْقَفْصِيِّ وَقَعَ فِيهَا اضْطِرَابٌ مَعَ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ إنْ مَاتَ الْمُعْطِي الْمُتَصَدِّقُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُعْطَى الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَقَدْ عَلِمَ وَلَمْ يَقُلْ قَبِلْت حَتَّى مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ، فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ سُكُوتَهُ مَعَ كَوْنِ الْهِبَةِ بِيَدِهِ رِضًا بِهَا وَلَا قَبُولًا لَهَا.
وَقَوْلُ أَشْهَبَ فِيهَا إنَّهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ رَأَى سُكُوتَهُ مَعَ كَوْنِ الْهِبَةِ بِيَدِهِ رِضًا بِهَا وَقَبُولًا لَهَا فَقَالَ إنَّ كَوْنَهَا فِي يَدِهِ أَحَوْزَ الْحَوْزِ، فَاخْتِلَافُهُمَا إذَا كَانَ الشَّيْءُ بِيَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ.
وَأَشَارَ ابْنُ رُشْدٍ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ لِقَوْلِهَا إنْ كَانَ لَهُ فِي يَدِك أَرْضٌ أَوْ دَارٌ أَوْ رَقِيقٌ بِكِرَاءٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ وَذَلِكَ بِبَلَدٍ آخَرَ فَوَهَبَك ذَلِكَ فَقَوْلُك قَبِلْتُ حَوْزٌ، وَإِنْ لَمْ تَقُلْ قَبِلْت حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ ذَلِكَ حَوْزٌ لِمَنْ كَانَ ذَلِكَ فِي يَدِهِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَإِنْ مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَقَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ شُذُوذٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ هِبَةَ الْأَمْوَالِ لَا تَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ وَأَنَّهَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بِنَفْسِ الْهِبَةِ حَتَّى لَوْ مَاتَ الْوَاهِبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ رَدُّهَا إلَّا عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ إنْ قَبِلَهَا وَهُوَ مُعَيَّنٌ، وَلَا اخْتِلَافَ أَحْفَظُ فِي هَذَا سِوَى قَوْلِ مَالِكٍ الشَّاذِّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَلَوْ عَلِمَ بِالْهِبَةِ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ قَبُولُهَا حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ جَرَى ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ اخْتِلَافِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَبِقَوْلِ أَشْهَبَ أَخَذَ سَحْنُونٌ.
فَتَحْصِيلُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَهَبَ شَيْئًا هُوَ فِي يَدِهِ أَوْ دَيْنًا عَلَيْهِ،

وَحَوْزُ مُخْدَمٍ

[منح الجليل]

فَإِنْ عَلِمَ فِي حَيَاةِ الْوَاهِبِ وَقَبِلَ جَازَتْ لَهُ الْهِبَةُ اتِّفَاقًا.
وَإِنْ عَلِمَ وَلَمْ يَقْبَلْ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ جَازَتْ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَبَطَلَتْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْهِبَةِ حَتَّى مَاتَ بَطَلَتْ بِاتِّفَاقٍ إلَّا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الشَّاذَّةِ.
اهـ. فَبَعْدَ حِكَايَةِ ابْنِ رُشْدٍ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْبُطْلَانِ وَلَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى قَوْلِهِ شَاذَّةٌ بَعِيدَةٌ كَيْفَ يَصِحُّ تَقْرِيرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهَا، وَكَيْفَ يَقَعُ الِاضْطِرَابُ بِتُونُسَ فِيهَا وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ، وَلِذَا فَرَّ " غ " مِنْ هَذَا، وَجَعَلَ الضَّمِيرَ فِي مَوْتِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَبَنَى لَمْ يُعْلَمْ لِلْمَجْهُولِ لَكِنْ عَلَى تَقْرِيرِهِ تَكُونُ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ رَكَاكَةٌ فِي تَقْيِيدِهِ بِعَدَمِ الْعِلْمِ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ فِي مَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ إذَا مَاتَ الْمُعْطَى الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمُعْطِي الْمُتَصَدِّقِ فَوَرَثَتُهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ، وَيَتَنَزَّلُونَ مَنْزِلَتَهُ فِي الرَّدِّ وَالْقَبُولِ إذَا عَلِمُوا قَبْلَ مَوْتِ الْمُعْطِي الْمُتَصَدِّقِ.
اهـ. فَأَطْلَقَ فِي تَنْزِيلِهِمْ مَنْزِلَتَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَبُولَ لَا تُشْتَرَطُ فَوْرِيَّتُهُ ثُمَّ تَارَةً تَقُومُ قَرِينَةٌ عَلَى قَصْدِ الْوَاهِبِ الْمَوْهُوبَ لَهُ وَعِيَالَهُ، وَتَارَةً عَلَى قَصْدِ عَيْنِهِ فَقَطْ، وَتَارَةً لَا تُوجَدُ قَرِينَةٌ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَفِي الْأَوَّلِ تَقُومُ وَرَثَةُ الْمَوْهُوبِ لَهُ مَقَامَهُ فِي الْقَبُولِ، وَفِي الثَّانِي لَا يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِيهِ وَدَرَجَ الْمُصَنِّفُ فِي الثَّالِثِ عَلَى أَنَّهُ مِثْلُ الْأَوَّلِ بِهَذَا قُرِّرَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْمِسْنَاوِيِّ وَأَحْمَدَ بَابَا وَنَصُّ التَّوْضِيحِ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ بِمَوْتِ الْوَاهِبِ قَبْلَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْهِبَةِ، وَقَدْ كَانَ بَاعَهَا الْوَاهِبُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُجْعَلَ هَذِهِ مَسْأَلَةً مُسْتَقِلَّةً غَيْرَ مُفَرَّعَةٍ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا، وَيَكُونُ ضَمِيرُ مَاتَ عَائِدًا عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ وَيَكُونُ الْقَوْلُ بِالْبُطْلَانِ مُعَلَّلًا بِعَدَمِ الْقَبُولِ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِهِ مُعَلَّلًا بِأَنَّ الْغَالِبَ الْقَبُولُ كَمَا قَالُوا فِيمَنْ أَرْسَلَ هَدِيَّةً، وَقَوْلُهُ غَيْرُ مُفَرَّعَةٍ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا فِي بَيْعِ الْوَاهِبِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

(وَ) إنْ وَهَبَ مَالِكُ رَقِيقٍ خِدْمَتَهُ لِشَخْصٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً أَوْ حَيَاتَهُ ثُمَّ وَهَبَ رَقَبَتَهُ لِآخَرَ ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ وَهُوَ فِي حَوْزِ الْمُخْدَمِ صَحَّ (حَوْزُ) شَخْصٍ (مُخْدَمٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ مَنْ وُهِبَتْ لَهُ خِدْمَةُ رَقِيقٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً

أَعَارَ مَالك شَيْئِهِ لِشَخْصِ ثُمَّ وَهَبَهُ لِآخَر ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِب وَهُوَ فِي حَوْز الْمُسْتَعِير وَمُسْتَعِيرٍ مُطْلَقًا

[منح الجليل]

أَوْ حَيَاتَهُ لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ رَقَبَتُهُ، فَإِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ تَمَامِ مُدَّةِ الْإِخْدَامِ فَلَا حَقَّ لِوَرَثَتِهِ فِي ذَلِكَ الرَّقِيقِ.

(وَ) إنْ أَعَارَ مَالِكُ شَيْئِهِ لِشَخْصٍ ثُمَّ وَهَبَهُ لِآخَرَ ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ وَهُوَ فِي حَوْزِ الْمُسْتَعِيرِ صَحَّ حَوْزُ شَخْصٍ (مُسْتَعِيرٍ) شَيْئًا لِمَنْ وُهِبَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، فَإِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ وَالشَّيْءُ فِي يَدِ مُسْتَعِيرِهِ فَهُوَ حَقٌّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ لَا لِوَرَثَةِ وَاهِبِهِ (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِعِلْمِ الْمُخْدِمِ وَالْمُسْتَعِيرِ بِالْهِبَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِخْدَامُ وَالْهِبَةُ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ تَأَخَّرَتْ الْهِبَةُ عَنْهُ، وَسَوَاءٌ أَشْهَدَ الْوَاهِبُ عَلَى الْهِبَةِ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا.
فِيهَا مَنْ رَهَنَ عَبْدَهُ ثُمَّ وَهَبَهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَيُقْضَى عَلَى الْوَاهِبِ بِافْتِكَاكِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ الْمَوْهُوبُ لَهُ حَتَّى افْتَكَّهُ الْوَاهِبُ فَلَهُ أَخْذُهُ مَا لَمْ يَمُتَّ الْوَاهِبُ فَتَبْطُلُ هِبَتُهُ فَلَيْسَ قَبْضُ الْمُرْتَهِنِ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ مَاتَ وَاهِبُهُ؛ لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ حَقًّا فِي عَيْنِ الْعَبْدِ، بِخِلَافِ مَنْ أَخْدَمَ عَبْدَهُ سِنِينَ رَجُلًا ثُمَّ وَهَبَهُ لِفُلَانٍ بَعْدَ الْخِدْمَةِ فَقَبْضُ الْمُخْدَمِ قَبْضٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إنْ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ قَبْضِهِ الْمَوْهُوبَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُخْدَمَ لَمْ يَجِبْ لَهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ حَقٌّ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ وَاجَرَ عَبْدَهُ أَوْ دَابَّتَهُ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ وَهَبَهُ لِآخَرَ فَلَيْسَ حَوْزُ الْمُسْتَأْجِرِ حَوْزًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ أُجْرَةَ ذَلِكَ مَعَهُ، فَيَتِمَّ الْحَوْزُ.
وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُخْدِمُ أَوْ الْمُعَارُ إلَى أَجَلٍ فَقَبْضُ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُخْدَمِ قَبْضُ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إنْ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ ذَلِكَ، إذْ لَيْسَ لِلْمُخْدَمِ وَالْمُعَارِ حَقٌّ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَلَا يَكُونُ قَبْضُ الْمُخْدَمِ وَالْمُعَارِ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ حَتَّى يَعْلَمَ وَيَرْضَى أَنْ يَكُونَ حَائِزًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ كَمَا قَالَ إذَا رَهَنَ فَضْلَةَ الرَّهْنِ فَلَا يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ حَائِزًا حَتَّى يَعْلَمَ وَيَرْضَى بِذَلِكَ.
" ق " اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ خَلِيلٍ مُطْلَقًا.
طفي هَذَا سَهْوٌ مِنْهُ إذْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْعِلْمَ وَلَا الرِّضَا وَنَصُّهَا وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُخْدِمُ أَوْ الْمُعَارُ إلَى أَجَلٍ فَقَبْضُ الْمُخْدَمِ وَالْمُسْتَعِيرِ لَهُ قَبْضٌ لِلْمَوْهُوبِ وَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إنْ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ ذَلِكَ اهـ. وَلَمَّا قَالَ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ حَوْزُ الْمُودَعِ صَحِيحٌ إنْ عَلِمَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا خِلَافٌ لِمَا فِي

وَمُودَعٍ إنْ عَلِمَ

، لَا غَاصِبٍ وَمُرْتَهِنٍ وَمُسْتَأْجِرٍ، إلَّا أَنْ يَهَبَ الْإِجَارَةَ

[منح الجليل]

الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ فِيهَا قَبْضَ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُخْدَمِ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ مَعْرِفَتَهُمَا، وَكَذَا فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِبَعْضِ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ فِي الْمُخْدَمِ كَمَا فِي فَضْلَةِ الرَّهْنِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحِ، وَلَعَلَّ التَّصْحِيفَ وَقَعَ مِنْ الْمَوَّاقِ فِي نَقْلِهِ أَوْ مِنْ النَّاسِخِ إذْ عَادَتُهُ نَقْلُ كَلَامِ الشُّيُوخِ مَمْزُوجًا بِلَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَدْ اغْتَرَّ عج بِذَلِكَ فَاعْتَرَضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَمَنْ جَعَلَ رِبْقَةَ التَّقْلِيدِ فِي عِتْقِهِ يَصْدُرُ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
الْبُنَانِيُّ وَكَذَا رَأَيْت أَبَا الْحَسَنِ نَقَلَ التَّقْيِيدَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ.

(وَ) إنْ أَوَدَعَ الْمَالِكُ شَيْأَهُ عِنْدَ شَخْصٍ ثُمَّ وَهَبَهُ لِآخَرَ ثُمَّ مَاتَ الْمَالِكُ وَهُوَ فِي حَوْزِ الْمُودَعِ صَحَّ حَوْزُ (مُودَعٍ) بِالْفَتْحِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الْوَدِيعَةُ الَّتِي عِنْدَهُ (إنْ عَلِمَ) الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ بِالْهِبَةِ.
شَرْطٌ فِي صِحَّةِ حَوْزِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ.
التُّونُسِيُّ لَمْ يَشْتَرِطْ ابْنُ الْقَاسِمِ عِلْمَ الْمُخْدَمِ وَالْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا حَازَا لِمَنْفَعَتِهِمَا فَلَوْ قَالَا لَا نَحُوزُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِمَا إلَّا أَنْ يُبْطِلَا مَا لَهُمَا مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَلَا يَقْدِرَانِ عَلَيْهِ لِتَقَدُّمِ قَبُولِهِمَا، فَصَارَ عِلْمُهُمَا غَيْرَ مُقَيَّدٍ وَالْمُودَعُ لَوْ يَشَاءُ يَقُولُ خُذْ مَا أَوْدَعَتْنِي لَا أَحُوزُ لِهَذَا.
مُحَمَّدٌ لَوْ وَهَبَ الْوَدِيعَةَ رَبُّهَا لِغَيْرِ الْمُودَعِ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا وَأَشْهَدَ كَانَتْ حِيَازَةً.
ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ أَشْهَدَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى رَجُلٍ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِقَبْضِهَا حَتَّى مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ قَبْلَ قَبْضِ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَلِمَ الَّذِي هِيَ عِنْدَهُ فَتِلْكَ حِيَازَةٌ تَامَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ فَذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ صَارَ حَائِزًا لِلْمُعْطِي ثُمَّ لَيْسَ لِلْمُعْطِي أَخْذُهَا وَلَوْ دَفَعَهَا الْمُودِعُ إلَى الْمُعْطَى قَبْلَ عِلْمِهِ ضَمِنَهَا.

وَإِنْ وَهَبَ الْمَغْصُوبُ مِنْ الْمَغْصُوبِ لِغَيْرِ غَاصِبِهِ أَوْ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ لِغَيْرِ مُرْتَهِنِهِ أَوْ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ لِغَيْرِ مُسْتَأْجِرِهِ ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ وَالْمَوْهُوبُ فِي حَوْزِ غَاصِبِهِ أَوْ مُرْتَهِنِهِ أَوْ مُسْتَأْجِرِهِ فَ (لَا) يَصِحُّ أَنْ يَحُوزَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ شَخْصٌ (غَاصِبٌ) لِلشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ (وَمُرْتَهِنٌ وَمُسْتَأْجِرٌ) لِلْمَوْهُوبِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَهَبَ) الْمَالِكُ (الْإِجَارَةَ) أَيْ

وَلَا إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ.
بِأَنْ آجَرَهَا أَوْ أَرْفَقَ بِهَا، بِخِلَافِ سَنَةٍ

[منح الجليل]

الْمَالَ الَّذِي أَجَّرَ بِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الذَّاتُ فَيَصِحُّ حَوْزُ الْمُسْتَأْجِرِ لَهُ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ اغْتَصَبَهُ رَجُلٌ عَبْدًا فَوَهَبَهُ سَيِّدٌ لِرَجُلٍ آخَرَ وَالْعَبْدُ بِيَدِ غَاصِبِهِ جَازَتْ الْهِبَةُ إنْ قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَ مَوْتِ وَاهِبِهَا، وَلَيْسَ قَبْضُ الْغَاصِبِ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، أَيْ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ شَرْعًا فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ حِسًّا.

(ولَا) يَصِحُّ الْحَوْزُ (إنْ رَجَعَتْ) الذَّاتُ الْمَوْهُوبَةُ (إلَيْهِ) أَيْ وَاهِبِهَا (بَعْدَهُ) أَيْ الْحَوْزِ (بِقُرْبٍ) أَيْ قَبْلَ تَمَامِ سَنَةٍ مِنْ حَوْزِهَا رُجُوعًا مُصَوَّرًا (بِأَنْ آجَرَهَا) أَيْ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْهِبَةُ لِوَاهِبِهَا (أَوْ أَرْفَقَ) الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَاهِبَ (بِهَا) أَيْ الْهِبَةِ (بِخِلَافِ) رُجُوعِهَا لِوَاهِبِهَا بَعْدَ تَمَامِ (سَنَةٍ) فَلَا يَبْطُلُ حَوْزُهَا.
الْحَطّ إنَّ الذَّاتَ الْمَوْهُوبَةَ إذَا رَجَعَتْ إلَى وَاهِبِهَا بَعْدَ أَنْ حَازَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَكَانَ رُجُوعُهَا إلَى وَاهِبِهَا عَنْ قُرْبٍ وَرُجُوعُهَا إلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ أَجَرَهَا مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَيْ اسْتَأْجَرَهَا مِنْهُ أَوْ بِأَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَرْفَقَ بِهَا الْوَاهِبُ يُرِيدُ أَوْ أَعْمَرَهُ إيَّاهُمَا فَذَلِكَ كُلُّهُ يُبْطِلُ الْهِبَةُ فِي التَّوْضِيحِ بِاتِّفَاقٍ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ أَنَّهُ تَحَيَّلَ لِإِسْقَاطِ الْحِيَازَةِ، وَهَكَذَا صَرَّحَ الْبَاجِيَّ وَغَيْرُهُ إلَّا بِالِاتِّفَاقِ، وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ سَنَةٍ يَعْنِي أَنَّ رُجُوعَ الْوَاهِبِ إلَى الذَّاتِ الْمَوْهُوبَةِ بَعْدَ حِيَازَتِهَا الْمَوْهُوبِ لَهُ سَنَةً لَا يُبْطِلُ هِبَتَهَا؛ لِأَنَّهُ طُولٌ وَقِيلَ الطُّولُ سَنَتَانِ، وَهَذَا الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ أَحَدُ قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ بِلَا تَرْجِيحٍ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَقَرَّ بِهِمَا لَا يَضُرُّ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ يَحُوزُ لِنَفْسِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ آجَرَهَا أَوْ أَرْفَقَ بِهَا، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا حَازَ عَلَيْهِ أَبُوهُ أَوْ غَيْرُهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَكْبَرَ وَيَحُوزَ لِنَفْسِهِ سَنَةً فَهِيَ بَاطِلَةٌ.
مُحَمَّدٌ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ أَنَّ الْكَبِيرَ يُتَصَوَّرُ مَنْعُهُ الْأَبَ مِنْ رُجُوعِهِ فِي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

هِبَتِهِ وَالصَّغِيرُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ ذَلِكَ، فَكَانَ رُجُوعُهُ رُجُوعًا فِي الْهِبَةِ أَفَادَهُ الْحَطّ.
الْبُنَانِيُّ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ وَأَنَّ طَرِيقَةَ غَيْرِهِ أَنَّ الْمَحْجُورَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ فِي عَدَمِ الْبُطْلَانِ فِي الرُّجُوعِ بَعْدَ عَامٍ، وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَوَّلَ الْمُتَيْطِيُّ، وَبِهَا أَفْتَى ابْنُ لُبٍّ وَبِهَا جَرَى الْعَمَلُ.
الثَّانِي: طفي عَبَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ بِبُطْلَانِ الْهِبَةِ بِرُجُوعِهَا بَعْدَهُ بِقُرْبٍ، وَكَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَمُرَادُهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا بَقِيَتْ بِيَدِ الْوَاهِبِ إلَى مَوْتِهِ مَثَلًا وَإِلَّا فَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ اسْتِرْجَاعُهَا لِيَصِحَّ حَوْزُهُ، فَاَلَّذِي يَبْطُلُ بِهِ الْحَوْزُ فَقَطْ لَا هِيَ مِنْ أَصْلِهَا هَذَا الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، إذْ حُكْمُهَا فِي هَذَا كَالرَّهْنِ.
ابْنُ رُشْدٍ إذَا تَصَدَّقَ الرَّجُلُ بِالدَّارِ أَوْ حَبَسَهَا وَتَمَادَى عَلَى سُكْنَاهَا أَوْ عَادَ إلَيْهَا عَنْ قُرْبٍ بِاكْتِرَاءٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ إرْفَاقٍ حَتَّى مَاتَ فِيهَا فَالصَّدَقَةُ أَوْ الْحَبْسُ فِيهَا بَاطِلٌ، وَأَمَّا إنْ رَجَعَ بَعْدَ انْقِطَاعِهَا عَنْهُ بِالْحِيَازَةِ لَهَا دُونَهُ انْقِطَاعًا بَيِّنًا السَّنَةَ فَمَا زَادَ فَلَا يُبْطِلُ ذَلِكَ حِيَازَتَهُ وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ تَبْطُلُ الْحِيَازَةُ بِرُجُوعِهِ إلَى يَدِ رَاهِنِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْمُرْتَهِنِ بِحِيَازَتِهِ انْقِطَاعًا بَيِّنًا؛ لِأَنَّ حَوْزَ الرَّهْنِ آكَدُ.
اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الَّذِي يَبْطُلُ الْحِيَازَةُ، فَقَوْلُ ابْنِ عَاشِرٍ فِي حَاشِيَتِهِ تَعْبِيرُهُمْ بِبُطْلَانِ الْهِبَةِ لِرُجُوعِهَا عَنْ قُرْبٍ يَقْتَضِي بُطْلَانَهَا مِنْ أَصْلِهَا لَا حَوْزَهَا فَقَطْ، فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهَا لِلْحَوْزِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ فِي الرَّهْنِ غَيْرَ ظَاهِرٍ وَقَدْ اسْتَظْهَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِيمَنْ وَهَبَ دَارًا ثُمَّ أَعْمَرَ فِيهَا وَاهِبُهَا بَعْدَ مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ لَا تَكُونُ حِيَازَةً نَزَعَهَا مِنْ يَدِ وَاهِبِهَا وَأَكْرَاهَا مِنْ غَيْرِهِ لِإِتْمَامِ الْحَوْزِ فِي الْهِبَةِ، وَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ الْحَوْزُ لِلْهِبَةِ كَمُؤَاجَرَةِ الرَّهْنِ لِرَاهِنِهِ مَعَ صِحَّةِ حَوْزِهِ.
الثَّالِثُ: " ق " قَوْلُهُ بِخِلَافِ سَنَةٍ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لَهُ غَلَّةٌ، وَعَلَى غَيْرِ صِغَارِ وَلَدِهِ.
طفي فِيهِ نَظَرٌ، إذْ يَقْتَضِي أَنَّ التَّفْصِيلَ فِي الْهِبَةِ بَيْنَ الرُّجُوعِ قَبْلَ الْعَامِ أَوْ بَعْدَهُ خَاصٌّ بِاَلَّذِي لَهُ غَلَّةٌ وَأَنَّ مَا لَا غَلَّةَ لَهُ يَصِحُّ مُطْلَقًا، وَهَذَا شَيْءٌ خَرَجَ بِهِ عَنْ الْمَذْهَبِ، إذْ لَا قَائِلَ بِهِ فِيمَا عَلِمْت وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَبْسِ، وَذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ

أَوْ رَجَعَ مُخْتَفِيًا أَوْ ضَيْفًا فَمَاتَ

وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ مَتَاعًا

[منح الجليل]

وَصُورَتُهُ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ لِلِانْتِفَاعِ، وَإِنَّمَا حَبَسَهُ وَجَعَلَهُ تَحْتَ يَدِهِ يَصْرِفُهُ وَيُرْجِعُهُ.
الرَّابِعُ: " غ " قَوْلُهُ بِأَنْ آجَرَهَا أَوْ أَرْفَقَ بِهَا الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي الْفِعْلَيْنِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فَيَجِبُ بِنَاءُ الثَّانِي لِلْفَاعِلِ.
كَالْأَوَّلِ.
طفي وَهُوَ صَوَابٌ فَقَوْلُ " ح " أَوْ أَرْفَقَ بِهَا مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ غَيْرُ صَوَابٍ سَرَى لَهُ ذَلِكَ مِنْ جَعْلِهِ الضَّمِيرَ الْمُسْتَكِنَّ فِي آجَرَهَا لِلْوَاهِبِ وَهُوَ غَيْرُ صَوَابٍ لُغَةً؛ لِأَنَّ أَجَرَ لِلْمَالِكِ فَفِي الْقَامُوسِ أَجَرَ الْمَمْلُوكَ أَجْرًا أَكْرَاه كَآجَرَهُ إيجَارًا وَمُؤَاجَرَةً.

(أَوْ رَجَعَ) الْوَاهِبُ لِلدَّارِ الَّتِي وَهَبَهَا حَالَ كَوْنِهِ (مُخْتَفِيًا) عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ بَعْدَ حِيَازَتِهَا عَنْهُ بِأَنْ وَجَدَهَا خَالِيَةً فَسَكَنَهَا وَمَاتَ بِهَا فَلَا يَبْلَ حَوْزَهَا، كَذَا فِي الشُّرَّاحِ.
الْبُنَانِيُّ صَوَابُهُ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ هَكَذَا فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَسَيَأْتِي نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ (أَوْ) رَجَعَ إلَيْهَا حَالَ كَوْنِهِ (ضَيْفًا) عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ (فَمَاتَ) الْوَاهِبُ فِي الدَّارِ الْمَوْهُوبَةِ فَلَا تَبْطُلُ حِيَازَتُهَا، ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ رَجَعَ لَهَا عَنْ قُرْبٍ أَوْ بُعْدٍ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
مُحَمَّدٌ إذَا حَازَ الْمُعْطَى الدَّارَ وَسَكَنَهَا ثُمَّ اسْتَضَافَهُ الْمُعْطِي فَأَضَافَهُ وَمَرِضَ عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ أَوْ اخْتَفَى عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ الْعَطِيَّةَ، وَهَكَذَا فِي الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا.

(وَ) صَحَّتْ (هِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِ) لِزَوْجِ (الْآخَرِ مَتَاعًا) أَوْ خَادِمًا وَإِنْ لَمْ تَرْتَفِعْ يَدُ الْوَاهِبِ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَالْعُتْبِيَّةِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الْإِمَامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى امْرَأَتِهِ بِخَادِمَةٍ وَهِيَ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ فَكَانَتْ تَخْدُمُهَا بِحَالِ مَا كَانَتْ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
سَحْنُونٌ وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَهَا إيَّاهَا فَهُوَ حَوْزٌ.
أَشْهَبُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إذَا أَشْهَدَ لَهَا بِهَذِهِ الْخَادِمُ فَتَكُونُ عِنْدَهُمَا كَمَا كَانَتْ فِي خِدْمَتِهَا أَوْ وَهَبَتْ هِيَ لَهُ خَادِمَهَا فَكَانَتْ عَلَى ذَلِكَ أَوْ مَتَاعًا فِي الْبَيْتِ فَأَقَامَ ذَلِكَ عَلَى حَالِهِ بِأَيْدِيهِمَا فَهِيَ ضَعِيفَةٌ.
ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا تَوَاهَبَا جَائِزٌ وَهِيَ حِيَازَةٌ، وَكَذَلِكَ مَتَاعُ الْبَيْتِ وَبِهِ أَقُولُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَسْكَنُ الَّذِي هُمَا بِهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهَا فَأَقَامَا فِيهِ حَتَّى مَاتَ

وَهِبَةُ زَوْجَةٍ دَارَ سُكْنَاهَا لِزَوْجِهَا، لَا الْعَكْسُ،

وَلَا إنْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ إلَّا لِمَحْجُورِهِ: إلَّا مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وَلَوْ خَتَمَ عَلَيْهِ،

[منح الجليل]

فَإِنَّهُ مِيرَاثٌ، وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ فِي صِحَّتِهِ قَضَى لَهَا أَنْ يَسْكُنَهَا غَيْرُهُ حَتَّى تَحُوزَ الْمَسْكَنَ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَمَّا لَوْ تَصَدَّقَتْ هِيَ عَلَيْهِ بِالْمَنْزِلِ وَهُمَا فِيهِ فَذَلِكَ حَوْزٌ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَ زَوْجَتَهُ فَسُكْنَاهُ بِهَا فِيهِ حَوْزٌ، وَمِنْ نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ سُئِلَ ابْنُ لُبَابَةَ عَنْ رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلَى أُمِّهِ بِثُلُثِ دَارِهِ وَهِيَ مَعَهُ فِيهَا سَاكِنَةٌ حَتَّى مَاتَ الْوَلَدُ فَقَالَ سُكْنَاهَا مَعَهُ حَوْزٌ تَامٌّ وَهِيَ صَدَقَةٌ ثَابِتَةٌ، وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ هَذَا إنْ كَانَتْ سَكَنَتْ مِثْلَ نَصِيبِهَا وَإِلَّا فَلَيْسَ إلَّا قَدْرَ مَا سَكَنَتْ.
(وَ) صَحَّتْ (هِبَةُ زَوْجَةٍ دَارَ سُكْنَاهَا لِزَوْجِهَا) ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ تَصَدَّقَتْ هِيَ عَلَيْهِ بِالْمَنْزِلِ وَهُمَا فِيهِ فَذَلِكَ حَوْزٌ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَ زَوْجَتَهُ فَسُكْنَاهُ بِهَا فِيهِ حَوْزٌ مَا لَمْ تَشْتَرِطْ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْهَا، فَإِنْ اشْتَرَطَتْ ذَلِكَ فَلَا يَكْفِي فِي الْحَوْزِ إشْهَادُهَا عَلَى الْهِبَةِ لِزَوْجِهَا كَمَا فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ (لَا) يَصِحُّ (الْعَكْسُ) أَيْ هِبَتُهُ دَارَ سُكْنَاهُ لِزَوْجَتِهِ إنْ مَاتَ وَهُوَ سَاكِنٌ بِهَا فِيهَا لِبُطْلَانِ الْحَوْزِ؛ لِأَنَّ السُّكْنَى تُنْسَبُ لِلزَّوْجِ وَهِيَ تَابِعَةٌ لَهُ.

(وَلَا) تَصِحُّ الْهِبَةُ (إنْ بَقِيَتْ) الذَّاتُ الْمَوْهُوبَةُ (عِنْدَهُ) أَيْ الْوَاهِبِ لِفَلَسِهِ أَوْ مَوْتِهِ أَوْ جُنُونِهِ أَوْ مَرَضِهِ الْمُتَّصِلَيْنِ بِمَوْتِهِ وَأَعَادَ هَذَا لِاسْتِثْنَائِهِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ (إلَّا) الْوَاهِبَ (لِمَحْجُورِهِ) فَتَصِحُّ هِبَتُهُ لَهُ مَعَ بَقَائِهِ عِنْدَهُ إلَى مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَحُوزُ لَهُ إنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ مِمَّا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (إلَّا مَا) أَيْ مَوْهُوبًا (لَا يُعْرَفُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ بِعَيْنِهِ مِنْ مَعْدُودٍ أَوْ مَوْزُونٍ كَدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ مَكِيلٍ فَلَا تَصِحُّ هِبَتُهُ لِمَحْجُورِهِ مَعَ بَقَائِهِ عِنْدَهُ إنْ لَمْ يَخْتِمْ عَلَيْهِ، بَلْ (وَلَوْ) جُعِلَ فِي صُرَّةٍ وَ (خُتِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (عَلَيْهِ) أَيْ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ بِخَتْمِ الْوَاهِبِ وَالشُّهُودِ فَلَا يَكْفِي فِي حَوْزِهِ لَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهِ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمِصْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "، وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ.
وَأَشَارَ بِ وَلَوْ لِقَوْلِ الْمَدَنِيِّينَ يَصِحُّ حَوْزُهَا إذَا أَحْضَرَهَا لِلشُّهُودِ وَخَتَمَ عَلَيْهَا.
فِيهَا مَنْ تَزَوَّجَ بِكْرًا وَوَهَبَ لَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَهِيَ سَفِيهَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ جُنُونًا

وَدَارَ سُكْنَاهُ، إلَّا أَنْ يَسْكُنَ أَقَلَّهَا، وَيُكْرِيَ لَهُ الْأَكْثَرَ،

[منح الجليل]

مُطْبِقًا وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ يَدِهِ فَلَا يَكُونُ الزَّوْجُ حَائِزًا لَهَا إلَّا أَنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ وَيَجْعَلَهُ عَلَى يَدِ مَنْ يَحُوزُهُ لَهَا، وَلَا يَكُونُ مُتَصَدِّقٌ حَائِزًا لِصَدَقَتِهِ إلَّا أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ لِمَنْ فِي وِلَايَتِهِ، وَالزَّوْجُ لَا يَجُوزُ أَمْرُهُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَلَا بَيْعُهُ مَالَهَا وَأَبُوهَا الْحَائِزُ لَهَا وَإِنْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا مَا دَامَتْ سَفِيهَةً أَوْ فِي حَالٍ لَا يَجُوزُ لَهَا أَمْرٌ.
وَمِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، أَنَّ الْأَبَ يَحُوزُ مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ مِنْ الْعُرُوضِ الَّتِي تُعْرَفُ بِعَيْنِهَا، بِخِلَافِ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ إلَّا إنْ كَانَ دَيْنًا.
ابْنُ عَرَفَةَ حَوْزُ الْأَبِ لِصِغَارِ وَلَدِهِ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ صَحِيحٌ.
ابْنِ رُشْدٍ اتِّفَاقًا.
الْبَاجِيَّ وَأَمَّا مَا لَا يَتَعَيَّنُ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَإِنَّهَا إنْ بَقِيَتْ بِيَدِ الْأَبِ غَيْرَ مَخْتُومٍ عَلَيْهَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهَا لِابْنِهِ الصَّغِيرِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ مَاتَ الْأَبُ وَهِيَ عَلَى ذَلِكَ بَطَلَتْ الْعَطِيَّةُ وَكَذَلِكَ لَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ فَقَالَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا يَجُوزُ.
وَإِنْ طَبَعَ عَلَيْهَا حَتَّى يَدْفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ وَيُخْرِجَهَا عَنْ مِلْكِهِ وَذَلِكَ إنَّهَا غَيْرُ مَعْرُوفَةِ الْعَيْنِ وَلَا مُتَعَيِّنَةٍ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهَا وَلَا يَصِحُّ أَنْ تُعْرَفَ بِعَيْنِهَا إذَا أُفْرِدَتْ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ إذَا وَهَبَهُ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ مِنْ دَنَانِيرِهِ.
وَأَمَّا إذَا خَتَمَ عَلَيْهَا وَأَمْسَكَهَا عِنْدَهُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَبْطُلُ، زَادَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَإِنْ خَتَمَ عَلَيْهَا الشُّهُودُ وَالْأَبُ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْمِصْرِيُّونَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهَا مِمَّا لَا يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ فِيهَا حِيَازَةٌ مَعَ بَقَائِهَا بِيَدِ مُعْطِيهَا كَاَلَّتِي لَمْ يُخْتَمْ عَلَيْهَا.
الْمُتَيْطِيُّ قَبْضُ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ جَائِزٌ، وَالْإِشْهَادُ بِالصَّدَقَةِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْحِيَازَةِ، وَيَضْمَنُ مَعْرِفَةَ الشُّهُودِ وَصِغَرَ الِابْنِ لِئَلَّا يَقُومَ عَلَيْهِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْأَبَ إنَّمَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَبِيرٌ وَلَمْ يَجُزْ وَيَقُولَ هُوَ كُنْت صَغِيرًا إنْ لَمْ يَعْلَمْ الشُّهُودُ ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ إذَا نَزَلَ ذَلِكَ أَيُّهُمَا يُقْبَلُ.
(وَ) إلَّا (دَارَ سُكْنَاهُ) أَيْ الْوَاهِبِ فَلَا تَصِحُّ هِبَتُهَا لِمَحْجُورِهِ إذَا اسْتَمَرَّ سَاكِنًا بِهَا لِمَوْتِهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَسْكُنَ) الْوَاهِبُ (أَقَلَّهَا) أَيْ الدَّارِ (وَيُكْرِيَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الْوَاهِبُ (لَهُ) أَيْ مَحْجُورِهِ الْمَوْهُوبِ لَهُ (الْأَكْثَرَ) مِنْ الدَّارِ فَتَصِحَّ الْهِبَةُ فِي جَمِيعِهَا.
فِيهَا مَنْ حَبَسَ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ دَارًا أَوْ وَهَبَهَا لَهُمْ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِمْ فَحَوْزُهُ حَوْزٌ صَحِيحٌ إلَّا

وَإِنْ سَكَنَ النِّصْفَ: بَطَلَ فَقَطْ، وَالْأَكْثَرُ بَطَلَ الْجَمِيعُ.

[منح الجليل]

أَنْ يَسْكُنَهَا كُلَّهَا أَوْ جُلَّهَا إلَى مَوْتِهِ فَيَبْطُلَ جَمِيعُهَا، وَإِنْ سَكَنَ مِنْ الدَّارِ الْكَبِيرَةِ ذَاتِ الْمَسَاكِنِ أَقَلَّهَا وَأَكْرَى لَهُمْ بَاقِيَهَا نَفَذَ لَهُمْ ذَلِكَ فِيمَا سَكَنَ وَفِيمَا لَمْ يَسْكُنْ، وَلَوْ سَكَنَ الْجُلَّ وَأَكْرَى لَهُمْ الْأَقَلَّ بَطَلَ الْجَمِيعُ.
(وَإِنْ سَكَنَ) الْوَاهِبُ (النِّصْفَ) مِنْ الدَّارِ الَّتِي وَهَبَهَا الْمَحْجُورُ وَأَكْرَى لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ (بَطَلَ) النِّصْفُ الْمَسْكُونُ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ النِّصْفِ الْمُكْرَى، فَتَصِحُّ هِبَتُهُ.
عَزَاهُ اللَّخْمِيُّ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ (وَ) إنْ سَكَنَ الْوَاهِبُ (الْأَكْثَرَ) مِنْ الدَّارِ الْمَوْهُوبَةِ لِمَحْجُورِهِ (بَطَلَ الْجَمِيعُ) الْمَسْكُونُ وَالْمُكْرَى لَهُ.
فِي النُّكَتِ حَفِظْت عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا إذَا سَكَنَ أَبُو الْأَصَاغِرِ شَيْئًا فَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، إنْ سَكَنَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ بَطَلَ الْجَمِيعُ، وَإِنْ سَكَنَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ صَحَّ لَهُمْ مَا سَكَنَ وَمَا لَمْ يَسْكُنْ، وَإِنْ سَكَنَ الْقَلِيلَ وَأَبْقَى الْكَثِيرَ خَالِيًا فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يُكْرِيَهُ لِلْأَصَاغِرِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ لِكِرَائِهِ مَنَعَ لَهُ فَكَأَنَّهُ أَبْقَاهُ لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ كَأَشْغَالِهِ إيَّاهُ بِسُكْنَاهُ.
عِيَاضٌ هَذَا صَحِيحٌ مِنْ النَّظَرِ ظَاهِرٌ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ.
الْمُتَيْطِيُّ شَرْطُ صَدَقَةِ الْأَبِ عَلَى صِغَارِ بَنِيهِ بِدَارِ سُكْنَاهُ إخْلَاؤُهَا مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَثِقَلِهِ وَمُعَايَنَتُهَا.
الْبَيِّنَةُ فَارِغَةٌ مِنْ ذَلِكَ وَيُكْرِيهَا لَهُمْ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ.
طفي قَوْلُهُ وَدَارَ سُكْنَاهُ عَطْفٌ عَلَى مَا لَا يُعْرَفْ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ وَلَا إنْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ فَيَقْتَضِي أَنَّ دَارَ السُّكْنَى كَمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ لَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهَا مِنْ يَدِهِ إلَى مَنْ يَحُوزُهَا، وَبِذَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ فِي شُرُوحِهِ الثَّلَاثَةِ، فَقَالَ يَعْنِي أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا وَهَبَ لِمَحْجُورِهِ دَارَ سُكْنَاهُ، فَإِنَّ حُكْمَهَا فِي اشْتِرَاطِ إخْرَاجِهَا عَنْ يَدِهِ حُكْمُ مَا إذَا وَهَبَ لَهُ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ فِي شَامِلِهِ فَقَالَ وَلَوْ وَهَبَهُ دَارَ سُكْنَاهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ حَبَسَهَا عَلَيْهِ وَقَدِمَ مَنْ حَازَهَا جَازَ.
اهـ. وَمَا قَالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَكُتُبُ الْمَالِكِيَّةُ مُصَرِّحَةٌ بِخِلَافِهِ، إذْ لَمْ أَرَ مَنْ اشْتَرَطَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ خُرُوجَهَا عَنْ يَدِهِ إلَى مَنْ يَحُوزُهَا كَمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، نَعَمْ تُفَارِقُ غَيْرَهَا فِي كَوْنِهَا لَا بُدَّ مِنْ إخْلَائِهَا مِنْ شَوَاغِلِهِ وَمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ لِذَلِكَ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

ثُمَّ تَبْقَى تَحْتَ يَدِهِ، فَفِي وَثَائِقِ ابْنِ شَرِيعَةَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ وَإِنْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ فِي دَارٍ يَسْكُنُهَا الْأَبُ فَلَا تَجُوزُ حَتَّى يُخْلِيَهَا الْأَبُ مِنْ أَهْلِهِ وَثِقَلِهِ، وَتَكُونَ فَارِغَةً وَيُكْرِيَهَا لِلِابْنِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى هَذَا فَلَا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ، وَنَحْوُهُ لِلْمُتَيْطِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّهُ.
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيُّ فِي وَثَائِقِهِ فِي وَثِيقَةِ هِبَةِ الْأَبِ دَارَ سُكْنَاهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَانْتَقَلَ الْمُتَصَدِّقُ الْمَذْكُورُ عَنْ جَمِيعِ الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ بِبَيِّنَةٍ وَأَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ تَصْحِيحًا لِلصَّدَقَةِ وَإِكْمَالًا لَهَا، وَتَوَلَّى قَبْضَهَا مِنْ نَفْسِهِ لِابْنِهِ الْمَذْكُورِ وَاحْتَازَهَا لَهُ بِمَا يَحُوزُ بِهِ الْآبَاءُ، ثُمَّ قَالَ وَإِنْ تَصَدَّقَ الْأَبُ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِدَارٍ لَا يَسْكُنُهَا فَلَا تَذْكُرْ فِي الْعَقْدِ الِانْتِقَالَ وَلَا التَّخَلِّيَ وَلَا قَيْدَ مُعَايَنَةِ الشُّهُودِ لِلْقَبْضِ وَإِشْهَادُ الْأَبِ فِي ذَلِكَ كَافٍ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْلَاكِ وَالْحَيَوَانِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ سَلْمُونٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَثِّقِينَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَفْتَرِقُ دَارُ السُّكْنَى مِنْ غَيْرِهَا فِي هِبَةِ الْأَبِ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ بِأَنَّ دَارَ السُّكْنَى لَا بُدَّ مِنْ مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ التَّخَلِّيَ وَمِثْلُهَا الْمَلْبُوسُ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَيَكْفِي فِيهِ إشْهَادُ الْأَبِ بِالصَّدَقَةِ أَوْ الْهِبَةِ، وَإِنْ لَمْ تُعَايِنْ الْبَيِّنَةُ الْحِيَازَةَ.
الْمُتَيْطِيُّ وَإِشْهَادُ الْأَبِ بِصَدَقَتِهِ يُغْنِي عَنْ الْحِيَازَةِ وَإِحْضَارُهُ لِشُهُودِهَا فِيمَا لَا يَسْكُنُهُ الْأَبُ وَلَا يَلْبَسُهُ، فَظَهَرَ لَك الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ هِبَةِ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَهِبَةِ دَارِ السُّكْنَى.
الثَّانِي: هَذَا حُكْمُ هِبَةِ الْأَبِ لِلصَّغِيرِ، وَأَمَّا الْكَبِيرُ وَالْأَجْنَبِيُّ فَلَا بُدَّ مِنْ مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ حَوْزَهُمَا لِأَنْفُسِهِمَا، وَلَا يَكْفِي الْإِقْرَارُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَبْسِ.
الثَّالِثُ: لَيْسَ التَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ خَاصًّا بِدَارِ السُّكْنَى، بَلْ كَذَلِكَ غَيْرُهَا إذَا سَكَنَهَا بَعْدَ الْهِبَةِ إذْ لَمْ يَخُصُّوهُ بِهَا كَمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ.
الرَّابِعُ: مِثْلُ الدُّورِ فِي التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ الثِّيَابُ يَلْبَسُهَا، وَكَذَا مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ إذَا أَخْرَجَ بَعْضَهُ وَأَبْقَى بَعْضَهُ عِنْدَهُ كَمَا فِي الْبَيَانِ.
الْخَامِسُ: ذَكَرَ ابْنُ سَلْمُونٍ فِي صَرْفِ الْغَلَّةِ قَوْلَيْنِ وَالظَّاهِرُ مِنْهُ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِبُطْلَانِ الْهِبَةِ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَبَ صَرَفَ الْغَلَّةَ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ مِثْلَ مَا فِي الْوَقْفِ، وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ

وَجَازَتْ الْعُمْرَى كَأَعْمَرْتُك أَوْ وَارِثَك

[منح الجليل]

ابْنُ رَحَّالٍ فِي حَاشِيَةِ التُّحْفَةِ الَّذِي رَجَّحَهُ النَّاسُ هُوَ شَرْطُ صَرْفِ الْغَلَّةِ لِلْمَحْجُورِ فِي الْهِبَةِ وَالْحَبْسِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا، قَالَ وَانْظُرْ دَلِيلَهُ وَاضِحًا بَيِّنًا.

(وَجَازَتْ) أَيْ نُدِبَتْ (الْعُمْرَى) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ مَقْصُورًا مَأْخُوذٌ مِنْ الْعُمْرِ بِمَعْنَى مُدَّةِ الْحَيَاةِ لِوُقُوعِهِ ظَرْفًا لِمَنْفَعَتِهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ الْعُمْرَى تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ حَيَاةَ الْمُعْطِي بِغَيْرِ عِوَضٍ إنْشَاءً فَيَخْرُجُ الْحُكْمُ بِاسْتِحْقَاقِهَا وَيَصْدُقُ عَلَيْهَا قَبْلَ حَوْزِهَا؛ لِأَنَّهَا قَبْلَهُ عُمْرَى وَحُكْمُهَا النَّدْبُ لِذَاتِهَا، وَيَتَعَذَّرُ عُرُوضُ وُجُوبِهَا لَا كَرَاهَتُهَا وَتَحْرِيمُهَا.
الصِّيغَةُ الْبَاجِيَّ مَا دَلَّ عَلَى هِبَةِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الذَّاتِ كَأَسْكَنْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ وَهَبْتُك سُكْنَاهَا عُمْرَك.
وَفِيهَا مَنْ قَالَ قَدْ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَيَاتَك جَازَ ذَلِكَ، وَتَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا، أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ ثُمَّ قَالَ وَمَنْ قَالَ دَارِي هَذِهِ لَك صَدَقَةٌ سَكَنًا فَإِنَّمَا لَهُ السُّكْنَى دُونَ ذَاتِهَا، وَإِنْ قَالَ لَهُ قَدْ أَسْكَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ وَعَقِبَك مِنْ بَعْدِك أَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لَك وَلِعَقِبِك سُكْنَى، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ مِلْكًا بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ، فَإِنْ مَاتَ فَإِلَى أُولِي الْبَأْسِ بِهِ يَوْمَ مَاتَ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ وَرَثَتُهُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ مَنْ قِيلَ لَهُ هِيَ لَك صَدَقَةُ سُكْنَى فَلَيْسَ لَهُ إلَّا سُكْنَاهَا دُونَ رَقَبَتِهَا مُحَمَّدٌ حَيَاتَهُ.
(كَأَعْمَرْتُك) دَارِي أَوْ عَبْدِي أَوْ دَابَّتِي، أَيْ وَهَبْتُك مَنْفَعَتَهَا مُدَّةَ حَيَاتِك (أَوْ) أَعْمَرْتُ (وَارِثَك) مَا ذُكِرَ " غ " كَأَعْمَرْتُك أَوْ وَارِثَك كَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِوَاوِ الْعَطْفِ بَعْدَ كَأَعْمَرْتُك فَقَطْ أَوْ أَعْمَرْتُك وَوَارِثَك فَهُمَا مِثَالَانِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " جَوَازَهَا فِي الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ، قَالَ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الثِّيَابِ شَيْئًا وَهِيَ عِنْدِي عَلَى مَا أَعَارَهَا عَلَيْهِ وَالْحُلِيُّ عِنْدَهُ كَذَلِكَ، فِيهَا قِيلَ فَإِنْ أَعْمَرَ ثَوْبًا أَوْ حُلِيًّا، قَالَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الثِّيَابِ شَيْئًا، وَأَمَّا الْحُلِيُّ فَأَرَاهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ اهـ.

وَرَجَعَتْ لِلْمُعْمِرِ أَوْ وَارِثِهِ:

[منح الجليل]

الثَّانِي: الْحَطّ إنْ قَالَ أَعْمَرْتُك وَلَمْ يَقُلْ حَيَاتَك وَلَا حَيَاتِي وَلَمْ يَضْرِبْ أَجَلًا فَهِيَ عُمْرَى وَكَذَلِكَ أَسْكَنْتُك اللَّخْمِيُّ قَدْ أَتَتْ هِبَاتٌ مُتَقَارِبَةُ اللَّفْظِ مُخْتَلِفَةُ الْأَحْكَامِ حُمِلَ بَعْضُهَا عَلَى هِبَةِ الرِّقَابِ وَبَعْضُهَا عَلَى هِبَةِ الْمَنَافِعِ، وَهُوَ يَقُولُ كَسَوْتُك هَذَا الثَّوْبَ وَآخُذُ مِنْك هَذَا الْعَبْدَ وَحَمَلْتُك عَلَى هَذَا الْبَعِيرِ وَأَسْكَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ وَأَعْمَرْتُك، فَحُمِلَ قَوْلُهُ أَعْمَرْتُك وَأَسْكَنْتُك وَأَخْدَمْتُك عَلَى أَنَّهَا هِبَةُ مَنَافِعَ حَيَاةَ الْمَخْدُومِ وَالْمُسْكَنِ وَالْمُعْمَرِ، وَقَوْلُك كَسَوْتُك هَذَا الثَّوْبَ وَحَمَلْتُك عَلَى هَذَا الْبَعِيرِ أَوْ الْفَرَسِ عَلَى هِبَةِ الرِّقَابِ، ثُمَّ قَالَ وَالْعُمْرَى ثَلَاثَةٌ: مُقَيَّدَةٌ بِأَجَلِ أَوْ حَيَاةِ الْمُعْمَرِ، وَمُطْلَقَةٌ وَمُعَقَّبَةٌ، فَإِنْ قُيِّدَتْ بِأَجَلٍ بِأَنْ قَالَ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ سَنَةً أَوْ عَشْرًا أَوْ حَيَاتِي فَهِيَ عَلَى مَا أَعْطَى، وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يُقَيِّدْ حُمِلَ عَلَى عُمْرِ الْمُعْطَى حَتَّى يَقُولَ عُمْرِي أَوْ حَيَاتِي، وَإِنْ عَقَّبَهَا فَقَالَ أَعْمَرْتُكَهَا أَنْتَ وَعَقِبَك فَلَا تَرْجِعُ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْقَرِضَ الْعَقِبُ، وَفِي قَوَانِينِ ابْنِ جُزَيٍّ الْعُمْرَى جَائِزَةٌ إجْمَاعًا، وَهِيَ أَنْ يَقُولَ أَعْمَرْتُكَ دَارِي أَوْ ضَيْعَتِي أَوْ أَسْكَنْتُك أَوْ وَهَبْت لَك سُكْنَاهَا أَوْ اسْتِغْلَالَهَا فَهُوَ وَهَبَ لَهُ مَنْفَعَتَهَا فَيَنْتَفِعُ بِهَا حَيَاتَهُ، فَإِذَا مَاتَ رَجَعَتْ إلَى رَبِّهَا، وَإِنْ قَالَ لَك وَلِعَقِبِك فَإِذَا انْقَرَضَ عَقِبُهُ رَجَعَتْ إلَى رَبِّهَا أَوْ لِوَارِثِهِ.

(وَرَجَعَتْ) الْعُمْرَى بِمَعْنَى الذَّاتِ الَّتِي وُهِبَتْ مَنْفَعَتُهَا لِشَخْصٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً كَسَنَةٍ أَوْ عَشْرٍ وَمُدَّةَ حَيَاتِهِ أَوْ الْمُطْلَقَةَ أَوْ الْمُعَقَّبَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ مَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ انْقِرَاضِ الْعَقِبِ (لِ) شَخْصِ (الْمُعْمِرِ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ أَيْ وَاهِبِ الْمَنْفَعَةِ مِلْكًا إنْ كَانَ حَيًّا (أَوْ) لِ (وَارِثِهِ) أَيْ الْمُعْمَرِ إنْ كَانَ مَاتَ مِلْكًا أَيْضًا.
فِيهَا إنْ قَالَ لَهُ أَسْكَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ وَعَقِبَك رَجَعَتْ إلَيْهِ مِلْكًا بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ، فَإِنْ مَاتَ فَإِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِهِ يَوْمَ مَاتَ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِمْ.
ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ قَدْ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةِ حَيَاتك جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَتَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِهِ الَّذِي أَعْمَرَهَا أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ.
قُلْت فَإِنْ أَعْمَرَ ثَوْبًا قَالَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الثِّيَابِ شَيْئًا، وَأَمَّا الْحُلِيُّ فَأَرَاهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ، وَالثِّيَابُ عِنْدِي عَلَى مَا أَعَارَهُ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرْطِ.

كَحَبْسٍ عَلَيْكُمَا، وَهُوَ لِآخِرِكُمَا مِلْكًا

لَا الرُّقْبَى كَذَوِي دَارَيْنِ، قَالَا: إنْ مِتَّ قَبْلِي فَهُمَا لِي، وَإِلَّا فَلَكَ: كَهِبَةِ نَخْلٍ

[منح الجليل]

وَشَبَّهَ فِي الرُّجُوعِ مِلْكًا فَقَالَ (كَ) عَبْدِي أَوْ دَارِي أَوْ دَابَّتِي (حُبُسٍ عَلَيْكُمَا وَهُوَ) أَيْ الْحَبْسُ (لِآخِرِكُمَا) بِمَدِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ حَالَ كَوْنِ الْعُمْرَى الرَّاجِعَةِ لَمُعْمِرِهَا أَوْ وَارِثِهِ (مِلْكًا) لَهُ " غ " لَفْظُ مِلْكًا مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي رَجَعْت وَأَشَارَ بِالتَّشْبِيهِ لِقَوْلِهِ آخَرَ كِتَابِ الْهِبَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ قَالَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدِي حُبُسٌ عَلَيْكُمَا وَهُوَ لِلْآخِرِ مِنْكُمَا جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ لِلْآخِرِ يَبِيعُهُ وَيَصْنَعُ بِهِ مَا يَشَاءُ فَيَسْتَحِقَّانِهِ مَعًا عَلَى وَجْهِ الْحَبْسِ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا مَلَكَهُ الْآخَرُ

(لَا) تَجُوزُ (الرُّقْبَى) بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مَقْصُورًا.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي عَارِيَّتِهَا لَمْ يَعْرِفْ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الرُّقْبَى فَفُسِّرَتْ لَهُ فَلَمْ يُجِزْهَا وَهِيَ تَحْبِيسُ رَجُلَيْنِ دَارًا بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا أَوَّلًا فَحَظُّهُ حَبْسٌ عَلَى الْآخَرِ، وَسَأَلْته عَنْ تَحْبِيسِهِمَا عَبْدًا بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا فَحَظُّهُ يَخْدُمُ آخِرَهُمَا مَوْتًا حَيَاتَهُ، ثُمَّ يَكُونُ الْعَبْدُ حُرًّا فَلَمْ يُجِزْهُ، وَأَلْزَمَهُمَا عِتْقَهُ بَعْدَ مَوْتِهِمَا.
وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا يَخْدُمُ وَرَثَتَهُ دُونَ صَاحِبِهِ، فَإِذَا مَاتَ آخِرُهُمَا كَانَ حَظُّ كُلٍّ مِنْهُمَا حُرًّا مِنْ ثُلُثِهِ، كَمَنْ قَالَ إنْ مِتُّ فَعَبْدِي يَخْدُمُ فُلَانًا حَيَاتَهُ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ.
اللَّخْمِيُّ إنْ نَزَلَ فِي الدَّارِ فَعَلَى أَنَّ الْحَبْسَ عَلَى مُعَيَّنٍ يَرْجِعُ مِلْكًا يَبْطُلُ تَحْبِيسُهَا، وَتَرْجِعُ مِلْكًا لَهُمَا، وَعَلَى رُجُوعِهِ حَبْسًا تَبْطُلُ السُّكْنَى فَقَطْ وَتَكُونُ لَهُمَا حَتَّى يَمُوتَ أَحَدُهُمَا فَتَرْجِعُ مَرَاجِعَ الْأَحْبَاسِ.
الصِّقِلِّيُّ أَلْزَمَهُمَا الْعِتْقَ؛ لِأَنَّهُ كَعِتْقٍ لِأَجَلٍ لِوَقْفِهِ عَلَى مَوْتِ فُلَانٍ وَجَعْلِهِ مِنْ الثُّلُثِ لِقَوْلِهِ بَعْدَ مَوْتِي فَجَمَعَ لَهُ الْحُكْمَيْنِ.
وَمَثَّلَ لِلرُّقْبَى فَقَالَ (كَذَوَيْ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ مُثَنَّى ذُو، أَيْ صَاحِبَيْ (دَارَيْنِ) مَثَلًا (قَالَا) أَيْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ (إنْ مِتَّ) بِفَتْحِ التَّاءِ قَبْلِي (فَهُمَا) أَيْ دَارِي وَدَارُك مِلْكٌ (لِي وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَمُتْ قَبْلِي بِأَنْ مِتُّ أَنَا قَبْلَك (فَ) هُمَا (لَك) وَتَعَاقَدَا عَلَى هَذَا، وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ فَقَالَ (كَهِبَةِ نَخْلٍ) لِشَخْصٍ (وَاسْتِثْنَاءِ ثَمَرَتِهَا) أَيْ

وَاسْتِثْنَاءِ ثَمَرَتِهَا سِنِينَ، وَالسَّقْيُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ

، أَوْ فَرَسٍ لِمَنْ يَغْزُو سِنِينَ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ الْمَدْفُوعُ لَهُ، وَلَا يَبِيعُهُ لِبُعْدِ الْأَجَلِ

[منح الجليل]

النَّخْلِ (سِنِينَ) مُسْتَقْبَلَةً بَعْدَ الْهِبَةِ لِلْوَاهِبِ (وَ) قَدْ شَرَطَ الْوَاهِبُ أَنْ يَكُونَ (السَّقْيُ) النَّخْلِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ (عَلَى الْمَوْهُوبِ) فَلَا يَجُوزُ لِلْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مُعَيَّنٌ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ، إذْ كَأَنَّهُ بَاعَهُ النَّخْلَ بِسَقْيِهِ فِي تِلْكَ السِّنِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْبِضُهُ إلَّا بَعْدَهَا، وَلَا يَدْرِي بَعْدَهَا، وَمَفْهُومُهُ لَوْ كَانَ السَّقْيُ عَلَى الْوَاهِبِ لَجَازَ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ مَعْرُوفٌ.

(أَوْ) هِبَةُ (فَرَسٍ لِمَنْ يَغْزُو) عَلَيْهِ (سِنِينَ وَ) شَرَطَ الْوَاهِبُ أَنَّهُ (يُنْفِقُ) الْمَوْهُوبُ لَهُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْفَرَسِ فِي تِلْكَ السِّنِينَ، ثُمَّ يَكُونُ الْفَرَسُ مِلْكًا لِلْمَدْفُوعِ لَهُ فَلَا يَجُوزُ لِذَلِكَ (وَاشْتَرَطَ) الْوَاهِبُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَنَّهُ (لَا يَبِيعُهُ) أَيْ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْفَرَسَ (لِ) مَا (بَعْدَ) تَمَامِ (الْأَجَلِ) أَيْ السِّنِينَ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِحَائِطٍ وَفِيهِ ثَمَرٌ فَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِالثَّمَرَةِ، فَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ يَوْمَ الصَّدَقَةِ لَمْ تُؤَبَّرْ فَهِيَ لِلْمُعْطِي، وَإِنْ كَانَتْ مَأْبُورَةً فَهِيَ لِلْمُعْطَى كَالْبَيْعِ، وَيَقْبَلُ قَوْلَهُ وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ وَرَبُّ الْحَائِطِ مُصَدَّقٌ مِنْ حِينِ تُؤَبَّرُ الثَّمَرَةُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
قُلْت وَكَيْفَ حِيَازَةُ النَّخْلِ وَرَبُّهَا يَسْقِيهَا لِمَكَانِ ثَمَرَتِهِ فَقَالَ إنْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَتْ حِيَازَةً.
ابْنُ الْمَوَّازِ يَقْبِضُ الْمَوْهُوبُ لَهُ النَّخْلَ وَيَكُونُ سُقِيَهَا عَلَى وَاهِبِهَا فِي مَالِهِ لِمَكَانِ ثَمَرَتِهِ، وَيَتَوَلَّى الْمَوْهُوبُ لَهُ سَقْيَهَا لِمَكَانِ حِيَازَتِهِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَثْنَى الْوَاهِبُ ثَمَرَتَهَا لِنَفْسِهِ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِنْ أَسْلَمَ النَّخْلَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ يَسْقِيهَا بِمَاءِ الْوَاهِبِ وَيُرْجِعُ إلَيْهِ ثَمَرَتَهَا كُلَّ سَنَةٍ فَذَلِكَ حَوْزٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ يَسْقِيهَا بِمَائِهِ وَالثَّمَرَةُ لِلْوَاهِبِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ اسْقِهَا فِي عَشْرِ سِنِينَ ثُمَّ هِيَ لَك، وَلَا يَدْرِي أَتَسَلَّمَ النَّخْلَ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ أَمْ لَا، وَلَقَدْ قَالَ لِي مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ فَرَسَهُ يَغْزُو عَلَيْهِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ الْمَدْفُوعُ لَهُ الْفَرَسُ مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ هُوَ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ بَعْدَ الْأَجَلِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَبَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ

وَلِلْأَبِ اعْتِصَارُهَا مِنْ وَلَدِهِ: كَأُمٍّ فَقَطْ

[منح الجليل]

أَرَأَيْت إنْ مَاتَ الْفَرَسُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَتَذْهَبُ نَفَقَتُهُ بَاطِلًا، فَهَذَا غَرَرٌ، فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى مَسْأَلَتِك فِي النَّخْلِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ النَّخْلُ بِيَدِ الْوَاهِبِ يَسْقِيهَا وَيَقُومُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ يَدِهِ، فَهَذَا إنَّمَا وَهَبَ نَخْلَهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ فَذَلِكَ جَائِزٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ سَلَّمْت النَّخْلَ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ وَلَمْ يَمُتْ رَبُّهَا وَلَا لَحِقَهُ دَيْنٌ فَلَهُ أَخْذُهَا بَعْدَ الْأَجَلِ، وَإِنْ مَاتَ رَبُّهَا أَوْ لَحِقَهُ دَيْنٌ بَطَلَتْ الْهِبَةُ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا.

(وَ) إنْ وَهَبَ أَبٌ لِوَلَدِهِ هِبَةً فَ (لِلْأَبِ) أَيْ مُبَاشَرَةً أَيْ لَا الْجَدِّ (اعْتِصَارُهَا) بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ وَإِهْمَالِ الصَّادِ، أَيْ أَخْذُ الْهِبَةِ بِلَا عِوَضٍ (مِنْ وَلَدِهِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ حَازَهَا الْوَلَدُ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الِاعْتِصَارُ ارْتِجَاعُ الْمُعْطِي عَطِيَّتَهُ دُونَ عِوَضٍ لَا بِطَوْعِ الْمُعْطَى، وَصِيغَتُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظًا، وَفِي لَغْوِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ الْتِزَامًا نَقْلَا ابْنِ عَاتٍ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الشُّورَى وَابْنِ وَرْدٍ، قَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشُّورَى فِيمَنْ بَاعَهَا قَبْلَهُ بِاسْمِ نَفْسِهِ وَمَاتَ فَثَمَنُهَا لِابْنِهِ فِي مَالِهِ، وَلَا يَكُونُ الِاعْتِصَارُ إلَّا بِإِشْهَادٍ.
اهـ. قَوْلُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظًا شَامِلٌ لِمَا كَانَ مِنْ مَادَّةِ الِاعْتِصَارِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْهَا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
وَفِي لُبَابِ ابْنِ رَاشِدٍ صِيغَتُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَاعْتَصَرْتُ وَرَدَدْت، ثُمَّ قَالَ وَلَا يَكُونُ اعْتِصَارُ الْأَبَوَيْنِ إلَّا بِإِشْهَادٍ.
اهـ. فَتَخْصِيصُ صِيغَتِهِ بِمَادَّةِ الِاعْتِصَارِ غَيْرُ صَحِيحٍ قَالَهُ الْبُنَانِيُّ.
وَشَبَّهَ فِي الِاعْتِصَارِ فَقَالَ (كَأُمٍّ) مُبَاشِرَةِ الْوِلَادَةِ فَلَهَا اعْتِصَارُ مَا وَهَبَتْ لِوَلَدِهَا (فَقَطْ) أَيْ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ جَدٍّ وَجَدَّةٍ وَنَحْوِهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلِلْأُمِّ أَنْ تَعْتَصِرَ مَا وَهَبَتْ أَوْ نَحَلَتْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ مَا لَمْ يَسْتَحْدِثُوا دُيُونًا، وَيُحْدِثُوا فِيهَا إحْدَاثًا.
ابْنُ عَرَفَةَ الْمَذْهَبُ صِحَّةُ اعْتِصَارِ الْأَبِ مَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ صَغِيرًا كَانَ الِابْنُ أَوْ كَبِيرًا، وَمَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْأُمَّ مِثْلُهُ.
فِيهَا قَالَ رَبِيعَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يَعْتَصِرُ الْوَلَدُ مِنْ الْوَالِدِ.
قُلْت فَهَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَبَوَيْنِ مِنْ جَدٍّ أَوْ جَدَّةٍ أَوْ عَمٍّ أَوْ عَمَّةٍ أَوْ خَالٍ أَوْ خَالَةٍ أَوْ غَيْرِهِمْ اعْتِصَارُ هِبَتِهِمْ؟ قَالَ لَا يَجُوزُ الِاعْتِصَارُ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ

وَهَبَتْ ذَا أَبٍ، وَإِنْ مَجْنُونًا، وَلَوْ تَيَتَّمَ عَلَى الْمُخْتَارِ

[منح الجليل]

مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَّا لِلْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ غَيْرُهُمَا وَإِنَّمَا تَعْتَصِرُ الْأُمُّ الَّتِي (وَهَبَتْ) وَلَدًا (ذَا) أَيْ صَاحِبَ (أَبٍ) فَإِنْ وَهَبَتْ يَتِيمًا فَلَيْسَ لَهَا الِاعْتِصَارُ مِنْهُ، وَلَهَا الِاعْتِصَارُ مِنْ ذِي الْأَبِ إنْ كَانَ الْأَبُ عَاقِلًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الْأَبُ (مَجْنُونًا) جُنُونًا مُطْبِقًا، إذْ هُوَ كَالْعَاقِلِ فِي الْإِنْفَاقِ مِنْ وَلَدِهِ مِنْ مَالِهِ فَلَيْسَ وَلَدُهُ يَتِيمًا، وَلَهَا الِاعْتِصَارُ مِنْ ذِي الْأَبِ حَالَ الْهِبَةِ إنْ اسْتَمَرَّ الْأَبُ حَيًّا، بَلْ (وَلَوْ تَيَتَّمَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ صَارَ الْوَلَدُ يَتِيمًا بِمَوْتِ أَبِيهِ بَعْدَ هِبَتِهَا لَهُ فَلَهَا الِاعْتِصَارُ مِنْهُ (عَلَى الْمُخْتَارِ) لِلَّخْمِيِّ مِنْ الْخِلَافِ.
وَأَشَارَ بِ وَلَوْ لِقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا تَعْتَصِرُ مِنْهُ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا وَهَبَتْ الْأُمُّ أَوْ نَحَلَتْ لِوَلَدِهَا الصِّغَارِ وَلَا أَبَ لَهُمْ فَلَيْسَ لَهَا اعْتِصَارُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتِيمٌ وَلَا يُعْتَصَرُ مِنْ يَتِيمٍ وَيُعَدُّ ذَلِكَ كَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ وَهَبَتْهُمْ وَالْأَبُ مَجْنُونٌ جُنُونًا مُطْبِقًا فَهُوَ كَالصَّحِيحِ فِي وُجُوبِ الِاعْتِصَارِ لَهَا.
اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ لَهُ أَبٌ يَوْمَ الْعَطِيَّةِ وَلَمْ تَعْتَصِرْ حَتَّى مَاتَ أَبُوهُ، فَإِنَّ لَهَا اعْتِصَارَهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا تَعْتَصِرُ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْمُرَاعَى وَقْتَ الْعَطِيَّةِ هَلْ كَانَتْ هِبَةً أَوْ صَدَقَةً، وَاَلَّذِي قَالَهُ مُحَمَّدٌ حَسْبَمَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ إنْ وَهَبَتْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ فَبَلَغَ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ فَلِأُمِّهِ اعْتِصَارُ مَا وَهَبَتْهُ، وَإِنْ مَاتَ الْأَبُ قَبْلَ بُلُوغِ الْوَلَدِ ثُمَّ بَلَغَ فَلَيْسَ لَهَا الِاعْتِصَارُ لِانْقِطَاعِهِ بِمَوْتِ أَبِيهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ.
عج اُنْظُرْ كَيْفَ قَدَّمَ اخْتِيَارَ اللَّخْمِيِّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَتَبِعَهُ تَلَامِذَتُهُ وَالْعَدَوِيُّ.
الْبُنَانِيُّ كَلَامُهُ يُفِيدُ التَّعَقُّبَ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ اخْتِيَارَ اللَّخْمِيِّ مِنْ عِنْدِهِ لَا مِنْ الْخِلَافِ، فَحَقُّهُ التَّعْبِيرُ بِالْفِعْلِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ اعْتَمَدَهُ وَتَرَكَ الْمَنْصُوصَ.
قُلْت كَوْنُ اخْتِيَارِ اللَّخْمِيِّ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ وضيح وَغَيْرِهِمَا، وَلَكِنْ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ مُحْتَمِلٌ لِكُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَا لِلَّخْمِيِّ هُوَ ظَاهِرُهَا وَنَصُّهَا وَلِلْأُمِّ أَنْ تَعْتَصِرَ مَا وَهَبَتْ أَوْ نَحَلَتْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ فِي حَيَاةِ الْأَبِ أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْ قَوْلَهَا فِي حَيَاةِ الْأَبِ مَا الْعَامِلُ فِيهِ نَحَلَتْ أَوْ وَهَبَتْ، فَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ

إلَّا فِيمَا أُرِيدَ بِهِ الْآخِرَةُ: كَصَدَقَةٍ بِلَا شَرْطٍ

إنْ لَمْ تَفُتْ، لَا بِحَوَالَةِ سُوقٍ،

[منح الجليل]

فِيهِ تَعْتَصِرُ كَانَ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ وَهَبَتْ فَمِثْلُ مَا رَجَّحَ اللَّخْمِيُّ فَيَتَخَرَّجُ الْقَوْلَانِ مِنْهَا.
اهـ. وَلَا شَكَّ أَنَّ ظَاهِرَهَا هُوَ التَّعَلُّقُ بِالْأَقْرَبِ وَهُوَ وَهَبَتْ فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اقْتَصَرَ عَلَى مُخْتَارِ اللَّخْمِيِّ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالِاسْمِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُهَا.
وَاسْتَثْنَى مِمَّا يَعْتَصِرُهُ الْأَبُ فَقَالَ (إلَّا فِيمَا) أَيْ تَبَرُّعٍ مِنْ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ (أُرِيدَ) بِفَتْحِ الدَّالِ (بِهِ) أَيْ التَّبَرُّعِ (الْآخِرَةُ) أَيْ ثَوَابُهَا فَلَيْسَ لَهُمَا اعْتِصَارُهُ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ، فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ هِبَتُهُ لِابْنِهِ لِلصِّلَةِ لَا يَجُوزُ اعْتِصَارُهَا، وَكَذَا هِبَتُهُ لِضَعْفِهِ وَخَوْفِ الْخَصَاصَةِ عَلَيْهِ وَلِابْنِ الْمَاجِشُونِ كُلُّ هِبَةٍ لِوَلَدِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِطَلَبِ الْأَجْرِ أَوْ لِصِلَةِ الرَّحِمِ فَلَا تَعْتَصِرُ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَحْوُهُ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ مُطَرِّفٍ تَعْتَصِرُ.
وَشَبَّهَ فِي مَنْعِ الِاعْتِصَارُ فَقَالَ (كَصَدَقَةٍ) مِنْ أَبٍ أَوْ أُمٍّ لِوَلَدِهِمَا (بِلَا شَرْطٍ) لِاعْتِصَارِهَا فَلَيْسَ لَهُمَا اعْتِصَارُهَا.
وَمَفْهُومُ بِلَا شَرْطٍ أَنَّهُ إنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَرْطِ الِاعْتِصَارِ إنْ شَاءَ فَلَهُ الِاعْتِصَارُ وَهُوَ كَذَلِكَ.
الْبَاجِيَّ إذَا قَيَّدَ الْهِبَةَ أَوْ الْعَطِيَّةَ أَوْ النِّحْلَةَ قَالَ إنِّي سَلَّطْت عَلَيْهَا حُكْمَ الِاعْتِصَارِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي جَوَازِ الِاعْتِصَارِ.
ابْنُ رُشْدٍ الِاعْتِصَارُ لَا يَكُونُ فِي الصَّدَقَاتِ إلَّا بِشَرْطٍ.

وَذَكَرَ مَوَانِعَ الِاعْتِصَارِ فَقَالَ (إنْ لَمْ تَفُتْ) الْهِبَةُ (بِحَوَالَةِ) أَيْ تُغَيَّرُ (سُوقٍ) أَيْ قِيمَةٍ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ عَلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ هِبَتِهَا، فَإِنْ فَاتَتْ بِهَا فَلَا تَعْتَصِرُ، هَذَا ظَاهِرُهُ، وَلَكِنْ قَالَ " ق " لَوْ قَالَ وَلَوْ فَاتَتْ بِحَوَالَةِ سُوقٍ لَا بِزَيْدٍ وَنَقْصٍ لَوَافَقَ نَصَّ الْبَاجِيَّ إذَا تَغَيَّرَتْ الْهِبَةُ فِي قِيمَتِهَا بِتَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ اعْتِصَارَهَا قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْهِبَةَ عَلَى حَالِهَا وَزِيَادَةُ الْقِيمَةِ وَنُقْصَانُهَا لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِهَا وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي صِفَتِهَا فَلَا يَمْنَعُ اعْتِصَارُهَا كَنَقْلِهَا مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ.
" غ " فِي بَعْضِ النُّسَخِ إنْ لَمْ تَفُتْ لَا بِحَوَالَةِ سُوقٍ، بَلْ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ، وَهُوَ الصَّوَابُ.

بَلْ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ، وَلَمْ يُنْكَحْ أَوْ يُدَايَنْ لَهَا

[منح الجليل]

الشَّارِحُ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْهِبَةَ يَفُوتُ اعْتِصَارُهَا بِحَوَالَةِ السُّوقِ، وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْبَاجِيَّ عَنْ مُطَرِّفٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَأَصْبَغَ أَنَّهُ غَيْرُ مُفِيتٍ.
ابْنُ رَاشِدٍ لَا خِلَافَ فِيهِ.
الْحَطّ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ قَوْلَانِ فِي فَوَاتِ الِاعْتِصَارِ بِحَوَالَةِ السُّوقِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اعْتَمَدَ الْقَوْلَ بِالْإِفَاتَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
طفي لَمْ أَجِدْ فِي الْمُعِينِ إلَّا أَنَّهَا لَا تَمْنَعُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ تَغَيُّرُ السُّوقِ لَغْوٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ وَغَيْرُهُمَا الِاتِّفَاقُ وَصَرَّحَ بِهِ عِيَاضٌ.
ابْنُ حَارِثٍ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْهِبَةُ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ، فَالِاعْتِصَارُ جَائِزٌ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَا يَبْعُدُ يَخْرُجُ الْخِلَافُ فِيهِ حَقُّهُ أَنْ يُبَيِّنَ الْأَصْلَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْخِلَافُ، وَذِكْرُهُ دُونَ تَعْيِينِهِ سَاقِطٌ.
اهـ. فَهَذَا كُلُّهُ يُفِيدُ خِلَافَ مَا قَالَهُ " ح "، وَلَعَلَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ وَنَسَبَ تت فِي كَبِيرِهِ لِبَعْضِ شُرَّاحِ الْجَلَّابِ أَنَّهُ رَجَّحَ الْإِفَاتَةَ بِهَا، وَأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَتَيْنِ إحْدَاهُمَا تَحْكِي الْخِلَافَ وَهُوَ فِي عُهْدَتِهِ.
الْبُنَانِيُّ وَعَلَى تَسْلِيمِ وُجُودِ الْخِلَافِ فَهُوَ ضَعِيفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ، وَلِذَا قَالَ " ز " لِعَدَمِ فَوَاتِهِ بِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَوْ) بِحُصُولِ (زَيْدٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، أَيْ زِيَادَةٍ فِي ذَاتِ الْهِبَةِ كَكِبَرِ صَغِيرٍ وَسِمَنِ هَزِيلٍ (أَوْ) بِحُصُولِ (نَقْصٍ) فِيهَا كَانْهِدَامٍ وَنِسْيَانِ صَنْعَةٍ الْبَاجِيَّ إذَا تَغَيَّرَتْ الْهِبَةُ فِي عَيْنِهَا فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ زِيَادَتُهَا فِي عَيْنِهَا وَنَقْصُهَا لَا يَمْنَعُ اعْتِصَارَهَا، وَقَالَ أَصْبَغُ يَمْنَعُهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ حَالِ ذِمَّةِ الْمُعْطَى يَقْطَعُ الِاعْتِصَارَ، فَأَنْ يَمْنَعَهُ تَغَيُّرُ الْهِبَةِ فِي نَفْسِهَا أَوْلَى وَأَحْرَى.
(وَ) إنْ لَمْ (يُنْكَحْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْكَافِ أَيْ يُزَوَّجْ الْوَلَدُ الْمَوْهُوبُ لَهُ لِأَجْلِ الْهِبَةِ، فَإِنْ زَوَّجَ لِأَجْلِهَا وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ فَاتَ اعْتِصَارُهَا ذَكَرًا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ أُنْثَى لِرَغْبَةِ النَّاسِ فِي ذِي الْمَالِ وَتَعَلُّقِ حَقِّ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ بِهِ (أَوْ) إنْ لَمْ (يُدَايَنْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ، أَيْ يُعَامَلْ الْوَلَدُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِدَيْنٍ بِبَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ (لَهَا) أَيْ لِأَجْلِ يُسْرِهِ بِالْهِبَةِ، فَإِنْ دُويِنَ لَهَا فَاتَ اعْتِصَارُهَا.
طفي هَذَا مَذْهَبُ الْمُوَطَّإِ، وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَابْنَ الْقَاسِمِ كَمَا فِي الْبَيَانِ وَلَمْ يُنْسَبْ مُقَابِلُهُ إلَّا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الدَّيْنَ وَالنِّكَاحَ يَمْنَعَانِ مُطْلَقًا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

وَلَمَّا نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ سَمَاعَ عِيسَى قَالَ عَقِبَهُ ظَاهِرُ قَوْلِهَا لِلْأَبِ اعْتِصَارُ مَا وَهَبَهُ لِأَوْلَادِهِ الْكِبَارِ مَا لَمْ يَنْكِحُوا، وَفِي الْجَلَّابِ مِثْلُهُ خِلَافُ ذَلِكَ وَنَصُّهَا بِاخْتِصَارِ أَبِي سَعِيدٍ إلَّا أَنْ يَنْكِحُوا أَوْ يَتَدَايَنُوا فَنَقَلَ الْمَوَّاقِ عَنْهَا التَّقْيِيدَ بِكَوْنِ النِّكَاحِ وَالدَّيْنِ لِأَجْلِهَا غَيْرُ ظَاهِرٍ اهـ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَلِلْأَبِ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَ أَوْ نَحَلَ لِبَنِيهِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلصِّغَارِ أُمٌّ؛ لِأَنَّ الْيُتْمَ إنَّمَا هُوَ بِمَوْتِ الْأَبِ مَا لَمْ يَنْكِحُوا أَوْ يَسْتَحْدِثُوا دَيْنًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَنْكَحَ لِغِنَاهُ وَعَلَيْهِ دَايَنَهُ النَّاسُ، وَبِذَلِكَ يَرْغَبُ فِي الْبِنْتِ وَيَرْفَعُ فِي صَدَاقِهَا فَلِذَلِكَ مَنَعَ الِاعْتِصَارَ إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ كَثِيرَةً يُزَادُ فِي الصَّدَاقِ لِأَجْلِهَا، فَأَمَّا الثَّوْبُ وَنَحْوُهُ فَلَا.

أَوْ يَطَأْ ثَيِّبًا أَوْ يَمْرَضْ، كَوَاهِبٍ

[منح الجليل]

وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ نَحَلَ ابْنَتَهُ نِحْلَةً فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ عَلَيْهَا ثُمَّ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ فَقَدْ انْقَطَعَ الِاعْتِصَارُ بِالنِّكَاحِ فَلَا يَعُودُ بَنَى بِهَا أَوْ لَمْ يَبْنِ، وَكَذَا مَنْ نَكَحَ مِنْ الذُّكُورِ أَوْ الْإِنَاثِ أَوْ دَايَنَ ثُمَّ زَالَ الدَّيْنُ أَوْ زَالَتْ الْعِصْمَةُ فَلَا اعْتِصَارَ، فِيهَا قَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِيمَنْ نَحَلَ ابْنَهُ أَوْ ابْنَتَهُ ثُمَّ نَكَحَهَا عَلَى ذَلِكَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ وَإِنْ نَحَلَهُمَا بَعْدَ النِّكَاحِ فَذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يَتَدَايَنَا أَوْ يَمُوتَا.
(أَوْ) إنْ لَمْ (يَطَأْ) الِابْنُ الْبَالِغُ أَمَةً (ثَيِّبًا) وَهَبَهَا لَهُ أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ، فَإِنْ وَطِئَهَا فَاتَ اعْتِصَارُهَا عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَإِنْ كَانَ وَطْءُ الثَّيِّبِ فَوْتًا فَالْبِكْرُ أَوْلَى، وَيَصْدُقُ الِابْنُ فِي دَعْوَى الْوَطْءِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
يَحْيَى بْنُ عُمَرَ إنْ كَانَ اخْتَلَى بِهَا وَكَالْوَطْءِ التَّدْبِيرُ وَالْكِتَابَةُ وَالْعِتْقُ لِأَجَلٍ وَأَوْلَى الْمُنَجَّزُ.
مُحَمَّدٌ إذَا وَهَبَهُ أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ بَعْدَ تَزْوِيجِهِ فَلَهُ اعْتِصَارُهَا مَا لَمْ يَتَدَايَنْ الْوَلَدُ أَوْ تَنْمُو الْهِبَةُ أَوْ يَطَؤُهَا إنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَيَفُوتُ الِاعْتِصَارُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِكْرًا وَلَمْ تَحْمِلْ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. (أَوْ) إنْ لَمْ (يَمْرَضْ) الْمَوْهُوبُ لَهُ مَرَضًا مَخُوفًا، فَإِنْ مَرِضَ مَرَضًا مَخُوفًا فَاتَ اعْتِصَارُهَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ وَرَثَتِهِ بِهَا، وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ فَقَالَ (كَ) مَرَضِ (وَاهِبٍ) مَرَضًا مَخُوفًا فَيَفُوتُ اعْتِصَارُهَا لِاتِّهَامِهِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْتَصِرُهَا لِوَرَثَتِهِ.
يَحْيَى بْنُ عُمَرَ إنْ مَرِضَ الْأَبُ أَوْ الِابْنُ فَلَا اعْتِصَارَ فِي مَرَضِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ زَالَ الْمَرَضُ فَلَهُ اعْتِصَارُهَا، بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَامَلْ لَهَا فِي الْمَرَضِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ مِثْلُهُ فِي الْأَبِ، قَالَ وَلَا يُشْبِهُ الْمُعْتَصِرُ مِنْهُ الْمُعْتَصِرَ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ أَصْبَغُ إذَا امْتَنَعَ الِاعْتِصَارُ بِمَرَضِ أَحَدِهِمَا أَوْ بِنِكَاحِ الْوَلَدِ أَوْ تَدَايُنِهِ ثُمَّ زَالَ الْمَرَضُ وَالدَّيْنُ وَالنِّكَاحُ فَلَا اعْتِصَارَ وَإِذَا زَالَ الِاعْتِصَارُ يَوْمًا فَلَا يَعُودُ، وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ دِينَارٍ وَإِذَا صَحَّ الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى

إلَّا أَنْ يَهَبَ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ، أَوْ يَزُولَ الْمَرَضُ عَلَى الْمُخْتَارِ

، وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ

[منح الجليل]

رَجَعَ الِاعْتِصَارُ كَمَا تَنْطَلِقُ يَدُهُ فِيمَا لَهُ فِيمَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يَنْكِحْ أَوْ يُدَايِنْ لَهَا وَمَا بَعْدَهُ فَقَالَ (إلَّا أَنْ يَهَبَ) الْأَبُ أَوْ الْأُمُّ لِوَلَدِهِ وَهُوَ (عَلَى) حَالِ مِنْ (هَذِهِ الْأَحْوَالِ) الْمَانِعَةِ الِاعْتِصَارَ بِأَنْ وَهَبَهُ وَهُوَ مُتَزَوِّجٌ أَوْ مَدِينٌ أَوْ أَحَدُهُمَا مَرِيضٌ فَلَهُ الِاعْتِصَارُ مَعَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَلَا يَكُونُ وُجُودُهَا مَانِعًا مِنْهُ (أَوْ) إلَّا أَنْ (يَزُولَ الْمَرَضُ) الْحَاصِلُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ الْوَاهِبُ بَعْدَ الْهِبَةِ فَيَعُودُ الِاعْتِصَارُ (عَلَى الْمُخْتَارِ) لِلَّخْمِيِّ مِنْ الْخِلَافِ، وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَنَصُّهُ اخْتَلَفَ إذَا امْتَنَعَ الِاعْتِصَارُ لِمَرَضِ الْأَبِ أَوْ الِابْنِ ثُمَّ بَرِئَ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ دِينَارٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يَعْتَصِرُ وَهُوَ أَبْيَنُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَرَضُ مَوْتٍ، فَإِذَا صَحَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا وَأَنَّهُ مَرَضٌ لَا يَمُوتُ مِنْهُ، وَلَوْ اعْتَصَرَ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ ثُمَّ صَحَّ مِنْهُ كَانَ الِاعْتِصَارُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ نَقَلَهُ " ق ".

(وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (تَمَلُّكُ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْمِيمِ وَضَمِّ اللَّامِ مُثَقَّلَةً (صَدَقَةٍ) لِلْمُتَصَدَّقِ بِهَا (بِغَيْرِ مِيرَاثٍ) كَشِرَاءٍ أَوْ قَبُولِ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ فَلَا يُكْرَهُ تَمَلُّكُهَا بِمِيرَاثٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ اخْتِيَارِيًّا وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ «عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ جَوَادٍ عَلَى رَجُلٍ فَلَمْ يَقُمْ بِحَقِّهِ فَاسْتَشَارَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شِرَائِهِ مِنْهُ، وَقَالَ عُمَرُ إنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَشْتَرِهِ وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ الْعَائِدُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» .

وَلَا يَرْكَبُهَا أَوْ يَأْكُلُ مِنْ غَلَّتِهَا، وَهَلْ إلَّا أَنْ يَرْضَى الِابْنُ الْكَبِيرُ بِشُرْبِ اللَّبَنِ؟

[منح الجليل]

فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا يَشْتَرِي الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، مُحَمَّدٌ لَا تَرْجِعُ بِاخْتِيَارٍ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ تَدَاوَلَتْهَا الْأَمْلَاكُ وَالْمَوَارِيثُ.
اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ هَلْ النَّهْيُ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ التَّحْرِيمِ؟ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَهَا وَيُكْرَهُ وَظَاهِرُ الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَجُوزُ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْمَثَلَ ضُرِبَ لَنَا بِمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ التَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى ذَمِّ الْفَاعِلِ بِتَشْبِيهِهِ بِالْكَلْبِ الْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ وَالذَّمُّ عَلَى الْفِعْلِ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهِ.
عِزُّ الدِّينِ لِبُعْدِ اللَّخْمِيِّ عَنْ قَوَاعِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ، قَالَ مَا ذَكَرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَرُجُوعُهَا بِالْإِرْثِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ جَبْرٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَجُوزُ الْحُرْمَةُ، وَهُوَ لَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ وَسَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَبَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْمَشْهُورِ بِالْكَرَاهَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى غَيْرَ لَفْظِ لَا يَجُوزُ.

(وَلَا يَرْكَبُهَا) أَيْ الْمُتَصَدِّقُ الدَّابَّةَ الَّتِي تَصَدَّقَ بِهَا (أَوْ يَأْكُلُ) الْمُتَصَدِّقُ (غَلَّتَهَا) أَيْ الصَّدَقَةِ.
فِيهَا مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِصَدَقَةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهَا وَلَا يَرْكَبُهَا إنْ كَانَتْ دَابَّةً وَلَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا وَلَا مِنْ ثَمَنِهَا، وَالْأُمُّ وَالْأَبُ إذَا احْتَاجَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمَا مِمَّا تَصَدَّقَا بِهِ عَلَى الْوَلَدِ.
مُحَمَّدٌ وَلَا يَسْتَعِيرُ مَا تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ أَعْطَاهُ لِرَجُلٍ فِي السَّبِيلِ وَإِنْ تَصَدَّقَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ فَلَا يَقْبَلُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِالْأَصْلِ، وَإِنَّمَا تَصَدَّقَ بِالْغَلَّةِ عُمْرَى أَوْ إلَى أَجَلٍ فَلَهُ شِرَاؤُهَا قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَأَصْحَابُهُ إلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ، وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ غَنَمٍ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى ابْنِهِ وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا وَيَكْتَسِيَ مِنْ صُوفِهَا إذَا رَضِيَ الْوَلَدُ وَكَذَلِكَ الْأُمُّ، وَهَذَا فِي الْوَلَدِ الرَّشِيدِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَفْعَلُ وَقَالَهُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " ابْنُ رُشْدٍ شِرَاءُ غَلَّةِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، قِيلَ جَائِزٌ كَالْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا، وَكَرِهَهُ أَشْهَبُ وَهُوَ الصَّوَابُ.
ابْنُ عَرَفَةَ شِرَاءُ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا عَوْدٌ فِي عَيْنِ الْعَطِيَّةِ لَا فِي غَلَّتِهَا.
(وَهَلْ) يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِغَلَّةِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ بِهَا فِي كُلِّ حَالٍ إلَّا (أَنْ يَرْضَى) ابْنُ الْمُتَصَدِّقِ (الْكَبِيرُ) أَيْ الْبَالِغِ الرَّشِيدِ (بِشُرْبِ اللَّبَنِ) أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ بِذَاتِ

تَأْوِيلَانِ، وَيُنْفِقُ عَلَى أَبٍ افْتَقَرَ مِنْهَا

وَتَقْوِيمُ جَارِيَةٍ أَوْ عَبْدٍ لِلضَّرُورَةِ،

[منح الجليل]

اللَّبَنِ أَوْ يَمْنَعُ وَلَوْ رَضِيَ بِهِ الْكَبِيرُ فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) أَيْ فَهْمَانِ لِشَارِحِي الْمُدَوَّنَةِ.
فِيهَا وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِصَدَقَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرَتِهَا، وَلَا يَرْكَبُهَا إنْ كَانَتْ دَابَّةً وَلَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا.
وَفِي الرِّسَالَةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ.
أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُهُ خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْمَعُونَةِ إلَّا أَنْ يَشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ يَسِيرًا أَوْ يَرْكَبَ الْفَرَسَ الَّذِي جَعَلَهُ فِي السَّبِيلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَقِلُّ خَطَرُهُ.
وَقِيلَ مَعْنَى مَا فِي الرِّسَالَةِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا ثَمَنَ لَهُ.
وَقِيلَ يُحْمَلُ مَا فِي الرِّسَالَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ قَوْلِهِ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ غَنَمٍ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى ابْنِهِ وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا وَيَكْتَسِيَ مِنْ صُوفِهَا إذَا رَضِيَ الْوَلَدُ الْكَبِيرُ.
اهـ. الْحَطّ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَهَلْ إلَّا أَنْ يَرْضَى الِابْنُ الْكَبِيرُ بِشُرْبِ اللَّبَنِ تَأْوِيلَانِ، إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَخْصِيصُهُ بِاللَّبَنِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ غَيْرُ خَاصٍّ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبُنَانِيُّ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ التَّأْوِيلَيْنِ عَلَى الرِّسَالَةِ لَا عَلَى الْمُدَوَّنَةِ، وَذَكَرَ نَصَّ أَبِي الْحَسَنِ الْمُتَقَدِّمِ ثُمَّ قَالَ فَأَنْتَ تَرَى تَقْيِيدَ الْمُدَوَّنَةِ بِالْأَجْنَبِيِّ مُوَافِقًا لِظَاهِرِ كَلَامِ مُحَمَّدٍ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي كَلَامِ الرِّسَالَةِ، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ كَانَ خِلَافًا لَهُمَا، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْوَلَدِ بِرِضَاهُ كَانَ وِفَاقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي مَفْهُومِ الْأَجْنَبِيِّ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهَلْ يُعْتَبَرُ فَتَكُونَ وِفَاقًا لِلْمَوَّازِيَّةِ أَوْ لَا يُعْتَبَرُ فَتَكُونَ خِلَافًا لَهَا لَصَحَّ التَّأْوِيلَانِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ حِينَئِذٍ لَكِنْ لَمْ أَرَهُ.
(وَيُنْفَقُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ (عَلَى أَبٍ) وَأُمٍّ (افْتَقَرَ) أَيْ صَارَ فَقِيرًا فَيُنْفَقُ عَلَيْهِ (مِنْهَا) أَيْ صَدَقَتِهِ عَلَى وَلَدِهِ فِيهَا وَالْأُمُّ وَالْأَبُ إذَا احْتَاجَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمَا مِمَّا تَصَدَّقَا بِهِ عَلَى وَلَدِهِمَا.
اهـ. وَمِثْلُهُمَا الزَّوْجَةُ وَلَوْ غَنِيَّةً لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَى زَوْجِهَا لِزَوْجِيَّتِهَا.

(وَ) يَجُوزُ لِلْأَبِ (تَقْوِيمُ جَارِيَةٍ) تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ (أَوْ عَبْدٍ) تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَتَمَلُّكُهُمَا (لِلضَّرُورَةِ) أَيْ احْتِيَاجِهِ لِوَطْءِ الْجَارِيَةِ وَاسْتِخْدَامِ الْعَبْدِ

وَيُسْتَقْصَى

وَجَازَ شَرْطُ الثَّوَابِ،

[منح الجليل]

وَيُسْتَقْصَى) أَيْ يَبْلُغُ الْأَبُ فِي قِيمَةِ الْجَارِيَةِ أَوْ الْعَبْدِ أَقْصَاهَا وَأَعْلَاهَا، فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِجَارِيَةٍ فَتَبِعَتْهَا نَفْسُهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَوِّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَيُسْتَقْصَى لِلِابْنِ.
مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ رُخِّصَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِلْوَلَدِ الصَّغِيرِ مِنْ ابْنِهِ وَلَوْ كَانَ كَبِيرًا أَوْ أَجْنَبِيًّا مَا حَلَّ لَهُ ذَلِكَ وَقَالَهُ مَالِكٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ مِثْلُ قَوْلِهَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمَوْهُوبُ عَبْدٌ.
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهَا فِي الْجَارِيَةِ أَعْذَرُ مِنْهُ فِي الْعَبْدِ لِتَعَلُّقِ نَفْسِهِ بِهَا وَلَوْ تَبِعَتْهَا نَفْسُهُ وَالصَّدَقَةُ بِهَا عَلَى أَجْنَبِيٍّ لَمَّا بَعُدَ شِرَاؤُهُ لَهَا، بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالْوَلَدِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ لِلشُّبْهَةِ فِي مَالِ ابْنِهِ، وَلِذَا أَجَازَ فِي رَسْمِ نَذْرِ سَنَةٍ أَنْ يَكْتَسِيَ بِصُوفِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى ابْنِهِ مِنْ الْغَنَمِ وَيَأْكُلَ مِنْ لَحْمِهَا وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا.
الْبُنَانِيُّ عَبَّرَ بِتَقْوِيمٍ تَبَعًا لَهَا، وَالْمُرَادُ شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا تَقْوِيمُهُ بِالْعُدُولِ، وَلِذَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْ أَجَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ؟ وَحَمَلَهُ عَلَى السَّدَادِ.
وَفِي كِتَابِ الْجُعْلِ جَعَلَهُ كَالْوَصِيِّ يَتَعَقَّبُ الْإِمَامُ فِعْلَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ لِنَفْسِهِ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ السَّدَادِ، بِخِلَافِ بَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَأَجَازَ هُنَا أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى ابْنِهِ وَوَجَّهُوهُ بِالضَّرُورَةِ وَشُبْهَةِ الْمِلْكِ وَشُبْهَةِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ.

(وَجَازَ شَرْطُ الثَّوَابِ) أَيْ الْعِوَضِ الْمَالِيِّ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي نَظِيرِ الْهِبَةِ مُقَارِنًا لِصِيغَةِ الْهِبَةِ، كَوَهَبْتُك أَوْ أَعْطَيْتُك أَوْ مَنَحْتُك أَوْ نَحَلْتُك هَذَا الشَّيْءَ عَلَى أَنْ تُثِيبَنِي أَوْ تُعَوِّضَنِي أَوْ تَرُدَّ عَلَيَّ أَوْ تُكَافِئَنِي وَهُوَ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ.
ابْنُ يُونُسَ الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ كَالْبَيْعِ فِي أَكْثَرِ الْحَالَاتِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الْعِوَضَ عِنْدَ الْهِبَةِ أَجَازَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَغَيْرِهِ، وَخَالَفَتْ الْبَيْعَ فِي هَذَا، كَخِلَافِ نِكَاحِ التَّعْوِيضِ لِنِكَاحِ التَّسْمِيَةِ وَكِلَاهُمَا نِكَاحٌ فِيهِ عِوَضٌ، وَلَا بَأْسَ بِاشْتِرَاطِ الثَّوَابِ عِنْدَ الْهِبَةِ وَإِنْ لَمْ يَصِفْهُ.
الْبَاجِيَّ هِبَةُ الثَّوَابِ لَيْسَتْ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهَا فَلَهُ ارْتِجَاعُهَا وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا تَجُوزُ هِبَتُهُ لِلثَّوَابِ كَالْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالْعَبْدِ الْآبِقِ وَمَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِنْ ثَمَرَةٍ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَوَجْهُهُ أَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَا تَجُوزُ فِي نَحْوِ الْآبِقِ كَالْبَيْعِ.
ابْنُ عَرَفَةَ هِبَةُ الثَّوَابِ عَطِيَّةٌ قُصِدَ بِهَا عِوَضٌ مَالِيٌّ.

وَلَزِمَ بِتَعْيِينِهِ.

وَصُدِّقَ وَاهِبٌ فِيهِ، إنْ لَمْ يَشْهَدْ عُرْفٌ بِضِدِّهِ، وَإِنْ لِعُرْسٍ،

[منح الجليل]

وَلَزِمَ) الثَّوَابُ الْمَوْهُوبَ لَهُ، أَيْ دَفْعُهُ لِلْوَاهِبِ (بِ) سَبَبِ (تَعْيِينِهِ) أَيْ الثَّوَابِ حَالَ عَقْدِ الْهِبَةِ بِأَنْ قَالَ وَهَبْتُك هَذَا الثَّوْبَ عَلَى أَنْ تُثِيبَنِي هَذَا الْعَبْدَ أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةَ أَوْ هَذِهِ الدَّارَ فَرَضِيَ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهِ جُبِرَ عَلَيْهِ الْحَطّ يَعْنِي أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ إذَا عَيَّنَ الثَّوَابَ لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ لِلْوَاهِبِ وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ الْوَاهِبُ قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ.
خَلِيلٌ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِتَعْيِينِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا ضَرُورِيٌّ كَبَتِّ عَقْدِ الْخِيَارِ، وَجَعَلَ الْبِسَاطِيُّ فَاعِلَ لَزِمَ ضَمِيرُ عَقْدِ الْهِبَةِ، أَيْ لَزِمَ الْعَقْدُ بِتَعْيِينِ الثَّوَابِ جِنْسًا أَوْ قَدْرًا، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ شَرَطَ الثَّوَابَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ فَلَا يَكْفِي فِي اللُّزُومِ وَهُوَ كَذَلِكَ الْبُنَانِيُّ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ الثَّالِثُ أَيْ مِنْ أَوْجُهِ هِبَةِ الثَّوَابِ أَنْ يَهَبَ عَلَى ثَوَابٍ يَشْتَرِطُهُ وَيُسَمِّيهِ فَهُوَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ يَحِلُّهُ مَا يَحِلُّ الْبَيْعَ وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ

. (وَ) إنْ وَهَبَ شَخْصٌ لِآخَرَ هِبَةً وَادَّعَى الْوَاهِبُ أَنَّهَا لِلثَّوَابِ (صُدِّقَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا شَخْصٌ (وَاهِبٌ) شَيْئًا مُتَمَوَّلًا لِشَخْصٍ آخَرَ (فِي) قَصْدِ (هـ) أَيْ الثَّوَابِ (إنْ لَمْ يَشْهَدْ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالْهَاءِ (عُرْفٌ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ جَرَى بَيْنَ النَّاسِ (بِضِدِّهِ) أَيْ عَدَمِ الثَّوَابِ عَلَى الْهَدِيَّةِ بِأَنْ جَرَى الْعُرْفُ بِهِ أَوْ لَمْ يَجْرِ بِشَيْءٍ، فَإِنْ جَرَى عُرْفٌ بِضِدِّهِ فَلَا يُصَدَّقُ الْوَاهِبُ فِيهِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا وَهَبْت لِقَرَابَتِك أَوْ ذِي رَحِمِك، وَعَلِمَ أَنَّك أَرَدْت بِهِ ثَوَابًا فَذَلِكَ لَك.
فَإِنْ أَثَابُوك وَإِلَّا رَجَعَتْ.
فِيهَا وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِثَوَابٍ كَصِلَتُك لِفَقِيرِهِمْ وَأَنْتَ غَنِيٌّ فَلَا ثَوَابَ لَك، وَلَا تُصَدَّقُ أَنَّك أَرَدْته وَلَا رَجْعَةَ فِي هِبَتِك، وَكَذَلِكَ هِبَةُ غَنِيٍّ لِأَجْنَبِيٍّ فَقِيرٍ أَوْ فَقِيرٍ لِفَقِيرٍ، ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَابَ فَلَا يُصَدَّقُ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ فِي أَصْلِ الْهِبَةِ ثَوَابًا وَلَا رَجْعَةَ لَهُ فِي هِبَتِهِ.
وَيُصَدَّقُ الْوَاهِبُ فِيهِ إنْ كَانَ وَهَبَ لِغَيْرِ عُرْسٍ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ وَهَبَ (لِعُرْسٍ) الْبَاجِيَّ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النَّاسِ بِبَلَدِنَا مِنْ إهْدَاءِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ الْكِبَاشَ وَغَيْرَهَا

وَهَلْ يَحْلِفُ أَوْ إنْ أَشْكَلَ؟ تَأْوِيلَانِ

فِي غَيْرِ الْمَسْكُوكِ إلَّا لِشَرْطٍ

[منح الجليل]

عِنْدَ النِّكَاحِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ إنَّ ذَلِكَ عَلَى الثَّوَابِ، وَبِذَلِكَ رَأَيْت الْقَضَاءَ فِي بَلَدِنَا، قَالَ لِأَنَّ ضَمَانَ الْمُهْدِينَ وَالْمُهْدَى لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهُ الْعُرْفُ، قَالَ وَذَلِكَ كَمَا شَرَطَ فَيُقْضَى لِلْمُهْدِي بِقِيمَةِ الْكِبَاشِ حِينَ قَبَضَهَا الْمُهْدَى إلَيْهِ إنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الْوَزْنِ، فَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الْوَزْنِ قَضَى بِوَزْنِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُهْدَى إلَيْهِ بَعَثَ إلَى الْمُهْدِي قَدْرًا مِنْ لَحْمٍ مَطْبُوخٍ أَوْ أَكَلَ عِنْدَهُ فِي الْعُرْسِ حُوسِبَ بِهِ فِي قِيمَةِ هَدِيَّتِهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي بَلَدٍ لَا يُعْرَفُ فِيهِ هَذَا، فَلَا يُقْضَى فِيهِ بِثَوَابٍ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوْ قَالَ لَا أُعْطِيك إلَّا أَنْ يَتَجَدَّدَ عُرْسٌ، وَهُوَ شَأْنُ النَّاسِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ هَدَيْته مُعَجَّلًا.
(وَهَلْ يَحْلِفُ) الْوَاهِبُ عَلَى قَصْدِ الثَّوَابِ مُطْلَقًا شَهِدَ لَهُ الْعُرْفُ أَوَّلًا (أَوْ) إنَّمَا يَحْلِفُ (إنْ أَشْكَلَ) الْأَمْرُ وَلَمْ يَشْهَدْ لَهُ الْعُرْفُ وَلَا عَلَيْهِ؟ فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) عِيَاضٌ قَوْلُهُ فِي هِبَةِ الْفَقِيرِ إنْ قَالَ إنَّمَا وَهَبْته لِلثَّوَابِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُدَوَّنَةِ مَعَ يَمِينِهِ، وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْجَلَّابِ.
وَقَالَ ابْنُ زَرْبٍ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ أَمَّا إذَا أَشْكَلَ فَإِحْلَافُهُ صَوَابٌ وَإِنْ لَمْ يُشْكِلْ وَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَابَ فَلَا يَحْلِفُ.
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِبَتِهِ مُجَرَّدَ الثَّوَابِ دُونَ مُكَافَأَةٍ أَوْ قَصَدَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا مِثْلَ هِبَةِ النُّظَرَاءِ وَالْأَكْفَاءِ مِنْ أَهْلِ الْوُفُورِ وَالْغِنَى فَفِي الْمُدَوَّنَةِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ.
وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي تَأْوِيلِهَا هَلْ بِيَمِينٍ أَوْ غَيْرِهَا.
اهـ. وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ فَظَهَرَ أَنَّ التَّأْوِيلَيْنِ فِي الْوَاهِبِ وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ فَهُمَا رَاجِعَانِ لِقَوْلِهِ وَصُدِّقَ وَاهِبٌ فِيهِ، وَبِهَذَا قَرَّرَهُ الْبِسَاطِيُّ، وَعِبَارَةُ الشَّامِلِ فَإِنْ أَشْكَلَ صُدِّقَ الْوَاهِبُ وَهَلْ بِيَمِينٍ تَأْوِيلَانِ

وَيُصَدَّقُ الْوَاهِبُ فِيهِ (فِي) هِبَةِ (غَيْرِ الْمَسْكُوكِ) أَيْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَلَا يُصَدَّقُ فِيهِ فِي هِبَةِ الْمَسْكُوكِ (إلَّا بِشَرْطٍ) لِلثَّوَابِ فِي هِبَةِ الْمَسْكُوكِ فَيَعْمَلُ عَلَيْهِ وَيُثَابُ عَنْهُ عَرْضٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ حَيَوَانٌ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا ثَوَابَ فِي هِبَةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَإِنْ وَهَبَهَا فَقِيرٌ لِغَنِيٍّ وَمَا عَلِمْته مِنْ عَمَلِ النَّاسِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الثَّوَابَ فَيُثَابُ

وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ

وَلِقَادِمٍ عِنْدَ قُدُومِهِ وَإِنْ فَقِيرًا لِغَنِيٍّ، وَلَا يَأْخُذُ هِبَتَهُ وَإِنْ قَائِمَةً

[منح الجليل]

عَرْضًا أَوْ طَعَامًا وَأَجَازَ الْإِمَامُ مَالِكٌ هِبَةَ الْحُلِيِّ الْمَصُوغِ لِلثَّوَابِ وَالْعِوَضُ عَلَيْهِ يُعَاضُ عُرُوضًا.

(وَ) لَا يُصَدَّقُ فِي قَصْدِ الثَّوَابِ فِي (هِبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ) ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ، وَبِهِ قَرَّرَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِنَاءً عَلَى الْحَذْفِ مِنْ الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ.
فِيهَا لَا يُقْضَى بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِالثَّوَابِ فِي الْهِبَةِ وَلَا بَيْنَ وَالِدٍ وَوَلَدِهِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ بَيْنَهُمْ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ لِامْرَأَةٍ جَارِيَةٌ فَارِهَةٌ فَطَلَبَهَا مِنْهَا زَوْجُهَا وَهُوَ مُوسِرٌ فَأَعْطَتْهُ إيَّاهَا مُرِيدَةً بِهَا اسْتِفْزَازَ صِلَتِهِ وَعَطِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ كَذَلِكَ يُحْسِنُ لِامْرَأَتِهِ وَالِابْنُ لِأَبِيهِ بِمَا يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ اسْتِفْزَازَ مَا عِنْدَ أَبِيهِ.
فَإِنْ كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ مِمَّا يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ وَجْهُ مَا طَلَبَ فِي هِبَتِهِ، فَفِي ذَلِكَ الثَّوَابُ، فَإِنْ أَثَابَهُ وَإِلَّا رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي هِبَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُرَوِّجْهُ مَا ذَكَرْنَا فَلَا ثَوَابَ بَيْنَهُمَا.

(وَ) لَا يُصَدَّقُ فِي قَصْدِهِ مَنْ أَهْدَى (لِقَادِمٍ) مِنْ سَفَرٍ (عِنْدَ قُدُومِهِ) أَيْ الْقَادِمِ مِنْهُ إنْ كَانَا غَنِيَّيْنِ أَوْ فَقِيرَيْنِ أَوْ الْمُهْدِي فَقِيرًا وَالْمُهْدَى لَهُ غَنِيًّا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الْمُهْدِي (فَقِيرًا) أَهْدَى (لِغَنِيٍّ) عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - (وَلَا يَأْخُذُ الْفَقِيرُ) الْمُهْدِي لِلْغَنِيِّ عِنْدَ قُدُومِهِ (هَدِيَّتَهُ) أَيْ الْفَقِيرِ مِنْ الْغَنِيِّ الْمُهْدَى لَهُ إنْ كَانَتْ فَاتَتْ بِيَدِ الْغَنِيِّ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ (قَائِمَةً) بِعَيْنِهَا بِيَدِ الْغَنِيِّ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا قَدِمَ غَنِيٌّ مِنْ سَفَرٍ فَأَهْدَى لَهُ جَارُهُ الْفَقِيرُ الْفَوَاكِهَ وَالرُّطَبَ وَشَبَهَهُمَا، ثُمَّ قَامَ وَطَلَبَ الثَّوَابَ، وَقَالَ إنَّمَا أَهْدَيْت إلَيْهِ رَجَاءَ أَنْ يَكْسُوَنِي أَوْ يَصْنَعَ بِي خَيْرًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ لِغَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا لَهُ أَخْذُ هَدِيَّتِهِ وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا.
الْحَطّ أَطْلَقَ فِيهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ مُقَيَّدٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا بِمَا يُهْدَى مِنْ الطَّعَامِ وَالْفَاكِهَةِ وَنَحْوِهِمَا.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا لَا ثَوَابَ فِي هَدِيَّةِ فَقِيرٍ لِغَنِيٍّ الْفَاكِهَةَ وَالرُّطَبَ لِقُدُومِهِ مِنْ سَفَرٍ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ قَائِمًا.
الصِّقِلِّيُّ عَنْ الشَّيْخِ

وَلَزِمَ وَاهِبَهَا لَا الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ، إلَّا لِفَوْتٍ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ؛

وَلَهُ مَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَهُ

[منح الجليل]

لِابْنِ اللَّبَّادِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا لَهُ أَخْذُهُ إنْ كَانَ قَائِمًا، قَالَ وَأَمَّا الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ يُوهَبُ لِلْقَادِمِ فَفِيهِ الثَّوَابُ.
اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ فِي الْهِبَةِ لِلْقَادِمِ مِنْ السَّفَرِ الْفَاكِهَةَ وَالطَّعَامَ وَشَبَهَهُمَا فَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا ثَوَابَ فِيهَا وَلِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي مُخْتَصَرِ حَمْدِيسٍ لَهُ.
فِيهَا الثَّوَابُ وَهُوَ أَبْيَنُ وَالشَّأْنُ رَجَاؤُهُ مِمَّا يَقْدُمُ بِهِ الْمُسَافِرُ.
قُلْت مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْدُمْ بِشَيْءٍ فَلَا ثَوَابَ عَلَيْهِ.

(وَلَزِمَ وَاهِبَهَا) أَيْ هِبَةِ الثَّوَابِ قَبُولُ الْقِيمَةِ إنْ دَفَعَهَا لَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَائِمَةً كَانَتْ أَوْ فَائِتَةً عَلَى الْمَشْهُورِ (لَا) تَلْزَمُ (الْمَوْهُوبَ) لَهُ وَفَاعِلُ لَزِمَ (الْقِيمَةُ) لِلشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ فَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ رَدُّهَا (إلَّا لِفَوْتٍ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ) فِي عَيْنِ الْهِبَة فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهَا عَلَى الْمَشْهُورِ.
الْحَطّ يَعْنِي أَنَّ الْوَاهِبَ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْقِيمَةِ إذَا دَفَعَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ دَفْعُ الْقِيمَةِ إلَّا أَنْ تَفُوتَ الْهِبَةُ عِنْدَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ " ق " هِبَةُ الثَّوَابِ يَكُونُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مُخَيَّرًا فِيهَا مَا كَانَتْ قَائِمَةً لَمْ تَفُتْ بَيْنَ أَنْ يُشَبِّهَ مَا فِيهِ وَفَاءً بِقِيمَةِ الْهِبَةِ أَوْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ، وَلَا تَجِبُ الْقِيمَةُ عَلَيْهِ إلَّا بِالْفَوْتِ.
ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِي الْفَوْتِ الَّذِي يَلْزَمُ بِهِ الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ.
الثَّالِثُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالزِّيَادَةِ أَوْ النُّقْصَانِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِحْدَى رِوَايَتَيْ عِيسَى عَنْهُ.

(وَلَهُ) أَيْ الْوَاهِبِ (مَنْعُهَا) أَيْ الْهِبَةِ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ (حَتَّى يَقْبِضَهُ) أَيْ الْوَاهِبِ الثَّوَابَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَمَّا هِبَةُ الثَّوَابِ فَلِوَاهِبِهَا مَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَ عِوَضَهَا كَالْبَيْعِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ بِمَ يَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُ الْقِيمَةِ هَلْ بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ أَوْ بِالْقَبْضِ، بَلْ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْقِيمَةِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْهِبَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِقَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.

وَأُثِيبَ مَا يُقْضَى عَنْهُ بِبَيْعٍ وَإِنْ مَعِيبًا

[منح الجليل]

الثَّانِي: ابْنُ عَرَفَةَ إذَا أَثَابَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ، وَامْتَنَعَ الْوَاهِبُ أَنْ لَا يَقْبَلَ إلَّا الْقِيمَةَ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَيُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ مَا أَعْطَاهُ الْمَوْهُوبَ لَهُ.
الثَّالِثُ: فِي الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَيْسَ عَلَى الْفُقَهَاءِ أَنْ يَشْهَدُوا بَيْنَ النَّاسِ، وَلَا أَنْ يُضَيِّفُوا أَحَدًا وَلَا أَنْ يُكَافِئُوا عَلَى الْهَدَايَا، وَكَذَا السُّلْطَانُ لَا يُكَافِئُ وَلَا يُكَافَأُ.
" غ " عَنْ شَيْخِهِ الْقُورِيِّ: لَيْسَ عَلَى الْفَقِيهِ مِنْ ضِيَافَاتٍ ... وَلَا شَهَادَاتٍ وَلَا مُكَافَآتٍ ذِكْرُ ذَا أَيْضًا لِذِي الْمَدَارِكِ ... عَنْ سَعْدٍ الْمَعَافِرِيِّ عَنْ الْمَدَارِكِ أَفَادَهَا الْحَطّ.
الْبُنَانِيُّ " غ " فِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ الْبَيْتَيْنِ لِنَفْسِهِ.

(وَأُثِيبَ) بِضَمٍّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ دُفِعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ لِلْوَاهِبِ عِوَضًا عَنْ هِبَتِهِ (مَا) أَيْ شَيْئًا أَوْ الشَّيْءَ الَّذِي (يُقْضَى) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ يَجُوزُ دَفْعُهُ قَضَاءً (عَنْهُ) أَيْ الْمَوْهُوبِ (بِبَيْعٍ) أَيْ يُجْعَلُ ثَمَنُهُ فِي الْبَيْعِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ وَهَبَك حِنْطَةً فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ تُعَاوِضَهُ مِنْهَا بَعْدَ حِنْطَةٍ، أَوْ تَمْرًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ مَكِيلِ الطَّعَامِ أَوْ مَوْزُونِهِ إلَّا أَنْ تُعَاوِضَهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ طَعَامًا مِنْ طَعَامٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " إلَّا أَنْ تُعَاوِضَهُ مِثْلَ طَعَامِهِ فِي صِفَتِهِ وَجَوْدَتِهِ وَكَيْلِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِنْ افْتَرَقَا إنْ كَانَ مَا يُقْضَى عَنْهُ سَلِيمًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (مَعِيبًا) " غ " بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ يَاءٌ نَاشِئَةٌ عَنْ الْكَسْرَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ مِنْ الْعَيْبِ أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِهَا وَإِنْ وَجَدَ الْوَاهِبُ عَيْبًا بِالْعِوَضِ، فَإِنْ كَانَ عَيْبًا فَادِحًا لَا يُتَعَاوَضُ فِي مِثْلِهِ كَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ فَلَهُ رَدُّهُ وَأَخْذُ الْهِبَةِ إنْ لَمْ تَفُتْ إلَّا أَنْ يُعَوِّضَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَادِحًا نُظِرَ إلَى قِيمَةِ الْمَعِيبِ فَإِنْ كَانَتْ كَقِيمَةِ الْهِبَةِ فَأَكْثَرَ فَلَا يَجِبُ لَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْقِيمَةِ تَطَوُّعٌ غَيْرُ لَازِمٍ، فَإِنْ كَانَ دُونَ قِيمَتِهَا فَأَتَمَّ لَهُ الْقِيمَةَ بَرِئَ وَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ رَدُّ الْعِوَضِ إلَّا أَنْ يَأْبَى الْمَوْهُوبُ لَهُ أَنْ يُتِمَّ لَهُ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يُعَوِّضُهُ مِمَّا جَرَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الْأَعْوَاضِ يَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُهُ وَإِنْ كَانَ مَعِيبًا إذَا كَانَ فِيهِ وَفَاءً بِالْقِيمَةِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

إلَّا كَحَطَبٍ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ، وَلِلْمَأْذُونِ، وَلِلْأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ: الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ

وَإِنْ قَالَ: دَارِي صَدَقَةٌ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا؛ أَوْ بِغَيْرِهَا وَلَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ

[منح الجليل]

وَاسْتَثْنَى مِمَّا يَقْضِي عَنْهُ بِبَيْعٍ فَقَالَ (إلَّا) مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِإِثَابَتِهِ عَنْهُ (كَحَطَبٍ) وَتِبْنٍ وَحَلْفَاءَ وَحَشِيشٍ فَلَا يَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ ابْنِ شَاسٍ نَوْعُ الثَّوَابِ الَّذِي يَلْزَمُ قَبُولُهُ بِاتِّفَاقٍ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ، وَرَوَى أَشْهَبُ انْحِصَارَهُ فِيهِمَا إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى غَيْرِهِمَا، وَرَأَى سَحْنُونٌ أَنَّ كُلَّ مَا يَتَمَوَّلُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ثَوَابًا.
وَيَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُهُ إذَا كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِقِيمَةِ هِبَتِهِ، وَوَافَقَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْعَيْنِ إلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ الْمُتَمَوِّلِ الْحَطَبَ وَالتِّبْنَ وَشِبْهِهِمَا مِمَّا لَا يُثَابُ عَادَةً بِمِثْلِهِ، تت وَهَذَا فِي غَيْرِ الْأَمْصَارِ غَالِبًا وَإِلَّا فَبَعْضُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَذَوِي الْعِيَالِ وَالدَّوَابِّ إذَا أَثْبَتَ ذَلِكَ كَانَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ.
(وَلِ) لِرَقِيقِ (الْمَأْذُونِ) لَهُ فِي التَّجْرِ الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ (وَلِلْأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ) الْمَحْجُورِ لَهُ لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ جُنُونٍ (الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ) فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " وَلِلْمَأْذُونِ أَنْ يَهَبَ لِلثَّوَابِ كَالْبَيْعِ وَيُقْضَى عَلَيْهِ أَنْ يُعَوِّضَ مَنْ وَهَبَهُ، وَلِلْأَبِ أَنْ يَهَبَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ لِلثَّوَابِ وَيُعَوِّضَ عَنْهُ وَاهِبَهُ لِلثَّوَابِ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ بَيْعٌ وَبَيْعُ الْأَبِ جَائِزٌ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ.

(وَإِنْ قَالَ) الرَّشِيدُ الْمَالِكُ أَمَرَ نَفْسَهُ (دَارِي) مَثَلًا (صَدَقَةٌ) وَصِلَةُ قَالَ (بِيَمِينٍ) كَأَنْ فَعَلْت كَذَا أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْهُ فَدَارِي صَدَقَةٌ حَالَ كَوْنِهِ (مُطْلِقًا) بِكَسْرِ اللَّامِ أَوْ قَوْلًا مُطْلَقًا بِفَتْحَتِهَا عَنْ التَّقَيُّدِ بِكَوْنِ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ بِهَا غَيْرَ مُعَيَّنٍ (أَوْ) قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ (بِغَيْرِهَا) أَيْ الْيَمِينِ، بِأَنْ قَالَ ابْتِدَاءُ دَارِي صَدَقَةٌ بِلَا تَعْلِيقَ عَلَى فِعْلٍ أَوْ عَدَمِهِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يُعَيِّنْ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا الْقَائِلُ دَارِي صَدَقَةٌ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِأَنْ أَطْلَقَ أَوْ عَلَى نَحْوِ الْمَسَاكِينِ وَأَبَى تَنْفِيذَ الصَّدَقَةِ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ (لَمْ يُقْضَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ فَلَا يُحْكَمُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْقَائِلِ دَارِي صَدَقَةٌ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهَا وَلَمْ

بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ

وَفِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ: قَوْلَانِ؛

وَقُضِيَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ فِيهَا بِحُكْمِنَا.

[منح الجليل]

يُعَيِّنْ بِتَنْفِيذِ الصَّدَقَةِ بِهَا، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهِ لِعَدَمِ قَصْدِهِ التَّبَرُّرَ فِي صُورَتَيْ الْيَمِينِ وَلِعَدَمِ تَعَيُّنِ مَنْ يُخَاصِمُهُ فِي الثَّالِثَة.
(بِخِلَافِ) قَوْلِهِ فِي غَيْرِ يَمِينٍ دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى فُلَانٍ (الْمُعَيَّنِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْيَاءِ مُثَقَّلَةً وَأَبَى مِنْ تَنْفِيذِهَا فَيُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ لِتَبَرُّرِهِ وَتَعْيِينِ مُسْتَحِقِّهَا، فِيهَا مَنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ قَالَهُ فِي غَيْرِ يَمِينٍ وَبَتَلَهُ لِلَّهِ تَعَالَى أَجْبَرَهُ السُّلْطَانُ إنْ كَانَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ.
عِيَاضٌ عَلَى هَذَا اخْتَصَرَهَا أَكْثَرُ الْمُخْتَصِرِينَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِهِ إلَّا إذَا كَانَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ.

(وَفِي) الْقَضَاءِ بِتَنْفِيذِ صَدَقَةٍ (عَلَى مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ) وَعَدَمِهِ (قَوْلَانِ) سُئِلَ ابْنُ زَرْبٍ عَمَّنْ تَصَدَّقَ أَوْ وَهَبَ لِمَسْجِدٍ بِعَيْنِهِ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهَا وَإِنْفَاذِهَا؟ فَقَالَ يُجْبَرُ كَمُتَصَدِّقٍ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يُؤْمَرُ وَلَا يُجْبَرُ.
يُرِيدُ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ لَيْسَ لِلْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِجَمَاعَةِ النَّاسِ فَهِيَ كَصَدَقَةٍ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا لَا أَدْرِي وَتَوَقَّفَ.

(وَقُضِيَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (بَيْنَ) شَخْصٍ (مُسْلِمٍ وَ) شَخْصٍ (ذِمِّيٍّ) بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ مُثَقَّلَةً مَنْسُوبٌ لِلذِّمَّةِ، أَيْ الْعَهْدِ بِالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ (فِيهَا) أَيْ هِبَةِ الثَّوَابِ مِنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ (بِحُكْمِنَا) مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ.
فِيهَا يُقْضَى بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي الْهِبَاتِ بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَا ذِمِّيَّيْنِ فَامْتَنَعَ الْوَاهِبُ مِنْ دَفْعِ الْهِبَةِ فَلَا أُعْرِضُ لَهُمَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ النِّظَامِ الَّذِي أَمْنَعُهُمْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَمْرٍ يَكُونُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ، فَإِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ.
عِيَاضٌ بَعْضُ شُيُوخِنَا مَعْنَاهُ إنْ لَمْ يَتَرَافَعَا إلَيْنَا وَلَوْ تَرَافَعَا إلَيْنَا لَحَكَمْت بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ.
وَقِيلَ بَلْ مَعْنَاهُ وَإِنْ تَرَافَعَا إلَيْنَا فَلَا نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ هِبَاتِهِمْ لَيْسَتْ مِنْ التَّظَالُمِ وَهُوَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ هُنَا لِقَوْلِهِ لَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ أَخْذِ مَالِهِ.
تت هَذِهِ إحْدَى الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ الَّتِي لَا يُحْكَمُ بَيْنَهُمْ فِيهَا وَالنِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ وَالزِّنَا.
وَفِيهَا كُلُّهَا خِلَافٌ مَعْرُوفٌ فِي مَحَلِّهِ.
طفي عَدَمُ الْحُكْمِ وَالِاخْتِلَافُ فِيهَا عِنْدَ التَّرَافُعِ.
عِيَاضٌ وَقَدْ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

اُخْتُلِفَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ إذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالزِّنَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
1 - (خَاتِمَةٌ فِي الْعِدَّةِ) ابْنُ عَرَفَةَ الْعِدَّةُ إخْبَارٌ عَنْ إنْشَاءِ الْمُخْبِرِ مَعْرُوفًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَيَدْخُلُ الْوَعْدُ بِالْحَمَالَةِ وَغَيْرِهَا وَالْوَفَاءُ بِهَا مَطْلُوبٌ اتِّفَاقًا.
ابْنُ رُشْدٍ فِي لُزُومِ الْقَضَاءِ بِهَا مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَتْ عَلَى سَبَبٍ وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِسَبَبِهَا فِي السَّبَبِ أَوْ بِشَرْطِ دُخُولِهِ بِسَبَبِهَا فِيهِ، رَابِعُهَا لَا يُقْضَى بِهَا مُطْلَقًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَصْبَغَ مَعَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا السَّمَاعِ وَلِسَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ وَصَوَّبَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي نَوَازِلِهِ ثَانِيَهَا فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلُهُ لِمَدِينٍ أَنَا أَقْضِي عَنْك دَيْنَك لَا يَلْزَمُهُ، وَقَوْلُهُ لِرَبِّ الدَّيْنِ أَقْضِيك الدَّيْنَ الَّذِي لَك يَلْزَمُهُ لِإِدْخَالِهِ إيَّاهُ فِي التَّوَثُّقِ، وَفِي نِكَاحِهَا الْأَوَّلِ مِمَّا هُوَ حَمْلٌ لَا حَمَالَةٌ، قَوْلُهُ بِعْ فُلَانًا فَرَسَك وَثَمَنُهُ عَلَيَّ، فَإِنْ هَلَكَ الْأَوَّلُ فَذَلِكَ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَدَعْ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَكَذَا مَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ مَالًا فَقَالَ لِرَجُلٍ قَبْلَ دَفْعِهِ لَهُ بِعْ فَرَسَك لِفُلَانٍ بِاَلَّذِي وَهَبْته لَهُ وَأَنَا ضَامِنٌ لَك حَتَّى أَدْفَعَ لَك فَقَبَضَ الْفَرَسَ فَالثَّمَنُ عَلَى الْوَاهِبِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْبَائِعُ الثَّمَنَ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ وَلَا مَالَ لَهُ فَلَا رُجُوعَ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِشَيْءٍ.
عَبْدُ الْحَقِّ لَمْ يُبَيِّنْ إنْ مَاتَ الْوَاهِبُ عَدِيمًا قَبْلَ قَبْضِ الْمُبْتَاعِ الْفَرَسَ هَلْ لَهُ قَبْضُهُ دُونَ غُرْمِ ثَمَنِهِ أَمْ لَا، وَفِيهِ قَوْلَانِ لِغَيْرِ الشَّيْخِ، وَلَهُ ثُمَّ قَالَ وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ مَنْ قَالَ لِبَيْعِهِ بَعْدَ الْبَيْعِ بِعْ وَلَا نَقْصَ عَلَيْك قَوْلًا عَازِمًا بَيِّنًا لَزِمَهُ، وَيُصَدَّقُ الْمُبْتَاعُ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ نَقْصٍ إنْ أَشْبَهَ.
ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لَازِمٌ لِمَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَمُتْ أَوْ يُفْلِسْ، وَقَوْلُهُ ذَلِكَ قَبْلَ انْتِقَادِهِ كَقَوْلِهِ بَعْدَهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ اُنْقُدْنِي وَبِعْ وَلَا نَقْصَ عَلَيْك فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ.
وَفِي سَمَاعِ عِيسَى؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِيهِ عُيُوبٌ وَخُصُومَاتٌ، فَإِنْ بَاعَ بِنَقْصٍ لَزِمَهُ أَنْ يَرُدَّ لَهُ إنْ كَانَ انْتَقَدَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَغْبِنْ فِي الْبَيْعِ غَبْنًا بَيِّنًا وَبَاعَ بِالْقُرْبِ، فَإِنْ أُخِّرَتْ حَتَّى حَالَتْ الْأَسْوَاقُ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ.
يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ فِي النَّقْصِ فِيمَا يُشْبِهُ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَنَهُ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

وَفِي سَمَاعِ عِيسَى إنْ كَانَ عَبْدًا فَأَبْقَ أَوْ مَاتَ فَقَالَ أَصْبَغُ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَاَلَّذِي أَقُولُهُ إنَّهُ مَوْضُوعٌ عَنْ الْمُشْتَرِي وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الثَّوْبِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ ذَهَبَ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَلَا يَحِلُّ لِلْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا إنْ قَبِلَ الشَّرْطَ.
ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ وَطِئَهَا لَزِمَتْهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ بِوَطْئِهِ تَرَكَ مَا جُعِلَ لَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ لَهُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَنْهُ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَفِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ لَوْ بَاعَ مِنْهُ عَلَى أَنْ لَا نَقْصَ عَلَيْهِ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَيْسَ بَيْعًا، فَإِنْ بَاعَ فَلَهُ إجَارَتُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا، وَفِي كَوْنِهِ إجَارَةً فَاسِدَةً أَوْ بَيْعًا فَاسِدًا قَوْلَانِ فِي هَذَا السَّمَاعِ مَعَ الْمُوَطَّإِ وَفِي غَيْرِهِمَا وَالْقَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْوَاضِحَةِ وَفِي السَّمَاعِ فَعَلَى الْأَوَّلِ الضَّمَانُ مِنْ الْبَائِعِ وَلَا فَوْتَ لِلْمَبِيعِ وَلَوْ بِعَيْبٍ مُفْسِدٍ، وَلِلْمُبْتَاعِ أَجْرُ مِثْلِهِ فَلَوْ فَوَّتَهَا بِعَطِيَّةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ حَمْلٍ، فَفِي مُضِيُّهُ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْإِعْطَاءِ وَالْإِعْتَاقِ وَالْإِحْبَالِ لِرَعْيٍ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ أَوْ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رِضًا مِنْهُ فِي قَوْلَا مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا السَّمَاعِ، وَعَلَى الثَّانِي فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ كَبَيْعٍ فَاسِدٍ اتِّفَاقًا.
وَسَمِعَ أَصْبَغُ أَشْهَبَ مَنْ أَجَابَ مَنْ ابْتَاعَ مِنْهُ كَرْمًا فَخَافَ الْوَضِيعَةَ بِقَوْلِهِ بِعْ وَأَنَا أُرْضِيك إنْ بَاعَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ فَأَكْثَرَ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَأَنَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُرْضِيَهُ، فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ شَيْئًا سَمَّاهُ فَهُوَ مَا أَرَادَ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا أَرْضَاهُ بِمَا شَاءَ، وَحَلَفَ مَا أَرَادَ أَكْثَرَ مِنْهُ يَوْمَ قَالَ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَلَيْهِ أَنْ يُرْضِيَهُ بِمَا يُشْبِهُ تِلْكَ السِّلْعَةَ وَالْوَضِيعَةَ.
فِيهَا أَصْبَغُ هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ.
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ أَشْهَبَ إنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ شَيْئًا سَمَّاهُ فَهُوَ مَا أَرَادَ يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا يَسِيرًا لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إرْضَاءَهُ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ إنْ قَالَ لَمْ يَرْضَ بِمَا يَقُولُ النَّاسُ أَنَّهُ إرْضَاءٌ فَلَا يُصَدَّقُ، وَلَوْ حَلَفَ لَيُرْضِيَنَّهُ فَلَا يَبَرُّ إلَّا بِمَا يَقُولُهُ النَّاسُ وَبِمَا يُرْضِيهِ اهـ. قُلْت هَذَا عَلَى تَقْدِيمِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ عَلَى الْعُرْفِ فِي الْأَيْمَانِ وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

بَابٌ) اللُّقَطَةُ: مَالٌ مَعْصُومٌ: عَرَضَ لِلضَّيَاعِ؛

[منح الجليل]

[بَاب اللُّقَطَة وَالضَّالَّة وَالْآبِق وَاللَّقِيط وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا]

بَابُ اللُّقَطَةِ وَالضَّالَّةِ وَالْآبِقِ وَاللَّقِيطِ وَأَحْكَامِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (اللُّقَطَةُ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ فِي أَشْهَرِ لُغَاتِهَا الْأَرْبَعِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ خِلَافُ الْقِيَاسِ لِأَنَّ فُعَّلَةٌ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ وُضِعَ لِمَنْ كَثُرَ فِعْلُهُ كَهُمَزَةٍ، وَالثَّانِيَةُ بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَجَعَلَ الزُّبَيْدِيُّ سَاكِنَ الْقَافِ اسْمًا لِلشَّيْءِ الْمُلْتَقَطِ وَمَفْتُوحَهَا لِلشَّخْصِ الْمُلْتَقِطِ، ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكْثُرْ الْتِقَاطُهُ، وَحَكَى ابْنُ الْأَثِيرِ الْقَوْلَيْنِ، وَصَحَّحَ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثَةُ لُقَاطَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ وَالرَّابِعَةُ لُقَطٌ بِلَا هَاءٍ أَيْ مَعْنَاهَا شَرْعًا (مَالٌ) جِنْسٌ شَمَلَ اللُّقَطَةَ وَغَيْرَهَا، وَخَرَجَ عَنْهُ اللَّقِيطُ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ صَغِيرٌ حُرٌّ كَمَا يَأْتِي (مَعْصُومٌ) أَيْ مُحْتَرَمٌ فَصْلٌ مُخْرِجٌ الرِّكَازَ وَمَالَ الْحَرْبِيِّ (عَرَضَ) بِفَتَحَاتٍ وَإِعْجَامِ الضَّادِ، أَيْ تَهَيَّأَ وَاسْتَعَدَّ وَصَارَ مُعَرَّضًا (لِلضَّيَاعِ) بِتَلَفِهِ أَوْ أَخَذَهُ خَائِنٌ أَوْ سَبُعٌ.
فَصْلٌ مُخْرِجٌ مَا فِي حِرْزِهِ وَضَالَّةَ الْإِبِلِ.
ابْنُ شَاسٍ اللُّقَطَةُ مَالٌ مَعْصُومٌ مُعَرَّضٌ لِلضَّيَاعِ.
ابْنُ عَرَفَةَ اللُّقَطَةُ مَالٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمًا لَيْسَ حَيَوَانًا نَاطِقًا وَلَا نَعَمًا، فَيَخْرُجُ الرِّكَازُ وَمَا بِأَرْضِ الْحَرْبِ، وَتَدْخُلُ الدَّجَاجَةُ وَحَمَامُ الدُّورِ وَنَحْوُ ذَلِكَ لَا السَّمَكَةُ تَقَعُ فِي سَفِينَةٍ هِيَ لِمَنْ وَقَعَتْ إلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ عَاتٍ عَنْ الشَّعْبَانِيِّ وَالْأَظْهَرُ إنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْهَا مَنْ سَقَطَتْ إلَيْهِ لَنَجَتْ بِنَفْسِهَا لِقُوَّةِ حَرَكَتِهَا وَقُرْبِ مَحَلِّ سُقُوطِهَا مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ، فَهِيَ كَمَا قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ وَإِلَّا فَهِيَ لِرَبِّ السَّفِينَةِ كَقَوْلِهَا فِيمَنْ طَرَدَ صَيْدًا حَتَّى دَخَلَ دَارَ غَيْرِهِ، فَإِنْ اضْطَرَّهُ إلَيْهَا فَهُوَ لَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ لِرَبِّ الدَّارِ إنْ بَعُدَ عَنْهُ فَقَوْلُهُ مَالُ جِنْسٍ شَمَلَ اللُّقَطَةَ وَغَيْرَهَا، وَخَرَجَ عَنْهُ اللَّقِيطُ لِأَنَّهُ صَغِيرٌ آدَمِيٌّ حُرٌّ، وَقَوْلُهُ بِغَيْرِ حِرْزٍ يُخْرِج الْمَسْرُوقَ، وَقَوْلُهُ مُحْتَرَمًا يُخْرِجُ مَالَ الْحَرْبِيِّ وَالرِّكَازِ، وَقَوْلُهُ لَيْسَ حَيَوَانًا نَاطِقًا يُخْرِجُ الرَّقِيقَ لِأَنَّهُ

وَإِنْ كَلْبًا وَفَرَسًا وَحِمَارًا

وَرُدَّ بِمَعْرِفَةِ مَشْدُودٍ فِيهِ وَبِهِ وَعَدَدِهِ بِلَا يَمِينٍ؛ وَقُضِيَ لَهُ عَلَى ذِي الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ

[منح الجليل]

آبِقٌ لَا لُقَطَةٌ، وَقَوْلُهُ وَلَا نَعَمًا مُخْرِجٌ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ، إذْ هِيَ ضَالَّةٌ لَا لُقَطَةٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَالضَّالَّةُ نَعَمٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمًا، وَالْآبِقُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ وُجِدَ كَذَلِكَ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ كَوْنُ الْجَمِيعِ لُقَطَةً خِلَافُ ظَاهِرِهَا مَعَ غَيْرِهَا وَالْأَحَادِيثِ الْآمِرَةُ بِحِفْظِ عِفَاصِ اللُّقَطَةِ وَوِكَائِهَا.
الْحَطّ حَدُّهُ اللُّقَطَةَ غَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ الثَّمَرِ.
الْمُعَلَّقِ فِيهِ، وَلَيْسَ لُقَطَةٌ فَالْأَحْسَنُ قَوْلُهُمْ عَرَضَ لِلضَّيَاعِ.
الْبُنَانِيُّ وَغَيْرُ جَامِعٍ لِعَدَمِ شُمُولِهِ الرَّقِيقَ الصَّغِيرَ وَهُوَ لُقَطَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ فِي تَعْرِيفِ اللَّقِيطِ إنْ كَانَ الْمَالُ الْمُعَرَّضُ لِلضَّيَاعِ لَيْسَ كَلْبًا وَلَا فَرَسًا وَلَا حِمَارًا بَلْ (وَإِنْ كَلْبًا) مَأْذُونًا فِيهِ لِحِرَاسَةٍ أَوْ صَيْدٍ لِأَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي الْمَالِ الْمَعْصُومِ.
ابْنُ شَاسٍ مَنْ وَجَدَ كَلْبًا الْتَقَطَهُ إنْ كَانَ بِمَكَانٍ يُخَافُ عَلَيْهِ فِيهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِهَا مَنْ سَرَقَ كَلْبًا صَائِدًا فَلَا يُقْطَعُ إلَّا أَنْ يُرَاعَى دَرْءُ حَدٍّ بِالشُّبْهَةِ (وَفَرَسًا وَحِمَارًا) اللَّخْمِيُّ الْبَقَرُ وَالْخَيْلُ وَسَائِرُ الدَّوَابِّ الَّتِي لَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ سَبُعٍ وَلَا غَيْرِهِ لَا تُؤْخَذُ وَإِلَّا فَتُؤْخَذُ وَتُعَرَّفُ عَامًا.

(وَرُدَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ الْمَالُ الْمُلْتَقَطُ لِمُدَّعٍ أَنَّهُ لَهُ (بِمَعْرِفَةِ) عِفَاصٍ (مَشْدُودٍ فِيهِ) الْمَالُ مِنْ كِيسٍ أَوْ مِنْدِيلٍ أَوْ خِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا (وَ) مَعْرِفَةِ وِكَاءٍ مَشْدُودٍ (بِهِ) مِنْ نَحْوِ خَيْطٍ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ، وَبِهِ فَسَّرَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ، وَحَكَى عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ فِي الِاسْتِذْكَارِ، وَحَكَى الْبَاجِيَّ عَنْ أَشْهَبَ عَكْسَهُ (وَ) بِمَعْرِفَةِ (عَدَدِهِ) أَيْ الْمَالِ فَيُرَدُّ لِمَنْ عَرَفَ الثَّلَاثَةَ (بِلَا يَمِينٍ) مِنْهُ أَنَّهُ لَهُ فِيهَا مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَأَتَى مَنْ وَصَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعُدَّتَهَا لَزِمَهُ دَفْعُهَا إلَيْهِ وَإِنْ أَبَى فَيُجْبِرُهُ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ.
أَبُو عُمَرَ أَجْمَعُوا أَنَّ الْعِفَاصَ الْخِرْقَةُ الْمَرْبُوطُ فِيهَا وَهُوَ لُغَةً مَا يُسَدُّ بِهِ فَمُ الْقَارُورَةِ وَالْوِكَاءُ الْخَيْطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ.
الْبَاجِيَّ هَلْ تَلْزَمُهُ يَمِينٌ إذَا وَصَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَالْعَدَدَ؟ الْمَشْهُورُ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ.
(وَقُضِيَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (لَهُ) أَيْ مَنْ عَرَفَ الثَّلَاثَةَ يَرُدُّهَا لَهُ فَيُقَدَّمُ (عَلَى ذِي) أَيْ عَارِفِ (الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ) وَادَّعَاهَا كُلٌّ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ.
أَصْبَغُ لَوْ عَرَفَ وَاحِدٌ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ

وَإِنْ وَصَفَ ثَانٍ وَصْفَ أَوَّلٍ؛ وَلَمْ يَبِنْ بِهَا: حَلَفَا، وَقُسِمَتْ

[منح الجليل]

وَوَصَفَ آخَرُ عَدَدَ الدَّنَانِيرِ وَوَزْنَهَا كَانَتْ لِمَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَكَذَلِكَ لَوْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَحْدَهُ سُمِعَ أَشْهَبُ سُئِلَ عَنْ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا اللُّقَطَةَ فَوَصَفَ أَحَدُهُمَا عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَوَصَفَ الْآخَرُ عَدَدَهَا وَوَزْنَهَا فَقَالَ هِيَ لِلَّذِي عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ.
ابْنُ رُشْدٍ يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا اخْتِلَافَ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ إذَا جَاءَ وَحْدَهُ فَقِيلَ إنَّهَا تُدْفَعُ لَهُ بِالصِّفَةِ دُونَ يَمِينِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ لَا تُدْفَعُ لَهُ إلَّا بِيَمِينٍ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ اهـ مِنْ الْبَيَانِ، وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهَا تُدْفَعُ لِوَاصِفِهَا إنْ عَرَفَ عِفَاصَهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ هَلْ تُدْفَعُ لَهُ بِيَمِينٍ أَوْ بِغَيْرِ يَمِينٍ؟ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا تُدْفَعُ لَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ.

(وَإِنْ) ادَّعَى اللُّقَطَةَ رَجُلٌ وَوَصَفَهَا وَصْفًا يَسْتَحِقُّهَا بِهِ وَادَّعَى آخَرُ وَ (وَصَفَ) اللُّقَطَةَ شَخْصٌ (ثَانٍ وَصْفَ) شَخْصٍ (أَوَّلٍ) أَيْ بِعَيْنِهِ (لَمْ يَبِنْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ لَمْ يَنْفَصِلْ الْأَوَّلُ (بِهَا) أَيْ بِاللُّقَطَةِ عَنْ مَجْلِسِ وَصْفِهَا بِأَنْ وَصَفَهَا الثَّانِي وَصْفَ الْأَوَّلِ قَبْلَ انْفِصَالِ الْأَوَّلِ بِهَا وَاشْتِهَارِ أَمْرِهَا (حَلَفَا) أَيْ الْوَاصِفَانِ، أَيْ يَحْلِفُ كُلٌّ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلْآخَرِ وَأَنَّهَا لَهُ (وَقُسِمَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ اللُّقَطَةُ (بَيْنَهُمَا) أَيْ الْوَاصِفَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ إنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ اخْتَصَّ الْحَالِفُ بِهَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا تُدْفَعُ لَهُمَا إنْ نَكَلَا، فَإِنْ أَتَى الثَّانِي بَعْدَ أَنْ بَانَ بِهَا الْأَوَّلُ وَظَهَرَ أَمْرُهَا فَلَا يُقْبَلُ وَصْفُ الثَّانِي وَتُدْفَعُ لِلْأَوَّلِ.
فِيهَا إنْ دَفَعَهَا لِمَنْ عَرَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَدَدَهَا ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَوَصَفَ مِثْلَ مَا وَصَفَ الْأَوَّلَ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ تِلْكَ اللُّقَطَةَ كَانَتْ لَهُ فَلَا يَضْمَنُهَا لِأَنَّهُ دَفَعَهَا بِأَمْرٍ يَجُوزُ لَهُ الدَّفْعُ بِهِ.
اللَّخْمِيُّ وَإِنْ ادَّعَاهَا رَجُلَانِ وَاتَّفَقَتْ صِفَتُهُمَا اقْتَسَمَاهَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، فَإِنْ أَخَذَهَا أَحَدُهُمَا بِالصِّفَةِ ثُمَّ أَتَى الْآخَرُ فَوَصَفَ مِثْلَ الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يَبِينَ بِهَا وَيَظْهَرَ أَمْرُهَا قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ ظَهَرَ أَمْرُهَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الثَّانِي.
وَشَبَّهَ فِي حَلِفِهِمَا وَقَسْمِهَا بَيْنَهُمَا فَقَالَ (كَ) إقَامَتِهِمَا (بَيِّنَتَيْنِ) مُتَكَافِئَتَيْنِ فِي الْعَدَالَةِ

كَبَيِّنَتَيْنِ لَمْ تُؤَرِّخَا؛ وَإِلَّا فَلِلْأَقْدَمِ

[منح الجليل]

مُتَعَارِضَتَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ بِأَنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهَا لِهَذَا وَالْأُخْرَى أَنَّهَا لِلْآخَرِ (لَمْ تُؤَرِّخَا) أَيْ الْبَيِّنَتَانِ فَيَحْلِفَانِ وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ أُرِّخَتَا (فَ) اللُّقَطَةُ لِمُقِيمِ الْبَيِّنَةِ (الْأَقْدَمِ) تَارِيخًا.
اللَّخْمِيُّ إنْ أَقَامَ الثَّانِي بَيِّنَةً اُنْتُزِعَتْ مِنْ الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً فَيُقْضَى بِأَعْدَلِهِمَا، وَإِنْ تَكَافَأَتَا بَقِيَتْ لِلْأَوَّلِ بِالصِّفَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي النَّوَادِرِ لِأَشْهَبَ زَادَ هَذَا إنْ لَمْ تُؤَرَّخْ الْبَيِّنَتَانِ وَإِنْ أُرِّخَتَا كَانَتْ لِأَوَّلِهِمَا مِلْكًا بِالتَّارِيخِ وَنَصُّ التَّوْضِيحِ أَشْهَبُ إنْ دَفَعَهَا لِلْأَوَّلِ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ أَقَامَ الثَّانِي بَيِّنَةً أَيْضًا فَهِيَ لِأَوَّلِهِمَا مِلْكًا بِالتَّارِيخِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَارِيخٌ فَهِيَ لِأَعْدِلهُمَا، فَإِنْ تَكَافَأَتَا كَانَتْ لِمَنْ هِيَ بِيَدِهِ وَهُوَ الْأَوَّلُ بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهَا لَهُ وَلَا يُعْلِمُهَا لِلْآخَرِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الثَّانِي وَأَخَذَهَا، فَإِنْ نَكَلَ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ بِلَا يَمِينٍ.
ابْنُ يُونُسَ يُحْتَمَلُ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ تُقْسَمَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ حَازَهَا الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ مَالٌ عُرِفَ أَصْلُهُ كَقَوْلِهِ فِيمَنْ وَرِثَ رَجُلًا بِوَلَاءٍ ادَّعَاهُ وَأَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَوْلَاهُ وَتَكَافَأَتَا فَالْمَالُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ مَالٌ عُرِفَ أَصْلُهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ لِمَنْ هُوَ بِيَدِهِ وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ أَشْهَبَ هُنَا.
اهـ. وَتَعَقَّبَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِهَذَا النَّقْلِ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ قَائِلًا لَعَلَّ هَذَا اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَخَذَ طَرَفًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَطَرَفًا مِنْ قَوْلِ أَشْهَبَ، وَتَبِعَهُ الْبِسَاطِيُّ وتت، وَرَدَّهُ الْفِيشِيُّ وطفي بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ مَشَى عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوَّلًا وَآخِرًا لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ أَشْهَبُ فِي التَّرْجِيحِ بِالْأَعْدَلِيَّةِ أَوْ تَقَدُّمِ التَّارِيخِ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ أَشْهَبُ إلَّا بِبَقَائِهَا عِنْدَ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ إذَا تَكَافَأَتَا وَالْمُصَنِّفُ خَالَفَ فِيهِ وَمَشَى عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا عَزَاهُ ابْنُ يُونُسَ لَهُ، وَبِهِ تَعْلَمُ قُصُورَ نَقْلِ " ق " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. بُنَانِيٌّ وَنَصَّ طفي عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ التَّوْضِيحِ فَانْظُرْ هَذَا مَعَ كَلَامِهِ هُنَا اهـ كَلَامُ الشَّارِحِ، وَتَبِعَهُ الْبِسَاطِيُّ فَقَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، وَحَكَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَشْهَبَ، ثُمَّ قَالَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ فِيهَا نَصٌّ، ثُمَّ حَكَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ، ثُمَّ قَالَ وَعَلَيْك بَعْدَ هَذَا السَّعْيِ فِي تَصْحِيحِ كَلَامِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُوَ كَذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَسَلَّمَ تت تَعَقَّبَ الشَّارِحِينَ وَقَدْ لَا يُسَلِّمُ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْأَعْدَلِيَّةِ وَالتَّارِيخُ الَّذِي

وَلَا ضَمَانَ عَلَى دَافِعٍ بِوَصْفٍ، وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِغَيْرِهِ

وَاسْتُؤْنِيَ بِالْوَاحِدَةِ إنْ جَهِلَ غَيْرَهَا لَا غَلِطَ عَلَى الْأَظْهَرِ؛

[منح الجليل]

نَقَلَهُ عَنْ أَشْهَبَ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِمَّا يَأْتِي فِي بَابِهِ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ أَشْهَبُ إلَّا بِبَقَائِهَا عِنْدَ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ عِنْدَ تَكَافُئِهِمَا، وَلَمْ يَرِدْ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ، وَيَدُلُّ لِهَذَا كَلَامُ ابْنِ يُونُسَ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ التَّرْجِيحَ بِالتَّارِيخِ أَوْ الْأَعْدَلِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ سَكَتَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا تَبْقَى بِيَدِهِ عِنْدَ تَكَافُئِهِمَا، قَالَ يُحْتَمَلُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ تُقْسَمَ إلَخْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا قَبْلَهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَالْمُصَنِّفُ دَرَجَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ فَقَوْلُ الشَّارِحِ لَعَلَّ هَذَا اخْتِيَارٌ مِنْهُ فِيهِ نَظَرٌ.

(وَلَا ضَمَانَ عَلَى) مُلْتَقِطِ (دَافِعِ) اللُّقَطَةَ لِمَنْ ادَّعَى أَنَّهَا لَهُ وَوَصَفَهَا (بِوَصْفٍ) يُسَوِّغُ دَفْعَهَا لَهُ بِأَنْ عَرَفَ عِفَاصَهَا أَوْ وِكَاءَهَا ثُمَّ أَتَى آخَرُ وَوَصَفَهَا مِثْلَ الْأَوَّلِ أَوْ أَتَمَّ مِنْهُ وَلَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ، بَلْ (وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِغَيْرِهِ) أَيْ الْمَدْفُوعِ لَهُ الْأَوَّلُ، فِيهَا إنْ دَفَعَهَا لِمَنْ عَرَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَدَدَهَا ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَوَصَفَهَا مِثْلَ وَصْفِهَا الْأَوَّلِ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ اللُّقَطَةَ لَهُ فَلَا يَضْمَنُهَا دَافِعُهَا لِأَنَّهُ دَفَعَهَا بِأَمْرٍ يَجُوزُ لَهُ دَفْعُهَا بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَضْمَنْ دَافِعُهَا بِوَصْفٍ فَأَوْلَى دَافِعُهَا بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ ادَّعَاهَا آخَرُ وَوَصَفَهَا أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ.

(وَ) إنْ ادَّعَى اللُّقَطَةَ شَخْصٌ وَوَصَفَ عِفَاصَهَا وَقَالَ لَمْ أَعْرِفْ وِكَاءَهَا أَوْ بِالْعَكْسِ (اُسْتُؤْنِيَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ النُّونِ أَيْ لَا يُسْتَعْجَلُ فِي دَفْعِهَا لَهُ (بِ) الصِّفَةِ (الْوَاحِدَةِ) مِنْ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ لَا مِنْ غَيْرِهِمَا، هَذَا فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي السَّمَاعِ، وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَاشِرٍ وَغَيْرُهُ، عَسَى أَنْ يَأْتِيَ غَيْرُهُ بِأَزْيَدَ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ غَيْرُهُ فَتُدْفَعُ لَهُ (إنْ جَهِلَ) مُدَّعِيهَا (غَيْرَهَا) أَيْ الصِّفَةِ الَّتِي عَرَفَهَا، أَيْ قَالَ لَمْ أَعْرِفْهَا (لَا) إنْ (غَلِطَ) فِي غَيْرِهَا بِأَنْ وَصَفَهُ بِغَيْرِ مَا هُوَ بِهِ فَقِيلَ لَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَالَ غَلِطْت فَلَا تُدْفَعُ لَهُ (عَلَى الْأَظْهَرِ) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ الْخِلَافِ.
أَصْبَغُ لَوْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَحْدَهُ وَادَّعَى جَهْلَ مَا سِوَاهُ فَلْيُسْتَبْرَأْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أُعْطِيهَا.
ابْنُ رُشْدٍ إذَا وَصَفَ الْعِفَاصَ أَوْ الْوِكَاءَ وَجَهِلَ الْآخَرُ أَوْ غَلِطَ فِيهِ فَفِي ذَلِكَ

فصول الكتاب · 2 فصل · 721 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منح الجليل شرح مختصر خليل · 721 صفحة
المقدمة
فَصْلٌ) فِي الْخُلْعِ:
جارٍ التحميل