وَمَصْنُوعٍ قُدِّمَ لَا يَعُودُ هَيِّنَ الصَّنْعَةِ: كَالْغَزْلِ، بِخِلَافِ النَّسْجِ إلَّا ثِيَابَ الْخَزِّ.
وَإِنْ قُدِّمَ أَصْلُهُ: اُعْتُبِرَ الْأَجَلُ،
[منح الجليل]
يُصَاغُ مِنْهُ ثَوْبٌ أَوْ ثَوْبٌ آخَرُ بِالصِّفَةِ إنْ خَرَجَ الْأَوَّلُ بِخِلَافِهَا جَازَ فِيهِمَا، وَإِنْ اشْتَرَى جَمِيعَ الْغَزْلِ عَلَى شَرْطِ نَسْجِهِ أَوْ جَمِيعَ النُّحَاسِ بِشَرْطِ عَمَلِهِ امْتَنَعَ فِيهِمَا الْغَرَرُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ زَائِدٌ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ صَنْعَتِهِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ آخَرُ مُنِعَ فِي الثَّوْبِ لِأَنَّهُ لَا يُعَادُ، وَجَازَ فِي التَّوْرِ لِأَنَّهُ يُعَادُ وَيُكَمَّلُ، فَأَقْسَامُ كُلٍّ مِنْهُمَا ثَلَاثَةٌ.
(وَ) لَا يَجُوزُ سَلَمُ شَيْءٍ (مَصْنُوعٍ قُدِّمَ) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ مُشَدَّدَةً، أَيْ جَعْلُ رَأْسِ مَالِ سَلَمٍ لِأَصْلِهِ الْمَصْنُوعِ هُوَ مِنْهُ حَالَ كَوْنِهِ (لَا يَعُودُ) وَأَوْلَى إنْ كَانَ يَعُودُ الْمَصْنُوعُ غَيْرَ مَصْنُوعٍ حَالَ كَوْنِهِ (هَيِّنَ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الْيَاءِ مُشَدَّدَةً، أَيْ سَهْلَ (الصَّنْعَةِ) وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ (كَالْغَزْلِ) مِنْ كَتَّانٍ يُسْلَمُ فِي كَتَّانٍ لِأَنَّ صَنْعَتَهُ لَمْ تُخْرِجْهُ عَنْ أَصْلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَازِرِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَبَيَّنَ مَفْهُومَ هَيِّنِ الصَّنْعَةِ بِقَوْلِهِ (بِخِلَافِ النَّسْجِ) أَيْ الْمَنْسُوجِ فَيَجُوزُ سَلَمُهُ فِي أَصْلِهِ لِإِخْرَاجِهِ صَنْعَتَهُ عَنْ أَصْلِهِ لِصُعُوبَتِهَا، فَيَجُوزُ سَلَمُ ثَوْبٍ مِنْ كَتَّانٍ فِي غَزْلِ كَتَّانٍ أَوْ شَعْرِهِ أَوْ مِنْ صُوفٍ فِي غَزْلِ صُوفٍ أَوْ شَعْرِهِ أَوْ مِنْ قُطْنٍ فِي غَزْلِ قُطْنٍ أَوْ شَعْرِهِ لِبُعْدِهِ مِنْ أَصْلِهِ بِصَنْعَتِهِ (إلَّا ثِيَابَ الْخَزِّ) أَيْ الْحَرِيرِ فَلَا يَجُوزُ سَلَمُهَا فِيهِ.
أَبُو مُحَمَّدٍ لِأَنَّهَا تَنْفُشُ وَتَصِيرُ خَزًّا.
سَنَدُ هَذَا بَعِيدٌ إذْ يَبْعُدُ فِي الْمَنْسُوجِ أَنْ يُقْصَدَ التَّعَامُلُ عَلَى نَقْضِ نَسْجِهِ.
(وَإِنْ قُدِّمَ) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ مُثَقَّلًا أَيْ جُعِلَ (أَصْلُهُ) أَيْ الْمَمْنُوعُ غَيْرُ هَيِّنِ الصَّنْعَةِ كَالْمَنْسُوجِ وَالْمَصُوغُ رَأْسُ مَالٍ لِلْمَصْنُوعِ كَسَلَمِ كَتَّانٍ فِي ثَوْبٍ أَوْ نُحَاسٍ فِي تَوْرٍ (اُعْتُبِرَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ لُوحِظَ (الْأَجَلُ) الْمَضْرُوبُ بَيْنَهُمَا لِلْمُسْلَمِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ يَسَعُ صَنْعَةَ الْأَصْلِ الْمُقَدَّمِ مُنِعَ لِلْمُزَابَنَةِ لِأَنَّهُ إجَارَةٌ بِمَا يَفْضُلُ مِنْ الْأَصْلِ إنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِلَّا ذَهَبَ عَمَلُهُ بَاطِلًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَسَعُ ذَلِكَ جَازَ لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ.
وَأَمَّا أَصْلُ هَيِّنِ الصَّنْعَةِ فَيُمْنَعُ سَلَمُهُ فِي مَصْنُوعِهِ مُطْلَقًا بِالْأَوْلَى مِنْ مَنْعِ سَلَمِ مَصْنُوعِهِ فِي أَصْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ قَصْدُ نَقْضِ الْمَصْنُوعِ فِي سَلَمِهَا الثَّالِثِ لَا خَيْرَ فِي شَعِيرٍ نُقِدَ فِي قَصِيلٍ لِأَجَلٍ إلَّا لِأَجَلٍ لَا يَصِيرُ الشَّعِيرُ فِيهِ قَصِيلًا.
وَإِنْ عَادَ، اُعْتُبِرَ فِيهِمَا وَالْمَصْنُوعَانِ يَعُودَانِ يُنْظَرُ لِلْمَنْفَعَةِ.
[منح الجليل]
وَذَكَرَ مَفْهُومَ لَا يَعُودُ فَقَالَ (وَإِنْ عَادَ) الْمَصْنُوعُ غَيْرَ هَيِّنِ الصَّنْعَةِ أَيْ أَمْكَنَ عَوْدُهُ لِأَصْلِهِ (اُعْتُبِرَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ لُوحِظَ الْأَجَلُ (فِيهِمَا) أَيْ سَلَمِ الْمَصْنُوعِ فِي أَصْلِهِ وَسَلَمِ أَصْلِهِ فِيهِ، فَإِنْ وَسِعَ الْأَجَلُ جُعِلَ الْمَصْنُوعُ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ جُعِلَ أَصْلُهُ مِنْهُ امْتَنَعَ السَّلَمُ وَإِلَّا جَازَ كَسَلَمِ آلَةٍ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ فِي نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ عَكْسِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: ابْنُ هَارُونَ اعْتِبَارُ الْأَجَلِ حَسَنٌ إذَا قُدِّمَ الْأَصْلُ، وَأَمَّا عَكْسُهُ فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ، وَأَجَازَهُ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ وَالْبَرْقِيُّ وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ قَائِلًا وَأَمَّا إذَا قُدِّمَ الْمَصْنُوعُ فِي غَيْرِهِ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ الْأَجَلِ فِيهِ إذْ يَبْعُدُ أَنْ يُفْسِدَ الْمَصْنُوعَ وَيَزِيدَ مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ يَدْفَعَهُ لِلْمُسْلِمِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى صُورَةٍ نَادِرَةٍ بِأَنْ يَكُونَ الْمَصْنُوعُ قَلِيلَ الثَّمَنِ لِقِدَمِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَإِذَا زَالَتْ صَنْعَتُهُ ظَهَرَتْ لَهُ صُورَةٌ وَفِيهِ بُعْدٌ اهـ.
الثَّانِي: الْمُعْتَمَدُ أَنَّ هَيِّنَ الصَّنْعَةِ سَوَاءٌ كَانَ يَعُودُ لِأَصْلِهِ أَمْ لَا لَا يُسْلَمُ فِي أَصْلِهِ وَلَا يُسْلَمُ أَصْلُهُ فِيهِ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ، وَأَنَّ غَيْرَ هَيِّنِ الصَّنْعَةِ إنْ لَمْ يَعُدْ أَسْلَمَ فِي أَصْلِهِ وَأَسْلَمَ أَصْلُهُ فِيهِ إنْ ضَاقَ الْأَجَلُ عَنْ صَنْعَتِهِ، وَإِنْ عَادَ اُعْتُبِرَ الْأَجَلُ فِي سَلَمِ أَصْلِهِ فِيهِ: وَعَكْسُهُ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا.
الثَّالِثُ: طفي قَوْلُهُ وَإِنْ عَادَ لَيْسَ مَفْهُومَ وَلَا يَعُودُ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ هَيِّنِ الصَّنْعَةِ، وَأَمَّا هُوَ فَالْمَنْعُ فِيهِ إنْ عَادَ أَوْلَى وَلَا يُنْظَرُ إلَى الْأَجَلِ فِيهِ لِأَنَّ هَيِّنَهَا مَعَ أَصْلِهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ.
ابْنُ بَشِيرٍ فَإِنْ هَانَتْ الصَّنْعَةُ كَغَزْلِ الْكَتَّانِ فَقَدْ جَعَلُوهُ كَغَيْرِ الْمَصْنُوعِ، وَجَعَلُوا الصَّنْعَةَ لِهَوَانِهَا كَالْعَدَمِ.
ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ الْمَغْزُولُ وَغَيْرُ الْمَغْزُولِ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعَنْهُمْ صِنْفٌ وَاحِدٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ مَفْهُومُ لَا يَعُودُ وَلَا بِقَيْدِ هَيِّنِ الصَّنْعَةِ.
(وَ) الشَّيْئَانِ (الْمَصْنُوعَانِ) مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَنُحَاسٍ أَوْ كَتَّانٍ يُسْلَمُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ حَالَ كَوْنِهِمَا (يَعُودَانِ) أَيْ يُمْكِنُ عَوْدُهُمَا لِأَصْلِهِمَا (يُنْظَرُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ
وَجَازَ قَبْلَ زَمَانِهِ: قَبُولُ صِفَتِهِ فَقَطْ: كَقَبْلِ مَحَلِّهِ فِي الْعَرْضِ مُطْلَقًا.
[منح الجليل]
النُّونِ وَفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ (لِلْمَنْفَعَةِ) الْمَقْصُودَةِ مِنْهُمَا، فَإِنْ اتَّحَدَتْ أَوْ تَقَارَبَتْ كَإِبْرِيقٍ مِنْ نُحَاسٍ فِي مِثْلِهِ أَوْ صَحْنٍ، فِي طَاسَةٍ مِنْهُ مُنِعَ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ كَإِبْرِيقٍ فِي طَسْتٍ كِلَاهُمَا مِنْ نُحَاسٍ جَازَ وَفِيهَا لَا خَيْرَ فِي سَيْفٍ فِي سَيْفَيْنِ دُونَهُ لِتَقَارُبِ مَنْفَعَتِهِمَا إلَّا أَنْ يَبْعُدَ مَا بَيْنَهُمَا فِي الْجَوْدَةِ وَالْقَطْعِ.
تَنْكِيتٌ تَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ يَعُودَانِ مَعَ تَعَقُّبِهِ بِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا لَا يَعُودَانِ لِرَقِيقِ ثِيَابِ كَتَّانٍ فِي مِثْلِهِ لَا يُنْظَرُ، لِمَنْفَعَتِهِمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا قَالَهُ تت.
وَأَشَارَ الْخَرَشِيُّ لِجَوَابِهِ بِقَوْلِهِ وَأَحْرَى إنْ لَمْ يَعُودَا وَسَوَاءٌ كَانَتْ صَنْعَتُهُمَا هَيِّنَةً أَمْ لَا.
(وَجَازَ) لِلْمُسْلِمِ (قَبْلَ) صِلَةِ قَبُولِ حُلُولِ (زَمَانِهِ) أَيْ أَجَلِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَفَاعِلُ جَازَ (قَبُولُ) مَوْصُوفِ (صِفَتِهِ) أَيْ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَجَازَ لَهُ عَدَمُ قَبُولِهِ، وَيَجُوزُ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ دَفْعُهُ قَبْلَهُ وَعَدَمُهُ لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ لَهُمَا، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ (فَقَطْ) عَنْ الْأَجْوَدِ وَالْأَدْنَى وَالْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِّ فَلَا يَجُوزُ قَبُولُهُ قَبْلَهُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى قَبُولِ الْأَجْوَدِ أَوْ الْأَكْثَرِ حُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدُك وَعَلَى قَبُولِ الْأَدْنَى أَوْ الْأَقَلِّ ضَعْ وَتَعَجَّلْ.
الْبُنَانِيُّ لَوْ قَالَ قَبُولُ مِثْلِهِ إلَخْ لَكَانَ أَنَصَّ عَلَى الْمُرَادِ، أَيْ مِثْلِهِ صِفَةً وَقَدْرًا.
قُلْت لَا يَخْفَى أَنَّ الْقَدْرَ مِنْ الصِّفَةِ.
الْحَطّ هَذَا إذَا قَضَاهُ شَيْئًا مِنْ جِنْسِهِ فَإِنْ قَضَاهُ قَبْلَهُ شَيْئًا مِنْ جِنْسٍ آخَرَ اُشْتُرِطَ فِي جَوَازِهِ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ الْآتِيَةُ فِي قَضَائِهِ بِهِ بَعْدَهُ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ الْآتِي وَبِغَيْرِ جِنْسِهِ عَلَى إطْلَاقِهِ، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ.
الْخَرَشِيُّ مُرَادُهُ قَبُولُ صِفَتِهِ فِي مَحَلِّهِ بِدَلِيلِ مَا يَلِيهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ.
عب إنْ قُلْت مَوْصُوفُ صِفَتِهِ هُوَ عَيْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ.
قُلْت لَعَلَّهُ لِقَوْلِهِ فَقَطْ.
وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ فَقَالَ (كَ) قَبُولِ مَوْصُوفِ صِفَتِهِ (قَبْلَ) وُصُولِ (مَحَلِّهِ) أَيْ الْمُسْلَمِ فِيهِ الَّذِي اُشْتُرِطَ دَفْعُهُ فِيهِ فَيَجُوزُ (فِي الْعَرْضِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَرَادَ بِهِ مُقَابِلَ الطَّعَامِ بِقَرِينَةِ الْمُقَابَلَةِ (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِحُلُولِ أَجَلِهِ.
عب هَذَا ضَعِيفٌ،
وَفِي الطَّعَامِ إنْ حَلَّ إنْ لَمْ يَدْفَعْ كِرَاءً،
[منح الجليل]
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْجَوَازِ مِنْ حُلُولِ أَجَلِ الْعَرْضِ.
تت وَظَاهِرُهُ كَانَ لِلْعَرْضِ حِمْلٌ كَالثِّيَابِ أَمْ لَا كَالْجَوْهَرِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا كَانَ الطَّالِبُ لِذَلِكَ الْمُسْلِمَ أَوْ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ.
(وَ) جَازَ قَبُولُ صِفَتِهِ قَبْلَ مَحَلِّهِ (فِي الطَّعَامِ) الْمُسْلَمِ فِيهِ (إنْ حَلَّ) أَجَلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَحِلَّ مُنِعَ لِأَنَّهُ تَسْلِيفٌ جَرَّ نَفْعًا لِلْمُسَلِّفِ وَهُوَ سُقُوطُ ضَمَانِهِ عَنْهُ إلَى حُلُولِ أَجَلِهِ وَبَيْعٌ لِطَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّ الْمُعَجَّلَ عِوَضٌ عَنْ الطَّعَامِ الَّذِي لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْآنَ، وَمَحَلُّ جَوَازِ الْقَضَاءِ قَبْلَ مَحَلِّهِ فِي الْعَرْضِ وَالطَّعَامِ اللَّذَيْنِ حَلَّ أَجَلُهُمَا (إنْ لَمْ يَدْفَعْ) الْمُسْلَمُ إلَيْهِ لِلْمُسْلِمِ (كِرَاءً) لِحَمْلِهِ مِنْ مَوْضِعِ قَبْضِهِ لِمَوْضِعِ الشَّرْطِ، فَإِنْ دَفَعَهُ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَحَلَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَجَلِ فَيَلْزَمُ.
حُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدُك قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ صَاحِبُ التَّكْمِلَةِ هَذَا الْمَنْعُ عَامٌّ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ، وَتَزِيدُ عِلَّةُ الطَّعَامِ بِبَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَالنَّسِيئَةُ بِأَخْذِهِ عَنْ الطَّعَامِ الَّذِي يَجِبُ لَهُ لِيَسْتَوْفِيَهُ مِنْ نَفْسِهِ فِي بَلَدِ الشَّرْطِ، وَيَجْرِي فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا إذَا كَانَ الْكِرَاءُ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ وَبَيْعٍ وَسَلَفٍ.
(تَنْبِيهَانِ) : الْأَوَّلُ: اسْتَشْكَلَ ابْنُ جَمَاعَةَ التُّونُسِيُّ وَابْنُ الْكَاتِبِ وَابْنُ مُحْرِزٍ جَوَازَ قَبُولِ صِفَتِهِ فِي الْعَرْضِ وَالطَّعَامِ إنْ حَلَّ قَبْلَ مَحَلِّهِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ ضَعْ وَتَعَجَّلْ لِانْتِفَاعِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِسُقُوطِ حَمْلِهِ إلَى مَحَلِّهِ حَلَّ الْأَجَلُ أَمْ لَا، وَالْمَحَلُّ بِمَنْزِلَةِ الْأَجَلِ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَاصِرٌ عَلَى الطَّعَامِ وَالصَّوَابُ جَرَيَانُهُ فِي الْعَرْضِ أَيْضًا قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ.
الثَّانِي: فِي الطَّعَامِ وَالْعَرْضِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ الْجَوَازُ بِشَرْطِ حُلُولِهِمَا، وَالثَّانِي لِسَحْنُونٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ زَرْقُونٍ الْجَوَازُ قَبْلَ مَحَلِّهِ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ فِيهِمَا.
ابْنُ عَرَفَةَ وَهَذَا أَحْسَنُ، وَالْأَوَّلُ أَقَيْسُ وَالْمُصَنِّفُ فَرَّقَ بَيْنَ الْعَرْضِ وَالطَّعَامِ فَيُنْظَرُ مُسْتَنَدُهُ فِيهِ وَلَوْ جَرَى عَلَى مَا لِابْنِ الْقَاسِمِ لَقَالَ فِي الْعَرْضِ وَالطَّعَامِ إنْ حَلَّ أَوْ عَلَى مَا لِسَحْنُونٍ لَقَالَ فِي الْعَرْضِ وَالطَّعَامِ مُطْلَقًا.
وَلَزِمَ بَعْدَهُمَا: كَقَاضٍ إنْ غَابَ.
وَجَازَ أَجْوَدُ وَأَرْدَأُ؛
[منح الجليل]
(وَلَزِمَ) قَبُولُ صِفَتِهِ الْمُسْلَمِ طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (بَعْدَ) بُلُوغِ (هِمَا) أَيْ الْأَجَلِ وَالْمَحَلِّ إنْ أَتَاهُ بِجَمِيعِهِ، فَإِنْ أَتَاهُ بِبَعْضِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ إنْ أَيْسَرَ الْمَدِينُ.
ابْنُ عَرَفَةَ قَضَاؤُهُ بِحُلُولِهِ وَصِفَتِهِ وَقَدْرِهِ لَازِمٌ لَهُمَا مَعَ يُسْرِ الْمَدِينِ، وَشَبَّهَ فِي لُزُومِ قَبُولِ صِفَتِهِ بَعْدَهُمَا فَقَالَ (كَ) قَبُولِ (قَاضٍ) أَيْ مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ مَنْصِبَ الْقَضَاءِ إذَا أَتَاهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ بِقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ بَعْدَ حُلُولِ أَجَلِهِ فِي مَحَلِّهِ فَيَلْزَمُهُ قَبُولُهُ (إنْ غَابَ) الْمُسْلِمُ عَنْ مَحَلِّ قَبْضِهِ وَلَيْسَ لَهُ وَكِيلٌ خَاصٌّ فِيهِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى وَكِيلِهِ وَمَثَّلَهُ فِيهَا فِي بَابِ الْمَفْقُودِ الْمُصَنِّفُ، وَظَاهِرُ عُيُوبِهَا خِلَافُهُ.
(وَ) إنْ رَفَعَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ لِلْمُسْلِمِ بَعْدَهُمَا شَيْئًا أَجْوَدَ أَوْ أَرْدَأَ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ (جَازَ) شَيْءٌ (أَجْوَدُ) أَيْ أَزْيَدُ جَوْدَةً وَحُسْنًا مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ، أَيْ قَبُولُهُ لِلْمُسْلِمِ بَعْدَهُمَا لِأَنَّهُ حُسْنُ قَضَاءٍ مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ، وَلَا تَلْزَمُ الْمُسْلِمَ قَبُولُهُ لِأَنَّهَا هِبَةٌ وَهِيَ لَا يَلْزَمُ قَبُولُهَا.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ يَجِبُ لِحُصُولِ الْغَرَضِ وَزِيَادَةٍ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْمَذْهَبُ خِلَافُهُ لِمَا فِي صَرْفِهَا مِنْ أَقْرَضْتَهُ دَرَاهِمَ يَزِيدِيَّةً فَقَضَاك مُحَمَّدِيَّةً أَوْ قَضَاك دَنَانِيرَ عُتَقَاءَ مِنْ هَاشِمِيَّةٍ أَوْ سَمْرَاءَ مِنْ مَحْمُولَةٍ أَوْ مِنْ شَعِيرٍ لَمْ تُجْبَرْ عَلَى أَخْذِهَا حَلَّ الْأَجَلُ أَوْ لَمْ يَحِلَّ، وَالْمُحَمَّدِيَّةُ وَالْعَتْقَاءُ وَالسَّمْرَاءُ أَفْضَلُ أَفَادَهُ تت.
(وَ) جَازَ شَيْءٌ (أَرْدَأُ) مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ، أَيْ قَبُولُهُ بَعْدَهُمَا لِأَنَّهُ حَسَنٌ اقْتِضَاءً " غ ". هَذَا خِلَافُ تَفْصِيلِ ابْنِ شَاسٍ إذْ قَالَ وَإِنْ أَتَى بِالْجِنْسِ وَهُوَ أَجْوَدُ وَجَبَ قَبُولُهُ، وَإِنْ كَانَ أَرْدَأَ جَازَ قَبُولُهُ وَلَمْ يَجِبْ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاسْتَبْعَدَهُ هُوَ وَابْنُ هَارُونَ إذْ لَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ قَبُولُ الْمِنَّةِ وَتَبِعَهُمَا الْمُصَنِّفُ فَقَالَ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ لِأَنَّ الْجَوْدَةَ هِبَةٌ وَلَا يَجِبُ قَبُولُهَا، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهَا فِي الصَّرْفِ وَمَنْ أَقْرَضْته دَرَاهِمَ يَزِيدِيَّةً فَقَضَاك مُحَمَّدِيَّةً أَوْ قَضَاك دَنَانِيرَ عُتَقَاء عَنْ هَاشِمِيَّةٍ، أَوْ قَضَاك سَمْرَاءَ عَنْ مَحْمُولَةٍ أَوْ شَعِيرٍ لَمْ تُجْبَرْ عَلَى أَخْذِهَا حَلَّ الْأَجَلُ أَوْ لَمْ يَحِلَّ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ قَبِلْتهَا جَازَ فِي الْعَيْنِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدِهِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الطَّعَامِ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ كَانَ مِنْ قَرْضٍ أَوْ مِنْ بَيْعٍ لِأَنَّ الطَّعَامَ يُرْجَى تَغَيُّرُ أَسْوَاقِهِ، وَلَيْسَ الْعَيْنُ
لَا أَقَلُّ، إلَّا عَنْ مِثْلِهِ، وَيُبْرِئُ مِمَّا زَادَ، وَلَا دَقِيقٌ عَنْ قَمْحٍ، وَعَكْسُهُ
[منح الجليل]
كَذَلِكَ.
وَلِابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلٌ بِإِجَازَتِهِ مِنْ قَرْضٍ قَبْلَ الْأَجَلِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ رَأْيٌ وَلَا عَادَةٌ سَحْنُونٌ وَهُوَ أَحْسَنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ هَارُونَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ نَظَرٌ، بَلْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِيهَا مَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى جِنْسٍ فَوَجَدَ أَجْوَدَ مِنْهُ لَزِمَهُ كَنَقْلِ ابْنِ شَاسٍ لِأَنَّ هَذَا عَامٌّ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ وَالْأَظْهَرُ إنْ دَفَعَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّفَضُّلِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، وَإِنْ دَفَعَهُ لِدَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ مَشَقَّةَ تَعْوِيضِهِ بِمِثْلِ مَا شَرَطَهُ لَزِمَهُ قَبُولُهُ.
(لَا) يَجُوزُ قَبُولُ شَيْءٍ (أَقَلَّ) مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَدْرًا كَعَشْرَةٍ عَنْ أَحَدَ عَشَرَ، أَوْ إرْدَبٍّ عَنْ أَكْثَرَ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ أَجْوَدَ مِنْهُ لِلِاتِّهَامِ عَلَى بَيْعِ طَعَامٍ بِطَعَامٍ مِنْ صِنْفِهِ غَيْرِ مُمَاثِلٍ لَهُ (إلَّا) أَنْ يَأْخُذَ الْأَقَلَّ (عَنْ مِثْلِهِ) مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَدْرًا (وَيُبَرِّئُ) الْمُسْلِمُ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ (مِمَّا) أَيْ الْقَدْرِ الَّذِي (زَادَ) هـ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَلَى الْمَأْخُوذِ فَيَجُوزُ لِسَلَامَتِهِ مِنْ الْفَضْلِ فِي الطَّعَامَيْنِ الْمُتَّحِدَيْ الصِّنْفِ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ وَلَمْ يَعْتَدَّ، وَهَذَا فِي الطَّعَامِ وَالنَّقْدِ اللَّذَيْنِ حَلَّ أَجَلُهُمَا، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَيَجُوزُ قَبُولُ الْأَقَلِّ مِنْهُ عَنْ الْأَكْثَرِ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ كَقِنْطَارِ نُحَاسٍ عَنْ قِنْطَارَيْنِ.
(وَلَا) يَجُوزُ (دَقِيقٌ) أَيْ أَخْذُهُ قَضَاءً (عَنْ قَمْحٍ) مُسْلَمٍ فِيهِ (وَ) لَا يَجُوزُ (عَكْسُهُ) أَيْ أَخْذُ قَمْحٍ قَضَاءً عَنْ دَقِيقٍ مُسْلَمٍ فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّحْنَ يَنْقُلُ فَصَارَا جِنْسَيْنِ، فَلَزِمَ فِيهِمَا بَيْعُ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ فِيهَا إنْ أَسْلَمْت فِي مَحْمُولَةٍ أَوْ سَمْرَاءَ أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ سَلَّمْت أَوْ أَقْرَضْت ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَ بَعْضَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ قَضَاءً عَنْ بَعْضٍ مِثْلَ الْمَكِيلَةِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ، وَهُوَ بَدَلٌ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ أَجْنَاسُ التَّمْرِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ فِي بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، وَإِنْ أَسْلَمْت فِي حِنْطَةٍ فَلَا تَأْخُذْ مِنْهُ دَقِيقَ حِنْطَةٍ وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ وَلَا بَأْسَ بِهِ مِنْ قَرْضٍ بَعْدَ مَحَلِّهِ، وَإِنْ أَسْلَمْت فِي لَحْمِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ جَازَ أَنْ تَأْخُذَ لَحْمَ بَعْضِهَا أَوْ شَحْمًا قَضَاءً مِنْ بَعْضٍ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ لِأَنَّهُ بَدَلٌ وَلَيْسَ بَيْعَ طَعَامٍ
وَبِغَيْرِ جِنْسِهِ، إنْ جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
وَبَيْعُهُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ مُنَاجَزَةً، وَأَنْ يُسْلَمَ فِيهِ رَأْسُ الْمَالِ، لَا طَعَامٍ، وَلَحْمٍ بِحَيَوَانٍ
[منح الجليل]
قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّهُ كُلَّهُ نَوْعٌ وَاحِدٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّفَاضُلَ فِيهِ لَا يَجُوزُ فَكَأَنَّهُ أَخَذَ مَا أَسْلَفَ فِيهِ اهـ مِنْ الْحَطّ.
طفي وَجَازَ أَجْوَدُ وَأَرْدَأُ وَأَقَلُّ وَأَكْثَرُ أَيْ مَعَ اتِّحَادِ الصِّفَةِ لَا أَقَلُّ مَعَ اخْتِلَافِهَا، هَذَا لِلَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ: وَقَضَاؤُهُ لِحُلُولِهِ وَبِصِفَتِهِ وَقَدْرِهِ لَازِمٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مَعَ يُسْرِ الْمَدِينِ، وَبِأَقَلَّ قَدْرًا مِنْ صِنْفِهِ وَالْقَبْضُ مِنْ الْمَدِينِ جَائِزٌ حَسَنٌ اقْتِضَاءً وَعَكْسُهُ حَسَنٌ قَضَاءً، ثُمَّ قَالَ وَمَنْعُ الْقَضَاءِ بِأَقَلَّ قَدْرًا وَأَجْوَدَ صِفَةً وَاضِحٌ وَعَكْسُهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَهُوَ الْأَقَلُّ قَدْرًا وَأَرْدَأُ صِفَةً، ثُمَّ ذَكَرَ نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى جَوَازِ الصُّورَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ أَخَذَ خَمْسِينَ مَحْمُولَةً عَنْ مِائَةٍ سَمْرَاءَ أَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مَرَّةً لِأَنَّهُ أَدْنَى صِفَةً، وَمَنَعَهُ مَرَّةً لِأَنَّهَا يُرْغَبُ فِيهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَقَوْلُهُ لَا أَقَلُّ يَشْمُلُ الصُّورَتَيْنِ، وَلَا يَشْمَلُ اتِّحَادَ الصِّفَةِ لِأَنَّهُ خِلَافُ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَتَعْمِيمُ تت كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِيهِ نَظَرٌ، وَإِنْ نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ اللَّبَّادِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ.
(وَ) جَازَ قَضَاءُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ وَبَعْدَهُ (بِغَيْرِ جِنْسِهِ) أَيْ الْمُسْلَمِ فِيهِ (إنْ جَازَ بَيْعُهُ) أَيْ الْمُسْلَمِ فِيهِ (قَبْلَ قَبْضِهِ) أَيْ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ طَعَامًا (وَ) إنْ جَازَ (بَيْعُهُ) أَيْ الْمَأْخُوذِ (بِالْمُسْلَمِ فِيهِ مُنَاجَزَةً) أَيْ مُقَابَضَةً بِلَا تَأْخِيرٍ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا لَحْمًا وَالْآخَرُ حَيَوَانًا مِنْ جِنْسِهِ.
(وَ) جَازَ (أَنْ يُسْلَمَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ اللَّامِ (فِيهِ) أَيْ الْمَأْخُوذِ (رَأْسُ الْمَالِ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا دَنَانِيرَ وَالْآخَرُ دَرَاهِمَ صَاحِبُ التَّكْمِلَةِ الْوَاجِبُ وَبَيْعُهُ بِالْمَأْخُوذِ لِيَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى السَّلَمِ فِيهِ كَالضَّمَائِرِ السَّابِقَةِ (لَا) يَجُوزُ قَضَاءُ (طَعَامٍ) مُسْلَمٍ فِيهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ نَقْدٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ طَعَامٍ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِطَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَهَذَا مُحْتَرَزُ جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ (وَ) لَا يَجُوزُ قَضَاءُ (لَحْمِ) مُسْلَمٍ فِيهِ (بِحَيَوَانٍ) مِنْ جِنْسِهِ لِأَنَّهَا مُزَابَنَةٌ وَلَا عَكْسُهُ لِذَلِكَ، وَهَذَا مُحْتَرَزُ بَيْعِهِ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ مُنَاجَزَةً، وَلَا يَرِدُ
وَذَهَبٍ؛ وَرَأْسُ الْمَالِ وَرِقٌ، وَعَكْسِهِ.
وَجَازَ بَعْدَ أَجَلِهِ الزِّيَادَةُ لِيَزِيدَهُ طُولًا: كَقَبْلِهِ، إنْ عَجَّلَ دَرَاهِمَهُ،
[منح الجليل]
أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْقَضَاءِ بِغَيْرِ الْجِنْسِ لِأَنَّ اللَّحْمَ وَالْحَيَوَانَ جِنْسَانِ فِي هَذَا الْبَابِ كَالْقَمْحِ وَالدَّقِيقِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ.
(وَ) لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ (ذَهَبٍ وَرَأْسُ الْمَالِ وَرِقٌ) لِامْتِنَاعِ سَلَمِ الْوَرِقِ فِي الذَّهَبِ، فَهَذَا مُحْتَرَزُ وَأَنْ يُسْلَمَ فِيهِ رَأْسُ الْمَالِ (وَ) لَا يَجُوزُ (عَكْسُهُ) أَيْ الْقَضَاءُ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِوَرِقٍ وَرَأْسُ الْمَالِ ذَهَبٌ لِامْتِنَاعِ سَلَمِ الذَّهَبِ فِي الْوَرِقِ.
تت وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْمُحْتَرَزِ أَمْرٌ ثَانٍ وَهُوَ مَنْعُ الطَّعَامِ إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ طَعَامًا لِلتَّفَاضُلِ وَالنَّسَاءِ إلَّا أَنْ يَتَسَاوَى الطَّعَامَانِ فَيَجُوزُ وَبَعْدَ إقَالَةٍ، وَيَخْرُجُ بِهِ أَيْضًا أَمْرٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ عَرْضٌ عَنْ صِنْفِهِ حَذَرًا مِنْ سَلَمِ الشَّيْءِ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَقَلَّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ مِثْلَ رَأْسِ الْمَالِ لِلْأَمْنِ مِمَّا سَبَقَ.
اهـ. وَأَصْلُهُ لِلتَّوْضِيحِ وَالشَّارِحِ.
(وَ) إنْ أَسْلَمَ فِي ثَوْبٍ مَوْصُوفٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (جَازَ) لَهُ (بَعْدَ) حُلُولِ (أَجَلِهِ) أَيْ الْمُسْلَمِ فِيهِ (الزِّيَادَةُ) لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ (لِيَزِيدَهُ) أَيْ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ الْمُسْلَمَ (طُولًا) أَوْ عَرْضًا أَوْ صَفَاقَةً أَيْ لِيُعْطِيَهُ ثَوْبًا أَطْوَلَ أَوْ أَعْرَضَ أَوْ أَصْفَقَ مِمَّا وَصَفَهُ إنْ عَيَّنَهُ وَعَجَّلَهُ لَهُ قَبْلَ افْتِرَاقِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ مُنِعَ لِأَنَّهُ سَلَمٌ فِي حَالٍّ، وَكَذَا إنْ لَمْ يُعَجِّلْ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَظَاهِرُهُ كَالْمُدَوَّنَةِ عُجِّلَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ أَمْ لَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَظَاهِرُ ابْنِ الْحَاجِبِ اشْتِرَاطُ تَعْجِيلِهَا فِي سَلَمِهَا الثَّانِي وَإِنْ أَسْلَمْت إلَى رَجُلٍ فِي ثَوْبٍ مَوْصُوفٍ فَزِدْته بَعْدَ الْأَجَلِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَك ثَوْبًا أَطْوَلَ مِنْهُ مِنْ صِنْفِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ جَازَ إذَا تَعَجَّلْت ذَلِكَ اهـ. ابْنُ يُونُسَ كَأَنَّك أَعْطَيْت فِي الثَّوْبِ الْمَأْخُوذِ الدَّرَاهِمَ الَّتِي زِدْتهَا وَالثَّوْبَ الَّذِي أَسْلَمْت فِيهِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ ذَلِكَ كَانَ بَيْعًا وَسَلَفًا تَأْخِيرُهُ لِمَا عَلَيْهِ سَلَفٌ، وَالزِّيَادَةُ بَيْعٌ، وَلَوْ أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ مُؤَخَّرًا كَانَ دَيْنًا بِدَيْنٍ.
وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ فَقَالَ (كَ) زِيَادَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ (قَبْلِهِ) أَيْ أَجَلِ الْمُسْلَمِ فِيهِ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِيَزِيدَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فِي نَفْسِ الْمُسْلَمِ فِيهِ طُولًا عَلَى طُولِهِ الْمَشْرُوطِ أَوَّلًا فَيَجُوزُ (إنْ
وَغَزْلٍ يَنْسِجُهُ، لَا أَعْرَضَ أَوْ أَصَفْقَ
[منح الجليل]
عَجَّلَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا الْمُسْلِمُ (دَرَاهِمَهُ) أَيْ الْمُسْلِمِ الْمَزِيدَةَ عَلَى رَأْس الْمَالِ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَلَوْ حَكَمَا بِتَأْخِيرِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِأَنَّهُ سَلَمٌ مُؤْتَنَفٌ، وَأُجِّلَتْ الزِّيَادَةُ كَأَجَلِ السَّلَمِ، وَبَقِيَ مِنْ أَجَلِ الْأَصْلِ نِصْفُ شَهْرٍ فَأَكْثَرُ، وَهَذَانِ الشَّرْطَانِ لِلْجَوَازِ.
وَالثَّالِثُ: كَوْنُ الزِّيَادَةِ فِي الطُّولِ كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ الْأَوَّلُ عَنْ أَجَلِهِ وَإِلَّا لَزِمَ بَيْعٌ وَسَلَفٌ.
وَالْخَامِسُ: أَنْ لَا يُشْتَرَطَ حَالَ عَقْدِ السَّلَمِ أَنَّهُ يَزِيدُهُ بَعْدَ مُدَّةٍ دَرَاهِمَ لِيَزِيدَهُ فِي الطُّولِ فِيهَا وَإِنْ أَسْلَمْت إلَى رَجُلٍ فِي ثَوْبٍ مَوْصُوفٍ فَزِدْته قَبْلَ الْأَجَلِ دَرَاهِمَ نَقْدًا عَلَى إنْ زَادَ لَك فِي طُولِهِ جَازَ لِأَنَّهُمَا صَفْقَتَانِ لِأَنَّ الْأَذْرُعَ الْمُشْتَرَطَةَ أَوَّلًا بَقِيَتْ بِحَالِهَا وَاسْتَأْنَفَا صَفْقَةً أُخْرَى، وَلَوْ كَانَتْ صَفْقَةً وَاحِدَةً مَا جَازَ.
أَبُو الْحَسَنِ أَيْ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ أَنِّي أَزِيدُك بَعْدَ مُدَّةٍ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي ثَوْبًا أَطْوَلَ لَمْ يَجُزْ.
(وَ) جَازَ لِمَنْ دَفَعَ غَزْلًا لِمَنْ يَنْسِجُهُ لَهُ ثَوْبًا طُولُهُ كَذَا وَعَرْضُهُ كَذَا إنْ عَجَّلَ لَهُ دَرَاهِمَ مَعَ (غَزْلٍ يَنْسِجُهُ) لَهُ وَيَزِيدُهُ فِي طُولِ الشُّقَّةِ أَوْ عَرْضِهَا وَنَحْوِهِ فِيهَا عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِدْلَالِ لِإِجَازَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ لِلزِّيَادَةِ فِي الطُّولِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَأَنَّهُمَا صَفْقَتَانِ، قَالَ عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ لَوْ دَفَعْت إلَيْهِ غَزْلًا يَنْسِجُهُ ثَوْبًا سِتَّةً فِي ثَلَاثَةٍ، ثُمَّ زِدْته دَرَاهِمَ وَغَزْلًا عَلَى أَنْ يَزِيدَك فِي طُولٍ أَوْ عَرْضٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَهُمَا صَفْقَتَانِ، وَهَذِهِ إجَارَةٌ وَهِيَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ يُفْسِدُهَا مَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ انْتَهَى.
فَمَسْأَلَةُ الْغَزْلِ الَّذِي يُنْسَجُ لَيْسَتْ مِنْ مَسَائِلِ السَّلَمِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْإِجَارَةِ، وَلِذَا فِيهَا أَنْ يَزِيدَهُ غَزْلًا وَدَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ فِي الْعَرْضِ لِأَنَّهَا لَا يَدْخُلُهَا فَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَزِيدُهُ مِنْ غَزْلِهِ، وَلَكِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْعَرْضِ إنَّمَا تُمْكِنُ إذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نَسْجِ شَيْءٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(لَا) إنْ زَادَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ دَرَاهِمَ لِيُعْطِيَهُ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ (أَعْرَضَ أَوْ أَصْفَقَ) مِنْ الْمَشْرُوطِ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ صَفْقَةٌ أُخْرَى فَهُوَ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ تَعْجِيلُهُ كُلِّهِ، وَإِلَّا جَازَ بِشَرْطِ مُخَالَفَةِ الْمَأْخُوذِ لِلْأَوَّلِ مُخَالَفَةً تُبِيحُ سَلَمَ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، وَإِلَّا كَانَ قَضَاءً قَبْلَ الْأَجَلِ بِأَرْدَأَ أَوْ أَجْوَدَ فِيهَا، وَلَوْ زَادَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ ثَوْبًا أَصْفَقَ وَأَرَقَّ لَمْ يَجُزْ.
أَبُو الْحَسَنِ وَأَمَّا إنْ زَادَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ أَعْرَضَ أَوْ أَصْفَقَ فَلَا بُدَّ مِنْ
وَلَا يَلْزَمُ دَفْعُهُ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ وَلَوْ خَفَّ حَمْلُهُ.
[منح الجليل]
تَبْدِيلِ ذَلِكَ الثَّوْبِ الْمُسْلَمِ فِيهِ أَوَّلًا بِمَا شَرَطَاهُ ثَانِيًا لِأَنَّ الْعَرْضَ لَا يُزَادُ فِيهِ، وَكَذَا الصَّفَاقَةُ.
ابْنُ يُونُسَ وَلَوْ زَادَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ خِلَافَ الصِّفَةِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ لِأَنَّهُ نَقَلَهُ عَمَّا أَسْلَمَهُ فِيهِ إلَى غَيْرِهِ.
وَأَمَّا إنْ زَادَهُ دَرَاهِمَ لِيَزِيدَهُ فِي الطُّولِ فَالثَّوْبُ الْأَوَّلُ بَاقٍ بِحَالِهِ وَالزِّيَادَةُ لِأَذْرُعٍ أُخْرَى فَهِيَ صَفْقَةٌ ثَانِيَةٌ خَالِيَةٌ عَنْ فَسْخِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ.
(وَلَا يَلْزَمُ) الْمُسْلَمَ إلَيْهِ (دَفْعُهُ) أَيْ الْمُسْلَمِ فِيهِ إذَا طَابَ مِنْهُ (بِغَيْرِ مَحَلِّهِ) أَيْ الْمُسْلَمِ فِيهِ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ إنْ ثَقُلَ حَمْلُهُ، بَلْ (وَلَوْ خَفَّ حَمْلُهُ) أَيْ الْمُسْلَمِ فِيهِ كَجَوْهَرٍ وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ قَبُولُهُ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ وَلَوْ خَفَّ حَمْلُهُ، قِيلَ وَالْمُبَالَغَةُ عَلَى هَذَا أَنْسَبُ مِنْ الْمُبَالَغَةِ عَلَى الدَّفْعِ وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً أَيْضًا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ اتَّحَدَ سِعْرُ الْمَحَلَّيْنِ أَوْ كَانَ غَيْرُ مَحَلِّهِ أَرْخَصَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَحَقُّهُ اسْتِثْنَاءُ الْعَيْنِ كَمَا فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ، وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى رَدِّ قَوْلِ أَشْهَبَ.
ابْنُ بَشِيرٍ إذَا لَقِيَ الْمُسْلِمُ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي اشْتَرَطَ الْقَضَاءَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا وَجَبَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرِّضَا بِالْأَخْذِ إذَا طَلَبَهُ الْآخَرُ، وَإِنْ كَانَ عُرُوضًا لَهَا حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ فَلَا يُجْبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْقَضَاءِ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا.
وَإِنْ كَانَ عُرُوضًا لَا حِمْلَ لَهَا كَالْجَوَاهِرِ فَهَلْ هِيَ كَالْعَيْنِ أَوْ كَالنَّوْعِ الْأَوَّلِ فِيهِ قَوْلَانِ، وَهُوَ خِلَافٌ فِي حَالٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْنُ فِي الطَّرِيقِ فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهَا كَالْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهَا كَالْعَرْضِ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ كَالْعُرُوضِ مَعَ الْخَوْفِ.
اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصَّ ابْنُ الْحَاجِبِ، فَلَوْ ظَفَرَ بِهِ فِي غَيْرِهِ وَكَانَ فِي الْحَمْلِ مُؤْنَةٌ لَمْ يَلْزَمْهُ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي لَوْ ظَفَرَ الْمُشْتَرِي بِالْبَائِعِ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي يَجِبُ الْقَضَاءُ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْبَائِعِ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ الْمُسْلَمَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ فَلَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ مَا طَلَبَهُ مِنْهُ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِمْلٌ فَقَوْلَانِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مِثْلُ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ يَحْتَمِلُ فَإِنْ ظَفَرَ الْمَدِينُ بِرَبِّ الدَّيْنِ وَأَرَادَ الْمَدِينُ التَّعْجِيلَ وَامْتَنَعَ الطَّالِبُ وَيَحْتَمِلُ عَكْسَهُ فَعَلَى الْأَوَّلِ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ إنْ كَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا وَجَبَ قَبُولُهُ إلَّا أَنْ يُتَّفَقَ أَنَّ لِلطَّالِبِ فَائِدَةً فِي التَّأْخِيرِ كَحُصُولِ خَوْفٍ فِي الزَّمَانِ أَوْ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ، وَإِنْ كَانَ عُرُوضًا لَهَا حِمْلٌ أَوْ طَعَامًا فَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حِمْلٌ كَالْجَوَاهِرِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
فَقَوْلَانِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا كَالْعُرُوضِ.
وَقِيلَ كَالْعَيْنِ، وَهُوَ خِلَافٌ فِي شَهَادَةٍ.
فَإِنْ كَانَ الْأَمْنُ فِي الطَّرِيقِ فَكَالْعَيْنِ وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا إذَا كَانَ مِنْ بَيْعٍ.
وَأَمَّا الْقَرْضُ فَيُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي مِنْ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَنَصَّ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلطَّالِبِ جَبْرُ الْمَطْلُوبِ مُطْلَقًا.
اللَّخْمِيُّ وَلِأَشْهَبَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ سِعْرُ الْبَلَدَيْنِ سَوَاءً أَوْ هُوَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي لَقِيَهُ فِيهِ أَرْخَصُ أَنَّهُ يُجْبَرُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ عَلَى الْقَضَاءِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي لَقِيَهُ فِيهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: مَحَلِّهِ.
الْمَحَلُّ الَّذِي اُشْتُرِطَ دَفْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ فِيهِ أَوْ مَحَلُّ الْعَقْدِ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ مَحَلٌّ مُعَيَّنٌ لَهُ.
الثَّانِي: أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ وَلَمْ يَلْزَمْ دَفْعُهُ إلَخْ، وَكَذَا فِي التَّوْضِيحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَفْعُ الْعَيْنِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي غَيْرِهِمَا فَيُقَيَّدُ بِهِ كَلَامُ الْمُخْتَصَرِ وَالتَّوْضِيحِ.
الثَّالِثُ: تَقَدَّمَ فِيمَا نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّ الْمَدِينَ إنْ أَرَادَ تَعْجِيلَ الْقَرْضِ وَامْتَنَعَ الطَّالِبُ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ مُطْلَقًا، وَهَذَا كَمَا تَرَى لَيْسَ بِظَاهِرٍ، فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ آخِرَ الْقَرْضِ، وَلَمْ يَلْزَمْ رَدُّهُ إلَّا بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ كَأَخْذِهِ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ إلَّا الْعَيْنَ، وَلِقَوْلِ الْجَلَّابِ وَلَوْ رَدَّهُ إلَيْهِ قَبْلَ أَجَلِهِ لَزِمَهُ قَبُولُهُ عَرْضًا أَوْ عَيْنًا إذَا رَدَّهُ إلَيْهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي اقْتَرَضَهُ مِنْهُ فِيهِ، وَإِنْ رَدَّهُ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهُ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْ رَبَّهُ قَبُولُهُ وَنَحْوَهُ فِي الْإِرْشَادِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَفَادَهَا الْحَطّ.
(فَصْلٌ) يَجُوزُ قَرْضُ مَا يُسْلَمُ فِيهِ فَقَطْ
[منح الجليل]
[فَصْلٌ قَرْضُ مَا يُسْلَمُ فِيهِ]
فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْقَرْضِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَقَرَنَهُ بِالسَّلَمِ لِتَشَابُهِهِمَا فِي دَفْعِ مَالٍ مُعَجَّلٍ فِي مَالٍ مُؤَخَّرٍ (يَجُوزُ) أَيْ يُنْدَبُ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهِ وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يُوجِبُهُ أَوْ يُحَرِّمُهُ أَوْ يُكَرِّهُهُ وَتَعْسُرُ إبَاحَتُهُ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَحُكْمُهُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ النَّدْبُ وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يُوجِبُهُ أَوْ كَرَاهَتُهُ أَوْ حُرْمَتُهُ وَإِبَاحَتُهُ تَعْسُرُ «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ دِرْهَمُ الْقَرْضِ بِثَمَانِيَةَ عَشْرَ وَدِرْهَمُ الصَّدَقَةِ بِعَشْرَةٍ فَسَأَلَ جِبْرِيلَ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ لِأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ وَالْمُقْتَرِضُ لَا يَقْتَرِضُ إلَّا مِنْ حَاجَةٍ» ، أَفَادَهُ تت، وَفَاعِلُ يَجُوزُ (قَرْضُ) بِفَتْحِ الْقَافِ، وَقِيلَ بِكَسْرِهَا وَسُكُونِ الرَّاءِ فَضَادٍ مُعْجَمَةٍ مَعْنَاهُ لُغَةً الْقَطْعُ وَشَرْعًا دَفْعُ مُتَمَوَّلٍ فِي مِثْلِهِ غَيْرِ مُعَجَّلٍ لِنَفْعِ آخِذِهِ فَقَطْ لَا يُوجِبُ عَارِيَّةً مُمْتَنِعَةً أَفَادَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
قَوْلُهُ مُتَمَوَّلٍ أَخْرَجَ بِهِ دَفْعَ غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ فِي مِثْلِهِ أَخْرَجَ بِهِ السَّلَمَ، وَقَوْلُهُ غَيْرِ مُعَجَّلٍ أَخْرَجَ بِهِ الْمُبَادَلَةَ وَالْمُرَاطَلَةَ وَقَوْلُهُ لِنَفْعِ آخِذِهِ فَقَطْ أَخْرَجَ بِهِ مَا لِنَفْعِ دَافِعِهِ فَقَطْ أَوْ لِنَفْعِهِمَا مَعًا فَقَرْضٌ فَاسِدٌ، وَقَوْلُهُ لَا يُوجِبُ عَارِيَّةً مُمْتَنِعَةً لِإِخْرَاجِ مَا أَوْجَبَ عَارِيَّةً مُمْتَنِعَةً.
الْبُنَانِيُّ وَفِيهِ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْقَرْضَ الْفَاسِدَ وَشَأْنُ التَّعْرِيفِ شُمُولُهُ أَيْضًا.
وَأَضَافَ قَرْضُ لِمَفْعُولِهِ (مَا) أَيْ الْمُتَمَوَّلُ الَّذِي (يُسْلَمُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ السِّينِ وَفَتْحِ اللَّامِ (فِيهِ) مِنْ عَيْنٍ وَعَرَضٍ وَطَعَامٍ وَحَيَوَانٍ وَرَقِيقٍ (فَقَطْ) أَيْ لَا يَجُوزُ قَرْضُ مَا لَا يُسْلَمُ فِيهِ كَأَرْضٍ وَدَارٍ وَبُسْتَانٍ وَتُرَابِ صَائِغٍ وَمَعْدِنٍ وَجَوْهَرٍ نَفِيسٍ وَجُزَافٍ لَا يُحْزَرُ لِكَثْرَتِهِ، وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا جِلْدَ مَيْتَةٍ مَدْبُوغٍ وَجِلْدَ ضَحِيَّةٍ وَمِلْءَ مِكْيَالٍ مَجْهُولٍ وَوَيْبَاتٍ وَحَفْنَاتٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي الْأَخِيرِ، وَيَجُوزُ قَرْضُهَا خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْأَوَّلِ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا تَفْصِيلٌ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ فَقَطْ
وَلَمَّا شَمِلَ قَوْلُهُ مَا يُسْلَمُ فِيهِ الْجَارِيَةَ
إلَّا جَارِيَةً تَحِلُّ لِلْمُسْتَقْرِضِ.
وَرُدَّتْ، إلَّا أَنْ تَفُوتَ عِنْدَهُ بِمُفَوِّتِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، فَالْقِيمَةُ كَفَاسِدِهِ
[منح الجليل]
وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " عَلَى مَنْعِ قَرْضِهَا اسْتَثْنَاهَا فَقَالَ (إلَّا جَارِيَةً) أَيْ أَمَةً شُبِّهَتْ بِالسَّفِينَةِ فِي سُرْعَةِ الْجَرْي ثُمَّ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً (تَحِلُّ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا (لِلْمُسْتَقْرِضِ) فَلَا يَجُوزُ قَرْضُهَا لَهُ لِتَأْدِيَتِهِ لِإِعَارَةِ الْفَرْجِ لِأَنَّ لِلْمُقْتَرَضِ رَدَّ عَيْنِ الْقَرْضِ.
وَمَفْهُومُ الصِّفَةِ جَوَازُ قَرْضِهَا لِمَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ كَمَحْرَمِهَا وَامْرَأَةٍ وَصَغِيرَةٍ لَا تُشْتَهَى، وَيَلْحَقُ بِهِ الصَّغِيرُ يَقْتَرِضُ لَهُ وَلِيُّهُ أَمَةً، وَيَجُوزُ لِلنِّسَاءِ اقْتِرَاضُ الْجَوَارِي قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ، وَمِنْ هُنَا مَسْأَلَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ يُونُسَ وَنَقَلَهَا أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ قَوْلِهَا لَا بَأْسَ أَنْ تَأْمُرَهُ يَبْتَاعُ لَك عَبْدَ فُلَانٍ بِطَعَامِهِ هَذَا أَوْ بِثَوْبِهِ هَذَا وَذَلِكَ قَرْضٌ، عَلَيْك الْمِثْلُ لَهُمَا بَعْضُ شُيُوخِنَا أَوْ بِجَارِيَتِهِ هَذِهِ وَعَلَيْك مِثْلُهَا وَلَيْسَ فِيهِ عَارِيَّةٌ لِلْفَرْجِ لِأَنَّهَا لَا تَصِلُ لِيَدِ الْمُسْتَقْرِضِ.
أَبُو الْحَسَنِ وَرُبَّمَا أُلْقِيَتْ بِأَنْ يُقَالَ أَيْنَ يَجُوزُ قَرْضُ الْجَارِيَةِ مِنْ غَيْرِ مَحْرَمِهَا فَيُقَالُ بِمِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ اهـ أَفَادَهُ الْحَطّ.
(وَ) إنْ أُقْرِضَتْ الْجَارِيَةُ لِمَنْ تَحِلُّ هِيَ لَهُ فُسِخَ قَرْضُهَا و (رُدَّتْ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ الْجَارِيَةُ لِمُقْرِضِهَا فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ تَفُوتَ) الْجَارِيَةُ (بِمُفَوِّتِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مُشَدَّدَةً مُضَافٌ إلَى مَفْعُولِهِ (الْبَيْعِ الْفَاسِدِ) مِنْ حَوَالَةِ سُوقٍ فَأَعْلَى.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي قُوَّتِهَا بِمُجَرَّدِ الْغَيْبَةِ عَلَيْهَا.
ثَالِثُهَا إنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ بِشِبْهِ الْوَطْءِ فِيهَا.
لِلصَّقَلِّيِّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَظَاهِرُ نَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ الْمَعُونَةِ وَالْمَازِرِيِّ بِزِيَادَةٍ وَظَنَّ بِالْقَابِضِ، فَإِنْ فَاتَتْ بِذَلِكَ (فَالْقِيمَةُ) لِلْأَمَةِ تَلْزَمُ الْمُقْرِضَ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَةُ وَلَدِهَا مِنْهُ لِلْخِلَافِ فَكَأَنَّهُ وَطِئَ مَمْلُوكَتَهُ بِخِلَافِ وَلَدِ الْغَارَّةِ فَقِيمَتُهُ تَلْزَمُ الْمَغْرُورَ لِإِحْبَالِهَا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَأَتَى بِقَوْلِهِ (كَفَاسِدِهِ) أَيْ الْبَيْعِ وَإِنْ عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ لِيُفِيدَ اعْتِبَارَهَا يَوْمَ الْقَبْضِ، وَأَنَّ الْقَرْضَ إذَا فَسَدَ يُرَدُّ إلَى فَاسِدِ أَصْلِهِ وَهُوَ الْبَيْعُ لَا إلَى صَحِيحِ نَفْسِهِ الَّذِي تُرَدُّ فِيهِ الْعَيْنُ أَوْ الْمِثْلُ، وَلَعَلَّ وَجْهَ كَوْنِ الْبَيْعِ أَصْلًا لِلْقَرْضِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي دَفْعِ الْمَالِ فِي عِوَضِ الْمُكَايَسَةِ.
وَحَرُمَ هَدِيَّتُهُ، إنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِثْلُهَا، أَوْ يَحْدُثْ مُوجِبٌ كَرَبِّ الْقِرَاضِ وَعَامِلِهِ.
وَلَوْ بَعْدَ شَغْلِ الْمَالِ عَلَى الْأَرْجَحِ
[منح الجليل]
وَحَرُمَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ (هَدِيَّتُهُ) أَيْ إهْدَاءُ الْمُقْتَرِضِ لِمُقْرِضِهِ لِتَأْدِيَتِهَا لِلسَّلَفِ بِزِيَادَةٍ.
ابْنُ رُشْدٍ لَا يَحِلُّ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ بَيْعٍ أَوْ سَلَفٍ أَنْ يُهْدِيَ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ هَدِيَّةً وَلَا أَنْ يُطْعِمَهُ طَعَامًا رَجَاءَ أَنْ يُؤَخِّرَ بِدَيْنِهِ.
وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهُ إذَا عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ غَرَضِهِ، وَيَجُوزُ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَعَلَى ذَلِكَ إذَا لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ وَصَحَّتْ نِيَّتُهُ كَمَا فَعَلَ ابْنُ شِهَابٍ، وَيُكْرَهُ لِلَّذِي لَهُ الدَّيْنُ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْهُ.
وَإِنْ تَحَقَّقَ صِحَّةُ نِيَّتِهِ فِيهِ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً لِاسْتِجَازَةِ ذَلِكَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ (إنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِثْلُهَا) أَيْ الْهَدِيَّةِ بَيْنَهُمَا عَلَى الْقَرْضِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ مِثْلُهَا مِنْ الْمُهْدِي لِلْمُهْدَى لَهُ لَمْ تَحْرُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِمِثْلِهَا مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا مَنْ تُعَوِّدَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَعُلِمَ أَنَّ هَدِيَّتَهُ لَيْسَتْ لِلدَّيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ مِثْلَهَا فِي قَدْرِ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدَّيْنِ وَهُوَ تَقْيِيدُ اللَّخْمِيِّ (أَوْ) لَمْ (يَحْدُثْ) بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْقَرْضِ (مُوجِبٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ سَبَبٌ لِلْإِهْدَاءِ، فَإِنْ حَدَثَ كَصِهَارٍ وَجِوَارٍ فَلَا تَحْرُمُ إذَا عُلِمَ أَنَّ إهْدَاءَهُ بَعْدَ الدَّيْنِ لَيْسَ لِلدَّيْنِ، بَلْ لِلْمُوجِبِ الَّذِي حَدَثَ تت.
(تَنْكِيتٌ) لَوْ قَالَ حَرُمَ هَدِيَّةُ مِدْيَانٍ لِيَشْمَلَ الْمُقْتَرِضَ وَغَيْرَهُ لَكَانَ حَسَنًا لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ ابْنُ دَحُونٍ عَنْ فَهْمِهِ قَوْلَ سَحْنُونٍ الْحُرْمَةُ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُقْتَرِضِ.
وَشَبَّهَ فِي الْحُرْمَةِ فَقَالَ (ك) هَدِيَّةِ (رَبِّ) أَيْ مَالِكِ (الْقِرَاضِ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ الْمَالِ الْمَدْفُوعِ لِمَنْ يَتَّجِرُ فِيهِ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مَعْلُومٍ مِنْ رِبْحِهِ لِعَامِلِهِ (وَ) هَدِيَّةِ (عَامِلِهِ) أَيْ الْمُتَّجِرُ فِي الْقِرَاضِ لِرَبِّ الْمَالِ فَتَحْرُمُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا لِاتِّهَامِهِمَا عَلَى أَنَّهُمَا قَصَدَا بِإِهْدَائِهِمَا إدَامَةَ الْعَمَلِ فِي الْمَالِ إنْ أَهْدَى أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ قَبْلَ شَغْلِ الْمَالِ اتِّفَاقًا بَلْ (وَلَوْ بَعْدَ شَغْلِ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ شِرَاءِ السِّلَعِ ب (الْمَالِ عَلَى الْأَرْجَحِ) عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ مِنْ الْخِلَافِ نَظَرًا لِلْمَآلِ وَمُقَابِلُهُ الْجَوَازُ بَعْدَهُ نَظَرًا لِلْحَالِ وَنَصِّ ابْنِ يُونُسَ، وَقِيلَ
وَذِي الْجَاهِ
وَالْقَاضِي
[منح الجليل]
لَا يَجُوزُ قَبُولُ هَدِيَّتِهِ وَإِنْ شَغَلَ الْمَالُ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ إذَا نَضَّ أَنْ يُبْقِيَهُ بِيَدِهِ، وَبِهَذَا أَقُولُ وَالْمَنْعُ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ تَقَدُّمِ مِثْلِهَا وَعَدَمِ حُدُوثِ مُوجِبٍ.
(وَ) كَهَدِيَّةٍ إلَى (ذِي الْجَاهِ) فَتَحْرُمُ إنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِثْلُهَا وَلَمْ يَحْدُثْ مُوجِبٌ.
أَبُو عَلِيٍّ التَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ الْأَخْذَ عَلَى الْجَاهِ إلَّا إذَا كَانَ يُمْنَعُ غَيْرُهُ بِجَاهِهِ مِنْ أَمْرٍ يَجِبُ عَلَى ذِي الْجَاهِ دَفْعُهُ عَنْهُ بِأَنْ يَكُونَ بِلَا مَشْيٍ وَحَرَكَةٍ، وَإِنَّ قَوْلَهُ وَذِي الْجَاهِ مُقَيَّدٌ بِهَذَا أَيْ مِنْ حَيْثُ جَاهُهُ فَقَطْ كَاحْتِرَامِ زَيْدٍ مَثَلًا بِذِي جَاهٍ، وَمُنِعَ مِنْ أَجْلِ احْتِرَامِهِ فَهَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ زَيْدٍ، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ تَجُوزُ الْمَسْأَلَةُ لِلضَّرُورَةِ إنْ كَانَ يَحْمِي بِسِلَاحِهِ، فَإِنْ كَانَ يَحْمِي بِجَاهِهِ فَلَا لِأَنَّهُ ثَمَنُ الْجَاهِ اهـ، يَجِبُ أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا ذُكِرَ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ ثَمَنُ الْجَاهِ إنَّمَا حَرُمَ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَخْذِ عَلَى الْوَاجِبِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ الذَّهَابُ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ اهـ.
وَفِي الْمِعْيَارِ سُئِلَ الْقُورِيُّ عَنْ ثَمَنِ الْجَاهِ فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي حُكْمِ ثَمَنِ الْجَاهِ فَمِنْ قَائِلٍ بِالتَّحْرِيمِ بِإِطْلَاقٍ، وَمِنْ قَائِلٍ بِالْكَرَاهَةِ بِإِطْلَاقٍ، وَمِنْ مُفَصِّلٍ فِيهِ وَأَنَّهُ إنْ كَانَ ذُو الْجَاهِ يَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ وَتَعَبٍ وَسَفَرٍ فَأَخَذَ مِثْلَ أَجْرِ نَفَقَةِ مِثْلِهِ فَجَائِزٌ وَإِلَّا حَرُمَ.
اهـ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْحَقُّ.
وَفِي الْمِعْيَارِ أَيْضًا سُئِلَ الْعَبْدُوسِيُّ عَمَّنْ يَجُوزُ النَّاسَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمَخُوفَةِ وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَأَجَابَ ذَلِكَ جَائِزٌ بِشُرُوطِ أَنْ يَكُونَ لَهُ جَاهٌ قَوِيٌّ بِحَيْثُ لَا يُتَجَاسَرُ عَلَيْهِ عَادَةً، وَأَنْ يَكُونَ سَيْرُهُ مَعَهُمْ بِقَصْدِ تَجْوِيزِهِمْ فَقَطْ لَا لِحَاجَةٍ لَهُ، وَأَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ عَلَى أُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ أَوْ عَلَى الْمُسَامَحَةِ بِحَيْثُ يَرْضَى بِمَا يَدْفَعُونَهُ لَهُ.
وَفِي الْمِعْيَارِ أَيْضًا سُئِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ رَجُلٍ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ أَوْ غَيْرُهُ ظُلْمًا فَبَذَلَ مَالًا لِمَنْ يَتَكَلَّمُ فِي خَلَاصِهِ بِجَاهِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَهَلْ يَجُوزُ فَأَجَابَ نَعَمْ يَجُوزُ، صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَنَقَلَهُ عَنْ الْقَفَّالِ.
(وَ) كَهَدِيَّةٍ إلَى (الْقَاضِي) فَتَحْرُمُ لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي» ، وَيَأْتِي فِي بَابِ الْقَضَاءِ أَنَّ جَوَازَ الْهَدِيَّةِ إلَيْهِ الَّتِي اعْتَادَهَا قَبْلَ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ قَوْلَيْنِ.
قُلْت وَلَعَلَّ الْفَرْقَ شِدَّةُ حُرْمَةِ الرِّشْوَةِ إذْ لَمْ يَقُلْ بِجَوَازِهَا أَحَدٌ بِخِلَافِ
وَمُبَايَعَتِهِ مُسَامَحَةً، أَوْ جَرُّ مَنْفَعَةٍ: كَشَرْطِ عَفِنٍ بِسَالِمٍ،
[منح الجليل]
مَا قَبْلَهَا، فَإِنْ الشَّافِعِيَّ جَوَّزَ الْأَخْذَ عَلَى الْجَاهِ، وَمَحَلُّ الْحُرْمَةِ عَلَى الدَّافِعِ لِلْقَاضِي إذَا أَمْكَنَهُ خَلَاصُ حَقِّهِ أَوْ دَفْعُ مَظْلِمَتِهِ بِدُونِهَا وَإِلَّا فَالْحُرْمَةُ عَلَى الْقَاضِي فَقَطْ.
(وَ) حَرُمَ (مُبَايَعَتُهُ) أَيْ مَنْ تَحْرُمُ هَدِيَّتُهُ مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ وَذِي الْجَاهِ وَالْقَاضِي بَيْعًا (مُسَامَحَةً) أَيْ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، فَإِنْ وَقَعَ رَدَّ إلَّا أَنْ يَفُوتَ بِمُفَوِّتِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَفِيهِ قِيمَةُ الْمُقَوِّمِ وَمِثْلُ الْمِثْلِيِّ، وَأَمَّا مُبَايَعَتُهُ بِلَا مُسَامَحَةٍ فَقِيلَ تَجُوزُ.
وَقِيلَ تُكْرَهُ وَيُكْرَهُ بَيْعُ رَبِّ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ بِمُسَامَحَةٍ خَشْيَةَ أَنْ يَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى زِيَادَةِ الْمَدِينِ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْمَحْظُورَاتِ (أَوْ جَرُّ مَنْفَعَةٍ) لِغَيْرِ الْمُقْتَرِضِ الْأَصْوَبُ ضَبْطُهُ مَصْدَرًا مَرْفُوعًا مُضَافًا لِمَفْعُولِهِ مَعْطُوفًا بِالْوَاوِ وَعَلَى هَدِيَّتِهِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، أَيْ وَجَرُّ مَنْفَعَةٍ، أَيْ لِلْمُقْرِضِ قَالَهُ " غ ".
سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ حَلَّ أَجَلُهَا فَأَعْسَرَ بِهَا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَخِّرْهُ بِالْعَشَرَةِ وَأَنَا أُسْلِفُك عَشَرَةَ دَنَانِيرَ.
قَالَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إنْ كَانَ الَّذِي يُعْطِي يَكُونُ لَهُ عَلَى الَّذِي لَهُ الْحَقُّ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ قَضَاءً عَنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَلَفًا لَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيَّنَ عَلَى مَا قَالَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَكُنْ قَضَاءً عَنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَلَفًا مِنْهُ لَهُ لِأَنَّهُ سَلَفُ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ لِغَرَضٍ لَهُ فِي مَنْفَعَةِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فَهُوَ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، إذْ لَا يَحِلُّ السَّلَفُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمُسْلِفُ مَنْفَعَةَ الَّذِي أَسْلَفَهُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى لَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِمَنْفَعَةِ مَنْ سِوَاهُ.
وَمَثَّلَ لِجَرِّ الْمَنْفَعَةِ فَقَالَ (كَشَرْطِ) قَضَاءِ شَيْءٍ (عَفِنٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ مُتَعَفِّنٍ أَوْ مُسَوِّسٍ (ب) شَيْءٍ (سَالِمٍ) مِنْ الْعَفَنِ وَالسُّوسِ وَمَبْلُولٍ بِيَابِسٍ وَقَدِيمٍ بِجَدِيدٍ فَيُمْنَعُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَيَّدَ اللَّخْمِيُّ الْمَنْعَ بِمَا إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ نَفْعِ الْمُتَسَلِّفِ فَقَطْ وَإِلَّا جَازَ وَالْعَادَةُ الْعَامَّةُ أَوْ الْخَاصَّةُ كَالشَّرْطِ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ جَوَازُ قَضَاءِ عَفِنٍ بِسَالِمٍ إذَا كَانَ بِلَا شَرْطٍ وَلَا عَادَةَ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ حَسَنٌ قَضَاءً، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَيْرُ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» .
وَدَقِيقٍ أَوْ كَعْكٍ بِبَلَدٍ، أَوْ خُبْزِ فُرْنٍ بِمِلَّةٍ، أَوْ عَيْنٍ عَظُمَ حَمْلُهَا: كَسَفْتَجَةٍ، إلَّا أَنْ يَعُمَّ الْخَوْفُ، وَكَعَيْنٍ كُرِهَتْ إقَامَتُهَا، إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ نَفْعُ الْمُفْتَرِضِ فَقَطْ فِي الْجَمِيعِ: كَفَدَّانٍ
[منح الجليل]
(وَ) شَرْطِ دَفْعِ مِثْلِ (دَقِيقٍ أَوْ كَعْكٍ) مُسْلَفٍ بِبَلَدٍ بِشَرْطِ مِثْلِهِ (بِبَلَدٍ) آخَرَ غَيْرِ بَلَدِ الْقَرْضِ لِيُسْقِطَ الْمُقْرِضُ عَنْ نَفْسِهِ كُلْفَةَ حَمْلِهِ مِنْ بَلَدِ الْقَرْضِ إلَى الْبَلَدِ الْآخَرِ، كَأَنْ يُسْلِفَهُ بِمِصْرَ دَقِيقًا أَوْ كَعْكًا بِشَرْطِ دَفْعِ قَضَائِهِ بِمَكَّةَ فَيُمْنَعُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَوْ لِلْحَاجِّ، وَيَجُوزُ بِلَا شَرْطٍ، فِي الْحَمْدِيسِيَّةِ جَوَازُهُ لِلْحَاجِّ مَعَ الشَّرْطِ (وَ) شَرْطُ قَضَاءِ (خُبْزِ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ آخِرَهُ زَايٌ (فُرْنٍ ب) خُبْزِ (مِلَّةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ مُشَدَّدَةً أَيْ رَمَادٍ حَارٍّ يُخْبَزُ بِهِ، أَوْ حُفْرَةٍ يُجْعَلُ فِيهَا رَمَادٌ حَارٌّ يُخْبَزُ بِهِ، وَخُبْزُ الْمِلَّةِ أَحْسَنُ مِنْ خُبْزِ الْفُرْنِ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ (أَوْ) شَرَطَ قَضَاءَ (عَيْنٍ) أَيْ ذَاتَ نَقْدٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ (عَظُمَ حَمْلُهَا) بِبَلَدٍ آخَرَ فَيُمْنَعُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِنَفْعِ الْمُقْرِضِ بِدَفْعِ مُؤْنَةِ حَمْلِهَا عَنْ نَفْسِهِ.
وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ فَقَالَ (كَسَفْتَجَةٍ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْجِيمُ أَعْجَمِيَّةٌ أَيْ وَرَقَةٌ يَكْتُبُهَا مُقْتَرِضٌ بِبَلَدٍ كَمِصْرِ لِوَكِيلِهِ بِبَلَدٍ آخَرَ كَمَكَّةَ لِيَقْضِيَ عَنْهُ بِهَا مَا اقْتَرَضَهُ بِمِصْرَ فَيُمْنَعُ لِانْتِفَاعِ الْمُقْرِضِ بِدَفْعِ كُلْفَةِ مَا أَقْرَضَهُ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ مِصْرَ إلَى مَكَّةَ وَغَرَّرَهُ بَرًّا وَبَحْرًا (إلَّا أَنْ يَعُمَّ الْخَوْفُ) الْبَرَّ وَالْبَحْرَ فَيَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ (وَكَ) قَرْضِ (عَيْنٍ) أَيْ ذَاتِ نَقْدٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ (كُرِهَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (إقَامَتُهَا) عِنْدَ مَالِكِهَا لِخَوْفِ تَلَفِهَا بِعَفَنٍ أَوْ سُوسٍ مَثَلًا فَيَحْرُمُ قَرْضُهَا لِيَأْخُذَ بَدَلَهَا لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا لِغَيْرِ الْمُقْتَرِضِ (إلَّا أَنْ يَقُومَ) أَيْ يُوجَدَ (دَلِيلٌ) أَيْ قَرِينَةٌ (عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ) بِقَرْضِ مَا كُرِهَتْ إقَامَتُهُ (نَفْعُ الْمُقْتَرِضِ فَقَطْ) فَيَجُوزُ (فِي الْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعُ الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ، كَمَا إذَا كَانَ الْمُسَوِّسُ أَوْ الْقَدِيمُ إنْ بَاعَهُ يَأْتِي ثَمَنُهُ بِأَضْعَافِهِ لِمَسْغَبَةٍ أَوْ غَلَاءٍ وَشُبِّهَ بِالْمُسْتَثْنَى فِي الْجَوَازِ أَوْ مَثَّلَ لَهُ فَقَالَ (كَفَدَّانٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَشَدِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ
مُسْتَحْصِدٍ: خَفَّتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ: يَحْصُدُهُ وَيَدْرُسُهُ وَيَرُدُّ مَكِيلَتَهُ، وَمُلِكَ، وَلَمْ يَلْزَمْ رَدُّهُ، إلَّا بِشَرْطٍ، أَوْ عَادَةٍ:
[منح الجليل]
آخِرُهُ نُونٌ، أَيْ مِقْدَارٍ مِنْ الزَّرْعِ (مُسْتَحْصِدٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ حَانَ حَصَادُهُ (خَفَّتْ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ مُشَدَّدَةً أَيْ سَهُلَتْ (مُؤْنَتُهُ) أَيْ حَصْدُ الْفَدَّانِ وَدَرْسُهُ وَتَذْرِيَتُهُ (عَلَيْهِ) أَيْ مَالِكِهِ وَأَقْرَضَهُ لِمَنْ (يَحْصُدُهُ) بِكَسْرِ الصَّادِ وَضَمِّهَا (وَيَدْرُسُهُ) وَيُذَرِّيهِ وَيَنْتَفِعُ بِحَبِّهِ ثُمَّ يَقْضِيهِ مِثْلَهُ وَلَمْ يَقْصِدْ الْمُقْرِضُ نَفْسَهُ بِفِعْلِ الْمُقْتَرِضِ كَمَا فِي " ق " عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَالتَّشْبِيهُ يُفِيدُهُ.
(وَيَرُدُّ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ الْمُقْتَرِضُ لِلْمُقْرِضِ (مَكِيلَتَهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ الْحَبَّ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ وَتِبْنَهُ لِمُقْرِضِهِ وَإِنْ هَلَكَ الزَّرْعُ قَبْلَ حَصْدِهِ فَضَمَانُهُ عَلَى مُقْرِضِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ (وَمُلِكَ) بِضَمٍّ بِكَسْرٍ أَيْ الْقَرْضُ أَيْ مَلَكَهُ الْمُقْتَرِضُ بِالْعَقْدِ وَصَارَ مَالًا فَيَقْضِي عَلَى الْمُقْرِضِ بِدَفْعِهِ لَهُ (وَلَمْ يَلْزَمْ) الْمُقْتَرِضَ (رَدُّهُ) أَيْ الْقَرْضِ لِمُقْرِضِهِ إلَّا بَعْدَ انْتِفَاعِهِ بِهِ انْتِفَاعَ أَمْثَالِهِ، فَإِنْ رَدَّهُ الْمُقْتَرِضُ وَجَبَ عَلَى الْمُقْرِضِ قَبُولَهُ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِنَقْصٍ لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ لِلْمُقْتَرِضِ وَلَوْ غَيْرَ عَيْنٍ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ لُزُومِ رَدِّهِ فَقَالَ (إلَّا بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ) بِرَدِّهِ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ فَيَلْزَمُهُ رَدُّهُ عَمَلًا بِالشَّرْطِ أَوْ الْعَادَةِ، فَإِنْ انْتَفَيَا فَهُوَ كَالْعَارِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ.
وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ فِيهَا عَنْ الْمُدَوَّنَةِ قَوْلَيْنِ.
فَقِيلَ لَهُ رَدُّهَا وَلَوْ بِالْقُرْبِ، وَقِيلَ يَلْزَمُهُ إبْقَاؤُهَا الْقَدْرَ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ أَعَارَهُ لِمِثْلِهِ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَلَيْسَ هَذَا عَمَلًا بِالْعَادَةِ، إذْ قَدْ تَزِيدُ عَلَيْهِ بِفَرْضِ وُجُودِهَا.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ اللُّزُومِ فَقَالَ (كَأَخْذِهِ) أَيْ الْقَرْضَ فَلَا يَلْزَمُ رَبَّهُ أَخْذُهُ إنْ دَفَعَهُ الْمُقْتَرِضُ
كَأَخْذِهِ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ، إلَّا الْعَيْنَ.
[منح الجليل]
لَهُ (بِغَيْرِ مَحَلِّهِ) الَّذِي يَقْضِي فِيهِ لِزِيَادَةِ الْكُلْفَةِ عَلَيْهِ (إلَّا الْعَيْنَ) أَيْ الدَّنَانِيرَ أَوْ الدَّرَاهِمَ الْمُقْرَضَةَ فَيَلْزَمُ مُقْرِضُهَا أَخْذَهَا بِغَيْرِ مَحَلِّهِ لِخِفَّةِ حَمْلِهَا إلَّا لِخَوْفٍ أَوْ احْتِيَاجٍ إلَى كَبِيرِ حَمْلٍ، وَمِثْلُهَا الْجَوَاهِرُ النَّفِيسَةُ.
(خَاتِمَةٌ فِيهَا مَسَائِلُ) : الْأُولَى: ابْنُ الْعَرَبِيِّ.
انْفَرَدَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " عَنْهُ بِاشْتِرَاطِ الْأَجَلِ فِي الْقَرْضِ لِخَبَرِ الصَّحِيحِ «أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ اسْتَلَفَ مِنْ رَجُلٍ أَلْفَ دِينَارٍ» الْحَدِيثُ.
الثَّانِيَةُ: فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ إنْ وَعَدْت غَرِيمَك بِتَأْخِيرِ الدَّيْنِ لَزِمَك لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِلْحَقِّ لَازِمٌ، سَوَاءٌ قُلْت لَهُ أُؤَخِّرُك أَوْ أَخَّرْتُك.
الثَّالِثَةُ: ابْنُ نَاجِي: فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَلَهُ أَنْ يُقْرِضَهُ شَيْئًا فِي مِثْلِهِ صِفَةً وَمِقْدَارًا يَقُومُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ افْتِقَارُ الْقَرْضِ لَأَنْ يَكُونَ بِلَفْظِهِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ اشْتِرَاطِ مَا يُوجِبُهُ الْحُكْمُ مِنْ قَوْلِهِ فِي مِثْلِهِ صِفَةً وَمِقْدَارًا لِأَنَّ قَضَاءَ الصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ يُوجِبُهُمَا الْحُكْمُ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ نَصٌّ عَلَيْهِمَا فِي الْعَقْدِ، وَاخْتُلِفَ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ بِهِ إنْ شَرَطَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا يُمْنَعُ فِي الطَّعَامِ، فَإِنْ وَقَعَ فُسِخَ اهـ. وَفِي الذَّخِيرَةِ سَنَدُ مَنْعِ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أُقْرِضُك هَذِهِ الْحِنْطَةَ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي مِثْلَهَا، وَإِنْ كَانَ الْقَرْضُ يَقْتَضِي إعْطَاءَ الْمِثْلِ لِإِظْهَارِ صُورَةِ الْمُكَايَسَةِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ قَصَدَ بِشَرْطِ إعْطَاءِ الْمِثْلِ عَدَمَ الزِّيَادَةِ فَلَا يُكْرَهُ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا، وَإِنْ قَصَدَ الْمُكَايَسَةَ كُرْه، وَلَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ لِعَدَمِ نَفْعِ الْمُقْرِضِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الرَّابِعَةُ: ابْنُ عَرَفَةَ: لِلْمُقْتَرِضِ رَدُّ عَيْنِ الْمُقْتَرَضِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَبِهِ اتَّضَحَ تَعْلِيلُ مَنْعِهِ فِي الْإِمَاءِ بِأَنَّهُ عَارِيَّةٌ لِلْفُرُوجِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ بِنَقْصٍ فَوَاضِحٌ عَدَمُ الْقَضَاءِ بِقَبُولِهِ، وَلَوْ تَغَيَّرَ بِزِيَادَةٍ فَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ بِقَبُولِهِ وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَقْرَبُ عَدَمُهُ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ مِنْ الْمُقْتَرِضِ يُرَدُّ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ بِقَبُولِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ، وَهُوَ عَرْضٌ لِانْتِفَاءِ الْمِنَّةِ عَلَى الْمُقْرِضِ فِيهِمَا لِتَقَدُّمِ مَعْرُوفِهِ عَلَيْهِ بِالْقَرْضِ وَوُجُوبِ قَضَائِهِ بِمَحَلِّ قَبْضِهِ وَهُوَ غَيْرُ عَيْنٍ، وَيَجُوزُ بِغَيْرِهِ تَرَاضِيًا.
الْجَلَّابُ إنْ حَلَّ أَحَلَّهُ وَإِلَّا فَلَا.
ابْنُ عَاتٍ عَنْ الْمُشَاوِرِ مِنْ أَقْرَضَ طَعَامًا بِبَلَدٍ فَخَرِبَ وَانْجَلَى أَهْلُهُ وَأَيِسَ مِنْ عِمَارَتِهِ إلَّا بَعْدَ طُولٍ فَلَهُ أَخْذُ قِيمَتِهِ فِي مَوْضِعِ السَّلَفِ، وَإِنْ رَجَا قُرْبَ عِمَارَتِهِ تَرَبَّصَ إلَيْهَا وَلَوْ كَانَ مَنْ سَلَّمَ خُيِّرَ فِي الْإِيَاسِ بَيْنَ تَرَبُّصِهِ وَأَخْذِ رَأْسِ مَالِهِ.
قُلْت الْأَظْهَرُ إنْ لَمْ تُرْجَ عِمَارَتُهُ عَنْ قُرْبٍ الْقَضَاءُ بِالدَّفْعِ فِي أَقْرَبِ مَوْضِعِ عِمَارَةٍ لِمَحِلِّ الْقَرْضِ.
الْخَامِسَةُ: ابْنُ نَاجِي: اُخْتُلِفَ إذَا أَرَادَ الْمَدِينُ دَفْعَ بَعْضِ مَا عَلَيْهِ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَهَلْ يُجْبَرُ رَبُّ الْمَالِ عَلَى قَبْضِهِ أَمْ لَا فَرَوَى مُحَمَّدٌ أَنَّهُ يُجْبَرُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُجْبَرُ، وَأَمَّا الْمُعْسِرُ فَيُجْبَرُ اتِّفَاقًا، وَعَزَا الْجُزُولِيُّ الْأَوَّلَ لِمَالِكٍ، وَحَكَى الثَّانِيَ بِقِيلَ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى الثَّانِي.
ابْنُ يُونُسَ ابْنِ الْمَوَّازِ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ فَجَاءَ بِبَعْضِهِ فَقَالَ لَا أَقْبَلُ إلَّا الْمَالَ كُلَّهُ فَأَرَى أَنْ يُجْبَرَ عَلَى أَخْذِ مَا جَاءَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا فَلَا يُجْبَرُ رَبُّ الْحَقِّ عَلَى أَخْذِ مَا جَاءَ بِهِ، أَفَادَهَا الْحَطّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(فَصْلٌ) تَجُوزُ الْمُقَاصَّةُ
[منح الجليل]
[فَصْلٌ فِي أَحْكَام الْمُقَاصَّةُ]
فَصْلٌ)
فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُقَاصَّةِ تت هَذَا الْفَصْلُ بَيَّضَ لَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَلَّفَهُ الْعَلَامَةُ بَهْرَامُ، قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ عَادَةَ الْأَشْيَاخِ فِي الْغَالِبِ أَنْ يُذَيِّلُوا هَذَا الْبَابَ بِذِكْرِ الْمُقَاصَّةِ وَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ فَأَرَدْت أَنْ أَذْكُرَ شَيْئًا لِيَكُونَ تَتْمِيمًا لِغَرَضِ النَّاظِرِ.
(تَجُوزُ الْمُقَاصَّةُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِقَافٍ وَشَدِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْمُقَاصَّةُ مُتَارَكَةُ مَطْلُوبٍ بِمُمَاثِلِ صِنْفِ مَا عَلَيْهِ لِمَا لَهُ عَلَى طَالِبِهِ فِيمَا ذُكِرَ عَلَيْهِمَا.
قَوْلُهُ مُتَارَكَةُ مُفَاعَلَةٌ مُقْتَضِيَةٌ مَطْلُوبَ فَاعِلِهَا، فَفِيهِ حَذْفُ الْوَاوِ وَمَعْطُوفِهَا، وَالْأَصْلُ وَطَالِبٌ، وَقَوْلُهُ بِمُمَاثِلٍ تَنَازَعَ فِيهِ مَطْلُوبٌ وَطَالِبٌ وَهُوَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ حَقٍّ.
وَقَوْلُهُ صِنْفٌ فَاعِلٌ مُمَاثِلٌ وَقَوْلُهُ مَا عَلَيْهِ إظْهَارٌ فِي مَحَلِّ الضَّمِيرِ، وَالْأَصْلُ صِنْفُهُ، وَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهٌ لِعُدُولِهِ عَنْهُ مَعَ اخْتِصَارِهِ وَأَوْضَحِيَّتِهِ.
وَقَوْلُهُ لِمَا لَهُ صِلَةُ مُمَاثِلٍ، وَقَوْلُهُ عَلَى طَالِبِهِ صِلَةُ مُتَعَلِّقٍ لَهُ، وَقَوْلُهُ فِيمَا ذَكَرَ أَيْ مَا عَلَيْهِ وَمَا لَهُ صِلَةُ مُتَارَكَةٍ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِمَا حَالٌ مِمَّا ذُكِرَ اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ مُتَارَكَتِهِمَا فِيمَا ذُكِرَ وَهُوَ عَلَى غَيْرِهِمَا لَهُمَا.
ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا يُنْتَقَضُ طَرْدُهُ بِمُتَارَكَةٍ مُتَقَاذِفَيْنِ حَدَّيْهِمَا وَلَا بِمُتَارَكَةِ مُتَجَارِحَيْنِ جُرْحَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ لِأَنَّ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عُرْفًا مَا صَحَّ قِيَامُ أَحَدِهِمَا بَدَلَ الْآخَرِ، وَهَذَا لَا يَصْدُقُ عَلَى حَدَّيْ الْقَذْفِ وَلَا عَلَى الْجُرْحَيْنِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَصِحُّ بَدَلَ الْآخَرِ بِحَالٍ، وَإِلَّا زِيدَ فِي الرَّسْمِ مَالِيًّا.
وَقَوْلُنَا مَا عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ لَفْظِ الدَّيْنِ لِتَدْخُلَ الْمُقَاصَّةُ فِيمَا حَلَّ مِنْ الْكِتَابَةِ وَنَفَقَةُ الزَّوْجَةِ.
الْبُنَانِيُّ وَفِيهِ بَحْثَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِعَدَمِ شُمُولِهِ الْمُقَاصَّةُ فِي الدَّيْنَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ إلَّا أَنْ يُقَالَ قُصِدَ تَعْرِيفُ الْمُقَاصَّةِ الَّتِي يُقْضَى بِهَا فَقَطْ وَفِيهِ نَظَرٌ.
الثَّانِي.
أَنَّ صَوَابَهُ بِمُمَاثِلٍ صَنَّفَهُ بِالضَّمِيرِ، وَيَسْقُطُ لَفْظُ مَا عَلَيْهِ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ، وَتَعْبِيرُ
فِي دَيْنَيْ الْعَيْنِ مُطْلَقًا، إنْ اتَّحَدَا قَدْرًا وَصِفَةً، حَلَّا أَوْ أَحَدُهُمَا، أَمْ لَا.
وَإِنْ اخْتَلَفَا صِفَةً مَعَ اتِّحَادِ النَّوْعِ أَوْ اخْتِلَافِهِ،
[منح الجليل]
الْمُصَنِّفُ بِالْجَوَازِ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ آخِرَ بُيُوعِ الْآجَالِ هِيَ جَائِزَةٌ، وَهَذَا بِاعْتِبَارِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقْضَى لِطَالِبِهَا بِهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ، أَوْ يُقْضَى بِعَدَمِهَا لِطَالِبِهِ وَهِيَ رِوَايَةُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ وَالْجَوَازُ هُنَا بِمَعْنَى الْإِذْنِ فِي الْإِقْدَامِ وَهَذَا بِاعْتِبَارِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَهَلْ يَجِبُ أَنْ يُعْمَلَ بِهَا فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ حَتَّى يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ دَعَا إلَيْهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ، أَوْ قَوْلُ مَنْ دَعَا إلَى عَدَمِهَا وَهِيَ رِوَايَةُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَفِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُقَاصَّةُ جَائِزَةٌ اتِّفَاقًا، وَالْجَوَازُ هُنَا بِمَعْنَى الْإِذْنِ وَإِلَّا فَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ يَجِبُ أَنْ يُعْمَلَ عَلَى قَوْلِ مَنْ دَعَا مِنْهُمَا إلَيْهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ، أَوْ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ دَعَا إلَى عَدَمِهَا، رَوَاهُ زِيَادٌ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَخَذَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ الثَّانِيَ وَالنِّكَاحُ الثَّانِي الْقَوْلُ الثَّانِي.
(فِي دَيْنَيْ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَالنُّونِ مَثْنَى دَيْنٍ حُذِفَتْ نُونُهُ لِإِضَافَتِهِ إلَى (الْعَيْنِ) أَيْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِمَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ، وَمَحَلُّ جَوَازِهَا (أَنَّهُ اتَّحِدَا) أَيْ دَيْنَا الْعَيْنِ (قَدْرًا) كَعَشَرَتَيْنِ (وَصِفَةً) كَمُحَمَّدِيَّيْنِ وَيَلْزَمُهَا اتِّحَادُ النَّوْعِ كَذَهَبَيْنِ سَوَاءٌ (حَلَّا) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ اللَّامِ أَيْ دَيْنَا الْعَيْنِ مَعًا (أَوْ) حَلَّ (أَحَدُهُمَا) دُونَ الْآخَرِ (أَمْ لَا) بِأَنْ كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ مَعًا بِأَجَلٍ وَاحِدٍ أَوْ بِأَجَلَيْنِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، إذْ لَيْسَتْ سَلَفًا بِزِيَادَةٍ، وَلَا وُضِعَا لِلتَّعْجِيلِ، وَإِنَّمَا هِيَ مَحْضُ مُبَارَأَةٍ.
وَفِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ الْعَطْفُ عَلَى ضَمِيرِ الرَّفْعِ الْمُتَّصِلِ بِلَا فَاصِلٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَنَّ قَوْلَهُ أَمْ لَا شَامِلٌ لِتَأْجِيلِهِمَا وَتَأْجِيلِ أَحَدِهِمَا فَالْأَوْلَى حَذْفٌ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَإِنَّ قَوْلَهُ مُطْلَقًا يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ حَلَّا إلَخْ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ دَيْنَا الْعَيْنِ (صِفَةً مَعَ اتِّحَادِ النَّوْعِ) كَمُحَمَّدِيَّةٍ وَيَزِيدِيَّةٍ كِلَاهُمَا ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ (أَوْ) مَعَ (اخْتِلَافِهِ) أَيْ النَّوْعِ كَدَنَانِيرَ مُحَمَّدِيَّةٍ وَدَرَاهِمَ يَزِيدِيَّةٍ.
الْبُنَانِيُّ لَوْ قَالَ
فَكَذَلِكَ إنْ حَلَّا، وَإِلَّا فَلَا: كَأَنْ اخْتَلَفَا زِنَةً مِنْ بَيْعٍ
وَالطَّعَامَانِ مِنْ قَرْضٍ كَذَلِكَ، وَمُنِعَا مِنْ بَيْعٍ؛ وَلَوْ مُتَّفِقَيْنِ،
[منح الجليل]
وَإِنْ اخْتَلَفَا صِفَةً أَوْ نَوْعًا لَكَانَ أَخْصَرَ (فَكَذَلِكَ) أَيْ الدَّيْنَيْنِ الْمُتَّفِقَيْنِ نَوْعًا وَصِفَةً فِي جَوَازِ الْمُقَاصَّةِ فِيهِمَا لَكِنْ لَا مُطْلَقًا، بَلْ (إنْ حَلَّا) أَيْ دَيْنَا الْعَيْنِ وَهِيَ مَعَ اتِّحَادِ النَّوْعِ مُبَادَلَةُ مَا فِي الذِّمَّةِ وَمَعَ اخْتِلَافِهِ صَرْفُ مَا فِيهَا وَهُمَا جَائِزَانِ بِشَرْطِ الْحُلُولِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّا بِأَنْ أَجَّلَا مَعًا أَوْ أَحَدَهُمَا (فَلَا) تَجُوزُ الْمُقَاصَّةُ لِأَنَّهَا مَعَ اتِّحَادِهِ بَدَلٌ مُؤَخَّرٌ، وَمَعَ اخْتِلَافِهِ صَرْفُ مُؤَخَّرٍ وَكِلَاهُمَا مَمْنُوعٌ.
فِي التَّوْضِيحِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ بِعَدَمِ بُعْدِ التُّهْمَةِ، فَإِنْ بَعُدَتْ جَازَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بُيُوعِ الْآجَالِ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكْثُرَ الْمُعَجَّلُ عَنْ الْمُتَأَخِّرِ جِدًّا.
وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ إنْ حَلَّا وَالْمَنْعِ إنْ لَمْ يَحِلَّا فَقَالَ (كَأَنْ) اتَّفَقَا نَوْعًا و (اخْتَلَفَا) أَيْ دَيْنَا الْعَيْنِ (زِنَةً) حَالَ كَوْنِهِمَا (مِنْ بَيْعٍ) فَتَجُوزُ الْمُقَاصَّةُ فِيهِمَا إنْ حَلَّا وَإِلَّا فَلَا، فَهُوَ تَشْبِيهٌ تَامٌّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا عِنْدَ ابْنِ بَشِيرٍ وَارْتَضَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَكَزِيَادَةِ الزِّنَةِ زِيَادَةَ الْعَدَدِ بِالْأَوْلَى فَلَا يُقَالُ الْأَوْلَى إبْدَالُ الزِّنَةِ بِالْقَدْرِ لِيَشْمَلَ زِيَادَةَ الْعَدَدِ.
وَمَفْهُومٌ مِنْ بَيْعٍ أَنَّهُمَا إنْ كَانَا مِنْ قَرْضٍ مُنِعَتْ وَلَوْ حَلَّا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ مُنِعَتْ إنْ لَمْ يَحِلَّا، وَإِنْ حَلَّا فَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ دَيْنَ الْبَيْعِ مُنِعَتْ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَرْضٍ جَازَتْ، هَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ بَشِيرٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَهِيَ أَسْعَدُ بِالذَّهَبِ وَطَرِيقَةُ غَيْرِهِ الْمَنْعُ مُطْلَقًا.
(وَالطَّعَامَانِ) الْمُتَرَتِّبَانِ فِي الذِّمَّتَيْنِ (مِنْ قَرْضٍ كَذَلِكَ) أَيْ دَيْنَيْ الْعَيْنِ فِي جَوَازِ الْمُقَاصَّةِ إنْ اتَّفَقَا قَدْرًا وَصِفَةً سَوَاءٌ حَلَّا أَمْ لَا، أَوْ اخْتَلَفَا صِفَةً وَاتَّحَدَ نَوْعُهُمَا، أَوْ اخْتَلَفَ وَحَلَّا وَمَنْعُهَا فِي هَذَا إنْ لَمْ يَحِلَّا، وَفِي اخْتِلَافِ الْقَصْرِ حَلَّا أَمْ لَا (وَمُنِعَا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ الطَّعَامَانِ أَيْ الْمُقَاصَّةُ فِيهِمَا حَالَ كَوْنِهِمَا مُرَتَّبِينَ فِي الذِّمَّتَيْنِ (مِنْ بَيْعٍ) إنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْقَدْرِ أَوْ النَّوْعِ أَوْ الصِّفَةِ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَا (مُتَّفِقَيْنِ) نَوْعًا وَقَدْرًا وَصِفَةً، وَسَوَاءٌ حَلَّا أَمْ لَا لِبَيْعِ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ فِيهِمَا وَالنَّسِيئَةِ فِي طَعَامٍ بِطَعَامٍ وَالدَّيْنُ بِالدَّيْنِ فِي غَيْرِ الْحَالَيْنِ.
وَأَشَارَ بِلَوْ إلَى قَوْلِ أَشْهَبَ بِجَوَازِهَا فِي الْمُتَّفِقَيْنِ
وَمِنْ بَيْعٍ وَقَرْضٍ تَجُوزُ، إنْ اتَّفَقَا وَحَلَّا؛ لَا إنْ لَمْ يَحِلَّا، أَوْ أَحَدُهُمَا.
وَتَجُوزُ فِي الْعَرَضَيْنِ مُطْلَقًا؛ إنْ اتَّحِدَا جِنْسًا وَصِفَةً كَأَنْ اخْتَلَفَا جِنْسًا، وَاتَّفَقَا أَجَلًا، وَإِنْ اخْتَلَفَا أَجَلًا: مُنِعَتْ إنْ لَمْ يَحِلَّا أَوْ أَحَدُهُمَا، وَإِنْ اتَّحَدَا جِنْسًا، وَالصِّفَةُ مُتَّفِقَةٌ أَوْ مُخْتَلِفَةٌ: جَازَتْ إنْ اتَّفَقَ الْأَجَلُ؛ وَإِلَّا فَلَا مُطْلَقًا.
[منح الجليل]
وَ) إنْ كَانَ أَحَدُ الطَّعَامَيْنِ (مِنْ قَرْضٍ) وَالْآخَرُ مِنْ (بَيْعٍ تَجُوزُ) الْمُقَاصَّةُ فِيهِمَا (إنْ اتَّفَقَا) أَيْ الطَّعَامَانِ نَوْعًا وَقَدْرًا وَصِفَةً (وَحَلَّا) مَعًا (لَا) تَجُوزُ (إنْ لَمْ يَحِلَّا) بِأَنْ كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ (أَوْ) لَمْ يَحِلَّ (أَحَدُهُمَا) أَيْ الطَّعَامَيْنِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ بِالتَّأْجِيلِ وَلَوْ لِأَحَدِهِمَا فَيَلْزَمُ بَيْعُ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ.
(وَتَجُوزُ) الْمُقَاصَّةُ (فِي) الدَّيْنَيْنِ (الْعَرْضَيْنِ مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِمَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، وَبِكَوْنِهِمَا حَالَيْنِ (إنْ اتَّحَدَا) أَيْ الْعَرْضَانِ (جِنْسًا وَصِفَةً) ابْنُ بَشِيرٍ فَإِنْ اتَّفَقَا فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ جَازَتْ الْمُقَاصَّةُ اتَّفَقَتْ الْآجَالُ أَوْ اخْتَلَفَتْ حَلَّا أَوْ لَمْ يَحِلَّا.
وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ فَقَالَ (كَأَنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْعَرْضَانِ (جِنْسًا وَاتَّفَقَا) أَيْ الْعَرْضَانِ (أَجَلًا) وَأَوْلَى إنْ حَلَّا.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْعَرْضَانِ (أَجَلًا) بِأَنْ أُجِّلَا بِأَجَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ (مُنِعَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمُقَاصَّةُ فِيهِمَا (إنْ لَمْ يَحِلَّا) أَيْ الْعَرْضَانِ مَعًا وَإِلَّا جَازَتْ (أَوْ) إنْ لَمْ يَحِلَّ (أَحَدُهُمَا) فَإِنْ حَلَّ أَحَدُهُمَا جَازَتْ، هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لِانْتِفَاءِ قَصْدِ الْمُكَايَسَةِ بِحُلُولِ أَحَدِهِمَا.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنَعَهَا حِينَئِذٍ ابْنُ مُحْرِزٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي (فَإِنْ اتَّحَدَا) أَيْ الْعَرْضَانِ (جِنْسًا وَالصِّفَةُ مُتَّفِقَةٌ أَوْ مُخْتَلِفَةٌ جَازَتْ) الْمُقَاصَّةُ فِيهِمَا (إنْ اتَّفَقَ الْأَجَلُ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُتَّفَقْ الْأَجَلُ بِأَنْ اخْتَلَفَ (فَلَا) تَجُوزُ (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِمَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ.
الْحَطّ وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ، الْأَوَّلُ: أَنَّهُ قَدَّمَ حُكْمَ اتِّفَاقِ الْعَرْضَيْنِ فِي الصِّفَةِ فَلَا حَاجَةَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
إلَى إعَادَتِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ وَإِلَّا فَلَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَّفِقْ الْأَجَلَانِ فَلَا تَجُوزُ الْمُقَاصَّةُ فِيهِمَا، وَإِنْ اتَّفَقَا فِي الصِّفَةِ وَالْجِنْسِ وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمَا إذَا اتَّفَقَا فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ جَازَتْ الْمُقَاصَّةُ اتَّفَقَا فِي الْأَجَلِ أَوْ اخْتَلَفَا أَوْ لَمْ يَحِلَّا كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ.
الثَّالِثُ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ إنْ اتَّفَقَ الْأَجَلُ أَوْ حَلَّا لِأَنَّ حُكْمَ الْحُلُولِ حُكْمُ اتِّفَاقِ الْأَجَلِ، وَقَدْ يُقَالُ سَكَتَ عَنْ حُكْمِ الْحُلُولِ لِوُضُوحِهِ، وَإِنْ كَانَ ذِكْرُهُ أَوْلَى.
الرَّابِعُ: شَمِلَ قَوْلَهُ وَإِلَّا فَلَا مُطْلَقًا كَوْنُهُمَا مِنْ قَرْضٍ وَالْحَالُ مِنْهُمَا أَوْ الْأَقْرَبُ حُلُولًا أَجْوَدُ وَهُوَ جَائِزٌ، إذْ لَا مَانِعَ فِيهَا لِأَنَّهَا امْتَنَعَتْ إذَا كَانَا مِنْ بَيْعٍ لِأَنَّ فِيهَا حَطُّ الضَّمَانِ، وَأَزِيدُك وَلَا ضَمَانَ فِي الْقَرْضِ وَكَذَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ قَرْضٍ وَالْآخَرُ مِنْ بَيْعٍ، وَكَانَ أَوَّلُهُمَا حُلُولًا هُوَ الْبَيْعُ وَهُوَ الْأَفْضَلُ جَازَتْ لِمَا ذُكِرَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ بَشِيرٍ، وَصَرَّحَ فِي التَّوْضِيحِ بِالْجَوَازِ فِي الْأُولَى، وَقَدْ سَلِمَ كَلَامُهُ فِي الشَّامِلِ مِنْ الِاعْتِرَاضَيْنِ الْأَوَّلِينَ، وَنَصُّهُ وَإِنْ اتَّفَقَا جِنْسًا دُونَ صِفَةٍ جَازَ إنْ حَلَّا، وَإِلَّا فَلَا مُطْلَقًا وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ كَعِبَارَةِ الشَّامِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: إذَا اتَّحَدَا فِي الْجِنْسِ وَاخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ وَحَلَّا أَوْ اتَّفَقَا أَجَلًا جَازَتْ الْمُقَاصَّةُ كَانَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ بَشِيرٍ.
الثَّانِي: جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْعَرْضَيْنِ الْمُتَّفِقَيْنِ فِي الْجِنْسِ إنَّمَا هُوَ إذَا اتَّفَقَ عَدَدُهُمَا، فَإِنْ اخْتَلَفَ وَكَانَا مِنْ قَرْضٍ امْتَنَعَتْ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَنْعِ الزِّيَادَةِ فِي قَضَاءِ الْقَرْضِ، وَإِنْ كَانَا مِنْ بَيْعٍ وَقَدْ حَلَّ الْأَجَلَانِ فَتَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ قَرْضٍ وَالْآخَرُ مِنْ بَيْعٍ فَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْبَيْعِ أَكْثَرَهُمَا امْتَنَعَتْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثُ: ضَابِطُهَا أَنَّ مَا حَلَّ أَوْ كَانَ أَقْرَبَ حُلُولًا فَهُوَ مَقْبُوضٌ عَمَّا لَمْ يَحِلَّ أَوْ عَمَّا هُوَ أَبْعَدُ حُلُولًا، فَإِنْ أَدَّى اقْتِضَاؤُهُ عَنْهُ إلَى ضَعْ وَتَعَجَّلْ، أَوْ حَطِّ الضَّمَانِ، وَأَزِيدُك امْتَنَعَ وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَازَ، فَإِنْ كَانَا مِنْ بَيْعٍ وَكَانَ الْحَالُ أَوْ الْأَقْرَبُ حُلُولًا أَكْثَرُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
أَوْ أَجْوَدُ امْتَنَعَتْ لِأَنَّهُ حَطَّ الضَّمَانَ، وَأَزِيدُك وَإِنْ كَانَ أَدْنَى أَوْ أَقَلَّ امْتَنَعَتْ لِأَنَّهُ ضَعْ وَتَعَجَّلْ، وَهَذَا إذَا كَانَا مِنْ بَيْعٍ، وَإِذَا كَانَا مِنْ قَرْضٍ وَالْحَالُ أَوْ الْأَقْرَبُ أَدْنَى أَوْ أَقَلُّ امْتَنَعَ لِأَنَّهُ ضَعْ وَتَعَجَّلْ، وَإِنْ كَانَ أَجْوَدُ جَازَ إذْ لَا ضَمَانَ فِي الْقَرْضِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ عَدَدًا امْتَنَعَ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الْقَرْضِ قَالَهُ فِي النُّكَتِ، أَفَادَهُ تت فِي صَغِيرِهِ، وَزَادَ فِي كَبِيرِهِ الْمُصَنِّفُ وَيَدْخُلُهَا خِلَافُ مَنْ رَدَّ فِي الْقَرْضِ أَكْثَرَ عَدَدًا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ قَرْضٍ وَالْآخَرُ مِنْ بَيْعٍ جَرَى عَلَى الْقِسْمَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَإِنْ اتَّفَقَ أَجَلُهُمَا فَذَلِكَ جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ أَوْ مِنْ بَيْعٍ وَقَرْضٍ.
قَوْلُهُ عَلَى الْقِسْمَيْنِ السَّابِقَيْنِ أَيْ فِي اعْتِبَارِ حَطِّ الضَّمَانِ، وَأَزِيدُك أَوْ ضَعْ وَتَعَجَّلْ، قَوْلُهُ وَإِنْ اتَّفَقَ أَجَلُهُمَا فَذَلِكَ جَائِزٌ إلَخْ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الضَّابِطِ وَقَدْ أَدْخَلَ فِيهِ الِاخْتِلَافَ فِي الْقَدْرِ فَيَقْتَضِي الْجَوَازَ عِنْدَ اتِّفَاقِ الْأَجَلِ وَلَوْ اخْتَلَفَا قَدْرًا فِي الْقَرْضِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ يُمْنَعُ ذَلِكَ فِي الدَّيْنَيْنِ مِنْ قَرْضٍ وَلَوْ اتَّفَقَا أَجَلًا أَوْ حَلَّا، وَكَذَا مِنْ قَرْضٍ وَبَيْعٍ وَدَيْنُ الْبَيْعِ أَكْثَرُ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ شَاسٍ وَلَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا غَيْرُهُمْ الضَّابِطَ إلَّا فِي اخْتِلَافِ الصِّفَةِ بِخِلَافِ صَنِيعِ التَّوْضِيحِ وتت.
الرَّابِعُ: ابْنُ بَشِيرٍ وَإِنْ اخْتَلَفَا الدَّيْنَانِ جِنْسًا كَعُرُوضٍ فِي ذِمَّةٍ وَعَيْنٍ فِي ذِمَّةٍ أُخْرَى أَوْ عَرْضٍ وَطَعَامٍ جَازَتْ الْمُقَاصَّةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، حَلَّا أَمْ لَا، اتَّفَقَ أَجَلُهُمَا أَوْ اخْتَلَفَ.
الْبُنَانِيُّ يَشْكُلُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ مِنْ بَيْعٍ إذْ فِيهِ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَالصُّوَرُ الثَّلَاثُ إمَّا مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ أَوْ مِنْهُمَا، فَهَذِهِ تِسْعٌ تُضْرَبُ فِي أَحْوَالِ الْأَجَلِ الثَّلَاثِ بِسَبْعِ وَعِشْرِينَ.
الْخَامِسُ: قَسَّمَ الْمُصَنِّفُ الدَّيْنَيْنِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ عَيْنَيْنِ وَطَعَامَيْنِ، وَعَرْضَيْنِ، وَكُلٌّ مِنْهَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ أَوْ أَحَدِهِمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ، فَهَذِهِ تِسْعَةٌ، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا إمَّا أَنْ يَتَّفِقَا فِي النَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ، وَإِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَا فِي وَاحِدٍ مِنْهَا، فَهَذِهِ أَرْبَعٌ فِي تِسْعٍ بِسِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا إمَّا حَالَّانِ أَوْ مُؤَجَّلَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا حَالٌّ وَالْآخَرُ مُؤَجَّلٌ، فَهَذِهِ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَنَظَمَهَا الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ مَيَّارَةُ فَقَالَ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
دَيْنُ الْمُقَاصَّةِ لِعَيْنٍ يَنْقَسِمُ ... وَلِطَعَامٍ وَلِعَرْضٍ قَدْ عُلِمَ وَكُلُّهَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ وَرَدَ ... أَوْ مِنْ كِلَيْهِمَا فَذِي تِسْعٌ تُعَدُّ فِي كُلِّهَا يَحْصُلُ الِاتِّفَاقُ فِي ... جِنْسٍ وَقَدْرٍ صِفَةٍ فَلْتَقْتَفِي أَوْ كُلِّهَا مُخْتَلِفٌ فَهِيَ إذًا ... أَرْبَعُ حَالَاتٍ فِي تِسْعٍ فَاعْلَمَا يَخْرُجُ سِتٌّ مَعَ ثَلَاثِينَ تُضَمُّ ... تُضْرَبُ فِي أَحْوَالِ آجَالٍ تَؤُمُّ حَلَّا مَعًا أَوْ وَاحِدًا وَلَا مَعًا ... جُمْلَتُهَا حَقُّ كَمَا قِيلَ اسْمَعَا تَكْمِيلَ تَقْيِيدِ ابْنِ غَازِيٍّ اخْتَصَرَا ... أَحْكَامَهَا فِي جَدْوَلٍ فَلْيُنْظَرَا
(بَابٌ) الرَّهْنُ بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ مَا يُبَاعُ، أَوْ غَرَرًا، وَلَوْ اُشْتُرِطَ
[منح الجليل]
[بَابٌ فِي بَيَان حَقِيقَة وَأَحْكَام الرَّهْن]
بَابُ)
فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ وَأَحْكَامِ الرَّهْنِ (الرَّهْنُ) لُغَةً اللُّزُومُ وَالْحَبْسُ، وَكُلُّ مَلْزُومٍ فَهُوَ رَهْنٌ يُقَالُ هَذَا رَهْنٌ لَك أَيْ مَحْبُوسٌ لَك، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38] ، أَيْ مَحْبُوسَةٌ، وَالرَّاهِنُ دَافِعُ الرَّهْنِ، وَالْمُرْتَهِنُ بِكَسْرِ الْهَاءِ قَابِضُهُ، وَبِفَتْحِهَا الشَّيْءُ الْمَرْهُونُ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى آخِذِهِ لِوَضْعِ الرَّهْنِ عِنْدَهُ وَعَلَى الرَّاهِنِ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ وَمَأْخُوذٌ مِنْهُ الرَّهْنُ، وَجَمْعُ الرَّهْنِ رِهَانٌ وَرُهُونٌ، وَرَهْنٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَالْهَاءِ.
ابْنُ يُونُسَ الرَّهْنُ وَالرِّهَانُ عَرَبِيَّانِ لَكِنَّ الرَّهْنَ بِضَمٍّ فِي جَمْعِ الرَّهْنِ أَكْثَرُ، وَالرِّهَانُ فِي الْخَيْلِ أَكْثَرُ.
وَقِيلَ جَمْعُ الرَّهْنِ رِهَانٌ وَجَمْعُ رِهَانٍ رَهْنٌ بِالضَّمِّ فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ، يُقَالُ رَهَنْته وَأَرْهَنْتُهُ وَارْتَهَنْته حَكَاهُ السَّمِينُ.
وَشَرْعًا يُطْلَقُ مَصْدَرًا بِمَعْنَى الْعَقْدِ، وَاسْمًا لِلشَّيْءِ الْمَرْهُونِ، وَعَرَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَقَالَ: الرَّهْنُ (بَذْلُ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ إعْطَاءُ جِنْسٍ شَمِلَ الرَّهْنَ وَغَيْرَهُ وَهُوَ مُضَافٌ لَهُ لِ (مَنْ) أَيْ شَخْصٍ إضَافَةَ مَصْدَرٍ لِفَاعِلِهِ (لَهُ الْبَيْعُ) لِتَمْيِيزِهِ لِإِخْرَاجِ بَذْلِ مَنْ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ، وَمَفْعُولُ الْبَذْلِ (مَا) أَيْ شَيْئًا (يُبَاعُ) أَخْرَجَ بِهِ بَذْلَ مِنْ لَهُ الْبَيْعُ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ كَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَمَيْتَةٍ وَكَلْبٍ، وَلَمَّا خَرَجَ بِقَوْلِهِ مَا يُبَاعُ بَذْلُ مَا فِيهِ غَرَرٌ وَكَانَ رَهْنُهُ صَحِيحًا، عَطَفَهُ عَلَى مَا يُبَاعُ لِإِدْخَالِهِ فَقَالَ (أَوْ) بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ (غَرَرًا) أَيْ شَيْئًا فِيهِ غَرَرٌ غَيْرُ شَدِيدٍ كَآبِقٍ وَشَارِدٍ لِأَنَّ لِلْمَالِكِ دَفْعُ مَالِهِ قَرْضًا أَوْ بَيْعًا لِأَجَلٍ بِلَا تَوَثُّقٍ فِيهِ بِشَيْءٍ، فَجَازَ تَوَثُّقُهُ فِيهِ بِمَا فِيهِ غَرَرٌ لِأَنَّهُ شَيْءٌ فِي الْجُمْلَةِ خَيْرٌ مِنْ لَا شَيْءَ، فَإِنْ اشْتَدَّ كَالْجَنِينِ فَلَا يَجُوزُ عَلَى الْمَعْرُوفِ.
وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ رَهْنُهُ فِي الْبَيْعِ أَوْ الْقَرْضِ، بَلْ (وَلَوْ اُشْتُرِطَ) رَهْنُ
فِي الْعَقْدِ وَثِيقَةً بِحَقٍّ:
[منح الجليل]
الْغَرَرِ (فِي الْعَقْدِ) أَيْ الْبَيْعِ أَوْ الْقَرْضِ فَلَا يَفْسُدُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
ابْنُ رُشْدٍ الْمَشْهُورُ جَوَازُ رَهْنِ الْغَرَرِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي إطْلَاقِهِ فِي قَوْلِهَا أَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ رَهْنَ الثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَأَشَارَ بِلَوْ إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ اشْتِرَاطَهُ فِيهِ يُفْسِدُهُ.
الْمَازِرِيُّ وَهُمَا جَارِيَانِ عَلَى أَنَّ الْفَاسِدَ إذَا قَارَنَ الصَّحِيحَ هَلْ يُصَيِّرُهُ مَمْنُوعًا أَمْ لَا.
الْحَطّ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ الرَّهْنُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ لَا، وَهَذِهِ إحْدَى النَّظَائِرِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الْغَرَرُ، وَالثَّانِيَةُ الْهِبَةُ، وَالثَّالِثَةُ الْخُلْعُ، وَالرَّابِعَةُ الصُّلْحُ، وَذَكَرَ عِلَّةَ بَذْلِ مَا يُبَاعُ بِقَوْلِهِ (وَثِيقَةً) أَيْ لِلتَّوَثُّقِ بِهِ (بِحَقٍّ) لِإِخْرَاجِ بَذْلِ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ مَا يُبَاعُ لِغَيْرِ التَّوَثُّقِ بِهِ، كَبَذْلِ الْمَبِيعِ وَالْمُؤَجِّرِ وَالْمُعَارِ وَالْمَوْهُوبِ وَالْمُتَصَدِّقِ بِهِ.
وَتَعْرِيفُ الْمُصَنِّفِ الرَّهْنَ بِمَا ذُكِرَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ.
إعْطَاءُ امْرِئٍ وَثِيقَةً بِحَقٍّ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الرَّهْنَ بِحَالٍ لِأَنَّهُ اسْمٌ، وَالْإِعْطَاءُ مَصْدَرٌ وَهُمَا مُتَبَايِنَانِ، وَيَعْنِي أَنَّ الرَّهْنَ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرًا لَكِنْ غَلَبَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ إطْلَاقَهُ عَلَى الشَّيْءِ الْمَرْهُونِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: مَالٌ مُعْطَى مَثَلًا.
وَعَرَّفَهُ بِأَنَّهُ: مَالُهُ قُبِضَ تَوْثِيقًا بِهِ فِي دَيْنٍ.
قَالَ فَخَرَجَتْ الْوَدِيعَةُ وَالْمَصْنُوعُ بِيَدِ صَانِعِهِ وَالرَّقِيقُ الْجَانِي الْمُسَلَّمُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
الْحَطّ يُقَالُ الرَّهْنُ يُطْلَقُ فِي عُرْفِهِمْ عَلَى الْعَقْدِ أَيْضًا، كَقَوْلِهِمْ يَصِحُّ الرَّهْنُ وَيَبْطُلُ الرَّهْنُ، فَتَعْرِيفُهُ بِالْإِعْطَاءِ وَالْبَذْلِ الْمُرَادُ بِهِمَا الْعَقْدُ صَحِيحٌ أَيْضًا.
وَفِي التَّعْبِيرِ عَنْ الْعَقْدِ بِالْقَبْضِ وَالْإِعْطَاءِ وَالْبَذْلِ فِي التَّعْرِيفَاتِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] ، وَفِي الْإِعْطَاءِ وَلِلْبَذْلِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْإِقْبَاضِ وَالْإِذْنِ فِيهِ، وَلَوْ تَوَلَّى الْمُرْتَهِنُ قَبْضَهُ بِنُقُسِهِ فَلَا يَكُونُ رَهْنًا.
وَعَرَّفَهُ ابْنُ شَاسٍ بِأَنَّهُ: احْتِبَاسُ الْعَيْنِ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ، وَنَظَرَ فِيهِ وَفِي تَعْرِيفِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الرَّهْنَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لَيْسَ هُوَ نَفْسُ الْإِعْطَاءِ أَوْ الِاحْتِبَاسِ، وَلَا يَكَادُونَ يُطْلِقُونَهُ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا، بَلْ هُوَ عِنْدَهُمْ أَمَّا الْعَقْدُ أَوْ الشَّيْءُ الْمَرْهُونُ، فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْلُهُمْ الرَّهْنُ يَلْزَمُ بِالْقَوْلِ، وَقَوْلُهُمْ يَصِحُّ رَهْنُ كَذَا وَلَا يَصِحُّ رَهْنُ كَذَا وَاشْتِرَاطُهُمْ الصِّيغَةُ فِيهِ أَوْ جَعْلُهَا رُكْنًا لَهُ.
وَفِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ مَا يُنَافِي مَا قَالَاهُ.
قَالَ ابْنُ شَاسٍ
كَوَلِيٍّ، وَمُكَاتَبٍ، وَمَأْذُونٍ
. وَآبِقٍ، وَكِتَابَةٍ، وَاسْتُوْفِيَ مِنْهَا أَوْ رَقَبَتِهِ، إنْ عَجَزَ
[منح الجليل]
وَأَمَّا الْقَبْضُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي انْعِقَادِ الرَّهْنِ وَلَا فِي صِحَّتِهِ وَلَا فِي لُزُومِهِ فَيَنْعَقِدُ وَيَصِحُّ وَيَلْزَمُ بِالْقَوْلِ ثُمَّ يَطْلُبُ الْمُرْتَهِنُ الْإِقْبَاضَ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ يَصِحُّ الرَّهْنُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ.
اهـ. فَأَنْتَ تَرَى الْقَبْضَ وَالْإِقْبَاضَ مُتَأَخِّرَيْنِ عَنْ الْعَقْدِ، وَالْمُتَأَخِّرُ عَنْ الشَّيْءِ غَيْرُ ضَرُورَةٍ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِهِ.
وَمِنْ الثَّانِي قَوْلُهُمْ إنْ جَنَى الرَّهْنَ وَعِلَّةَ الرَّهْنِ، وَلِذَا حَدَّهُ الْوَانُّوغِيُّ بِقَوْلِهِ: عَقْدٌ لَازِمٌ لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ، قَصَدَ بِهِ التَّوْثِيقَ بَعْدَ قَوْلِهِ لِإِخْفَاءٍ فِي إشْكَالِ تَعْرِيفِ شَيْخِنَا بِأَنَّهُ مَالٌ قُبِضَ تَوَثُّقًا بِهِ فِي دَيْنٍ لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ مِنْ الرَّهْنِ إلَّا مَا هُوَ مَقْبُوضٌ، وَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْقَبْضَ لَيْسَ مِنْ حَقِيقَةِ الرَّهْنِ.
اهـ. وَكُلُّ هَذَا مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْإِعْطَاءِ وَالْبَذْلِ وَالْإِقْبَاضِ الْعَقْدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَثَّلَ لِمَنْ لَهُ الْبَيْعُ فَقَالَ (كَوَلِيٍّ) لِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ جُنُونٍ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ مُقَدَّمٍ فَلَهُ رَهْنُ مَتَاعِ مَحْجُورِهِ فِيمَا يَتَدَايَنُهُ لِلْمَحْجُورِ لِنَفَقَتِهِ أَوْ كِسْوَتِهِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْوَصِيُّ أَنْ يَرْهَنَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ رَهْنًا فِيمَا يَبْتَاعُهُ لَهُ مِنْ كِسْوَةٍ أَوْ طَعَامٍ، وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْخُذَ عُرُوضَ الْيَتِيمِ بِمَا أَسْلَفَهُ رَهْنًا، ثُمَّ قَالَ وَإِذَا رَهَنَ الْأَبُ مِنْ مَتَاعِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَدِنْهُ لِلْوَلَدِ فَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ مَالِ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ (وَ) كَرَقِيقٍ (مُكَاتَبٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ أَيْ مُعْتَقٍ بِفَتْحِهَا عَلَى أَدَاءِ مَالٍ مُؤَجَّلٍ، فَلَهُ أَنْ يَرْهَنَ بَعْضَ مَالِهِ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ لِإِحْرَازِهِ نَفْسَهُ وَمَالَهُ بِالْكِتَابَةِ، وَقَيَّدَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِإِصَابَةِ وَجْهِ الرَّهْنِ (وَ) كَرَقِيقٍ (مَأْذُونٍ) لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمَا سَيِّدُهُمَا فِي الرَّهْنِ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي التِّجَارَةِ إذْنٌ فِي تَوَابِعِهَا، وَمِنْهَا الرَّهْنُ، وَلَا يَجُوزُ ضَمَانُهُمَا إلَّا بِإِذْنِهِ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمَا فِيهِ.
(وَ) مَثَّلَ لِمَا يَصِحُّ رَهْنُهُ فَقَالَ كَرَقِيقٍ (آبِقٍ وَكِتَابَةٍ) أَيْ مَالٍ مُؤَجَّلٍ عَلَى الرَّقِيقِ فِي نَظِيرِ عِتْقِهِ بِأَدَائِهِ، فَيَجُوزُ لِسَيِّدِ الْآبِقِ رَهْنُهُ، وَلِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ رَهْنُ كِتَابَتِهِ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ (وَاسْتَوْفَى) الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ (مِنْهَا) أَيْ الْكِتَابَةِ إذَا حَلَّ أَجَلُهَا وَأَدَّاهَا الْمُكَاتَبُ (أَوْ) مِنْ ثَمَنِ (رَقَبَتِهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (إنْ عَجَزَ) الْمُكَاتَبُ عَنْ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا.
وَخِدْمَةِ مُدَبَّرٍ.
وَإِنْ رَقَّ جُزْءٌ فَمِنْهُ، لَا رَقَبَتِهِ وَهَلْ يَنْتَقِلُ لِخِدْمَتِهِ؟ قَوْلَانِ:
[منح الجليل]
ابْنُ الْحَاجِبِ وَرَهْنُ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ إنْ قُبِضَ قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِ وَفَلَسِهِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ يَجُوزُ رَهْنُ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ.
وَقَوْلُهُ إنْ قُبِضَ قَبْلَ مَوْتِ رَاهِنِهِ وَفَلَسِهِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِأَنَّ رَهْنَ الْآبِقِ وَالشَّارِدِ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضَا قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِمَا، نَعَمْ قَبْضُهُمَا قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِمَا شَرْطٌ فِي اخْتِصَاصِ الْمُرْتَهِنِ بِهِمَا عَنْ بَاقِي غُرَمَاءِ الرَّاهِنِ.
الْحَطّ وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَالْفَلَسِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الصِّقِلِّيِّ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ كَذَلِكَ.
وَفِي النَّوَادِرِ وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ لَا تُرْهَنُ الْأَجِنَّةُ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُيَسِّرٍ تُرْهَنُ كَالْآبِقِ وَالشَّارِدِ وَيَصِحُّ رَهْنُهَا بِقَبْضِهَا.
اهـ. وَسَيَقْتَصِرُ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْأَوَّلِ.
(وَخِدْمَةِ) رَقِيقٍ (مُدَبَّرٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ مُعَلَّقٌ عِتْقُهُ عَلَى مَوْتِ مَالِكِهِ فَلَهُ رَهْنُهَا فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ وَيَسْتَوْفِي الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ مِنْهَا (وَإِنْ) مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ خِدْمَةِ الْمُدَبَّرِ وَقَدْ (رُقَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الْقَافِ الْمُدَبَّرُ كُلُّهُ لِاسْتِغْرَاقِهِ الدَّيْنَ أَوْ (جُزْءٌ) مِنْ الْمُدَبَّرِ لِلدَّيْنِ أَيْ بَطَلَ تَدْبِيرُهُ وَرَجَعَ لِلرَّقَبَةِ (ف) يُسْتَوْفَى الدَّيْنُ (مِنْهُ) أَيْ الْمُسْتَرَقِّ، سَوَاءٌ كَانَ الْكُلُّ أَوْ الْجُزْءُ (لَا) يَجُوزُ رَهْنُ (رَقَبَتِهِ) أَيْ الْمُدَبَّرِ عَلَى أَنْ تُبَاعُ لِلدَّيْنِ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ فِي دَيْنٍ مُتَأَخِّرٍ عَنْ التَّدْبِيرِ، فَإِنْ وَقَعَ هَذَا (وَهَلْ) يَصِحُّ الرَّهْنُ و (يَنْتَقِلُ) الرَّهْنُ (لِخِدْمَتِهِ) أَيْ الْمُدَبَّرِ وَيُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، أَوْ لَا يَصِحُّ وَلَا يَنْتَقِلُ لِخِدْمَتِهِ، فِي الْجَوَابِ (قَوْلَانِ) فَإِنْ رُهِنَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاعُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ أَوْ فِي حَيَاتِهِ فِي دَيْنٍ سَابِقٍ عَلَى تَدْبِيرِهِ صَحَّ، كَذَا قَرَّرَهُ الْمَوَّاقُ بِأَنَّهُ رَهَنَ رَقَبَتَهُ عَلَى أَنَّهُ قِنٌّ فَتَبَيَّنَ مُدَبَّرًا فَهَلْ يَنْتَقِلُ لِخِدْمَتِهِ قَوْلَانِ.
قَالَ وَأَمَّا لَوْ رَهَنَ رَقَبَتَهُ عَلَى أَنَّهُ مُدَبَّرٌ يُبَاعُ فِي الْحَيَاةِ فِي الدَّيْنِ الْمُتَأَخِّرِ فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ وَلَا يَنْتَقِلُ لِلْخِدْمَةِ قَطْعًا، فَلَوْ قَالَ خَلِيلٌ فَلَوْ رَهَنَهُ عَبْدًا فَظَهَرَ مُدَبَّرًا فَهَلْ يَنْتَقِلُ إلَخْ لِتَنْزِلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَالَ " ق " ثُمَّ بَعْدَ حِينَ اطَّلَعْت عَلَى كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فَإِذَا هُوَ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ كَلَامِ
كَظُهُورِ حَبْسِ دَارٍ
، وَمَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ؛
[منح الجليل]
خَلِيلٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي اخْتَصَرَهُ خَلِيلٌ.
اهـ. وَاللَّخْمِيُّ مَعَ الْمَازِرِيِّ نَسَبَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِي التَّوْضِيحِ.
الْحَطّ يَجُوزُ رَهْنُ خِدْمَةِ الْمُدَبَّرِ سَوَاءٌ رَهَنَ مِنْهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً يَجُوزُ بَيْعُهَا أَوْ رَهَنَ جَمِيعَهَا، فَإِنْ رَهَنَ مِنْهَا مَعْلُومَةً جَازَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَبَعْدَهُ، وَإِنْ رَهَنَ جَمِيعَهَا بَعْدَ الْبَيْعِ جَازَ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ إذَا رَهَنَهُ فِي عَقْدِهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي رَهْنِ الْغَرَرِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَالْمَشْهُورُ جَوَازُهُ.
وَرَهْنُ الرَّقَبَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنْ يَرْتَهِنَ رَقَبَتَهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ الرَّاهِنُ وَلَا مَالَ لَهُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي رَهْنِ الْغَرَرِ إذْ لَا يُدْرَى مَتَى يَمُوتُ السَّيِّدُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ جَازَ اتِّفَاقًا.
وَالثَّانِي: رَهَنَ رَقَبَتَهُ عَلَى بَيْعِهَا لَهُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ.
فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَهَلْ تَنْتَقِلُ لِخِدْمَتِهِ.
وَشَبَّهَ فِي الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ (كَظُهُورِ حُبُسِ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ وَقْفِ (دَارٍ) رُهِنَتْ عَلَى أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ فَثَبَتَ تَحْبِيسُهَا عَلَى رَاهِنِهَا فَقِيلَ يَبْطُلُ رَهْنُهَا وَلَا يَنْتَقِلُ الرَّهْنُ إلَى مَنْفَعَتِهَا.
وَقِيلَ يَصِحُّ رَهْنُهَا وَيَنْتَقِلُ إلَيْهَا لِجَوَازِ بَيْعِهَا وَرَهْنِهَا فَلَا يَبْطُلُ رَهْنُهَا بِبُطْلَانِ رَهْنِ الدَّارِ حَكَاهُمَا فِي تَوْضِيحِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ تَحْبِيسُهَا عَلَى غَيْرِ رَاهِنِهَا فَلَا يَنْتَقِلُ الرَّهْنُ لِمَنْفَعَتِهَا، إذْ لَا حَقَّ لِلرَّاهِنِ فِيهَا
وَعَطَفَ عَلَى آبِقٍ فَقَالَ (وَ) كَرَهْنِ (مَا) أَيْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ وَجَدْوٍ (لَمْ يَبْدُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ يَظْهَرُ (صَلَاحُهُ) فَيَجُوزُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ جَوَازِ الْغَرَرِ فِي الرَّهْنِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَوْجُودِ مِنْهُمَا فَلَا يَجُوزُ رَهْنُهُ كَالْجَنِينِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَالْمُدَوَّنَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي صُلْحِهَا قَدْ جَوَّزَ أَهْلُ الْعِلْمِ رَهْنَ غَلَّةِ الدَّارِ وَالْغُلَامِ وَثَمَرَةَ النَّخْلِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا وَلَمْ يُجِيزُوا رَهْنَ الْأَجِنَّةِ.
الْمَازِرِيُّ رَهْنُ ثَمَرَةٍ لَمْ تُخْلَقْ كَرَهْنِ الْجَنِينِ.
قُلْت ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ خِلَافُ ذَلِكَ.
ابْنُ الْحَارِثِ اتَّفَقَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَلَى ارْتِهَانِ الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تَظْهَرْ، وَاخْتَلَفَا فِي ارْتِهَانِ مَا فِي الْبَطْنِ فَأَجَازَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ كَالثَّمَرَةِ وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يَجُوزُ إفْرَادُ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالرَّهْنِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ، وَقَدْ أَجَازُوا ارْتِهَانَهُ سِنِينَ وَهُوَ لَمْ يَظْهَرْ فِي غَيْرِ الْأُولَى.
وَانْتُظِرَ لِيُبَاعَ، وَحَاصَّ مُرْتَهِنُهُ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ، فَإِذَا صَلُحَتْ: بِيعَتْ، فَإِنْ وَفَّى: رَدَّ مَا أَخَذَهُ، وَإِلَّا قُدِّرَ مُحَاصًّا بِمَا بَقِيَ
لَا كَأَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ
[منح الجليل]
وَ) إذَا رَهَنَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ ثُمَّ مَاتَ رَاهِنُهُ أَوْ فُلِّسَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ (اُنْتُظِرَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ بُدُوُّ صَلَاحِهِ (لِيُبَاعَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، ثُمَّ إنْ كَانَ لِلرَّاهِنِ مَالٌ غَيْرُ الرَّهْنِ قَضَى الدَّيْنَ مِنْهُ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِغَيْرِ مُرْتَهِنِهِ (وَحَاصَّ) بِشَدِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ قَاسَمَ (مُرْتَهِنَهُ) أَيْ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ غُرَمَاءُ رَاهِنِهِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ بِجَمِيعِ دَيْنِهِ مَعَ دُيُونِهِمْ (فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ) لِلرَّاهِنِ (فَإِذَا صَلُحَتْ) الثَّمَرَةُ الْمَرْهُونَةُ أَيْ بَدَا صَلَاحُهَا وَجَازَ بَيْعُهَا (بِيعَتْ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ لِتَوْفِيَةِ دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ (فَإِنْ وَفَّى) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْفَاءِ مُشَدَّدَةً ثَمَنُهَا بِجَمِيعِهِ (رَدَّ) الْمُرْتَهِنُ جَمِيعَ (مَا أَخَذَهُ) بِمُحَاصَّةِ الْغُرَمَاءِ فِي مَالِ الرَّاهِنِ وَتَحَاصَصَ فِيهِ الْغُرَمَاءُ بِبَوَاقِي دُيُونِهِمْ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوفِ ثَمَنُهَا بِجَمِيعِ دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ (قُدِّرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا الْمُرْتَهِنُ (مُحَاصًّا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَشَدِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، لِلْغُرَمَاءِ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ (بِمَا بَقِيَ) لَهُ مِنْ دَيْنِهِ بَعْدَ أَخْذِهِ ثَمَنَ الثَّمَرَةِ، فَمَا يَخُصُّهُ بِهَذِهِ الْمُحَاصَّةِ مِمَّا أَخَذَهُ بِالْمُحَاصَّةِ الْأُولَى أَبْقَاهُ لِنَفْسِهِ، وَمَا زَادَ عَلَى مَا يَخُصُّهُ بِالثَّانِيَةِ مِمَّا أَخَذَهُ بِالْأَوْلَى يَرُدُّهُ لِبَاقِي الْغُرَمَاءِ يَتَحَاصُّونَ فِيهِ بِبَوَاقِي دُيُونِهِمْ كَمَالٍ حَدَثَ لِلْمُفْلِسِ مَثَلًا لِغُرَمَاءَ ثَلَاثَةٍ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مِائَةٌ وَارْتَهَنَ أَحَدُهُمْ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَمَالُ مَدِينِهِمْ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ تَحَاصُّوا فِيهِ فَأَخَذَ كُلٌّ مِنْهُمْ خَمْسِينَ، فَإِذَا بَدَا صَلَاحُ الرَّهْنِ وَبِيعَ بِمِائَةٍ اخْتَصَّ بِهَا الْمُرْتَهِنُ وَرَدَّ الْخَمْسِينَ الَّتِي أَخَذَهَا بِالْمُحَاصَّةِ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا لِصَاحِبَيْهِ لِكُلِّ مِنْهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَإِنْ بِيعَ بِخَمْسِينَ اخْتَصَّ الْمُرْتَهِنُ بِهَا وَقُدِّرَ مُحَاصًّا لِصَاحِبَيْهِ بِخَمْسِينَ فَيَخُصُّهُ ثَلَاثُونَ وَيَزِيدُ مَا أَخَذَهُ بِالْمُحَاصَّةِ الْأُولَى عَلَيْهَا عِشْرُونَ يَرُدُّهَا لِصَاحِبَيْهِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَشَرَةٌ.
وَذَكَرْت بَعْضَ مَفْهُومِ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ فَقَالَ (لَا) يَصِحُّ رَهْنُ (كَأَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ) عَلَى يَتِيمٍ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ بِدُونِ إذْنِ الْوَصِيِّ الْآخَرِ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ
وَجِلْدِ مَيْتَةٍ، وَكَجَنِينٍ
وَخَمْرٍ؛ وَإِنْ لِذِمِّيٍّ، إلَّا أَنْ تَتَخَلَّلَ، وَإِنْ تَخَمَّرَ: أَهْرَاقَهُ بِحَاكِمٍ
[منح الجليل]
وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ، وَلَوْ قَالَ أَحَدٌ كَالْوَصِيَّيْنِ لَشَمِلَ كُلَّ مَنْ تَوَقَّفَ تَصَرُّفُهُ عَلَى إذْنِ غَيْرِهِ كَالنَّاظِرَيْنِ وَالْوَكِيلَيْنِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَافَ دَاخِلَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَهَذِهِ عَادَتُهُ.
وَذَكَرَ بَعْضَ مُحْتَرَزِ مَا يُبَاعُ فَقَالَ (وَ) لَا يَصِحُّ رَهْنُ (جِلْدِ مَيْتَةٍ) اتِّفَاقًا إنْ لَمْ يُدْبَغْ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ دُبِغَ وَلَا جِلْدَ أُضْحِيَّةٍ وَلَا كَلْبَ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَنْعِ بَيْعِهِ (و) لَا يَصِحُّ رَهْنٌ (كَجَنِينٍ) لِقُوَّةِ غَرَرِهِ فِي عَقْدِ بَيْعٍ وَيَجُوزُ بَعْدَهُ كَعَقْدِ قَرْضٍ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَدَخَلَ بِالْكَافِ سَمَكٌ فِي بَحْرٍ وَطَيْرٌ فِي هَوَاءٍ وَلُؤْلُؤٌ غَيْرُ مَوْصُوفٍ.
ابْنُ رُشْدٍ وَأَمَّا ارْتِهَانُ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ فَلَا يَجُوزُ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَأَجَازَهُ أَحْمَدُ بْنُ مُيَسِّرٍ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إذَا كَانَ الِارْتِهَانُ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ: وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا اخْتِلَافَ فِي جَوَازِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ رَهْنُ الْجَنِينِ فِي عَقْدِ الْقَرْضِ وَبَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ، وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِهِ فِيهِ.
(وَ) لَا يَصِحُّ رَهْنُ (خَمْرٍ) عِنْدَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ إنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُسْلِمًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ (لِذِمِّيٍّ) وَرَهَنَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ التَّقْدِيرَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ إنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ مُسْلِمًا، بَلْ وَإِنْ رُهِنَتْ لِذِمِّيٍّ مِنْ مُسْلِمٍ فَإِنْ رَهَنَهَا ذِمِّيٌّ عِنْدَ ذِمِّيٍّ فَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُمَا إلَّا أَنْ يَتَرَافَعَا إلَيْنَا رَاضِيَيْنِ بِحُكْمِنَا وَتُرَاقُ إنْ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ أَوْ لِذِمِّيٍّ أَسْلَمَ وَإِلَّا رُدَّتْ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ تَتَخَلَّلَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ تَصِيرُ الْخَمْرُ خَلًّا فَلَا تُرَاقُ إنْ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ وَلَا تُرَدُّ إنْ كَانَتْ لِذِمِّيٍّ، وَيَخْتَصُّ بِهَا الْمُرْتَهِنُ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ حُكْمَيْنِ مُقَدَّرَيْنِ.
(وَإِنْ) رَهَنَ مُسْلِمٌ عَصِيرًا عِنْدَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ و (تَخَمَّرَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ صَارَ الْعَصِيرُ خَمْرًا (أَهْرَاقَهُ) أَيْ صَبَّ الْمُرْتَهِنُ الْعَصِيرَ الَّذِي صَارَ خَمْرًا عَلَى الْأَرْضِ (ب) حُكْمِ (حَاكِمٍ) مَالِكِيٍّ إنْ وُجِدَ فِي الْبَلَدِ حَاكِمٌ يَحْكُمُ بِعَدَمِ إرَاقَتِهَا وَتَخْلِيلِهَا لِيَرْفَعَ خِلَافَهُ وَيَأْمَنَ حُكْمَهُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهَا، وَإِلَّا أَرَاقَهَا بِلَا حُكْمٍ لِأَمْنِهِ مِنْ التَّغْرِيمِ وَكَسْرِ إنَائِهَا الْفَخَّارِ
وَصَحَّ: مُشَاعٌ، وَحِيزَ بِجَمِيعِهِ، إنْ بَقِيَ فِيهِ لِلرَّاهِنِ، وَلَا يَسْتَأْذِنُ شَرِيكَهُ،
[منح الجليل]
وَشَقِّ الْجِلْدِ، وَعُلِمَ مِنْهُ بِالْأَوْلَى إرَاقَةُ الْخَمْرِ الَّتِي رَهَنَهَا مُسْلِمٌ بِحَاكِمٍ أَيْضًا، وَكَانَ الْقِيَاسُ إرَاقَتَهَا بِغَيْرِ حَاكِمٍ، فَإِنْ رَهَنَ الْعَصِيرَ ذِمِّيٌّ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَتَخَمَّرَ فَلَا تُرَاقُ وَتُرَدُّ لِلذِّمِّيِّ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ وَاللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَيَبْقَى الدَّيْنُ بِلَا رَهْنٍ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الذِّمِّيُّ فَتُرَاقُ، وَهَلْ بِحَاكِمٍ وَيَبْقَى الدَّيْنُ بِلَا رَهْنٍ أَيْضًا أَمْ لَا؟ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ ارْتَهَنَ عَصِيرًا فَصَارَ خَمْرًا فَلْيَرْفَعْهُ إلَى الْإِمَامِ لِيُهْرَاقَ بِأَمْرِهِ كَالْوَصِيِّ يَجِدُ خَمْرًا فِي التَّرِكَةِ اهـ.
(وَصَحَّ) أَنْ يُرْهَنَ جُزْءٌ (مُشَاعٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ شَائِعٌ فِي كُلِّهِ نِصْفٌ (وَحِيزَ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ قُبِضَ مِنْ الرَّاهِنِ الْجُزْءُ الْمُشَاعُ (ب) حَوْزِ (جَمِيعِهِ) أَيْ الْكُلِّ الَّذِي رُهِنَ جُزْؤُهُ الْمُشَاعُ (إنْ بَقِيَ فِيهِ) أَيْ الْجَمِيعُ أَيْ إنْ كَانَ بَاقِيهِ الَّذِي لَمْ يُرْهَنْ (لِلرَّاهِنِ) وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُشَاعُ مِنْ عَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ عَقَارٍ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ يُكْتَفَى فِي الْعَقَارِ بِحَوْزِ الْبَعْضِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْقَوْلَانِ مَنْسُوبَانِ لِلْمُدَوَّنَةِ وَلَيْسَ عِنْدِي بَيَانٌ لَهُمَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَقَارِ وَغَيْرِهِ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ الِاكْتِفَاءُ بِحَوْزِ الْجُزْءِ إنْ كَانَ الْبَاقِي لِغَيْرِ الرَّاهِنِ، وَيُنْزَلُ الْمُرْتَهِنُ مَنْزِلَتَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ.
" د " كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلرَّاهِنِ النِّصْفُ وَرَهَنَ الرُّبْعَ فَلَا بُدَّ مِنْ حَوْزِ الْجَمِيعِ إذْ صَدَقَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إنْ بَقِيَ فِيهِ لِلرَّاهِنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ يَكْفِي حَوْزُ نِصْفِ الرَّاهِنِ، فَلَوْ قَالَ وَحِيزَ مِلْكُهُ بِهِ لَسَلِمَ مِنْ هَذَا الْإِيهَامِ.
(وَ) مَنْ لَهُ جُزْءٌ شَائِعٌ فِي عَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ عَقَارٍ وَأَرَادَ رَهْنَهُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ فَلَهُ رَهْنُهُ و (لَا يَسْتَأْذِنُ) الرَّاهِنُ (شَرِيكَهُ) فِي رَهْنِهِ، أَيْ لَا يُشْتَرَطُ اسْتِئْذَانُهُ لِتَصَرُّفِ الشَّرِيكِ مَعَ الْمُرْتَهِنِ وَعَدَمِ تَعَلُّقِ الرَّهْنِ بِحِصَّتِهِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ نَعَمْ يُنْدَبُ اسْتِئْذَانُهُ فِيهِ.
فِي التَّوْضِيحِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَأْذِنَهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَرَهْنُ الْمُشَاعِ فِيمَا بَاقِيهِ لِغَيْرِ الرَّاهِنِ رُبْعًا أَوْ مُنْقَسِمًا لَا يَفْتَقِرُ لِإِذْنِ شَرِيكِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَفِي كَوْنِهِ كَذَلِكَ أَوْ وَقْفِهِ عَلَيْهِ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ قَائِلَا لِأَنَّ رَهْنَهُ يَمْنَعُهُ مِنْ بَيْعِهِ
وَلَهُ أَنْ يَقْسِمَ وَيَبِيعَ وَيُسَلِّمَ، وَلَهُ اسْتِئْجَارُ جُزْءِ غَيْرِهِ وَيَقْبِضُهُ الْمُرْتَهِنُ لَهُ، وَلَوْ أَمَّنَا شَرِيكًا فَرَهَنَ
[منح الجليل]
نَاجِزًا، ثُمَّ قَالَ وَصَوَّبَ الْبَاجِيَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَفْتَقِرُ لِإِذْنِ الشَّرِيكِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ بَيْعِ حَظِّهِ أَوْ دُعَائِهِ لِبَيْعِ جَمِيعِهِ، فَإِنْ بِيعَ بِغَيْرِ جِنْسِ الدَّيْرِ كَانَ الثَّمَنُ رَهْنًا، وَإِنْ بِيعَ بِجِنْسِهِ قُضِيَ الدَّيْنُ بِهِ إنْ لَمْ يَأْتِ بِرَهْنٍ مِثْلِهِ.
(وَلَهُ) أَيْ الشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَرْهَنْ نَصِيبَهُ (أَنْ يَقْسِمَ) الْمُشْتَرَكَ الَّذِي يَقْبَلُهَا بِحَضْرَةِ شَرِيكِهِ الرَّاهِنِ وَالرَّهْنُ فِي حَوْزِ مُرْتَهِنِهِ (وَ) لَهُ أَنْ (يَبِيعَ) مَنَابَهُ (وَيُسْلِمَ) لِلْمُشْتَرِي مَا بَاعَهُ لَهُ وَلَا يَمْنَعُهُ رَهْنُ شَرِيكِهِ مَنَابَهُ مِنْ ذَلِكَ، إذْ لَمْ يَتَعَلَّقْ الرَّهْنُ بِحِصَّتِهِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَقَالَ الشَّارِحُ يُسْلِمُهَا فِيمَا شَاءَ وَنَسَبَهُ لِلْمُدَوَّنَةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَالَهُ تت.
فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَ الرَّهْنُ مِمَّا يَنْقَسِمُ مِنْ طَعَامٍ وَنَحْوِهِ فَرَهَنَ حِصَّتَهُ مِنْهُ جَازَ ذَلِكَ إذَا جَازَهُ الْمُرْتَهِنُ، فَإِنْ شَاءَ شَرِيكُهُ الْبَيْعَ قَاسَمَهُ فِيهِ الرَّاهِنُ وَالرَّهْنُ كَمَا هُوَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ يَدِهِ، فَإِنْ غَابَ الرَّاهِنُ أَقَامَ الْإِمَامُ مَنْ يَقْسِمُ لَهُ، ثُمَّ تَبْقَى حِصَّةُ الرَّاهِنِ فِي الْوَجْهَيْنِ رَهْنًا وَيُطْبَقُ عَلَى كُلِّ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ.
(وَلَهُ) أَيْ رَاهِنِ جُزْئِهِ الْمُشَاعِ مِنْ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ (اسْتِئْجَارُ جُزْءِ غَيْرِهِ) أَيْ الرَّاهِنِ وَهُوَ شَرِيكُهُ الَّذِي لَمْ يَرْهَنْ حِصَّتَهُ فَلَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ رَهْنُ جُزْئِهِ، وَلَكِنْ لَا يَتَوَلَّى قَبْضَ رِيعِهِ (وَيَقْبِضُهُ) أَيْ الْجُزْءَ الْمُسْتَأْجَرَ وَيَسْتَغِلُّهُ (الْمُرْتَهِنُ لَهُ) أَيْ الرَّاهِنُ.
اللَّخْمِيُّ أَوْ يُقَاسِمُهُ الرَّقَبَةَ أَوْ الْمَنْفَعَةَ لِئَلَّا تَجُولَ يَدُهُ فِي رَهْنِهِ فَيَبْطُلَ حَوْزُهُ، وَصُورَةُ قَسْمِ الْمَنْفَعَةِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ شَخْصَيْنِ شَرِكَةٌ فِي دَارَيْنِ عَلَى الشُّيُوعِ وَرَهَنَ أَحَدُهُمَا حَظَّهُ مِنْهُمَا ثُمَّ اسْتَأْجَرَ حَظَّ شَرِيكِهِ مِنْهُمَا وَاقْتَسَمَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ الْغَلَّةَ بِجَعْلِ غَلَّةِ إحْدَى الدَّارَيْنِ لِلرَّاهِنِ وَغَلَّةِ الْأُخْرَى لِمُرْتَهِنٍ، فَلِلرَّاهِنِ حِينَئِذٍ إيجَارُ الدَّارِ الَّتِي خَصَّتْهُ بِالْقِسْمَةِ وَقَبَضَ أُجْرَتَهَا.
(وَلَوْ) رَهَنَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّتَهُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ عِنْدَ أَجْنَبِيٍّ و (أَمَّنَا) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ جَعَلَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (شَرِيكًا) لِلرَّاهِنِ أَمِينًا عَلَى الرَّهْنِ وَحَائِزًا لَهُ (فَرَهَنَ)
حِصَّتَهُ لِلْمُرْتَهِنِ، وَأَمَّنَّا الرَّاهِنَ الْأَوَّلَ: بَطَلَ حَوْزُهُمَا
وَالْمُسْتَأْجَرُ وَالْمُسَاقِي، وَحَوْزُهُمَا الْأَوَّلُ: كَافٍ
[منح الجليل]
الشَّرِيكُ الْأَمِينُ (حِصَّتَهُ لِلْمُرْتَهِنِ) الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرِهِ (وَأَمَّنَا) أَيْ الرَّاهِنَ الثَّانِيَ الْأَمِينَ عَلَى الرَّهْنِ الْأَوَّلِ وَمُرْتَهِنِهِ أَيْ جَعَلَا (الرَّاهِنَ الْأَوَّلَ) أَمِينًا عَلَى الرَّهْنِ الثَّانِي (بَطَلَ حَوْزُهُمَا) أَيْ الرَّهْنَيْنِ أَوْ الرَّاهِنَيْنِ لِجَوَلَانِ يَدِ كُلِّ رَاهِنٍ عَلَى رَهْنِهِ بِحَوْزِهِ لِرَهْنِ الْآخَرِ الشَّائِعِ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ حَوْزُهُمَا عَدَمُ بُطْلَانِ أَصْلِ الرَّهْنِ بِذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنْ قَامَ كُلٌّ مِنْ الْمُرْتَهِنَيْنِ يَطْلُبُ حَوْزَ رَهْنِهِ قَبْلَ حُصُولِ مَانِعٍ لِرَاهِنِهِ قُضِيَ لَهُمَا بِهِ أَفَادَهُ الْمُوَضِّحُ وَغَيْرُهُ.
وَمَفْهُومُ أَمَّنَا الرَّاهِنَ الْأَوَّلَ أَنَّهُمَا لَوْ أَمَّنَا أَجْنَبِيًّا أَوْ الْمُرْتَهِنَ بَطَلَ حَوْزُ رَهْنِ الثَّانِي فَقَطْ لِجَوَلَانِ يَدِهِ عَلَى رَهْنِهِ بِحَوْزِهِ رَهْنَ الْأَوَّلِ حَكَاهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ مُحَمَّدٍ وَالشَّارِحُ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ.
وَعَطَفَ عَلَى مُشَاعٍ فَقَالَ (وَ) صَحَّ رَهْنُ الشَّيْءِ أَوْ الشَّخْصِ (الْمُسْتَأْجَرِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ عَلَى الْأَوَّلِ وَكَسْرِهَا عَلَى الثَّانِي، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْمُرَادُ رَهْنُهُ لِمُسْتَأْجِرِهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ إجَارَتِهِ (وَ) صَحَّ رَهْنُ الْحَائِطِ أَوْ الشَّخْصِ (الْمُسَاقِي) بِفَتْحِ الْقَافِ فِيهِمَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْمُرَادُ رَهْنُهُ عِنْدَ عَامِلِهِ قَبْلَ تَمَامِ عَمَلِهِ بِدَلِيلٍ (وَحَوْزُهُمَا) أَيْ الْمُسْتَأْجِرِ بِالْكَسْرِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَالْعَامِلِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ (الْأَوَّلُ) أَيْ السَّابِقُ عَلَى عَقْدِ الرَّهْنِ (كَافٍ) فِي حَوْزِ الرَّهْنِ، عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ رَهَنَهُ عِنْدَهُمَا.
الْحَطّ هَذَا إذَا كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُسَاقِي هُوَ الْمُرْتَهِنُ، فَإِنْ رَهَنَهُ عِنْدَ غَيْرِهِمَا جَعَلَ مَعَهُمَا أَمِينًا أَوْ يَجْعَلَانِهِ عِنْدَ أَمِينٍ وَلَا يُكْتَفَى بِحَوْزِهِمَا الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لِأَنْفُسِهِمَا.
ابْنُ عَرَفَةَ الْجَلَّابُ مَنْ سَاقَى حَائِطَهُ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ رَهَنَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَيَنْبَغِي لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَعَ الْعَامِلِ فِي الْحَائِطِ غَيْرَهُ.
الصِّقِلِّيُّ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ سَاقَى حَائِطَهُ ثُمَّ رَهَنَهُ فَلْيَجْعَلْ الْمُرْتَهِنُ مَعَ الْمُسَاقِي رَجُلًا، أَوْ يَجْعَلَانِهِ بِيَدِ عَدْلٍ.
مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
وَالْمِثْلِيُّ وَلَوْ عَيْنًا بِيَدِهِ، إنْ طُبِعَ عَلَيْهِ.
[منح الجليل]
جَعَلَهُ بِيَدِ الْمُسَاقِي أَوْ أَجْبَرَهُ يَبْطُلُ حَوْزُهُ اهـ، ثُمَّ قَالَ وَرَهْنُ مَا هُوَ مُؤَاجَرٌ فِي تَقَرُّرِ حَوْزِهِ لِمُرْتَهِنِهِ بِكَوْنِهِ بِيَدِ مَنْ اسْتَأْجَرَهُ وَلَغَوْهُ.
ثَالِثُهَا هَذَا إنْ لَمْ يَرْضَ الْمُسْتَأْجِرُ بِحَوْزِهِ لِمُرْتَهِنِهِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ الْمُرْتَهِنُ يَدَهُ مَعَهُ، الْأَوَّلُ لِلَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ، وَالثَّانِي لِرِوَايَةِ مُحَمَّدٍ، وَالثَّالِثُ لِاخْتِيَارِهِ اهـ.
(وَ) صَحَّ رَهْنُ (الْمِثْلِيِّ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَيْنًا، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (عَيْنًا) أَيْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ إنْ جُعِلَ بِيَدِ أَمِينٍ، بَلْ وَلَوْ جُعِلَ (بِيَدِهِ) أَيْ الْمُرْتَهِنِ (إنْ طُبِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ خُتِمَ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمِثْلِيِّ طَبْعًا مُحْكَمًا مَتَى أُزِيلَ عُرِفَ.
الْحَطّ ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَلَوْ عَيَّنَا أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْعَيْنِ كَمَا هِيَ قَاعِدَتُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِهَا إذَا لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ وَأَشْهَبُ يَصِحُّ.
وَأَمَّا الْعَيْنُ فَلَا يَصِحُّ رَهْنُهَا إلَّا مَطْبُوعًا عَلَيْهَا بِاتِّفَاقِهِمَا، هَذِهِ طَرِيقَةُ الْمَازِرِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ.
وَأَمَّا الْبَاجِيَّ وَابْنُ يُونُسَ وَابْنُ شَاسٍ فَلَمْ يَنْقُلُوا عَنْ أَشْهَبَ إلَّا أَنَّ الطَّبْعَ فِي النَّقْدِ مُسْتَحَبٌّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمِثْلِيَّ غَيْرُ الْعَيْنِ فِيهِ خِلَافٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَجِبُ طَبْعُهُ وَأَشْهَبُ لَا، وَالْعَيْنُ يَجِبُ طَبْعُهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَفِي وُجُوبِهِ وَنَدْبِهِ عِنْدَ أَشْهَبَ طَرِيقَانِ.
فَصَوَابُ الْعِبَارَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمَازِرِيِّ وَالْمِثْلِيُّ إنْ طُبِعَ عَلَيْهِ وَلَوْ غَيْرَ عَيْنٍ وَالْمُبَالَغَةُ فِي مَفْهُومِ الشَّرْطِ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ إذَا لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا عَلَى طَرِيقِ الْبَاجِيَّ فَلَا تَتَأَتَّى الْمُبَالَغَةُ عَلَى الْعَيْنِ وَلَا عَلَى غَيْرِهَا، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَشْهَبَ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ طَبْعِهِمَا وَالْمَشْهُورُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمِثْلِيَّاتِ كُلَّهَا لَا تُرْهَنُ إلَّا مَطْبُوعًا عَلَيْهَا، فَفِي رُهُونِهَا وَلَا تُرْهَنُ الدَّنَانِيرُ إلَّا أَنْ يُطْبَعَ عَلَيْهِ لِيَمْنَعَ الْمُرْتَهِنَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَرَدِّ مِثْلِهِ.
وَأَمَّا الْحُلِيُّ فَلَا يُطْبَعُ عَلَيْهِ حَذَرًا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ كَمَا لَا يُطْبَعُ عَلَى سَائِرِ الْعُرُوضِ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ.
ابْنُ يُونُسَ أَشْهَبُ لَا أُحِبُّ ارْتِهَانَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إلَّا مَطْبُوعَةً لِلتُّهْمَةِ بِسَلَفِهَا.
فَإِنْ لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهَا فَلَا يَفْسُدُ الرَّهْنُ وَلَا الْبَيْعُ، وَيَسْتَقْبِلُ طَبْعَهَا إنْ عَثَرَ عَلَيْهَا وَمَا بِيَدِ أَمِينٍ لَا
وَفَضْلَتُهُ، إنْ عُلِمَ الْأَوَّلُ وَرَضِيَ
[منح الجليل]
يُطْبَعُ عَلَيْهِ.
وَمَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الطَّعَامِ الْإِدَامِ وَمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَإِنْ جَرَتْ مَجْرَى الْعَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ مَا يُخَافُ فِيهَا.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: لَوْ قَالَ وَالْمِثْلِيُّ إنْ طُبِعَ عَلَيْهِ وَلَوْ غَيْرَ عَيْنٍ لَأَشَارَ لِخِلَافِ أَشْهَبَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَازِرِيِّ، وَأَمَّا عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُخْرَى فَالْعَيْنُ وَغَيْرُهَا سَوَاءٌ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الطَّبْعِ عِنْدَ أَشْهَبَ، فَلَا تَتَأَتَّى الْمُبَالَغَةُ عَلَى أَحَدِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ.
الثَّانِي: مَحَلُّ الطَّبْعِ إذَا لَمْ يُوضَعْ بِيَدِ أَمِينٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ.
الثَّالِثُ: أَبُو الْحَسَنِ الْمُرَادُ بِالطَّبْعِ طَبْعٌ لَا يُقْدَرُ عَلَى فَكِّهِ وَإِعَادَتِهِ كَمَا كَانَ فِي الْغَالِبِ، وَأَمَّا الطَّبْعُ الَّذِي لَا يُقْدَرُ عَلَى فَكِّهِ أَصْلًا فَلَيْسَ فِي قُدْرَتِهِمَا، وَالطَّبْعُ الَّذِي يُقْدَرُ عَلَى فَكِّهِ وَإِعَادَتِهِ لِحَالِهِ فَلَا يَكْفِي.
الرَّابِعُ: لَوْ قَامَ غُرَمَاءُ الرَّاهِنِ عَلَيْهِ قَبْلَ طَبْعِ الْمِثْلِيِّ فَفِي بَعْضِ الْحَوَاشِي يَكُونُ مُرْتَهِنُهُ أُسْوَةً لِلْغُرَمَاءِ.
أَبُو الْحَسَنِ وَلَيْسَ هَذَا يَبِينُ لِأَنَّهُ رَهْنٌ مَحُوزٌ فَالْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِهِ.
(وَ) إنْ رَهَنَ مَا قِيمَتُهُ مِائَةً فِي خَمْسِينَ مَثَلًا صَحَّ رَهْنُ (فَضْلَتِهِ) أَيْ زِيَادَةُ الرَّهْنِ عَلَى الدَّيْنِ الْمَرْهُونِ هُوَ فِيهِ عِنْدَ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ (إنْ عُلِمَ) الْمُرْتَهِنُ (الْأَوَّلُ وَرَضِيَ) بِرَهْنِ فَضْلَتِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ إنْ كَانَ الرَّهْنُ بِيَدِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ بِيَدِ أَمِينٍ غَيْرِهِ اُشْتُرِطَ رِضَاهُ دُونَ الْمُرْتَهِنِ قَالَهُ فِي الْبَيَانِ.
ابْنُ سَلْمُونٍ إذَا كَانَ فِي الرَّهْنِ فَضْلٌ عَلَى الدَّيْنِ الْمَرْهُونِ هُوَ فِيهِ فَهُوَ رَهْنٌ مَعَهُ، وَجَائِزٌ أَنْ يَزِيدَ دَيْنًا آخَرَ وَيَكُونَ رَهْنًا بِهِ إلَى أَجَلِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَجُوزُ إلَى أَبْعَدَ أَوْ أَقْرَبَ مِنْهُ، وَلَا يَجُوزُ رَهْنُ فَضْلَتِهِ مِنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ عَمَلِهِ وَرِضَاهُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
اهـ. وَمَعْنَى فَضْلَتِهِ زِيَادَةُ قِيمَةِ الرَّهْنِ عَلَى الدَّيْنِ فَيَرْهَنُهَا عِنْدَ آخَرَ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ يَسْتَوْفِي مِنْهُ دَيْنَهُ، وَفَضْلَةُ ثَمَنِهِ يَسْتَوْفِي مِنْهَا الثَّانِي فِيهَا إنْ ارْتَهَنَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ فِي خَمْسِينَ ثُمَّ رَهَنَ رَبُّ الرَّهْنِ فَضْلَتَهُ لِغَيْرِك لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِك وَتَكُونُ حَائِزًا لِلثَّانِي، فَإِنْ هَلَكَ الثَّوْبُ بِيَدِك بَعْدَ ارْتِهَانِ الثَّانِي فَضْلَتَهُ ضَمِنْت مِنْهُ مَبْلَغَ دَيْنِك وَكُنْت أَمِينًا فِي الْبَاقِي، وَيَرْجِعُ
وَلَا يَضْمَنُهَا الْأَوَّلُ:
[منح الجليل]
الْمُرْتَهِنُ الثَّانِي بِدَيْنِهِ عَلَى الرَّاهِنِ لِأَنَّ فَضْلَةَ الرَّهْنِ بِيَدِ عَدْلٍ
. (وَ) إنْ تَلِفَ الرَّهْنُ الَّذِي رَهَنْت فَضْلَتَهُ عِنْدَ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ بِرِضَاهُ وَهُوَ بِيَدِ الْأَوَّلِ فَ (لَا يَضْمَنُهَا) أَيْ الْفَضْلَةَ الْمُرْتَهِنُ (الْأَوَّلُ) لِأَنَّهُ أَمِينٌ عَلَيْهَا وَيَضْمَنُ قَدْرَ دَيْنِهِ إنْ كَانَ أَحْضَرَ الرَّهْنَ وَقْتَ ارْتِهَانِ الثَّانِي، أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِسَلَامَتِهِ حِينَهُ وَإِلَّا فَيَضْمَنُ جَمِيعَهُ، وَإِنْ جُعِلَ الرَّهْنُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ الثَّانِي وَهَلَكَ فَلَا يَضْمَنُ الثَّانِي حِصَّةَ الْأَوَّلِ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَمِينٌ عَلَيْهَا وَيَضْمَنُ الْفَضْلَةَ الَّتِي رُهِنَتْ عِنْدَهُ، فَإِنْ رُهِنَتْ الْفَضْلَةُ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَتَلِفَ ضَمِنَ جَمِيعَهُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: فِي التَّوْضِيحِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْأَوَّلِ إذَا كَانَ الرَّهْنُ بِيَدِهِ، فَفِي الْبَيَانِ وَأَمَّا إنْ كَانَ بِيَدِ عَدْلٍ فَالِاعْتِبَارُ إنَّمَا هُوَ بِعِلْمِهِ دُونَ عِلْمِ الْمُرْتَهِنِ.
الثَّانِي: الرَّجْرَاجِيُّ ارْتِهَانُ فَضْلَةِ الرَّهْنِ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ فَضْلَةً فِي عَيْنِ الرَّهْنِ أَوْ فَضْلَةً فِي قِيمَتِهِ، وَمَعْنَى الْأَوَّلِ أَنْ يَرْهَنَهُ نِصْفَ الثَّوْبِ فِي عَشْرَةٍ فَقَبَضَ الْمُرْتَهِنُ جَمِيعَ الثَّوْبِ لِيُتِمَّ حَوْزَةٌ لِلنِّصْفِ الْمَرْهُونِ، وَمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يَرْهَنَهُ الثَّوْبَ فِي خَمْسَةٍ وَقِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، وَفَائِدَةُ اخْتِلَافِ الصُّورَتَيْنِ مَعْرِفَةُ مَا يَصِحُّ لِلْمُرْتَهِنِ الثَّانِي وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ سَوَاءٌ كَانَ النِّصْفُ الْآخَرَ بَقِيَ بِدَيْنِ الْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ أَوْ يَنْقُصُ عَنْهُ.
وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ الثَّانِي أَحَقُّ بِمَا نَافَ عَلَى دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ.
فَإِنْ كَانَتْ كَفَافَ دَيْنِ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِجَمِيعِ الرَّهْنِ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَلَا حَقَّ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ الثَّانِي، ثُمَّ لَا يَخْلُو رَهْنُ الْفَضْلَةِ مِنْ كَوْنِ رَهَنَهَا عِنْدَ الْأَوَّلِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ، فَإِنْ رَهَنَهَا عِنْدَ الْأَوَّلِ فَلَا يَخْلُو مِنْ كَوْنِ الرَّهْنِ بِيَدِ الْأَوَّلِ أَوْ بِيَدِ عَدْلٍ، فَإِنْ كَانَ بِيَدِ الْأَوْلَى فَلَا خِلَافَ فِي الْجَوَازِ كَانَ الْمَرْهُونُ عِنْدَ الثَّانِي مَا زَادَ مِنْ عَيْنِ الرَّهْنِ أَوْ صِفَتِهِ، أَيْ مَا زَادَ مِنْ قِيمَتِهِ عَلَى الدَّيْنِ الْأَوَّلِ، إلَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ رَهْنَ الْغَرَرِ لَا يَجُوزُ فَيُمْنَعُ رَهْنُ الصِّفَةِ لِأَنَّهُ غَرَرٌ يَكُونُ وَلَا يَكُونُ وَإِنْ كَانَ بِيَدِ عَدْلٍ فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الْآتِي فِي الْوَجْهِ الثَّانِي.