ثُمَّ تَمَتَّعَ بِأَنْ يَحُجَّ بَعْدَهَا وَإِنْ بِقِرَانٍ.
وَشَرْطُ دَمِهِمَا: عَدَمُ إقَامَةٍ بِمَكَّةَ أَوْ ذِي طُوًى وَقْتَ فِعْلِهِمَا وَإِنْ بِانْقِطَاعٍ بِهَا
[منح الجليل]
الْحَلْقَ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ مِنْ الْحَجِّ مُبَالَغَةً فِي وُجُوبِ الْهَدْيِ وَتَلْزَمُهُ فِدْيَةٌ أَيْضًا لِحَلْقِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِقَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِ ابْنِ يُونُسَ لَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ فَعَلَهُ تَخْرِيجًا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِسُقُوطِ سُجُودِ مَنْ قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ بِلَا تَشَهُّدٍ بِرُجُوعِهِ وَتَشَهُّدِهِ بَعْدَ اسْتِقْلَالِهِ قَائِمًا قَبْلَ سَلَامِهِ، وَيَسْجُدُ بَعْدَهُ، وَعَلَى سُقُوطِ دَمِ تَعَدِّي الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ وَالْإِحْرَامِ مِنْهُ.
(ثُمَّ) يَلِي الْقِرَانَ فِي الْفَضْلِ (تَمَتُّعٌ) فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَعَلَى الْإِحْرَامِ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ فَأَوْجُهُهُ خَمْسَةٌ، وَلَا فَضْلَ فِي الْأَخِيرَيْنِ عَلَى أَنَّهُمَا رَاجِعَانِ إلَى الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ فَلَا يَنْبَغِي عَدَّهُمَا مُسْتَقِلَّيْنِ مُصَوَّرٌ (بِأَنْ) يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ وَيُتِمَّهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ (يَحُجُّ بَعْدَهَا) فِي عَامِهِ بِإِفْرَادٍ بَلْ (وَإِنْ بِقِرَانٍ) فَيَصِيرُ مُتَمَتِّعًا قَارِنًا وَيَلْزَمُهُ هَدْيَانِ وَاحِدٌ لِتَمَتُّعِهِ وَهَدْيٌ لِقِرَانِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْعُمْرَةُ صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً وَلَوْ كَرَّرَهَا فِي أَشْهُرِهِ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَهَدْيٌ وَاحِدٌ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ، وَسُمِّيَ مُتَمَتِّعًا لِتَمَتُّعِهِ بِإِسْقَاطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ تَمَتَّعَ بَعْدَ تَمَامِ عُمْرَتِهِ بِالنِّسَاءِ وَالطِّيبِ وَغَيْرِهِمَا.
(وَشَرْطُ) وُجُوبِ (دَمِهِمَا) أَيْ: الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ (عَدَمُ إقَامَةٍ بِمَكَّةَ) وَمَا فِي حُكْمِهَا مِمَّا لَا يَقْصِرُ الْمُسَافِرُ حَتَّى يُجَاوِزُهُ (أَوْ ذِي طُوًى) مُثَلَّثُ الطَّاءِ مَوْضِعٌ بَيْنَ الطَّرِيقِ الَّتِي يَهْبِطُ مِنْهَا إلَى مَقْبَرَةِ مَكَّةَ الْمُسَمَّاةِ بِالْمُعَلَّاةِ وَالطَّرِيقِ الْآخَرِ الَّذِي إلَى جِهَةِ الزَّاهِرِ، وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ مَكَّةَ بَيْنَ الْحَجُونَيْنِ.
وَأَمَّا طُوَى الَّذِي فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فَيَضُمُّهَا فَقَطْ فِي الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ مُنَوَّنًا وَغَيْرَ مُنَوَّنٍ وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالشَّامِ وَصِلَةُ إقَامَةِ (وَقْتَ فِعْلِهِمَا) أَيْ: الْإِحْرَامِ بِالْقِرَانِ وَالْعُمْرَةِ، فَلَوْ قَدِمَ آفَاقِيٌّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَارِنًا وَنِيَّتُهُ السُّكْنَى بِمَكَّةَ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَعَلَيْهِ هَدْيُ التَّمَتُّعِ أَوْ الْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ أَوْ الْقِرَانِ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَالْمُقِيمُ بِمَكَّةَ وَقْتَ الْإِحْرَامِ بِهِمَا لَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ كَانَتْ إقَامَتُهُ بِهَا أَصْلِيَّةً بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ إقَامَتُهُ بِهَا (بِانْقِطَاعٍ) عَنْ وَطَنِهِ (بِهَا) أَيْ: مَكَّةَ أَيْ: رَفَضَ وَطَنَهُ وَسُكْنَاهَا بِنِيَّةِ عَدَمِ الِانْتِقَالِ وَهُوَ مُرَادُ التَّوْضِيحِ بِقَوْلِهِ الْمُجَاوِرُ بِهَا الْمُنْقَطِعُ كَأَهْلِهَا لَا الْمُجَاوِرُ بِنِيَّةِ الِانْتِقَالِ أَوْ بِلَا نِيَّةٍ فَإِنَّ عَلَيْهِ الدَّمَ.
أَوْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ، لَا انْقَطَعَ بِغَيْرِهَا، أَوْ قَدِمَ بِهَا يَنْوِي الْإِقَامَةَ.
وَنُدِبَ لِذِي أَهْلَيْنِ، وَهَلْ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ فَيُعْتَبَرُ، تَأْوِيلَانِ.
وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَلِلتَّمَتُّعِ عَدَمُ عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ أَوْ مِثْلِهَا
[منح الجليل]
أَوْ) تَوَطُّنُهَا وَ (خَرَجَ) مِنْهَا (لِ) قَضَاءِ (حَاجَةٍ) كَغَزْوٍ وَرِبَاطٍ وَتِجَارَةٍ نَاوِيًا الرُّجُوعَ طَالَتْ إقَامَتُهُ أَوْ قَصُرَتْ ثُمَّ رَجَعَ لَهَا بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَارِنًا وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ (لَا) يَسْقُطُ الدَّمُ عَنْ مُتَوَطِّنِهَا إنْ رَفَضَ سُكْنَاهَا وَ (انْقَطَعَ بِغَيْرِهَا) أَيْ: مَكَّةَ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهَا بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَارِنًا وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ (أَوْ قَدَّمَ) أَيْ: الْمُنْقَطِعُ بِغَيْرِهَا (بِهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ أَوْ أَشْهُرُ الْحَجِّ حَالَ كَوْنِهِ (يَنْوِي الْإِقَامَةَ) بِمَكَّةَ وَأَوْلَى إنْ لَمْ يَنْوِهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ إنْ قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ فَأَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَأَمَّا إنْ انْقَطَعَ بِغَيْرِهَا غَيْرُ رَافِضٍ سُكْنَاهَا ثُمَّ رَجَعَ لَهَا نَاوِيًا الْإِقَامَةَ بِهَا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إنْ قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ.
(وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ دَمُ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ (لِذِي) أَيْ: صَاحِبِ (أَهْلَيْنِ) أَهْلٍ بِمَكَّةَ وَأَهْلٍ بِغَيْرِهَا مِمَّا لَيْسَ فِي حُكْمِهَا (وَهَلْ) يُنْدَبُ دَمُ التَّمَتُّعِ لِذِي أَهْلَيْنِ مُطْلَقًا أَوْ (إلَّا أَنْ يُقِيمَ) ذُو الْأَهْلَيْنِ (بِأَحَدِهِمَا) أَيْ: الْأَهْلَيْنِ (أَكْثَرَ) مِنْ إقَامَتِهِ بِالْآخَرِ (فَيُعْتَبَرُ) مَا أَقَامَ بِهِ أَكْثَرَ وَيُلْغَى مَا أَقَامَ بِهِ أَقَلَّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إنْ كَانَتْ إقَامَتُهُ بِغَيْرِ مَكَّةَ أَكْثَرَ، وَلَا يَجِبُ إنْ كَانَتْ إقَامَتُهُ بِهَا أَكْثَرَ (تَأْوِيلَانِ) الْأَوَّلُ لِلتُّونُسِيِّ وَالثَّانِي لِلَّخْمِيِّ.
(وَ) شَرَطَ دَمَ التَّمَتُّعِ (حَجَّ مِنْ) أَيْ: فِي (عَامِهِ) الَّذِي اعْتَمَرَ فِيهِ وَالْقِرَانُ حَجٌّ بِإِحْرَامِهِ وَلَوْ فِي عَامٍ آخَرَ، فَمَنْ قَرَنَ وَفَاتَهُ الْحَجُّ وَبَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى أَتَمَّهُ فِيمَا يَلِيهِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَإِنْ تَحَلَّلَ مِنْهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
الْخَرَشِيُّ أَيْ: وَشَرْطُ دَمِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَوْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ إلَّا مِنْ قَابِلٍ أَوْ فَاتَ الْمُتَمَتِّعُ الْحَجَّ أَوْ الْقَارِنَ وَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ فَلَا دَمَ، وَلَوْ بَقِيَ الْقَارِنُ عَلَى إحْرَامِهِ لِقَابِلٍ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّمُ.
(وَ) شَرَطَ (لِ) دَمِ (التَّمَتُّعِ عَدَمَ عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ أَوْ مِثْلِهِ) فِي الْبُعْدِ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ
وَلَوْ بِالْحِجَازِ لَا أَقَلَّ، وَفِعْلُ بَعْضِ رُكْنِهَا فِي وَقْتِهِ، وَفِي شَرْطِ كَوْنِهِمَا عَنْ وَاحِدٍ: تَرَدُّدٌ، وَدَمُ التَّمَتُّعِ يَجِبُ بِإِحْرَامٍ الْحَجِّ،
[منح الجليل]
مِنْ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، فَإِنْ عَادَ لَهُ بَعْدَهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِثْلَهُ بِغَيْرِ الْحِجَازِ بَلْ (وَلَوْ) كَانَ مِثْلَ بَلَدِهِ الَّذِي رَجَعَ لَهُ (بِالْحِجَازِ) وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ يُشْتَرَطُ الرُّجُوعُ إلَى بَلَدِهِ أَوْ الْخُرُوجُ مِنْ الْحِجَازِ، فَالْمُبَالَغَةُ رَاجِعَةٌ لِمِثْلِهِ فَقَطْ.
وَأَمَّا الرُّجُوعُ لِبَلَدِهِ بِأَرْضِ الْحِجَازِ فَسَقَطَ الدَّمُ اتِّفَاقًا (لَا) يَسْقُطُ الدَّمُ (بِ) عَوْدِهِ إلَى (أَقَلَّ) مِنْ بَلَدِهِ فِي الْبُعْدِ وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ أَوْ مِثْلَهُ ثُمَّ عَادَ لَهُ فَعَلَيْهِ الدَّمُ؛ لِأَنَّ عَوْدَهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ لِلْحَجِّ الْمُصَنِّفُ أَطْلَقَ الْمُتَقَدِّمُونَ هَذَا الشَّرْطَ، وَقَيَّدَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ بِمَنْ كَانَ أَفْقَهَ إذَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَعَادَ يُدْرِكُ الْحَجَّ فِي عَامِهِ فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا كَإِفْرِيقِيَّةَ كَفَى عِنْدِي رُجُوعُهُ إلَى مِصْرَ.
(وَ) شَرْطُهُ لِلتَّمَتُّعِ (فِعْلُ بَعْضِ رُكْنِهَا) أَيْ الْعُمْرَةِ وَلَوْ شَرْطًا مِنْ السَّعْيِ لَا حَلَقَهَا (فِي وَقْتِهِ) أَيْ: الْحَجِّ وَيَدْخُلُ بِظُهُورِ هِلَالِ شَوَّالٍ، فَإِنْ أَتَمَّ سَعْيَهَا فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَحَلَقَ رَأْسَهُ عَقِبَ غُرُوبِ شَمْسِهِ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا.
ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُتْعَةُ إحْرَامُ مَنْ أَتَمَّ رُكْنَ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِهِ، رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وَلَوْ بِآخِرِ شَوْطٍ بِحَجٍّ مِنْ عَامِهِ لَا حَلَقَهَا فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَهُ لَزِمَهُ، وَتَأْخِيرُ حَلْقِهَا وَلَا مُتْعَةَ فَإِنْ حَلَقَ افْتَدَى فِي سُقُوطِ دَمِ التَّأْخِيرِ مَا مَرَّ.
(وَفِي شَرْطِ كَوْنِهِمَا) أَيْ: الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (عَنْ) شَخْصٍ (وَاحِدٍ) فَلَوْ كَانَ الْحَجُّ عَنْ شَخْصٍ وَالْعُمْرَةُ عَنْ آخَرَ فَلَا دَمَ وَعَدَمُهُ (تَرَدُّدٌ) مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ فَنَقَلَ الشَّيْخُ وَالصَّقَلِّيُّ وَاللَّخْمِيُّ عَدَمَ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْأَشْهَرُ اشْتِرَاطٌ وَحَكَى ابْنُ شَاسٍ الْقَوْلَيْنِ وَلَمْ يَعْزُهُمَا، وَأَنْكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ الْقَوْلَ بِاشْتِرَاطِهِ.
(وَدَمُ التَّمَتُّعِ يَجِبُ) وُجُوبًا مُوسَعًا قَابِلًا لِلسُّقُوطِ (بِإِحْرَامِ الْحَجِّ) وَيَتَحَتَّمُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَسَيَقُولُ وَإِنْ مَاتَ مُتَمَتِّعٌ فَالْهَدْيُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إنْ رَمَى الْعَقَبَةَ فَمَفْهُومُ
وَأَجْزَأَ قَبْلَهُ.
ثُمَّ الطَّوَافُ لَهُمَا سَبْعًا
[منح الجليل]
إنْ رَمَى الْعَقَبَةَ أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ رَمْيِهَا فَلَا يَلْزَمُ هَدْيٌ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَلَا مِنْ ثُلُثِهِ، وَمِثْلُ فَوَاتِ وَقْتِهِ أَوْ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَمَا هُنَا بَيَانٌ لِابْتِدَاءِ وَقْتِ وُجُوبِهِ وَمَا يَأْتِي بَيَانٌ لِتَقَرُّرِهِ وَتَخَلُّدِهِ فِي الذِّمَّةِ.
(وَأَجْزَأَ) دَمُ التَّمَتُّعِ أَيْ: تَقْلِيدُهُ وَإِشْعَارُهُ (قَبْلَهُ) أَيْ إحْرَامِ الْحَجِّ وَلَوْ عِنْدَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ وَلَوْ سَاقَهُ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ كَمَا يَأْتِي فَلَيْسَ مُرَادُهُ نَحْرَهُ أَوْ ذَبْحَهُ لِعَدَمِ إجْزَائِهِ قَبْلَ إحْرَامِ الْحَجِّ.
الْبُنَانِيُّ أَطْبَقَ مَنْ يَعْتَدُّ بِهِ مِنْ الشُّرَّاحِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِأَنَّ نَحْرَ الْهَدْيِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مُجْزِئٌ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِقَوْلِ الْآبِي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَلَى أَحَادِيثِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ عَلَى قَوْلِ الرَّاوِي، فَأَمَرَنَا إذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُهْدِيَ مَا نَصَّهُ عِيَاضٌ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ يُجِيزُ هَدْيَ التَّمَتُّعِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَهِيَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَنَا، وَالْأُخْرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ جَارٍ عَلَى تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ وَعَلَى تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى الْحَوْلِ، وَقَدْ يُفَرِّقُ بَيْنَ هَذِهِ الْأُصُولِ وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ لِقَوْلِهِ إذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُهْدِيَ.
الْمَازِرِيُّ مَذْهَبُنَا أَنَّ هَدْيَ التَّمَتُّعِ إنَّمَا يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ وَفِي وَقْتِ جَوَازِ نَحْرِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ فَالصَّحِيحُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَجُوزُ نَحْرُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ حَتَّى يُحْرِمَ بِالْحَجِّ، وَالثَّالِثُ إنَّهُ يَجُوزُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ اهـ. وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ إبْقَاءُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَسُقُوطُ تَعَقُّبِ شُرَّاحِهِ وَتَأْوِيلُهُمْ لَهُ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَطَفَ عَلَى الْإِحْرَامِ فَقَالَ (ثُمَّ الطَّوَافُ) بِالْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ (لَهُمَا) أَيْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ذَكَرَهُ لِطُولِ الْفَصْلِ حَالَ كَوْنِهِ أَشْوَاطًا (سَبْعًا) سَوَاءٌ كَانَ رُكْنًا لِلْحَجِّ أَوْ لِلْعُمْرَةِ أَوْ وَاجِبًا لَهُ أَوْ مَنْدُوبًا فَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا لَمْ يَجُزْ وَلَمْ يَنُبْ عَنْهُ دَمٌ، وَإِنْ زَادَ عَلَى السَّبْعِ أَلْغَى الزَّائِدَ الْبَاجِيَّ مَنْ سَهَا فِي طَوَافِهِ فَبَلَغَ ثَمَانِيَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَقْطَعُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ لِلْأُسْبُوعِ الْكَامِلِ، وَيُلْغِي مَا زَادَ عَلَيْهِ وَلَا يَعْتَدُّ بِهِ.
التَّادَلِيُّ وَهَكَذَا حُكْمُ الْعَامِدِ وَابْتِدَاؤُهُ مِنْ
بِالطُّهْرَيْنِ، وَالسَّتْرُ، وَبَطَلَ بِحَدَثٍ: بِنَاءٌ، وَجَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ
[منح الجليل]
رُكْنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَاجِبٌ، فَإِنْ ابْتَدَأَهُ مِنْ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ مَثَلًا أَلْغَى مَا قَبْلَ رُكْنِ الْحَجَرِ وَأَتَمَّ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ إلَيْهِ وَسَعَى عَقِبَهُ أَعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ دَمٌ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَوْ بَدَأَ فِي طَوَافِهِ مِنْ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِ فَلْيَلْغُ ذَلِكَ وَيَتِمُّ إلَى الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، فَإِنْ تَذَكَّرَ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَعَادَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ إنْ طَالَ أَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَإِلَّا بَنَى هَذَا كُلَّهُ فِي النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ، وَأَمَّا إنْ بَدَأَ مِنْهُ عَامِدًا وَأَتَمَّ إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي إلَّا إنْ رَجَعَ بِالْقُرْبِ جِدًّا وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَإِذَا لَمْ يَتَدَارَكْ حَتَّى رَجَعَ لِبَلَدِهِ أَجْزَأَهُ وَيَبْعَثُ بِهَدْيٍ، وَكَذَلِكَ إنْ بَدَأَ بِالطَّوَافِ مِنْ بَابِ الْبَيْتِ فَلْيُلْغِ مَا مَشَى مِنْ بَابِ الْبَيْتِ إلَى الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ قَبْلُ، فَلَوْ ابْتَدَأَ الطَّوَافَ مِنْ بَيْنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْبَابِ قَالَ هَذَا يَسِيرٌ يُجْزِئُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
سَنَدٌ وَالْبُدَاءَةُ عِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ سُنَّةٌ فَلَوْ بَدَأَ مِنْ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ تَمَادَى إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] ، وَهَذَا قَدْ طَافَ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ مُتَلَبِّسًا (بِالطُّهْرَيْنِ) مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَحُكْمُ الْخَبَثِ، فَإِنْ شَكَّ فِي أَثْنَائِهِ ثُمَّ بَانَ طُهْرُهُ فَلَا يُعِيدُهُ وَالْأَحْسَنُ بِالطَّهَارَتَيْنِ لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِ الطُّهْرَيْنِ فِي الطُّهْرِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالطُّهْرِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، فَتَصِيرُ الطَّهَارَةُ مِنْ حُكْمِ الْخَبَثِ مَسْكُوتًا عَنْهَا وَغَلَبَةُ اسْتِعْمَالِ الطَّهَارَتَيْنِ فِي الْحَدِيثَةِ كُبْرَى وَصُغْرَى وَالْخَبَثِيَّةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الطَّهَارَةُ مَائِيَّةً أَوْ صَعِيدِيَّةً.
(وَالسَّتْرُ) لِلْعَوْرَةِ فَلَا يَصِحُّ مَعَ كَشْفِهَا (وَبَطَلَ بِحَدَثٍ بِنَاءٌ) عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْأَشْوَاطِ يَعْنِي أَنَّهُ إنْ أَحْدَثَ فَلَا يَبْنِي وَسَوَاءٌ أَحْدَثَ غَلَبَةً أَوْ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا كَانَ الطَّوَافُ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ نَفْلًا وَيَسْتَأْنِفُ الْفَرْضَ.
وَالْوَاجِبُ بَعْدَ الطَّهَارَةِ مُطْلَقًا وَالنَّفَلُ إنْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ وَإِلَّا فَلَا يُطْلَبُ بِإِعَادَتِهِ، وَكَذَا إنْ ابْتَدَأَهُ مُحْدِثًا عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا (وَ) بِ (جَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ) أَيْ: الطَّائِفِ مَاشِيًا إلَى أَمَامِهِ فَإِنْ رَجَعَ الْقَهْقَرَى لَمْ يَصِحَّ وَحِكْمَةُ التَّيَاسُرِ
وَخُرُوجِ كُلِّ الْبَدَنِ عَنْ الشَّاذَرْوَانِ وَسِتَّةِ أَذْرُعٍ مِنْ الْحِجْرِ،
[منح الجليل]
صَيْرُورَةُ قَلْبِ الطَّائِفِ جِهَةَ الْبَيْتِ فَيَسْتَحْضِرُ عَظَمَتَهُ.
وَلِأَنَّ بَابَ الْبَيْتِ هُوَ وَجْهُهُ فَيُقْبِلُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ وَقَلْبِهِ فَلَوْ جَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ لَأَعْرَضَ عَنْهُ وَتَرَكَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ وَلَا يَلِيقُ بِالْأَدَبِ الْإِعْرَاضُ عَنْ وُجُوهِ الْأَمَاثِلِ، فَلَوْ جَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ قُبَالَةَ وَجْهِهِ أَوْ وَرَاءَ ظَهْرِهِ لَمْ يُجْزِهِ.
(وَ) بِ (خُرُوجِ كُلِّ الْبَدَنِ عَنْ الشَّاذَرْوَانِ) بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِهَا وَهُوَ بِنَاءٌ لَطِيفٌ مُلْصَقٌ بِجِدَارِ الْكَعْبَةِ مُرْتَفِعٌ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ، نَقَصَتْهُ قُرَيْشٌ مِنْ عَرْضِ الْكَعْبَةِ لِضِيقِ الْمَالِ الْحَلَالِ فَهُوَ مِنْ الْبَيْتِ وَشَرْطُ صِحَّةِ الطَّوَافِ خُرُوجُ جَمِيعِ الْبَدَنِ عَنْهُ.
وَاعْتَمَدَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا ذَكَرَهُ عَلَى كَلَامِ سَنَدٍ وَابْنِ شَاسٍ وَمَنْ تَبِعَهُمَا كَالْقَرَافِيِّ وَابْنِ جُزَيٍّ وَابْنِ جَمَاعَةَ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ هَارُونَ وَابْنِ رَاشِدٍ وَسَلَّمَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
الْحَطّ وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ كَوْنَ الشَّاذَرْوَانِ مِنْ الْبَيْتِ مِنْهُمْ ابْنُ رُشْدٍ بِالتَّصْغِيرِ فِي رِحْلَتِهِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِ قَوَاعِدِ عِيَاضٍ وَابْنِ فَرْحُونٍ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ كَثُرَ الِاضْطِرَابُ فِي الشَّاذَرْوَانِ وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ بِأَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ فَيَجِبُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فِي طَوَافِهِ ابْتِدَاءً، فَإِنْ طَافَ وَبَعْضُ بَدَنِهِ فِي هَوَائِهِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ حَتَّى بَعُدَ عَنْ مَكَّةَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَ بِالرُّجُوعِ لِذَلِكَ مُرَاعَاةً لِمَنْ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) خُرُوجُ كُلِّ الْيَدَيْنِ عَنْ (سِتَّةِ أَذْرُعٍ) بِإِثْبَاتِ التَّاءِ وَحَذْفِهَا؛ لِأَنَّ ذِرَاعَ الْيَدِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (مِنْ الْحِجْرِ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ سُمِّيَ حِجْرًا لِاسْتِدَارَتِهِ كَحِجْرِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ بِنَاءٌ قَصِيرٌ يَصِلُ إلَى صَدْرِ الْإِنْسَانِ عَلَى صُورَةِ نِصْفِ دَائِرَةٍ مُقَابِلٌ لِلرُّكْنَيْنِ الْوَالِيَيْنِ لَبَابِ الْكَعْبَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ نَحْوَ ذِرَاعَيْنِ، جَعَلَهُ سَيِّدُنَا إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَرِيشًا مِنْ أَرَاكٍ تَقْتَحِمُهُ الْغَنَمُ، وَكَانَ زَرِيبَةً لِغَنَمِ إسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا أَدْخَلَتْ فِيهِ أَذْرُعًا مِنْ الْكَعْبَةِ لِضِيقِ الْمَالِ الْحَلَالِ، وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّحْدِيدِ بِسِتَّةِ أَذْرُعٍ اللَّخْمِيُّ وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيهَا لَا يَعْتَدُّ بِمَا طَافَ دَاخِلَ الْحِجْرِ
وَنَصَبَ الْمُقَبِّلِ قَامَتَهُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وِلَاءً.
وَابْتَدَأَ إنْ قَطَعَ لِجِنَازَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ
[منح الجليل]
أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ جَمِيعِهِ لِشُمُولِهِ السِّتَّةَ أَذْرُعٍ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ طَافَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» .
(وَنَصَبَ) أَيْ أَقَامَ وَعَدَلَ الشَّخْصُ (الْمُقَبِّلُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مُثَقَّلَةً الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ فِي ابْتِدَاءِ كُلِّ شَوْطٍ (قَامَتَهُ) قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الطَّوَافِ لِيَخْرُجَ جَمِيعُ بَدَنِهِ عَنْ الشَّاذَرْوَانِ؛ إذْ لَا يُمْكِنُهُ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ إلَّا بِانْحِنَائِهِ عَلَيْهِ وَصَيْرُورَةِ أَغْلَبِ بَدَنِهِ عَلَى الشَّاذَرْوَانِ فَلَوْ طَافَ قَبْلَ نَصْبِ قَامَتِهِ لَزِمَ طَوَافُهُ وَأَغْلَبُ بَدَنِهِ فِي الشَّاذَرْوَانِ، وَكَذَا اسْتِلَامُ الْيَمَانِيِّ ابْنُ الْمُعَلَّى فِي مَنْسَكِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَرْجِعُونَ بِلَا حَجٍّ بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ بِهَذَا، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الطَّوَافِ (دَاخِلَ الْمَسْجِدِ) فَلَا يَصِحُّ خَارِجَهُ وَلَا عَلَى سَطْحِهِ وَيُنْدَبُ الْقُرْبُ مِنْ الْبَيْتِ.
(وَ) كَوْنُهُ (وِلَاءً) بِكَسْرِ الْوَاوِ مَعَ الْمَدِّ أَيْ مُتَوَالِيًا بِلَا فَصْلٍ كَثِيرٍ بَيْنَ أَجْزَائِهِ بِلَا عُذْرٍ، وَيُغْتَفَرُ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ وَلَوْ اخْتِيَارًا وَالْكَثِيرُ لِعُذْرٍ بِشَرْطِ بَقَاءِ طَهَارَتِهِ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَسَنَدٌ، وَإِنْ نَقَضَ وُضُوءُهُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَرَكْعَتَيْهِ تَوَضَّأَ وَأَعَادَهُ فَإِنْ صَلَّاهُمَا وَلَمْ يُعِدْهُ وَسَعَى أَعَادَ الطَّوَافَ وَالرَّكْعَتَيْنِ وَالسَّعْيَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا فَإِنْ تَبَاعَدَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهِمَا بِمَوْضِعِهِ وَيَبْعَثُ بِهَدْيٍ وَلَمْ تُجْزِهِ الرَّكْعَتَانِ الْأُولَيَانِ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ.
(وَابْتَدَأَ) الطَّوَافَ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ نَفْلًا (إنْ قَطَعَ) هـ (لِ) صَلَاتِهِ عَلَى (جِنَازَةٍ) وَلَوْ خَفَّفَهَا؛ لِأَنَّهَا فِعْلٌ آخَرُ وَقَطْعُهُ لَهَا مَمْنُوعٌ مَا لَمْ تَتَعَيَّنْ وَيُخْشَ تَغَيُّرُهَا بِتَأْخِيرِهَا إلَى تَمَامِ الطَّوَافِ فَيَجِبُ قَطْعُهُ لَهَا وَيَبْنِي كَالْفَرِيضَةِ (أَوْ) خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ لِأَجْلِ (نَفَقَةٍ) نَسِيَهَا خَارِجَهُ وَيُمْنَعُ قَطْعُهُ لَهَا ابْتِدَاءً كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنْ قَطَعَ لَهَا وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَبْنِي الْمُصَنِّفُ.
لَوْ قِيلَ بِجَوَازِ الْخُرُوجِ لِلنَّفَقَةِ كَانَ أَظْهَرَ لِإِجَازَتِهِمْ قَطْعَ الصَّلَاةِ لِمَنْ أَخَذَ مَالَهُ ذُو الْبَالِ وَهِيَ أَشَدُّ حُرْمَةً، وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مُنِعَ الْكَلَامُ فِيهَا إلَّا الْيَسِيرَ لِإِصْلَاحِهَا فَاضْطَرَّ لِقَطْعِ الْكَلَامِ جَائِزٌ فِي الطَّوَافِ فَيُوَكِّلُ مَنْ يَأْتِي لَهُ بِنَفَقَتِهِ وَلَا يَقْطَعُهُ.
أَوْ نَسِيَ بَعْضَهُ وَإِنْ فَرَغَ سَعْيُهُ.
وَقَطَعَهُ لِلْفَرِيضَةِ وَنُدِبَ كَمَالُ الشَّوْطِ.
[منح الجليل]
أَوْ نَسِيَ) الطَّائِفُ (بَعْضَهُ) أَيْ: الطَّوَافِ وَلَوْ بَعْضَ شَوْطٍ أَوْ تَرَكَهُ جَهْلًا فَيَبْتَدِئُهُ (إنْ) كَانَ (فَرَغَ سَعْيُهُ) وَطَالَ الزَّمَنُ بِالْعُرْفِ أَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَإِلَّا بَنَى سَنَدٌ إنْ قِيلَ كَيْفَ يَبْنِي بَعْدَ فَرَاغِ سَعْيِهِ وَهَذَا تَفْرِيقٌ كَثِيرٌ يَمْنَعُ مِثْلُهُ الْبِنَاءَ فِي الصَّلَاةِ.
قُلْت لَمَّا كَانَ السَّعْيُ مُرْتَبِطًا بِالطَّوَافِ حَتَّى لَا يَصِحَّ دُونَهُ جَرَى مَعَهُ مَجْرَى صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ كَمَنْ تَرَكَ سُجُودَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ الْبَقَرَةَ وَتَذَكَّرَ سُجُودَ الْأُولَى قَبْلَ عَقْدِ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لَهُ وَلَا تُعَدُّ قِرَاءَةُ الْبَقَرَةِ طُولًا.
وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ " إنْ فَرَغَ سَعْيُهُ " أَنَّهُ طَوَافُ قُدُومٍ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ إفَاضَةٍ يَسْعَى عَقِبَهُ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ إفَاضَةً لَا سَعْيَ بَعْدَهُ اُعْتُبِرَ الْقُرْبُ وَالْبُعْدُ مِنْ فَرَاغِ الطَّوَافِ بِالْعُرْفِ، فَإِنْ قَرُبَ بَنَى وَإِنْ بَعُدَ ابْتَدَأَ.
(وَقَطَعَهُ) أَيْ: الطَّائِفُ طَوَافَهُ وُجُوبًا (لِ) إقَامَةِ الصَّلَاةِ (الْفَرِيضَةِ) لِرَاتِبِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَزِمَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا أَوْ صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا بِبَيْتِهِ أَوْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ جَمَاعَةٍ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّاهَا جَمَاعَةً بِهِ وَأُقِيمَتْ لِلرَّاتِبِ فَهَلْ يَقْطَعُهُ وَيَخْرُجُ؛ لِأَنَّ فِي بَقَائِهِ طَعْنًا عَلَيْهِ أَوْ لَا؟ ؛ لِأَنَّ تَلَبُّسَهُ بِالطَّوَافِ يَدْفَعُ الطَّعْنَ وَمِثْلُ الْإِقَامَةِ فَرِيضَةٌ حَاضِرَةٌ تَذَكَّرَهَا وَخَافَ خُرُوجَ وَقْتِهَا وَلَوْ الِاخْتِيَارِيَّ إنْ أَتَمَّ الطَّوَافَ الْفَرْضَ اسْتَظْهَرَهُ الْحَطّ، قَالَ وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا إشْكَالَ فِي قَطْعِهِ لَهَا وَمَفْهُومُ لِلْفَرِيضَةِ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ رُكْنًا كَانَ وَاجِبًا لِغَيْرِهَا كَرَكْعَتَيْ فَجْرٍ وَضُحًى، فَإِنْ كَانَ مَنْدُوبًا فَلَهُ قَطْعُهُ لِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ لَا تُقَامُ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهُ.
الْحَطّ وَيَبْنِي وَالظَّاهِرُ قَطْعُ الطَّوَافِ غَيْرِ الْوَاجِبِ لِلْوِتْرِ إذَا خُشِيَ خُرُوجُ وَقْتِهِ الِاخْتِيَارِيِّ وَإِيقَاعُهُ فِي الضَّرُورِيِّ.
(وَنُدِبَ) لَهُ (كَمَالُ الشَّوْطِ) الَّذِي أُقِيمَتْ الْفَرِيضَةُ فِيهِ قَبْلَ قَطْعِهِ لَهَا وَلَوْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ لِيَبْنِيَ مِنْ أَوَّلِ الشَّوْطِ الَّذِي يَلِيهِ، فَإِنْ لَمْ يُكَمِّلْهُ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ يَبْنِي مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ وَالْمُسْتَحَبُّ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ الشَّوْطِ.
الْحَطّ الظَّاهِرُ حَمْلُ كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى الْوِفَاقِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ سَنَدٍ
وَبَنَى: إنْ رَعَفَ.
أَوْ عَلِمَ بِنَجَسٍ، وَأَعَادَ رَكْعَتَيْهِ بِالْقُرْبِ،
[منح الجليل]
(وَبَنَى) الطَّائِفُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ طَوَافِهِ (إنْ رَعَفَ) حَقُّهُ أَنْ يُقَالَ كَأَنْ رَعَفَ لِيُفِيدَ أَنَّهُ إذَا قَطَعَهُ لِلْفَرِيضَةِ يَبْنِي قَبْلَ تَنَقُّلِهِ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، فَإِنْ تَنَفَّلَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ طَوَافَهُ ابْتَدَأَهُ، وَكَذَا إنْ جَلَسَ بَعْدَ صَلَاتِهِ طَوِيلًا لِذِكْرٍ أَوْ حَدِيثٍ لِتَرْكِ الْمُوَالَاةِ.
وَلَوْ قَالَ كَأَنْ رَعَفَ لَمْ يَكُنْ تَشْبِيهًا فِي نَدْبِ كَمَالِ الشَّوْطِ لِخُرُوجِ الرَّاعِفِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِطَ هُنَا أَنْ لَا يُجَاوِزَ مَكَانًا مُمْكِنًا قَرُبَ، وَأَنْ لَا يَبْعُدَ جِدًّا، وَأَنْ لَا يَطَأَ نَجَسًا لَا الِاسْتِقْبَالُ وَعَدَمُ الْكَلَامِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِمَا فِي الطَّوَافِ.
(أَوْ عَلِمَ) الطَّائِفُ فِي أَثْنَاءِ طَوَافِهِ (بِنَجَسٍ) فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ فَيَطْرَحُهَا أَوْ يَغْسِلُهَا وَيَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ طَوَافِهِ إنْ لَمْ يَطُلْ، وَإِلَّا بَطَلَ لِعَدَمِ مُوَالَاتِهِ.
وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ ابْنَ الْحَاجِبِ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ لَا يَبْنِي وَيَبْتَدِئُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ، وَلَمْ يَحْكِ مُقَابِلَهُ وَجَوَابُ الْحَطّ بِأَنَّهُ تَبِعَ اسْتِظْهَارَ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ لَا يُعَادِلُ ذَلِكَ قَالَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ،
أَحَدُهَا: لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ كَرَاهَةُ الطَّوَافِ بِالثَّوْبِ النَّجَسِ.
ابْنُ رُشْدٍ وَعَلَيْهِ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَإِنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا.
الثَّانِي: لِابْنِ الْقَاسِمِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ الطَّوَافِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: لِأَشْهَبَ إنْ عَلِمَ بِهِ أَثْنَاءَهُ ابْتَدَأَهُ وَبَعْدَ كَمَالِهِ أَعَادَهُ وَأَعَادَ السَّعْيَ إنْ قَرُبَ اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَ أَشْهَبَ مُقَابِلٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ كَمَالِهِ التُّونُسِيُّ يُشْبِهُ أَنْ يَبْنِيَ إنْ عَلِمَ أَثْنَاءَهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُوَافِقَ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - هُوَ وَاَلَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ الْحَاجِبِ.
(وَ) إنْ لَمْ يَعْلَمْ النَّجَسَ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ طَوَافِهِ فَلَا يُعِيدُهُ وَ (أَعَادَ) نَدْبًا (رَكْعَتَيْهِ) أَيْ الطَّوَافَ (بِالْقُرْبِ) بِالْعُرْفِ، فَإِنْ طَالَ فَلَا يُعِيدُهُمَا وَانْتِقَاضُ وُضُوئِهِ كَالطُّولِ (وَ)
وَعَلَى الْأَقَلِّ إنْ شَكَّ.
وَجَازَ بِسَقَائِفَ لِزَحْمَةٍ، وَإِلَّا أَعَادَ، وَلَمْ يَرْجِعْ لَهُ، وَلَا دَمَ
[منح الجليل]
يَبْنِي (عَلَى الْأَقَلِّ إنْ شَكَّ) فِي عَدَدِ الْأَشْوَاطِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكِحًا وَإِلَّا فَيَبْنِي عَلَى الْأَكْثَرِ وَيَعْمَلُ بِأَخْبَارِ غَيْرِهِ وَلَوْ وَاحِدًا لَيْسَ مَعَهُ فِي الطَّوَافِ، نَقَلَهُ الْحَطّ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَلَوْ وَاحِدًا لَيْسَ مَعَهُ فِي الطَّوَافِ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ قَدْ طَافَ مَعَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَخْفِيفَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لِلشَّاكِّ قَبُولُ خَبَرِ رَجُلَيْنِ طَافَا مَعَهُ الشَّيْخُ، وَفِي رِوَايَةٍ قَبُولُ خَبَرِ رَجُلٍ مَعَهُ الْبَاجِيَّ عَنْ الْأَبْهَرِيِّ الْقِيَاسُ إلْغَاءُ قَوْلِ غَيْرِهِ وَبِنَاؤُهُ عَلَى يَقِينِهِ كَالصَّلَاةِ وَقَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ اهـ.
وَنَقَلَهُ الْحَطّ قَالَ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ سَوَاءٌ شَكَّ وَهُوَ فِي الطَّوَافِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ، بَلْ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي إكْمَالِ طَوَافِهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ لِبَلَدِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ.
(وَجَازَ) الطَّوَافُ (بِسَقَائِفَ لِزَحْمَةٍ) وَمِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ بِالْأَوْلَى قَدْ يُقَالُ يُتَوَهَّمُ مِنْ اقْتِصَارِ الْمُصَنِّفِ عَلَى السَّقَائِفِ جَوَازُهُ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ بِلَا زَحْمَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ جَمَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَإِنْ ذَهَبْت أَثْنَاءَهُ كَمَّلَهُ بِمَكَانِهِ الْمُعْتَادِ، وَلَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهُ فِي بَقِيَّةِ أَشْوَاطِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِضَرُورَةٍ وَقَدْ زَالَتْ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الطَّوَافُ بِالسَّقَائِفِ لِزَحْمَةٍ بِأَنْ طَافَ بِهَا الْحَرُّ أَوْ بَرْدٌ أَوْ مَطَرٌ (أَعَادَ) طَوَافَهُ وُجُوبًا مَا دَامَ بِمَكَّةَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (وَ) إنْ خَرَجَ مِنْهَا (لَمْ يَرْجِعْ لَهُ) أَيْ: الطَّوَافِ مِمَّا شَقَّ عَلَيْهِ رُجُوعُهُ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ بَلَدَهُ أَوْ غَيْرَهُ.
(وَلَا دَمَ) عَلَيْهِ وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالسَّقَائِفِ وَاجِبًا كَانَ أَوْ غَيْرُهُ إلَّا لِزَحْمَةٍ، فَإِنْ طَافَ بِهَا لِغَيْرِهَا أَعَادَ الْوَاجِبَ لَا غَيْرَهُ.
وَقَوْلُهُ بِسَقَائِفَ أَيْ: الَّتِي كَانَتْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الَّتِي فِي زَمَنِنَا فَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهَا مَزِيدَةٌ فِيهِ فَالطَّوَافُ فِيهَا طَوَافٌ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ بَاطِلٌ وَلَوْ لِزَحْمَةٍ.
سَحْنُونٌ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَهِيَ
وَوَجَبَ كَالسَّعْيِ قَبْلَ عَرَفَةَ إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ وَلَمْ يُرَاهِقْ وَلَمْ يُرْدِفْ بِحَرَمٍ، وَإِلَّا سَعَى بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، وَإِلَّا فَدَمٌ
[منح الجليل]
الزِّحَامُ إلَى السَّقَائِفِ اهـ. الْحَطّ لَمْ نَسْمَعْ قَطُّ أَنَّ الزِّحَامَ انْتَهَى إلَيْهَا بَلْ لَا يُجَاوِزُ النَّاسُ مَحَلَّ الطَّوَافِ الْمُعْتَادِ وَعَلَى نِهَايَتِهِ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ عَمُودًا مِنْ النُّحَاسِ وَعَمُودَانِ مِنْ الرُّخَامِ، فَمَا وَرَاءَ هَذِهِ الْعَوَامِيدِ لَيْسَ مِنْ مَحَلِّهِ الْمُعْتَادِ.
(وَوَجَبَ) الطَّوَافُ عَلَى مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا وَلَيْسَ حَائِضًا وَلَا نُفَسَاءَ وَلَا مَجْنُونًا وَلَا مُغْمًى عَلَيْهِ وَلَا نَاسِيًا وَيُسَمَّى طَوَافَ الْقُدُومِ.
وَشَبَّهَ فِي الْوُجُوبِ فَقَالَ (كَ) تَقْدِيمِ (السَّعْيِ) الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْحَجِّ فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ (قَبْلَ) وُقُوفِ (عَرَفَةَ) فَالتَّشْبِيهُ لَيْسَ تَامًّا إذْ طَوَافُ الْمَقْدُومِ وَاجِبٌ وَالسَّعْيُ رُكْنٌ، فَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ وُجُوبَ طَوَافِ الْقُدُومِ فِي نَفْسِهِ وَوُجُوبَ تَقْدِيمِهِ عَلَى عَرَفَةَ (إنْ أَحْرَمَ) بِالْحَجِّ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْعُمْرَةِ (مِنْ الْحِلِّ) وَلَوْ آفَاقِيًّا اتَّسَعَ نَفْسُهُ خَرَجَ لِمِيقَاتِهِ فَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ مِنْ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْحَرَمِ لِإِقَامَتِهِ بِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ.
(وَ) إنْ (لَمْ يُرَاهِقْ) بِكَسْرِ الْهَاءِ أَوْ فَتْحِهَا أَيْ: لَمْ يُقَارِبْ وَقْتَ الْوُقُوفِ بِحَيْثُ يَخْشَى فَوَاتَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إنْ طَافَ لِلْقُدُومِ، فَإِنْ رَاهَقَ وَخَشِيَ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ (وَ) إنْ (لَمْ يُرْدِفْ) الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَلَوْ بَعْدَ فَرَاغِهَا (بِحَرَمٍ) وَأَغْنَى عَنْ هَذَا قَوْلُهُ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ فَإِنْ وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ وَجَبَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ وَالسَّعْيُ عَقِبَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَتَوَفَّرْ هَذِهِ الشُّرُوطُ بِأَنْ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ الْحَرَمِ أَوْ رَاهَقَ أَوْ أَرْدَفَهُ بِحَرَمٍ فَلَا قُدُومَ عَلَيْهِ وَ (سَعَى) السَّعْيَ الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْحَجِّ (بَعْدَ) طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ) وَلَا دَمَ لَتَرْكِهِ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ لِعَدَمِ شَرْطِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ النَّاسِي وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ الَّذِينَ اسْتَمَرَّ عُذْرُهُمْ إلَى عَرَفَةَ وَيُمْكِنُ إدْخَالُهُمْ فِي الْمُرَاهِقِ.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَسَعْ مِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ عَقِبَ الْإِفَاضَةِ بِأَنْ طَافَ الْمُرْدِفُ بِحَرَمٍ أَوْ الْمُحْرِمِ مِنْهُ غَيْرُ الْمُرَاهِقِ تَطَوُّعًا أَوْ فَرْضًا بِنَذْرِهِ وَسَعَى عَقِبَهُ (فَ) عَلَيْهِ (دَمٌ)
إنْ قَدَّمَ وَلَمْ يُعِدْ.
بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ السَّعْيُ سَبْعًا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، مِنْهُ الْبَدْءُ مَرَّةً وَالْعَوْدُ أُخْرَى.
وَصِحَّتُهُ بِتَقَدُّمِ طَوَافٍ،
[منح الجليل]
لِمُخَالَفَتِهِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ تَأْخِيرِ سَعْيِهِ عَقِبَ إفَاضَتِهِ (إنْ) كَانَ (قَدَّمَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا سَعْيَهُ عَقِبَ الطَّوَافِ الَّذِي طَافَهُ قَبْلَ عَرَفَةَ تَطَوُّعًا أَوْ نَذْرًا (وَ) إنْ (لَمْ يُعِدْ) السَّعْيَ عَقِبَ إفَاضَتِهِ حَتَّى رَجَعَ لِبَلَدِهِ، وَأَمَّا الْمُرَاهِقُ إذَا تَكَلَّفَ طَوَافَ الْقُدُومِ وَسَعَى عَقِبَهُ وَلَمْ يُعِدْهُ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِإِتْيَانِهِ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ قَالَهُ الشَّارِحُ وتت، وَاسْتَظْهَرَهُ الْحَطّ.
وَقَالَ ابْنُ عَاشِرٍ إنَّهُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ مِنْ اللَّفْظِ.
(ثُمَّ السَّعْيُ) أَيْ: لَهُمَا وَحَذَفَهُ اسْتِغْنَاءً بِذِكْرِهِ عَقِبَ الطَّوَافِ أَشْوَاطًا (سَبْعًا) لِلْحَجِّ وَكَذَا لِلْعُمْرَةِ (بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْهُ) أَيْ الصَّفَا (الْبَدْءُ) حَالَ كَوْنِهِ مَعْدُودًا (مَرَّةً) فَإِنْ بَدَأَ مِنْ الْمَرْوَةِ فَلَا يَحْتَسِبُ بِهِ وَإِلَّا بَطَلَ سَعْيُهُ.
(وَالْعَوْدُ) مِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصَّفَا يُعَدُّ مَرَّةً (أُخْرَى) وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ أَلِفَ الصَّفَا لِلتَّأْنِيثِ؛ لِأَنَّهَا ثَالِثُهُ كَأَلِفِ فَتًى وَعَصًا، أَلِفُ التَّأْنِيثِ لَا تَكُونُ إلَّا رَابِعَةً فَصَاعِدًا وَمِنْ شُرُوطِ السَّعْيِ مُوَالَاتُهُ فِي نَفْسِهِ وَيُغْتَفَرُ التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ كَصَلَاتِهِ أَثْنَائِهِ عَلَى جِنَازَةٍ أَوْ بَيْعِهِ أَوْ اشْتِرَائِهِ شَيْئًا أَوْ جُلُوسِهِ مَعَ أَحَدٍ أَوْ وُقُوفِهِ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ مِنْ غَيْرِ طُولٍ فَيَبْنِي، وَلَا يَنْبَغِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ كَثُرَ التَّفْرِيقُ لَمْ يَبْنِ وَابْتَدَأَهُ، فَإِنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِيهِ فَلَا يَقْطَعُهُ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْمَسْجِدِ، نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ.
وَأَمَّا الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ فَفِي الْحَطّ أَنَّ اتِّصَالَهُ بِالطَّوَافِ شَرْطٌ، وَفِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ سُنَّةٌ.
(وَصِحَّتُهُ) أَيْ السَّعْيِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَشْرُوطَةٌ (بِتَقَدُّمِ طَوَافٍ) عَلَيْهِ فَإِنْ سَعَى بِلَا تَقَدُّمِ طَوَافٍ فَهُوَ بَاطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ الطَّوَافُ فَرْضًا كَالْإِفَاضَةِ وَطَوَافِ الْعُمْرَةِ، أَوْ وَاجِبًا كَالْقُدُومِ أَوْ نَفْلًا كَمَا عَدَاهَا.
ثُمَّ إنْ كَانَ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا صَحَّ السَّعْيُ بَعْدَ صِحَّةٍ تَامَّةٍ لَا يَحْتَاجُ مَعَهَا لِشَيْءٍ إنْ نَوَى وُجُوبَ الْقُدُومِ أَوْ سُنِّيَّتَهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ رُكْنًا، وَأَنَّهُ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ أَوْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ عِنْدَ فِعْلِهِ شَيْئًا وَهُوَ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ أَوْ سُنِّيَّتَهُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا إنْ
وَنَوَى فَرْضِيَّتَهُ، وَإِلَّا فَدَمٌ، وَرَجَعَ إنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ عُمْرَةٍ حِرْمًا،
[منح الجليل]
نَوَى سُنِّيَّتَهُ بِمَعْنَى أَنَّ لَهُ فِعْلَهُ وَتَرْكَهُ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَهُوَ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ أَوْ كَانَ الطَّوَافُ الَّذِي سَعَى بَعْدَهُ نَفْلًا أَعَادَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَسَعَى بَعْدَهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ أَوْ قُرْبَهَا، فَإِنْ تَبَاعَدَ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
فَقَوْلُهُ (وَنَوَى فَرْضِيَّتَهُ) أَيْ: الطَّوَافِ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ السَّعْيِ وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِتَمَامِهِ وَعَدَمِ إعَادَتِهِ وَعَدَمِ تَرَتُّبِ دَمٍ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَرْضِيَّتَهُ بِأَنْ طَافَ قَبْلَهُ طَوَافًا نَفْلًا أَوْ طَوَافَ قُدُومٍ نَاوِيًا نَفْلِيَّتَهُ لِجَهْلِهِ وُجُوبَهُ (فَ) عَلَيْهِ (دَمٌ) إنْ تَبَاعَدَ عَنْ مَكَّةَ وَإِلَّا أَعَادَهُ بِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ وَسَعَى بَعْدَهُ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فَفِي قَوْلِهِ وَالْإِقْدَامُ مُسَامَحَةٌ إذْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهِ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ قُرْبَهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِالْفَرْضِيَّةِ هُنَا الْوُجُوبُ بِدَلِيلِ انْجِبَارِهِ بِالدَّمِ.
وَلِأَنَّ الْفَرْضَ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ إنَّمَا هُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ عَرَفَةَ كَمَا يَأْتِي.
الْمُصَنِّفُ فِي مَنْسَكِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الطَّوَافُ وَاجِبًا عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي شَرْطِ وُجُوبِهِ قَوْلَانِ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَلَهَا.
وَقَالَ الشَّارِحُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الطَّوَافِ وَاجِبًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ إذْ لَوْ كَانَ شَرْطًا لَلَزِمَ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ صِحَّةِ السَّعْيِ وَأَنْ يَرْجِعَ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ دُونَ جَبْرِهِ بِالدَّمِ (وَرَجَعَ) الْمُعْتَمِرُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ.
(إنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ عُمْرَةٍ) اعْتَمَرَهَا لِفِعْلِهِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ تَرَكَ بَعْضَهُ حَالَ كَوْنِهِ (حِرْمًا) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ: مُحْرِمًا مُتَجَرِّدًا مِنْ الْمُحِيطِ، كَتَجَرُّدِهِ عِنْدَ أَوَّلِ إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ أَرْكَانِهَا إلَّا الْإِحْرَامُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي ارْتِكَابِ شَيْءٍ مَمْنُوعٍ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَصَابَ النِّسَاءَ فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ فَيُتِمُّهَا فَاسِدَةً ثُمَّ يَقْضِيهَا مِنْ الْمِيقَات الَّذِي كَانَ أَحْرَمَ مِنْهُ أَوَّلًا وَيُهْدِي، وَعَلَيْهِ لِكُلِّ صَيْدٍ أَصَابَهُ الْجَزَاءَ قَالَهُ فِيهَا، وَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ لِلُبْسِهِ وَطِيبِهِ وَاتَّحَدَتْ إنْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ فَإِذَا وَصَلَ مَكَّةَ طَافَ
وَافْتَدَى لِحَلْقِهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ سَعْيِهِ بِحَجٍّ، فَقَارِنٌ كَطَوَافِ الْقُدُومِ إنْ سَعَى بَعْدَهُ، وَاقْتَصَرَ، وَالْإِفَاضَةُ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَهُ، وَلَا دَمَ حِلًّا
[منح الجليل]
وَسَعَى وَحَلَقَ أَوْ قَصَّرَ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا بَعْدَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَأَنَّهُ لَا يَقْضِي النُّسُكَ فِي الْعَمْدِ (وَافْتَدَى) وُجُوبًا (لِحَلْقِهِ) إنْ كَانَ قَدْ تَحَلَّلَ بِهِ أَوَّلًا، وَلَا بُدَّ مِنْ حَلْقِهِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا.
(وَإِنْ) كَانَ (أَحْرَمَ) مَنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ عُمْرَتِهِ (بَعْدَ سَعْيِهِ) بَعْدَ الطَّوَافِ الْفَاسِدِ (بِحَجٍّ فَ) هُوَ (قَارِنٌ) ؛ لِأَنَّ طَوَافَهُ الْفَاسِدَ وَسَعْيَهُ عَقِبَهُ كَالْعَدَمِ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ غَيْرُ إحْرَامِهَا وَالْإِرْدَافُ عَلَيْهِ صَحِيحٌ لِصِحَّةِ الْعُمْرَةِ فِي نَفْسِهَا بِاعْتِبَارِ إحْرَامِهَا وَمَفْهُومُ بِحَجٍّ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ لَكَانَ إحْرَامُهُ بِهَا لَاغِيًا لِقَوْلِهِ كَالثَّانِي فِي عُمْرَتَيْنِ.
وَشَبَّهَ فِي الرُّجُوعِ فَقَطْ فَقَالَ (كَطَوَافِ الْقُدُومِ) الْفَاسِدِ فَيَرْجِعُ لَهُ (إنْ) كَانَ (سَعَى بَعْدَهُ) أَيْ: الْقُدُومِ (وَاقْتَصَرَ) عَلَى سَعْيِهِ عَقِبَ الْقُدُومِ وَلَمْ يُعِدْهُ عَقِبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، فَإِنْ أَعَادَهُ فَلَا يَرْجِعُ فَالرُّجُوعُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلسَّعْيِ لَا لِلْقُدُومِ، فَإِذَا وَصَلَ مَكَّةَ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى فَيُتِمُّ تَحَلُّلَهُ مِنْ الْحَجِّ وَيَنْوِي بِطَوَافِهِ الْإِفَاضَةَ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ فَاتَ مَحَلُّهُ بِوُقُوفِ عَرَفَةَ وَلَزِمَهُ إعَادَةُ السَّعْيِ يُعِدْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، فَلَمَّا لَمْ يُعِدْهُ بَعْدَ طَوَافِهَا
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ صَارَ كَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ فَيُعِيدُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَيَسْعَى عَقِبَهُ (وَ) كَطَوَافِ (الْإِفَاضَةِ) الْفَاسِدِ أَوْ الْمَنْسِيِّ كُلِّهِ أَوْ بَعْضَهُ فَيَرْجِعُ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَهُ) بِطَوَافٍ صَحِيحٍ فَيُجْزِئُهُ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ الْفَاسِدِ، وَلَا يَرْجِعُ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ تَطَوُّعَ الْحَجِّ يَجْزِي عَنْ وَاجِبِ جِنْسِهِ كَطَوَافٍ عَنْ مِثْلِهِ (وَلَا دَمَ) عَلَيْهِ إذَا تَطَوَّعَ بَعْدَهُ نَاسِيًا لِقَوْلِ الْجُزُولِيِّ لَا خِلَافَ إذَا طَافَ لِلْوَدَاعِ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلْإِفَاضَةِ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ وَفَرْضُهَا فِي رُجُوعِهِ لِبَلَدِهِ، فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَمَرَ بِإِعَادَةِ الْإِفَاضَةِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ ابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ وَيَرْجِعُ لِلْقُدُومِ الَّذِي سَعَى بَعْدَهُ وَاقْتَصَرَ وَلِلْإِفَاضَةِ حَالَ كَوْنِهِ (حِلًّا) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ اللَّامِ أَيْ: حَلَالًا مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَحَلَّلَ
إلَّا مِنْ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ، وَكُرِهَ الطِّيبُ وَاعْتَمَرَ، وَالْأَكْثَرُ إنْ وَطِئَ،.
[منح الجليل]
التَّحَلُّلَ الْأَصْغَرَ بِرَمْيِ الْعَقَبَةِ أَوْ مَضَى وَقْتُهَا (إلَّا مِنْ) لَذَّةِ (نِسَاءٍ وَ) تَعَرُّضِ (صَيْدٍ) فَيَحْرُمَانِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَحِلَّانِ إلَّا بِالتَّحَلُّلِ الْأَكْبَرِ وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ.
(وَكُرِهَ الطِّيبُ وَ) إذَا رَجَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِمَكَّةَ فَيَكْمُلُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ بِإِحْرَامِهِ الْأَوَّلِ وَلَا يُجَدِّدُ إحْرَامًا لِبَقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ، وَلَا يُلَبِّي فِي طَرِيقِهِ لِفَوَاتِ وَقْتِ التَّلْبِيَةِ فَاَلَّذِي لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ قُدُومِهِ يُعِيدُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَيَسْعَى عَقِبَهُ.
وَاَلَّذِي لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ إفَاضَتِهِ يَطُوفُ لِلْإِفَاضَةِ فَقَطْ وَلَا يَحْلِقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَأْسَهُ لِحَلْقِهِ بِمِنًى وَإِنْ تَبَيَّنَ فَسَادَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ الْإِفَاضَةِ وَرَجَعَ لَهُ وَكَمَّلَ حَجَّهُ (اعْتَمَرَ) بَعْدَ إكْمَالِهِ أَيْ: خَرَجَ إلَى الْحِلِّ وَأَتَى مِنْهُ بِعُمْرَةٍ سَوَاءٌ وَطِئَ أَمْ لَا، وَهَذَا ظَاهِرُ ابْنِ الْحَاجِبِ زَادَ وَيُهْدِي.
(وَالْأَكْثَرُ) قَالُوا يَعْتَمِرُ (إنْ) كَانَ (وَطِئَ) لِيَأْتِيَ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ لَا خَلَلَ فِيهِمَا وَيُهْدِي وَلَا يُحْرِمُ بِهَا قَبْلَ إكْمَالِ الْحَجِّ، لِقَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ إلَّا لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ فَلِتَحَلُّلِهِ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَطَأْ فَلَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَقَلَّ قَالُوا يَأْتِي بِعُمْرَةٍ إنْ لَمْ يَطَأْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَالْمُنَاسِبُ وَاعْتَمَرَ إنْ وَطِئَ وَالْأَكْثَرُ لَا يَعْتَمِرُ.
الرَّمَاصِيُّ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَاعْتَمَرَ إنْ وَطِئَ لَكَانَ أَسْعَدَ بِقَوْلِهَا حَتَّى رَجَعَ وَأَصَابَ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ إلَى أَنْ قَالَتْ وَالْعُمْرَةُ مَعَ الْهَدْيِ تُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَجُلُّ النَّاسِ يَقُولُونَ لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ وَيُحْذَفُ قَوْلُهُ وَالْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُمْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا وَجُلُّ النَّاسِ.
وَفَسَّرَهُمْ أَبُو الْحَسَنِ بِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَطَاءٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ خَارِجُ الْمَذْهَبِ بَلْ ذِكْرُهُمْ يُوهِمُ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ إثْبَاتُ الْعُمْرَةِ مَعَ الْوَطْءِ وَبَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْهَدْيُ إنْ أَصَابَ النِّسَاءَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي نَصِّهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ لِوَطْئِهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الثَّانِي فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ مَعَ الْعُمْرَةِ.
فَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ إلَى الْمُحْرِمِ فَالْأَقْيَسُ قَوْلُ أَشْهَبَ عَلَيْهِ هَدْيَانِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُدًى وَاحِدٌ اُنْظُرْ الْحَطّ.
وَلِلْحَجِّ حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ سَاعَةً لَيْلَةَ النَّحْرِ، وَلَوْ مَرَّ إنْ نَوَاهُ،
[منح الجليل]
وَ) الرُّكْنُ (لِلْحَجِّ) وَحْدَهُ (حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ) أَيْ الْكَوْنُ فِيهَا مُطْمَئِنًّا سَوَاءٌ وَقَفَ أَوْ جَلَسَ أَوْ اضْطَجَعَ أَوْ رَكِبَ عَلِمَ أَنَّهَا عَرَفَةُ أَمْ لَا، وَلِذَا عَدَلَ عَنْ وُقُوفِ الْمَشْهُورِ إلَى حُضُورٍ وَإِضَافَةِ حُضُورٍ إلَى جُزْءٍ بِمَعْنَى فِي فَلَا يُقَالُ مَعْنَى الْحُضُورِ الْمُشَاهَدُ فَتَصْدُقُ الْعِبَارَةُ بِمَنْ شَاهَدَهَا وَهُوَ خَارِجٌ عَنْهَا.
وَلَيْسَ بِمُرَادٍ وَإِضَافَةُ جُزْءِ عَرَفَةَ بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ: فِي جُزْءٍ مَنْسُوبٍ لِعَرَفَةَ نِسْبَةَ الْجُزْءِ لِكُلِّهِ لَا بِمَعْنَى مِنْ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِخْبَارِ بِالْمُضَافِ إلَيْهِ عَنْ الْمُضَافِ كَيَدِ زَيْدٍ لِخَبَرِ «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» «وَارْتَفَعُوا عَنْ بَطْنِ عَرَفَةَ» . وَالْأَفْضَلُ الْوُقُوفُ فِي مَوْقِفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الْمَطْرُوحَةِ قُرْبَ جَبَلِ الرَّحْمَةِ وَهُوَ فِي وَسَطِ عَرَفَةَ.
وَوَقْتُ الْحُضُورِ قَوْلُهُ (سَاعَةً) أَيْ: جُزْءٌ مِنْ الزَّمَانِ (مِنْ) سَاعَاتِ (لَيْلَةِ) يَوْمِ (النَّحْرِ) أَيْ: عَاشِرِ ذِي الْحِجَّةِ وَتَدْخُلُ بِغُرُوبِ التَّاسِعِ وَهَذَا هُوَ الرُّكْنُ، وَأَمَّا الْوُقُوفُ نَهَارًا مِنْ زَوَالِ تَاسِعِ ذِي الْحِجَّةِ فَوَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ إنْ تَرَكَهُ عَمْدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ يَدْخُلُ وَقْتُ الْوُقُوفِ الرُّكْنَ بِزَوَالِ الشَّمْسِ وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ زَمَانَ الْوُقُوفِ مُوسِعٌ وَآخِرُهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْدَئِهِ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ الْغُرُوبِ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ الزَّوَالِ، وَوَافَقَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ الْجُمْهُورَ وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَيَكْفِي الْحُضُورُ بِعَرَفَةَ سَاعَةً مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ إذَا اسْتَقَرَّ وَاطْمَأَنَّ بَلْ (وَلَوْ مَرَّ) الْحَاجُّ بِعَرَفَةَ مِنْ غَيْرِ طُمَأْنِينَةٍ (إنْ نَوَاهُ) أَيْ: الْمَارُّ الْوُقُوفَ بِهَا بِمُرُورِهِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ بِهِ فَلَا يَحْصُلُ الرُّكْنُ بِهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ سُنَّةِ الْحُجَّاجِ، بِخِلَافِ الْمُطْمَئِنِّ فَيَنْسَحِبُ إحْرَامُهُ عَلَى حُضُورِهِ مُطْمَئِنًّا كَانْسِحَابِهِ عَلَى الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْحَجِّ.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا مَعْرِفَةُ أَنَّ مَا مَرَّ بِهِ عَرَفَةُ وَسَيُفِيدُ هَذَا بِقَوْلِهِ لَا الْجَاهِلُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ وَعَرَفَهُ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَلَا يَكْفِيهِ، وَعَلَى الْمَارِّ النَّاوِي الْعَارِفِ هَدْيٌ فَالطُّمَأْنِينَةُ وَاجِبَةٌ.
أَوْ بِإِغْمَاءٍ قَبْلَ الزَّوَالِ، أَوْ أَخْطَأَ الْجَمُّ بِعَاشِرٍ
[منح الجليل]
وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ إجْزَاءِ الْمُرُورِ وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَفِي الْمَارِّ قَوْلَانِ وَاعْتَرَضَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِقَوْلِهِ لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ جَعَلَ سَنَدٌ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَعْرِفْهَا وَنَصُّهُ وَمَنْ مَرَّ بِعَرَفَةَ وَعَرَفَهَا أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا فَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجْزِيهِ وَالْأَشْهَرُ الْإِجْزَاءُ اهـ. وَبَحَثَ فِيهِ الْحَطّ بِأَنَّ سَنَدًا لَمْ يُصَرِّحْ بِتَشْهِيرِ الْإِجْزَاءِ وَإِنَّمَا قَالَ بَعْدَ أَنْ حَكَى عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْإِجْزَاءَ وَهُوَ بَيِّنٌ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي جَاهِلِهَا رِوَايَتَيْنِ وَفِي الْعَارِفِ بِهَا أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ، وَنَصُّهُ وَفِي إجْزَاءِ مُرُورِ مَنْ مَرَّ بِعَرَفَةَ عَارِفًا بِهَا مُطْلَقًا أَوْ إنْ نَوَى بِهِ الْوُقُوفَ، ثَالِثُهَا وَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى فَإِنْ نَوَى وَلَمْ يَذْكُرْهُ لَمْ يُجْزِهِ، وَرَابِعُهَا الْوُقُوفُ.
ثُمَّ قَالَ وَفِي إجْزَاءِ مَنْ مَرَّ بِهَا جَاهِلًا رِوَايَةُ ابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَدَلِيلُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ اللَّخْمِيِّ عَنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ وَيَكْفِي حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ سَاعَةً مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَاضِرُ سَالِمًا مِنْ الْإِغْمَاءِ قَبْلَ الزَّوَالِ (أَوْ) كَانَ مُتَلَبِّسًا (بِإِغْمَاءِ) أَيْ: اسْتِتَارُ عَقْلٍ بِشِدَّةِ مَرَضٍ (قَبْلَ الزَّوَالِ) مِنْ تَاسِعِ ذِي الْحِجَّةِ وَأَوْلَى بَعْدَهُ وَاسْتَمَرَّ مُغْمًى عَلَيْهِ حَتَّى طَلَعَ فَجْرُ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ وَخَرَجَ وَقْتُ الْوُقُوفِ فَيَكْفِيهِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِغْمَاءَ لَا يُبْطِلُ الْإِحْرَامَ وَهُوَ مُنْسَحِبٌ عَلَى حُضُورِهِ إذَا وَقَفَ بِهِ رُفَقَاؤُهُ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ.
وَمِثْلُ الْإِغْمَاءِ هُنَا الْجُنُونُ وَالنَّوْمُ وَالسُّكْرُ بِحَلَالٍ بِخِلَافِ السُّكْرِ بِحَرَامٍ فَيَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ كَجَهْلِ الْمَارِّ بَلْ أَوْلَى، وَأَشَارَ إلَى الْخِلَافِ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَبَالِغِ عَلَيْهِ بِوَلَوْ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي إجْزَاءِ مَنْ وَقَفَ بِهِ مُغْمًى عَلَيْهِ مُطْلَقًا.
أَوْ إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَوْ قَبْلَ وُقُوفِهِ، ثَالِثُهَا إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَهُمَا وَسَوَاءٌ كَانَ الْوُقُوفُ بِتَاسِعٍ.
(أَوْ أَخْطَأَ الْجَمُّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَشَدِّ الْمِيمِ أَيْ: جَمِيعُ أَهْلِ الْمَوْقِفِ لَا أَكْثَرُهُمْ وَإِنْ كَانَ هَذَا مَعْنَى الْجَمِّ لُغَةً فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ فَوَقَفُوا (بِ) بِيَوْمِ (عَاشِرٍ) مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ الْيَوْمُ التَّاسِعُ وَأَنَّ اللَّيْلَةَ عَقِبَهُ لَيْلَةُ الْعَاشِرِ بِأَنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ فَأَكْمَلُوا عِدَّتَهُ، وَوَقَفُوا فِي تَاسِعِ ذِي الْحِجَّةِ فَتَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ الْعَاشِرُ فَيُجْزِيهِمْ
فَقَطْ
[منح الجليل]
إنْ كَانَ الْمُخْطِئُ الْجَمِيعَ (فَقَطْ) فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ فَلَا يَكْفِيهِمْ وَلَوْ كَانُوا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَوْقِفِ وَكَانَ الْخَطَأُ بِعَاشِرٍ فَقَطْ، فَإِنْ كَانَ بِثَامِنٍ أَوْ حَادِي عَشَرٍ فَلَا يَكْفِي.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الَّذِينَ وَقَفُوا بِالْعَاشِرِ فَعَلُوا مَا تَعَبَّدَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إكْمَالِ الْعِدَّةِ إذَا غُيِّمَتْ بِخِلَافِهِ بِالثَّامِنِ، فَإِنَّهُ بِاجْتِهَادٍ أَوْ شَهَادَةٍ بَاطِلَةٍ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَوْ أَخْطَأَ الْجَمُّ بِعَاشِرٍ الْإِجْزَاءَ سَوَاءٌ تَبَيَّنَ لَهُمْ الْخَطَأُ قَبْلَ وُقُوفِهِمْ وَيُؤَمَّرُونَ بِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ أَمْ بَعْدَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ.
وَقَالَ سَنَدٌ مَحَلُّ الْإِجْزَاءِ إنْ تَبَيَّنَ لَهُمْ الْخَطَأُ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُمْ قَبْلَ الْوُقُوفِ أَنَّهُ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الْوُقُوفُ حِينَئِذٍ، وَإِنْ وَقَفُوا فَلَا يَجْزِيهِمْ.
الْحَطّ مَا قَالَهُ سَنَدٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ أَنَّهُمْ يَمْضُونَ عَلَى عَمَلِهِمْ سَوَاءٌ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ الْعَاشِرُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِمْ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبِلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ وَنَحْوُهُ فِي الْجَوَاهِرِ.
طفي وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت كَلَامَ سَنَدٍ وَجَدْتَهَ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْجَوَاهِرِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُمَا فِيمَنْ وَقَفَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ أَوْ بَعْدَهُ أَنَّهُ الْعَاشِرُ.
وَكَلَامُ سَنَدٍ فِيمَنْ لَمْ يَذْهَبْ لِلْوُقُوفِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ الْعَاشِرُ وَأَصْلُهُ لِلَّقَانِيِّ فِي حَوَاشِي التَّوْضِيحِ.
وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأَوَّلَ أَوْقَعَ الْوُقُوفَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا فِي ظَنِّهِ اجْتِهَادًا، وَالثَّانِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوقِعَ الْوُقُوفَ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ الْمَشْرُوعِ قَصْدًا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي.
اللَّقَانِيُّ وَهَذَا مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الطِّرَازِ.
وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا نَشَأَ الْخَطَأُ مِنْ غَيْمِ لَيْلَةِ ثَلَاثِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ غَلَطٌ فِي عَدَدِ الْأَيَّامِ، وَلَكِنْ مُقْتَضَى الْفَرْقِ الْمُتَقَدِّمِ اخْتِصَاصُهُ بِالْأَوَّلِ كَمَا قَرَّرْتُهُ أَوَّلًا وَإِنَّهُ لَا يَجْزِيهِمْ وُقُوفُهُمْ بِعَاشِرٍ فِي الْفَرْضِ الثَّانِي.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي إجْزَاءِ وُقُوفِ أَهْلِ الْمَوْسِمِ الْعَاشِرِ غَلَطًا نَقَلَ الطُّرْطُوشِيُّ اخْتِلَافِي نَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ ابْنُ الْكَاتِبِ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَأَتْبَاعُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى الْإِجْزَاءِ وَوُقُوفُهُمْ الثَّامِنَ غَلَطًا لَغْوٌ.
وَعَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ إجْزَاؤُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ وَاخْتَارَهُ، وَسَمِعَ أَصْبَغُ ابْنَ الْقَاسِمِ يُجْزِئُ الْعَاشِرُ لَا الثَّامِنُ الشَّيْخُ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ سَحْنُونٍ ابْنُ رُشْدٍ حَمَلَ بَعْضُهُمْ اخْتِلَافَهُ عَلَى
لَا الْجَاهِلُ: كَبَطْنِ عُرَنَةَ، وَأَجْزَأَ بِمَسْجِدِهَا بِكُرْهٍ، وَصَلَّى وَلَوْ فَاتَ.
[منح الجليل]
الْعَاشِرِ وَبَعْضُهُمْ عَلَى الثَّامِنِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لِوُجُودِ الْخِلَافِ فِيهِمَا.
وَغَلَطُ الْمُنْفَرِدِ لَا يُجْزِئُ مُطْلَقًا اتِّفَاقًا (لَا) يُجْزِئُ الْمُرُورُ بِعَرَفَةَ الْمَارُّ (الْجَاهِلُ) بِأَنَّ مَا مَرَّ عَلَيْهِ عَرَفَةَ لِتَقْصِيرِهِ.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْإِجْزَاءِ فَقَالَ (كَ) وُقُوفٍ بِ (بَطْنِ عُرَنَةَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَالنُّونِ وَادٍ بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَى طَرَفِ الْحَرَمِ وَالْعَلَمَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَى طَرَفِ عَرَفَةَ فَلَيْسَ مِنْ الْحَرَمِ وَلَا مِنْ عَرَفَةَ فَلَا يَجْزِي الْوُقُوفُ بِهِ (وَأَجْزَأَ) الْوُقُوفُ (بِمَسْجِدِهَا) أَيْ: عُرَنَةَ بِالنُّونِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَرَفَةَ بِالْفَاءِ وَنُسِبَ لِذَاتِ النُّونِ؛ لِأَنَّ حَائِطَ الْقِبْلِيِّ الَّذِي إلَى جِهَةِ الْحَرَمِ عَلَى حَدِّ ذَاتِ النُّونِ لَوْ سَقَطَ لَسَقَطَ فِيهَا وَيُجْزِئُ الْوُقُوفُ بِهِ.
(بِكُرْهٍ) بِضَمِّ الْكَافِ أَيْ: كَرَاهَةٍ لِارْتِبَاطِهِ بِذَاتِ النُّونِ.
الْحَطّ أَخَذَ الْمُصَنِّفُ هَذَا مِمَّا حَكَاهُ الْجَلَّابُ عَنْ الْمَذْهَبِ وَلَمْ يَعْرُجْ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ، وَنَصَّهُ أَبُو عُمَرَ.
رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَرَفَةُ بِالْحِلِّ وَعُرَنَةُ بِالْحَرَمِ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ هِيَ وَادِي عَرَفَةَ وَفِي إجْزَاءِ الْوُقُوفِ بِهَا مَعَ الدَّمِ وَعَدَمِ إجْزَائِهِ.
ثَالِثُهَا يُكْرَهُ ثُمَّ قَالَ وَفِي إجْزَائِهِ بِمَسْجِدِ عَرَفَةَ ثَالِثُهَا الْوُقُوفُ لِلَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ مُزَيْنٍ مَعَ مُحَمَّدٍ قَائِلًا حَائِطُهُ الْقِبْلِيُّ عَلَى حَدِّ عَرَفَةَ سُقُوطُهُ بِهَا وَأَصْبَغُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مَعَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَفِيهَا كُرِهَ بِنَاؤُهُ وَقَالَ: إنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ بَنِي هَاشِمٍ بِعَشْرِ سِنِينَ.
(وَصَلَّى) الْحَاجُّ الْعِشَاءَ أَوْ وَالْمَغْرِبَ إذَا خَشِيَ عَدَمَ إدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ الْأَخِيرَةِ عَقِبَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ لِعَرَفَةَ إنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بَلْ (وَلَوْ فَاتَ) هـ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ؛ لِأَنَّ مَا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهِ الْقَتْلَ يُقَدَّمُ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَاخْتَارَ سَنَدٌ وَاللَّخْمِيُّ وَالْقَرَافِيُّ وَجَمْعُ تَقْدِيمِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَأَمَّا لَوْ أَمْكَنَهُ الذَّهَابُ لِعَرَفَةَ مَعَ صَلَاةِ رَكْعَةٍ مِنْ الْعِشَاءِ بِهَا لَوَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْرُ لِعَرَفَةَ وَالصَّلَاةُ بِهَا اتِّفَاقًا، وَالتَّقْيِيدُ بِالْعِشَاءِ وَالْمَغْرِبِ لِإِخْرَاجِ تَذَكُّرِ فَائِتَةٍ لَا يُمْكِنُهُ قَضَاؤُهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ الْوُقُوفُ اتِّفَاقًا.
وَإِنْ كَانَ وَقْتُ الْفَائِتَةِ وَقْتَ ذِكْرِهَا كَمَا فِي الْخَبَرِ لَضَعُفَ
وَالسُّنَّةُ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ، وَلَا دَمَ وَنُدِبَ بِالْمَدِينَةِ لِلْحُلَيْفِيِّ.
.
[منح الجليل]
أَمْرُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَاضِرِ وَقْتَهُ وَهُوَ الْوُقُوفُ.
وَالْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ جَارٍ عَلَى الْفَوْرِيَّةِ وَالتَّرَاخِي.
وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ عَلَى التَّرَاخِي غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْفَوْرَ وَالتَّرَاخِيَ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَيْهِمَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَقَدْ صَارَ إتْمَامُهُ فَرْضًا عَلَى الْفَوْرِ إجْمَاعًا.
بَلْ لَوْ كَانَ تَطَوُّعًا وَجَبَ إتْمَامُهُ.
فَإِنْ أَفْسَدَهُ وَجَبَ إتْمَامُهُ وَقَضَاؤُهُ فَوْرًا اهـ. عب قَوْلُهُ وَالتَّقْيِيدُ بِالْعِشَاءِ إلَخْ صَحِيحٌ وَفِيهَا فَرَضَ ابْنُ بَشِيرٍ الْمَسْأَلَةَ وَالْخِلَافَ، وَلِذَا قَالَ الْحَطّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَوْ فَاتَتْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ اهـ.
وَلَا يُرَدُّ بِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ.
مُحَمَّدٌ إنْ ذَكَرَ مَنْسِيَّةً إنْ صَلَّاهَا فَاتَهُ الْوُقُوفُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَقَفَ إنْ كَانَ قُرْبَ عَرَفَةَ وَإِلَّا صَلَّى.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إنْ كَانَ آفَاقِيًّا وَقَفَ وَالْأَصْلِيُّ.
الصَّائِغُ يُصَلِّي إيمَاءً كَالْمُسَايِفِ.
وَرَدَّهُ ابْنُ بَشِيرٍ بِخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ وَهُوَ قِيَاسٌ عَلَى الرُّخْصَةِ، ثُمَّ قَالَ وَفَرَضَهَا ابْنُ بَشِيرٍ فِي ذَاكِرِ عِشَاءٍ لَيْلَتَهُ اهـ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ مُحْتَمِلٌ لِكَوْنِ الْمَنْسِيَّةِ فَاتَتْهُ أَوْ حَاضِرَةٌ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْأَوَّلَ قَالَهُ طفي.
(وَالسُّنَّةُ) لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ مُطْلَقًا أَوْ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ (غُسْلٌ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا وَلَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ؛ لِأَنَّهُ لِلْإِحْرَامِ لَا لِلصَّلَاةِ (مُتَّصِلٌ) بِالْإِحْرَامِ قُيِّدَ فِي السُّنِّيَّةِ فَلَوْ اغْتَسَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ وَأَحْرَمَ آخِرَهُ لَمْ يَأْتِ بِالسُّنَّةِ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ.
وَكَذَا إنْ اغْتَسَلَ أَوَّلَهُ وَأَحْرَمَ عِنْدَ زَوَالِهِ وَيُغْتَفَرُ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ كَإِصْلَاحِ الْجِهَازِ وَشَدِّ الرَّحْلِ (وَلَا دَمَ) فِي تَرْكِهِ وَلَوْ عَمْدًا.
(وَنُدِبَ) الْغُسْلُ (بِالْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ بِأَنْوَارِ سَاكِنِهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (لِلْحُلَيْفِيِّ) أَيْ لِمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَأَرَادَ الْإِحْرَامَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ الْحُلَيْفَةِ سَوَاءٌ كَانَ إحْرَامُهُ مِنْهَا وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهَذَا كَالْمُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ مُتَّصِلٌ فَيَتَجَرَّدُ وَيَغْتَسِلُ بِالْمَدِينَةِ وَيَلْبَسُ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ وَالنَّعْلَيْنِ بِهَا، وَإِذَا وَصَلَ الْحُلَيْفَةَ صَلَّى رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ وَأَحْرَمَ إذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ.
وَلِدُخُولِ غَيْرِ حَائِضٍ مَكَّةَ بِطُوًى.
وَلِلْوُقُوفِ، وَلُبْسِ إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ
[منح الجليل]
ابْنُ يُونُسَ ابْنُ حَبِيبٍ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَغْتَسِلَ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ يَخْرُجَ مَكَانَهُ فَيُحْرِمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَذَلِكَ أَفْضَلُ، وَبِهَا اغْتَسَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَجَرَّدَ وَلَبِسَ ثَوْبَيْ إحْرَامِهِ.
قَالَ سَحْنُونٌ إذَا أَرَدْت الْخُرُوجَ مِنْ الْمَدِينَةِ خُرُوجَ الطَّلَاقِ فَأْتِ الْقَبْرَ كَمَا صَنَعْت أَوَّلَ دُخُولِك ثُمَّ اغْتَسِلْ وَالْبَسْ ثَوْبَيْ إحْرَامِك ثُمَّ ائْتِ مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ فَارْكَعْ بِهِ وَأُهِلّ، وَقَالَ سَنَدٌ مَنْ رَأَى أَنَّ الْغُسْلَ بِالْمَدِينَةِ فَضِيلَةٌ جَعَلَ التَّجَرُّدَ مِنْ الثِّيَابِ بِهَا فَضِيلَةً وَمَنْ رَآهُ رُخْصَةً جَعَلَ التَّجَرُّدَ مِنْهَا رُخْصَةً أَيْضًا.
(وَ) نُدِبَ الْغُسْلُ (لِدُخُولِ) شَخْصٍ (غَيْرِ حَائِضٍ) وَنُفَسَاءَ (مَكَّةَ) وَجَعَلَهُ تت سُنَّةً (بِطُوًى) مُثَلَّثُ الطَّاءِ وَالْأَوْلَى وَبِطُوًى؛ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ ثَانٍ، وَلَا يُنْدَبُ لِحَائِضٍ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلطَّوَافِ فَلَا يُنْدَبُ لِمَنْ لَا يَطُوفُ.
(وَ) نُدِبَ الْغُسْلُ (لِلْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ وَلَوْ لِحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ، وَجَعَلَهُ تت سُنَّةً وَيُخَفِّفُ الدَّلْكَ فِي هَذَيْنِ الْغُسْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَالدَّلْكُ جُزْءٌ مِنْ الْغُسْلِ عِنْدَنَا.
(وَ) السُّنَّةُ الثَّانِيَةُ (لُبْسُ) بِضَمِّ اللَّامِ (إزَارٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ مِنْ فَوْقِ سُرَّتِهِ إلَى نِصْفِ سَاقَةِ وَيَقْلِبُ طَرَفَهُ الْأَعْلَى وَيَغْرِزُهُ فِي وَسَطِهِ مِنْ نَاحِيَةِ لَحْمِهِ بِأَنْ يَثْنِيَ طَرَفَ حَاشِيَتِهِ الْعُلْيَا عَلَى طَرَفِ الْإِزَارِ، وَيَغْرِزَ كُلَّ طَرَفٍ مِنْ طَرَفَيْهِ فِي جِهَةِ الطَّرَفِ الْآخَرِ أَوْ يَلُفَّ طَرَفَيْهِ فِي بَعْضِهِمَا وَيَغْرِزَهُمَا مِنْ جِهَةِ لَحْمِهِ، وَلَا يَرْبِطَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ وَلَا يَحْتَزِمَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى (وَرِدَاءٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ مَمْدُودًا عَلَى كَتِفَيْهِ يَسْتُرُ بِهِ ظَهْرَهُ وَجَنْبَيْهِ وَصَدْرَهُ وَبَطْنَهُ.
وَيَجُوزُ الِائْتِزَارُ وَالِارْتِدَاءُ بِمُلَفَّقٍ مِنْ شُقَّتَيْنِ مَخِيطٍ مِنْ وَسَطِهِ.
(وَنَعْلَيْنِ) وَهُمَا الْحَدْوَةُ وَالْمَدَاسُ وَأَمَّا الصِّرُّ مَوْجَةٌ وَالصُّرَارَةُ أَيْ النَّاسُومَةُ فَلَا تَجُوزَانِ إلَّا لِضَرُورَةٍ إذَا كَانَ سَيْرُهُمَا عَرِيضًا، فَإِنْ رَقِّ جَازَتَا وَمَعْنَى هَذِهِ السُّنَّةِ أَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ مِنْ سُنَنِ الْإِحْرَامِ، وَأَمَّا التَّجَرُّدُ مِنْ الْمُحِيطِ فَوَاجِبٌ، فَإِنْ فَعَلَ غَيْرَهُمَا بِأَنْ الْتَحَفَ بِرِدَاءٍ أَوْ كِسَاءٍ أَجْزَأَ فِي التَّجَرُّدِ الْوَاجِبِ وَخَالَفَ السُّنَّةَ.
عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ وَالتَّجَرُّدُ مِنْ الْمَخِيطِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَالْخِفَافِ لِلرِّجَالِ أَوْ مَالَهُ حَارِكٌ مِنْ النِّعَالِ يَسْتُرُ بَعْضَ الْقَدَمِ اهـ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِ الْقَوَاعِدِ وَقَوْلُهُ مَالَهُ حَارِكٌ يَسْتُرُ بَعْضَ الْقَدَمِ فَلَا يُلْبَسُ مِنْ النِّعَالُ غَيْرُ مَا لَهُ شِرَاكَانِ يُرْبَطُ بِهِمَا عَلَى الْقَدَمِ لِتَأْتِيَ الْمَشْيَ خَاصَّةً، فَلَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُ سِبَاطٍ وَلَا مِزْت وَلَا شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ النِّعَالِ الصَّحْرَاوِيَّةِ؛ لِأَنَّ لَهَا فِي عَاقِبِهَا حَارِكًا وَلِاتِّسَاعِ شِرَاكِهَا فَتَسْتُرُ كَثِيرًا مِنْ الْقَدَمِ اِ هـ.
وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَقَالَ عَقِبَهُ قَوْلُهُ مَا لَهُ حَارِكٌ مِنْ النِّعَالِ أَيْ: كَنِعَالِ التَّكْرُورِ الَّتِي لَهَا عَقِبٌ يَسْتُرُ بَعْضَ الْقَدَمِ، وَكَوْنُ هَذِهِ الْهَيْئَةِ سُنَّةً أَصْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَتَبِعَهُ الْحَطّ وَمَنْ بَعْدَهُ، وَبَحَثَ فِيهِ طفي بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ لِمَنْ نَصَّ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ وَأَنَّهُ مُعْتَمَدٌ.
وَقَدْ جَعَلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ مُسْتَحَبَّةً فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُسْتَحَبُّ ثَوْبَانِ يَرْتَدِي بِأَحَدِهِمَا وَيَأْتَزِرُ الْآخَرُ الْجَلَّابُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَّزِرَ وَيَرْتَدِيَ اهـ
وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يُخَالِفُهُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْجَلَّابِ مِنْ الْجَوَازِ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْأَكْثَرِ.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ نَحْوَهُ قَوْلُ الْبَيَانِ الِاخْتِيَارُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُحْرِمَ بِثَوْبَيْنِ يَأْتَزِرُ بِأَحَدِهِمَا وَيُضْطَبَعُ بِالْآخَرِ.
وَفِي الْجَوَاهِرِ السُّنَّةُ الثَّانِيَةُ التَّجَرُّدُ عَنْ الْمَخِيطِ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ اهـ. وَفِي الذَّخِيرَةِ نَحْوُهُ، وَلِذَا تَوَرَّكَ الْمَوَّاقُ عَلَى قَوْلِهِ وَلُبْسِ إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ بِقَوْلِهِ الَّذِي لِلْقَرَافِيِّ أَنَّ مِنْ السُّنَنِ التَّجَرُّدَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَظَاهِرُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلُبْسِ إزَارٍ وَرِدَاءٍ، بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ وَيَجُوزُ الِالْتِفَافُ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ وَإِنَّمَا الْخُصُوصِيَّةُ فِي اجْتِنَابِهِ الْمَخِيطَ اهـ. فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُ نَسَبَ لِلْأَكْثَرِينَ خِلَافَ مَا اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ مُقَرِّرًا بِهِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَتَبِعَهُ فِي مُخْتَصَرِهِ.
وَقَوْلُ الْحَطّ وَمَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ التَّجَرُّدُ مِنْ الْمَخِيطِ فِي سُنَنِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ غَيْرِ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ اصْطِلَاحَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ مُخْتَلَفٌ فَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَنْجَبِرُ بِالدَّمِ بِالْوَاجِبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْهَا بِالسُّنَّةِ الَّتِي فِيهَا دَمٌ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ الْأُسْتَاذُ الطُّرْطُوشِيُّ أَصْحَابُنَا يُعَبِّرُونَ عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ بِثَلَاثِ عِبَارَاتٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ وَاجِبَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ وَاجِبَةٌ وُجُوبَ السُّنَنِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
وَتَقْلِيدُ هَدْيٍ، ثُمَّ إشْعَارُهُ.
ثُمَّ
[منح الجليل]
وَ) السُّنَّةُ لِمُرِيدِ الْإِحْرَامِ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ (تَقْلِيدُ هَدْيٍ) مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ لَا غَنَمٍ سَاقَهُ تَطَوُّعًا أَوْ لِنَقْصٍ مِنْ نُسُكٍ مَاضٍ لَا لِهَذَا الْإِحْرَامِ بِقِرَانٍ أَوْ تَمَتُّعٍ فَلَا يُسَنُّ قَبْلَهُ غَايَتُهُ أَنَّهُ يُجْزِئُ إنْ وَقَعَ كَمَا قَالَ قَبْلُ، وَدَمُ التَّمَتُّعِ يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ وَأَجْزَأَ قَبْلَهُ.
طفي لَا خَفَاءَ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ إفَادَةُ حُكْمِ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارُ بِالسُّنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي فِي مَحَلِّهِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ بَيَانُ كَيْفَ يَفْعَلُ مَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ وَكَيْفَ يُطْلَبُ مِنْهُ تَرْتِيبُ الْأُمُورِ الْمَطْلُوبَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ؟ فَمَعْنَى كَلَامِهِ كَمَا قَالَ الْحَطّ يُسَنُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ وَمَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يُقَلِّدَهُ بَعْدَ غَسْلِهِ وَتَجَرُّدِهِ ثُمَّ يُشْعِرَهُ، فَالسُّنَّةُ مُنْصَبَّةٌ عَلَى الْهَيْئَةِ وَتَبِعَهُ سَالِمٌ وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ كَلَامُ تت، لَكِنْ يَحْتَاجُ لِنَصٍّ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ.
وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ وَمَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُقَلِّدْهُ ثُمَّ يُشْعِرْهُ ثُمَّ يُجَلِّلْهُ وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ ثُمَّ يَدْخُلْ الْمَسْجِدَ فَيَرْكَعْ وَيُحْرِمْ كَمَا وَصَفْنَا، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُقَلِّدَ وَيُشْعِرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُؤَخِّرَ إحْرَامَهُ إلَى الْجُحْفَةِ فَلَا يَفْعَلُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَلِّدَ وَيُشْعِرَ إلَّا عِنْدَ مَا يُرِيدُ أَنْ يُحْرِمَ اهـ. فَلَمْ تَنُصَّ عَلَى السُّنَّةِ وَقَوْلُهَا يَنْبَغِي ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ سَنَدٌ وَابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ عَرَفَةَ ثُمَّ قَالَ: فَأَنْتَ تَرَى كَلَامَ الْأَئِمَّةِ فِي تَرْتِيبِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ خِلَافَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَشُرَّاحِهِ، وَالْأَوْلَى النَّصُّ عَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ قَبْلَ الْإِشْعَارِ، ثُمَّ قَالَ قَوْلُ تت إنْ كَانَ مَعَهُ لَتَطَوَّعَ إلَخْ نَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَهَذَا فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ.
وَأَمَّا هَدْيُ التَّمَتُّعِ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ اهـ. زَادَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِي مَعْنَاهُ هَدْيُ الْقِرَانِ اهـ. قُلْت تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُجْزِئُ تَقْلِيدُهُ وَإِشْعَارُهُ قَبْلَهُ فَيُسْتَحَبُّ فِيهِ هَذَا التَّرْتِيبُ فَالْإِجْزَاءُ فِي التَّقْدِيمِ لَا يُنَافِي نَدْبَ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ، وَلَا كَوْنُهُ سُنَّةً وَهُوَ ظَاهِرٌ لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ خِلَافًا لز وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ الْبُنَانِيُّ.
(ثُمَّ إشْعَارُهُ) أَيْ: الْهَدْيَ إنْ كَانَ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ الَّتِي لَهَا سَنَامٌ وَالتَّقْلِيدُ وَالْإِشْعَارُ لَيْسَا مِنْ سُنَنِ الْإِحْرَامِ؛ إذْ لَا يُعَدُّ مِنْ سُنَنِهِ إلَّا مَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إلَّا لِعُذْرٍ، وَهَكَذَا فَعَلَ فِي الْجَوَاهِرِ فَجَعَلَ السُّنَّةَ الثَّالِثَةَ لِلْإِحْرَامِ الرَّكْعَتَيْنِ وَالتَّجْلِيلُ مُسْتَحَبٌّ.
(ثُمَّ)
رَكْعَتَانِ، وَالْفَرْضُ مُجْزٍ يُحْرِمُ الرَّاكِبُ إذَا اسْتَوَى.
وَالْمَاشِي إذَا مَشَى.
وَتَلْبِيَةٌ
[منح الجليل]
السُّنَّةُ الثَّالِثَةُ لِلْإِحْرَامِ (رَكْعَتَانِ) إنْ كَانَ الْوَقْتُ يُتَنَفَّلُ فِيهِ وَإِلَّا أَخَّرَ إلَيْهِ إلَّا الْخَائِفُ وَالْمُرَاهِقُ فَيُحْرِمَانِ بِلَا رُكُوعٍ خِلَافًا لِلدَّاوُدِيِّ؛ إذْ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا مَرَّ وَمُنِعَ نَفْلٌ إلَخْ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ يُفِيدُ مَنْعَهُمَا كَغَيْرِهِمَا.
(وَالْفَرْضُ) أَيْ: إحْدَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ (مُجْزِئٌ) عَنْ رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ فِي حُصُولِ السُّنَّةِ (يُحْرِمُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ يَنْوِي الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ (الرَّاكِبُ إذَا اسْتَوَى) مَرْكُوبَهُ قَائِمًا لَا قَبْلَ قِيَامِهِ، وَيُحْتَمَلُ جَعْلُ فَاعِلِ اسْتَوَى ضَمِيرَ الرَّاكِبِ عَلَى دَابَّتِهِ وَهِيَ قَائِمَةٌ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى سَيْرِهَا لَا قَبْلَ قِيَامِهِمَا؛ إذْ لَا يُقَالُ اسْتَوَى عَلَيْهَا إلَّا إذَا قَامَتْ لِلسَّيْرِ، وَفِيهِ تَلْمِيحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: 13] .
(وَالْمَاشِي) فِي الْحَجِّ يُحْرِمُ (إذَا مَشَى) أَيْ: شَرَعَ فِي الْمَشْيِ وَلَا يُؤَخِّرُ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْبَيْدَاءِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِخَبَرِ الْمُوَطَّإِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَهَلَّ» وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ، وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَوِيَّةِ.
فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَ) السُّنَّةُ الرَّابِعَةُ (تَلْبِيَةٌ) أَيْ: مُقَارَنَتُهَا لِلْإِحْرَامِ وَاتِّصَالُهَا بِهِ فَإِنْ فَصَلَهَا فَاتَتْهُ السُّنَّةُ وَإِنْ طَالَ لَزِمَهُ دَمٌ وَسَيَقُولُ وَإِنْ تَرَكْت أَوَّلَهُ فَدَمٌ إنْ طَالَ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُنَا مِنْ السُّنَّةِ، فَلَوْ قَالَ وَاتِّصَالُ تَلْبِيَةٍ بِإِحْرَامٍ وَإِلَّا فَدَمٌ إنْ طَالَ فَصْلُهَا مِنْهُ كَتَرْكِهَا لَكَانَ أَظْهَرَ وَاسْتَغْنَى عَمَّا يَأْتِي.
طفي كَوْنُ التَّلْبِيَةِ سُنَّةً نَحْوُهُ لِعِيَاضٍ فِي قَوَاعِدِهِ وَحَكَاهُ فِي إكْمَالِهِ فَقَالَ قَالَ شُيُوخُنَا التَّلْبِيَةُ عِنْدَنَا مَسْنُونَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ تَلْبِيَتُهُ سُنَّةٌ مِنْ ابْتِدَائِهِ.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ التَّلْبِيَةُ عِنْدَنَا سُنَّةٌ وَمِثْلُهُ لِلْقَلَشَانِيِّ، وَجَعَلَ الْحَطّ اتِّصَالُهَا بِالْإِحْرَامِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ هُوَ السُّنَّةُ.
وَأَمَّا هِيَ نَفْسُهَا فَوَاجِبَةٌ وَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِحْرَامِ بِطَوِيلٍ ثُمَّ قَالَ، وَأَمَّا عَدُّهَا مِنْ السُّنَنِ فَفِيهِ تَجَوُّزٌ وَتَبِعَهُ عج، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَدَّاهُ لِذَلِكَ مَا سَبَقَ فِي التَّجَرُّدِ أَنَّ الدَّمَ يُنَافِي السُّنِّيَّةَ وَتَقَدَّمَ جَوَابُهُ،
وَجُدِّدَتْ لِغَيْرِ حَالٍّ، وَخَلْفَ صَلَاةٍ، وَهَلْ لِمَكَّةَ أَوْ لِلطَّوَافِ؟ خِلَافٌ: وَإِنْ تُرِكَتْ أَوَّلَهُ فَدَمٌ إنْ طَالَ.
وَتَوَسُّطٌ فِي عُلُوِّ صَوْتِهِ،
[منح الجليل]
فَإِنْ قُلْت فَقَدْ قَالَ الْبَاجِيَّ قَوْلُ أَصْحَابِنَا سُنَّةٌ مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْحَجِّ وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّ فِي تَرْكِهَا الدَّمَ.
قُلْت الْبَاجِيَّ مِنْ اصْطِلَاحِهِ أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ الدَّمُ وَاجِبٌ، وَاصْطِلَاحُ غَيْرِهِ بِخِلَافِهِ.
وَلِذَا قَالَ عِيَاضٌ قَالَ بِوُجُوبِهَا ابْنُ حَبِيبٍ، وَمَالَ إلَيْهِ الْبَاجِيَّ.
(وَجُدِّدَتْ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِ الدَّالِ مُثَقَّلَةً أَيْ التَّلْبِيَةُ (لِتَغَيُّرِ حَالٍ) كَقِيَامٍ وَقُعُودٍ وَنُزُولٍ وَرُكُوبٍ وَصُعُودٍ وَهُبُوطٍ وَمُلَاقَاةِ رِفَاقٍ وَسَمَاعِ مُلَبٍّ اسْتِحْبَابًا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَعِنْدَ ابْنِ شَاسٍ سُنَّةٌ (وَخَلْفَ صَلَاةٍ) وَلَوْ نَافِلَةً.
(وَهَلْ) يَسْتَمِرُّ الْمُحْرِمُ بِحَجٍّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا يُلَبِّي (لِ) دُخُولِ (مَكَّةَ أَوْ) يَسْتَمِرُّ يُلَبِّي لِلشُّرُوعِ فِي (الطَّوَافِ) وَلِابْنِ الْحَاجِبِ لِرُؤْيَةِ الْبَيْتِ وَقِيلَ: إلَى بُيُوتِ مَكَّةَ وَقِيلَ: إلَى الْحَرَمِ فِي التَّوْضِيحِ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ الْمَشْهُورَ يُلَبِّي إلَى رُؤْيَةِ الْبَيْتِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا الْخِلَافُ فِي أَمْرٍ مُسْتَحَبٍّ (خِلَافٌ) الْأَوَّلُ مَذْهَبُ الرِّسَالَةِ وَشَهَّرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَالثَّانِي مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
لِقَوْلِهَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حِينَ يَبْتَدِئُ الطَّوَافَ.
(وَإِنْ تُرِكَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: التَّلْبِيَةُ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا (أَوَّلَهُ) أَيْ الْإِحْرَامِ (فَدَمٌ) وَاجِبٌ بِتَرْكِهَا (إنْ طَالَ) زَمَنُ تَرْكِهَا وَلَوْ رَجَعَ وَلَبَّى فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَمَفْهُومُ أَوَّلِهِ أَنَّهَا إنْ تُرِكَتْ أَثْنَاءَهُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ، وَصَرَّحَ بِهِ عَبْدُ الْحَقِّ وَالتُّونُسِيُّ وَصَاحِبُ التَّلْقِينِ وَابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ قَالُوا أَقَلُّهَا مَرَّةً، فَإِنْ قَالَهَا ثُمَّ تَرَكَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ الْحَطّ.
وَشَهَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ وُجُوبَهُ، وَنَصُّهُ فَإِنْ لَبَّى حِينَ أَحْرَمَ وَتَرَكَ فَفِي الدَّمِ ثَالِثُهَا إنْ لَمْ يُعَوِّضْهَا بِتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ لِلْمَشْهُورِ وَكِتَابِ مُحَمَّدٍ وَاللَّخْمِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَإِنْ ابْتَدَأَهَا وَلَمْ يَعُدَّهَا فَدَمٌ فِي أَقْوَى الْقَوْلَيْنِ وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَمَدَ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَ) نُدِبَ (تَوَسُّطٌ فِي عُلُوٍّ) أَيْ: رَفْعِ (صَوْتِهِ) أَيْ: الْمُلَبِّي بِالتَّلْبِيَةِ فَلَا يُسِرُّهَا وَلَا
وَفِيهَا.
[منح الجليل]
يُبَالِغُ فِي رَفْعِهِ حَتَّى يَعْقِرَهُ (وَ) نُدِبَ تَوَسُّطٌ (فِيهَا) أَيْ التَّلْبِيَةِ فَلَا يُكْثِرُهَا جِدًّا حَتَّى يَمَلَّهَا وَلَا يُقَلِّلُهَا، وَجَعَلَهُمَا تت سُنَّتَيْنِ.
طفي اُنْظُرْ مَنْ ذَكَرَ السُّنِّيَّةَ فِيهِمَا.
وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا إلَّا لِنِسَاءٍ وَلَا يُسْرِفُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ وَفِيهِمَا كَرِهَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يُلَبِّيَ مَنْ لَمْ يُرِدْ الْحَجَّ وَرَآهُ خَرْقًا لِمَنْ فَعَلَهُ اهـ. وَمَعْنَاهَا أَنْ يَقُولَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك إلَخْ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْجَلَّابِ مَنْ نَادَى رَجُلًا فَأَجَابَهُ بِالتَّلْبِيَةِ سَبْعًا فَقَدْ أَسَاءَ، أَيْ: قَالَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ إلَخْ، هَذَا مُحَصِّلُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَتَلْبِيَتُهُ الضَّمِيرُ لِلْإِحْرَامِ وَإِضَافَتُهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ مَا تُذْكَرُ مَعَهُ وَلَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا بِسَبَبِهِ، وَاسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ النُّسُكِ جَهْلٌ وَمَكْرُوهٌ.
فِي الشِّفَاءِ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ نَادَى رَجُلًا بِاسْمِهِ فَأَجَابَهُ لَبَّيْكَ فَقَالَ إنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ سَفَهٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي يَعْنِي نَفْسَهُ وَشَرَحَ قَوْلَهُ إنَّهُ لَا قَتْلَ عَلَيْهِ وَالْجَاهِلُ يُزْجَرُ وَيُعَلَّمُ وَالسَّفِيهُ يُؤَدَّبُ وَلَوْ قَالَهَا عَلَى اعْتِقَادِ إنْزَالِهِ مَنْزِلَةَ رَبِّهِ كَفَرَ هَذَا مُقْتَضَى قَوْلِهِ اهـ.
أَمَّا مُجَرَّدُ قَوْلِ الرَّجُلِ لَبَّيْكَ لِمَنْ نَادَاهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ بَلَى هُوَ حُسْنُ أَدَبٍ وَاسْتَعْمَلَتْهُ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مَعَهُمْ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ بِقَوْلِهِ بَابُ مَنْ أَجَابَ بِلَبَّيْكَ وَذَكَرَ فِيهِ قَوْلَ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَقَوْلُ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَذَلِكَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِقْهَ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي تَرَاجِمِهِ: وَفِي الشِّفَاءِ عَنْ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَا دَعَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَهْلِهِ إلَّا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبَّيْكَ» اهـ. السُّيُوطِيّ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ وَاهٍ، وَقَدْ اعْتَرَضَ أَبُو الْحَسَنِ كَلَامَهَا الْمُتَقَدِّمَ بِقَوْلِهِ كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا وَقَدْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ تُجِيبُ بِالتَّلْبِيَةِ؟ وَلَعَلَّهُ كَرِهَهُ إذَا كَانَ يُلَبِّي غَيْرَ مُجِيبٍ لِأَحَدٍ اهـ. لَكِنَّ اعْتِرَاضَهُ مُنْدَفَعٌ بِمَا حَمَلْنَاهَا عَلَيْهِ وَهُوَ مُرَادُهَا غَابَ عَنْهُ فَاعْتُرِضَ، وَأَجَابَ بِجَوَابٍ فِيهِ نَظَرٌ، فَلَوْلَا أَنَّ الْإِجَابَةَ بِلَبَّيْكَ فَقَطْ مُقَرَّرَةٌ عِنْدَهُمْ بِالْإِبَاحَةِ مَا اُعْتُرِضَ.
وَعَاوَدَهَا بَعْدَ سَعْيٍ وَإِنْ بِالْمَسْجِدِ لِرَوَاجِ مُصَلَّى عَرَفَةَ.
وَمُحْرِمُ مَكَّةَ يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ، وَفَائِتِ الْحَجِّ لِلْحَرَمِ،
[منح الجليل]
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ عِنْدَ كَلَامِهِ عَلَى حَدِيثِ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَوْلُهُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الْإِجَابَةَ بِلَبَّيْكَ خَاصَّةٌ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ جَوَابَ الرَّجُلِ لِمَنْ نَادَاهُ لَبَّيْكَ مِنْ السَّفَهِ وَأَنَّهُ جَهْلٌ بِالسُّنَّةِ، وَاسْتِدْلَالُهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَفْعَلُوهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبِكَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَهُمْ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَإِنْ سَلَّمَهُ فِي تَوْضِيحِهِ وَلَمْ يَقُمْ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ دَلِيلٌ.
وَتَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ تَدُلُّ عَلَى نَفْيِهَا وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا، وَقَدْ عَلِمْت سَابِقًا أَنَّ السَّفَهَ لَيْسَ فِي الْإِجَابَةِ بِلَبَّيْكَ فَقَطْ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْهُ مَعَ أَصْحَابِهِ خِلَافُ مَا لِعِيَاضٍ، وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -.
(وَعَاوَدَهَا) أَيْ: الْحَاجُّ التَّلْبِيَةَ وُجُوبًا قَالَهُ عج.
عب وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي أَوَّلِهِ فَقَطْ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ مُعَاوَدَتَهَا (بَعْدَ) فَرَاغِ (سَعْيٍ) كَتَجْدِيدِ إحْرَامٍ وَفِيهِ نَظَرٌ (وَإِنْ بِالْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ أَوْ مَسْجِدِ مِنًى وَلَا يَزَالُ يُلَبِّي (لِرَوَاحِ مُصَلَّى) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ أَيْ: مَسْجِدِ (عَرَفَةَ) بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ رَوَاحٍ، فَإِنْ ذَهَبَ لَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ لَبَّى إلَيْهِ.
قَالَ الْحَطّ فَإِنْ أَحْرَمَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ لَبَّى بِهَا ثُمَّ قَطَعَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَرَافِيُّ بِشَرْحِ الْجَلَّابِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ يُلَبِّي إلَى رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَأَمَّا مَنْ أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ يُلَبِّي إلَيْهِ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا مُصَلَّى إبْرَاهِيمَ وَمَسْجِدِ عُرَنَةَ بِالنُّونِ وَمَسْجِدِ نَمِرَةَ، فَهِيَ أَسْمَاءٌ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ وَهُوَ الَّذِي عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إلَى عَرَفَةَ.
.
(وَمُحْرِمُ مَكَّةَ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ مُقِيمًا بِهَا وَلَا يَكُونُ إلَّا بِحَجٍّ مُفْرِدٍ (يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ أَيْ: يَبْتَدِئُهَا فِيهِ (وَ) يُلَبِّي (مُعْتَمِرُ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ (الْمِيقَاتِ) أَيْ: الْمُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ (وَ) مُعْتَمِرُ (فَائِتِ الْحَجِّ) بِحَصْرِ عَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ وَلَمْ يَتَمَادَ عَلَيْهِ، وَتَحَلَّلَ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ الْحِلِّ يُلَبِّيَانِ (لِلْحَرَمِ) الْمُحَدَّدِ بِالْإِعْلَامِ الَّذِي يَحْرُمُ الصَّيْدُ فِيهِ، وَقَطْعُ النَّابِتِ فِيهِ بِنَفْسِهِ أَيْ: مَنْ اعْتَمَرَ لِفَوَاتِ حَجِّهِ، أَيْ: تَحَلَّلَ مِنْهُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ لَا أَنَّهُ يُنْشِئُ لَهَا إحْرَامًا.
وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ وَفَاته الْحَجُّ قَبْلَ وُصُولِهِ
وَمِنْ الْجِعْرَانَةِ وَالتَّنْعِيمِ لِلْبُيُوتِ.
وَلِلطَّوَافِ الْمَشْيُ، وَإِلَّا فَدَمٌ لِقَادِرٍ لَمْ يُعِدْهُ، وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ بِفَمٍ أَوَّلَهُ،
[منح الجليل]
الْحَرَمَ، وَقُلْنَا يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا وَصَلَ الْحَرَمَ قَالَهُ الرَّمَاصِيُّ.
(وَ) يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ (مِنْ الْجِعْرَانَةِ وَ) مِنْ (التَّنْعِيمِ) لِدُخُولِهِ (لِلْبُيُوتِ) لِقَوْلِهَا يَقْطَعُ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ أَوْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَكُلّ ذَلِكَ وَاسِعٌ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَغَيْرُهُ طفي.
اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْبُيُوتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ إلَّا ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ نُسْخَتِهِ أَوْ الْمَسْجِدِ.
(وَ) السُّنَنُ (لِلطَّوَافِ) كَانَ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ نَفْلًا (الْمَشْيُ) فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ هُوَ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ قَالَهُ عب.
طفي كَوْنُهُ سُنَّةً نَحْوُهُ لِابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي مُحَمَّدٍ إنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا كُرِهَ، وَقَبْلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
وَمُنَاقَشَةُ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الدَّمَ لَا يَأْتِي فِي السُّنَّةِ، وَاسْتِظْهَارُهَا الْحَطّ مَدْفُوعَانِ بِتَخَالُفِ الِاصْطِلَاحِ.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَمْشِ فِي الطَّوَافِ وَطَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا (فَدَمٌ) وَاجِبٌ (لِقَادِرٍ) عَلَى الْمَشْيِ فِيهِ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا وَ (لَمْ يُعِدْهُ) أَيْ: الطَّوَافَ مَاشِيًا، فَإِنْ أَعَادَهُ مَاشِيًا قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ بَعْدَ رُجُوعِهِ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ فَلَا دَمَ وَمَا دَامَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ إعَادَتِهِ، وَلَوْ طَالَ الزَّمَنُ وَلَا يَكْفِيهِ الدَّمُ فَلَوْ قَالَ وَإِلَّا فَدَمٌ لِقَادِرٍ لَمْ يُعِدْهُ.
وَرَجَعَ لِبَلَدِهِ لَكَانَ أَوْلَى.
وَمَفْهُومُ لِقَادِرٍ أَنَّ الْعَاجِزَ لَا دَمَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَّا أَنْ يُطِيقَ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ وَالسَّعْيُ كَالطَّوَافِ فِي الْمَشْيِ، وَإِنْ تَرَكَ الْقَادِرُ الْمَشْيَ فِيهِمَا مَعًا فَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلَيْهِ هَدْيًا وَاحِدًا لِلتَّدَاخُلِ قَالَهُ الْحَطّ.
(وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ) أَسْوَدَ (بِفَمٍ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ؛ إذْ التَّقْبِيلُ لَا يَكُونُ إلَّا بِهِ (أَوَّلَهُ) بِشَدِّ الْوَاوِ أَيْ: الطَّوَافُ وَمِنْ سُنَنِهِ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْ الطَّوَافِ الَّذِي شَرْطُ الطَّهَارَةِ، وَيُسَنُّ اسْتِلَامُ الْيَمَانِيِّ بِيَدِهِ أَوَّلَهُ وَيَضَعُهَا عَلَى فِيهِ بِلَا تَقْبِيلٍ، وَيُنْدَبُ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ وَاسْتِلَامُ الْيَمَانِيِّ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَوْطٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْجَنَّةِ وَكَانَ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ الْكُفَّارِ لَا الْمُسْلِمِينَ، فَفِي الْبُدُورِ السَّافِرَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَاقُوتَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا سَوَّدَتْهُ
وَفِي الصَّوْتِ قَوْلَانِ، وَلِلزَّحْمَةِ لَمْسٌ بِيَدٍ، ثُمَّ عُودٌ وَوُضِعَا عَلَى فِيهِ ثُمَّ كَبَّرَ وَالدُّعَاءُ بِلَا حَدٍّ،
[منح الجليل]
خَطَايَا الْمُشْرِكِينَ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ يَشْهَدُ لِمَنْ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا» . وَفِي الشَّيْخِ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يُحْشَرُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ وَلِسَانٌ يَشْهَدُ عَلَى مَنْ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ.
(وَفِي) كَرَاهَةِ (الصَّوْتِ) فِي تَقْبِيلِ الْحَجَرِ وَإِبَاحَتِهِ (قَوْلَانِ) لَمْ يَطَّلِعْ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِهِمَا وَرَجَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْجَوَازَ وَكَرِهَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - السُّجُودَ عَلَيْهِ وَتَمْرِيغُ الْوَجْهِ عَلَيْهِ (وَلِلزَّحْمَةِ) عَلَى الْحَجَرِ (لَمْسٌ) لِلْحَجَرِ (بِيَدٍ) إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ (ثُمَّ) إنْ عَجَزَ عَنْ مَسِّهِ بِهَا مَسَّهُ بِ (عُودٍ) حَيْثُ لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا (وَوُضِعَا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْعُودِ وَالْيَدِ (عَلَى فِيهِ) مِنْ غَيْرِ تَقَبُّلٍ.
(ثُمَّ) إنْ تَعَذَّرَ الْمَسُّ (كَبَّرَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ: قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ بِدُونِ إشَارَةٍ إلَيْهِ بِيَدِهِ وَلَا رَفْعٍ لَهَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ مَعَ تَقْبِيلِهِ بِفِيهِ وَوَضْعِ يَدِهِ أَوْ الْعُودِ عَلَيْهِ.
وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَوْ صَرِيحُهَا أَنَّ التَّكْبِيرَ بَعْدَ التَّقْبِيلِ أَوْ الْوَضْعِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا وَظَاهِرُ ابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّهُ قَبَّلَهُ.
وَيُكْرَهُ تَقْبِيلُ الْمُصْحَفِ وَالْخُبْزِ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ امْتِهَانَ الْخُبْزِ مَكْرُوهٌ وَلَوْ بِوَضْعِ الرِّجْلِ عَلَيْهِ أَوْ وَضْعِهِ عَلَيْهَا اهـ عب.
وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ سُنِّيَّةَ التَّقْبِيلِ عَنْ تَقْيِيدِهَا بِالطَّوَافِ الْوَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَقَيَّدَهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ بِالْوَاجِبِ.
وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ الْخِلَافَ فِي هَذَا فَقَالَ وَاسْتِلَامُ الْحَجَرِ بِفِيهِ فِي ابْتِدَائِهِ وَفِي اخْتِصَاصِهِ بِوَاجِبِهِ، وَعُمُومُهُ فِي كُلِّ طَوَافٍ قَوْلُهَا لَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِلَامُهُ فِي ابْتِدَائِهِ إلَّا فِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، وَلَا يَدَعَ التَّكْبِيرَ كُلُّ مَا حَاذَاهُ فِي كُلِّ طَوَافٍ حَتَّى التَّطَوُّعَ وَقَوْلُ التَّلْقِينِ بَعْدَ ذِكْرِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ فِي ابْتِدَائِهِ صِفَةُ كُلِّ الطَّوَافِ وَاحِدَةٌ، مَعَ نَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ مَنْ طَافَ تَطَوُّعًا ابْتَدَأَهُ بِالِاسْتِلَامِ.
(وَ) ثَالِثُ السُّنَنِ لِلطَّوَافِ مُطْلَقًا (الدُّعَاءُ) فِيهِ (بِلَا حَدٍّ) أَيْ: يُكْرَهَ تَحْدِيدُهُ بِشَيْءٍ
وَرَمَلُ رَجُلٍ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَلَوْ مَرِيضًا، وَصَبِيًّا حُمِلَا، وَلِلزَّحْمَةِ الطَّاقَةُ.
وَلِلسَّعْيِ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ وَرُقِيُّهُ عَلَيْهِمَا: كَامْرَأَةٍ إنْ خَلَا وَإِسْرَاعٌ بَيْنَ الْأَخْضَرَيْنِ
[منح الجليل]
مُعَيَّنٍ فِي الدُّعَاءِ وَالْمَدْعُوِّ بِهِ (وَ) رَابِعُهَا وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَهُوَ لِلْحَجِّ طَوَافُ الْقُدُومِ وَلِلْعُمْرَةِ طَوَافُهَا (رَمَلُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ أَيْ: إسْرَاعُ (رَجُلٍ فِي) الْأَشْوَاطِ (الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَخِفَّةِ الْوَاوِ فَلَا رَمَلَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ، وَلَوْ تَرَكَهُ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا مِنْ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ كَتَارِكِ سُورَةٍ مِنْ الْأُولَيَيْنِ فَلَا يَقْرَأهَا فِي الْآخِرَيْنِ.
وَيُسَنُّ الرَّمَلُ فِيهَا إنْ كَانَ كَبِيرًا صَحِيحًا بَلْ (وَلَوْ) كَانَ الطَّائِفُ (مَرِيضًا أَوْ صَبِيًّا حُمِلَا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَيَرْمُلُ الْحَامِلُ وَتُحَرَّكُ الدَّابَّةُ كَمَا تُحَرَّكُ فِي بَطْنِ مُحَسَّرٍ وَفِي السَّعْيِ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ وَالرَّمَلُ أَنْ يَثِبَ فِي مَشْيِهِ وَثْبًا خَفِيفًا هَازًّا مَنْكِبَيْهِ.
(وَلِلزَّحْمَةِ) فِي الطَّوَافِ الْمَسْنُونِ فِيهِ الرَّمَلُ (الطَّاقَةُ) فَلَا يُكَلَّفُ فَوْقَهَا وَمَفْهُومُ رَجُلٍ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يُسَنُّ رَمَلُهَا؛ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ.
(وَ) السُّنَّةُ (لِلسَّعْيِ) وَلَا يَكُونُ إلَّا رُكْنًا لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (تَقْبِيلُ الْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنْ الطَّوَافِ وَرَكْعَتَيْهِ وَالِالْتِزَامُ إذَا كَانَ مُتَوَضِّئًا؛ إذْ لَا يُقَبِّلُهُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ، وَيُجْزِئُ فِيهِ تَفْصِيلُ الزَّحْمَةِ مِنْ اللَّمْسِ بِيَدٍ ثُمَّ عُودٍ ثُمَّ التَّكْبِيرُ وَيَخْرُجُ لِلسَّعْيِ مِنْ أَيِّ بَابٍ شَاءَ، وَالْمُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ مِنْ بَابِ بَنِي مَخْزُومٍ الْمُسَمَّى بَابَ الصَّفَا لِقُرْبِهِ مِنْهُ بَعْدَ شُرْبِهِ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ.
(وَ) السُّنَّةُ الثَّانِيَةُ (رُقِيُّهُ) أَيْ: الرَّجُلِ (عَلَيْهِمَا) أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كُلَّمَا يَصِلُ إلَى أَحَدِهِمَا وَفِيهَا يُنْدَبُ أَنْ يَصْعَدَ أَعْلَاهُمَا بِحَيْثُ يَرَى الْكَعْبَةَ مِنْهُ.
اهـ. وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ زَائِدٌ عَلَى السُّنَّةِ.
وَشَبَّهَ فِي السُّنِّيَّةِ فَقَالَ (كَ) رُقِيِّ (مَرْأَةٍ) عَلَيْهِمَا فَيُسَنُّ (إنْ خَلَا) الْمَوْضِعُ مِنْ مُزَاحِمَةِ الرِّجَالِ وَإِلَّا وَقَفَتْ أَسْفَلَهُ.
ابْنُ فَرْحُونٍ السُّنَّةُ الْقِيَامُ عَلَيْهِمَا إلَّا لِعُذْرٍ فَإِنْ جَلَسَ فِي الْأَعْلَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَلَوْ عَبَّرَ بِقَامَهُ لَكَانَ أَوْلَى؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الرُّقِيِّ الْقِيَامُ.
وَقِيلَ الْقِيَامُ مَنْدُوبٌ زَائِدٌ عَلَى سُنَّةِ الرُّقِيِّ.
(وَ) السُّنَّةُ الثَّالِثَةُ لِلرِّجَالِ فَقَطْ (إسْرَاعٌ بَيْنَ) الْعَمُودَيْنِ (الْأَخْضَرَيْنِ) أَوَّلُهُمَا فِي
فَوْقَ الرَّمَلِ، وَدُعَاءٌ وَفِي سُنِّيَّةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَوُجُوبِهِمَا: تَرَدُّدٌ.
[منح الجليل]
رُكْنِ الْمَسْجِدِ تَحْتَ مَنَارَةٍ بَابِ عَلِيٍّ وَالثَّانِي بَعْدَهُ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ قُبَالَةَ رِبَاطِ الْعَبَّاسِ وَفِي مُقَابِلَتِهِمَا عَمُودَانِ أَخْضَرَانِ أَيْضًا عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ مِنْ الصَّفَا لِلْمَرْوَةِ وَالْإِسْرَاعُ فِي حَالِ الذَّهَابِ مِنْ الصَّفَا لِلْمَرْوَةِ لَا فِي الْعَوْدِ مِنْهَا إلَيْهِ، هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ سَنَدٍ وَالْمَوَّاقِ، وَلَا يُقَالُ سَبَبُهُ إسْرَاعُ هَاجَرَ بَيْنَهُمَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي الْعَوْدِ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنَّ إسْرَاعَهَا كَانَ فِي حَالِ ذَهَابِهَا إلَى الْمَرْوَةِ فَقَطْ.
الْبُنَانِيُّ ذَكَرَ الْحَطّ عَنْ سَنَدٍ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْإِسْرَاعِ يَكُونُ قَبْلَ الْعَمُودِ الْأَوَّلِ بِنَحْوِ سِتَّةِ أَذْرُعٍ لِتَأْخِيرِهِ عَنْ مَحَلِّهِ الْأَصْلِيِّ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ، وَقَوْلُهُ فِي حَالِ الذَّهَابِ لِلْمَرْوَةِ فَقَطْ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ هَذَا الْقَيْدَ وَعَزْوُهُ لِظَاهِرِ سَنَدٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَإِنَّمَا فِيهِ كَمَا نَقَلَ الْحَطّ عَنْهُ أَنَّهُ صَدَّرَ بِالْبَدْءِ مِنْ الصَّفَا وَسَكَتَ عَنْ بَيَانِ الْعَوْدِ إلَيْهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِثْلُهُ وَإِلَّا لَنُبِّهَ عَلَيْهِ.
وَكَذَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ غَيْرِهِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمُرْشِدِ بِهِمَا فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ حُكْمِ الْبَدْءِ بِالصَّفَا مَا نَصُّهُ " ثُمَّ يَنْزِلُ مِنْ الْمَرْوَةِ وَيَفْعَلُ كَمَا وَصَفْنَا مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخَبَبِ " وَيُفِيدُهُ نَقْلُ الْمَوَّاقِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ (فَوْقَ) أَيْ: أَشَدُّ مِنْ (الرَّمَلِ) .
(وَ) السُّنَّةُ الرَّابِعَةُ (دُعَاءٌ) فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالرُّقِيِّ عَلَيْهِمَا.
(وَفِي سُنِّيَّةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ) الرُّكْنُ وَالْوَاجِبُ وَالنَّفَلُ (وَوُجُوبُهُمَا) فِيهَا وَوُجُوبُهُمَا فِي الرُّكْنِ وَالْوَاجِبِ وَنَدْبُهُمَا فِي الْمَنْدُوبِ (تَرَدُّدٌ) لِلْمُتَأَخِّرِينَ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ الْأَوَّلُ اخْتَارَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَالثَّانِي اخْتَارَهُ الْبَاجِيَّ، وَقَالَ سَنَدٌ إنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَالثَّالِثُ لِلْأَبْهَرِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ بَشِيرٍ فِي التَّنْبِيهِ، قَالَ الْحَطّ وَهُوَ الظَّاهِرُ قَالَ فِيهَا فَإِنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ وَكَانَ طَوَافُهُ وَاجِبًا رَجَعَ وَابْتَدَأَ الطَّوَافَ وَرَكَعَ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ يُوَصِّلَانِ بِهِ إلَّا أَنْ يَتَبَاعَدَ فَلْيَرْكَعْهُمَا وَيُهْدِي وَلَا يَرْجِعُ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَاجِبٍ فَلْيَرْكَعْهُمَا وَلَا يُهْدِي وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا وَقَوْلُهُ الْآتِي وَرُكُوعُهُ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ تَنَقُّلِهِ أَنَّ الْفَرْضَ لَا يُجْزِئُ عَنْهُمَا وَلَعَلَّهُ لِلْقَوْلِ بِوُجُوبِهِمَا، وَيُكْرَهُ جَمْعُ أَسَابِيعَ وَإِنْ فَعَلَ صَلَّى لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَنُدِبَا كَالْإِحْرَامِ بِالْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ، وَبِالْمَقَامِ، وَدُعَاءٌ بِالْمُلْتَزَمِ وَاسْتِلَامُ الْحَجَرِ الْيَمَانِيِّ بَعْدَ الْأَوَّلِ، وَاقْتِصَارٌ عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[منح الجليل]
وَنُدِبَا) أَيْ رَكْعَتَا الطَّوَافِ وَالصَّوَابُ وَنُدِبَتَا بِتَاءِ التَّأْنِيثِ لِإِسْنَادِ الْفِعْلِ لِضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ فَتَلْزَمُهُ التَّاءُ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَتِرًا أَوْ بَارِزًا عَلَى الصَّوَابِ.
نَعَمْ قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ يَجُوزُ تَرْكُ التَّاءِ فِي فِعْلِ الْمُؤَنَّثِ الْمَجَازِيِّ سَوَاءٌ كَانَ الْفَاعِلُ ظَاهِرًا أَوْ ضَمِيرًا فَيَخْرُجُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ.
وَمَصَبُّ النَّدْبِ قَوْلُهُ بِالْكَافِرُونَ إلَخْ.
وَشَبَّهَ فِي النَّدْبِ فَقَالَ (كَ) رَكْعَتَيْ (الْإِحْرَامِ بِالْكَافِرُونَ) بِوَاوِ الْحِكَايَةِ (وَالْإِخْلَاصِ وَ) نَدْبِ صَلَاةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ (بِالْمَقَامِ) أَيْ: خَلْفَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ: الْحَجَرِ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ حِينَ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ فَيُقَالُ مَنْ أَجَابَهُ حَجَّ بِعَدَدِ مَرَّاتِ إجَابَتِهِ.
وَقِيلَ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ حِينَ غَسَلَتْ لَهُ زَوْجَةُ ابْنِهِ إسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَأْسَهُ.
وَقِيلَ الَّذِي عَلَيْهِ لِبِنَاءِ الْبَيْتِ وَكَانَ ابْنُهُ إسْمَاعِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ.
(وَ) نُدِبَ (دُعَاءٌ) بَعْدَ الطَّوَافِ وَرَكْعَتَيْهِ (بِالْمُلْتَزَمِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْبَابِ وَالْحِجْرِ مِنْ حَائِطِ الْكَعْبَةِ.
وَفِي الْمُوَطَّإِ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ مِنْ الْمَطَافِ.
أَبُو عُمَرَ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضَعُ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ بِالْمُلْتَزَمِ» . زَرُّوقٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ فِي طَوَافِهِ بِمَا تَيَسَّرَ، وَكَذَا فِي الْمَقَامِ وَالْحَطِيمِ وَالْمُلْتَزَمِ وَعِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَفِي الْمُسْتَجَارِ أَيْ: مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْبَابِ الْمُغْلَقِ الَّذِي كَانَ فَتَحَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَفِي الْحِجْرِ تَحْتَ الْمِيزَابِ وَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
(وَ) نُدِبَ (اسْتِلَامُ) أَيْ: تَقْبِيلُ (الْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ بِكُلِّ شَوْطٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ (وَ) نُدِبَ لَمْسُ الرُّكْنِ (الْيَمَانِيِّ) بِآخِرِ كُلِّ شَوْطٍ (بَعْدَ) الشَّوْطِ (الْأَوَّلِ) بَعْدَ مُرُورِ الطَّائِفِ عَلَى الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ الْمُقَابِلَيْنِ الْحِجْرَ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (وَ) نُدِبَ (اقْتِصَارٌ) فِي صِيغَةِ التَّلْبِيَةِ (عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَهِيَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك وَكَرِهَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الزِّيَادَةَ
وَدُخُولُ مَكَّةَ نَهَارًا.
وَالْبَيْتِ، وَمِنْ كَدَاءَ: لِمَدَنِيٍّ، وَالْمَسْجِدِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَخُرُوجُهُ
[منح الجليل]
عَلَيْهَا، وَمَعْنَى لَبَّيْكَ إجَابَةٌ بَعْدَ إجَابَةٍ وَالْإِجَابَةُ الْأُولَى إجَابَةُ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] أَيْ أَنْتَ رَبُّنَا، وَالثَّانِيَةُ لِتَأْذِينِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ فَأَجَابُوهُ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، فَمَنْ أَجَابَهُ مَرَّةً حَجَّ مَرَّةً وَمَنْ زَادَ فِي الْإِجَابَةِ زَادَ فِي الْحَجِّ فَالْمَعْنَى أَجَبْتُك فِي هَذَا الْإِحْرَامِ كَمَا أَجَبْتُك فِيمَا تَقَدَّمَ، وَأَوَّلُ مَنْ لَبَّى الْمَلَائِكَةُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَكَذَا أَوَّلُ مَنْ طَافَ وَفِي مَشْرُوعِيَّتِهَا تَنْبِيهٌ عَلَى إكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى عِبَادَهُ بِأَنَّ وُفُودَهُمْ عَلَى بَيْتِهِ إنَّمَا كَانَ بِاسْتِدْعَاءٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
(وَ) نُدِبَ (دُخُولُ مَكَّةَ نَهَارًا) أَيْ: ضُحًى، قَالَ زَرُّوقٌ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى مَكَّةَ أَرْبَعٌ: نُزُولُهُ بِذِي طُوًى وَهُوَ الْوَادِي الَّذِي تَحْتَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا وَيُسَمَّى الزَّاهِرَ، وَاغْتِسَالٌ فِيهِ، وَنُزُولُ مَكَّةَ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَمَبِيتُهُ بِالْوَادِي الْمَذْكُورِ فَيَأْتِي مَكَّةَ ضُحًى.
(وَ) نُدِبَ دُخُولُ (الْبَيْتِ) أَيْ: الْكَعْبَةِ لِزِيَارَتِهَا وَالتَّبَرُّكِ بِهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا كَمَا فِي النَّقْلِ، وَلِذَا أَخَّرَهُ عَنْ الظَّرْفِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْحَذْفِ مِنْ الثَّانِي لِدَلَّالِهِ الْأَوَّلِ، وَمُقْتَضَى كَوْنِ سِتَّةِ أَذْرُعٍ مِنْ الْحِجْرِ مِنْ الْبَيْتِ أَنَّ مَنْ دَخَلَهَا أَتَى بِهَذَا الْمُسْتَحَبِّ.
(وَ) نُدِبَ دُخُولُ مَكَّةَ (مِنْ كَدَاءَ) بِفَتْحِ الْكَافِ مَمْدُودًا مُنَوَّنًا إنْ لَمْ يُؤَدِّ لِازْدِحَامٍ وَأَذِيَّةٍ وَإِلَّا تَعَيَّنَ تَرْكُ الدُّخُولِ مِنْهُ (لِمَدَنِيٍّ) أَيْ: آتٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا لِآتٍ مِنْ غَيْرِهَا وَإِنْ مَدَنِيًّا.
الْفَاكِهَانِيُّ الْمَشْهُورُ نَدْبُهُ لِكُلِّ مُحْرِمٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ طَرِيقُهُ لِاسْتِقْبَالِ الدَّاخِلِ وَجْهَ الْكَعْبَةِ.
وَلِأَنَّهُ الْمَوْضِعُ الَّذِي دَعَا إبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - رَبَّهُ تَعَالَى فِيهِ بِأَنْ يَجْعَلَ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ فَقِيلَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، وَلِذَا قَالَ يَأْتُوك دُونَ يَأْتُونِي.
(وَ) نُدِبَ دُخُولُ (الْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ (مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) الْمُسَمَّى بَابَ السَّلَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقِ الدَّاخِلِ.
(وَ) نُدِبَ (خُرُوجُهُ) أَيْ الْمَدَنِيِّ أَيْضًا وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى
مِنْ كُدَى.
وَرُكُوعُهُ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ تَنَفُّلِهِ.
بِالْمَسْجِدِ وَرَمَلُ مُحْرِمٍ مِنْ كَالتَّنْعِيمِ أَوْ بِالْإِفَاضَةِ لِمُرَاهِقٍ؛ لَا تَطَوُّعٍ وَوَدَاعٍ.
وَكَثْرَةُ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ،
[منح الجليل]
أَيْضًا مِنْ مَكَّةَ لِلسَّفَرِ (مِنْ كُدَى) بِضَمِّ الْكَافِ مَقْصُورًا وَفِي فَتْحٍ وَمَدٍّ مَوْضِعُ الدُّخُولِ وَضَمٍّ وَقَصْرٍ مَوْضِعُ الْخُرُوجِ إشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إلَى أَنَّ الدَّاخِلَ يَفْتَحُ بَابَ الرَّجَاءِ، وَالْخَارِجُ يَضُمُّ عَلَى مَا حَصَلَ وَيَقْصُرُ أَمَلَهُ عَنْ تَعَلُّقِهِ بِغَيْرِهِ.
(وَ) نُدِبَ (رُكُوعُهُ لِلطَّوَافِ) بَعْدَ فَرْضِ الْعَصْرِ حِينَ دُخُولِهِ مَكَّةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُخَالِفًا لِلْأَوْلَى مِنْ إقَامَتِهِ لِلْغُرُوبِ بِذِي طُوًى قَالَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ طَافَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصِلَةُ رُكُوعِهِ (بَعْدَ) صَلَاةِ (الْمَغْرِبِ) وَمَصَبُّ النَّدْبِ كَوْنُ رُكُوعِهِ (قَبْلَ تَنَفُّلِهِ) وَلِابْنِ رُشْدٍ الْأَظْهَرُ تَقْدِيمُهُمَا عَلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ لِاتِّصَالِهِمَا حِينَئِذٍ بِالطَّوَافِ وَلَا يَفُوتَانِهِ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ لِخِفَّتِهِمَا.
(وَ) نُدِبَ لِمَنْ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ رُكُوعُهُ لِلطَّوَافِ (بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) قَبْلَ تَنَفُّلِهِ وَتَأْخِيرُ دُخُولِ مَكَّةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَإِنْ دَخَلَ قَبْلَهُ طَافَ حِينَ دُخُولِهِ، وَأَخَّرَهُمَا لِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِمَا مُرَاعَاةً لِسُنِّيَّتِهِمَا.
وَعُلِمَ مِمَّا هُنَا أَنَّ الطَّوَافَ وَلَوْ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا كَصَلَاةِ النَّفْلِ فِي كَرَاهَتِهِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَفَرْضِ الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَرْتَفِعَ قِيدَ رُمْحٍ وَتُصَلِّي الْمَغْرِبَ.
(وَ) نُدِبَ صَلَاةُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ (بِالْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ وَخَلْفَ الْمَقَامِ.
(وَ) نُدِبَ (رَمَلُ) رَجُلٍ (مُحْرِمٍ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (مِنْ كَالتَّنْعِيمِ) وَالْجِعْرَانَةِ (أَوْ) رَمَلٍ (بِ) طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ لِمُرَاهِقٍ) وَنَحْوِهِ مِمَّنْ لَمْ يَطُفْ الْقُدُومَ لِضِيقِ الْوَقْتِ عَنْ فِعْلِهِ لِخَشْيَةِ فَوَاتِ وُقُوفِ عَرَفَةَ أَوْ لِنِسْيَانِهِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُرَاهِقٍ وَطَافَ الْقُدُومَ وَرَمَلَ فِيهِ أَوْ تَرَكَهُ وَلَوْ عَمْدًا فَلَا يَرْمُلُ بِالْإِفَاضَةِ (لَا) يُنْدَبُ الرَّمَلُ فِي طَوَافِ (تَطَوُّعٍ وَ) لَا فِي طَوَافِ (وَدَاعٍ) وَالظَّاهِرُ كَرَاهَتُهُ فِيهِمَا عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ.
(وَ) نُدِبَ لِكُلِّ مَنْ بِمَكَّةَ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا (كَثْرَةُ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ) ابْنُ حَبِيبٍ
وَنَقْلُهُ.
وَلِلسَّعْيِ شُرُوطُ الصَّلَاةِ، وَخُطْبَةٌ بَعْدَ ظُهْرِ السَّابِعِ
[منح الجليل]
يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ مَا أَقَامَ بِهَا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك عِلْمًا نَافِعًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَقَالَ وَهُوَ لِمَا شُرِبَ لَهُ فَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ هَاجَرَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - طَعَامًا وَشَرَابًا.
(وَ) نُدِبَ (نَقْلُهُ) أَيْ: مَاءُ زَمْزَمَ مِنْ مَكَّةَ لِغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ وَخُصُوصِيَّتُهُ بَاقِيَةٌ فِيهِ بَعْدَ نَقْلِهِ الْحَطّ.
وَصَرَّحَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ بِاسْتِحْبَابِ نَقْلِهِ قَالَ فِي مُخْتَصَرِهَا اُسْتُحِبَّ لِمَنْ حَجَّ أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْهُ إلَى بَلَدِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءٌ لِمَنْ اسْتَشْفَى اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُعَلَّى وَالتَّادَلِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
.
(وَ) نُدِبَ (لِلسَّعْيِ شُرُوطُ الصَّلَاةِ) الْمُمْكِنَةِ فِيهِ فَلَا يُنْدَبُ فِيهِ اسْتِقْبَالٌ لِعَدَمِ إمْكَانِهِ فِيهِ وَلَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ أَوْ ذَكَرَ خُبْثًا أَوْ أَصَابَهُ حَقْنٌ أَوْ جَنَابَةٌ نُدِبَ لَهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ وَيَبْنِيَ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُخِلًّا بِالْمُوَالَاةِ الْوَاجِبَةِ فِيهِ لِيَسَارَتِهِ وَتُتَصَوَّرُ الْجَنَابَةُ مَعَ صِحَّةِ النُّسُكِ وَالِاتِّصَالِ بِرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بِالِاحْتِلَامِ فِي نَوْمٍ خَفِيفٍ عَقِبَ سَلَامِهِ مِنْهُمَا.
(وَ) نُدِبَ لِلْإِمَامِ (خُطْبَةٌ بَعْدَ ظُهْرٍ) الْيَوْمِ (السَّابِعِ) مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ذَكَرَ الْحَطّ أَنَّ مِنْ هُنَا إلَى قَوْلِهِ وَدُعَاءٍ وَتَضَرُّعٍ بِإِخْرَاجِ الْغَايَةِ مِنْ السُّنَنِ لَا مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ، قَالَ وَهَلْ يَفْتَتِحُ أُولَاهُمَا بِالتَّكْبِيرِ أَوْ بِالتَّلْبِيَةِ؟ قَوْلَانِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّهُمَا إنْ كَانَ الْخَطِيبُ مُحْرِمًا وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى الْقَوْلَ بِالتَّلْبِيَةِ؛ لِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ الْآنَ وَهِيَ شِعَارُ الْمُحْرِمِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْرِمٍ تَعَيَّنَ
بِمَكَّةَ وَاحِدَةٌ: يُخْبِرُ فِيهَا بِالْمَنَاسِكِ وَخُرُوجُهُ لِمِنًى قَدْرَ مَا يُدْرِكُ بِهَا الظُّهْرَ، وَبَيَاتُهُ بِهَا، وَسَيْرُهُ لِعَرَفَةَ بَعْدَ الطُّلُوعِ، وَنُزُولُهُ بِنَمِرَةَ، وَخُطْبَتَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ،
[منح الجليل]
عَلَيْهِ فِي تَحْصِيلِ الْمَنْدُوبِ التَّكْبِيرُ وَتَعَقَّبَهُ عج بِقَوْلِ سَنَدٍ النُّزُولُ بِنَمِرَةَ مُسْتَحَبٌّ، وَبِأَنَّ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ سُنَّةٌ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي سُنِّيَّةَ الْأَوَّلِ وَنُدِبَ الثَّانِي (بِمَكَّةَ) أَيْ: فِي حَرَمِ مَكَّةَ زَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا.
(وَاحِدَةٌ) تَبِعَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَشَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَأَقَرَّهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ.
وَلِابْنِ حَبِيبٍ وَالْأَخَوَيْنِ خُطْبَتَانِ كَالْجُمُعَةِ وَنَسَبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي لَكِنْ لَمْ أَرَ مَنْ شَهَرَهُ قَالَهُ طفي (يُخْبِرُ) الْإِمَامُ النَّاسَ تَذْكِيرًا لِلْعَالِمِ وَتَعْلِيمًا لِلْجَاهِلِ (فِيهَا) أَيْ: الْخُطْبَةِ (بِالْمَنَاسِكِ) الَّتِي تُفْعَلُ فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَلَيْلَةِ التَّاسِعِ إلَى زَوَالِهِ.
(وَ) نُدِبَ (خُرُوجُهُ) أَيْ: الْحَاجِّ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ مِنْ مَكَّةَ (لِمِنًى قَدْرَ مَا) أَيْ: زَمَانِ (يُدْرِكُ) الْحَاجُّ إذَا خَرَجَ فِيهِ (بِهَا) أَيْ: مِنًى (الظُّهْرَ) مَقْصُورَةٌ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ فَالْقَوِيُّ يَخْرُجُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَمَنْ بِهِ أَوْ بِدَابَّتِهِ ضَعْفٌ بِحَيْثُ لَا يُدْرِكُ الظُّهْرَ بِمِنًى آخِرَ الْمُخْتَارِ إذَا خَرَجَ لَهَا بَعْدَهُ يَخْرُجُ قَبْلَهُ بِقَدْرِ مَا يُدْرِكُ الظُّهْرَ بِهَا فِي مُخْتَارِهَا؛ إذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْهُ، وَصَلَاتُهَا فِي غَيْرِ مِنًى بِدْعَةٌ وَلَوْ وَافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ إذْ الظُّهْرُ بِمِنًى أَفْضَلُ مِنْ الْجُمُعَةِ بِمَكَّةَ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ وَيُكْرَهُ الْخُرُوجُ لَهَا قَبْلَ الثَّامِنِ (وَ) نُدِبَ (بَيَاتُهُ بِهَا) أَيْ: مِنًى لَيْلَةَ التَّاسِعِ.
(وَ) نُدِبَ (سَيْرُهُ) مِنْ مِنًى (لِعَرَفَةَ بَعْدَ الطُّلُوعِ) لِلشَّمْسِ وَلَا يُجَاوِزُ بَطْنَ مُحَسِّرٍ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مِنًى (وَ) نُدِبَ (نُزُولُهُ بِنَمِرَةَ) وَادٍ بَيْنَ الْحَرَمِ وَعَرَفَةَ وَيُسَمَّى أَيْضًا عُرَنَةَ بِالنُّونِ وَضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ لِنُزُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ، وَيَضْرِبُ خَيْمَتَهُ بِهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ فَإِذَا زَالَتْ اغْتَسَلَ وَدَخَلَ عَرَفَةَ لِجَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ فِي مَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ.
(وَ) نُدِبَ (خُطْبَتَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ) مِنْ الْيَوْمِ التَّاسِعِ بِجَامِعِ نَمِرَةَ وَقَالَ عِيَاضٌ فِي
ثُمَّ أُذِّنَ، وَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ إثْرَ الزَّوَالِ، وَدُعَاءٌ وَتَضَرُّعٌ لِلْغُرُوبِ، وَوُقُوفُهُ بِوُضُوءٍ، وَرُكُوبُهُ بِهِ،
[منح الجليل]
الْإِكْمَالِ فِي خُطْبَةِ عَرَفَةَ هِيَ سُنَّةٌ فِي قَوْلِ الْمَدَنِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَيْسَ عَرَفَةُ بِمَوْضِعِ خُطْبَةٍ وَهُوَ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا يُعَلَّمُ النَّاسُ فِيهِمَا الْمَنَاسِكَ مِنْ جَمْعِهِمْ الظُّهْرَيْنِ بِعَرَفَةَ وَوُقُوفِهِمْ بِهَا إلَى الْغُرُوبِ لِلتَّضَرُّعِ وَالدُّعَاءِ، وَدَفْعِهِمْ مِنْهَا عَقِبَ الْغُرُوبِ بِدُونِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إلَى مُزْدَلِفَةَ وَنُزُولِهِمْ بِهَا، وَجَمْعِهِمْ الْعِشَاءَيْنِ بِهَا وَمَبِيتِهِمْ بِهَا وَصَلَاتِهِمْ الصُّبْحَ بِهَا بِغَلَسٍ، وَوُقُوفِهِمْ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ إلَى الْإِسْفَارِ الْبَيِّنِ وَدَفْعِهِمْ إلَى مِنًى قَبْلَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وَإِسْرَاعِهِمْ بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ وَرَمْيِهِمْ الْعَقَبَةَ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِمْ إلَى مِنًى، وَتَذْكِيَتِهِمْ هَدَايَاهُمْ وَحَلْقِهِمْ أَوْ تَقْصِيرِهِمْ بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ وَالْمُبَادَرَةِ لِمَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَرُجُوعِهِمْ لِمِنًى لِلْمَبِيتِ وَالرَّمْيِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَتَيْنِ أَوْ قَبْلَهُ بِيَسِيرٍ (أُذِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا وَأُقِيمَ لِلظُّهْرِ وَالْإِمَامُ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ فِيهَا، وَيُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ إنْ شَاءَ فِي الْخُطْبَةِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهَا اهـ. وَلَفْظُ الْأُمَّهَاتِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسُئِلَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ الْمُؤَذِّنِ مَتَى يُؤَذِّنُ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ خُطْبَتِهِ، أَوْ وَهُوَ يَخْطُبُ قَالَ ذَلِكَ وَاسِعٌ إنْ شَاءَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَإِنْ شَاءَ بَعْدَمَا يَفْرُغُ مِنْ خُطْبَتِهِ.
(وَجَمَعَ) الْإِمَامُ إذَا نَزَلَ (بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ) جَمْعَ تَقْدِيمٍ بِأَذَانٍ ثَانٍ وَإِقَامَةٍ لِلْعَصْرِ هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
ابْنُ الْجَلَّابِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَقِيلَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ الْمَوَّازِ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ لِإِطْلَاقِهِ الْأَذَانَ (إثْرَ الزَّوَالِ) وَقَوْلُهُ ثُمَّ أَذَّنَ إلَخْ يُفِيدُ تَأْخِيرَ الْأَذَانِ وَالْجَمْعَ عَنْ الْخُطْبَتَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: إثْرَ النُّزُولِ لَكَانَ أَظْهَرَ وَمَنْ فَاتَهُ جَمْعُهُمَا مَعَ الْإِمَامِ جَمَعَهُمَا وَحْدَهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ جُمْلَةً فَعَلَيْهِ دَمٌ قَالَهُ فِي اللُّمَعِ.
الْبَدْرُ هَذَا غَرِيبٌ أَنَّ الدَّمَ فِي تَرْكِ سُنَّةٍ فَلَعَلَّهُ ضَعِيفٌ.
(وَ) نُدِبَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ (دُعَاءٌ وَتَضَرُّعٌ لِلْغُرُوبِ) بِعَرَفَةَ (وَ) نُدِبَ (وُقُوفٌ) هـ أَيْ: حُضُورُهُ فِي عَرَفَةَ (بِوُضُوءٍ) هَذَا مَصَبُّ النَّدْبِ (وَ) نُدِبَ (رُكُوبُهُ بِهِ) أَيْ: فِي
ثُمَّ قِيَامٌ إلَّا لِتَعَبٍ.
وَصَلَاتُهُ بِمُزْدَلِفَةَ الْعِشَاءَيْنِ، وَبَيَاتُهُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ فَالدَّمُ، وَجَمَعَ وَقَصَرَ، إلَّا أَهْلَهَا: كَمِنًى وَعَرَفَةَ،
[منح الجليل]
حَالِ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ لِلتَّقَوِّي عَلَى الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالِاقْتِدَاءِ بِالرَّسُولِ الْأَعْظَمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا مُسْتَثْنَى مِنْ النَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِ ظُهُورِ الدَّوَابِّ مَسَاطِبَ كَمَا فِي الْخَبَرِ (ثُمَّ) يَلِي الرُّكُوبَ فِي النَّدْبِ (قِيَامٌ) لِلرِّجَالِ وَكُرِهَ لِلنِّسَاءِ (إلَّا لِتَعَبٍ) لِلدَّابَّةِ أَوْ رَاكِبِهَا أَوْ الْقَائِمِ أَوْ مُدِيمِ الْوُضُوءِ فَيَكُونُ النُّزُولُ وَالْجُلُوسُ وَنَقْضُ الْوُضُوءِ أَفْضَلَ.
(وَ) نُدِبَ (صَلَاتُهُ) أَيْ: الْحَاجِّ (بِمُزْدَلِفَةَ الْعِشَاءَيْنِ) مَجْمُوعَتَيْنِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ وَقَصْرُ الْعِشَاءِ وَتُسَمَّى مُزْدَلِفَةَ جَمْعًا بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ أَوْ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَوْ الصَّلَاتَيْنِ بِهَا.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ سُنَّةٌ إنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ فَإِنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ بِأَنْ لَمْ يَقِفْ أَصْلًا أَوْ وَقَفَ وَحْدَهُ فَلَا يَجْمَعُ لَا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَا بِغَيْرِهَا، وَيُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ مُخْتَارَهَا لَا يُقَالُ كَلَامُهُ لَا يُفِيدُ نَدْبَ جَمْعِهِمَا؛ إذْ هُوَ صَادِقٌ يَجْمَعُهُمَا وَعَدَمُهُ وَإِنَّمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ وَجَمْعٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ عَدَمُ جَمْعِهِمَا مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ فَلَا يَكُونُ مَنْدُوبًا.
(وَ) نُدِبَ (بَيَاتُهُ بِهَا) أَيْ: مُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَالنُّزُولِ بِهَا بِقَدْرِ حَطِّ الرِّحَالِ سَوَاءٌ حُطَّتْ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لِتَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ وَاجِبٌ (وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ) بِهَا بِلَا عُذْرٍ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ (فَالدَّمُ) وَاجِبٌ وَإِنْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ جَاءَ بَعْدَ الشَّمْسِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهِمَا وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ إنَاخَةِ الْبَعِيرِ (وَجَمَعَ) الْإِمَامُ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِمُزْدَلِفَةَ اسْتِنَانًا (وَقَصَرَ) الْإِمَامُ الْعِشَاءَ كَذَلِكَ وَهَذَا كَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ آنِفًا وَصَلَاتُهُ بِمُزْدَلِفَةَ الْعِشَاءَيْنِ وَكُلُّ الْحُجَّاجِ يَجْمَعُونَ وَيَقْصِرُونَ بِمُزْدَلِفَةَ (إلَّا أَهْلَهَا) أَيْ: مُزْدَلِفَةَ فَيُتِمُّونَ الْعِشَاءَ وَيَجْمَعُونَهَا مَعَ الْمَغْرِبِ.
وَشَبَّهَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْأَهْلَ مِنْ الْقَصْرِ فَقَالَ (كَ) أَهْلِ (مِنًى وَ) أَهْلِ (عَرَفَةَ) وَأَهْلِ الْمُحَصَّبِ فَيُتِمُّونَ الرُّبَاعِيَّةَ فِي بِلَادِهِمْ وَفِي حَالِ رُجُوعِهِمْ إلَيْهَا إنْ كَانَ النُّسُكُ يُتَمُّ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يُتَمَّ بِهَا قَصَرَ حَالَ رُجُوعِهِ إلَيْهَا كَمَكِّيٍّ يَنْزِلُ الْمُحَصَّبِ قَبْلَ دُخُولِهِ مَكَّةَ فَيَقْصِرُ فِيهِ وَهَذَا
وَإِنْ عَجَزَ فَبَعْدَ الشَّفَقِ، وَإِنْ نَفَرَ مَعَ الْإِمَامِ، وَإِلَّا فَكُلٌّ لِوَقْتِهِ، وَإِنْ قُدِّمَتَا عَلَيْهِ أَعَادَهُمَا، وَارْتِحَالُهُ بَعْدَ الصُّبْحِ، مُغَلِّسًا،.
[منح الجليل]
مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي السَّفَرِ إلَّا كَمَكِّيٍّ فِي خُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ وَرُجُوعِهِ.
(وَإِنْ عَجَزَ) مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسُ عَنْ السَّيْرِ مَعَهُمْ لِضَعْفِهِ أَوْ ضَعْفِ دَابَّتِهِ (فَ) يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا (بَعْدَ) مَغِيبِ (الشَّفَقِ) الْأَحْمَرِ فِي مُزْدَلِفَةَ أَوْ قَبْلَهَا (إنْ) كَانَ وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَ (نَفَرَ) أَيْ: سَارَ مِنْهَا (مَعَ الْإِمَامِ) وَتَأَخَّرَ عَنْهُ لِعُذْرٍ بِهِ أَوْ بِدَابَّتِهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقِفْ وَيَنْفِرْ مَعَ الْإِمَامِ بِأَنْ وَقَفَ وَحْدَهُ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ بِعَرَفَةَ (فَكُلٌّ) مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُصَلِّيهِ (لِوَقْتِهِ) مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ وَمَفْهُومُ عَجَزَ أَنَّ مَنْ وَقَفَ وَنَفَرَ مَعَهُ وَتَأَخَّرَ عَنْهُ لِغَيْرِ عَجْزٍ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ أَيْضًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ لَكِنْ فِي مُزْدَلِفَةَ فَقَطْ أَفَادَهُ عبق الرَّمَاصِيُّ قَوْلُهُ إنْ نَفَرَ مَعَ الْإِمَامِ الصَّوَابُ إنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ فِي الْمَنَاسِكِ؛ إذْ هُوَ الْمُطَابِقُ لِلنَّقْلِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا مَنْ وَقَفَ بَعْدَ الْإِمَامِ فَلَا يَجْمَعُ اهـ.
وَهَكَذَا النَّقْلُ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي النَّوَادِرِ وَابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِمَا، زَادَ الْبُنَانِيُّ وَمِثْلُهُ فِي الْخَرَشِيِّ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَوَّاقِ وَبِهِ تَعْلَمُ مَا فِي تَقْرِيرِ (ز) (وَإِنْ قُدِّمَتَا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ الْعِشَاءَانِ (عَلَيْهِ) أَيْ الشَّفَقِ أَوْ النُّزُولُ بِمُزْدَلِفَةَ لِمَنْ يَجْمَعُ بِهَا وَهُوَ مَنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَسَارَ مَعَهُ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ (أَعَادَهُمَا) أَيْ: الْعِشَاءَيْنِ نَدْبًا إنْ كَانَ صَلَّاهُمَا بَعْدَ الشَّفَقِ قَبْلَ وُصُولِهِ مُزْدَلِفَةَ، وَإِنْ كَانَ قَدَّمَهُمَا عَلَى الشَّفَقِ أَعَادَ الْعِشَاءَ وُجُوبًا لِبُطْلَانِهَا لِصَلَاتِهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَالْمَغْرِبِ نَدْبًا إنْ بَقِيَ وَقْتُهَا فِيهَا.
قِيلَ لِلْإِمَامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامُ الْمُزْدَلِفَةَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ فَقَالَ هَذَا مِمَّا لَا أَظُنُّهُ يَكُونُ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا صَلَّى فِي الْمُزْدَلِفَةِ فَلَا يُعِيدُ وَإِنَّمَا الْإِعَادَةُ عِنْدَهُ إذَا صَلَّى قَبْلَ الْمُزْدَلِفَةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةُ أَمَامَك وَلَا يُمْكِنُ عَادَةً أَنْ يُقَدِّمَهَا قَبْلَ الشَّفَقِ وَيُصَلِّيهِمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ.
(وَ) نُدِبَ (ارْتِحَالُهُ) أَيْ: الْحَاجِّ مِنْ مُزْدَلِفَةَ (بَعْدَ) صَلَاةِ (الصُّبْحِ) أَوَّلَ وَقْتِهَا حَالَ كَوْنِهِ (مُغَلِّسًا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ وَالْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ مُشَدَّدَةً أَيْ مُصَلِّيًا فِي وَقْتِ الْغَلَسِ أَيْ الظَّلَامِ.
وَوُقُوفُهُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ يُكَبِّرُ وَيَدْعُو لِلْإِسْفَارِ، وَاسْتِقْبَالُهُ بِهِ، وَلَا وُقُوفَ بَعْدَهُ وَلَا قَبْلَ الصُّبْحِ، وَإِسْرَاعٌ بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ.
وَرَمْيُهُ الْعَقَبَةَ حِينَ وُصُولِهِ
[منح الجليل]
وَ) نُدِبَ (وُقُوفُهُ بِالْمَشْعَرِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا شِينٌ سَاكِنَةٌ أَيْ: مَحَلِّ الْعَشَائِرِ وَمَعَالِمِ الدِّينِ وَالطَّاعَةِ (الْحَرَامِ) الَّذِي يَحْرُمُ الصَّيْدُ وَقَطْعُ النَّابِتِ بِنَفْسِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَرَمِ وَهُوَ مَا بَيْنَ جَبَلِ الْمُزْدَلِفَةِ.
وَقُزَحٍ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الزَّايِ آخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ اسْمُ جَبَلٍ مِنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إلَى مِنًى وَمَا أَحَاطَ بِهِ مِنْ الْفَضَاءِ وَالنَّدْبُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ،
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وُقُوفُ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَسُنَّتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَأَقَرَّهُ وَقَالَ الْقَلْشَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْوُقُوفَ بِهِ سُنَّةٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فَرِيضَةٌ اهـ.
وَالسُّنِّيَّةُ هِيَ الَّتِي تُفْهَمُ مِنْ قَوَاعِدِ عِيَاضٍ، وَلِذَا جَعَلَ الْبِسَاطِيُّ الِاسْتِحْبَابَ مُتَعَلِّقًا بِالْقَيْدِ حَالَ كَوْنِهِ (يُكَبِّرُ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا وَيُهَلِّلُ (وَيَدْعُو) فِي حَالِ وُقُوفِهِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَصِلَةُ وُقُوفِهِ (لِلْإِسْفَارِ) أَيْ: الضَّوْءِ الْأَعْلَى بِإِخْرَاجِ الْغَايَةِ قَالَهُ أَحْمَدُ.
(وَ) نُدِبَ (اسْتِقْبَالُهُ) أَيْ الْوَاقِفِ بِالْمَشْعَرِ الْقِبْلَةَ (بِهِ) أَيْ عِنْدَ الْمَشْعَرِ جَاعِلًا لَهُ عَنْ يَسَارِهِ (وَلَا وُقُوفَ) مَشْرُوعٌ (بَعْدَهُ) أَيْ: الْإِسْفَارِ فَيَفُوتُ بِهِ وَصَرَّحَ بِهَذَا، وَإِنْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ لِلْإِسْفَارِ لِمُخَالَفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقِفُونَ بِهِ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ (وَلَا) وُقُوفَ مَشْرُوعٌ (قَبْلَ) صَلَاةِ (الصُّبْحِ) ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ.
(وَ) نُدِبَ (إسْرَاعٌ) بِدَابَّتِهِ وَالْمَاشِي بِخُطْوَتِهِ ذَهَابًا لِعَرَفَةَ وَإِيَابًا لِمِنًى (بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَيْنِ مُشَدَّدَةً وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَادٍ بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَالطَّبَرِيُّ.
وَفِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ مِنًى وَنَقَلَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ أَنَّ بَعْضَهُ مِنْ مِنًى وَبَعْضَهُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ وَصَوَّبَهُ.
(وَ) نُدِبَ (رَمْيُهُ الْعَقَبَةَ حِينَ وُصُولِهِ) مِنًى قَبْلَ حَطِّ رَحْلِهِ؛ لِأَنَّهَا تَحِيَّةُ الْحَرَمِ فَالنَّدْبُ