منح الجليل شرح مختصر خليلصفحات 549-8
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ) فِي الْخُلْعِ:

صفحات 549-8

وَإِنْ مَاتَ حَلَفَا وَقُسِمَ، أَوْ لِلصَّغِيرِ النِّصْفُ وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ قَوْلَانِ

[منح الجليل]

وَإِنْ مَاتَ) الطِّفْلُ قَبْلَ بُلُوغِهِ (حَلَفَا) أَيْ أَخَوَاهُ الْبَالِغَانِ يَحْلِفُ كُلٌّ أَنَّ الطِّفْلَ مَاتَ عَلَى دِينِهِ (وَاقْتَسَمَا) أَيْ أَخَوَاهُ الثُّلُثَ الْمَوْقُوفَ لَهُ بِالسَّوِيَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ سَحْنُونٍ، وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ عَاشِرٍ بِأَنَّهُ تَوْرِيثٌ مَعَ الشَّكِّ فِي الْمُوَافَقَةِ فِي الدِّينِ، إذْ لَا يُمْكِنُ لِلطِّفْلِ إلَّا دِينٌ وَاحِدٌ مُوَافِقٌ لِأَحَدِهِمَا أَوْ مُخَالِفٌ لَهُمَا مَعًا.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَالِغِينَ يَدَّعِي أَنَّ الطِّفْلَ كَانَ عَلَى دِينِهِ وَمَاتَ عَلَيْهِ جَازَ مَا بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ تَرِكَتِهِ، وَأَنَّ أَخَاهُمَا يَظْلِمُهُ فِيمَا يَأْخُذُهُ مِنْهَا فَبِالْوَجْهِ الَّذِي وَرِثَ بِهِ أَبَاهُ يَرِثُ أَخَاهُ قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ، وَيُنْظَرُ مَا الْحُكْمُ إذَا كَانَ لِلطِّفْلِ وَارِثٌ غَيْرُ أَخَوَيْهِ كَأُمِّهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ بُنَانِيٌّ.
(أَوْ) يُوقَفُ (لِلصَّغِيرِ النِّصْفُ) مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِمْ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْبَالِغَيْنِ يَدَّعِي أَنَّهُ عَلَى دِينِهِ فَيَسْلَمُ لَهُ نِصْفُ مَا يَسْتَحِقُّهُ وَهُوَ رُبْعُ التَّرِكَةِ (وَيُجْبَرُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الطِّفْلُ (عَلَى الْإِسْلَامِ) إذَا بَلَغَ وَيُقْسَمُ النِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَهُمَا وَهَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ فِي الْجَوَابِ (قَوْلَانِ) مُسْتَوِيَانِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ أَصْبَغُ قَالَ كَانَ مَعَهُمَا أَخٌ صَغِيرٌ فَكِلَاهُمَا مُقِرٌّ لَهُ بِالنِّصْفِ كَامِلًا، وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالنِّصْفُ لَهُمَا بَعْدَ إيمَانِهِمَا.
سَحْنُونٌ فَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ قَبْلَ بُلُوغِهِ حَلَفَا وَقَسَمَا مَالَهُ.
اللَّخْمِيُّ أَصْلُ قَوْلِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، فَإِنْ خَلَّفَ الْمَيِّتُ سِتِّينَ دِينَارًا كَانَ لِكُلٍّ مِنْ الْأَوْلَادِ عِشْرُونَ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَقُولُ الْمَالُ بَيْنِي وَبَيْنَ الصَّغِيرِ نِصْفَيْنِ وَالنَّصْرَانِيُّ غَاصِبٌ لَنَا وَالْغَصْبُ عَلَيَّ، وَعَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ أَنْصِبَائِنَا، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى اسْتِوَائِهِمَا فِيهِ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ يَحْلِفَانِ وَيُوقَفُ ثُلُثُ مَا بِيَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا حَتَّى يَكْبَرَ الصَّبِيُّ فَيَدَّعِي دَعْوَى أَحَدِهِمَا فَيَأْخُذَ مَا وُقِفَ مِنْ سَهْمِهِ وَيَرُدَّ لِلْآخَرِ مَا وُقِفَ مِنْ سَهْمِهِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ بُلُوغِهِ حَلَفَا وَاقْتَسَمَا مِيرَاثَهُ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ بُلُوغِهِ وَلَهُ وَرَثَةٌ يُعْرَفُونَ فَهُمْ أَحَقُّ بِمِيرَاثِهِ وَلَا يُرَدُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ يُعْرَفُونَ وُقِفَ مِيرَاثُهُ، فَإِذَا كَبِرَ وَادَّعَاهُ كَانَ لَهُ.
قُلْت قَوْلُ سَحْنُونٍ فَيَأْخُذُ مَا وُقِفَ لَهُ مِنْ سَهْمِهِ وَيَرُدُّ إلَى الْآخَرِ مَا وُقِفَ لَهُ مِنْ سَهْمِهِ إلَخْ، خِلَافُ قَوْلِ أَصْبَغَ.

وَإِنْ قَدَرَ عَلَى شَيْئِهِ: فَلَهُ أَخْذُهُ، إنْ يَكُنْ غَيْرَ عُقُوبَةٍ، وَأَمِنَ فِتْنَةً وَرَذِيلَةً

[منح الجليل]

وَإِنْ) كَانَ لِشَخْصٍ حَقٌّ عِنْدَ آخَرَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ بِطَرِيقِ الشَّرْعِ الظَّاهِرِ لِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ مَعَ إنْكَارِهِ وَ (قَدَرَ عَلَى) أَخْذِ عَيْنِ (شَيْئِهِ) خُفْيَةً (فَلَهُ أَخْذُهُ) سَوَاءٌ عَلِمَ غَرِيمُهُ بِأَخْذِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ (إنْ يَكُنْ) شَيْؤُهُ (غَيْرَ عُقُوبَةٍ) فَإِنْ كَانَ عُقُوبَةً كَحَدِّ قَذْفٍ وَقِصَاصٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ أَوْ تَأْدِيبِ شَاتِمٍ وَنَحْوِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ إلَّا بِالرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ سَدًّا لِتَعَدِّي بَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ وَادِّعَائِهِمْ أَخْذَ حَقِّهِمْ، وَلَا يَلْزَمُهُ الرَّفْعُ إلَى الْحَاكِمِ، وَكَذَا غَيْرُ عَيْنِ شَيْئِهِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ يَكُنْ غَيْرَ عُقُوبَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُ أَخْذُ عَيْنِهَا فَلَوْ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِشَيْئِهِ عَيْنَهُ خَاصَّةً لَمْ يَحْتَجْ لِقَوْلِهِ إنْ يَكُنْ غَيْرَ عُقُوبَةٍ لِعَدَمِ شُمُولِ عَيْنِ شَيْئِهِ لَهَا، فَيُحْمَلُ شَيْؤُهُ عَلَى حَقِّهِ الشَّامِلِ لِعَيْنِ شَيْئِهِ وَعِوَضِهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى إخْرَاجِ الْعُقُوبَةِ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ الْوَدِيعَةَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَا قَدَّمَهُ فِي بَابِهَا مِنْ قَوْلِهِ وَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا لِمَنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِهَا ضَعِيفٌ قَالَهُ عب وَمِثْلُهُ لِلْخَرَشِيِّ.
(وَ) إنْ (أَمِنَ) صَاحِبُ الْحَقِّ (فِتْنَةً) تَحْصُلُ بِأَخْذِ حَقِّهِ كَقِتَالٍ وَإِرَاقَةِ دَمٍ (وَ) أَمِنَ (رَذِيلَةً) كَنِسْبَتِهِ لِسَرِقَةٍ أَوْ خِيَانَةٍ بِأَخْذِ حَقِّهِ.
طفى لَا شَكَّ أَنَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَصَرَ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ وَمَنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِرْجَاعِ عَيْنِ حَقِّهِ آمِنًا مِنْ فِتْنَةٍ أَوْ نِسْبَةٍ إلَى رَذِيلَةٍ جَازَ لَهُ وَأَمَّا فِي الْعُقُوبَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَاكِمِ وَكَلَامُهُمَا كَمَا تَرَى فِي اسْتِرْجَاعِ عَيْنِ حَقِّهِ، وَبِهِ شَرَحَ فِي التَّوْضِيحِ، فَقَالَ إنْ قَدَرَ عَلَى أَخْذِ شَيْئِهِ بِعَيْنِهِ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ شَاسٍ وَمَنْ غُصِبَ مِنْهُ شَيْءٌ وَقَدَرَ عَلَى اسْتِرْدَادِهِ مَعَ الْأَمْنِ مِنْ تَحْرِيكِ فِتْنَةٍ أَوْ سُوءِ عَاقِبَةٍ بِأَنْ يُعَدَّ سَارِقًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ جَازَ لَهُ أَخْذُهُ.
اهـ. وَهَكَذَا عِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ وَالْمَازِرِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي هَذَا خِلَافًا، وَإِنَّمَا ذَكَرُوهُ فِي غَيْرِ عَيْنِ شَيْئِهِ.
ثَالِثُهَا إنْ كَانَ جِنْسَهُ جَازَ، فَإِنْ حُمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى عَيْنِ شَيْئِهِ كَمَا قُلْنَا فَيَكُونُ غَيْرَ شَيْئِهِ عِنْدَهُ بِالْمَنْعِ كَمَا يَأْخُذُهُ مِنْ بَابِ الْوَدِيعَةِ.
وَأَمَّا حَمْلُ تت كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى غَيْرِ عَيْنِ شَيْئِهِ وَتَعْمِيمُهُ فِي الْجِنْسِ وَغَيْرِهِ

وَإِنْ قَالَ: أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك الْغَائِبُ؛ أُنْظِرَ

[منح الجليل]

وَمُعَارَضَتُهُ لِذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَدِيعَةِ، وَجَوَابُهُ عَنْ ذَلِكَ بِإِخْرَاجِ الْوَدِيعَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ نُبُوُّ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ عَنْ حَمْلِهِ.
الثَّانِي: خُلُوُّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَنْ بَيَانِ حُكْمِ اسْتِرْدَادِ عَيْنِ شَيْئِهِ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَهُمَا مَتْبُوعَاهُ، وَلَا يُقَالُ يُؤْخَذُ بِالْأُولَى لِخَفَائِهِ وَلِتَعَرُّضِ الْأَئِمَّةِ لَهُ.
الثَّالِثُ: لُزُومُ الْمُعَارَضَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَأَمَّا جَوَابُهُ فِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَمْ أَرَ مَنْ اسْتَثْنَاهَا مِنْ الْمَنْعِ، إذْ مَنْ أَجَازَ أَجَازَهَا، وَمَنْ مَنَعَ مَنَعَهَا، وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ عَرَفَةَ طُرُقَ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْوَدِيعَةَ مِنْهَا فِي طَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ، وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي طَرِيقِهِ فِي الْوَدِيعَةِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ الْمَنْعَ وَالْكَرَاهَةَ وَالْإِبَاحَةَ وَالِاسْتِحْبَابَ.
خَامِسُهَا إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَا يَأْخُذُ إلَّا قَدْرَ الْحِصَاصِ وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ الْإِبَاحَةُ مُطْلَقًا عَلَيْهِ دَيْنٌ أَمْ لَا، وَأَيْضًا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ.
وَإِنْ كَانَ فَرْضُهُ كَابْنِ الْحَاجِبِ فِي الْوَدِيعَةِ فَلَيْسَ الْحُكْمُ خَاصًّا بِهَا وَقَدْ تَوَرَّكَ عَلَيْهِ هُنَاكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِقَوْلِهَا وَمَنْ لَك عَلَيْهِ مَالٌ مِنْ وَدِيعَةٍ أَوْ قِرَاضٍ أَوْ بَيْعٍ فَجَحَدَهُ، ثُمَّ صَارَ لَهُ بِيَدِك مِثْلُهُ بِإِيدَاعٍ وَبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْحَدَهُ اهـ. الْبُنَانِيُّ مَا قَرَّرَ بِهِ " ز " هُوَ الظَّاهِرُ، وَمَا قَالَهُ طفى، وَصَوَّبَهُ مِنْ حَمْلِ مَا هُنَا عَلَى عَيْنِ شَيْئِهِ، إذْ هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا غَيْرُ عَيْنِهِ فَفِيهِ أَقْوَالٌ مَشَى الْمُصَنِّفُ مِنْهَا فِيمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمَنْعِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ أَظْهَرَ الْأَقْوَالِ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ الْإِبَاحَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَإِنْ) كَانَ لِشَخْصٍ حَقٌّ عَلَى آخَرَ وَوَكَّلَ وَكِيلًا عَلَى خَلَاصِهِ فَطَلَبَهُ الْوَكِيلُ مِنْ الْغَرِيمِ فَ (قَالَ) الْغَرِيمُ لِلْوَكِيلِ (أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك) بِكَسْرِ الْكَافِ (الْغَائِبُ أُنْظِرَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أُمْهِلَ وَأُخِّرَ الْغَرِيمُ إلَى حُضُورِ الْمُوَكِّلِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِإِبْرَائِهِ وَإِلَّا حَلَفَ عَلَى عَدَمِهِ وَأَخَذَ حَقَّهُ مِنْ الْغَرِيمِ، وَلَا يَحْلِفُ الْوَكِيلُ عَلَى عَدَمِهِ فِي غَيْبَةِ مُوَكِّلِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ يَحْلِفُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْقَرِيبَةِ اتِّفَاقًا، وَفِي الْبَعِيدَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَحَكَاهُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

اللَّخْمِيُّ بِقِيلِ، وَلَمْ يَعْزُهُ، وَقَالَ إنَّهُ الْأَصْلُ، ثُمَّ قَالَ الْحَطّ وَالْمَنْصُوصُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي مَسْأَلَةِ دَعْوَى الْمَطْلُوبِ الْقَضَاءَ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ وَلَا يُؤَخَّرُ إلَى لَقِيَ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَمِثْلُهُ دَعْوَاهُ الْإِبْرَاءَ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ وَالْبَعِيدَةِ.
وَفِي النَّوَادِرِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي وَكِيلِ الْغَائِبِ يَطْلُبُ دَيْنَهُ الثَّابِتَ فَيَقُولُ الْمَطْلُوبُ بَقِيَ مِنْ حَقِّي أَنْ يَحْلِفَ الْمَحْكُومُ لَهُ أَنَّهُ مَا قَبَضَهُ مِنِّي، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً كَتَبَ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَإِنَّهُ يَدْفَعُ الْحَقَّ السَّاعَةَ وَيُقَالُ لَهُ إذَا اجْتَمَعْت مَعَهُ فَحَلِّفْهُ وَيَكْتُبُ الْقَاضِي لَهُ كِتَابًا بِذَلِكَ يَكُونُ بِيَدِهِ، فَإِنْ مَاتَ الْمَقْضِيُّ لَهُ حَلَفَ الْأَكَابِرُ مِنْ وَرَثَتِهِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَلَا يَحْلِفُ الصِّغَارُ وَإِنْ كَبِرُوا بَعْدَ مَوْتِهِ.
اهـ. وَكَذَا نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ وَقَوْلُهُ عِنْدِي تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى فِي الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ إلَّا بَعْدَ يَمِينِ الْمُوَكِّلِ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ إنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ قَرِيبَةً كَيَوْمَيْنِ انْتَظَرَ الْمُوَكِّلُ حَتَّى يَحْلِفَ، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً يَحْلِفُ الْوَكِيلُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مُوَكِّلَهُ قَبَضَ مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا وَيُقْضَى لَهُ بِهِ.
وَفِي الْمُعِينِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ.
وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ يَقْضِي عَلَى الْمَطْلُوبِ وَلَهُ تَحْلِيفُ الطَّالِبِ إذَا لَقِيَهُ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَاسْتَرْجَعَ مَا دَفَعَ، ثُمَّ قَالَ الْحَطّ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ فِي الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ يُنْظَرُ الْمَطْلُوبُ حَتَّى يَحْلِفَ الْمُوَكِّلُ بِلَا خِلَافٍ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ.
وَأَمَّا فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ فَالْمَنْصُوصُ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ كِنَانَةَ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَى الْمَطْلُوبِ بِدَفْعِ الْحَقِّ وَلَا يُؤَخَّرُ، لَكِنَّ ابْنَ كِنَانَةَ قَالَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ حَقٌّ يَحْلِفُ الْوَكِيلُ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ بِقَبْضِ مُوَكِّلِهِ، وَمُقَابِلُ الْمَنْصُوصِ مَا حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ بِقِيلَ، وَعَزَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَخَرَّجَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى يَمِينِ الِاسْتِحْقَاقِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إذَا عُلِمَ هَذَا فَقَوْلُهُ أُنْظِرَ الْمَوْجُودُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ مُشْكِلٌ لِاقْتِضَائِهِ إنْظَارَهُ فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ خِلَافُ الْمَنْصُوصِ، وَقَدْ اعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ

وَمَنْ اسْتَمْهَلَ لِدَفْعِ بَيِّنَةٍ، أُمْهِلَ بِالِاجْتِهَادِ:

[منح الجليل]

فِي عَزْوِهِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَبُولِهِ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى.
وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخَرَّجٌ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ اللَّخْمِيَّ حَكَاهُ بِقِيلَ، فَالْمُنَاسِبُ وَإِنْ قَالَ أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك الْغَائِبُ أَوْ قَضَيْته فَلَا يُنْتَظَرُ فِي الْبَعِيدَةِ بِخِلَافِ الْقَرِيبَةِ، فَيُؤَخَّرُ لِيَمِينِ الْقَضَاءِ وَوُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَإِنْ قَالَ أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك الْغَائِبُ، أُنْظِرَ فِي الْقَرِيبَةِ.
وَفِي الْبَعِيدَةِ يَحْلِفُ الْوَكِيلُ مَا عَلِمَ بِقَبْضِ مُوَكِّلِهِ وَيَقْضِي لَهُ، فَإِنْ حَضَرَ الْمُوَكِّلُ حَلَفَ وَاسْتَمَرَّ الْقَبْضُ وَإِلَّا حَلَفَ الْمَطْلُوبُ، وَاسْتَرْجَعَ مَا أَخَذَ مِنْهُ.
" غ " حَلَفَ الْوَكِيلُ قَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا، إذْ لَا يَحْلِفُ شَخْصٌ لِيَنْتَفِعَ غَيْرُهُ، وَمَا بَعْدَهُ سَاقَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلًا آخَرَ، وَنَسَبَهُ فِي تَوْضِيحِهِ لِابْنِ الْمَوَّازِ، فَقَدْ رَكَّبَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْفَتْوَى مِنْ قَوْلَيْنِ.
الْحَطّ أَمَّا حَلِفُ الْوَكِيلِ فَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا مَا بَعْدَهُ فَتَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ كِنَانَةَ وَابْنَ الْقَاسِمِ وَابْنَ الْمَوَّازِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ وَلَا يُؤَخَّرُ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ لَهُ تَحْلِيفَ الْمُوَكِّلِ إذَا لَقِيَهُ، فَإِنْ حَلَفَ مَضَى، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَاسْتَرْجَعَ مَا دَفَعَ فَهَذِهِ النُّسْخَةُ حَسَنَةٌ مُوَافِقَةٌ لِلرَّاجِحِ مِنْ الْأَقْوَالِ إلَّا حَلِفَ الْوَكِيلِ، فَإِنَّهُ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ.
الثَّانِي: لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِ الْمَطْلُوبِ أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك كَمَا فُرِضَ فِي سَمَاعِ عِيسَى، وَقَوْلِهِ قَبَضَهُ مِنِّي مُوَكِّلُك.
الثَّالِثُ: إذَا قُضِيَ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِالْحَقِّ ثُمَّ لَقِيَ الْمُوَكِّلَ فَاعْتَرَفَ بِالْإِبْرَاءِ أَوْ الْقَبْضِ أَوْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ وَحَلَفَ الْمَطْلُوبُ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِالْحَقِّ عَلَى الْوَكِيلِ أَوْ الْمُوَكِّلِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى وَكِيلِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ عَلَى دَفْعِهِ لَهُ بَيِّنَةً وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى دَفْعِهِ لَهُ.

(وَمَنْ) شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَأُعْذِرَ لَهُ فِيهَا فَادَّعَى حُجَّةً وَ (اسْتَمْهَلَ) أَيْ طَلَبَ الْإِمْهَالَ وَالتَّأْخِيرَ (لِدَفْعِ بَيِّنَةٍ) شَهِدَتْ عَلَيْهِ أَوْ جُرِحَتْ بَيِّنَتَهُ (أُمْهِلَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ أُخِّرَ وَضُرِبَ لَهُ أَجَلٌ (بِالِاجْتِهَادِ) مِنْ الْحَاكِمِ بِحَسَبِ الدَّعْوَى وَالْمُدَّعَى فِيهِ وَتَقَدَّمَ

كَحِسَابٍ وَشِبْهِهِ، بِكَفِيلٍ بِالْمَالِ: كَأَنْ أَرَادَ إقَامَةَ ثَانٍ،

[منح الجليل]

فِي بَابِ الْقَضَاءِ أَنَّ الْعَمَلَ بِتَفْرِيقِ الْأَجَلِ.
عب مَحَلُّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إنْ قَرُبَتْ بَيِّنَتُهُ كَجُمُعَةٍ وَإِلَّا قُضِيَ عَلَيْهِ وَبَقِيَ عَلَى حُجَّتِهِ إذَا أَحْضَرَهَا.
الْبُنَانِيُّ هَذَا كَقَوْلِ ابْنِ شَاسٍ إذَا قَالَ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَمْهِلُونِي فَلِي بَيِّنَةٌ دَافِعَةٌ أُمْهِلَ مَا لَمْ يَبْعُدْ فَيُقْضَى عَلَيْهِ وَيَبْقَى عَلَى حُجَّتِهِ إذَا أَحْضَرَهَا أهـ. وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ التَّحْدِيدِ فِي الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ عَلَى الطَّالِبِ ضَرَرًا فِي إمْهَالِ الْمَطْلُوبِ مَعَ بُعْدِ بَيِّنَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَشَبَّهَ فِي الْإِمْهَالِ بِالِاجْتِهَادِ فَقَالَ (كَ) اسْتِمْهَالِ التَّحْرِيرِ (حِسَابٍ وَشِبْهِهِ) مِنْ مُرَاجَعَةِ مَكْتُوبٍ عِنْدَهُ وَسُؤَالِ غُلَامٍ وَنَحْوِهِ لِيَتَحَقَّقَ مَا يَجِبُ بِهِ، وَيُمْهَلُ (بِكَفِيلٍ) أَيْ ضَامِنٍ (بِالْمَالِ) فَلَا يَكْفِي ضَامِنٌ بِالْوَجْهِ لِثُبُوتِ الْمَالِ وَالْإِمْهَالُ إنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ الْبَيِّنَةِ.
عب هَذَا رَاجِعٌ لِمَا قَبْلَ الْكَافِ فَقَطْ وَأَوْلَى لِقَوْلِهِ أُنْظِرَ كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا مَا بَعْدَهَا فَيَكْفِي كَفِيلٌ بِالْوَجْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا وَقَعَ طَلَبُ الْإِمْهَالِ لِنَحْوِ الْحِسَابِ بَعْدَ شَهَادَةِ بَيِّنَةٍ عَلَيْهِ بِالْمَالِ، وَيَفُوتُ الْمُصَنِّفُ حِينَئِذٍ طَلَبُ الْإِمْهَالِ لِنَحْوِ الْحِسَابِ قَبْلَ إقَامَتِهَا.
طفى هَذَا رَاجِعٌ لِمَا قَبْلَ الْكَافِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْرِيرُ تت، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَخَّرَهُ لِيُشَبِّهَ بِهِ، وَأَمَّا فِي الْحِسَابِ وَشَبِيهِهِ فَحُمِلَ بِالْوَجْهِ كَمَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَتَقْيِيدُ ابْنِ شَاسٍ تَأْخِيرَهُ بِكَفِيلٍ بِوَجْهِهِ صَوَابٌ، وَيَبْعُدُ كَوْنُهُ اعْتَمَدَ هُنَا قَوْلَهُ فِي تَوْضِيحِهِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَفِيلُ بِالْمَالِ اهـ. إذْ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ.
وَشَبَّهَ فِي الْإِمْهَالِ بِالِاجْتِهَادِ مَعَ كَفِيلٍ بِالْمَالِ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ صِلَتُهُ أَقَامَ الطَّالِبُ شَاهِدًا وَ (أَرَادَ) الطَّالِبُ (إقَامَةَ) شَاهِدٍ (ثَانٍ) وَطَلَبَ الْإِمْهَالَ فَيُمْهَلُ مَعَ كَفِيلٍ بِالْمَطْلُوبِ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ لِلطَّالِبِ الْحَلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ، أَوْ لِأَنَّ

أَوْ بِإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ: فَبِحَمِيلٍ بِالْوَجْهِ.
وَفِيهَا أَيْضًا: نَفْيُهُ، وَهَلْ خِلَافٌ، أَوْ الْمُرَادُ وَكِيلٌ يُلَازِمُهُ، أَوْ إنْ لَمْ تُعْرَفْ عَيْنُهُ، تَأْوِيلَاتٌ

[منح الجليل]

الْمَالَ ثَبَتَ بِهِ وَالْيَمِينُ اسْتِظْهَارٌ.
الْبُنَانِيُّ الْأَوْلَى أَنَّهُ تَشْبِيهٌ فِي الْإِمْهَالِ وَفِي لُزُومِ كَفِيلٍ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ قَيْدٌ لَا فِي أَحَدِهِمَا فَقَطْ، كَمَا يَقْتَضِيه كَلَامُ ابْنِ مَرْزُوقٍ (أَوْ) ادَّعَى بِمَالٍ عَلَى شَخْصٍ فَأَنْكَرَهُ وَطَلَبَ الْمُدَّعِي الْإِمْهَالَ (بِ) إرَادَتِهِ لِ (إقَامَةِ بَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ (فَ) يُمْهَلُ بِالِاجْتِهَادِ (بِحَمِيلٍ) لِلْمَطْلُوبِ (بِالْوَجْهِ) كَمَا فِي شَهَادَاتِهَا.
الْمَازِرِيُّ لَا بِالْمَالِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ شَيْءٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ (وَفِيهَا) أَيْ الْمُدَوَّنَةِ (أَيْضًا نَفْيُهُ) أَيْ كَفِيلِ الْوَجْهِ، وَنَصُّهَا مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ خُلْطَةٌ فِي مُعَامَلَةٍ فَادَّعَى عَلَيْهِ بِحَقٍّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَفِيلٌ بِوَجْهِهِ حَتَّى يَثْبُتَ حَقُّهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ إذَا ثَبَتَتْ الْخُلْطَةُ فَلَهُ عَلَيْهِ كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ لِيُوقِعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى عَيْنِهِ.
(وَ) اُخْتُلِفَ (هَلْ) مَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ (خِلَافٌ) وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ سَهْلٍ (أَوْ وِفَاقٌ) بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا لِأَبِي عِمْرَانَ (الْمُرَادُ) بِكَفِيلِ الْوَجْهِ الَّذِي فِي شَهَادَاتِهَا (وَكِيلٌ يُلَازِمُهُ) ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَكِيلِ كَفِيلٌ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ كَفِيلُ الْوَجْهِ كَمَا فِي الْحَمَّالَاتِ (أَوْ) مَعْنَى قَوْلِ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الشَّهَادَاتِ فَلَهُ عَلَيْهِ كَفِيلٌ (إنْ لَمْ تُعْرَفْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الرَّاءِ (عَيْنُهُ) أَيْ الْمَطْلُوبِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا وَأَمَّا إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِعَيْنِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ كَفِيلٌ بِوَجْهِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُسْمَعُ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ يُونُسَ.
فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَاتٌ) ثَلَاثَةٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا مَنْ ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ غَصْبًا أَوْ دَيْنًا وَاسْتِهْلَاكًا فَإِنْ عُرِفَ بِمُخَالَطَتِهِ فِي مُعَامَلَةٍ أَوْ عُلِمَتْ تُهْمَتُهُ فِيمَا ادَّعَى قِبَلَهُ مِنْ التَّعَدِّي وَالْغَصْبِ نَظَرَ فِيهِ الْإِمَامُ، فَإِمَّا أَحْلَفَهُ لَهُ أَوْ أَخَذَ لَهُ كَفِيلًا حَتَّى يَأْتِيَ بِالْبَيِّنَةِ وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ خُلْطَتُهُ وَلَا تُهْمَتُهُ فِيمَا ذُكِرَ فَلَا يَعْرِضُ لَهُ.
عِيَاضٌ بَعْضُهُمْ جَعَلَ لَهُ أَخْذَ الْكَفِيلِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ لَهُ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ وَلِغَيْرِهِ هُنَاكَ كَمَا لَهُ هُنَا.
وَقَالَ آخَرُونَ ظَاهِرُهُ أَخْذُ الْكَفِيلِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لِقَوْلِهِ، وَأَمَّا الدَّيْنُ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ وَإِلَّا فَلَا يَعْرِضُ لَهُ فَدَلَّ أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ بِخِلَافِهِ.

وَيُجِيبُ عَنْ الْقِصَاصِ: الْعَبْدُ، وَعَنْ الْأَرْشِ السَّيِّدُ

وَالْيَمِينُ فِي كُلِّ حَقٍّ

[منح الجليل]

عِيَاضٌ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْكَفِيلَ بِمَعْنَى الْمُوَكَّلِ بِهِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ لَزِمَهُ الْكَفِيلُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَةِ غَيْرُ بَيِّنٍ، لِقَوْلِهِ إنْ كَانَ يُعْرَفُ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ فِي دَيْنٍ " ق " ابْنُ يُونُسَ مَعْنَى قَوْلِ غَيْرِهِ لَهُ عَلَيْهِ كَفِيلٌ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعْرُوفًا مَشْهُورًا لِلطَّالِبِ عَلَيْهِ كَفِيلٌ بِوَجْهِهِ لِيُوقِعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى عَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ مَعْرُوفًا مَشْهُورًا فَلَيْسَ لِلطَّالِبِ عَلَيْهِ كَفِيلٌ بِوَجْهِهِ لِأَنَّا نَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.

(وَ) إنْ ادَّعَى عَلَى عَبْدٍ بِمُوجِبِ قِصَاصٍ كَفِيلٌ عَمْدًا أَوْ جُرْحٍ كَذَلِكَ فَ (يُجِيبُ عَنْ) دَعْوَى مُوجِبِ (الْقِصَاصِ الْعَبْدُ) لِأَنَّهُ الَّذِي يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ إنْ أَقَرَّ بِمُوجِبِهِ لَا سَيِّدُهُ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ وَأَقَرَّ بِهِ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ فَلَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ جَوَابَ الدَّعْوَى إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يُؤْخَذُ بِهِ الْمُجِيبُ لَوْ أَقَرَّ بِهِ وَإِقْرَارُ الْعَبْدِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِبَدَنِهِ يَلْزَمُهُ فَيَلْزَمُهُ الْجَوَابُ عَنْهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ جَوَابُ سَيِّدِهِ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَمِثْلُ الْقِصَاصِ حَدُّ الْقَذْفِ وَالتَّعْزِيرِ.
(وَ) إنْ ادَّعَى عَلَى عَبْدٍ بِمُوجِبِ أَرْشٍ كَجِنَايَةٍ خَطَأً أَوْ عَمْدًا لَا قِصَاصَ فِيهَا كَجَائِفَةٍ وَآمَّةٍ فَيُجِيبُ (عَنْ) دَعْوَى مُوجِبِ (الْأَرْشِ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَإِعْجَامِ الشَّيْنِ، أَيْ الدِّيَةِ لِنَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ (السَّيِّدُ) ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُطَالَبُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ بِهِ، فَلَا يُعْتَبَرُ جَوَابُهُ فِيهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ قَرِينَةٌ تُوجِبُ قَبُولَ إقْرَارِهِ فَيُعْتَبَرُ، فَفِي كِتَابِ دِيَاتِهَا فِي عَبْدٍ عَلَى بِرْذَوْنٍ مَشَى عَلَى أُصْبُعِ صَغِيرٍ فَقَطَعَهَا فَتَعَلَّقَ بِهِ الصَّغِيرُ وَهِيَ تَدْمَى، وَقَالَ فَعَلَ بِي هَذَا وَصَدَّقَهُ الْعَبْدُ، فَإِنَّ الْأَرْشَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ جَوَابُ دَعْوَى الْقِصَاصِ عَلَى الْعَبْدِ يُطْلَبُ مِنْ الْعَبْدِ، وَدَعْوَى الْأَرْشِ يُطْلَبُ جَوَابُهُ مِنْ سَيِّدِهِ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ إنَّمَا يُطْلَبُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْأَوَّلِ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِهِ عَامِلٌ دُونَ سَيِّدِهِ، وَفِي الثَّانِي سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِهِ عَامِلٌ دُونَ الْعَبْدِ.

(وَالْيَمِينُ) الشَّرْعِيَّةُ (فِي كُلِّ حَقٍّ) مَالِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا اللِّعَانَ وَالْقَسَامَةَ صِيغَتُهَا

بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ

[منح الجليل]

بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ) ابْنُ عَرَفَةَ وَلَفْظُ الْيَمِينِ فِي حُقُوقِ غَيْرِ اللِّعَانِ وَالْقَسَامَةِ فِيهَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ مَنْ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَمِثْلُهُ ذَكَرَ الشَّيْخُ مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ بِزِيَادَةِ لَا أَعْرِفُ غَيْرَ هَذَا.
ابْنُ رُشْدٍ فِي صِيغَةِ الْيَمِينِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ الْمَشْهُورُ قَوْلُهَا، وَقِيلَ يَزِيدُ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ فِي الْمَدَنِيَّةِ.
اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ إنْ قَالَ وَاَللَّهِ وَلَمْ يَزِدْ أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّهَا يَمِينٌ جَائِزَةٌ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا تَجْزِئَةَ فِي الْوَجْهَيْنِ.
قُلْت هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ قَالَ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيمَنْ قَالَ وَاَللَّهِ وَلَمْ يَزِدْ، أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إنَّهَا يَمِينٌ تُكَفَّرُ.
قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْ أَنَّهَا يَمِينٌ تُكَفَّرُ أَنْ تُجْزِئَ فِي الْحُقُوقِ لِاخْتِصَاصِ يَمِينِ الْخُصُومَةِ بِالتَّغْلِيظِ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ قَوْلَ أَشْهَبَ قَالَ حَمَلَ بَعْضُ أَشْيَاخِي عَنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّهُ رَأَى الِاكْتِفَاءَ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ فِي هَذَا بِقَوْلِهِ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ يَقُولُ بِاَللَّهِ وَلَيْسَ مَقْصُودُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَيَانُ اللَّفْظِ الْمَحْلُوفِ بِهِ فِي اللِّعَانِ، وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ فِي يَمِينِ اللِّعَانِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ، فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ يَقُولُ أَشْهَدُ بِعِلْمِ اللَّهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ.
وَالرَّابِعُ بِزِيَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَنَحْوِهِ.
اللَّخْمِيُّ الْمَازِرِيُّ وَفِي الْقَسَامَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ بِاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَالثَّانِي أَنْ يَقُولَ الَّذِي أَمَاتَ وَأَحْيَا، وَالثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ.
مُحَمَّدٌ وَالْعَبْدُ كَالْحُرِّ وَهُوَ مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ وَرِوَايَةُ ابْنِ كِنَانَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِزِيَادَةِ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ.
ابْنُ رُشْدٍ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أُقْسِمُ بِاَلَّذِي أَحْيَا وَأَمَاتَ، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ صِيغَةَ حَلِفِ الْقَسَامَةِ أَنْ يَقُولَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وَلَا الطَّالِبُ الْغَالِبُ الْمُدْرِكُ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا مَشْهُورُ مَذْهَبِهِ، وَفِي

وَلَوْ كِتَابِيًّا، وَتُؤُوِّلَتْ عَلَى أَنَّ النَّصْرَانِيَّ يَقُولُ: بِاَللَّهِ فَقَطْ

[منح الجليل]

كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ مَنْ حَلَفَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فَلْيَقُلْ وَرَبِّ هَذَا الْمِنْبَرِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِاَلَّذِي أَحْيَا وَأَمَاتَ وَالزِّيَادَةُ عَلَى بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عِنْدَ مَنْ رَآهَا اسْتِحْسَانٌ، إذْ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ أَجْزَأَتْهُ يَمِينُهُ.
قُلْت وَقَالَهُ اللَّخْمِيُّ.
وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إنْ كَانَ الْحَالِفُ مُسْلِمًا بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (كِتَابِيًّا) يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا (وَتُؤُوِّلَتْ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَالْهَمْزِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مُثَقَّلًا، أَيْ فُهِمَتْ الْمُدَوَّنَةُ (عَلَى أَنَّ النَّصْرَانِيَّ يَقُولُ) فِي يَمِينِهِ فِي كُلِّ حَقٍّ (بِاَللَّهِ) وَمَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (فَقَطْ) لَا يَزِيدُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْيَهُودِيُّ فَيَزِيدُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لَا يَحْلِفُ النَّصَارَى وَلَا الْيَهُودُ فِي حَقٍّ أَوْ لِعَانٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا بِاَللَّهِ، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْيَهُودِيَّ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالنَّصْرَانِيَّ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى.
ابْنُ مُحْرِزٍ فِي الْكِتَابِ فِي النَّصْرَانِيِّ لَا يَحْلِفُ إلَّا بِاَللَّهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَا يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَا يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَقَالَهُ ابْنُ شَبْلُونَ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُوَحِّدُونَ فَلَا يُكَلَّفُونَ مَا لَا يَعْتَقِدُونَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَحْلِفُونَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَا تَكُونُ مِنْهُمْ أَيْمَانًا، وَنَصَّ عَلَيْهِ مُتَقَدِّمُو عُلَمَائِنَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِحْلَافُهُمْ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَهُمْ يَنْفُونَ الصَّانِعَ.
تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ.
زَادَ عِيَاضٌ وَفَرَّقَ غَيْرُ ابْنِ شَبْلُونٍ بَيْنَ الْيَهُودِ فَأَلْزَمَهُمْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وَغَيْرِهِمْ فَلَا يُلْزِمُهُمْ لِعَدَمِ قَوْلِهِمْ بِهِ.
فِي التَّوْضِيحِ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْكِتَابِيَّ يَقُولُ فِي يَمِينِهِ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَحْلِفُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ فِي حَقٍّ أَوْ لِعَانٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا بِاَللَّهِ.
عِيَاضٌ حَمَلَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَلْزَمُهُمْ تَمَامُ الشَّهَادَةِ إذْ لَا يَعْتَقِدُونَهَا فَلَا يُكَلَّفُونَ مَا لَا يَعْتَقِدُونَ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ شَبْلُونٍ، وَفَرَّقَ غَيْرُهُ بَيْنَ الْيَهُودِ فَأَلْزَمَهُمْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وَغَيْرِهِمْ فَلَا يَلْزَمُهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّمَا قَالَ إنَّمَا يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ فَقَطْ مُفْتِيًا لَمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ أَيَزِيدُونَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، فَقَالَ يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ فَقَطْ وَلَا يَزِيدُونَ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ.
اهـ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

وَظَاهِرُ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّ الْمَجُوسِيَّ يَحْلِفُ كَمَا يَحْلِفُ الْمُسْلِمُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ.
وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ إلَّا بِاَللَّهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: الْحَطّ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْيَمِينِ مِنْ كَوْنِ حَرْفِ الْقَسَمِ فِيهَا الْبَاءَ الْمُوَحَّدَةَ؛ لِأَنَّ غَالِبَ مَنْ وَقَفْت عَلَى كَلَامِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ قَالَ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى صِيغَةِ الْيَمِينِ وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَوْ وَصِيغَةُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَاءِ وَغَيْرِهَا مِنْ حُرُوفِ الْقَسَمِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ، وَأَمَّا الْوَاوُ فَغَالِبُ مَنْ رَأَيْت كَلَامَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ وَزَرُّوقٍ وَالْجَزِيرِيِّ وَابْنِ فَرْحُونٍ وَغَيْرِهِمْ، قَالُوا وَاخْتُلِفَ إذَا قَالَ وَاَللَّهِ وَلَمْ يَزِدْ، أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ أَشْهَبُ إنْ قَالَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ بِاَللَّهِ فَقَطْ فَلَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَقُولَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ.
اللَّخْمِيُّ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّهَا أَيْمَانٌ تُكَفَّرُ أَنَّهَا تُجْزِيه، ثُمَّ قَالَ الْحَطّ وَفِي الْجَوَاهِرِ أَمَّا الْحَلِفُ فَهُوَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُقُوقِ، ثُمَّ نَقَلَهُ بِالْبَاءِ، وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِي فِي الْكِتَابِ، أَيْ الْمُدَوَّنَةِ، إنَّمَا هُوَ بِالْوَاوِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَاءِ وَالْوَاوِ، وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ وَالصَّحِيحُ الِاجْتِزَاءُ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ.
وَفِي الْمُنْتَقَى اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الَّذِي يُجْتَزَى بِهِ مِنْ التَّغْلِيظِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، فَإِنْ قَالَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَوْ قَالَ بِاَللَّهِ فَقَطْ فَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُجْزِيه حَتَّى يَقُولَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ.
اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّاءَ الْفَوْقِيَّةَ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْيَمِينِ بِحَضْرَةِ الْخَصْمِ، فَإِنْ أَحْلَفَهُ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ حُضُورِهِ فَلَا يُجْزِئُهُ قَالَهُ الْبَاجِيَّ.
الثَّالِثُ: ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا يَحْلِفُ مَعَ الْبَيِّنَةِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ طُرُوُّ مَا بِيَدِهِ مِنْ إيرَادٍ أَوْ بَيْعٍ هُوَ قَوْلُهَا فِي اللَّقْطَةِ، وَلَا يَسْتَحْلِفُ صَاحِبَ الْحَقِّ مَعَ شَاهِدَيْهِ يُرِيدُ

وَغُلِّظَتْ فِي رُبْعِ دِينَارٍ بِجَامِعٍ، كَالْكَنِيسَةِ، وَبَيْتِ النَّارِ،

[منح الجليل]

فِي غَيْرِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي غَيْرِ الرُّبْعِ عَلَى الْمَشْهُورِ اهـ. الرَّابِعُ: ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْيَمِينُ فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَقَطْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةَ يَزِيدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ وَفِي الْقَسَامَةِ وَلِلِّعَانِ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ضَيْح الْمَازِرِيُّ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ جَمِيعِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِقَوْلِهِ بِاَللَّهِ فَقَطْ، وَكَذَا لَوْ قَالَ وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا أَجْزَأَهُ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا.
الْخَامِسُ: تَعَقَّبَ الْبِسَاطِيُّ قَوْلَهُ وَتُؤُوِّلَتْ إلَخْ بِأَنَّهُ صَرِيحُهَا لَا تَأْوِيلَ لَهَا لِقَوْلِهَا وَلَا يَحْلِفُ الْيَهُودِيُّ وَلَا النَّصْرَانِيُّ إلَّا بِاَللَّهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي أَوَّلَهَا هُوَ الرَّادُّ لَهَا إلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ إلَّا بِاَللَّهِ لَا يَحْلِفُونَ بِشَيْءٍ مِنْ أَيْمَانِهِمْ الَّتِي يَعْتَقِدُونَهَا، وَلَيْسَ مُرَادُهُ الِاقْتِصَارَ عَلَى لَفْظِ بِاَللَّهِ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الِاصْطِلَاحَ أَنَّ إبْقَاءَهَا عَلَى ظَاهِرِهَا يُسَمَّى تَأْوِيلًا وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَغُلِّظَتْ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ مُثَقَّلَةً وَإِعْجَامِ الظَّاءِ الْيَمِينُ عَلَى الْحَالِفِ (فِي رُبْعِ دِينَارٍ) شَرْعِيٍّ أَوْ مَا يُسَاوِيه مِنْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَا فِي أَقَلَّ مِنْهُ وَتَغْلِيظُهَا (بِ) حَلِفِهَا (بِجَامِعٍ) لِلْجُمُعَةِ فَلَا يَكْفِي حَلِفُهَا بِغَيْرِهِ وَلَوْ مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ وَلَا يَتَعَيَّنُ مَكَانٌ مِنْ الْجَامِعِ وَقَالَ الْمِسْنَاوِيُّ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَحْلِفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فِي غَيْرِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا، وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ التَّغْلِيطِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الْخَصْمُ، وَنَصَّ الْقَرَافِيِّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ حَقُّ مَنْ تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ لِأَجْلِهِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ إذَا حَلَفَ عَلَى عَدَمِهِ، فَعَلَى وُجُوبِهِ يَحْنَثُ، وَعَلَى نَدْبِهِ لَا، وَأَيْضًا عَلَى وُجُوبِهِ تُعَادُ الْيَمِينُ لَهُ وَعَلَى نَدْبِهِ لَا، وَأَيْضًا عَلَى وُجُوبِهِ بَعْدَ الْمُمْتَنِعِ مِنْهُ نَاكِلًا وَعَلَى نَدْبِهِ لَا.
وَشَبَّهَ فِي الْجَامِعِ فِي التَّغْلِيظِ بِهِ فَقَالَ (كَالْكَنِيسَةِ) لِلنَّصْرَانِيِّ، وَالْبِيعَةِ لِلْيَهُودِيِّ (وَبَيْتِ النَّارِ لِلْمَجُوسِيِّ) زَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَحَيْثُ يُعَظِّمُونَ.
اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ فِي مَحَلِّ الْيَمِينِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي مَحَلِّهِ فِي أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ، وَفِي رُبْعِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ حَيْثُ يُعَظَّمُ مِنْهُ.
الشَّيْخُ عَنْ مُحَمَّدٍ الثَّلَاثَةُ دَرَاهِمُ رُبْعُ دِينَارٍ، وَذَكَرَهُ ابْنُ سَحْنُونٍ رِوَايَةً، وَذَكَرَ

وَبِالْقِيَامِ، لَا بِالِاسْتِقْبَالِ وَبِمِنْبَرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -

وَخَرَجَتْ الْمُخَدَّرَةُ فِيمَا ادَّعَتْ؛ أَوْ اُدُّعِيَ عَلَيْهَا، إلَّا الَّتِي لَا تَخْرُجُ نَهَارًا، وَإِنْ مُسْتَوْلَدَةً فَلَيْلًا،

[منح الجليل]

عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ الِاسْتِحْلَافَ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
(وَ) تُغَلَّظُ (بِ) حَلِفِهَا حَالَ (الْقِيَامِ) مِنْ الْحَالِفِ (لَا) تُغَلَّظُ (بِالِاسْتِقْبَالِ) مِنْ الْحَالِفِ حَالَ حَلِفِهَا هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، فَفِيهَا لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهَا، وَعَلَى التَّغْلِيظِ بِهِ جَرَى ابْنُ سَلْمُونٍ قَائِلًا بِهِ الْعَمَلُ وَصَاحِبُ التُّحْفَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَخَوَيْنِ (وَ) تُغَلَّظُ (بِ) حَلِفِهَا عِنْدَ (مِنْبَرِهِ) أَيْ النَّبِيِّ (- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) هَذَا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَحْلِفُ عَلَيْهِ وَخَصَّ مِنْبَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَلَفَ عِنْدَ مِنْبَرِي كَاذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» ، وَصَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ بِأَنَّ الْمِنْبَرَ الْمَوْجُودَ الْآنَ فِي مَوْضِعِ مِنْبَرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِثْلُهُ لِلدَّمَامِينِيِّ وَالسَّيِّدِ السَّمْهُودِيِّ وَابْنِ فَرْحُونٍ.
تت وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا لَا تُغَلَّظُ بِالزَّمَانِ فِي الْمَالِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا فِي الدِّمَاءِ وَاللِّعَانِ فَتُغَلَّظُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ.

(وَخَرَجَتْ) الْمَرْأَةُ (الْمُخَدَّرَةُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ الْمُلَازِمَةِ لِلْخِدْرِ، أَيْ السِّتْرِ بِالْكَسْرِ فِيهِمَا أَيْ لَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا، يُقْضَى عَلَيْهَا بِالْخُرُوجِ إلَى الْجَامِعِ لِتَحْلِفَ فِيهِ (فِيمَا) أَيْ رُبْعِ دِينَارٍ (ادَّعَتْ) بِهِ عَلَى غَيْرِهَا وَشَهِدَ لَهَا شَاهِدٌ يَمِينًا تُكَمِّلُ بِهَا النِّصَابَ، أَوْ لَمْ يَشْهَدْ لَهَا شَاهِدٌ وَرَدَّ الْمَطْلُوبُ الْيَمِينَ عَلَيْهَا (أَوْ) فِيمَا (اُدُّعِيَ) بِضَمِّ الدَّالِ مُثَقَّلَةً وَكَسْرِ الْعَيْنِ بِهِ (عَلَيْهَا) أَيْ الْمُخَدَّرَةِ وَأَنْكَرَتْهُ وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهَا شَاهِدٌ، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهَا شَاهِدٌ وَرَدَّ الْخَصْمُ الْيَمِينَ عَلَيْهَا.
أَبُو حَفْصٍ الْعَطَّارُ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا تَخْرُجُ أَيْ غَيْرَ مُسْتَتِرَةٍ، وَأَمَّا الَّتِي تَخْرُجُ مُسْتَتِرَةً فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَنْ لَا تَخْرُجُ أَلْبَتَّةَ نَقَلَهُ الْقَلْشَانِيُّ عَنْ الْغُبْرِينِيُّ، وَاَلَّتِي لَا تَخْرُجُ أَصْلًا تَحْلِفُ فِي بَيْتِهَا فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ مِنْ شَأْنِهَا الْخُرُوجُ فِي مَصَالِحِهَا نَهَارًا وَلَيْلًا وَمَنْ تَخْرُجُ لَهَا لَيْلًا فَقَطْ وَمَنْ لَا تَخْرُجُ أَصْلًا (إلَّا) الْمُخَدَّرَةَ (الَّتِي لَا تَخْرُجُ نَهَارًا) وَهِيَ حُرَّةٌ، بَلْ (وَ) إنْ كَانَتْ (مُسْتَوْلَدَةً) بِفَتْحِ اللَّامِ مِنْ سَيِّدِهَا الْحُرِّ (فَ) تَخْرُجُ لِلْحَلِفِ (لَيْلًا) ابْنُ عَرَفَةَ، فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا سَأَلَتْ عَنْهُ مِنْ الْمُدَبَّرَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَسُنَّتُهُنَّ فِي الْيَمِينِ سُنَّةُ الْأَحْرَارِ.

وَتُحَلَّفُ فِي أَقَلَّ بِبَيْتِهَا

وَإِنْ ادَّعَيْت قَضَاءً عَلَى مَيِّتٍ

[منح الجليل]

عِيَاضٌ قَوْلُهُ مَا سَأَلْت عَنْهُ مِنْ الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَسُنَّتُهُمْ سُنَّةُ الْأَحْرَارِ إلَّا أَنِّي أَرَى أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ كَالْحَرَائِرِ فَمِنْهُنَّ مَنْ تَخْرُجُ، وَمِنْهُنَّ مَنْ لَا تَخْرُجُ حَمَلَ بَعْضُهُمْ أَوَّلَ الْكَلَامِ عَلَى الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَأَنَّ مَا عَدَا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ كَالرِّجَالِ فِي الْخُرُوجِ لِلْيَمِينِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بِحُرْمَةِ سَادَتِهِنَّ كَالْحَرَائِرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ مُحْرِزٍ.
وَلِلْبَاجِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْحُرَّةُ وَالْعَبْدُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ سَوَاءٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ فِيمَا لَهُ بَالٌ مِنْ الْحُقُوقِ فَتَحْلِفُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْرُجُ نَهَارًا فَلْتَخْرُجْ لَيْلًا، وَتَحْلِفُ فِي الْيَسِيرِ فِي بَيْتِهَا إنْ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ تَخْرُجُ وَيَبْعَثُ الْقَاضِي إلَيْهَا مَنْ يُحَلِّفُهَا وَيُجْزِئُهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ.
اللَّخْمِيُّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ تَحْلِفُ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا فِي أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ وَفِي رُبْعِ دِينَارٍ فِي الْجَامِعِ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَتَصَرَّفُ أُحْلِفَتْ نَهَارًا وَإِلَّا أُحْلِفَتْ لَيْلًا.
وَأَجَازَ سَحْنُونٌ فِي امْرَأَتَيْنِ لَيْسَتَا مِمَّنْ يَخْرُجْنَ أَنْ تَحْلِفَا فِي أَقْرَبِ الْمَسَاجِدِ إلَيْهِمَا.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الشَّرَفِ وَالْقَدْرِ جَازَ أَنْ يَبْعَثَ الْحَاكِمُ إلَيْهَا مَنْ يُحَلِّفُهَا وَلَا مَقَالَ لِخَصْمِهَا.
عِيَاضٌ هَذَا فِيمَا تُطْلَبُ بِهِ.
ابْنُ كِنَانَةَ تَحْلِفُ النِّسَاءُ اللَّاتِي لَا تَخْرُجْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ فِيمَا اُدُّعِيَ بِهِ عَلَيْهِنَّ، فَإِنْ أَرَدْت أَنْ يَسْتَحْقِقْنَ حَقَّهُنَّ فَلْيَخْرُجْنَ إلَى مَوْضِعِ الْيَمِينِ وَقَدْ أَحْلَفَ سَحْنُونٌ أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ فِي أَقْرَبِ الْمَسَاجِدِ إلَيْهِنَّ.
وَرَأَى شُيُوخُ الْأَنْدَلُسِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِ هَؤُلَاءِ وَمَنْ امْتَنَعَتْ حُكِمَ عَلَيْهَا بِحُكْمِ الْمَلِكِ.
عِيَاضٌ لَيْسَ هَذَا بِصَوَابٍ الشَّيْخُ فِي نَوَادِرِهِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ تَخْرُجُ فِيمَا لَهُ بَالٌ فَمَنْ تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ خَرَجَتْ وَإِلَّا خَرَجَتْ بِاللَّيْلِ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِثْلُهُ.
(وَتَحْلِفُ) الْمَرْأَةُ (فِي أَقَلَّ) مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ (بِبَيْتِهَا) وَيُرْسِلُ لَهَا الْحَاكِمُ مَنْ يُحَلِّفُهَا وَيَكْفِي رَجُلٌ وَاحِدٌ وَلَا تَخْرُجُ لِلْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُغَلَّظُ فِيهِ الْيَمِينُ بِالْمَكَانِ.

(وَإِنْ) كَانَ عَلَيْك دَيْنٌ لِمَيِّتٍ وَطَلَبَهُ وَرَثَتُهُ فَ (ادَّعَيْتَ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ خِطَابٌ لِلْمَدِينِ (قَضَاءً) لِلدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْك بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ مِنْك بِهِ ثُمَّ ادَّعَيْت قَضَاءَهُ (عَلَى مَيِّتٍ) وَأَنْكَرَ وَرَثَتُهُ الْقَضَاءَ

لَمْ يَحْلِفْ إلَّا مَنْ يُظَنُّ بِهِ الْعِلْمُ مِنْ وَرَثَتِهِ

وَحَلَفَ فِي نَقْصٍ بَتًّا، وَغِشٍّ عِلْمًا،

[منح الجليل]

لَمْ) الْأَوْلَى فَلَا (يَحْلِفُ) عَلَى عَدَمِ عِلْمِهِ بِالْقَضَاءِ (إلَّا مَنْ) أَيْ الَّذِي (يُظَنُّ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ (بِهِ الْعِلْمُ) بِقَضَائِك (مِنْ وَرَثَتِهِ) الْبَالِغِينَ بِسَبَبِ مُخَالَطَتِهِ لِلْمَيِّتِ وَعِلْمِهِ بِأَسْرَارِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِدَيْنٍ لِمَيِّتٍ فَادَّعَى الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ قَضَى الْمَيِّتَ حَقَّهُ فَلَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، وَلَهُ الْيَمِينُ عَلَى مَنْ يَظُنُّ بِهِ الْعِلْمُ بِذَلِكَ مِنْ بَالِغِي وَرَثَتِهِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، وَلَا يَمِينَ عَلَى مَنْ لَا يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ، وَلَا عَلَى صَغِيرٍ الشَّيْخُ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إنْ كَانَ لِمَيِّتٍ دَيْنٌ مُبَيَّنَةٌ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ فَقَامَ وَرَثَتُهُ يَطْلُبُونَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ أَكَابِرُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا وَلِيَّهُمْ قَبَضَهُ مِنْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَلَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ سَبَبِهِ، وَلَا يَحْلِفُ الْأَصَاغِرُ وَإِنْ كَبِرُوا بَعْدَ مَوْتِهِ.

(وَ) مَنْ دَفَعَ لِآخَرَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَاطَّلَعَ آخِذُهَا فِيهَا عَلَى نَقْصٍ أَوْ غِشٍّ فَرَدَّهَا لِدَافِعِهَا فَأَنْكَرَهَا (حَلَفَ) الدَّافِعُ (فِي) دَعْوَى (نَقْصٍ) حَلِفًا (بَتًّا وَ) فِي دَعْوَى (غِشٍّ عِلْمًا) أَيْ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ؛ لِأَنَّ الْجَوْدَةَ قَدْ تَخْفَى وَلَا يَتَحَقَّقُ عَيْنُ دَرَاهِمِهِ، وَظَاهِرُهُ صَيْرَفِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقِيلَ هَذَا فِي غَيْرِ الصَّيْرَفِيِّ.
وَأَمَّا الصَّيْرَفِيُّ فَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ مُطْلَقًا.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي سَلَمِهَا الْأَوَّلِ إنْ أَصَابَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ رَأْسَ الْمَالِ رَصَاصًا أَوْ نُحَاسًا فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مَا دَفَعْت لَك إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِي فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَيَحْلِفُ مَا أَعْطَاهُ إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَخَذَهَا عَلَى أَنْ يُرِيَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَيْهِ بَدَلُهَا.
التُّونُسِيُّ إنْ حَقَّقَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ دَرَاهِمِهِ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ قَابِضُهَا عَلَى الْبَتِّ أَنَّهُ مُوقِنٌ قُلْت ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ حَلَفَ الْأَوَّلُ عَلَى الْعِلْمِ فَتَنْقَلِبُ يَمِينُهُ عَلَى خِلَافِ مَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ قُلْت ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِ الْفَاسِيِّينَ فِي صِيغَةِ يَمِينِهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، الْأَوَّلُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ مُطْلَقًا.
الثَّانِي يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ

وَاعْتَمَدَ الْبَاتُّ عَلَى ظَنٍّ قَوِيٍّ: كَخَطِّ أَبِيهِ أَوْ قَرِينَةٍ

وَيَمِينُ الْمَطْلُوبِ مَا لَهُ عِنْدِي كَذَا، وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ، وَنَفَى سَبَبًا، إنْ عُيِّنَ وَغَيْرَهُ،

[منح الجليل]

مُطْلَقًا.
الثَّالِثُ هَذَا إنْ كَانَ صَيْرَفِيًّا.
وَعَزَاهَا ابْنُ حَارِثٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ.
(وَاعْتَمَدَ الْبَاتُّ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَشَدِّ الْفَوْقِيَّةِ، أَيْ مُرِيدُ الْحَلِفِ عَلَى الْبَتِّ (فِي) إقْدَامِهِ عَلَى حَلِفِهِ بَتًّا (عَلَى ظَنٍّ قَوِيٍّ كَخَطِّ أَبِيهِ أَوْ قَرِينَةٍ) مِنْ خَصْمِهِ كَنُكُولِهِ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ أَوْ شَاهِدٍ لِأَبِيهِ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِي بَتِّ الْيَمِينِ الْقَطْعُ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ". طفى نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ زَادَ وَقِيلَ الْمُعْتَبَرُ الْيَقِينُ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَابِلْ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا مَعَ مَا قَالَهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي فَصْلِ يَمِينِ الْغَمُوسِ حَيْثُ قَالَ قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّ الظَّنَّ كَذَلِكَ.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ ذِكْرِ الْخِلَافِ وَمِنْ هُنَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ.
قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّ الظَّنَّ كَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي لَا الْأَوَّلِ.

(وَيَمِينُ) الشَّخْصِ (الْمَطْلُوبِ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُنْكِرِ صِيغَتُهَا بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ (مَا لَهُ) أَيْ الطَّالِبِ الْمُدَّعِي (عِنْدِي كَذَا) أَيْ الْقَدْرُ الْمُعَيَّنُ الَّذِي ادَّعَاهُ الطَّالِبُ كَعَشَرَةِ دَنَانِيرَ (وَلَا شَيْءَ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ بِالْعَشَرَةِ مَثَلًا مُدَّعٍ بِكُلِّ آحَادِهَا، فَحَقُّ الْيَمِينِ نَفْيُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِهَا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ إثْبَاتَ الْكُلِّ إثْبَاتٌ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَنَفْيُ الْكُلِّ لَيْسَ نَفْيًا لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ وَلِئَلَّا يَدَّعِيَ الْمُدَّعِي أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ أَقَلَّ مِنْ الْقَدْرِ الَّذِي سَمَّاهُ، وَيُعْتَذَرُ بِالنِّسْيَانِ وَيُحَلِّفُهُ ثَانِيًا، فَإِنْ لَمْ يَزِدْ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ فِي يَمِينِهِ لَزِمَهُ الْحَلِفُ ثَانِيًا عَلَى مَا تَرَكَهُ بِأَنْ يَقُولَ لَا شَيْءَ لَهُ عِنْدِي مِمَّا ادَّعَاهُ، أَوْ يَقُولَ مَا لَهُ عِنْدِي كَذَا وَلَا شَيْءَ مِنْهُ.
(وَنَفَى) الْمَطْلُوبُ فِي يَمِينِهِ (سَبَبًا) لِتَرَتُّبِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ كَبَيْعٍ وَقَرْضٍ (إنْ عُيِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا السَّبَبُ مِنْ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ (وَ) نَفَى (غَيْرَهُ) أَيْ السَّبَبِ الْمُعَيَّنِ،

فَإِنْ قَضَى نَوَى سَلَفًا يَجِبُ رَدُّهُ

وَإِنْ قَالَ وَقْفٌ، أَوْ لِوَلَدِي: لَمْ يُمْنَعْ مُدَّعٍ مِنْ بَيِّنَتِهِ،

[منح الجليل]

فَإِنْ كَانَ ادَّعَى عَلَيْهِ بِعَشَرَةٍ مِنْ سَلَفٍ فَيَقُولُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ، وَلَا شَيْءَ مِنْهَا مِنْ سَلَفٍ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ.
أَشْهَبُ إنْ لَمْ يَزِدْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَجْتَزِئُ بِيَمِينِهِ، أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا مِنْ غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ الْمُدَّعِي نَاسِيًا (فَإِنْ) كَانَ الْمَطْلُوبُ قَدْ (قَضَى) الطَّالِبَ مَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ بِلَا بَيِّنَةٍ وَجَحَدَهُ الطَّالِبُ وَاسْتَحْلَفَهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَسَلَّفْ مِنْهُ مَثَلًا حَلَفَ الْمَطْلُوبُ مَا تَقَدَّمَ (وَنَوَى) الْمَطْلُوبُ فِي نَفْسِهِ لَمْ يَتَسَلَّفْ (سَلَفًا يَجِبُ) لَك عَلَيَّ (رَدُّهُ) الْآنَ إلَيْك قَالَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ لَمَّا قِيلَ لَهُ إنْ حَلَفَ مَا تَسَلَّفَ كَانَتْ يَمِينُهُ غَمُوسًا، وَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ مَا لَا يَلْزَمُهُ.
فَإِنْ قِيلَ الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُحَلِّفِ قِيلَ مَحَلُّهُ إنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فِيهَا وَإِلَّا فَعَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ شَرْطُ الْيَمِينِ أَنْ تُطَابِقَ الْإِنْكَارَ.
قُلْت وَهُوَ قَوْلُهَا فِي الشَّهَادَاتِ مَنْ اشْتَرَى مِنْك ثَوْبًا وَنَقَدَك الثَّمَنَ فَقَبَضْته وَجَحَدْته الِاقْتِضَاءَ وَطَلَبْت يَمِينَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَك قَبْلَهُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَلَك أَنْ تُحَلِّفَهُ مَا اشْتَرَى سِلْعَةَ كَذَا بِكَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا أَرَادَ أَنْ يُورِيَ.
ابْنُ الْقَاسِمِ أَرَادَ بِقَوْلِهِ يُورِيَ الْإِلْغَازَ أَحْمَدُ بْنُ زِيَادٍ.
قُلْت لِابْنِ عَبْدُوسٍ إذَا أَسْلَفَ رَجُلًا مَالًا وَقَضَاهُ إيَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِلَا بَيِّنَةٍ وَجَحَدَ الْقَابِضُ وَأَرَادَ أَنْ يُحَلِّفَهُ أَنَّهُ مَا أَسْلَفَهُ، وَقَالَ الْمُتَسَلِّفُ بَلْ أَحْلِفُ مَا لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ قَالَ لَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ مَا أَسْلَفَهُ شَيْئًا.
قُلْت فَقَدْ اضْطَرَرْتُمُوهُ إلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ أَوْ إلَى غُرْمِ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، قَالَ يَحْلِفُ مَا أَسْلَفَهُ، وَيَعْنِي فِي ضَمِيرِهِ سَلَفًا يَجِبُ عَلَيَّ رَدُّهُ إلَيْهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَيَبْرَأُ مِنْ الْإِثْمِ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حَارِثٍ فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ بِلَفْظِ ابْنِ شَاسٍ.

(وَإِنْ) ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَطَلَبَ مِنْهُ الْجَوَابَ فَ (قَالَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (هُوَ) أَيْ الْمُدَّعَى بِهِ (وَقْفٌ) عَلَى فُلَانٍ أَوْ الْمَسَاكِينِ (أَوْ) قَالَ هُوَ (لِوَلَدِي) مَثَلًا (لَمْ) الْأَوْلَى فَلَا (يُمْنَعُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ (مُدَّعٍ) لِذَلِكَ الشَّيْءِ (مِنْ) إقَامَةِ (بَيِّنَةٍ) عَلَى أَنَّهُ لَهُ بِحَضْرَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الرَّشِيدِ أَوْ نَاظِرِ الْوَقْفِ أَوْ وَلِيِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمَحْجُورِ.
ابْنُ شَاسٍ إنْ ادَّعَى

وَإِنْ قَالَ لِفُلَانٍ، فَإِنْ حَضَرَ: اُدُّعِيَ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ فَلِلْمُدَّعِي تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ وَغَرِمَ مَا فَوَّتَهُ،

[منح الجليل]

عَلَيْهِ مِلْكًا فَقَالَ لَيْسَ لِي إنَّمَا هُوَ وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ عَلَى وَلَدِي أَوْ هُوَ مِلْكٌ لِطِفْلٍ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ إقَامَةَ بَيِّنَةٍ لِلْمُدَّعِي حَتَّى يُثْبِتَ مَا ذَكَرَ، فَتُوقَفُ الْخُصُومَةُ عَلَى حُضُورِ مَنْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا مُقْتَضَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ، وَمُقْتَضَى إقْرَارِهِ بِذَلِكَ لِحَاضِرٍ أَوْ غَائِبٍ وَلَمْ أَعْلَمْ مَنْ ذَكَرَ نَفْسَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا إلَّا الْغَزَالِيَّ فِي وَجِيزِهِ.
(وَإِنْ قَالَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ (لِفُلَانٍ فَإِنْ) كَانَ قَدْ (حَضَرَ فُلَانٌ اُدُّعِيَ) بِضَمِّ الدَّالِ مُثَقَّلَةً وَكَسْرِ الْعَيْنِ (عَلَيْهِ) أَيْ انْتَقَلَتْ الدَّعْوَى عَلَيْهِ إنْ صَدَّقَ الْأَوَّلَ فِي أَنَّهُ لَهُ (فَإِنْ حَلَفَ) فُلَانٌ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى نَفْيِ الدَّعْوَى لِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا أَوْ انْفِرَادِ شَاهِدٍ وَرُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ (فَلِلْمُدَّعِي تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ) أَنَّهُ مَا أَقَرَّ إلَّا بِحَقٍّ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ (وَإِنْ نَكَلَ) الْمُقِرُّ (حَلَفَ) الْمُدَّعِي أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ لَهُ لَا لِلْمُقَرِّ لَهُ (وَغَرَّمَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا الْمُدَّعِي الْمُقِرَّ (مَا) أَيْ الشَّيْءَ الْمُدَّعَى بِهِ الَّذِي (فَوَّتَهُ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا الْمُقِرُّ عَلَى الْمُدَّعِي بِإِقْرَارِهِ بِهِ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ، فَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا غَرِمَ مِثْلَهُ، وَإِنْ كَانَ مُقَوَّمًا غَرِمَ قِيمَتَهُ.
الْمَازِرِيُّ لَوْ قَالَ هُوَ لِفُلَانٍ وَهُوَ حَاضِرٌ يُصَدِّقُهُ سُلِّمَ لَهُ الْمُدَّعَى فِيهِ، وَتَصِيرُ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي وَلِلْمُدَّعِي إحْلَافُ الْمُقِرِّ أَنَّهُ مَا أَقَرَّ إلَّا بِحَقٍّ إذْ لَوْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْبَاطِلِ، وَأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ إنَّمَا هُوَ لِمُدَّعِيهِ لَزِمَهُ الْغُرْمُ لِإِتْلَافِهِ حَقَّهُ، فَإِنْ حَلَفَ أَنَّهُ مَا أَقَرَّ إلَّا بِالصِّدْقِ، وَلَا حَقَّ فِيهِ لِلْمُدَّعِي سَقَطَ مَقَالُ الْمُدَّعِي، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَهَاهُنَا اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ غَرَامَةَ الْمُقِرِّ لِإِتْلَافِهِ بِإِقْرَارِهِ وَمَا أَقَرَّ بِهِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْإِتْلَافَ، وَإِذَا تَوَجَّهَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُقَرِّ لَهُ وَجَبَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَثَبَتَ حَقُّهُ، فَإِنْ نَكَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهَلْ لَهُ تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ أَمْ لَا؟ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
ابْنُ عَرَفَةَ نَحْوُهُ قَوْلُ عِيَاضٍ إذَا اطَّلَعَ بَائِعُ سِلْعَةٍ مِنْ وَكِيلٍ عَلَى شِرَائِهَا عَلَى زَائِفٍ فِي الثَّمَنِ فَأَحْلَفَ الْآمِرَ فَنَكَلَ فَوَجَبَتْ الْيَمِينُ

أَوْ غَابَ لَزِمَهُ يَمِينٌ أَوْ بَيِّنَةٌ، وَانْتَقَلَتْ الْحُكُومَةُ لَهُ، فَإِنْ نَكَلَ أَخَذَهُ بِلَا يَمِينٍ، وَإِنْ جَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ فَصَدَّقَ الْمُقِرَّ، أَخَذَهُ.

[منح الجليل]

لِلْبَائِعِ فَنَكَلَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْمَأْمُورَ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ عَنْ يَمِينِ الْآمِرِ نُكُولٌ عَنْ يَمِينِ الْمَأْمُورِ.
وَعَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ حَضَرَ فَقَالَ (أَوْ غَابَ) الْمُقَرُّ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي غَيْبَةً بَعِيدَةً لَا يُعْذَرُ لَهُ فِيهَا (لَزِمَهُ) أَيْ الْمُقِرَّ (يَمِينٌ) أَنَّهُ مَا أَقَرَّ إلَّا بِحَقٍّ (أَوْ بَيِّنَةٌ) عَلَى أَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ أَوْدَعَهُ أَوْ رَهَنَهُ عِنْدَهُ (وَ) إنْ حَلَفَ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ (انْتَقَلَتْ الْحُكُومَةُ لَهُ) أَيْ الْغَائِبِ فَيُنْتَظَرُ قُدُومُهُ (وَإِنْ نَكَلَ) الْمُقِرُّ وَلَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ عَلَى ذَلِكَ (أَخَذَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي الْمُدَّعَى بِهِ (بِلَا يَمِينٍ وَإِنْ جَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ فَصَدَّقَ الْمُقِرَّ) فِي إقْرَارِهِ أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ لَهُ (أَخَذَهُ) أَيْ الْمُقَرُّ لَهُ الْمُدَّعَى بِهِ مِنْ الْمُدَّعِي بِيَمِينٍ لِقَوْلِهِ وَانْتَقَلَتْ الْحُكُومَةُ لَهُ، وَأَمَّا إنْ حَلَفَ الْمُقِرُّ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ لِلْغَائِبِ، فَقَدِمَ وَصَدَّقَ الْمُقِرَّ فَيَأْخُذُهُ بِلَا يَمِينٍ وَتَنْتَقِلُ الْحُكُومَةُ لَهُ.
الْحَطّ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ غَائِبًا فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَوْ غَابَ، وَالْأَحْسَنُ وَإِنْ غَابَ، أَيْ الْمُقَرُّ لَهُ فِي التَّوْضِيحِ، فَإِنْ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ لِمُدَّعِيهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، وَلَا خِلَافَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُجَرَّدًا عَنْ يَمِينٍ أَوْ بَيِّنَةٍ اهـ. فَلِذَا قَالَ هَذَا لَزِمَهُ، أَيْ الْمُقِرَّ يَمِينٌ أَوْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَلَا كَلَامَ أَنَّ الْخُصُومَةَ تَنْتَقِلُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْغَائِبِ كَمَا قَالَ، وَانْتَقَلَتْ الْحُكُومَةُ لَهُ، أَيْ الْغَائِبِ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ وَأَرَادَ الْمُدَّعِي تَحْلِيفَ الْمُقِرِّ، فَقَالَ أَشْهَبُ تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، فَإِنْ نَكَلَ الْمُقِرُّ عَنْ الْيَمِينِ أَخَذَهُ الْمُدَّعِي بِلَا يَمِينٍ وَإِنْ جَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ وَصَدَّقَ الْمُقِرَّ أَخَذَهُ، وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَإِنْ جَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ وَصَدَّقَ الْمُقِرَّ أَخَذَهُ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُمْ إذَا أَقَامَ الْمُقِرُّ بَيِّنَةً أَوْ حَلَفَ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُمْ إذَا نَكَلَ الْمُقِرُّ عَنْ الْيَمِينِ وَأَخَذَهُ الْمُدَّعِي بِلَا يَمِينٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ لَا يَأْخُذُهُ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَازِرِيُّ لَوْ أَقَرَّ بِهِ لِغَائِبٍ لَا يُعْذَرُ إلَيْهِ لِبُعْدِ غَيْبَتِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ اتِّفَاقًا،

وَإِنْ اسْتَحْلَفَ وَلَهُ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، أَوْ كَالْجُمُعَةِ يَعْلَمُهَا لَمْ تُسْمَعْ

وَإِنْ نَكَلَ فِي مَالٍ وَحَقِّهِ اسْتَحَقَّ بِهِ

[منح الجليل]

فَإِنْ أَرَادَ تَحْلِيفَهُ سُئِلَ فَإِنْ قَالَ رَجَاءَ أَنْ يَنْكَلَ فَأَحْلِفَ وَأُغَرِّمُهُ قِيمَتَهُ جَرَى عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي تَوَجُّهِ الْغُرْمِ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ لِغَيْرِهِ دُونَ مُبَاشَرَةِ إتْلَافِهِ، فَمَنْ أَغْرَمَهُ يُحَلِّفْهُ وَمَنْ لَا فَلَا، وَإِنْ قَالَ رَجَاءَ أَنْ يَنْكَلَ فَأَحْلِفَ وَاسْتَحِقَّ نَفْسَ الثَّوْبِ، فَذَكَرَ سَحْنُونٌ مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِدَارٍ فِي يَدِهِ فَقَالَ هِيَ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ، فَإِنْ حَلَفَ بَقِيَتْ الدَّارُ بِيَدِهِ، وَإِنْ نَكَلَ أَخَذَهَا الْمُدَّعِي دُونَ يَمِينٍ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ فَيَأْخُذَ بِإِقْرَارِ الْمُقِرِّ.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَشْيَاخِي إسْقَاطَ الْيَمِينِ عَنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَدَّعِ عَلَيْهِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ أَوْدَعَهُ السِّلْعَةَ أَوْ رَهَنَهُ إيَّاهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَلِفُ لِإِثْبَاتِ مِلْكِ غَيْرِهِ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَأَخَذَ الْمُدَّعَى فِيهِ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ فَيُخَاصِمَهُ، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ هَذَا صِيَانَةٌ لِقَاعِدَةِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّا لَوْ مَنَعْنَا الْمُدَّعِيَ مِنْ الْمُدَّعَى فِيهِ، وَلَا يَحْلِفُ لَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا فَعَلَ كُلُّ مُدَّعًى عَلَيْهِ ذَلِكَ بِأَنْ يُضِيفَ الْمُدَّعَى فِيهِ لِغَائِبٍ.

(وَإِنْ) ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ بِمَالٍ فَأَنْكَرَهُ وَ (اسْتَحْلَفَ) أَيْ طَلَبَ الْمُدَّعِي الْيَمِينَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَحَلَفَ (وَ) الْحَالُ (لَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (بِبَيِّنَةٍ حَاضِرَةٍ) بِالْبَلَدِ يَعْلَمُهَا (أَوْ) غَائِبَةٍ غَيْبَةً قَرِيبَةً (كَالْجُمُعَةِ يَعْلَمُهَا) أَيْ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ ثُمَّ أَرَادَ إقَامَتَهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَخَذَ حَقَّهُ مِنْهُ (لَمْ) الْأَوْلَى فَلَا (تُسْمَعُ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ، أَيْ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَهَا بِاسْتِحْلَافِهِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ يَعْلَمُهَا مِمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْهَا، فَإِنَّهَا تُسْمَعُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَظَاهِرُهُ كَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ اسْتِحْلَافَهُ مُسْقِطٌ لِبَيِّنَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمَطْلُوبُ، وَقَيَّدَهُ الشَّارِحُ بِحَلِفِهِ.
عج وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ.
طفى وَهُوَ صَوَابٌ، فَفِيهَا وَإِنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ وَجَدَ الطَّالِبَ بَيِّنَتَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا قَضَى لَهُ بِهَا، وَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِبَيِّنَتِهِ تَارِكًا لَهَا وَهِيَ حَاضِرَةٌ أَوْ غَائِبَةٌ فَلَا حَقَّ عَلَيْهِ وَإِنْ قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ اهـ. فَدَلَّ أَوَّلُ كَلَامِهَا عَلَى أَنَّ " اسْتَحْلَفَهُ " لَيْسَ لِلطَّلَبِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ حَلَّفَهُ.

(وَإِنْ) ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ بِمَالٍ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ فَأَنْكَرَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ فَاسْتَحْلَفَهُ فَ (نَكَلَ) الْمَطْلُوبُ (فِي مَالٍ وَحَقِّهِ) أَيْ مُتَعَلِّقِ الْمَالِ كَأَجَلٍ وَخِيَارٍ (اسْتَحَقَّ) الطَّالِبُ

إنْ حَقَّقَ،

[منح الجليل]

مَا ادَّعَاهُ (بِهِ) أَيْ نُكُولَ الْمَطْلُوبِ (بِيَمِينٍ) مِنْ الطَّالِبِ (إنْ حَقَّقَ) الْمُدَّعِي مَا ادَّعَاهُ.
وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُحَقِّقْ الطَّالِبُ دَعْوَاهُ وَاتَّهَمَ الْمَطْلُوبَ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا ادَّعَاهُ بِمُجَرَّدِ نُكُولِ الْمَطْلُوبِ عَلَى الْمَشْهُورِ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ زَرْقُونٍ اُخْتُلِفَ فِي تَوَجُّهِ يَمِينِ التُّهْمَةِ فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَالسَّرِقَةِ أَنَّهَا تَتَوَجَّهُ، وَقَالَهُ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا تَتَوَجَّهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَنْقَلِبُ، وَفِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ السَّرِقَةِ أَنَّهَا تَنْقَلِبُ.
الْبَاجِيَّ إنْ ادَّعَى الْمُودَعُ تَلَفَ الْوَدِيعَةِ وَالْمُودِعُ تَعَدِّيَهُ عَلَيْهَا صُدِّقَ الْمُودَعُ، إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ فَيَحْلِفَ قَالَهُ أَصْحَابُ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ". ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ هُنَا أَفَادَهُ الْحَطّ.
طفى قَوْلُهُ بِيَمِينٍ إنْ حَقَّقَ تَفْرِيعٌ عَلَى تَوَجُّهِ يَمِينِ التُّهْمَةِ، وَقَوْلُهُ فِي الْقَضَاءِ فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ إلَخْ، يَقْتَضِي عَدَمَ سَمَاعِ دَعْوَى التُّهْمَةِ فَضْلًا عَنْ عَدَمِ تَوَجُّهِ الْيَمِينِ فِيهَا، وَفِيهِ خِلَافٌ، فَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْقَوْلَانِ التَّوَجُّهُ وَعَدَمُهُ.
ابْنُ فَرْحُونٍ الْمُتَيْطِيُّ اُخْتُلِفَ فِي الدَّعْوَى إذَا لَمْ تُحَقَّقْ، فَظَاهِرُ مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَجِبُ إلَّا بِتَحْقِيقِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ قَالَ إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الصَّدَاقِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنْ كَانَ الْبِنَاءُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ أَوْ وَرَثَتِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَجِبُ عَلَى وَرَثَتِهِ إلَّا أَنْ تَدَّعِيَ الْمَرْأَةُ أَوْ وَرَثَتُهَا عَلَيْهِمْ الْعِلْمَ بِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ شَيْئًا فَيَجِبُ الْيَمِينُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَمِينَ عَلَى غَائِبٍ وَلَا عَلَى مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُوجِبْ عَلَى وَرَثَةِ الزَّوْجِ الْيَمِينَ حَتَّى يَدَّعِيَ عَلَيْهِمْ وَرَثَةُ الزَّوْجَةِ الْعِلْمَ، وَكَذَا مَذْهَبُهُ فِي كِتَابِ التَّدْلِيسِ فِي الدَّابَّةِ إذَا رُدَّتْ بِعَيْبٍ فَطَلَبَ الْبَائِعُ يَمِينَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَا اسْتَخْدَمَهَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِالْعَيْبِ، فَقَالَ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا بِتَحْقِيقِ الدَّعْوَى أَوْ يَدَّعِي أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مُخْبِرٌ.
ابْنُ أَبِي زَيْدٍ مُخْبِرُ صِدْقٍ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إسْقَاطِ الْيَمِينِ.
وَأَمَّا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ بِغَيْرِ تَحْقِيقِ الدَّعْوَى فَمَا وَقَعَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ إذَا قَبِلَ الدَّرَاهِمَ وَلَمْ يَعْرِفْهَا، وَكَذَا مَسْأَلَةُ كِتَابِ الشُّفْعَةِ فِي الْمَوْهُوبِ لَهُ الشِّقْصُ أَوْ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَحْلِفُ أَنَّك مَا بِعْته مِنْهُ أَوْ مَا عَوَّضْته سِرًّا وَأَرَدْتُمَا قَطْعَ الشُّفْعَةِ بِمَا أَظْهَرْتُمَا، فَقَالَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ حَلَّفَهُ وَإِلَّا فَلَا يُحَلِّفُهُ، فَأَوْجَبَ الْيَمِينَ مَعَ عَدَمِ تَحْقِيقِ

وَلْيُبَيِّنْ الْحَاكِمُ حُكْمَهُ

[منح الجليل]

الدَّعْوَى اهـ. قُلْت وَمَسْأَلَةُ الْوَكِيلِ هِيَ قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا وَقَبِلَهَا حَلَفَ الْآمِرُ لَهُ أَنَّهُ مَا يَعْرِفُهَا مِنْ دَرَاهِمِهِ وَمَا أَعْطَاهُ إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِهِ وَبَرِئَ، وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ شَرْطَ الْمُدَّعَى بِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مُحَقَّقًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ خِلَافًا.
وَفِي رَسْمِ الطَّلَاقِ مِنْ سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ مَنْ دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ ثُمَّ مَاتَ فَطَلَبَتْ صَدَاقَهَا حَلَفَ الْوَرَثَةُ مَا تَعْلَمُ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ صَدَاقٌ.
ابْنُ رُشْدٍ عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ وَإِنْ لَمْ تَدَّعِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
خِلَافُ مَا فِي النِّكَاحِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَمَا فِي الْغَرَرِ مِنْهَا فِي التَّدَاعِي فِي مَوْتِ الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ عَلَى الصِّفَةِ، فَإِنْ نَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْ صَدَاقَهَا وَتَسْتَوْجِبُهُ لَا عَلَى أَنَّ الْوَرَثَةَ عَلِمُوا أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْهُ، فَهَذِهِ الْيَمِينُ تَرْجِعُ عَلَى غَيْرِ مَا نَكَلَ عَنْهُ الْوَرَثَةُ، وَلَهَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ، وَيُخْتَلَفُ فِي تَوَجُّهِ هَذِهِ الْيَمِينِ إذَا لَمْ تُحَقِّقْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهَا يَمِينُ تُهْمَةٍ وَلَا يُخْتَلَفُ فِي رُجُوعِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ لِمَا تَحْلِفُ عَلَيْهِ كَمَا يُخْتَلَفُ فِي رُجُوعِ يَمِينِ التُّهْمَةِ اهـ. وَأَشَارَ بِمَا فِي الْغَرَرِ لِقَوْلِهَا وَمَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً كَانَ قَدْ رَآهَا أَوْ مَوْصُوفَةً فَهَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهَا هَلَكَتْ بَعْدَ الصَّفْقَةِ، وَقَالَ الْمُبْتَاعُ قَبْلَ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْبَائِعُ بَيِّنَةً بِذَلِكَ كَانَتْ مِنْهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " الْأَوَّلِ، وَيَحْلِفُ الْمُبْتَاعُ عَلَى عِلْمِهِ أَنَّهَا لَمْ تَهْلِكْ بَعْدَ وُجُوبِ الْبَيْعِ إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ اهـ. إذَا عَلِمْت هَذَا ظَهَرَ لَك أَنَّ قَوْلَ عج وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ إنْ حَقَّقَ سَمَاعَ دَعْوَى التُّهْمَةِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقَضَاءِ مِنْ قَوْلِهِ فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ وَإِلَّا لَمْ تُسْمَعْ، فَهُوَ فِي غَيْرِ دَعْوَى الِاتِّهَامِ، أَمَّا فِيهَا فَتُسْمَعُ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا مَعْنَى لَهُ إذْ كُلُّ مَا خَالَفَ التَّحْقِيقَ فَهُوَ تُهْمَةٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ كَلَامُهُ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاتِّهَامِ وَكَوْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ التُّهَمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا عَلِمْته مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ يَمِينَ التُّهْمَةِ أَعْنِي الْمُقَابِلَةَ لِلْمُحَقَّقَةِ تَتَوَجَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التُّهَمِ نَعَمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ لِمُوجَبٍ وَهِيَ قَلِيلَةٌ فَتَأَمَّلْهُ.
(وَلْيُبَيِّنْ) الْحَاكِمُ لِمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ (حُكْمَهُ) أَيْ النُّكُولِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ إنْ

وَلَا يُمَكَّنُ مِنْهَا إنْ نَكَلَ بِخِلَافِ مُدَّعٍ الْتَزَمَهَا، ثُمَّ رَجَعَ

[منح الجليل]

نَكَلْت حَلَفَ خَصْمُك وَاسْتَحَقَّ مَا ادَّعَاهُ، وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ الْبَيَانِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ يَنْبَغِي الِاسْتِحْبَابُ.
طفى عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِمَا لِقَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ ظَاهِرُهُمَا أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَوَقَعَ لِمَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ الْأَمْرُ بِذَلِكَ فَقَالَ وَإِذَا جَهِلَ ذَلِكَ الْمَطْلُوبُ فَلْيَذْكُرْهُ لَهُ الْقَاضِي.

(وَلَا يُمَكَّنُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَالْكَافِ مُثَقَّلًا أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (مِنْهَا) أَيْ الْيَمِينِ (إنْ نَكَلَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ حَلِفُهَا رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ خَصْمَهُ تَعَلَّقَ لَهُ حَقٌّ بِالْيَمِينِ بِنُكُولِهِ فَلَيْسَ لَهُ إبْطَالُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ النُّكُولُ امْتِنَاعُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ مِنْهَا وَلِأَنَّ نُكُولَهُ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ خَصْمِهِ، وَرُجُوعُهُ لَهَا نَدَمٌ.
ابْنُ شَاسٍ الرُّكْنُ الرَّابِعُ النُّكُولُ وَلَا يَثْبُتُ الْحَقُّ بِمُجَرَّدِهِ وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي إلَّا إذَا تَمَّ نُكُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيَتِمُّ نُكُولُهُ بِأَنْ يَقُولَ لَا أَحْلِفُ وَأَنَا نَاكِلٌ، أَوْ يَقُولَ لِلْمُدَّعِي احْلِفْ أَنْتَ أَوْ يَتَمَادَى عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْيَمِينِ فَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِنُكُولِهِ، ثُمَّ حَيْثُ تَمَّ نُكُولُهُ ثُمَّ قَالَ أَنَا أَحْلِفُ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ قَوْلُهَا.
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إذَا نَكَلَ مُدَّعُو الدَّمِ عَنْ الْيَمِينِ وَرَدُّوا الْأَيْمَانَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَرَادُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَحْلِفُوا فَلَا يَكُونُ لَهُمْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِيمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى مَالٍ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ وَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمَطْلُوبِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَحْلِفَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَسَمِعَ عِيسَى ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي بَعْدَ أَنْ طَلَبَ يَمِينَهُ احْلِفْ أَنْتَ وَخُذْ، فَلَمَّا هَمَّ الْمُدَّعِي بِالْحَلِفِ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا أَرْضَى بِيَمِينِك مَا ظَنَنْتُك تَحْلِفُ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ مِثْلُهُ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَكِتَابِ الدِّيَاتِ، وَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ رَدَّهَا عَلَى الْمُدَّعِي وَلَوْ نَكَلَ عَنْهَا وَلَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ، فَفِي كَوْنِهِ كَذَلِكَ وَصِحَّةِ رُجُوعِهِ قَوْلَانِ لِظَاهِرِ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَدَنِيَّةِ مَعَ ظَاهِرِ قَوْلِهَا فِي الدِّيَاتِ وَظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ فِي الْمَدَنِيَّةِ.
(بِخِلَافِ مُدَّعًى) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (عَلَيْهِ الْتَزَمَهَا) أَيْ الْيَمِينَ (ثُمَّ رَجَعَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا فَلَهُ ذَلِكَ.
بَهْرَامُ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَهُ لَا يَكُونُ أَشَدَّ مِنْ إلْزَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي تَعْلِيقَةِ أَبِي عِمْرَانَ

وَإِنْ رُدَّتْ عَلَى مُدَّعٍ وَسَكَتَ زَمَنًا: فَلَهُ الْحَلِفُ

وَإِنْ حَازَ أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ شَرِيكٍ وَتَصَرَّفَ، ثُمَّ ادَّعَى حَاضِرٌ سَاكِتٌ بِلَا مَانِعٍ عَشْرَ سِنِينَ

[منح الجليل]

فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَلْتَزِمُ الْيَمِينَ ثُمَّ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إلَى إحْلَافِ الْمُدَّعِي، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَهُ لَيْسَ أَشَدَّ مِنْ إلْزَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، قَالَ وَخَالَفَنِي ابْنُ الْكَاتِبِ، وَقَالَ لَيْسَ لَهُ رَدُّ الْيَمِينِ.

(وَإِنْ رُدَّتْ) بِضَمِّ الرَّاءِ الْيَمِينُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (عَلَى مُدَّعٍ فَسَكَتَ) الْمُدَّعِي (زَمَنًا) غَيْرَ مُلْتَزِمٍ وَلَا نَاكِلٍ ثُمَّ أَرَادَ الْحَلِفَ (فَلَهُ ذَلِكَ) أَيْ الْحَلِفُ وَلَا مَقَالَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إذْ لَا يُعَدُّ سُكُوتُهُ نُكُولًا وَلَوْ طَالَ مِنْهُ.
الْبُنَانِيُّ لَوْ قَالَ وَإِنْ سَكَتَ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ زَمَانًا إلَخْ، لَكَانَ أَحْسَنَ لِشُمُولِهِ.

(وَإِنْ حَازَ) بِإِهْمَالِ الْحَاءِ وَإِعْجَامِ الزَّايِ شَخْصٌ (أَجْنَبِيٌّ) مِنْ الْمَحُوزِ عَلَيْهِ (غَيْرُ شَرِيكٍ) لِلْمَحُوزِ عَلَيْهِ فِي الْمَحُوزِ (وَتَصَرَّفَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا الْأَجْنَبِيُّ الْحَائِزُ فِي الشَّيْءِ الْمَحُوزِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ (ثُمَّ ادَّعَى) شَخْصٌ (حَاضِرٌ) بِالْبَلَدِ مَعَ الْحَائِزِ، وَاحْتَرَزَ بِحَاضِرٍ عَنْ الْغَائِبِ غَيْبَةً بَعِيدَةً كَسَبْعَةِ أَيَّامٍ (سَاكِتٌ) عَنْ مُنَازَعَةِ الْحَائِزِ الْمُتَصَرِّفِ (بِلَا مَانِعٍ) لَهُ مِنْ الْإِنْكَارِ عَلَى الْحَائِزِ وَمُنَازَعَتِهِ وَاحْتَرَزَ عَمَّنْ نَازَعَ الْمُتَصَرِّفَ وَعَمَّنْ سَكَتَ لِمَانِعٍ، كَخَوْفٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ عَدَمِ عِلْمٍ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَحَازَ الْأَجْنَبِيُّ (عَشْرَ سِنِينَ) الْبُنَانِيُّ هَذَا خَاصٌّ بِالْعَقَارِ وَالتَّحْدِيدُ بِالْعَشْرِ نَحْوُهُ فِي الرِّسَالَةِ، وَعَزَاهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِرَبِيعَةَ، وَنَصُّهَا وَلَمْ يُحِدَّ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الْحِيَازَةِ فِي الرُّبْعِ عَشْرَ سِنِينَ وَلَا غَيْرَهَا، وَقَالَ رَبِيعَةُ حَوْزُ عَشْرِ سِنِينَ يَقْطَعُ دَعْوَى الْحَاضِرِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهُ إنَّمَا أَكْرَى أَوْ أَسْكَنَ أَوْ أَخْدَمَ أَوْ أَعَارَ وَنَحْوَهُ، وَلَا حِيَازَةَ عَلَى غَائِبٍ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ حَازَ عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ» اهـ. فِي التَّوْضِيحِ بِهَذَا أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ، وَدَلِيلُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.

لَمْ تُسْمَعْ، وَلَا بَيِّنَتُهُ،

[منح الجليل]

وَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَا قَارَبَ الْعَشْرَ كَسَبْعٍ كَالْعَشْرِ، وَعَنْ مَالِكٍ تُحَدُّ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فَيَتَحَصَّلُ فِي مُدَّةِ الْحِيَازَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا لَا تُحَدُّ بِسِنِينَ مُقَدَّرَةٍ، بَلْ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ.
الثَّانِي قَوْلُ رَبِيعَةَ تُحَدُّ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَبِهِ أَخَذَ أَصْحَابُ الْإِمَامِ.
الثَّالِثُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ الثَّانِي حَدُّهَا بِسَبْعِ سِنِينَ، وَلَخَّصَهَا ابْنُ عَرَفَةَ فِي قَوْلِهِ وَفِي تَحْدِيدِ مُدَّةِ الْحِيَازَةِ بِعَشْرٍ أَوْ سَبْعٍ ثَالِثُهَا لَا تَحْدِيدَ بِمُدَّةٍ بَلْ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ.
اهـ. وَتُلَفَّقُ مِنْ حِيَازَةِ الْمُوَرِّثِ وَوَارِثِهِ كَحَوْزِ الْمُوَرِّثِ خَمْسَ سِنِينَ، وَوَارِثُهُ كَذَلِكَ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيَّةِ، وَيَجْرِي هَذَا فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ عَنْ الْعَشْرِ وَالْقَصِيرَةِ عَنْهَا الْآتِيَيْنِ.
(لَمْ) الْأَوْلَى فَلَا (تُسْمَعْ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ أَيْ دَعْوَى الْحَاضِرِ السَّاكِتِ بِلَا مَانِعٍ (وَلَا) تُسْمَعُ (بَيِّنَتُهُ) أَيْ الْحَاضِرِ السَّاكِتِ بِلَا مَانِعٍ الَّتِي تَشْهَدُ لَهُ بِمِلْكِهِ الْمَحُوزِ، أَيْ لَا يُعْمَلُ بِمُقْتَضَى شَهَادَتِهَا.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: الْحَطّ خَتَمَ الْمُصَنِّفُ بَابَ الشَّهَادَاتِ بِالْكَلَامِ عَلَى الْحِيَازَةِ؛ لِأَنَّهَا كَالشَّاهِدِ عَلَى الْمِلْكِ.
الثَّانِي: ابْنُ رُشْدٍ الْحِيَازَةُ لَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ عَنْ الْمَحُوزِ عَلَيْهِ إلَى الْحَائِزِ بِاتِّفَاقٍ، وَلَكِنَّهَا تَدُلُّ عَلَيْهِ كَإِرْخَاءِ السُّتُورِ وَمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ مَعَهَا قَوْلَ الْحَائِزِ أَنَّهُ مَلَكَهُ بِيَمِينِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَازَ شَيْئًا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ» لِأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْحُكْمَ يُوجِبُهُ لَهُ بِدَعْوَاهُ، فَإِنْ حَازَ الرَّجُلُ مَالَ غَيْرِهِ فِي وَجْهِهِ مُدَّةً تَكُونُ الْحِيَازَةُ فِيهَا عَامِلَةً وَهِيَ عَشَرَةُ أَعْوَامٍ دُونَ هَدْمٍ وَلَا بُنْيَانٍ أَوْ مَعَ الْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ عَادَ مِلْكًا لِنَفْسِهِ بِابْتِيَاعٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ بِيَمِينِهِ اهـ. وَظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ، وَفِي الشَّامِلِ وَفِي يَمِينِ الْحَائِزِ حِينَئِذٍ قَوْلَانِ الْحَطّ وَلُزُومُ الْيَمِينِ أَقْوَى وَهُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثُ: ابْنُ رُشْدٍ الْحِيَازَةُ سِتَّةُ أَقْسَامٍ أَضْعَفُهَا حِيَازَةُ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ أَوْ عَكْسُهُ، وَيَلِيهَا حِيَازَةُ الْقَرِيبِ الشَّرِيكِ، وَيَلِيهَا حِيَازَةُ الْقَرِيبِ غَيْرِ الشَّرِيكِ وَالْوَلِيِّ وَالْخَتْنِ الشَّرِيكِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

وَيَلِيهَا حِيَازَةُ الْمَوْلَى وَالْخَتْنِ غَيْرِ الشَّرِيكِ، وَيَلِيهَا حِيَازَةُ الْأَجْنَبِيِّ الشَّرِيكِ، وَيَلِيهَا حِيَازَةُ الْأَجْنَبِيِّ غَيْرِ الشَّرِيكِ وَهِيَ أَقْوَاهَا.
الرَّابِعُ: ابْنُ رُشْدٍ الْحِيَازَةُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَضْعَفُهَا السُّكْنَى وَالِازْدِرَاعُ، وَيَلِيهَا الْهَدْمُ وَالْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ وَالِاسْتِغْلَالُ، وَيَلِيهَا التَّفْوِيتُ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالنَّحْلِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْوَطْءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ إلَّا فِي مَالِهِ، وَالِاسْتِخْدَامُ فِي الرَّقِيقِ وَالرُّكُوبُ فِي الدَّوَابِّ كَالسُّكْنَى فِيمَا يُسْكَنُ وَالِازْدِرَاعُ فِيمَا يُزْرَعُ.
الْخَامِسُ: الْحِيَازَةُ عَلَى النِّسَاءِ عَامِلَةٌ إذَا كُنَّ فِي الْبَلَدِ ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي الْمُقْنِعِ.
السَّادِسُ: يُسْتَحَبُّ لِلْغَائِبِ إذَا عَلِمَ بِالْحِيَازَةِ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ عَلَى حَقِّهِ قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَالرَّجْرَاجِيُّ.
السَّابِعُ: اُخْتُلِفَ هَلْ يُطَالَبُ الْحَائِزُ بِبَيَانِ سَبَبِ مِلْكِهِ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ لَا يُطَالَبُ بِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ يُطَالَبُ بِهِ.
وَقِيلَ إنْ لَمْ يَثْبُتْ أَصْلُ الْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي فَلَا يُسْأَلُ الْحَائِزُ عَنْ بَيَانِ أَصْلِ مِلْكِهِ، وَإِنْ ثَبَتَ الْأَصْلُ لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارِ الْحَائِزِ سُئِلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَتَّابِ وَابْنُ الْقَطَّانِ لَا يُطَالَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْغَصْبِ وَالِاسْتِطَالَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ.
الثَّامِنُ: الْحَطّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ عَدَمُ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا لَا أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ ابْتِدَاءً، وَلَا يُسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ جَوَابِهَا، فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ، بَلْ يُسْأَلُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّ مِلْكَ مَا حَازَهُ لِلْمُدَّعِي وَيَعْتَقِدَ أَنَّ مُجَرَّدَ حَوْزِهِ يُوجِبُ لَهُ الْمِلْكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَوْزَ لَا يَنْقُلُ الْمِلْكِ إجْمَاعًا، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى انْتِقَالِهِ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِهِ كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ، وَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَبْطُلُ حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَإِنْ قَدُمَ» . التَّاسِعُ: الْحَطّ إنْ قِيلَ قَوْلُهُ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ وَلَا بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ سَمَاعِ الدَّعْوَى عَدَمُ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ، فَجَوَابُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ قَالَ وَلَا بَيِّنَتُهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْبَيِّنَةِ لَا تُسْمَعُ، وَاَلَّتِي عَلَيْهَا بَيِّنَةٌ تُسْمَعُ كَدَعْوَى الرَّقِيقِ الْعِتْقَ وَالزَّوْجَةِ الطَّلَاقَ، وَأَيْضًا لِيُفَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إلَّا بِالْإِمْكَانِ وَنَحْوِهِ.

إلَّا بِإِسْكَانٍ وَنَحْوِهِ؛ كَشَرِيكٍ أَجْنَبِيٍّ حَازَ فِيهَا إنْ هَدَمَ وَبَنَى

[منح الجليل]

الْعَاشِرُ الْحَطّ لَا تَسْقُطُ الْحِيَازَةُ وَلَوْ طَالَتْ الدَّعْوَى فِي الْحَبْسِ، بِهَذَا أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ مَسَائِلِ الْوَقْفِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ تَتَضَمَّنُ السُّؤَالَ عَنْ جَمَاعَةٍ وَاضِعِينَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَمُوَرِّثِهِمْ وَمُوَرِّثِ مُوَرِّثِهِمْ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ عَامًا يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَالتَّعْوِيضِ وَالْقِسْمَةِ، وَكَثِيرٍ مِنْ وُجُوهِ التَّفْوِيتِ، فَادَّعَى عَلَيْهِمْ بِوَقْفِيَّتِهَا شَخْصٌ حَاضِرٌ عَالِمٌ بِالتَّفْوِيتِ الْمَذْكُورِ وَالتَّصَرُّفِ هُوَ وَمُوَرِّثُهُ مِنْ قَبْلِهِ، وَنَصُّهُ وَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِالْحَبْسِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ التَّحْبِيسُ وَمِلْكُ الْمُحْبِسِ لِمَا حَبَسَهُ يَوْمَ تَحْبِيسِهِ، وَبَعْدَ أَنْ تَتَعَيَّنَ الْأَمْلَاكُ الْمُحْبَسَةُ بِالْحِيَازَةِ لَهَا عَلَى مَا تَصِحُّ الْحِيَازَةُ فِيهِ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى وَجْهِهِ وَأَعْذَرَ إلَى الْقَوْمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ حُجَّةٌ إلَّا تَرْكَ الْقَائِمِ وَأَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ الْقِيَامَ عَلَيْهِمْ، وَطُولَ سُكُوتِهِمَا عَنْ طَلَبِ حَقِّهِمَا بِتَفْوِيتِ الْأَمْلَاكِ، فَالْقَضَاءُ بِالْحَبْسِ وَاجِبٌ وَالْحُكْمُ بِهِ لَازِمٌ.
اهـ. وَأَفْتَى بِهِ أَيْضًا فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ مِنْ مَسَائِلِ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَاتِ فَانْظُرْهَا، وَالْجَوَابُ فِي الْحَطّ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَلَا بَيِّنَتُهُ فَقَالَ (إلَّا) بِبَيِّنَتِهِ الشَّاهِدَةِ لَهُ (بِإِسْكَانٍ) مِنْ الْمُدَّعِي لِلْحَائِزِ فِي الْعَقَارِ بِأُجْرَةٍ أَوْ بِلَا أُجْرَةٍ (وَنَحْوِهِ) أَيْ الْإِسْكَانِ كَإِعْمَارٍ وَمُسَاقَاةٍ وَمُزَارَعَةٍ.
ابْنُ رُشْدٍ الْحِيَازَةُ لَا يَنْتَفِعُ الْحَائِزُ بِهَا إلَّا أَنْ يَجْهَلَ أَصْلَ دُخُولِهِ فِيهَا، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ أَصْلَ دُخُولِهِ فِيهَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ مَا مِنْ غَصْبٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ إسْكَانٍ أَوْ إرْفَاقٍ فَلَا يَنْتَفِعُ بِطُولِ حِيَازَتِهِ لَهُ إلَّا أَنْ يَطُولَ زَمَنُ ذَلِكَ جِدًّا، وَلَمْ يَحُدَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ حَدًّا إلَّا أَنَّهُ قَالَ قَدْرَ مَا يُخْشَى أَنْ يَكُونَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ الْحَقَّ هَلَكَ أَوْ نَسِيَ لِطُولِ زَمَانِهِ، فَيَحْلِفَ مَعَ بَيِّنَتِهِ، وَيَقْضِي لَهُ إنْ ادَّعَى الْحَائِزُ أَنَّ الْمَالِكَ بَاعَهُ مَثَلًا.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَدَّعِ نَقْلَ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا تَمَسَّك بِمُجَرَّدِ الْحِيَازَةِ فَلَا يَحْلِفُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ فَقَالَ (كَشَرِيكٍ) لِلْمُدَّعِي (أَجْنَبِيٍّ) مِنْهُ (حَازَ) الْعَقَارَ عَنْ شَرِيكِهِ (فِيهَا) أَيْ الْعَشْرِ سِنِينَ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى الْمُدَّعِي بَعْدَهَا وَلَا بَيِّنَتُهُ (إنْ هَدَمَ) الْحَائِزُ الْعَقَارَ الَّذِي لَمْ يَخْشَ سُقُوطَهُ (وَبَنَى) الْعَقَارَ، فَإِنْ هَدَمَ مَا خَشِيَ سُقُوطَهُ

وَفِي الشَّرِيكِ الْقَرِيبِ مَعَهُمَا قَوْلَانِ؛ لَا بَيْنَ أَبٍ وَابْنِهِ، إلَّا بِكَهِبَةٍ إلَّا أَنْ يَطُولَ مَعَهُمَا

[منح الجليل]

أَوْ كَانَ يَسِيرًا فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْحِيَازَةِ.

(وَفِي) تَحْدِيدِ مُدَّةِ حِيَازَةِ (الشَّرِيكِ) لِلْقَائِمِ (الْقَرِيبِ) لَهُ (مَعَهُمَا) أَيْ الْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ (قَوْلَانِ) لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ مَرَّةً الْعَشْرُ سِنِينَ حِيَازَةٌ، وَقَالَ مَرَّةً لَيْسَتْ حِيَازَةً إلَّا أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ، أَرَادَ مِثْلَ الْأَرْبَعِينَ وَهُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ، وَسَوَاءٌ كَانُوا إخْوَةً أَوْ لَا.
وَمَفْهُومُ إنْ هَدَمَ وَبَنَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ.
ابْنُ رُشْدٍ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ بِهِمَا أَيْضًا وَهُوَ بَعِيدٌ.
(تَنْبِيهٌ) سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ حِيَازَةِ الْقَرِيبِ غَيْرِ الشَّرِيكِ، وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَجَعَلَهُ مَرَّةً كَالْقَرِيبِ الشَّرِيكِ، قَالَ فَيَكُونُ قَدْ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ أَنَّ الْحِيَازَةَ تَكُونُ بَيْنَهُمْ فِي عَشْرِ سِنِينَ مَعَ الْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا حِيَازَةَ بَيْنَهُمْ إلَّا مَعَ الطُّولِ الْكَثِيرِ وَهُوَ نَصُّ قَوْلِهِ فِي سَمَاعِ يَحْيَى، وَمَرَّةً رَآهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ قَوْلِهِ إنَّ الْحِيَازَةَ بَيْنَهُمْ بِعَشْرِ سِنِينَ مَعَ الْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ، وَهُوَ دَلِيلُ قَوْلِهِ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ اهـ. الْحَطّ فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ حُكْمَ الْقَرِيبِ غَيْرِ الشَّرِيكِ كَحُكْمِ الْقَرِيبِ الشَّرِيكِ هُوَ الرَّاجِحُ لِقَوْلِهِ إنَّهُ نَصُّ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَنَّ الثَّانِيَ مَفْهُومٌ مِنْ كَلَامِهِ، فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْحِيَازَةَ بَيْنَ الْأَقَارِبِ سَوَاءٌ كَانُوا شُرَكَاءَ أَوْ غَيْرَ شُرَكَاءَ لَا تَكُونُ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ فِي الْأَمَدِ الطَّوِيلِ الزَّائِدِ عَلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً عَلَى الْأَرْجَحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(لَا) تَكُونُ الْحِيَازَةُ (بَيْنَ أَبٍ وَابْنِهِ) بِشَيْءٍ (إلَّا بِكَهِبَةٍ) مِنْ أَحَدِهِمَا عَقَارَ الْآخَرِ لِأَجْنَبِيٍّ وَالْآخَرُ حَاضِرٌ سَاكِتٌ بِلَا مَانِعٍ، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الصَّدَقَةَ وَالْبَيْعَ وَالْعِتْقَ وَالتَّدْبِيرَ وَالْكِتَابَةَ وَالْوَطْءَ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ إلَّا الْمَالِكُ فِي مِلْكِهِ فَيُعْتَبَرُ اتِّفَاقًا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَلَا تُعْتَبَرُ الْحِيَازَةُ بَيْنَهُمَا بِهَدْمٍ وَبِنَاءٍ إذَا فَعَلَهُ أَحَدُهُمَا فِي عَقَارِ الْآخَرِ وَادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ، سَوَاءٌ قَامَ عَلَيْهِ الْآخَرُ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَطُولَ

مَا تَهْلِكُ الْبَيِّنَاتُ، وَيَنْقَطِعُ الْعِلْمُ، وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْأَجْنَبِيِّ، فَفِي الدَّابَّةِ وَأَمَةِ الْخِدْمَةِ السَّنَتَانِ، وَيُزَادُ فِي عَبْدٍ وَعَرْضٍ.

[منح الجليل]

مَعَهُمَا) أَيْ الْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ (مَا) أَيْ زَمَانٌ (تَهْلِكُ) مَعَهُ (الْبَيِّنَاتُ وَيَنْقَطِعُ) فِيهِ (الْعِلْمُ) الْحَطّ مُحَصَّلُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْحِيَازَةَ لَا تَكُونُ بَيْنَ أَبٍ وَابْنِهِ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالرُّكُوبِ اتِّفَاقًا، وَكَذَا الْأَقَارِبُ الشُّرَكَاءُ بِمِيرَاثٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَكَذَا الشُّرَكَاءُ الْأَجَانِبُ بِخِلَافِ الْأَجَانِبِ الَّذِينَ لَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمْ، فَالْحِيَازَةُ بَيْنَهُمْ عَشَرَةُ أَعْوَامٍ عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَدْمٌ وَلَا بُنْيَانٌ، وَإِنْ حَصَلَ هَدْمٌ وَبُنْيَانٌ وَغَرْسٌ فَتَكْفِي الْأَعْوَامُ الْعَشَرَةُ فِي الشَّرِيكِ الْأَجْنَبِيِّ، وَفِي الشَّرِيكِ الْقَرِيبِ مَعَ ذَلِكَ قَوْلَانِ.
وَفِي كَوْنِ ذَلِكَ فِي الْقَرِيبِ غَيْرِ الشَّرِيكِ وَالْمَوْلَى وَالصِّهْرِ الشَّرِيكَيْنِ حِيَازَةً.
ثَالِثُهَا فِي الصِّهْرِ وَالْمَوْلَى دُونَ الْقَرِيبِ.
وَفِي كَوْنِ السُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ فِي الْعَشْرِ حِيَازَةً لِمَوْلًى وَصِهْرٍ غَيْرِ شَرِيكَيْنِ أَوْ إنْ هَدَمَ وَبَنَى فِي الْعَشْرِ أَوْ إنْ طَالَ جِدًّا أَقْوَالٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا تَحْصُلُ الْحِيَازَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْوَطْءِ وَلَوْ بَيْنَ أَبٍ وَابْنِهِ وَلَوْ قَصُرَتْ الْمُدَّةُ إلَّا أَنَّهُ إنْ حَضَرَ مَجْلِسَ الْبَيْعِ وَسَكَتَ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ لَزِمَهُ الْبَيْعُ فِي حِصَّتِهِ وَكَانَ لَهُ الثَّمَنُ، وَإِنْ سَكَتَ بَعْدَهُ الْعَامَ وَنَحْوَهُ اسْتَحَقَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ بِالْحِيَازَةِ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ فَقَامَ حِينَ عَلِمَ أَخَذَ حَقَّهُ، وَإِنْ سَكَتَ الْعَامَ وَنَحْوَهُ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الثَّمَنُ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ وَاسْتَحَقَّهُ الْحَائِزُ، وَإِنْ حَضَرَ مَجْلِسَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ فَسَكَتَ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ فَلَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ ثُمَّ عَلِمَ فَإِنْ قَامَ حِينَئِذٍ كَانَ لَهُ حَقُّهُ، وَإِنْ سَكَتَ الْعَامَ وَنَحْوَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَيُخْتَلَفُ فِي الْكِتَابَةِ هَلْ تُحْمَلُ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ عَلَى الْعِتْقِ قَوْلَانِ.
(وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ) أَيْ الْعَقَارُ (مِنْ غَيْرِهَا) مِنْ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالْعُرُوضِ (فِي) مُدَّةِ حِيَازَةِ (الْأَجْنَبِيِّ فَفِي الدَّابَّةِ) بِالنِّسْبَةِ لِرُكُوبِ الْأَجْنَبِيِّ السَّنَتَانِ (وَ) فِي (أَمَةِ الْخِدْمَةِ السَّنَتَانِ وَيُزَادُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ عَلَى السَّنَتَيْنِ (فِي) حِيَازَةِ (عَبْدٍ وَعَرْضٍ) وَنَحْوُهُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

لِأَصْبَغَ، زَادَ وَمَا أَحْدَثَ الْأَجْنَبِيُّ فِي غَيْرِ الْأُصُولِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَطْءٍ فِي الْأَمَةِ بِعِلْمِ مُدَّعِيه أَوْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ حِينَ عَلِمَ اسْتَحَقَّهُ الْحَائِزُ بِذَلِكَ.
ابْنُ رُشْدٍ إنَّ الْأَقَارِبَ الشُّرَكَاءَ بِمِيرَاثٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا خِلَافَ أَنَّ الْحِيَازَةَ بَيْنَهُمْ لَا تَكُونُ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا تَكُونُ بِالتَّفْوِيتِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْوَطْءِ وَإِنْ لَمْ تَطُلْ الْمُدَّةُ، وَاسْتِخْدَامُ الرَّقِيقِ وَرُكُوبُ الدَّوَابِّ كَالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ، وَالِاسْتِغْلَالُ كَالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ، ثُمَّ قَالَ وَلَا فَرْقَ فِي مُدَّةِ حِيَازَةِ الْوَارِثِ عَلَى وَارِثِهِ بَيْنَ الرُّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ ذَلِكَ فِي حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ بِالِاعْتِمَارِ وَالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ فِي الْأُصُولِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالرُّكُوب وَاللُّبْسِ فِي الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ، فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ إنَّ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ فِي الثِّيَابِ حِيَازَةٌ إذَا كَانَتْ تُلْبَسُ وَتُمْتَهَنُ وَأَنَّ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ حِيَازَةٌ فِي الدَّوَابِّ إذَا كَانَتْ تُرْكَبُ، وَفِي الْإِمَاءِ إذَا كُنَّ يُسْتَخْدَمْنَ وَفِي الْعَبِيدِ وَالْعُرُوضِ فَوْقَ ذَلِكَ وَلَا يَبْلُغُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ إلَى الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ كَمَا يُصْنَعُ فِي الْأُصُولِ اهـ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ لُبْسَ الثِّيَابِ كَسُكْنَى الدَّارِ، وَأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ بِهِ حِيَازَةٌ بَيْنَ الْأَقَارِبِ وَلَوْ طَالَتْ مُدَّتُهُ، وَأَنَّ اسْتِغْلَالَ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ كَالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ فَتَحْصُلُ الْحِيَازَةُ بِهِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ.
وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّتِهَا عَلَى قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي الْمَتْنِ وَبِالْأُمُورِ الْمُفَوِّتَةِ كَالْبَيْعِ، وَعُلِمَ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا مُفَوِّتًا بَيْنَ الْأَبِ وَابْنِهِ، فَغَيْرُهُمَا بِالْأَوْلَى.
(الثَّانِي) : مَفْهُومُ قَوْلِهِ فِي الْأَجْنَبِيِّ إنَّ الْقَرِيبَ لَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ مِنْ غَيْرِهَا فِي حَقِّهِ كَانَ شَرِيكًا أَوْ غَيْرَ شَرِيكٍ.
(الثَّالِثُ) : تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الثِّيَابَ يَكْفِي فِي حِيَازَتِهَا السَّنَةُ، وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْهَا، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ دُخُولُهَا فِي الْعُرُوضِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

الرَّابِعُ) : التَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ لَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَتْنِ وَلَا مِنْ التَّوْضِيحِ وَهُوَ أَتَمُّ فَائِدَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسُ: فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يُسْقِطُ الدَّيْنَ بِهَا وَلَدٌ.
ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَسَائِلِهِ الْمَلْقُوطَةِ السَّاكِتُ طَلَبَ دَيْنَهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا قَوْلَ لَهُ، وَيُصَدَّقُ الْغَرِيمُ فِي دَعْوَى دَفْعِهِ وَلَا يُكَلَّفُ بَيِّنَةً لِإِمْكَانِ مَوْتِهِمْ أَوْ نِسْيَانِهِمْ لِلشَّهَادَةِ.
اهـ. وَمِنْ مُنْتَخَبِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ فِي مُدَّعِي دَيْنِ سَلَفٍ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُصَدَّقٌ فِي الْقَضَاءِ، إذْ الْغَالِبُ أَنْ لَا يُؤَخَّرَ السَّلَفُ مِثْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ كَالْبُيُوعَاتِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ حَقًّا قَدِيمًا وَقَامَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ حَقِّهِ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً وَنَحْوِهَا أَخَذَهُ بِهِ، وَعَلَى الْآخَرِ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ.
وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ إنَّ ذِكْرَ الْحَقِّ الْمَشْهُودِ فِيهِ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِطُولِ الزَّمَانِ كَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَذَلِكَ الدُّيُونُ وَإِنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً فِي الْأَصْلِ إذَا طَالَ زَمَانُهَا هَكَذَا وَمَنْ هِيَ لَهُ وَعَلَيْهِ حُضُورٌ، فَلَا يَقُومُ عَلَيْهِ بِدَيْنِهِ إلَّا بَعْدَ هَذَا مِنْ الزَّمَانِ.
فَيَقُولُ قَدْ قَضَيْتُك وَبَادَ شُهُودِي بِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَدِينِ غَيْرَ الْيَمِينِ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ يَقُومُ عَلَيْهِ الْيَتِيمُ بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ وَيُنْكِرُ قَبْضَهُ، فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةً يَهْلِكُ فِي مِثْلِهَا شُهُودُ الْوَصِيِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالدَّفْعِ، ثُمَّ قَالَ الْحَطّ أَحْفَظُ لِابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ إذَا تَقَرَّرَ الدَّيْنُ وَثَبَتَ لَا يَبْطُلُ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَبْطُلُ حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَإِنْ قَدُمَ» ، وَاخْتَارَهُ التُّونُسِيُّ إذَا كَانَ بِوَثِيقَةٍ فِي يَدِ الطَّالِبِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهَا بِيَدِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِهِ دَيْنَهُ إذْ الْعَادَةُ أَنَّهُ إذَا قَضَى الدَّيْنَ أَخَذَ عَقْدَهُ أَوْ مَزَّقَهُ فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ بِغَيْرِ وَثِيقَةٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ.
ابْنُ رُشْدٍ وَلَيْسَ مِنْ وَجْهِ الْحِيَازَةِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهَا الْحَائِزُ وَيُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ الْأَقَارِبِ وَالْأَجْنَبِيَّيْنِ وَالْأَصْهَارِ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ شَرْطَهَا جَهْلُ أَصْلِ وَضْعِ الْيَدِ وَهُوَ هُنَا مَعْلُومٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّادِسُ: طفى قَوْلُهُ وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْأَجْنَبِيِّ، اخْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ حَيْثُ تَكَلَّمَ عَلَى حِيَازَةِ الْأَقَارِبِ الشُّرَكَاءِ بِالْمِيرَاثِ، وَلَا فَرْقَ فِي مُدَّةِ حِيَازَةِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

الْوَارِثِ عَلَى الْوَارِثِ بَيْنَ الرُّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ ذَلِكَ فِي حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ بِالِاعْتِمَارِ وَالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ فِي الْأُصُولِ، وَالِاسْتِخْدَامِ وَالرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ فِي الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ، فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ إنَّ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ فِي الثِّيَابِ حِيَازَةٌ إذَا كَانَتْ تُلْبَسُ وَتُمْتَهَنُ، وَإِنَّ السَّنَتَيْنِ حِيَازَةٌ فِي الدَّوَابِّ إذَا كَانَتْ تُرْكَبُ.
وَفِي الْإِمَاءِ إذَا كُنَّ يُسْتَخْدَمْنَ، وَفِي الْعَبْدِ وَالْعُرُوضِ فَوْقَ ذَلِكَ، وَلَا يَبْلُغُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ إلَى عَشَرَةِ أَعْوَامٍ كَمَا فِي الْأُصُولِ هَذَا كُلُّهُ مَعْنَى قَوْلِ أَصْبَغَ دُونَ نَصِّهِ.
اهـ. فَلَمْ يَسْتَنِدْ فِي التَّفْرِيقِ الَّذِي ذَكَرَهُ إلَّا لِقَوْلِ أَصْبَغَ، فَاقْتَضَى أَنَّ أَصْبَغَ سَوَّى بَيْنَ الرُّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَالثِّيَابِ، وَمَا مَعَهَا فِي الشُّرَكَاءِ بِالْمِيرَاثِ مَعَ أَنَّ أَصْبَغَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا، فَفِي ابْنِ سَلْمُونٍ أَصْبَغَ وَمُطَرِّفٍ وَأَمَّا حِيَازَةُ الشَّرِيكِ الْوَارِثِ عَمَّنْ وَرِثَ مَعَهُ فِي الْعُرُوضِ وَالْعَبِيدِ بِالِاخْتِدَامِ وَاللُّبْسِ وَالِامْتِهَانِ مُنْفَرِدًا بِهِ عَلَى وَجْهِ الْمِلْكِ لَهُ فَالْقَضَاءُ فِيهِ أَنَّ الْحِيَازَةَ فِي ذَلِكَ فَوْقَ الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ عِنْدَ نُزُولِ ذَلِكَ اهـ. فَعِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ مُشْكِلَةٌ وَلِذَا اعْتَرَضَ ابْنُ مَرْزُوقٍ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ قَائِلًا مَفْهُومُ الْحَصْرِ يَقْتَضِي مُسَاوَاةَ الدَّارِ وَغَيْرِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَقَارِبِ فِي مُدَّةِ الْحِيَازَةِ وَلَا عَمَلَ عَلَى هَذَا الْمَفْهُومِ لِمُخَالَفَتِهِ النَّصَّ.
ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ عَنْ مُطَرِّفٍ وَمَا حَازَ الشُّرَكَاءُ وَالْوَرَثَةُ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَالدَّوَابِّ وَالْحَيَوَانِ وَجَمِيعِ الْعُرُوضِ تُخْتَدَمُ وَتُرْكَبُ وَتُمْتَهَنُ الْعُرُوض فَلَا يُقْطَعُ حَقُّ الْبَاقِينَ مَا لَمْ يَطُلْ، وَالطُّولُ فِي ذَلِكَ دُونَ الطُّولِ بَيْنَهُمْ فِي حِيَازَةِ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ وَفَوْقَ حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ اهـ. وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ مُطَرِّفٍ يَرْجِعُ لِمَا نَقَلَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ عَنْهُ مَعَ أَصْبَغَ، وَقَوْلُهُ وَالطُّولُ فِي ذَلِكَ دُونَ الطُّولِ فِي حِيَازَةِ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ مُدَّةُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ فِي كَلَامِ ابْنِ عَاصِمٍ وَغَيْرِهِ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً وَنَصُّهُ فِي تُحْفَتِهِ: وَالْأَقْرَبُونَ حَالُهُمْ مُخْتَلِفٌ ... بِحَسَبِ اعْتِمَادِهِمْ يَخْتَلِفُ فَإِنْ يَكُنْ بِمِثْلِ سُكْنَى الدَّارِ ... وَالزَّرْعُ لِلْأَرْضِ وَالِاعْتِمَارُ فَهُوَ بِمَا يُجَوِّزُ الْأَرْبَعِينَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

وَفِي مُنْتَقَى الْأَحْكَامِ إذَا حَازَ الْوَارِثُ عَلَى الْوَارِثِ الْأُصُولَ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ حِيَازَةً حَتَّى يَزِيدَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ سَنَةً خِلَافًا لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ لَا حِيَازَةَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ الشُّرَكَاءِ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ جِدًّا، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ الْكَبْشِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ يُسْلَف لَا اخْتِلَافَ أَنَّ الْحِيَازَةَ لَا تَكُونُ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ فِي حَقِّ الْأَقَارِبِ الشُّرَكَاءِ فِي الْمِيرَاثِ إلَّا عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَقَالَ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الْمَشْهُورُ إنَّ الْوَارِثِينَ لَا حِيَازَةَ بَيْنَهُمْ بِالسُّكْنَى وَالِاعْتِمَارِ.
اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ أَصْبَغَ كَمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْعَقَارِ وَغَيْرِهِ فِي حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ كَذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي حِيَازَةِ الْقَرِيبِ.
وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَسَوَّى بَيْنَ الْأُصُولِ وَغَيْرِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَجْنَبِيِّ فَفِيهَا ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ حَازَ عَلَى حَاضِرٍ عُرُوضًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ رَقِيقًا فَذَلِكَ كَالْحِيَازَةِ فِي الرُّبْعِ إذَا كَانَتْ الثِّيَابُ تُلْبَسُ وَتُمْتَهَنُ، وَالدَّوَابُّ تُرْكَبُ وَتُكْرَى، وَالْأَمَةُ تُوطَأُ، وَلَمْ يَحُدَّ لِي مَالِكٌ فِي الْحِيَازَةِ فِي الرُّبَاعِ عَشْرَ سِنِينَ وَلَا غَيْرَهَا اهـ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَقَارِبِ الشُّرَكَاءِ فَفِي رَسْمِ شَهِدَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي رَجُلٍ يَحُوزُ مَالَهُ ابْنُهُ فِي حَيَاتِهِ فِي الْحَيَوَانِ الرَّأْسِ وَالدَّابَّةِ حَتَّى يَمُوتَ أَبُوهُ وَذَلِكَ الْحَيَوَانُ فِي يَدِهِ، فَيَقُولُ وَرَثَتُهُ هَذَا الرَّأْسَ لِأَبِينَا وَالدَّابَّةُ لَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَى صَدَقَتِهِ وَلَا عَلَى عَطِيَّتِهِ، فَهَلْ يَنْتَفِعُ بِطُولِ تَقَادُمِهِ فِي يَدِهِ، وَالْأَصْلُ مَعْرُوفٌ.
ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَنْتَفِعُ بِطُولِ تَقَادُمِهِ فِي يَدِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي رَسْمِ يُسْلَف مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَنَّ الِابْنَ لَا يَنْتَفِعُ بِحِيَازَةِ الْأَرْضِ عَلَى أَبِيهِ بِالِازْدِرَاعِ وَالِاعْتِمَارِ، وَفِي رَسْمِ الْكَبْشِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى فِي امْرَأَةٍ هَلَكَ زَوْجُهَا وَتَرَكَ مَنْزِلًا وَرَقِيقًا فَعَاشَتْ الْمَرْأَةُ وَوَلَدَ الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِهَا زَمَانًا وَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ زَوْجًا وَزَوْجَيْنِ ثُمَّ هَلَكَتْ فَقَامَ وَلَدُهَا مِنْ زَوْجِهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْأَوَّلِ يَطْلُبُ مُوَرِّثَهَا مِنْ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ فِي رُبَاعِهِ وَرَقِيقِهِ فَقَالَ وَلَدُ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ قَدْ عَايَشَتْنَا أُمُّكُمْ زَمَانًا طَوِيلًا وَكَانَتْ عَالِمَةً بِحَقِّهَا، وَوَجْهُ خُصُومَتِهَا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً فَلَمْ تَطْلُبْ قِبَلَنَا شَيْئًا حَتَّى مَاتَتْ، فَقَالَ لَا أَرَى أَنْ يَقْطَعَ سُكُوتُهَا بِمَا ذَكَرْت مِنْ الزَّمَانِ مَوْرُوثُهَا مَعْرُوفًا لَهَا وَوَلَدِهَا فِي الْقِيَامِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

بِطَلَبِهِ عَلَى مِثْلِ حُجَّتِهَا لَا يَقْطَعُ حَقَّهَا طُولُ سُكُوتِهَا فِي مُوَرَّثِهَا مِنْ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حَالَ الْوَرَثَةِ عِنْدِي فِي هَذَا مُخَالِفٌ لِغَيْرِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونُوا اقْتَسَمُوا بِعِلْمِهَا حَتَّى صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ بِنَصِيبِهِ مِنْ الْإِرْثِ، وَبِأَنَّ بِحَقِّهِ مِنْ أَثْمَانِ مَا بَاعُوا وَبِحَقِّهِ مِمَّا اقْتَسَمُوا مِنْ الرَّقِيقِ وَالْعُرُوضِ وَهِيَ سَاكِتَةٌ عَالِمَةٌ لَا تَدَّعِي شَيْئًا، فَهَذَا الَّذِي يَقْطَعُ حُجَّتَهَا وَيُبْطِلُ طَلَبَهَا.
قُلْت فَإِنْ لَمْ يَقْتَسِمُوا بِبَيِّنَةٍ وَاقْتَطَعَ كُلُّ وَارِثٍ أَرْضًا يَزْرَعُهَا وَتُنْسَبُ إلَيْهِ أَوْ دَارًا يَسْكُنُهَا أَوْ رَقِيقًا يَخْتَدِمُهُ أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا يَحْتَلِبُهَا أَوْ دَوَابَّ يَسْتَغِلُّهَا فَكُلُّ وَارِثٍ قَبَضَ مِمَّا نَصَصْت لَك شَيْئًا قَدْ بَانَ بِمَنْفَعَتِهِ دُونَ إشْرَاكِهِ فَإِلَيْهِ يُنْسَبُ وَلَهُ يُعْرَفُ، وَلَوْ كُلِّفُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى الِاقْتِسَامِ لَمْ يَجِدُوهَا لِطُولِ الزَّمَانِ، وَلَيْسَ فِي يَدِ الْمَرْأَةِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ فِي يَدِهَا شَيْءٌ يَسِيرٌ، أَتَرَى هَذَا إذَا طَالَ الزَّمَانُ يَقْطَعُ حَقَّهَا مِنْ الْمَوْرُوثِ؟ قَالَ أَرَى هَذَا يَمْنَعُهَا مِنْ أَخْذِ حَقِّهَا.
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا أَرَى أَنْ يَقْطَعَ حَقَّهَا سُكُوتُهَا مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَ هَذَا إنَّهُ لَا حِيَازَةَ بَيْنَ الْأَقَارِبِ، وَقَوْلِهِ أَوْ دَوَابَّ يَسْتَغِلُّهَا هَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الِانْتِفَاعِ بِالسُّكْنَى وَالِاسْتِخْدَامِ لَا تَقَعُ الْحِيَازَةُ بِهِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ أَوْ تَقَعُ بِهِ الْحِيَازَةُ بَيْنَهُمْ، وَأَظُنُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَوْ دَوَابَّ يَسْتَعْمِلُهَا وَهُوَ طَرْدٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ.
اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ سَوَّى بَيْنَ الْأُصُولِ وَغَيْرِهَا فِي الْأَجَانِبِ وَالْأَقَارِبِ، وَلَمْ أَرَ التَّفْصِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّ التَّفْرِيقَ فِي الْأَجْنَبِيِّ فَقَطْ إلَّا أَنَّهُ رَجُلٌ حَافِظٌ، وَلَعَلَّهُ تَفَقُّهٌ لَهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ.
وَقَدْ جَرَى الْحَطّ عَلَى طَرِيقِ ابْنِ رُشْدٍ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا عج فَقَالَ اعْتِرَاضُ ابْنِ مَرْزُوقٍ صَحِيحٌ، بَلْ رُبَّمَا يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ لَهُ لِمُوَافَقَتِهِ لِمَا فِي النَّوَادِرِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ.
اهـ. كَلَامُ طفى وَقَدْ اخْتَصَرَهُ الْبُنَانِيُّ وَأَقَرَّهُ.
أَقُولُ فِي قَوْلِهِ وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَدْ سَوَّى بَيْنَ الْأُصُولِ وَغَيْرِهَا نَظَرٌ، فَإِنَّ نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ لَا يُقَيِّدُ ذَلِكَ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ التَّشْبِيهَ فِيهِ فِي التَّفْوِيتِ وَعَدَمِ سَمَاعِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ، بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ وَطْءَ الْأَمَةِ الَّذِي لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ طُولُ الْمُدَّةِ، وَبِدَلِيلِ تَخْصِيصِ الرُّبَاعِ فِي قَوْلِهِ وَلَمْ يَحُدَّ لِي مَالِكٌ فِي الْحِيَازَةِ فِي الرُّبَاعِ إلَخْ، وَبِدَلِيلِ تَقْدِيمِ التَّشْبِيهِ عَلَى بَيَانِ الْمُدَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الدِّمَاء وَالْقِصَاص وَمَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ]

1

بَاب

[منح الجليل]

بَابٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الدِّمَاءِ وَالْقِصَاصِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الْبِسَاطِيُّ هَذَا بَابٌ مُتَّسَعٌ، فَيَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ إلَيْهِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ حِفْظَ النَّفْسِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ مِنْ الْخَمْسِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فِي كُلِّ مِلَّةٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ نَقَلَ الْأُصُولِيُّونَ إجْمَاعَ الْمِلَلِ عَلَى وُجُوبِ حِفْظِ الْأَدْيَانِ وَالنُّفُوسِ وَالْعُقُولِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ الْأَنْسَابَ بَدَلَ الْأَمْوَالِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ عَمْدًا عُدْوَانًا كَبِيرَةٌ لَيْسَ بَعْدَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنْهَا، وَفِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَعَدَمِهِ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
ابْنُ رُشْدٍ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ عَمْدًا عُدْوَانًا وَإِنْفَاذُ الْوَعِيدِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ، وَأَنَّ الْوَعِيدَ لَا حِقٌ بِهِ لَا مَحَالَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ فِي الْمَشِيئَةِ، وَأَنَّ تَوْبَتَهُ مَقْبُولَةٌ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهُ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ أَبَدًا، فَقَدْ أَخْطَأَ وَخَالَفَ السُّنَّةَ، لِأَنَّ قَتْلَهُ لَا يُحْبِطُ إيمَانَهُ، وَلَا صَالِحَ أَعْمَالِهِ، لِأَنَّ السَّيِّئَاتِ لَا تُبْطِلُ الْحَسَنَاتِ وَأُخِذَ الْأَوَّلُ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ، وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ أَمْرٌ بَاطِنٌ، وَمُوجِبَ نَصْبِ الْإِمَامَةِ أَمْرٌ ظَاهِرٌ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِ إمَامَتِهِ الْجَزْمُ بِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَنَصُّهُ ابْنُ رُشْدٍ عَمْدُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ عُدْوَانًا كَبِيرَةٌ لَيْسَ بَعْدَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَفِي قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنْهُ وَإِنْفَاذِ وَعِيدِهِ مَذْهَبَا الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَإِلَى الثَّانِي ذَهَبَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لِقَوْلِهِ لَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ.
قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ قَبُولِ تَوْبَتِهِ لِعَدَمِ رَفْعِ سَابِقِ جُرْأَتِهِ وَقَبُولُ التَّوْبَةِ أَمْرٌ بَاطِنٌ، وَمُوجِبُ نَصْبِ الْإِمَامِ أَمْرٌ ظَاهِرٌ، وَأُخِذَ الْأَوَّلُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لِيَكْثُرَ الْعَمَلُ

إنْ أَتْلَفَ

[منح الجليل]

الصَّالِحُ وَالصَّدَقَةُ وَالْجِهَادُ وَالْحَجُّ فِي سَمَاعِ عِيسَى قَوْلَ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لِيَكْثُرَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالصَّدَقَةُ وَالْجِهَادُ، وَيَلْزَمُ الثُّفُورُ مَنْ تَعَذَّرَ مِنْهُ الْقَوَدُ دَلِيلُ رَجَائِهِ قَبُولَ تَوْبَتِهِ خِلَافَ قَوْلِهِ لَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ وَالْقَوْلُ بِتَخْلِيدِهِ خِلَافَ السُّنَّةِ، وَمِنْ تَوْبَتِهِ عَرْضُ نَفْسِهِ عَلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ قَوَدًا أَوْ دِيَةً، وَإِنْ فَعَلَ الْقَاتِلُ عَمْدًا عُدْوَانًا قِصَاصًا فَقِيلَ قَتْلُهُ كَفَّارَةٌ لَهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا» ، وَقِيلَ لَيْسَ بِكَفَّارَةٍ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ لَا يَنْتَفِعُ بِقَتْلِ قَاتِلِهِ، وَإِنَّمَا مَنْفَعَتُهُ لِلْأَحْيَاءِ زَجْرًا وَتَشَفِّيًا، وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةُ.
(فَائِدَتَانِ) الْأُولَى: سُئِلَ عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32] ، بِأَنَّ التَّشْبِيهَ فِي الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ بَيْنَ الْمُتَقَارِبَيْنِ جِدًّا وَقَتْلُ جَمِيعِ النَّاسِ بَعِيدٌ جِدًّا مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ وَكَذَلِكَ الْإِحْيَاءُ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْسِ إمَامٌ مُسْقِطٌ أَوْ حَاكِمٌ عَدْلٌ أَوْ وَلِيٌّ تُرْجَى بَرَكَتُهُ الْعَامَّةُ، أَوْ عَالِمٌ شَرْعِيٌّ يَنْفَعُ الْمُسْلِمِينَ بِعِلْمِهِ أَوْ نَبِيٌّ أَوْ رَسُولٌ فَلِعُمُومِ مَفْسَدَةِ قَتْلِهِ كَانَ قَتْلُهُ كَقَتْلِ كُلِّ مَنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ وَهُمْ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ جَمِيعًا.
الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] ، قِيلَ الْخِطَابُ فِيهِ لِلْوَرَثَةِ لِأَنَّهُمْ إذَا اقْتَصُّوا فَقَدْ سَلَّمُوا وَحَيَّوْا بِدَفْعِ شَرِّ الْقَاتِلِ عَنْهُمْ الَّذِي صَارَ عَدُوُّهُمْ.
وَقِيلَ لِلْقَاتِلِينَ لِأَنَّهُمْ إذَا اُقْتُصَّ مِنْهُمْ مُحِيَ الْإِثْمُ عَنْهُمْ فَيَحْيَوْنَ حَيَاةً مَعْنَوِيَّةً.
وَقِيلَ لِلنَّاسِ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ وَالْأَصْلُ وَلَكُمْ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْقِصَاصِ حَيَاةٌ لِأَنَّ الشَّخْصَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ يَكُفُّ نَفْسَهُ عَنْ الْقَتْلِ فَيَحْيَا هُوَ وَمَنْ أَرَادَ قَتْلَهُ.
وَقِيلَ لَا حَذْفَ وَالْقِصَاصُ نَفْسُهُ فِيهِ الْحِيَازَةُ لِلْجَانِي بِسَلَامَتِهِ مِنْ الْإِثْمِ وَلِغَيْرِهِ بِدَفْعِ شَرِّ الْجَانِي وَالْقِصَاصُ إمَّا مِنْ نَفْسٍ وَإِمَّا مِنْ طَرَفٍ.

وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْكَلَامِ عَلَى الْأَوَّلِ وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ الْقَاتِلُ، وَالْمَقْتُولُ وَالْقَتْلُ وَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الْقَاتِلِ فَقَالَ (إنْ أَتْلَفَ) وَلَمْ يَقُلْ قَتَلَ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ يَشْمَلُ الْمُبَاشَرَةَ وَالتَّسَبُّبَ وَالْقَتْلَ يَتَبَادَرُ مِنْهُ خُصُوصُ الْمُبَاشَرَةِ، وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ قَالَهُ الْحَطّ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ

مُكَلَّفٌ، وَإِنْ رُقَّ، غَيْرُ حَرْبِيٍّ، وَلَا زَائِدِ حُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ حِينَ الْقَتْلِ، إلَّا لِغِيلَةٍ.

[منح الجليل]

الْإِتْلَافِ الْمُبَاشَرَةُ أَيْضًا شَخْصٌ (مُكَلَّفٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ مُثَقَّلَةٌ، أَيْ مُلْزَمٌ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَعَمْدُهُمَا كَخَطَئِهِمَا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ النَّائِمُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَالْغُلَامُ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَالْمَجْنُونُ حَتَّى يُفِيقَ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِرِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَالْمَرْفُوعُ إنَّمَا هُوَ الْوُجُوبُ الَّذِي هُوَ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ.
وَأَمَّا الضَّمَانُ فَهُوَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ أَيْضًا إنْ كَانَ الْمُكَلَّفُ حُرًّا، بَلْ (وَإِنْ رُقَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الْقَافِ، أَيْ كَانَ رَقِيقًا قِنًّا أَوْ ذَا شَائِبَةٍ فَيُقْتَلُ بِمِثْلِهِ وَبِالْحُرِّ إنْ شَاءَ الْوَلِيُّ (غَيْرُ حَرْبِيٍّ) بِأَنْ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، فَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ جِنَايَتِهِ (وَ) غَيْرُ (زَائِدِ حُرِّيَّةٍ) عَلَى الْمَقْتُولِ بِأَنْ تَسَاوَيَا فِي الْحُرِّيَّةِ أَوْ الرِّقِّيَّةِ أَوْ زَادَ الْمَقْتُولُ عَلَى الْقَاتِلِ بِالْحُرِّيَّةِ فَيُقْتَلُ الرِّقُّ بِالْحُرِّ إنْ شَاءَ الْوَلِيُّ، فَإِنْ زَادَ الْقَاتِلُ عَلَى الْمَقْتُولِ بِالْحُرِّيَّةِ فَلَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالرِّقِّ.
(أَوْ) غَيْرُ زَائِدٍ (إسْلَامٍ) بِأَنْ تَسَاوَيَا فِي الْإِسْلَامِ أَوْ الْكُفْرِ أَوْ زَادَ الْمَقْتُولُ بِالْإِسْلَامِ فَيُقْتَلُ الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ وَلَوْ كَانَ الْكَافِرُ حُرًّا أَوْ الْمُسْلِمُ رَقِيقًا، فَإِنْ زَادَ الْقَاتِلُ عَلَى الْمَقْتُولِ بِالْإِسْلَامِ فَلَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ وَلَوْ كَانَ حُرًّا وَقَاتِلُهُ الْمُسْلِمُ رَقِيقًا وَيُعْتَبَرُ عَدَمُ زِيَادَةِ الْقَاتِلِ بِحُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ (حِينَ الْقَتْلِ) فَإِنْ قَتَلَ رَقِيقٌ رَقِيقًا أَوْ كَافِرٌ ذِمِّيٌّ مِثْلَهُ ثُمَّ تَحَرَّرَ الْقَاتِلُ أَوْ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ زَائِدٍ حِينَ الْقَتْلِ، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْ الْقَاتِلِ الزَّائِدِ حِينَ الْقَتْلِ بِحُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ (إلَّا) الْقَاتِلَ (لِغِيلَةٍ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ أَخْذِ مَالٍ فَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَالْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ لَكِنْ لَيْسَ قِصَاصًا، بَلْ لِدَفْعِ فَسَادٍ كَقَتْلِ الْمُحَارِبِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ.
وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا عَفْوَ فِيهِ وَلَوْ قَطَعَ يَدًا أَوْ رِجْلًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُحَارِبِ وَلَوْ صَالَحَ وَلِيُّ الدَّمِ بِالدِّيَةِ رُدَّ صُلْحُهُ وَحُكْمُهُ لِلْإِمَامِ فِي التَّوْضِيحِ حَقِيقَةُ الْغِيلَةِ خَدْعُهُ وَإِدْخَالُهُ مَوْضِعًا وَقَتْلُهُ لِأَخْذِ مَالِهِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَتْلُ الْغِيلَةِ حِرَابَةٌ وَهُوَ قَتْلُ الرَّجُلِ خُفْيَةً لِأَخْذِ مَالِهِ.
ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ أَهْلُ اللُّغَةِ قَتْلُ الْغِيلَةِ أَنْ يَخْدَعَهُ وَيَذْهَبَ بِهِ إلَى مَوْضِعٍ خُفْيَةً، فَإِذَا صَارَ فِيهِ قَتَلَهُ فَيُقْتَلُ بِهِ بِلَا عَفْوٍ.
بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِشَرْطِ كَوْنِ قَتْلِهِ عَنْ مَالٍ لَا عَنْ ثَائِرَةٍ أَيْ عَدَاوَةٍ فَيَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحِرَابَةِ.
اهـ. وَنَقَلَ الْبَاجِيَّ مِثْلَهُ عَنْ الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عِيَاضٌ أَيْ اغْتَالَهُ لِأَخْذِ مَالِهِ، وَلَوْ كَانَ لِثَائِرَةٍ فَفِيهِ الْقِصَاصُ وَالْعَفْوُ فِيهِ جَائِزٌ قَالَهُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَهُوَ صَحِيحٌ جَارٍ عَلَى الْأُصُولِ لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مُحَارِبٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمُحَارِبِ إذَا أَخَذَ الْمَالَ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ أَخْذِ الْمَالِ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
ابْنُ رُشْدٍ قَتْلُ الْغِيلَةِ هُوَ الْقَتْلُ عَلَى مَالٍ.
اهـ. وَالْغِيلَةُ فِي الْأَطْرَافِ كَالْغِيلَةِ فِي النَّفْسِ فَلَا قِصَاصَ فِيهَا، وَالْحُكْمُ لِلْإِمَامِ، إلَّا أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَفِيهِ الْقِصَاصُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي الْغِيلَةِ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
(تَنْبِيهٌ) طفي قَوْلُهُ حِينَ الْقَتْلِ الصَّوَابُ إسْقَاطُهُ كَمَا فَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ الْمُسَاوَاةُ إلَّا حِينَ الْقَتْلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مِنْ حِينِ الرَّمْيِ إلَى حُصُولِ الْقَتْلِ، إذْ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُسَاوَاةُ فِي الْحَالَيْنِ أَوْ يَقُولُ إلَى حِينِ الْقَتْلِ بِالْغَايَةِ كَمَا فَعَلَ فِيمَا بَعْدُ، وَقَوْلُ عج لَوْ رَمَاهُ فَجَرَحَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ جُرْحِهِ ثُمَّ نَزَّى الْجُرْحُ فَمَاتَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ لِأَنَّهُ مُكَافِئٌ لَهُ حِينَ الْمَوْتِ وَحِينَ السَّبَبِ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ الْمَوْتُ وَهُوَ الْجُرْحُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَافِئٍ عِنْدَ الرَّمْيِ لِأَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ عِنْدَهُ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ السَّبَبُ الْقَرِيبُ لِلْمَوْتِ غَيْرُ ظَاهِرٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ ابْنُ سَحْنُونٍ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ أَسْلَمَ نَصْرَانِيٌّ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ فَمَاتَ فَفِيهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ فِي مَالِ الْجَانِي حَالَّةً أَشْهَبُ إنَّمَا عَلَيْهِ دِيَةُ نَصْرَانِيٍّ إنَّمَا النَّظَرُ لِوَقْتِ الضَّرْبِ لَا الْمَوْتِ.
وَفِي الْجَوَاهِرِ ابْنُ سَحْنُونٍ أَصْحَابُنَا فِي مُسْلِمٍ قَطَعَ يَدَ نَصْرَانِيٍّ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ أَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَإِنْ شَاءَ أَوْلِيَاؤُهُ أَخَذُوا دِيَةَ يَدِ نَصْرَانِيٍّ، وَإِنْ أَحَبُّوا أَقْسَمُوا وَلَهُمْ دِيَةُ مُسْلِمٍ فِي مَالِ الْجَانِي حَالَّةً عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ دِيَةُ نَصْرَانِيٍّ، وَقَوْلُهُ

مَعْصُومًا لِلتَّلَفِ وَالْإِصَابَةِ بِإِيمَانٍ أَوْ أَمَانٍ.

[منح الجليل]

لِأَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ عِنْدَهُ إلَخْ، فِيهِ نَظَرٌ، وَكَادَ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ عَنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ اهـ كَلَامُ طفي.
الْبُنَانِيُّ وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بَابَا.
وَفِي ضَيْح عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَأَمَّا الْقِصَاصُ فَبِالْحِينِ مَعًا، أَيْ فَيُشْتَرَطُ دَوَامُ التَّكَافُؤِ مِنْ حُصُولِ السَّبَبِ إلَى حُصُولِ الْمُسَبَّبِ اتِّفَاقًا.
أَقُولُ إنَّمَا يُتَّجَهُ لَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالْمَوْتِ بَدَلَ الْقَتْلِ أَمَّا الْقَتْلُ فَيَعُمُّ السَّبَبَ وَمُسَبَّبَهُ فَقَدْ أَفَادَتْ عِبَارَتُهُ اشْتِرَاطَهُمَا حَالَهُمَا مَعًا، إذْ الْجُرْحُ وَحْدَهُ لَا يُسَمَّى قَتْلًا وَكَذَا الْمَوْتُ وَحْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَفْعُولُ أَتْلَفَ قَوْلُهُ شَخْصًا (مَعْصُومًا) أَيْ مُحَرَّمًا قَتْلُهُ وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي فَلَا يُقْتَصُّ مِمَّنْ قَتَلَ غَيْرَ مَعْصُومٍ كَحَرْبِيٍّ وَمُرْتَدٍّ وَقَاتِلٍ بِالنِّسْبَةِ لِوَلِيِّ الدَّمِ وَقَاطِعِ طَرِيقٍ وَزَانٍ مُحْصَنٍ، وَيُشْتَرَطُ دَوَامُ عِصْمَتِهِ مِنْ الْجُرْحِ (لِلتَّلَفِ) أَيْ الْمَوْتِ فِي الْقِصَاصِ لِلنَّفْسِ (وَ) مِنْ (ا) الرَّمْيِ لِ (لِإِصَابَةِ) فِي الْقِصَاصِ لِلْجُرْحِ، فَإِنْ جَرَحَ أَوْ رَمَى حُرٌّ مُسْلِمٌ مِثْلَهُ وَارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ أَوْ الْمَرْمِيُّ قَبْلَ تَلَفِهِ أَوْ إصَابَتِهِ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْ جَارِحِهِ أَوْ رَامِيهِ لِعَدَمِ اسْتِمْرَارِ عِصْمَتِهِ لِتَلَفِهِ وَإِصَابَتِهِ.
طفي كَأَنَّهُ يَحُومُ عَلَى قَوْلِ الْجَوَاهِرِ فَصْلٌ فِي تَغَيُّرِ الْحَالِ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْجُرْحِ وَبَيْنَ الْجُرْحِ وَالْمَوْتِ.
وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ فَلَوْ زَالَ بَيْنَ حُصُولِ الْمُوجِبِ وَوُصُولِ الْأَثَرِ كَعِتْقِ أَحَدِهِمَا أَوْ إسْلَامِهِ بَعْدَ الرَّمْيِ، وَقَبْلَ الْإِصَابَةِ أَوْ بَعْدَ الْجُرْحِ، وَقَبْلَ الْمَوْتِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْمُعْتَبَرُ فِي الضَّمَانِ حَالُ الْإِصَابَةِ وَحَالُ الْمَوْتِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ حَالَ الرَّمْيِ وَرَجَعَ سَحْنُونٌ فَقَوْلُهُ لِلتَّلَفِ، أَيْ لَا حِينَ الْجُرْحِ فَقَطْ.
وَقَوْلُهُ وَالْإِصَابَةِ أَيْ لَا حِينَ الرَّمْيِ فَقَطْ، وَالْكَلَامُ كُلُّهُ فِي قَتْلِ النَّفْسِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْجُرْحِ فَلَا يَرِدُ قَوْلُ مَنْ قَالَ لِلتَّلَفِ فِي النَّفْسِ وَالْإِصَابَةِ فِي الْجُرْحِ، وَلَوْ أَسْقَطَ قَوْلَهُ " وَالْإِصَابَةِ " أَسْلَمُ مِنْ التَّكْرَارِ مَعَ قَوْلِهِ وَالْجُرْحُ كَالنَّفْسِ إلَخْ سَرَى لَهُ، هَذَا مِنْ عَدَمِ مَعْرِفَةِ مَطَارِحِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ.
الْبُنَانِيُّ وَنَحْوَهُ نَقَلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ عَنْ تَقْرِيرِ الْمِسْنَاوِيِّ مُعْتَرِضًا بِهِ مَا قَرَّرَهُ " ز " تَبَعًا لِ لَغْ وَالْعِصْمَةُ.
(بِإِيمَانٍ) أَيْ بِمَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى وَمَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى، وَبِمِثْلِ ذَلِكَ لِرُسُلِهِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالْتِزَامُ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ (أَوْ) بِ (أَمَانٍ) أَيْ تَأْمِينٍ مِنْ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بِالْتِزَامِ الْجِزْيَةِ وَالدُّخُولِ فِي حِمَايَةِ الْإِسْلَامِ، وَسَكَتَ عَنْ

كَالْقَاتِلِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ، وَأُدِّبَ، كَمُرْتَدٍّ، وَزَانٍ أَحْصَنَ، وَيَدِ سَارِقٍ؛

[منح الجليل]

هَذَا لِعِلْمِهِ بِالْأُولَى مِنْ قَوْلِهِ أَوْ أَمَانٍ وَمَثَّلَ لِلْمَعْصُومِ فَقَالَ (كَ) الشَّخْصِ (الْقَاتِلِ) فَإِنَّهُ مَعْصُومٌ (مِنْ غَيْرِ) الشَّخْصِ (الْمُسْتَحِقِّ) لِقَتْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْصُومًا مِنْ الْمُسْتَحِقِّ، وَلَكِنَّهُ لَا يَقْتُلُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ (أُدِّبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا الْمُسْتَحِقُّ لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ.
وَشَبَّهَ فِي التَّأْدِيبِ فَقَالَ (كَ) قَاتِلِ شَخْصٍ (مُرْتَدٍّ) طفي حَصَلَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَتْلِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، وَنَصُّ الْأَوَّلِ وَدِيَةُ الْمُرْتَدِّ فِي قَتْلِهِ دِيَةُ مَجُوسِيٍّ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فِي نَفْسِهِ، وَفِي جِرَاحِهِ رَجَعَ لِلْإِسْلَامِ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ.
وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ عَقْلَهُ عَقْلُ الدَّيْنِ الَّذِي ارْتَدَّ إلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا لَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ لِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ.
وَاقْتَصَرَ ابْنُ شَاسٍ فِي أَوَّلِ الْجِرَاحِ عَلَى الثَّالِثِ فَقَالَ وَالْمُرْتَدُّ.
قَالَ سَحْنُونٌ لَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ عَلَى قَاتِلِهِ إلَّا الْأَدَبَ فِي افْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الدِّيَاتِ عَلَى الدِّيَةِ كَالْمَجُوسِيِّ، لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَأَمَّا هُنَا فَسَكَتَ فَلَكَ أَنْ تُقَرِّرَهُ بِالْقَوْلِ الثَّالِثِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الْمُصَنِّفِ النَّسْجُ عَلَى مِنْوَالِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَرْنُهُ بِالزَّانِي الْمُحْصَنِ وَيَدِ السَّارِقِ أَوْ تَقُولُ لَا قِصَاصَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الدِّيَةِ، وَعَلَيْهِ قَرَّرَهُ الْحَطّ.
الْبُنَانِيُّ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ فِيهِ دِيَةٌ فَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّ فِيهِ دِيَةَ الْمَجُوسِيِّ ثُلُثَ خُمُسِ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الدِّيَاتِ.
وَقِيلَ لَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ إلَّا الْأَدَبَ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ شَاسٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا لِأَنَّهُ الْآتِي لَهُ فِي الدِّيَاتِ (وَ) كَقَاتِلٍ (زَانٍ أَحْصَنَ) بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ لَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ، وَيُؤَدَّبُ قَاتِلُهُ لِتَعَدِّيهِ عَلَى الْإِمَامِ، وَمَفْهُومُ أَحْصَنَ أَنَّ قَاتِلَ الزَّانِي الْبِكْرِ يُقْتَلُ بِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ (وَ) كَ (قَاطِعِ يَدِ) شَخْصٍ سَارِقٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَيُؤَدَّبُ لِذَلِكَ.
الْحَطّ وَكَذَا قَاتِلُ الْمُحَارِبِ وَالزِّنْدِيقِ.
ابْنُ عَرَفَةَ مُحَمَّدٌ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ قَتَلَ زِنْدِيقًا.
اللَّخْمِيُّ وَكَذَا الزَّانِي الْمُحْصَنُ وَالْمُحَارِبُ، وَلَا دِيَةَ لَهُمْ إنْ قُتِلُوا خَطَأً.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ

فصول الكتاب · 2 فصل · 721 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منح الجليل شرح مختصر خليل · 721 صفحة
المقدمة
فَصْلٌ) فِي الْخُلْعِ:
جارٍ التحميل