عَنْ: كَشَرْطِ بَقَاءِ مُسْلِمٍ وَإِنْ بِمَالٍ، إلَّا لِخَوْفٍ، وَلَا حَدَّ وَنُدِبَ أَنْ لَا تَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَإِنْ اسْتَشْعَرَ خِيَانَتَهُمْ نَبَذَهُ وَأَنْذَرَهُمْ
[منح الجليل]
وَذُكِّرَ نَظَرًا لِعِنْوَانِ الصُّلْحِ أَوْ الْعَقْدِ (عَنْ) شَرْطٍ فَاسِدٍ، فَإِنْ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ (كَشَرْطِ بَقَاءِ) أَسِيرٍ (مُسْلِمٍ) بِأَيْدِيهِمْ أَوْ قَرْيَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ خَالِيَةٍ لَهُمْ أَوْ حُكْمٍ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ بِحُكْمِهِمْ فَلَا تَجُوزُ بِغَيْرِ مَالٍ بَلْ (وَإِنْ بِمَالٍ) يَدْفَعُهُ الْكُفَّارُ لِلْإِمَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: 35] وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ الْفَاسِدُ مُصَوَّرًا بِمَالٍ يَدْفَعُهُ الْإِمَامُ لِلْحَرْبِيِّينَ.
الْمَازِرِيُّ لَا يُهَادِنُ الْإِمَامُ الْحَرْبِيَّ بِإِعْطَائِهِ مَالًا لِأَنَّهُ عَكْسُ مَصْلَحَةِ شَرْعِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ إلَّا لِضَرُورَةِ التَّخَلُّصِ مِنْهُمْ خَوْفَ اسْتِيلَائِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ «شَاوَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَحَاطَ الْقَبَائِلُ بِالْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي أَنْ يَبْذُلَ لِلْمُشْرِكِينَ ثُلُثَ الثِّمَارِ لَمَّا خَافَ أَنْ تَكُونَ الْأَنْصَارُ مَلَّتْ الْقِتَالَ، فَقَالَا إنْ كَانَ هَذَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وَإِنْ كَانَ رَأْيًا فَمَا أَكَلُوا مِنْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَمْرَةً إلَّا بِشِرَاءٍ أَوْ قَرْيٍ، فَكَيْفَ وَقَدْ أَعَزَّنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَزْمَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ تَرَكَهُ» ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْإِعْطَاءُ جَائِزًا عِنْدَ الضَّرُورَةِ مَا شَاوَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (إلَّا لِخَوْفٍ) مِمَّا هُوَ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَاسْتِيلَائِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (وَلَا حَدَّ) لِمُدَّةِ الْمُهَادَنَةِ وَاجِبٌ وَالرَّأْيُ فِيهَا لِلْإِمَامِ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ (وَنُدِبَ أَنْ لَا تَزِيدَ) مُدَّتُهَا (عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) لِاحْتِمَالِ حُدُوثِ قُوَّةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا حَيْثُ اسْتَوَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَفِي غَيْرِهَا (وَإِنْ اسْتَشْعَرَ) أَيْ ظَنَّ الْإِمَامُ ظَنًّا قَوِيًّا (خِيَانَتَهُمْ) أَيْ الْحَرْبِيِّينَ بِظُهُورِ أَمَارَاتِهَا فِي مُدَّةِ الْمُهَادَنَةِ (نَبَذَهُ) أَيْ نَقَضَ الْإِمَامُ الصُّلْحَ وُجُوبًا خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الْمَهْلَكَةِ بِالتَّمَادِي عَلَى الْمُهَادَنَةِ، فَيَسْقُطُ الْيَقِينُ بِالظَّنِّ الْقَوِيِّ لِلضَّرُورَةِ.
(وَأَنْذَرَهُمْ) وُجُوبًا أَيْ أَعْلَمَ الْإِمَامُ الْحَرْبِيِّينَ بِنَقْضِهِ عَهْدَهُمْ وَأَنَّهُ يُقَاتِلُهُمْ، فَإِنْ
وَوَجَبَ الْوَفَاءُ وَإِنْ بِرَدِّ رَهَائِنَ، وَلَوْ أَسْلَمُوا كَمَنْ أَسْلَمَ، وَإِنْ رَسُولًا؛ إنْ كَانَ ذَكَرًا.
وَفُدِيَ بِالْفَيْءِ، ثُمَّ بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ بِمَالِهِ،
[منح الجليل]
تَحَقَّقَ خِيَانَتَهُمْ نَبَذَهُ بِلَا إنْذَارٍ.
(وَوَجَبَ) عَلَى الْإِمَامِ (الْوَفَاءُ) لَهُمْ بِمَا عَاهَدَهُمْ عَلَيْهِ إنْ كَانَ غَيْرَ رَدِّ رَهَائِنِهِمْ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ عَهْدُنَا لَهُمْ مُتَلَبِّسًا (بِرَدِّ رَهَائِنَ) كُفَّارٍ عِنْدَنَا بَاقِينَ عَلَى كُفْرِهِمْ، بَلْ (وَلَوْ أَسْلَمُوا) هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ قَالَ سَحْنُونٌ وَمَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - رَأَى أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الرُّسُلِ وَالرَّهَائِنِ.
ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ سَحْنُونًا رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ أَسْلَمَ رَسُولُ أَهْلِ الْحَرْبِ رُدَّ إلَيْهِمْ.
ابْنُ رُشْدٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُرَدُّ إلَيْهِمْ وَلَوْ شَرَطُوهُ وَثَالِثُهَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطُوهُ اهـ. فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ.
وَشَبَّهَ فِي الْوَفَاءِ بِالرَّدِّ فَقَالَ (كَمَنْ أَسْلَمَ) مِنْهُمْ عِنْدَنَا وَلَيْسَ رَهْنًا فَيُرَدُّ إلَيْهِمْ إنْ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (رَسُولًا) مِنْهُمْ إلَيْنَا بَالَغَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ أَنَّ شَرْطَهُمْ قَاصِرٌ عَلَى مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ هَارِبًا لَا طَائِعًا وَرَسُولًا، وَهَذَا كُلُّهُ (إنْ كَانَ) مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الرَّهَائِنِ أَوْ الرُّسُلِ أَوْ غَيْرِهِمْ (ذَكَرًا) فَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَلَا تُرَدُّ إلَيْهِمْ، وَلَوْ شَرَطُوا رَدَّهَا صَرِيحًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] .
(وَفُدِيَ) . بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مَنْ أَسْلَمَ وَرُدَّ إلَى الْكُفَّارِ مِنْ الرَّهَائِنِ وَالرُّسُلِ وَغَيْرِهِمْ وَأَوْلَى الْمُسْلِمُ الْأَصْلِيُّ الْمَأْسُورُ عِنْدَهُمْ (بِالْفَيْءِ) أَيْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ وُجُوبًا عَلَى الْإِمَامِ، وَأَمَّا الْأَسِيرُ الذِّمِّيُّ فَلَا يُفْدَى بِفَيْءٍ وَلَا بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ فِي مَالِهِ.
(ثُمَّ) إنْ لَمْ يُمْكِنْ فِدَاؤُهُ بِالْفَيْءِ فُدِيَ (بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ) الَّذِينَ يُمْكِنُ الْأَخْذُ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ قُطْرِهِ لَا مَنْ بَعُدَ وَاجِدًا.
رَوَى أَشْهَبُ وَلَوْ بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ.
ابْنُ عَرَفَةَ مَا لَمْ يَخْشَ اسْتِيلَاءَ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ (ثُمَّ) إنْ لَمْ يُمْكِنْ فِدَاؤُهُ بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ فُدِيَ (بِمَالِهِ) أَيْ الْأَسِيرِ، وَقُدِّمَ مَالُ الْمُسْلِمِينَ لِيَحْمِلَهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَتَخْلِيصُهُ بِهِ بِلَا مَالٍ، هَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ
وَرَجَعَ بِمِثْلِ الْمِثْلِيِّ وَقِيمَةِ غَيْرِهِ عَلَى الْمَلِيِّ وَالْمُعْدِمِ؛
[منح الجليل]
وَطَرِيقَةُ ابْنِ حَارِثٍ عَنْ ابْنِ عَبْدُوسٍ عَنْ سَحْنُونٍ تَقْدِيمُ مَالِهِ عَلَى الْفَيْءِ، وَاخْتَارَهَا اللَّخْمِيُّ.
(وَرَجَعَ) الْفَادِي الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُشْتَرِي الْمُعَيَّنُ وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا بِغَيْرِ عِلْمِ الْإِمَامِ عَلَى الْمُفْدِي الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ الْحُرِّ أَوْ الْعَبْدِ وَفِدَاءُ هَذَا كَجِنَايَتِهِ، فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ فِي إسْلَامِهِ فِيهِ وَفِدَائِهِ (بِمِثْلِ الْمِثْلِيِّ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فِيهِمَا يُدْفَعُ لِلْفَادِي بِمَحَلِّ الْفِدَاءِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ فَقِيمَتُهُ فِيهِ (وَقِيمَةُ غَيْرِهِ) أَيْ الْمِثْلِيِّ وَهُوَ الْمُقَوَّمُ، وَمِثْلُ مَا قَالَهُ لِلْبَاجِيِّ وَابْنُ بَشِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَظْهَرُ بِالْمِثْلِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ قَرْضٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ إنْ كَانَ الرُّجُوعُ يَقُولُ الْمُفْدِي افْدِنِي وَأُعْطِيك الْفِدَاءَ فَالْمِثْلُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ قَرْضٌ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِ فَقَوْلُ الْبَاجِيَّ لِأَنَّ الْمُقَوَّمَ الْمُفْدَى بِهِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ تَقَرُّرٌ فِي ذِمَّةِ الْمُفْدِي وَلَا الْتَزَمَهُ قَبْلَ صَرْفِهِ فِي الْفِدَاءِ، فَصَارَ دَفْعُهُ كَهَلَاكِهِ.
وَاسْتَشْكَلَ الرُّجُوعُ بِأَنَّ كَوْنَ فِدَائِهِ وَاجِبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْمُفْدِي كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقْتَضِي عَدَمَهُ، كَدِيَةِ قَتْلِ الْخَطَأِ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ لَهُمْ بِالرُّجُوعِ لَكَانَ فِدَاؤُهُ بِمَالِهِ الْمَوْجُودِ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ مُقَدَّمًا عَلَى مَالِهِمْ.
وَلَمَّا كَانَ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ فَائِدَةٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ فِيمَا إذَا فَدَاهُ مُعَيَّنٌ عَالِمًا أَوْ ظَانًّا أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُفْدِيهِ بِالْفَيْءِ وَلَا بِمَا يَجْمَعُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ جَاهِلًا وُجُوبَهُ عَلَى الْإِمَامِ قَاصِدًا الرُّجُوعَ وَحَلَفَ عَلَيْهِ وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ مَالِ الْمُفْدِي عَلَى الْفَيْءِ فَلِذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ الْقِيَاس أَنْ لَا يُتَّبَعَ الْمُفْدَيْ بِشَيْءٍ.
وَصِلَةُ رَجَعَ (عَلَى الْمَلِيءِ) يَأْخُذُهُ مِنْهُ الْآنَ (وَ) عَلَى (الْمُعْدِمِ) بِاتِّبَاعِ ذِمَّتِهِ.
طفي هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
اللَّخْمِيُّ الْقِيَاسُ أَنْ يَأْخُذَ مَا افْتَدَاهُ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا الْمَذْهَبُ لِأَنَّ فِدَاءَهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْإِمَامِ فَيُرْجَعُ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ.
اهـ. وَهَذَا اخْتِيَارٌ لَهُ، فَقَوْلُهُ وَهَذَا الْمَذْهَبُ أَيْ مُقْتَضَاهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْقِيَاسُ إنْ فَدَى أَسِيرًا لَا مَالَ لَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَّبِعَهُ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَكِنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَاتِ خِلَافُ هَذَا وَهُوَ بَعِيدٌ اهـ.
إنْ لَمْ يَقْصِدْ صَدَقَةً وَلَمْ يُمْكِنْ الْخَلَاصُ بِدُونِهِ؛ إلَّا مَحْرَمًا أَوْ زَوْجًا إنْ عَرَفَهُ أَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ وَيَلْتَزِمَهُ، وَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ،
[منح الجليل]
وَمَحَلُّ رُجُوعِ الْفَادِي الْمُعَيَّنِ (إنْ لَمْ يَقْصِدْ) الْفَادِي بِفِدَائِهِ (صَدَقَةً) بِأَنْ قَصَدَ الرُّجُوعَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا وَالْقَوْلُ لَهُ فِي قَصْدِ الصَّدَقَةِ وَعَدَمِهِ إذْ هَذَا لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ (وَلَمْ يُمْكِنْ الْخَلَاصُ بِدُونِهِ) أَيْ الْقَدْرُ الَّذِي فَدَاهُ بِهِ فَإِنْ أَمْكَنَ بِدُونِ شَيْءٍ فَلَا يُرْجَعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَإِنْ أَمْكَنَ بِأَقَلَّ مِمَّا فَدَاهُ بِهِ فَيُرْجَعُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُ خَلَاصُهُ بِهِ فَقَطْ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ الْمُفْدَى (مَحْرَمًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ لِلْفَادِي مِنْ النَّسَبِ فَقَطْ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ (أَوْ زَوْجًا) لَهُ وَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ فَلَا رُجُوعَ لِلْفَادِي عَلَيْهِ (إنْ) كَانَ (عَرَفَهُ) أَيْ الْفَادِي الْمُفْدَى بِالْمَحْرَمِيَّةِ أَوْ الزَّوْجِيَّةِ (أَوْ) لَمْ يَعْرِفْهُ بِالْمَحْرَمِيَّةِ وَ (عَتَقَ) الْمُفْدَى (عَلَيْهِ) أَيْ الْفَادِي عَلَى تَقْدِيرِ مِلْكِهِ كَأَصْلِهِ وَفَرْعِهِ وَحَاشِيَتِهِ الْقَرِيبَةِ لِأَنَّهُ لِشِدَّةِ الِاتِّصَالِ يُحْمَلُ عَلَى قَصْدِ التَّبَرُّعِ فَلَا يُرْجَعُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ) أَيْ الْمُفْدَى الْفَادِيَ (بِهِ) أَيْ الْفِدَاءِ (وَيَلْتَزِمُ) الْمُفْدَيْ الْفِدَاءَ.
ابْنُ الْحَاجِبِ فَلَا رُجُوعَ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ مُلْتَزِمًا وَقَرَّرَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَنَسَبَهُ لِنَقْلِ الْبَاجِيَّ عَنْ سَحْنُونٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَقَرَّهُ، وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي هَذَا خِلَافًا هَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْتِزَامٍ مَعَ الْأَمْرِ أَوْ يَكْفِي الْأَمْرُ وَحْدَهُ وَنَصُّهُ بَعْدَ أَنَّ ذَكَرَ أَنَّ الَّذِي يَفْدِي امْرَأَتَهُ لَا يَتَّبِعُهَا وَنِسْبَتُهُ لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَالْأَخَوَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، إلَّا أَنْ يَكُونَ فَدَاهَا بِأَمْرِهَا وَطَلَبِهَا فَيُرْجَعُ عَلَيْهَا.
قَالَ فَضْلٌ مَعْنَاهُ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ أَفِدْنِي وَأُعْطِيك الْفِدَاءَ فَيَكُونُ مِنْ السَّلَفِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ رُجُوعُهُ عَلَيْهَا بِمَا فَدَاهَا بِهِ بِأَمْرِهَا وَإِنْ لَمْ تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ خِلَافُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ فَضْلٌ.
اهـ. فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ الْوَاوَ عَلَى بَابِهَا، وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ مَشَى عَلَى قَوْلِ فَضْلٍ.
(وَقُدِّمَ) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ مُشَدَّدَةً نَائِبُهُ ضَمِيرُ الْفَادِي فِي رُجُوعِهِ بِالْفِدَاءِ (عَلَى
وَلَوْ فِي غَيْرِ مَا بِيَدِهِ عَلَى الْعَدَدِ، إنْ جَهِلُوا قَدْرَهُمْ وَالْقَوْلُ لِلْأَسِيرِ فِي الْفِدَاءِ أَوْ بَعْضِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ.
وَجَازَ بِالْأَسْرَى الْمُقَاتَلَةُ وَالْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ عَلَى الْأَحْسَنِ.
[منح الجليل]
غَيْرِهِ) أَيْ الْفَادِي مِنْ غُرَمَاءِ الْمُفْدَيْ لِأَنَّ الْفِدَاءَ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ وَذِمَّتِهِ وَبِالْمَالِ الَّذِي بِيَدِهِ وَالدَّيْنُ بِذِمَّتِهِ فَقَطْ، وَيُقَدَّمُ فِيمَا بِيَدِهِ بَلْ (وَلَوْ فِي غَيْرِ مَا بِيَدِهِ) أَيْ الْمُفْدِي كَمَالِهِ الَّذِي بِبَلَدِهِ وَدَارِهِ وَعَلَى غُرَمَائِهِ وَيُقْسَمُ الْفِدَاءُ (عَلَى الْعَدَدِ) لِرُءُوسِ الْمَفْدِيِّينَ (إنْ جَهِلُوا) أَيْ الْحَرْبِيُّونَ (قَدْرَهُمْ) أَيْ الْمَفْدِيِّينَ رِفْعَةً وَخِسَّةً وَغِنًى وَفَقْرًا فَإِنْ عَلِمُوهُ قُسِمَ عَلَى قَدْرِ مَا يُفْدَى بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ عَادَتِهِمْ كَثَلَاثَةٍ يُفْدَى أَحَدُهُمْ عَادَةً بِعَشْرَةٍ وَآخَرُ بِعِشْرِينَ وَآخَرُ بِخَمْسَةٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ سُبْعَا الْفِدَاءِ، وَعَلَى الثَّانِي أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهِ وَعَلَى الثَّالِثِ سُبْعُهُ.
(وَالْقَوْلُ لِلْأَسِيرِ) الْمُفْدَى مِنْ مُعَيَّنٍ بِقَصْدِ الرُّجُوعِ بِيَمِينٍ سَوَاءً أَشْبَهَ أَمْ لَا حَيْثُ لَمْ يَشْهَدْ لِلْفَادِي عَلَى دَفْعِ الْفِدَاءِ لِلْحَرْبِيِّ (فِي) إنْكَارِ أَصْلِ (الْفِدَاءِ) بِأَنْ قَالَ خَلَّصْتَنِي بِلَا مَالٍ (أَوْ) إنْكَارِ (بَعْضِهِ) أَيْ الْفِدَاءِ بِأَنْ قَالَ فَدَيْتَنِي بِعَشَرَةٍ وَالْفَادِي بِأَكْثَرَ مِنْهَا إنْ كَانَ الْمُفْدَى بِيَدِ الْفَادِي.
بَلْ (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ) الْمُفْدَى (فِي يَدِهِ) أَيْ الْفَادِي وَفِي نُسْخَةٍ وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ قَالَ " غ " وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ الَّذِي فِيهِ اخْتِلَافُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَقَالَ الْأَوَّلُ الْقَوْلُ لِلْأَسِيرِ وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ الْفَادِي وَجَعَلَ سَحْنُونٌ الْقَوْلَ لِلْفَادِي إنْ كَانَ الْمُفْدَى بِيَدِهِ.
(وَجَازَ) فِدَاءُ أَسِرْ الْمُسْلِمِينَ (بِ) الْكُفَّارِ (الْأَسْرَى) فِي أَيْدِينَا (الْمُقَاتِلَةِ) أَيْ الَّتِي شَأْنُهَا الْقِتَالُ إذَا لَمْ يَرْضَوْا إلَّا بِذَلِكَ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ مُتَرَقِّبٌ، وَخَلَاصُ الْمُسْلِمِ مُحَقَّقٌ، وَقَيَّدَهُ اللَّخْمِيُّ بِمَا إذَا لَمْ يُخْشَ مِنْهُمْ وَإِلَّا مُنِعَ (وَبِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى الْأَحْسَنِ) عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ
وَلَا يُرْجَعُ عَلَى مُسْلِمٍ.
وَفِي الْخَيْلِ وَآلَةِ الْحَرْبِ: قَوْلَانِ.
[منح الجليل]
وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٍ، وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَصِفَةُ مَا يُفْعَلُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِدَفْعِ ذَلِكَ إلَى الْعَدُوِّ وَيُحَاسِبُهُمْ بِقِيمَةِ ذَلِكَ مِنْ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَبَوْا لَمْ يُجْبَرُوا عَلَيْهِ وَيَجُوزُ ابْتِيَاعُ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ.
وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ جَوَازُ الْفِدَاءِ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَمْكَنَ بِغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ النَّقْلِ أَيْضًا وَيُفْهَمُ الْجَوَازُ بِالطَّعَامِ بِالْأَوْلَى.
الْبُنَانِيُّ كَيْفَ يَكُونُ ظَاهِرُ النَّقْلِ ذَلِكَ مَعَ تَعْلِيلِهِمْ الْجَوَازَ بِالضَّرُورَةِ.
(وَلَا يَرْجِعُ) فَادٍ مُسْلِمٌ (بِهِ) أَيْ بِعِوَضِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ الَّذِي فَدَى بِهِ الْأَسِيرَ سَوَاءً كَانَ عِنْدَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ (عَلَى) مُفْدًى (مُسْلِمٍ) وَلَا عَلَى كَافِرٍ أَيْضًا لِوُجُوبِ إرَاقَةِ الْخَمْرِ وَتَسْرِيحِ الْخِنْزِيرِ أَوْ قَتْلِهِ عَلَيْهِ، فَلَوْ حَذَفَ عَلَى لَوَافَقَ ذَلِكَ لَكِنْ فِي الطِّخِّيخِيِّ تَبَعًا لِلشَّارِحِ أَنَّهُ يَرْجِعُ الْفَادِي الْمُسْلِمُ عَلَى الْكَافِرِ، وَمَفْهُومُ فَادِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفَادِي بِهِمَا كَافِرًا فَيَرْجِعُ عَلَى مُسْلِمٍ مُفْدًى بِقِيمَتِهِمَا عِنْدَهُمْ لَا بِثَمَنِهِ سَوَاءً اشْتَرَاهُ أَوْ كَانَ عِنْدَهُ، فَإِنْ فَدَى بِهِ كَافِرًا رَجَعَ بِمِثْلِهِ سَوَاءً اشْتَرَاهُ أَوْ كَانَ عِنْدَهُ إنْ تَرَافَعَا إلَيْنَا فَالصُّوَرُ ثَمَانِيَةٌ اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ لَا يُرْجَعُ بِهِ عَلَى مُسْلِمٍ سَوَاءً اشْتَرَاهُ إلَخْ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ دُونَ مَا نَقَلَهُ بَعْدُ عَنْ الطِّخِّيخِيِّ، وَقَوْلُهُ بِقِيمَتِهِ عِنْدَهُمْ لَا بِثَمَنِهِ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ حَيْثُ اشْتَرَاهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِثَمَنِهِ لَا بِقِيمَتِهِ اُنْظُرْ الْحَطّ وَالْمَوَّاقَ.
(وَفِي) جَوَازِ فِدَاءِ الْمُسْلِمِ الْأَسِيرِ بِ (الْخَيْلِ وَآلَةِ الْحَرْبِ) وَعَدَمِهِ (قَوْلَانِ) لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. ابْنُ رُشْدٍ ظَاهِرُ قَوْلِ أَشْهَبَ جَوَازُهُ وَإِنْ كَثُرَ وَهُوَ نَصُّ قَوْلِ سَحْنُونٍ خِلَافُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ مَا لَمْ تَكُنْ الْخَيْلُ وَالسِّلَاحُ أَمْرًا كَثِيرًا تَكُونُ لَهُمْ بِهِ الْقُدْرَةُ الظَّاهِرَةُ
، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُفَادَاةَ بِالْخَمْرِ أَخَفُّ مِنْهَا بِالْخَيْلِ وَهُوَ كَمَا قَالَ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْمُفَادَاةِ بِالْخَمْرِ بِخِلَافِ الْخَيْلِ.
اهـ. وَجَعَلَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ مُخَالِفًا أَيْضًا.
طفي وَلَمْ أَرَ مَنْ جَعَلَهُ تَقْيِيدًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَانْظُرْ حُكْمَ الْفِدَاءِ بِالطَّعَامِ فَإِنِّي لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا.
وَفِي الْمُنْتَقَى ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّهُ يُفْدَى مِنْ الْأَمْوَالِ بِمَا يَجُوزُ أَنْ نُمَلِّكَهُمْ إيَّاهُ وَلَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
يَتَقَوَّوْنَ بِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ نُمَلِّكَهُمْ إيَّاهُ مِنْ رَقِيقٍ مُسْلِمٍ فَلَا يُفْدَوْنَ بِهِ لِأَنَّهُ فِدَاءُ مُسْلِمٍ بِمُسْلِمٍ وَحَقُّهُمَا وَاحِدٌ فِي وُجُوبِ الِاسْتِنْقَاذِ مِنْهُمْ، وَكَذَا الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ نُمَلِّكَهُمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَكَذَا مَا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبُ يُفْدَوْنَ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمَالِ مِمَّا يُمْكِنُنَا أَنْ نَمْلِكَهُ وَنُمَلِّكَهُمْ إيَّاهُ فَأَجَازَ إفْدَاءَهُمْ بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ يُفْدَوْنَ بِكُلِّ شَيْءٍ حَاشَا الْمُسْلِمِينَ فَجَوَّزَهُ بِالْخَمْرِ اهـ فَهَذِهِ ضَوَابِطُهُمْ تُخَرَّجُ عَلَيْهَا الْمَسْأَلَةُ اهـ كَلَامُ طفي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابٌ) الْمُسَابَقَةُ: بِجُعْلٍ فِي الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ، وَبَيْنَهُمَا.
وَالسَّهْمِ إنْ صَحَّ بَيْعُهُ.
وَعُيِّنَ الْمَبْدَأُ وَالْغَايَةُ وَالْمَرْكَبُ
[منح الجليل]
[بَابٌ فِي أَحْكَام المسابقة]
(بَابٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُسَابَقَةِ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى الْجِهَادِ (الْمُسَابَقَةُ) جَائِزَةٌ (بِجُعْلٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ مَالٍ يُجْعَلُ بَيْنَ الْمُتَسَابِقَيْنِ لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ أَوْ مَنْ حَضَرَ (فِي الْخَيْلِ) مِنْ الْجَانِبَيْنِ (وَالْإِبِلِ) كَذَلِكَ (وَبَيْنَهُمَا) أَيْ الْخَيْلِ مِنْ جَانِبٍ وَالْإِبِلِ مِنْ جَانِبٍ، وَأَوْلَى بِغَيْرِ جُعْلٍ.
الْقَرَافِيُّ الْمُسَابَقَةُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ ثَلَاثِ قَوَاعِدَ لِلْمَنْعِ الْقِمَارِ وَتَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ أَكْلِهِ وَحُصُولِ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ الْإِذْنُ الصَّادِقُ بِالْوُجُوبِ إنْ تَوَقَّفَ أَصْلُ الْجِهَادِ عَلَيْهَا وَالنَّدْبُ إنْ تَوَقَّفَتْ الْبَرَاعَةُ فِيهِ عَلَيْهَا وَالْإِبَاحَةُ إنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَيْهَا شَيْءٌ.
(وَ) الْمُسَابَقَةُ جَائِزَةٌ فِي رَمْيِ جِنْسِ (السَّهْمِ إنْ صَحَّ بَيْعُهُ) أَيْ الْجُعْلُ فَلَا تَصِحُّ بِمَا فِيهِ غَرَرٌ وَلَا بِمَجْهُولٍ وَلَا خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ أَوْ مُدَبَّرٍ أَوْ مُكَاتَبٍ أَوْ حُرٍّ وَتَجُوزُ بِعِتْقِ عَبْدِهِ عَنْهُ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ بِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ عَمَلٍ مَعْرُوفٍ أَوْ عَفْوٍ عَنْ جِنَايَةِ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ، فَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِبَيْعِهِ مُطْلَقُ الْمُعَاوَضَةِ بِهِ.
(وَعُيِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ فِي الْمُسَابَقَةِ بِدَوَابَّ أَوْ سِهَامٍ (الْمَبْدَأُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُبْتَدَأُ مِنْهُ (وَالْغَايَةُ) أَيْ الْمَكَانُ الَّذِي يُنْتَهَى إلَيْهِ وَلَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي الْمَسَافَتَيْنِ (وَ) عُيِّنَ (الْمَرْكَبُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ مَا يُرْكَبُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ أَوْ إبِلٍ وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِالْوَصْفِ فَلَا يَكْفِي ذِكْرُ النَّوْعِ بِالْأَوْلَى وَهُوَ كَذَلِكَ.
فَفِي الْجَوَاهِرِ مِنْ شُرُوطِ الْمُسَابَقَةِ مَعْرِفَةُ أَعْيَانِ مَا يَتَسَابَقُ عَلَيْهِ.
وَالرَّامِي وَعَدَدُ الْإِصَابَةِ وَنَوْعُهَا مِنْ خَزْقٍ أَوْ غَيْرِهِ وَأَخْرَجَهُ مُتَبَرِّعٌ، أَوْ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ؛ أَخَذَهُ، وَإِنْ سَبَقَ هُوَ، فَلِمَنْ حَضَرَ
[منح الجليل]
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْفَرَسَيْنِ وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ لَوْ تَرَاهَنَا بِثَنِيَّتَيْنِ فَأَدْخَلَ أَحَدُهُمَا رُبَاعِيًّا أَوْ قَارِحًا فَلَا يُعَدُّ سَبْقُهُ سَبْقًا، وَلَوْ أَدْخَلَ بَدَلَ الرُّبَاعِيِّ جَذَعًا أَوْ ثَنِيًّا أَوْ حَوْلِيًّا أَوْ هَجِينًا بَدَلَ عَرَبِيٍّ كَانَ سَبْقُهُ سَبْقًا.
اهـ. يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ لَا عَلَى جَوَازِهِ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ أَفَادَهُ الرَّمَاصِيُّ، وَيُشْتَرَطُ تَقَارُبُهُمَا فِي الْجَرْيِ وَجَهْلُهُمَا سَبْقَ أَحَدِهِمَا.
(وَ) عُيِّنَ (الرَّامِي) وَإِنْ جُهِلَ رَمْيُهُ (وَ) عُيِّنَ (عَدَدُ الْإِصَابَةِ) لِلْغَرَضِ فِي مُسَابَقَةِ السِّهَامِ (وَنَوْعُهَا) أَيْ الْإِصَابَةِ (مِنْ خَزْقٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ آخِرُهُ قَافٌ وَهُوَ ثَقْبُهُ بِلَا ثُبُوتٍ فِيهِ (أَوْ غَيْرِهِ كَخَسْقٍ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ فَمُهْمَلَةٍ وَهُوَ ثَقْبُهُ وَالثُّبُوتُ فِيهِ وَخَرْمٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهُوَ خَدْشُ طَرَفِهِ وَسَطْحٍ وَحَوَابِيٍّ وَهُوَ الْوُقُوعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالْوَثْبِ إلَيْهِ وَخَاصِرِيٍّ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَصَادٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ إصَابَةُ جَانِبِهِ بِدُونِ خَدْشٍ (وَأَخْرَجَهُ) أَيْ الْجُعْلَ شَخْصٌ (مُتَبَرِّعٌ) غَيْرُ الْمُتَسَابِقَيْنِ لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ مِنْهُمَا (أَوْ) أَخْرَجَهُ (أَحَدُهُمَا) أَيْ الْمُتَسَابِقَيْنِ (فَإِنْ) كَانَ عَلَى أَنَّهُ إنْ (سَبَقَ غَيْرُهُ) أَيْ مُخْرِجُ الْجُعْلِ (أَخَذَهُ) أَيْ السَّابِقُ الْجُعْلَ (وَإِنْ سَبَقَ هُوَ) إي مُخْرِجُ الْجُعْلَ (فَ) هُوَ (لِمَنْ حَضَرَ) الْمُسَابَقَةَ صَحَّ الْعَقْدُ وَلَا يُشْتَرَطُ التَّصْرِيحُ فِيهِ بِهَذَا فَيَصِحُّ مَعَ السُّكُوتِ عَنْهُ وَيُحْمَلَانِ عَلَيْهِ، وَأَشْعَرَ فَرْضُهُ فِي اثْنَيْنِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَيْنَ جَمَاعَةٍ أَخْرَجَ الْجُعْلَ أَحَدُهُمْ لَا يَكُونُ حُكْمُهَا كَذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَحُكْمُهُ إنْ سَبَقَ غَيْرُهُ أَخَذَهُ وَإِنْ سَبَقَ هُوَ كَانَ لِلَّذِي يَلِيهِ فِي السَّبْقِ سَوَاءً شَرَطُوا هَذَا أَوْ أَطْلَقُوا نَقَلَهُ الْحَطّ عَنْ الْجَوَاهِرِ.
فَإِنْ شَرَطَ مُخْرِجُهُ رُجُوعَهُ إلَيْهِ إنْ سَبَقَ بَطَلَ وَهَلْ لَهُ الْأَكْلُ مَعَهُمْ مِنْهُ أَمْ لَا كَالصَّدَقَةِ تَعُودُ لِلْمُتَصَدِّقِ بِهَا قَوْلَانِ، وَيُعْتَبَرُ فِي السَّبْقِ الْعُرْفُ، فَإِنْ كَانَ بِمُجَاوَزَةِ دَابَّةِ أَحَدِهِمَا لِبَعْضِ دَابَّةِ الْآخَرِ أَوْ لِجُمْلَتِهَا أَوْ سَبَقَا بِبَاعٍ مَثَلًا عُمِلَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُرْفٌ
لَا إنْ أَخْرَجَا لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ، وَلَوْ بِمُحَلِّلٍ يُمْكِنُ سَبْقُهُ،
[منح الجليل]
فَقِيلَ بِسَبْقِ الْأُذُنَيْنِ وَقِيلَ بِالصَّدْرِ وَقِيلَ بِكَوْنِ رَأْسِ الثَّانِي عِنْدَ مُؤَخَّرِ الْأَوَّلِ، وَكَذَا فِي السِّهَامِ وَإِنْ اسْتَوَيَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجُعْلَ لِمَنْ حَضَرَ.
(لَا) تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ (إنْ أَخْرَجَا) أَيْ الْمُتَسَابِقَانِ جُعْلَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ أَوْ مُتَفَاوِتَيْنِ (لِيَأْخُذَهُ) أَيْ الْمُخْرَجَ بِالْفَتْحِ كُلِّهِ (السَّابِقُ) مِنْهُمَا بِالدَّابَّةِ أَوْ السَّهْمِ لِخُرُوجِهِ عَنْ مَوْرِدِ الرُّخْصَةِ فَرَجَعَ إلَى أَصْلِ الْمَنْعِ.
فَإِنْ وَقَعَ فَسْخٌ وَرُدَّ كُلُّ جُعْلٍ لِمُخْرِجِهِ فَإِنْ سَكَتَا عَمَّنْ يَأْخُذُ مَا أَخْرَجَاهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ جَوَازُهُ.
وَهَلْ يُرَدُّ كُلُّ جُعْلٍ لِرَبِّهِ؟ أَوْ يَكُونُ لِمَنْ حَضَرَ، فَإِنْ أَخْرَجَاهُ لِيَأْخُذَهُ الْمَسْبُوقُ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ جَوَازُهُ، وَيُمْنَعُ إخْرَاجُهُمَا لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا مُحَلِّلٌ.
بَلْ (وَلَوْ) كَانَا (بِمُحَلِّلٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى مُشَدَّدَةً أَيْ مَعَ شَخْصٍ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا (يُمْكِنُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ (سَبْقُهُ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ الْمُحَلِّلُ الْمُخْرِجَيْنِ لِقُوَّةِ دَابَّتِهِ وَوُفُورِ قُوَّةِ سَاعِدِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَقَ مِنْهُمْ أَخَذَ الْجَمِيعَ فَلَا تَجُوزُ لِاحْتِمَالِ سَبْقِ أَحَدِ الْمُخْرِجَيْنِ وَأَخْذِهِ الْجُعْلَيْنِ.
وَمَفْهُومُ يُمْكِنُ سَبْقُهُ أَنَّهُ لَوْ قُطِعَ بِمَسْبُوقِيَّتِهِ فَيَمْتَنِعُ بِالْأَوْلَى لِأَنَّهُ كَعَدَمِهِ، وَإِنْ قُطِعَ بِسَابِقِيَّتِهِ جَازَ قَطْعًا قَالَهُ أَحْمَدُ، وَفِيهِمَا نَظَرٌ لِأَنَّ شَرْطَهَا جَهْلُ كُلِّ جَرْيِ دَابَّةِ صَاحِبِهِ لَا يُقَالُ الشَّرْطُ فِي دَابَّتَيْ الْمُخْرِجَيْنِ لَا فِي دَابَّةِ الْمُحَلِّلِ، لِأَنَّا نَقُولُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْبِقُهُمَا فَهُوَ قِمَارٌ.
وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِقَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرَّةً بِجَوَازِهِ مَعَ الْمُحَلِّلِ لِأَنَّهُمْ صَارُوا كَاثْنَيْنِ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ.
وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السَّهْمِ وَالْوَتَرِ.
وَلَهُ مَا شَاءَ، وَلَا مَعْرِفَةُ الْجَرْيِ، وَالرَّاكِبُ، وَلَمْ يُحْمَلْ صَبِيٌّ، وَلَا اسْتِوَاءُ الْجُعْلِ، أَوْ مَوْضِعُ الْإِصَابَةِ، أَوْ تَسَاوِيهِمَا: وَإِنْ عَرَضَ لِلسَّهْمِ عَارِضٌ أَوْ انْكَسَرَ،
[منح الجليل]
وَلَا يُشْتَرَطُ) فِي مُسَابَقَةِ السِّهَامِ (تَعْيِينُ السَّهْمِ) الَّذِي يُرْمَى بِهِ بِرُؤْيَةٍ أَوْ وَصْفٍ (وَ) لَا تَعْيِينُ (الْوَتَرِ) بِرِقَّةٍ أَوْ طُولٍ أَوْ ضِدِّهِمَا وَلَا تَعْيِينُ الْقَوْسِ فَتَجُوزُ بِعَرَبِيَّتَيْنِ أَوْ فَارِسِيَّتَيْنِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا تَبْدِيلُ عَرَبِيَّةٍ بِفَارِسِيَّةٍ وَلَا عَكْسُهُ، وَإِنْ تَنَاضَلَا بِعَرَبِيَّةٍ وَفَارِسِيَّةٍ جَازَ ذَلِكَ أَفَادَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ دُخُولَهُمَا عَلَى الْمُخْتَلِفَيْنِ يُؤْذِنُ بِعَدَمِ قَصْدِ صِنْفِ مَا دَخَلَا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ دُخُولِهِمَا عَلَى الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَجَوَازِهَا بِعَرَبِيَّةٍ وَفَارِسِيَّةٍ ظَاهِرٌ إنْ كَانَتْ عَلَى إصَابَةِ الْغَرَضِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى بَعْدَ الرَّمْيَةِ فَلَا تَجُوزُ لِأَنَّ رَمْيَ الْفَارِسِيَّةِ أَبْعَدُ لِخِفَّتِهَا كَالْمُسَابَقَةِ بِدَابَّتَيْنِ مَقْطُوعٍ بِسَبْقِ إحْدَاهُمَا
(وَلَهُ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ بِالسِّهَامِ (مَا شَاءَ) الْمُسَابَقَةُ بِهِ مِنْ السِّهَامِ وَالْأَوْتَارِ وَالْقِسِيِّ (وَلَا) يُشْتَرَطُ فِي الْمُسَابَقَةِ بِالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ (مَعْرِفَةُ) كُلِّ وَاحِدٍ حَالَ (الْجَرْيِ) لِفَرَسِ مُسَابِقِهِ، بَلْ يُشْتَرَطُ جَهْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا حَالَ الْأُخْرَى وَإِلَّا كَانَ قِمَارًا مَمْنُوعًا عَلَى أَصْلِهِ.
(وَلَا) يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ (الرَّاكِبِ وَلَمْ يُحْمَلْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى الدَّابَّةِ الْمُتَسَابَقِ بِهَا (صَبِيٌّ) أَيْ تُكْرَهُ الْمُسَابَقَةُ بَيْنَ صَبِيَّيْنِ وَبَيْنَ صَبِيٍّ وَبَالِغٍ (وَلَا) يُشْتَرَطُ (اسْتِوَاءُ) أَيْ تَسَاوِي فَرْدَيْ (الْجُعْلِ) فَيَجُوزُ قَوْلُ الْمُتَبَرِّعِ إنْ سَبَقَ فُلَانٌ فَلَهُ كَذَا وَإِنْ سَبَقَ فُلَانٌ الْآخَرَ فَلَهُ أَقَلُّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرُ (أَوْ) أَيْ وَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِوَاءُ (مَوْضِعِ الْإِصَابَةِ) فَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ أَحَدِهِمَا إصَابَةَ مَوْضِعٍ مِنْ الْغَرَضِ وَالْآخَرُ خِلَافَهُ (أَوْ تَسَاوِيهِمَا) أَيْ الْمُتَسَابِقَيْنِ فِي الْمَسَافَةِ وَلَا فِي عَدَدِ الْإِصَابَةِ.
(وَإِنْ عَرَضَ لِسَهْمٍ) فِي طَرِيقِهِ (عَارِضٌ) فَعَطَّلَ سَيْرَهُ لِلْغَرَضِ (أَوْ انْكَسَرَ) السَّهْمُ
أَوْ لِلْفَرَسِ ضَرْبُ وَجْهٍ، أَوْ نَزْعُ سَوْطٍ: لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا، بِخِلَافِ تَضْيِيعِ السَّوْطِ أَوْ حَرَنِ الْفَرَسِ.
وَجَازَ فِيمَا عَدَاهُ مَجَّانًا
وَالِافْتِخَارُ عِنْدَ الرَّمْيِ.
[منح الجليل]
أَوْ الْقَوْسُ (أَوْ) عَرَضَ (لِلْفَرَسِ ضَرْبُ وَجْهٍ أَوْ) لِصَاحِبِهِ (نَزْعُ سَوْطٍ) فَقَلَّ جَرْيُ فَرَسِهِ (لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا) بِذَلِكَ لِعُذْرِهِ (بِخِلَافِ تَضْيِيعِ السَّوْطِ أَوْ حَرَنِ الْفَرَسِ) أَوْ نُفُورِهِ عَنْ دُخُولِ السُّرَادِقِ أَيْ الْخَيْمَةِ أَوْ سُقُوطِهِ مَنْ عَلَيْهِ أَوْ قَطْعِ اللِّجَامِ (وَجَازَ) التَّسَابُقُ (فِيمَا عَدَاهُ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ بَيْنَ الْخَيْلِ وَبَيْنَ الْإِبِلِ وَبَيْنَ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالسِّهَامِ كَالسُّفُنِ وَالطَّيْرِ لِإِيصَالِ الْخَبَرِ بِسُرْعَةٍ وَالْجَرْيِ بِالْإِقْدَامِ وَرَمْيِ الْحِجَارَةِ وَالصِّرَاعِ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي نِكَايَةِ الْعَدُوِّ وَنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ حَالَ كَوْنِهِ (مَجَّانًا) بِلَا جُعْلٍ لِقَصْدِ الِانْتِفَاعِ لَا لِلْمُبَالَغَةِ كَفِعْلِ الْفُسَّاقِ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ.
وَنَصُّهَا تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ فِيهِ لِلنَّفْعِ بِهِ، وَأَمَّا لِطَلَبِ الْمُغَالَبَةِ فَقِمَارٌ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْفُسُوقِ وَتَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الْأَقْدَامِ وَفِي رَمْيِ الْحِجَارَة، وَيَجُوزُ الصِّرَاعُ كُلُّ ذَلِكَ إذَا قُصِدَ بِهِ الِانْتِفَاعُ وَالِارْتِيَاضُ لِلْحَرْبِ اهـ.
(وَ) جَازَ (الِافْتِخَارُ) أَيْ ذِكْرُ الْمَفَاخِرِ بِالِانْتِسَابِ إلَى أَبٍ أَوْ قَبِيلَةٍ (عِنْدَ الرَّمْيِ) بِالسَّهْمِ لِأَنَّهُ أَغْرَى لِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَوْمَ حُنَيْنٍ أَنَا ابْنُ الْعَوَاتِكِ مِنْ سُلَيْمٍ» وَالْعَوَاتِكُ جَمْعُ عَاتِكَة وَهُنَّ جَدَّاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَنَزَلَ فِيهِ عَنْ بَغْلَتِهِ، وَقَالَ أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» ، وَهُنَّ تِسْعُ عَوَاتِكَ عَاتِكَةُ بِنْتُ هِلَالٍ أُمُّ جَدِّ هَاشِمٍ وَعَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ بْنِ هِلَالٍ أُمُّ هَاشِمٍ وَعَاتِكَةُ بِنْتُ الْأَرْقَسِ بْنِ مُرَّةَ أُمُّ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ جَدِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ آمِنَةِ بِنْتِ وَهْبٍ، وَسَائِرُ الْعَوَاتِكِ أُمَّهَاتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ بَنِي سُلَيْمٍ اهـ.
وَقَالَ الْهَرَوِيُّ فِي كِتَابِ الْعَرَبِيَّيْنِ الْعَوَاتِكُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ فَذَكَرَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَ وَزَادَ الْعُلْيَا عَمَّةَ الْوُسْطَى وَالْوُسْطَى عَمَّةَ السُّفْلَى وَبَنُو سُلَيْمٍ يَفْتَخِرُونَ بِهَذِهِ الْوِلَادَةِ.
وَيَجُوزُ التَّبَخْتُرُ فِي الْمَشْيِ فِي الْحَرْبِ «لِفِعْلِ أَبِي دُجَانَةَ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّهَا مِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ»
وَالرَّجْزُ
وَالتَّسْمِيَةُ وَالصِّيَاحُ، وَالْأَحَبُّ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، لَا حَدِيثُ الرَّامِي
وَلَزِمَ الْعَقْدُ كَالْإِجَارَةِ.
[منح الجليل]
وَ) جَازَ (الرَّجْزُ) فِي الْمُسَابَقَةِ وَالْحَرْبِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ خَرَجْت فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ وَأَرْتَجِزُ وَأَقُولُ: أَنَا أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعْ ... الْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ.
(وَ) جَازَتْ (التَّسْمِيَةُ) لِلنَّفْسِ كَأَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ.
(وَ) جَازَ (الصِّيَاحُ) عِنْدَ الرَّمْيِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْجِيعِ وَإِرَاحَةِ النَّفْسِ مِنْ التَّعَبِ (وَالْأَحَبُّ) أَيْ الْأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ (ذِكْرُ اللَّهِ) تَعَالَى بِالتَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الْمُسَابَقَةِ وَالْمُجَاهَدَةِ (لَا حَدِيثُ) أَيْ تَكَلُّمُ (الرَّامِي) بِغَيْرِ مَا تَقَدَّمَ فَلَا يَجُوزُ إنْ كَانَ فُحْشًا وَإِلَّا فَيُكْرَهُ.
وَقَالَ " غ " بَعْدَ ذِكْرِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَإِلَى الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ لَا حَدِيثُ الرَّمْيِ فَلَامَهُ جَارَّةٌ تَعْلِيلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِجَازِ، وَجُمْلَةُ وَالْأَحَبُّ ذِكْرُ اللَّهِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُمَا هَذَا الَّذِي انْقَدَحَ لِي فِي فَهْمِهِ بَعْدَ أَنْ ظَفِرْت بِنُسَخٍ هُوَ فِيهَا هَكَذَا فَاللَّامُ جَرٍّ دَاخِلَةٍ عَلَى أَحَادِيثَ جَمْعِ حَدِيثٍ، وَالْوَاقِعُ فِي سَائِرِ النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْتهَا لَا حَدِيثُ بِلَا النَّافِيَةِ، وَكَذَا نَقَلَهُ فِي الشَّامِلِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
عب وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ صَحِيحٌ كَمَا مَرَّ وَوَجْهُهُ أَنَّ حَدِيثَ بِمَعْنَى تَكَلُّمِ الرَّامِي بِغَيْرِ أَحَادِيثِ الرَّمْيِ الْوَارِدَةِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَكَأَنَّهُ بَنَى كَلَامَهُ عَلَى أَنَّ نُسْخَةَ لَا حَدِيثُ لَا يَجُوزُ حَدِيثٌ بِمَعْنَى أَحَادِيثِ الرَّمْيِ الْوَارِدَةِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ قَبْلُ وَالِافْتِخَارُ عِنْدَ الرَّمْيِ فَادَّعَى التَّصْحِيفَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلَزِمَ الْعَقْدُ) بَيْنَ الْمُتَسَابِقَيْنِ إذَا وَقَعَ بِجُعْلٍ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا حَلُّهُ إلَّا بِرِضَا الْآخَرِ حَالَ كَوْنِهِ (كَ) عَقْدِ (الْإِجَارَةِ) فِي شَرْطِ تَكْلِيفِ الْعَاقِدِ وَرُشْدِهِ.
(بَابٌ)
[منح الجليل]
[بَاب مَا خَصَّ بِهِ النَّبِيّ بِوُجُوبِ الضُّحَى وَالْأَضْحَى وَالتَّهَجُّدِ وَالْوِتْرِ]
(بَابٌ) فِي أَحْكَامِ النِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ وَابْتَدَأَهُ بِخَصَائِصِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ مُعْتَمِدًا نَقْلَ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 50] ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَلَهُ وَلِلْمُصَنِّفِ بَعْضُ زِيَادَاتٍ عَلَى مَا فِي الْأَحْكَامِ قَالَهُ " غ " عب ذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَعَ أَنَّهُمْ بِصَدَدِ بَيَانِ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ وَأَحْكَامِ الْخَصَائِصِ قَدْ مَضَتْ بِمَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلتَّنْوِيهِ بِعَظِيمِ قَدْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَلِئَلَّا يَتَأَسَّى بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا فَذِكْرُهَا مَنْدُوبٌ أَوْ وَاجِبٌ.
وَاسْتَظْهَرَ الثَّانِي وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ وَاجِبٌ وَمُحَرَّمٌ وَمُبَاحٌ.
وَالْأَوَّلُ: قِسْمَانِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَشْرِيفًا لَهُ وَتَكْثِيرًا لِثَوَابِهِ، فَإِنَّ ثَوَابَ الْوَاجِبِ يَزِيدُ عَلَى ثَوَابِ التَّطَوُّعِ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَإِنْ ضَعَّفَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
وَحَدِيثُ الْبُخَارِيِّ الْقُدْسِيُّ «وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدٌ بِشَيْءٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْت عَلَيْهِ» . وَوَاجِبٌ عَلَيْنَا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَشْرِيفًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَالثَّانِي: قِسْمَانِ أَيْضًا حَرَامٌ عَلَيْهِ وَحَرَامٌ عَلَيْنَا لَهُ.
(فَرْعٌ) لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - جُنُونٌ وَلَوْ قَلَّ زَمَنُهُ وَلَا إغْمَاءٌ طَوِيلٌ جَزَمَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ وَلَا عَمًى كَمَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ، فَلَمْ يَعْمَ نَبِيٌّ قَطُّ، وَمَا رُوِيَ فِي شُعَيْبٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَثْبُتْ وَيَعْقُوبُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَتْ بِهِ غِشَاوَةٌ وَزَالَتْ، أَوْ إنَّهُ اسْتَحَالَ السَّوَادُ بَيَاضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: 84] ، وَكَانَ يُبْصِرُ بِهِمَا فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: 96] ، أَيْ مِنْ حَالَةِ الْبَيَاضِ وَقِيلَ عَمِيَ سِتَّ سِنِينَ.
خُصَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوُجُوبِ: الضُّحَى وَالْأَضْحَى، وَالتَّهَجُّدِ وَالْوِتْرِ بِحَضَرٍ، وَالسِّوَاكِ وَتَخْيِيرِ نِسَائِهِ فِيهِ
[منح الجليل]
خُصَّ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ (النَّبِيُّ) مُحَمَّدٌ (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أُمَّتِهِ وَيُحْتَمَلُ وَمِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ أَنَّهُ خُصَّ بِمَجْمُوعِهَا فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ شَارَكُوهُ فِي بَعْضِهَا (بِوُجُوبِ) صَلَاةِ (الضُّحِي) عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ لِخَبَرِ «كُتِبَ عَلَيَّ رَكْعَتَا الضُّحَى وَهُمَا لَكُمْ سُنَّةٌ» ، وَخَبَرُ الْبَيْهَقِيّ كَمَا فِي الْأُنْمُوذَجِ «ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ وَلَكُمْ تَطَوُّعٌ الْفَجْرُ وَالْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الضُّحَى» ، وَكَذَا فِي الْحَطّ.
وَفِي تت التَّهَجُّدُ بَدَلُ الْفَجْرِ، وَالضُّحَى بَدَلُ رَكْعَتَا الضُّحَى، وَهَذَا شَاذٌّ،
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَنْدُوبٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّهُ صَلَّاهَا فِي بَيْتِهَا ثَمَانِ رَكَعَاتٍ» ، وَرُوِيَ «أَنَّهُ صَلَّاهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ» ، وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ صَلَّاهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَلَكِنَّهُ رَغَّبَ فِيهَا بِقَوْلِهِ «مَنْ صَلَّاهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» كَمَا فِي الْبُدُورِ السَّافِرَةِ وَالْمَوَاهِبِ اللَّدُنْيَّةِ، وَمِنْ فَوَائِدِهَا إجْزَاؤُهَا عَنْ الصَّدَقَاتِ الَّتِي تُصْبِحُ عَلَى الْمَفَاصِلِ وَهِيَ ثَلَثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ مَفْصِلًا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَيُجْزِي عَنْ ذَلِكَ رَكْعَتَا الضُّحَى الْقَرَافِيُّ عَلَى التِّرْمِذِيِّ مَا اشْتَهَرَ بَيْنَ الْعَوَامّ أَنَّ مَنْ صَلَّاهَا ثُمَّ قَطَعَهَا يَعْمَى فَصَارَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِتَرْكِهَا أَصْلًا لَا أَصْلَ لَهُ، بَلْ هُوَ مِمَّا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ لِيُحَرِّمَهُمْ.
(وَ) بِوُجُوبِ (الْأَضْحَى) أَيْ الضَّحِيَّةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ حَاجًّا وَإِلَّا فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِالْهَدْيِ كَغَيْرِهِ (وَ) بِوُجُوبِ (التَّهَجُّدِ) أَيْ نَفْلِ اللَّيْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79] الْإِسْرَاءُ أَيْ زِيَادَةً عَلَى الْفَرَائِضِ الْخَمْسِ وَهُوَ صَلَاةٌ بَعْدَ نَوْمٍ عَلَى الْمُخْتَارِ (وَ) بِوُجُوبِ (الْوِتْرِ بِحَضَرٍ) رَاجِعٌ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَدَلِيلُ عَدَمِ وُجُوبِ الْوِتْرِ عَلَيْهِ بِسَفَرٍ فِعْلُهُ فِيهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ (وَ) بِوُجُوبِ (السِّوَاكِ) لِكُلِّ صَلَاةٍ حَضَرًا وَسَفَرًا (وَ) بِوُجُوبِ (تَخْيِيرِ نِسَائِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فِيهِ) أَيْ الْمَقَامِ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَبًا لِلْآخِرَةِ وَمُفَارَقَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - طَلَبًا لِلدُّنْيَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ التَّخْيِيرَ الَّذِي يُوقِعُ فِيهِ الثَّلَاثَ كَمَا ظَنَّ قَوْمٌ،
وَطَلَاقِ مَرْغُوبَتِهِ
[منح الجليل]
أَبُو الْحَسَنِ هَذَا سُوءُ ظَنٍّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُخَيَّرَ فِي إيقَاعِ الثَّلَاثِ.
وَرَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حِينَ خَيَّرَ نِسَاءَهُ بَدَأَ بِهَا فَاخْتَارَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَتَبِعَهَا بَقِيَّتُهُنَّ عَلَى ذَلِكَ» ، وَنَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ وَفِي عِصْمَتِهِ التِّسْعُ اللَّاتِي تُوُفِّيَ عَنْهُنَّ.
(تَتِمَّةٌ) بَقِيَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ وَأَنْ يُؤَدِّيَ فَرْضَ الصَّلَاةِ كَامِلَةً لَا خَلَلَ فِيهَا، وَإِتْمَامُ كُلِّ تَطَوُّعٍ شَرَعَ فِيهِ وَدَفْعُهُ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَتَكْلِيفُهُ وَحْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ مَا كُلِّفَ النَّاسُ جَمِيعهَا وَمُطَالَبَتُهُ بِمُشَاهَدَةِ الْحَقِّ مَعَ مُشَاهَدَةِ الْخَلْقِ بِالنَّفْسِ وَالْكَلَامِ وَاسْتِغْفَارِهِ سَبْعِينَ لِلْغَيْنِ عَلَى قَلْبِهِ، وَوُضُوءُهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَتَجْدِيدُ الْوُضُوءِ لِرَدِّ السَّلَامِ، وَالْكَلَامُ وَهَذَانِ نُسِخَا
(وَ) خُصَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوُجُوبِ (طَلَاقِ مَرْغُوبَتِهِ) عَلَيْنَا أَيْ طَلَاقُنَا الزَّوْجَةَ الَّتِي رَغِبَ فِي نِكَاحِهَا نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ وَقَعَ لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ رَغِبَ فِي تَزَوُّجِ زَوْجَةِ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمَا عَامًّا لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَأَمَّا تَزَوُّجُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوْجَةَ غَيْرِهِ بَعْدَ طَلَاقِهَا بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ وَقَعَ فِي زَيْنَبَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] وَإِنَّمَا كَانَتْ رَغْبَتُهُ فِي بَقَائِهَا زَوْجَةً لِزَيْدٍ تَحَاشِيًا مِنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، وَقَدْ مَنَعَ النَّاسُ مِنْهُ لِتَبَنِّيه زَيْدًا.
وَاَلَّذِي أَخْفَاهُ إنَّمَا هُوَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِتَزَوُّجِهَا بَعْدَ زَيْدٍ فَأَخْفَاهُ خَشْيَةَ تَطَرُّقِ الْأَلْسُنِ إلَيْهِ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَبَنَّى زَيْدًا فَكَانَ لِهَذَا الْمُوجِبِ يَقُولُ لَهُ أَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجَك خَشْيَةَ وُجُوبِ تَزَوُّجِهَا عَلَيْهِ إذَا طَلَّقَهَا زَيْدٌ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: 37] مَعْنَاهُ لِئَلَّا يَجِبَ عَلَيْك زَوَاجُهَا إذَا طَلَّقَهَا لَا مَحَبَّتُهَا مَعَ قَوْلِهِ ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُ ذَلِكَ حِينَ شَكَا زَيْدٌ لَهُ مِنْهَا وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِك مَا أُمِرْت بِهِ مِنْ تَزَوُّجِهَا بَعْدَ طَلَاقِ زَيْدٍ لَا حُبُّهَا مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ أَيْ مُظْهِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِوُجُوبِ تَزَوُّجِك إيَّاهَا، وَتَخْشَى النَّاسَ أَنْ يَقُولُوا تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ لِمَا أَرَادَ مِنْ إبْطَالِ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ حُرْمَةِ تَزَوُّجِ
وَإِجَابَةِ الْمُصَلِّي، وَالْمُشَاوَرَةِ
[منح الجليل]
زَوْجَةِ مَنْ تَبَنَّاهُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَفَادَهُ السَّنُوسِيُّ وَنَحْوُهُ لِلسَّيِّدِ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ وَكَذَا فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ وَزَادَ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ إخْفَاءَهُ عَزِيمَةَ تَزَوُّجِ زَيْنَبَ أَمْرٌ دُنْيَوِيٌّ خَوْفًا مِنْ أَعْدَاءِ الدِّينِ لَيْسَ مِنْ الصَّغَائِرِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ الْكَبَائِرِ غَايَتُهُ تَرْكُ الْأَوْلَى بَلْ وَكَذَا مَيَلَانُ الْقَلْبِ.
اهـ. أَيْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنْ لَوْ وَقَعَ.
(وَ) خُصَّ بِوُجُوبِ (إجَابَةِ الْمُصَلِّي) أَيْ يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي إجَابَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَعَاهُ وَهُوَ فِيهَا وَأَحْرَى غَيْرُ الْمُصَلِّي.
وَعُمُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا مَرَّ أَوْ وَجَبَ لِإِنْقَاذِ أَعْمَى يَقْضِي بِبُطْلَانِ صَلَاةٍ مُجِيبَةٍ، لِمَنْ قَالَ الشَّارِحُ فِي صَغِيرِهِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِهَا وَعَزَاهُ السَّفَاقِسِيُّ لِابْنِ كِنَانَةَ.
قَالَ الشَّيْخُ سَالِمٌ وَهَذِهِ الْخِصِّيصَةُ يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ.
الْعَجْمَاوِيُّ مِثْلُ الْإِجَابَةِ فِي عَدَمِ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ ابْتِدَاءُ الْمُصَلِّي النَّبِيَّ بِالْخِطَابِ بِقَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْك أَوْ سَلَامٌ عَلَيْك قَالَهُ النَّوَوِيُّ.
عج وَالظَّاهِرُ قَصْرُهُ عَلَى مَا فِيهِ ذِكْرٌ كَمِثَالِهِ لَا مَا كَانَ كَلَامًا أَجْنَبِيًّا.
وَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّارِحِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِإِجَابَتِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ إجَابَتِهِ بِنَحْوِ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
أَوْ بِنَحْوِ مَا فَعَلْت الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ جَوَابًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَهُ عَلَى فِعْلَتِهِ، هَذَا فِي حَيَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا وَقَعَ لِأُبَيٍّ.
وَانْظُرْ إنْ وَقَعَتْ بَعْدَهَا فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ لِبَقَاءِ خُصُوصِيَّةِ الْحَيَاةِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالظَّاهِرُ الْبُطْلَانُ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حَيَاتِهِ الْأَصْلِيَّةِ اهـ عب.
(وَ) مِمَّا خُصَّ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (الْمُشَاوَرَةِ) لِذَوِي الْأَحْلَامِ مِنْ أَصْحَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْآرَاءِ فِي الْحُرُوبِ تَطْبِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَتَأْلِيفًا لَهُمْ لَا يَسْتَفِيدُ مِنْهُمْ عِلْمًا، فَالْخُصُوصِيَّةُ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ كَامِلَ الْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْمُشَاوَرَةُ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُدِيُّ إنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُشَاوِرُ فِي الْحُرُوبِ وَفِيمَا لَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَمَّا مَا فِيهِ الْأَحْكَامُ فَلَا يُشَاوِرُ فِيهِ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِهَا إنَّمَا يُلْتَمَسُ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44] الْآيَةَ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْأَحْكَامِ فَرُبَّمَا رَأَوْا بِأَعْيُنِهِمْ أَوْ سَمِعُوا بِآذَانِهِمْ شَيْئًا لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَسْمَعْهُ، وَيَجِبُ
وَقَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ الْمُعْسِرِ، وَإِثْبَاتِ عَمَلِهِ، وَمُصَابَرَةِ الْعَدُوِّ الْكَثِيرِ وَتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ، وَحُرْمَةِ الصَّدَقَتَيْنِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
[منح الجليل]
عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ مُشَاوَرَةُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا لَا يَعْلَمُونَ وَفِيمَا أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَوُجُوهِ الْكِتَابِ، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ وَعِمَارَتِهَا نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ ابْنِ عَطِيَّةَ الشُّورَى مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ وَعَزَائِمِ الْأَحْكَامِ وَمَنْ لَا يَسْتَشِيرُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ فَعَزْلُهُ وَاجِبٌ.
(وَ) خُصَّ بِوُجُوبِ (قَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ الْمُعْسِرِ) الْمُسْلِمِ مِنْ مَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَاصِّ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَأَمَّا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَيُشَارِكُهُ فِيهِ جَمِيعُ الْوُلَاةِ إذَا عَجَزَ عَنْ وَفَائِهِ وَتَدَايُنِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ أَوْ تَابَ، وَأَحَادِيثُ الْحَبْسِ عَنْ الْجَنَّةِ بِالدَّيْنِ مَنْسُوخَةٌ اتِّفَاقًا لِوُجُوبِ قَضَائِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِالشَّرْطَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ قَبْلَ الْفُتُوحَاتِ.
(وَ) خُصَّ بِوُجُوبِ (إثْبَاتِ عَمَلِهِ) أَيْ عَدَمِ تَرْكِهِ بِالْكُلِّيَّةِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى نَسْخِهِ لَا أَنَّهُ يَفْعَلُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَلَا يُنَافِي مَا وَرَدَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ لَا يَدَعُهَا وَيَدَعَهَا حَتَّى نَقُولَ لَا يُصَلِّيهَا، وَكَذَا فِي الصَّوْمِ كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ فَيُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ فَيَصُومُ.
(وَ) خُصَّ بِوُجُوبِ (مُصَابَرَةِ الْعَدُوِّ الْكَثِيرِ) الزَّائِدُ عَلَى الضَّعْفِ وَلَوْ أَهْلَ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَعَدَهُ بِالْعِصْمَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67] أَيْ مِنْ قَتْلِهِمْ لَك فَلَا يُنَافِي شَجَّ وَجْهِهِ وَكَسْرَ رُبَاعِيَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَ) خُصَّ بِوُجُوبِ (تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ) عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَيْنًا بِلَا شَرْطٍ لِأَنَّ سُكُونَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ تَشْرِيعٌ لَهُ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
(وَ) خُصَّ (بِحُرْمَةِ الصَّدَقَتَيْنِ) الْوَاجِبَةِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ وَالتَّطَوُّعِ (عَلَيْهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صِيَانَةً لِمَنْصِبِهِ الشَّرِيفِ عَنْ أَوْسَاخِ الْمُتَصَدِّقِينَ، وَكَوْنُ يَدِهِمْ هِيَ الْعُلْيَا وَيَدُهُ السُّفْلَى، وَقَدْ أَبْدَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمَا الْفَيْءَ الْمَأْخُوذَ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ الدَّالِّ عَلَى عِزِّ آخِذِهِ وَذُلِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ (وَعَلَى آلِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ فَقَطْ وَلَوْ مِنْ بَعْضِهِمْ.
ابْن عَبْدَ الْبَرِّ زَوْجَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَآلِهِ
وَأَكْلِهِ كَثُومٍ، أَوْ مُتَّكِئًا، وَإِمْسَاكِ كَارِهَتِهِ، وَتَبَدُّلِ أَزْوَاجِهِ، وَنِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ وَالْأَمَةِ،
[منح الجليل]
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالرَّاجِحُ جَوَازُهُمَا لِمَوَالِيهِ وَعَدَمُ حُرْمَةِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى آلِهِ.
وَشَرْطُ حُرْمَةِ الْفَرْضِ عَلَيْهِمْ غِنَاهُمْ أَوْ إعْطَاؤُهُمْ كِفَايَتَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِلَّا فَهِيَ مُبَاحَةٌ لَهُمْ أَضَرَّ بِهِمْ الْفَقْرُ أَوْ بَلَغُوا إبَاحَةَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَإِعْطَاؤُهُمْ حِينَئِذٍ أَفْضَلُ مِنْ إعْطَاءِ غَيْرِهِمْ، وَمِمَّا حَرُمَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَطَلُّعُهُ إلَى مَا مُنِعَ بِهِ النَّاسُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: 131] الْآيَةَ.
(وَ) خُصَّ بِحُرْمَةِ (أَكْلِ كَثُومٍ) وَبَصَلٍ وَفُجْلٍ وَسَائِرِ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ إذَا كَانَ نِيئًا لِمُنَاجَاتِهِ الْمَلَائِكَةَ وَالرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ تُؤْذِيهِمْ، فَإِنْ طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَتْ رَائِحَتُهُ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ (أَوْ) أَكْلُهُ حَالَ كَوْنِهِ (مُتَّكِئًا) أَيْ مُتَرَبِّعًا قَالَهُ عِيَاضٌ وَالْخَطَّابِيُّ أَوْ مَائِلًا عَلَى جَنْبِهِ قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ أَوْ مُسْتَنِدًا بِلَا مَيْلٍ قَالَهُ أَحْمَدُ (وَ) خُصَّ حُرْمَةُ (إمْسَاكِ كَارِهَتِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِغَيْرَتِهَا مِنْ زَوْجَاتِهِ الْجِبِلِّيَّةِ الَّتِي لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى تَرْكِهَا لَا لِذَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عِصْمَتِهِ لِخَبَرِ «الْعَائِذَةِ الْقَائِلَةِ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا لَقَدْ اسْتَعَذْت بِمَعَاذٍ الْحَقِي بِأَهْلِك» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا أُمَيْمَةُ بِنْتُ النُّعْمَانِ، وَقِيلَ مُلَيْكَةُ اللَّيْثِيَّةُ فَإِنْ كَرِهَتْهُ لِذَاتِهِ كَفَرَتْ فَبَانَتْ، قَوْلُهُ مَعَاذٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَصْدَرٌ أَوْ اسْمُ مَكَان قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ، أَيْ تَحَصَّنَتْ بِمَلَاذٍ وَمَلْجَأٍ.
وَضَبَطَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ بِضَمِّهَا أَيْ الَّذِي يُسْتَعَاذُ بِهِ وَقَوْلُهُ الْحَقِي هَمْزَةٌ لِلْوَصْلِ مِنْ لَحِقَ كَفَرِحَ وَأَجَازَ الْقَسْطَلَّانِيُّ قَطْعَهَا مِنْ أَلْحَقَ لُغَةً فِي لَحِقَ.
(وَ) خُصَّ بِحُرْمَةِ (تَبَدُّلِ) أَيْ تَبْدِيلِ (أَزْوَاجِهِ) اللَّاتِي خَيَّرَهُنَّ فَاخْتَرْنَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: 52] الْآيَةَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَيْ لَا يَحِلُّ لَك أَنْ تُطَلِّقَ امْرَأَةً مِنْ أَزْوَاجِك وَتَنْكِحَ غَيْرَهَا وَهَذَا لَمْ يُنْسَخْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) خُصَّ بِحُرْمَةِ (نِكَاحِ) الْحُرَّةِ (الْكِتَابِيَّةِ وَالْأَمَةِ) الْمُسْلِمَةِ أَحْمَدُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ جَوَازَهُ لِغَيْرِهِ مَشْرُوطٌ بِخَوْفِ الْعَنَتِ وَعَدَمِ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةٌ وَهُمَا مَنْفِيَّانِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَمَدْخُولَتِهِ لِغَيْرِهِ وَنَزْعِ لَأْمَتِهِ حَتَّى يُقَاتِلَ، وَالْمَنِّ لِيَسْتَكْثِرَ
[منح الجليل]
لِعِصْمَتِهِ وَإِبَاحَةِ تَزَوُّجِهِ بِلَا مَهْرٍ وَتَسَرِّيهِ بِكِتَابِيَّةٍ مُبَاحٌ.
(وَ) خُصَّ بِحُرْمَةِ (مَدْخُولَتِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي مَاتَ عَنْهَا (لِغَيْرِهِ) أَيْ عَلَيْهِ إجْمَاعًا.
وَكَذَا الَّتِي مَاتَ عَنْهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا فَلَا مَفْهُومَ لِمَدْخُولَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَوْتِ، وَأَمَّا مُطَلَّقَتُهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَتَحِلُّ لِغَيْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لَهُمْ عُمَرُ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " بِرَجْمِ الْمُسْتَعِيذَةِ إذْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ وَفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ وَتَرَكَهَا لَمَّا أُخْبِرَ بِمُفَارِقِهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَلَا تَحْرُمُ مُطَلَّقَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ بِنَائِهِ وَقَبْلَ مَسِّهِ الَّتِي وَجَدَ بَيَاضًا بِكَشْحِهَا وَتَحْرُمُ سَرِيَّتُهُ وَأُمُّ وَلَدٍ
ابْنُ الْعَرَبِيِّ زَوْجَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْعَ عَشْرَةَ عَقَدَ عَلَى خَمْسٍ وَبَنَى بِثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ، وَفِي بَقَاءِ نِكَاحِهِنَّ بَعْدَ مَوْتِهِ وَانْقِطَاعِهِ خِلَافٌ، وَفِي وُجُوبِ عِدَّتِهِنَّ خِلَافٌ.
وَجْهُ الثُّبُوتِ أَنَّهُنَّ مُتَوَفًّى عَنْهُنَّ وَهِيَ عِبَادَةٌ.
وَوَجْهُ النَّفْيِ أَنَّهُنَّ لَا يَنْتَظِرْنَ إبَاحَةً فَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَمُتْ، وَقَدْ وَرَدَ: الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ وَنَظَمَ تت أَسْمَاءَ اللَّاتِي مَاتَ عَنْهُنَّ بِقَوْلِهِ:
تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ ... إلَيْهِنَّ تُعْزَى الْمَكْرُمَاتُ تُنْسَبُ
فَعَائِشَةُ مَيْمُونَةُ وَصَفِيَّةُ ... وَحَفْصَةُ تَتْلُوهُنَّ هِنْدُ وَزَيْنَبُ
جُوَيْرِيَةُ مَعَ رَمْلَةَ ثُمَّ سَوْدَةَ ... ثَلَاثٌ وَسِتٌّ نَظْمُهُنَّ مُهَذَّبُ
(وَ) خُصَّ بِحُرْمَةِ (نَزْعِ لَأْمَتِهِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْهَمْزِ جَمْعُهَا لَأْمٍ بِسُكُونِهَا أَيْ آلَةِ حَرْبِهِ كَخُوذَةٍ وَدِرْعٍ (حَتَّى يُقَاتِلَ) فِيهِ مُسَامَحَةً، وَالْأَوْلَى حَتَّى يُلَاقِيَ الْعَدُوَّ أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَارِبِهِ وَكَذَا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى إنْ اُحْتِيجَ لَهُ.
(وَ) خُصَّ بِحُرْمَةِ (الْمَنِّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَشَدِّ النُّونِ أَيْ إعْطَائِهِ شَيْئًا (لِيَسْتَكْثِرَ) أَيْ يَطْلُبُ أَكْثَرَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6] أَيْ لَا تُعْطِ عَطِيَّةً لِتَطْلُبَ أَكْثَرَ مِنْهَا، أَوْ لَا تُعْطِ الْأَغْنِيَاءَ فَتُصِيبَ مِنْهُمْ أَضْعَافَهَا، أَوْ لَا تُعْطِ عَطِيَّةً تَنْتَظِرُ ثَوَابَهَا، أَوْ لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِك أَوْ لَا تَمْنُنْ عَلَى النَّاسِ بِنُبُوَّتِك فَتَأْخُذَ مِنْهُمْ أَجْرًا، أَوْ لَا تَضْعُفْ عَنْ الْخَيْرِ أَنْ تَسْتَكْثِرَ
وَخَائِنَةِ الْأَعْيُنِ وَالْحُكْمِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَارِبِهِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ عَلَيْهِ وَنِدَائِهِ مِنْ وَرَاءِ الْحُجْرَةِ
[منح الجليل]
مِنْهُ، أَوْ لَا تُعْطِ عَطِيَّةً مُسْتَكْثِرًا لَهَا بِأَنْ تَعُدَّهَا كَثِيرَةً أَيْ لَا تَسْتَكْثِرْ مَا تَمُنُّ بِهِ أَقْوَالٌ.
(وَ) خُصَّ بِحُرْمَةِ (خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ) أَيْ إظْهَارِ خِلَافِ مَا فِي ضَمِيرِهِ، فَشُبِّهَ بِالْخِيَانَةِ فِي الْإِخْفَاءِ أَوْ الِانْخِدَاعِ عَمَّا وَجَبَ وَالْأَوَّلُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَيْرِ الْحُرُوبِ، وَحَدِيثُ «إنَّا لَنَبَشُّ فِي وُجُوهِ قَوْمٍ وَقُلُوبُنَا تَلْعَنُهُمْ» مِنْ قَبِيلِ الْحَرْبِ مَعْنَى وَنَبَشُّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ بَابِ عَلِمَ وَقَدْ أُبِيحَ لَهُ إذَا أَرَادَ سَفَرَ الْغَزْوِ التَّوْرِيَةُ بِغَيْرِهِ حَذَرًا مِنْ إفْسَادِ الْمُنَافِقِينَ، فَكَانَ يَسْأَلُ عَنْ حَالِ جِهَةِ غَيْرِ الَّتِي أَرَادَ غَزْوَهَا لِيُخْفِيَ عَنْهُمْ الَّتِي أَرَادَهَا حَتَّى لَا يَتَمَكَّنُوا مِنْ إفْسَادِ مَا نَوَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَ) خُصَّ بِحُرْمَةِ (الْحُكْمِ بَيْنَهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَبَيْنَ مُحَارِبِهِ) - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1] .
(وَ) خُصَّ بِحُرْمَةِ (رَفْعِ الصَّوْتِ عَلَيْهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِهِ ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: 2] وَيَحْرُمُ رَفْعُ الصَّوْتِ عَلَى حَدِيثِهِ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ مَيِّتًا كَحُرْمَتِهِ حَيًّا فَإِذَا قُرِئَ كَلَامُهُ وَجَبَ عَلَى كُلِّ حَاضِرٍ أَنْ لَا يَرْفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ وَلَا يُعْرِضُ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ [الأعراف: 204] الْآيَةَ وَكَلَامُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْوَحْيِ وَلَهُ مِنْ الْحُرْمَةِ مِثْلُ مَا لِلْقُرْآنِ إلَّا فِي مَعَانٍ مُسْتَثْنَاةٍ وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَعِنْدَ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ.
وَقِيَامُ قَارِئِ حَدِيثِهِ لِأَحَدٍ وَقِيلَ تُكْتَبُ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ.
(وَ) خُصَّ بِحُرْمَةِ (نِدَائِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مِنْ وَرَاءِ) أَيْ خَلْفِ (الْحُجْرَةِ) أَيْ الْمَحَلِّ الْمُحْتَجِبِ بِهِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ بِحَائِطٍ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَحْتَجِبُ فِي شُغْلِهِ الْمُهِمِّ فَحَرُمَ إزْعَاجُهُ وَقَطْعُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ سُوءُ أَدَبٍ، وَهَذَا يُقَيِّدُ أَنَّ نِدَاءَهُ مِنْ وَرَائِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَا يَحْرُمُ كَأَنْ يُنَادِيَهُ مَنْ لَا يَحْصُلُ لَهُ بِنِدَائِهِ إزْعَاجٌ كَخَادِمِهِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: 4] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: 5]
وَبِاسْمِهِ وَإِبَاحَةِ الْوِصَالِ وَدُخُولِ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ وَبِقِتَالٍ وَصَفِيِّ
[منح الجليل]
(وَ) خُصَّ بِحُرْمَةِ نِدَائِهِ (بِاسْمِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ أَمْ لَا غَيْرَ مَقْرُونٍ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَإِلَّا جَازَ، فَفِي خَبَرِ ابْنِ فُدَيْكٍ عَنْ بَعْضِ مَنْ أَدْرَكَ قَالَ «بَلَغَنَا أَنَّ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك يَا مُحَمَّدُ سَبْعِينَ مَرَّةً نَادَاهُ مَلَكٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك يَا فُلَانُ لَا تَسْقُطُ لَك الْيَوْمَ حَاجَةٌ» ، وَكَنِدَائِهِ بِاسْمِهِ نِدَاؤُهُ بِكُنْيَتِهِ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63] قَالَ تِلْمِيذُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ أَنَّ النِّدَاءَ بِالْكُنْيَةِ لَا تَعْظِيمَ فِيهِ مَمْنُوعٌ إذْ هِيَ تَعْظِيمٌ بِاتِّفَاقٍ، وَلِهَذَا امْتَنَعَتْ تَكْنِيَةُ الْكَافِرِ.
وَاحْتِيجَ لِلْجَوَابِ عَنْ حِكْمَةِ تَكْنِيَةِ عَبْدِ الْعُزَّى بِأَبِي لَهَبٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: 1] الْمَسَدُ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهَا لِأَنَّهَا تَعْظِيمٌ فَالْأَوْجَهُ جَوَازُ نِدَائِهِ بِكُنْيَتِهِ وَإِنْ كَانَ نِدَاؤُهُ بِوَصْفِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ أَعْظَمُ.
وَرُدَّ بِأَنَّ مُقْتَضَى آيَةِ النُّورِ الْمَذْكُورَةِ أَنْ لَا يُنَادَى بِكُنْيَتِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَ بِهَا بَعْضَهُمْ.
وَالْحَافِظُ لَمْ يُعَلِّلْ الْحُرْمَةَ بِتَرْكِ التَّعْظِيمِ حَتَّى يُتَّجَهَ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ زَكَرِيَّا قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ عَلَى الْخَصَائِصِ.
(وَ) خُصَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِإِبَاحَةِ الْوِصَالِ) فِي الصِّيَامِ بِأَنْ يَصُومَ أَيَّامًا بِلَا فِطْرٍ بَيْنَهَا لَيْلًا وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِغَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَا لَسْت كَأَحَدِكُمْ، أَنَا أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي» ، قِيلَ مِنْ طَعَامِ وَشَرَابِ الْجَنَّةِ وَهُمَا لَا يُفْطِرَانِ، وَقِيلَ كِنَايَةٌ عَنْ التَّقْوِيَةِ وَالْإِعَانَةِ.
(وَ) خُصَّ بِإِبَاحَةِ (دُخُولِ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ) مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَحَصْرِ عَدُوٍّ (وَ) خُصَّ بِإِبَاحَةِ دُخُولِهَا (بِقِتَالٍ) ثُمَّ نُسِخَ كَمَا فِي الصَّحِيحِ (وَ) خُصَّ بِإِبَاحَةِ (صَفِيِّ) بِفَتْحِ
الْمَغْنَمِ وَالْخُمُسِ وَيُزَوِّجُ مِنْ نَفْسِهِ وَمَنْ شَاءَ وَبِلَفْظِ الْهِبَةِ وَزَائِدٍ عَلَى أَرْبَعٍ
[منح الجليل]
الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَشَدِّ الْيَاءِ أَيْ مُخْتَارِ (الْمَغْنَمِ) لِنَفْسِهِ قَبْلَ قَسْمِهِ وَيُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَعِيَالِهِ، وَمِنْهُ كَانَتْ صَفِيَّةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -
(وَ) خُصَّ بِإِبَاحَةِ (الْخُمُسِ) مِنْ الْمَغْنَمِ صَوَابُهُ خُمُسُ الْخُمُسِ كَمَا فِي كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ، وَنَصُّهُ مِنْ خَوَاصِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَفِيُّ الْمَغْنَمِ وَالِاسْتِبْدَادُ بِخُمُسِ الْخُمُسِ أَوْ الْخُمُسِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ شَاسٍ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا الِاسْتِبْدَادُ بِخُمُسِ الْخُمُسِ وَالثَّانِي الِاسْتِبْدَادُ بِجَمِيعِ الْخُمُسِ، فَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الثَّانِي، وَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ الْأَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ.
وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ إنَّمَا وَالَى الْجَيْشَ كَرَجُلٍ مِنْهُمْ لَهُ مِثْلُ الَّذِي لَهُمْ وَعَلَيْهِ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِمْ.
ابْنُ رُشْدٍ لَا حَقَّ لِلْإِمَامِ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَجُلِّ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّفِيُّ مَخْصُوصٌ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ إلَّا أَبَا ثَوْرٍ فَإِنَّهُ رَآهُ لِكُلِّ إمَامٍ وَكَذَا لَا حَقَّ لَهُ فِي الْخُمُسِ إلَّا الِاجْتِهَادُ فِي قَسْمِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَا مِثْلُ هَذَا إلَّا الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» .
(وَ) خُصَّ بِأَنَّهُ (يُزَوِّجُ مِنْ نَفْسِهِ) وَيَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ وَلَوْ لَمْ تَرْضَ الْمَرْأَةُ وَوَلِيُّهَا وَلَكِنْ إذَا كَرِهَتْ بَعْدَ ذَلِكَ الْإِقَامَةَ حَرُمَ عَلَيْهِ إمْسَاكُهَا فِي عِصْمَتِهِ (وَ) يُزَوِّجُ (مَنْ شَاءَ) مِنْ الرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ بِغَيْرِ إذْنٍ (وَ) يُزَوِّجُ مِنْ نَفْسِهِ وَمَنْ شَاءَ (بِلَفْظِ الْهِبَةِ) بِلَا ذِكْرِ صَدَاقٍ (وَ) خُصَّ بِجَوَازِ أَنْ يُزَوِّجَ نَفْسَهُ (بِزَائِدٍ عَلَى أَرْبَعٍ) مِنْ النِّسْوَةِ وَكَذَا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ.
وَبِلَا مَهْرٍ وَوَلِيٍّ وَشُهُودٍ وَبِإِحْرَامٍ وَبِلَا قَسْمٍ وَيَحْكُمُ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَيَحْمِي لَهُ وَلَا يُورَثُ.
[منح الجليل]
وَ) خُصَّ بِأَنْ يُزَوِّجَ نَفْسَهُ وَمَنْ شَاءَ (بِلَا مَهْرٍ) يُدْفَعُ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً (وَ) بِلَا (وَلِيٍّ) لِلْمَرْأَةِ (وَ) بِلَا (شُهُودٍ وَبِإِحْرَامٍ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا أَوْ مِنْهُمَا لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ «نَكَحَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَهُوَ مُحْرِمٌ» ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ وَهُوَ حَلَالٌ، وَعَنْهَا " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - " فِي مُسْلِمٍ «تَزَوَّجَنِي وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفٍ» (وَبِلَا) وُجُوبِ (قَسْمٍ) عَلَيْهِ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ.
وَخُصَّ بِإِبَاحَةِ مُكْثِهِ فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا وَعَدَمِ انْتِقَاضِ وُضُوئِهِ بِنَوْمِهِ وَلَا بِلَمْسَةٍ (وَيَحْكُمُ) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (لِنَفْسِهِ) عَلَى خَصْمِهِ لِعِصْمَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْجَوْرِ (وَ) يَحْكُمُ (لِوَلَدِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى خَصْمِهِ لِذَلِكَ وَيَشْهَدُ عَلَى خَصْمِهِ وَخَصْمِ وَلَدِهِ لِذَلِكَ (وَيَحْمِي) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ يَمْنَعُ النَّبِيُّ غَيْرَهُ مِنْ رَعْيِ الْكَلَأِ فِي الْمَوَاتِ (لَهُ) أَيْ لِنَفْسِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأُنْمُوذَجِ وَيَحْمِي الْمَوَاتَ وَلَا يُنْقَضُ مَا حَمَاهُ.
(وَلَا يُورَثُ) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا «إنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» بِرَفْعِ صَدَقَةٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مَا.
وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَرِثُ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَرِثَ مِنْ أَبِيهِ أُمَّ أَيْمَنَ بَرَكَةَ الْحَبَشِيَّةَ وَبَعْضَ غَنَمٍ» وَغَيْرَهُمَا وَبَحَثَ بِأَنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى إرْثًا لِأَنَّهُ قَبْلَ مَشْرُوعِيَّتِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَصَمَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ نُبُوَّتِهِ فَمَا حَصَلَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَهَا مُوَافِقٌ لِمَا حَصَلَ بَعْدَهَا، وَفِي الذَّخِيرَةِ رَأَيْت كَلَامًا لِلْعُلَمَاءِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ أَيْضًا.
اهـ. وَهَذَا لَا يُعَادِلُ الْأَوَّلَ فِي الْجَوَاهِرِ.
الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ذَكَرْته فِي قِسْمِ التَّحْلِيلِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَارَبَ الْمَوْتَ فَقَدَ أَكْثَرَ مَالِهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا الثُّلُثُ وَبَقِيَ مِلْكُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَوْتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
(بَابٌ) نُدِبَ لِمُحْتَاجٍ ذِي أُهْبَةٍ
[منح الجليل]
[بَابٌ النِّكَاح]
فَصْلٌ فِي النِّكَاحِ (نُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (لِ) رَجُلٍ (مُحْتَاجٍ) أَيْ رَاغِبٍ تَائِقٍ لَهُ رَجَا النَّسْلَ أَوْ لَا أَوْ غَيْرِ رَاغِبٍ وَرَجَا النَّسْلَ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ لَهُ حُكْمًا، وَمَحَلُّ هَذَا إنْ لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ وَإِلَّا وَجَبَ وَلَوْ مَعَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا مِنْ حَرَامٍ أَوْ مَعَ وُجُودِ بَعْضِ مُقْتَضَى التَّحْرِيمِ غَيْرِ هَذَا.
قَالَ فِي الشَّامِلِ يَتَعَيَّنُ لِخَوْفِ عَنَتٍ وَعَدَمِ إمْكَانِ تَسَرٍّ نِكَاحُ مَنْ لَمْ يَكْفِهِ الصَّوْمُ، وَخُيِّرَ فِيهِ وَفِي تَسَرٍّ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَفَّهُ الصَّوْمُ وَجَبَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ وَالنِّكَاحُ أَوْلَى.
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ النِّكَاحُ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ تَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ إلَيْهِ مَنْدُوبٌ أَوْ لِلْوَلَدِ، وَإِنْ كَانَ عِنِّينًا أَوْ حَصُورًا أَوْ عَقِيمًا فَهُوَ مُبَاحٌ لَهُ.
وَالْمُحْتَاجُ لَهُ وَلَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَتَسَرَّرُ بِهِ وَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ إنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ لَهُ وَخَشِيَ أَنْ لَا يَقُومَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لَهُ وَكَذَا الْمَرْأَةُ اهـ وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَغَيْرُهُ.
ابْنُ بَشِيرٍ يَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ وَعَجَزَ عَنْ الْوَطْءِ أَوْ النَّفَقَةِ مِنْ كَسْبٍ حَلَالٍ، وَفِي الشَّامِلِ وَمُنِعَ لِمُضِرٍّ بِامْرَأَةٍ لِعَدَمِ وَطْءٍ أَوْ نَفَقَةٍ أَوْ لِكَسْبٍ حَرُمَ وَلَمْ يَخَفْ عَنَتًا.
وَقَالَ ابْنُ رَحَّالٍ خَائِفُ الْعَنَتِ مَعَ عَجْزِهِ عَنْ النَّفَقَةِ مُكَلَّفٌ بِتَرْكِ الزِّنَا لِأَنَّهُ فِي طَوْقِهِ، وَبِتَرْكِ التَّزَوُّجِ الْحَرَامِ فَلَا يَحِلُّ فِعْلُ مُحَرَّمٍ لِدَفْعِ مُحَرَّمٍ وَإِنَّمَا يُصَارُ لِهَذَا عِنْدَ الِاضْطِرَارِ كَالْمَرْأَةِ لَا تَجِدُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهَا إلَّا بِالزِّنَا، وَإِنْ عَلِمَتْ الْمَرْأَةُ بِعَجْزِهِ عَنْ الْوَطْءِ وَرَضِيَتْ جَازَ، وَكَذَا إنْ عَلِمَتْ الرَّشِيدَةُ بِعَجْزِهِ عَنْ النَّفَقَةِ وَرَضِيَتْ وَلَا يَجُوزُ مَعَ الِاكْتِسَابِ الْحَرَامِ وَإِنْ رَضِيَتْ بِهِ.
(ذِي) أَيْ صَاحِبِ (أُهْبَةٍ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ أَيْ قُدْرَةٍ عَلَى صَدَاقٍ وَنَفَقَةٍ
نِكَاحُ
[منح الجليل]
وَوَطْءٍ، فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا فَلَا يُنْدَبُ لَهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّخْصَ إمَّا رَاغِبٌ فِيهِ أَوْ لَا، وَالرَّاغِبُ إمَّا أَنْ يَخْشَى الْعَنَتَ أَوْ لَا، فَالرَّاغِبُ إنْ خَشِيَ الْعَنَتَ وَعَجَزَ عَنْ التَّسَرِّي وَلَمْ يَكْفِهِ الصَّوْمُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّزَوُّجُ وَلَوْ أَدَّى لِلْإِنْفَاقِ مِنْ كَسْبٍ حَرَامٍ أَوْ مُقْتَضَى التَّحْرِيمِ غَيْرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْشَهُ نُدِبَ لَهُ رَجَا النَّسْلَ أَمْ لَا وَلَوْ عَطَّلَهُ عَنْ تَطَوُّعٍ، وَغَيْرُ الرَّاغِبِ إنْ عَطَّلَهُ عَنْ تَطَوُّعٍ كُرِهَ لَهُ وَلَوْ رَجَا النَّسْلَ وَإِلَّا نُدِبَ لَهُ إنْ رَجَا النَّسْلَ، وَإِلَّا أُبِيحَ لَهُ.
وَالْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ الْمَنْدُوبُ وَالْجَائِزُ وَالْمَكْرُوهُ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ مُوجِبِ التَّحْرِيمِ وَإِلَّا حَرُمَ وَيَجْرِي مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَرْأَةِ أَيْضًا.
وَزَادَ ابْنُ رَحَّالٍ وَجْهًا لِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا وَهُوَ عَجْزُهَا عَنْ قُوتِهَا وَعَدَمُ سِتْرِهَا بِغَيْرِهِ.
وَنَائِبُ فَاعِلِ نُدِبَ (نِكَاحُ) ابْنُ حَجَرٍ النِّكَاحُ لُغَةً الضَّمُّ وَالتَّدَاخُلُ وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوَطْءِ، وَيُسَمَّى بِهِ الْعَقْدُ مَجَازًا لِكَوْنِهِ سَبَبًا لَهُ، ثُمَّ قَالَ وَشَرْعًا حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ لِكَثْرَةِ وُرُودِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي الْعَقْدِ حَتَّى قِيلَ لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ إلَّا لَهُ، وَلَا يَرِدُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] لِأَنَّ شَرْطَ الْوَطْءِ فِي التَّحْلِيلِ إنَّمَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَالْعَقْدُ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ [البقرة: 230] حَتَّى تَتَزَوَّجَ أَيْ يَعْقِدَ عَلَيْهَا.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّ هَذَا كَافٍ بِمُجَرَّدِهِ لَكِنْ بَيَّنَتْ السُّنَّةُ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِمَفْهُومِ الْغَايَةِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ بَعْدَ الْعَقْدِ مِنْ ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ.
وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ.
وَقِيلَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا.
وَهَذَا الَّذِي تَرَجَّحَ فِي نَظَرِي وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْعَقْدِ اهـ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَقْرَبُ أَنَّهُ لُغَةً حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ وَشَرْعًا بِالْعَكْسِ.
ابْنُ عَرَفَةَ النِّكَاحُ عَقْدٌ عَلَى مُجَرَّدِ مُتْعَةِ التَّلَذُّذِ بِآدَمِيَّةٍ غَيْرُ مُوجِبٍ قِيمَتَهَا بِبَيِّنَةٍ قَبْلَهُ غَيْرُ عَالِمٍ عَاقِدُهُ حُرْمَتَهَا إنْ حَرَّمَهَا الْكِتَابُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَوْ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْآخَرِ فَيَخْرُجُ عَقْدُ تَحْلِيلِ الْأَمَةِ إنْ وَقَعَ بِبَيِّنَةٍ، وَيَدْخُلُ نِكَاحُ الْخَصِيِّ وَالطَّارِئَيْنِ لِأَنَّهُ بِبَيِّنَةٍ صَدَقَا فِيهَا وَلَا يَبْطُلُ عَكْسُهُ نِكَاحُ مُدَّعِيهِ بَعْدَ ثُبُوتِ وَطْئِهِ بِشَاهِدٍ أَوْ فُشُوِّ بِنَائِهِ بِاسْمِ النِّكَاحِ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ عَدَمُ حَدِّهِ لِلشُّبْهَةِ لَا لِثُبُوتِ نِكَاحِهِ اهـ.
بِكْرٍ وَنَظَرُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ
[منح الجليل]
قَوْلُهُ عَلَى مُجَرَّدِ مُتْعَةٍ مِنْ إضَافَةِ مَا كَانَ صِفَةً وَالْأَصْلُ مُتْعَةُ التَّلَذُّذِ الْمُجَرَّدَةِ فَخَرَجَ بِالْمُتْعَةِ الْبَيْعُ وَالْكِرَاءُ، وَبِالتَّلَذُّذِ الْمُتْعَةُ الْمَعْنَوِيَّةُ كَالْجَاهِ وَالْوِلَايَةِ، وَبِالْمُجَرَّدَةِ شِرَاءُ أَمَةٍ لِوَطْئِهَا.
وَقَوْلُهُ بِآدَمِيَّةٍ قَالَ الرَّصَّاعُ أَخْرَجَ التَّلَذُّذَ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، قَالَ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَخْرَجَ بِهِ الْعَقْدَ عَلَى جِنِّيَّةٍ وَهُوَ بَعِيدٌ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ نِكَاحُ الْجِنِّ الْإِنْسَ جَائِزٌ عَقْلًا فَإِنْ صَحَّ نَقْلًا فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَإِلَّا بَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ.
وَقَوْلُهُ بِبِيتَةِ الرَّصَّاعُ حَالٌ مِنْ التَّلَذُّذِ أَخْرَجَ بِهِ صُوَرَ الزِّنَا وَأُورِدَ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْلِهِ وَلَا يَبْطُلُ عَكْسُهُ أَنَّ مَا وَقَعَ فِيهِ الدُّخُولُ دُونَ إشْهَادٍ يُفْسَخُ بِطَلْقَةٍ وَهُوَ فَرْعُ النِّكَاحِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لِإِقْرَارِهِمَا بِالْعَقْدِ، وَقَوْلُهُ أَوْ الْإِجْمَاعِ صَوَابُهُ أَوْ بِتَكْرِيرٍ أَوْ إلَّا أَنَّهُ اتَّكَلَ عَلَى ظُهُورِ الْمَعْنَى وَفَرَّ مِنْ رَكَاكَةِ اللَّفْظِ.
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ صَوَابُهُ وَالْإِجْمَاعُ بِالْوَاوِ فَاسِدٌ، وَكَذَا قَوْلٌ آخَرُ صَوَابُهُ أَوْ وَالْإِجْمَاعُ بِوَاوٍ عَقِبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ بُنَانِيٌّ.
(بِكْرٍ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ مَرْأَةٌ لَمْ تَتَزَوَّجْ وَالْأَوْلَى وَبِكْرٍ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ ثَانٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِجَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَلَّا تَزَوَّجْت بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُك وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُك» .
وَنُدِبَ لِمُرِيدِ تَزَوُّجِ امْرَأَةٍ (نَظَرُ وَجْهِهَا) لِيَعْلَمَ هَلْ هِيَ جَمِيلَةٌ أَمْ لَا (وَ) نَظَرُ (كَفَّيْهَا) لِيَعْلَمَ هَلْ بَدَنُهَا مُخْصِبٌ أَوْ لَا ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا إلَى كُوعَيْهَا بِلَا قَصْدِ تَلَذُّذٍ إنْ لَمْ يَعْلَمْ عَدَمَ إجَابَتِهَا إنْ كَانَتْ رَشِيدَةً وَوَلِيِّهَا إنْ لَمْ تَكُنْ رَشِيدَةً، وَإِلَّا حَرُمَ إنْ خَشِيَ فِتْنَةً، وَإِلَّا كُرِهَ وَإِنْ جَازَ نَظَرُ وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا مَعَ الْأَمْنِ وَعَدَمِ قَصْدِ التَّلَذُّذِ لِأَنَّ فِعْلَ هَذَا مَظِنَّةُ التَّلَذُّذِ (فَقَطْ) أَيْ لَا غَيْرَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ لَا نَفْيُ النَّدْبِ الصَّادِقِ بِالْجَوَازِ.
وَمَحَلُّ النَّدْبِ إنْ كَانَ نَظَرَ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا (بِعِلْمٍ) مِنْهَا إنْ كَانَتْ رَشِيدَةً وَإِلَّا فَمِنْ وَلِيِّهَا وَإِلَّا كُرِهَ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ الْفُسَّاقُ لِنَظَرِ وُجُوهِ النِّسَاءِ وَكُفُوفِهِنَّ وَيَقُولُوا نَحْنُ خُطَّابٌ.
وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ نَظَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مَسُّهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُونَا عَوْرَةً وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَا فِي الْمَسِّ مِنْ
بِعِلْمٍ وَحَلَّ لَهُمَا حَتَّى نَظَرُ الْفَرْجِ
[منح الجليل]
زِيَادَةِ الْمُبَاشَرَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُنْدَبُ لَهَا نَظَرُ وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ.
الْحَطّ لَا نَصَّ فِيهِ عِنْدَنَا وَالظَّاهِرُ نَدْبُهُ لِأَنَّ لَهَا حَقًّا فِي جَمَالِهِ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَيَجُوزُ لَهُ تَوْكِيلُ امْرَأَةٍ عَلَى نَظَرِهِمَا، وَيُنْدَبُ لَهَا.
وَأَمَّا نَظَرُهَا مَا زَادَ عَلَيْهِمَا فَمُبَاحٌ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مَرْأَةً لَا مَنْدُوبٌ مِنْ حَيْثُ وَكَالَتُهَا عَنْ الْخَاطِبِ إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ وَكَّلَ رَجُلًا عَلَى الْخِطْبَةِ فَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ أَنْظُرُ هَلْ يُفَوِّضُ لَهُ فِي النَّظَرِ إلَيْهِمَا عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ مَا لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِمَا.
وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ نَظَرَ الْخَاطِبِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَكَيْفَ يَسُوغُ لِوَكِيلِهِ.
الْبُنَانِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّمَاصِيُّ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ عُطِفَ عَلَى نِكَاحٍ وَبِهِ قَرَّرُوهُ، وَاَلَّذِي فِي عِبَارَةِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ وَبِهِ عَبَّرَ فِي تَوْضِيحِهِ.
وَفِي الرِّسَالَةِ لَا بَأْسَ، وَفِي مَوْضِعٍ أُرَخِّصُ.
وَحَمَلَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اذْهَبْ فَانْظُرْ إلَيْهَا» عَلَى أَنَّهُ أَمْرُ إرْشَادٍ، وَنَقَلَهُ الْأَبِيُّ وَأَقَرَّهُ.
وَقَالَ عَقِبَهُ وَقِيلَ إنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ لِلْأَحَادِيثِ الْآمِرَةِ بِذَلِكَ.
ابْنُ عَرَفَةَ سُمِحَ.
ابْنُ الْقَاسِمِ لِمُرِيدِ تَزَوُّجِ امْرَأَةٍ نَظَرُهُ إلَيْهَا بِإِذْنِهَا.
ابْنُ رُشْدٍ إلَى وَجْهِهَا.
الْمَازِرِيُّ وَيَدَيْهَا ثُمَّ قَالَ وَاخْتَارَ ابْنُ الْقَطَّانِ كَوْنَ النَّظَرِ إلَيْهِمَا مَنْدُوبًا إلَيْهِ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِالْأَمْرِ بِهِ.
اهـ. فَأَنْتَ تَرَى الْأَبِيَّ حَكَى النَّدْبَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ، وَابْنُ عَرَفَةَ لَمْ يَنْسُبْهُ إلَّا لِابْنِ الْقَطَّانِ.
(وَحَلَّ) أَيْ جَازَ (لَهُمَا) أَيْ لِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ مُبِيحٍ لِلْوَطْءِ نَظَرُ جَمِيعِ جَسَدِ صَاحِبِهِ (حَتَّى نَظَرُ الْفَرْجِ) وَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «إذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ زَوْجَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ فَلَا يَنْظُرْ إلَى فَرْجِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْعَمَى» . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ إنَّهُ مَوْضُوعٌ.
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ عَنْ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ إنَّهُ مَوْضُوعٌ لَا أَصْلَ لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ هَذَا مَوْضُوعٌ وَأَقَرَّهُ غَيْرُهُ.
زَرُّوقٌ جَوَازُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَكِنْ كَرِهُوهُ لِلطِّبِّ لِأَنَّهُ يُؤْذِي الْبَصَرَ وَيُورِثُ قِلَّةَ الْحَيَاءِ فِي الْوَلَدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ فِي النَّصِيحَةِ يُكْرَهُ نَظَرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ لِفَرْجِ صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ يُؤْذِي الْبَصَرَ
كَالْمِلْكِ.
وَتَمَتُّعٌ بِغَيْرِ دُبُرٍ.
وَخُطْبَةٌ بِخِطْبَةٍ وَعَقْدٍ وَتَقْلِيلُهَا
وَإِعْلَانُهُ.
[منح الجليل]
وَيُذْهِبُ الْحَيَاءَ وَقَدْ يَرَى مَا يَكْرَهُ فَيُؤَدِّي إلَى الْبِغَاءِ.
وَقَالَتْ «عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَا رَأَيْت ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا رَأَى مِنِّي وَإِنْ كُنَّا لَنَغْتَسِلُ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ» .
وَشَبَّهَ فِي جَوَازِ النَّظَرِ حَتَّى لِلْفَرْجِ فَقَالَ (كَالْمِلْكِ) التَّامِّ الْمُسْتَقِلِّ بِهِ بِلَا مَانِعِ مَحْرَمِيَّةٍ وَنَحْوِهَا فَيَحِلُّ لِكُلٍّ مِنْ الْمَالِكِ وَالْمَمْلُوكَةِ نَظَرُ جَمِيعِ الْآخَرِ حَتَّى الْفَرْجِ لَا مُبَعَّضَةٍ وَمُشْتَرَكَةٍ، وَمُحَرَّمِ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ وَمُعْتَقَةٍ لِأَجَلٍ وَمُكَاتَبَةٍ وَمُتَزَوِّجَةٍ.
.
(وَ) حَلَّ لَهُمَا (تَمَتُّعٌ بِغَيْرِ) وَطْءِ (دُبُرٍ) فَيَجُوزُ التَّمَتُّعُ بِظَاهِرِهِ.
الْبُرْزُلِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ تَحْرِيمَ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ وَأَمَّا التَّمَتُّعُ بِظَاهِرِهِ فَقَدْ فَاوَضْتُ فِيهِ بَعْضَ أَصْحَابِنَا لَا شُيُوخِنَا لِعَدَمِ الْجَسَارَةِ عَلَيْهِمْ فِي مِثْلِ هَذَا، فَأَجَابَ بِإِبَاحَتِهِ وَلَمْ يُبْدِ لَهُ وَجْهًا، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ كَسَائِرِ جَسَدِهَا وَجَمِيعُهُ مُبَاحٌ إذْ لَمْ يَرِدْ مَا يَخُصُّ بَعْضَهُ عَنْ بَعْضٍ بِخِلَافِ بَاطِنِهِ، وَالْأَمْرُ عِنْدِي فِيهِ اشْتِبَاهٌ فَإِنْ تَرَكَهُ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ وَاعْتَمَدَهُ الْحَطّ وَاللَّقَانِيُّ وَظَاهِرُهُ كَابْنِ فَرْحُونٍ وَلَوْ بِاسْتِمْنَاءٍ.
(وَ) نُدِبَ (خُطْبَةٌ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ كَلَامٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَلَاةٍ وَسَلَامٍ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَحَدِيثٍ مُتَعَلِّقَيْنِ بِالنِّكَاحِ وَالِانْتِقَالِ بِأَمَّا بَعْدُ لِالْتِمَاسِ النِّكَاحِ (بِخِطْبَةٍ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ عِنْدَ الْتِمَاسِ النِّكَاحِ مِنْ الزَّوْجِ ثُمَّ مِنْ الْوَلِيِّ لِإِجَابَتِهِ أَوْ الِاعْتِذَارِ لَهُ.
(وَ) نُدِبَ خُطْبَةٌ بِ (عَقْدٍ) لِلنِّكَاحِ مِنْ الْوَلِيِّ بِالْإِيجَابِ ثُمَّ مِنْ الزَّوْجِ بِالْقَبُولِ فَهِيَ أَرْبَعُ خُطَبٍ، وَيُمْكِنُ ضَبْطُ خُطَبِهِ بِصِيغَةِ جَمْعٍ بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ مُضَافًا لِضَمِيرِ النِّكَاحِ فَالْفَصْلُ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِخُطْبَةِ الزَّوْجِ مُغْتَفَرٌ، وَكَذَا بِسُكُوتٍ أَوْ كَلَامٍ قَدْرَهَا (وَ) نُدِبَ (تَقْلِيلُهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ.
(وَ) نُدِبَ (إعْلَانُهُ) أَيْ إظْهَارُ عَقْدِ النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَأَمَّا الْخِطْبَةُ بِالْكَسْرِ فَيُنْدَبُ
وَتَهْنِئَتُهُ وَالدُّعَاءُ لَهُ.
وَإِشْهَادُ عَدْلَيْنِ غَيْرِ الْوَلِيِّ بِعَقْدِهِ وَفُسِخَ إنْ دَخَلَا بِلَاهُ.
[منح الجليل]
إخْفَاؤُهَا كَالْخِتَانِ قَالَهُ الْحَطّ.
(وَ) نُدِبَ (تَهْنِئَتُهُ) أَيْ الْعَرُوسِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَيْ إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَيْهِ عَقِبَ الْعَقْدِ وَالْبِنَاءِ نَحْوَ سَرَّنَا مَا فَعَلْت وَهُوَ مِنْ خَيْرِ الْأَفْعَالِ وَفِيهِ الْبَرَكَةُ (وَ) نُدِبَ (الدُّعَاءُ لَهُ) أَيْ الْعَرُوسِ كَذَلِكَ كَبَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ.
(وَ) نُدِبَ لِلْوَلِيِّ وَالزَّوْجِ (إشْهَادُ عَدْلَيْنِ) فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عَدْلَانِ كَفَى مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْكَذِبِ وَاسْتُحْسِنَ الْإِكْثَارُ مِنْ الشُّهُودِ حِينَئِذٍ (غَيْرِ الْوَلِيِّ) أَيْ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ عَقْدِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ فَلَا تُعْتَبَرُ شَهَادَتُهُ وَلَوْ تَوَلَّى غَيْرُهُ الْعَقْدَ لِاتِّهَامِهِ بِالسَّتْرِ عَلَيْهَا وَدَفْعِ الْمَعَرَّةِ عَنْ نَفْسَهُ (بِعَقْدِهِ) أَيْ عِنْدَ النِّكَاحِ صِلَةُ إشْهَادٍ وَالنَّدْبُ مُنْصَبٌّ عَلَى كَوْنِ الْإِشْهَادِ عِنْدَ عَقْدِهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَوَاجِبٌ شُرِطَ فِي دَوَامِهِ وَتَكْفِي الشَّهَادَةُ بِدُونِ إشْهَادٍ أَفَادَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
(وَفُسِخَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ النِّكَاحُ (إنْ دَخَلَا) أَيْ الزَّوْجَانِ خَلْوَةً بِنَاءً (بِلَاهُ) أَيْ الْإِشْهَادِ بِطَلْقَةٍ لِأَنَّهُ صَحِيحٌ بَائِنَةٍ لِأَنَّهَا جَبْرِيَّةٌ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ إذْ لَا يَشَاءُ اثْنَانِ الِاجْتِمَاعَ عَلَى فَسَادٍ فِي خَلْوَةٍ إلَّا فَعَلَا وَادَّعَيَا سَبْقَ عَقْدٍ بِلَا إشْهَادٍ فَيَرْتَفِعُ حَدُّ الزِّنَا وَالتَّعْزِيرُ، فَإِنْ أَرَادَ مُعَاشَرَتَهَا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَقْدٍ جَدِيدٍ شَرْعِيٍّ وَتَبْقَى لَهُ طَلْقَتَانِ.
وَمَحَلُّ الْفَسْخِ إذَا لَمْ يَحْكُمْ بِعَدَمِهِ مَنْ يَرَاهُ فَإِنْ لَمْ يُشْهِدَا أَحَدًا عِنْدَ الْعَقْدِ وَلَقِيَا مَعًا رَجُلَيْنِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَأَشْهَدَاهُمَا عَلَى وُقُوعِ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا كَفَى فِي الْوَاجِبِ وَفَاتَ الْمَنْدُوبُ لِأَنَّهُ كَحُضُورِهِمَا الْعَقْدَ فِي الْجُمْلَةِ.
وَإِنْ أَشْهَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ بَعْدَهُ كَفَى أَيْضًا وَسَمَّاهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ شَهَادَةَ الْأَبْدَادِ بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ التَّفَرُّقِ إنْ كَانَ شَاهِدَا أَحَدِهِمَا غَيْرَ شَاهِدَيْ الْآخَرِ وَإِلَّا فَلَا تُسَمَّى بِهَذَا خِلَافًا لعج لِصِحَّةِ نَقْلِ شَاهِدَيْنِ عَنْ شَاهِدٍ ثُمَّ عَنْ آخَرَ فَأَحْرَى هَذِهِ هَذَا الَّذِي أَفَادَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
وَنَصُّ التَّهْذِيبِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبْدَادِ فِي النِّكَاحِ وَالْعِتْقِ.
أَبُو الْحَسَنِ
وَلَا حَدَّ إنْ فَشَا وَلَوْ عَلِمَ.
وَحَرُمَ خِطْبَةُ رَاكِنَةٍ لِغَيْرِ فَاسِقٍ
[منح الجليل]
عِيَاضٌ الْأَبْدَادُ الْمُفْتَرِقُونَ بِأَنْ لَا يَجْتَمِعَ الشُّهُودُ عَلَى إشْهَادِ الْوَلِيِّ وَالْمُتَنَاكِحِينَ بِأَنْ عَقَدُوا النِّكَاحَ وَتَفَرَّقُوا وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ أَشْهِدْ مَنْ لَقِيت بِهَذَا فَسَّرَهُ الشَّيْخُ فِي الْمُخْتَصَرِ
فَيَكُونُ عَلَى هَذَا شَاهِدَانِ عَلَى الزَّوْجِ، وَشَاهِدَانِ عَلَى الْوَلِيِّ، وَشَاهِدَانِ عَلَى الْمَرْأَةِ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا أَوْ فِي حُكْمِهَا، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا ذَاتَ أَبٍ كَانُوا أَرْبَعَةً، وَإِنْ أَشْهَدَ أَحَدُهُمَا شَاهِدَيْنِ ثُمَّ لَقِيَهُمَا الْآخَرُ فَأَشْهَدَهُمَا أَيْضًا فَلَيْسَتْ شَهَادَةَ أَبْدَادٍ.
عِيَاضٌ وَهَذَا عَلَى أَصْلِنَا وَمَشْهُورُ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْإِشْهَادَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ اهـ.
قَوْلُهُ فَلَيْسَتْ شَهَادَةَ أَبْدَادٍ أَيْ لَا تُسَمَّى بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ التَّبَدُّدِ أَيْ التَّفَرُّقِ وَلَا تَفَرُّقَ هُنَا أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ كَمَا فَهِمَهُ عج قَائِلًا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا، كَمَا تُفِيدُهُ عِبَارَةُ التَّبْصِرَةِ، وَنَصُّهَا لِابْنِ فَرْحُونٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ أَنَّ الزِّنَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَيُلْحَقُ بِهَذَا اللِّعَانُ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ أَقَلَّ شُهُودِهِ أَرْبَعَةٌ وَشَهَادَةُ الْأَبْدَادِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِأَرْبَعَةٍ شَاهِدَانِ عَلَى الْأَبِ وَشَاهِدَانِ عَلَى الزَّوْجِ، فَإِنْ أَشْهَدَ أَحَدُهُمَا الشَّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ أَشْهَدَهُمَا الْآخَرُ فَلَا تُسَمَّى شَهَادَةَ أَبْدَادٍ.
اهـ. أَيْ مَعَ قَبُولِهَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا كَمَا فَهِمَهُ عج.
(وَ) إنْ ثَبَتَ الْوَطْءُ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ فَ (لَا حَدَّ) عَلَيْهِمَا (إنْ فَشَا) أَيْ شَاعَ وَاشْتَهَرَ الدُّخُولُ كَمَا لِابْنِ رُشْدٍ أَوْ النِّكَاحُ كَمَا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ.
طفي وَكُلٌّ صَحِيحٌ إذْ الْمَقْصُودُ نَفْيُ الِاسْتِتَارِ بِوَلِيمَةٍ وَضَرْبِ دُفٍّ وَدُخَانٍ، أَوْ كَانَ عَلَى الْعَقْدِ أَوْ عَلَى ابْتِنَائِهِمَا بِاسْمِ النِّكَاحِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ غَيْرُ الْوَلِيِّ لَا هُوَ، وَلَوْ تَوَلَّى الْعَقْدَ غَيْرُهُ أَوْ جَاءَا مُسْتَفْتِيَيْنِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ إنْ جَهِلَا وُجُوبَ الْإِشْهَادِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
بَلْ (وَلَوْ عَلِمَ) كُلٌّ مِنْهُمَا وُجُوبَ الْإِشْهَادِ قَبْلَهُ نَظَرًا لِلْفُشُوِّ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ الْحَدُّ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ جَهِلَا وُجُوبَ الشَّهَادَةِ.
وَأَشَارَ بِ وَلَوْ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْفُشُوُّ مَعَ الْعِلْمِ لَا يُسْقِطُ الْحَدَّ.
(وَحَرُمَ خِطْبَةُ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ الْتِمَاسُ نِكَاحِ امْرَأَةٍ (رَاكِنَةٍ) أَيْ مَائِلَةٍ وَرَاضِيَةٍ لِخَاطِبٍ سَابِقٍ (غَيْرِ فَاسِقٍ) عَدْلٍ أَوْ مَسْتُورِ حَالٍ غَيْرِ مُجْبَرَةٍ فَإِنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً
وَلَوْ لَمْ يُقَدَّرْ صَدَاقٌ وَفُسِخَ إنْ لَمْ يَبْنِ.
[منح الجليل]
فَالْمُعْتَبَرُ رُكُونُ مُجْبِرِهَا إنْ قُدِّرَ صَدَاقٌ مِنْ الْخَاطِبِ السَّابِقِ بَلْ (وَلَوْ لَمْ يُقَدَّرْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ (صَدَاقٌ) مِنْ السَّابِقِ، وَأَشَارَ بِ وَلَوْ إلَى قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ لَا تَحْرُمُ خِطْبَةُ الرَّاكِنَةِ قَبْلَ تَقْدِيرِ الصَّدَاقِ.
فِي التَّوْضِيحِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُوَطَّإِ.
وَفِي الْمَوَّاقِ مُقْتَضَى نَقْلِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ كِلَا الْقَوْلَيْنِ مَشْهُورٌ، فَالْمُنَاسِبُ وَهَلْ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ صَدَاقٌ خِلَافٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ رَدَّ وَلِيُّ الْمُجْبَرَةِ فَلَا تَحْرُمُ خِطْبَتُهَا كَخِطْبَةِ غَيْرِ الْمُجْبَرَةِ الَّتِي رُدَّتْ قَبْلَ خِطْبَةِ الثَّانِي فَلَا يُعْتَبَرُ رَدُّ الْمُجْبَرَةِ مَعَ رُكُونِ وَلِيِّهَا، وَلَا رُكُونُهَا مَعَ رَدِّهِ، وَلَا رُكُونُ أُمِّ أَوْ وَلِيِّ غَيْرِ الْمُجْبَرَةِ مَعَ رَدِّهَا، وَلَا رَدُّ أُمِّهَا أَوْ وَلِيِّهَا مَعَ رُكُونِهَا.
وَشَرْطُ الرَّدِّ النَّافِي لِلْحُرْمَةِ كَوْنُهُ لَيْسَ بِسَبَبِ خِطْبَةِ الثَّانِي وَإِلَّا فَلَا يَنْفِيهَا.
وَمَفْهُومُ لِغَيْرِ فَاسِقٍ أَنَّهُ لَا تَحْرُمُ خِطْبَةُ رَاكِنَةٍ لِفَاسِقٍ، وَهَذَا كَذَلِكَ إنْ كَانَ الثَّانِي عَدْلًا أَوْ مَسْتُورًا، فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا كَالْأَوَّلِ حَرُمَ عَلَيْهِ.
فَفِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ.
وَالصُّوَرُ تِسْعٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إمَّا عَدْلٌ وَإِمَّا مَسْتُورٌ وَإِمَّا فَاسِقٌ، وَالثَّانِي كَذَلِكَ، فَتَحْرُمُ فِي سَبْعٍ وَتَجُوزُ فِي اثْنَتَيْنِ، أَفَادَ الْمُصَنِّفُ سِتَّةً بِمَنْطُوقِ قَوْلِهِ رَاكِنَةٍ لِغَيْرِ فَاسِقٍ، وَثَلَاثَةً بِمَفْهُومِهِ لِصِدْقِ غَيْرِ الْفَاسِقِ بِالْعَدْلِ وَالْمَسْتُورِ فَتَحْرُمُ خِطْبَةُ الرَّاكِنَةِ لِأَحَدِهِمَا مِنْ عَدْلٍ أَوْ مَسْتُورٍ أَوْ فَاسِقٍ.
وَمَفْهُومُ جَوَازِ خِطْبَةِ الرَّاكِنَةِ لِفَاسِقٍ مِنْ عَدْلٍ أَوْ مَسْتُورٍ وَمَنْعِهَا مِنْ فَاسِقٍ وَالذِّمِّيَّةُ الرَّاكِنَةُ لِذِمِّيٍّ تَحْرُمُ خِطْبَتُهَا وَلَوْ مِنْ عَدْلٍ لِإِقْرَارِهِ عَلَى دِينِهِ وَعَدَمِ إقْرَارِ الْفَاسِقِ عَلَى فِسْقِهِ، وَخَبَرُ «لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ.
زَرُّوقٌ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الرُّكُونَ التَّقَارُبُ بِوَجْهٍ يُفْهِمُ إذْعَانَ كُلِّ وَاحِدٍ لِشَرْطِ صَاحِبِهِ وَإِرَادَةِ عَقْدِهِ.
(وَفُسِخَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ عَقْدُ الثَّانِي عَلَى رَاكِنَةٍ لِلْأَوَّلِ بِطَلَاقٍ وُجُوبًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الْأَوَّلُ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الثَّانِي بِخِطْبَةِ الْأَوَّلِ (إنْ لَمْ يَبْنِ) الثَّانِي حَيْثُ اسْتِمْرَارُ الرُّكُونِ أَوْ رَجَعَتْ لِخِطْبَةِ الثَّانِي، فَإِنْ رَجَعَتْ لِغَيْرِهَا فَلَا يُفْسَخُ وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ
وَصَرِيحُ خِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ وَمُوَاعَدَتُهَا كَوَلِيِّهَا كَمُسْتَبْرَأَةٍ مِنْ زِنًا
[منح الجليل]
يَحْكُمْ بِعَدَمِ فَسْخِ نِكَاحِ الثَّانِي حَاكِمٌ يَرَاهُ وَإِلَّا فَلَا يُفْسَخْ اهـ عب.
الْبُنَانِيُّ هَذَا أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ ذَكَرَهَا ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصَّهُ أَبُو عُمَرَ فِي فَسْخِهِ ثَالِثَ الرِّوَايَاتِ قَبْلَ الْبِنَاءِ.
اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ تَرْجِيحًا أَصْلًا مَعَ أَنَّ أَبَا عُمَرَ شَهَّرَ الْفَسْخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ، لَكِنْ قَيَّدَهُ بِالِاسْتِحْبَابِ وَالْمُصَنِّفُ تَبِعَ تَشْهِيرَهُ هُنَا.
وَفِي التَّوْضِيحِ وَحَذَفَ مِنْهُ الِاسْتِحْبَابَ فِيهِمَا.
وَنَصُّ أَبِي عُمَرَ فِي كَافِيهِ وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ يُفْسَخُ نِكَاحُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ اسْتِحْبَابًا لِأَنَّهُ تَعَدَّى مَا نُدِبَ إلَيْهِ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا مَضَى النِّكَاحُ فَلَا يُفْسَخُ.
اهـ. وَبِهِ يَجْمَعُ بَيْنَ مَا هُنَا وَقَوْلِهِ الْآتِي وَنُدِبَ عَرْضُ رَاكِنَةٍ لِغَيْرٍ عَلَيْهِ.
(وَ) حَرُمَ (صَرِيحُ خِطْبَةٍ) بِكَسْرِ الْخَاءِ أَيْ الْتِمَاسُ نِكَاحِ مَرْأَةٍ (مُعْتَدَّةٍ) مِنْ طَلَاقِ غَيْرِهِ وَلَوْ رَجْعِيًّا أَوْ مَوْتِهِ لَا مِنْ طَلَاقِهِ هُوَ إذْ لَهُ تَزَوُّجُهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِالثَّلَاثِ وَالتَّصْرِيحُ التَّنْصِيصُ وَالْإِفْصَاحُ.
(وَ) حَرُمَ (مُوَاعَدَتُهَا) أَيْ الْمُعْتَدَّةِ بِأَنْ يَعِدَهَا وَتَعِدَهُ بِالتَّزَوُّجِ وَشَبَّهَ فِي التَّحْرِيمِ فَقَالَ (كَ) صَرِيحِ خِطْبَةٍ وَمُوَاعَدَةِ (وَلِيِّهَا) أَيْ الْمُعْتَدَّةِ الْمُجْبِرِ ابْنُ حَبِيبٍ، وَكَذَا غَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ عَرَفَةَ، لَكِنْ حَكَى ابْنُ رُشْدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مُوَاعَدَةَ غَيْرِ الْمُجْبِرِ مَكْرُوهَةٌ وَتَبِعَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ، فَيُفِيدُ مُسَاوَاتَهُ لِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ، بَلْ أَرْجَحِيَّتَهُ عَلَيْهِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ زَرُّوقٍ وَمُوَاعَدَتُهَا حَرَامٌ وَلَوْ كَانَتْ مُسْتَبْرَأَةً مِنْ زِنًا وَوَلِيُّهَا الْمُجْبِرُ مِثْلُهَا وَغَيْرُهُ تُكْرَهُ مُوَاعَدَتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَشَبَّهَ فِي الْحُرْمَةِ أَيْضًا فَقَالَ (كَ) خِطْبَةِ وَمُوَاعَدَةِ (مُسْتَبْرَأَةٍ مِنْ زِنًا) وَلَوْ مِنْهُ لِأَنَّ الْمُتَخَلِّقَ مِنْ مَائِهِ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ فَهُوَ كَغَيْرِهِ، وَالْأَوْلَى وَإِنْ مِنْ زِنًا لِيَشْمَلَ الْغَصْبَ وَغَيْرَهُ وَلَا يُقَالُ دَخَلَتْ بِالْكَافِ لِأَنَّهَا لِلتَّشْبِيهِ لَا تُدْخِلُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا الْمُدْخِلُ كَافُ التَّمْثِيلِ نَعَمْ يُقَالُ إذَا حَرُمَتْ الْخِطْبَةُ وَالْمُوَاعَدَةُ فِي اسْتِبْرَاءِ الزِّنَا عَلِمَتْ حُرْمَتَهُمَا فِي اسْتِبْرَاءِ غَيْرِهِ بِالْأَحْرَى، لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ مِنْ الزِّنَا أَخَفُّهَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّصْوِيبِ.
وَتَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا بِوَطْءٍ وَإِنْ بِشُبْهَةٍ وَلَوْ بَعْدَهَا وَبِمُقَدِّمَتِهِ فِيهَا
[منح الجليل]
(وَتَأَبَّدَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا (تَحْرِيمُهَا) أَيْ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ مَوْتٍ أَوْ طَلَاقِ غَيْرِهِ بَائِنًا وَمِثْلُهَا الْمُسْتَبْرَأَةُ مِنْ غَيْرِهِ (بِوَطْءٍ) بِنِكَاحٍ بِأَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا وَوَطِئَهَا فِيهَا، بَلْ (وَإِنْ بِشُبْهَةٍ) لِنِكَاحٍ بِأَنْ وَطِئَهَا فِيهَا بِلَا عَقْدٍ لِظَنِّهَا زَوْجَتَهُ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ ثَمَانِ صُوَرٍ لِأَنَّ مَنْ وُطِئَتْ بِنِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ إمَّا مُسْتَبْرَأَةٌ مِنْ زِنًا أَوْ غَصْبِ غَيْرِهِ أَوْ مُعْتَدَّةٌ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُسْتَبْرَأَةُ مِنْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ لِإِتْيَانِهِمَا فِي قَوْلِهِ كَعَكْسِهِ.
وَقَوْلُنَا مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً أَوْ مُسْتَبْرَأَةً مِنْهُ لَمْ يَتَأَبَّدْ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ بِوَطْئِهِ فِيهِمَا كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ أَوْ مَبْتُوتَةٌ قَبْلَ زَوْجٍ وَإِنْ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ صَرِيحُ خِطْبَةِ الْمُسْتَبْرَأَةِ.
وَبَالَغَ عَلَى تَأْيِيدِ الْوَطْءِ بِنِكَاحٍ فَقَالَ (وَلَوْ) كَانَ الْوَطْءُ بِنِكَاحٍ (بَعْدَهَا) أَيْ الْعِدَّةِ فَهِيَ رَاجِعَةٌ لِقَوْلِهِ بِوَطْءٍ بِأَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ وَطِئَهَا بَعْدَهَا مُسْتَنِدًا لِعَقْدِهِ عَلَيْهَا فِيهَا وَلَا تَرْجِعُ لِقَوْلِهِ وَإِنْ بِشُبْهَةٍ لِأَنَّ وَطْأَهَا بِشُبْهَةٍ بَعْدَ فَرَاغِ عِدَّتِهَا بِدُونِ عَقْدٍ لَا يُؤَبِّدُ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ وَلَوْ صَرَّحَ لَهَا بِخِطْبَتِهَا فِي عِدَّتِهَا وَمَنْ عَقَدَ عَلَى مُطَلَّقَةٍ طَلَاقًا رَجْعِيًّا مِنْ غَيْرِهِ وَوَطِئَهَا فَلَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلِذَا قَيَّدْنَا طَلَاقَ غَيْرِهِ بِالْبَائِنِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَتَأَبَّدُ وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَتَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا إلَخْ، وَصَدَّرَ تت بِالثَّانِي وَاقْتَصَرَ أَحْمَدُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ تَرْجِيحُ عَدَمِ التَّأْبِيدِ.
وَفِي الشَّامِلِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ لِأَنَّ وَطْأَهَا كَوَطْءِ الَّتِي لَمْ تَطْلُقْ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُمْ الرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ إلَّا فِيمَا اُسْتُثْنِيَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ مَالَ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَظْهَرُ فِي الرَّجْعِيَّةِ التَّحْرِيمُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) تَأَبَّدَ (بِمُقَدِّمَتِهِ) أَيْ الْوَطْءِ (فِيهَا) أَيْ الْعِدَّةِ مِنْ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقِ غَيْرِهِ الْبَائِنِ، وَكَذَا فِي اسْتِبْرَائِهَا مِنْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ أَوْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ فَيَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا فِي هَذِهِ الْخَمْسَةِ بِالْمُقَدِّمَاتِ الْمُسْتَنِدَةِ لِعَقْدِ نِكَاحٍ دُونَ الْمُسْتَنِدَةِ لِشُبْهَتِهِ، فَمَنْ قَبَّلَ مُعْتَدَّةً مِنْ غَيْرِهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فَلَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ وَيَتَأَبَّدُ التَّحْرِيمُ بِالْمُقَدِّمَةِ الْمُسْتَنِدَةِ لِلْمِلْكِ الْوَاقِعَةِ فِي عِدَّةِ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ مِنْ غَيْرِهِ دُونَ الْمُسْتَنِدَةِ لِشُبْهَةِ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ.
أَوْ بِمِلْكٍ كَعَكْسِهِ لَا بِعَقْدٍ أَوْ بِزِنًا أَوْ بِمِلْكٍ عَنْ مِلْكٍ.
أَوْ مَبْتُوتَةٍ قَبْلَ زَوْجٍ كَالْمَحْرَمِ
[منح الجليل]
وَعَطَفَ عَلَى الْمُبَالَغِ عَلَيْهِ فَقَالَ (أَوْ) كَانَ وَطْؤُهُ (بِمِلْكٍ) أَوْ شُبْهَتِهِ لِمُعْتَدَّةٍ مِنْ نِكَاحِ غَيْرِهِ أَوْ شُبْهَتِهِ فَيَتَأَبَّدُ التَّحْرِيمُ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعِ أَيْضًا بِالْوَطْءِ وَشَبَّهَ فِي التَّأْبِيدِ فَقَالَ (كَعَكْسِهِ) أَيْ وَطْئِهَا بِنِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ وَهِيَ مُسْتَبْرَأَةٌ مِنْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ يُؤَيِّدُ تَحْرِيمَهَا فِي هَذِهِ الْأَرْبَعِ أَيْضًا، فَصُوَرُ تَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ بِوَطْءٍ سِتَّ عَشْرَةَ صُورَةً هَذِهِ الثَّمَانِيَةُ وَالثَّمَانِيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي قَوْلِهِ وَتَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا بِوَطْءٍ وَإِنْ بِشُبْهَةٍ (لَا) يَتَأَبَّدُ التَّحْرِيمُ (بِعَقْدٍ) عَلَى مُعْتَدَّةٍ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ مُسْتَبْرَأَةٍ مِنْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ.
ابْنُ الْحَاجِبِ فَإِنْ لَمْ تُوطَأْ فَفِي التَّأْبِيدِ قَوْلَانِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَظْهَرُ عَدَمُهُ فَاعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا (أَوْ) بِوَطْءٍ (بِزِنًا) أَوْ غَصْبٍ لِمُعْتَدَّةٍ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ مُسْتَبْرَأَةٍ مِنْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ مِنْ زِنَا غَصْبٍ فَلَا يَتَأَبَّدُ التَّحْرِيمُ فِي هَذِهِ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ صُورَةً.
(أَوْ) وَطْءٍ (بِمِلْكٍ) أَوْ شُبْهَتِهِ فِي اسْتِبْرَاءٍ (عَنْ مِلْكٍ) أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ عَنْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ، فَهَذِهِ ثَمَانٍ تُضَافُ لِلِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ فَتَتِمُّ عِشْرُونَ صُورَةً لَا تَأْبِيدَ فِيهَا لِلتَّحْرِيمِ بِالْوَطْءِ، فَالصُّوَرُ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ صُورَةً مِنْ ضَرْبِ سِتٍّ فِي مِثْلِهَا وَهِيَ الْمُعْتَدَّةُ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ الْمُسْتَبْرَأَةُ مِنْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ مِنْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ، وَكُلُّهَا مُسْتَفَادَةٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا مِنْ قِيَاسِ الْغَصْبِ عَلَى الزِّنَا أَوْ شُمُولِهِ لَهُ وَشُبْهَةِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ وَصُوَرُ الْمُقَدِّمَاتِ وَالْعَقْدِ زَائِدَةٌ عَلَيْهَا.
(أَوْ) وَطْءِ (مَبْتُوتَةٍ) بِعَقْدٍ مِنْ مُطَلِّقِهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ (قَبْلَ زَوْجٍ) غَيْرِهِ فَلَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمَاءَ مَاؤُهُ وَلِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْهَا لَيْسَ لِعِدَّتِهَا وَإِنَّمَا هُوَ لِبَتِّهَا وَعَدَمِ تَزَوُّجِهَا غَيْرَهُ وَلِذَا لَوْ تَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ وَطَلَّقَهَا بَعْدَ بِنَائِهِ بِهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا مُطْلَقًا وَتَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ فِي عِدَّةِ الثَّانِي وَوَطِئَهَا وَلَوْ بَعْدَهَا تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ، وَهَذِهِ مَفْهُومُ قَبْلَ زَوْجٍ.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ التَّأْبِيدِ فَقَالَ (كَ) وَطْءِ (الْمَحْرَمِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ الَّذِي لَا تَدُومُ
وَجَازَ تَعْرِيضٌ كَفِيكِ رَاغِبٌ وَالْإِهْدَاءِ.
[منح الجليل]
مَحْرَمِيَّتُهُ كَأُخْتِ الزَّوْجَةِ إذَا عَقَدَ عَلَيْهَا وَوَطِئَهَا فَيُفْسَخُ نِكَاحُهَا وَلَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَوْ مَاتَتْ فَلَهُ تَزَوُّجُهَا، وَإِمَّا دَائِمُ الْمَحْرَمِيَّةِ كَبِنْتِهِ وَأُخْتِهِ فَلَا تَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ هُنَا لِأَنَّهُ فِيمَنْ يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا بِالْوَطْءِ وَيُحْتَمَلُ ضَبْطُهُ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا كَنِكَاحِ خَامِسَةٍ، وَنِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ، وَجَمْعٍ بَيْنَ مُحَرَّمَتَيْ الْجَمْعِ بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ بِوَطْءٍ، أَوْ هَارِبٍ بِامْرَأَةٍ، أَوْ مُفْسِدِهَا عَلَى زَوْجِهَا فَلَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، وَقِيلَ يَتَأَبَّدُ فِيهِمَا.
ابْنُ عُمَرَ الْهَارِبُ بِالْمَرْأَةِ قِيلَ يَتَأَبَّدُ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ تَزَوُّجِهَا وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَتَأَبَّدُ فِيهَا التَّحْرِيمُ.
وَكَذَا الْمُخَلَّفُ الَّذِي يُفْسِدُ الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا حَتَّى يَتَزَوَّجَهَا فَقِيلَ يَتَأَبَّدُ فِيهَا التَّحْرِيمُ وَالْمَشْهُورُ لَا يَتَأَبَّدُ.
اهـ. لَكِنْ أَفْتَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْفَاسِيِّينَ بِالتَّأْبِيدِ فِيهِمَا، وَلِذَا قَالَ فِي الْعَمَلِيَّاتِ:
وَأَبَّدُوا التَّحْرِيمَ فِي مُخَلَّفٍ ... وَهَارِبٍ سِيَّانَ فِي مُحَقَّفٍ
وَذَكَرَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ مَنْ سَعَى فِي فِرَاقِ امْرَأَةٍ مِنْ زَوْجِهَا لِيَتَزَوَّجَهَا فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ التَّزَوُّجِ بِهَا وَإِنْ تَزَوَّجَهَا فُسِخَ قَبْلُ وَبَعْدُ (وَجَازَ تَعْرِيضٌ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ بِالْخِطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ لِمُتَوَفًّى عَنْهَا أَوْ مُطَلَّقَةَ غَيْرِهِ بَائِنًا لَا رَجْعِيًّا فَيَحْرُمُ التَّعْرِيضُ لَهَا إجْمَاعًا نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَجَوَازُهُ فِي غَيْرِهَا لِمَنْ يُمَيِّزُ بَيْنَ التَّصْرِيحِ وَالتَّعْرِيضِ.
وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ قَالَهُ الشَّاذِلِيُّ وَالْأَقْفَهْسِيُّ.
فِي التَّوْضِيحِ التَّعْرِيضُ ضِدُّ التَّصْرِيحِ مَأْخُوذٌ مِنْ عُرْضِ الشَّيْءِ بِالضَّمِّ وَهُوَ جَانِبُهُ وَضَابِطُهُ أَنْ يَذْكُرَ فِي كَلَامِهِ مَا يَصْلُحُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنَّ إشْعَارَهُ بِالْمَقْصُودِ أَتَمُّ وَيُسَمَّى تَلْوِيحًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِنَايَةِ أَنَّ التَّعْرِيضَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَالْكِنَايَةَ هِيَ التَّعْبِيرُ عَنْ الشَّيْءِ بِلَازِمِهِ كَقَوْلِنَا فِي طُولِ الْقَامَةِ وَالْكَرَمِ طَوِيلُ النِّجَادِ وَكَثِيرُ الرَّمَادِ (كَفِيك رَاغِبٌ وَ) جَازَ (الْإِهْدَاءُ) لِلْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقِ غَيْرِهِ الْبَائِنِ لَا الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا فَيَحْرُمُ كَالْمُوَاعَدَةِ، فَإِنْ أَهْدَى أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ وتت.
وَتَفْوِيضُ الْوَلِيِّ الْعَقْدَ لِفَاضِلٍ وَذِكْرُ الْمَسَاوِي وَكُرِهَ عِدَةٌ مِنْ أَحَدِهِمَا
وَتَزَوُّجُ امْرَأَةً زَانِيَةٍ أَوْ مُصَرَّحٍ لَهَا بَعْدَهَا وَنُدِبَ فِرَاقُهَا،
[منح الجليل]
وَفِي التَّوْضِيحِ أَنَّ غَيْرَ الْمُعْتَدَّةِ مِثْلُهَا.
وَذَكَرَ اللَّقَانِيُّ عَنْ الْبَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْإِعْرَاضُ مِنْهُ، فَإِنْ أَعْرَضَتْ عَنْهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الَّذِي أَعْطَى لِأَجْلِهِ لَمْ يَتِمَّ لَهُ، وَفِي الْمِعْيَارِ لِلرَّجُلِ الرُّجُوعُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَوْ بِمَا أَعْطَى فِي اخْتِلَاعِهَا مِنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ إذَا جَاءَ التَّعَذُّرُ وَالِامْتِنَاعُ مِنْ قِبَلِهَا لِأَنَّ الَّذِي أَعْطَى مِنْ أَجْلِهِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ، وَإِنْ كَانَ التَّعَذُّرُ مِنْ قِبَلِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهَا لِأَنَّ التَّمْكِينَ كَالِاسْتِيفَاءِ اهـ. وَلَعَلَّ هَذَا كُلَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ وَلَا عُرْفٌ بِالرُّجُوعِ وَإِلَّا عُمِلَ بِهِ اتِّفَاقًا.
(وَ) نُدِبَ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ الْوَاضِحَةِ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ.
(تَفْوِيضُ الْوَلِيِّ) وَالزَّوْجِ (الْعَقْدَ لِفَاضِلٍ) لِرَجَاءِ بَرَكَتِهِ وَلِلِاقْتِدَاءِ بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ، وَمَفْهُومُ لِفَاضِلٍ أَنَّ تَفْوِيضَهُ لِغَيْرِهِ خِلَافُ الْأَوْلَى (وَ) جَازَ (ذِكْرُ الْمَسَاوِئِ) أَيْ الْعُيُوبِ الَّتِي لِلزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ مِنْ الْمُسْتَشَارِ إذَا عَرَفَهَا غَيْرُهُ، وَإِلَّا وَجَبَ لِأَنَّهُ نُصْحٌ لِلْمُسْتَشِيرِ، وَهَذِهِ لِلْجُزُولِيِّ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ إذَا اسْتَشَارَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ ذِكْرُهَا وَلَوْ عَرَفَهَا غَيْرُهُ وَإِلَّا نُدِبَ.
وَقَالَ عج يَجُوزُ إنْ لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهَا وَإِلَّا وَجَبَ لِأَنَّهُ نُصْحٌ.
(وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (عِدَةٌ) بِتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ وَعْدٌ بِالنِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ (مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ الرَّجُلِ وَالْمُعْتَدَّةِ مِنْ غَيْرِهِ لِلْآخَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعِدَهُ الْآخَرُ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَحْصُلُ مَا وَعَدَ بِهِ، فَيَكُونُ مِنْ خُلْفِ الْوَعْدِ أَوْ لِخَشْيَةِ عِدَةِ الْآخَرِ فَيَقَعُ الْحَرَامُ.
(وَ) كُرِهَ (تَزْوِيجُ) مَرْأَةٍ (زَانِيَةٍ) أَيْ مُتَجَاهِرَةٍ بِالزِّنَا مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِهِ عَلَيْهَا قَالَهُ عج، أَيْ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهَا تُحَدُّ فَتَطْهُرُ وَإِلَّا فَهِيَ أَوْلَى بِالْكَرَاهَةِ، أَوْ أَنَّهَا تَحْرُمُ حَيْثُ لَمْ تَتُبْ وَلَمْ تُحَدَّ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (أَوْ) تَزَوُّجُ امْرَأَةٍ (مُصَرَّحٍ لَهَا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ مُثَقَّلَةً، أَيْ بِالْخِطْبَةِ فِي عِدَّتِهَا مِنْ غَيْرِهِ فَيُكْرَهُ لِلْمُصَرِّحِ تَزَوُّجُهَا (بَعْدَهَا) أَيْ الْعِدَّةِ فَبَعْدَ مُتَعَلِّقٌ بِتَزَوُّجِ الْمُقَدَّرِ لَا بِمُصَرِّحٍ.
(وَ) نُدِبَ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (فِرَاقُهَا) أَيْ الْمَذْكُورَةِ مِنْ الزَّانِيَةِ وَالْمُصَرَّحِ لَهَا بِهَا فِيهَا إذَا
وَعَرْضُ رَاكِنَةٍ لِغَيْرٍ عَلَيْهِ.
وَرُكْنُهُ وَلِيٌّ وَصَدَاقٌ وَمَحَلٌّ وَصِيغَةٌ بِأَنْكَحْتُ
[منح الجليل]
تَزَوَّجَهَا بَعْدَهَا (وَ) نُدِبَ (عَرْضُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ آخِرُهُ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ مَرْأَةٍ (رَاكِنَةٍ) قَبْلَ خِطْبَتِهِ (لِ) خَاطِبٍ (غَيْرٍ) أَيْ مُغَايِرٍ لِلْخَاطِبِ الثَّانِي وَهُوَ عَدْلٌ أَوْ مَسْتُورٌ مُطْلَقًا أَوْ فَاسِقٌ وَالثَّانِي مِثْلُهُ، وَصِلَةُ عَرْضٍ (عَلَيْهِ) أَيْ الْغَيْرِ الَّذِي كَانَ رَكَنَ إلَيْهَا وَرَكَنَتْ إلَيْهِ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْفَسْخَ اسْتِحْبَابٌ وَهُوَ الصَّوَابُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْكَافِي وَإِنْ أَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ هُنَا وَالتَّوْضِيحِ.
(وَرُكْنُهُ) أَيْ النِّكَاحِ عَامٌّ لِلْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ الْخَمْسَةِ بَعْدَ الْمَحَلِّ رُكْنَيْنِ بِإِضَافَتِهِ لِلضَّمِيرِ، أَيْ الَّتِي يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَاخِلَةً فِي مَاهِيَّتِهِ (وَلِيٌّ) لِلْمَرْأَةِ بِشُرُوطِهِ الْآتِيَةِ فَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحٌ بِدُونِهِ (وَصَدَاقٌ) بِشُرُوطِهِ الْآتِيَةِ أَيْضًا فَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحٌ بِإِسْقَاطِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ عِنْدَ الْعَقْدِ لِصِحَّةِ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ وَالتَّحْكِيمِ (وَمَحَلٌّ) أَيْ زَوْجٌ وَزَوْجَةٌ مَعْلُومَانِ خَالِيَانِ مِنْ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ كَالْإِحْرَامِ وَالْمَرَضِ (وَصِيغَةٌ) الْحَطّ الظَّاهِرُ أَنَّ الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ رُكْنَانِ وَالصِّيغَةَ وَالْوَلِيَّ شَرْطَانِ، وَأَمَّا الصَّدَاقُ وَالشُّهُودُ فَلَا يَنْبَغِي عَدُّهُمَا مِنْ أَرْكَانِهِ وَلَا مِنْ شُرُوطِهِ لِصِحَّتِهِ بِدُونِهِمَا لِأَنَّ الْمُضِرَّ إسْقَاطُ الصَّدَاقِ، وَالدُّخُولُ بِلَا إشْهَادٍ اهـ.
الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ ذَاتَانِ وَالنِّكَاحَ مَعْنًى فَلَا يَصِحُّ كَوْنُهُمَا رُكْنَيْنِ لَهُ، وَبِهَذَا اعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ حَيْثُ جَعَلَا أَرْكَانَ الطَّلَاقِ الْأَهْلَ وَالْمَحَلَّ وَالْقَصْدَ، فَقَالَ مَا نَصُّهُ وَجَعْلُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ تَابِعَيْنِ لِلْغَزَالِيِّ الْكُلَّ أَرْكَانًا لَهُ يُرَدُّ بِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَكُلُّ خَارِجٍ عَنْ حَقِيقَةِ شَيْءٍ غَيْرُ رُكْنٍ لَهُ اهـ. وَلَا يُجَابُ عَنْ الْحَطّ بِأَنَّهُ أَطْلَقَ الرُّكْنَ مَجَازًا عَلَى مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَاهِيَةُ لِأَنَّا نَقُولُ تَفْصِيلُهُ يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُجَابُ بِذَلِكَ عَمَّنْ لَمْ يُفَصِّلْ كَابْنِ شَاسٍ وَابْن الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفِ.
وَالْحَقُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّكْنِ مَا لَا تُوجَدُ الْمَاهِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ إلَّا بِهِ، فَتَدْخُلُ الْخَمْسَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ كُلُّهَا لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مِنْ عَاقِدَيْنِ وَهُمَا شَرْعًا الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ،
وَزَوَّجْتُ وَبِصَدَاقٍ وَهَبْتُ وَهَلْ كُلُّ لَفْظٍ يَقْتَضِي الْبَقَاءَ مُدَّةَ الْحَيَاةِ كَبِعْتُ كَذَلِكَ تَرَدُّدٌ
[منح الجليل]
وَعَلَى مَعْقُودٍ عَلَيْهِ وَهِيَ الزَّوْجَةُ وَالصَّدَاقُ، فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ ذِكْرُهُ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْعَقْدُ إلَّا بِصِيغَةٍ وَقَدْ خَصَّهَا الشَّارِعُ بِمَا ذَكَرَهُ، وَكَلَامُ الْحَطّ إنَّمَا يَتَنَزَّلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا.
وَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الصِّيغَةِ لِقِلَّتِهِ فَقَالَ (بِأَنْكَحْتُ) أَيْ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ الْوَلِيِّ (وَزَوَّجْتُ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَالْوَاوُ مُشَدَّدَةٌ وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ فَأَحَدُ اللَّفْظَيْنِ كَافٍ وَلَوْ بِدُونِ ذِكْرِ صَدَاقٍ (وَبِصَدَاقٍ وَهَبْت) الْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ دَاخِلَةٌ عَلَى مُضَافٍ مُقَدَّرٍ أَيْ ذِكْرِ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ حَالٌ مِنْ وَهَبْت الْمَقْصُودُ لَفْظُهُ الْمَعْطُوفُ عَلَى أَنْكَحْت، أَيْ وَبِلَفْظِ وَهَبْت مَعَ ذِكْرِ صَدَاقٍ حَقِيقَةً بِأَنْ قَالَ وَهَبْتهَا لَك بِرُبْعِ دِينَارٍ مَثَلًا، أَوْ حُكْمًا بِأَنْ قَالَ وَهَبْتهَا لَك تَفْوِيضًا.
فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى وَهَبْت وَلَمْ يَذْكُرْ صَدَاقًا لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا لَمْ يَنْعَقِدْ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالتَّرَدُّدُ الْآتِي ضَعِيفٌ كَمَا فِي الشَّامِلِ، وَيُشْتَرَطُ اللَّفْظُ مِنْ الْقَادِرِ عَلَيْهِ وَتَقُومُ مَقَامُهُ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ أَوْ كِتَابَتُهُ.
(وَهَلْ كُلُّ لَفْظٍ يَقْتَضِي الْبَقَاءَ) لِمِلْكِ الزَّوْجِ عِصْمَةَ الزَّوْجَةِ (مُدَّةَ الْحَيَاةِ) لَهُمَا (كَبِعْتُ) وَتَصَدَّقْتُ وَمَنَحْتُ وَأَعْطَيْتُ وَمَلَكْتُ وَأَحْلَلْت وَأَبَحْت، وَقُصِدَ بِهِ النِّكَاحُ مَعَ تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا (كَذَلِكَ) أَيْ أَنْكَحْتُ وَزَوَّجْت مُطْلَقًا، وَوَهَبْتُ مَعَ تَسْمِيَةِ صَدَاقٍ فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِكُلٍّ أَوْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِهِ فِي الْجَوَابِ (تَرَدُّدٌ) لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ الرَّاجِحُ مِنْهُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ نَقَلَ الْحَطّ عَنْ الشَّامِلِ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ أَوْ لَمْ يُسَمَّى صَدَاقًا فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ اتِّفَاقًا.
ابْنُ عَرَفَةَ صِيغَتُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَفْظِ التَّزْوِيجِ أَوْ الْإِنْكَاحِ وَفِي قَصْرِهَا عَلَيْهِمَا نَقْلًا الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ دِينَارٍ مَعَ الْمُغِيرَةِ وَمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - اهـ.
وَفِي التَّوْضِيحِ اخْتَلَفَتْ طُرُقُ الشُّيُوخِ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ فِيمَا عَدَاهُمَا، أَيْ أَنْكَحْتُ وَزَوَّجْتُ فَذَهَبَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْأَشْرَافِ وَاللُّبَابِ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ إلَى أَنَّهُ
وَكَقَبِلْتُ وَبِزَوِّجْنِي فَيَفْعَلُ.
[منح الجليل]
يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ دُونَ التَّوْقِيتِ.
وَذَهَبَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِمَا عَدَا أَنْكَحْتُ وَزَوَّجْتُ إلَّا لَفْظَ الْهِبَةِ.
فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ". اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ ابْنِ الْقَصَّارِ وَابْنِ رُشْدٍ فِي جَمِيعِ مَا عَدَا أَنْكَحْت وَزَوَّجْت وَوَهَبْت بِصَدَاقٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَوْنِ الصَّدَقَةِ كَالْهِبَةِ وَلَغْوِهَا قَوْلَ ابْنِ الْقَصَّارِ وَابْنِ رُشْدٍ فِي جَمِيعِ مَا عَدَا أَنْكَحْت وَزَوَّجْت وَوَهَبْت بِصَدَاقٍ.
اهـ. فَذَكَرَ التَّرَدُّدَ الْمَذْكُورَ فِي لَفْظِ الصَّدَقَةِ وَقَدْ صَرَّحَ الْحَطُّ بِأَنَّ الصَّدَقَةَ دَاخِلَةٌ فِي التَّرَدُّدِ، قَالَ وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّامِلِ.
(وَكَقَبِلْتُ) مِنْ الزَّوْجِ وَالْكَافُ لِلتَّمْثِيلِ مُدْخِلَةٌ لِمَا أَشْبَهَ قَبِلْتُ كَرَضِيتُ وَنَفَّذْتُ وَأَتْمَمْتُ فَلَا يُشْتَرَطُ زِيَادَةُ نِكَاحِهَا كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ (وَ) يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ (بِ) قَوْلِ الزَّوْجِ ابْتِدَاءً لِلْوَلِيِّ (زَوِّجْنِي فَيَفْعَلُ) الْوَلِيُّ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ زَوَّجْتُك أَوْ فَعَلْت فَمَتَى تَلَفَّظَ الْوَلِيُّ أَوْ الزَّوْجُ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ أَوْ التَّزْوِيجِ فَيَكْفِي أَنْ يُجِيبَهُ الْآخَرُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ بِأَيِّ صِيغَةٍ، وَمَتَى خَلَا لَفْظُهُمَا مَعًا عَنْهُمَا لَمْ يَنْعَقِدْ إلَّا لَفْظُ الْهِبَةِ مَعَ الصَّدَاقِ، وَدَلَّ إتْيَانُهُ بِالْفَاءِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْفَوْرِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْقَوَانِينَ وَيُغْتَفَرُ التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ وَنَصُّهُ: وَالنِّكَاحُ عَقْدٌ لَازِمٌ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْخِيَارُ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ، وَيَلْزَمُ فِيهِ الْفَوْرُ فِي الطَّرَفَيْنِ فَإِنْ تَأَخَّرَ الْقَبُولُ يَسِيرًا جَازَ اهـ. وَتَقَدَّمَ اغْتِفَارُهُ بِالْخِطْبَةِ وَلَا يُغْتَفَرُ التَّفْرِيقُ الْكَثِيرُ إلَّا فِي الْإِيصَاءِ بِالتَّزْوِيجِ فَيُغْتَفَرُ لِلْإِجْمَاعِ وَسَيَأْتِي قَوْلُهُ وَصَحَّ إنْ مِتُّ فَقَدْ زَوَّجْت ابْنَتِي إلَخْ.
وَفِي النِّهَايَةِ لِحَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ وَأَمَّا تَرَاخِي الْقَبُولِ عَنْ الْإِيجَابِ فِي الْعَقْدِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ فَأَجَازَهُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إنْ كَانَ يَسِيرًا، وَمَنَعَهُ مُطْلَقًا الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَأَجَازَهُ مُطْلَقًا أَبُو حَنِيفَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ". وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْأَمَدِ الطَّوِيلِ وَالْيَسِيرِ لِمَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْمِعْيَارِ مِنْ جَوَابِ الْبَرْجِينِيِّ.
الْحَطُّ وَهَذَا ظَاهِرٌ جَارٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَفِي الْمِعْيَارِ أَيْضًا عَنْ الْبَاجِيَّ مَا يَقْتَضِي الِاتِّفَاقَ عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ مَعَ تَأَخُّرِ الْقَبُولِ عَنْ الْإِيجَابِ مِنْ الْوَلِيِّ الْمُجْبِرِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ زَوَّجْت ابْنَتِي فُلَانًا إنْ رَضِيَ أَنَّ لَهُ الرِّضَا بِإِجْمَاعٍ.
ابْنِ غَازِيٍّ