منح الجليل شرح مختصر خليلصفحات 389-428
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ) فِي الْخُلْعِ:

صفحات 389-428

مُسْلِمٌ، عَاقِلٌ، بَالِغٌ.
بِلَا فِسْقٍ وَحَجْرٍ

[منح الجليل]

كَانَ ثَابِتًا مَا خَفِيَ عَلَى ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حُفَّاظِ الْمَذْهَبِ وَلَذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ فِي كُتُبِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مُسْلِمٌ) لَا كَافِرٌ عَلَى مُسْلِمٍ إجْمَاعًا وَلَا عَلَى مِثْلِهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَتَعَقَّبَ ابْنُ مَرْزُوقٍ حِكَايَةَ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى مُسْلِمٍ بِأَنَّ مِنْ الْأَئِمَّةِ مَنْ قَالَ بِجَوَازِهَا عَلَى وَصِيَّةِ مُسْلِمٍ فِي السَّفَرِ لِلضَّرُورَةِ، عَزَاهُ ابْنُ سَهْلٍ لِشُرَيْحٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعُبَيْدَةَ وَابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمْ (عَاقِلٌ) فِي حَالَتَيْ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ شَرْطُ الْعَقْلِ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ وَلَا يَضْبِطُهُ وَمَنْ هُوَ كَذَلِكَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا يُخْتَلَفُ فِي اعْتِبَارِ الْعَقْلِ فِي حَالَتَيْ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ وَلَا يَضُرُّ ذَهَابُ الْعَقْلِ فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ وَلَمْ أَعْرِفْهُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ، بَلْ نَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي كَبِيرٍ يَخْنُقُ ثُمَّ يُفِيقُ إنْ كَانَ يُفِيقُ إفَاقَةً يَعْقِلُهَا جَازَتْ شَهَادَتُهُ وَبَيْعُهُ وَابْتِيَاعُهُ.
(بَالِغٌ) فَلَا يُقْبَلُ شَهَادَةُ الصَّبِيِّ اتِّفَاقًا إلَّا لِصَبِيٍّ عَلَى صَبِيٍّ فِي دَمٍ.
بِشُرُوطٍ تَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (بِلَا فِسْقٍ) بِجَارِحَةٍ ظَاهِرَةٍ؛ لِأَنَّهُ سَيَذْكُرُ فِسْقَ الِاعْتِقَادِ (وَ) بِلَا (حَجْرٍ) عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فِيهِ وَإِنْ رَشَدَ.
مُحَمَّدٌ هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ.
شب هَذَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ لِسَفَهِهِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَتَأَمَّلْهُ مَعَ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ.
وَفِي شَرْطِ عَدَمِ الْوِلَايَةِ فِي الْمَالِ خِلَافٌ سَمِعَ أَشْهَبُ أَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ عَدْلٌ؟ قَالَ نَعَمْ.
ابْنُ رُشْدٍ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِثْلَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَهُوَ قِيَاسُ الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ لَغْوِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْيَتِيمِ الْبَالِغِ فِي جَوَازِ أَفْعَالِهِ وَرَدِّهَا، وَالْآتِي عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ مِنْ أَنَّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ لَا تَنْفُذُ أَفْعَالُهُ وَإِنْ كَانَ رَشِيدًا فِي أَحْوَالِهِ: أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ لَوْ طَلَبَ مَالَهُ أَخَذَهُ وَهُوَ نَصُّ أَشْهَبَ فِي الْمَجْمُوعَةِ.

وَبِدْعَةٍ، وَإِنْ تَأَوَّلَ: كَخَارِجِيٍّ، وَقَدَرِيٍّ

[منح الجليل]

وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ ظَاهِرُ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْهَا، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي شَهَادَتِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي اعْتِبَارِ حَالِهِ أَوْ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ أَنَّ الَّذِي بِهِ الْعَمَلُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِاعْتِبَارِ حَالِهِ، فَانْظُرْ هَلْ يَجْرِي ذَلِكَ هُنَا؟ . وَفِي شَرْحِ ابْنِ النَّاظِمِ عَلَى التُّحْفَةِ مَا يُفِيدُ هَذَا، فَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ الْمَانِعَ الْحَجْرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) بِلَا (بِدْعَةٍ) أَيْ اعْتِقَادٍ مُخَالِفٍ لِاعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُبْتَدِعٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا فَاسِقٌ وَإِمَّا كَافِرٌ إنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ، بَلْ (وَإِنْ تَأَوَّلَ) بِفَتَحَاتٍ مَهْمُوزًا مُثَقَّلًا (كَخَارِجِيٍّ) أَيْ مَنْسُوبٍ لِلْخَوَارِجِ وَهُمْ قَوْمٌ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَكَفَّرُوهُمَا مُعَاوِيَةَ لِخُرُوجِهِ عَلَى عَلِيٍّ وَعَلِيٍّ لِرِضَاهُ بِتَحْكِيمِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَقَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَتَلَ مِنْهُمْ جَمًّا غَفِيرًا (وَقَدَرِيٍّ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ وَشَدِّ الْيَاءِ نِسْبَةً لِلْقَدَرِ، أَيْ إيجَادِ الْأَشْيَاءِ بِحَسَبِ عَمَلِهَا فِي الْأَزَلِ لِنَفْيِهِمْ إيَّاهُ وَقَوْلِهِ بِخَلْقِ الْعَبْدِ أَفْعَالَهُ الِاخْتِيَارِيَّةَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ وَلَا تَأْوِيلٍ، كَالْقَدَرِيِّ وَالْخَارِجِيِّ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يُحْتَمَلُ كَوْنُ الْقَدَرِيِّ مِثَالًا لِلْجَاهِلِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ شُبَهِهِمْ عَقْلِيَّةٌ، وَالْخَطَأُ فِيهَا يُسَمَّى جَهْلًا، وَالْخَارِجِيُّ مِثَالٌ لِلْمُتَأَوِّلِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ شُبَهِهِمْ سَمْعِيَّةٌ وَالْخَطَأُ فِيهَا يُسَمَّى تَأْوِيلًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْجَاهِلِ الْمُقَلِّدُ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ وَبِالْمُتَأَوِّلِ الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا، وَلَمْ يُعْذَرُوا بِالتَّأْوِيلِ لِتَأْدِيَتِهِ إلَى كُفْرٍ أَوْ فِسْقٍ، بِخِلَافِ تَأْوِيلِ الْمُحَارِبِينَ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: الْحَطَّابُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذِهِ شُرُوطًا فِي الْعَدْلِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ، فَإِنَّهُمْ جَعَلُوهَا شُرُوطًا فِي قَوْلِ الشَّهَادَةِ، وَمِنْهَا الْعَدَالَةُ وَهُوَ أَبْيَنُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يُوصَفُ بِالْعَدَالَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَمَّا كَانَتْ الشَّهَادَةُ مُوجِبَةً لِحُكْمِ الْحَاكِمِ اُشْتُرِطَ فِيهَا شُرُوطٌ مِنْهَا فِي أَدَائِهَا الْإِسْلَامُ اتِّفَاقًا، ثُمَّ قَالَ وَمِنْهَا الْحُرِّيَّةُ وَالْعَقْلُ، ثُمَّ قَالَ وَالْبُلُوغُ، ثُمَّ قَالَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

وَالْعَدَالَةُ، قَالَ وَلَمَّا كَانَتْ شُرُوطًا فِي الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ تَكَلَّمَ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ وَالْأُصُولِيُّونَ وَابْنُ الْحَاجِبِ فِي أَصْلَيْهِ وَفِقْهِهِ.
طفى إنْ قُلْت جَعَلَ عِيَاضٌ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ هَذِهِ الشُّرُوطَ فِي الشَّاهِدِ، وَجَعَلُوا مِنْهَا كَوْنَهُ عَدْلًا، ثُمَّ فَسَّرُوا الْعَدَالَةَ بِالْمُحَافَظَةِ الدِّينِيَّةِ عَلَى اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَالْكَذِبِ وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرُوا، فَخَالَفَ الْمُصَنِّفُ اصْطِلَاحَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ.
وَنَصَّ ابْنُ الْحَاجِبِ وَشَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا عَاقِلًا بَالِغًا مُسْتَعْمِلًا لِمُرُوءَتِهِ.
قُلْت لَا مُخَالَفَةَ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَذَ الْعَدْلَ بِمَعْنَى عَدْلِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ مُرَادُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، حَيْثُ أَطْلَقُوهُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ الَّتِي ذَكَرُوهَا، فَأَلْ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وَأَخَذَهُ غَيْرُهُ بِمَعْنَى الْمَحَافِظِ عَلَى الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ مُحَافَظَةً دِينِيَّةً، فَشَمِلَ هَذَا الْمَعْنَى الْعَبْدَ، فَلِذَا احْتَاجُوا لِذِكْرِ الْحُرِّيَّةِ مَعَ الْعَدَالَةِ وَمَا سَلَكَهُ الْمُصَنِّفُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ أَمَسُّ بِالْمَقَامِ، فَقَوْلُ " ح " مُتَوَرِّكًا عَلَى الْمُصَنِّفِ إنَّ مَا ذَكَرُوهُ أَبْيَنُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يُوصَفُ بِالْعَدَالَةِ غَيْرُ بَيِّنٍ.
الثَّانِي: ابْنُ عَرَفَةَ أَطَالَ الْمَازِرِيُّ الْكَلَامَ فِي الْعَدَالَةِ، وَالْأَوْلَى أَنَّهَا صِفَةُ مَظِنَّةٍ لِمَنْعِ مَوْصُوفِهَا الْبِدْعَةَ وَمَا يَشِينُهُ عُرْفًا وَمَعْصِيَةً غَيْرَ قَلِيلِ الصَّغَائِرِ، فَالصَّغَائِرُ الْخَسِيسَةُ مُنْدَرِجَةٌ فِيمَا يَشِينُ وَنَادِرُ الْكَذِبِ فِي غَيْرِ عَظِيمِ مَفْسَدَةٍ عَفْوٌ مُنْدَرِجٌ فِي قَلِيلِ الصَّغَائِرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهَا فِي آخِرِ شَهَادَاتِهَا مِمَّا يُجْرَحُ بِهِ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَأَطْوَلُ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي الْفِقْهِيِّ الْعَدَالَةُ الْمُحَافَظَةُ الدِّينِيَّةُ عَلَى اجْتِنَابِ الْكَذِبِ وَالْكَبَائِرِ، وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ لَيْسَ مَعَهَا بِدْعَةٌ، وَيُتَعَقَّبُ بِحَشْوِ الدِّينِيَّةِ لِاسْتِقْلَالِهِ دُونَهَا، وَإِجْمَالُ قَوْلِهِ وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ لِاحْتِمَالِهِ جَمِيعَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ لَيْسَ مَعَهَا بِدْعَةٌ رَاجِعٌ لِلْعَدَالَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ الْبِدْعَةِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْعَدَالَةِ، لَكِنَّ تَعْلِيلَهُ اشْتِرَاطَ هَذِهِ الْمَعِيَّةِ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهَا فِسْقٌ يُوجِبُ كَوْنَهَا مُعْتَادَةً فَيُسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْعَدَالَةِ عَنْهَا كَمَا اُسْتُغْنِيَ بِذِكْرِهَا عَنْ سَائِرِ أَضْدَادِهَا، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ أَضْدَادِهَا كَثُرَ النِّزَاعُ فِيهِ.
اهـ. وَيُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ الدِّينِيَّةِ احْتَرَزَ بِهِ مِنْ الْمُحَافَظَةِ الْمَذْكُورَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَصْدُ بِهَا الدِّينَ، وَإِنَّمَا فَعَلَهَا لِتَحْصِيلِ مَنْصِبٍ دُنْيَوِيٍّ.
وَقَالَ.

لَمْ يُبَاشِرْ كَبِيرَةً، أَوْ كَثِيرَ كَذِبٍ،

[منح الجليل]

ابْنُ مُحْرِزٍ فِي تَبْصِرَتِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ فِي صِفَةِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ هُوَ الْمُجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ الْمُتَوَقِّي لِأَكْثَرِ الصَّغَائِرِ إذَا كَانَ ذَا مُرُوءَةٍ وَتَمْيِيزٍ مُتَيَقِّظًا مُتَوَسِّطَ الْحَالِ بَيْنَ الْبُغْضِ وَالْمَحَبَّةِ.
قُلْت وَقَدْ أَتَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ عَلَى جَمِيعِ مَا يَنْبَغِي فِي الشَّاهِدِ الْعَدْلِ اهـ. الثَّالِثُ: عب هَذِهِ الشُّرُوطُ لَا يُشْتَرَطُ مِنْهَا حَالَ الْأَدَاءِ وَالتَّحَمُّلِ إلَّا الْعَقْلُ، وَبَقِيَّتُهَا إنَّمَا يُشْتَرَطُ حَالَ الْأَدَاءِ.
الْبُنَانِيُّ هَذَا التَّفْصِيلُ فِي غَيْرِ شُهُودِ النِّكَاحِ وَالشُّهُودِ عَلَى الْخَطِّ.
وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ وَالْخَطِّ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الشُّرُوطِ كُلِّهَا وَقْتَ الْأَدَاءِ وَوَقْتَ التَّحَمُّلِ قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(لَمْ يُبَاشِرْ) أَيْ يَفْعَلْ الْعَدْلُ مَعْصِيَةً (كَبِيرَةً) بِلَا تَوْبَةٍ مِنْهَا بِأَنْ لَمْ يَفْعَلْهَا أَصْلًا أَوْ تَابَ مِنْهَا، فَإِنْ فَعَلَهَا وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَدْلِ عَدَمُ مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ مُطْلَقًا لِتَعَذُّرِهِ إلَّا مِنْ وَلِيٍّ أَوْ صَدِيقٍ، وَلَكِنْ مَنْ كَانَتْ طَاعَتُهُ أَكْثَرَ أَحْوَالِهِ وَأَغْلَبَهَا وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ وَحَافَظَ عَلَى تَرْكِ الصَّغَائِر فَهُوَ عَدْلٌ.
تت تَكْمِيلُ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ انْقِسَامُ الذُّنُوبِ إلَى كَبَائِرَ وَصَغَائِرَ، وَاخْتُلِفَ فِي تَمْيِيزِ الْكَبَائِرِ مِنْهَا فَمِنْهُمْ مَنْ مَيَّزَهَا بِالْعَدِّ مُسْتَقْرِيًا مَوَارِدَ النُّصُوصِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَصَرَهَا بِضَابِطٍ، وَلْنَذْكُرْ طَرَفًا مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا.
فَمِنْ الْأَوَّلِ: قِيلَ أَرْبَعٌ، وَقِيلَ سَبْعٌ، وَقِيلَ سَبْعَ عَشْرَةَ.
ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - هِيَ إلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إلَى السَّبْعِ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إلَى سَبْعِمِائَةٍ أَقْرَبُ.
وَمِنْ الثَّانِي: قِيلَ مَا لَحِقَ صَاحِبَهَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَقِيلَ مَا أَوْجَبَ حُكْمًا.
وَقِيلَ مَا نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ أَوْجَبَ فِي جِنْسِهِ حَدًّا.
وَقِيلَ، كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنَارٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ لَعْنَةٍ أَوْ عَذَابٍ، وَقِيلَ مَا أَوْعَدَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِنَارٍ أَوْ حَدٍّ فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
(أَوْ كَثِيرَ كَذِبٍ) ظَاهِرُ مَفْهُومِهِ أَنَّ مَنْ بَاشَرَ كَثِيرَ الْكَذِبِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَوْ اتَّحَدَ مُتَعَلِّقُهُ، وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ مِمَّا يُجَرَّحُ بِهِ الشَّاهِدُ قِيَامُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ مُشْعِرٍ

أَوْ صَغِيرَةَ خِسَّةً وَسَفَاهَةً، وَلَعِبَ نَرْدٍ، ذُو مُرُوءَةٍ

[منح الجليل]

بِتَعَدُّدِ مُتَعَلِّقِهِ.
وَمَفْهُومُ " كَثِير " أَنَّ مُبَاشَرَةَ الْكَذِبِ الْيَسِيرِ كَالْوَاحِدِ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الْعَدَالَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ الْحَطَّابُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَمَّا الْكَذِبُ فَنَصُّهَا مِمَّا يُجَرَّحُ بِهِ الشَّاهِدُ قِيَامُ بَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَنَقَلَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالْكَذِبِ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامُهُ يُعْطِي تَكَرُّرَ الْكَذِبِ مِمَّنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَشْهُورٌ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ هَذَا الْقَيْدُ الْأَخِيرُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاكْتُفِيَ بِتَكْرَارِ الْكَذِبِ.
قُلْت قَوْلُهُ يُعْطِي تَكْرَارَ الْكَذِبِ لَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِهِ دُونَ الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا لَفْظَ كَذَّابٍ، وَفَعَّالٌ يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ ضَرُورَةً، وَقَوْلُهُ إنَّهُ مَشْهُورٌ مِنْ قَوْلِهِ يَرِدُ بِمَنْعِهِ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ مَشْهُورٍ أَخَصُّ مِنْ مَعْرُوفٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ الْأَعَمِّ صِدْقُ الْأَخَصِّ، وَقَوْلُهُ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَرَادَ بِهِ كَوْنَهُ مَشْهُورًا فَلَا يَضُرُّ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ لَفْظَ مَعْرُوفٍ لَا يَسْتَلْزِمُهُ، وَإِنْ أَرَادَ لَفْظَ مَعْرُوفٍ فَقَوْلُهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَرَادَ نَصًّا فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ أَرَادَ وَلَا لُزُومًا مُنِعَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا قِيَامُ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ أَنَّهُ كَذَّابٌ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِمُطْلَقِ الْكَذِبِ عَادَةً؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَادَةِ أَنْ لَا يَثْبُتَ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ إلَّا وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِمُطْلَقِ الْكَذِبِ.
(أَوْ صَغِيرَةَ خِسَّةٍ) كَتَطْفِيفِ حَبَّةٍ أَوْ سَرِقَةِ لُقْمَةٍ فَمُبَاشِرُهَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَمَفْهُومُ خِسَّةٍ أَنَّ مُبَاشَرَةَ صَغِيرَةٍ غَيْرِ الْخَسَّةِ لَا تَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهَا غَالِبًا (وَ) لَمْ يُبَاشِرْ (سَفَاهَةً) أَيْ مُجُونًا وَدُعَابَةً وَهَزْلًا فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهِ (وَ) لَمْ يُبَاشِرْ (لَعِبَ نَرْدٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الرَّاءِ آلَةٌ مُرَبَّعَةٌ مُخَطَّطَةٌ يُلْعَبُ عَلَيْهَا بِفُصُوصٍ، وَيُقَالُ لَهَا نَرْدَشِيرُ، وَتُسَمَّى فِي عُرْفِ مِصْرَ طَاوِلَةً، فَمُبَاشِرُ لَعِبِهَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَوْ مَرَّةً بِغَيْرِ قِمَارٍ لِحَدِيثِ «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرَ فَكَأَنَّمَا وَضَعَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ» . وَحَدِيثِ «مَلْعُونٌ مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ» . عِيَاضٌ فِي مَشَارِقِهِ النَّرْدُ فَارِسِيٌّ لِنَوْعٍ مِنْ الْآلَاتِ الَّتِي يُقَامَرُ عَلَيْهَا، وَيُقَالُ لَهُ النَّرْدَشِيرُ وَالْكِعَابُ.
وَالْعَدْلُ (ذُو) أَيْ صَاحِبُ (مُرُوءَةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ

بِتَرْكِ غَيْرِ لَائِقٍ.
مِنْ حَمَّامٍ،

[منح الجليل]

أَفْصَحُ مِنْ ضَمِّهَا، وَيَجُوزُ إبْدَالُ الْهَمْزِ وَاوًا وَإِدْغَامُ الْوَاوِ الْأُولَى فِيهَا مَعَ فَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ وَهِيَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى فِعْلِ مَا تَرْكُهُ يُوجِبُ الذَّمَّ عُرْفًا مِنْ مُبَاحٍ، كَتَرْكِ الْمَلِيِّ الِانْتِعَالَ فِي بَلَدٍ يُسْتَقْبَحُ فِيهِ مَشْيُ مِثْلِهِ حَافِيًا، وَعَلَى تَرْكِ مَا فِعْلُهُ يُوجِبُ الذَّمَّ عُرْفًا مِنْ مُبَاحٍ كَالْأَكْلِ فِي السُّوقِ وَفِي حَانُوتِ الطَّبَّاخِ لِبَلَدِيٍّ.
ابْنُ مُحْرِزٍ لَسْنَا نَعْنِي بِالْمُرُوءَةِ نَظَافَةَ الثَّوْبِ وَفَرَاهَةَ الْمَرْكُوبِ وَجَوْدَةَ الْآلَةِ وَحُسْنَ الشَّارَةِ، أَيْ الْهَيْئَةِ، بَلْ الْمُرَادُ الصَّوْنُ وَالصَّمْتُ الْحَسَنُ وَحِفْظُ اللِّسَانِ وَتَجَنُّبُ الْمُجُونِ وَالِارْتِفَاعُ عَنْ كُلِّ خُلُقٍ رَدِيءٍ يَرَى أَنَّ كُلَّ مَنْ تَخَلَّقَ بِهِ لَا يُحَافِظُ مَعَهُ عَلَى دِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ جُرْحَةٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَالرِّوَايَاتُ وَالْأَقْوَالُ وَاضِحَةٌ بِأَنَّ تَرْكَ الْمُرُوءَةِ جُرْحَةٌ لِدَلَالَتِهِ عَلَى عَدَمِ الْمُحَافَظَةِ الدِّينِيَّةِ وَهِيَ لَازِمُ الْعَدَالَةِ وَتَرْكُهَا مُسَبَّبٌ غَالِبًا عَنْ اتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ.
الْمَازِرِيُّ مَنْ لَا يُبَالِي بِسُقُوطِ مَنْزِلَتِهِ وَدَنَاءَةِ هِمَّتِهِ فَهُوَ نَاقِصُ الْعَقْلِ، وَنَقْصُهُ يُوجِبُ عَدَمَ الثِّقَةِ بِهِ.
التُّونُسِيُّ الِاتِّصَافُ بِالْمُرُوءَةِ مَطْلُوبٌ وَبِخِلَافِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَإِنْ ظَهَرَ بِبَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّهُ مُبَاحٌ مُصَوَّرَةٌ.
(بِتَرْكِ) شَيْءٍ (غَيْرِ لَائِقٍ) أَيْ مُنَاسِبٍ لِحَالِ مُرْتَكِبِهِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فِي بَادِئِ الرَّأْيِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ الْمُرُوءَةُ الِارْتِفَاعُ عَنْ كُلِّ مَا يَرَى أَنَّ مَنْ تَخَلَّقَ بِهِ لَا يُحَافِظُ عَلَى دِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا.
تت بِأَنْ لَا يَأْتِيَ بِمَا يَتَعَذَّرُ مِنْهُ مِمَّا يَبْخَسُهُ عَنْ مَرْتَبَتِهِ عِنْدَ ذَوِي الْفَضْلِ.
الْبِسَاطِيُّ بِاجْتِنَابِ مَا يَرْتَكِبُهُ السُّفَهَاءُ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ كَاللَّعِبِ بِالطَّابِ وَالْقِمَارِ وَالْمُهَاجَنَةِ فِي الْأَقْوَالِ وَالتَّصْرِيحِ بِأَقْوَالٍ لَمْ يُعَبِّرْ الشَّرْعُ عَنْهَا إلَّا بِالْكِنَايَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَبَيَّنَ غَيْرَ اللَّائِقِ فَقَالَ (مِنْ) لَعِبٍ بِ (حَمَامٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ الطَّيْرُ الْمَعْرُوفُ، ظَاهِرُهُ بِقِمَارٍ أَمْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي سَرِقَتِهَا، وَفِي رَجْمِهَا يُجَرَّحُ الشَّاهِدُ بِلَعِبِهِ بِالْحَمَامِ إذَا كَانَ يُقَامِرُ عَلَيْهِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُحْمَلُ مُطْلَقُهَا عَلَى مُقَيَّدِهَا أَوْ لَا، وَظَاهِرُهُمَا أَدْمَنَ عَلَيْهِ أَمْ لَا.
الْمَازِرِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ مَنْ فَعَلَهُ عَلَى قِمَارٍ أَوْ أَدْمَنَ عَلَيْهِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ رَوَى أَبُو دَاوُد بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا يَتْبَعُ حَمَامَةً فَقَالَ شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً» .

وَسَمَاعِ غِنَاءٍ، وَدِبَاغَةٍ، وَحِيَاكَةٍ اخْتِيَارًا، وَإِدَامَةِ شَطْرَنْجٍ

[منح الجليل]

وَ) مِنْ (سَمَاعِ غِنَاءٍ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَمْدُودًا وَإِنْ قُصِرَ فَهُوَ الْيَسَارُ وَالْمَالُ، وَظَاهِرُهُ كَانَ مَعَ آلَةٍ أَمْ لَا فَفِيهَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الْمُغَنِّي وَالْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحِ وَالنَّائِحَةِ إذَا عُرِفُوا بِذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ سَمَاعُ الْعُودِ جُرْحَةٌ إلَّا فِي صَنِيعٍ لَا شَرَابَ فِيهِ، فَلَا يُحَرَّمُ وَإِنْ كُرِهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالْغِنَاءُ إنْ كَانَ بِغَيْرِ آلَةٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَلَا يَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَكَرُّرِهِ، وَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَقْدَحُ فِي الْمُرُوءَةِ.
الْمَازِرِيُّ وَأَمَّا الْغِنَاءُ بِآلَةٍ فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ أَوْتَارٍ كَالْعُودِ وَالطُّنْبُورِ فَمَمْنُوعٌ وَكَذَا الْمِزْمَارُ وَاسْتَظْهَرَ إلْحَاقَهُ بِالْمُحَرَّمَاتِ وَإِنْ أَطْلَقَ.
مُحَمَّدٌ فِي سَمَاعِ الْعُودِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ.
وَقَدْ يُرِيدُ بِهِ التَّحْرِيمَ.
(وَ) مِنْ (دِبَاغَةٍ) لِجِلْدٍ (وَحِيَاكَةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَنَّاةِ لِغَزْلِ صُوفٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ أَوْ غَيْرِهَا إنْ فَعَلَهَا (اخْتِيَارًا) بِأَنْ كَانَ غَيْرَ أَهْلِهَا وَلَمْ يَتَوَقَّفْ قُوتُهُ وَقُوتُ عِيَالِهِ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ اُضْطُرَّ إلَيْهَا فَلَا تُخِلُّ بِمُرُوءَتِهِ، وَأُلْحِقَ بِمَنْ ذُكِرَ مَنْ يَقْصِدُ كَسْرَ نَفْسِهِ وَتَخَلُّقَهَا بِأَخْلَاقِ الْفُضَلَاءِ وَمُبَاعَدَتِهَا عَنْ الْكِبْرِ.
ابْنُ رُشْدٍ لَا تُرَدُّ شَهَادَةُ ذَوِي الْحِرَفِ الدَّنِيَّةِ كَالْكَنَّاسِ وَالْحَجَّامِ وَالدَّبَّاغِ وَالْحَائِكِ إلَّا مَنْ رَضِيَهَا اخْتِيَارًا مِمَّنْ لَا تَلِيقُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى خَبَلٍ فِي عَقْلِهِ.
ابْنُ مُحْرِزٍ رَأَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ شَهَادَةَ الْبَخِيلِ لَا تُقْبَلُ وَقَالَهُ الْغَزَالِيُّ.
الْبُرْزُلِيُّ رَأَيْت لِبَعْضِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الصِّنَاعَةَ إنْ صَنَعَهَا تَصْغِيرًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِيُدْخِلَ السُّرُورَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ لِيَتَصَدَّقَ بِمَا يَأْخُذُهُ مِنْهَا فَإِنَّهَا حَسَنَةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ جُرْحَةٌ تت لَوْ أَدْخَلَ الْكَافَ عَلَى دِبَاغَةٍ لَكَانَ أَحْسَنَ لِإِدْخَالِ بَاقِي الْحِرَفِ الدَّنِيَّةِ.
(وَ) مِنْ (إدَامَةِ) لَعِبٍ بِ (شِطْرَنْجٍ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَوْ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ النُّونِ فَجِيمٌ.
تت ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إبَاحَتُهُ، وَبِهَا صَرَّحَ الْبِسَاطِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ.
وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ اللَّخْمِيُّ مَذْهَبُ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " حُرْمَةُ اللَّعِبِ بِهِ، وَتَارَةً يُعَبِّرُ عَنْهُ بِالْكَرَاهَةِ، وَتَارَةً يَقُولُ هُوَ شَرٌّ مِنْ النَّرْدِ.
(تَنْبِيهٌ) فَسَّرَ ابْنُ نَصْرٍ الْإِدْمَانَ بِأَنْ يَلْعَبَ بِهَا فِي السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَبَعْضُ الْأَشْيَاخِ بِمَرَّةٍ

وَإِنْ أَعْمَى فِي قَوْلٍ

[منح الجليل]

فِي السَّنَةِ.
الْحَطّ فِي الشَّامِلِ وَإِدَامَةُ شِطْرَنْجٍ وَلَوْ مَرَّةً فِي الْعَامِ، وَقِيلَ أَكْثَرُ وَهَلْ يَحْرُمُ أَوْ يُكْرَهُ؟ قَوْلَانِ، وَثَالِثُهَا إنْ لَعِبَهُ مَعَ الْأَوْبَاشِ عَلَى طَرِيقِ الْمُجَاهَرَةِ حَرُمَ، وَفِي الْخَلْوَةِ مَعَ نُظَرَائِهِ بِلَا إدْمَانٍ وَتَرْكِ مُهِمٍّ وَلَهْوٍ عَنْ عِبَادَةٍ جَازَ.
وَقِيلَ إنْ أَلْهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا حَرَامٌ اهـ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: الْحَطّ لُبْسُ اللِّبَاسِ الْمُحَرَّمِ أَوْ الْمَكْرُوهِ الْخَارِجِ عَنْ السُّنَّةِ لَيْسَ جُرْحَةً فِي الشَّهَادَةِ كَلِبَاسِ فُقَهَاءِ هَذَا الزَّمَانِ مِنْ تَكْبِيرِهِمْ الْعَمَائِمَ وَإِفْرَاطِهِمْ فِي تَوْسِيعِ الثِّيَابِ وَتَطْوِيلِهِمْ الْأَكْمَامَ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمَدْخَلِ بِأَنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ.
الثَّانِي: " غ " ابْنُ عَرَفَةَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ يَشْتَغِلُ بِمُطْلَقِ عِلْمِ الْكِيمْيَاءِ، وَأَفْتَى الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ الْمُنْتَصِرُ بِمَنْعِ إمَامَتِهِ، وَرَجَحَ أَبُو زَيْدِ ابْنُ خَلْدُونَ أَنَّهَا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ وُجُودِهَا، فَانْقِلَابُ الْأَعْيَانِ فِيهَا مِنْ السِّحْرِيَّاتِ لَا مِنْ الطِّبِّيَّاتِ، وَإِنَّهُمْ يُظْهِرُونَ بِأَلْغَازِهِمْ الضَّنَانَةَ بِهَا.
وَإِنَّمَا قَصْدُهُمْ التَّسَتُّرُ مِنْ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ.
وَمَنْ اجْتَمَعَتْ الْحُرِّيَّةُ وَمَا بَعْدَهَا فِيهِ فَهُوَ عَدْلٌ إنْ كَانَ بَصِيرًا سَمِيعًا.

بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (أَعْمَى) فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ (فِي قَوْلِ) الْحَطّ شَهَادَةُ الْأَعْمَى فِي الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ جَوَازُهَا، وَشَهَادَتُهُ فِي غَيْرِ الْأَقْوَالِ لَا تَجُوزُ، وَهَذَا فِيمَا تَحَمَّلَهُ بَعْدَ الْعَمَى.
وَأَمَّا مَا تَحَمَّلَهُ قَبْلَ الْعَمَى مِنْ غَيْرِ الْقَوْلِ فَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا كَالْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمْ نَقَلُوا الْمَذْهَبَ، ثُمَّ قَالُوا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَجُوزُ فِيمَا تَحَمَّلَهُ قَبْلَ الْعَمَى، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ التَّفْصِيلِ.
وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَا شَهِدَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَمَى يُقْبَلُ.
سَحْنُونٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَالَ شَهَادَتِهِ أَعْمَى.
اهـ. فَظَاهِرُ كَلَامِ سَحْنُونٍ أَنَّ مَذْهَبَنَا لَا تُقْبَلُ، سَوَاءٌ تَحَمَّلَهَا بَعْدَ عَمَاهُ أَوْ قَبْلَهُ، وَصَرَّحَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ الْبُحَيْرِيُّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ بِأَنَّهُ إذَا تَحَمَّلَهَا قَبْلَ عَمَاهُ تُقْبَلُ، وَنَصُّهُ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ وَتُقْبَلُ مِنْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

الْأَعْمَى فِيمَا لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَقْوَالِ قَالَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ مَعْنَاهُ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى عَلَى الْأَقْوَالِ إذَا كَانَ فَطِنًا، وَلَا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْأَصْوَاتُ.
وَيَتَيَقَّنُ الْمَشْهُودَ لَهُ وَالْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، فَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْهَا فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَلَا تُقْبَلُ فِي الْمَرْئِيَّاتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَحَمَّلَهَا بَصِيرًا ثُمَّ عَمِيَ وَهُوَ يَتَيَقَّنُ عَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَيَعْرِفُهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ.
طفى لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْقَوْلِ فَتَجُوزُ فِيمَا عَدَا الْمَرْئِيَّاتِ مِنْ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْمَلْمُوسَاتِ وَالْمَذُوقَاتِ وَالْمَشْمُومَاتِ.
عَبْدُ الْوَهَّابِ تُقْبَلُ عَلَى مَا لَمَسَهُ بِيَدِهِ أَنَّهُ حَارٌّ أَوْ بَارِدٌ أَوْ نَاعِمٌ أَوْ خَشِنٌ وَفِيمَا ذَاقَهُ أَنَّهُ حُلْوٌ أَوْ حَامِضٌ وَفِيمَا شَمَّهُ.
ابْنُ فَرْحُونٍ هَذَا يَظْهَرُ مَعْنَاهُ فِي الْأَيْمَانِ وَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ حَلَفَ رَجُلٌ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يَشْرَبَ حُلْوًا أَوْ حَامِضًا فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ بِهِ فَيَلْزَمُهُ، وَخَصَّ الْمُصَنِّفُ الْقَوْلَ كَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَلْمُوسَ وَالْمَذُوقَ وَالْمَشْمُومَ يَسْتَوِي فِيهَا الْأَعْمَى وَغَيْرُهُ، فَهِيَ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمَسْمُوعِ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " جَوَازُهَا، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيِّ وَالْجُمْهُورِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مَنْعُهَا، وَمَثَارُ الْخِلَافِ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ أَنَّ هَذَا صَوْتُ فُلَانٍ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ تَحَمَّلَهَا عِنْدَنَا أَعْمَى أَوْ بَصِيرًا، وَمَنَعَهُ الْحَنَفِيُّ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيُّ إذَا تَحَمَّلَهَا بَصِيرًا ثُمَّ عَمِيَ.
وَأَمَّا شَهَادَتُهُ فِي الْأَفْعَالِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمَرْئِيَّاتِ فَلَا تَجُوزُ، فَإِنْ تَحَمَّلَهَا بَصِيرًا ثُمَّ عَمِيَ جَازَتْ إنْ تَيَقَّنَ عَيْنَ مَا شَهِدَ عَلَيْهِ وَعَرَفَهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُ " ح " وَأَمَّا مَا تَحَمَّلَهُ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى غَيْرِ الْأَقْوَالِ قَبْلَ الْعَمَى فَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا كَالْمُصَنِّفِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ لِنَقْلِهِمْ الْمَذْهَبَ أَوَّلًا، ثُمَّ قَالُوا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " تَجُوزُ فِيمَا تَحَمَّلَهُ قَبْلَ الْعَمَى، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ التَّفْصِيلِ وَهْمٌ؛ لِأَنَّ التَّفْرِقَةَ إنَّمَا ذَكَرُوهَا فِي الْأَقْوَالِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَنَقَلُوا الْمَذْهَبَ بِجَوَازِهَا، ثُمَّ قَالُوا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إلَخْ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْأَفْعَالِ فَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي كَلَامِهِمْ.
وَنَصُّ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْأَعْمَى فَأَجَازَهَا مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " عَلَى الْأَقْوَالِ، وَمَنَعَهَا أَبُو حَنِيفَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " تَجُوزُ فِيمَا أَدْرَكَهُ قَبْلَ عَمَاهُ

أَوْ أَصَمَّ فِي فِعْلٍ؛

لَيْسَ بِمُغَفَّلٍ، إلَّا فِيمَا لَا يُلْبَسُ

وَلَا مُتَأَكِّدِ الْقُرْبِ، كَأَبٍ، وَإِنْ عَلَا، وَزَوْجِهِمَا وَوَلَدٍ، وَإِنْ سَفَلَ.
كَبِنْتٍ وَزَوْجِهِمَا.

وَشَهَادَةُ ابْنٍ مَعَ أَبٍ وَاحِدَةٌ

[منح الجليل]

وَتُرَدُّ فِيمَا أَدْرَكَهُ بَعْدَهُ، وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يُمْكِنُ حُصُولُ الْعِلْمِ بِالتَّكْرَارِ لِلْأَعْمَى بِأَنَّ هَذَا صَوْتُ فُلَانٍ أَمْ لَا.
اهـ. وَنَحْوُهُ لِابْنِ فَرْحُونٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ، فَذِكْرُهُ مَعَ مَنْ فَرَّقَ سَهْوٌ.
قَوْلُهُ وَفِي النَّوَادِرِ إلَخْ لَا دَلِيلَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْأَقْوَالِ لَا فِي الْأَفْعَالِ، وَمَذْهَبُنَا لَا فَرْقَ فِي الْجَوَازِ، وَقَصَدَ سَحْنُونٌ بِقَوْلِهِ لَا فَرْقَ الرَّدَّ عَلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُفَ فِي التَّفْرِقَةِ بِأَنَّ الْعَمَى الَّذِي اعْتَبَرَاهُ مَوْجُودٌ حِينَ الْقَبُولِ وَتَبِعَهُ عج، وَالْكَمَالُ لِلَّهِ تَعَالَى.
(أَوْ) كَانَ الْعَدْلُ (أَصَمَّ) فَيُقْبَلُ إذَا شَهِدَ (فِي فِعْلٍ) رَآهُ بِعَيْنِهِ.

(لَيْسَ) الْعَدْلُ (بِمُغَفَّلٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ مُثَقَّلًا.
الْبِسَاطِيُّ التَّغَفُّلُ عَدَمُ اسْتِعْمَالِ الْقُوَّةِ الْمُدْرَكَةِ مَعَ وُجُودِهَا وَالْبَلَادَةُ عَدَمُهَا، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُغَفَّلِ الَّذِي لَا يَسْتَعْمِلُ مُدْرِكَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ (إلَّا فِيمَا) أَيْ شَيْءٍ وَاضِحٍ (لَا يُلْبَسُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ يَشْتَبِهُ بِغَيْرِهِ كَرَأَيْت فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا أَوْ قَطَعَ يَدَ فُلَانٍ أَوْ سَمِعْته يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ أَوْ يَعْتِقُ رَقِيقَهُ أَوْ يَقْذِفُ فُلَانًا.
الْمَازِرِيُّ إطْلَاقُ الْمُتَقَدِّمِينَ رَدَّ الشَّهَادَةِ بِالْبَلَهِ وَالْغَفْلَةِ قَيَّدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِمَا كَثُرَ مِنْ الْكَلَامِ وَالْجُمَلِ الْمُتَعَلِّقِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ لَا فِي نَحْوِ رَأَيْت هَذَا الشَّخْصَ يَفْعَلُ كَذَا.

(وَلَا) بِ (مُتَأَكِّدِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ مُثَقَّلَةً، أَيْ قَوِيِّ (الْقُرْبِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، أَيْ الْقَرَابَةِ لِلْمَشْهُودِ لَهُ (كَأَبٍ) لَهُ إنْ اتَّصَلَ بِهِ، بَلْ (وَإِنْ عَلَا) كَجَدٍّ وَأَبِيهِ (وَزَوْجِهِمَا) أَيْ الْأَبِ وَالْجَدِّ (وَوَلَدٍ) لِلْمَشْهُودِ لَهُ إنْ اتَّصَلَ بِهِ، بَلْ (وَإِنْ سَفُلَ) أَيْ نَزَلَ الْوَلَدُ (كَبِنْتٍ) فِي نُسْخَةٍ بِكَافِ التَّمْثِيلِ لِلْوَلَدِ وَفِي أُخْرَى بِاللَّامِ فَهِيَ مُبَالَغَةٌ ثَانِيَةٌ، أَيْ هَذَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ السَّافِلُ لِابْنٍ، بَلْ وَإِنْ كَانَ لِبِنْتٍ (وَزَوْجِهِمَا) أَيْ الِابْنِ وَالْبِنْتِ.

(وَشَهَادَةُ ابْنٍ مَعَ أَبٍ) شَهَادَةٌ (وَاحِدَةٌ) فَيُحْتَاجُ لِتَكْمِيلِ النِّصَابِ بِشَاهِدٍ آخَرَ أَوْ يَمِينٍ.
الْحَطّ هَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ بِجَوَازِ الْجَمِيعِ بِشَرْطِ التَّبْرِيزِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي اللُّبَابِ

كَكُلٍّ عِنْدَ الْآخَرِ، أَوْ عَلَى شَهَادَتِهِ، أَوْ حُكْمِهِ

[منح الجليل]

شَهَادَةُ الْأَبِ مَعَ وَلَدِهِ جَائِزَةٌ عَلَى الْقَوْلِ الْمَعْمُولِ بِهِ ابْنُ فَرْحُونٍ لَوْ شَهِدَ الْأَبُ مَعَ ابْنِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ جَازَتْ عَلَى الْقَوْلِ الْمَعْمُولِ بِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُوَثَّقِينَ شَهَادَتُهُمَا بِمَنْزِلَةِ شَهَادَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ الْقَوْلُ بِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ شَاهِدَيْنِ أَعْدَلُ، ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا شَهَادَةُ الْأَخَوَيْنِ فِي شَيْءٍ فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ ولَيْسَا كَالْأَبِ وَابْنِهِ.
طفى فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْأَبِ وَابْنِهِ شَهَادَتَانِ؛ لِأَنَّهُ الْأَقْوَى، أَوْ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ.
وَشَبَّهَ فِي الْإِلْغَاءِ فَقَالَ (كَ) شَهَادَةِ (كُلٍّ) مِنْ الْأَبِ وَابْنِهِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ (عِنْدَ الْآخَرِ) الْقَاضِي أَيْ لَا تُعْتَبَرُ شَهَادَةُ الْأَبِ عِنْدَ ابْنِهِ الْقَاضِي وَلَا شَهَادَةُ الِابْنِ عِنْدَ أَبِيهِ الْقَاضِي (أَوْ) شَهَادَةُ الْأَبِ (عَلَى شَهَادَتِهِ) أَيْ ابْنِهِ نَقْلًا عَنْهُ أَوْ شَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى شَهَادَةِ أَبِيهِ نَقْلًا عَنْهُ (أَوْ) شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى (حُكْمِهِ) أَيْ الْآخَرِ كُلُّ ذَلِكَ لَغْوٌ.
ابْنُ رُشْدٍ الْخِلَافُ فِي شَهَادَةِ الْأَبِ عِنْدَ ابْنِهِ وَالِابْنِ عِنْدَ أَبِيهِ وَشَهَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى شَهَادَةِ الْآخَرِ الْحُكْمُ فِيهَا سَوَاءٌ وَالِاخْتِلَافُ فِيهَا كُلُّهَا وَاحِدٌ فَقِيلَ كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ لِإِجَازَتِهِ شَهَادَةَ الْأَبِ عَلَى قَضَاءِ ابْنِهِ بَعْدَ عَزْلِهِ، وَإِجَازَتِهِ شَهَادَتَهُ عِنْدَهُ بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُبَرِّزًا، وَهَذَا تَفْسِيرُهُ لِقَوْلِهِ فِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعَةِ يَعْنِي مَعَ اشْتِرَاطِ التَّبْرِيزِ، وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ لِإِجَازَتِهِ شَهَادَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ شَهَادَةِ الْآخَرِ وَشَهَادَتَهُ لِمَنْعِهِ قَضَاءَهُ بَعْدَ عَزْلِهِ وَشَهَادَتَهُ عَلَى شَهَادَتِهِ، وَشَهَادَتَهُ عِنْدَهُ وَقِيلَ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ لِمَنْعِهِ شَهَادَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ شَهَادَةِ الْآخَرِ، وَهُوَ الْآتِي عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعَةِ.
وَفَرَّقَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ بَيْنَ شَهَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ صَاحِبِهِ وَشَهَادَتِهِ عَلَى شَهَادَتِهِ، وَبَيْنَ شَهَادَتِهِ عَلَى حُكْمِهِ بَعْدَ عَزْلِهِ فَأَجَازَهَا فِي الْأُولَيَيْنِ، وَمَنَعَهَا فِي الْأَخِيرَةِ وَهُوَ تَنَاقُضٌ اهـ. وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَقَوْلُهُ قَوْلُ مُطَرِّفٍ أَيْ الْجَوَازُ لَا فِي اشْتِرَاطِ التَّبْرِيزِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي بِهِ الْعَمَلُ وَلَا يُشْتَرَطُ التَّبْرِيزُ، وَلِذَا كُلُّ مَنْ دَرَجَ عَلَى مَا بِهِ الْعَمَلُ مِنْ كَوْنِ شَهَادَتِهِ شَهَادَتَيْنِ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّبْرِيزَ، لَيْسَ هَذَا الْحُكْمُ خَاصًّا بِالْأَبِ دَنِيَّةً، فَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ وَتَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ مَنَعَ ابْنُ سَحْنُونٍ إجَازَةَ الْقَاضِي شَهَادَةَ ابْنِهِ.

بِخِلَافِ أَخٍ لِأَخٍ إنْ بَرَّزَ، وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ، وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بِخِلَافِهِ،

[منح الجليل]

أَوْ ابْنِ ابْنِهِ عَلَى رَجُلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَا مُبَرِّزَيْنِ فِي الْعَدَالَةِ اهـ. وَأَمَّا شَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى خَطِّ أَبِيهِ فَعِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهَا حُكْمُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعَةِ، قَالَ وَفِي كُلٍّ قَوْلَانِ، وَمِنْ هَذَا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى خَطِّ أَبِيهِ.

(بِخِلَافِ) شَهَادَةِ (أَخٍ لِأَخِيهِ) فَتُقْبَلُ (إنْ بَرَّزَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ فَاقَ الشَّاهِدُ أَقَرَّ أَنَّهُ فِي عَدَالَتِهِ وَهُوَ لَازِمٌ وَاسْمُ فَاعِلِهِ مُبَرِّزٌ أَيْ ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ سَابِقٌ غَيْرَهُ مُقَدَّمٌ فِيهَا وَأَصْلُهُ مِنْ تَبْرِيزِ الْخَيْلِ فِي السَّبَقِ وَتَقَدُّمِ سَابِقِهَا وَهُوَ الْمُبَرِّزُ لِظُهُورِهِ وَبُرُوزِهِ قَالَهُ عِيَاضٌ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَبُولُ شَهَادَةِ الْأَخِ الْمُبَرِّزِ لِأَخِيهِ فِي الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَقَيَّدَ فِي تَوْضِيحِهِ إطْلَاقَ ابْنِ الْحَاجِبِ بِالْأَمْوَالِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ هُوَ فِي عِيَالِ رَجُلٍ لَهُ، وَكَذَا الْأَخُ وَالْأَجِيرُ إذَا كَانَا فِي عِيَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي عِيَالِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا إنْ كَانَا مُبَرِّزَيْنِ فِي الْعَدَالَةِ فِي الْأَمْوَالِ وَالتَّعْدِيلِ.
ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ تَقْيِيدِ شَهَادَتِهِ بِالْمَالِ.
ابْنُ رُشْدٍ أَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ فِي نِكَاحٍ وَمَنَعَهَا سَحْنُونٌ إنْ نَكَحَ مَنْ يَتَزَيَّنُ بِنِكَاحِهِ إلَيْهِمْ، وَفِي كَوْنِهِ تَفْسِيرَ الْقَوْلِ ابْنُ الْقَاسِمِ أَوْ خِلَافًا قَوْلَا ابْنِ دَحُونٍ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَجِرَاحُ الْخَطَأِ وَقَتْلُهُ كَالْمَالِ، وَفِي لَغْوَاهَا فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ وَصِحَّتِهَا نَقْلَا اللَّخْمِيِّ عَنْ مَعْرُوفِ الْمَذْهَبِ وَأَشْهَبَ مَعَ الْمَوَّازِيَّةِ، وَقَوْلُ أَصْبَغَ هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ، وَفِيهِ اخْتِلَافُ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى سَمَاعِ زُونَانَ.
أَشْهَبُ تَجُوزُ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ تَجُوزُ فِي قَتْلِهِ وَالْحُدُودِ.
اللَّخْمِيُّ لَا تَجُوزُ فِي أَنَّ فُلَانًا قَذَفَهُ فَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُبَرِّزِ لِأَخِيهِ إنْ كَانَتْ بِمَالٍ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَتْ (بِتَعْدِيلٍ) لِلْأَخِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ (تُؤُوِّلَتْ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَالْهَمْزِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مُثَقَّلًا أَيْ فُهِمَتْ الْمُدَوَّنَةُ (بِخِلَافِهِ) أَيْ عَدَمِ تَعْدِيلِ الْمُبَرِّزِ أَخَاهُ.
عب كَذَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ وَتت، وَقَرَّرَهُ " ق " بِمَا يُفِيدُهُ أَنَّهَا تُؤُوِّلَتْ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّبْرِيزِ فِي شَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا وَالْمُعْتَمَدُ اشْتِرَاطُ التَّبْرِيزِ.
الْبُنَانِيُّ وَيَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِمَا مَعًا بِأَنَّ مَعْنَاهُ وَتُؤُوِّلَتْ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَهَذَا أَفْيَدُ.
أَمَّا التَّأْوِيلَانِ

كَأَجِيرٍ، وَمَوْلَى وَمُلَاطِفٍ وَمُفَاوِضٍ فِي غَيْرِ مُفَاوَضَةٍ، وَزَائِدٍ

[منح الجليل]

فِي اشْتِرَاطِ التَّبْرِيزِ وَعَدَمِهِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالْقَوْلُ بِاشْتِرَاطِ التَّبْرِيزِ هُوَ الَّذِي فِي أَوَّلِ شَهَادَاتِ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي أَثْنَائِهَا.
وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فَحَمَلَهُ الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ خِلَافٌ كَمَا فَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ مَا فِي أَوَّلِ الشَّهَادَاتِ قَيْدٌ لِغَيْرِهِ.
وَأَمَّا مَا فِي التَّعْدِيلِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَفِي جَوَازِ تَعْدِيلِهِ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ مَا نَصُّهُ الْجَوَازُ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ بِشَرْطِ التَّبْرِيزِ لِقَوْلِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَخُ وَالْأَجِيرُ فِي الْعِيَالِ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا إذَا كَانَا مُبَرِّزَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ وَالتَّعْدِيلِ، وَعَلَى هَذَا حَمَلَهَا الْأَكْثَرُونَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ بِالتَّعْدِيلِ هُنَا تَعْدِيلُ مَنْ شَهِدَ لِأَخِيهِ بِمَالٍ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمَالِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُجَرَّحُ مَنْ جَرَّحَ أَخَاهُ، وَعَلَى الثَّانِي لَا يُجَرَّحُ مَنْ جَرَّحَهُ.
وَشَبَّهَ فِي اشْتِرَاطِ التَّبْرِيزِ فَقَالَ (كَأَجِيرٍ) يَشْهَدُ لِمَنْ اسْتَأْجَرَ.
فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إنْ كَانَ مُبَرِّزًا وَلَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِ الْمَشْهُودِ لَهُ (وَ) كَ (مَوْلَى) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ أَسْفَلَ يَشْهَدُ لِمُعْتِقِهِ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إنْ كَانَ مُبَرِّزًا وَلَيْسَ فِي عِيَالِهِ.
أَبُو الْحَسَنِ وَأَمَّا شَهَادَةُ الْأَعْلَى لِلْأَسْفَلِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّبْرِيزُ (وَ) كَصَدِيقٍ (مُلَاطِفٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِصَدِيقِهِ إنْ كَانَ مُبَرِّزًا وَلَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ.
الْحَطّ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالرَّجُلِ الَّذِي يُلَاطِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَمَعْنَى اللُّطْفِ الْإِحْسَانُ وَالْبِرُّ وَالتَّكْرِمَةُ وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِي تَسْمِيَتِهِ تَعَالَى لَطِيفًا، وَلَوْ كَانَتْ الْمُلَاطَفَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ كَانَتْ كَمَسْأَلَةِ الْأَخَوَيْنِ اللَّذَيْنِ يَنَالُ أَحَدُهُمَا بِرَّ الْآخَرِ وَصِلَتَهُ قَالَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ ابْنُ فَرْحُونٍ هُوَ الَّذِي قِيلَ فِيهِ.
إنَّ أَخَاك الْحَقَّ مَنْ كَانَ مَعَك ... وَمَنْ يَضُرُّ نَفْسَهُ لِيَنْفَعَك وَمَنْ إذَا رَيْبُ الزَّمَانِ صَدَّعَك ... شَتَّتَ فِيك شَمْلَهُ لِيَجْمَعَك اهـ. وَقَلَّ أَنْ يُوجَدَ هَذَا، فَتَفْسِيرُ التَّنْبِيهَاتِ أَوْلَى.
(وَ) كَشَرِيكٍ (مُفَاوِضٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَاءٍ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا فَضَادٌ مُعْجَمَةٌ يَشْهَدُ لِشَرِيكِهِ (فِي غَيْرِ) مَالِ (مُفَاوَضَةٍ) فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إنْ بَرَّزَ فِي عَدَالَتِهِ (وَ) كَشَاهِدٍ (زَائِدٍ) فِي شَهَادَتِهِ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ أَوَّلًا بِأَنْ شَهِدَ لِزَيْدٍ عَمْرٌو بِعَشَرَةٍ ثُمَّ رَجَعَ لِشَهَادَتِهِ لَهُ عَلَيْهِ

أَوْ مُنَقِّصٍ، وَذَاكِرٍ بَعْدَ شَكٍّ

وَتَزْكِيَةٍ وَإِنْ بِحَدٍّ مِنْ مَعْرُوفٍ، إلَّا الْغَرِيبَ:

[منح الجليل]

بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَتُقْبَلُ إنْ كَانَ مُبَرِّزًا (أَوْ مُنَقِّصٍ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا عَمَّا شَهِدَ بِهِ أَوَّلًا كَعَكْسِ الْمِثَالِ السَّابِقِ، فَيُقْبَلُ إنْ بَرَّزَ.
(وَ) كَشَاهِدٍ (ذَاكِرٍ) أَيْ مُتَذَكِّرٍ لِمَا شَهِدَ بِهِ (بَعْدَ شَكٍّ) مِنْهُ فِيهِ.
ابْنُ رُشْدٍ إذَا سُئِلَ الشَّخْصُ عَنْ شَهَادَةٍ فِي مَرَضِهِ لِتُنْقَلَ عَنْهُ أَوْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ تَحْصِينًا أَوْ سُئِلَ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِيَشْهَدَ بِهَا فَأَنْكَرَهَا، وَقَالَ لَا عِلْمَ عِنْدِي مِنْهَا ثُمَّ جَاءَ يَشْهَدُ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ إذَا كَانَ مُبَرِّزًا فِي الْعَدَالَةِ.
وَأَمَّا لَوْ لَقِيَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فَقَالَ لَهُ بَلَغَنِي أَنَّك تَشْهَدُ عَلَيَّ بِكَذَا فَقَالَ لَهُ لَا أَشْهَدُ عَلَيْك بِكَذَا وَلَا عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ، وَإِنْ شَهِدْت فَشَهَادَتِي بَاطِلَةٌ فَلَا يَقْدَحُ هَذَا فِي شَهَادَتِهِ وَلَا يَضُرُّهَا، وَإِنْ كَانَ عَلَى قَوْلِهِ بَيِّنَةٌ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ.
وَأَمَّا إذَا قَالَ الشَّاهِدُ بَعْدَ شَهَادَتِهِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إنْ كُنْت شَهِدْت عَلَيْك بِكَذَا فَأَنَا مُبْطِلٌ، فَهَذَا رُجُوعٌ عَنْ الشَّهَادَةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ خِلَافًا.

(وَ) كَشَاهِدٍ فِي (تَزْكِيَةٍ) لِشَاهِدٍ فَتُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُ إنْ بَرَّزَ وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ بِمَالٍ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ (بِ) مُوجِبِ (حَدٍّ) كَقَتْلٍ وَرِدَّةٍ وَزِنًا وَقَذْفٍ وَسُكْرٍ.
الْبَاجِيَّ يَجُوزُ التَّعْدِيلُ فِي الدِّمَاءِ وَغَيْرِهَا قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا يَكُونُ التَّعْدِيلُ فِي الدِّمَاءِ وَلَا يُقْضَى بِهِ، وَيُزَادُ عَلَى شَرْطِ التَّبْرِيزِ كَوْنُ التَّزْكِيَةِ (مِنْ) شَخْصٍ (مَعْرُوفٍ) عِنْدَ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ فَلَا تُقْبَلُ التَّزْكِيَةُ مِنْ مَعْرُوفٍ بِهَا عِنْدَهُ (إلَّا) الشَّاهِدَ (الْغَرِيبَ) فَتُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُ مِنْ غَيْرِ مَعْرُوفٍ بِهَا عِنْدَهُ، وَمِثْلُ الْغَرِيبِ الْمَرْأَةُ.
ابْنُ عَاشِرٍ.
تَعْدِيلٌ احْتَاجَ لِتَعْدِيلٍ هَبَا ... إلَّا عَدَالَة النَّسَا وَالْغُرَبَا أَيْ إلَّا تَعْدِيلَ النِّسَاءِ وَالْغُرَبَاءِ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِمَّنْ يَحْتَاجُ لِلتَّعْدِيلِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَعْرُوفٍ عِنْدَ الْقَاضِي وَالْهَبَاءُ مَا يُرَى فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ الدَّاخِلِ مِنْ كُوَّةٍ مِثْلُ الْغُبَارِ " غ " أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِهَا فِي كِتَابِ اللُّقَطَةِ وَإِنْ شَهِدَ قَوْمٌ عَلَى حَقٍّ فَعَدَّلَهُمْ قَوْمٌ غَيْرُ مَعْرُوفِينَ فَعَدَّلَ الْمُعَدِّلِينَ

بِأَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا

[منح الجليل]

آخَرُونَ، فَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ غُرَبَاءَ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْبَلُ عَدَالَةً عَلَى عَدَالَةٍ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ حَتَّى تَكُونَ عَدَالَةُ الشُّهُودِ أَنْفُسِهِمْ عِنْدَ الْقَاضِي.
وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ التَّزْكِيَةِ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ (أَشْهَدُ بِأَنَّهُ) أَيْ الشَّاهِدَ الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ (عَدْلٌ رِضًى) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورًا مُنَوَّنًا، أَيْ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ.
ابْنُ الْجَلَّابِ لَا يُجْزِئُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا.
وَقَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ الْمَعْلُومُ مِنْ الْمَذْهَبِ إجْزَاؤُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ أَشْهَدُ فَلَا يُجْزِئُ أَعْلَمُ أَوْ أَعْرِفُ قَالَهُ تت.
طفى تَبِعَ قَوْلَ الْبِسَاطِيِّ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ أَشْهَدُ، فَلَوْ قَالَ هُوَ عَدْلٌ رِضًى فَلَا يَكْفِي عَلَى الْمَشْهُورِ.
اهـ. وَهُوَ تَابِعٌ لِقَوْلِ الْمُوَضِّحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَيَكْفِي فِي التَّعْدِيلِ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًى، وَقِيلَ أَوْ أَعْلَمُهُ أَوْ أَعْرِفُهُ يَعْنِي أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ، وَالثَّانِي يَكْفِي عِنْدَهُ أَشْهَدُ أَوْ أَعْلَمُهُ عَدْلًا رِضًى أَوْ أَعْرِفُهُ.
اهـ. وَهَذَا مُرَادُهُ فِي مُخْتَصَرِهِ لِإِدْخَالِ الْجَارِّ عَلَى الْفِعْلِ قَاصِدًا حِكَايَةَ لَفْظِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ هُوَ مُرَادُ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لَا بُدَّ مِنْ الْجَزْمِ بِأَنَّهُ عَدْلٌ، سَوَاءٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ أَشْهَدُ أَوْ بِغَيْرِهِ وَلَا يَقُولُ أَعْلَمُهُ وَلَا أَعْرِفُهُ، وَعَلَى هَذَا شَرَحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، فَقَالَ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ اخْتَارَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَقُولَ الْمُزَكِّي هَذَا الشَّاهِدُ عَدْلٌ رِضًى اهـ. اللَّخْمِيُّ إنْ قَالَ هُوَ عَدْلٌ رِضًى صَحَّتْ الْعَدَالَةُ.
الْمَازِرِيُّ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَفْظُ التَّعْدِيلِ.
أَنْ يَقُولَ هُوَ عَدْلٌ رِضًى.
اهـ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَفْظُ أَشْهَدُ خِلَافًا لِلْمُصَنِّفِ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ بِقَوْلِهِ لَمْ أَقِفْ عَلَى اشْتِرَاطِ لَفْظِ أَشْهَدُ فِي التَّزْكِيَةِ، وَالرِّوَايَاتُ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ.
وَرَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ يَكْفِي إلَخْ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ وَسَحْنُونٌ يَقُولُ هُوَ عَدْلٌ رِضًى جَائِزُ الشَّهَادَةِ يَجْمَعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ اخْتَارَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ قَوْلِهِ هُوَ عِنْدِي مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَالرِّضَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا اكْتَفَى بِهِ لِذِكْرِهِ تَعَالَى كُلَّ لَفْظٍ وَحْدَهُ.
قُلْت وَهُوَ نَقْلُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

ابْنُ فَتُّوحٍ عَنْ الْمَذْهَبِ.
اللَّخْمِيُّ إنْ قَالَ عَدْلٌ رِضًى صَحَّتْ الْعَدَالَةُ، وَاخْتُلِفَ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى إحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ هَلْ هُوَ تَعْدِيلٌ أَمْ لَا، فَإِنْ قَالَ إحْدَاهُمَا وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ الْأُخْرَى فَهُوَ تَعْدِيلٌ لِوُرُودِ الْقُرْآنِ بِقَبُولِ شَهَادَةِ مَنْ وُصِفَ بِإِحْدَاهُمَا، وَإِنْ سُئِلَ عَنْ الْأُخْرَى فَوَقَفَ فَهِيَ رِيبَةٌ فِي تَعْدِيلِهِ فَيُسْأَلُ عَنْ سَبَبِ وَقْفِهِ، فَقَدْ يَكُونُ مِمَّا لَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ أَوْ يَذْكُرُ مَا يُرِيبُ فَيُوقَفُ عَنْهُ.
وَفِي الْجَلَّابِ وَالتَّزْكِيَةُ أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ أَنْ نَشْهَدَ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًى، وَلَا يَقْتَصِرَانِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ مِنْ الْعَدْلِ وَالرِّضَى.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي كَوْنِ إحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ لَا تَكْفِي وَهُوَ الَّذِي فِي الْجَلَّابِ، وَفِي الْكَافِي هُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَقَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ الْمَعْلُومُ مِنْ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ، وَأَنَّهُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَجْزَأَهُ وَهُوَ الْمَعْلُومُ لِمَالِكٍ وَسَحْنُونٍ وَغَيْرِهِمَا وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ التَّفْصِيلَ الْمُتَقَدِّمَ، فَالْأَوْلَى الْإِشَارَةُ إلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) الْقَرَافِيُّ قَاعِدَةُ اللَّفْظِ الَّذِي يَصِحُّ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ بِهِ وَمَا لَا يَصِحُّ أَدَاؤُهَا بِهِ.
اعْلَمْ أَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ لَا يَصِحُّ بِالْخَبَرِ أَلْبَتَّةَ، فَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ لِلْحَاكِمِ أَنَا أُخْبِرُك أَنَّ لِزَيْدٍ عِنْدَ عَمْرٍو دِينَارًا عَنْ يَقِينٍ مِنِّي وَعِلْمٍ بِهِ فَلَا يُعَدُّ شَهَادَةً، بَلْ هَذَا وَعْدٌ مِنْ الشَّاهِدِ لَهُ أَنَّهُ سَيُخْبِرُهُ بِهِ عَنْ يَقِينٍ فَلَا يَعْتَمِدُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ قَدْ أَخْبَرْتُك بِكَذَا فَهُوَ كَاذِبٌ، إذْ مُقْتَضَاهُ تَقَدُّمُ إخْبَارِهِ بِهِ وَلَمْ يَقَعْ، فَالْمُضَارِعُ وَعْدٌ وَالْمَاضِي كَذِبٌ، وَكَذَا اسْمُ الْفَاعِلِ الْمُقْتَضِي لِلْحَالِ كَأَنَا مُخْبِرُك بِكَذَا، فَإِنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ إخْبَارِهِ فِي الْحَالِ، وَلَمْ يَقَعْ فَظَهَرَ أَنَّ الْخَبَرَ كَيْفَ تَصَرَّفَ لَا يُعَدُّ شَهَادَةً وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْحَاكِمُ لِلشَّاهِدِ بِأَيِّ شَيْءٍ تَشْهَدُ فَقَالَ حَضَرْت عِنْدَ فُلَانٍ، فَسَمِعْته يُقِرُّ لِفُلَانٍ بِكَذَا أَوْ أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ بِكَذَا، أَوْ شَهِدْت بِصُدُورِ الْبَيْعِ بَيْنَهُمَا أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ، فَلَيْسَ هَذَا أَدَاءُ شَهَادَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مُخْبِرٌ عَنْ أَمْرٍ تَقَدَّمَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ بَعْدُ عَلَى مَا مَنَعَ الشَّهَادَةَ بِهِ مِنْ فَسْخٍ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

أَوْ إقَالَةٍ أَوْ حُدُوثِ رِيبَةٍ لِلشَّاهِدِ تَمْنَعُ الْأَدَاءَ فَلَا يَجُوزُ لِهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الِاعْتِمَادُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذَا صَدَرَ بِهِنَّ الشَّاهِدُ، فَالْخَبَرُ كَيْفَ تَقَلَّبَ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إنْشَاءِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْوَاقِعَةِ الْمَشْهُودِ بِهَا وَالْإِنْشَاءُ لَيْسَ بِخَبَرٍ، وَلِذَا لَا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ، فَإِذَا قَالَ الشَّاهِدُ أَشْهَدُ بِكَذَا كَانَ إنْشَاءً، وَلَوْ قَالَ شَهِدْت لَمْ يَكُنْهُ.
عَكْسُ الْبَيْعِ لَوْ قَالَ أَبِيعُك لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً لَهُ، بَلْ وَعْدٌ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ.
وَلَوْ قَالَ بِعْتُك كَانَ إنْشَاءً لِلْبَيْعِ، فَإِنْشَاءُ الشَّهَادَةِ بِالْمُضَارِعِ وَالْعُقُودِ بِالْمَاضِي وَإِنْشَاءُ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ بِالْمَاضِي وَاسْمِ الْفَاعِلِ نَحْوِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتَ حُرٌّ وَلَا يَنْشَأُ الْبَيْعُ وَالشَّهَادَةُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ، فَلَوْ قَالَ أَنَا شَاهِدٌ بِكَذَا أَوْ أَنَا بَائِعٌ، كَذَا لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً.
وَسَبَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الْوَضْعُ الْعُرْفِيُّ، فَمَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْعُرْفِ لِلْإِنْشَاءِ فَهُوَ إنْشَاءٌ وَمَا لَا فَلَا فَاتُّفِقَ أَنَّهُمْ وَضَعُوا لِلْإِنْشَاءِ الْمَاضِيَ فِي الْعُقُودِ، وَالْمُضَارِعَ فِي الشَّهَادَةِ وَاسْمَ الْفَاعِلِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَوْضُوعَةً لِلْإِنْشَاءِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ صَحَّ اعْتِمَادُ الْحَاكِمِ عَلَى الْمُضَارِعِ فِي الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ صَرِيحٌ فِيهِ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الصَّرِيحِ هُوَ الْأَصْلُ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى غَيْرِهِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمُرَادِ مِنْهُ، فَإِنْ اتَّفَقَ تَغَيُّرُ الْعُرْفِ وَصَارَ الْمَاضِي مَوْضُوعًا لِإِنْشَاءِ الشَّهَادَةِ وَالْمُضَارِعُ لِإِنْشَاءِ الْعُقُودِ اعْتَمَدَ الْحَاكِمُ عَلَى الْعُرْفِ الطَّارِئِ، وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْعُرْفِ الْأَوَّلِ الَّذِي تُرِكَ فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ نَاشِئٌ عَنْ الْعَوَائِدِ وَتَابِعٌ لَهَا، وَأَنَّهُ يَنْقَلِبُ وَيَنْتَسِخُ بِتَغَيُّرِهَا وَانْقِلَابِهَا فَلَا يَبْقَى بَعْدَ هَذَا خَفَاءٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا تُؤَدَّى بِهِ الشَّهَادَةُ وَمَا لَا تُؤَدَّى بِهِ اهـ. طفى جَعْلُهُ أَشْهَدُ إنْشَاءً لَا يَصِحُّ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا، لِقَوْلِ الْجَوْهَرِيِّ الشَّهَادَةُ خَبَرٌ قَاطِعٌ تَقُولُ مِنْهُ شَهِدَ فُلَانٌ عَلَى كَذَا، وَقَوْلُ ابْنِ فَارِسٍ فِي مُجْمَلِهِ الشَّهَادَةُ خَبَرٌ عَنْ عِلْمٍ، وَقَوْلُ فَخْرِ الدَّيْنِ أَشْهَدُ إخْبَارٌ عَنْ الشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحُكْمُ الذِّهْنِيُّ الْمُسَمَّى كَلَامَ النَّفْسِ، وَكَذَا هُوَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ لِوَصْفِ الشَّاهِدِ بِالصِّدْقِ وَالزُّورِ، وَهُمَا مِنْ عَوَارِضِ الْخَبَرِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا اخْتَارَهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ عَامًّا فَهِيَ الرِّوَايَةُ، وَإِنْ كَانَ خَاصًّا فَهِيَ الشَّهَادَةُ.

مِنْ فَطِنٍ

[منح الجليل]

فَإِنْ قُلْت لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ جَعْلِ لَفْظِ أَشْهَدُ إنْشَاءً، وَالشَّهَادَةِ خَبَرًا، كَمَا قَالَ الْمَحَلِّيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ الْإِخْبَارُ عَنْ عَامٍّ لَا تُدَافَعُ فِيهِ الرِّوَايَةُ، وَخِلَافُهُ الشَّهَادَةُ وَأَشْهَدُ إنْشَاءٌ تَضَمَّنَ إخْبَارًا لَا مَحْضَ إخْبَارٍ أَوْ إنْشَاءٍ، وَعَلَى الْمُخْتَارِ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِ أَشْهَدُ إنْشَاءً وَبَيْنَ كَوْنِ مَعْنَى الشَّهَادَةِ إخْبَارًا؛ لِأَنَّهُ صِيغَةٌ مُؤَدِّيَةٌ لِذَلِكَ الْمَعْنَى بِمُتَعَلِّقِهِ.
قُلْت الشَّهَادَةُ مَصْدَرُ أَشْهَدُ فَيَلْزَمُ مِنْ جَعْلِ أَحَدِهِمَا إنْشَاءً كَوْنُ الْآخَرِ كَذَلِكَ، وَمِنْ النَّظَرِ إلَى الْمُتَعَلِّقِ فِي أَحَدِهِمَا كَوْنُ الْآخَرِ كَذَلِكَ، فَلَا مَعْنَى لِلْمُخَالَفَةِ بَيْنَهُمَا كَمَا صَنَعَ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَالْمُحَلَّى، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَشْهَدُ إنْ سُلِّمَ أَنَّهُ إنْشَاءٌ لَزِمَ كَوْنُهُ إنْشَاءً لِذَلِكَ الْخَبَرِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَرَافِيُّ، فَإِنْ نَظَرْنَا إلَى الْمُتَعَلِّقِ فَخَبَرَانِ وَإِلَّا فَإِنْشَاءَانِ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا، وَصَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ بَنَى مَا ذَكَرَهُ عَلَى مَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّةَ عِنْدَهُمْ حَصْرُ الشَّهَادَةِ فِي لَفْظِ أَشْهَدُ، فَكَأَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ الْخَبَرِ، فَحَصْرُ الْقَرَافِيِّ الشَّهَادَةَ فِيهِ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، إذْ لَمْ يَشْتَرِطُوا لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ صِيغَةً مَخْصُوصَةً، بَلْ قَالُوا الدَّارُ عَلَى حُصُولِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَدَاءُ عُرْفًا إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ بِشَهَادَتِهِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ.
فِي النَّوَادِرِ قَوْلُهُ هَذِهِ شَهَادَتِي أَدَاءٌ لَهَا، وَالْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَتَقَرَّرَ عِنْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ مَعَ تَوَفُّرِ الْعُلَمَاءِ فِي زَمَانِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَرَفَةَ فِي حَصْرِ الْقَرَافِيِّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ فِي لَفْظِ أُؤَدِّي الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِعُرْفٍ تَقَرَّرَ بَعِيدٌ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَرَافِيُّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ.
وَنَقَلَ شَمْسُ الدِّينِ الْحَنْبَلِيُّ الدِّمَشْقِيُّ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَظَاهِرَ كَلَامِ ابْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ لَفْظُ أَشْهَدُ، بَلْ مَتَى قَالَ الشَّاهِدُ رَأَيْت كَذَا أَوْ سَمِعْت كَذَا وَنَحْوَ ذَلِكَ كَانَتْ شَهَادَةً مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَلَا وَرَدَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَمَنْ تَصَفَّحَ نُصُوصَ الْمَالِكِيَّةِ عَلِمَ بُطْلَانَ حَصْرِ الْقَرَافِيِّ الشَّهَادَةَ فِي لَفْظِ أَشْهَدُ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ التَّزْكِيَةِ (مِنْ) شَخْصٍ (فَطِنٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ

عَارِفٍ لَا يُخْدَعُ؛ مُعْتَمِدٍ عَلَى طُولِ عِشْرَةٍ، لَا سَمَاعٍ مِنْ سُوقِهِ، أَوْ مَحَلَّتِهِ، إلَّا لِتَعَذُّرٍ

[منح الجليل]

ذِي فَطَانَةٍ وَنَبَاهَةٍ لَا يُخْدَعُ (عَارِفٍ) صِفَاتِ الْعُدُولِ وَأَضْدَادِهَا وَأَحْوَالِ النَّاسِ بِمُخَالَطَتِهِ لَهُمْ فَلَا يَغْتَرُّ بِظَوَاهِرِهِمْ، إذْ كَمْ مِنْ ظَاهِرٍ مُمَوَّهٍ عَلَى بَاطِنٍ مُشَوَّهٍ (لَا يُخْدَعُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ.
الْبِسَاطِيُّ هَذَا تَفْسِيرُ الْفَطِنِ يَزِيدُهُ أَيْضًا (مُعْتَمِدٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ فِي مَعْرِفَةِ حَالِ مُزَكَّاهُ (عَلَى طُولِ عِشْرَةٍ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، أَيْ خُلْطَةٍ مَعَ مُزَكَّاهُ وَأَشْعَرَ تَذْكِيرُهُ الْأَوْصَافَ بِأَنَّ النِّسَاءَ لَا يُزَكِّينَ رِجَالًا وَلَا نِسَاءً وَهُوَ كَذَلِكَ (لَا) مُعْتَمِدٍ عَلَى (سَمَاعٍ) مِنْ مَحْصُورِينَ.
وَأَمَّا السَّمَاعُ الْفَاشِي مِنْ الْعُدُولِ وَغَيْرِهِمْ فَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْمُزَكِّي كَمَا سَيَأْتِي أَنَّ بَيِّنَةَ السَّمَاعِ يَثْبُتُ بِهَا التَّعْدِيلُ.
الْبُنَانِيُّ لَمَّا عَارَضَ هَذَا مَا يَأْتِي مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي التَّعْدِيلِ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِتَخْصِيصِ هَذَا بِالسَّمَاعِ مِنْ مُعَيَّنٍ فَلَا يُقْبَلُ مِنْ الْمُعَدِّلِينَ وَالْمُجَرِّحِينَ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا فُلَانًا وَفُلَانًا يَشْهَدَانِ أَنَّ فُلَانًا عَدْلٌ رِضًى أَوْ غَيْرُ عَدْلٍ نَقَلَهُ الْعَوْفِيُّ عَنْ سَحْنُونٍ، قَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ عَلَى شَهَادَتِهِ أَشْهَدَهُمْ عَلَى التَّزْكِيَةِ أَوْ التَّجْرِيحِ وَوَفَّقَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بِتَوْفِيقٍ آخَرَ فَحَمَلَ مَا هُنَا عَلَى شَهَادَتِهِ بِالْقَطْعِ مُعْتَمِدًا عَلَى سَمَاعٍ فَاشِيًا كَانَ أَمْ لَا، وَمَا يَأْتِي عَلَى الشَّهَادَةِ بِالسَّمَاعِ وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ التَّوْفِيقَيْنِ.
ابْنُ عَاشِرٍ إذَا كَفَى فِي التَّعْدِيلِ السَّمَاعُ الْفَاشِي ضَاعَتْ هَذِهِ الْقُيُودُ، أَيْ مُعْتَمِدًا عَلَى طُولِ عِشْرَةٍ إلَخْ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمُزَكِّي (مِنْ) أَهْلِ سُوقِهِ أَيْ الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ (أَوْ) أَهْلِ (مَحِلَّتِهِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدَّ اللَّامِ، أَيْ مَحِلِّ حُلُولِ وَسُكْنَى الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُمْ أَدْرَى بِأَحْوَالِهِ.
" غ " لَيْسَ الْجَارُّ مُتَعَلِّقًا بِسَمَاعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ صِفَاتِ تَزْكِيَةٍ بِحَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ مِنْ أَهْلِ سُوقِهِ أَوْ مَحِلَّتِهِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ وَتَزْكِيَةٌ حَاصِلَةٌ مِنْ مَعْرُوفٍ وَمِنْ فَطِنٍ وَمِنْ أَهْلِ سُوقِهِ أَوْ مَحِلَّتِهِ، وَأَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُ مِنْ جِيرَانِهِ وَأَهْلِ سُوقِهِ وَمَحِلَّتِهِ لَا مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ وُقُوفَهُمْ عَنْ تَعْدِيلِهِ مَعَ كَوْنِهِمْ أَقْعَدَ بِهِ رِيبَةٌ فِي تَعْدِيلِهِ (إلَّا لِتَعَذُّرٍ) لِتَزْكِيَتِهِ مِنْ أَهْلِ سُوقِهِ أَوْ مَحِلَّتِهِ لِعَدَمِ تَبْرِيزِهِمْ فَيُقْبَلُ تَعْدِيلُهُ مِنْ غَيْرِهِمْ.

وَوَجَبَتْ؛ إنْ تَعَيَّنَ كَجَرْحٍ، إنْ بَطَلَ حَقٌّ.

وَنُدِبَ تَزْكِيَةُ سِرٍّ مَعَهَا

[منح الجليل]

اللَّخْمِيُّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَدْلٌ قُبِلَ مِنْ سَائِرِ بَلَدِهِ، وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَلَا يُزَكَّى الشَّاهِدَ إلَّا أَهْلُ مَسْجِدِهِ وَسُوقِهِ وَجِيرَانُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ، رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَبِهِ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ أَوْ يَكُونَ مِنْ قَوْمٍ مُبْرِزِينَ بِالْعَدَالَةِ، وَفِي التَّوْضِيحِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَدِّلُوهُ أَهْلَ بَرَازَةٍ فِي الْعَدَالَةِ وَالْفَضْلِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إلَّا الْمُبَرِّزَ بَدَلَ قَوْلِهِ إلَّا لِتَعَذُّرٍ كَأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ، أَوْ قَوْلِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَدِّلُوهُ أَهْلَ بَرَازَةٍ.

(وَوَجَبَ) التَّعْدِيلُ (إنْ تَعَيَّنَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ انْحَصَرَتْ مَعْرِفَةُ أَحْوَالِ الْمُزَكِّي فِي مُبْرِزِينَ وَتَوَقَّفَ عَلَيْهِ ثُبُوتُ حَقٍّ أَوْ بُطْلَانُ بَاطِلٍ.
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ عَلِمَ عَدَالَةَ شَخْصٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْحُقُوقِ إلَّا أَنْ يَجِدَ غَيْرَهُ فَهُوَ فِي سَعَةٍ، فَإِنْ عَرَفَ عَدَالَةَ الشَّاهِدِ أَرْبَعَةٌ مُبَرِّزُونَ وَجَبَ عَلَى أَيِّ اثْنَيْنِ كِفَايَةً، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا إلَّا اثْنَانِ فَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَيْهِمَا، وَمَحِلُّ الْوُجُوبِ بِقِسْمَيْهِ إنْ طُلِبَتْ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ، فَإِنْ لَمْ تُطْلَبْ فِي حَقِّهِ فَلَا تَجِبُ، وَأَمَّا فِي مَحْضِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِالتَّزْكِيَةِ إنْ اُسْتُدِيمَ تَحْرِيمُهُ كَمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَةِ.
وَشَبَّهَ فِي الْوُجُوبِ فَقَالَ (كَجَرْحٍ) أَيْ تَجْرِيحِ شَاهِدٍ فَيَجِبُ (إنْ بَطَلَ) بِتَرْكِهِ (حَقٌّ) تت الشَّرْطُ فِي هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
طفى بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِهَذِهِ مِنْ قَاعِدَتِهِ مِنْ رُجُوعِ الشَّرْطِ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ، وَيَكْفِي الْأَوَّلُ قَوْلُهُ إنْ تَعَيَّنَ.
الْحَطّ وَعَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ شَهِدَ الشَّاهِدُ بِحَقٍّ وَأَنْتَ تَعْلَمُ جَرْحَتَهُ فَهَلْ يَجُوزُ لَك أَنْ تَجْرَحَهُ؟ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ قَوْلَيْنِ، وَرَجَّحَ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ بِجَرْحَتِهِ.

(وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (تَزْكِيَةُ سِرٍّ مَعَهَا) أَيْ تَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُشَابُ بِالْمُدَاهَنَةِ، فَإِنْ أَقْصَرَ عَلَى تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ أَجْزَأَتْ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا تُجْزِئُ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى تَزْكِيَةِ السِّرِّ أَجْزَأَتْ اتِّفَاقًا، وَيَكْفِي فِي نَدْبِ الْجَمْعِ تَزْكِيَةُ وَاحِدٍ سِرًّا

مِنْ مُتَعَدِّدٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الِاسْمَ،

[منح الجليل]

وَيُنْدَبُ تَعَدُّدُهُ، فَفِيهِ مَنْدُوبَانِ، وَتَجُوزُ التَّزْكِيَةُ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ إنْ عَرَفَ الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ اسْمَ الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ، بَلْ (وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ) الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ (الِاسْمَ) لِلْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ، هَكَذَا أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَقَيَّدَهُ الْمُتَيْطِيُّ بِمَنْ اُشْتُهِرَ بِكُنْيَتِهِ أَوْ لَقَبِهِ، وَرُبَّ مَشْهُورٍ بِكُنْيَتِهِ أَوْ لَقَبِهِ وَلَا يُعْرَفُ اسْمُهُ كَأَشْهَبَ اسْمُهُ مِسْكِينٌ وَسَحْنُونٌ اسْمُهُ عَبْدُ السَّلَامِ وَإِلَّا فَيَبْعُدُ مَعَ طُولِ الْعِشْرَةِ عَدَمُ مَعْرِفَةِ الِاسْمِ أَفَادَهُ تت.
" وغ " وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الِاسْمَ، كَذَا فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مَنْ عَدَّلَ رَجُلًا لَمْ يَعْرِفْ اسْمَهُ قَبْلَ تَعْدِيلِهِ، وَجَعَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ كَالْمُنَافِي لِقَوْلِ سَحْنُونٍ فِي نَوَازِلِهِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُزَكِّيَ رَجُلًا إلَّا رَجُلًا قَدْ خَالَطَهُ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَسَافَرَ مَعَهُ وَرَافَقَهُ، وَلِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا يُزَكِّيه حَتَّى تَطُولَ الْمُخَالَطَةُ بَيْنَهُمَا، فَيَعْلَمَ بَاطِنَهُ كَمَا يَعْلَمُ ظَاهِرَهُ، قَالَ يُرِيدُ عِلْمَ بَاطِنِهِ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ لَا أَنَّهُ يَقْطَعُ بِذَلِكَ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَانْظُرْ قَبُولَ سَحْنُونٍ تَزْكِيَةَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الِاسْمَ مَعَ تَعَقُّبِ بَعْضِ أَهْلِ الزَّمَانِ تَزْكِيَةَ الشَّاهِدِ بَعْضَ الْعَوَامّ مَعَ شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ بِالتَّعْرِيفِ بَعْدَ تَزْكِيَتِهِ إيَّاهُ أَوْ قَبْلَهَا بِقَرِيبٍ.
اهـ. وَاَلَّذِي فِي أَصْلِ الْمُتَيْطِيِّ وَيَجُوزُ تَزْكِيَةُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَهُ إذَا اُشْتُهِرَ بِكُنْيَتِهِ أَوْ لَقَبٍ لَا يَعِزُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ، وَرُبَّ رَجُلٍ مَشْهُورٍ بِكُنْيَتِهِ لَا يُعْرَفُ لَهُ اسْمٌ، وَهَذَا أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَا يَكَادُ أَكْثَرُ النَّاسِ يَعْرِفُ اسْمَهُ مِسْكِينٌ وَسَحْنُونُ بْنُ سَعِيدٍ اسْمُهُ عَبْدُ السَّلَامِ، وَقَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ سَحْنُونٌ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، وَبِهِ كَانَ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ.
وَيُقْبَلُ التَّعْدِيلُ مِمَّنْ اتَّصَفَ بِمَا سَبَقَ سَوَاءٌ ذَكَرَ سَبَبَهُ (أَوْ لَمْ يَذْكُرْ) الْمُعَدِّلُ بِالْكَسْرِ لِتَعْدِيلِهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أُمُورٍ قَدْ يَعْسُرُ اسْتِحْضَارُهَا وَقْتَهُ (بِخِلَافِ الْجَرْحِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ التَّجْرِيحِ لِلشَّاهِدِ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بَعْدَ بَيَانِ سَبَبِهِ، لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ، فَرُبَّمَا اعْتَمَدَ الْمُجَرِّحُ عَلَى مَا لَا يَقْتَضِيه كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَرَّحَ شَاهِدًا فَسُئِلَ عَنْ سَبَبِهِ فَقَالَ رَأَيْته يَبِيعُ وَلَا يُرَجِّحُ فِي الْمِيزَانِ.
سُئِلَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " عَنْ الَّذِي يَسْأَلُهُ الْقَاضِي عَنْ حَالِ الشَّاهِدِ فَيُخْبِرُهُ بِبَعْضِ مَا يَكُونُ فِيهِ الْحَدُّ، فَقَالَ إذَا كَانَ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي سَأَلَهُ فَكَشَفَ عَنْ الْمُشَاهَدِ فَلَيْسَ عَلَى الْمُخْبِرِ شَيْءٌ.
الْحَطّ إذَا قَالَ أَحَدُ الْمُجَرِّحِينَ فِي الشَّاهِدِ هُوَ كَذَّابٌ، وَقَالَ

أَوْ لَمْ يَذْكُرْ السَّبَبَ، بِخِلَافِ الْجَرْحِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ

[منح الجليل]

الْآخَرُ فِيهِ هُوَ آكُلُ رِبًا فَلَيْسَ بِتَجْرِيحٍ حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا هُوَ خَائِنٌ، وَقَالَ الْآخَرُ يَأْكُلُ أَمْوَالَ الْيَتَامَى فَهَذَا تَجْرِيحٌ، وَقِيلَ أَيْضًا إذَا جَرَّحَهُ أَحَدُهُمَا بِمَعْنًى وَجَرَّحَهُ الْآخَرُ بِمَعْنًى آخَرَ فَهَذَا تَجْرِيحٌ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ رَجُلُ سُوءٍ.
ابْنُ حَبِيبٍ وَسَأَلْته عَنْ تَجْرِيحِهِمَا إيَّاهُ أَنَّهُ رَجُلُ سُوءٍ غَيْرُ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ، وَقَالَا لَا نُسَمِّي الْجُرْحَةَ فَقَالَ هِيَ جُرْحَةٌ وَلَا يَكْشِفُوا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا أَفَادَهُ ابْنُ سَهْلٍ.
(وَ) إنْ زَكَّى الشَّاهِدَ مُبَرِّزُونَ مَوْصُوفُونَ بِجَمِيعِ مَا سَبَقَ وَجَرَّحَهُ آخَرُونَ كَذَلِكَ فَ (هُوَ) أَيْ الْجَرْحُ (مُقَدَّمٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْقَافِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (عَلَى التَّعْدِيلِ) سَمِعَ الْقَرِينَانِ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي الشَّاهِدِ يُعَدِّلُهُ الرَّجُلَانِ، وَيَأْتِي الْمَطْلُوبُ بِالرَّجُلَيْنِ يُجَرِّحَانِهِ، قَالَ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى الشُّهُودِ أَيُّهُمَا أَعْدَلُ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ الْمُجَرِّحَانِ أَوْلَى وَيَسْقُطُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ مِثْلَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ وَسَحْنُونٍ هُوَ دَلِيلُ مَا فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَرِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ وَهْبٍ التَّعْدِيلُ أَوْلَى مِنْ التَّجْرِيحِ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْمُجَرِّحُونَ الْجُرْحَةَ وَتَعَارَضَتْ الشَّهَادَةُ، فَإِنْ بَيَّنَ الْمُجَرِّحُونَ الْجُرْحَةَ فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ أَعْمَلُ مِنْ شَهَادَةِ الْمُعَدِّلِينَ وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ عَدَالَةً مِنْهُمْ، وَلِكُلِّ قَوْلٍ مِنْهَا وَجْهٌ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ تَوْجِيهِهَا وَالْقَوْلُ بِأَنَّ شَهَادَةَ الْمُجَرِّحِينَ أَعْمَلُ هُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ.
ابْنُ سَهْلٍ تَقْدِيمُ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ أَصَحُّ فِي النَّظَرِ، وَقَائِلُوهُ أَكْثَرُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.
الْمُتَيْطِيُّ الَّذِي مَضَى بِهِ الْعَمَلُ أَنَّ التَّجْرِيحَ أَتَمُّ شَهَادَةً؛ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا مِنْ الْبَاطِنِ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ الْمُعَدِّلُونَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ وَسَحْنُونٍ، وَقَالَ فِي نِهَايَتِهِ شَهَادَةُ التَّجْرِيحِ أَقْوَى مِنْ شَهَادَةِ التَّعْدِيلِ تُبْطِلُ شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ بِالْجَرْحِ شَهَادَةَ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنْ الرِّجَالِ بِالْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُجَرِّحَ عَلِمَ مِنْ حَالِ الْمُجَرَّحِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْمُزَكِّي، هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ مِنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي النَّوَادِرِ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ إذَا عُدِّلَ الشُّهُودُ عِنْدَهُمْ ثُمَّ أَتَى مَنْ يُجَرِّحُهُمْ فَإِنَّهُ يُسْمَعُ الْجَرْحُ فِيهِمْ أَبَدًا مَا لَمْ يَحْكُمْ، فَإِنْ حَكَمَ فَلَا يَنْظُرُ فِي

وَإِنْ شَهِدَ ثَانِيًا: فَفِي الِاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكِيَةِ الْأُولَى: تَرَدُّدٌ.
وَبِخِلَافِهَا لِأَحَدِ وَلَدَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، أَوْ أَبَوَيْهِ: إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَيْلٌ لَهُ

[منح الجليل]

حَالِهِمْ بِجُرْحَةٍ وَلَا بِعَدَالَةٍ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ اهـ. ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ جَرَّحَ رَجُلَانِ عَدْلًا ثُمَّ جَاءَ الْمُجَرَّحُ بِمَنْ يُعَدِّلُهُ فَلَا يُقْبَلُ وَلَوْ بِأَلْفِ عَدْلٍ وَقَالَهُ أَصْبَغُ اهـ الْحَطّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَإِنْ شَهِدَ) الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ زَمَنًا (ثَانِيًا) مَرَّةً أُخْرَى (فَفِي الِاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكِيَةِ الْأُولَى) بِضَمِّ الْهَمْزِ رَوَاهُ أَشْهَبُ وَأَطْلَقَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا يَحْتَاجُ لِتَعْدِيلٍ آخَرَ إلَّا أَنْ يَغْمِزَ بِشَيْءٍ أَوْ يَرْتَابَ مِنْهُ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ إنْ زَكَّاهُ مَشْهُورُ الْعَدَالَةِ فَلَا يَحْتَاجُ لِإِعَادَةِ تَزْكِيَتِهِ وَنَقَلَ الْبَاجِيَّ عَنْهُ الْمَشْهُورُ بِالْعَدَالَةِ يَكْفِي فِيهِ التَّعْدِيلُ الْأَوَّلُ حَتَّى يُجَرَّحَ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ، وَاَلَّذِي لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ بِهَا يَتَوَقَّفُ فِي تَعْدِيلِهِ ثَانِيًا أَوْ لَا يَكْفِي التَّعْدِيلُ الْأَوَّلُ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْدِيلِ كُلَّمَا يَشْهَدُ حَتَّى يَكْثُرَ تَعْدِيلُهُ وَتَشْتَهِرُ تَزْكِيَتُهُ، وَهَذَا لِسَحْنُونٍ.
وَلِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ الثَّانِيَةُ قَرِيبَةً مِنْ الْأُولَى وَلَمْ يَطُلْ مَا بَيْنَهُمَا جِدًّا كَفَتْ تَزْكِيَتُهُ الْأُولَى، وَإِلَّا فَلْيَكْشِفْ عَنْهُ ثَانِيًا طَلَبَهُ الْمَشْهُودُ أَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَالسَّنَةُ طُولٌ.
وَلِأَشْهَبَ إنْ شَهِدَ بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ وَنَحْوِهَا فَيُسْأَلُ عَنْهُ الْعَدْلُ الْأَوَّلُ، فَإِنْ مَاتَ عُدِّلَ مَرَّةً أُخْرَى وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنْ شَهِدَ بِالْقُرْبِ مِنْ التَّزْكِيَةِ الْأُولَى عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ، وَبَعْدَ طُولٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُزَكِّيه، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا تُرَدُّ؛ لِأَنَّ طَلَبَ تَزْكِيَتِهِ ثَانِيًا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ الِاكْتِفَاءُ بِتَزْكِيَتِهِ الْأُولَى مَا لَمْ يُتَّهَمْ بِحُدُوثِ أَمْرٍ (تَرَدُّدٌ) لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ.
(وَبِخِلَافِهَا) أَيْ الشَّهَادَةِ مِنْ أَبٍ (لِأَحَدِ وَلَدَيْهِ عَلَى) وَلَدِهِ (الْآخَرِ) فَتُقْبَلُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ الْأَبِ مَيْلٌ مَعَ الشُّهُودِ لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، فَإِنْ ظَهَرَ الْمَيْلُ فَلَا تُقْبَلُ كَشَهَادَتِهِ لِلْبَارِّ عَلَى الْعَاقِّ أَوْ لِلصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ (أَوْ) شَهَادَةِ الِابْنِ لِأَحَدِ (أَبَوَيْهِ) عَلَى وَالِدِهِ الْآخَرِ فَتُقْبَلُ (إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَيْلٌ) مِنْ الشَّاهِدِ مَعَ الْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَكَانَ مُبَرِّزًا، فَإِنْ

وَلَا عَدُوٌّ وَلَوْ عَلَى ابْنِهِ، أَوْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَلْيُخْبِرْ بِهَا كَقَوْلِهِ بَعْدَهَا: " تَتَّهِمُنِي وَتُشَبِّهُنِي بِالْمَجَانِينِ " مُخَاصِمًا لَا شَاكِيًا

[منح الجليل]

ظَهَرَ مَيْلُهُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
ابْنُ يُونُسَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الِابْنِ يَشْهَدُ لِأَحَدِ وَالِدَيْهِ عَلَى الْآخَرِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَرِّزًا، أَوْ يَكُونَ مَا يَشْهَدُ بِهِ يَسِيرًا.
" غ " الشَّرْطُ رَاجِعٌ لِلصُّورَتَيْنِ قَبْلَهُ كَمَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ مُحْرِزٍ.

(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (عَدُوٍّ) عَدَاوَةً دُنْيَوِيَّةً فِي مَالٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ مَنْصِبٍ إنْ شَهِدَ عَلَى عُدُوِّهِ، بَلْ (وَلَوْ) شَهِدَ (عَلَى ابْنِهِ) أَيْ الْعَدُوِّ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى، زَادَ وَلَوْ كَانَ مِثْلَ ابْنِ شُرَيْحٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ الْقَاسِمِ.
ابْنُ عَرَفَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ أَبُو شُرَيْحٍ الْمَعَافِرِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ الْقَاسِمِ مِنْ أَشْيَاخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ وَصَوَّبَهُ ابْنُ يُونُسَ وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ بِجَوَازِهَا عَلَى ابْنِ عَدُوِّهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْعَدَاوَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ أَوْ بَيْنَ (مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُسْلِمٍ عَلَى عَدُوِّهِ الْكَافِرِ قَالَهُ الْمَازِرِيُّ.
عِيَاضٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ، إذْ لَوْ تَمَحَّضَ لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يَزِدْ عَلَى الْقَدْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ.
" غ " هَذَا فِي حَيِّزِ الْإِغْيَاءِ، كَأَنَّهُ قَالَ وَلَوْ طَرَأَتْ الْعَدَاوَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ.
وَأَمَّا الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةُ كَاَلَّتِي بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ مِنْ جِهَةِ كُفْرِهِ وَاَلَّتِي بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ لِفِسْقِهِ وَجُرْأَتِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَمْنَعُ فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي فِيهِمَا لَا الْعَكْسُ لِمَانِعِ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ.
(وَلْيُخْبِرْ) الْعَدْلُ الَّذِي شَهِدَ عَلَى عَدُوِّهِ الْحَاكِمَ (بِهَا) أَيْ الْعَدَاوَةِ وُجُوبًا بِأَنْ يَقُولَ لَهُ بَيْنِي وَبَيْنَ الَّذِي شَهِدْت عَلَيْهِ عَدَاوَةٌ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لِيَسْلَمَ مِنْ التَّدْلِيسِ وَلِاحْتِمَالِ عَدَمِ قَدْحِهَا إذَا فُسِّرَتْ.
ابْنُ فَرْحُونٍ وَمِثْلُهَا قَرَابَتُهُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، وَمَثَّلَ لِلْعَدَاوَةِ فَقَالَ (كَقَوْلِهِ) أَيْ الشَّاهِدِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (بَعْدَ) أَدَائِ (هَا) أَيْ الشَّهَادَةِ لِلْحَاكِمِ (تَشْتُمُنِي وَتُشَبِّهُنِي بِالْمَجْنُونِ) حَالَ كَوْنِهِ (مُخَاصِمًا) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ الْمَذْكُورِ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِتَحَقُّقِ عَدَاوَتِهِ لَهُ (لَا) تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِقَوْلِهِ الْمَذْكُورِ حَالَ كَوْنِهِ (شَاكِيًا) أَيْ مُعَاتِبًا وَمُسْتَجِيرًا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ عَدَاوَتِهِ لَهُ.
" غ " كَذَا هُوَ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ الشَّهَادَاتِ

وَاعْتَمَدَ فِي إعْسَارٍ بِصُحْبَةٍ، وَقَرِينَةِ صَبْرٍ ضُرًّا: كَضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ

[منح الجليل]

تَشْتُمُنِي مِنْ الشَّتْمِ لَا تَتَّهِمُنِي مِنْ التُّهْمَةِ.
وَقَالَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ، وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ عَنْهُ أَنَّهُ فَصَلَ فِي الثَّمَانِيَةِ بَيْنَ الْمُخَاصِمِ وَالشَّاكِي، وَحَكَى عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ قَادِحٌ وَاسْتَظْهَرَهُ، وَكَلَامُهُ فِي التَّوْضِيحِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى نَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا.
الْبُنَانِيُّ هَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ فِي الثَّمَانِيَةِ، وَلَمْ يُكْمِلْهُ الْمُصَنِّفُ، وَنَصُّهُ عَلَى نَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ كَمَا فِي " ق " إنْ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الشَّكْوَى وَالْإِشْهَادِ مِنْ الْأَذَى لَا عَلَى وَجْهِ طَلَبِ خُصُومَةٍ وَلَا سَمَّى الشَّتْمَةَ فَلَا أَرَاهُ شَيْئًا، وَإِنْ سَمَّى الشَّتْمَةَ وَهِيَ مِمَّا فِي مِثْلِهَا الْخُصُومَةُ أَوْ كَانَ مِنْهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الطَّلَبِ لِخُصُومَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الشَّتْمَةَ فَشَهَادَتُهُ بَاطِلَةٌ سَاقِطَةٌ.
اهـ. وَهَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ نَاقِصًا كَمَا هُنَا وَلِابْنِ الْمَاجِشُونِ تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، قَالَ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَدُوُّهُ وَلَوْ قَالَ مَا هُوَ أَدْنَى مِنْ هَذَا سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَصْوَبُ، قَالَ وَنَحْوُ هَذَا اخْتَارَ اللَّخْمِيُّ.
قَالَ طَرْحُ الشَّهَادَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحْسَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَرِّزًا، فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَصَوَّبَهُ ابْنُ رُشْدٍ.

(وَاعْتَمَدَ) الشَّاهِدُ (فِي) شَهَادَتِهِ بِ (إعْسَارٍ) لِمَدِينٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ شَرِيكٍ (بِ) طُولِ (صُحْبَةٍ) لِلْمَشْهُودِ بِإِعْسَارِهِ (وَ) بِ (قَرِينَةِ صَبْرِ) الْمَشْهُودِ بِإِعْسَارِهِ عَلَى تَحَمُّلِ (ضَرَرٍ) بِجُوعٍ وَعُرْيِ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ غَالِبًا.
وَشَبَّهَ فِي الِاعْتِمَادِ عَلَى الصُّحْبَةِ وَالْقَرِينَةِ فَقَالَ (كَ) الشَّهَادَةِ بِ (ضَرَرِ) أَحَدِ (الزَّوْجَيْنِ) الْآخَرَ فَيَعْتَمِدُ الشَّاهِدُ بِهِ عَلَى طُولِ صُحْبَتِهِمَا وَقَرِينَةِ صَبْرِ أَحَدِهِمَا عَلَى سُوءِ عِشْرَةِ الْآخَرِ.
الْحَطّ يَعْنِي أَنَّ الشَّاهِدَ بِالْإِعْسَارِ وَمَا أَشْبَهَهُ كَالتَّعْدِيلِ، وَضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ فِيمَا يَشْهَدُ بِهِ عَلَى الظَّنِّ الْقَوِيِّ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْدُورُ عَلَى تَحْصِيلِهِ غَالِبًا، وَلَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِمُقْتَضَاهُ لَتَعَطَّلَ الْحُكْمُ فِي التَّعْدِيلِ وَالْإِعْسَارِ وَنَحْوِهِمَا، فَيَعْتَمِدُ فِي الْإِعْسَارِ عَلَى صُحْبَتِهِ وَمُشَاهَدَةِ صَبْرِهِ عَلَى الضَّرَرِ كَالْجُوعِ وَالْعُرْيِ مِمَّا لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الْفَقْرِ، فَبَاءُ بِصُحْبَةٍ بِمَعْنَى عَلَى.
" غ " بِصُحْبَةٍ أَيْ مُخَالَطَةٍ، وَبِهَا عَبَّرَ الْمَازِرِيُّ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِمِحْنَتِهِ أَيْ امْتِحَانِهِ، وَهَذَا كَقَوْلِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ بِالْخِبْرَةِ

وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى إزَالَةِ نَقْصٍ فِيمَا رُدَّ فِيهِ لِفِسْقٍ أَوْ صِبًا، أَوْ رِقٍّ

[منح الجليل]

الْبَاطِنَةِ وَعَلَى كُلٍّ فَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمَازِرِيُّ، وَعِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ احْتِمَالٌ فِي رُجُوعِ طَرِيقَةِ الْمُقَدِّمَاتِ إلَيْهَا.
الْبُنَانِيُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ يَكْفِيه الظَّنُّ الْقَوِيُّ فِيمَا يَعْسُرُ فِيهِ الْعِلْمُ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي شَرْطِ شَهَادَةِ غَيْرِ السَّمَاعِ بِقَطْعِ الشَّاهِدِ بِالْعِلْمِ بِالْمَشْهُودِ بِهِ مُطْلَقًا وَصِحَّتُهَا بِالظَّنِّ الْقَوِيِّ فِيمَا يَعْسُرُ الْعِلْمُ بِهِ عَادَةً طَرِيقَانِ، الْأُولَى لِلْمُقَدِّمَاتِ لَا تَصِحُّ شَهَادَةٌ بِشَيْءٍ إلَّا بِعِلْمِهِ، وَالْقَطْعُ بِمَعْرِفَتِهِ لَا فِيمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَعْرِفَتُهُ، ثُمَّ قَسَّمَ مُحَصَّلَاتِ الْعِلْمِ.
الثَّانِيَةُ لِلْمَازِرِيِّ إنَّمَا يُطْلَبُ الظَّنُّ الْقَوِيُّ الْمُزَاحِمُ لِلْعِلْمِ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ كَالشَّهَادَةِ بِالْإِعْسَارِ، وَعَلَى هَذَا مَرَّ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَهَذَا الظَّنُّ النَّاشِئُ عَنْ الْقَرَائِنِ إنَّمَا هُوَ كَافٍ فِي جَزْمِ الشَّاهِدِ بِالْمَشْهُودِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْبَتِّ، وَلَوْ صَرَّحَ فِي أَدَاءِ شَهَادَتِهِ بِالظَّنِّ فَلَا تُقْبَلُ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ ابْنِ رُشْدٍ فَتَتَّفِقُ الطَّرِيقَتَانِ.
الْمَازِرِيُّ وَمِنْهُ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْقَطْعُ بِهِ.

(وَلَا) تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ (إنْ حَرَصَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ وَإِهْمَالِ الصَّادِ الشَّاهِدُ، أَيْ اُتُّهِمَ فِي شَهَادَتِهِ بِالْحِرْصِ (عَلَى إزَالَةِ نَقْصٍ) عَنْهُ حَصَلَ لَهُ كَشَهَادَتِهِ بَعْدَ زَوَالِ مَانِعِهَا (فِيمَا) أَيْ شَيْءٍ أَوْ الشَّيْءِ الَّذِي (رُدَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ الشَّاهِدُ (فِي) شَهَادَتِهِ بِ (هـ لِفِسْقٍ أَوْ صِبًا أَوْ رِقٍّ) أَوْ كُفْرٍ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ الثَّانِيَةُ الَّتِي أَدَّاهَا بَعْدَ زَوَالِ مَانِعِهَا بِالتَّوْبَةِ وَالْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْإِيمَانِ لِاتِّهَامِهِ فِيهَا بِالْحِرْصِ عَلَى إزَالَةِ نَقْصِ رَدِّ شَهَادَتِهِ.
وَمَفْهُومُ رُدَّ أَنَّ مَنْ قَامَ بِهِ مَانِعٌ وَلَمْ يُؤَدِّ الشَّهَادَةَ حَالَّةً وَأَدَّاهَا بَعْدَ زَوَالِهِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ لِسَلَامَتِهَا مِنْ تُهْمَةِ الْحِرْصِ عَلَى إزَالَةِ نَقْصِ الرَّدِّ، إذْ لَا رَدَّ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِيمَنْ قَالَ لِقَاضٍ يَشْهَدُ لِي فُلَانٌ النَّصْرَانِيُّ أَوْ الْعَبْدُ أَوْ الصَّبِيُّ فَقَالَ لَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ، ثُمَّ زَالَ مَانِعُهُ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهَا فَتْوًى لَا حُكْمٌ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ وَالْمَازِرِيُّ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعُ أَصْحَابِنَا

أَوْ عَلَى التَّأَسِّي: كَشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا فِيهِ أَوْ مَنْ حُدَّ فِيمَا حُدَّ فِيهِ

[منح الجليل]

عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا رُدَّتْ لِظِنَّةٍ أَوْ تُهْمَةٍ أَوْ لِمَانِعٍ مِنْ قَبُولِهَا ثُمَّ زَالَتْ التُّهْمَةُ أَوْ الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِهَا، فَإِذَا أُعِيدَتْ فَلَا تُقْبَلُ اهـ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ فِيمَا رُدَّ فِيهِ مِمَّا لَوْ أَدَّى شَهَادَةً وَلَمْ تُرَدَّ حَتَّى زَالَ الْمَانِعُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ بِشَرْطِ إعَادَتِهَا بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ، فِي التَّوْضِيحِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْقَائِمُ بِشَهَادَتِهِ لِلْقَاضِي يَشْهَدُ لِي فُلَانٌ الْعَبْدُ أَوْ الصَّبِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ فَقَالَ لَا أُجِيزُ شَهَادَتَهُ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ رَدًّا لِشَهَادَتِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ زَوَالِ مَانِعِهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فَتْوَى قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَاحْتَرَزَ بِهِ أَيْضًا عَنْ شَهَادَتِهِ بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ فِي غَيْرِ مَا رُدَّ فِيهِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ وَهُوَ كَذَلِكَ.
(أَوْ) حَرَصَ (عَلَى التَّأَسِّي) أَيْ مُمَاثَلَةِ غَيْرِهِ لَهُ فِي نَقْصِهِ لِيَخِفَّ عَارُهُ؛ لِأَنَّ الْمُصِيبَةَ إذَا عَمَّتْ هَانَتْ، وَإِذَا خَصَّتْ هَالَتْ.
الْبُنَانِيُّ الَّذِي فِي الْقَامُوسِ ائْتَسَى بِهِ جَعَلَهُ أُسْوَةً وَالْأُسْوَةُ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ الْقُدْوَةُ، وَلَيْسَ فِيهِ تَأَسٍّ بِهَذَا الْمَعْنَى، لَكِنْ نَقَلَ أَبُو زَيْدٍ عَنْ السِّرَاجِ عَنْ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ يُقَالُ التَّأَسِّي وَالِائْتِسَاءُ فِي الِاقْتِدَاءِ، فَحَقَّقَ ذَلِكَ.
(كَشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا فِيهِ) أَيْ الزِّنَا فَلَا تُقْبَلُ لِاتِّهَامِهِ فِيهَا بِحِرْصِهِ مُشَارَكَةَ غَيْرِهِ لَهُ فِي كَوْنِهِ وَلَدَ زِنًا (أَوْ) شَهَادَةِ (مَنْ) أَيْ شَخْصٍ أَوْ الشَّخْصِ الَّذِي (حُدَّ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الدَّالِ لِزِنًا أَوْ سُكْرٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ سَرِقَةٍ ثُمَّ تَابَ وَشَهِدَ (فِي) مِثْلِ (مَا حُدَّ فِيهِ) فَلَا تُقْبَلُ لِاتِّهَامِهِ بِالْحِرْصِ عَلَى التَّأَسِّي، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ تُقْبَلُ وَمَفْهُومُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ، أَنَّ شَهَادَتَهُ فِي غَيْرِ مَا حُدَّ فِيهِ تُقْبَلُ وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَنْ حُدَّ لِسُكْرٍ ثُمَّ يَشْهَدُ بِقَذْفٍ.
طفى قَوْلُهُ أَوْ عَلَى التَّأَسِّي هَذَا مِنْ الْمَانِعِ الرَّابِعِ، وَلِذَا لَمْ يَقْرِنْهُ بِلَا لَكِنْ الْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِلَفْظٍ عَامٍّ يَنْدَرِجُ فِيهِ أَفْرَادُ الْمَانِعِ كَمَا فَعَلَ فِي بَقِيَّتِهَا، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ.
الْخَامِسُ الْحِرْصُ عَلَى إزَالَةِ التَّعْيِيرِ بِإِظْهَارِ الْبَرَاءَةِ أَوْ بِالتَّأَسِّي كَشَهَادَتِهِ فِيمَا رُدَّ فِيهِ لِفِسْقٍ أَوْ صِبًا أَوْ رِقٍّ أَوْ كُفْرٍ، وَكَشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا فِي الزِّنَا اتِّفَاقًا وَكَشَهَادَةِ مَنْ حُدَّ فِي مِثْلِ مَا حُدَّ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ اهـ. وَالتَّعْيِيرُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَصْدَرُ عَيَّرَ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.

وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى الْقَبُولِ: كَمُخَاصَمَةِ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، أَوْ شَهِدَ وَحَلَفَ، أَوْ رَفَعَ قَبْلَ الطَّلَبِ فِي مَحْضِ حَقِّ الْآدَمِيِّ،

[منح الجليل]

وَلَا) تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ (إنْ حَرَصَ) أَيْ اُتُّهِمَ الشَّاهِدُ بِالْحِرْصِ (عَلَى الْقَبُولِ) لِشَهَادَتِهِ (كَمُخَاصَمَةِ) أَيْ مُحَاكِمَةِ الشَّاهِدِ لِ (مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِ الْمَشْهُودِ بِهِ حَقَّ آدَمِيٍّ لِدَلَالَتِهَا فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ عَلَى التَّعَصُّبِ مَعَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْحِرْصِ عَلَى الْقَبُولِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
الْمَازِرِيُّ مُخَاصَمَتُهُمْ تَدُلُّ عَلَى الْحِرْصِ عَلَى إنْقَاذِهَا، وَقَدْ يَحْمِلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى تَحْرِيفٍ أَوْ زِيَادَةٍ فِيهَا.
طفى الْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِعَامٍّ تَنْدَرِجُ فِيهِ أَفْرَادُ الْمَانِعِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ رَفَعَ قَبْلَ الطَّلَبِ لَا يَشْمَلُهُ مَا قَبْلَهُ، وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ السَّادِسُ الْحِرْصُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ وَالْقَبُولِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْإِفْرَادِ فَالْأَوْلَى، وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَدَاءِ وَالْقَبُولِ، ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ إفْرَادِهِمَا يَقُولُ بِخِلَافِ الْحِرْصِ عَلَى التَّحَمُّلِ.
الْبُنَانِيُّ الْأَوْلَى وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى الشَّهَادَةِ لِيَشْمَلَ الرَّفْعَ قَبْلَ الطَّلَبِ؛ لِأَنَّهُ حَرَصَ عَلَى الْأَدَاءِ لَا عَلَى الْقَبُولِ، إذْ الْقَبُولُ فَرْعُ الْأَدَاءِ وَهُوَ لَمْ يَحْصُلْ الْآنَ.
(أَوْ) كَمَنْ (شَهِدَ وَحَلَفَ) عَلَى صِحَّةِ شَهَادَتِهِ فَتُرَدُّ لِاتِّهَامِهِ بِالْحِرْصِ عَلَى قَبُولِهَا قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَامِّيًّا فِي التَّبْصِرَةِ.
وَأَمَّا الْحِرْصُ عَلَى الْقَبُولِ فَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى صِحَّةِ شَهَادَتِهِ إذَا أَدَّاهَا، وَهَذَا قَادِحٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ دَلِيلٌ عَلَى التَّعَصُّبِ وَشِدَّةِ الْحِرْصِ عَلَى نُفُوذِهَا.
اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْيَمِينَ الْقَادِحَةَ هِيَ الْوَاقِعَةُ عِنْدَ الْأَدَاءِ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيه قَوْلُ " ز " قَدَّمَ الْحَلِفَ عَلَى الشَّهَادَةِ أَوْ أَخَّرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَلِفَ عِنْدَ الْأَدَاءِ صَادِقٌ بِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ وَتَأْخِيرِهِ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَوْ رَفَعَ) الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ لِلْحَاكِمِ وَأَدَّاهَا لَهُ (قَبْلَ الطَّلَبِ) لَهَا مِنْهُ (فِي مَحْضِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ خَالِصِ (حَقِّ آدَمِيٍّ) أَيْ مَا لَهُ إسْقَاطُهُ، وَإِنْ كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ حَقٌّ أَيْضًا بِأَمْرِهِ بِتَوْفِيَتِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ فَلَا تُقْبَلُ لِلِاتِّهَامِ بِالْحِرْصِ عَلَى الْأَدَاءِ وَالتَّعَصُّبِ مَعَ الْمَشْهُودِ، نَعَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَ صَاحِبَ الْحَقِّ بِأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهُ إنْ كَانَ حَاضِرًا فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مُبْطِلٌ لِشَهَادَتِهِ الْأَخَوَانِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ صَاحِبُ

وَفِي مَحْضِ حَقِّ اللَّهِ تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِالْإِمْكَانِ؛ إنْ اُسْتُدِيمَ تَحْرِيمُهُ: كَعِتْقٍ وَطَلَاقٍ وَوَقْفٍ وَرَضَاعٍ، وَإِلَّا خُيِّرَ: كَالزِّنَا

[منح الجليل]

الْحَقِّ بِعِلْمِهِمْ، وَجَعَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ تَفْسِيرًا.
سَحْنُونٌ لَا يَكُونُ جُرْحَةً إلَّا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ إنْ كَانَ حَاضِرًا فَقَدْ تَرَكَ حَقَّهُ، إنْ كَانَ غَائِبًا فَلَيْسَ لِلشَّاهِدِ شَهَادَةٌ وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ إنْ كَانَ حَاضِرًا وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ تِلْكَ الرُّبَاعَ لَهُ بِأَنْ يَكُونَ أَبُوهُ أَعَارَهَا أَوْ أَكْرَاهَا لِمَنْ هِيَ بِيَدِهِ وَالْوَلَدُ يَعْلَمُ أَنَّهَا لِأَبِيهِ أَنْ عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يُعْلِمَ الْوَلَدَ بِذَلِكَ وَإِلَّا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ جُرْحَةً إذَا عَلِمَ أَنَّهُ إنْ كَتَمَ وَلَمْ يُعْلِمْ بِشَهَادَةٍ بَطَلَ الْحَقُّ أَوْ دَخَلَ بِذَلِكَ فِي مَضَرَّةٍ أَوْ مَعَرَّةٍ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ الْإِعْلَامُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ صَاحِبَ الْحَقِّ تَرَكَهُ.
(وَفِي مَحْضِ حَقِّ اللَّهِ) وَهُوَ مَا لَيْسَ لِلْمُكَلَّفِ إسْقَاطُهُ (تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ) مِنْ الشَّاهِدِ بِالرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ قَبْلَ الطَّلَبِ (بِ) حَسَبِ (الْإِمْكَانِ) فَلَا يَضُرُّ التَّأْخِيرُ لِعُذْرٍ لَا يُمْكِنُ الرَّفْعُ مَعَهُ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ الْمُبَادَرَةِ بِالرَّفْعِ (إنْ اُسْتُدِيمَ تَحْرِيمُ) ارْتِكَابِ (هـ) أَيْ الْمَشْهُودِ بِهِ (كَعِتْقٍ) لِرَقِيقٍ مَعَ اسْتِمْرَارِ اسْتِيلَاءِ الْمُعْتِقِ عَلَى الْمُعْتَقِ اسْتِيلَاءَ الْمَالِكِ عَلَى مِلْكِهِ (وَطَلَاقٍ) بَائِنٍ لِزَوْجَةٍ مَعَ دَوَامِ مُعَاشَرَةِ الزَّوْجِ لَهَا مُعَاشَرَةَ الْأَزْوَاجِ (وَوَقْفٍ) مَعَ اسْتِمْرَارِ حَيَاةِ الْوَاقِفِ الْوَقْفَ وَتَصَرُّفِهِ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ، وَظَاهِرُهُ كَالْبَاجِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقَيَّدَهُ بِالْجَوَاهِرِ بِالثَّانِي (وَرَضَاعٍ) بَيْنَ زَوْجَيْنِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْتَدِمْ تَحْرِيمَهُ (خُيِّرَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ مُثَقَّلَةً الشَّاهِدُ بَيْنَ الرَّفْعِ وَتَرْكِهِ (كَالزِّنَا) غَيْرِ الْمُسْتَدَامِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
عِيَاضٌ هَذَا فِي غَيْرِ الْمَشْهُورِ بِالْفِسْقِ وَالْمَعَاصِي، وَأَمَّا هُوَ فَقَدْ كَرِهَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَغَيْرُهُ السَّتْرَ عَلَيْهِ لِيَرْتَدِعَ عَنْ فِسْقِهِ، وَنَصُّهُ هَذَا السَّتْرُ فِي غَيْرِ الْمُشْتَهِرِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ فِي السَّتْرِ وَسُتِرُوا غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ يَدَعُوا وَتَمَادَوْا فَكُشِفَ أَمْرُهُمْ وَقُمِعَ شَرُّهُمْ مِمَّا يَجِبُ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ السَّتْرِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمُهَاوَدَةِ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى وَمُصَافَاةِ أَهْلِهَا، وَهَذَا أَيْضًا فِي كَشْفِ مَعْصِيَةٍ انْقَضَتْ وَفَاتَتْ فَأَمَّا إذَا عُرِفَ انْفِرَادُ رَجُلٍ بِعَمَلِ مَعْصِيَةٍ أَوْ اجْتِمَاعُ جَمَاعَةٍ عَلَى

بِخِلَافِ الْحِرْصِ عَلَى التَّحَمُّلِ، كَالْمُخْتَفِي؛

[منح الجليل]

مَعْصِيَةٍ فَلَيْسَ السَّتْرُ هُنَا السُّكُوتُ عَلَيْهَا وَتَرْكُهُمْ وَإِيَّاهَا، بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ عَرَفَ ذَلِكَ إذَا أَمْكَنَهُ تَغْيِيرُهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِكَشْفِهِ لِمَنْ يُعِينُهُ أَوْ السُّلْطَانِ فَلْيَفْعَلْ.
وَأَمَّا إيضَاحُ حَالِ مَنْ يُضْطَرُّ إلَى كَشْفِهِ مِنْ الشُّهُودِ وَالْأُمَنَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ فَبَيَانُ حَالِهِمْ مِمَّنْ يُقْبَلُ مِنْهُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ مِمَّا يَجِبُ عَلَى أَهْلِهِ، فَأَمَّا الشَّاهِدُ فَعِنْدَ طَلَبِ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ رُؤْيَةِ الْحَاكِمِ يَقْضِي بِشَهَادَتِهِ وَقَدْ عُلِمَ مِنْهُ مَا يُسْقِطُهَا فَيَجِبُ رَفْعُهُ.
وَأَمَّا فِي أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَحَمَلَةِ الْعِلْمِ الْمُقَلَّدِينَ فِيهِ فَيَجِبُ كَشْفُ أَحْوَالِهِمْ السَّيِّئَةِ لِمَنْ عَرَفَهَا مِمَّنْ يُقَلِّدُ فِي ذَلِكَ وَيُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِمْ وَيُقَلَّدُوا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، عَلَى هَذَا اجْتَمَعَ رَأْيُ الْأَئِمَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَلَيْسَ السَّتْرُ هَاهُنَا بِمُرَغَّبٍ فِيهِ وَلَا بِمُبَاحٍ اهـ. (بِخِلَافِ الْحِرْصِ عَلَى التَّحَمُّلِ) لِلشَّهَادَةِ فَلَا يُقْدَحُ فِيهَا (كَالْمُخْتَفِي) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، أَيْ الْمُتَوَارِي عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الَّذِي يُقِرُّ بِمَا عَلَيْهِ سِرًّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسْتَحِقِّيهِ.
وَيُنْكِرُهُ إذَا حَضَرَهُ مَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ فَإِذَا اخْتَفَى مِنْهُ عَدْلَانِ أَوْ سَمِعَا إقْرَارَهُ لِصَاحِبِهِ فِي الْخَلْوَةِ وَضَبَطَاهُ وَشَهِدَا عَلَيْهِ بِهِ فَالْمَشْهُورُ الْعَمَلُ بِشَهَادَتِهِمَا عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِمَا حِرْصُهُمَا عَلَى تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ فَفِي التَّحَمُّلِ كَالْمُخْتَفِي لِتَحَمُّلِهَا لَا يَضُرُّ عَلَى الْمَشْهُورِ.
مُحَمَّدٌ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَخْدُوعًا وَلَا خَائِفًا.
خَلِيلٌ قَوْلُ مُحَمَّدٍ تَتْمِيمٌ لِلْمَشْهُورِ، فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي رَجُلَيْنِ قَعَدَ الرَّجُلُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ يَشْهَدَانِ عَلَيْهِ، قَالَ إنْ كَانَ ضَعِيفًا أَوْ مَخْدُوعًا أَوْ خَائِفًا فَلَا يَلْزَمُهُ وَيَحْلِفُ مَا أَقَرَّ إلَّا لِمَا ذُكِرَ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَزِمَهُ وَلَعَلَّهُ يُقِرُّ خَالِيًا وَيَأْبَى مِنْ الْبَيِّنَةِ فَهَذَا يَلْزَمُهُ مَا سَمِعَ مِنْهُ، قِيلَ فَرَجُلٌ لَا يُقِرُّ إلَّا خَالِيًا فَاقْعُدْ لَهُ بِمَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُهُ لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، قَالَ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّك تَسْتَوْعِبُ أَمْرَهُمَا، وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ تَسْمَعَ جَوَابَهُ لِسُؤَالِهِ، وَلَعَلَّهُ قَالَ لَهُ سِرًّا إنْ جِئْتُك بِكَذَا، أَمَّا الَّذِي لِي عَلَيْك فَيَقُولُ لَك عِنْدِي كَذَا، فَإِنْ قَدَرْت أَنْ تُحِيطَ بِسِرِّهِمْ فَجَائِزٌ اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ شَهَادَةُ الْمُخْتَفِي لَا خَفَاءَ فِي رَدِّهَا عَلَى الْقَوْلِ بِلَغْوِ الشَّهَادَةِ عَلَى إقْرَارِ

وَلَا إنْ اُسْتُبْعِدَ: كَبَدْوِيٍّ لِحَضَرِيٍّ، بِخِلَافِ إنْ سَمِعَهُ،

[منح الجليل]

الْمُقِرِّ دُونَ قَوْلِهِ اشْهَدْ عَلَيَّ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ فِيهَا مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ فَمَنَعَهَا سَحْنُونٌ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ الِاخْتِفَاءَ لِتَحَمُّلِهَا وَقَبِلَهَا إنْ شَهِدَا بِهَا وَهُمْ الْأَكْثَرُ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ عِيسَى هُنَا.
خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي تَفْرِقَتِهِ بَيْنَ مَنْ يَخْشَى أَنْ يُخْدَعَ لِضَعْفِهِ وَجَهْلِهِ وَبَيْنَ مَنْ يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَوْ أَنْكَرَ الضَّعِيفُ الْجَاهِلُ الْإِقْرَارَ جُمْلَةً لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُصَدَّقُ مَعَ يَمِينِهِ إذَا قَالَ أَقْرَرْت لِوَجْهِ كَذَا مِمَّا يُشْبِهُ اهـ. وَدَلَّ الْمَشْهُورُ هُنَا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ قَوْلُ الْمُقِرِّ اشْهَدْ عَلَيَّ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي هَذَا قَوْلَانِ.

(وَلَا) تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ (إنْ اُسْتُبْعِدَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وُقُوعُ مِثْلِهَا عَادَةً (كَ) شَهَادَةِ رَجُلٍ (بَدْوِيٍّ) مَنْسُوبٍ لِلْبَادِيَةِ لِسُكْنَاهُ بِهَا (لِ) رَجُلٍ (حَضَرِيٍّ) مَنْسُوبٍ لِلْحَاضِرَةِ لِسُكْنَاهُ بِهَا عَلَى حَضَرِيٍّ أَوْ بَدْوِيٍّ فَلَا تُقْبَلُ لِبُعْدِهَا عَادَةً، إذْ لَمْ تَجْرِ بِإِشْهَادِ الْبَدْوِيِّ مَعَ وُجُودِ الْحَضَرِيِّينَ.
اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ هَذَا إذَا كَتَبَ الْبَدَوِيُّ الْوَثِيقَةَ بِخَطِّهِ وَهُمَا فِي الْحَضَرِ مَعَ تَيَسُّرِ إشْهَادِ الْحَضَرِيِّينَ.
وَأَمَّا لَوْ مَرَّا بِهِ بِالْبَادِيَةِ أَوْ سَمِعَ إقْرَارَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي الْحَاضِرَةِ فَتُقْبَلُ لِعَدَمِ بُعْدِهَا حِينَئِذٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ حَاصِلُ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فِيمَا يُقْصَدُ إلَى إشْهَادِهِمْ عَلَيْهِ دُونَ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ فِيمَا يَقَعُ بِالْحَاضِرَةِ مِنْ عُقُودِ مُعَاوَضَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَتَدْبِيرٍ وَعِتْقٍ وَنِكَاحٍ وَشَبَهِهَا لَا تَجُوزُ، فَلَا شَهَادَةَ لِبَدَوِيٍّ فِي حَضَرٍ عَلَى حَضَرِيٍّ، وَلَا عَلَى بِدَوِيٍّ وَلَا لِبَدَوِيٍّ عَلَى حَضَرِيٍّ إلَّا فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالضَّرْبِ وَالشَّتْمِ وَشَبَهِهَا مِمَّا لَا يُقْصَدُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ.
وَتَجُوزُ فِيمَا يَقَعُ بِالْبَادِيَةِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى حَضَرِيٍّ أَوْ بِدَوِيٍّ، فَعَلَى هَذَا لَوْ حَضَرَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ شَيْئًا مِمَّا يَقَعُ فِي الْحَاضِرَةِ بَيْنَ أَهْلِهَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ مُعَامَلَةٍ وَغَيْرِهَا دُونَ أَنْ يَحْضُرُوا لِذَلِكَ، أَوْ يُقْصَدَ إلَى إشْهَادِهِمْ فَشَهِدُوا بِمَا حَضَرُوهُ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ إنْ كَانُوا عُدُولًا.
اهـ. وَأَمَّا شَهَادَةُ الْحَضَرِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ فَفِيهَا خِلَافٌ فِي التَّوْضِيحِ.
(بِخِلَافِ) شَهَادَةِ الْبَدَوِيِّ بِإِقْرَارِ الْحَضَرِيِّ (إنْ سَمِعَهُ) أَيْ الْبَدْوِيُّ إقْرَارًا لِحَضَرِيٍّ

أَوْ مَرَّ بِهِ

وَلَا سَائِلٍ فِي كَثِيرٍ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَسْأَلْ، أَوْ يَسْأَلُ الْأَعْيَانَ

وَلَا إنْ جَرَّ بِهَا نَفْعًا: كَعَلَى مُوَرِّثِهِ الْمُحْصَنِ

[منح الجليل]

فَتُقْبَلُ لِعَدَمِ بُعْدِهَا (أَوْ) شَهَادَةِ الْبَدْوِيِّ لِحَضَرِيٍّ عَلَى حَضَرِيٍّ أَوْ بِدَوِيٍّ بِمُعَامَلَةٍ بِبَادِيَةٍ إنْ (مَرَّ) الْحَضَرِيُّ (بِهِ) أَيْ الْبَدْوِيِّ وَهُوَ بِبَادِيَتِهِ فَتُقْبَلُ، إذْ لَا بُعْدَ فِيهَا.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَبُولُ شَهَادَةِ الْحَضَرِيِّ عَلَى الْبَدْوِيِّ.
ابْنُ وَهْبٍ وَأَنَا أَقُولُ إنَّهَا جَائِزَةٌ إلَّا أَنْ يَدْخُلَهَا مَا دَخَلَ شَهَادَةَ الْبَدَوِيِّ مِنْ الظِّنَّةِ وَالتُّهْمَةِ، وَرَأَى قَوْمٌ مَنْعَهَا.

(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ شَخْصٍ فَقِيرٍ (سَائِلٍ) أَيْ طَلَبَ الْإِعْطَاءِ مِنْ غَيْرِهِ (فِي) مَالٍ (كَثِيرٍ) تَعَامَلَ فِيهِ غَنِيَّانِ لِبُعْدِهَا؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْأَغْنِيَاءِ كَتْمُ أَمْوَالِهِمْ الْكَثِيرَةِ وَإِخْفَاؤُهَا عَنْ السَّائِلِينَ.
وَمَفْهُومُ كَثِيرٍ قَبُولُ شَهَادَتِهِ فِي التَّافِهِ الْيَسِيرِ إنْ كَانَ عَدْلًا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
طفى هَذَا مُنْتَظِمٌ فِي سِلْكِ الِاسْتِبْعَادِ وَمِنْ أَفْرَادِهِ، فَالْأَوْلَى تَجْرِيدُهُ مِنْ لَا، إذْ لَا يُعِيدُهَا إلَّا لِمَانِعٍ لَا لِإِفْرَادِهِ كَمَا فَعَلَ فِي سَائِرِ الْمَوَانِعِ، وَكَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِعُذْرٍ، فَلَوْ قَالَ عَقِبَ قَوْلِهِ حَضَرِيٍّ أَوْ سَائِلٍ فِي كَثِيرٍ إلَخْ.
ثُمَّ قَالَ بِخِلَافِ إنْ سَمِعَهُ أَوْ مَرَّ بِهِ لِيَعُودَ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا هُوَ النَّقْلُ لَكَانَ أَحْسَنَ.
الْبُنَانِيُّ الْمَانِعُ فِي هَذَا هُوَ الِاسْتِبْعَادُ أَيْضًا، فَيُقَيَّدُ بِمَا قَيَّدَ بِهِ مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ، بِخِلَافِ إنْ سَمِعَهُ أَوْ مَرَّ بِهِ وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ فِي كَثِيرٍ أَنَّهَا فِي الْأَمْوَالِ لَا الْحِرَابَةِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِهِمَا.
تت ظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ سَأَلَ لِمُصِيبَةٍ نَزَلَتْ بِهِ أَمْ لَا، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ مَنْ سَأَلَ لِمُصِيبَةٍ نَزَلَتْ بِهِ أَوْ دِيَةٍ وَقَعَتْ عَلَيْهِ فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ.
(بِخِلَافِ مَنْ) أَيْ فَقِيرٍ (لَمْ يَسْأَلْ) النَّاسَ شَيْئًا، سَوَاءٌ كَانَ يَأْخُذُ إنْ أُعْطِيَ أَمْ لَا فَتَقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
ابْنُ يُونُسَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا تُجَوِّزُ شَهَادَتَهُ إنْ كَانَ يَقْبَلُ مِمَّنْ يُعْطِيه مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ مَا أَتَاك مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى اهـ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ (أَوْ) مَنْ (يَسْأَلُ) الْإِمَامَ أَوْ (الْأَعْيَانَ) جَمْعُ عَيْنٍ أَيْ الْأَكَابِرَ مِنْ النَّاسِ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الْكَثِيرِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْأَصَحِّ.

(وَلَا) تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ (إنْ جَرَّ) الشَّاهِدُ (بِهَا) أَيْ الشَّهَادَةِ (نَفْعًا) لِنَفْسِهِ (كَ) شَهَادَةِ فَقِيرٍ (عَلَى مُوَرِّثِهِ الْمُحْصَنِ بِالزِّنَا أَوْ قَتْلِ

بِالزِّنَا، أَوْ قَتْلِ الْعَمْدِ إلَّا الْفَقِيرَ؛ أَوْ بِعِتْقِ مَنْ يُتَّهَمُ فِي وَلَائِهِ، أَوْ بِدَيْنٍ لِمَدِينِهِ،

[منح الجليل]

الْعَمْدِ) الْعُدْوَانِ فَلَا تُقْبَلُ لِاتِّهَامِهِ بِقَصْدِ قَتْلِهِ لِيَرِثَهُ.
وَخَرَجَ بِالْمُحْصَنِ الْبِكْرُ وَبِالْعَمْدِ الْخَطَأُ فَتُقْبَلُ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ.
وَقَيَّدَ أَشْهَبُ عَدَمَ الْقَبُولِ بِكَوْنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ غَنِيًّا وَاعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ (إلَّا) الْمُوَرِّثَ (الْفَقِيرَ) فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ وَارِثِهِ عَلَيْهِ بِالزِّنَا أَوْ قَتْلِ الْعَمْدِ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ (أَوْ) شَهَادَةٌ (بِعِتْقِ مَنْ) أَيْ رَقِيقٍ (يُتَّهَمُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الشَّاهِدُ (فِي) الِاخْتِصَاصِ بِ (وَلَائِهِ) عَنْ الْإِنَاثِ مِنْ وَرَثَةِ مُعْتِقِهِ وَالرَّقِيقُ ذُو مَالٍ، فَإِنْ لَمْ يُتَّهَمْ فِيهَا لِعَدَمِ الْإِنَاثِ فِي الْوَرَثَةِ أَوْ عَدَمِ مَالِ الرَّقِيقِ فَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِعِتْقِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي ثَانِي عِتْقِهَا إنْ شَهِدَ وَارِثَانِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَعْتَقَ هَذَا الْعَبْدَ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا نِسَاءٌ وَالْعَبْدُ يَرْغَبُ فِي وَلَائِهِ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَرْغَبُ فِي وَلَائِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ نِسَاءٌ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا.
(أَوْ) شَهَادَةٌ (بِدَيْنٍ لِمَدِينِهِ) أَيْ الشَّاهِدِ فَلَا تُقْبَلُ لِاتِّهَامِهِ بِقَصْدِ أَخْذِهِ فِي دَيْنِهِ الَّذِي عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ، وَظَاهِرُهُ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا اتَّحَدَ الدَّيْنَانِ فِي الصِّفَةِ أَوْ اخْتَلَفَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا.
وَمَفْهُومُ بِدَيْنٍ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَهُ بِغَيْرِ الْمَالِ مَقْبُولَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَشْيَاخِ.
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ جَوَازُ شَهَادَةِ رَبِّ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ ابْنُ الْقَاسِمِ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهَا تُقْبَلُ إذَا كَانَ الْمَدِينُ مُوسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا تُقْبَلُ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا الَّذِي بَلَغَهُ هُوَ تَفْسِيرُ مَا سَمِعَهُ مُجْمَلًا، وَهَذَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ قَرِيبَ الْحُلُولِ، وَأَمَّا إنْ بَعُدَ فَجَائِزَةٌ كَمَا لَوْ كَانَ مَلِيًّا وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَعْتَبِرْ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ.
قَالَهُ تت.
طفى فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْتَبِرْ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ يَكُونُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا، وَمَا بَلَغَهُ خِلَافًا لَهُ، فَأَيْنَ مُسْتَنَدُ الْمُصَنِّفِ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا، فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَيْدِ وَهُوَ ظَاهِرُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَأَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلشَّهَادَةِ بِالدَّيْنِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ لَوْ قَالَ أَوْ بِمَالٍ لِمَدِينِهِ الْمُعْدِمِ أَوْ الْمُلِدِّ لَجَمَعَ الْقُيُودَ كُلَّهَا.
اهـ. وَنُوقِشَ بِبَقَاءِ قَيْدِ الْحُلُولِ

بِخِلَافِ الْمُنْفِقِ لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ، وَشَهَادَةِ كُلٍّ لِلْآخَرِ وَإِنْ بِالْمَجْلِسِ

[منح الجليل]

أَوْ قُرْبِهِ، وَعُذْرُ تت مُتَابَعَةُ التَّوْضِيحِ التَّابِعِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: رَدُّهَا مُطْلَقًا، وَعَزَاهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَجَوَازُهَا مُطْلَقًا لِأَشْهَبَ، وَلِبَعْضِهِمْ التَّفْرِقَةُ بَعْدَ الْمَلِيءِ وَالْمُعْدِمِ وَتَبِعَهُمَا فِي الشَّامِلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَمْ أَجِدْ الْمَنْعَ مُطْلَقًا لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ اقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَمْ يَحْكِ فِيهَا خِلَافًا، وَلَعَلَّهُمَا لَمْ يَقِفَا عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ بِدَلِيلِ عَزْوِهِمَا التَّفْرِقَةَ لِبَعْضِهِمْ وَهُوَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ لِمَالِكٍ فِيمَا بَلَغَ ابْنَ الْقَاسِمِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَقَدْ أَشَارَ " ح " لِمَا قُلْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بِخِلَافِ) شَهَادَةِ الشَّخْصِ (الْمُنْفِقِ لِ) لِشَخْصِ ا (لِمُنْفَقٍ عَلَيْهِ) فَإِنَّهَا تُقْبَلُ قَرِيبًا كَانَ أَوْ أَجْنَبِيًّا.
ابْنُ عَرَفَةَ الصِّقِلِّيُّ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ فِي عِيَالِ الشَّاهِدِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ إذْ لَا تُهْمَةَ.
بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَإِنْ كَانَتْ الْمَشْهُودُ لَهُ مِنْ قَرَابَةِ الشَّاهِدِ كَأَخِيهِ انْبَغَى أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُ لَهُ بِمَالٍ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ لَا تَلْزَمُهُ فَإِنَّهُ يَلْحَقُهُ بَعْدَ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ وَصِلَتِهِ مَعَرَّةٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ أَجْنَبِيًّا جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ.
الصِّقِلِّيُّ هَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْأَجْنَبِيِّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ، وَالْمَسْأَلَةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ لَا لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَهِيَ مِمَّا دَخَلَ فِي قَوْلِهِ أَوْ لِمَدِينِهِ بِدَيْنٍ.
الْحَطّ وَأَمَّا شَهَادَةُ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ لِلْمُنْفِقِ فَلَا تُقْبَلُ كَمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْهَا، وَنَقَلَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ إذَا كَانَ مُبَرِّزًا، وَذَكَرَ نَصَّهَا وَقَالَ عَقِبَهُ لَعَلَّ صَوَابَهُ الْمُنْفِقُ لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ وَهِيَ صُورَةُ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) بِخِلَافِ (شَهَادَةِ كُلٍّ) مِنْ الشَّاهِدَيْنِ (لِلْآخَرِ) فَإِنَّهَا تُقْبَلُ، سَوَاءٌ شَهِدَ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ إنْ كَانَتْ شَهَادَةُ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ بِغَيْرِ الْمَجْلِسِ الْأَوَّلِ، بَلْ (وَإِنْ) شَهِدَ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ (بِالْمَجْلِسِ) الْأَوَّلِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ أَبُو زَيْدٍ ابْن الْقَاسِمِ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ عَلَى رَجُلٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا إنْ كَانَا عَدْلَيْنِ.
ابْنُ رُشْدٍ فِي صِحَّةِ شَهَادَةِ الْمَشْهُودِ لَهُ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَسُقُوطِهَا.
ثَالِثُهَا إنْ كَانَتْ عَلَى رَجُلَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَجْلِسَيْنِ جَازَتْ عَلَى رَجُلَيْنِ، وَفِي جَوَازِهَا عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ قَوْلَانِ.

وَالْقَافِلَةِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ؛ فِي حِرَابَةٍ

[منح الجليل]

اللَّخْمِيُّ عَنْ الْأَخَوَيْنِ إنْ كَانَتْ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَمْ تَجُزْ، وَإِنْ كَانَتْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
جَازَتْ وَلَوْ تَقَارَبَ مَا بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى رَجُلَيْنِ جَازَتْ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَرَى رَدَّهُ جَمِيعًا وَلَوْ كَانَتْ عَلَى رَجُلَيْنِ بِمَجْلِسَيْنِ لَفْظًا أَوْ بِكِتَابٍ لِتُهْمَتِهِمَا إلَّا أَنْ يَطُولَ مَا بَيْنَهُمَا.
الْمَازِرِيُّ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ بِدَيْنٍ عَلَى رَجُلٍ لِرَجُلَيْنِ شَهِدَا لَهُمَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ بِمَجْلِسَيْنِ جَازَتْ وَلَوْ تَقَارَبَا، وَإِنْ كَانَتْ بِمَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَفِي سُقُوطِهَا نَصُّ قَوْلِ الْأَخَوَيْنِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ أَصْبَغَ ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِيَارَ اللَّخْمِيِّ وَأَقَرَّهُ تت تَلَخَّصَ مِنْ كَلَامِهِ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا صُوَرٌ: الْأُولَى أَنْ يَشْهَدَ الشَّاهِدُ عَلَى رَجُلٍ بِأَنَّ عَلَيْهِ لِفُلَانٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَيَشْهَدَ فُلَانٌ الْمَشْهُودُ لَهُ بِأَنَّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِلشَّاهِدِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِمَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ اتَّحَدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَالْمَشْهُودُ بِهِ وَالزَّمَانُ وَالْمَكَانُ، فَقَالَ فِيهِمَا مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا تُقْبَلَانِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَبُولُهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
الثَّانِيَةُ: تَعَدُّدُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَبَاقِيهَا بِحَالِهِ، وَالْمَذْهَبُ قَبُولُهَا، وَرَأَى اللَّخْمِيُّ عَدَمَهُ.
الثَّالِثُ: تَعَدُّدُ الْمَجْلِسِ وَالْبَاقِي بِحَالِهِ، وَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَحَكَى الْمَازِرِيُّ الِاتِّفَاقَ فِيهَا وَلَمْ يَعْتَبِرْ رَأْيَ اللَّخْمِيِّ.
الرَّابِعَةُ: اخْتِلَافُ الْكُلِّ وَطُولُ الزَّمَانِ وَلَمْ يُعْلَمْ خِلَافٌ فِي قَبُولِهَا فِيهَا.
(وَ) بِخِلَافِ شَهَادَةِ (الْقَافِلَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي حِرَابَةٍ) عَلَى الْمُحَارَبِينَ فَتُقْبَلُ مَعَ الْعَدَاوَةِ لِلضَّرُورَةِ، وَظَاهِرُهُ كَانُوا عُدُولًا أَوْ لَا.
وَفِيهَا إنْ كَانُوا عُدُولًا وَسَوَاءٌ شَهِدُوا بِمَالٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِمَا.
طفى قَوْلُهُ وَظَاهِرُهُ كَانُوا عُدُولًا أَوْ لَا، لَيْسَ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ.
الْبُنَانِيُّ وَهَذَا إذَا شَهِدُوا فِي حِرَابَةٍ.
وَأَمَّا إنْ شَهِدَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي مُعَامَلَةٍ فَفِي " ق " رَوَى الْأَخَوَانِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهَا جَائِزَةٌ لِلضَّرُورَةِ بِمُجَرَّدِ تَوَهُّمِ الْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ وَحْدَهُ، وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ الْعَدَالَةُ، وَعَلَيْهِ دَرَجَ فِي التُّحْفَةِ إذْ قَالَ: وَمَنْ عَلَيْهِ وَسْمُ خَيْرٍ قَدْ ظَهَرْ ... زُكِّيَ إلَّا فِي ضَرُورَةِ السَّفَرْ

لَا الْمَجْلُوبِينَ، إلَّا كَعِشْرِينَ

[منح الجليل]

ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا تَجُوزُ عَلَى الْمُحَارَبِينَ شَهَادَةُ مَنْ حَارَبُوهُ إنْ كَانُوا عُدُولًا، إذْ لَا سَبِيلَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ شَهِدُوا بِقَتْلٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
وَسَمِعَ يَحْيَى بْنُ الْقَاسِمِ إنْ شَهِدَ مَسْلُوبُونَ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ سَلَبُونَا هَذِهِ الثِّيَابَ وَالدَّوَابَّ وَهِيَ قَائِمَةٌ بِأَيْدِيهِمْ أُقِيمَ عَلَيْهِمْ بِشَهَادَتِهِمْ وَلَا يَسْتَحِقُّونَ الْمَتَاعَ وَلَا الدَّوَابَّ إلَّا بِشَهِيدَيْنِ سِوَاهُمَا.
ابْنُ رُشْدٍ قِيلَ هَذِهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا فِيهَا، إذْ لَمْ يُقَلْ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَعَ شَهَادَةِ صَاحِبِهِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ عَلَى قَبِيلِ قَوْلِهِ فِي سَرِقَتِهَا أَنَّهُ يُقَامُ عَلَى الْمُحَارَبِينَ الْحَدُّ وَيُعْطَوْنَ الْمَالَ بِشَهَادَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
وَقِيلَ لَيْسَتْ مُخَالَفَةً لَهُ وَمَعْنَى السَّمَاعِ أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فِي الْمَتَاعِ وَالدَّوَابِّ، فَلِذَا سَقَطَتْ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ.
وَقِيلَ يَسْتَحِقَّانِ الدَّوَابَّ وَالْمَتَاعَ وَإِنْ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِيهِمَا وَهُوَ الْآتِي عَلَى رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ فِي أَنَّ شَهَادَةَ شَهِيدَيْنِ مِنْ الْمَسْلُوبِينَ عَلَى مَنْ سَلَبُوهُمْ جَائِزَةٌ فِي الْحَدِّ وَالْمَالِ لِأَنْفُسِهِمَا وَلِأَصْحَابِهِمَا؛ لِأَنَّهَا إذَا جَازَتْ فِي الْحَدِّ جَازَتْ فِي الْمَالِ لِأَنْفُسِهِمَا وَلِغَيْرِهِمَا، إذْ لَا يُجَوَّزُ بَعْضُ الشَّهَادَةِ وَيُرَدُّ بَعْضُهَا.
وَقِيلَ لَا تَجُوزُ فِي حَدٍّ وَلَا فِي مَالٍ لِغَيْرِهِمَا، إذْ لَمْ تَجُزْ لِأَنْفُسِهِمَا؛ لِأَنَّ مَنْ اُتُّهِمَ فِي بَعْضِ شَهَادَتِهِ رُدَّتْ كُلُّهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ.
ثُمَّ قَالَ فَفِي صِحَّتِهَا فِي الْحَدِّ وَالْمَالِ وَلَوْ لِأَنْفُسِهِمَا وَرَدَّهَا فِيهِمَا وَلَوْ بِالْمَالِ لِغَيْرِهِمَا.
ثَالِثُهَا فِي الْحَدِّ وَالْمَالِ لِغَيْرِهِمَا لَا لِأَنْفُسِهِمَا، ثُمَّ قَالَ وَرَابِعُهَا لَا تَجُوزُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ فَتَجُوزُ فِي الْحَدِّ وَفِي أَمْوَالِ الرُّفْقَةِ وَلَا فِي أَمْوَالِ الشُّهَدَاءِ.
هَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَ مَا شَهِدُوا بِهِ لِأَنْفُسِهِمْ كَثِيرًا، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَا يُتَّهَمُونَ عَلَيْهِ جَازَتْ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الِاخْتِلَافُ الَّذِي فِي الْوَصِيَّةِ لِمَوْضِعِ الضَّرُورَةِ، وَلَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِمْ بِالسَّلْبِ دُونَ الْمَالِ جَازَتْ عَلَيْهِمْ فِي الْحَدِّ وَبَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا وُجِدَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْمَالِ اتِّفَاقًا فِيهِمَا.

(لَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَوْمِ (الْمَجْلُوبِينَ) بِالْجِيمِ، أَيْ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ جَلَبَهُمْ وَأَرْسَلَهُمْ السُّلْطَانُ لِحِرَاسَةِ ثَغْرٍ وَنَحْوِهِ لِبَعْضِهِمْ عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ أَوْ نَحْوِهِ الَّذِي أَقَامُوا بِهِ (إلَّا) الشُّهُودَ الْكَثِيرِينَ (كَعِشْرِينَ) عَدْلًا مِنْهُمْ وَأَبَاهُ سَحْنُونٌ فِي الْعِشْرِينَ؛ لِأَنَّهُمْ تَأْخُذُهُمْ حَمِيَّةُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

الْبَلَدِيَّةِ.
الْخَرَشِيُّ يَعْنِي أَنَّ الْمَجْلُوبِينَ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إلَّا أَنْ يَكْثُرُوا وَيَشْهَدُ مِنْهُمْ كَالْعِشْرِينِ فَأَكْثَرُ فَتُقْبَلُ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِنَفْسِهِ، وَهَلْ تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي الْعِشْرِينَ أَوْ لَا؟ الْأَوَّلُ لِلتُّونُسِيِّ، وَالثَّانِي لِلَّخْمِيِّ، وَكَوْنُ الْعِشْرِينَ شَاهِدِينَ صَرَّحَ بِهِ التُّونُسِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ، وَالْمَجْلُوبُونَ قَوْمٌ أَرْسَلَهُمْ السُّلْطَانُ لِسَدِّ ثَغْرٍ أَوْ حِرَاسَةِ قَرْيَةٍ أَوْ قَوْمٌ كُفَّارٌ أَتَوْا مُتَرَافِقِينَ لِبَلَدِ الْإِسْلَامِ أَسْلَمُوا اُسْتُرِقُّوا أَمْ لَا لِاتِّهَامِهِمْ بِحَمِيَّةِ الْبَلَدِيَّةِ.
الْعَدَوِيُّ الْمُعْتَمَدُ اشْتِرَاطُ عَدَالَةِ الْعِشْرِينَ وَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ ضَعِيفٌ.
طفى عَمَّمَ فِي تَوْضِيحِهِ وَمُخْتَصَرُهُ عَدَمُ قَبُولِ شَهَادَةِ الْمَجْلُوبِينَ وَقَرَّرَهُ تت وَغَيْرُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي الشَّهَادَةِ بِالنَّسَبِ، وَبِهَا قَرَّرَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ، فَفِيهَا الْمَحْمُولُونَ إذَا أَعْتَقُوا فَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَخٌ لِبَعْضٍ أَوْ عَصَبَتُهُمْ، قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَمَّا أَهْلُ الْبَيْتِ وَالنَّفَرُ الْيَسِيرُ يُحْمَلُونَ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ وَيُسْلِمُونَ فَلَا يَتَوَارَثُونَ بِقَوْلِهِمْ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ لَهُمْ بِذَلِكَ مَنْ كَانَ بِبَلَدِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْحِصْنِ وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ يُحْمَلُونَ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ وَيُسْلِمُونَ فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَيَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ.
وَفِيهَا أَيْضًا كُلُّ بَلَدٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَقَرَّ أَهْلُهَا فِيهَا وَأَسْلَمُوا وَشَهِدَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَإِنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِأَنْسَابِهِمْ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُمْ عَلَى أَنْسَابِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ حِينَ أَسْلَمَتْ، وَكَذَلِكَ الْحِصْنُ يُفْتَحُ وَشَبَهُهُ بِخِلَافِ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ يُحْمَلُونَ إلَيْنَا.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ الْعِشْرُونَ عَدَدٌ كَثِيرٌ وَأَبَاهُ سَحْنُونٌ.
أَبُو الْحَسَنِ هَذَا خَاصٌّ بِشَهَادَتِهِمْ بِالنَّسَبِ، وَهَلْ تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ أَوْ لَا تُشْتَرَطُ؟ خِلَافٌ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي تَحْقِيقِهِ، وَاخْتَارَ مِنْهُ الِاشْتِرَاطَ.
اهـ. " ق ". ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ رَأَيْنَا مَالِكًا وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - يُجِيزُونَ لِلضَّرُورَةِ شَهَادَةَ بَعْضِ أَهْلِ الرُّفْقَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إذَا عَرَضَ لَهُمْ خِصَامٌ فِيمَا يَدُورُ بَيْنَهُمْ مِنْ الْبَيْعِ وَالْكِرَاءِ وَالسَّلَفِ وَالْمُعَامَلَةِ بِتَوَسُّمِ الْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ فِي ذَلِكَ الشَّاهِدِ، كَانُوا مِنْ بَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ بُلْدَانٍ شَتَّى، وَلَا تَجْرِيحَ لِلْخَصْمِ.
فِيهِمْ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحُدُودِ وَالْغَصْبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ

وَلَا مَنْ شَهِدَ لَهُ بِكَثِيرٍ وَلِغَيْرِهِ بِوَصِيَّةٍ؛ وَإِلَّا قُبِلَ لَهُمَا؛

[منح الجليل]

الْوُجُوهَ لَا شَهَادَةَ فِيهَا إلَّا بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ فِيمَا ذَكَرْنَا لِإِصْلَاحِ السَّبِيلِ وَرَدِّ أَكْثَرِ الشَّرِّ اهـ مِنْ الْمُفِيدِ، فَانْظُرْهُ مَعَ قَوْلِ الرَّمَاصِيِّ الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى النَّسَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (مَنْ شَهِدَ لَهُ) أَيْ الشَّاهِدُ نَفْسُهُ (بِ) مَالٍ (كَثِيرٍ وَلِغَيْرِهِ) أَيْ الشَّاهِدِ بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ (بِوَصِيَّةٍ) لِلتُّهْمَةِ.
وَفِي الْجَلَّابِ قَبُولُهَا لِغَيْرِهِ فَقَطْ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لِنَفْسِهِ بِكَثِيرٍ وَشَهِدَ لَهَا بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ بِهَا (قُبِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مَا شَهِدَ بِهِ لَهُمَا.
هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَظَاهِرُهُ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مَكْتُوبَةً أَمْ لَا.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " عَنْهُمَا فِيمَنْ شَهِدَ لِرَجُلٍ فِي ذِكْرِ حَقٍّ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ شَهَادَتِهِ عَلَى وَصِيَّةٍ أَوْصَى لَهُ فِيهَا بِشَيْءٍ تَافِهٍ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ فَتَجُوزُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُجَازَ الشَّهَادَةُ وَيُرَدَّ بَعْضُهَا، وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي رَجُلٍ هَلَكَ فَشَهِدَ رَجُلٌ أَنَّهُ أَوْصَى لِقَوْمٍ بِوَصَايَا وَوَصَّى لِلشَّاهِدِ بِوَصِيَّةٍ أَوْ أَسْنَدَ الْوَصِيَّةَ إلَى الشَّاهِدِ وَهُوَ يَشْهَدُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي شَهِدَ بِهِ لِنَفْسِهِ تَافِهًا لَا يُتَّهَمُ فِيهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ.
ابْنُ يُونُسَ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ فِيهَا ضَرُورَةٌ، إذْ قَدْ يَخْشَى الْمُوصِي مُعَالَجَةَ الْمَوْتِ وَلَا يَحْضُرُهُ إلَّا الَّذِي أَوْصَى لَهُ، وَلَا ضَرُورَةَ تَلْحَقُ الْمُشْهَدَ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْحُقُوقِ وَكَمَا أَجَازُوا شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ لِلضَّرُورَةِ وَشَهَادَةَ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ.
طفى قَوْلُهُ وَلَا مَنْ شَهِدَ لَهُ إلَخْ الْأَوْلَى تَجْرِيدُهُ مِنْ لَا؛ لِأَنَّهُ مَنْ سَلَكَ مَا قَبْلَهُ وَتَوَهَّمَ عَطْفَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ لَيْسَ بِمُسَوِّغٍ لِذَلِكَ، ثُمَّ فِيهِ تَعَدَّى فِعْلُ الْفَاعِلِ الْمُتَّصِلِ إلَى ضَمِيرِهِ الْمُتَّصِلِ، وَذَلِكَ خَاصٌّ بِأَفْعَالِ الْقُلُوبِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِشَهِدَ، بَلْ بِمَا بَعْدَهُ وَهُوَ كَثِيرٌ وَفِيهِ تَكَلُّفٌ، وَيَصِيرُ فِي الْكَلَامِ رَكَاكَةٌ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ فَلَوْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي وَصِيَّةٍ، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ كَثِيرًا لَمْ يُقْبَلْ فِيهِمَا.
الْبُنَانِيُّ لَا يَبْعُدُ إجْرَاءُ شَهِدَ مَجْرَى أَفْعَالِ الْقُلُوبِ لِرُجُوعِهِ لِلْعِلْمِ.
قُلْت الظَّاهِرُ أَنَّ الْخَاصَّ بِأَفْعَالِ الْقُلُوبِ رَفْعُهَا وَنَصْبُهَا بِلَا وَاسِطَةِ حَرْفِ جَرٍّ ضَمِيرَيْ

وَلَا إنْ دَفَعَ: كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ، أَوْ الْمُدَانِ الْمُعْسِرِ لِرَبِّهِ

[منح الجليل]

وَاحِدٍ، نَحْوُ عَلِمْتنِي وَخِلْتنِي.
وَأَمَّا رَفْعُ أَحَدِ الضَّمِيرَيْنِ وَنَصْبُ الْآخَرِ بِوَاسِطَةِ حَرْفِ الْجَرِّ فَلَيْسَ خَاصًّا بِأَفْعَالِ الْقُلُوبِ، نَحْوُ اشْتَرَيْت لِي وَوَكَّلْت لِي وَاكْتَرَيْت لِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ (إنْ دَفَعَ) الشَّاهِدُ بِهَا عَنْهُ ضَرَرًا (كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ (بِفِسْقِ) الـ (شُهُودِ) الشَّاهِدِينَ عَلَيْهِ بِ (الْقَتْلِ) خَطَأً لِاتِّهَامِهِمْ بِقَصْدِهِمْ إسْقَاطَهُمْ غُرْمَ الدِّيَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، عَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ أَنْ يَجْرَأَ أَوْ يَدْفَعَ بِهَا، قَالَ أَمَّا الدَّفْعُ فَكَشَاهِدَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ خَطَأً.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِرَدِّ هَذِهِ الشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَاَلَّذِي يَلْزَمُ الْغَنِيَّ أَدَاؤُهُ يَسِيرٌ جِدًّا، فَتَأَمَّلْ هَذَا، وَقَابِلْهُ بِقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ يُقْبَلُ هَذَا اهـ، فَأَخَذَ الْمُصَنِّفُ مِنْهُ تَقْيِيدَ الشَّاهِدِ بِالْفِسْقِ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ وتت وعب وشب وَاعْتَمَدَهُ الْبُنَانِيُّ وَالْعَدَوِيُّ.
(أَوْ) كَشَهَادَةِ (الْمُدَانِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ الْمَدِينِ (الْمُعْسِرِ) فِي الْوَاقِعِ الظَّاهِرُ الْمُلَاءُ الَّذِي يُخْشَى حَبْسُهُ حَتَّى يَثْبُتَ عُسْرُهُ (لِرَبِّهِ) أَيْ الدَّيْنِ فَلَا تُقْبَلُ لِاتِّهَامِهِ بِقَصْدِ دَفْعِ ضَرَرِ حَبْسِهِ فِي دَيْنِهِ، وَمَفْهُومُ الْمُعْسِرِ أَنَّ شَهَادَةَ الْمَدِينِ الْغَنِيِّ الَّذِي لَا يَضُرُّهُ دَفْعُ مَا عَلَيْهِ وَلَا يُخْشَى حَبْسُهُ فِيهِ لَهُ مَقْبُولَةٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، وَكَذَا إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا بِأَجَلٍ بَعِيدٍ، سَوَاءٌ شَهِدَ لَهُ بِمَالٍ أَوْ اسْتِحْقَاقِ قِصَاصٍ أَوْ حَدِّ قَاذِفٍ أَوْ تَأْدِيبِ سَابٍّ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَالِ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَهَمِّ الْمَالِ خِلَافًا لِنَقْلِ ابْنِ زَرْقُونٍ عَنْ أَهْلِ النَّظَرِ إجَازَةَ شَهَادَةِ الْمَدِينِ الْمُعْسِرِ لِرَبِّهِ بِغَيْرِ الْمَالِ أَفَادَهُ الْخَرَشِيُّ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا كَانَ الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ كَوْنَهُ أَسِيرَهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَالِ وَغَيْرِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ غَيْرُ الْمَالِ أَهَمَّ عِنْدَ الْمَشْهُودِ لَهُ مِنْ الْمَالِ.
ابْنُ عَرَفَةَ إنْ كَانَ الدَّيْنُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى الشَّاهِدِ فَفِي سَمَاعِ زُونَانَ لِأَشْهَبَ جَوَازَهَا كَانَ مَلِيًّا أَوْ مُعْدِمًا، خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي

وَلَا مُفْتٍ عَلَى مُسْتَفْتِيهِ، إنْ كَانَ مِمَّا يُنَوَّى فِيهِ، وَإِلَّا رَفَعَ

[منح الجليل]

هَذَا السَّمَاعِ، يُرِيدُ وَالدَّيْنُ حَالٌّ أَوْ قَرِيبَ الْحُلُولِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى أَنْ يُوَسِّعَ لَهُ فِي أَجَلِ الدَّيْنِ وَيُؤَخِّرَهُ بِهِ كَانَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ بِمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَرَ أَشْهَبُ هَذِهِ تُهْمَةً فِي الْعَدْلِ كَانَ الدَّيْنُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى الشَّاهِدِ أَوْ بِالْعَكْسِ.
الْبَاجِيَّ إنْ كَانَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ دَيْنٌ عَلَى الشَّاهِدِ، فَإِنْ كَانَ غَنِيًّا قُبِلَتْ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا رُدَّتْ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَالْأَخَوَانِ قَالَا؛ لِأَنَّهُ كَأَسِيرٍ بِيَدِهِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ قَرِيبَ الْحُلُولِ، وَإِنْ بَعُدَ أَجَلُهُ جَازَتْ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَرُدَّتْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ.
وَمَعْنَى الْغِنَى هُنَا أَنْ لَا يَسْتَضِرَّ بِإِزَالَةِ هَذَا الْمَالِ عَنْهُ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ كَفَافُهُ فَالضَّرَرُ يَلْحَقُهُ بِتَعْجِيلِهِ مِنْهُ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ.
الْبُنَانِيُّ ضَبَطَ فِي التَّوْضِيحِ الْمُدَانَ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ أَدَانَ الرُّبَاعِيِّ كأقأم، وَهُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِشَدِّ الدَّالِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ ادَّانَ الْمُشَدَّدِ الدَّالِ الْخُمَاسِيِّ، وَأَصْلُهُ ادْتَيَنَ عَلَى وَزْنِ افْتَعَلَ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ.
قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ أَدَنْت الرَّجُلَ أَعْطَيْته دَيْنًا، وَهَذَا يَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ وَادَّانَ وَاسْتَدَانَ وَدَانَ أَخَذَ الدَّيْنَ وَهَذَا يَشْهَدُ لِلثَّانِي وَنَحْوُهُمَا لِلْجَوْهَرِيِّ إلَّا أَنَّهُ فَسَّرَ الْخُمَاسِيَّ بِاسْتَقْرَضَ بَعْدَمَا قَالَ دِنْت الرَّجُلَ أَقْرَضْته فَهُوَ مَدِينٌ وَمَدْيُونٌ.

(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (مُفْتٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْفَاءِ، أَيْ مُخْبِرٍ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْإِلْزَامِ (عَلَى مُسْتَفْتِيه) أَيْ طَالِبِ الْفَتْوَى مِنْ الْمُفْتِي (إنْ كَانَ) الْمَسْئُولُ عَنْهُ (مِمَّا يُنَوَّى) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ وَالْوَاوِ مُثَقَّلًا، أَيْ تُقْبَلُ النِّيَّةُ (فِيهِ) مِنْ الْمُسْتَفْتِي عِنْدَ الْمُفْتِي وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي، أَوْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بِهِ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ تُقْبَلْ نِيَّتُهُ وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِظَاهِرِ لَفْظِهِ كَقَوْلِهِ لِلْمُفْتِي كَانَتْ زَوْجَتِي مُوثَقَةً، فَقَالَتْ لِي أَطْلِقْنِي، فَقُلْت لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ نَاوِيًا مِنْ الْوَثَاقِ فَأَفْتَاهُ بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَفَعَتْهُ زَوْجَتُهُ لِلْقَاضِي فَأَنْكَرَ فَطَلَبَتْ مِنْ الْمُفْتِي الشَّهَادَةَ عَلَى إقْرَارِهِ فَلَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ فَإِنْ شَهِدَ لَهَا عَلَيْهِ بِهِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا يُنَوَّى فِيهِ عِنْدَ الْمُفْتِي (رَفَعَ) الْمُفْتِي الشَّهَادَةَ لِلْقَاضِي وَشَهِدَ بِإِقْرَارِهِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ إنْ أَنْكَرَهُ.
ابْنُ يُونُسَ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الرَّجُلِ يَأْتِي مُسْتَفْتِيًا عَنْ أَمْرٍ يُنَوَّى فِيهِ، وَلَوْ أَقَرَّ

فصول الكتاب · 2 فصل · 721 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منح الجليل شرح مختصر خليل · 721 صفحة
المقدمة
فَصْلٌ) فِي الْخُلْعِ:
جارٍ التحميل