منح الجليل شرح مختصر خليلصفحات 49-88
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ) فِي الْخُلْعِ:

صفحات 49-88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

الْحَطّ لَمَّا أَنْ أَخْرَجَ الْجِرَاحَ الَّتِي لَا قِصَاصَ فِيهَا لِأَنَّهَا مَتَالِفُ وَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا عَدَاهَا مِنْ الْجِرَاحِ فِيهِ الْقِصَاصُ، ذُكِرَ أَنَّ شَرْطَ الْقِصَاصِ فِيهَا أَنْ لَا يَعْظُمَ الْخَطَرُ فِي ذَلِكَ الْجُرْحِ أَوْ الْكَسْرِ كَعَظْمِ الصَّدْرِ، وَجَزَمَ هُنَا تَبَعًا لِمَنْ تَقَدَّمَهُ كَابْنِ الْحَاجِبِ.
وَرَدَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الضِّلَعِ.
قَالَ فِي كِتَابِ الْجِرَاحِ مِنْهَا وَالصُّلْبُ إذَا كُسِرَ خَطَأً وَبَرِئَ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ كَسْرٍ يَعُودُ لِهَيْئَتِهِ لَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَمْدًا يُسْتَطَاعُ فِيهِ الْقِصَاصُ، فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ عَظْمًا إلَّا فِي الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَمَا لَا يُسْتَطَاعُ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ فَلَيْسَ فِي عَمْدِهِ إلَّا الدِّيَةُ مَعَ الْأَدَبِ.
مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَفِي عِظَامِ الْجَسَدِ الْقَوَدُ مِنْ الْهَاشِمَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا مَا كَانَ مَخُوفًا مِثْلَ الْفَخْذِ وَشِبْهِهِ فَلَا قَوَدَ فِيهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانَتْ الْهَاشِمَةُ فِي الرَّأْسِ فَلَا قَوَدَ فِيهَا لِأَنِّي لَمْ أَجِدْ هَاشِمَةً فِي الرَّأْسِ إلَّا كَانَتْ مُنَقِّلَةً، وَلَا قِصَاصَ فِي الصُّلْبِ وَالْفَخْذِ وَعِظَامِ الْعُنُقِ وَفِي كَسْرِ أَحَدِ الزَّنْدَيْنِ وَهُمَا قَصَبَتَا الْيَدِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَبْرَأَ عَلَى عَثْمٍ فَفِيهِ الِاجْتِهَادُ.
وَفِي كَسْرِ الذِّرَاعَيْنِ وَالْعَضُدَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ وَالْأَصَابِعِ الْقِصَاصُ، وَفِي كَسْرِ الضِّلَعِ الِاجْتِهَادُ إذَا بَرِئَ عَلَى عَثْمٍ، وَإِنْ بَرِئَ عَلَى غَيْرِ عَثْمٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَإِنْ كُسِرَتْ عَمْدًا فَهِيَ كَعِظَامِ الصَّدْرِ إنْ كَانَ مَخُوفًا كَالْفَخْذِ فَلَا قَوَدَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْيَدِ وَالسَّاقِ فَفِيهِ الْقِصَاصُ، وَفِي التَّرْقُوَةِ إذَا كُسِرَتْ عَمْدًا الْقِصَاصُ، لِأَنَّ أَمْرَهَا يَسِيرٌ لَا يُخَافُ مِنْهُ، وَإِنْ كُسِرَتْ خَطَأً فَفِيهِ الِاجْتِهَادُ إنْ بَرِئَ عَلَى عَثْمٍ وَإِنْ بَرِئَ عَلَى غَيْرِ عَثْمٍ فَلَا شَيْءَ فِيهَا اهـ. وَبَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَعُدَّ فِي الْجِرَاحِ الَّتِي لَا قِصَاصَ فِيهَا الْجَائِفَةَ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَبُو الْحَسَنِ شَكَّ فِي عِظَامِ الصَّدْرِ وَالضِّلَعِ فَرَدَّ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ.
عِيَاضٌ الْعَثْمُ وَالْعَثَلُ بِالْمِيمِ وَاللَّامِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ مَفْتُوحَةً مَعَ اللَّامِ وَسَاكِنَةً مَعَ الْمِيمِ، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنًى وَهُوَ الْأَثَرُ وَالشَّيْنُ.
اهـ. وَالضِّلَعُ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ

وَفِيهَا أَخَافُ فِي رَضِّ الْأُنْثَيَيْنِ أَنْ يَتْلَفَ

وَإِنْ ذَهَبَ: كَبَصَرٍ بِجُرْحٍ اُقْتُصَّ مِنْهُ، فَإِنْ حَصَلَ، أَوْ زَادَ، وَإِلَّا فَدِيَةٌ: مَا لَمْ يَذْهَبْ

[منح الجليل]

وَالتَّرْقُوَةُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ بِلَا هَمْزَةٍ أَعْلَى الصَّدْرِ الْمُتَّصِلِ بِالْعُنُقِ وَالزَّنْدُ بِفَتْحِ الزَّاي وَبِالنُّونِ اهـ. وَإِنْ رَضَّ مُكَلَّفٌ غَيْرُ حَرْبِيٍّ (أُنْثَى رَجُلٍ، أَيْ دَقَّهُمَا بِنَحْوِ حَجَرٍ عَمْدًا عُدْوَانًا وَلَمْ يَمُتْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ) إلَخْ فَ (فِيهَا) أَيْ الْمُدَوَّنَةِ (أَخَافُ) إذَا اُقْتُصَّ مِنْ الْجَانِي (فِي رَضِّ الْأُنْثَيَيْنِ أَنْ يَتْلَفَ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَاللَّامِ، أَيْ يَمُوتُ الْجَانِي فَيَلْزَمُ أَخْذُ نَفْسٍ بِعُضْوٍ وَنَصُّ التَّهْذِيبِ فِي الْأُنْثَيَيْنِ إذَا أَخْرَجَهُمَا أَوْ رَضَّهُمَا الدِّيَةُ كَامِلَةً.
قِيلَ فَإِنْ أَخْرَجَهُمَا أَوْ رَضَّهُمَا عَمْدًا قَالَ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي إخْرَاجِ الْأُنْثَيَيْنِ الْقِصَاصُ، وَلَا أَدْرِي مَا قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الرَّضِّ إلَّا أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ رَضُّهُمَا مُتْلِفًا، فَإِنْ كَانَ مُتْلِفًا فَلَا قَوَدَ فِيهِمَا، وَكَذَا كُلُّ مُتْلِفٍ.
أَشْهَبُ إنْ قُطِعَتَا أَوْ جُرِحَتَا فَفِيهِمَا الْقَوَدُ، وَلَا قَوَدَ فِي رَضِّهِمَا لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ

(وَإِنْ ذَهَبَ) مِنْ مَعْصُومٍ (كَبَصَرٍ) وَسَمْعٍ وَكَلَامٍ مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي (بِ) سَبَبِ (جُرْحٍ) فِيهِ الْقِصَاصُ مِنْ مُكَلَّفٍ غَيْرِ حَرْبِيٍّ إلَخْ عَمْدًا عُدْوَانًا بِأَنْ أَوْضَحَهُ فَذَهَبَ مِنْهُ بَصَرُهُ مَثَلًا (اُقْتُصَّ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ (مِنْهُ) أَيْ الْجَانِي بِمِثْلِ جُرْحِهِ بَعْدَ بُرْءِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنْهُ.
(وَإِنْ حَصَلَ) لِلْجَانِي مِثْلُ مَا حَصَلَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِأَنْ ذَهَبَ مِنْهُ مِثْلُ مَا ذَهَبَ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَقَطْ (أَوْ زَادَ) الْحَاصِلُ لِلْجَانِي عَلَى مَا حَصَلَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِأَنْ ذَهَبَ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَصَرُهُ وَذَهَبَ مِنْ الْجَانِي بَصَرُهُ وَسَمْعُهُ مَثَلًا فَقَدْ اسْتَوْفَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حَقَّهُ وَالزَّائِدُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا دَخْلَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِيهِ وَلِأَنَّ الْجَانِيَ ظَالِمٌ، وَالظَّالِمُ أَحَقُّ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لِلْجَانِي مِثْلُ مَا حَصَلَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِأَنْ لَمْ يَذْهَبْ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَعَانِي أَوْ ذَهَبَ مِنْهُ غَيْرُ مَا ذَهَبَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (فَدِيَةٌ) مِثْلُ (مَا) أَيْ مَعْنَى (لَمْ يَذْهَبْ) مِنْ الْجَانِي فِي مَالِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ عِنْدَ أَشْهَبَ إنْ كَانَتْ ثُلُثًا فَأَكْثَرَ وَإِلَّا فَفِي

وَإِنْ ذَهَبَ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ، فَإِنْ اُسْتُطِيعَ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَالْعَقْلُ: كَأَنْ شُلَّتْ

[منح الجليل]

مَالِهِ فَكَلَامُهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَلَا يَصِحُّ إبْقَاءُ كَلَامِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّ الَّذِي لَمْ يَذْهَبْ هُوَ بَصَرُ الْجَانِي مَثَلًا، وَقَدْ يَكُونُ امْرَأَةً وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ذَكَرًا مَعَ أَنَّ الْجَانِيَ إنَّمَا يَلْزَمُهُ فِي هَذَا الْحَالِ دِيَةُ بَصَرِ الرَّجُلِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا دِيَةُ بَصَرِ الْمَرْأَةِ الَّذِي لَمْ يَذْهَبْ، وَكَذَا إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالْآخَرُ كَافِرًا، وَلَوْ قَالَ فَدِيَةُ مَا ذَهَبَ فِي مَالِهِ عَلَى الْأَصَحِّ لَسَلِمَ مِنْ التَّكَلُّفِ قَالَهُ عج وَتَلَامِذَتُهُ.
الْبُنَانِيُّ فِي تَصْوِيبِهِ نَظَرٌ لِاقْتِضَائِهِ غُرْمَ دِيَةِ جَمِيعِ مَا ذَهَبَ، وَإِنْ حَصَلَ لِلْجَانِي بَعْضُ ذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِيهَا إنْ أَوْضَحَهُ مُوضِحَةً عَمْدًا فَذَهَبَ بِهَا سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ أُقِيدَ مِنْ الْمُوضِحَةِ بِعَمْدِ الْبُرْءِ، فَإِنْ بَرِئَ الْجَانِي وَلَمْ يَذْهَبْ سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ بِذَلِكَ كَانَ فِي مَالِهِ دِيَتَانِ دِيَةُ سَمْعٍ وَدِيَةُ عَقْلٍ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ قَوَدٌ وَعَقْلٌ، وَمَنْ ضَرَبَ يَدَ رَجُلٍ فَشُلَّتْ ضُرِبَ الضَّارِبُ كَمَا ضَرَبَ، فَإِنْ شُلَّتْ يَدُهُ وَإِلَّا فَعَقْلُهَا فِي مَالِهِ.
أَشْهَبُ هَذَا إذَا كَانَتْ الضَّرْبَةُ بِجُرْحٍ فِيهِ الْقَوَدُ فَلَوْ ضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ بِعَصًا فَشُلَّتْ يَدُهُ فَلَا قَوَدَ وَعَلَيْهِ دِيَةُ الْيَدِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ تَقْيِيدُ ابْنِ الْحَاجِبِ، أَمَّا الْمَعَانِي فَكَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، فَإِنْ ذَهَبَ شَيْءٌ مِنْهَا بِسِرَايَةِ مَا فِيهِ الْقِصَاصُ كَمُوضِحَةٍ اُقْتُصَّ مِنْهُ فِيهَا، فَإِنْ ذَهَبَ مِنْهُ اسْتَوْفَى وَإِلَّا فَعَلَيْهِ دِيَةُ مَا لَمْ يَذْهَبْ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي مَالِهِ

(وَإِنْ) ضَرَبَهُ بِعَصًا أَوْ لَطَمَهُ عَمْدًا عُدْوَانًا فَ (ذَهَبَ) بَصَرُهُ (وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ) لَمْ تَنْخَسِفْ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (فَإِنْ اُسْتُطِيعَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ أَنْ يُفْعَلَ بِالْجَانِي فُعِلَ (كَذَلِكَ) أَيْ فِعْلُ الْجَانِي فِي إذْهَابِ بَصَرِهِ مَعَ قِيَامِ عَيْنِهِ فُعِلَ بِهِ، فَقَدْ رُفِعَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَجُلٌ لَطَمَ رَجُلًا فَأَذْهَبَ بَصَرَهُ وَعَيْنُهُ قَائِمَةٌ فَحَكَمَ بِالْقِصَاصِ مِنْهُ فَأَعْيَا عَلَيْهِ وَعَلَى النَّاسِ حَتَّى أَتَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَأَمَرَ بِجَعْلِ كُرْسُفٍ عَلَى عَيْنِ الْمُصِيبِ وَاسْتِقْبَالِ الشَّمْسِ بِهَا فَذَهَبَ بَصَرُهُ وَعَيْنُهُ قَائِمَةٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسْتَطَعْ فِعْلُ ذَلِكَ بِالْجَانِي (فَالْعَقْلُ) مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ.
وَشَبَّهَ فِي الْفِعْلِ الْمُذْهِبِ لِلْمَعْنَى إنْ أَمْكَنَ وَلُزُومُ الْعَقْلِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ فَقَالَ (كَأَنْ شُلَّتْ)

يَدُهُ بِضَرْبَةٍ

[منح الجليل]

بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ بَطَلَتْ (يَدُهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (بِ) سَبَبِ (ضَرْبَةٍ) لَا قِصَاصَ فِيهَا مِنْ الْجَانِي عَمْدًا عُدْوَانًا، فَإِنْ اُسْتُطِيعَ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ مَا يَشُلُّ يَدَهُ فَعَلَ وَإِلَّا فَالْعَقْلُ فِي مَالِهِ.
طفي عج أَيْ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهَا بِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ كَلَطْمَةٍ فَافْتَرَقَتْ هَذِهِ مِمَّا قَبْلَهَا.
اهـ. وَفَرَّقَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَيْنَهُمَا بِفَرْقٍ آخَرَ فَقَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَفِيهَا إذَا ذَهَبَ الْبَصَرُ بِضَرْبَةٍ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ فَإِنْ اُسْتُطِيعَ الْقَوَدُ مِنْ الْبَيَاضِ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ أُقِيدَ مَا نَصُّهُ أَتَى بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَنْسُوبَةً لِلْمُدَوَّنَةِ، لِأَنَّهَا تُوهِمُ خِلَافَ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُوضِحَةِ الَّتِي أَذْهَبَتْ الْبَصَرَ وَالسَّمْعَ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ هُنَاكَ مُتَّفِقٌ عَلَى عَدَمِ الْقِصَاصِ فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ مُجَرَّدٌ، وَلَا مُنَاقَضَةَ عِنْدَ الشُّيُوخِ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الضَّرْبَ هُنَاكَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْمَنْفَعَةِ وَالضَّرْبُ هُنَا فِي الْعَيْنِ نَفْسِهَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ فَقْءِ عَيْنِ الْجَانِي لِأَنَّهُ أَزْيَدُ مِمَّا فَعَلَهُ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
اهـ. وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْفِعْلُ يُقْتَصُّ مِنْهُ أَمْ لَا، وَكَذَا أَطْلَقَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي فَرْقِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الضَّرْبَ مَهْمَا كَانَ فِي مَحَلِّ الْمَنْفَعَةِ فَالْحُكْمُ مَا ذَكَرَ مَعَ أَنَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ ضَرَبَ يَدَ رَجُلٍ أَوْ رِجْلَهُ عَمْدًا فَشُلَّتْ، فَإِنَّ الضَّارِبَ يُضْرَبُ مِثْلَهَا قِصَاصًا، فَإِنْ شُلَّتْ يَدُهُ وَإِلَّا كَانَ الْعَقْلُ فِي مَالِهِ دُونَ الْعَاقِلَةِ.
اهـ. فَلَمْ يَذْكُرْ الْقِصَاصَ مِنْ الشَّلَلِ إنْ أَمْكَنَ مَعَ أَنَّ الْجِنَايَةَ فِي مَحَلِّ الْمَنْفَعَةِ.
الصِّقِلِّيُّ عَنْ أَشْهَبَ هَذَا إذَا كَانَتْ الضَّرْبَةُ بِجُرْحٍ فِيهِ الْقَوَدُ، وَلَوْ ضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ بِعَصًا فَشُلَّتْ يَدُهُ فَلَا قَوَدَ وَعَلَيْهِ دِيَةُ الْيَدِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَوْنِهِ تَقْيِيدًا أَوْ خِلَافًا نَظَرٌ وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ، وَهَذَا يَبْطُلُ فَرْقَ عج لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَهْمَا ذَهَبَتْ بِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ فَالْحُكْمُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ عَلِمْت خِلَافَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْمُدَوَّنَةِ خَاصٌّ بِالْبَصَرِ لِمَا جَاءَ فِيهِ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْمَنَافِعِ لَا يُسْتَطَاعُ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ أَمْكَنَ لَقِيلَ فِيهِ كَذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ الضَّرْبُ يُقْتَصُّ مِنْهُ أَمْ لَا فِي مَحَلِّ الْمَنْفَعَةِ أَمْ لَا عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ فِي الشَّلَلِ هِيَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَأَنْ شُلَّتْ يَدُهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَّارِ، وَإِذَا

وَإِنْ قُطِعَتْ يَدُ قَاطِعٍ بِسَمَاوِيٍّ، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ قِصَاصٍ لِغَيْرِهِ، فَلَا شَيْءَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ

وَإِنْ قَطَعَ أَقْطَعُ الْكَفِّ مِنْ الْمِرْفَقِ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَوْ الدِّيَةُ.

[منح الجليل]

ضُرِبَتْ الْعَيْنُ فَذَهَبَ بَصَرُهَا وَبَقِيَ جَمَالُهَا فَفِيهَا عَقْلُهَا خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ وَلَا قَوَدَ فِيهَا، وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ مِنْهَا عَمْدًا لِأَنَّهُ لَا يُوصَلُ إلَى الْقَوَدِ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْيَدُ إذَا شُلَّتْ وَلَمْ تَبِنْ وَكَذَلِكَ اللِّسَانُ إذَا أُخْرِسَ وَلَمْ يُقْطَعْ هَذِهِ سَبِيلُ كُلِّ مَا ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ وَلَمْ يَبِنْ عَنْ جُثْمَانِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَبَقِيَ جَمَالُهُ، وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَفِيهِ عَقْلُهُ كَامِلًا وَلَا قَوَدَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا، وَيُؤَدَّبُ الْجَانِي مَعَ أَخْذِ الْعَقْلِ مِنْهُ، وَإِذَا ضَرَبَ رَجُلٌ عَيْنَ رَجُلٍ فَأَدْمَعَهَا أَوْ ضَرَبَ سِنَّهُ فَحَرَّكَهَا أَوْ ضَرَبَ يَدَهُ فَأَوْهَنَهَا اُسْتُؤْنِيَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ سَنَةً فَمَا آلَ إلَيْهِ أَمْرُ الْعَيْنِ وَالسِّنِّ وَالْيَدِ بَعْدَ السَّنَةِ حُكِمَ بِهِ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ اهـ.

(وَإِنْ قُطِعَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (يَدُ) إنْسَانٍ (قَاطِعِ) يَدِ آخَرَ عَمْدًا عُدْوَانًا أَوْ خَطَأً قَبْلَ الْقِصَاصِ أَوْ أَخْذِ الدِّيَةِ، وَصِلَةُ قُطِعَتْ (بِسَمَاوِيٍّ) مَنْسُوبٌ لِلسَّمَاءِ لِكَوْنِهِ لَا دَخْلَ لِمَخْلُوقٍ فِيهِ انْفَرَدَ بِهِ رَافِعُ السَّمَاءِ بِلَا عَمْدٍ كَجُذَامٍ وَصَاعِقَةٍ (أَوْ) قُطِعَتْ بِسَبَبِ (سَرِقَةٍ) لَرُبُع دِينَارٍ مَثَلًا (أَوْ) قُطِعَتْ بِ (قِصَاصٍ لِغَيْرِهِ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ يُقْطَعُ بِأَنْ قَطَعَ يَدَ شَخْصٍ ثُمَّ قَطَعَ يَدَ آخَرَ فَاقْتَصَّ مِنْهُ.
الثَّانِي قَبْلَ قِيَامِ الْأَوَّلِ (فَلَا شَيْءَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) مِنْ قِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ كَمَوْتِ الْجَانِي قَبْلَ الْقِصَاصِ مِنْهُ.
فِيهَا إنْ ذَهَبَتْ يُمْنَى مَنْ قَطَعَ يُمْنَى رَجُلٍ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ بِقَطْعِ سَرِقَةٍ أَوْ قِصَاصٍ فَلَا شَيْءَ لِلْمَقْطُوعَةِ يَمِينُهُ، وَلَوْ فَقَأَ أَعْيُنَ جَمَاعَةٍ الْيُمْنَى وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ فَلْتُفْقَأْ عَيْنُهُ لِجَمِيعِهِمْ، وَكَذَا قَطْعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَمَنْ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا ثُمَّ رَجُلًا آخَرَ قُتِلَ وَلَا شَيْءَ لَهُمْ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ قَطَعَ) شَخْصٌ (أَقْطَعُ) أَيْ مَقْطُوعُ (الْكَفِّ) الْيُمْنَى مِنْ الْكُوعِ يُمْنَى آخَرَ سَلِيمَةَ الْكَفِّ فَقَطَعَهَا أَقْطَعُ الْكَفِّ (مِنْ الْمِرْفَقِ فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ) بِقَطْعِ مَقْطُوعَةِ الْكَفِّ مِنْ مِرْفَقِهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ خِيَارَهُ يَنْفِي ضَرَرَهُ (أَوْ الدِّيَةُ) لِيَدِهِ التَّامَّةِ لِأَنَّ يَدَ الْجَانِي نَاقِصَةُ الْكَفِّ، وَلَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا، وَلَا يَتَعَيَّنُ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ

كَمَقْطُوعِ الْحَشَفَةِ

وَتُقْطَعُ الْيَدُ النَّاقِصَةُ أُصْبُعًا بِالْكَامِلَةِ بِلَا غُرْمٍ،

[منح الجليل]

أَقَلُّ مِنْ حَقِّهِ، وَلَا الدِّيَةُ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَمْدٌ.
أَبُو عِمْرَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ أَنَّ الشَّلَّاءَ كَالْمَيِّتَةِ بِخِلَافِ هَذِهِ، فَفِي سَاعِدِهَا مَنْفَعَةٌ.
وَشَبَّهَ فِي التَّخْيِيرِ فَقَالَ (كَمَقْطُوعِ الْحَشَفَةِ) الَّذِي قَطَعَ ذَكَرًا بِحَشَفَةٍ عَمْدًا عُدْوَانًا فَيُخَيَّرُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ كَامِلَةً مِنْ مَالِ الْجَانِي.
ابْنُ عَرَفَةَ إنْ قَطَعَ أَقْطَعُ الْيُمْنَى يُمْنَى رَجُلٍ صَحِيحَةً مِنْ الْمِرْفَقِ فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ أَوْ قَطْعُ الذِّرَاعِ النَّاقِصَةِ مِنْ الْمِرْفَقِ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْعَقْلُ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلَهَا فِي أَقْطَعِ الْكَفِّ أَثَرَ قَوْلِهِ.
وَقِيلَ يُخَيَّرُ فِي قَطْعِ الشَّلَّاءِ، فَفَهِمَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ مُنَاقَضَتَهُ قَوْلَهَا فِي الشَّلَّاءِ بِقَوْلِهَا فِي أَقْطَعِ الْكَفِّ، وَفِي تَعْلِيقَةِ أَبِي عِمْرَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْيَدَ الشَّلَّاءَ كَمَيِّتٍ، وَالْمَيِّتُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَاَلَّذِي قُطِعَتْ كَفُّهُ أَوْ أَصَابِعُهُ بَقِيَ سَاعِدُهُ، وَهُوَ بَعْضُ حَقِّهِ ابْنُ الْحَاجِبِ الذَّكَرُ الْمَقْطُوعُ الْحَشَفَةُ كَأَقْطَعِ الْكَفِّ وَعَيْنِ الْأَعْمَى وَلِسَانِ الْأَبْكَمِ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
قُلْت لَمَّا قَدَّمَ قَوْلَهَا فِي أَقْطَعِ الْكَفِّ وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ شَبَّهَ أَقْطَعَ الْحَشَفَةِ بِأَقْطَعِ الْكَفِّ، وَشَبَّهَ عَيْنَ الْأَعْمَى وَلِسَانَ الْأَبْكَمِ بِالْيَدِ الشَّلَّاءِ، وَهُوَ تَشْبِيهٌ وَاضِحٌ جَارٍ عَلَى تَفْرِيقِ أَبِي عِمْرَانَ الْمُتَقَدِّمِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ الْجَمِيعَ سَوَاءٌ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ الذَّكَرُ الْمَقْطُوعُ الْحَشَفَةُ وَالْحَدَقَةُ الْعَمْيَاءُ وَلِسَانُ الْأَبْكَمِ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ.
ابْنُ مَرْزُوقٍ قَوْلُهُ كَمَقْطُوعِ الْحَشَفَةِ لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الْغَيْرِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ أَوَّلًا يَتَخَلَّصُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ كَمَا اعْتَرَضَهُ شَيْخُنَا ابْنُ عَرَفَةَ وَأَمَّا كَلَامُ ابْنِ شَاسٍ فَسَالِمٌ مِنْ الْإِشْكَالِ عِنْدَ التَّأَمُّلِ اهـ.

(وَتُقْطَعُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ يَدُ أَوْ رِجْلُ الْجَانِي عَمْدًا عُدْوَانًا (النَّاقِصَةُ أُصْبُعًا) خِلْقَةً أَوْ بِقَطْعٍ (بِ) يَدِ أَوْ رِجْلِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (الْكَامِلَةِ) أَصَابِعُهُمَا بِلَا خِيَارٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدِّيَةِ (بِلَا غُرْمٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ عَلَى الْجَانِي لِدِيَةِ الْأُصْبُعِ الَّتِي لَا نَظِيرَ لَهَا فِي يَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ فِي أَحَدِ

وَخُيِّرَ إنْ نَقَصَتْ أَكْثَرَ فِيهِ، وَفِي الدِّيَةِ

وَإِنْ نَقَصَتْ يَدُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَالْقَوَدُ: وَلَوْ إبْهَامًا لَا أَكْثَرُ

[منح الجليل]

قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (وَخُيِّرَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ مُثَقَّلَةً الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (إنْ نَقَصَتْ) يَدُ الْجَانِي أَوْ رِجْلُهُ (أَكْثَرَ) مِنْ أُصْبُعٍ (فِيهِ) أَيْ الْقِصَاصِ (وَفِي) أَخْذِ (الدِّيَةِ) مِنْ مَالِ الْجَانِي، أَيْ دِيَةِ أَصَابِعِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الَّتِي لَيْسَ لِلْجَانِي مِثْلُهَا وَلَيْسَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصَّ وَيَأْخُذَ الدِّيَةَ.
تت يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ أَكْثَرَ كَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْبَيَانِ أَرْبَعُ أَصَابِعَ وَالْمَنْصُوصُ أُصْبُعَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ.
اهـ. وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَتَبِعَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحُ.
عب مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أَحْرَى بِالتَّخْيِيرِ فَلَا يَحْتَاجُ لِنَصٍّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ التَّخْيِيرُ فِي مَقْطُوعِ الْكَفِّ إذَا قُطِعَ سَالِمُهُ مِنْ مِرْفَقِهِ، وَنَاهِيك بِصَاحِبِ الْبَيَانِ إنَّمَا الدُّنْيَا أَبُو دُلَفٍ قَالَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بَابَا وَهُوَ رَمْزٌ لِقَوْلِ شَاعِرِ بَنِي الْمُهَلَّبِ.
إنَّمَا الدُّنْيَا أَبُو دُلَفٍ ... بَيْنَ بَادِيهِ وَمُحْتَضِرِهِ فَإِذَا وَلَّى أَبُو دُلَفٍ ... وَلَّتْ الدُّنْيَا عَلَى أَثَرِهِ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ لَفْظُ أَكْثَرَ فِي نَصِّ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ.
ابْنُ رُشْدٍ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا فِي " ق " وَأَبُو دُلَفٍ كُنْيَةُ كَرِيمٍ مِنْ كُرَمَاءِ الْعَرَبِ اسْمُهُ الْقَاسِمُ بْنُ عِيسَى، حَكَى أَنَّ الْمَأْمُونَ الْخَلِيفَةَ أَحْضَرَهُ وَقَالَ لَهُ كَيْفَ تَجْعَلُ أَبَا دُلَفٍ الدُّنْيَا، فَقَالَ أَنْتُمْ أَهْلُ الْبَيْتِ فَلَا يَفْضُلُ عَلَيْكُمْ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَقَتَلَهُ.
طفي اقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى تَعَقُّبِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِحَالٍ.

(وَإِنْ نَقَصَتْ يَدُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) أَوْ رِجْلُهُ (أُصْبُعًا) أَوْ وَبَعْضَ آخَرَ خِلْقَةً أَوْ بِسَمَاوِيٍّ أَوْ بِجِنَايَةٍ سَابِقَةٍ (فَالْقَوَدُ) مِنْ يَدِ الْجَانِي الْكَامِلَةِ الْأَصَابِعِ إنْ كَانَ النَّاقِصُ غَيْرَ إبْهَامٍ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (إبْهَامًا) وَلَا غَرَامَةَ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِلْجَانِي وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ الْمُبَالَغَةِ عَلَى الْجَوَابِ (لَا) قَوَدَ عَلَى الْجَانِي إنْ نَقَصَتْ يَدُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (أَكْثَرَ) مِنْ أُصْبُعٍ بِأَنْ نَقَصَتْ أُصْبُعَيْنِ كَامِلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْبَاقِي أَكْثَرَ مِنْ أُصْبُعٍ فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ دِيَتُهُ فِي مَالِ الْجَانِي، وَتَنْدَرِجُ فِيهَا الْكَفُّ، وَإِنْ أُصْبُعًا فَلَهُ دِيَتُهَا، وَفِي الْكَفِّ حُكُومَةٌ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَإِنْ كَانَ الْكَفُّ فَقَطْ فَحُكُومَةٌ.

وَلَا يَجُوزُ بِكُوعٍ لِذِي مِرْفَقٍ، وَإِنْ رَضِيَا

وَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ السَّلِيمَةُ

[منح الجليل]

وَ) إنْ قَطَعَ مُكَلَّفٌ غَيْرُ حَرْبِيٍّ عَمْدًا عُدْوَانًا يَدَ مَعْصُومٍ مِنْ مِرْفَقِهَا فَ (لَا يَجُوزُ) الْقِصَاصُ مِنْ يَدِ الْجَانِي (بِكُوعٍ) أَيْ مِنْهُ (لِ) مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ (ذِي) أَيْ صَاحِبِ قَطْعٍ مِنْ (مِرْفَقٍ) إنْ طَلَبَهُ أَحَدُهُمَا وَأَبَاهُ الْآخَرُ، بَلْ (وَإِنْ رَضِيَا) أَيْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَالْجَانِي بِالْقِصَاصِ مِنْ الْكُوعِ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِيهِ إنْ أَمْكَنَتْ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ قَطَعَ مِنْ الْمِرْفَقِ فَلَا يَجُوزُ مِنْ الْكُوعِ وَلَوْ رَضِيَا.
قُلْت هَذَا فِي النَّوَادِرِ عَنْ الْوَاضِحَةِ مَعْزُوًّا لِلْأَخَوَيْنِ وَأَصْبَغَ، وَقَبْلَهُ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا الدَّلِيلُ الْعَامُ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ ارْتِكَابِ أَخَفِّ ضَرَرٍ يَدْفَعُ مَا هُوَ أَضَرَّ مِنْهُ مِنْ نَوْعِهِ، وَضَرَرُ الْقَطْعِ مِنْ الْكُوعِ أَخَفُّ مِنْهُ مِنْ الْمِرْفَقِ ضَرُورَةً.
ابْنُ رُشْدٍ إذَا لَزِمَ أَحَدُ ضَرَرَيْنِ وَجَبَ ارْتِكَابُ أَخَفَّهُمَا.
وَالثَّانِي دَلِيلُ مَا فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَوْ أَشْهَبَ فِيمَنْ ذَهَبَ بَعْضُ كَفِّهِ بِرِيشَةٍ جَرَحَتْهُ وَخَافَ عَلَى مَا بَقِيَ بِيَدِهِ مِنْهَا فَقِيلَ لَهُ اقْطَعْ يَدَكَ مِنْ الْمَفْصِلِ، فَإِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ الْمَوْتُ مِنْ قَطْعِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ إذَا لَمْ يُخَفْ إذَا لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ مِنْ مَفْصِلِهَا إلَّا عَلَى مَا بَقِيَ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ قَطْعُهَا مِنْ مَفْصِلِهَا إنْ خِيفَ مَوْتُهُ مِنْهُ، وَإِنْ خَشِيَ إنْ لَمْ يَقْطَعْهَا مِنْ مَفْصِلِهَا أَنْ يَتَرَامَى أَمْرُ الرِّيشَةِ إلَى مَوْتِهِ مِنْهَا فَلَهُ قَطْعُهَا مِنْ مَفْصِلِهَا، وَإِنْ كَانَ مَخُوفًا إنْ كَانَ الْخَوْفُ عَلَيْهِ مِنْ الرِّيشَةِ أَكْثَرَ وَقَدْ أَجَازَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيهَا لِمَنْ أَحْرَقَ الْعَدُوُّ سَفِينَتَهُ أَنْ يَطْرَحَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ فِيهِ هَلَاكَهُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ أَمْرٍ يَخَافُ مِنْهُ الْمَوْتَ إلَى أَمْرٍ يَرْجُو فِيهِ النَّجَاةَ وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ الْمَوْتَ مِنْهُ.
ابْنُ غَازِيٍّ فِي هَذَا النَّظَرِ نَظَرٌ اهـ. قُلْت لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ تَحْدِيدَهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(وَ) إنْ جَنَى ذُو عَيْنٍ سَلِيمَةٍ عَلَى عَيْنٍ ضَعِيفَةٍ فَأَذْهَبَ إبْصَارَهَا فَ (تُؤْخَذُ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْهَمْزِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ تُفْقَأُ (الْعَيْنُ السَّلِيمَةُ) مِنْ الْجَانِي (بِ)

بِالضَّعِيفَةِ خِلْقَةً أَوْ لِكِبَرٍ، وَلِجُدَرِيٍّ أَوْ لِكَرَمْيَةٍ، فَالْقَوَدُ، إنْ تَعَمَّدَ، وَإِلَّا فَبِحِسَابِهِ

[منح الجليل]

الْعَيْنِ (الضَّعِيفَةِ) الْمَجْنِيِّ عَلَيْهَا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ضَعْفُهَا (خِلْقَةً) أَيْ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهَا (أَوْ ضَعِيفَةً مِنْ كِبَرٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ طُولِ عُمُرٍ (وَ) مِنْ (جُدَرِيٍّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ طَرَأَ عَلَيْهَا (أَوْ لِكَرَمْيَةٍ فَالْقَوَدُ) عب رَاجِعٌ لِجُدَرِيِّ وَمَا بَعْدَهُ، بِدَلِيلِ ذِكْرِ جُدَرِيٍّ بِالْوَاوِ، وَصَرَّحَ بِهِ مَعَ اسْتِفَادَتِهِ مِنْ قَوْلِهِ تُؤْخَذُ، لِأَنَّ الشَّرْطَ الْآتِيَ خَاصٌّ بِهَا، وَسَوَاءٌ أَخَذَ بِسَبَبِ الرَّمْيَةِ عَقْلًا أَمْ لَا هَذَا (إنْ تَعَمَّدَهُ) أَيْ الرَّامِي الرَّمْيَ الْآنَ بَعْدَ ضَعْفِهَا بِالْجُدَرِيِّ أَوْ الرَّمْيَةِ السَّابِقَةِ، سَوَاءٌ أَخَذَ لَهَا عَقْلًا أَمْ لَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الرَّمْيَ الْآنَ (فِ) يُؤْخَذُ مِنْ الدِّيَةِ (بِحِسَابِهِ) أَيْ بَاقِي إبْصَارِ الْعَيْنِ بَعْدَ ضَعْفِهَا بِجُدَرِيٍّ أَوْ رَمْيَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي نِصْفَ إبْصَارِهَا فَعَلَى الْجَانِي الْمُخْطِئِ نِصْفُ دِيَتِهَا، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ إذَا كَانَ أَخَذَ لَهَا عَقْلًا وَإِلَّا فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا كَامِلَةً كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ لَهَا عَقْلًا إلَخْ.
الْبُنَانِيُّ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ فَالْقَوَدُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ إلَخْ، وَلَا لِقَوْلِهِ إنْ تَعَمَّدَهُ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعَمْدِ، وَلَا لِقَوْلِهِ وَإِلَّا فَبِحِسَابِهِ مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي، وَكَذَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا إنْ لَمْ يَأْخُذْ عَقْلًا إلَخْ، مَعَ إخْلَالِ مَا هُنَا بِالشَّرْطِ الْآتِي.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ أُصِيبَتْ يَدُ رَجُلٍ أَوْ رِجْلِهِ أَوْ عَيْنُهُ خَطَأً فَضَعُفَتْ فَأَخَذَ لَهَا عَقْلًا إلَّا أَنَّهُ يَبْطِشُ وَيَعْمَلُ بِالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَيَبْصُرُ بِالْعَيْنِ ثُمَّ أَصَابَهَا رَجُلٌ عَمْدًا فَفِيهَا الْقَوَدُ بِخِلَافِ الدِّيَةِ.
الشَّيْخُ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي عَيْنِ الْكَبِيرِ تَضْعُفُ ثُمَّ تُصَابُ عَمْدًا فَفِيهَا الْقَوَدُ، وَمَا نَقَصَهَا مِنْ جُدَرِيٍّ أَوْ كَوْكَبٍ أَوْ رَمْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَا قَوَدَ فِيهَا، وَلَوْ لَمْ يَأْخُذْ لِنَقْصِهَا شَيْئًا.
عَبْدُ الْمَلِكِ تَأْوِيلُهُ إنْ كَانَ نَقْصًا فَاحِشًا كَثِيرًا.
ابْنُ رُشْدٍ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ تَلْخِيصُ قَوْلِ عِيسَى فِي

وَإِنْ فَقَأَ سَالِمٌ عَيْنَ أَعْوَرَ، فَلَهُ الْقَوَدُ، وَأَخْذُ الدِّيَةِ كَامِلَةً مِنْ مَالِهِ

وَإِنْ فَقَأَ أَعْوَرُ مِنْ سَالِمٍ مُمَاثِلَتَهُ، فَلَهُ الْقِصَاصُ أَوْ دِيَةُ مَا تَرَكَ

[منح الجليل]

الْعَيْنِ النَّاقِصَةِ تُصَابُ إنْ نَقَصَتْ بِسَمَاوِيٍّ وَلَوْ كَثُرَ، فَفِي إصَابَةِ بَاقِيهَا عَمْدًا الْقَوَدُ، وَإِنْ نَقَصَتْ بِجِنَايَةٍ فَكَذَلِكَ إنْ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَالْعَقْلُ.
ابْنُ رُشْدٍ لَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ إنْ نَقَصَتْ كَثِيرًا وَلَوْ بِسَمَاوِيٍّ فَالْعَقْلُ

(وَإِنْ فَقَأَ) شَخْصٌ (سَالِمٌ) عَيْنَاهُ مَعًا مِنْ الْعَمَى أَوْ سَالِمٌ الْمُمَاثَلَةَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهَا فَفَقَأَ (عَيْنَ) شَخْصٍ (أَعْوَرَ) أَيْ مَنْ ذَهَبَ بَصَرُ إحْدَى عَيْنَيْهِ بِجِنَايَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (فَلَهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (الْقَوَدُ) بِفَقْءِ نَظِيرِ عَيْنِهِ مِنْ الْجَانِي (أَوْ) أَخْذُ (الدِّيَةِ) حَالَ كَوْنِهَا (كَامِلَةً مِنْ مَالِهِ) أَيْ الْجَانِي لِأَنَّ عَيْنَ الْأَعْوَرِ بِمَنْزِلَةِ عَيْنَيْنِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي النَّوَادِرِ مِنْ الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ تُصَابُ عَمْدًا مِنْ صَحِيحٍ فَالْأَعْوَرُ مُخَيَّرٌ فِي الْقَوَدِ وَأَخْذُ دِيَةِ عَيْنِهِ أَلْفُ دِينَارٍ.
مُحَمَّدٌ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَكُلُّ أَصْحَابِهِ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - "، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ سَحْنُونٌ.
وَلِأَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ أَنَّ مَالِكًا " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فَقَالَ هَذَا، وَقَالَ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْقَوَدُ.
مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ كَأَنَّ الْجَانِيَ صَحِيحُ الْعَيْنَيْنِ أَوْ صَحِيحُ الَّتِي مِثْلُهَا لِلْأَعْوَرِ.

(وَإِنْ فَقَأَ) شَخْصٌ (أَعْوَرُ مِنْ) شَخْصٍ (سَالِمٍ) أَيْ صَحِيحِ الْعَيْنَيْنِ عَيْنًا (مُمَاثِلَةً) لِلْعَيْنِ السَّالِمَةِ لَ (هـ) أَيْ الْأَعْوَرِ (فَلَهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (الْقِصَاصُ) بِفَقْءِ عَيْنِ الْأَعْوَرِ السَّالِمَةِ فَيَصِيرُ أَعْمَى (أَوْ دِيَةُ مَا) أَيْ عَيْنِ الْأَعْوَرِ السَّالِمَةِ الَّتِي (تَرَكَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا فَقْأَهَا أَلْفَ دِينَارٍ مَثَلًا فَالْخِيَارُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا لِلْجَانِي.
ابْنُ عَرَفَةَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إنْ فَقَأَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ الصَّحِيحِ الَّتِي مِثْلُهَا بَاقِيَةً لِلْأَعْوَرِ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ، وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ أَخْذُ دِيَةِ عَيْنِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ إنْ أَحَبَّ اقْتَصَّ، وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ دِيَةُ عَيْنِ الْأَعْوَرِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ.
عِيَاضٌ خَرَّجَ بَعْضُهُمْ مِنْهَا قَوْلًا بِالتَّخْيِيرِ فِي أَخْذِ دِيَةِ جُرْحِ الْعَمْدِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ بِوُجُوبِ الْقَوَدِ أَوْ مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ، وَيَخْرُجُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

مِنْهَا جَبْرُ الْقَاتِلِ عَلَى الدِّيَةِ مِثْلَ قَوْلِ أَشْهَبَ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ رِوَايَتُهُ، وَتَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا.
وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ إنَّمَا قَالَهُ لِعَدَمِ تَسَاوِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ وَإِحْدَى عَيْنَيْ الصَّحِيحِ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ الْقِصَاصُ، إذْ هِيَ مِثْلُ عَيْنِهِ فِي الصُّورَةِ، فَإِنْ عَدَلَ عَنْ الْقِصَاصِ إلَى الدِّيَةِ فَلَيْسَ لِلْأَعْوَرِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ دَعْوَى الصَّوَابِ.
عِيَاضٌ هَذَا غَيْرُ بَيِّنٍ، وَيَلْزَمُهُ فِيهِ الْجَبْرُ عَلَى الدِّيَةِ، وَخَرَّجَ مِنْهَا بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّ لِلْوَلِيِّ إذَا كَثُرَ الْقَاتِلُونَ أَنْ يُلْزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِيَةً كَامِلَةً عَنْ نَفْسِهِ قَدْرَ دِيَتِهِ أَوْ مَنْ أَرَادَ اسْتِحْيَاءً مِنْهُمْ وَيَقْتُلُ مَنْ شَاءَ، وَكَذَا فِي قَطْعِ جَمَاعَةٍ يَدِ رَجُلٍ.
عِيَاضٌ هَذَا لَازِمٌ لِأَبِي عِمْرَانَ عَلَى تَعْلِيلِهِ فِي زِيَادَةِ الْمِثْلِيَّةِ، لِأَنَّ جَمَاعَةَ أَنْفُسٍ زِيَادَةٌ عَلَى نَفْسٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
قِيلَ لِأَبِي عِمْرَانَ لَوْ تَعَدَّى رَجُلٌ عَلَى الْجَانِي فَفَقَأَ عَيْنَهُ فَقَالَ الْمَفْقُوءَةُ عَيْنُهُ أَوَّلًا لِلْجَانِي عَلَى مَنْ جَنَى عَلَيْهِ أَنْتَ أَتْلَفَتْ عَيْنًا كُنْت أَسْتَحِقُّ فَقْأَهَا أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ عَنْهَا فَاغْرَمْ لِي قِيمَةَ مَا أَتْلَفْت عَلَيَّ لِأَنَّ دِيَتَهَا كَثَمَنٍ مُتَوَاطَأٍ عَلَيْهِ فِي سِلْعَةٍ اُسْتُهْلِكَتْ.
قَالَ فِي هَذَا نَظَرٌ، وَأَشَارَ إلَى تَنْظِيرِهَا بِرَهْنٍ فِي أَلْفِ دِينَارٍ قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ اُسْتُهْلِكَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ دُونَ مَا رَهَنَ فِيهِ.
قِيلَ لَهُ الْأَعْوَرُ كَانَ مَجْبُورًا عَلَى افْتِكَاكِ عَيْنِهِ بِالْأَلْفِ، وَلَيْسَ الرَّاهِنُ كَذَلِكَ، إذْ لَيْسَ مَجْبُورًا عَلَى افْتِكَاكِهِ، إذْ لَهُ إسْلَامُهُ.
قَالَ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ الْجَانِي عَدِيمًا لَجُبِرَ عَلَى الْأَلْفِ فَتَرَجَّحَ فِيهَا، وَقَالَ اُنْظُرْ لَوْ قَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَانَ لِي أَنْ أَتَّبِعَ الْأَعْوَرَ بِالْأَلْفِ عَلَيْهِ، وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ هِيَ سَمَاعُ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ.
قَوْلُ مَالِكٍ يُخَيَّرُ الصَّحِيحُ فِي الْقَوَدِ وَأَخْذِ دِيَةِ عَيْنِهِ خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ يُخَيَّرُ فِي الْقَوَدِ وَأَخْذِ دِيَةِ عَيْنِ الْأَعْوَرِ أَلْفِ دِينَارٍ.
ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلُهُ الْآخَرُ أَحَبُّ إلَيَّ وَأَحْسَنُ مَا سَمِعْت أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْقَوَدُ مِنْ عَيْنِ الْأَعْوَرِ إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى أَمْرٍ، فَإِنْ اصْطَلَحَا عَلَى الدِّيَةِ مُبْهَمَةً فَإِنَّمَا لَهُ عَقْلُ الَّتِي فُقِئَتْ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ ثُمَّ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى تَخْيِيرِهِ فِي فَقْءِ عَيْنِ الْأَعْوَرِ أَوْ دِيَتِهَا أَلْفِ دِينَارٍ.
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّلُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لِلْوَلِيِّ جَبْرَ الْقَاتِلِ عَلَى الدِّيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ، وَقَوْلُهُ الْأَخِيرُ الَّذِي قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ

وَغَيْرَهَا فَنِصْفُ دِيَةٍ فَقَطْ فِي مَالِهِ

وَإِنْ فَقَأَ عَيْنَيْ السَّالِمِ، فَالْقَوَدُ وَنِصْفُ الدِّيَةِ

[منح الجليل]

أَنَّهُ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت قِيَاسًا عَلَى أَصْلِ مَذْهَبِهِ وَرِوَايَتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ جَبْرُ الْقَاتِلِ.
(وَإِنْ فَقَأَ) الْأَعْوَرُ مِنْ السَّالِمِ (غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ مُمَاثِلَتِهِ بِأَنْ فَقَأَ مِنْهُ مِثْلَ الْعَوْرَاءِ عَمْدًا عُدْوَانًا (فَنِصْفُ دِيَةٍ فَقَطْ) يَلْزَمُ الْجَانِيَ (فِي مَالِهِ) وَلَيْسَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَفِيهَا إنْ فَقَأَ أَعْوَرُ الْيُمْنَى يُمْنَى صَحِيحٍ خَطَأً فَعَلَى عَاقِلَتِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ فَقَأَهَا عَمْدًا فَعَلَيْهِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ فِي مَالِهِ وَلَا يُقَادُ مِنْ يَدٍ أَوْ يَمِينٍ أَوْ سِنٍّ إلَّا بِمِثْلِهَا

(وَإِنْ فَقَأَ) الْأَعْوَرُ (عَيْنَيْ) بِفَتْحِ النُّونِ مُثَنَّى عَيْنٍ حُذِفَتْ نُونُهُ لِإِضَافَتِهِ إلَى شَخْصِ (السَّالِمِ) الْعَيْنَيْنِ عَمْدًا عُدْوَانًا (فَالْقَوَدُ) بِفَقْءِ عَيْنِ الْأَعْوَرِ بِمُمَاثَلَتِهَا (وَنِصْفُ الدِّيَةِ) فِي مَالِ الْأَعْوَرِ الْجَانِي، وَسَوَاءٌ فَقَأَ الَّتِي لَيْسَ لَهُ مِثْلُهَا أَوَّلًا أَوْ ابْتَدَأَ بِفَقْءِ الَّتِي لَهُ مِثْلُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَمْ يُخَيَّرْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي فَقْءِ الْمُمَاثِلَةِ وَأَخْذِ دِيَتِهَا أَلْفُ دِينَارٍ لِئَلَّا يَلْزَمَ أَخْذُ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ وَنِصْفُهَا فِي الْعَيْنَيْنِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَرَّرَهُ الشَّارِعُ مِنْ أَنَّ فِيهِمَا دِيَةً كَامِلَةً فَقَطْ.
ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ فَقَأَ الْأَعْوَرُ عَيْنَيْ الصَّحِيحِ فَالْقِصَاصُ وَنِصْفُ الدِّيَةِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ فَقَأَهُمَا مَعًا فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ أَوْ بَدَأَ بِالْمَعْدُومَةِ فَكَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ بَدَأَ بِاَلَّتِي لَهُ مِثْلُهَا ثُمَّ ثَنَّى بِالْأُخْرَى فَأَلْفُ دِينَارٍ مَعَ الْقِصَاصِ الْمُوضِحِ لِأَنَّهُ لَمَّا فَقَأَ الَّتِي لَهُ مِثْلُهَا وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَصَارَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَعْوَرَ فَوَجَبَ فِي عَيْنِهِ أَلْفُ دِينَارٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي السَّمَاعِ وَقَالَ أَشْهَبُ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْأَخِيرِ الَّذِي أَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ فَقَأَ عَيْنَيْ الصَّحِيحِ مَعًا فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ خُيِّرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فِي فَقْءِ عَيْنِهِ مَعَ أَخْذِ دِيَةِ عَيْنِهِ الْأُخْرَى خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ وَتَرَكَ عَيْنَ الْجَانِي وَأَخَذَ عَقْلَهَا أَلْفًا مَعَ خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ عَقْلِ الْأُخْرَى وَإِنْ فَقَأَهُمَا فِي مَجْلِسَيْنِ فَإِنْ بَدَأَ بِفَقْءِ مِثْلِ الَّتِي هِيَ بَاقِيَةٌ خُيِّرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فِي فَقْءِ عَيْنِ الْجَانِي وَأَخْذِ عَقْلِهَا أَلْفَ دِينَارٍ، وَإِنْ بَدَأَ بِفَقْءِ مِثْلِ الذَّاهِبَةِ مِنْهُ فَإِنَّمَا لَهُ عَقْلُهَا خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ وَعَلَيْهِ فِي الْأُخْرَى الْقَوَدُ.
وَالشَّيْخُ رَوَى عَلِيٌّ إنْ فَقَأَ أَعْوَرُ عَيْنَيْ صَحِيحٍ عَمْدًا فَلَهُ فَقْءُ عَيْنِ الْأَعْوَرِ وَأَخْذُ دِيَةِ عَيْنِهِ خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ.
أَشْهَبُ إنْ كَانَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ وَإِنْ بَدَأَ

وَإِنْ قُلِعَتْ سِنٌّ فَنَبَتَتْ: فَالْقَوَدُ، وَفِي الْخَطَإِ: كَالْخَطَإِ؛

[منح الجليل]

بِمِثْلِ الَّتِي هِيَ عَيْنُهُ الْعَوْرَاءُ فَلَهُ فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الْأُخْرَى الْقَوَدُ، وَإِنْ بَدَأَ بِمِثْلِ عَيْنِهِ الصَّحِيحَةِ فَلَهُ فِيهَا الْقَوَدُ، وَفِي الْأُخْرَى أَلْفُ دِينَارٍ وَقَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -

(وَإِنْ قُلِعَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (سِنٌّ) عَمْدًا عُدْوَانًا مِنْ مَعْصُومٍ مُثْغِرٍ وَأُعِيدَتْ مَكَانَهَا أَوْ اضْطَرَبَتْ جِدًّا (فَثَبَتَتْ) أَوْ نَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى (فَالْقَوَدُ) لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِصَاصِ يَوْمُ الْجِنَايَةِ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ إيلَامُ الْجَانِي لِرَدْعِهِ وَرَدْعِ أَمْثَالِهِ وَلِأَنَّهَا لَا تَعُودُ عَلَى أَصْلِ عُرُوقِهَا (وَفِي) قَلْعِ (الْخَطَأِ) وَثُبُوتِهَا بَعْدَهُ قَبْلَ أَخْذِ عَقْلِهَا فَلَا يَسْقُطُ بِثُبُوتِهَا حُكْمُهُ فَيُؤْخَذُ عَقْلُهَا وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ (كَ) دِيَةِ (الْخَطَأِ) فِي قَلْعِهَا وَلَمْ تَثْبُتْ، وَفِي غَيْرِهَا مِمَّا لَهُ عَقْلٌ مُسَمًّى كَمُوضِحَةٍ وَمُنَقَّلَةٍ يُؤْخَذُ عَقْلُهَا ثُمَّ تَعُودُ كَمَا كَانَتْ فَلَا يَسْقُطُ الْعَقْلُ اتِّفَاقًا حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ، وَإِنْ أَخَذَ الدِّيَةَ فَرُدَّتْ وَثَبَتَتْ فَلَا يَرُدُّ الْآخِذُ شَيْئًا مِنْهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَنْ طُرِحَتْ سِنُّهُ عَمْدًا فَرَدَّهَا فَثَبَتَتْ فَلَهُ الْقَوَدُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْإِذْنُ، وَلَوْ رَدَّ السِّنَّ فِي الْخَطَأِ فَثَبَتَتْ كَانَ لَهُ الْعَقْلُ وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مَنْ ضُرِبَ فَذَهَبَ عَقْلُهُ فَأَخَذَ الْعَقْلَ بَعْدَ السَّنَةِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ عَقْلُهُ فَلَا يَرُدُّهُ وَهُوَ حُكْمٌ مَضَى.
ابْنُ رُشْدٍ مَثَّلَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ ضُرِبَتْ عَيْنُهُ فَنَزَلَ الْمَاءُ فِيهَا وَابْيَضَّتْ فَأَخَذَ دِيَتَهَا ثُمَّ زَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَاخْتَارَهُ مُحَمَّدٌ إنْ قَضَى بِهِ بَعْدَ الِاسْتِقْصَاءِ وَالْأَنَاةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي بَيَاضِ الْعَيْنِ وَنُزُولِ الْمَاءِ فِيهَا يَرُدُّ مَا أَخَذَ فَقِيلَ لَهُ هُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْعَقْلِ وَلَا فَرْقَ.
وَقِيلَ قَوْلُهُ فِي الْعَقْلِ لِأَشْهَبَ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَقْلَ ذَهَبَ حَقِيقَةً ثُمَّ عَادَ وَالْبَصَرُ سَتَرَهُ سَاتِرٌ دُونَ ذَهَابِهِ حَقِيقَةً فَانْكَشَفَ فَظَهَرَ بِرُجُوعِهِ خَطَأُ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِالدِّيَةِ فَتَحْصُلُ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالِ، ثَالِثُهَا يَرُدُّ فِي الْبَصَرِ لَا فِي الْعَقْلِ.
وَلَوْ عَادَ الْبَصَرُ أَوْ الْعَقْلُ قَبْلَ الْحُكْمِ فَلَا يُقْضَى لَهُ بِشَيْءٍ اتِّفَاقًا، وَحُكْمُ السَّمْعِ حُكْمُ الْبَصَرِ وَسِنُّ الْكَبِيرِ يُقْضَى لَهُ بِعَقْلِهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا فَثَبَتَ فَلَا يَرُدُّ عَقْلَهَا اتِّفَاقًا، إذْ لَا تَرْجِعُ عَلَى قُوَّتِهَا، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَرِوَايَتُهُ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ وَالْأُذُنُ كَالسِّنِّ إذَا رَدَّهَا بَعْدَ الْحُكْمِ فَثَبَتَتْ.
وَاخْتُلِفَ إذَا رَدَّهُمَا فَثَبَتَتَا وَعَادَتَا لِهَيْئَتِهِمَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِالْعَقْلِ ثَالِثُهَا فِي السِّنِّ لَا

وَالِاسْتِيفَاءُ لِلْعَاصِبِ كَالْوَلَاءِ؛ إلَّا الْجَدَّ وَالْإِخْوَةَ فَسِيَّانِ

[منح الجليل]

الْأُذُنِ، ثُمَّ قَالَ وَلَا خِلَافَ فِي الْقَوَدِ فِيهِمَا لَوْ عَادَتَا لِهَيْئَتِهِمَا، فَإِنْ اقْتَصَّ بَعْدَ أَنْ عَادَتَا لِهَيْئَتِهِمَا فَعَادَتْ أُذُنُ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ كَذَلِكَ، فَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَعُدْ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ عَادَتْ سِنُّ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ أَوْ أُذُنِهِ وَلَمْ تَعُدْ سِنُّ الْأَوَّلِ وَلَا أُذُنُهُ غَرِمَ الْعَقْلَ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ

(وَالِاسْتِيفَاءُ) أَيْ طَلَبُ الْقِصَاصِ مِنْ الْجَانِي عَلَى النَّفْسِ (لِلْعَاصِبِ) لِلْمَقْتُولِ بِنَفْسِهِ نَسَبًا إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَعَاصِبُ الْوَلَاءِ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَلِلْإِمَامِ، وَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِّ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ وَخَرَجَ الْجَدُّ لِلْأُمِّ وَالْأَخُ لَهَا وَالزَّوْجُ وَإِنْ تَعَدَّدَ الْعَصَبَةُ، وَاخْتَلَفَتْ دَرَجَاتُهُمْ فَيُرَتَّبُونَ هُنَا (كَ) تَرَتُّبِهِمْ فِي الْإِرْثِ بِ (الْوَلَاءِ) فِي تَقْدِيمِ ابْنٍ وَابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ ثُمَّ الْأَبِ إلَخْ (إلَّا الْجَدَّ) الْأَقْرَبَ (وَالْإِخْوَةَ) الْأَشِقَّاءَ أَوْ لِأَبٍ (فَ) هُمَا (سِيَّانَ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، أَيْ مُسْتَوِيَانِ فِي الِاسْتِيفَاءِ وَيَلِيهِمْ بَنُو الْإِخْوَةِ، وَلَمْ يَقُلْ كَالْإِرْثِ الْمُغْنِي عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ الْجَدَّ الْمُسَاوِي لِلْإِخْوَةِ هُنَا هُوَ الْجَدُّ الْأَقْرَبُ وَالْمُسَاوِي لَهُمْ فِي الْإِرْثِ الْجَدُّ وَإِنْ عَلَا.
الْبُنَانِيُّ أَحَالَ عَلَى مَرَاتِبِ الْوَلَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا هُنَاكَ، بَلْ أَحَالَهَا عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْهَا هُنَاكَ، بَلْ قَالَ ثُمَّ أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ فَالْأَوْلَى الْإِحَالَةُ عَلَى النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ فِيهِ وَقُدِّمَ ابْنٌ فَابْنُهُ فَجَدٌّ فَعَمٌّ فَابْنُهُ إلَخْ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْأَحَقُّ بِالدَّمِ حَصَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ ذُو تَعْصِيبٍ ذُو بُنُوَّةٍ أَقْرَبُهُ يَحْجُبُ أَبْعَدَهُ، ثُمَّ ذُو الْأُبُوَّةِ أَقْرَبُهُ يَحْجُبُ أَبْعَدَهُ وَوَلَدُ الْأَقْرَبِ وَهُمْ الْإِخْوَةُ فِي الْأَبِ دَنِيَّةً وَالْأَعْمَامُ فِي غَيْرِهِ يَحْجُبُ الْأَبْعَدَ مِنْ أَبِيهِ كَالْأَحَقِّيَّةِ فِي وَلَايَةِ النِّكَاحِ وَالْجَنَائِزِ وَالْوَلَاءُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ الْجَدَّ كَالْإِخْوَةِ.
قُلْت اللَّخْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَشْهَبَ الْإِخْوَةُ أَحَقُّ مِنْ الْجَدِّ كَالْوَلَاءِ وَوَافَقَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْوَلَاءِ.
قُلْت فِي النَّوَادِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ فِي بَعْضِ مَجَالِسِهِ الْأَخُ أَوْلَى مِنْ الْجَدِّ.
مُحَمَّدٌ أَظُنُّهُ غَلِطَ مِمَّنْ أَخْبَرَنِي بِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ.
قُلْت عَزَاهُ ابْنُ حَارِثٍ لِسَحْنُونٍ فَقَطْ

وَيَحْلِفُ الثُّلُثَ وَهَلْ إلَّا فِي الْعَمْدِ، فَكَأَخٍ؟ تَأْوِيلَانِ

وَانْتُظِرَ غَائِبٌ لَمْ تَبْعُدْ غَيْبَتُهُ،

[منح الجليل]

الشَّيْخُ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا شَيْءَ لِلْأُمِّ فِي الدَّمِ اللَّخْمِيُّ فِي لَغْوِ التَّرْجِيحِ بِالشَّرِكَةِ فِي الْأُمِّ بَيْنَ الْإِخْوَةِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، قُلْت مُتَقَدِّمُ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي اسْتِحْقَاقِ الدَّمِ كَالْوَلَاءِ إلَّا فِي الْإِخْوَةِ مَعَ الْجَدِّ يَقْتَضِي أَنَّ الشَّقِيقَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ كَالْوَلَاءِ.
اللَّخْمِيُّ إنْ لَمْ يَكُنْ ذُو نَسَبٍ فَالْمَوْلَى الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ لَغْوٌ.

(وَ) إنْ كَانَ الِاسْتِيفَاءُ لِلْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ وَتَوَقَّفَ ثُبُوتُ الدَّمِ عَلَى قَسَامَةٍ فَ (يَحْلِفُ) الْجَدُّ (الثُّلُثَ) مِنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ إنْ كَانَ مَعَهُ أَخَوَانِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَخٌ يَحْلِفُ النِّصْفَ سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ (وَ) إنْ كَانَ مَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَخَوَيْنِ فَ (هَلْ) يَحْلِفُ الثُّلُثَ فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ أَوْ (إلَّا فِي الْعَمْدِ) فَيَحْلِفُ (كَأَخٍ) فَيُقَدِّرُ أَخًا زَائِدًا عَلَى عَدَدِ الْإِخْوَةِ، وَتُقَسَّمُ الْخَمْسُونَ عَلَى عَدَدِهِمْ، وَيَحْلِفُ كُلٌّ مَا نَابَهُ، فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَيَحْلِفُ رُبُعَهَا وَأَرْبَعَةٌ فَيَحْلِفُ خُمُسَهَا، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) لِقَوْلِهَا وَإِنْ كَانُوا عَشْرَةَ إخْوَةٍ وَجَدًّا حَلَفَ الْجَدُّ ثُلُثَ الْأَيْمَانِ وَالْإِخْوَةُ ثُلُثَيْنِ، فَحَمَلَهَا ابْنُ رُشْدٍ عَلَى ظَاهِرِهَا مِنْ عُمُومِهَا فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ ابْنُ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ الْجَدُّ ثُلُثَ الْأَيْمَانِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، فَأَمَّا الْخَطَأُ فَصَوَابٌ، وَأَمَّا الْعَمْدُ فَالْقِيَاسُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنْ تُقْسَمَ الْأَيْمَانُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ، وَحَمَلَهَا بَعْضُ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ عَلَى الْخَطَأِ.
وَأَمَّا الْعَمْدُ فَكَمَا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ الْقِيَاسُ.
اهـ. نَقَلَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ وَأَبُو الْحَسَنِ وَالْعَشَرَةُ مِثَالٌ، وَالْمَدَارُ عَلَى الزِّيَادَةِ عَلَى الِاثْنَيْنِ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ

(وَ) إنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ عَمْدًا عُدْوَانًا عُصْبَةٌ بَعْضُهُمْ حَاضِرٌ وَبَعْضُهُمْ غَائِبٌ، وَأَرَادَ الْحَاضِرُ الْقِصَاصَ مِنْ الْقَاتِلِ (اُنْتُظِرَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ عَاصِبٌ (غَائِبٌ) عَنْ بَلَدِ الْمَقْتُولِ مُسَاوٍ لِلْحَاضِرِ فِي الدَّرَجَةِ كَأَحَدِ بَنِينَ أَوْ إخْوَةٍ أَوْ أَعْمَامٍ عَسَى أَنْ يَعْفُوا فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ إذَا (لَمْ تَبْعُدْ غَيْبَتُهُ) بِأَنْ كَانَ قَرِيبًا أَوْ مُتَوَسِّطًا بِحَيْثُ يَصِلُ إلَيْهِ الْخَبَرُ، فَإِنْ عَفَا الْحَاضِرُ فَلَا يَنْتَظِرُ الْغَائِبُ، وَسَقَطَ الْقَتْلُ، وَلِلْغَائِبِ نَصِيبُهُ مِنْ دِيَةِ عَمْدٍ.
وَمَفْهُومُ لَمْ تَبْعُدْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

غَيْبَتُهُ عَدَمُ انْتِظَارِ بَعِيدِ الْغَيْبَةِ كَأَسِيرٍ بِأَرْضِ حَرْبٍ وَشِبْهِهِ وَكَمَفْقُودٍ عَجَزَ عَنْ خَبَرِهِ.
الْحَطّ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ وَلِيَّانِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ وَالْآخَرُ حَاضِرٌ فَلَيْسَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِالْقَتْلِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ رَأْيَ الْغَائِبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَائِبُ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُنْتَظَرُ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْغَائِبَ يُنْتَظَرُ، وَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ فَفِي كِتَابِ دِيَاتِهَا، وَإِذَا كَانَ الْقَتْلُ بِغَيْرِ قَسَامَةٍ وَلِلْمَقْتُولِ وَلَدَانِ أَحَدُهُمَا حَاضِرٌ وَالْآخَرُ غَائِبٌ، فَإِنَّمَا لِلْحَاضِرِ أَنْ يَعْفُوَ فَيَجُوزُ الْعَفْوُ عَلَى الْغَائِبِ وَلَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ، فَحَمَلَهَا ابْنُ رُشْدٍ عَلَى ظَاهِرِهَا كَمَا ذَكَرَهُ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ تَعْلِيقَةِ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ ظَاهِرَهَا انْتِظَارُهُ وَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ.
وَقَيَّدَ ابْنُ يُونُسَ الْمُدَوَّنَةَ بِمَا إذَا لَمْ تَبْعُدْ غَيْبَتُهُ، قَالَ قَالَهُ سَحْنُونٌ فِيمَنْ بَعُدَ جِدًّا أَوْ أُيِسَ مِنْهُ كَالْأَسِيرِ وَنَحْوِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ يُنْتَظَرُ الْغَائِبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ فَلِمَنْ حَضَرَ الْقَتْلُ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ سَحْنُونٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ فَحَذْفُ الصِّقِلِّيُّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ قُصُورٌ اهـ. فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَمْ يُقَيِّدْ بِالْبُعْدِ جِدًّا، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ كَلَامَ سَحْنُونٍ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَلِذَا لَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ الْغَيْبَةَ بِبُعْدِهَا جِدًّا كَقَوْلِ سَحْنُونٍ، وَكَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِ حَمْلَ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ.
وَفِي الشَّامِلِ وَفِيهَا انْتِظَارُ الْغَائِبِ وَهَلْ إنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَوْ مُطْلَقًا تَأْوِيلَانِ، وَيُكْتَبُ إلَيْهِ إنْ أَمْكَنَ، فَإِنْ أُيِسَ مِنْهُ فَلَا يُنْتَظَرُ كَأَسِيرٍ وَشِبْهِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إذَا قُلْنَا يُنْتَظَرُ الْغَائِبُ، فَإِنَّ الْقَاتِلَ يُحْبَسُ فَفِيهَا أَثَرُ مَا سَبَقَ عَنْهَا، وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ، وَلَا يَكْفُلَ، إذْ لَا كَفَالَةَ فِي النَّفْسِ وَلَا فِيمَا دُونَهَا مِنْ الْقِصَاصِ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ ابْنِ عَرَفَةَ وَالْبَرْزَلِيِّ أَنَّهُ يُقَيَّدُ بِالْحَدِيدِ فِي الْحَبْسِ.
الثَّالِثُ: هَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ لِلْقَاتِلِ مَالٌ يَأْكُلُ مِنْهُ أَوْ أُجْرِيَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يَأْكُلُ

وَمُغْمًى، وَمُبَرْسَمٌ لَا مُطْبَقٌ

[منح الجليل]

مِنْهُ أَوْ الْتَزَمَهُ أَحَدٌ، وَإِلَّا فَانْظُرْ كَيْفَ يُعْمَلُ فِيهِ هَلْ يُطْلَقُ مِنْ السِّجْنِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، إذْ يَبْعُدُ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ بِأَنَّهُ يَخْلُدُ فِي السِّجْنِ حَتَّى يَمُوتَ جُوعًا.
الرَّابِعُ: هَذَا الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي انْتِظَارِ بَعِيدِ الْغَيْبَةِ حَيْثُ تَعَدَّدَ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ وَغَابَ بَعْضُهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا وَلِيٌّ وَاحِدٌ غَائِبٌ أَوْ غَابَ جَمِيعُ الْأَوْلِيَاءِ فَالظَّاهِرُ انْتِظَارُهُمْ مُطْلَقًا وَلَوْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُمْ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ فَرْعُ الْوَقَارِ فِي الْقَوْلَةِ قَبْلَ هَذِهِ، لَكِنْ مَعَ نَفَقَةٍ مَوْجُودَةٍ لِلْقَاتِلِ، هَذَا الَّذِي ظَهَرَ لِي وَلَمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا مَعَ الْبَحْثِ عَلَيْهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَبِي الْحَسَنِ وَالرَّجْرَاجِيِّ وَالنَّوَادِرِ وَالْبَيَانِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ وَكَبِيرِ بَهْرَامَ وَالْمُقَدِّمَاتِ وَالذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفَرْعُ الْوَقَارِ نَصُّهُ إذَا أَقَرَّ رَجُلٌ أَنَّهُ قَتَلَ عَمْدًا وَلَمْ يَعْرِفْ الْمَقْتُولَ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أَوْلِيَاءُ يَقُومُونَ بِدَمِهِ سَجَنَهُ الْحَاكِمُ وَلَا يَقْتُلُهُ فَلَعَلَّ لَهُ وَلِيٌّ يَعْفُو عَنْ دَمِهِ اهـ. (وَانْتُظِرَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَلِيٌّ (مُغْمًى) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ، أَيْ غَابَ عَقْلُهُ لِشِدَّةِ مَرَضِهِ لِقُرْبِ إفَاقَتِهِ (وَ) اُنْتُظِرَ وَلِيٌّ (مُبَرْسَمٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ عَقِبَ رَاءٍ سَاكِنَةٍ، أَيْ بِرَأْسِهِ وَرَمٌ يُثْقِلُ الدِّمَاغَ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ، إمَّا بِصِحَّةٍ مِنْهُ أَوْ مَوْتٍ بِهِ (لَا) يُنْتَظَرُ وَلِيٌّ (مُطْبَقٌ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ، أَيْ مُتَوَاصِلٌ جُنُونُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ كَانَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ مَجْنُونًا مُطْبَقًا فَلِلْآخَرِ أَنْ يَقْتُلَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ لَا يُنْتَظَرُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَوْلِيَاءِ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مُبَرْسَمٌ اُنْتُظِرَ إفَاقَتُهُ لِأَنَّ هَذَا مَرَضٌ.
ابْنُ رُشْدٍ الْقِيَاسُ قَوْلُ مَنْ قَالَ يُنْتَظَرُ، وَأَفْتَى فِيمَنْ لَهُ بَنُونَ صِغَارٌ وَعُصْبَةٌ كِبَارٌ بِانْتِظَارِ الصِّغَارِ قَائِلًا هُمْ أَحَقُّ بِالْقِيَامِ بِالدَّمِ فَسُئِلَ عَنْ فَتَيَاهُ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ الْمَأْثُورَةِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ خَفِيَ عَلَى السَّائِلِ مَعْنَى ذَلِكَ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَسُوغُ لِلْمُفْتِي الْعُدُولُ عَنْ الرِّوَايَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا يَسُوغُ لَهُ تَقْلِيدُهَا إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ بِصِحَّتِهَا بَيْنَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، لَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُخَالِفَةٌ لِلْأُصُولِ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى مُخَالَفَتِهَا بِمَا حَاصِلُهُ وُجُوبُ اعْتِبَارِ حَقِّ الصَّغِيرِ وَتَأْخِيرُهُ لِبُلُوغِهِ كَحَقٍّ لَهُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَبِأَنَّ لَهُ جَبْرَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

الْقَاتِلِ عَلَى الدِّيَةِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَأَحَدِ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَةِ الْأَخَوَيْنِ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا، وَلَا يُغْتَرُّ بِهِ فِي زَمَانِنَا، إنَّمَا سَاغَ ذَلِكَ لَهُ لِعُلُوِّ طَبَقَتِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ مَنْ عَاصَرَهُ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا، إذْ هُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَفِي طُرَّةِ بَعْضِ نَوَازِلِهِ مَا نَصُّهُ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا، إذْ هُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ إنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةٍ وَلَا حُجَّةٍ.
فَإِنْ قُلْت مَا هِيَ الرِّوَايَةُ الْمَأْثُورَةُ فِي ذَلِكَ.
قُلْت فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ فِي قَتِيلٍ لَهُ بَنُونَ صِغَارٌ وَعَصَبَةٌ فَلِلْعَصَبَةِ الْقَتْلُ، وَلَا يُنْتَظَرُ بُلُوغُ الصِّغَارِ، قَالَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ وَلَهُمْ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ وَتَكُونُ بَيْنَهُمْ، قَالَ عَنْهُ أَشْهَبُ يَنْظُرُ لِلصِّغَارِ وَلِيُّهُمْ فِي الْقَوَدِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ، وَلَهُ أَنْ يُقْسِمَ إنْ وُجِدَ مَعَهُ مِنْ الْعَصَبَةِ مَنْ يُقْسِمُ مَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قُرْبِهِ ثُمَّ يَكُونُ لِهَذَا الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّبِيِّ الْقَتْلُ أَوْ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ، وَانْظُرْ عَزْوَهُ لِلْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ.
وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ عَمْدًا وَلَدٌ صَغِيرٌ وَعَصَبَةٌ فَلِلْعَصَبَةِ أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ وَيَعْفُوا، وَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الصَّغِيرِ، وَفِيهَا أَيْضًا إذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَوْلَادٌ صِغَارٌ وَالْقَتْلُ بِقَسَامَةٍ فَلِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ تَعْجِيلُ الْقَتْلِ، وَلَا يُنْتَظَرُ أَنْ يَكْبَرَ وَلَدُهُ فَيَبْطُلَ الدَّمُ، وَإِنْ عَفَوْا فَلَا يَجُوزُ عَفْوُهُمْ إلَّا عَلَى الدِّيَةِ لَا عَلَى أَقَلَّ مِنْهَا.
وَإِنْ كَانَ أَوْلَادُ الْمَقْتُولِ صِغَارًا وَكِبَارًا، فَإِنْ كَانَ الْكِبَارُ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا فَلَهُمْ أَنْ يُقْسِمُوا وَيَقْتُلُوا وَلَا يُنْتَظَرُ بُلُوغَ الصِّغَارِ، وَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ فَلِلْبَاقِي وَالْأَصَاغِرِ حَظُّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَلَدٌ كَبِيرٌ وَصَغِيرٌ فَإِنْ وَجَدَ الْكَبِيرُ رَجُلًا مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ حَلَفَ مَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ لَهُ الْعَفْوُ خَمْسِينَ يَمِينًا ثُمَّ لِلْكَبِيرِ أَنْ يَقْتُلَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْلِفُ مَعَهُ حَلَفَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا وَاسْتُؤْنِيَ الصَّغِيرُ، فَإِذَا بَلَغَ حَلَفَ أَيْضًا خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا ثُمَّ اسْتَحَقَّ الدَّمَ، وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ بِغَيْرِ قَسَامَةٍ وَلِلْمَقْتُولِ وَلَدَانِ أَحَدُهُمَا حَاضِرٌ وَالْآخَرُ غَائِبٌ، فَإِنَّمَا لِلْحَاضِرِ أَنْ يَعْفُوَ، وَيَجُوزُ عَلَى الْغَائِبِ، وَيَكُونُ لَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ

وَصَغِيرٌ لَمْ يَتَوَقَّفْ الثُّبُوتُ عَلَيْهِ

وَلِلنِّسَاءِ إنْ وَرِثْنَ وَلَمْ يُسَاوِهِنَّ عَاصِبٌ وَلِكُلٍّ الْقَتْلُ، وَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ:

[منح الجليل]

حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ وَيُحْبَسَ الْقَاتِلُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ وَلَا يَكْفُلُ، إذْ لَا كَفَالَةَ فِي النَّفْسِ وَلَا فِيمَا دُونَهَا مِنْ الْقِصَاصِ.
وَإِنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَوْلِيَاءٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ فَلِلْكِبَارِ أَنْ يَقْتُلُوا وَلَا يَنْتَظِرُوا الصِّغَارَ، وَلَيْسَ الصَّغِيرُ كَالْغَائِبِ: الْغَائِبُ يُكْتَبُ لَهُ فَيَصْنَعُ فِي نَصِيبِهِ مَا يُحِبُّ، وَالصَّغِيرُ يَطُولُ انْتِظَارُهُ فَيَبْطُلُ الدَّمُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ مَجْنُونًا مُطْبَقًا فَلِلْآخَرِ أَنْ يَقْتُلَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ لَا يُنْتَظَرُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَوْلِيَاءِ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مُبَرْسَمٌ فَإِنَّهُ يُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ لِأَنَّ هَذَا مَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ اهـ. وَفِيهَا أَيْضًا مَا هُوَ أَصْرَحُ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَإِذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ عَمْدًا وَلَدٌ صَغِيرٌ وَعَصَبَةٌ فَلِلْعَصَبَةِ أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ وَيَعْفُوَ أَوْ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الصَّغِيرِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْفُوا عَلَى غَيْرِ مَالٍ اهـ. أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ يَبْطُلُ الدَّمُ، أَيْ إمَّا بِمَوْتِ الْقَاتِلِ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ هُرُوبِهِ مِنْ السِّجْنِ اهـ.

(وَ) لَا يُنْتَظَرُ وَلِيٌّ (صَغِيرٌ) وَاحِدٌ أَوْ مُتَعَدِّدٌ (لَمْ يَتَوَقَّفْ الثُّبُوتُ عَلَيْهِ) لِإِقْرَارِ الْجَانِي بِالْقَتْلِ أَوْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَيْهِ بِهِ أَوْ وُجُودِ عَاصِبَيْنِ كَبِيرَيْنِ أَوْ كَبِيرٍ مُسَاوٍ لِلصَّغِيرِ فِي الدَّرَجَةِ وَعَاصِبٍ يَسْتَعِينُ بِهِ، فَإِنْ اقْتَصَّ الْبَالِغُ فَلَا شَيْءَ لِلصَّغِيرِ، وَإِنْ عَفَا مَضَى عَفْوُهُ عَلَى الصَّغِيرِ وَلَهُ نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ، فَإِنْ تَوَقَّفَ الثُّبُوتُ عَلَى الصَّغِيرِ حَلَفَ الْكَبِيرُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا مَعَ حُضُورِ الصَّغِيرِ وَسُجِنَ الْقَاتِلُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ وَيَحْلِفَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا وَاسْتَحَقَّ، فَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا

(وَ) الِاسْتِيفَاءُ (لِلنِّسَاءِ إنْ وَرِثْنَ) الْمَقْتُولَ وَكُنَّ عَصَبَةً لَوْ رَجَّلْنَ فَلَا اسْتِيفَاءَ لِذَوَاتِ الْأَرْحَامِ كَالْخَالَةِ وَلَا لِلْأُخْتِ لِأُمٍّ (وَلَمْ يُسَاوِهِنَّ) أَيْ النِّسَاءَ (عَاصِبٌ) بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ عَاصِبٌ، أَوْ كَانَ أَنْزَلَ مِنْهُنَّ كَعَمٍّ مَعَ بَنَاتٍ فَلَا كَلَامَ لِلْبَنَاتِ مَعَ الْأَبْنَاءِ وَلَا لِلْأَخَوَاتِ مَعَ الْأَخِ وَلَا لِلْأُمِّ مَعَ الْأَبِ لِمُسَاوَاةِ الْعَاصِبِ.
(وَ) إنْ كَانَ الِاسْتِيفَاءُ لِنِسَاءٍ وَعَصَبَةٍ نَازِلِينَ عَنْ النِّسَاءِ فَ (لِكُلٍّ) مِنْ النِّسَاءِ وَالْعَصَبَةِ (الْقَتْلُ) لِقَاتِلِ وَلِيِّهِمْ (وَلَا عَفْوَ) مِنْهُ (إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ) أَيْ النِّسَاءِ وَالْعَصَبَةِ عَلَى الْعَفْوِ عَنْهُ

كَأَنْ حُزْنَ الْمِيرَاثَ وَثَبَتَ بِقَسَامَةٍ

[منح الجليل]

حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَعَفْوِ بَعْضِ النِّسَاءِ وَبَعْضِ الْعَصَبَةِ عَنْهُ كَمَا يُفِيدُ هَذَا قَوْلُهُ الْآتِي.
وَفِي رِجَالٍ وَنِسَاءٍ لَمْ يَسْقُطْ إلَّا بِهِمَا أَوْ بِبَعْضِهِمَا.
الْعَدَوِيُّ الْحَاصِلُ أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَكُونُ الْكَلَامُ لَهُنَّ اسْتِقْلَالًا إلَّا إذَا حُزْنَ الْمِيرَاثَ وَثَبَتَ الْقَتْلُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ.
وَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَيُشَارِكُهُنَّ فِي الْكَلَامِ الْعَصْبَةُ النَّازِلُونَ عَنْهُنَّ.
ابْنُ عَرَفَةَ النِّسَاءُ فِيهِنَّ طُرُقٌ الْبَاجِيَّ الْقَاضِي فِي أَنَّ لَهُنَّ فِي الدَّمِ مَدْخَلًا رِوَايَتَانِ، وَعَلَى الْأُولَى فِي كَوْنِهِ فِي الْقَوَدِ لَا الْعَفْوِ وَالْعَكْسُ رِوَايَتَانِ.
اللَّخْمِيُّ مَعْرُوفٌ قَوْلُ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّ لَهُنَّ حَقًّا فِي الدَّمِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَصَّارِ لَا شَيْءَ لَهُنَّ فِيهِ.
ابْنُ رُشْدٍ لَا حَقَّ فِيهِ لِمَنْ لَا إرْثَ لَهَا مِنْهُنَّ كَالْعَمَّاتِ وَبَنَاتِ الْإِخْوَةِ وَلِمَنْ يَرِثُ مِنْهُنَّ كَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأُمَّهَاتِ حَقٌّ فِيهِ.
اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ فِي الْأُمِّ فَقَالَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَابْنُ الْقَاسِمِ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " لَهَا فِيهِ حَقٌّ أَشْهَبُ لَا حَقَّ لَهَا فِيهِ مَعَ الْعَصَبَةِ وَلَا مَعَ السُّلْطَانِ، وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ إنْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ بَنَاتٍ وَإِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ وَعَصَبَةً فِي كَوْنِ الْأَحَقِّ بِالْقَوَدِ مَنْ قَامَ بِهِ وَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ، وَلَوْ ثَبَتَ الدَّمُ بِقَسَامَةٍ أَوْ إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ وَإِلَّا سَقَطَ النِّسَاءُ، ثَالِثُهَا إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَالنِّسَاءُ أَحَقُّ بِالْقَوَدِ وَالْعَفْوِ لِقُرْبِهِنَّ، وَإِنْ ثَبَتَ بِقَسَامَةٍ فَالْأَوَّلُ.
ابْنُ عَرَفَةَ يُرِيدُ بِاجْتِمَاعِهِمْ اجْتِمَاعَ بَعْضِ الصِّنْفَيْنِ لِقَوْلِهَا إنْ عَفَا بَعْضُ الْبَنَاتِ وَبَعْضُ الْعَصَبَةِ أَوْ بَعْضُ الْأَخَوَاتِ وَبَعْضُ الْعَصَبَةِ فَلَا سَبِيلَ لِلْقَتْلِ، وَيَقْضِي لِمَنْ بَقِيَ بِالدِّيَةِ.
ابْنُ رُشْدٍ إنْ كَانَ مَعَ الْبَنَاتِ أَوْ الْأَخَوَاتِ عَصَبَةٌ وَثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَالْعَصَبَةُ لَغْوٌ، وَإِنْ ثَبَتَ بِقَسَامَةٍ فَفِي كَوْنِ مَنْ قَامَ بِالْقَوَدِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَحَقَّ وَسُقُوطِ النِّسَاءِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا وَسَمَاعُهُ عِيسَى وَشَبَّهَ فِي تَوَقُّفِ الْعَفْوِ عَلَى الِاجْتِمَاعِ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ صِلَتُهُ (حُزْنَ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ، أَيْ أَخَذَ النِّسَاءِ (الْمِيرَاثَ) كُلَّهُ كَبِنْتٍ وَأُخْتٍ وَأَعْمَامٍ (وَثَبَتَ) لِلْقَتْلِ (بِقَسَامَةٍ) مِنْ الْأَعْمَامِ فَلِكُلٍّ الْقَتْلُ وَمَنْ طَلَبَهُ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ عَفَا عَنْهُ وَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ، وَمَفْهُومُهُ إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ وَالنِّسَاءُ

وَالْوَارِثُ كَمُوَرِّثِهِ

[منح الجليل]

حَائِزَاتٌ لِلْمِيرَاثِ فَلَا كَلَامَ لِلْعَصَبَةِ فِي قَتْلٍ وَلَا عَفْوَ اتِّفَاقًا.
ابْنُ رُشْدٍ إنْ كَانَ مَعَ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ عَصَبَةٌ وَثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَالْعَصَبَةُ لَغْوٌ، وَإِنْ ثَبَتَ بِقَسَامَةٍ فَفِي كَوْنِ مَنْ قَامَ بِالْقَوَدِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَحَقَّ وَسُقُوطِ النِّسَاءِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا وَسَمَاعُهُ عِيسَى.

(وَ) إنْ مَاتَ بَعْضُ مَنْ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ أَوْ جَمِيعُهُمْ وَلَهُ وَارِثٌ فَ (الْوَارِثُ) وَاحِدًا كَانَ أَوْ مُتَعَدِّدًا (كَمُوَرِّثِهِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ يَسْتَقِلُّ بِالْقَتْلِ وَالْعَفْوِ فَوَارِثُهُ كَذَلِكَ، وَإِنْ تَوَقَّفَ الْعَفْوُ عَلَى اجْتِمَاعِهِ عَلَيْهِ مَعَ غَيْرِهِ فَوَارِثُهُ كَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي الْعَفْوِ كَبِنْتٍ مَعَ ابْنٍ فَوَارِثُهَا كَذَلِكَ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَارِثُ مُسْتَحِقِّ الدَّمِ مِثْلُهُ فِي الْقَتْلِ وَالْعَفْوِ.
الْخَرَشِيُّ أَيْ يَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ الْكَلَامُ فِي الِاسْتِيفَاءِ وَعَدَمِهِ الَّذِي كَانَ لِمُوَرِّثِهِ وَيَرِثُونَهُ كَالْمَالِ لَا كَالِاسْتِيفَاءِ، فَإِذَا مَاتَ وَلِيُّ الدَّمِ نُزِّلَ وَرَثَتُهُ مَنْزِلَتَهُ مِنْ غَيْرِ خُصُوصِيَّةٍ لِلْعَصَبَةِ مِنْهُمْ عَنْ ذَوِي الْفُرُوضِ فَيَرِثُهُ الْبَنَاتُ وَالْأُمَّهَاتُ وَيَكُونُ لَهُنَّ الْعَفْوُ وَالْقِصَاصُ كَمَا لَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ عَصَبَةً لِأَنَّهُمْ وَرِثُوهُ عَمَّنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَفِيهَا مَنْ قَتَلَ وَلَدًا لَهُ أُمٌّ وَعَصَبَةٌ فَمَاتَتْ الْأُمُّ فَوَرَثَتُهَا مَكَانَهَا إنْ أَحَبُّوا أَنْ يَقْتُلُوا قَتَلُوا وَلَا عَفْوَ لِلْعَصَبَةِ دُونَهُمْ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُمُّ بَاقِيَةً.
وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ ابْنًا وَبِنْتًا فَالْكَلَامُ لَهَا، وَإِنْ اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمَا فَإِنْ مَاتَ ابْنُ الْمَقْتُولِ عَنْ ابْنٍ وَبِنْتٍ فَلَهَا الْكَلَامُ مَعَ أَخِيهَا فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَارِثِ الْأُنْثَى عَدَمُ مُسَاوَاةِ عَاصِبٍ لَهَا، وَلَوْ مَاتَتْ بِنْتُ الْمَقْتُولِ عَنْ بِنْتٍ فَلَهَا الْكَلَامُ مَعَ عَمِّهِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إنْ مَاتَ وَارِثُ الْمَقْتُولِ الَّذِي لَهُ الْقِيَامُ بِالدَّمِ فَوَرَثَتُهُ مَقَامُهُ فِي الْعَفْوِ وَالْقَتْلِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ وُلَاةِ الْمَقْتُولِ رَجُلٌ وَوَرَثَتُهُ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ فَلِلنِّسَاءِ مِنْ الْقَتْلِ أَوْ الْعَفْوِ مَا لِلذَّكَرِ لِأَنَّهُمْ وَرِثُوا الدَّمَ عَمَّنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ تَرَكَ الْقَتِيلُ عَمْدًا بِالْبَيِّنَةِ أُمًّا وَبِنْتًا وَعَصَبَةً فَمَاتَتْ الْأُمُّ أَوْ الْبِنْتُ أَوْ الْعَصَبَةُ فَوَرَثَتُهُ فِي مَنَابِهِ إلَّا الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ، فَإِنْ اخْتَلَفَ وَرَثَةُ هَذَا الْمَيِّتِ وَمَنْ بَقِيَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ فَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ

وَلِلصَّغِيرِ إنْ عُفِيَ، نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ، وَلِوَلِيِّهِ النَّظَرُ فِي الْقَتْلِ، وَالدِّيَةِ كَامِلَةً، كَقَطْعِ يَدِهِ إلَّا لِعُسْرٍ فَيَجُوزُ بِأَقَلَّ:

[منح الجليل]

وَ) إنْ كَانَ الِاسْتِيفَاءُ لِكَبِيرٍ وَصَغِيرٍ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ كَابْنَيْنِ وَعَفَا الْكَبِيرُ سَقَطَ الْقَوَدُ وَ (لِلصَّغِيرِ إنْ عُفِيَ) عَنْ الْقَتْلِ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مِنْ أَخِيهِ الْكَبِيرِ فَلِلصَّغِيرِ (نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ وَ) إنْ اسْتَحَقَّ صَغِيرٌ الِاسْتِيفَاءَ وَحْدَهُ فَ (لِوَلِيِّهِ) أَيْ الصَّغِيرِ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ مُقَدَّمٍ قَاضٍ (النَّظَرُ فِي الْقَتْلِ) لِلْقَاتِلِ (أَوْ) الْعَفْوِ عَلَى أَخْذِ (الدِّيَةِ) حَالَ كَوْنِهَا كَامِلَةً، فَإِنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي أَحَدِهِمَا تَعَيَّنَ، وَالْأَخِيرُ فِيهِمَا.
وَشَبَّهَ فِي نَظَرِ الْوَلِيِّ لِلصَّغِيرِ فَقَالَ (كَقَطْعِ يَدِهِ) أَيْ الصَّغِيرِ عَمْدًا عُدْوَانًا فَيَنْظُرُ وَلِيُّهُ فِي قَطْعِ يَدِ الْجَانِي وَأَخْذِ دِيَةِ الْيَدِ كَامِلَةً (إلَّا لِعُسْرِ) الْجَانِي عَنْ الدِّيَةِ كَامِلَةً فِي النَّفْسِ، وَعَنْ نِصْفِهَا فِي الْيَدِ (فَيَجُوزُ) صُلْحُهُ (بِأَقَلَّ) مِنْ الدِّيَةِ فِي النَّفْسِ وَمِنْ نِصْفِهَا فِي الْيَدِ.
ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ أَبُو زَيْدٍ ابْنَ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ يَتْرُكْ الْقَتِيلُ إلَّا وَلَدًا صَغِيرًا وَلَا وَلِيَّ لَهُ إلَّا السُّلْطَانُ أَقَامَ لَهُ وَلِيًّا يَنْظُرُ لَهُ بِالْقَتْلِ أَوْ الْعَفْوِ عَلَى الدِّيَةِ لَا عَلَى أَقَلَّ مِنْهَا إنْ كَانَ مَلِيئًا بِهَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا جَازَ عَلَى مَا يَرَى عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، فَإِنْ صَالَحَ بِأَقَلَّ مِنْهَا وَالْقَاتِلُ مَلِيءٌ فَلَا يَجُوزُ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْقَاتِلِ وَلَا يَرْجِعُ الْقَاتِلُ عَلَى الْوَلِيِّ بِشَيْءٍ.
ابْنُ رُشْدٍ أَجَازَ أَشْهَبُ صُلْحَهُ بِأَقَلَّ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ مَا لَمْ يَكُنْ بِيَسِيرٍ جِدًّا تَتَبَيَّنُ فِيهِ الْمُحَابَاةُ، وَقَوْلُهُ أَصَحُّ عَلَى الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِعَدَمِ جَبْرِ الْقَاتِلِ عَلَى الدِّيَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصَحُّ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ يَجْبُرُهُ عَلَيْهَا.
قُلْت سَبَقَهُ سَحْنُونٌ بِهَذَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ نَقَضَ أَشْهَبُ أَصْلَهُ فِي هَذَا لِأَنَّهُ رَأَى لِلْوَلِيِّ الْجَبْرَ عَلَى الدِّيَةِ وَفِيهَا مَنْ وَجَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ دَمٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعَفْوُ إلَّا عَلَى الدِّيَةِ لَا أَقَلَّ مِنْهَا، وَإِنْ عَفَا فِي الْخَطَأِ وَتَحَمَّلَ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ جَازَ إنْ كَانَ مَلِيئًا يُعْرَفُ مَلَاؤُهُ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ عَفْوُهُ، وَكَذَا الْعَصَبَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَوْلِيَاءَ، وَإِنْ جُرِحَ الصَّبِيُّ عَمْدًا وَلَهُ وَصِيٌّ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ لَهُ الشَّيْخُ.
لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ لَوْ بَذَلَ الْجَارِحُ دِيَةَ الْجُرْحِ فَأَبَى الْوَصِيُّ إلَّا الْقَوَدَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ النَّظَرِ أَخْذُ الْمَالِ أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ.

بِخِلَافِ قَتْلِهِ فَلِعَاصِبِهِ، وَالْأَحَبُّ أَخْذُ الْمَالِ فِي عَبْدِهِ

وَيَقْتَصُّ مَنْ يَعْرِفُ يَأْجُرُهُ الْمُسْتَحِقُّ؛ وَلِلْحَاكِمِ رَدُّ الْقَتْلِ فَقَطْ لِلْوَلِيِّ؛

[منح الجليل]

بِخِلَافِ قَتْلِهِ) أَيْ الصَّغِيرِ عَمْدًا عُدْوَانًا (فَلِعَاصِبِهِ) أَيْ الصَّغِيرِ الْقَتْلُ وَالْعَفْوُ لَا لِوَصِيِّهِ وَمُقَدَّمِهِ لِانْقِطَاعِ وَلَايَتِهِ بِمَوْتِهِ فِيهَا، وَإِنْ قُتِلَ الصَّغِيرُ فَوُلَاتُهُ أَحَقُّ مِنْ وَصِيِّهِ (وَالْأَحَبُّ) أَيْ الْأَحْسَنُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِوَلِيِّ الصَّغِيرِ الَّذِي قُتِلَ عَبْدُهُ عَمْدًا عُدْوَانًا، وَكَانَ قَاتِلُهُ رَقِيقًا أَوْ كَافِرًا (أَخْذُ الْمَالِ فِي قَتْلِ عَبْدِهِ) أَيْ الصَّغِيرِ، إذْ لَا يُنْتَفَعُ بِالْقَتْلِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا لِصَغِيرٍ عَمْدًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَخْتَارَ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ أَخْذَ الْمَالِ، إذْ لَا نَفْعَ لَهُ فِي الْقَوَدِ.

(وَيُقْتَصُّ) مِنْ الْجَانِي عَلَى عُضْوٍ مَعْصُومٍ (مَنْ يَعْرِفُ) ذَلِكَ مِنْ الْعُدُولِ كَالْأَطِبَّاءِ، قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُوَلِّيَ الْإِمَامُ عَلَى الْجِرَاحِ عَدْلَيْنِ يَنْظُرَانِ ذَلِكَ وَيَقِيسَانِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا وَاحِدًا فَأَرَاهُ مُجْزِئًا إنْ كَانَ عَدْلًا (يَأْجُرُهُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْجِيمِ، أَيْ يَسْتَأْجِرُهُ الشَّخْصُ (الْمُسْتَحِقُّ) لِلدَّمِ وَيَدْفَعُ لَهُ الْأُجْرَةَ مِنْ مَالِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْجَانِي مُجَرَّدُ التَّمْكِينِ مِنْ نَفْسِهِ.
سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُقْتَصِّ لَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لَا يُمَكَّنُ ذُو الْقَوَدِ فِي الْجِرَاحِ مِنْ الْقِصَاصِ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَقْتَصُّ لَهُ مَنْ يَعْرِفُ الْقِصَاصَ.
الشَّيْخُ رَوَى مُحَمَّدٌ وَابْنُ عَبْدُوسٍ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُوَلِّيَ الْإِمَامُ عَلَى الْجِرَاحِ عَدْلَيْنِ بَصِيرَيْنِ بِذَلِكَ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَفْضَلَ مِنْ الْآخَرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا وَاحِدًا أَجْزَأَ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قِيلَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَتَجْعَلُ الْمُوسَى بِيَدِ الْمَجْرُوحِ وَيُمْسِكُ الطَّبِيبُ عَلَى يَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ، قَالَ لَا أَعْرِفُهُ، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقِصَاصَ عَلَى الْمُقْتَصِّ لَهُ وَيَدَّعِي لَهُ أَرْفَقَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْبَصِيرَةِ فَيَقْتَصُّ بِأَرْفَقَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ وَقِيلَ عَلَى الْمُقْتَصِّ مِنْهُ وَهُوَ بَعِيدٌ.
قُلْت كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ شَعْبَانَ وَعَزَاهُ الْمُتَيْطِيُّ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ.
(وَلِلْحَاكِمِ رَدُّ الْقَتْلِ فَقَطْ) أَيْ دُونَ الْجُرْحِ (لِلْوَلِيِّ) الْمُسْتَحِقِّ لِلدَّمِ بِأَنْ يُسَلِّمَ الْقَاتِلَ لَهُ

وَنَهَى عَنْ الْعَبَثِ

وَأُخِّرَ لِبَرْدٍ أَوْ حَرٍّ.

[منح الجليل]

لِيَقْتُلَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبٍ عَنْهُ فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ رَدُّ الْجُرْحِ لِلْمَجْرُوحِ وَلَا لِوَلِيِّهِ إنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، بَلْ يَأْمُرُهُ عَدْلًا عَارِفًا بِتَوَلِّيهِ.
وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِمَا عَدَمُ الرَّدِّ، فَوَرَدَ النَّصُّ بِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْلَمَ الْقَاتِلَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ، وَقَالَ لَهُ دُونَك صَاحِبَك فَاتَّبِعْ» وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى أَصْلِهِ.
ابْنُ مَرْزُوقٍ نُصُوصُ الْمُدَوَّنَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ تَدُلُّ عَلَى طَلَبِ دَفْعِ الْقَاتِلِ لِلْوَلِيِّ وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تَقْتَضِي تَخْيِيرَ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ، فَاللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى.
الْحَطّ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْجِرَاحِ لَا يُطْلَبُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بِمِثْلِ مَا جُرِحَ بِهِ، فَإِذَا شَجَّهُ مُوضِحَةً مَثَلًا بِحَجَرٍ أَوْ عَصًا فَيُقْتَصُّ مِنْهُ بِالْمُوسَى، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ بِحَجَرٍ أَوْ عَصًا (وَ) إنْ سَلَّمَ الْحَاكِمُ الْقَاتِلَ لِلْوَلِيِّ لِيَقْتُلَهُ (نَهَى) الْحَاكِمُ الْوَلِيَّ (عَنْ الْعَبَثِ) أَيْ التَّمْثِيلِ بِالْقَاتِلِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا وَأَمَّا الْقَتْلُ فَيُدْفَعُ لِلْوَلِيِّ لِيَقْتُلَهُ وَيَنْهَى عَنْ الْعَبَثِ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِثْلُهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِيهَا وَفِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يُمَكَّنُ مِنْ قَتْلِهِ بِيَدِهِ خَوْفَ أَنْ يَتَعَدَّى

(وَيُؤَخَّرُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْهَمْزِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مُثَقَّلًا الْقِصَاصُ مِمَّا دُونَ النَّفْسِ (لِ) زَوَالِ (بَرْدٍ أَوْ حَرٍّ) شَدِيدٍ يُخْشَى الْمَوْتُ مِنْ الْقِصَاصِ فِيهِ، فَيَلْزَمُ قَتْلُ نَفْسٍ فِيمَا دُونَهَا.
ابْنُ شَاسٍ يُؤَخَّرُ الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لِلْحَرِّ الْمُفْرِطِ وَالْبَرْدِ الْمُفْرِطِ وَمَرَضِ الْجَانِي، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُحَارِبِ الَّذِي اُخْتِيرَ فِيهِ قَطْعُهُ مِنْ خِلَافٍ، فَلَا يُؤَخَّرُ لِبَرْدٍ وَلَا لِحَرٍّ، وَإِنْ خِيفَ مَوْتُهُ لِأَنَّ قَتْلَهُ أَحَدُ حُدُودِهِ.
الصِّقِلِّيُّ مُحَمَّدٌ إنْ رَأَى الْإِمَامُ قَطْعَ الْمُحَارِبِ فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ فَلَا يُؤَخَّرُ، بِخِلَافِ قَطْعِ السَّرِقَةِ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ قَتَلَ هَذَا الْمُحَارِبَ جَازَ لَهُ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَيْسَ بِبَيِّنٍ لِأَنَّ قَطْعَ الْمُحَارِبِ إنَّمَا هُوَ بِالِاجْتِهَادِ فَمَنْ اسْتَحَقَّهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِ لِلْقَتْلِ هَكَذَا يَنْبَغِي.
ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت الْقَطْعُ عَلَى قِسْمَيْنِ قَطْعٌ مَعَ قَيْدِ السَّلَامَةِ مِنْ خَوْفِ مَوْتِهِ وَقَطْعٌ مَعَ احْتِمَالِهِ وَالْمُحَارِبُ مَعْرُوضٌ لِلثَّانِي لِعَدَمِ عِصْمَةِ دَمِهِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ، فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ قَطْعَهُ مَعَ احْتِمَالِ مَوْتِهِ جَازَ، وَالرِّوَايَةُ إنَّمَا وَقَعَتْ فِيمَنْ رَأَى الْإِمَامَ قَطْعَهُ فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ، أَمَّا لَوْ رَآهُ فِي غَيْرِ الْبَرْدِ وَتَأَخَّرَ إلَيْهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْإِمَامُ النَّظَرَ فِيهِ اهـ.

كَالْبُرْءِ، كَدِيَتِهِ خَطَأً، وَلَوْ كَجَائِفَةٍ

[منح الجليل]

وَفِيهَا مَنْ سَرَقَ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ فَخِيفَ مَوْتُهُ مِنْ قَطْعِهِ فِيهِ أَخَّرَهُ الْإِمَامُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ الْحَرُّ إنْ عُلِمَ خَوْفُهُ كَالْبَرْدِ.
الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَأَمَّا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَلْيَقْطَعْ، إذْ لَيْسَ بِمُتْلِفٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ الْخَوْفِ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ بَلَاغًا، وَقَالَ يُؤَخِّرُ إنْ خِيفَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ مَا يُخَافُ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ.
وَشَبَّهَ فِي التَّأْخِيرِ فَقَالَ (كَالْبُرْءِ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ مِنْ مَرَضٍ خِيفَ مِنْ الْقَطْعِ مَعَهُ الْمَوْتُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ الْمَرِيضُ الْمَخُوفُ لَا يُقْطَعُ وَلَا يُجْلَدُ لَا لِحَدٍّ وَلَا لِنَكَالٍ.
اللَّخْمِيُّ إذَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى ضَعِيفِ الْجِسْمِ الَّذِي يُخَافُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ مِنْهُ يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهُ وَيُعَاقَبُ وَيُسْجَنُ، وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ عَنْ قِصَاصٍ رُجِعَ لِلدِّيَةِ، وَفِي كَوْنِهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ أَوْ فِي مَالِ الْجَانِي خِلَافٌ، وَحَدُّ الْجَلْدِ فِي الْقَذْفِ وَالزِّنَا وَالشُّرْبِ يُفَرَّقُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ حَتَّى يَكْمُلَ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ سَحْنُونٍ لِمَنْ خَافَ مِنْ الْخِتَانِ تَرْكُهُ أَلَا تَرَى مَنْ وَجَبَ قَطْعُ يَدِهِ يُتْرَكُ لِذَلِكَ.
وَشَبَّهَ فِي التَّأْخِيرِ لِلْبُرْءِ فَقَالَ (كَدِيَتِهِ) أَيْ الْجُرْحِ حَالَ كَوْنِهِ (خَطَأً) فَإِنَّهَا تُؤَخَّرُ لِبُرْئِهِ خَوْفَ سَرَيَانِهِ لِلْمَوْتِ فَتَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَتَنْدَرِجُ فِيهَا دِيَةُ الْجُرْحِ أَوْ إلَى مَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ إنْ كَانَ الْجُرْحُ لَيْسَتْ لَهُ دِيَةٌ مُقَدَّرَةٌ، بَلْ (وَلَوْ كَانَ) لَهُ دِيَةٌ مُقَدَّرَةٌ (كَجَائِفَةٍ) وَآمَّةٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا يُؤَخَّرُ بِالْمَقْطُوعِ الْحَشَفَةِ حَتَّى يَبْرَأَ، لِأَنَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لَا يُقَادُ مِنْ جُرْحِ الْعَمْدِ وَلَا يَعْقِلُ فِي الْخَطَأِ إلَّا بَعْدَ الْبُرْءِ، وَإِنْ طَلَبَ مَقْطُوعُ الْحَشَفَةِ تَعْجِيلَ فَرْضِ الدِّيَةِ، إذْ لَا بُدَّ مِنْهَا وَلَوْ عَاشَ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ لَعَلَّ أُنْثَيَيْهِ أَوْ غَيْرَهُمَا تَذْهَبُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا فِي الْمُوضِحَةِ وَالْمَأْمُومَةِ، وَتُؤَخَّرُ الْعَيْنُ سَنَةً.
فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ تَبْرَأْ اُنْتُظِرَ بُرْؤُهَا، وَلَا يَكُونُ قَوَدٌ وَلَا دِيَةٌ إلَّا بَعْدَ الْبُرْءِ، وَإِنْ ضُرِبَتْ فَسَالَ دَمْعُهَا اُنْتُظِرَ بِهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ يَرْقَأْ دَمْعُهَا فَفِيهَا حُكُومَةٌ وَمِثْلُهُ فِي الْمُوَطَّإِ لِأَنَّهُ قَدْ يَئُولُ إلَى النَّفْسِ فَيَعُودُ الْقَوَدُ ثَانِيًا وَهُوَ خُرُوجٌ عَنْ الْمُمَاثَلَةِ.
قُلْت عَزَا هَذَا التَّعْلِيلَ الصِّقِلِّيُّ لِأَشْهَبَ، وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ أَشْهَبَ يَسْتَأْنِي بِذَهَابِ الْعَقْلِ

وَالْحَامِلُ، وَإِنْ بِجُرْحٍ مُخِيفٍ: لَا بِدَعْوَاهَا، وَحُبِسَتْ كَالْحَدِّ؛ وَالْمُرْضِعُ لِوُجُودِ مُرْضِعٍ

[منح الجليل]

سَنَةً.
ابْنُ رُشْدٍ الْوَجْهُ فِيهِ أَنْ تَمُرَّ عَلَيْهِ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ وَلَا خِلَافَ فِي انْتِظَارِهِ سَنَةً إنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي الْجِرَاحِ فَقِيلَ يُنْتَظَرُ بِهَا سَنَةً وَلَوْ بَرِئَتْ قَبْلَهَا، فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ تَبْرَأْ اُنْتُظِرَ بُرْؤُهَا، هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ بَرِئَتْ قَبْلَ السَّنَةِ فَلَا يُنْتَظَرُ تَمَامُهَا إلَّا أَنْ تَبْرَأَ عَلَى عَثَلٍ، فَإِنْ بَرِئَتْ عَلَيْهِ اُنْتُظِرَ تَمَامُهَا.
وَلَا يُنْتَظَرُ بِهَا بَعْدَهَا وَيُحْكَمُ بِالْقَوَدِ عِنْدَ تَمَامِهَا، فَإِنْ تَرَامَى الْجُرْحُ لِذَهَابِ عُضْوٍ نُظِرَ فِيهِ كَمَا لَوْ حُكِمَ بِالْقَوَدِ بَعْدَ الْبُرْءِ

(وَ) تُؤَخَّرُ الْمَرْأَةُ (الْحَامِلُ) فِي الْقِصَاصِ مِنْهَا إنْ قَتَلَتْ مُكَافِئًا لَهَا لِئَلَّا تُؤْخَذَ نَفْسَانِ فِي نَفْسٍ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الْقِصَاصُ مِنْهَا (بِجُرْحٍ مُخِيفٍ) مِنْهُ الْمَوْتُ حَتَّى تَلِدَ وَتُوجَدَ مُرْضِعٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ تُؤَخَّرُ الْحَامِلُ فِي قَتْلِ النَّفْسِ عِنْدَ ظُهُورِ مُخَايِلِهِ، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ دَعْوَاهَا وَفِي الْقِصَاصِ الشَّيْخُ يُرِيدُ فِي الْجِرَاحِ الْمَخُوفَةِ وَلَا تُؤَخَّرُ بَعْدَ الْوَضْعِ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ تُرْضِعُهُ فَتُحْبَسُ الْحَامِلُ فِي الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ، وَلَوْ بَادَرَ الْوَلِيُّ فَقَتَلَهَا فَلَا غُرَّةَ لِجَنِينِهَا إلَّا أَنْ يُزَايِلَهَا قَبْلَ مَوْتِهَا فَتَجِبُ فِيهِ الْغُرَّةُ إلَّا أَنْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا وَتَأْخِيرُهَا مَشْرُوطٌ بِظُهُورِ أَمَارَاتِهِ (لَا بِ) مُجَرَّدِ (دَعْوَاهَا) الْحَمْلَ فَلَا تُؤَخَّرُ (وَحُبِسَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْحَامِلُ مُدَّةَ تَأْخِيرِهَا لِأَجْلِ حَمْلِهَا.
وَشَبَّهَ فِي التَّأْخِيرِ وَالْحَبْسِ فَقَالَ (كَالْحَدِّ) الْوَاجِبِ عَلَيْهَا لِزِنًا أَوْ قَذْفٍ أَوْ شُرْبٍ فَتُؤَخَّرُ وَتُحْبَسُ (وَتُؤَخَّرُ) الْمَرْأَةُ (الْمُرْضِعُ) فِي الْقِصَاصِ مِنْهَا (لِوُجُودِ مُرْضِعٍ) لِوَلَدِهَا وَقَبُولُهَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ لِهَلَاكِهِ فَيَلْزَمُ أَخْذُ نَفْسَيْنِ فِي نَفْسٍ لِخَبَرِ الْغَامِدِيَّةِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ تُؤَخَّرُ الْمُرْضِعُ إلَى أَنْ يُوجَدَ مَنْ تُرْضِعُ.

وَالْمُوَالَاةُ فِي الْأَطْرَافِ كَحَدَّيْنِ لِلَّهِ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِمَا، وَبُدِئَ بِأَشَدّ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ

[منح الجليل]

وَ) تُتْرَكُ (الْمُوَالَاةُ) فِي قَطْعِ (الْأَطْرَافِ) إنْ خِيفَ مَوْتُ الْجَانِي بِهَا وَشَبَّهَ فِي تَرْكِ الْمُوَالَاةِ فَقَالَ (كَحَدَّيْنِ) وَجَبَا لِلَّهِ تَعَالَى (لَمْ يَقْدِرْ) الْجَانِي (عَلَيْهِمَا) بِأَنْ خِيفَ مَوْتُهُ مِنْ تَوَالِيهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَيُفَرَّقَانِ فِي وَقْتَيْنِ (وَبُدِئَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (بِ) إقَامَةِ حَدٍّ (أَشَدَّ) مِنْ حَدٍّ خَفِيفٍ (لَمْ يُخَفْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ عَلَيْهِ مِنْهُ الْمَوْتُ، وَمَفْهُومُهُ لَوْ خِيفَ مَوْتُهُ مِنْ الْأَشَدِّ بُدِئَ بِالْأَخَفِّ وَأُخِّرَ الْأَشَدُّ إلَى وَقْتِ إطَاقَتِهِ، وَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ تَوَالِيهِ فُرِّقَ بِقَدْرِ

لَا بِدُخُولِ الْحَرَمِ

[منح الجليل]

طَاقَتِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَحَدٌّ لِلْعِبَادِ بُدِئَ بِحَدِّ اللَّهِ تَعَالَى، إذْ لَا عَفْوَ فِيهِ مَتَى بَلَغَ الْإِمَامُ وَيَجْمَعُ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهِ الْمَوْتَ فَيُفَرَّقَ، وَلَوْ سَرَقَ وَقَطَعَ شِمَالَ رَجُلٍ قُطِعَتْ يَمِينُهُ لِلسَّرِقَةِ وَشِمَالُهُ لِلْقَوَدِ يَجْمَعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْإِمَامُ أَوْ يُفَرِّقُهُ بِقَدْرِ مَا يُطِيقُهُ اللَّخْمِيُّ إنْ خِيفَ عَلَيْهِ فِي إقَامَةِ مَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى دُونَ مَا هُوَ لِآدَمِيٍّ أُقِيمَ عَلَيْهِ مَا لِآدَمِيٍّ، وَإِنْ كَانَ الْحَقَّانِ لِآدَمِيٍّ كَقَطْعٍ وَقَذْفٍ اقْتَرَعَا أَيُّهُمَا يَبْدَأُ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ الْآكَدِ، وَإِنْ حَمَلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ أُقِيمُ أَدْنَاهُمَا دُونَ قُرْعَةٍ

(لَا) يُؤَخَّرُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ أَوْ حَدٌّ (بِ) سَبَبِ (دُخُولِ الْحَرَمِ) الْمَكِّيِّ أَوْ الْمَدَنِيِّ، ظَاهِرُهُ وَلَوْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يُؤَخَّرُ لِتَمَامِهِ سَمِعَ الْقَرِينَانِ تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْحَرَمِ فَيُقْتَلُ قَاتِلُ النَّفْسِ فِي الْحَرَمِ.
ابْنُ رُشْدٍ، سَمِعَ أَبُو زَيْدٍ ابْنَ الْقَاسِمِ مِثْلَهُ وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْ أَصَابَ الْحَدَّ فِي الْحَرَمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ فِي غَيْرِهِ ثُمَّ لَجَأَ إلَيْهِ فَلَا يُكَلَّمُ وَلَا يُجَالَسُ وَلَا يُؤْوَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَقِيلَ إذَا لَجَأَ إلَيْهِ أُخْرِجَ مِنْهُ فَأُقِيمَ عَلَيْهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ مَا عَزَاهُ لِفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ خِلَافٌ نَقَلَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَغَيْرُهُمَا.
ابْنُ الْقَصَّارِ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ قُتِلَ فِيهِ، وَإِنْ قَتَلَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ فَلَا يُقْتَلُ وَلَا يُخْرَجُ مِنْهُ وَيُهْجَرُ وَلَا يُبَايَعُ وَلَا يُؤْوَى حَتَّى يَضْطَرَّ إلَى الْخُرُوجِ فَيُقْتَلُ وَوَافَقَنَا فِي الضَّرْبِ.
عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَمْسُ فَوَاسِقَ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ» مَا نَصُّهُ قَاسَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَلَى قَتْلِهَا فِي الْحَرَمِ إقَامَةَ الْحَدِّ فِيهِ، سَوَاءٌ حَصَلَ السَّبَبُ فِيهِ أَوْ خَارِجَهُ وَلَجَأَ إلَيْهِ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - يُقَامُ مِنْ الْحُدُودِ مَا دُونَ النَّفْسِ وَحَدُّ النَّفْسِ إذَا جَنَى عَلَيْهَا فِيهِ وَإِنْ قَتَلَهَا خَارِجَهُ فَلَا يُقَامُ فِيهِ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يُكَلَّمَ وَلَا يُجَالَسَ وَيُهْجَرَ وَلَا يُبَايَعَ وَلَا يُؤْوَى حَتَّى يَضْطَرَّ إلَى الْخُرُوجِ فَيُقْتَلُ خَارِجَهُ وَنَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَعَطَاءٍ إلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يُفَرِّقَا بَيْنَ نَفْسٍ وَغَيْرِهَا مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97] ، وَالْحُجَّةُ بِهِ عَلَيْهِمْ، إذْ مَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ

وَسَقَطَ إنْ عَفَا رَجُلٌ، كَالْبَاقِي

[منح الجليل]

هَذَا التَّضْيِيقُ لَيْسَ بِآمِنٍ وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عِنْدَنَا عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَعَطْفُهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا مِنْ الْآيَاتِ، وَقِيلَ مِنْ النَّارِ، وَقِيلَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَا يُقَامُ عَلَيْهِ وَلَا يُضَيَّقُ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ الْآيَةُ فِي الْبَيْتِ لَا فِي الْحَرَمِ، وَقَدْ اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَامُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا فِي الْبَيْتِ، وَيَخْرُجُ مِنْهُمَا فَيُقَامُ عَلَيْهِ خَارِجَهُ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ يُنَزَّهُ عَنْ مِثْلِ هَذَا.
وَذَكَرَ الْأَبِيُّ فِي حَدِيثِ «مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ» . . الْحَدِيثَ مَا نَصُّهُ، الْحَدِيثُ يَدُلُّ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إيوَاءُ الْمُحْدِثِ، وَهَذَا مِمَّا يَنْفِي كَثِيرًا مِنْ هُرُوبِ الظَّلَمَةِ وَالْجُنَاةِ إلَى الزَّوَايَا.
وَكَانَ ابْنُ عَرَفَةَ لَا يُحِلُّ إيوَاءَهُمْ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ يَتَجَاوَزُ فِيهِمْ مَا يَسْتَحِقُّونَ.
سَيِّدِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَاسِيُّ مَا يَظْهَرُ مِنْ أُمُورٍ خَارِجَةٍ عَمَّا ذُكِرَ مِنْ ظُهُورِ بُرْهَانٍ لِمَنْ تَعَدَّى عَلَى زَاوِيَةٍ أَوْ رَوْضَةٍ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ الْفَتْوَى، وَغَيْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَوْلِيَائِهِ لَا تُحَدُّ بِقِيَاسٍ وَلَا تُضْبَطُ بِمِيزَانٍ شَرْعِيٍّ وَلَا قَانُونٍ عَادِيٍّ، فَإِنَّ الْمَوَازِينَ الشَّرْعِيَّةَ كُلِّيَّاتٌ وَعُمُومَاتٌ، وَقَدْ يَكُونُ مُرَادُ الْحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي خُصُوصِ نَازِلَةٍ خِلَافَ مَا تَقْتَضِيهِ الْعُمُومَاتُ، وَلِذَا احْتَاجَ الْخَوَاصُّ إلَى إذْنٍ خَاصٍّ فِي كُلِّ نَازِلَةٍ، وَاعْتُبِرَ بِتَكْرِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿بِإِذْنِي﴾ [المائدة: 110] ، فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ إبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَغَيْرِ ذَلِكَ

(وَسَقَطَ) الْقِصَاصُ (إنْ عَفَا) عَنْ الْقَاتِلِ (رَجُلٌ) مِمَّنْ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ (كَالْبَاقِي) فِي الدَّرَجَةِ، سَوَاءٌ كَانُوا بَنِينَ فَقَطْ، أَوْ بَنِيهِمْ فَقَطْ، أَوْ إخْوَةً فَقَطْ، أَوْ بَنِيهِمْ فَقَطْ أَوْ أَعْمَامًا فَقَطْ، أَوْ بَنِيهِمْ فَقَطْ أَوْ مَوَالِيَ.
الْمُصَنِّفُ لَا خِلَافَ فِي الْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ.
وَأَمَّا الْأَعْمَامُ وَنَحْوُهُمْ فَسُقُوطُ الْقِصَاصِ بِعَفْوِ أَحَدِهِمْ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. وَرَوَى أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْعَفْوِ.
الْبِسَاطِيُّ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ كَالْبَاقِي فِي الرُّجُولِيَّةِ بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ بَعْدَهُ مَا إذَا كَانَ الْبَاقِي نِسْوَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ كَالْبَاقِي فِي الْعَفْوِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُمْ مِنْ الدِّيَةِ لِعَفْوِ

وَالْبِنْتُ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ فِي عَفْوٍ، وَضِدِّهِ

[منح الجليل]

جَمِيعِهِمْ فَسَقَطَ الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ كَالْبَاقِي فِي الْبُنُوَّةِ أَوْ الْأُخُوَّةِ أَوْ الْعُمُومَةِ الْبُنَانِيُّ كَوْنُ الْمُرَادِ فِي الدَّرَجَةِ وَالِاسْتِحْقَاقُ فِيهِ بُعْدٌ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ غَازِيٍّ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا كَلَامَ لِلْأَبْعَدِ مَعَ الْأَقْرَبِ وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَاشِرٍ وَأَصْلُهُ لِابْنِ مَرْزُوقٍ أَنَّ الْمُرَادَ كَالْبَاقِي فِي كَوْنِهِ ذَكَرًا احْتِرَازًا مِنْ اجْتِمَاعِ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ

(وَ) إنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ عَمْدًا عُدْوَانًا بِنْتٌ وَأُخْتٌ شَقِيقَةٌ أَوْ لِأَبٍ فَ (الْبِنْتُ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ فِي عَفْوٍ) عَنْ الْقَاتِلِ (وَ) فِي (ضِدِّهِ) أَيْ الْعَفْوِ وَهُوَ الْقَتْلُ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تُسَاوِيهِمَا فِي الْمِيرَاثِ تَسَاوِيهِمَا فِي الْعَفْوِ وَضِدُّهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا عَفْوَ إلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْبِنْتَ إذَا عَفَتْ فَلَا شَيْءَ مِنْ الدِّيَةِ لِلْأُخْتِ، وَكَذَا الْعَاصِبُ النَّازِلُ عَنْهَا، وَهَذَا إنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ.
وَأَمَّا إنْ ثَبَتَ بِقَسَامَةٍ فَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
فِيهَا إنْ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا بِنْتَه وَأُخْتَه فَالْبِنْتُ أَوْلَى بِالْقَتْلِ وَبِالْعَفْوِ إذَا مَاتَ مَكَانَهُ، وَإِنْ عَاشَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ ثُمَّ مَاتَ فَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يُقْسِمَا لِأَنَّ النِّسَاءَ لَا يُقْسِمْنَ فِي الْعَمْدِ وَلْيُقْسِمْ الْعَصَبَةُ، فَإِنْ أَقْسَمُوا وَأَرَادُوا الْقَتْلَ وَعَفَتْ الْبِنْتُ فَلَا عَفْوَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ لَا عَصَبَةَ لَهُ وَكَانَ قَتْلُهُ خَطَأً أَقْسَمَتْ بِنْتُهُ وَأُخْتُهُ وَأَخَذَتَا دِيَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَلَا يَجِبُ الْقَتْلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ قَسَامَةٍ بِلَطْخٍ.
ابْنُ شَاسٍ إنْ عَفَا بَعْضُ الْوَرَثَةِ سَقَطَ الْقَوَدُ إنْ سَاوَى مَنْ بَقِيَ فِي الدَّرَجَةِ أَوْ كَانَ أَعْلَى مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ دُونَهُ فَلَا يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ، فَإِنْ كَانَ الْبَنَاتُ مَعَ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ فَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِ الْجَمِيعِ، فَإِنْ انْفَرَدَ الْأَبَوَانِ فَلَا حَقَّ لِلْأُمِّ فِي عَفْوٍ وَلَا قَتْلٍ، وَكَذَا الْأَخُ وَالْأَخَوَاتُ مَعَهُ وَالْأُمُّ وَالْإِخْوَةُ لَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ مَعًا، فَإِنْ اتَّفَقَتْ الْأُمُّ وَالْعَصَبَةُ عَلَى الْعَفْوِ مَضَى عَلَى الْأَخَوَاتِ، وَإِنْ عَفَا الْعَصَبَةُ وَالْأَخَوَاتُ فَلَا يَمْضِي عَلَى الْأُمِّ وَلَوْ كَانَ بَدَلَ الْأَخَوَاتِ بَنَاتٌ مَضَى عَفْوُ الْعَصَبَةِ وَالْبَنَاتِ عَلَى الْأُمِّ، وَلَا يَمْضِي عَفْوُ الْعَصَبَةِ وَالْأُمِّ عَلَى الْبَنَاتِ، وَمَتَى اجْتَمَعَتْ الْبَنَاتُ وَالْأَخَوَاتُ فَلَا قَوْلَ لِلْعَصَبَةِ لِأَنَّهُنَّ يَحُزْنَ الْمِيرَاثَ دُونَهُمْ، وَلَا تَجْرِي الْجَدَّةُ مَجْرَى الْأُمِّ فِي عَفْوٍ وَلَا فِي قِيَامٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ مَا ذَكَرَهُ مُحَصِّلُ قَوْلِهَا مَعَ غَيْرِهَا مِنْ الْأُمَّهَاتِ

وَإِنْ عَفَتْ بِنْتٌ مِنْ بَنَاتٍ نَظَرَ الْحَاكِمُ

وَفِي رِجَالٍ وَنِسَاءٍ لَمْ يَسْقُطْ إلَّا بِهِمَا، أَوْ بِبَعْضِهِمَا، وَمَهْمَا أَسْقَطَ الْبَعْضُ، فَلِمَنْ بَقِيَ نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ،

[منح الجليل]

وَإِنْ) قُتِلَ عَمْدًا عُدْوَانًا وَلَهُ بَنَاتٌ أَوْ أَخَوَاتٌ فَ (عَفَتْ بِنْتٌ مِنْ بَنَاتٍ) أَوْ أُخْتٌ مِنْ أَخَوَاتٍ وَطَلَبَ بَاقِيهِنَّ الْقَتْلَ (نَظَرَ الْحَاكِمُ) الْعَدْلُ فِي الْأَصْلَحِ بِاجْتِهَادِهِ، فَمَا رَآهُ أَصْلَحَ أَمْضَاهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَاصِبِ لِإِرْثِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ مَا بَقِيَ عَنْ الْبَنَاتِ أَوْ الْأَخَوَاتِ وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ يَقُومُونَ مَقَامَ الْحَاكِمِ الْعَدْلِ عِنْدَ عَدَمِهِ.
عج وَمَوْضُوعُ الْكَلَامِ أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لِلنِّسَاءِ فَقَطْ دُونَ أَحَدٍ مِنْ الْعَصَبَةِ.
فِيهَا مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ رَجُلٌ لَا تُعْرَفُ عَصَبَتُهُ فَقُتِلَ عَمْدًا وَمَاتَ مَكَانَهُ وَتَرَكَ بَنَاتٍ فَلَهُنَّ أَنْ يَقْتُلْنَ، فَإِنْ عَفَا بَعْضُهُنَّ وَطَلَبَ بَعْضُهُنَّ الْقَتْلَ نَظَرَ السُّلْطَانُ بِالِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ رَأَى الْعَفْوَ أَوْ الْقَتْلَ أَمْضَاهُ.
أَبُو عِمْرَانَ لِأَنَّ الْإِمَامَ هُنَا بِمَنْزِلَةِ الْعَصَبَةِ، لِأَنَّهُ يَرِثُ لِبَيْتِ الْمَالِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ يَقُومُ مَقَامَ الْعَصَبَةِ الَّذِينَ يَرِثُونَ مَا فَضَلَ مِنْ مَالِهِ، وَلَوْ اتَّفَقَتْ الْبَنَاتُ عَلَى الْقَتْلِ وَأَرَادَ الْإِمَامُ الْعَفْوَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا كَلَامَ لَهُ، وَإِنَّمَا لَهُ النَّظَرُ إذَا اخْتَلَفَتْ الْبَنَاتُ قِيلَ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إمَامٌ عَدْلٌ كَوَقْتِنَا هَذَا قَالَ لَا قَتْلَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ بِالْمَوْضِعِ جَمَاعَةٌ عُدُولٌ قَامُوا مَقَامَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَعْرُوفِ الْمَذْهَبِ مِنْ إمْضَاءِ أَحْكَامِ قُضَاةِ الْبُغَاةِ.

(وَفِي) اجْتِمَاعِ (رِجَالٍ) مُسْتَحِقِّينَ الِاسْتِيفَاءَ (وَنِسَاءٍ) مُسْتَحِقَّاتٍ لَهُ أَعْلَى مِنْ الرِّجَالِ وَثَبَتَ الْقَتْلُ بِقَسَامَةِ الرِّجَالِ (لَمْ يَسْقُطْ) الْقَتْلُ (إلَّا بِ) اتِّفَاقِ (هِمَا) أَيْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَلَى الْعَفْوِ (أَوْ) بِاتِّفَاقِ (بَعْضِ) كُلٍّ مِنْ (هُمَا) عَلَيْهِ، وَأَحْرَى بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الرِّجَالِ مَعَ بَعْضِ النِّسَاءِ أَوْ جَمِيعِ النِّسَاءِ مَعَ بَعْضِ الرِّجَالِ (وَمَهْمَا أَسْقَطَ الْبَعْضُ) مِمَّنْ لَهُمْ الِاسْتِيفَاءُ الْقَوَدَ (فَلِمَنْ بَقِيَ) مِمَّنْ لَهُمْ ذَلِكَ مِنْ الْوَرَثَةِ وَلِغَيْرِهِمْ مِنْ الْوَرَثَةِ أَيْضًا (نَصِيبُهُ مِنْ دِيَةِ عَمْدٍ) فِي مَالِ الْقَاتِلِ.
الْحَطّ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَسْقَطَ بَعْضُ مَنْ لَهُ الْعَفْوُ حَقَّهُ وَعَفَا عَنْ الْقَاتِلِ، فَإِنَّ الْقَوَدَ يَسْقُطُ وَيَتَعَيَّنُ لِلْبَاقِينَ نَصِيبُهُمْ مِنْ دِيَةِ عَمْدٍ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ عَفَا جَمِيعُ الْأَوْلِيَاءِ فَلَا شَيْءَ لِلْبَنَاتِ، قَالَ فِيهَا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالْقَتْلِ عَمْدًا وَلِلْمَقْتُولِ بَنُونَ

كَإِرْثِهِ، وَلَوْ قِسْطًا مِنْ نَفْسِهِ

[منح الجليل]

وَبَنَاتٌ فَعَفْوُ الْبَنِينَ جَائِزٌ عَلَى الْبَنَاتِ وَلَا أَمْرَ لَهُنَّ مَعَ الْبَنِينَ فِي عَفْوٍ وَلَا قِيَامٍ، فَإِنْ عَفَوْا عَلَى الدِّيَةِ دَخَلَ فِيهَا النِّسَاءُ وَقُسِّمَتْ بَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقُضِيَ مِنْهَا دَيْنُهُ، وَإِنْ عَفَا وَاحِدٌ مِنْ الْبَنِينَ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ وَقُسِّمَتْ بَقِيَّتُهَا بَيْنَ مَنْ بَقِيَ عَلَى الْفَرَائِضِ، وَتَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجَةُ وَغَيْرُهَا.
وَكَذَلِكَ إذَا وَجَبَ الدَّمُ بِقَسَامَةٍ، وَلَوْ أَنَّهُ عَفَا عَلَى الدِّيَةِ كَانَتْ لَهُ وَلِسَائِرِ الْوَرَثَةِ عَلَى الْمَوَارِيثِ.
وَإِذَا عَفَا جَمِيعُ الْبَنِينَ فَلَا شَيْءَ لِلنِّسَاءِ مِنْ الدِّيَةِ، وَإِنَّمَا لَهُمْ إذَا عَفَا بَعْضُ الْبَنِينَ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ إذَا اسْتَوَوْا فَهُمْ كَالْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ فِيمَا ذَكَرْنَا اهـ. قَالَ الْمُصَنِّفُ قَوْلُهُ إذَا عَفَا جَمِيعُ الْبَنِينَ فَلَا شَيْءَ لِلنِّسَاءِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ.
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَيْضًا إنْ عَفَا الذُّكُورُ كُلُّهُمْ فَحَقُّ أَخَوَاتِهِمْ فِي الدِّيَةِ بَاقٍ.
ابْنُ الْمَوَّازِ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِعَفْوِهِمْ مَعًا فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ ثُمَّ عَفَا مَنْ بَقِيَ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ مَنْ مَعَهُمَا مِنْ أُخْتٍ وَزَوْجٍ وَزَوْجَةٍ لِأَنَّهُ مَالٌ ثَبَتَ لَهُمْ بِعَفْوِ الْأَوَّلِ قَالَهُ مُحَمَّدٌ.
وَشَبَّهَ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ فَقَالَ (كَإِرْثِهِ) أَيْ الْقَاتِلِ جَمِيعَ دَمِهِ كَثَلَاثَةِ إخْوَةٍ قَتَلَ أَحَدُهُمْ أَحَدَ أَخَوَيْهِ ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ وَوَرِثَهُ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ فَقَدْ وَرِثَ جَمِيعَ دَمِ نَفْسِهِ فَسَقَطَ الْقَوَدُ عَنْهُ، بَلْ (وَلَوْ) وَرِثَ الْقَاتِلُ (قِسْطًا) بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ بَعْضًا مِنْ دَمِ نَفْسِهِ كَأَرْبَعَةِ إخْوَةٍ قَتَلَ أَحَدُهُمْ أَحَدَ إخْوَتِهِ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ وَوَرِثَهُ الْقَاتِلُ وَأَخُوهُ فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ الْقَوَدُ أَيْضًا، وَلِأَخِيهِ نَصِيبُهُ مِنْ دِيَةِ عَمْدٍ فِي مَالِهِ، هَذَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ يَسْتَقِلُّ كَمَا فِي الْمِثَالَيْنِ.
فَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ بِأَنْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّونَ رِجَالًا وَنِسَاءً فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ أَوْ الْبَعْضِ مِنْ كُلٍّ عَلَى الْعَفْوِ قَالَهُ أَشْهَبُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو الْحَسَنِ، كَقَتْلِ أَحَدِ أَرْبَعَةِ إخْوَةٍ أَشِقَّاءَ، أَحَدُهُمْ عَنْ بَنَاتٍ ثُمَّ مَاتَ أَخٌ آخَرُ مِنْهُمْ فَلَا يَسْقُطُ الْقَتْلُ عَنْ الْقَاتِلِ إلَّا بِاجْتِمَاعِ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ أَوْ الْبَعْضِ مِنْ كُلٍّ عَلَى الْعَفْوِ.
ابْنُ عَرَفَةَ إرْثُ الْقَاتِلِ بَعْضَ دَمِهِ يُسْقِطُ قَوَدَهُ، وَفِيهَا إنْ وَرِثَ الْقَاتِلُ أَحَدَ وَرَثَةِ

وَإِرْثُهُ كَالْمَالِ

[منح الجليل]

الْقَتِيلِ بَطَلَ قَوَدُهُ لِأَنَّهُ مَلَكَ مِنْ دَمِهِ حِصَّةً.
الصِّقِلِّيُّ أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ مَنْ قَامَ مِنْهُمْ بِالدَّمِ فَهُوَ أَوْلَى، فَإِنَّ لِلْبَاقِينَ قَتْلَهُ بَعْضُ الْفَاسِيِّينَ هَذَا وِفَاقٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ.
" غ " فِي دِيَاتِ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا وَلَمْ يُقْتَلْ حَتَّى مَاتَ أَحَدُ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ وَكَانَ الْقَاتِلُ وَارِثَهُ بَطَلَ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ مَلَكَ مِنْ دَمِهِ حِصَّةً فَهُوَ كَالْعَفْوِ، وَلِبَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ حَظُّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ.
ابْنُ يُونُسَ أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَوْ عَفَا لَمْ يَلْزَمْ عَفْوُهُ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ فَلَا يَبْطُلُ الْقِصَاصُ.
أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ هَذَا ظَاهِرُ الْجَوَابِ مِنْ قَوْلِهِ فَهُوَ كَالْعَفْوِ، وَمِنْ مِثْلِهِ الْبَنُونَ وَالْبَنَاتُ إذَا مَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ الْبَنَاتِ وَتَرَكَتْ بَنِينَ وَلِأَبِي مُحَمَّدٍ صَالِحٍ أَشَارَ ابْنُ عَرَفَةَ بِبَعْضِ الْفَاسِيِّينَ، فَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالتَّشْبِيهِ أَنَّ إرْثَ الْقَاتِلِ دَمَ نَفْسِهِ كَالْعَفْوِ عَنْهُ وَهُوَ مِنْ بَابِ عَكْسِ التَّشْبِيهِ

(وَإِرْثُهُ) أَيْ دَمِ الْقَاتِلِ (كَ) إرْثِ (الْمَالِ) " غ " أَيْ وَارِثُ الدَّمِ كَالْمَالِ لَا كَالِاسْتِيفَاءِ، فَإِذَا مَاتَ وَلِيُّ الدَّمِ تُنَزَّلُ وَرَثَتُهُ مَنْزِلَتَهُ مِنْ غَيْرِ خُصُوصِيَّةٍ لِلْعَصَبَةِ مِنْهُمْ مِنْ ذَوِي الْفَرْضِ، فَيَرِثُهُ الْبَنَاتُ وَالْأُمَّهَاتُ، وَيَكُونُ لَهُنَّ الْعَفْوُ وَالْقِصَاصُ كَمَا كَانَ لَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ عَصَبَةً لِأَنَّهُمْ وَرِثُوهُ عَمَّنْ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الرَّجْمِ وَكِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، فَفِي الرَّجْمِ مَنْ قُتِلَ وَلَهُ عَصَبَةٌ فَمَاتَتْ أُمُّهُ فَوَرَثَتُهَا مَكَانَهَا إنْ أَحَبُّوا أَنْ يَقْتُلُوا قَتَلُوا وَلَا عَفْوَ لِلْعَصَبَةِ دُونَهُمْ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُمُّ بَاقِيَةً.
وَفِي الدِّيَاتِ إنْ مَاتَ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ رَجُلٌ وَرَثَتُهُ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ فَلِلنِّسَاءِ مِنْ الْقَتْلِ وَالْعَفْوِ مَا لِلرِّجَالِ لِأَنَّهُنَّ وَرِثْنَ الدَّمَ عَمَّنْ لَهُ ذَلِكَ.
ابْنُ عَرَفَةَ فَهِمَ شَارِحَا ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِالنِّسَاءِ الْوَارِثَاتِ مَا يَشْمَلُ الزَّوْجَةَ، وَكَذَا الزَّوْجُ فِي الرِّجَالِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ لَا مَدْخَلَ لِلْأَزْوَاجِ فِي الدَّمِ.
فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ تَرَكَ الْقَتِيلُ عَمْدًا بِالْبَيِّنَةِ أُمًّا وَبِنْتًا وَعَصَبَةً فَمَاتَتْ الْأُمُّ أَوْ الْبِنْتُ أَوْ الْعَصَبَةُ فَوَرَثَتُهُ فِي مَنَابِهِ إلَّا الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ، فَإِنْ اخْتَلَفَ وَرَثَةُ هَذَا الْمَيِّتِ وَمَنْ بَقِيَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ فَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ.
ابْنُ رُشْدٍ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ هُوَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَيْهِ

وَجَازَ صُلْحُهُ فِي عَمْدٍ، بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَالْخَطَأِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ، وَلَا يَمْضِي عَلَى عَاقِلَتِهِ، كَعَكْسِهِ فَإِنْ عَفَا فَوَصِيَّةٌ

[منح الجليل]

وَجَازَ صُلْحُهُ) أَيْ الْجَانِي (فِي) قَتْلِ (عَمْدٍ بِأَقَلَّ) مِنْ الدِّيَةِ (وَ) بِ (أَكْثَرَ) مِنْهَا إذْ لَيْسَ فِي الْعَمْدِ عَقْلٌ مُسَمًّى فَيَجُوزُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا بِأَجَلِ دِيَةِ الْخَطَأِ وَأَبْعَدَ مِنْهُ وَأَقْرَبَ، وَبِذَهَبٍ مَعَ أَهْلِ الْوَرِقِ وَعَكْسُهُ، وَبِإِبِلٍ فِيهِمَا وَعَكْسُهُ (وَ) الْقَتْلُ (الْخَطَأُ) حُكْمُهُ فِي الصُّلْحِ (كَبَيْعِ الدَّيْنِ) فِي أَحْكَامِهِ لِتَقَرُّرِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْجَانِي مُؤَجَّلَةً بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَمَا يُصَالِحُ بِهِ مَأْخُوذٌ عَنْهَا فَيُمْنَعُ بِمُؤَجَّلٍ، أَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَبِذَهَبٍ عَنْ وَرِقٍ وَلَوْ حَالًّا وَعَكْسُهُ لِأَنَّهُ صَرْفٌ مُؤَخَّرٌ وَيَجُوزُ بِعَرَضٍ مُعَجَّلٍ أَوْ بِإِبِلٍ مُعَجَّلَةٍ، وَلَا يَجُوزُ بِأَقَلَّ مُعَجَّلًا لِأَنَّهُ ضَعْ وَتَعَجَّلْ وَلَا بِأَكْثَرَ لِأَبْعَدَ لِأَنَّهُ سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ فِيهَا مَنْ جَنَى خَطَأً وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ فَصَالَحَ الْأَوْلِيَاءُ عَاقِلَتَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ دِينَارٍ جَازَ إنْ عَجَّلُوهَا فَإِنْ تَأَخَّرَتْ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ.
وَفِي الْعَمْدِ جَائِزٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ.
وَلَوْ صَالَحُوا بِذَهَبٍ وَالْجَانِي مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ أَوْ الْإِبِلِ، وَإِنَّمَا يُتَّقَى مَا يَدْخُلُ فِي الدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ.
الصِّقِلِّيُّ إنْ قِيلَ كَيْفَ صَحَّ لَغْوُ اعْتِبَارِ الدِّيَةِ فِي الْعَمْدِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ لَهُ الْعَفْوُ فِي مَرَضِهِ.
قُلْت يُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا بَعْضُ مَا اسْتَشْكَلَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَصْلَ الدَّمُ وَالْمَالُ إنَّمَا هُوَ بِالْجَبْرِ، وَهُوَ لَمْ يَقَعْ وَعَدَمُ وُقُوعِ السَّبَبِ الْخَاصِّ مَلْزُومٌ لِعَدَمِ ثُبُوتِ مُسَبَّبِهِ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ يُعَدُّ مَالِكًا.
(وَ) إنْ صَالَحَ الْجَانِي الْأَوْلِيَاءَ عَنْ دِيَةِ الْخَطَأِ فَ (لَا يَمْضِي) صِلَتُهُ (عَلَى عَاقِلَتِهِ) لَهُ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَدْفَعُ الدِّيَةَ مِنْ مَالِهَا وَلَا تَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْجَانِي فَهُوَ فُضُولِيٌّ فِي صُلْحِهِ عَمَّا يَلْزَمُهَا.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْمُضِيِّ فَقَالَ (كَعَكْسِهِ) أَيْ إنْ صَالَحَتْ الْعَاقِلَةُ الْأَوْلِيَاءَ فَلَا يَمْضِي صُلْحُهَا عَلَى الْجَانِي لِذَلِكَ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ صَالَحَ الْجَانِي عَنْ الْعَاقِلَةِ فِيمَا عَلَيْهَا فَأَبَتْ لَمْ يَلْزَمْهَا، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَكَذَا الْعَكْسُ وَاضِحٌ، لِأَنَّهَا فِيمَا يَلْزَمُهُ دُونَهَا كَأَجْنَبِيٍّ.
(فَإِنْ عَفَا) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَنْ الْجَانِي خَطَأً (فَ) عَفْوُهُ (وَصِيَّةٌ) أَيْ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ إيصَائِهِ بِالدِّيَةِ لِعَاقِلِهِ الْجَانِي فَهِيَ فِي ثُلُثِهِ، فَإِنْ حَمَلَهَا نَفَذَتْ وَصِيَّتُهُ وَإِنْ زَادَتْ عَلَيْهِ وَقَفَ الزَّائِدُ عَلَى

وَتَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ، وَإِنْ بَعْدَ سَبَبِهَا،

[منح الجليل]

إجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَيْرَ الدِّيَةِ ضُمَّ لَهَا وَنَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ مِنْ ثُلُثِ الْمَجْمُوعِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْعَفْوُ عَنْ جِنَايَةِ الْخَطَأِ تَرْكُ مَالٍ فِيهَا مَنْ عَفَا عَنْ عَبْدٍ قَتَلَهُ خَطَأً فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْرَ ثُلُثِهِ جَازَ عَفْوُهُ وَإِلَّا جَازَ مِنْهُ قَدْرُ الثُّلُثِ

(وَ) إنْ أَوْصَى شَخْصٌ بِوَصَايَا وَقُتِلَ خَطَأً وَلَزِمَتْ دِيَتُهُ عَاقِلَةَ قَاتِلِهِ فَ (تَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ) أَيْ ثُلُثِ الدِّيَةِ إنْ كَانَ أَوْصَى بِهَا قَبْلَ سَبَبِ الدِّيَةِ، بَلْ (وَإِنْ) أَوْصَى بِهَا (بَعْدَ سَبَبِهَا) أَيْ الدِّيَةِ وَهُوَ الْجُرْحُ أَوْ إنْفَاذُ الْمَقْتَلِ، وَاخْتَلَفَ الشَّارِحَانِ فِي الْمُبَالَغَةِ فَقَالَ الشَّارِحُ تَدْخُلُ الْوَصَايَا بَعْدَ سَبَبِ الدِّيَةِ وَهُوَ الْجُرْحُ أَوْ إنْفَاذُ الْمَقْتَلِ، وَأَحْرَى إنْ كَانَتْ قَبْلَهُ، فَالْمُبَالَغَةُ حَسَنَةٌ.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ إنْ أَوْصَى بَعْدَ سَبَبِهَا فَدُخُولُهَا فِيهَا ظَاهِرٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا أَوْصَى بِهِ قَبْلَ سَبَبِهَا فَقَوْلُهُ، وَإِنْ بَعْدَ سَبَبِهَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَلَا قَوْلَ الشَّارِحِ، وَأَحْرَى مَا قَبْلَ سَبَبِهَا إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَوْصَى لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَانِي عَلَى بَحْثٍ فِيهِ اهـ. وَمِثْلُهُ لغ قَالَ كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ الْمَعْكُوسَةِ، وَصَوَابُهُ وَإِنْ قَبْلَ سَبَبِهَا لِتَقْسِيمِ الْمُبَالَغَةِ، وَيَكُونُ الْمَجْرُورَانِ مَعْطُوفَيْنِ عَلَى الظَّرْفِ، فَالْكُلُّ فِي حَيِّزِ الْمُبَالَغَةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَتَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ بَعْدَ سَبَبِهَا أَوْ بِثُلُثِهِ أَوْ بِشَيْءٍ قَبْلَهَا إذَا عَاشَ بَعْدَهَا إلَخْ كَلَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَأَصْلُهَا فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهِ وَإِذَا عَفَا الْمَقْتُولُ خَطَأً عَنْ دِيَتِهِ جَازَ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَأَوْصَى مَعَ ذَلِكَ بِوَصَايَا فَلْتُحَاصَصْ الْعَاقِلَةُ وَأَهْلُ الْوَصَايَا فِي ثُلُثِ دِيَتِهِ، وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثٍ لِرَجُلٍ بَعْدَ الضَّرْبِ دَخَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِي دِيَتِهِ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ قَتْلَ الْخَطَأِ مَالٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ وَعَاشَ بَعْدَ الضَّرْبِ وَمَعَهُ مِنْ عَقْلِهِ مَا يُعْرَفُ فِيهِ مَا هُوَ فِيهِ فَلَمْ يُغَيِّرْ الْوَصِيَّةَ اهـ. الْبُنَانِيُّ الصَّوَابُ لَوْ قَالَ وَإِنْ قَبْلَ سَبَبِهَا كَمَا قَالَ " غ " الْعَدَوِيُّ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ سَبَبِ الدِّيَةِ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ دُخُولِهَا فِي الدِّيَةِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حِينَ الْإِيصَاءِ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا تَكُونُ فِيمَا عَلِمَهُ حِينَ إيصَائِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُبَالَغَ عَلَيْهِ هُوَ الْمُتَوَهَّمُ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَدْخُلُ مَا أَوْصَى بِهِ قَبْلَ السَّبَبِ مَعَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا تَدْخُلُ فِيمَا عَلِمَهُ حِينَ إيصَائِهِ.
فَجَوَابُهُ أَنَّ

أَوْ بِثُلُثِهِ، أَوْ بِشَيْءٍ: إذَا عَاشَ بَعْدَهَا مَا يُمْكِنُهُ التَّغْيِيرُ فَلَمْ يُغَيِّرْ: بِخِلَافِ الْعَمْدِ: إلَّا أَنْ يَنْفُذَ مَقْتَلُهُ، وَيَقْبَلَ وَارِثُهُ الدِّيَةَ وَعَلِمَ

[منح الجليل]

الْمُوصِيَ لَمَّا عَاشَ بَعْدَ السَّبَبِ وَأَمْكَنَهُ التَّغْيِيرُ وَلَمْ يُغَيِّرْ نُزِّلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْإِيصَاءِ بَعْدَ السَّبَبِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْعِلْمِ حِينَ الْمَوْتِ وَلَوْ بَعْدَ الْإِيصَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَوْ) أَوْصَى لِشَخْصٍ (بِثُلُثِهِ) أَيْ الْمُوصِي قَبْلَ السَّبَبِ فَتَدْخُلُ الْوَصِيَّةُ فِي ثُلُثِ دِيَتِهِ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِلْمُهُ بِمَالِهِ حِينَ مَوْتِهِ وَهُوَ عِنْدَهُ عَالِمٌ بِالدِّيَةِ (أَوْ) أَوْصَى (بِشَيْءٍ) أَيْ مُعَيَّنٍ كَدَابَّةٍ أَوْ دَارٍ مُعَيَّنَةٍ قَبْلَ السَّبَبِ فَتَدْخُلُ الْوَصِيَّةُ فِي ثُلُثِ الدِّيَةِ (إذَا عَاشَ) الْمُوصِي بِالْكَسْرِ (بَعْدَهَا) أَيْ الْجِنَايَةِ خَطَأً (مَا) أَيْ زَمَنًا (يُمْكِنُهُ) أَيْ الْمُوصِي بِالْكَسْرِ فِيهِ (التَّغْيِيرُ) لِوَصِيَّتِهِ وَهُوَ ثَابِتُ الذِّهْنِ سَالِمُ الْعَقْلِ (فَلَمْ يُغَيِّرْ) هَا تَنْزِيلًا لِذَلِكَ مَنْزِلَةَ إيصَائِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالدِّيَةِ.
الْعَدَوِيُّ أَوْ بِثُلُثِهِ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ، أَيْ تَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ بِغَيْرِ ثُلُثِهِ وَبِغَيْرِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ أَوْ بِثُلُثِهِ إلَخْ.
الْبُنَانِيُّ لَوْ حَذَفَ هَذَيْنِ الْمَعْطُوفَيْنِ لَكَانَ أَحْسَنَ.
وَقَالَ ابْنُ عَاشِرٍ فِي قَوْلِهِ أَوْ بِثُلُثِهِ لَا مَعْنَى لِهَذَا الْعَطْفِ وَالصَّوَابُ إسْقَاطُهُ لِيَكُونَ قَوْلُهُ بِثُلُثِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مُتَعَلِّقًا بِلَفْظِ الْوَصَايَا، وَيُسْتَغْنَى حِينَئِذٍ عَمَّا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَهُ لِدُخُولِهِ فِي الْمُبَالَغَةِ، وَالتَّقْدِيرُ وَتَدْخُلُ الْوَصَايَا بِثُلُثِهِ أَوْ بِشَيْءٍ فِيهِ، أَيْ ثُلُثِ الدِّيَةِ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ وَإِنْ قَبْلَ سَبَبِهَا.
(بِخِلَافِ) دِيَةِ (الْعَمْدِ) فَلَا تَدْخُلُ فِيهَا الْوَصَايَا وَإِنْ عَاشَ بَعْدَ ضَرْبِهِ لِعَدَمِ عِلْمِ الْمَيِّتِ بِهَا قَبْلَ مَوْتِهِ لِتَعَيُّنِ الْقَوَدِ فِي الْعَمْدِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يُنْفِذَ مَقْتَلَهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ يَفْرِي وَدَجَهُ مَثَلًا (وَيَقْبَلَ وَارِثُهُ الدِّيَةَ) مِنْ الْجَانِي عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ (وَعَلِمَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَبُولَهُ الدِّيَةَ فَتَدْخُلُ وَصَايَاهُ فِيهَا لِعِلْمِهِ بِهَا قَبْلَ مَوْتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِيصَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ قَبْلَهُ وَعَاشَ بَعْدَهُ وَأَمْكَنَهُ التَّغْيِيرُ وَلَمْ يُغَيِّرْ فِي الشَّامِلِ وَلَا مَدْخَلَ لِوَصِيَّةٍ فِي دِيَةِ عَمْدٍ وَإِنْ وُرِثَتْ كَمَالِهِ وَغَرِمَ الدَّيْنَ مِنْهَا.
وَلَوْ قَالَ إنْ قَبِلَ أَوْلَادِي الدِّيَةَ فَوَصِيَّتِي فِيهَا أَوْ أَوْصَيْت بِثُلُثِهَا وَلَا يَدْخُلُ مِنْهَا شَيْءٌ فِي ثُلُثِهِ لَا إذَا أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ وَقَبِلَ أَوْلَادَهُ الدِّيَةَ وَعَلِمَ بِهَا

وَإِنْ عَفَا عَنْ جُرْحِهِ، أَوْ صَالَحَ فَمَاتَ: فَلِأَوْلِيَائِهِ الْقَسَامَةُ، وَالْقَتْلُ، وَرَجَعَ الْجَانِي فِيمَا أُخِذَ مِنْهُ

وَلِلْقَاتِلِ الِاسْتِحْلَافُ عَلَى الْعَفْوِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ وَاحِدَةً وَبَرِئَ

[منح الجليل]

وَإِنْ) جَرَحَ مُكَلَّفٌ غَيْرُ حَرْبِيٍّ مَعْصُومًا عَمْدًا عُدْوَانًا أَوْ خَطَأً وَ (عَفَا) الْمَجْرُوحُ (عَنْ جُرْحِهِ) بِلَا مَالٍ (أَوْ صَالَحَ) الْجَانِيَ عَنْهُ بِمَالٍ (فَ) نَزَّا الْجُرْحُ حَتَّى (مَاتَ) الْمَجْرُوحُ مِنْهُ (فَلِأَوْلِيَائِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (الْقَسَامَةُ وَالْقَتْلُ) فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ لِكَشْفِ الْغَيْبِ أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى نَفْسٍ وَالْعَفْوُ أَوْ الصُّلْحُ إنَّمَا كَانَ جُرْحٌ فَلَهُمْ نَقْضُهُ وَلَهُمْ إمْضَاؤُهُ.
(وَ) إنْ نَقَضُوهُ (رَجَعَ) الْجَانِي بِمَا دَفَعَهُ لِلْمَجْرُوحِ صُلْحًا إنْ كَانَ دَفَعَ لَهُ شَيْئًا وَإِنْ أَمْضَوْهُ فَلَيْسَ لِلْجَانِي أَنْ يَقُولَ لِلْأَوْلِيَاءِ رُدُّوا إلَيَّ الْمَالَ الَّذِي دَفَعْته لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَاقْتُلُونِي.
الْحَطّ قَوْلُهُ وَإِنْ عَفَا عَنْ جُرْحِهِ أَوْ صَالَحَ فَمَاتَ إلَخْ نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ فَعَفَا ثُمَّ مَاتَ.
أَبُو الْحَسَنِ إنْ قَالَ عَفَوْت عَنْ الْيَدِ لَا غَيْرُ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ قَالَ عَنْ الْيَدِ وَمَا تَرَامَى إلَيْهِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ قَالَ عَفَوْت فَقَطْ حُمِلَ عَلَى مَا وَجَبَ لَهُ فِي الْحَالِ وَهُوَ قَطْعُ الْيَدِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا بِمَا فِيهِ الْكَافِيَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَ) إنْ ادَّعَى الْقَاتِلُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنَّهُ عَفَا عَنْهُ وَأَنْكَرَ الْوَلِيُّ وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِهِ فَ (لِلْقَاتِلِ الِاسْتِحْلَافُ) أَيْ طَلَبُ حَلِفِ الْوَلِيِّ (عَلَى) عَدَمِ (الْعَفْوِ) عَلَى الْمَشْهُورِ (فَإِنْ) حَلَفَ الْوَلِيُّ عَلَى عَدَمِهِ سَقَطَتْ دَعْوَى الْقَاتِلِ وَاسْتَمَرَّ الْوَلِيُّ عَلَى حَقِّهِ، فَإِنْ شَاءَ عَفَا، وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وَإِنْ (نَكَلَ) الْوَلِيُّ عَنْ الْيَمِينِ عَلَى عَدَمِ عَفْوِهِ (رُدَّتْ) بِضَمِّ الرَّاءِ الْيَمِينُ عَلَى الْقَاتِلِ (وَحَلَفَ) الْقَاتِلُ يَمِينًا (وَاحِدَةً) عَلَى عَفْوِ الْوَلِيِّ عَنْهُ لِأَنَّ الْوَلِيَّ إنَّمَا كَانَ يَحْلِفُ وَاحِدَةً وَالْيَمِينُ تُرَدُّ عَلَى نَحْوِ مَا تَتَوَجَّهُ أَوَّلًا (وَ) إنْ حَلَفَ الْقَاتِلُ عَلَى الْعَفْوِ عَنْهُ (بَرِئَ) مِنْ الْقَتْلِ، وَإِنْ نَكَلَ قُتِلَ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ ادَّعَى الْجَانِي عَفْوَ وَلِيٍّ اسْتَحْلَفَهُ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْقَاتِلُ الصِّقِلِّيُّ إنَّمَا يَحْلِفُ الْقَاتِلُ يَمِينًا وَاحِدَةً لِأَنَّهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
عِيَاضٌ يَقُومُ مِنْهُ إلْزَامُ

وَتُلُوِّمَ لَهُ فِي بَيِّنَتِهِ الْغَائِبَةِ

[منح الجليل]

الْيَمِينِ فِي الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةِ، وَفِي دَعْوَى الْمَعْرُوفِ فِي هِبَةِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَالْكِرَاءِ وَالْإِقَالَةِ وَهُوَ أَصْلٌ مُتَنَازَعٌ فِيهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَرَ أَشْهَبُ يَمِينًا فِي دَعْوَى الْعَفْوِ، وَاخْتَلَفَ شُيُوخُنَا فِي التَّنَازُعِ فِيهِ فَقِيلَ هُوَ اخْتِلَافُ قَوْلٍ، وَقِيلَ اخْتِلَافُ حَالٍ، فَلَا تَلْزَمُ الْيَمِينُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَتَلْزَمُ مَعَ وُجُودِ التُّهْمَةِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ لِأَشْهَبَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَمِينَ عَلَى الْوَلِيِّ لِأَنَّ الْحَلِفَ فِي الدَّمِ إنَّمَا هُوَ خَمْسُونَ يَمِينًا فَهَذَا أَرَادَ أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهِ مَعَ الْبَيِّنَةِ قَسَامَةً أَوْ مَعَ الْقَسَامَةِ قَسَامَةً أُخْرَى، وَلَوْ رَضِيَ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى لَوْ اسْتَحْلَفَهُ فَلَمَّا قَامَ لِيَقْتُلَهُ قَالَ عَفَا عَنِّي.
قُلْت هَذَا يَرُدُّ تَعْلِيلَ قَوْلِهِ بِعَدَمِ تَوَجُّهِ يَمِينٍ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْمَعْرُوفِ.
الْبُنَانِيُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ مُشْكِلٌ مَعَ قَوْلِهِمْ كُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنَّ الْعَفْوَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، وَلَمْ يُنَبِّهْ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى هَذَا الْبَحْثِ.
ابْنُ عَاشِرٍ وَالْمِسْنَاوِيُّ قَوْلُهُ فَإِنْ نَكَلَ إلَخْ يَرُدُّ قَوْلَهُمْ أَنَّ الْعَفْوَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ هُنَا بِالنُّكُولِ وَالْيَمِينِ.
وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ اخْتَلَفَ إذَا قَامَ لِلْقَاتِلِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ بِالْعَفْوِ فَفِي الشَّهَادَاتِ مِنْ مُخْتَصَرِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَنَحْوُهُ لِأَبِي عِمْرَانَ.
وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْقَرَوِيِّينَ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَاحْتَجَّ بِمَسْأَلَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي ادِّعَاءِ الْقَاتِلِ الْعَفْوَ.
قُلْت كُلُّ هَذَا قُصُورٌ مِنْ قَوْلِ عِيَاضٍ يَقُومُ مِنْهُ إلْزَامُ الْيَمِينِ فِي الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةِ، وَهُوَ أَصْلٌ مُتَنَازَعٌ فِيهِ إلَخْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(وَ) إنْ ادَّعَى الْقَاتِلُ عَفْوَ الْوَلِيِّ عَنْهُ وَأَنْكَرَهُ الْوَلِيُّ وَطُلِبَتْ مِنْ الْقَاتِلِ بَيِّنَةٌ بِهِ بِالْعَفْوِ فَادَّعَى أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بِهِ غَائِبَةً (تَلَوَّمَ) الْإِمَامُ (لَهُ) أَيْ الْقَاتِلِ وَأَمْهَلَهُ بِاجْتِهَادِهِ (فِي دَعْوَى) الْقَاتِلِ بَيِّنَةً غَائِبَةً شَاهِدَةً لَهُ بِعَفْوِ الْوَلِيِّ عَنْهُ لِإِحْضَارِ (بَيِّنَتِهِ) أَيْ الْقَاتِلِ (الْغَائِبَةِ) الشَّاهِدَةِ لَهُ بِالْعَفْوِ عَنْهُ قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَحَمَلَهَا عَلَيْهِ الصِّقِلِّيُّ وَعِيَاضٌ، وَقَيَّدَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِالْقَرِيبَةِ وَتَبِعَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ، وَالْقُرْبُ كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ بِأَنْوَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِفْرِيقِيَّةَ وَالْبُعْدُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ ادَّعَى الْقَاتِلُ بَيِّنَةً غَائِبَةً تَلَوَّمَ لَهُ فِيهَا

وَقُتِلَ بِمَا قَتَلَ، وَلَوْ نَارًا إلَّا بِخَمْرٍ، أَوْ لِوَاطٍ، وَسِحْرٍ، وَمَا يُطَوِّلُ وَهَلْ وَالسُّمُّ، أَوْ يُجْتَهَدُ فِي قَدْرِهِ: تَأْوِيلَانِ،

[منح الجليل]

الْإِمَامُ فَلَمْ يُقَيِّدْهَا الصِّقِلِّيُّ وَلَا عِيَاضٌ، وَفِي رَجْمِهَا إنْ ادَّعَى الْقَاذِفُ أَنَّ مَقْذُوفَهُ عَبْدٌ وَزَعَمَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً فَإِنْ قَرُبَتْ تَلَوَّمَ الْإِمَامُ، وَإِنْ بَعُدَتْ حُدَّ لَهُ، فَعَلَى تَقْيِيدِهَا بِهَا يَكُونُ وِفَاقًا، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْهِنْدِيِّ لَا يَتَلَوَّمُ لَهُ إلَّا بَعْدَ حَلِفِهِ فِي الْحُقُوقِ يَحْلِفُ هُنَا

(وَقُتِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْقَاتِلُ الْمُكَلَّفُ غَيْرُ الْحَرْبِيِّ إلَخْ مَعْصُومًا عَمْدًا عُدْوَانًا (بِ) مِثْلِ (مَا) أَيْ الشَّيْءِ الَّذِي (قَتَلَ) الْقَاتِلُ الْمَقْتُولَ (بِهِ) إنْ لَمْ يَكُنْ نَارًا، بَلْ (وَ) لَوْ كَانَ (نَارًا) فَيُقْتَلُ بِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] وَاسْتَثْنَى مِمَّا قَتَلَ بِهِ فَقَالَ (إلَّا) قَتْلَهُ عَمْدًا عُدْوَانًا (بِ) إكْرَاهِهِ عَلَى شُرْبِ (خَمْرٍ) حَتَّى مَاتَ فَلَا يُقْتَلُ بِمِثْلِ ذَلِكَ (وَ) إلَّا قَتْلَهُ بِ (لِوَاطٍ) فَلَا يُقْتَلُ بِجَعْلِ نَحْوِ خَشَبَةٍ فِي دُبُرِهِ (وَ) إلَّا قَتْلَهُ بِ (سِحْرٍ) فَلَا يُجْبَرُ الْقَاتِلُ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ بِسِحْرٍ (وَ) إلَّا قَتْلَهُ بِ (مَا) أَيْ شَيْءٍ (يُطَوِّلُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مُثَقَّلَةً، أَيْ تَطُولُ مَعَهُ الْحَيَاةُ وَلَا يُعَجَّلُ الْمَوْتُ كَنَخْسٍ بِإِبْرَةٍ فَلَا يُقْتَلُ بِمِثْلِهِ، بَلْ يُقْتَلُ بِضَرْبِ عُنُقِهِ بِالسَّيْفِ فِي الْأَرْبَعَةِ لِتَحْرِيمِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ وَتَعْذِيبِ الرَّابِعِ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهِ، فَرُبَّ شَخْصٍ يَمُوتُ بِهِ سَرِيعًا وَآخَرُ يَطُولُ.
(وَهَلْ وَ) إلَّا قَتْلَهُ بِ (السُّمِّ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ فِي الْأَكْثَرِ وَضَمِّهَا لُغَةُ أَهْلِ الْعَالِيَةِ وَكَسْرِهَا لُغَةُ تَمِيمٍ، فَلَا يُقْتَلُ بِمِثْلِهِ، وَيَتَعَيَّنُ بِالسَّيْفِ، وَهَذَا تَأْوِيلُ أَبِي مُحَمَّدٍ قَوْلُهَا وَمَنْ سَقَى رَجُلًا سُمًّا فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِغَيْرِ السُّمِّ (أَوْ) يُقْتَلُ بِهِ (وَيُجْتَهَدُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ (فِي قَدْرِهِ) أَيْ السُّمِّ الَّذِي يَقْتُلُهُ لِاخْتِلَافِ الْأَمْزِجَةِ، وَعَلَى هَذَا حَمَلَهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) ابْنُ شَاسٍ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقِصَاصِ مَرْعِيَّةٌ فِي قِصَاصِ النَّفْسِ.
أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ مَنْ قَتَلَ بِشَيْءٍ قُتِلَ بِهِ إلَّا فِي وَجْهَيْنِ، وَفِي وَصْفَيْنِ الْأَوَّلُ الْمَعْصِيَةُ كَالْخَمْرِ وَاللِّوَاطِ.
الثَّانِي النَّارُ وَالسُّمُّ، وَقِيلَ يُقْتَلُ بِالنَّارِ وَالسُّمِّ، سَمِعَ عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنَ الْقَاسِمِ

فَيُغَرَّقُ، وَيُخْنَقُ، وَيُحَجَّرُ، وَيُضْرَبُ بِالْعَصَا لِلْمَوْتِ: كَذِي عَصَوَيْنِ، وَمُكِّنَ مُسْتَحِقٌّ مِنْ السَّيْفِ مُطْلَقًا،

[منح الجليل]

مَنْ قُتِلَ بِتَغْرِيقٍ أَوْ سُمٍّ قُتِلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
ابْنُ رُشْدٍ هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فِي السُّمِّ، وَتَأَوَّلَهَا الشَّيْخُ فَقَالَ يَعْنِي يُوجِبُ الْقَوَدَ بِغَيْرِ السُّمِّ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ كَتَأْوِيلِ أَصْبَغَ.
قَوْلَ مَالِكٍ فِيهِ وَإِذَا قَيَّدَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ بِالسُّمِّ فَأَحْرَى بِالنَّارِ خِلَافُ قَوْلِ أَصْبَغَ لِإِيقَادٍ بِالنَّارِ.
الْبَاجِيَّ الْمَشْهُورُ قَتْلُهُ بِمَا قَتَلَ بِهِ مِنْ نَارٍ أَوْ غَيْرِهَا.
(فَيُغَرَّقُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ مُثَقَّلًا الْقَاتِلُ بِالتَّغْرِيقِ (وَيُخْنَقُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ النُّونِ (وَيُحْجَرُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ مُثَقَّلًا.
أَيْ يُضْرَبُ بِالْحَجَرِ الْقَاتِلِ بِهِ حَتَّى يَمُوتَ (وَضُرِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْقَاتِلُ (بِالْعَصَا لِلْمَوْتِ) وَشَبَّهَ فِي الضَّرْبِ بِالْعَصَا إلَى الْمَوْتِ فَقَالَ (كَذِي) أَيْ صَاحِبِ (عَصَوَيْنِ) مُثَنَّى عَصَا، أَيْ مَنْ ضَرَبَ مَعْصُومًا عَمْدًا عُدْوَانًا بِعَصَوَيْنِ فَمَاتَ فَيُضْرَبُ بِالْعَصَا حَتَّى يَمُوتَ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي فِي عَدَدِ الضَّرَبَاتِ.
اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ إنْ ضُرِبَ بِالْعَصَا مِثْلَ الْعَدَدِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَمُتْ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُضْرَبُ بِهَا حَتَّى يَمُوتَ.
وَرَوَى مُحَمَّدٌ إنْ كَانَتْ الْعَصَا تُجْهِزُ فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ قُتِلَ بِهَا، وَأَمَّا ضَرَبَاتٌ فَلَا وَلْيَقْتُلْهُ بِالسَّيْفِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ رَأَى أَنَّهُ إنْ زِيدَ مِثْلُ الضَّرْبَتَيْنِ مَاتَ زَيْدٌ ذَلِكَ وَإِلَّا فَبِالسَّيْفِ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ مُحَمَّدٍ إنْ قُتِلَ الْأَوَّلُ بِالنَّبْلِ أَوْ بِرَمْيِ الْحِجَارَةِ أَوْ بِطَرْحٍ مِنْ جِدَارٍ أَوْ جَبَلٍ أَوْ عَلَى سَيْفٍ أَوْ رُمْحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَالسَّيْفُ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخْطِئُ فَيَصِيرُ تَفْوِيتًا، وَأَصْلُ قَوْلِ مَالِكٍ الْقَوَدُ بِمِثْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُخْطِئَ فَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ إنَّمَا يُقْتَلُ بِمِثْلِ مَا قَتَلَ مَنْ ثَبَتَ قَتْلُهُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ فَلَا يُقْتَلُ إلَّا بِالسَّيْفِ.
(وَمُكِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا شَخْصٌ (مُسْتَحِقٌّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ لِلْقَتْلِ (مِنْ) قَتْلِ الْقَاتِلِ بِ (السَّيْفِ مُطْلَقًا) عَنْ تَقْيِيدِهِ بِكَوْنِهِ قَتَلَ بِهِ لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ غَيْرِهِ غَالِبًا وَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْقِصَاصِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ مَهْمَا عَدَلَ إلَى السَّيْفِ مُكِّنَ

(وَ) إنْ جَنَى شَخْصٌ

فصول الكتاب · 2 فصل · 721 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منح الجليل شرح مختصر خليل · 721 صفحة
المقدمة
فَصْلٌ) فِي الْخُلْعِ:
جارٍ التحميل