أَوْ إنْ تَسَوَّرَ عَلَيْهِ قَاضٍ أَوْ غَيْرُهُ رَجَعَ لَهُ أَوْ لِوَارِثِهِ:
[منح الجليل]
عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُحَبِّسُ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فَلَهُ الْبَيْعُ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتٍ، وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ إذَا لَمْ يَقُلْ يَصْدُقُ فَعَلَيْهِ إثْبَاتُ الْحَاجَةِ وَيَحْلِفُ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ بَاطِنٌ كَتَمَهُ وَلَا ظَاهِرٌ عَلِمَهُ، فَحِينَئِذٍ يَبِيعُهُ.
1 -
الْمُتَيْطِيُّ إنْ شَرَطَ الْمُحَبِّسُ أَنَّ مَنْ ادَّعَى مِنْهُمْ حَاجَةً فَهُوَ مُصَدَّقٌ فَيُصَدَّقُ وَيَنْفُذُ الشَّرْطُ، وَمَنْ ادَّعَى مِنْهُمْ حَاجَةً وَلَمْ يَثْبُتْ غِنَاهُ انْطَلَقَ يَدُهُ عَلَى بَيْعِهِ.
وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " عَنْ رَجُلٍ جَعَلَ دَارًا لَهُ حَبْسًا صَدَقَةً عَلَى وَلَدِهِ لَا تُبَاعُ إلَّا أَنْ يَحْتَاجُوا إلَى بَيْعِهَا، فَإِنْ احْتَاجُوا إلَى بَيْعِهَا وَاجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ عَلَيْهِ بَاعُوا وَاقْتَسَمُوا ثَمَنَهَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، سَوَاءٌ فِيهِ فَهَلَكُوا جَمِيعًا إلَّا رَجُلًا فَأَرَادَ بَيْعَهَا أَذَلِكَ لَهُ؟ وَقَدْ احْتَاجَ إلَى بَيْعِهَا قَالَ نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: إنْ امْرَأَةٌ ثَمَّ وَهِيَ بِنْتُ أُخْتِ الْبَاقِي الَّذِي أَرَادَ الْبَيْعَ وَهِيَ مِنْ بَنَاتِ الْمُحَبِّسِ، قَالَ إنْ بِعْت فَأَنَا آخُذُ مِيرَاثِي مِنْ أُمِّي قَالَ لَا أَرَى لَهَا فِي ذَلِكَ شَيْئًا.
ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ حَازُوهَا وَلَيْسَتْ تَرْجِعُ بِمَا تَرْجِعُ الْمَوَارِيثُ إلَى عَصَبَةِ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهَا.
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَحْتَاجُوا إلَى بَيْعِهَا يُرِيدُ أَوْ يَحْتَاجَ أَحَدُهُمْ إلَى بَيْعِ حَظِّهِ مِنْهَا قَلَّ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ أَوْ كَثُرَ لِقِلَّتِهِمْ، فَذَلِكَ لَهُ، وَيَبْطُلُ تَحْبِيسُهُ وَيَكُونُ ثَمَنُهُ مَالًا مِنْ مَالِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ احْتَاجُوا كُلُّهُمْ فَبَاعُوا فَالثَّمَنُ لَهُمْ مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمْ فِي الْحَبْسِ كَثُرُوا أَوْ قَلُّوا، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا وَاحِدٌ فَلَهُ الثَّمَنُ كُلُّهُ، وَبَطَلَ التَّحْبِيسُ فِي الْجَمِيعِ بِشَرْطِ الْمُحَبِّسِ وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَحْتَاجَ سَقَطَ حَقُّهُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ عَنْ حَبْسٍ لَا يُورَثُ عَنْهُ وَيَرْجِعُ حَظُّهُ إلَى مَنْ مَعَهُ فِي الْحَبْسِ، وَلَا يُورَثُ شَيْءٌ مِنْهُ عَنْ مُحَبِّسٍ عَلَيْهِ.
(أَوْ) كَشَرْطِ الْوَاقِفِ أَنَّهُ (إنْ تَسَوَّرَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ تَعَدَّى (عَلَيْهِ) أَيْ الْوَقْفُ (قَاضٍ أَوْ غَيْرُهُ) مِنْ الظَّلَمَةِ مُرِيدًا أَكْلَهُ (رَجَعَ) الْوَقْفُ مِلْكًا (لَهُ) أَيْ وَاقِفِهِ إنْ كَانَ حَيًّا (أَوْ لِوَرَثَتِهِ) أَيْ الْوَاقِفِ إنْ كَانَ مَيِّتًا.
الْمُتَيْطِيُّ إنْ شَرَطَ الْمُحَبِّسُ فِي حَبْسِهِ أَنَّهُ إنْ تَطَرَّقَ قَاضٍ أَوْ غَيْرُهُ إلَى التَّسَوُّرِ فِي حَبْسِهِ هَذَا وَالنَّظَرِ فِيهِ، فَجَمِيعُهُ رَاجِعٌ إلَيْهِ إنْ كَانَ حَيًّا أَوْ لِوَارِثِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا، أَوْ صَدَقَةٌ عَلَى فُلَانٍ فَلَهُ شَرْطُهُ، وَشَبَّهَ فِي الرُّجُوعِ
كَعَلَى وَلَدِي، وَلَا وَلَدَ لَهُ.
لَا بِشَرْطِ إصْلَاحِهِ عَلَى مُسْتَحَقِّهِ: كَأَرْضٍ مُوَظَّفَةٍ،
[منح الجليل]
لِلْوَاقِفِ مِلْكًا فَقَالَ (كَ) وَقْفٍ (عَلَى وَلَدِي وَ) الْحَالُ (لَا وَلَدَ لَهُ) أَيْ الْوَاقِفِ فَهُوَ مِلْكٌ لِوَاقِفِهِ لَهُ بَيْعُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَا لَمْ يُولَدْ لَهُ، فَإِنْ وُلِدَ لَهُ تَنَجَّزَ تَحْبِيسُهُ فَلَا يَبِعْهُ.
ابْنُ الْمَوَّازِ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ حَبَّسَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ فَلَهُ بَيْعُهُ، فَإِنْ وُلِدَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ يَيْأَسُ مِنْ الْوَلَدِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَلِدَ فَلَا حَبْسَ وَيُورَثُ.
طفي الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِيمَنْ حَبَّسَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَهُ بَيْعُهُ وَيَرْجِعُ لَهُ حَبْسُهُ، وَعَلَيْهِ دَرَجَ الْمُصَنِّفُ، فَهُوَ مُشَبَّهٌ فِي قَوْلِهِ وَرَجَعَ لَهُ أَوْ لِوَارِثِهِ، وَسَوَاءٌ عِنْدَهُ بَلَغَ سِنَّ مَنْ لَا يُولَدُ لَهُ أَمْ لَا، أَيِسَ مِنْ الْوِلَادَةِ أَمْ لَا فَلَهُ بَيْعُهُ مَا لَمْ يُولَدْ لَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ إلَّا عِنْدَ يَأْسِهِ مِنْ الْوَلَدِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَحْكُمُ بِحَبْسِهِ وَيُخْرَجُ إلَى يَدِ ثِقَةٍ لِيَصِحَّ حَوْزُهُ وَتُوقَفُ ثَمَرَتُهُ، فَإِنْ وُلِدَ لَهُ فَلَهُمْ وَإِلَّا فَلِأَقْرَبِ النَّاسِ، هَذَا تَحْصِيلُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَرَفَةَ، وَلَمْ يَزِدْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ عَلَى هَذَا، وَكَذَا الشَّارِحُ فِي شُرُوحِهِ.
(لَا) يَتَّبِعُ (شَرْطَ إصْلَاحِهِ) أَيْ الْوَقْفِ (عَلَى مُسْتَحِقِّهِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمُسْتَحِقِّ لِمَنْفَعَةِ الْوَقْفِ فَيُلْغَى الشَّرْطُ لِاسْتِلْزَامِهِ الْإِجَارَةَ بِأُجْرَةٍ مَجْهُولَةٍ وَيَصِحُّ الْوَقْفُ.
فِيهَا لِ ابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ حَبَّسَ دَارًا عَلَى رَجُلٍ وَوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَاشْتَرَطَ عَلَى الَّذِي حَبَّسَ عَلَيْهِ إصْلَاحَ مَا رَثَّ مِنْهَا مِنْ مَالِهِ لَمْ يَجُزْ، وَهُوَ كِرَاءٌ مَجْهُولٌ، وَلَكِنْ يَمْضِي ذَلِكَ وَتَكُونُ حَبْسًا وَلَا مَرَمَّةَ عَلَيْهِ، وَتَكُونُ مَرَمَّتُهَا مِنْ غَلَّتِهَا؛ لِأَنَّهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تُشْبِهُ الْبُيُوعُ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إنْ حَبَّسَ عَلَى رَجُلٍ فَرَسًا وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ هُوَ مِلْكٌ لَهُ بَعْدَ الْأَجَلِ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ إذْ قَدْ يَهْلِكُ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَتَيْنِ فَيَذْهَبُ عَلَفُهُ بَاطِلًا.
وَشَبَّهَ فِي إلْغَاءِ الشَّرْطِ فَقَالَ (كَ) شَرْطِ تَوْظِيفِ (أَرْضِ مُوَظَّفَةٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْوَاوِ
إلَّا مِنْ غَلَّتِهَا عَلَى الْأَصَحِّ أَوْ عَدَمِ بَدْءٍ بِإِصْلَاحِهِ، أَوْ بِنَفَقَتِهِ.
وَأُخْرِجَ السَّاكِنُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ لِلسُّكْنَى، إنْ لَمْ يُصْلِحْ لِتُكْرَى لَهُ، وَأُنْفِقَ فِي فَرَسٍ
[منح الجليل]
وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ مَجْعُولٌ عَلَيْهَا مَالٌ يُؤْخَذُ كُلَّ شَهْرٍ أَوْ عَامٍّ عَلَى مَنْ وَقَفْت عَلَيْهِ، فَيَصِحُّ وَقْفُهَا، وَيُلْغَى شَرْطُهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْكِرَاءُ بِمَجْهُولٍ فِي حَالٍ (إلَّا) أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ دَفْعُ تَوْظِيفِهَا (مِنْ غَلَّتِهَا) فَيَتَّبِعُ (عَلَى الْأَصَحِّ) عِنْدَ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ غَيْرَ الْأَرْبَعَةِ.
وَقِيلَ لَا يَتَّبِعُ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ.
الْبُنَانِيُّ لَمَّا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ اشْتَرَطَ عَلَى الَّذِي حُبِّسَ عَلَيْهِ إصْلَاحَ مَا رَثَّ مِنْهَا مِنْ مَالِهِ لَمْ يَجُزْ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْ قَوْلَهُ مِنْ مَالِهِ، فَلَوْ كَانَ مِنْ غَلَّتِهَا لَجَازَ، قَالَ إنَّهُ يَقُومُ مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَحْبِيسُ الْأَرْضِ الْمُوَظَّفَةِ، وَحَكَى ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ عَلَى أَنْ تُرَمَّ مِنْ غَلَّتِهَا وَيَخْرُجُ الْوَظِيفُ مِنْ غَلَّةِ الْأَرْضِ لَجَازَ تَحْبِيسُهَا، وَقَدْ قِيلَ لَا يَجُوزُ.
ابْنُ كَوْثَرٍ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ.
(أَوْ) شَرْطُ (عَدَمِ بَدْءٍ) مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ (بِإِصْلَاحِهِ) أَيْ الْوَقْفِ (وَ) شَرَطَ عَدَمَ بَدْءٍ بِ (نَفَقَتِهِ) أَيْ الْوَقْفِ فَيُلْغَى الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي لِإِبْطَالِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، فِي الزَّاهِي لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ غَلَّتِهِ بِمَنَافِعِ أَهْلِهِ وَيَتْرُكَ إصْلَاحَ مَا يَنْخَرِمُ مِنْهُ بَطَلَ شَرْطُهُ.
(وَ) إنْ احْتَاجَ الْعَقَارُ الْمَوْقُوفُ عَلَى مُعَيَّنٍ لِسُكْنَاهُ لِإِصْلَاحِهِ وَلَمْ يُصْلِحْهُ مِنْ مَالِهِ (أُخْرِجَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الشَّخْصُ (السَّاكِنُ) فِي الرُّبُعِ الْوَقْفِ (الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لِلسُّكْنَى) إنْ اخْتَلَّ الرُّبُعُ وَ (لَمْ يُصْلِحْ) هـ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ (لِيُكْرَى) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الرُّبُعُ مُدَّةً مُسْتَقْبَلَةً بِشَرْطِ تَعْجِيلِ كِرَائِهَا وَإِصْلَاحِهِ بِهِ، وَيُسْكِنُهُ مُكْتَرِيهِ تِلْكَ الْمُدَّةَ، فَإِذَا تَمَّتْ أُخْرِجَ الْمُكْتَرِي (لَهُ) أَيْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ لِيَسْكُنَهُ أَوْ الْإِصْلَاحُ عَلَى أَنَّهُ صِلَةُ يُكْرِي.
اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَتْ الدِّيَارُ لِلسُّكْنَى خُيِّرَ الْمُحَبَّسُ، عَلَيْهِ بَيْنَ أَنْ يُصْلِحَ أَوْ يَخْرُجَ فَتُكْرَى بِمَا تُصْلَحُ بِهِ ثُمَّ يَعُودُ (وَأُنْفِقَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْفَاءِ (فِي) أَيْ
لِكَغَزْوٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ عُدِمَ: بِيعَ وَعُوِّضَ بِهِ سِلَاحٌ: كَمَا لَوْ كَلَبَ.
وَبِيعَ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ عَقَارٍ فِي مِثْلِهِ،
[منح الجليل]
عَلَى (فَرَسٍ) وُقِفَ (لِكَغَزْوٍ) وَرِبَاطٍ، وَصِلَةُ أُنْفِقَ (مِنْ) مَالِ (بَيْتِ الْمَالِ) فَلَا تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ الْمُحَبِّسَ وَلَا الْمُحَبَّس عَلَيْهِ.
(فَإِنْ عُدِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ فُقِدَ بَيْتُ الْمَالِ أَوْ لَمْ يُوصَلْ إلَيْهِ (بِيعَ) الْفَرَسُ (وَعُوِّضَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (بِ) ثَمَنِ (هـ سِلَاحٌ) وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ لِنَفَقَةٍ إذْ هُوَ أَقْرَبُ لِلْخَيْلِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِغَرَضِ الْوَاقِفِ اللَّخْمِيُّ وَقِسْمٌ لَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ غَلَّتِهِ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ مَجْهُولٍ وَذَلِكَ الْخَيْلُ فَلَا تُؤَاجِرُ فِي النَّفَقَةِ، فَإِنْ كَانَتْ حَبْسًا فِي السَّبِيلِ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيعَتْ وَيَشْتَرِي بِالثَّمَنِ مَا لَا يَحْتَاجُ لِنَفَقَةٍ كَالسِّلَاحِ وَالدُّرُوعِ، وَإِنْ كَانَتْ حَبْسًا عَلَى مُعَيَّنٍ أَنْفَقَ عَلَيْهَا إنْ قِبَلهَا عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَشَبَّهَ فِي الْبَيْعِ وَالتَّعْوِيضِ فَقَالَ (كَمَا لَوْ كَلِبَ) الْفَرَسُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ اللَّامِ، أَيْ أَصَابَ الْفَرَسُ الْمُحَبَّسُ لِكَالْغَزْوِ الْكَلَبُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ دَاءٌ يَعْتَرِي الْخَيْلَ شَبِيهٌ بِالْجُنُونِ، فَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي نَحْوِ الْغَزْوِ، وَيُنْتَفَعُ بِهِ فِي نَحْوِ الطَّحْنِ فَيُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِهِ سِلَاحٌ.
فِيهَا لِمَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَا ضَعُفَ مِنْ الدَّوَابِّ الْمُحَبَّسَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِ قُوَّةٌ عَلَى الْغَزْوِ بِيعَ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ مَا مُنْتَفَعٌ بِهِ مِنْ الْخَيْلِ وَيُجْعَلُ فِي السَّبِيلِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ فَرَسٍ أَوْ هَجِينٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ فَلْيُعَنْ بِذَلِكَ فِي فَرَسٍ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ كَذَلِكَ يَكْلُبُ وَيَخْبُثُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَا بَلِيَ مِنْ الثِّيَابِ الْمُحَبَّسَةِ وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ تُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهَا ثِيَابٌ يُنْتَقَعُ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَبِعْ تَصَدَّقَ بِهِ فِي السَّبِيلِ.
(وَبِيعَ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (مَا) أَيْ شَيْءٌ مَوْقُوفٌ صَارَ (لَا يُنْتَفَعُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ (بِهِ) فِيمَا وَقَفَ عَلَيْهِ وَيُنْتَفَعُ بِهِ فِي غَيْرِهِ كَفَرَسٍ يَهْرَمُ وَعَبْدٍ كَذَلِكَ وَثَوْبٍ يَخْلُقُ حَالَ كَوْنِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ (غَيْرُ عَقَارٍ) صَارَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيمَا حُبِّسَ عَلَيْهِ فَلَا يُبَاعُ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِذَا بِيعَ غَيْرُ الْعَقَارِ صُرِفَ ثَمَنُهُ (فِي مِثْلِهِ) مِنْ فَرَسٍ، أَوْ عَبْدٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ كِتَابٍ مَثَلًا (أَوْ)
أَوْ شِقْصِهِ.
كَأَنْ أَتْلَفَ
وَفَضْلُ الذُّكُورِ وَمَا كَبِرَ مِنْ الْإِنَاثِ فِي إنَاثٍ.
[منح الجليل]
شُورِكَ بِهِ فِي (شِقْصِهِ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ، وَإِهْمَالِ الصَّادِ، أَيْ بَعْضِهِ إنْ لَمْ يَبْلُغْ ثُمُنَ كَامِلٍ إتْبَاعًا لِغَرَضِ الْوَاقِفِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُشَارِكُ تَصَدَّقَ بِهِ.
ابْنُ شَاسٍ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ مَا سِوَى الْعَقَارِ إذَا ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ الَّتِي وُقِفَ لَهَا كَالْفَرَسِ يَكْلُبُ أَوْ أَوْ يَهْرَمُ بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيمَا وُقِفَ لَهُ أَوْ الثَّوْبُ يَخْلُقُ بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْوَجْهِ الَّذِي وُقِفَ لَهُ وَشَبَّهَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ.
وَشَبَّهَ فِي الصَّرْفِ فِي مِثْلِهِ أَوْ شِقْصِهِ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَقْرُونٌ بِكَافِ تَشْبِيهٍ صِلَتُهُ (أُتْلِفَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْحَبْسُ بِجِنَايَةٍ فَتُصْرَفُ قِيمَتُهُ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ الْجَانِي فِي مِثْلِهِ أَوْ شِقْصِهِ.
ابْنُ شَاسٍ مَنْ هَدَمَ حَبْسًا مِنْ أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْبُنْيَانَ كَمَا كَانَ وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهُ، وَإِنْ قَتَلَ حَيَوَانًا أَوْ فَقَأَ كَعَبْدٍ وَدَابَّةٍ أُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهُ فَاشْتُرِيَ بِهَا مِثْلُهُ وَجُعِلَ وَقْفًا مَكَانَهُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ فَشِقْصٌ مِنْ مِثْلِهِ.
(وَ) يُبَاعُ (فَضْلُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ مَا زَادَ مِنْ (الذُّكُورِ) عَنْ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ فِي النُّزُوِّ مِنْ نَسْلِ الْإِنَاثِ الْمَوْقُوفَةِ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ إنَاثٌ (وَ) يُبَاعُ (مَا كَبِرَ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (مِنْ الْإِنَاثِ) الْمَوْقُوفَةِ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ (فِي) شِرَاءِ (إنَاثٍ) وَتُجْعَلُ وَقْفًا عِوَضًا عَمَّا بِيعَ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَلَدُ الْحَيَوَانِ الْحَبْسِ مِثْلُهُ، سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا وَلَدَتْ بَقَرَاتٍ حُبِّسَتْ يُقْسَمُ لَبَنُهَا فِي الْمَسَاكِينِ مِنْ أُنْثَى حُبِّسَتْ مَعَهَا وَيُحَبَّسُ وَلَدُهَا الذَّكَرُ لِيَنْزُوَهَا وَمَا فَضَلَ مِنْ ذُكُورِهَا عَنْهُ وَمَا كَبِرَتْ مِنْ أُنْثَى فَذَهَبَ لَبَنُهَا بِيعَا وَرُدَّ ثَمَنُهُمَا فِي عُلُوفَتِهَا.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَقَوْلِهَا مَا ضَعُفَ مِنْ دَوَابِّ حَبْسِ السَّبِيلِ أَوْ بَلِيَ مِنْ ثِيَابِهِ وَذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ بِيعَ وَرُدَّ بِثَمَنِ الدَّوَابِّ خَيْلٌ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ فَرَسٍ أَوْ هَجِينٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ أُعِينَ بِهِ فِي ثَمَنِ فَرَسٍ وَرُدَّ ثَمَنُ الثِّيَابِ فِي ثِيَابٍ، فَإِنْ قُصِرَ عَنْ ثَمَنِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ فُرِّقَ فِي السَّبِيلِ خِلَافُ رِوَايَةِ مَنْ مَنَعَ بَيْعَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَوْ بِيعَ لَبِيعَ الرَّجُلُ الْمُحَبَّسُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مَنْ
لَا عَقَارٌ وَإِنْ خَرِبَ
وَنَقْضٌ وَلَوْ بِغَيْرِ خَرِبٍ
[منح الجليل]
حَبَّسَ غُلَامًا فَكَبِرَ أَوْ تَخَلَّفَ أَوْ كَثُرَتْ سَرِقَتُهُ وَإِبَاقُهُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ غَيْرَهُ مَكَانَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُحَبَّسُ شَرَطَ ذَلِكَ فِي حَبْسِهِ، وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي بَيْعِهِ لِيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ غَيْرَهُ يَكُونُ مَكَانَهُ.
وَأَمَّا بَيْعُهُ فِيمَا يَلْزَمُ مِنْ عَلَفِهَا وَرَعْيِهَا فَجَائِزٌ اتِّفَاقًا، فَمَنْ قُطِعَتْ مَنْفَعَتُهَا إنْ لَمْ يُرْجَ عَوْدُهَا وَأَضَرَّ بَقَاؤُهُ لِلْمَنْفَعَةِ وَعَلَيْهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
وَمِنْهُ الرَّبْعُ الْخَرِبُ (لَا) يُبَاعُ (عَقَارٌ) حُبِّسَ إنْ لَمْ يَخْرَبُ، بَلْ (وَإِنْ خَرِبَ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَصَارَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيمَا حُبِّسَ عَلَيْهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَعَ الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا مَنَعَ بَيْعَ مَا خَرِبَ مِنْ رَبْعٍ حُبِّسَ مُطْلَقًا.
ابْنُ الْجَهْمِ إنَّمَا لَمْ يَبِعْ الرَّبْعَ الْمُحَبَّسَ إذَا خَرِبَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إصْلَاحُهُ بِإِجَارَتِهِ سِنِينَ فَيَعُودُ كَمَا كَانَ، وَفِيهَا لِرَبِيعَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ الْإِمَامَ يَبِيعُ الرَّبْعَ إذَا رَأَى ذَلِكَ لِخَرَابِهِ وَهِيَ إحْدَى رِوَايَتَيْ أَبِي الْفَرَجِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي جَوَازِ الْمُنَاقَلَةِ بِهِ بِرَبْعٍ غَيْرِ خَرِبٍ.
قَوْلُ الشَّيْخِ فِي رِسَالَتِهِ وَابْنُ شَعْبَانَ وَابْنُ رُشْدٍ إنْ كَانَتْ هَذِهِ الْقِطْعَةُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُحَبَّسَةِ انْقَطَعَتْ مَنْفَعَتُهَا جُمْلَةً وَعَجَزَ عَنْ عِمَارَتِهَا وَكِرَائِهَا فَلَا بَأْسَ بِالْمُعَاوَضَةِ فِيهَا بِمَكَانٍ يَكُونُ حَبْسَا مَكَانَهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِحُكْمٍ مِنْ الْقَاضِي بَعْدَ ثُبُوتِ ذَلِكَ السَّبَبِ وَالْغِبْطَةِ فِي الْمُعَوَّضِ عَنْهُ وَيُسَجَّلُ ذَلِكَ وَيُشْهَدُ بِهِ.
(وَ) لَا يُبَاعُ (نِقْضٌ) بِكَسْرِ النُّونِ وَضَمِّهَا كَذِبْحٍ وَذُخْرٍ، أَيْ مَنْقُوضٍ مِنْ الْعَقَارِ الْمَوْقُوفِ.
فِي الزَّاهِي لَا يُبَاعُ نِقْضُ الْحَبْسِ، وَأَجَازَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بَيْعَهُ، وَلَا أَقُولُهُ وَلِابْنِ سَهْلٍ عَنْ ابْنِ لُبَابَةَ جَوَازُ بَيْعِهِ وَأَجَازَهُ ابْنُ زَرْبٍ لِبِنَاءِ بَاقِيهِ بِثَمَنِ مَا بِيعَ، وَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ بِعَدَمِ نَقْلِ نِقْضِ مَسْجِدٍ خَرِبٍ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ وَبِعَدَمِ بَيْعِهِ، وَيُتْرَكُ حَتَّى يَفْنَى.
ابْنُ عَاتٍ ابْنُ عَبْدِ الْغَفُورِ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ نِقْضِ الْمَسَاجِدِ إنْ خِيفَ فَسَادُهُ وَوَقْفُهُ إنْ رُجِيَ عِمَارَتُهُ أَمْثَلُ.
وَبَالَغَ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ الْعَقَارِ فَقَالَ (وَلَوْ بِ) عَقَارٍ (غَيْرِ خَرِبٍ) " غ " ظَاهِرُهُ رُجُوعِ الْإِغْيَاءِ لِلرَّبْعِ الْخَرِبِ وَالنِّقْضِ، وَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا إلَّا فِي الرَّبْعِ الْخَرِبِ.
ابْنُ رُشْدٍ رَوَى رَبِيعَةُ أَنَّ الْإِمَامَ يَبِيعُ الرَّبْعَ إذَا رَأَى ذَلِكَ لِخَرَابِهِ كَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ، وَقَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي إحْدَى رِوَايَتَيْ أَبِي الْفَرَجِ عَنْهُ.
إلَّا لِتَوْسِيعٍ.
كَمَسْجِدٍ، وَلَوْ جَبْرًا، وَأُمِرُوا بِجَعْلِ ثَمَنِهِ لِغَيْرِهِ.
[منح الجليل]
وَاسْتَثْنَى مَنْ مَنَعَ بَيْعَ الْعَقَارِ فَقَالَ (إلَّا) بَيْعُ الْعَقَارِ الْمَوْقُوفِ (لِتَوْسِيعٍ كَمَسْجِدٍ) وَطَرِيقٍ وَمَقْبَرَةٍ فَيَحُوزُ اخْتِيَارًا، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (جَبْرًا بِالْقَضَاءِ) عَلَى مُسْتَحِقِّهِ أَوْ نَاظِرِهِ فَغَيْرُ الْمَوْقُوفِ أَحْرَى (وَأُمِرُوا) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، أَيْ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمْ الَّذِينَ لَهُمْ وِلَايَتُهُ وَنَظَرِهِ (بِجَعْلِ ثَمَنِهِ) أَيْ الْوَقْفِ الَّذِي بِيعَ بِهِ (لِغَيْرِهِ) بِأَنْ يُشْتَرَى بِهِ عَقَارٌ وَيَجْعَلَ حَبْسًا عِوَضًا عَنْهُ.
سَحْنُونٌ لَمْ يُجِزْ أَصْحَابُنَا بَيْعَ الْحَبْسِ بِحَالٍ إلَّا دَارًا بِجِوَارِ مَسْجِدٍ اُحْتِيجَ أَنْ تُضَافَ إلَيْهِ لِيُتَوَسَّعَ بِهَا فَأَجَازُوا بَيْعَهَا لَهُ، وَيَشْتَرِي بِثَمَنِهَا دَارًا تَكُونُ حَبْسًا، وَقَدْ أُدْخِلَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُورٌ مُحَبَّسَةٌ كَانَتْ تَلِيهِ.
ابْنُ رُشْدٍ ظَاهِرُ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ، كَقَوْلِ سَحْنُونٍ.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ مَالِكٍ وَالْأَخَوَيْنِ وَأَصْبَغَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَجُوزُ فِي مَسَاجِدِ الْجَوَامِعِ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لَا فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ، إذْ لَيْسَتْ الضَّرُورَةُ فِيهَا كَالْجَوَامِعِ.
ابْنُ عَاتٍ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الدَّارِ الْمُحَبَّسَةِ وَغَيْرِهَا، وَيُكْرِهُ السُّلْطَانُ النَّاسَ عَلَى بَيْعِهَا إذَا احْتَاجَ النَّاسُ إلَيْهَا لِتَوْسِعَةِ جَامِعِهِمْ الَّذِي فِيهِ الْخُطْبَةُ، وَكَذَا الطَّرِيقُ إلَيْهَا لَا إلَى الْمَسَاجِدِ الَّتِي لَا خُطْبَةَ فِيهَا، وَالطُّرُقُ الَّتِي فِي الْقَبَائِلِ لِأَقْوَامٍ مُطَرِّفٌ إذَا كَانَ النَّهْرُ بِجَانِبِ طَرِيقٍ عُظْمَى مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَسْلُكُهَا الْعَامَّةُ فَحَفَرَهَا النَّهْرُ حَتَّى قَطَعَهَا، فَإِنَّ أَهْلَ تِلْكَ الْأَرْضِ الَّتِي حَوْلَهَا يُجْبَرُونَ عَلَى بَيْعِ مَا يُوَسَّعُ بِهِ الطَّرِيقُ، فَإِنْ لَمْ يَنْظُرْ السُّلْطَانُ فِيهَا فَلَا تُسْلَكُ الْأَرْضُ إلَّا بِإِذْنِ أَرْبَابِهَا.
ابْنُ رُشْدٍ اخْتَلَفَ مُتَأَخِّرُو الشُّيُوخِ إنْ امْتَنَعُوا مِنْ الْبَيْعِ لِلْمَسْجِدِ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بِالْقِيمَةِ جَبْرًا، وَهُوَ الْآتِي عَلَى سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِجَعْلِ الثَّمَنِ فِي دَارٍ أُخْرَى.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي هَذَا نَظَرٌ اُنْظُرْهُ فِيهِ.
ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُئِلَ
وَمَنْ هَدَمَ وَقْفًا فَعَلَيْهِ إعَادَتُهُ.
[منح الجليل]
مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ قَوْمٍ كَانَتْ لَهُمْ دَارٌ حَبْسٌ فَبَاعُوهَا وَأُدْخِلَتْ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ أَرَى أَنْ يَشْتَرُوا بِالذَّهَبِ دَارًا أُخْرَى يَجْعَلُونَهَا فِي صَدَقَةِ أَبِيهِمْ، قِيلَ لَهُ: أَفَيُقْضَى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ؟ قَالَ لَا إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعُوا.
ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَوْجَبَ الْحَقَّ أَخَذَهَا مِنْهُمْ جَبْرًا صَارَ كَالِاسْتِحْقَاقِ الَّذِي يُبْطِلُ الْحَبْسَ لَا يَجِبُ صَرْفُ الثَّمَنِ الْمَأْخُوذِ فِي حَبْسِ مِثْلِهِ الْبُنَانِيُّ الْمِسْنَاوِيُّ فِي جَوَابِهِ أَنَّ مَا وُسِّعَ بِهِ الْمَسْجِدُ مِنْ الرِّبَاعِ لَا يَجِبُ أَنْ يُعَوَّضَ مِنْهُ إلَّا مَا كَانَ مِلْكًا أَوْ حَبْسًا عَلَى مُعَيَّنٍ، وَأَمَّا مَا كَانَ حَبْسًا عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَلَا يَلْزَمُ تَعْوِيضُهُ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَجْنَاسِ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ عَلَى نَحْوِ الْفُقَرَاءِ عَلَى مَا أَفَادَهُ جَوَابُ أَبِي سَعِيدِ بْنِ لُبٍّ فِي نَوَازِلِ أَحْبَاسِ الْمِعْيَارِ وَوَجْهُهُ إنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِمُعَيَّنٍ، وَالْأَجْرُ الَّذِي يَحْصُلُ لِوَاقِفِهِ بِإِدْخَالِهِ فِي الْمَسْجِدِ أَعْظَمُ مِمَّا حَبَّسَهُ لَهُ، وَإِنَّ الْخَلَوَاتِ الْمُدْخَلَةِ فِي الْمَسْجِدِ لَا حَقَّ لِأَرْبَابِهَا فِي عِوَضِهَا؛ لِأَنَّهَا مَحْضُ كِرَاءٍ عَلَى التَّبْقِيَةِ وَالْكِرَاءُ يَنْفَسِخُ بِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ مِنْ الْمُكْتَرِي الْمُعَيَّنِ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا وَلَا حَقَّ لِأَرْبَابِهَا فِي الْأَرْضِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَمَنْ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ اسْمُ شَرْطٍ (هَدَمَ وَقْفًا) أَيْ عَقَارًا مَوْقُوفًا تَعَدِّيًا (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْهَادِمِ وُجُوبًا (إعَادَتُهُ) بِبِنَائِهِ كَمَا كَانَ لَا قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَبَيْعِهِ.
(غ) كَذَا لِابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَبُولُهُمَا إيَّاهُ فُهِمَ أَنَّهُ كُلُّ الْمَذْهَبِ أَوْ مَشْهُورُهُ وَلَمْ أَعْرِفْهُ، بَلْ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْهَدْمِ الْقِيمَةُ مُطْلَقًا.
وَقَدْ قَالَ عِيَاضٌ فِي حَدِيثِ جُرَيْجٍ «مَنْ هَدَمَ حَائِطًا» فَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ
وَتَنَاوَلَ الذُّرِّيَّةُ،
[منح الجليل]
- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّ فِيهِ وَفِي سَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ الْقِيمَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَيْهِ بِنَاءُ مِثْلِهِ.
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِثْلُهُ.
وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ النَّوَادِرِ عَزْوُ مَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ لِابْنِ كِنَانَةَ فَقَالَ عَنْهُ لَا يُنْقَضُ بُنْيَانُ الْحَبْسِ، وَتُبْنَى فِيهِ حَوَانِيتُ الْغَلَّةِ، وَهُوَ ذَرِيعَةٌ إلَى تَغْيِيرِ الْحَبْسِ وَمَنْ كَسَرَ حَبْسًا مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ أَوْ غَيْرِهِمْ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْبُنْيَانَ كَمَا كَانَ.
(وَتَنَاوَلَ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْوَاوِ أَيْ شَمِلَ (الذُّرِّيَّةَ) بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مُثَقَّلَةً هِيَ وَالتَّحْتِيَّةُ، أَيْ هَذَا اللَّفْظُ فِي قَوْلِهِ: وَقْفٌ عَلَى ذُرِّيَّتِي أَوْ ذُرِّيَّةِ فُلَانٍ الْحَافِدِ، أَيْ وَلَدِ بِنْتِ الْوَاقِفِ أَوْ فُلَانٍ.
ابْنُ الْعَطَّارِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - مِنْ ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: 84] ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ [الأنعام: 85] ، وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ قَوْلًا بِعَدَمِ شُمُولِ الذُّرِّيَّةِ الْحَافِدِ، وَهُوَ يَنْقُضُ الِاتِّفَاقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ طَرِيقَةً قَالَهُ تت.
ابْنُ رُشْدٍ اخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي الذُّرِّيَّةِ وَالنَّسْلِ فَقِيلَ إنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْعَقِبِ وَالْوَلَدِ فِي عَدَمِ دُخُولِ وَلَدِ الْبَنَاتِ فِيهِمَا.
الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ الْعَطَّارِ النَّسْلُ كَالْوَلَدِ وَالذُّرِّيَّةُ تَشْمَلُ وَلَدَ الْبَنَاتِ اتِّفَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ﴾ [الأنعام: 84] إلَى قَوْلِهِ وَعِيسَى، وَهُوَ وَلَدُ بِنْتٍ.
ابْنُ رُشْدٍ هُوَ اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ فِي أَنَّ وَلَدَ بِنْتِ الرَّجُلِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَكَذَا نَقُولُ فِي نَسْلِهِ وَعَقِبِهِ كَمَا إنَّهُ مِنْ وَلَدٍ خِلَافُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ، أَفَادَهُ " ق ". ابْنُ عَرَفَةَ يَرُدُّ اسْتِدْلَالَ ابْنِ الْعَطَّارِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهِ فِي عِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ثُبُوتُهُ فِي مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
إنَّمَا ثَبَتَ فِي عِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَدَمِ أَبٍ لَهُ يَحُوزُهُ، وَلِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ كَانَ الْمَذْهَبُ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ الْمُعْتَقَةِ جَرَّهَا وَلَاءُ وَلَدِهَا لِمُعْتِقِهَا مَا دَامَ غَيْرَ مُسْتَلْحَقٍ، فَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ أَبٌ بَطَلَ جَرُّهَا.
وَشَاعَ فِي أَوَائِلِ هَذَا الْقَرْنِ عَلَى مَا بَلَغَنِي الْخِلَافُ فِي شَرِيفِ الْأُمِّ فَقَطْ وَأَبُوهُ لَيْسَ بِشَرِيفٍ هَلْ هُوَ شَرِيفٌ أَمْ لَا، فَأَفْتَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ مَنْصُورُ الْمَدْعُوُّ بِنَاصِرِ الدِّينِ مِنْ فُقَهَاءِ بِجَايَةَ بِثُبُوتِ شَرَفِهِ وَتَبِعَهُ جُلُّ أَهْلِ بَلَدِهِ.
وَأَفْتَى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ عَبْدِ الرَّفِيعِ قَاضِي بَلَدِنَا تُونُسَ بِعَدَمِهِ، وَسَمِعْت شَيْخَنَا ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ يُصَرِّحُ بِتَخْطِئَةِ مُثَبِّتِهِ مُتَمَسِّكًا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ هُوَ لِأَبِيهِ لَا لِأُمِّهِ، وَقَالَهُ بَعْضُ مَنْ لَقِيته مِنْ الْفَاسِقِينَ، وَقَالَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ بَعْدَ عِتْقِهِ وَإِسْلَامِهِ شَرِيفَةً أَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ مِنْهَا شَرِيفًا، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُنْصِفٌ أَوْ مُسْلِمٌ أَنَا أَشُكُّ وَأَلَّفَ الْفَرِيقَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَأَقْوَى مَا احْتَجَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ تَمَسُّكُهُمْ بِمَا تَمَسَّكَ بِهِ ابْنُ الْعَطَّارِ، وَبِأَنَّ أَصْلَ الشَّرَفِ مِنْ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، وَهَذَا بِنِسْبَةِ الْأُمُومَةِ لَا بِنِسْبَةِ الْأُبُوَّةِ.
قُلْت: وَالْحَقُّ أَنَّ ابْنَ الشَّرِيفَةِ لَهُ شَرَفٌ مَا عَنْ مَنْزِلَةٍ مَنْ أُمُّهُ لَيْسَتْ بِشَرِيفَةٍ لَا الشَّرَفُ الْعُرْفِيُّ، وَتَمَسُّكُهُمْ بِمَا تَمَسَّكَ بِهِ ابْنُ الْعَطَّارِ يُرَدُّ بِمَا تَقَدَّمَ، وَتَمَسُّكُهُمْ بِالْقِيَاسِ بِثُبُوتِ النَّسَبِ إلَى فَاطِمَةَ بِجَامِعِ أَنَّهُ شَرَفٌ ثَبَتَ لِوِلَادَةِ الْأُمِّ يُرَدُّ بِأَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ فِيمَنْ ثَبَتَتْ نِسْبَتُهُ إلَيْهَا بِنِسْبَةِ الْأُبُوَّةِ، فَكَانَ هَذَا الشَّرَفُ الثَّابِتُ فِي صُورَةِ الْإِجْمَاعِ ثَابِتًا بِالنِّسْبَةِ إلَى فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - الثَّابِتَةِ النِّسْبَةِ إلَيْهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَبِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ ثُبُوتُهُ فِي الْمَقِيسِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُهُ فِيهِ؛ بِالنِّسْبَةِ إلَى فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُمِّ لَا إلَى الْأَبِ، وَهَذِهِ النِّسْبَةُ الثَّابِتَةُ فِي الْمَقِيسِ أَضْعَفُ مِنْ النِّسْبَةِ الثَّابِتَةِ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهَا فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُمِّ وَهِيَ فَاطِمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَبِ، وَهُوَ أَبُو الْوَلَدِ الْمُتَكَلَّمِ فِي شَرَفِهِ.
الثَّابِتُ نَسَبُ أَبِيهِ لِلْحَسَنِ أَوْ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَبِ وَهِيَ فِي الْمَقِيسِ ثَابِتَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُمِّ، وَهِيَ فَاطِمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، وَبِالنِّسْبَةِ
وَوَلَدُ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ.
أَوْ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ وَأَوْلَادُهُمْ الْحَافِدَ،
[منح الجليل]
إلَى الْأُمِّ أَيْضًا، وَهِيَ أُمُّ الْوَالِدِ الْمُتَكَلَّمِ فِي شَرَفِهِ فَهِيَ فِي الْأَصْلِ أَقْوَى، وَفِي الْمَقِيسِ أَضْعَفُ وَذَلِكَ فَرْقٌ وَاضِحٌ يَقْدَحُ فِي الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ، وَيُؤَكِّدُ صِحَّةَ هَذَا الْفَرْقِ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا عَلِمْت فِي بَابِ التَّرْجِيحِ عَلَى أَنَّ نَتِيجَةَ الدَّلِيلِ الَّذِي إحْدَى مُقَدِّمَتَيْهِ ظَنِّيَّةٌ وَالْأُخْرَى قَطْعِيَّةٌ أَرْجَحُ مِنْ نَتِيجَةِ الدَّلِيلِ الَّذِي مُقَدِّمَتَاهُ مَعًا ظَنِّيَّتَانِ.
اهـ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ.
(وَ) تَنَاوَلَ (وَلَدَ فُلَانٍ) أَيْ زَيْدٍ مَثَلًا (وَفُلَانَةَ) أَيْ هِنْدٍ مَثَلًا، فَسَمَّى الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، ثُمَّ قَالَ: وَأَوْلَادُهُمْ فَيَتَنَاوَلُ الْحَافِدَ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ لِعَوْدِ ضَمِيرِ أَوْلَادِهِمْ إلَى الْأَوْلَادِ، وَالْحَافِدُ مِنْ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَخَطَّأَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلَ ابْنِ زَرْبٍ لَا يَدْخُلُ الْحَافِدُ فِيمَا ذُكِرَ.
ابْنُ رُشْدٍ إذَا قَالَ حَبَّسَتْ عَلَى أَوْلَادِي وَسَمَّاهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ، ثُمَّ قَالَ عَلَى أَوْلَادِهِمْ فَإِنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ يَدْخُلُونَ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ زَرْبٍ فَهُوَ خَطَأٌ " غ " فَأَوْلَادُهُمْ مُقَدَّرَةٌ فِي هَذِهِ بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ فِيمَا يَلِيهَا.
(أَوْ) وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِي (الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ) بِدُونِ ذِكْرِ أَسْمَائِهِمْ (وَأَوْلَادُهُمْ) يَتَنَاوَلُ (الْحَافِدَ) بِإِهْمَالِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، أَيْ وَلَدِ الْبِنْتِ مَفْعُولُ تَنَاوَلَ حَذَفَهُ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ لِدَلَالَةِ هَذَا عَلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ إنْ قَالَ حَبَّسَتْ عَلَى أَوْلَادِي ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ وَلَمْ يُسَمِّهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ، ثُمَّ قَالَ، وَعَلَى أَعْقَابِهِمْ فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ يَدْخُلُونَ فِي هَذَا كَمَا لَوْ سَمَّى.
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ لَوْ كَرَّرَ التَّعْقِيبَ لَدَخَلَ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ إلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي انْتَهَى إلَيْهَا الْمُحَبِّسُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشُّيُوخُ، ثُمَّ اسْتَظْهَرَهُ وَقَالَ: إنَّهُ الْمَعْمُولُ بِهِ، وَتَبِعَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا قَالَهُ فِي الْمِعْيَارِ فِي جَوَابِ ابْنِ عِلَالٍ بَعْضُهُمْ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا قَالَ بِدُخُولِهِ وَإِنْ سَفُلَ، لَكِنْ فِي جَوَابِ الْوَانْغِيلِيِّ فِي الْمِعْيَارِ حِكَايَةَ قَوْلِ بِدُخُولِ وَلَدِ الْبَنَاتِ وَإِنْ سَفَلُوا، وَبَعْدِ قَعَدِهِمْ وَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى مَا لِابْنِ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْمُتَيْطِيَّةِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ إنْ قَالَ حَبَّسَتْ عَلَى أَوْلَادِي ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَوَلَدُهُ بِمَنْزِلَتِهِ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "
لَا نَسْلِي وَعَقِبِي، وَوَلَدِي، وَوَلَدِ وَلَدِي،
[منح الجليل]
لَا أَرَى لِوَلَدِ الْبَنَاتِ شَيْئًا، لَكِنْ فِي الْمِعْيَارِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ اعْتِرَاضُ مَا لِابْنِ الْمَوَّازِ فَانْظُرْهُ.
(لَا) يَتَنَاوَلُ (نَسْلِي) فِي قَوْلِهِ وَقَفْت عَلَى نَسْلِي الْحَافِدِ، وَيَتَنَاوَلُ أَوْلَادَهُ الذُّكُورَ ذُكُورًا وَإِنَاثًا وَلَا يَتَنَاوَلُ مَنْ يَنْتَسِبُ لِلْوَاقِفِ بِامْرَأَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِنْتَهُ أَوْ بِنْتَ ابْنِهِ، وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحَبَّسِ أُنْثَى فَلَا يَشْمَلُهُ لَفْظُ النَّسْلِ وَلَا الْعَقِبِ وَلَا الْوَلَدِ " ق " ابْنُ الْعَطَّارِ النَّسْلُ كَالْوَلَدِ، وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْخِلَافَ فِيهِ، وَفِي الذُّرِّيَّةِ وَاحِدًا
(وَ) لَا يَتَنَاوَلُ (عَقِبِي) الْحَافِدِ.
ابْنُ رُشْدٍ لَا فَرْقَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ لَفْظِ الْعَقِبِ وَالْوَلَدِ فِي الْمَعْنَى (وَ) لَا يَتَنَاوَلُ (وَلَدِي) الْحَافِدَ ابْنُ رُشْدٍ إذَا قَالَ الْمُحَبِّسُ: حَبَّسَتْ عَلَى وَلَدِي أَوْ عَلَى أَوْلَادِي وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْحَبْسُ عَلَى أَوْلَادِ بَنِيهِ الذُّكْرَانِ وَالْإِنَاثِ، وَعَلَى أَوْلَادِ بَنِيهِ الذُّكْرَانِ دُونَ الْإِنَاثِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ لَا مِيرَاثَ لَهُمْ
(وَ) لَا يَتَنَاوَلُ (وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي) الْحَافِدِ.
ابْنُ رُشْدٍ إذَا قَالَ حَبَّسَتْ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي أَوْ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ الشُّيُوخِ إلَى أَنَّ وَلَدَ الْبَنَاتِ يَدْخُلُونَ فِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ عَبْدُوسٍ عَنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِوَلَدِ الْبَنَاتِ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ وَلَدِ الْوَلَدِ لَا يَتَنَاوَلُ بِإِطْلَاقِهِ وَلَدَ الْبَنَاتِ، وَلِأَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَسْمُوعَةَ إنَّمَا هِيَ عِبَارَةٌ عَمَّا فِي النُّفُوسِ فَإِذَا عَبَّرَ الْمُحَبِّسُ عَمَّا فِي نَفْسِهِ مِنْ إرَادَتِهِ بِلَفْظٍ غَيْرِ مُحْتَمَلٍ نَصَّ عَلَى إدْخَالِ وَلَدِ بَنَاتِهِ فِي حَبْسِهِ أَوْ إخْرَاجِهِ مِنْهُ وَقَفَتَا عِنْدَهُ، وَلَمْ يَصِحَّ لَنَا مُخَالَفَةُ نَصِّهِ، وَإِذَا عَبَّرَ عَمَّا فِي نَفْسِهِ بِعِبَارَةٍ مُحْتَمِلَةٍ لِلْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَجَبَ أَنْ نَحْمِلَهُ عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّنَا أَنَّهُ أَرَادَهُ مِنْ مُحْتَمِلَاتِ لَفْظِهِ بِمَا يُعْلَمُ مِنْ قَصْدِهِ؛ لِأَنَّ عُمُومَ أَلْفَاظِ النَّاسِ لَا تُحْمَلُ إلَّا عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ قَصْدِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ، إذْ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى الْعِلْمِ بِإِرَادَةِ الْمُحَبِّسِ إلَّا مِنْ قِبَلِهِ، فَإِذَا صَحَّ هَذَا الْأَصْلُ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْوَلَدَ بِإِطْلَاقِهِ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ دُونَ الْأُنْثَى، فَوَجَبَ أَنْ يُخَصَّصَ بِهَذَا عُمُومُ لَفْظِ الْمُحَبِّسِ، كَمَا يُخَصَّصُ عُمُومُ لَفْظِ
وَأَوْلَادِي، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، وَبَنِي وَبَنِي بَنِيَّ، وَفِي عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِهِمْ، قَوْلَانِ
[منح الجليل]
الْحَالِفِ بِمَا يُعْلَمُ مِنْ مَقَاصِدِ النَّاسِ فِي أَيْمَانِهِمْ وَعُرْفِ كَلَامِهِمْ اهـ.
الْبُنَانِيُّ عَدَمُ دُخُولِ الْحَافِدِ فِي هَذَا وَمَا بَعْدَهُ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَرَجَّحَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، لَكِنْ اُنْظُرْهُ مَعَ مَا لِأَبِي الْحَسَنِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَلَا شَيْءَ لِوَلَدِ الْبَنَاتِ لِلْإِجْمَاعِ أَنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: 11] . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ وَلَا شَيْءَ لِوَلَدِ الْبَنَاتِ إنَّمَا يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ وَمَنْ قَالَ حَبَّسَ عَلَى وَلَدِي وَلَا يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي.
الشَّيْخُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي، فَإِنَّ وَلَدَ الْبَنَاتِ يَدْخُلُونَ، وَكَذَلِكَ كُلَّمَا زَادَ دَرَجَةً يَدْخُلُونَ إلَى حَيْثُ انْتَهَى الْمُحَبِّسُ اهـ. وَنَقَلَهُ " غ فِي تَكْمِيلِهِ، وَقَالَ عَقِبَهُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِوَلَدِ الْبَنَاتِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا.
اهـ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا رَجَّحَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ.
(وَ) لَا يَتَنَاوَلُ (أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي) الْحَافِدَ تت لَيْسَ هَذَا مُكَرَّرًا مَعَ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ عَلَى بَيَانِ أَلْفَاظِ الْوَاقِفِ، وَهَذَا اللَّفْظُ غَيْرَ الَّذِي قَبْلَهُ (وَ) لَا يَتَنَاوَلُ (بَنِيَّ وَبَنِي بَنِيَّ) الْحَافِدَ.
الْبَاجِيَّ وَعَلَيْهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " ابْنُ رُشْدٍ أَمَّا لَفْظُ الْبَنِينَ فِي قَوْلِهِ حَبَّسَتْ عَلَى بَنِيَّ أَوْ عَلَى بَنِيَّ وَبَنِيهِمْ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي لَفْظِ الْوَلَدِ وَالْعَقِبِ.
(وَفِي) تَنَاوُلِ (وَلَدِي وَوَلَدِهِمْ) الْحَافِدَ، وَبِهِ أَفْتَى أَهْلُ قُرْطُبَةَ وَقَضَى بِهِ ابْنُ السَّلِيمِ وَعَدَمُ تَنَاوُلِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَوْلَانِ) " غ " هَذَا تَصْرِيحٌ بِالْخِلَافِ الَّذِي لَوَّحَ لَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ وَوَلَدِي وَوَلَدِهِمْ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَعَلَيْك بِالْمُقَدِّمَاتِ
وَالْإِخْوَةُ الْأُنْثَى، وَرِجَالُ إخْوَتِي، وَنِسَاؤُهُمْ الصَّغِيرَ وَبَنِي أَبِي إخْوَتَهُ الذُّكُورَ، وَأَوْلَادَهُمْ، وَآلِي؛ وَأَهْلِي الْعَصَبَةَ، وَمَنْ لَوْ رُجِّلَتْ عَصَّبَتْ
[منح الجليل]
قِ " ابْنُ رُشْدٍ إذَا قَالَ حَبَّسَتْ عَلَى وَلَدِي وَأَوْلَادِهِمْ فَرَوَى ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ لَا يَدْخُلُ الْبَنَاتُ فِي الْحَبْسِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَدُخُولُهُمْ أَبْيَنُ.
بَعْضُهُمْ لَعَلَّهُمْ اعْتَمَدُوا فِي هَذَا عَلَى عُرْفٍ تَقَرَّرَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ كَمَا لِابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ، وَلِذَا يَصْعُبُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا.
(وَ) تَنَاوَلَ (الْإِخْوَةَ) فِي قَوْلِهِ وَقْفٌ عَلَى إخْوَتِي (الْأُنْثَى) مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانُوا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] ، وَقَدْ أَجْرَى الْإِنَاثَ فِي الْحَجْبِ مَجْرَى الذُّكُورِ وَابْنُ شَعْبَانَ لَفْظُ إخْوَتِي يَشْمَلُ إخْوَتَهُ، وَلَوْ لِأُمٍّ فَقَطْ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ (وَ) تَنَاوَلَ (رِجَالُ إخْوَتِي وَنِسَاؤُهُمْ الصَّغِيرَ) وَالصَّغِيرَةَ، قَالَ اللَّهُ ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 176] ابْنُ شَعْبَانَ وَلَفْظُ رِجَالُ إخْوَتِي وَنِسَاؤُهُمْ يَشْمَلُ أَطْفَالَ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ
(وَ) تَنَاوَلَ (بَنُو أَبِي إخْوَتِهِ) أَيْ الْوَاقِفِ الذُّكُورِ أَشِقَّاءً أَوْ لِأَبٍ (وَأَوْلَادُهُمْ) أَيْ الذُّكُورِ خَاصَّةً.
ابْنُ شَعْبَانَ لَفْظُ بَنِي أَبِي يَشْمَلُ إخْوَتَهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَإِخْوَتَهُ لِأَبِيهِ فَقَطْ وَمَنْ كَانَ ذَكَرًا مِنْ أَوْلَادِهِمْ خَاصَّةً مَعَ ذُكُورِ وَلَدِهِ.
ابْنُ شَاسٍ هَذَا يُشْعِرُ أَنَّهُ لَا يَرَى دُخُولَ الْإِنَاثِ تَحْتَ بَنِيَّ، وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ فِي لَفْظِ الْبَنِينَ.
الْحَطّ قَوْلُهُ وَأَوْلَادُهُمْ أَيْ الذُّكُورُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ فِي الْجَوَاهِرِ وَلَوْ قَالَ عَلَى بَنِي أَبِي دَخَلَ فِيهِ إخْوَتُهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَإِخْوَتُهُ لِأَبِيهِ وَمَنْ كَانَ ذَكَرًا مِنْ أَوْلَادِهِمْ خَاصَّةً مَعَ ذُكُورِ وَلَدِهِ
(وَ) تَنَاوَلَ (آلِي) بِفَتْحِ الْهَمْزِ مَمْدُودًا وَكَسْرِ اللَّامِ (وَ) تَنَاوَلَ (أَهْلِي الْعَصَبَةَ) فَيَدْخُلُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الِابْنُ وَابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ، وَالْأَبُ وَالْجَدُّ وَإِنْ عَلَا، وَالْإِخْوَةُ وَبَنُوهُمْ وَإِنْ نَزَلُوا وَالْأَعْمَامُ وَبَنُوهُمْ (وَمَنْ) أَيْ امْرَأَةٌ (لَوْ رُجِّلَتْ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مُثَقَّلَةً أَيْ فُرِضَتْ
وَأَقَارِبِي أَقَارِبَ جِهَتَيْهِ مُطْلَقًا؛ وَإِنْ نَصْرَى،
[منح الجليل]
رَجُلًا (عَصَّبَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ كَانَ عَاصِبًا كَبِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَأُمٍّ وَجَدَّةِ أَبٍ وَعَمَّةٍ وَبِنْتِ أَخٍ وَبِنْتِ عَمٍّ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَفْظُ آلِي وَأَهْلِي.
الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْآلُ وَالْأَهْلُ سَوَاءٌ هُمْ الْعَصَبَاتُ وَالْبَنَاتُ وَالْعَمَّاتُ لَا الْخَالَاتُ.
الْبَاجِيَّ أَرَادَ الْعَصَبَةَ وَمَنْ فِي قَعَدِهِمْ مِنْ النِّسَاءِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فَتَدْخُلُ بَنَاتُ الْعَمِّ
(وَ) تَنَاوَلَ (أَقَارِبِي أَقَارِبَ جِهَتَيْهِ) أَيْ جِهَةِ أَبِيهِ وَجِهَةِ أُمِّهِ (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِذُكُورَةٍ أَوْ أُنُوثَةٍ فَيَتَنَاوَلُ الْعَمَّاتِ وَبَنَاتِهِنَّ وَالْخَالَاتِ وَبَنَاتِهِنَّ وَالْأَخَوَاتِ وَبَنَاتِهِنَّ وَبَنَاتِ الْإِخْوَةِ إنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، بَلْ (وَإِنْ) كَانُوا (نَصْرَى) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، أَيْ نَصَارَى أَوْ يَهُودًا أَوْ مَجُوسًا ذِمِّيِّينَ.
فِي نُسْخَةٍ " غ " وَإِنْ قَصَوْا بِفَتْحِ الْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ بَعُدُوا، قَالَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَإِنْ نَصَارَى أَيْ ذِمِّيِّينَ وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ هُنَا، وَهُوَ سَفَرٌ.
" ع " عَلَى جَوَازِ الْوَقْفِ عَلَى الذِّمِّيِّ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ، إذْ قَالَ كَمَنْ سَيُولَدُ وَذِمِّيٌّ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ أَعْرِفْ فِيهَا نَصًّا لِلْمُتَقَدِّمِينَ وَالْأَظْهَرُ جَرْيُهَا عَلَى حُكْمِ الْوَصِيَّةِ لَهُ، فَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَرَاهَةُ الْوَصِيَّةِ لِلْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُجِيزُهَا.
اهـ. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى مَا فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ مَنْ حَبَّسَ عَلَى مَسَاكِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى جَازَ.
" ق " رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ قُسِمَ عَلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ بِالِاجْتِهَادِ.
مُحَمَّدٌ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ وَقَالَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ عِيسَى، وَيُنْظَرُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى وَيَتْرُكُ، فَرُبَّمَا لَمْ يَتْرُكْ غَيْرَ وَلَدِ الْبَنَاتِ وَوَلَدِ الْخَالَاتِ ابْنُ يُونُسَ أَرَادَ فَيُعْطَوْا حِينَئِذٍ.
ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَدْخُلُ الْخَالُ وَالْخَالَةُ وَلَا قَرَابَتُهُ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ قَرَابَةٌ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ.
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ اُخْتُلِفَ إذَا أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ أَوْ وَلَدِ قَرَابَتِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ قَرَابَتُهُ لِأُمِّهِ بِحَالٍ، وَرَوَى مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ بِكُلِّ حَالٍ.
ابْنُ حَبِيبٍ، وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ أَصْحَابِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
وَمَوَالِيهِ الْمُعْتَقَ، وَوَلَدَهُ وَمُعْتَقَ أَبِيهِ وَابْنِهِ؛ وَقَوْمُهُ عَصَبَتُهُ فَقَطْ، وَطِفْلٌ وَصَبِيٌّ،
[منح الجليل]
أَجْمَعِينَ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ يَدْخُلُونَ فِي عَدَمِ قَرَابَتِهِ مِنْ الرِّجَالِ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَ أَوْصَى قُرَابَةٌ إلَّا مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ، فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَكُونُ لَهُمْ.
اهـ. وَنَقَلَهَا فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمُعِينِ، وَظَاهِرُ الْعَزْوِ تَرْجِيحُ الثَّانِي الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فَسَقَطَ تَوَرُّكُ " ق " عَلَيْهِ، لَكِنْ دَرَجَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، إذْ قَالَ وَفِي الْأَقَارِبِ أَقَارِبُهُ لِأُمِّهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَقَارِبُ لِأَبٍ.
تت لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ أَيْ نَصْرَى وَاَلَّذِي فِي الصِّحَاحِ وَالنَّصَارَى جَمْعُ نَصْرَانَ وَنَصْرَانَةَ كَالنَّدَامَى جَمْعُ نَدْمَانَ وَنَدْمَانَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ نَصْرَانُ إلَّا بِيَاءِ النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ وَامْرَأَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ.
اهـ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ نَصْرَى لُغَةٌ فِي النَّصَارَى وَإِنْ كَانَتْ رَدِيئَةً.
(وَ) تَنَاوَلَ (مَوَالِيَهُ) أَيْ الْوَاقِفِ بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ مَوْلًى (الْمُعْتَقَ) بِفَتْحِ التَّاءِ الَّذِي بَاشَرَ الْوَاقِفُ عِتْقَهُ (وَوَلَدَهُ) أَيْ الْمُعْتَقِ بِالْفَتْحِ (وَمُعْتَقَ) بِفَتْحِ التَّاءِ (أَبِيهِ) أَيْ الْوَاقِفِ (وَ) مُعْتَقَ (ابْنِهِ) أَيْ الْوَاقِفِ، فِيهَا مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِمَوَالِي فُلَانٍ وَلَهُ مَوَالٍ أَنْعَمُوا عَلَيْهِ وَمَوَالٍ أَنْعَمَ هُوَ عَلَيْهِ كَانَ لِمَوَالِيهِ الْأَسْفَلِينَ دُونَ الْأَعْلَيْنَ.
الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إنْ كَانَ لَهُ مَوَالٍ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَمَوَالٍ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ وَمَوَالٍ مِنْ قَبْلِ قَرَابَتِهِ يُوَارِثُونَه فَلْيَبْدَأْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، وَفِيهِ وَيُعْطَى الْآخَرِينَ مِنْهُ إنْ كَانَ فِي الْمَالِ سَعَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْأَبْعَدِ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ مِنْ الْأَقْرَبِ فَيُؤْثِرُونَ عَلَيْهِ وَيَبْدَأُ بِأَهْلِ الْحَاجَةِ أَبَاعِدَ أَوْ غَيْرَهُمْ، وَمَا فِي ذَلِكَ أَمْرٌ بَيِّنٌ غَيْرُ مَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ وَيَرَى أَنَّهُ رَآهُ.
ابْنُ شَاسٍ: لَفْظُ الْمَوَالِي يَشْمَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَدْخُلُ مَعَهُمْ فِي الْحَبْسِ فَرُوِيَ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَهُمْ مَوَالِي أَبِيهِ وَمَوَالِي ابْنِهِ وَمَوَالِي الْمَوَالِي
(وَ) تَنَاوَلَ (قَوْمُهُ) أَيْ الْوَاقِفِ (عَصَبَتَهُ فَقَطْ) أَيْ لَا مَنْ لَوْ رُجِّلَتْ عَصَّبَ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَفْظُ الْقَوْمِ قَبِلَ الْبَاجِيَّ قَوْلَ ابْنِ شَعْبَانَ هُوَ خَاصٌّ بِالرِّجَالِ الْعَصَبَةِ دُونَ النِّسَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: 11] ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: 11] وَقَوْلُ زُهَيْرٍ.
أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ (وَ) تَنَاوَلَ (طِفْلٌ) بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ (وَصَبِيٌّ
وَصَغِيرٌ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ، وَشَابٌّ، وَحَدَثٌ لِلْأَرْبَعَيْنِ، وَإِلَّا، فَكَهْلٌ لِلسِّتِّينَ، وَإِلَّا فَشَيْخٌ وَشَمِلَ الْأُنْثَى كَالْأَرْمَلِ.
وَالْمِلْكُ لِلْوَاقِفِ،
[منح الجليل]
وَصَغِيرٌ مَنْ) أَيْ شَخْصًا (لَمْ يَبْلُغْ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ الْحُلُمَ وَلَا الْمَحِيضَ.
ابْنُ شَعْبَانَ لَوْ قَالَ أَطْفَالُ أَهْلِي تَنَاوَلَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ وَلَا الْمَحِيضَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ عَلَى صِبْيَانِهِمْ أَوْ صِغَارِهِمْ.
(وَ) تَنَاوَلَ (شَابٌّ وَحَدَثٌ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَيْنِ فَمُثَلَّثَةٌ مَنْ بَلَغَ مُنْتَهِيًا (لِلْأَرْبَعَيْنِ) سَنَةً، وَهَلْ بِدُخُولِهِ فِيهَا أَوْ بِكَمَالِهَا تَقْرِيرَانِ لِابْنِ عَرَفَةَ وَالْمُتَيْطِيِّ.
ابْنُ شَعْبَانَ لَوْ قَالَ عَلَى شَبَابِهِمْ أَوْ عَلَى أَحْدَاثِهِمْ كَانَ ذَلِكَ لِمَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ إلَى أَنْ يَكْمُلَ أَرْبَعِينَ عَامًا (وَإِلَّا) يَكُنْ فِي سِنٍّ مِمَّا سَبَقَ بِأَنْ تَجَاوَزَ سِنُّهُ الْأَرْبَعِينَ (فَ) هُوَ (كَهْلٌ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْهَاءِ (لِلسِّتِّينَ) عَامًا (وَإِلَّا) يَكُنْ ابْنَ سِتِّينَ بِأَنْ تَجَاوَزَهَا (فَ) هُوَ (شَيْخٌ) إلَى مُنْتَهَى عُمُرِهِ (وَشَمِلَ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ طِفْلٍ وَمَا بَعْدَهُ (الْأُنْثَى) وَشَبَّهَ فِي شُمُولِ الْأُنْثَى فَقَالَ (كَ) لَفْظِ (الْأَرْمَلِ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ آخِرُهُ لَامٌ.
ابْنُ شَعْبَانَ لَوْ قَالَ عَلَى كُهُولِهِمْ كَانَ لِمَنْ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ مِنْ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ إلَى أَنْ يَكْمُلُ السِّتِّينَ، وَلَوْ قَالَ عَلَى شُيُوخِهِمْ كَانَ لِمَنْ جَاوَزَ السِّتِّينَ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَلَوْ قَالَ لِأَرَامِلِهِمْ لَكَانَ لِلرَّجُلِ الْأَرْمَلِ كَالْمَرْأَةِ الْأَرْمَلَةِ، لِقَوْلِ الْحُطَيْئَةِ فَمَنْ لِحَاجَةِ هَذَا الْأَرْمَلِ
ابْنُ عَرَفَةَ الشَّاهِدُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ لِجَرِيرٍ.
(وَالْمِلْكُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ عَلَى الشَّيْءِ الْمَوْقُوفِ بَاقٍ (لِلْوَاقِفِ) ابْنُ عَرَفَةَ صَرَّحَ الْبَاجِيَّ بِبَقَاءِ مِلْكِ الْمُحَبِّسِ عَلَى حَبْسِهِ، وَهُوَ لَازِمُ تَزْكِيَةِ حَوَائِطِ الْأَحْبَاسِ عَلَى مِلْكِ مُحَبِّسِهَا.
وَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ آخِرُ الشُّفْعَةِ التَّحْبِيسُ بِسَقْطِ الْمِلْكِ غَلَطٌ.
اهـ. وَفِي رَسْمِ اسْتَأْذَنَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَبَّسَ عَلَى أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ وَوَكَّلَ عَلَيْهِ مَنْ حَازَهُ لَهُمْ وَأَكْرَاهُ فَقَالَ الْكِبَارُ: نَحْنُ نَحُوزُهُ لِأَنْفُسِنَا، فَقَالَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ، وَهُوَ عَلَى مَا وَضَعَهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
عَلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ.
هَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ لَيْسَ بِمِلْكٍ لِلْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ كَالْهِبَةِ الَّتِي هِيَ مِلْكٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فَلَا يَصِحُّ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ كَبِيرًا، وَإِنَّمَا يَغْتَلُّهُ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ عَلَى مِلْكِ مُحَبِّسِهِ فَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَلَيْهِ مَنْ يَحُوزُهُ لِلْكَبِيرِ وَيُجْرِي عَلَيْهِ غَلَّتَهُ، وَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ وَلَا كَلَامَ لِلْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ فِيهِ.
اهـ. وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ، وَأَمَّا هِيَ فَلَا خِلَافَ أَنَّ مِلْكَ مُحَبِّسِهَا قَدْ ارْتَفَعَ عَنْهَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ فِي حَبْسِ الذَّخِيرَةِ وَمِثْلُهُ فِي الْفَرْقِ التَّاسِعِ وَالسَّبْعِينَ مِنْ قَوَاعِدِهِ، وَنَصُّهُ هَلْ يَفْتَقِرُ الْوَقْفُ إلَى الْقَبُولِ أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَمَنْشَؤُهُ هَلْ أَسْقَطَ الْوَاقِفُ حَقَّهُ مِنْ مَنَافِعِ الْمَوْقُوفِ كَالْعِتْقِ فَلَا يَفْتَقِرُ لِلْقَبُولِ أَوْ مِلْكِ مَنَافِعِ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَيَفْتَقِرُ لِلْقَبُولِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ لِتَعَذُّرِهِ هَذَا فِي مَنَافِعِ الْمَوْقُوفِ
أَمَّا مِلْكُهُ فَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَسْقُطُ أَوْ هُوَ بَاقٍ لِلْوَاقِفِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي ثَمَرِ الْحَائِطِ الْمَوْقُوفِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ نَحْوَ الْفُقَرَاءِ إذَا كَانَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، ثُمَّ يُفَرَّقُ الْبَاقِي عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ بِالِاجْتِهَادِ، وَأَمَّا ثَمَرُ الْحَائِطِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنِينَ فَيُفَرَّقُ عَلَيْهِمْ مَنْ نَابَهُ نِصَابُ زَكَاةٍ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَسَاجِدِ أَنَّ وَقْفَهَا إسْقَاطُ مِلْكٍ كَالْعِتْقِ فَلَا مِلْكَ لِمَخْلُوقٍ فِيهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) وَلِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِيهَا وَهِيَ لَا تُقَامُ فِي مَمْلُوكٍ لَا سِيَّمَا عَلَى أَصْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مِنْ أَنَّهَا لَا يُصَلِّيهَا أَرْبَابُ الْحَوَانِيتِ فِيهَا لِمِلْكِهَا وَحَجْرِهَا، فَلَا يَجْرِي فِي الْمَسَاجِدِ الْقَوْلَانِ اهـ.
وَقَبِلَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ السِّبْتِيُّ جَمِيعَهُ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي سَمَاعِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَسْجِدٍ بَيْنَ قَوْمٍ فَتَنَازَعُوا فِيهِ وَقَسَّمُوهُ بَيْنَهُمْ بِحَائِطٍ وَسَطَهُ أَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُؤَذِّنُهُمْ وَاحِدًا، وَكَذَا إمَامُهُمْ فَقَالَ: لَيْسَ لَهُمْ قِسْمَةٌ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانُوا بَنُوهُ جَمِيعًا وَقَالَ أَشْهَبُ مِثْلَهُ وَلَا يَجْزِيهِمْ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ وَلَا إمَامٌ وَاحِدٌ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُمْ قَدْ ارْتَفَعَ عَنْهُ حِينَ سَلَبُوهُ، فَإِنْ قَسَّمُوهُ، فَلَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ
لَا الْغَلَّةُ، فَلَهُ وَلِوَارِثِهِ؛ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ إصْلَاحَهُ
[منح الجليل]
فِي الْأَذَانِ وَالْإِمَامِ إنْ فَصَلُوا بَيْنَهُمَا بِحَاجِزٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ.
وَفِي قَوَاعِدِ الْمُقِرِّي وَقْفُ الْمَسَاجِدِ إسْقَاطُ مِلْكٍ إجْمَاعًا، وَفِي وَقْفِ غَيْرِهَا قَوْلَانِ بِنَقْلٍ وَإِسْقَاطٍ أَفَادَهُ " غ ".
الْحَطّ هَذَا خِلَافُ مَا حَكَاهُ فِي النَّوَادِرِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَبْسِ أَنَّ الْمَسَاجِدَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ مُحَبِّسِهَا أَيْضًا، وَنَصُّهُ فِي أَثْنَاءِ التَّرْجَمَةِ الْأُولَى فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى جَوَازِ التَّحْبِيسِ وَالرَّدِّ عَلَى شُرَيْحٍ: الْقَاتِلُ لَا حَبْسَ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ وَبَقَاءُ إحْبَاسِ السَّلَفِ دَائِرَةٌ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ بَيْعِهَا وَمِيرَاثِهَا، وَالْمَسَاجِدُ وَالْأَحْبَاسُ لَمْ يُخْرِجْهَا مَالِكُهَا إلَى مِلْكِ أَحَدٍ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَأَوْجَبَ تَسْبِيلَ مَنَافِعِهَا إلَى مَنْ حُبِّسَتْ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ كَمَا يَعْقِدُ فِي الْعَبْدِ الْكِتَابَةَ وَالْإِجَارَةَ وَالْإِسْكَانَ، وَأَصْلُ الْمِلْكِ فَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ حَلُّ شَيْءٍ مِمَّا أَوْجَبَ فِي الْمَرَافِقِ، وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ بَاقِيًا عَلَيْهِ.
اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(لَا) عَاطِفَةٌ عَلَى الْمِلْكِ وَمَعْطُوفُهَا (الْغَلَّةُ) النَّاشِئَةُ مِنْ الشَّيْءِ الْمَوْقُوفِ فَلَيْسَتْ لِوَاقِفِهِ، بَلْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
ابْنُ شَاسٍ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ يَمْلِكُ الْغَلَّةَ وَالثَّمَرَةَ وَاللَّبَنَ وَالصُّوفَ وَالْوَبَرَ مِنْ الْحَيَوَانِ الْمَوْقُوفِ، وَفَرَّعَ عَلَى كَوْنِ الْمِلْكِ لِلْوَاقِفِ فَقَالَ (فَلَهُ) أَيْ الْوَاقِفِ (وَلِوَارِثِهِ) أَيْ الْوَاقِفِ الَّذِي انْتَقَلَ لَهُ مِلْكُ الْوَقْفِ دُونَ مَنَافِعِهِ (مَنْعُ مَنْ) أَيْ شَخْصٍ (يُرِيدُ إصْلَاحَهُ) أَيْ الْوَقْفَ الْمُحْتَاجَ لِلْإِصْلَاحِ.
" غ " بِهَذَا قَطَعَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَعْبَانَ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ الْحَبْسَ مَمْلُوكٌ لِمُحَبِّسِهِ وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ مَالِكِهِ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِدُونِ إذْنِ مَالِكِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْجَارِي عِنْدِي فِي هَذَا عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ التَّفْصِيلُ بِأَنَّ خَرَابَهُ إنْ كَانَ لِحَادِثٍ نَزَلَ بِهِ دَفْعَةً كَوَابِلِ مَطَرٍ أَوْ شِدَّةِ رِيحٍ أَوْ صَاعِقَةٍ، فَالْحُكْمُ كَمَا قَالُوا، وَإِنْ كَانَ يَتَوَالَى عَدَمَ إصْلَاحِ مَا يَنْزِلُ بِهِ مِنْ انْهِدَامِ شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ يَسْتَعْلِ بَاقِيهِ كَحَالِ بَعْضِ أَهْلِ وَقْتِنَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ يَأْخُذُونَ غَلَّتَهَا وَيَدَّعُونَ إصْلَاحَهَا حَتَّى يَتَوَالَى عَلَيْهَا غَلَّتَهَا وَيَدَّعُونَ إصْلَاحَهَا حَتَّى يَتَوَالَى عَلَيْهَا الْخَرَابُ الَّذِي يُذْهِبُ كُلَّ مَنْفَعَتِهَا أَوْ جُلَّهَا، فَهَذَا
وَلَا يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ لِزِيَادَةٍ
وَلَا يُقْسَمُ إلَّا مَاضٍ زَمَنُهُ.
[منح الجليل]
الْوَاجِبُ فِيهِ تَمْكِينُ مَنْ تَطَوَّعَ بِإِصْلَاحِهِ مِنْهُ، وَلَا يُقَالُ بِمَنْعِهِ لِمُحَبِّسِهِ وَلَا لِوَارِثِهِ؛ لِأَنَّ مُصْلِحَهُ قَامَ بِأَدَاءِ حَقٍّ عَنْهُ لِعَجْزِهِ عَنْ أَدَائِهِ أَوْ لَدَدِهِ.
(وَ) إنْ أَكْرَى الْوَقْفَ نَاظِرُهُ بِكِرَاءٍ لَا غَبْنَ فِيهِ عَلَى الْوَقْفِ ثُمَّ وُجِدَ مَنْ يَزِيدُ فِي كِرَائِهِ فَ (لَا يُفْسَخُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ (كِرَاؤُهُ) أَيْ الْوَقْفِ (لِزِيَادَةٍ) أَرَادَهَا غَيْرُ مُكْتَرِيهِ.
" غ " أَرَادَ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ الْغَبْنُ.
ابْنُ عَاتٍ عَنْ الْمُشَاوِرِ إنْ أَكْرَى نَاظِرُ الْحَبْسِ عَلَى يَدِ الْقَاضِي رُبُعَ الْحَبْسِ بَعْدَ النِّدَاءِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِقْصَاءِ جَاءَتْ زِيَادَةٌ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُ الْكِرَاءِ وَلَا قَبُولُ الزِّيَادَةِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ فِي الْكِرَاءِ غَبْنًا عَلَى الْحَبْسِ فَتُقْبَلُ الزِّيَادَةُ وَلَوْ مِمَّنْ كَانَ حَاضِرًا، وَكَذَا الْوَصِيُّ فِي مُؤَاجَرَةِ يَتِيمِهِ وَكِرَاءِ رَبْعِهِ، ثُمَّ يَجِدُ زِيَادَةً فَلَا تُنْقَضُ الْإِجَارَةُ بِلَا ثُبُوتِ غَبْنٍ إنْ فَاتَ وَقْتُ كِرَائِهَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ نُقِضَ الْكِرَاءُ وَأُخِذَتْ الزِّيَادَةُ.
ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ أَوَّلِ كَلَامِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ، وَلَوْ لَمْ يَفُتْ الْإِبَّانُ، وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ وَالثَّانِي أَحْوَطُ.
(وَلَا يُقْسَمُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ السِّينِ مِنْ كِرَاءِ الْوَقْفِ (إلَّا) كِرَاءٍ (مَاضٍ زَمَنُهُ) ؛ لِأَنَّ قَسْمَ مَا لَا يَمْضِ زَمَنُهُ يُؤَدِّي إلَى إعْطَاءِ مَنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِمَوْتِهِ قَبْلَ مَجِيءِ زَمَانِهِ وَحِرْمَانِ مَنْ يَسْتَحِقُّ بِوِلَادَتِهِ أَوْ قُدُومِهِ بَعْدَ قَسْمِهِ فِي زَمَنِهِ.
ابْنُ شَاسٍ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّدَقَةِ أَنْ يُكْرِيَهَا بِنَقْدٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَضَعُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ لَا يُقْسَمُ الْكِرَاءُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ كَمَالِ سُكْنَى الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقْسَمُ عَلَى مَنْ حَضَرَ يَوْمَ الْقِسْمَةِ، فَمَنْ وُلِدَ قَبْلَهَا ثَبَتَ حَقُّهُ، وَمَنْ مَاتَ بَعْدَهَا، وَقَبْلَ تَمَامِ أَمَدِ السُّكْنَى سَقَطَ حَقُّهُ، فَإِذَا أَقْسَمَهُ قَبْلَ كَمَالِ أَمَدِ السُّكْنَى فَقَدْ يَمُوتُ مَنْ أَخَذَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ لَهُ وَيُحْرَمُ مَنْ يُولَدُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَيَسْتَمِرُّ حَيًّا إلَى تَمَامِ أَمَدِ السُّكْنَى.
وَنَصُّ ابْنُ عَرَفَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَبْسُوطِ الْمُقَدَّمُ عَلَى الْأَحْبَاسِ لِيُنَفِّذَهَا فِي أَهْلِهَا وَهِيَ مُعَقِّبَةٌ إنَّمَا يُكْرِيهَا السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ نَفَذَ الْكِرَاءُ وَلِحَائِزِهَا لِنَفْسِهِ كِرَاؤُهَا الْخَمْسَ وَالسِّتَّ بِالنَّقْدِ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْمُقَدَّمِ فِي كِرَاءِ النَّقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَضَعُ مِنْ الْكِرَاءِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى قَسْمِهِ قَبْلَ تَمَامِ أَمَدِ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْعَقِبَ مَجْهُولٌ، وَلَا يَكُونُ الْقَسْمُ
وَأَكْرَى نَاظِرُهُ، إنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ، كَالسَّنَتَيْنِ، وَلِمَنْ مَرْجِعُهَا لَهُ كَالْعَشْرِ.
[منح الجليل]
إلَّا عَلَى مَنْ حَضَرَ يَوْمَهُ.
فَإِنْ قَسَمَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَعْطَى مِنْ الْغَلَّةِ مَنْ قَدْ يَمُوتُ قَبْلَ وُجُوبِ ذَلِكَ لَهُ.
(وَأَكْرَى) الْوَقْفَ جَوَازًا (نَاظِرُهُ) أَيْ الْوَقْفَ لِغَيْرِ مَنْ مَرْجِعُهُ لَهُ (إنْ كَانَ) الْوَقْفُ (عَلَى مُعَيَّنِينَ) وَمَفْعُولُ أَكْرَى (كَالسَّنَتَيْنِ) ابْنُ عَرَفَةَ الْمُتَيْطِيُّ يَجُوزُ كِرَاءُ مَنْ حُبِّسَ عَلَيْهِ رَبْعٌ مِنْ الْأَعْيَانِ أَوْ الْأَعْقَابِ لِعَامَيْنِ لَا أَكْثَرَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ إجَازَتُهُ لِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَبِالرِّوَايَةِ الْأُولَى الْقَضَاءُ.
قُلْت الَّذِي فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ عِشْرُونَ، قَالَ وَالْحَبْسُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْمَرْضَى وَالْمَسَاكِينِ أَوْ مَسْجِدِ وَقَنْطَرَةٍ يَجُوزُ لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَاسْتَحْسَنَ قَضَاءُ قُرْطُبَةَ كَوْنَهُ لِأَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ خَوْفَ انْدِرَاسِهِ بِطُولِ مُكْثِهِ بِيَدِ مُكْرِيهِ.
عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَبْسُوطِ الْمُقَدَّمُ عَلَى الْأَحْبَاسِ لِيُنَفِّذَهَا فِي أَهْلِهَا وَهِيَ مُعَقَّبَةٌ إنَّمَا يُكْرِيهَا السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ نَفَذَ الْكِرَاءُ وَلِحَائِزِهَا لِنَفْسِهِ كِرَاؤُهَا الْخَمْسَ وَالسِّتَّ، وَحَدَّثَنِي مَنْ وَثِقْت بِهِ أَنَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَكَارَى مَسْكَنَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، وَهُوَ صَدَقَةٌ عَشْرَ سِنِينَ وَاسْتَكْثَرَهُ الْمُغِيرَةُ وَغَيْرُهُ، وَلِهَذَا أَنْ يُكْرِيَ بِالنَّقْدِ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْمُقَدَّمِ فِي كِرَاءِ النَّقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَضَعُ مِنْ الْكِرَاءِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى قِسْمَةٍ قَبْلَ أَمَدِ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْعَقِبَ مَجْهُولٌ وَلَا يَكُونُ الْقَسْمُ إلَّا عَلَى مَنْ حَضَرَ يَوْمَهُ، فَإِنْ قَسَمَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَعْطَى مِنْ الْغَلَّةِ مَنْ قَدْ يَمُوتُ قَبْلَ وُجُوبِ ذَلِكَ لَهُ.
(وَ) أَكْرَاهُ (لِمَنْ) أَيْ شَخْصٍ (مَرْجِعُهُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٌ، أَيْ رُجُوعِ الْوَقْفِ (لَهُ) عب، وَلَوْ مِلْكًا فِيمَا يَظْهَرُ (كَالْعَشْرِ) سِنِينَ.
ابْنُ شَاسٍ عَبْدُ الْمَلِكِ يُكْرِي مِنْ مَرْجِعِ الرَّقَبَةِ لِآخَرَ بَعْدَهُ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ كِرَاءً مِثْلَ الْأَرْبَعِ سِنِينَ وَالْخَمْسِ، قَالَ وَقَدْ أَكْرَى مَالِكٌ مَنْزِلَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَى هَذَا الْحَالِ، فَإِذَا حَبَّسَ دَارًا عَلَى زَيْدٍ حَيَاتَهُ ثُمَّ عَلَى عَمْرٍو، أَيْ ثُمَّ تَكُونُ هِبَةً لِعَمْرٍو فَيَجُوزُ لِزَيْدٍ كِرَاؤُهَا لِعَمْرٍو عَشْرَةَ أَعْوَامٍ، وَقَيَّدَ كَلَامَ
وَإِنْ بَنَى مُحَبَّسٌ عَلَيْهِ فَمَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَهُوَ وَقْفٌ.
[منح الجليل]
الْمُصَنِّفِ بِمَا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْوَاقِفُ مُدَّةً وَإِلَّا عَمِلَ بِهَا، وَبِمَا إذَا لَمْ تَدْعُ الضَّرُورَةُ لِكِرَائِهَا لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الْوَقْفِ وَإِلَّا جَازَ مَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ لَهُ كَمَا وَقَعَ فِي زَمَنِ الْقَاضِي ابْنِ بَادِيسَ بِالْقَيْرَوَانِ أَنَّ دَارًا حَبْسًا عَلَى الْفُقَرَاءِ خَرِبَتْ وَلَمْ يُوجَدْ مَا تُصْلَحُ بِهِ، فَأَفْتَى بِأَنَّهَا تُكْرَى السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ كَيْفَ تَتَيَسَّرُ بِشَرْطِ إصْلَاحِهَا مِنْ كِرَائِهَا، وَلَمْ يَسْمَحْ بِبَيْعِهَا، وَهُوَ الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ، وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِنَاظِرِهِ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكْرِيَ أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ أَفَادَهُ الْخَرَشِيُّ وعب.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي مُقَرِّبِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ مَنْ حُبِّسَتْ عَلَيْهِ دَارٌ وَعَلَى عَقِبِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ أَوْ جُعِلَ لَهُمْ السُّكْنَى فِيهَا حَيَاتَهُمْ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا بِالنَّقْدِ إلَّا سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُكْرِيَهَا سِنِينَ كَثِيرَةً بِكِرَاءٍ مُنَجَّمٍ كُلَّمَا انْقَضَى نَجْمٌ دَفَعَ كِرَاءَهُ، أَوْ كُلَّمَا دَخَلَ نَجْمٌ قَدَّمَ كِرَاءَهُ إنْ كَانَ النَّجْمُ يَسِيرًا، هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَرِوَايَتُهُمَا.
ابْنُ الْعَطَّارِ اسْتَحْسَنَ الِاحْتِيَاطَ فِي الْحَبْسِ بِأَنْ لَا يُكْرَى مِمَّنْ يُجَاوِرُهُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُنْقَصُ مِنْهُ وَلَا مِنْ نَائِي قُدْرَةٍ لِغَيْرِ مَا وَجْهٍ.
(وَإِنْ بَنَى) شَخْصٌ (مُحَبَّسٌ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مُثَقَّلَةً (عَلَيْهِ) فِي الْحَبْسِ (فَإِنْ مَاتَ) الْبَانِي (وَلَمْ يُبَيِّنْ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا.
الْبَانِي كَوْنَ مَا بَنَاهُ مِلْكًا أَوْ وَقْفًا (فَهُوَ) أَيْ الْمَبْنِيُّ (وَقْفٌ) قَلَّ أَوْ كَثُرَ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَلَا شَيْءَ لِوَارِثِهِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ بَيَّنَ أَنَّهُ مِلْكٌ لَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ يُبَيِّنْ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ، وَصَوَّبَهُ أَكْثَرُهُمْ قَالَهُ تت.
" قِ " فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ حَبَّسَ دَارًا عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ فَبَنَى فِيهَا أَحَدُ الْبَنِينَ وَأَدْخَلَ خَشَبَةً أَوْ أَصْلَحَ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَذْكُرْ لِمَا أَدْخَلَ فِي ذَلِكَ ذِكْرًا فَلَا شَيْءَ لِوَرَثَتِهِ فِيهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ قَدْ أَوْصَى أَوْ قَالَ هُوَ لِوَرَثَتِي فَذَلِكَ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ فِيهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
الْمُغِيرَةُ لَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ إلَّا فِيمَا لَهُ بَالَ مِنْ الْمَيَازِبِ وَالسُّتُرِ وَمَا خَطَرَ يُورَثُ عَنْهُ وَيَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ.
عب وَمَفْهُومُ مُحَبَّسٍ أَنَّهُ إنْ بَنَى أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ مُحَبَّسٍ عَلَيْهِ كَانَ مِلْكًا لَهُ كَمَا فِي النَّوَادِر فَلَهُ نَقْضُهُ أَوْ قِيمَتُهُ مَنْقُوضًا
وَعَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ، أَوْ عَلَى قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ؛ أَوْ عَلَى كَوَلَدِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُمْ، فَضَلَ الْمُوَلِّي أَهْلَ الْحَاجَةِ وَالْعِيَالِ فِي غَلَّةٍ وَسُكْنَى.
وَلَمْ يُخْرَجْ سَاكِنٌ لِغَيْرِهِ،
[منح الجليل]
كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ الْمُتَقَدِّمُ إلَّا الْمُحَبَّسَةُ فَالنَّقْضُ وَهَذَا إنْ لَمْ يَحْتَجْ لَهُ الْوَقْفُ وَالْأَوْفَى مِنْ غَلَّتِهِ بِمَنْزِلَةِ بِنَاءِ النَّاظِرِ وَالْغَرْسِ كَالْبِنَاءِ الْبُنَانِيُّ إنْ بَنَى الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ مِلْكٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَبِنَاءِ الْأَجْنَبِيِّ فَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ إلَّا قِيمَتُهُ مَنْقُوضًا أَوْ الْإِنْقَاضُ قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
(وَ) إذَا وَقَفَ عَقَارَ الِاغْتِلَالِ أَوْ السُّكْنَى (عَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِ) كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُرَابِطِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ (أَوْ) عَلَى (قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ أَوْ) وَقَفَ (عَلَى كَوَلَدِهِ) وَوَلَدِ وَلَدِهِ أَوْ إخْوَتِهِ أَوْ بَنِي عَمِّهِ (وَلَمْ يُعَيِّنْهُمْ) أَيْ الْوَاقِفُ أَوْلَادَهُ (فَضَّلَ) فَتْحُ الْفَاءِ وَالضَّادُ الْمُعْجَمَةِ مُثَقَّلَةٌ النَّاظِرُ (الْمُوَلَّى) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْوَاوِ، وَاللَّامُ مُثَقَّلَةٌ عَلَى الْوَقْفِ وَمَفْعُولُ فَضَّلَ (أَهْلَ الْحَاجَةِ) الشَّدِيدَةِ (وَ) أَهْلَ (الْعِيَالِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى خَفِيفِ الْحَاجَةِ وَمَنْ لَا عِيَالَ لَهُ أَوْ قَلِيلِهِ، وَصِلَةُ فَضَّلَ (فِي غَلَّةٍ وَسُكْنَى) عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يُفَضَّلُ إلَّا بِشَرْطٍ مِنْ الْوَاقِفِ.
ابْنُ عَرَفَةَ قَسَّمَ مَا عَلَى غَيْرِ مُنْحَصِرٍ بِالِاجْتِهَادِ اتِّفَاقًا وَرَوَى ابْنُ عَبْدُوسٍ مَنْ حَبَّسَ عَلَى قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ فَهُوَ كَالصَّدَقَةِ يُوصِي أَنْ تُفَرَّقَ عَلَى الْمَسَاكِينِ لِمَنْ وَلِيَهَا أَنْ يُفَضِّلَ ذَا الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْمُؤْنَةِ وَالْعِيَالِ وَالزَّمَانَةِ، وَكَذَا غَلَّةُ الْحَبْسِ.
1 -
ابْنُ رُشْدٍ الْمَشْهُورُ أَنَّ قَسْمَ الْحَبْسِ الْمُعَقَّبِ بَيْنَ آحَادِهِ بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ وَمَا عَلَى مُعَيِّنِينَ هُمْ فِيهِ بِالسَّوَاءِ، وَمَعْلُومٌ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ أَنَّ الْآبَاءَ يُؤْثَرُونَ عَلَى الْأَبْنَاءِ وَلَا يَكُونُ لِلْأَبْنَاءِ مَعَهُمْ فِي السُّكْنَى إلَّا مَا فَضَلَ عَنْهُمْ، وَسَوَاءٌ قَالَ حَبْسٌ عَلَى وَلَدِي، وَلَمْ يَزِدْ فَدَخَلَ مَعَهُمْ الْأَبْنَاءُ بِالْمَعْنَى أَوْ قَالَ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي فَدَخَلُوا مَعَهُمْ بِالنَّصِّ، وَمَفْهُومُ لَمْ يُعَيِّنْ أَنَّهُ إذَا عَيَّنَ كَوَلَدِي: زَيْدٍ وَبَكْرٍ وَهِنْدٍ أَنَّ الْمُوَلَّى يُسَوِّي بَيْنَهُمْ.
(وَ) إنْ فَضَّلَ الْمُوَلَّى عَلَى الْوَقْفِ عَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ كَبَنِي زُهْرَةَ أَوْ قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ بَعْضُهُمْ بِالسُّكْنَى لِشِدَّةِ فَقْرِهِ ثُمَّ اسْتَغْنَى فَ (لَا يُخْرَجْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ شَخْصٌ
إلَّا بِشَرْطٍ أَوْ سَفَرِ انْقِطَاعٍ أَوْ بَعِيدٍ.
[منح الجليل]
سَاكِنٌ) فَقِيرٌ فَضَّلَهُ الْمُتَوَلَّى بِالسُّكْنَى فِي الْحَبْسِ عَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ كَبَنِي زُهْرَةَ أَوْ قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ ثُمَّ اسْتَغْنَى، وَأَمَّا الْحَبْسُ عَلَى الْفُقَرَاءِ إذَا سَكَنَهُ فَقِيرٌ ثُمَّ اسْتَغْنَى فَإِنَّهُ يُخْرِجُ لِفَقِيرٍ آخَرَ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، لِزَوَالِ الْوَصْفِ الَّذِي قَصَدَهُ الْوَاقِفُ بِالتَّحْبِيسِ (لِ) أَجْلِ سُكْنَى فَقِيرٍ (غَيْرِهِ إلَّا لِشَرْطٍ) مِنْ الْمُحَبِّسِ أَنَّ مَنْ اسْتَغْنَى يُخْرِجُ لِغَيْرِهِ فَيُخْرِجُ عَمَلًا بِشَرْطِهِ فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ حَبَّسَ دَارًا عَلَى وَلَدٍ فَسَكَنَهَا بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَجِدْ بَعْضُهُمْ فِيهَا مَسْكَنًا، فَقَالَ الَّذِي لَمْ يَجِدْ أَعْطَوْنِي مِنْ الْكِرَاءِ بِحِسَابِ حَقِّي فَلَا كِرَاءَ لَهُ وَلَا أَرَى أَنْ يُخْرَجَ أَحَدٌ لِأَحَدٍ، وَلَكِنْ مَنْ مَاتَ أَوْ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً يُرِيدُ الْمُقَامَ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ اسْتَحَقَّ الْحَاضِرُ مَكَانَهُ.
وَأَمَّا إنْ أَرَادَ السَّفَرَ إلَى مَوْضِعٍ ثُمَّ يَرْجِعُ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ، قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَلَهُ أَنْ يُكْرِيَ مَنْزِلَهُ إلَى أَنْ يَرْجِعَ وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ حَبَّسَ عَلَى قَوْمٍ مُتَفَاوِتِينَ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ اجْتَهَدَ فِي ذَلِكَ يُسْكِنُ فِيهَا مَنْ يَرَى أَوْ يُكْرِيَهَا، فَيُقْسِمُ كِرَاءَهَا بَيْنَهُمْ، وَمَنْ سَبَقَ فَسَكَنَ فَهُوَ أَوْلَى وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِينَ كَتَحْبِيسِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ أَوْ أَوْلَادِ فُلَانٍ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ مُسَمَّيْنَ فَلَا يَسْتَحِقُّ السُّكْنَى مَنْ سَبَقَ إلَيْهِ وَهُمْ فِيهِ بِالسَّوِيَّةِ حَاضِرُهُمْ وَغَائِبُهُمْ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مُحَمَّدٌ وَغَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ سَوَاءٌ.
(أَوْ) لِ (سَفَرِ انْقِطَاعٍ) بِبَلَدٍ آخَرَ فَيَخْرُجُ، وَمَفْهُومُ انْقِطَاعٍ أَنَّهُ سَافَرَ لِيَعُودَ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ وَلَهُ كِرَاؤُهُ حَتَّى يَعُودَ (أَوْ) لِحُصُولِ سَفَرٍ (بَعِيدٍ) ابْنُ رُشْدٍ إنْ سَافَرَ لِيَعُودَ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا سَافَرَ لِمَحَلٍّ بَعِيدٍ يُشْبِهُ الِانْقِطَاعَ أَوْ يُرِيدُ الْمُقَامَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي سَافَرَ إلَيْهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: فِي التَّوْضِيحِ مَنْ سَكَنَ مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ مَعَ أَبِيهِ فَبَلَغَ، فَإِنْ كَانَ قَوِيًّا يُمْكِنُهُ الِانْفِرَادَ فَلَهُ مَسْكَنُهُ مِنْ الْحَبْسِ، وَإِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ إذَا ضَاقَ عَلَيْهِ مَسْكَنُ أَبِيهِ وَأَمَّا مَنْ ضَعُفَ عَنْ الِانْفِرَادِ فَلَا مَسْكَنَ لَهُ إلَّا أَنْ يَتَزَوَّجَ فَلَهُ حَقُّهُ فِي الْمَسْكَنِ.
وَأَمَّا الْإِنَاثُ فَلَا مَسْكَنَ لَهُنَّ فِي كَفَالَةِ الْأَبِ قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الثَّانِي: طفي جَمَعَ الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ إلَخْ الْمَسَائِلَ الثَّلَاثَ فِي الْحُكْمِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهَا قَوْلَهُ وَلَا يُخْرَجُ سَاكِنٌ إذَا اسْتَغْنَى، وَلَا يَأْتِي تَفْرِيعُهُ عَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ حَبْسًا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَسَكَنَ بَعْضُهُمْ ثُمَّ اسْتَغْنَى أَنَّهُ لَا يُخْرَجُ لِغَيْرِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ اسْتَحَقَّ مَسْكَنًا مِنْ حَبْسٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ لِفَقْرِهِ أُخْرِجَ مِنْهُ إنْ اسْتَغْنَى.
اهـ. وَإِنْ جُعِلَ قَوْلُهُ وَلَا يَخْرُجُ سَاكِنٌ مُسْتَأْنَفًا غَيْرَ مُفَرَّعٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أُطْلِقَ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ، وَصَنِيعُ ابْنِ الْحَاجِبِ أَحْسَنُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَسْأَلَةَ تَفْضِيلِ الْمُتَوَلِّي فِي الْحَبْسِ الْمُعَقَّبِ، وَكَذَلِكَ هِيَ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَابْنِ شَاسٍ وَابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْخِلَافَ فِي الْحَبْسِ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ هَلْ هُوَ كَالْمُعَقَّبِ، أَوْ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ سَوَاءٌ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُخْرِجْ سَاكِنٌ لِغَيْرِهِ وَإِنْ غَنِيًّا، ثُمَّ قَالَ وَمَنْ وَقَفَ عَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ فَقَدْ عُلِمَ حَمْلُهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ.
اهـ. أَيْ الْأَمْرُ فِيهِ ظَاهِرٌ، إذْ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ وَخِلَافُهُمْ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ اعْتِرَاضَ ابْنِ عَرَفَةَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ وَلَا يُخْرَجُ سَاكِنٌ لِغَيْرِهِ بِشُمُولِهِ لِلْفُقَرَاءِ غَيْرُ وَارِدٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَصَّلَ وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَا يُخْرَجُ إلَخْ مُسْتَأْنَفٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبُنَانِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ التَّفْرِيعُ عَلَى الثَّلَاثِ فَمَا فَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ صَوَابٌ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ كَالْمَدْرَسَةِ وَكَالْحَبْسِ عَلَى بَنِي زُهْرَةَ مَثَلًا إذَا فَضَّلَ الْمُتَوَلِّي أَهْلَ الْحَاجَةِ مِنْهُمْ بِالسُّكْنَى فَلَا يُخْرَجُ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ اسْتَغْنَى مِثْلُ الْمُعَقَّبِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ أَنَّهُ يُخْرَجُ لِغَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ إذَا زَالَ الْوَصْفُ الَّذِي قَصَدَهُ الْمُحَبِّسُ كَالْفَقْرِ فِي الْحَبْسِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَكَطَلَبِ الْعِلْمِ فِي التَّحْبِيسِ عَلَى الطَّلَبَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَاب فِي بَيَان الْهِبَة وَأَحْكَامهَا وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا]
(بَابٌ)
بَابٌ) الْهِبَةُ؛ تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ وَلِثَوَابِ الْآخِرَةِ، صَدَقَةٌ
[منح الجليل]
فِي بَيَانِ الْهِبَةِ وَأَحْكَامِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (الْهِبَةُ) أَيْ حَقِيقَتُهَا شَرْعًا (تَمْلِيكٌ) أَيْ لِذَاتِ جِنْسٍ يَشْمَلُ الْهِبَةَ وَالْبَيْعَ وَنَحْوَهُ (بِلَا عِوَضٍ) فَصْلٌ مُخْرِجٌ الْبَيْعَ وَنَحْوَهُ، أَيْ لِوَجْهِ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ فَقَطْ أَوْ لَهُ وَلِثَوَابِ الْآخِرَةِ مَعًا بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ فَصْلٌ مُخْرِجٌ الصَّدَقَةَ (وَ) التَّمْلِيكُ لِذَاتٍ بِلَا عِوَضٍ (لِثَوَابِ) اللَّهِ تَعَالَى فِي الدَّارِ (الْآخِرَةِ صَدَقَةٌ) ابْنُ عَرَفَةَ الْهِبَةُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْعَطِيَّةِ وَهِيَ تَمْلِيكُ مُتَمَوِّلٍ بِغَيْرِ عِوَضِ إنْشَاءٍ فَيَخْرُجُ الْإِنْكَاحُ وَالْحُكْمُ بِاسْتِحْقَاقِ وَارِثِ إرْثِهِ، وَيَدْخُلُ الْعَارِيَّةُ وَالْحَبْسُ وَالْعُمْرَى وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالْعَارِيَّةُ وَالْحَبْسُ تَقَدَّمَا ثُمَّ قَالَ وَالْهِبَةُ لَا لِلثَّوَابِ تَمْلِيكُ ذِي مَنْفَعَةٍ لِوَجْهِ الْمُعْطَى بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالصَّدَقَةُ كَذَلِكَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى بَدَلَ الْمُعْطَى.
وَفِي كَوْنِ الْهِبَةِ مَعَ كَوْنِهَا كَذَلِكَ مَعَ إرَادَةِ الثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى صَدَقَةً أَوْ قَوْلَا الْأَكْثَرِ وَمُطَرِّفٍ حَسْبَمَا يَذْكُرُ فِي الِاعْتِصَارِ فَتَخْرُجُ الْعَارِيَّةُ وَالْبَيْعُ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: طفي قَوْلُهُ وَلِثَوَابِ الْآخِرَةِ صَدَقَةٌ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ الْحُكْمُ عَلَى الْهِبَةِ إذَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهَا صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالتَّقْدِيرُ وَالْهِبَةُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ صَدَقَةٌ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ الْهِبَةُ تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ لِوَجْهِ الْمُعْطَى وَالْهِبَةُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ صَدَقَةٌ وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ لَا مَا أُرِيدَ بِهِ الْآخِرَةُ، وَلَيْسَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَلَوْ أَرَادَهُ لَقَالَ وَالصَّدَقَةُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: نَصَّ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ مَنْدُوبَةٌ، وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَقَدْ قِيلَ لَا ثَوَابَ فِيهَا وَمَنْ لَازَمَ الْمَنْدُوبَ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُهْدِيَ إنْ قَصَدَ الرِّيَاءَ وَالْمَدْحَ فَلَا ثَوَابَ لَهُ، وَإِنْ قَصَدَ التَّوَدُّدَ لِلْمُعْطَى غَافِلًا عَنْ حَدِيثِ «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» فَكَذَلِكَ، وَإِنْ اسْتَحْضَرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُثَابُ قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ، أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ.
الثَّالِثُ: الْهِبَةُ أَحَدُ مَصَادِرِ وَهَبَ يُقَالُ وَهَبَ لَهُ شَيْئًا وَهْبًا وَوَهَبًا بِالتَّحْرِيكِ وَهِبَةً وَالِاسْمُ الْمَوْهِبُ وَالْمَوْهِبَةُ بِالْكَسْرِ فِيهِمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَلَا يُقَالُ وَهَبْته بَلْ وَهَبْت لَهُ، وَحَكَى السِّيرَافِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ انْطَلِقْ مَعِي أَهَبْك نَبْلًا.
الرَّابِعُ: سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ حَدِيثِ «دَاوُوا مَرَضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ» ، فَأَجَابَ بِأَنِّي لَسْت أَذْكُرُهُ فِي نَصٍّ مِنْ الْمُصَنَّفَاتِ الصَّحِيحَةِ وَلَوْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ الْحَثُّ عَلَى عِيَادَةِ الْمَرْضَى؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ فَيَحْصُلُ لَهُ السُّرُورُ وَالدُّعَاءُ لَهُ وَلَا شَكَّ فِي رَجَاءِ الْإِجَابَةِ لَهُ وَالشِّفَاءِ فَيَنْفَعُهُ فِي الدَّوَاءِ.
الْبُرْزُلِيُّ حَمَلَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ عَنْهُ وَطَلَبَ لَهُ الدُّعَاءَ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ يُرْجَى لَهُ الشِّفَاءُ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْإِحْيَاءِ حَدِيثُ: الصَّدَقَةُ تَسُدُّ سَبْعِينَ بَابًا مِنْ السُّوءِ رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الْبِرِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ «إنَّ اللَّهَ لَيَرُدُّ بِالصَّدَقَةِ سَبْعِينَ بَابًا مِنْ مَيْتَةِ السُّوءِ» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسُ فِيهَا مَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ لَهُ سَفِيهًا أَوْ صَغِيرًا فَيُشْتَرَطُ ذَلِكَ مَا دَامَ كَذَلِكَ فَيَجُوزُ، وَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ بَعْدَ رُشْدِهِ فَلَا يَجُوزُ كَانَ الْوَاهِبُ وَالِدًا أَوْ أَجْنَبِيًّا.
أَبُو عِمْرَانَ اُنْظُرْ مَا مَعْنَى سَفِيهًا أَوْ صَغِيرًا وَهُمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا شُرِطَ أَوْ لَا، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ لَا تُبَاعُ فِي نَفَقَةٍ احْتَاجَ لَهَا مِنْ وَلِيِّهِ، وَحَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهَا خَمْسَةَ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ إلَّا إذَا أَبْطَلَ الْوَاهِبُ الشَّرْطَ.
ثَانِيهَا أَنَّ الْوَاهِبَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إبْطَالِ شَرْطِهِ وَاسْتِرْدَادِ هِبَتِهِ.
ثَالِثُهَا بُطْلَانُ الشَّرْطِ وَصِحَّةُ الْهِبَةِ.
رَابِعُهَا لُزُومُ الْهِبَةِ وَإِعْمَالُ الشَّرْطِ فَتَكُونُ بِيَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ كَالْحَبْسِ لَا يَبِيعُ وَلَا يَهَبُ حَتَّى يَمُوتَ فَتُورَثُ عَنْهُ.
خَامِسُهَا تَكُونُ حَبْسًا، فَإِذَا مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ رَجَعَ إلَى الْوَاهِبِ أَوْ
وَصَحَّتْ فِي كُلِّ مَمْلُوكٍ، يُنْقَلُ، مِمَّنْ لَهُ تَبَرُّعٌ بِهَا
وَإِنْ مَجْهُولًا
[منح الجليل]
وَرَثَتِهِ أَوْ أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبَسِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
(وَصَحَّتْ) الْهِبَةُ (فِي كُلِّ) شَيْءٍ (مَمْلُوكٍ) لِلْوَاهِبِ (يُنْقَلُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْقَافِ، أَيْ يَقْبَلُ مِلْكُهُ النَّقْلَ شَرْعًا فَلَا تَصِحُّ فِي مُدَبَّرٍ وَأُمِّ وَلَدٍ وَاسْتِمْتَاعٍ بِزَوْجَةٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ وَتُعُقِّبَ بِجَوَازِ هِبَةِ مَا لَا يَجُوزُ نَقْلُ مِلْكِهِ كَجِلْدِ ضَحِيَّةٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلنَّقْلِ بِغَيْرِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.
ابْنُ شَاسٍ الرُّكْنُ الثَّانِي الْمَوْهُوبُ وَهُوَ كُلُّ مَمْلُوكٍ يَقْبَلُ النَّقْلَ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَالدَّارِ وَالثَّوْبِ وَمَنَافِعِهِمَا لَا مَا لَا يَقْبَلُهُ كَالِاسْتِمْتَاعِ بِالزَّوْجَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، زَادَ ابْنُ هَارُونَ كَالشُّفْعَةِ وَرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُمَا مَالِيَّانِ، وَكَذَا الْحَبْسُ فَلَا تَصِحُّ هِبَتُهُ، وَقَدْ دَخَلَ فِي كُلِّ مَمْلُوكٍ وَتَدْخُلُ الْعَارِيَّةُ وَهُوَ خِلَافُ الْعُرْفِ، وَصِلَةُ صَحَّتْ (مِمَّنْ) أَيْ كُلِّ شَخْصٍ (لَهُ تَبَرُّعٌ بِهَا) أَيْ الذَّاتِ الْمَوْهُوبَةِ فَلَا تَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا سَفِيهٍ وَلَا رَقِيقٍ وَلَا مُفْلِسٍ وَلَا بِمِلْكِ الْغَيْرِ مُطْلَقًا وَلَا زَوْجَةٍ أَوْ مَرِيضٍ بِمَا زَادَ عَلَى ثُلُثِ مَالِهِمَا.
ابْنُ شَاسٍ الْوَاهِبُ مَنْ لَهُ التَّبَرُّعُ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَيْسَ التَّبَرُّعُ بِأَعْرَفَ مِنْ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ يَعْرِفُهَا دُونَهُ وَالْأَوْلَى مَنْ لَا حَجَرَ حِينَئِذٍ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ فَيَخْرُجُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ.
(وَ) تَصِحُّ هِبَةُ الْمَمْلُوكِ إنْ كَانَ مَعْلُومًا، بَلْ وَ (إنْ) كَانَ (مَجْهُولًا) فِيهَا الْفَوْرُ فِي الْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ جَائِزٌ لَا فِي الْبَيْعِ، وَمَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ مُورَثَهُ مِنْ فُلَانٍ وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ هُوَ سُدُسٌ أَوْ رُبُعٌ أَوْ وَهَبَهُ نَصِيبَهُ مِنْ دَارٍ أَوْ جِدَارٍ وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ ذَلِكَ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
اهـ. وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ.
أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَعْرِفُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ هِبَةَ الْمَجْهُولِ جَائِزَةٌ.
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ تَجُوزُ هِبَةُ الْمَجْهُولِ وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ كَثِيرٌ بَعْدَ ذَلِكَ.
ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ وَهَبَ مُورَثَهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ هُوَ جَازَ وَالْغَرَرُ فِي الْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ يَجُوزُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
اللَّخْمِيُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ وَالصَّدَقَةُ بِهِ مَاضِيَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُهَا بَعْدَ مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْعَطِيَّةِ خَوْفَ النَّدَمِ.
قُلْت هِبَةُ مَا جُهِلَ قَدْرُهُ فِي إرْثٍ نَاجِزٍ فِي لُزُومِهَا.
ثَالِثُهَا إنْ عَرَفَ قَدْرَ الْمِيرَاثِ وَلَوْ جَهِلَ نَصِيبَهُ مِنْهُ، وَإِنْ جَهِلَ قَدْرَ الْمِيرَاثِ فَلَا تَلْزَمُهُ، وَلَوْ عَرَفَ نَصِيبَهُ مِنْهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
لَهَا مَعَ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ أَشْهَبَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَائِلًا وَلَوْ ظَهَرَتْ كَثْرَتُهَا، وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَنْ تَصَدَّقَ بِمِيرَاثِهِ ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّهُ خِلَافُ مَا ظَنَّهُ فَلَهُ رَدُّهُ، وَكَذَا فِي الْوَاضِحَةِ وَابْنِ فَتُّوحٍ عَنْ بَعْضِهِمْ مَعَ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ تَفْرِيقٌ غَيْرُ صَحِيحٍ لَا وَجْهَ لَهُ إلَّا أَنْ يَشُكَّ فِيمَا بَيْنَ الْجُزْأَيْنِ كَكَوْنِ الزَّوْجِ لَا يَدْرِي هَلْ إرْثُهُ النِّصْفُ أَوْ الرُّبْعُ، فَيَكُونُ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ جَهْلِ قَدْرِ الْمَالِ وَجْهٌ وَهُوَ أَنَّ مَنْ شَكَّ فِيمَا بَيْنَ الْجُزْأَيْنِ رَضِيَ بِهِبَةِ أَكْثَرِهِمَا فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ وَهَبَ إرْثَهُ مِنْ أَبِيهِ فِي مَرَضِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَالصَّحِيحُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ فِي مَرَضِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَعَلَى الثَّانِي قَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ ظَنَّ الْمَوْرُوثُ دَارًا مُعَيَّنَةً بَانَ أَنَّهَا دَارٌ أُخْرَى أَوْ طَرَأَ مَالٌ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ حَاضِرًا فَلَهُ رَدُّهُ كَدَارٍ وَالطَّارِئُ وَإِنْ ظَنَّ فِي الْحَاضِرِ قَدْرًا بَانَ أَنَّهُ أَكْثَرُ كَانَ شَرِيكًا بِالزَّائِدِ، وَفِي عَارِضَةِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي جَوَازِ هِبَةِ الْمَجْهُولِ رِوَايَتَانِ، وَفِيهَا فِيمَنْ وَهَبَ نَصِيبًا مِنْ دَارٍ لَمْ يُسَمِّهِ قِيلَ لَهُ أَقِرَّ بِمَا تَشَاءُ مِمَّا يَكُونُ نَصِيبًا.
اللَّخْمِيُّ هَذَا عَلَى مُرَاعَاةِ اللَّفْظِ وَعَلَى الْمَقْصِدِ إنْ أَقَرَّ بِمَا يُشْبِهُ هِبَةَ مِثْلِهِ لِمِثْلِ الْمَوْهُوبِ لَهُ قُبِلَ وَإِلَّا لَزِمَهُ مَا يُشْبِهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فِي لُزُومِ حَلِفِهِ نَقَلَا ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ عَنْ أَشْهَبَ وَابْنِ فَتُّوحٍ عَنْ الْمَذْهَبِ، وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ تَصَدَّقَ بِإِرْثِهِ مِنْ أَبِيهِ إنْ مَاتَ وَالْأَبُ بَاقٍ فَلَا يَلْزَمُهُ لِجَهْلِهِ قَدْرَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ عَدَمُ لُزُومِهِ لِجَهْلِهِ قَدْرَهُ لَا لِأَنَّهُ وَهَبَ مَا لَمْ يَمْلِكْ، بَلْ مَا يَمْلِكُ لِتَقْيِيدِهِ بِمَوْتِهِ خِلَافُ سَمَاعِهِ.
أَصْبَغُ إنَّهُ يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ ظَنَنْت قِلَّتَهُ وَلَوْ عَلِمْته هَذَا الْقَدْرَ مَا وَهَبْته، وَأَشْبَهَ قَوْلُهُ فَيَحْلِفُ وَلَا يَلْزَمُهُ.
وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ سَمَاعَ أَصْبَغَ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ وَسَمَاعَ عِيسَى عَلَى أَنَّهُ قَبْلَهُ قَالَ وَهُوَ قَوْلُهَا إنَّ الْوَارِثَ لَا يَمْلِكُ الْإِرْثَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ إنَّمَا يَمْلِكُ فِيهِ الْحَجْرَ عَلَيْهِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، قَالَ وَفِي الْمُوَطَّإِ مَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ مَا وَهَبَهُ فِي مَرَضِ مُورِثِهِ مِنْ إرْثِهِ مِنْهُ وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ هِبَةَ إرْثِهِ فِي مَرَضِ مُورِثِهِ لَازِمَةٌ، وَلَيْسَ فِي الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ وَلَا فِي هَذَا السَّمَاعِ نَصٌّ عَلَى ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ حَمْلِهِ عَلَى أَنَّ هِبَتَهُ كَانَتْ فِي صِحَّةِ مُورِثِهِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، فَفِي لُزُومِ ذَلِكَ فِي
أَوْ كَلْبًا
وَدَيْنًا وَهُوَ إبْرَاءٌ، إنْ وُهِبَ لِمَنْ عَلَيْهِ،
[منح الجليل]
الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ ثَالِثُهَا فِي الْمَرَضِ، وَفِي تَنْبِيهِ ابْنِ بَشِيرٍ حَكَى مُحَمَّدٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ هِبَةِ الْمَجْهُولِ قَوْلَانِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ الْخِلَافِ فِيمَنْ وَهَبَ مَجْهُولًا، وَقَالَ مَا ظَنَنْته هَذَا الْمِقْدَارَ هَلْ لَهُ رَدُّهُ أَمْ لَا.
(فَرْعٌ)
فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِبَيْتٍ مِنْ دَارِهِ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ مَرْفَقًا فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ مَدْخَلٍ وَمَخْرَجٍ وَمَرْفَقٍ بِبَيْتٍ وَمِرْحَاضٍ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ فِي الصَّدَقَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ افْتَحْ بَابًا حَيْثُ شِئْت، وَكَذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(فَرْعٌ)
فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا وَهَبَ لَهُ حَائِطَهُ الْمُثْمِرَ وَزَعَمَ أَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهُ الْأَصْلَ دُونَ الثَّمَرِ فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُؤَبَّرْ فَهِيَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُؤَبَّرَةً فَهِيَ لِلْوَاهِبِ.
وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمَمْلُوكِ إنْ جَازَ بَيْعُهُ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (كَلْبًا) مَأْذُونًا فِيهِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَقَالَ الشَّارِحُ الظَّاهِرُ عَدَمُ جَوَازِ هِبَتِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ تَصِحُّ هِبَةُ الْآبِقِ وَالْكَلْبُ وَاضِحٌ لِتَقَرُّرِ مِلْكِهِ وَلَغْوِ الْغَرَرِ فِي الْهِبَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَوْهُوبُ شَيْئًا مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ
(أَوْ) كَانَ (دَيْنًا) فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ فِيهَا وَلَوْ كَانَ دَيْنُهُ عَلَى غَيْرِك فَوَهَبَهُ لَك، فَإِنْ أَشْهَدَ بِذَلِكَ وَجَمَعَ بَيْنَك وَبَيْنَ غَرِيمِهِ وَدَفَعَ إلَيْك ذِكْرَ الْحَقِّ إنْ كَانَ عِنْدَهُ فَهَذَا قَبْضٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَتَبَ عَلَيْهِ ذِكْرَ حَقٍّ وَأَشْهَدَ لَك وَأَحَالَك عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ قَبْضًا، وَكَذَلِكَ إنْ أَحَالَك عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ وَأَشْهَدَ لَك وَقَبَضْت ذِكْرَ الْحَقِّ كَانَ ذَلِكَ قَبْضًا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ هَكَذَا يُقْبَضُ.
(وَهُوَ) أَيْ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ أَوْ هِبَتُهُ وَذِكْرُهُ مُرَاعَاةً لِخَبَرِهِ (إبْرَاءٌ) أَيْ إسْقَاطٌ لِلدَّيْنِ عَنْ ذِمَّةِ مَدِينِهِ تَفْرِيغٌ لَهَا مِنْ (إنْ وُهِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الدَّيْنُ (لِمَنْ) أَيْ مَدِينٍ أَوْ الْمَدِينِ الَّذِي (هُوَ) أَيْ الدَّيْنُ ثَابِتٌ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَدِينِ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِقَبُولِ الْمَدِينِ وَهَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - "، وَصَدَّرَ فِي اخْتِصَارِ الْمُتَيْطِيَّةِ بِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى مَاتَ بَطَلَتْ الْهِبَةُ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَخِلَافُهُمَا إذَا سَكَتَ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِقَبُولٍ وَلَا رَدٍّ.
ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ
وَإِلَّا فَكَالرَّهْنِ
وَرَهْنًا لَمْ يُقْبَضْ وَأَيْسَرَ رَاهِنُهُ،
[منح الجليل]
وَالْمُتَيْطِيُّ لَوْ لَمْ يَقْبَلْ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي عَقْدِ الْهِبَةِ قُبِلَتْ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَفِي بُطْلَانِهَا قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَلَوْ رَدَّ الْهِبَةَ بَطَلَتْ عَلَى كُلَّ حَالٍ فَفِيهَا مَنْ وَهَبَك دَيْنًا لَهُ عَلَيْك فَقَوْلُك قَبِلْت قَبْضٌ، وَإِذَا قَبِلْت سَقَطَ الدَّيْنُ، وَإِنْ قُلْت لَا أَقْبَلُ بَقِيَ الدَّيْنُ بِحَالِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَهَبْ الدَّيْنَ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِأَنْ وَهَبَهُ لِغَيْرٍ (فَ) هِبَتُهُ لِغَيْرِ مَدِينِهِ (كَالرَّهْنِ) لِلدَّيْنِ فِي تَوَقُّفِ قَبْضِهِ عَلَى إشْهَادِهِ بِذَلِكَ وَجَمْعِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينِ.
وَدُفِعَ ذِكْرُ الدَّيْنِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ كَانَ لَهُ ذِكْرٌ.
عَبْدُ الْحَقِّ دَفْعُ ذِكْرِهِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ قَبْضِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ كَمَالٍ.
وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْبَيَانِ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَرِيمِهِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ وَتَصِحُّ هِبَةُ الدَّيْنِ وَقَبْضُهُ كَقَبْضِهِ فِي الرَّهْنِ.
ابْنُ شَاسٍ تَصِحُّ هِبَةُ الدَّيْنِ كَمَا يَصِحُّ رَهْنُهُ، وَقَبْضُهُ كَقَبْضِهِ فِي الرَّهْنِ مَعَ إعْلَامِ الْمِدْيَانِ بِالْهِبَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ أَشْهَدَ لَهُ وَأَحَالَهُ عَلَى مَدِينِهِ لِحُضُورِهِ وَدَفَعَ لَهُ ذِكْرَ الْحَقِّ كَفَى اتِّفَاقًا، وَإِنْ تَعَذَّرَ كَفَى الْإِشْهَادُ وَالْقَبُولُ، وَفِي لُزُومِ دَفْعِ ذِكْرِ الدَّيْنِ إنْ كَانَ قَوْلَانِ لَهَا وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ وَالْأَوَّلُ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ.
وَنَصَّ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ إنْ لَمْ يَدْفَعْ ذِكْرَ الدَّيْنِ لِلْمَوْهُوبِ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ بَطَلَتْ الْهِبَةُ كَدَارٍ مُغْلَقَةٍ لَمْ يُعْطِهِ مِفْتَاحَهَا.
الْبُنَانِيُّ وَفِي التَّشْبِيهِ بِالرَّهْنِ إحَالَةٌ عَلَى مَجْهُولٍ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ رَهْنِ الدَّيْنِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَهَذِهِ الْإِحَالَةُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ إلَّا أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ ذَكَرَ رَهْنَ الدَّيْنِ فَجَاءَتْ الْإِحَالَةُ فِي كَلَامِهِ حَسَنَةً.
وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمَمْلُوكِ إنْ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا، بَلْ (وَ) إنْ كَانَ (رَهْنًا) فِي حَقٍّ (لَمْ يُقْبَضْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُرْتَهِنُ وَلَا غَيْرُهُ مَنْ رَاهَنَهُ حَتَّى وَهَبَهُ لِغَيْرِ مُرْتَهِنِهِ فَالْمَوْهُوبُ لَهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ مُرْتَهِنِهِ (وَ) قَدْ (أَيْسَرَ رَاهِنُهُ) بِالدَّيْنِ الْمَرْهُونِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَمُرْتَهِنُهُ أَحَقُّ بِهِ.
فِيهَا مَنْ رَهَنَ عَبْدَهُ ثُمَّ وَهَبَهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَيُقْضَى عَلَى الْوَاهِبِ بِافْتِكَاكِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ الْمَوْهُوبُ حَتَّى افْتَكَّهُ الْوَاهِبُ فَلَهُ أَخْذُهُ مَا لَمْ يَمُتْ الْوَاهِبُ فَتَبْطُلُ الْهِبَةُ، وَلَيْسَ قَبْضُ الْمُرْتَهِنِ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ مَاتَ
أَوْ رَضِيَ مُرْتَهِنُهُ، وَإِلَّا قُضِيَ بِفَكِّهِ، إنْ كَانَ مِمَّا يُعَجَّلُ وَإِلَّا بَقِيَ لِبَعْدِ الْأَجَلِ
بِصِيغَةٍ،
[منح الجليل]
الْوَاهِبُ؛ لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ حَقًّا فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ.
أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ الْمَوْهُوبُ قَبْلَ أَنْ يَحُوزَهُ الْمُرْتَهِنُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ إنْ كَانَ الْوَاهِبُ مَلِيًّا وَإِلَّا فَالْمُرْتَهِنُ لَهُ أَحَقُّ بِهِ إلَّا فِي هِبَةِ الثَّوَابِ فَتَنْفُذُ الْهِبَةُ بِكُلِّ حَالٍ، وَيُعَجَّلُ لِلْمُرْتَهِنِ حَقُّهُ مِنْ الثَّوَابِ كَالْبَيْعِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ فَقَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ قَبْلَ حَوْزِ الْمُرْتَهِنِ وَالْوَاهِبُ مَلِيءٌ، ثُمَّ أَعْدَمَ فَلْيُتْبَعْ بِالدَّيْنِ وَتَمْضِي الْهِبَةُ، وَإِنْ وَهَبَهُ ثُمَّ قَامَا قَبْلَ أَنْ يَحُوزَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا جَازَتْ الْهِبَةُ، وَكَانَ الْمَوْهُوبُ أَحَقَّ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَحُكِمَ لِلْمُرْتَهِنِ بِتَعْجِيلِ حَقِّهِ، فَإِنْ أَعَسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ اتَّبَعَهُ بِحَقِّهِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَهَبَ ثُمَّ وَهَبَ وَحَازَهُ الثَّانِي فَهُوَ أَحَقُّ مِنْ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْأَصْلِ الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الرَّهْنُ شَرْطًا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ.
(أَوْ) لَمْ يُوسِرْ رَاهِنُهُ وَ (رَضِيَ مُرْتَهِنُهُ) أَيْ الرَّهْنَ الَّذِي وَهَبَهُ رَاهِنُهُ لِغَيْرِ مُرْتَهِنِهِ بِدَفْعِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بَعْدَ قَبْضِهِ وَأَوْلَى قَبْلَهُ (وَإِلَّا) نَفْيٌ لِقَوْلِهِ لَمْ يُقْبَضْ، فَالْمَعْنَى وَإِنْ كَانَتْ هِبَةُ الرَّهْنِ بَعْدَ قَبْضِهِ مُرْتَهَنَهُ وَرَاهِنُهُ مُوسِرٌ وَلَمْ يَرْضَ مُرْتَهِنُهُ بِدَفْعِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (قُضِيَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (عَلَيْهِ) أَيْ الرَّاهِنِ (بِفَكِّهِ) أَيْ الرَّهْنِ مِنْ الْحَقِّ الْمَرْهُونِ فِيهِ وَدَفَعَهُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (إنْ كَانَ الدَّيْنُ) الْمَرْهُونُ فِيهِ (مِمَّا) أَيْ الدَّيْنِ الَّذِي (يُعَجَّلْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْجِيمِ مُثَقَّلَةً، أَيْ يُقْضَى عَلَى مُسْتَحِقِّهِ بِقَبُولِهِ قَبْلَ حُلُولِ أَجْلِهِ إنْ عَجَّلَهُ الْمَدِينُ بِأَنْ كَانَ عَيْنًا مُطْلَقًا أَوْ عَرْضًا مِنْ خُصُوصِ قَرْضٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ مِمَّا يُعَجَّلُ بِأَنْ كَانَ عَرَضًا مِنْ بَيْعٍ (بَقِيَ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُخَفَّفًا أَوْ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا الرَّهْنُ الْمَوْهُوبُ بَعْدَ قَبْضِهِ مُرْتَهَنَهُ رَهْنًا بِيَدِ مُرْتَهِنِهِ أَوْ الْأَمِينِ (لِ) مَا (بَعْدِ) تَمَامِ (الْأَجَلِ) لِلدَّيْنِ فَيَقْضِي الرَّاهِنُ الْمُوسِرُ الدَّيْنَ الْمَرْهُونَ فِيهِ، وَيَدْفَعُ الرَّهْنَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ الْوَاهِبِ أَخْذُ الرَّهْنِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ وَدَفْعُهُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ قَبْلَ تَمَامِ الْأَجَلِ وَالْإِتْيَانِ بِرَهْنٍ آخَرَ ثِقَةٍ عِوَضًا عَنْهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِعَيْنِهِ، وَصِلَةُ صَحَّتْ فِي كُلِّ مَمْلُوكٍ
(بِصِيغَةٍ) مِنْ مَادَّةِ الْهِبَةِ كَوَهَبْت وَأَنَا وَاهِبٌ، وَهَذَا مَوْهُوبٌ أَوْ هِبَةٌ وَأَنْتَ مَوْهُوبٌ لَك كَذَا (أَوْ)
أَوْ مُفْهِمِهَا، وَإِنْ بِفِعْلٍ: كَتَحْلِيَةِ وَلَدِهِ
[منح الجليل]
بِلَفْظٍ (مُفْهِمِهَا) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرَتَيْنِ أَيْ الْهِبَةَ مِنْ غَيْرِ مَادَّتِهَا كَأَعْطَيْتُ وَمَنَحْت وَبَذَلْت وَنَحَلْت.
إنْ كَانَ مُفْهِمُهَا قَوْلًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ مُفْهِمُهَا مُصَوَّرًا (بِفِعْلٍ) إذْ الْمَقْصُودُ الرِّضَا، فَأَيُّ شَيْءٍ دَلَّ عَلَيْهِ اُعْتُبِرَ.
ابْنُ شَاسٍ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ السَّبَبُ النَّاقِلُ لِلْمِلْكِ وَهُوَ صِيغَةُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّمْلِيكِ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَيَتَّصِلُ بِالصِّيغَةِ حُكْمُ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى.
ابْنُ عَرَفَةَ الصِّيغَةُ مَا دَلَّ عَلَى التَّمْلِيكِ وَلَوْ فِعْلًا كَالْمُعَاطَاةِ.
فِي الذَّخِيرَةِ ظَاهِرُ مَذْهَبِنَا الْجَوَازُ وَإِنْ تَأَخَّرَ الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ إرْسَالِهَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مَعَ رَسُولٍ، وَقَدْ وَقَعَ لِأَصْحَابِنَا أَنَّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ التَّرَوِّي فِي الْقَبُولِ.
اهـ. وَنُصُوصُ الْمَذْهَبِ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ وَالْمُتَيْطِيِّ إذَا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ عَاتٍ عَنْ الْمُشَاوِرِ مَنْ سَكَتَ عَنْ قَبُولِ صَدَقَتِهِ زَمَانًا فَلَهُ قَبُولُهَا بَعْدَهُ، فَإِنْ طَلَبَ غَلَّتَهَا حَلَفَ مَا سَكَتَ تَارِكًا لَهَا وَأَخَذَهَا اهـ.
وَمَثَّلَ لِلْفِعْلِ فَقَالَ (كَتَحْلِيَةِ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ جَعْلِ حِلْيَةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ كَخَلْخَالٍ وَأَسْوِرَةٍ وَقُرْطٍ لِ (وَلَدِهِ) فَيَخْتَصُّ الْوَلَدُ بِهَا عَنْ سَائِرِ وَرَثَةِ أَبِيهِ إنْ مَاتَ، سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ حَلَّى ابْنَهُ الصَّغِيرَ حُلِيًّا فَهُوَ لَهُ لَا مِيرَاثَ.
ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ مَا وُهِبَ لَهُ وَمَا حَلَّاهُ بِهِ مِنْ الْحُلِيِّ فَقَدْ وَهَبَهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَسَاهُ مِنْ ثَوْبٍ، إذْ هُوَ مِمَّا يُلْبَسُ كَمَا يُلْبَسُ الثَّوْبُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْهِبَةِ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ الْأَبُ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْإِمْتَاعِ اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اخْتِصَاصُ الْوَلَدِ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ وَشَرْحِ ابْنِ رُشْدٍ لَهَا، وَكَأَنَّ " غ " لَمْ يَسْتَحْضِرْ مَا فِي الرِّوَايَةِ، فَقَالَ أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ أَبِي عُمَرَ فِي الْكَافِي وَإِذَا حَلَّى الرَّجُلُ أَوْ الْمَرْأَةُ وَلَدَهُمَا الصَّغِيرَ حُلِيًّا وَأَشْهَدَا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ أَوْ الْأُمُّ فَالْحُلِيُّ الَّذِي عَلَى الصَّبِيِّ لَهُ دُونَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ.
اهـ. وَفِي إلْحَاقِهِ الْأُمَّ بِالْأَبِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحُوزُ لِابْنِهَا الصَّغِيرِ مَا وَهَبَتْهُ لَهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةً عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيَأْتِي عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ
لَا بِابْنِ مَعَ قَوْلِهِ دَارُهُ
وَحِيزَ، وَإِنْ بِلَا إذْنٍ، وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ
وَبَطَلَتْ إنْ تَأَخَّرَ لِدَيْنٍ مُحِيطٍ،
[منح الجليل]
أَنَّهَا تَحُوزُ لَهُ مُطْلَقًا، أَوْ مُرَادُهُ إذَا كَانَ الْأَبُ حَيًّا.
(لَا) تَنْعَقِدُ الْهِبَةُ فِي الْأَرْضِ بِقَوْلِ الْأَبِ لِابْنِهِ (ابْنِ) فِعْلُ أَمْرٍ مِنْ الْبِنَاءِ فِيهَا دَارًا وَبَنَاهَا فِيهَا (مَعَ قَوْلِهِ) أَيْ الْأَبِ الَّذِي أَمَرَ ابْنَهُ بِالْبِنَاءِ هَذِهِ (دَارُهُ) أَيْ الِابْنِ الَّذِي بَنَاهَا، فَإِذَا مَاتَ الْأَبُ فَلَا يَخْتَصُّ الِابْنُ بِالْأَرْضِ وَيُشَارِكُهُ فِيهَا الْوَرَثَةُ، وَلِلِابْنِ قِيمَةُ بِنَائِهِ مَنْقُوضًا قَالَهُ ابْنُ مُزَيْنٍ وَنَصُّهُ مَنْ قَالَ لِابْنِهِ اعْمَلْ فِي هَذَا الْمَكَانِ كَرْمًا أَوْ جِنَانًا أَوْ ابْنِ فِيهِ دَارًا فَفَعَلَ الْوَلَدُ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، وَصَارَ الْأَبُ يَقُولُ كَرْمُ ابْنِي وَجِنَانُ ابْنِي، فَإِنَّ الْقَاعَةَ لَا يَسْتَحِقُّهَا الِابْنُ بِذَلِكَ وَتُورَثُ عَنْ الْأَبِ، وَلَيْسَ لِلِابْنِ إلَّا قِيمَةُ عَمَلِهِ مَنْقُوضًا، وَكَذَا قَوْلُ الرَّجُلِ فِي شَيْءٍ بِعُرْفٍ لَهُ هَذَا كَرْمُ وَلَدِي أَوْ دَابَّةُ وَلَدِي فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْوَلَدُ مِنْهُ شَيْئًا صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا إلَّا بِإِشْهَادٍ بِصَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ بَيْعٍ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا، وَقَدْ يَكُونُ مِثْلُ هَذَا كَثِيرًا فِي النَّاسِ فِي الْوَلَدِ وَالزَّوْجِ وَلَا يُرِيدُونَ بِهِ التَّمْلِيكَ.
(وَحِيزَ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَزَايٌ، أَيْ أَخَذَ الْمَوْهُوبُ مِنْ وَاهِبِهِ بِإِذْنِهِ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ حَوْزُهُ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ وَاهِبِهِ لِخُرُوجِ الْمَوْهُوبِ مِنْ مِلْكِهِ وَصَيْرُورَتِهِ مِلْكًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَمَالًا مِنْ أَمْوَالِهِ إذَا قَبِلَهُ (وَ) إنْ امْتَنَعَ الْوَاهِبُ مِنْ دَفْعِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (أُجْبِرَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْوَاهِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ تَسْلِيمِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ لِذَلِكَ.
فِيهَا مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِغَيْرِ ثَوَابٍ فَقَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْوَاهِبِ جَازَ قَبْضُهُ، إذْ يُقْضَى بِذَلِكَ عَلَى الْوَاهِبِ إنْ مَنَعَهُ إيَّاهَا.
(وَبَطَلَتْ) الْهِبَةُ (إنْ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (تَأَخَّرَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا حَوْزُهَا (لِ) حُصُولِ (دَيْنٍ مُحِيطٍ) بِمَالِ الْوَاهِبِ.
الْحَطّ يَعْنِي أَنَّ الْهِبَةَ تَبْطُلُ إذَا تَأَخَّرَ الْحَوْزُ حَتَّى أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالٍ الْوَاهِبِ، ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ حَادِثًا بَعْدَ الْهِبَةِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كُلُّ صَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ نِحْلَةٍ أَوْ عُمْرَى أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ لِغَيْرِ ثَوَابٍ فِي الصِّحَّةِ يَمُوتُ مُعْطِيهَا أَوْ يُفْلِسُ أَوْ يَمْرَضُ قَبْلَ حَوْزِ ذَلِكَ فَهِيَ بَاطِلَةٌ
أَوْ وَهَبَ لِثَانٍ وَجَازَ أَوْ أَعْتَقَ الْوَاهِبُ أَوْ اسْتَوْلَدَ وَلَا قِيمَةَ أَوْ اسْتَصْحَبَ هَدِيَّةً، أَوْ أَرْسَلَهَا ثُمَّ مَاتَ،
[منح الجليل]
إلَّا أَنْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ فَتُحَازُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُقْضَى لِلْمُعْطَى بِقَبْضِهَا إنْ مَنَعَهُ مُعْطِيهَا.
ابْنُ يُونُسَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ إذَا أَدَانَ الْمُعْطِي مَا أَحَاطَ بِمَالِهِ وَبِالصَّدَقَةِ فَالدَّيْنُ أَوْلَى وَالْعَطِيَّةُ بَاطِلَةٌ وَالصَّدَقَةُ بِيَوْمِ قَبْضِهَا لَا بِيَوْمِ يَتَصَدَّقُ بِهَا خِلَافًا لِأَصْبَغَ.
(أَوْ) إنْ تَأَخَّرَ حَوْزُهَا حَتَّى (وَهَبَ) الْوَاهِبُ الشَّيْءَ الَّذِي وَهَبَهُ (لِ) شَخْصٍ (ثَانٍ) غَيْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْأَوَّلِ (وَحَازَ) الْهِبَةَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الثَّانِي فَقَدْ بَطَلَتْ هِبَتُهَا لِلْأَوَّلِ عِنْدَ أَشْهَبَ وَمُحَمَّدٍ وَأَحَدِ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَظَاهِرُهُ عَلِمَ الْأَوَّلُ بِالْهِبَةِ لَهُ وَفَرَّطَ فِي حَوْزِهَا أَوْ لَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ الْحَوْزُ أَمْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ.
(أَوْ أَعْتَقَ) الْوَاهِبُ الرَّقِيقَ الْمَوْهُوبَ قَبْلَ حَوْزِهِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، سَوَاءٌ عَلِمَ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَمْ لَا كَانَ الْعِتْقُ نَاجِزًا أَوْ لِأَجَلٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ تَدْبِيرٍ (أَوْ اسْتَوْلَدَ) الْوَاهِبُ الْأَمَةَ قَبْلَ حَوْزِهَا الْمَوْهُوبَ لَهُ.
فِيهَا وَمَنْ وَهَبَ عَبْدًا أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى رَجُلٍ أَوْ أَخَدَمَهُ إيَّاهُ حَيَاتَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْمُعْطِي قَبْلَ حَوْزِ الْمُعْطَى جَازَ الْعِتْقُ وَبَطَلَ مَا سِوَاهُ عَلِمَ الْمُعْطَى بِالْهِبَةِ أَوْ بِالصَّدَقَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أَمَتُهُ فَأَحْبَلَهَا قَبْلَ الْحِيَازَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ قِيلَ لَهُ فَهَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَةُ الْأَمَةِ، قَالَ لَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ، وَفِي رِوَايَةِ أَصْبَغَ بِمَنْزِلَةِ الْعِتْقِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ لَمْ يُعْتِقْهُ وَوَهَبَهُ لِآخَرَ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهِ وَإِنْ حَازَهُ الْآخَرُ مَا لَمْ يَمُتْ الْوَاهِبُ.
أَشْهَبُ بَلْ الثَّانِي أَحَقُّ بِهِ إذَا حَازَهُ وَلَوْ لَمْ يَمُتْ الْوَاهِبُ وَبِهِ أَخَذَ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ وَهَبَهُ لِآخَرَ وَالْأَوَّلُ عَالِمٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ إذَا حَازَهُ الْآخَرُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَهُوَ أَوْلَى مَا لَمْ يَمُتْ الْوَاهِبُ.
(وَلَا قِيمَةَ) الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى الْوَاهِبِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ.
وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الْعِتْقِ وَالِاسْتِيلَادِ (أَوْ اسْتَصْحَبَ) الْوَاهِبُ (هَدِيَّةً) لِشَخْصٍ فِي بَلَدٍ آخَرَ كَمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فَمَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ دَفْعِهَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فَتَبْطُلُ الْهَدِيَّةُ وَتَرْجِعُ لِوَرَثَتِهِ لِمَوْتِهِ قَبْلَ حَوْزِهَا عَنْهُ (أَوْ أَرْسَلَهَا) أَيْ الْمُهْدِي الْهَدِيَّةَ مَعَ رَسُولٍ لِلْمُهْدَى لَهُ (فَمَاتَ) الْمُهْدِي قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهَا الرَّسُولُ
أَوْ الْمُعَيَّنَةُ لَهُ، إنْ لَمْ يُشْهِدْ
[منح الجليل]
لِلْمُهْدَى لَهُ فَتَبْطُلُ لِذَلِكَ (أَوْ) مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ (الْمُعَيَّنَةُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالتَّحْتِيَّةِ مُثَقَّلَةً الْهَدِيَّةُ (لَهُ) قَبْلَ أَنْ يَحُوزَهَا فَتَبْطُلُ، سَوَاءٌ اسْتَصْحَبَهَا الْمُهْدِي أَوْ أَرْسَلَهَا لَهُ مَعَ رَسُولٍ (إنْ لَمْ يُشْهِدْ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ الْمُهْدِي عَلَى أَنَّهُ أَهْدَى مَا اسْتَصْحَبَهُ أَوْ أَرْسَلَهَا إلَى الْمُهْدَى إلَيْهِ الْمُعَيَّنِ، وَتَرْجِعُ لِلْمُهْدِي إنْ كَانَ حَيًّا وَلِوَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا لِعَدَمِ الْحَوْزِ قَبْلَ الْمَوْتِ إنْ مَاتَ الْمُهْدِي وَعَدَمُ الْقَبُولِ قَبْلَهُ إنْ مَاتَ الْمُهْدَى لَهُ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُهْدِي وَلَا بِمَوْتِ الْمُهْدَى لَهُ، وَتُدْفَعُ لِلْمُهْدَى لَهُ أَوْ لِوَرَثَتِهِ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ بَعَثَ بِهَدِيَّةٍ أَوْ صِلَةٍ لِرَجُلٍ غَائِبٍ ثُمَّ مَاتَ الْمُعْطِي أَوْ الْمُعْطَى لَهُ قَبْلَ وُصُولِهَا، فَإِنْ كَانَ الْمُعْطِي أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ حِينَ بَعَثَ بِهَا فَهِيَ لِلْمُعْطَى لَهُ أَوْ لِوَرَثَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا حِينَ بَعَثَهَا فَأَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ فَهِيَ تَرْجِعُ إلَى الْبَاعِثِ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا أَوَّلًا رَجَعَ ذَلِكَ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ.
ابْنُ يُونُسَ وَهَذَا أَبْيَنُ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُتَصَدِّقِ لَا بِمَوْتِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابٍ آخَرَ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِرَجُلٍ فَمَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ هِبَتَهُ فَوَرَثَتُهُ مَكَانَهُ يَقْبِضُونَ هِبَتَهُ وَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ مَنْعُ ذَلِكَ.
مُحَمَّدٌ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَلَوْ أَشْهَدَ الْبَاعِثُ أَنَّهَا هَدِيَّةً لِفُلَانٍ ثُمَّ طَلَبَ اسْتِرْجَاعَهَا مِنْ الرَّسُولِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ بِهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَقَدْ يُقَالُ مَعْنَى مَا فِي الْكِتَابِ هُنَا أَنَّ الْبَاعِثَ قَالَ إنَّمَا تَصَدَّقْت بِهَا صِلَةً لِلْمَبْعُوثِ إلَيْهِ بِعِيَالِهِ إنْ وُجِدَ حَيًّا فَيَصْدُقُ، إذْ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ مَعْرُوفِهِ، إذْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَى أَصْلِهِ، فَيَلْزَمُهُ بِظَاهِرِ فِعْلِهِ وَقَوْلِهِ قَالَهُ عِيَاضٌ فِي تَنْبِيهَاتِهِ.
(تَنْبِيهٌ)
الْبُنَانِيُّ الصَّوَابُ أَوْ مَاتَ هُوَ أَوْ الْمُعَيَّنَةُ هِيَ لَهُ بِالْإِبْرَازِ فِيهِمَا لِعَطْفِ الظَّاهِرِ عَلَى الضَّمِيرِ فِي الْأَوَّلِ وَلِأَنَّ صِلَةَ أَلْ فِي الثَّانِي رَفَعَتْ ضَمِيرَهَا وَفِي الْأَلْفِيَّةِ:
وَإِنْ يَكُنْ مَا رَفَعْت صِلَةَ أَلْ ... ضَمِيرُ غَيْرِهَا أَبْيَنُ وَانْفَصَلَ
كَأَنْ دَفَعْت لِمَنْ يَتَصَدَّقُ عَنْك بِمَالٍ وَلَمْ تُشْهِدْ
لَا إنْ بَاعَ وَاهِبٌ قَبْلَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ،
[منح الجليل]
وَشَبَّهَ فِي الْبُطْلَانِ بِمَوْتِ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُعْطَى لَهُ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَقْرُونٌ بِكَافِ التَّشْبِيهِ صِلَتُهُ (دَفَعْت) بِفَتْحِ التَّاءِ (لِمَنْ) أَيْ شَخْصٍ مَالًا (يَتَصَدَّقُ) الْمَدْفُوعُ لَهُ (عَنْك بِ) ذَلِكَ الـ (مَالِ) عَلَى الْفُقَرَاءِ مَثَلًا وَأَنْتَ صَحِيحٌ (وَلَمْ تُشْهِدْ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ مِتَّ أَيُّهَا الدَّافِعُ قَبْلَ قَبْضِ الْفُقَرَاءِ الْمَالَ بَطَلَتْ الصَّدَقَةُ وَرَجَعَتْ لِوَرَثَتِك، وَإِنْ مِتَّ بَعْدَ قَبْضِهِمْ جَمِيعهَا مَضَتْ وَتَمَّتْ، وَإِنْ مِتَّ بَعْدَ قَبْضِهِمْ بَعْضَهَا وَقَبْلَ قَبْضِ بَاقِيهَا فَمَا قَبَضُوهُ مَضَى وَمَا بَقِيَ بَطَلَتْ الصَّدَقَةُ بِهِ، وَرَجَعَ لِوَرَثَتِك، وَمَفْهُومُ وَلَمْ تُشْهِدْ أَنَّك إنْ أَشْهَدْت عَلَى ذَلِكَ فَلَا تَبْطُلُ الصَّدَقَةُ بِمَوْتِك قَبْلَ قَبْضِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِيمَنْ دَفَعَ فِي صِحَّتِهِ مَالًا لِشَخْصٍ يُفَرِّقُهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتَ الْمُعْطِي قَبْلَ إنْفَاذِهِ فَإِنْ كَانَ أَشْهَدَ حِينَ دَفَعَهُ لِمَنْ يُفَرِّقُهُ نَفَّذَ مَا فَاتَ مِنْهُ وَمَا بَقِيَ وَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ حِينَ دَفْعِهِ نَفَّذَ مَا فَاتَ وَرَدَّ مَا بَقِيَ إلَى وَرَثَةِ الْمُعْطِي، وَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِمَالٍ وَجَعَلَهُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ فَلَمْ يَقْبِضْ الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ حَتَّى مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ صَحَّتْ الصَّدَقَةُ إلَّا إنْ كَانَ الْمُتَصَدِّقُ قَالَ لِلرَّجُلِ لَا تَدْفَعُهَا لَهُ إلَّا بِإِذْنِي، وَأَمَّا الْمَرِيضُ فَكُلُّ مَا فَعَلَهُ فَهُوَ فِي ثُلُثِهِ أَشْهَدَ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَكُلُّ صَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ عَطِيَّةٍ بَتَلَهَا مَرِيضٌ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ فَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ حَتَّى مَاتَ فَذَلِكَ نَافِذٌ مِنْ ثُلُثِهِ كَوَصَايَاهُ.
(أَوْ بَاعَ) شَخْصٌ (وَاهِبٌ) مَوْهُوبَهُ (قَبْلَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ) لَهُ بِهِبَتِهِ لَهُ فَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ رَدُّ بَيْعِهِ فِي حَيَاةِ الْوَاهِبِ وَأَخْذُ الْمَوْهُوبِ بِعَيْنِهِ وَلَهُ إمْضَاؤُهُ وَأَخْذُ ثَمَنِهِ.
الشَّارِحُ فِي إطْلَاقِ الْبُطْلَانِ عَلَى رَدِّ الْبَيْعِ تَسَامُحٌ، إذْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ بُطْلَانُ الْهِبَةِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ.
" غ " فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا إنْ بَاعَ وَاهِبٌ قَبْلَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِأَدَاةِ النَّفْيِ وَالشَّرْطِ، وَبِهِ يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ عَطْفٌ أَوْ جِنٌّ وَمَا بَعْدَهُ عَلَى الْمُثْبِتَاتِ وَالْعَاقِلُ يَفْهَمُ.
وَإِلَّا فَالثَّمَنُ لِلْمُعْطِي " رُوِيَتْ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا "
[منح الجليل]
وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ بَاعَ الْوَاهِبُ الْمَوْهُوبَ بَعْدَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِهِبَتِهِ لَهُ (فَ) بَيْعُهُ مَاضٍ لَا يُرَدُّ وَ (الثَّمَنُ لِلْمُعْطِي رُوِيَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمُدَوَّنَةُ (بِفَتْحِ الطَّاءِ) اسْمُ مَفْعُولٍ أَيْ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ (وَ) رُوِيَتْ بِ (كَسْرِهَا) أَيْ الطَّاءِ اسْمُ فَاعِلٍ أَيْ الْوَاهِبِ.
الْحَطّ صَوَابُهُ كَمَا قَالَ " غ " لَا إنْ بَاعَ وَاهِبٌ حَتَّى يُوَافِقَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحُكْمُ الصَّدَقَةِ كَالْهِبَةِ، فَإِنْ بَاعَ الْمُتَصَدِّقُ مَا تَصَدَّقَ بِهِ قَبْلَ عِلْمِ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ الصَّدَقَةُ وَتَخَيَّرَ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ فِي نَقْضِ الْبَيْعِ وَإِجَازَتُهُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فُضُولِيٌّ كَمَا أَنَّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إذَا بَاعَ الْوَاهِبَ مَا وَهَبَهُ لَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ لَمْ تَبْطُلْ الْهِبَةُ، وَتَخَيَّرَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي رَدِّهِ وَإِجَازَتِهِ وَأَمَّا إنْ بَاعَ الْوَاهِبُ أَوْ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ بَعْدَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ فَالْبَيْعُ مَاضٍ وَالثَّمَنُ لِلْمُعْطِي، رُوِيَتْ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا، وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الصَّدَقَةِ، وَفَرَضَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْهِبَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
(تَنْبِيهٌ)
إذَا عَلِمَ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَلَمْ يَفْرُطْ حَتَّى عَاجَلَهُ الْوَاهِبُ بِالْبَيْعِ فَلَهُ رَدُّهُ، نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ " ق " فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِدَارٍ فَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُعْطَى لَهُ حَتَّى بِيعَتْ تَمَّ بَيْعُهَا وَكَانَ الثَّمَنُ لِلْمُعْطَى، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ عَلِمَ وَلَمْ يَفْرُطْ حَتَّى عَافَصَهُ بِالْبَيْعِ فَلَهُ نَقْضُ الْبَيْعِ فِي حَيَاةِ الْوَاهِبِ وَأَخْذُهَا، فَإِنْ مَاتَ الْمُعْطِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُعْطَى فَلَا شَيْءَ لَهُ بِيعَتْ أَوْ لَمْ تُبَعْ نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ.
ابْنُ شَاسٍ فِي الْكِتَابِ إذَا عَلِمَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَلَمْ يَقْبِضْ حَتَّى بَاعَهَا الْوَاهِبُ نَفَّذَ الْبَيْعَ وَالثَّمَنُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَفِي الرُّهُونِ اُخْتُلِفَ فِي بَيْعِ الْهِبَةِ قَبْلَ حَوْزِهَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمَوْهُوبُ لَهُ نُقِضَ الْبَيْعُ وَإِنْ عَلِمَ مَضَى الْبَيْعُ وَعَوَّضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الثَّمَنَ، وَقَالَ أَشْهَبُ بَطَلَتْ الْهِبَةُ كَبُطْلَانِ الرَّهْنِ إذَا بِيعَ قَبْلَ حَوْزِهِ وَالثَّمَنُ لِلْوَاهِبِ، فِي ضَيْح مُقْتَضَى الْقِيَاسِ خِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ، إذْ الْهِبَةُ تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ فَالْقِيَاسُ تَخْيِيرُ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي إجَازَةِ الْبَيْعِ وَرَدِّهِ إلَّا أَنَّهُمْ رَاعَوْا الْقَوْلَ بِأَنَّهَا لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
أَوْ جُنَّ، أَوْ مَرِضَ، وَاتَّصَلَا بِمَوْتِهِ
أَوْ وَهَبَ لِمُودَعٍ، وَلَمْ يَقْبَلْ لِمَوْتِهِ؛
[منح الجليل]
أَوْ جُنَّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَشَدِّ النُّونِ، أَيْ وَبَطَلَتْ الْهِبَةُ إنْ جُنَّ الْوَاهِبُ قَبْلَ حَوْزِهَا الْمَوْهُوبَ لَهُ (أَوْ مَرِضَ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ الْوَاهِبُ قَبْلَ حَوْزِهَا الْمَوْهُوبَ لَهُ (وَاتَّصَلَا) أَيْ جُنُونُ الْوَاهِبِ وَمَرَضُهُ (بِمَوْتِهِ) أَيْ الْوَاهِبِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ صِحَّةً بَيِّنَةً أَوْ أَفَاقَ مِنْ جُنُونِهِ إفَاقَةً بَيِّنَةً فَلَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ فَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ قَبْضُهَا مِنْهُ بَعْدَ صِحَّتِهِ أَوْ إفَاقَتِهِ وَإِنْ جُنَّ الْوَاهِبُ أَوْ مَرِضَ قَبْلَهُ وَقَفْت حَتَّى يَبْرَأَ فَلَا تَبْطُلُ أَوْ يَمُوتُ فَتَبْطُلُ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " كُلُّ صَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ نِحْلَةٍ أَوْ عُمْرَى أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ لِغَيْرِ ثَوَابٍ فِي الصِّحَّةِ يَمُوتُ الْمُعْطَى أَوْ يُفْلِسُ أَوْ يَمْرَضُ قَبْلَ حَوْزِ ذَلِكَ فَهِيَ بَاطِلَةٌ إلَى أَنْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ فَتُحَازُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُقْضَى لِلْمُعْطَى بِالْقَبْضِ إنْ مُنِعَهُ اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ شَرْطُ الْحَوْزِ كَوْنُهُ فِي صِحَّةِ الْمُعْطِي وَعَقْلِهِ.
ابْنُ شَاسٍ وَتَبْطُلُ بِجُنُونِ الْوَاهِبِ أَوْ مَرَضِهِ إنْ اتَّصَلَا بِمَوْتِهِ، وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ تَصَدَّقَتْ بِعَبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي صِحَّتِهَا فَذَهَبَ عَقْلُهَا قَبْلَ حَوْزِهِ فَحَوْزُهُ بَاطِلٌ كَمَوْتِهَا.
ابْنُ رُشْدٍ هُوَ كَالْمَرَضِ وَرُجُوعُ عَقْلِهَا كَصِحَّتِهَا.
(أَوْ وَهَبَ) الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ الْوَدِيعَةَ (لِ) شَخْصٍ (مُودَعٍ) بِالْفَتْحِ (وَلَمْ يَقْبَلْ) الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْهِبَةَ بِأَنْ لَمْ يَقُلْ قَبِلْت (لِمَوْتِهِ) أَيْ الْوَاهِبِ بَطَلَتْ الْهِبَةُ، فَإِنْ قَبِلَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ تَمَّتْ لِصِحَّةِ حَوْزِهِ بَعْدَ قَبُولِهَا.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " إذَا وَهَبَك وَدِيعَةً لَهُ فِي يَدِك فَلَمْ تَقُلْ قَبِلْت حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ.
الْبُنَانِيُّ تَحْصِيلُ الْقَوْلِ أَنَّ مَنْ وَهَبَ شَيْئًا لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ أَوْ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَلِمَ وَقَبِلَ فِي حَيَاةِ وَاهِبِهِ صَحَّتْ هِبَتُهُ اتِّفَاقًا.
وَإِنْ عَلِمَ وَلَمْ يَقُلْ قُبِلَتْ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ بَطَلَتْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَصَحَّتْ عِنْدَ أَشْهَبَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ بَطَلَتْ اتِّفَاقًا إلَّا عَلَى رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى قَبُولٍ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَنَقَلَهُ حُلُولُو وَالْقَلْشَانِيُّ فَإِنْ وَهَبَ شَيْئًا لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ وَلَمْ يَجُزْ بَطَلَتْ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثَةِ بِمَوْتِ وَاهِبِهَا قَبْلَ حَوْزِهَا.
وَصَحَّ إنْ قَبَضَ لِيَتَرَوَّى
أَوْ جَدَّ فِيهِ، أَوْ تَزْكِيَةِ شَاهِدِهِ
[منح الجليل]
وَصَحَّ) قَبُولُ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْهِبَةَ بَعْدَ مَوْتِ وَاهِبِهَا (إنْ) كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَدْ (قَبَضَ) الْهِبَةَ (لِيَتَرَوَّى) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ يَتَفَكَّرُ وَيَتَأَمَّلُ فِي أَنَّ الْأَحْسَنَ قَبُولُهَا أَوْ رَدُّهَا فَمَاتَ وَاهِبُهَا وَقَبِلَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
الْبَاجِيَّ لَوْ وَهَبَ الْمُسْتَوْدِعُ مَا عِنْدَهُ فَلَمْ يَقُلْ قَبِلْت حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقِيَاسُ بُطْلَانُهَا، وَقَالَ أَشْهَبُ بَلْ هِيَ حِيَازَةٌ جَائِزَةٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَا أَقْبَلُ.
مُحَمَّدٌ هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ بِيَدِ الْمُعْطِي فَتَأَخَّرَ الْقَبُولُ لَا يَمْنَعُ صِحَّتُهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَهَبْته هِبَةً فَلَمْ يَقُلْ قَبِلْت وَقَبَضَهَا لِيَنْظُرَ رَأْيَهُ فَمَاتَ الْمُعْطِي فَهِيَ مَاضِيَةٌ إنْ رَضِيَهَا وَلَهُ رَدُّهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي هِبَةِ الْمُودَعِ وَلَمْ يَقُلْ قَبِلْت حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ قَوْلَانِ وَكَذَا مَنْ وُهِبَ لَهُ فَقَبَضَ لِيَتَرَوَّى ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ شَاسٍ فَظَاهِرُهُ دُخُولُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ التَّرَوِّي وَظَاهِرُ سِيَاقِهَا الْبَاجِيَّ عَنْ مُحَمَّدٍ مُحْتَجًّا بِهَا عَلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ أَشْهَبَ الِاتِّفَاقُ عَلَى صِحَّةِ قَبُولِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي مَسْأَلَةِ التَّرَوِّي اهـ.
(أَوْ) إنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَدْ (جَدَّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالدَّالِ مُشَدَّدَةً، أَيْ اهْتَمَّ الْمَوْهُوبُ لَهُ (فِيهِ) أَيْ حَوْزِ الْهِبَةِ وَمَنَعَهُ الْوَاهِبُ مِنْهُ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ بِمَوْتِهِ تَنْزِيلًا لِلْجِدِّ فِي الْحَوْزِ مَنْزِلَتَهُ (أَوْ) وَهَبَ شَيْئًا فَقَبِلَهُ وَطَلَبَهُ مِنْهُ فَأَنْكَرَهَا فَأَقَامَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ وَهَبَهُ وَطَلَبَ مِنْهُ تَزْكِيَتُهَا فَجَدَّ (فِي تَزْكِيَةِ) جِنْسِ (شَاهِدِهِ) وَمَاتَ وَاهِبُهُ قَبْلَهَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ إذَا زَكَّاهَا بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ تَبْطُلُ، إذْ غَايَةُ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَنَّهَا كَإِقْرَارِ وَاهِبِهَا بِهَا، وَهُوَ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا وَمَاتَ قَبْلَ قَبْضِهَا بَطَلَتْ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ تَزْكِيَةُ شَاهِدِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إيقَافُهَا إلَّا مَعَ الْبَيِّنَةِ مِنْ الْمُنْتَقَى مَنْ تَصَدَّقَ بِعَبْدِهِ الْآبِقِ عَلَى رَجُلٍ فَطَلَبَهُ الْمُعْطِي وَاجْتَهَدَ فَلَمْ يَجِدْهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْطِي فَهُوَ نَافِذٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِيَدِ الْمُعْطَى فَالْإِشْهَادُ فِيهِ وَطَلَبُ الْمُعْطَى لَهُ حَوْزَهُ حَوْزٌ كَالدَّيْنِ.
فِيهَا مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِغَيْرِ ثَوَابٍ فَامْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهَا قُضِيَ بِهِ عَلَيْهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَوْ خَاصَمَهُ فِيهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي صِحَّةِ الْوَاهِبِ وَرُفِعَتْ الْهِبَةُ إلَى السُّلْطَانِ يَنْظُرُ فِيهَا فَمَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَيُقْضَى لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بِهَا إنْ عُدِّلَتْ بَيِّنَتُهُ وَلَوْ لَمْ يَقُمْ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِيهَا حَتَّى