منح الجليل شرح مختصر خليلصفحات 76-115
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ) فِي الْخُلْعِ:

صفحات 76-115

(بَابٌ) الْغَصْبُ، أَخْذُ مَالٍ، قَهْرًا، تَعَدِّيًا، بِلَا حِرَابَةٍ

[منح الجليل]

الْغَصْبُ) أَيْ حَقِيقَتُهُ شَرْعًا، وَأَمَّا لُغَةً فَهُوَ أَخْذُ شَيْءٍ ظُلْمًا.
الْجَوْهَرِيُّ غَصَبَ الشَّيْءَ أَخَذَهُ ظُلْمًا وَالِاغْتِصَابُ مِثْلُهُ (أَخْذُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٌ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ، جِنْسٌ شَمِلَ الْمُعَرَّفَ وَغَيْرَهُ، وَإِضَافَتُهُ لِ (مَالٍ) فَصْلٌ مُخْرِجٌ أَخْذَ غَيْرِهِ أَخْذًا (قَهْرًا) فَصْلٌ ثَانٍ مُخْرِجٌ أَخْذَ مَالٍ بِلَا قَهْرٍ بِاشْتِرَاءٍ أَوْ قَبُولِ هِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَعَارِيَّةٍ الْوَدِيعَةٍ وَرَهْنٍ، أَوْ بِسَرِقَةٍ أَوْ اخْتِلَاسٍ (تَعَدِّيًا) أَيْ ظُلْمًا، فَصْلٌ ثَالِثٌ مُخْرِجٌ أَخْذَ مَالٍ قَهْرًا بِحَقٍّ كَأَخْذِ دَيْنٍ الْوَدِيعَةٍ وَدِيَةٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ وَعِوَضِ مُتْلَفٍ وَمَسْرُوقٍ وَمَغْصُوبٍ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ قَهْرًا (بِلَا حِرَابَةٍ) أَيْ مُقَاتَلَةٍ، فَصْلٌ رَابِعٌ مُخْرِجٌ الْحِرَابَةَ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْغَصْبُ أَخْذُ مَالٍ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ ظُلْمًا قَهْرًا لَا بِخَوْفِ قِتَالٍ فَيَخْرُجُ أَخْذُهُ غِيلَةً، إذْ لَا قَهْرَ فِيهِ لِأَنَّهُ بِمَوْتِ مَالِكِهِ وَحِرَابَةً، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ مُخْتَصَرًا كَلَامُ ابْنِ شَاسٍ أَخْذُ الْمَالِ عُدْوَانًا قَهْرًا مِنْ غَيْرِ حِرَابَةٍ يَبْطُلُ طَرْدُهُ بِأَخْذِ الْمَنَافِعِ كَذَلِكَ، كَسُكْنَى رَبْعٍ وَخَرِبَةٍ وَلَيْسَ غَصْبًا، بَلْ تَعَدِّيًا، وَتَعَقَّبَ بِتَرْكِيبِهِ وَهُوَ وَقْفُ مَعْرِفَتِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةٍ أُخْرَى لَيْسَتْ أَعَمَّ مِنْهُ وَلَا أَخَصَّ مِنْ أَعَمِّهِ.
وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ذِكْرُ الْقُيُودِ فِي الرَّسْمِ بِحَرْفِ السَّلْبِ لَا يَحْصُلُ بِهِ تَمْيِيزٌ، بَلْ يُوجِبُ إجْمَالًا، فَإِنَّك لَا تَشَاءُ تَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي حَدٍّ أَوْ رَسْمٍ إلَّا قُلْته يُرَدُّ بِأَنَّ الْعَدَمَ الْإِضَافِيَّ يُفِيدُ نَفْيَ مَا كَانَ مُحْتَمِلًا الثُّبُوتَ، إفَادَةً ظَاهِرَةً، وَلِذَا صَحَّ وُرُودُهُ فِي النُّعُوتِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَالْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] ، وَالْخَاصِّيَّةُ مِنْ الْمَاهِيَّاتِ الْجَعْلِيَّةِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ يَصِحُّ كَوْنُهَا عَدَمِيَّةً، وَلِذَا لَمْ يَتَعَقَّبْ الْأَشْيَاخُ حَدَّ الْقَاضِي الْقِيَاسَ بِقَوْلِهِ حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا مِنْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

إثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهَا بِاشْتِمَالِهِ عَلَى قَيْدَيْنِ عَدَمِيَّيْنِ، مَعَ كَثْرَةِ إيرَادِ الْأَسْئِلَةِ عَلَيْهِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ عَرَّفَ بَعْضُهُمْ الْغَصْبَ بِأَنَّهُ رَفْعُ الْيَدِ الْمُسْتَحِقَّةِ وَوَضْعُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ قَهْرًا.
وَقِيلَ وَضْعُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ قَهْرًا، وَيَنْبَغِي عَلَى التَّعْرِيفَيْنِ أَنَّ الْغَاصِبَ مِنْ الْغَاصِبِ غَاصِبٌ عَلَى الثَّانِي، لَا عَلَى الْأَوَّلِ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَرْفَعْ الْيَدَ الْمُسْتَحِقَّةَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ بِالْأَخْذِ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الْمَالِ وَإِنْ يُجِزْهُ الْغَاصِبُ لِنَفْسِهِ بِالْفِعْلِ، فَإِذَا اسْتَوْلَى الظَّالِمُ عَلَى مَالِ شَخْصٍ قَهْرًا تَعَدِّيًا فَاسْتِيلَاؤُهُ غَصْبٌ، وَلَوْ أَبْقَاهُ بِمَوْضِعِهِ الَّذِي وَضَعَهُ رَبُّهُ فِيهِ.
الثَّانِي: فِي الْمُقَدِّمَاتِ التَّعَدِّي عَلَى رِقَابِ الْأَمْوَالِ سَبْعَةُ أَقْسَامٍ لِكُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا حُكْمٌ يَخُصُّهُ، وَهِيَ كُلُّهَا مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَهِيَ الْحِرَابَةُ وَالْغَصْبُ، وَالِاخْتِلَاسُ وَالسَّرِقَةُ وَالْخِيَانَةُ وَالْإِدْلَالُ وَالْجَحْدُ.
الثَّالِثُ: فِي التَّنْبِيهَاتِ الْغَصْبُ يُطْلَقُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى أَخْذِ كُلِّ مِلْكٍ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ مِنْ ذَوَاتٍ أَوْ مَنَافِعَ، وَكَذَلِكَ التَّعَدِّي سِرًّا أَوْ جَهْرًا أَوْ اخْتِلَاسًا أَوْ سَرِقَةً أَوْ خِيَانَةً أَوْ قَهْرًا، غَيْرَ أَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ فِي أَخْذِ أَعْيَانِ الْمُتَمَلَّكَاتِ بِغَيْرِ رِضَا أَرْبَابِهَا وَغَيْرِ مَا يَجِبُ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ مِنْ غَيْرِ ذِي سُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ، وَاسْتُعْمِلَ التَّعَدِّي عُرْفًا فِي التَّعَدِّي عَلَى عَيْنِهَا أَوْ مَنَافِعِهَا، سَوَاءٌ كَانَ لِلْمُتَعَدِّي فِي ذَلِكَ يَدٌ بِإِذْنِ أَرْبَابِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ كَالْقِرَاضِ وَالْوَدَائِعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصُّنَّاعِ وَالْبَضَائِعِ وَالْعَوَارِيِّ وَفَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي بِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّ الْغَاصِبَ يَضْمَنُ الْمَغْصُوبَ يَوْمَ غَصْبِهِ لِأَنَّهُ يَوْمُ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ وَالْمُتَعَدِّيَ يَوْمَ التَّعَدِّي وَأَنَّ الْغَاصِبَ يَضْمَنُ الْفَسَادَ الْيَسِيرَ وَالْمُتَعَدِّيَ لَا يَضْمَنُ إلَّا الْكَثِيرَ، وَأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ يَضْمَنُ كِرَاءَ مَا تَعَدَّى عَلَيْهِ وَأُجْرَتَهُ بِكُلِّ حَالٍ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَالَ فِي الْغَاصِبِ لَا كِرَاءَ عَلَيْهِ، وَفِي هَذِهِ الْأُصُولِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا مَعْلُومٌ.
الرَّابِعُ: ابْنُ عَرَفَةَ مَعْرِفَةُ حُرْمَتِهِ فِي الدِّينِ ضَرُورِيَّةٌ لِأَنَّ حِفْظَ الْأَمْوَالِ إحْدَى الْكُلِّيَّاتِ الَّتِي اجْتَمَعَتْ الْمِلَلُ عَلَيْهَا.

وَأُدِّبَ مُمَيِّزٌ كَمُدَّعِيهِ عَلَى صَالِحٍ

[منح الجليل]

وَأُدِّبَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الدَّالِ مُشَدَّدَةً (غَاصِبٌ مُمَيِّزٌ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا وَلَوْ صَبِيًّا بِضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ لِدَفْعِ الْفَسَادِ بَيْنَ الْعِبَادِ كَتَأْدِيبِهِ عَلَى الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَغَيْرِهِمَا تَحْقِيقًا لِلْإِصْلَاحِ وَتَهْذِيبًا لِلْأَخْلَاقِ، وَتُضْرَبُ الْبَهَائِمُ لِلِاسْتِصْلَاحِ وَالتَّهْذِيبِ، وَمَفْهُومُ مُمَيِّزٍ عَدَمُ تَأْدِيبِ غَيْرِهِ.
" ق " ابْنُ رُشْدٍ يَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الْأَدَبُ وَالسَّجْنُ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ لِيَتَنَاهَى النَّاسُ عَنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، إلَّا إنْ كَانَ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ، فَإِنَّ الْأَدَبَ يَسْقُطُ عَنْهُ لِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ» . الْحَدِيثَ.
وَقِيلَ إنَّ الْإِمَامَ يُؤَدِّبُهُ كَمَا يُؤَدَّبُ الصَّغِيرُ فِي الْمَكْتَبِ وَيُؤْخَذُ بِحَقِّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا لَا يَعْقِلُ.
وَقِيلَ إنَّ مَا أَصَابَهُ هَدَرٌ كَالْبَهِيمَةِ الْعَجْمَاءِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَيُؤَدَّبُ فَاعِلُهُ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ.
ابْنُ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيُّ وَابْنُ شَعْبَانَ وَغَيْرُهُمْ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الْأَدَبُ وَالسَّجْنُ بِقَدْرِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ.
فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ السِّنَّ فَفِي سُقُوطُ أَدَبِهِ لِرَفْعِ الْإِثْمِ عَنْهُ وَثُبُوتُهُ كَمَا يُؤَدَّبُ فِي الْمَكْتَبِ قَوْلَانِ وَالْغَصْبُ بَيْنَ الْكَافِرِينَ كَالْغَصْبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
ابْنُ شَعْبَانَ وَكَذَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَبَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ، وَفِي اغْتِصَابِ الْوَالِدِ مِنْ وَلَدِهِ خِلَافٌ، وَبِهَذَا أَقُولُ وَيَتَعَلَّقُ حَقُّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِمَالِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِي حَمَالَتِهَا، وَيَلْزَمُ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ مَا كَسَرَهُ مِنْ مَتَاعٍ أَوْ أَفْسَدَهُ أَوْ اخْتَلَسَهُ وَمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنَهُ، وَفِيهَا مَنْ أَوْدَعْته حِنْطَةً فَخَلَطَهَا صَبِيٌّ أَجْنَبِيٌّ بِشَعِيرٍ لِلْمُودَعِ ضَمِنَ الصَّبِيُّ ذَلِكَ فِي مَالِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَفِي ذِمَّتِهِ وَفِي دِيَاتِهَا وَإِذَا جَنَى الصَّبِيُّ أَوْ الْمَجْنُونُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً بِسَيْفٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ كُلُّهُ خَطَأٌ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ إنْ بَلَغَ الثُّلُثَ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ فَفِي مَالِهِ يُتَّبَعُ بِهَا دَيْنًا فِي عُدْمِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ إنْ كَانَ لَا يَعْقِلُ فَفِي إهْدَارِ جِنَايَتِهِ فِي الدَّمِ وَالْمَالِ كَالْعَجْمَاءِ أَوْ كَالْمُمَيِّزِ، ثَالِثُهَا إهْدَارُ مَا أَصَابَ مِنْ مَالٍ وَاعْتِبَارُ مَا أَصَابَ مِنْ الدَّمِ.
وَشَبَّهَ فِي التَّأْدِيبِ فَقَالَ (كَ) شَخْصٍ (مُدَّعِيهِ) أَيْ الْغَصْبَ (عَلَى) شَخْصٍ، (صَالِحٍ) أَيْ عَدْلٍ لَا يُتَّهَمُ بِالْغَصْبِ فَيُؤَدَّبُ لَهُ لِجِنَايَتِهِ عَلَى عِرْضِهِ، فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْهَا، وَمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ غَصْبًا وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ بِهِ عُوقِبَ الْمُدَّعِي.
ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ آخِرَ سَرِقَتَهَا

وَفِي حَلِفِ الْمَجْهُولِ: قَوْلَانِ.

[منح الجليل]

فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَمِمَّنْ لَا يُشَارُ إلَيْهِ بِهَذَا أُدِّبَ الَّذِي ادَّعَى ذَلِكَ.
قُلْت ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْمُشَاتَمَةِ.
وَفِي النَّوَادِرِ إنَّمَا يُؤَدَّبُ الْمُدَّعِي عَلَى غَيْرِ مُتَّهَمٍ بِالسَّرِقَةِ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُشَاتَمَةِ، أَمَّا عَلَى وَجْهِ الشَّكْوَى فَلَا أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ.

(وَفِي حَلِفِ) الشَّخْصِ (الْمَجْهُولِ) حَالُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَغَرِمَهُ، فَإِنْ نَكَلَ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَعَدَمُ حَلِفِهِ قَالَهُ أَشْهَبُ وَاسْتُظْهِرَ (قَوْلَانِ) لَمْ يَطَّلِعْ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِهِمَا فِيهَا عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِذَلِكَ نَظَرَ فِيهِ الْإِمَامُ وَأَحْلَفَهُ، فَإِنْ نَكَلَ فَلَا يَقْضِي عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي كَسَائِرِ الْحُقُوقِ اهـ. أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ يُونُسَ النَّاسُ فِي هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْغَصْبَ مِمَّنْ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ هُدِّدَ وَسُجِنَ، فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا حَلَفَ وَفَائِدَةُ تَهْدِيدِهِ لَعَلَّهُ يُخْرِجُ عَيْنَ الْمَغْصُوبِ إذَا كَانَ تُعْرَفُ عَيْنُهُ.
وَأَمَّا مَا لَا تُعْرَفُ فَلَا فَائِدَةَ لِتَهْدِيدِهِ إذْ لَوْ أَخْرَجَ بِهِ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ فَلَا يُؤْخَذُ حَتَّى يُقِرَّ آمِنًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ وَسَطِ النَّاسِ لَا يَلِيقُ بِهِ غَصْبٌ فَلَا تَلْزَمُهُ يَمِينٌ وَلَا يَلْزَمُ رَامِيهِ بِهِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالدِّينِ لَزِمَ الْقَائِلَ بِذَلِكَ الْأَدَبُ اهـ. وَفِي آخِرِ كِتَابِ السَّرِقَةِ مِنْ النُّكَتِ بَعْضُ شُيُوخِنَا مَنْ اُتُّهِمَ بِالسَّرِقَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، مُبَرَّزٌ بِالْعَدَالَةِ وَالْفَضْلِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيُؤَدَّبُ لَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَمُتَّهَمٌ مَعْرُوفٌ بِمِثْلِ هَذَا فَيَحْلِفُ وَيُهَدَّدُ وَيُسْجَنُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْحَاكِمُ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِيهِ، وَرَجُلٌ مُتَوَسِّطُ الْحَالِ بَيْنَ هَذَيْنِ عَلَيْهِ الْيَمِينُ اهـ. اللَّخْمِيُّ مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ الْغَصْبُ فَالْحُكْمُ فِي تَعْلِيقِ الْيَمِينِ بِهِ وَعُقُوبَتُهُ يَرْجِعُ إلَى حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ عُوقِبَ الْمُدَّعِي، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِذَلِكَ وَأَشْكَلَ حَالُهُ فَلَا يُعَاقَبُ الْمُدَّعِي وَلَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُشْبِهُهُ ذَلِكَ وَيُسَاءُ بِهِ الظَّنُّ يَحْلِفُ وَلَا يُعَاقَبُ الْمُدَّعِي.
فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَاسْتَحَقَّ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالتَّعَدِّي وَالْغَصْبِ يَحْلِفُ وَيُضْرَبُ وَيُسْجَنُ، فَإِنْ تَمَادَى عَلَى الْجُحُودِ تُرِكَ وَاخْتُلِفَ إذَا اعْتَرَفَ بَعْدَ التَّهْدِيدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، قِيلَ لَا يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ عَيَّنَ الْمُدَّعَى فِيهِ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ.
وَقِيلَ إنْ عَيَّنَ الْمُدَّعَى فِيهِ أُخِذَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا.

وَضَمِنَ بِالِاسْتِيلَاءِ،

[منح الجليل]

وَقَالَ سَحْنُونٌ يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ عَيَّنَ الْمُدَّعَى فِيهِ أَمْ لَمْ يُعَيِّنْهُ، قَالَ وَلَا يَعْرِفُ هَذَا إلَّا مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ، أَيْ الْقَضَاءِ وَمَا شَابَهَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ الْإِكْرَاهَ كَانَ بِوَجْهٍ جَائِرٍ، وَإِذَا كَانَ مِنْ الْحَقِّ عُقُوبَتُهُ وَسَجْنُهُ إذَا عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أُخِذَ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنَّمَا الْإِكْرَاهُ الَّذِي لَا يُؤَاخَذُ بِهِ مَا كَانَ ظُلْمًا أَنْ يُضْرَبَ وَيُهَدَّدَ مَا لَا يَجُوزُ فِعْلُ ذَلِكَ بِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْقِتَالِ وَالسَّيْفِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ كَالطَّائِعِ بِغَيْرِ إكْرَاهٍ بِحَقٍّ، وَلَوْ أُكْرِهَ ذِمِّيٌّ عَلَى الْإِسْلَامِ فَلَا يَكُونُ إسْلَامُهُ إسْلَامًا إنْ رَجَعَ عَنْهُ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ لِلْإِكْرَاهِ لِأَنَّ الذِّمَّةَ الَّتِي عُقِدَتْ لَهُمْ تَمْنَعُ إكْرَاهَهُمْ فَإِكْرَاهُهُمْ ظُلْمٌ.
ابْنُ فَرْحُونٍ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التُّهْمَةِ فَلَا تَجُوزُ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا، وَاخْتُلِفَ فِي عُقُوبَةِ مُتَّهِمِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُعَاقَبُ، ثُمَّ قَالَ قَالَ الْبَاجِيَّ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَجْهُولَ الْحَالِ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا أَدَبَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَفِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ يُخَلَّى سَبِيلُهُ دُونَ يَمِينٍ أَفَادَهُ الْحَطّ.

(وَضَمِنَ) الْغَاصِبُ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ (بِ) مُجَرَّدِ (الِاسْتِيلَاءِ) عَلَيْهِ وَحَوْزِهِ وَلَوْ تَلِفَ بِسَمَاوِيٍّ أَوْ جِنَايَةِ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ» لِأَنَّ عَلَى لِلْوُجُوبِ وَقَدْ رَتَّبَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى وَصْفِ الْأَخْذِ فَأَفَادَ أَنَّهُ سَبَبٌ لِلضَّمَانِ.
" ق " ابْنُ عَرَفَةَ مُجَرَّدُ حُصُولِ الْمَغْصُوبِ فِي حَوْزِ الْغَاصِبِ يُوجِبُ ضَمَانَهُ، وَلَوْ تَلِفَ بِسَمَاوِيٍّ أَوْ جِنَايَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
ابْنُ يُونُسَ يَضْمَنُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ وَإِنْ هَلَكَ مِنْ سَاعَتِهِ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَوْ جِنَايَةِ غَيْرِهِ أَوْ كَانَ دَارًا فَانْهَدَمَتْ.
ابْنُ عَرَفَةَ مُجَرَّدُ الِاسْتِيلَاءِ هُوَ حَقِيقَةُ الْغَصْبِ فَيُوجِبُ الضَّمَانَ.
رَوَى ابْنُ وَهْبٍ مَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَمَاتَ مِنْ وَقْتِهِ ضَمِنَهُ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ غَصَبَ دَارًا فَلَمْ يَسْكُنْهَا حَتَّى انْهَدَمَتْ غَرِمَ قِيمَتَهَا، وَقَالَهُ أَشْهَبُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْعُرُوضِ وَغَيْرِهَا وَنَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ وَمُجَرَّدُ حُصُولِ الْمَغْصُوبِ فِي حَوْزِ الْغَاصِبِ يُوجِبُ ضَمَانَهُ وَلَوْ تَلِفَ بِسَمَاوِيٍّ أَوْ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ فَفِيهَا مَا مَاتَ مِنْ الْحَيَوَانِ أَوْ انْهَدَمَ مِنْ رَبْعٍ بِيَدِ غَاصِبِهِ بِقُرْبِ غَصْبِهِ أَوْ بِغَيْرِ قُرْبِهِ بِغَيْرِ سَبَبِهِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ غَصْبِهِ، وَإِنْ تَعَيَّبَ يَضْمَنُ تَمَامَ قِيمَتِهِ.

وَإِلَّا فَتَرَدُّدٌ:

[منح الجليل]

ابْنُ الْحَاجِبِ وَيَكُونُ بِالتَّفْوِيتِ بِالْمُبَاشَرَةِ أَوْ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ الْعَادِيَةِ، فَالْمُبَاشَرَةُ كَالْقَتْلِ، وَالْأَكْلِ وَالْإِحْرَاقِ وَإِثْبَاتُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ فِي الْمَنْقُولِ بِالنَّقْلِ، وَفِي الْعَقَارِ بِالِاسْتِيلَاءِ وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْ.
قُلْت قَالُوا ضَمِيرُ يَكُونُ عَائِدٌ عَلَى الضَّمَانِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلُهُ إثْبَاتُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ فِي الْمَنْقُولِ بِالنَّقْلِ هَذَا الْوَجْهُ مِنْ وَجْهَيْ إثْبَاتِ الْيَدِ الْعَادِيَةِ سَبَبٌ اتِّفَاقًا، وَهُوَ نَقْلُ مَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ يَنْقُلُهَا الْغَاصِبُ فَتَهْلِكُ تَحْتَ يَدِهِ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ فِي الْعَقَارِ بِالِاسْتِيلَاءِ وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - خِلَافُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. قُلْت فَحَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَشَارِحِيهِ أَنَّ غَيْرَ الْعَقَارِ لَا يَتَقَرَّرُ فِيهِ الضَّمَانُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ، وَلَيْسَ الْمَذْهَبُ كَذَلِكَ، بَلْ مُجَرَّدُهُ حَقِيقَةُ الْغَصْبِ يُوجِبُهُ، فَلَوْ غَصَبْتَهُ أَمَةً أَوْ غَيْرَهَا مِنْ الْمُتَمَلَّكَاتِ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا بِالتَّمَكُّنِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا دُونَ رَبِّهَا ضَمِنَهَا رِوَايَاتُ الْمَذْهَبِ وَاضِحَةٌ بِهَذَا لِمَنْ تَأَمَّلَهَا، مِنْهَا قَوْلُ الْبَاجِيَّ، رَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَمَاتَ مِنْ وَقْتِهِ بِغَيْرِ سَبَبِهِ ضَمِنَهُ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ غَصَبَ دَارًا فَلَمْ يَسْكُنْهَا حَتَّى انْهَدَمَتْ ضَمِنَ قِيمَتَهَا.
قُلْت كَذَا فِي النَّوَادِرِ، قَالَ وَمِثْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ.
ابْنُ عَبْدُوسٍ وَقَالَهُ أَشْهَبُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْعُرُوضِ وَغَيْرِهَا.
اهـ. " غ " تَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ ابْنَ شَاسٍ وَعِبَارَتُهُمَا مَنْسُوجَةٌ عَلَى مِنْوَالِ وَجِيزِ الْغَزَالِيِّ فِي هَذَا الْمَحِلِّ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا سَالِمٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا أَوْ رَكِبَ يَحْتَمِلُ الْإِشَارَةَ إلَيْهِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْغَاصِبِ اسْتِيلَاءٌ عَلَى الْمَغْصُوبِ (فَتَرَدُّدٌ) فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ، وَقَدْ يُمَثَّلُ لِهَذَا بِمَنْ فَتَحَ بَابَ دَارٍ فِيهَا دَوَابُّ وَأَهْلُهَا فِيهَا فَذَهَبَتْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِوُجُودِ الْحَافِظِ، وَيَضْمَنُ عِنْدَ أَشْهَبَ إنْ كَانَتْ مُسَرَّحَةً لِتَيَسُّرِ خُرُوجِهَا قَبْلَ عِلْمِ أَهْلِ الدَّارِ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ قَالَهُ الشَّارِحُ وَتَبِعَهُ تت، وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ كَانَ لَا يُنَاسِبُ تَعْبِيرَهُ بِتَرَدُّدٍ.
وَقَالَ " غ " أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْغَاصِبُ مُمَيِّزًا، بَلْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ فَقَدْ تَرَدَّدَ الْمُتَأَخِّرُونَ هَلْ الْخِلَافُ فِي تَضْمِينِهِ كَمَا فِي نَقْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَوْ فِي الْمُخْرِجِ لَهُ إلَى التَّمْيِيزِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ قَالَ وَأَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

فَقِيلَ الْمَالُ فِي مَالِهِ وَالدَّمُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَقِيلَ الْمَالُ هَدَرٌ كَالْمَجْنُونِ.
وَقِيلَ كِلَاهُمَا هَدَرٌ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ جَعَلَ مَوْرِدَ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَدَمَ التَّمْيِيزِ وَهُوَ حَسَنٌ فِي الْفِقْهِ، غَيْرَ أَنَّ الرِّوَايَاتِ لَا تُسَاعِدُهُ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضُوا لِلتَّحْدِيدِ فِيهَا بِالسِّنِينَ، فَقِيلَ ابْنُ سَنَتَيْنِ، وَقِيلَ ابْنُ سَنَةٍ وَنِصْفٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَقَبِلَهُ الْمُوَضِّحُ وَأَشَارَ إلَيْهِ هُنَا.
وَأَمَّا ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ قَوْلُهُ وَالرِّوَايَاتُ لَا تُسَاعِدُهُ يُرَدُّ بِنَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ، إذْ قَالَ لَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّ حُكْمَ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ ابْنِ سَنَةٍ وَنِصْفٍ وَنَحْوِهِ فِي جِنَايَتِهِ عَلَى الْمَالِ وَالدَّمِ وَحُكْمَ الْمَجْنُونِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ سَوَاءٌ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ جِنَايَتَهُمْ عَلَى الْمَالِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَعَلَى الدَّمِ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ فَفِي أَمْوَالِهِمْ.
وَالثَّانِي أَنَّهَا هَدَرٌ فِي الْمَالِ وَالدَّمِ.
وَالثَّالِثُ: تَفْرِقَتُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ الْمَالِ وَالدَّمِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الصَّبِيُّ يَعْقِلُ فَلَا اخْتِلَافَ فِي ضَمَانِهِ مَا جَنَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ وَإِنَّ عَمْدَهُ فِي جِنَايَتِهِ عَلَى الدَّمِ خَطَأٌ عَلَيْهِ مِنْ دِيَةِ ذَلِكَ فِي مَالِهِ مَا نَقَصَ عَنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الثُّلُثُ فَأَكْثَرُ.
وَأَمَّا الْكَبِيرُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فَحُكْمُهُ فِي جِنَايَتِهِ فِي الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ حُكْمُ الْمَالِكِ أَمْرَ نَفْسِهِ فَيَضْمَنُ مَا اسْتَهْلَكَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ وَيُقْتَصُّ مِنْهُ فِيمَا جَنَاهُ عَمْدًا مِنْ الدِّمَاءِ.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ عَلِمْت مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا أَنَّ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَفِي الْمَجْنُونِ عَلَى حَدِّ سَوَاءٍ وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهَا فِي الْمَجْنُونِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ، وَفِي رَسْمٍ مُرْضٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَذَلِكَ خِلَافُ مَا قَبْلَهُ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَقِيلَ الْمَالُ هَدَرٌ كَالْمَجْنُونِ الْمُقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَجْرِي فِي الْمَجْنُونِ، وَلَمْ يَتَنَازَلْ ابْنُ عَرَفَةَ لِهَذَا الْبَحْثِ، وَإِنَّهُ لِمَنْ وَظِيفَتِهِ وَلَا مِرْيَةَ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ اخْتَصَرَ هُنَا كَلَامَ ابْنِ شَاسٍ الْمُخْتَصِرِ لِكَلَامِ الْمُقَدِّمَاتِ، وَنَصُّهُ اُخْتُلِفَ إنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ، فَقِيلَ مَا أَصَابَ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ هَدَرٌ كَالْبَهِيمَةِ الْعَجْمَاءِ الَّتِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُرْحَهَا جُبَارًا.

كَأَنْ مَاتَ، أَوْ قُتِلَ عَبْدٌ قِصَاصًا،

[منح الجليل]

وَقِيلَ مَا أَصَابَ مِنْ الْأَمْوَالِ فِي مَالِهِ وَمَا أَصَابَ مِنْ الدِّمَاءِ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ إنْ بَلَغَ الثُّلُثَ، وَحُكْمُ هَذَا حُكْمُ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ.
اهـ. وَهُوَ رَاجِعٌ لِمَا فِي الْبَيَانِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى وَحُكْمُ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ حُكْمُ الْمَجْنُونِ فِي جَرَيَانِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ، وَاخْتِصَارُ ابْنِ شَاسٍ لَا يَأْبَى هَذَا التَّأْوِيلَ لِأَنَّهُ نَقَلَ مَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ عَلَى تَرْتِيبِهِ، وَخَتَمَهُ بِقَوْلِهِ كَالْمَجْنُونِ فَلَا يَمْتَنِعُ انْطِبَاقُ هَذَا التَّشْبِيهِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ كُلِّهَا حَتَّى يَرْجِعُ لِمَا فِي الْبَيَانِ.
وَلَمَّا فَهِمَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ التَّشْبِيهَ قَاصِرٌ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَلِيهِ وَقَدَّمَ وَأَخَّرَ تَحَوَّلَ الْمَعْنَى فَلْيَتَأَمَّلْهُ مَنْ فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَالتَّحْقِيقِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ طفي إلَّا أَنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَى " غ " أَنَّ التَّرَدُّدَ فِي اخْتِلَافِ الطَّرِيقِ يَكُونُ مَوْضُوعُهُ وَاحِدًا وَتَخْتَلِفُ الطُّرُقُ فِيهِ، وَالْمَوْضُوعُ هُنَا مُتَعَدِّدٌ، إذْ مِنْهُمْ مَنْ حَكَى الْخِلَافَ فِي السِّنِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَاهُ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ وَمَنْ حَكَاهُ فِي مَحِلٍّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَحِلِّ الْآخَرِ عَلَى أَنَّ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا يُعَدُّ طَرِيقَةً لِرَدِّهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فَظَهَرَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَشَبَّهَ فِي الضَّمَانِ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَقْرُونٌ بِكَافِ التَّشْبِيهِ صِلَتُهُ (مَاتَ) عَبْدٌ مَغْصُوبٌ بِيَدِ غَاصِبِهِ سَاعَةَ غَصْبِهِ فَيَضْمَنُهُ غَاصِبُهُ (أَوْ قُتِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (عَبْدٌ) تَنَازَعَ فِيهِ مَاتَ وَقُتِلَ قِصَاصًا فِي قَتِيلِهِ عَمْدًا بَعْدَ غَصْبِهِ فَيَضْمَنُهُ غَاصِبُهُ.
طفي كَذَا قَرَّرَ ابْنُ فَرْحُونٍ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ لَوْ جَنَى قَبْلَ غَصْبِهِ وَقُتِلَ قِصَاصًا بَعْدَهُ فَلَا وَجْهَ لِضَمَانِهِ الْغَاصِبَ، فَفِي النَّوَادِرِ عَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ جَنَى الْعَبْدُ قَبْلَ غَصْبِهِ جِنَايَةً وَبَعْدَهُ أُخْرَى عَلَى رَجُلَيْنِ فَقَالَ أَشْهَبُ يُخَيَّرُ رَبُّهُ، فَإِنْ أَسْلَمَهُ لَهُمَا تَبِعَ الْغَاصِبَ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ عَلَى الثَّانِي، وَإِنْ شَاءَ فَدَاهُ بِالْأَرْشَيْنِ وَتَبِعَ غَاصِبَهُ بِالْأَقَلِّ مِنْ أَرْشِ الثَّانِيَةِ وَنِصْفِ قِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ.
اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِنَايَةَ السَّابِقَةَ عَلَى غَصْبِهِ لَا يَضْمَنُهَا الْغَاصِبُ.
" ق " فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ مَا مَاتَ مِنْ الْحَيَوَانِ أَوْ انْهَدَمَ مِنْ الرَّبْعِ بِيَدِ غَاصِبِهِ بِقُرْبِ غَصْبِهِ أَوْ بِغَيْرِ قُرْبِهِ بِغَيْرِ

أَوْ رَكِبَ، أَوْ ذَبَحَ

[منح الجليل]

سَبَبِ الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ غَصْبِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ مَوْتُ الْمَغْصُوبِ بِحَقِّ قِصَاصٍ أَوْ حِرَابَةٍ كَمَوْتِهِ.
(أَوْ رَكِبَ) الْغَاصِبُ الدَّابَّةَ الْمَغْصُوبَةَ فَهَلَكَتْ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصْبِهَا، وَهَذَا عُلِمَ مِنْ سَابِقِهِ بِالْأَوْلَى.
ابْنُ شَاسٍ مِنْ مُوجَبِ الضَّمَانِ إثْبَاتُ الْيَدِ فِي الْمَنْقُولِ بِالنَّقْلِ إلَّا فِي الدَّابَّةِ فَيَكْفِي فِيهَا الرُّكُوبُ وَيَثْبُتُ الْغَصْبُ فِي الْعَقَارِ بِالدُّخُولِ وَإِزْعَاجِ الْمَالِكِ وَبِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْهُ (أَوْ ذَبَحَ) الْغَاصِبُ الْحَيَوَانَ الْمَغْصُوبَ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ غَصْبِهِ إنْ شَاءَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ مَذْبُوحًا وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَهُ.
تت فِي قَوْلِهِ أَوْ رَكِبَ أَوْ ذَبَحَ إشْكَالٌ لِأَنَّهُ مُضَمَّنٌ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْجَلَّابُ مَنْ غَصَبَ شَاةً وَذَبَحَهَا ضَمِنَ قِيمَتَهَا وَكَانَ لَهُ أَكْلُهَا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ لِرَبِّهَا أَخْذُهَا وَمَا بَيْنَ قِيمَتِهَا مَذْبُوحَةً وَحَيَّةً، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ أَنَّ ذَبْحَهَا فَوْتٌ يُوجِبُ قِيمَتَهَا لَمْ أَعْرِفْهُ فِي الذَّبْحِ نَصًّا، بَلْ تَخْرِيجًا مِمَّا حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ فِي طَحْنِ الْقَمْحِ، ثُمَّ قَالَ قَوْلُهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ رَبَّهَا مُخَيَّرٌ، هَذَا لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ الصُّبْرَةِ، وَقَبِلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَا ذَكَرَ فِي أَنَّ لِرَبِّهَا أَخْذَهَا مَذْبُوحَةً خِلَافًا.
طفي لَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ كَأَنْ مَاتَ إلَخْ مِثَالٌ لِلْمُفَوِّتِ الَّذِي يُوجِبُ الضَّمَانَ عِنْدَهُ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِمُفَوِّتٍ، فَقَوْلُهُ أَوْ رَكِبَ دَابَّةً إنْ عَنَى بِهِ مُجَرَّدَ الرُّكُوبِ فَقَدْ أَوْقَعَهُ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ مَعَ مُنَاقَضَتِهِ لِقَوْلِهِ وَضَمِنَهُ بِالِاسْتِيلَاءِ، وَعَلَى هَذَا يَأْتِي إشْكَالُ تت، وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحِ.
وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ قَائِلًا مَا حَكَاهُ مِنْ أَنَّ ذَبْحَهَا مُفِيتٌ يُوجِبُ قِيمَتَهَا لَمْ أَعْرِفْهُ نَصًّا، فَقَوْلُ تت فِيهِمَا إشْكَالٌ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِي هَذِهِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأُولَى عَلَى وَجْهٍ كَمَا سَبَقَ، وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ إنْكَارِ ابْنِ عَرَفَةَ لَا مِمَّا قَالَهُ، فَقَوْلُهُ وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ، ثُمَّ إنْ جَمْعًا مِنْ شَارِحِيهِ قَرَّرُوهُ عَلَى أَنَّهُ فِي الذَّبْحِ بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِهَا مَذْبُوحَةً، وَمَا نَقَصَهَا الذَّبْحُ أَوْ إلْزَامِهِ قِيمَتَهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ،

أَوْ جَحَدَ وَدِيعَةً، أَوْ أَكَلَ بِلَا عِلْمٍ

[منح الجليل]

بَلْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إنْ اخْتَارَ أَخْذَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا نَقَصَهَا، وَإِنَّمَا الْقَائِلُ بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَطْ.
اللَّخْمِيُّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مَذْبُوحَةً وَلَا شَيْءَ لَهُ أَوْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا، قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَأَخَذَ بِهِ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ لَهُ أَخْذُهُ وَمَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مَذْبُوحًا وَحَيًّا.
اهـ. وَنَحْوُهُ فِي النَّوَادِرِ، وَلَمْ يَعْزِ ابْنُ شَاسٍ وَلَا ابْنُ الْحَاجِبِ أَخْذَهَا وَمَا نَقَصَهَا إلَّا لِابْنِ مَسْلَمَةَ، وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذُكِرَ بَيْنَ الْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي.

(أَوْ جَحَدَ) الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ (وَدِيعَةً) ثُمَّ تَلِفَتْ أَوْ ضَاعَتْ فَيَضْمَنُهَا لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا لَهَا يَجْحَدُهَا ابْنُ شَاسٍ جَحْدُهَا مِنْ مَالِكِهَا بَعْدَ طَلَبِهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْ رَدِّهَا مُوجِبٌ لِضَمَانِهَا، بِخِلَافِ جَحْدِهَا مِنْ غَيْرِهِ (أَوْ أَكَلَ) مِنْ شَخْصٍ الطَّعَامَ الْمَغْصُوبَ حَالَ كَوْنِهِ مُتَلَبِّسًا (بِلَا عِلْمٍ) بِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ إنْ كَانَ الْغَاصِبُ عَدِيمًا أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَغْرِيمِهِ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُ الْآكِلُ عَلَى الْغَاصِبِ لِمُبَاشَرَتِهِ إتْلَافَهُ، فَإِنْ كَانَ مَلِيًّا ضَمِنَهُ غَاصِبُهُ لِتَسَبُّبِهِ فِي إتْلَافِهِ.
" ق " فِيهَا لِمَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ غَصَبَ طَعَامًا أَوْ إدَامًا أَوْ ثِيَابًا ثُمَّ وَهَبَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ فَأَكَلَ الطَّعَامَ وَالْإِدَامَ وَلَبِسَ الثِّيَابَ حَتَّى أَبْلَاهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ رَجُلٌ فَلْيَرْجِعْ بِذَلِكَ عَلَى الْوَاهِبِ إنْ كَانَ مَلِيًّا، وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ رَجَعَ بِذَلِكَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى الْوَاهِبِ بِشَيْءٍ.
ابْنُ الْمَوَّازِ وَقَالَ أَشْهَبُ يَتَّبِعُ أَيَّهُمَا شَاءَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الْمُشْتَرِي يَأْكُلُ الطَّعَامَ أَوْ يَلْبَسُ الثِّيَابَ أَنَّ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَتَّبِعَ أَيَّهُمَا وَيَبْتَدِئَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ غَيْرَ غَاصِبٍ فَلَا يَتَّبِعُ إلَّا الْمَوْهُوبَ الْمُنْتَفِعَ.
ابْنُ يُونُسَ هَذَا خِلَافٌ فِي مُكْرِي الْأَرْضِ يُحَابِي فِي كِرَائِهَا ثُمَّ يَطْرَأُ لَهُ أَخٌ يُشْرِكُهُ، وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِالْمُحَابَاةِ عَلَى أَخِيهِ إنْ كَانَ مَلِيًّا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ رَجَعَ عَلَى الْمُكْتَرِي فَقَدْ سَاوَى فِي هَذَا بَيْنَ الْمُتَعَدِّي وَغَيْرِهِ، وَهَذَا أَصْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَرْجِعُ أَوَّلًا عَلَى الْوَاهِبِ إلَّا أَنْ يَعْدَمَ فَيَرْجِعُ عَلَى الْمَوْهُوبِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ عَالِمًا بِالْغَاصِبِ فَهُوَ كَالْغَاصِبِ فِي جَمِيعِ

أَوْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ عَلَى التَّلَفِ

[منح الجليل]

أُمُورِهِ، وَيَرْجِعُ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ.
ابْنُ يُونُسَ وَقَوْلُ أَشْهَبَ أَقْيَسُ وَلَا يَكُونُ الْمَوْهُوبُ أَحْسَنَ حَالًا مِنْ الْمُشْتَرِي، وَبِهِ أَقُولُ.

(أَوْ أَكْرَهَ) شَخْصٌ شَخْصًا (غَيْرَهُ عَلَى التَّلَفِ) أَيْ إتْلَافِ شَيْءٍ لِغَيْرِ الْمُكْرَهِ فَيَضْمَنُهُ الْمُكْرِهُ بِالْكَسْرِ إنْ كَانَ الْمُكْرَهُ بِالْفَتْحِ عَدِيمًا، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَغْرِيمِهِ، وَإِلَّا فَيَضْمَنُهُ تَقْدِيمًا لِلْمُبَاشِرِ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ.
" ق " سُئِلَ سَحْنُونٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْعُمَّالِ أَكْرَهَ رَجُلًا أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ رَجُلٍ لِيُخْرِجَ مِنْهُ مَتَاعًا يَدْفَعُهُ إلَيْهِ فَأَخْرَجَهُ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ عُزِلَ ذَلِكَ الْعَامِلُ الْغَاصِبُ فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ طَلَبُ مَالِهِ مِمَّنْ شَاءَ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُبَاشِرِ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَى مَنْ أَكْرَهَهُ، وَلِلْمُبَاشِرِ طَلَبُ الْعَامِلِ إذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ غَائِبًا لِأَنَّهُ يَقُولُ أَنَا الْمَأْخُوذُ بِهِ إذَا جَاءَ صَاحِبُهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي هَذَا نَظَرٌ، وَمُقْتَضَى النَّظَرِ أَنَّهُ يُوقَفُ لِصَاحِبِهِ عِنْدَ أَمِينٍ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُ الْمُبَاشِرُ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ تَمْكِينُهُ مِنْهُ وَلِسَحْنُونٍ أَيْضًا مَنْ أَكْرَهَ عَلَى رَمْيِ مَالِ غَيْرِهِ فِي مَهْلَكَةٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِإِذْنِ رَبِّهِ بِلَا إكْرَاهٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَنْ أَكْرَهَهُ، وَإِنْ أَكْرَهَ رَبَّهُ عَلَى الْإِذْنِ فَالْفَاعِلُ ضَامِنٌ، فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي أَكْرَهَهُ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْفَاعِلِ إذَا أَيْسَرَ.
ابْنُ عَرَفَةَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ كَانَ عَدِيمًا أَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَى الْآمِرِ الْمُكْرِهِ هُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ فِي نَوَازِلِهِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَالَ الْمُكْرَهَ عَلَى أَخْذِهِ قَبَضَهُ الْآمِرُ الْمُكْرِهُ فِي مَسْأَلَةِ نَوَازِلِهِ فَنَاسَبَ كَوْنَهُ أَحَدَ الْغَرِيمَيْنِ عَلَى السَّوِيَّةِ.
اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ وَالْمَالُ الْمُكْرَهُ عَلَى أَخْذِهِ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ سَحْنُونٍ لَيْسَ مَآلُهُ لِانْتِفَاعِ الْآمِرِ بِهِ، فَنَاسَبَ كَوْنَ غُرْمِهِ مَشْرُوطًا بِفَلَسِ الْفَاعِلِ.
فَإِنْ قُلْت فِي ضَمَانِ الْفَاعِلِ مَعَ اسْتِنَادِهِ لِإِذْنِ الْمَالِكِ الْمُكْرَهِ عَلَى إذْنِهِ نَظَرٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ فِعْلِ الْفَاعِلِ وَإِذْنِ الْمَالِكِ سَبَبٌ عَنْ إكْرَاهِ الْآمِرِ لَهُمَا، فَإِنْ كَانَ فِعْلُ الْمُكْرَهِ لَغْوًا فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْفَاعِلِ وَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا كَانَ إذْنُ الْمَالِكِ مُعْتَبَرًا، وَمَتَى كَانَ مُعْتَبَرًا لَمْ يَكُنْ الْفَاعِلُ مُتَعَدِّيًا فَلَا يَضْمَنُ.
قُلْت يُجَابُ بِأَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ قَوْلًا كَانَ لَغْوًا، وَإِنْ كَانَ

أَوْ حَفَرَ بِئْرًا تَعَدِّيًا،

[منح الجليل]

فِعْلًا كَانَ مُعْتَبَرًا حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ وَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الزِّنَا وَالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْفَاعِلِ فِعْلٌ وَجَبَ اعْتِبَارُهُ، وَفِي حَقِّ الْمَالِكِ قَوْلٌ يُوجِبُ لَغْوَهُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ اهـ. الْحَطّ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ وَالْإِكْرَاهُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ سَوَاءٌ يُوجِبُ ضَمَانَهَا وَهُوَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَلَا يُشْتَرَطُ التَّكْلِيفُ وَالْعِلْمُ، فَلَا فَرْقَ فِي الْإِتْلَافِ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْجَاهِلِ وَالْعَالِمِ وَالْمُكْرَهِ وَالطَّائِعِ وَلَا يُلْتَفَتُ لِلضَّرْبِ وَالْحَبْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّهْدِيدِ وَالْإِكْرَاهِ فِي مَالِ نَفْسِهِ يَنْفَعُهُ الرُّجُوعُ فِيهِ اهـ. وَفِي النَّوَادِرِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَ ظَالِمٌ يَطْلُبُ إنْسَانًا مُخْتَفِيًا لِيَقْتُلَهُ أَوْ يَطْلُبُ وَدِيعَةَ إنْسَانٍ لِيَأْخُذَهَا غَصْبًا، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ إخْفَاؤُهُ وَإِنْكَارُ الْعِلْمِ بِهِ اهـ. ابْنُ نَاجِي يَجِبُ الْكَذِبُ لِإِنْقَاذِ مُسْلِمٍ أَوْ مَالِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ قَوْلُهُمْ الْكُفْرُ وَالْقَذْفُ لَا يُبَاحُ فِي الضَّرُورَةِ كَمَا أُبِيحَتْ الْمَيْتَةُ أَفْسَدُوهُ بِإِجْمَاعِهِمْ مَعَنَا عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ بِتَهْدِيدٍ بِقَتْلٍ أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ أَوْ ضَرْبٍ يَخَافُ مِنْهُ تَلَفَهُ عَلَى أَخْذِ مَالِ فُلَانٍ يَدْفَعُهُ لِمَنْ أَمَرَهُ وَأَكْرَهَهُ أَنَّهُ فِي سَعَةٍ مِنْ أَخْذِ مَالِ الرَّجُلِ وَدَفْعِهِ إلَيْهِ وَيَضْمَنُ الْآمِرُ وَلَا يَضْمَنُ الْمَأْمُورُ.
قَالَ مَنْ حَالَفْنَا وَإِنَّمَا يَسَعُهُ هَذَا مَا دَامَ حَاضِرًا عِنْدَ الْآمِرِ، فَلَوْ أَرْسَلَهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ فَخَافَ إنْ ظَفِرَ بِهِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا هَدَّدَهُ بِهِ فَلَا يَسَعُهُ فِعْلُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ رَسُولُ الْآمِرِ فَخَافَ أَنْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ فَيَكُونُ كَالْحَاضِرِ.
مُحَمَّدٌ إنْ رَجَا الْمُكْرَهُ الْخَلَاصَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا يَسَعُهُ الْفِعْلُ كَانَ مَعَهُ رَسُولٌ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ نُزُولَ الْفِعْلِ بِهِ وَسِعَهُ كَانَ مَعَهُ رَسُولٌ أَمْ لَا، وَإِنْ هَدَّدَهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مَالَ مُسْلِمٍ بِدَفْعِهِ لَهُ فَأَبَى فَقَتَلَهُ كَانَ عِنْدَنَا فِي سَعَةٍ وَإِنْ أَخَذَهُ كَانَ فِي سَعَةٍ.
(أَوْ حَفَرَ بِئْرًا تَعَدِّيًا) بِأَنْ حَفَرَهَا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَتَلِفَ فِيهَا آدَمِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ فَيَضْمَنُهُ حَافِرُهَا لِتَسَبُّبِهِ فِي تَلَفِهِ، وَمَفْهُومُ تَعَدِّيًا أَنَّهُ لَوْ حَفَرَهَا فِي مِلْكِهِ أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ فَلَا يَضْمَنُ مَا يَهْلِكُ فِيهَا وَهُوَ كَذَلِكَ.

وَقُدِّمَ عَلَيْهِ الْمُرْدِي، إلَّا لِمُعَيِّنٍ فَسِيَّانِ،

[منح الجليل]

وَ) إنْ حَفَرَ بِئْرًا تَعَدِّيًا وَأَرْدَى غَيْرُهُ فِيهَا آدَمِيًّا أَوْ حَيَوَانًا (قُدِّمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا فِي الضَّمَانِ الشَّخْصُ (الْمُرْدِي) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ، أَيْ الْمُسْقِطُ عَلَى الْحَافِرِ، لِأَنَّ الْمُرْدِيَ مُبَاشِرٌ وَالْحَافِرَ مُتَسَبِّبٌ، وَالْأَوَّلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الثَّانِي فِيهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا) الْحَافِرَ تَعَدِّيًا (لِ) قَصْدِ إتْلَافِ شَخْصٍ (مُعَيَّنٍ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا وَأَرْدَاهُ غَيْرُهُ فِيهَا فَمَاتَ (فَ) الْحَافِرُ وَالْمُرْدِي (سِيَّانِ) بِكَسْرِ السِّينِ وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ فِي الْقِصَاصِ مِنْهُمَا إنْ كَانَ الْمُعَيَّنُ آدَمِيًّا وَضَمَانِ الْقِيمَةِ إنْ كَانَ غَيْرَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا مَنْ حَفَرَ بِئْرًا أَوْ غَيْرَهَا حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ، أَوْ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ لِمَا لَا يَجُوزُ لَهُ ضَمِنَ مَا هَلَكَ بِذَلِكَ.
" ق " وَنَصَّهَا مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ حَفَرَ حَفِيرًا فِي دَارِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَعَطِبَ فِيهِ إنْسَانٌ ضَمِنَهُ الْحَافِرُ، وَإِذَا حَفَرَ حَفِيرًا فِي دَارِهِ أَوْ جَعَلَ حِبَالَةً لِيُعْطِبَ بِهَا سَارِقًا فَعَطِبَ بِهِ السَّارِقُ أَوْ غَيْرُهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِذَلِكَ.
أَشْهَبُ لِأَنَّهُ احْتَفَرَ لِمَا لَا يَحِلُّ.
مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِنْ جَعَلَ فِي حَائِطِهِ حَفِيرًا لِلسِّبَاعِ أَوْ حِبَالَةً فَلَا يَضْمَنُ مَا يَعْطَبُ بِهِ مِنْ سَارِقٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ جَعَلَ بِبَابِ جِنَانِهِ نُصُبًا تَدْخُلُ فِي رِجْلِ مَنْ يَدْخُلُهُ أَوْ اتَّخَذَ تَحْتَ عَتَبَتِهِ مَسَامِيرَ لِمَنْ يَدْخُلُ أَوْ رَشَّ مَاءً يُرِيدُ بِهِ زَلْقَ مَنْ يَسْلُكُهُ مِنْ دَابَّةٍ أَوْ إنْسَانٍ أَوْ اتَّخَذَ فِيهِ كَلْبًا عَقُورًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أُصِيبَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ رَشَّهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَضْمَنُ مَا يَعْطَبُ بِهِ كَحَافِرِ بِئْرٍ فِي دَارِهِ لِحَاجَتِهِ لَا لِإِرْصَادِ سَارِقٍ فَهُوَ مُفْتَرِقٌ.
ابْنُ شَاسٍ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مَحِلٍّ عُدْوَانًا فَتَرَدَّتْ فِيهِ بَهِيمَةٌ أَوْ إنْسَانٌ فَإِنْ رَدَاهُ غَيْرُهُ فَعَلَى الْمُرْدِي تَقْدِيمًا لِلْمُبَاشِرِ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ.
ابْنُ عَرَفَةَ كَذَا نَقَلَهُ الطُّرْطُوشِيُّ فِي مَسْأَلَةِ حَلِّ الْقَفَصِ الْآتِيَةِ وَعَارَضَهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِتَسْوِيَةِ سَحْنُونٍ بَيْنَ الْمُكْرِهِ غَيْرَهُ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ لَهُ مَالَ رَجُلٍ مِنْ بَيْتِهِ وَيَدْفَعَهُ لَهُ مَعَ أَنَّ الْمُكْرِهَ مُتَسَبِّبٌ وَالْمَأْمُورَ مُبَاشِرٌ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ التَّسَبُّبَ بِالْإِكْرَاهِ أَشَدُّ مِنْ التَّسَبُّبِ بِالْحَفْرِ.
قُلْت الْحَقُّ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي مَسْأَلَةِ سَحْنُونٍ مُبَاشِرَانِ مَعًا ضَرُورَةَ مُبَاشَرَةِ الْآمِرِ الْمُكْرِهِ أَخْذَ الْمَالِ مِنْ مُخْرِجِهِ وَاسْتِقْرَارُهُ بِيَدِهِ وَالْآخِذُ مِنْ الْغَاصِبِ الْعَالِمِ بِالْغَصْبِ غَاصِبٌ.
" ق " قَوْلُهُ إلَّا لِمُعَيَّنٍ فَسِيَّانِ هَذَا قَوْلُ

أَوْ فَتَحَ قَيْدَ عَبْدٍ لِئَلَّا يَأْبَقَ أَوْ عَلَى غَيْرِ عَاقِلٍ، إلَّا بِمُصَاحَبَةِ رَبِّهِ،

[منح الجليل]

الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ ابْنِ شَاسٍ.
وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ يُقْتَلُ الْمُرْدِي دُونَ الْحَافِرِ تَغْلِيبًا لِلْمُبَاشَرَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ يُقْتَلُ الْمُرْدِي إلَّا أَنْ عُلِمَ بِتَقَدُّمِ فِعْلِ الْحَافِرِ وَقَصْدِهِ فَيَقْتُلَانِ مَعًا كَبَيِّنَةِ الزُّورِ مَعَ الْقَاضِي الْعَالِمِ بِزُورِهَا.
.

(أَوْ فَتَحَ قَيْدَ عَبْدٍ) قُيِّدَ (لِئَلَّا يَأْبَقَ) فَأَبَقَ فَيَضْمَنُهُ الْفَاتِحُ سَوَاءٌ أَبَقَ عَقِبَ فَتْحِهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَمَفْهُومُ لِئَلَّا يَأْبَقَ أَنَّهُ لَوْ قُيِّدَ نَكَالًا فَلَا يَضْمَنُهُ مَنْ فَتَحَ قَيْدَهُ " ق " فِي لُقَطَتِهَا مَنْ حَلَّ عَبْدًا مِنْ قَيْدٍ قُيِّدَ بِهِ لِخَوْفِ إبَاقِهِ فَذَهَبَ الْعَبْدُ ضَمِنَ (أَوْ) فَتَحَ بَابًا (عَلَى) حَيَوَانٍ (غَيْرِ عَاقِلٍ) مِنْ بَهِيمَةٍ أَوْ طَيْرٍ فَذَهَبَ فَيَضْمَنُهُ الْفَاتِحُ لِتَسَبُّبِهِ فِي ضَيَاعِهِ " ق " فِي لُقَطَتِهَا مَنْ فَتَحَ بَابَ قَفَصٍ فِيهِ طَيْرٌ فَذَهَبَ الطَّيْرُ ضَمِنَ وَمَنْ حَلَّ دَوَابَّ مِنْ مَرَابِطِهَا فَذَهَبَتْ ضَمِنَهَا كَالسَّارِقِ يَدَعُ بَابَ الْحَانُوتِ مَفْتُوحًا وَلَيْسَ فِيهِ رَبُّهُ فَيَذْهَبُ مَا فِي الْحَانُوتِ فَالسَّارِقُ يَضْمَنُهُ (إلَّا) فَتْحَهُ (بِمُصَاحَبَةِ رَبِّهِ) فَيَذْهَبُ مَا فِيهِ فَلَا يَضْمَنُهُ الْفَاتِحُ إلَّا الطَّيْرَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ عَادَةً " ق " فِي لُقَطَتِهَا مَنْ فَتَحَ بَابَ دَارٍ فِيهَا دَوَابُّ فَذَهَبَتْ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ مَسْكُونَةً فِيهَا أَهْلُهَا فَلَا يَضْمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَرْبَابُهَا فَيَضْمَنُ وَلَوْ كَانَ فِيهَا رَبُّهَا نَائِمًا فَلَا يَضْمَنُ، وَكَذَلِكَ السَّارِقُ يَدَعُ الْبَابَ مَفْتُوحًا وَأَهْلُ الدَّارِ فِيهَا نِيَامٌ أَوْ غَيْرُ نِيَامٍ فَلَا يَضْمَنُ مَا ذَهَبَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ إذَا تَرَكَ الْبَابَ مَفْتُوحًا وَلَيْسَ أَرْبَابُ الْبَيْتِ فِيهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ فِي حَلِّ رِبَاطِ زِقٍّ مَمْلُوءٍ زَيْتًا لِرَجُلٍ أَبْقَاهُ مُسْتَنِدًا كَمَا وَجَدَهُ فَأَسْقَطَهُ رَجُلٌ فَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ حَلَّهُ سَقَطَ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ أَوْ رِيحٍ وَضَمَّنُوا مَنْ أَسْقَطَهُ غَيْرَ قَاصِدٍ إتْلَافَ مَا فِيهِ، لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ إتْلَافَهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَوْلَى اشْتِرَاكُهُمَا فِي ضَمَانِهِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ سَقَطَ مَرْبُوطًا لَا يَذْهَبُ مَا فِيهِ، وَلَوْ بَقِيَ مَحْلُولًا لَا يُسْقِطُهُ أَحَدٌ لَا يَذْهَبُ مَا فِيهِ لِأَنَّ التَّلَفَ إنَّمَا حَصَلَ بِفِعْلِهِمَا وَلَوْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَحْصُلْ فَهُمَا كَرَجُلَيْنِ أَخْرَجَا شَيْئًا ثَقِيلًا مِنْ حِرْزٍ لَوْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِهِ فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَانِهِ مَعًا.
الصِّقِلِّيُّ لِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ مَنْ جَلَسَ عَلَى ثَوْبِ رَجُلٍ فِي الصَّلَاةِ فَقَامَ

أَوْ حِرْزًا لِمِثْلِيٍّ، وَلَوْ بِغَلَاءٍ بِمِثْلِهِ

[منح الجليل]

رَبُّهُ وَهُوَ تَحْتَ الْجَالِسِ فَتَقَطَّعَ لَا ضَمَانَ عَلَى الْجَالِسِ إذْ لَا يَجِدُ النَّاسُ مِنْ هَذَا بُدًّا فِي صَلَاتِهِمْ.
قُلْت وَالْأَظْهَرُ كَوْنُهُ مِنْهُمَا كَمُحْرِمٍ جَلَسَ عَلَى صَيْدٍ مُحَرَّمٍ فَقَتَلَهُ، وَفِي لُقَطَتِهَا مَنْ فَتَحَ بَابَ قَفَصٍ فِيهِ طَيْرٌ فَذَهَبَ الطَّيْرُ ضَمِنَ.
(أَوْ فَتَحَ حِرْزًا) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ بَيْتًا أَوْ حَانُوتًا أَوْ مَطْمُورًا أَوْ قَبْرًا مَثَلًا فِيهِ مَالٌ وَتَرَكَهُ مَفْتُوحًا فَذَهَبَ مِنْهُ شَيْءٌ فَيَضْمَنُهُ فَاتِحُهُ.
قَالَ الشَّارِحُ عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا يَضْمَنُهُ الْغَاصِبُ فَقَالَ (وَ) يَضْمَنُ الْغَاصِبُ الشَّيْءَ (الْمِثْلِيَّ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ وَالْمَعْدُودَ إذَا عَيَّبَهُ أَوْ أَتْلَفَهُ إذَا سَاوَى سِعْرُهُ وَقْتَ تَضْمِينِهِ سِعْرَهُ وَقْتَ غَصْبِهِ، بَلْ (وَلَوْ) غَصَبَهُ (بِغَلَاءٍ) وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِهِ وَقْتَ رَخَاءٍ فَيَضْمَنُهُ (بِمِثْلِهِ) أَيْ الْمِثْلِيِّ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا أَوْ عَدَدًا وَصِفَةً وَكَذَا عَكْسُهُ.
" ق " ابْنُ رُشْدٍ الْمِثْلِيُّ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ وَالْمَعْدُودُ الَّذِي لَا تَخْتَلِفُ أَعْيَانُ عَدَدِهِ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ فِيهَا لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ غَصَبَ لِرَجُلٍ طَعَامًا أَوْ إدَامًا فَاسْتَهْلَكَهُ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ بِمَوْضِعِ غَصْبِهِ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هُنَاكَ مِثْلَهُ لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى أَمْرٍ جَائِزٍ.
اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ إنْ غَصَبَهُ طَعَامًا مَا فِي شِدَّةٍ ثُمَّ صَارَ إلَى رَخَاءٍ هَلْ يَضْمَنُ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ وَعَلَى أَنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ فَيَغْرَمُ أَعْلَى الْقِيمَةِ.
الْمَازِرِيُّ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَغَيَّرُ بِذَلِكَ وَيُقْضَى بِمِثْلِهِ اهـ. الْحَطّ هَذَا إذَا فَاتَ الْمَغْصُوبُ، أَمَّا إذَا كَانَ مَوْجُودًا بِيَدِ الْغَاصِبِ وَأَرَادَ بِهِ أَخْذَهُ وَالْغَاصِبُ إعْطَاءَ مِثْلِهِ فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ إذَا كَانَ الْحَرَامُ قَائِمًا عِنْدَ آخِذِهِ لَمْ يَفُتْ رُدَّ بِعَيْنِهِ إلَى رَبِّهِ وَمَالِكِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ أَيْ الْغَاصِبِ مَالٌ حَلَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ إنْ كَانَ عَرْضًا وَلَا يُبَايِعُهُ فِيهِ إنْ كَانَ عَيْنًا وَلَا يَأْكُلُهُ إنْ كَانَ طَعَامًا وَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ شَيْئًا هِبَةً وَلَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ فِي حَقٍّ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ عَالِمٌ كَانَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ الْغَاصِبِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْطَعُ تَخْيِيرَ صَاحِبِهِ فِي أَخْذِهِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَوْ أَفَاتَهُ الْغَاصِبُ إفَاتَةً لَا تَقْطَعُ تَخْيِيرَ صَاحِبِهِ فِي أَخْذِهِ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ شَاةً فَيَذْبَحَهَا أَوْ بُقْعَةً فَيَبْنِيَهَا دَارًا أَوْ ثَوْبًا فَيَخِيطَهُ أَوْ يَصْبُغَهُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

وَصَبَرَ لِوُجُودِهِ،

[منح الجليل]

وَلَوْ أَفَاتَهُ إفَاتَةً يَلْزَمُهُ بِهَا الْقِيمَةُ أَوْ الْمِثْلُ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ وَسَقَطَ خِيَارُ رَبِّهِ فِي أَخْذِهِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ كَفِضَّةٍ صَاغَهَا حُلِيًّا وَصُفْرٍ صَنَعَهُ قَدَحًا وَخَشَبٍ صَنَعَهُ تَوَابِيتَ أَوْ أَبْوَابًا وَصُوفٍ وَحَرِيرٍ وَكَتَّانٍ عَمِلَهُ ثِيَابًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَمَا جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِخِلَافِ مَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِرَبِّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَخْذُ فِضَّتِهِ مَصُوغَةً وَصُفْرِهِ مَصْنُوعًا وَخَشَبِهِ مَعْمُولًا وَصُوفِهِ وَحَرِيرِهِ وَكَتَّانِهِ مَنْسُوجًا دُونَ شَيْءٍ يَكُونُ عَلَيْهِ لِلْغَاصِبِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ» ، رُوِيَ بِتَنْوِينِ عِرْقٍ عَلَى أَنَّ ظَالِمًا نَعْتُهُ، وَبِعَدَمِهِ لِإِضَافَتِهِ لَهُ، وَفِي النُّكَتِ عِرْقُ الظَّالِمِ مَا يَحْدُثُ فِي الْمَغْصُوبِ.
ابْنُ شَعْبَانَ الْعُرُوقُ أَرْبَعَةٌ ظَاهِرَانِ الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ، وَبَاطِنَانِ الْآبَارُ وَالْعُيُونُ ابْنُ بَشِيرٍ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ تَتَعَيَّنُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ كَانَ مَالُهُ حَرَامًا أَوْ فِيهِ شُبْهَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ أَخْذَ عَيْنِ دَنَانِيرِهِ وَدَرَاهِمِهِ مِنْ الْغَاصِبِ الَّذِي مَالُهُ حَرَامٌ أَوْ فِيهِ شُبْهَةٌ مُكِّنَ مِنْ ذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ.
وَفِي الْجَلَّابِ وَمَنْ غَصَبَ دَرَاهِمَ فَوَجَدَهَا رَبُّهَا بِعَيْنِهَا وَأَرَادَ أَخْذَهَا وَأَبَى الْغَاصِبُ أَنْ يَرُدَّهَا وَأَرَادَ رَدَّ مِثْلَهَا فَذَلِكَ لِلْغَاصِبِ دُونَ رَبِّهَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ ذَلِكَ لِرَبِّهَا دُونَ غَاصِبِهَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ لَمْ يَقُلْ هَذَا ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهِ، وَإِنَّمَا تُؤُوِّلَ عَلَيْهِ هَذَا فِي الْبَيْعِ وَلَا شُبْهَةَ، وَهُوَ مَا فِي كِتَابِ السَّلَمِ فِيمَنْ أَسْلَمْته فِي طَعَامٍ ثُمَّ أَقَالَك قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَدَرَاهِمُك فِي يَدِهِ فَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَك غَيْرَهَا فَذَلِكَ لَهُ وَإِنْ كُنْت شَرَطْت عَلَيْهِ اسْتِرْجَاعَهَا بِعَيْنِهَا سُلَيْمَانُ الْبُحَيْرِيُّ مَا فِي الْجَلَّابِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافُ الْمَشْهُورِ.
التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ وَالْقَرَافِيِّ عَنْهَا فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِرَبِّهَا أَخْذَهَا فَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَحْبِسَ الْمِثْلِيَّ وَيَدْفَعَ مِثْلَهُ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مُفَوِّتٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
.

(وَ) إذَا غَصَبَ مِثْلِيًّا فِي إبَّانِهِ وَفَاتَ وَانْعَدَمَ الْمِثْلِيُّ بِفَوَاتِ إبَّانِهِ (صَبَرَ) الْمَغْصُوبُ مِنْهُ (لِوُجُودِهِ) أَيْ الْمِثْلِيِّ فِي إبَّانِهِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا فَلَيْسَ لَهُ طَلَبُ الْغَاصِبِ بِمِثْلِهِ قَبْلَ إبَّانِهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَهُ ذَلِكَ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ فُقِدَ الْمِثْلِيُّ حِينَ طَلَبِهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا مِثْلُهُ اللَّخْمِيُّ أَرَادَ أَنَّهُ يَصْبِرُ حَتَّى يُوجَدَ أَشْهَبُ يُخَيَّرُ الطَّالِبُ فِي الصَّبْرِ أَوْ

وَلِبَلَدِهِ وَلَوْ صَاحَبَهُ، وَمُنِعَ مِنْهُ لِلتَّوَثُّقِ، وَلَا رَدَّ لَهُ:

[منح الجليل]

الْقِيمَةِ (وَ) إذَا غَصَبَ مِثْلِيًّا فِي بَلَدٍ وَانْتَقَلَ الْغَاصِبُ لِبَلَدٍ آخَرَ وَلَقِيَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ فِيهِ صَبَرَ وُجُوبًا حَتَّى يَرْجِعَ الْغَاصِبُ (لِبَلَدِهِ) أَيْ الْغَصْبِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَغْصُوبُ مَعَ الْغَاصِبِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ، بَلْ (وَلَوْ صَاحَبَهُ) أَيْ الْمَغْصُوبُ الْغَاصِبَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهُ فِيهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِقَوْلِهِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مِثْلُهُ فِي بَلَدِ الْغَصْبِ.
وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى قَوْلِ أَشْهَبَ يُخَيَّرُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بَيْنَ أَخْذِهِ فِيهِ أَوْ فِي مَكَانِ الْغَصْبِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي هُوَ فِيهِ قَرِيبًا مِنْ بَلَدِ الْغَصْبِ أَوْ بَعِيدًا مِنْهُ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَنْ وَافَقَهُ.
" ق " فِيهَا لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِنْ لَقِيَهُ رَبُّهُ بِغَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي غَصَبَهُ فِيهِ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ هُنَاكَ بِمِثْلِهِ وَلَا قِيمَتِهِ، وَإِنَّمَا لَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ بِمَوْضِعِ غَصْبِهِ فِيهِ فِي الذَّخِيرَةِ نَقْلُ الْمَغْصُوبِ تَشَعَّبَتْ فِيهِ الْمَذَاهِبُ وَاضْطَرَبَتْ فِيهِ الْآرَاءُ وَتَبَايَنَتْ بِنَاءً عَلَى مُلَاحَظَةِ أُصُولٍ وَقَوَاعِدَ، مِنْهَا أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَغْرَمَ كُلْفَةَ النَّقْلِ، لِأَنَّ مَالَهُ مَعْصُومٌ كَمَالِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَفِي الْمَجْمُوعَةِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الطَّعَامِ يُسْرَقُ فَيَجِدُهُ رَبُّهُ بِغَيْرِ بَلَدٍ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْغَاصِبَ أَوْ السَّارِقَ بِمِثْلِهِ فِي مَوْضِعِ سَرِقَتِهِ أَوْ غَصْبِهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ لَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَخْذِهِ بِعَيْنِهِ أَوْ مِثْلِهِ بِمَوْضِعِ نَقْلِهِ أَوْ يَأْخُذُ فِيهِ ثَمَنًا جَازَ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ طَعَامِ الْقَرْضِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الطَّعَامُ مَعَهُ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَصْبِرُ لِقُدُومِهِ بَلَدَ الْغَصْبِ لِيُغَرِّمَهُ مِثْلَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي غَيْرِ الطَّعَامِ طَرِيقَانِ.
ابْنِ رُشْدٍ سَمِعَ ابْنَ الْقَاسِمِ نَقْلُهُ مِنْ بَلَدٍ لِآخَرَ فَوْتٌ فِي الرَّقِيقِ وَالْعَرْضِ لَا الْحَيَوَانِ.
(وَ) إذَا لَقِيَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْغَاصِبَ بِغَيْرِ بَلَدِ الْغَصْبِ وَمَعَهُ الْمَغْصُوبُ (مُنِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْغَاصِبُ (مِنْ) أَنْ يَتَصَرَّفَ بِنَحْوِ بَيْعِ الـ (هـ) أَيْ الْمَغْصُوبِ الْمِثْلِيِّ (لِلتَّوَثُّقِ) عَلَى الْغَاصِبِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِرَهْنٍ أَوْ ضَامِنٍ اتِّفَاقًا " ق " أَصْبَغُ إنْ كَانَ الْبَلَدُ بَعِيدًا فَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَيُتَوَثَّقُ لِرَبِّ الطَّعَامِ بِحَقِّهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ لَقِيَ مَنْ غَصَبَهُ بِغَيْرِ بَلَدِ غَصْبِهِ وَالطَّعَامُ مَعَهُ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَا خِلَافَ أَنَّ الْغَاصِبَ يُمْنَعُ مِنْهُ حَتَّى يُتَوَثَّقَ مِنْهُ.
(وَ) إنْ طَلَبَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مِنْ الْغَاصِبِ رَدَّ الْمِثْلِيِّ لِبَلَدِ غَصْبِهِ لِيَأْخُذَهُ بِعَيْنِهِ فَ (لَا رَدَّ لَهُ)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

ابْنُ عَرَفَةَ مَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّهِ جَبْرُ الْغَاصِبِ عَلَى رَدِّهِ لِبَلَدِهِ، وَأَجَابَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ أَكْرَى مَلَّاحًا عَلَى حَمْلٍ تِينٍ مِنْ إشْبِيلِيَّةَ إلَى سَبْتَةَ فَحَمَلَهُ إلَى سَلَا يَغْرَمُ الْمَلَّاحُ مِثْلَ التِّينِ بِإِشْبِيلِيَّةَ، وَحَمْلَهُ إلَى سَبْتَةَ فَقِيلَ لَهُ أَفْتَى غَيْرُك بِوُجُوبِ رَدِّ الْمَلَّاحِ إلَى سَبْتَةَ وَهُوَ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يَصِلَ إلَيْهَا فَقَالَ ذَكَرَ هَذَا ابْنُ حَبِيبٍ، وَمَا قُلْته هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: تت قَوْلُهُ وَلَا رَدَّ لَهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ وَصَبَرَ لِبَلَدِهِ.
الثَّانِي: الشَّارِحُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَلَا رَدَّ لَهُ أَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ مِثْلِيٌّ وَلَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ وَحُكِمَ لَهُ بِقِيمَتِهِ ثُمَّ وُجِدَ الْمِثْلُ فَلَا يُرَدُّ لَهُ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مَضَى، قَالَ وَإِنَّمَا يَأْتِي هَذَا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ مَنْ غَصَبَ خَشَبَةً مِنْ عَدَنَ وَأَوْصَلَهَا لِجُدَّةِ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَلِرَبِّهَا تَكْلِيفُهُ رَدَّهَا أَوْ أَخَذَهَا بِعَيْنِهَا اهـ تت فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمِثْلِيِّ وَالْخَشَبَةُ مِنْ الْمُقَوَّمِ.
طفي الشَّارِحُ صَدَّرَ بِقَوْلِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ لِعَدَمِ الْمِثْلِ عَلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ ثُمَّ وُجِدَ الْمِثْلُ فَإِنَّهُ لَا رَدَّ لَهُ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مَضَى، ثُمَّ ذَكَرَ الِاحْتِمَالَ الَّذِي قَرَّرَ بِهِ تت، ثُمَّ قَالَ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ مَنْ غَصَبَ خَشَبَةً مِنْ عَدَنَ وَأَوْصَلَهَا لِجُدَّةِ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَلِرَبِّهَا أَنْ يُكَلِّفَهُ بِرَدِّهَا أَوْ أَخَذَهَا بِعَيْنِهَا.
فَقَالَ تت وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْمِثْلِيِّ وَالْخَشَبَةُ مِنْ الْمُقَوَّمِ.
اهـ. وَتَنْظِيرُهُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ قَرَّرَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِالْمِثْلِيِّ كَمَا قَرَّرَهُ تت، وَنَصُّهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ الْغَاصِبَ أَنْ يَرُدَّ الْمِثْلِيَّ إلَى بَلَدِ الْغَصْبِ اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ خِلَافَ الْمُغِيرَةِ وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ فِي الْمُقَوَّمِ، وَبِهَذَا تَعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ تت وَمَثَّلَ لَهُ بِمِثَالٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُمَثِّلْ لِلِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ.
وَلَمَّا ذَكَرَ الشَّارِحُ الِاحْتِمَالَيْنِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت كَلَامَ الْأَئِمَّةِ تَأَمُّلَ تَحْقِيقٍ ظَهَرَ لَك أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَلَا رَدَّ لَهُ هُنَا، وَإِنَّمَا مَحِلُّهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْمُقَوَّمِ، إذْ لَا مَعْنَى لَهُ هُنَا لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أَنَّ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُ بِرَدِّهِ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى نَفْيِهِ، وَكَيْفَ يُخَالِفُ الْمُغِيرَةُ

كَإِجَازَتِهِ بَيْعَهُ مَعِيبًا زَالَ، وَقَالَ أَجَزْت لِظَنِّ بَقَائِهِ:

[منح الجليل]

فِيهِ، وَلِذَا صَرَّحَ تت بِأَنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ وَصَبَرَ لِبَلَدِهِ.
وَفِي الْمُقَوَّمِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ وَمَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّهِ جَبْرُ الْغَاصِبِ عَلَى رَدِّهِ لِبَلَدِ الْغَصْبِ وَلِلْمُغِيرَةِ لِمَنْ نَقَلَ خَشَبَةً مِنْ عَدَنَ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ.
وَهَكَذَا فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ، وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ، وَذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي مَعْرِضِ الْمِثْلِيِّ فِي تَوْضِيحِهِ وَمُخْتَصَرِهِ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ إلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يُصَرِّحَا بِفَرْضِهَا فِي الْمِثْلِيِّ، فَلَعَلَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ ذَكَرَهَا فِي مَعْرِضِ الْكَلَامِ عَلَى الْمِثْلِيِّ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ، بِخِلَافِ الْمُصَنِّفِ فِي تَوْضِيحِهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْمِثْلِيِّ قَالَ فَرْعٌ فَلَوْ أَرَادَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ تَكْلِيفَ الْغَاصِبِ بِرَدِّ شَيْئِهِ إلَى مَكَان الْغَصْبِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِلْمُغِيرَةِ.
اهـ. فَلَفْظُ فَرْعٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ فِي الْمِثْلِيِّ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ فِي مُخْتَصَرِهِ مَعَ أَنَّهُ نَقَلَ خِلَافَ الْمُغِيرَةِ فِي الْخَشَبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَك أَنَّ تَقْرِيرَ الشُّرَّاحِ بِالْمِثْلِيِّ لَا سَلَفَ لَهُمْ فِيهِ، بَلْ مُجَرَّدُ اغْتِرَارٍ بِظَاهِرِ كَلَامِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ، وَسَلَّمَهُ الْبُنَانِيُّ.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الرَّدِّ فَقَالَ (كَإِجَازَتِهِ) بِالزَّايِ، أَيْ إمْضَاءِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَمَفْعُولُهُ قَوْلُهُ (بَيْعَهُ) أَيْ الْغَاصِبِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ أَيْضًا، وَمَفْعُولُهُ قَوْلُهُ مَغْصُوبًا (مَعِيبًا) بِعَيْبٍ قَدِيمٍ سَابِقٍ عَلَى غَصْبِهِ (زَالَ) عَيْبُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِزَوَالِهِ حِينَ إجَازَتِهِ بَيْعَهُ، ثُمَّ عَلِمَ بِهِ وَأَرَادَ رَدَّ بَيْعِ الْغَاصِبِ (وَقَالَ) الْمَغْصُوبُ مِنْهُ إنَّمَا (أَجَزْت) بَيْعَهُ (لِظَنِّ) يَ بِ (بَقَائِهِ) أَيْ الْعَيْبِ فَلَا رَدَّ لَهُ لِتَفْرِيطِهِ فِي عَدَمِ الْبَحْثِ عَنْهُ قَبْلَ إجَازَةِ بَيْعِهِ.
" ق " فِيهَا مَنْ غَصَبَ أَمَةً بِعَيْنِهَا بَيَاضٌ فَبَاعَهَا ثُمَّ ذَهَبَ الْبَيَاضُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ وَأَجَازَ رَبُّهَا بَيْعَهَا، ثُمَّ عَلِمَ بِذَهَابِ الْبَيَاضِ فَقَالَ إنَّمَا أَجَزْت الْبَيْعَ وَلَمْ أَعْلَمْ بِذَهَابِهِ وَأَمَّا الْآنَ فَلَا أُجِيزُهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ وَلَزِمَهُ الْبَيْعُ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الْمُكْتَرِي يَتَعَدَّى الْمَسَافَةَ فَتَضِلُّ الدَّابَّةُ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا ثُمَّ تُوجَدُ فَهِيَ لِلْمُكْتَرِي وَلَا شَيْءَ لِرَبِّهَا فِيهَا.
أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْ قَوْلَهُ لَوْ ذَهَبَ الْبَيَاضُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ فَمَفْهُومُهُ لَوْ ذَهَبَ عِنْدَ الْغَاصِبِ لَكَانَ

كَنُقْرَةٍ صِيغَتْ، وَطِينٍ لُبِّنَ، وَقَمْحٍ طُحِنَ، وَبَذْرٍ زُرِعَ

[منح الجليل]

الْحُكْمُ خِلَافَ هَذَا ابْنُ يُونُسَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لَوْ ذَهَبَ عِنْدَ الْغَاصِبِ وَأَجَازَ الْبَيْعَ لَانْبَغَى أَنَّ لَهُ التَّكَلُّمَ لِوُقُوعِ الْبَيْعِ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ الَّتِي يَعْرِفُهَا فَيَقُولُ إنَّمَا أَجَزْت الْبَيْعَ عَلَى مَا كُنْت أَعْرِفُ.
ابْنُ يُونُسَ يَقُولُ إنَّمَا أَجَزْت بَيْعَ جَارِيَةٍ عَوْرَاءَ بِهَذَا الثَّمَنِ وَلَوْ عَلِمْت أَنَّ بَيَاضَهَا قَدْ زَالَ قَبْلَ بَيْعِهَا مَا بِعْتهَا بِهَذَا الثَّمَنِ.
وَأَمَّا الَّتِي بِيعَتْ عَوْرَاءَ فَقَدْ بِيعَتْ عَلَى مَا كَانَ يَعْرِفُ فَقَدْ رَضِيَ بِتَسْلِيمِهَا عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ فَلَا حُجَّةَ لَهُ.
ابْنُ يُونُسَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا حُجَّةَ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ اسْتَثْبَتَ وَلَمْ يُعَجِّلْ وَهُوَ حُجَّةُ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الْأُولَى.
عَبْدُ الْحَقِّ لَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَقَوْلُ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَوْ شَاءَ لَمْ يُعَجِّلْ يَعُمُّ الْوَجْهَيْنِ.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ تَسَلُّطِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَى أَخْذِ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِهِ وَلِبَلَدِهِ فَقَالَ (كَنُقْرَةٍ) بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْقَافِ، أَيْ قِطْعَةٍ مَسْبُوكَةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَقَبْلَ سَبْكِهَا تُسَمَّى تِبْرًا (صِيغَتْ) حُلِيًّا بَعْدَ غَصْبِهَا فَلَيْسَ لِرَبِّهَا أَخْذُهَا مَصُوغَةً عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِفَوَاتِهَا بِالصِّيَاغَةِ، وَإِنَّمَا لَهُ مِثْلُهَا وَزْنًا وَصِفَةً.
" ق " ابْنُ يُونُسَ لَوْ غَصَبَهُ سَوِيقًا فَلَتَّهُ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَرَاضَيَا أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُعْطِيَهُ مِثْلَ مَا لَتَّهُ بِهِ مِنْ سَمْنٍ وَعَسَلٍ لِأَنَّهُ تَفَاضُلٌ بَيْنَ الطَّعَامَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبَ الْفِضَّةَ دَرَاهِمَ أَوْ صَاغَهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا وَيُعْطِيهِ أُجْرَتَهُ لِلتَّفَاضُلِ بَيْنَهُمَا.
(وَ) كَ (طِينٍ لُبِّنَ) بِضَمِّ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مُشَدَّدَةً أَيْ ضُرِبَ لَبِنًا بَعْدَ غَصْبِهِ فَلَيْسَ لِرَبِّهِ أَخْذُهُ لِفَوَاتِهِ، وَإِنَّمَا لَهُ مِثْلُ طِينِهِ إنْ عُلِمَ قَدْرُهُ وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ (وَ) كَ (قَمْحٍ) غُصِبَ وَ (طُحِنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ فَلَيْسَ لِرَبِّهِ أَخْذُهُ لِفَوَاتِهِ بِطَحْنِهِ إنَّمَا لَهُ مِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا (وَ) كَ (بَذْرٍ) بِفَتْحِ فَسُكُونٍ مُنَوَّنًا (زُرِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ طُرِحَ عَلَى الْأَرْضِ لِلنَّبَاتِ بَعْدَ غَصْبِهِ فَلَيْسَ لِرَبِّهِ إلَّا مِثْلُهُ، فِيهَا لِمَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إنْ عَمِلَ الْغَاصِبُ مِنْ الْخَشَبَةِ بَابًا أَوْ غَصَبَ تُرَابًا فَعَمِلَ مِنْهُ بَلَاطًا أَوْ غَصَبَ حِنْطَةً فَزَرَعَهَا وَحَصَلَ مِنْهَا حَبٌّ كَثِيرٌ أَوْ غَصَبَ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ أَوْ غَصَبَ فِضَّةً فَصَاغَهَا حُلِيًّا أَوْ ضَرَبَهَا دَرَاهِمَ فَعَلَيْهِ فِي هَذَا كُلِّهِ مِثْلُ مَا غَصَبَ فِي صِفَتِهِ وَوَزْنِهِ وَكَيْلِهِ أَوْ الْقِيمَةُ فِيمَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ، وَكَذَلِكَ

وَبَيْضٍ أُفْرِخَ، إلَّا مَا بَاضَ، إنْ حَضَنَ، وَعَصِيرٍ تَخَمَّرَ،

[منح الجليل]

فِي السَّرِقَةِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ غَصَبَ قَمْحًا فَطَحَنَهُ ضَمِنَ مِثْلَهُ وَلَا يُمَكَّنُ رَبُّ الْقَمْحِ مِنْ أَخْذِ الدَّقِيقِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَهُ أَخْذُهُ وَاتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ إنْ طَحَنَ الْقَمْحَ سَوِيقًا وَلَتَّهُ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ.

(وَ) كَ (بَيْضٍ) لِدَجَاجٍ أَوْ حَمَامٍ أَوْ إوَزٍّ غُصِبَ وَحُضِنَ حَتَّى (أَفْرَخَ) أَيْ صَارَ فِرَاخًا فَلَيْسَ لِرَبِّهِ إلَّا مِثْلُهُ وَالْفِرَاخُ لِلْغَاصِبِ (إلَّا) فِرَاخَ (مَا) أَيْ الطَّيْرَ الَّذِي (بَاضَ) فَهِيَ لِرَبِّهِ (إنْ حَضَنَ) الطَّيْرُ بَيْضَهُ كَدَجَاجِ وَحَمَامٍ وَإِوَزٍّ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الذَّكَرُ لِلْغَاصِبِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ لَوْ حَضَنَهُ تَحْتَ غَيْرِهِ أَوْ غَصَبَ الطَّيْرَ وَحَضَنَهُ بَيْضَ غَيْرِهِ لَكَانَتْ الْفِرَاخُ لِلْغَاصِبِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْحَضْنِ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ.
" ق " أَشْهَبُ مَنْ غَصَبَ بَيْضَةً فَحَضَنَهَا تَحْتَ دَجَاجَتِهِ فَخَرَجَ مِنْهَا دَجَاجَةٌ فَعَلَيْهِ بَيْضَةُ مِثْلِهَا كَغَاصِبِ الْقَمْحِ يَزْرَعُهُ فَعَلَيْهِ مِثْلُ الْقَمْحِ وَالزَّرْعُ لَهُ، وَلَوْ غَصَبَ دَجَاجَةً فَبَاضَتْ عِنْدَهُ فَحَضَنَتْ بَيْضَهَا فَفِرَاخُهَا لِرَبِّهَا كَالْوِلَادَةِ، وَلَوْ حَضَنَ بَيْضَ الْمَغْصُوبَةِ تَحْتَ دَجَاجَةٍ لِلْغَاصِبِ وَبَيْضَ دَجَاجَتِهِ تَحْتَ الْمَغْصُوبَةِ فَمَا خَرَجَ مِنْ الْفَرَارِيجِ لِلْغَاصِبِ وَالدَّجَاجَةُ لِرَبِّهَا، وَلَهُ مِثْلُ بَيْضِهَا وَفِيمَا حَضَنَتْ كِرَاءُ مِثْلِهَا.
ابْنُ الْمَوَّازِ مَعَ مَا نَقَصَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ نُقْصَانًا بَيِّنًا فَلِرَبِّهَا قِيمَتُهَا يَوْمَ غَصْبِهَا، وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ بَيْضِهَا وَلَا مِنْ فَرَارِيجِهَا.
وَلَوْ غَصَبَ حَمَامَةً فَزَوَّجَهَا ذَكَرًا لَهُ فَبَاضَتْ وَأَفْرَخَتْ فَالْحَمَامَةُ وَفَرَاخُهَا لِرَبِّهَا وَلَا شَيْءَ لِغَاصِبِهَا فِيمَا أَعَانَهَا ذَكَرُهُ مِنْ حَضَانَتِهِ، وَلِرَبِّهَا فِيمَا حَضَنَتْ مِنْ بَيْضِ غَيْرِهَا قِيمَةُ حَضَانَتِهَا، وَلَا شَيْءَ لَهُ فِيمَا حَضَنَهُ غَيْرُهَا مِنْ بَيْضِهَا وَإِنَّمَا لَهُ بَيْضٌ مِثْلُ بَيْضِ حَمَامَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فِي أَخْذِ مِثْلِ بَيْضِهَا ضَرَرٌ فِي تَكَلُّفِ حَمَامَةٍ تَحْضُنُهُ فَلَهُ أَنْ يُغَرِّمَ الْغَاصِبَ قِيمَةَ الْبَيْضِ.
(وَ) كَ (عَصِيرٍ) غُصِبَ وَ (تَخَمَّرَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ صَارَ خَمْرًا بَعْدَ غَصْبِهِ فَلِرَبِّهِ عَصِيرُ مِثْلِهِ لِفَوَاتِهِ بِانْقِلَابِهِ لِمَا لَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ.
الْمَازِرِيُّ إنْ غَصَبَ مُسْلِمٌ مِنْ مُسْلِمٍ خَمْرًا فَأَرَاقَهَا فَلَا يَضْمَنُهَا لِأَنَّهُ فَعَلَ الْوَاجِبَ مِنْ إرَاقَتِهَا الَّتِي وَجَبَتْ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ، وَلَوْ أَمْسَكَهَا حَتَّى تَخَلَّلَتْ لَوَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهَا لِمَنْ غَصَبَهَا مِنْهُ، وَقَدْ خَرَّجَ حُذَّاقُ شُيُوخِنَا فِي هَذَا

وَإِنْ تَخَلَّلَ: خُيِّرَ: كَتَخَلُّلِهَا لِذِمِّيٍّ، وَتَعَيَّنَ لِغَيْرِهِ

[منح الجليل]

خِلَافًا، لِأَنَّهُ كَمَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى طَائِرٍ لَا يَحُوزُهُ أَحَدٌ.
اللَّخْمِيُّ مَنْ غَصَبَ خَمْرًا فَتَخَلَّلَتْ فَلِرَبِّهَا أَخْذُهُ، وَإِنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ أُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ وَغَرِمَ مِثْلَهُ.
(وَإِنْ تَخَلَّلَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ صَارَ الْعَصِيرُ الْمَغْصُوبُ خَلًّا (خُيِّرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا مَالِكُهُ بَيْنَ أَخْذِ عَصِيرٍ مِثْلِهِ أَوْ أَخْذِهِ خَلًّا.
اللَّخْمِيُّ مَنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَلَّلَ خُيِّرَ رَبُّهُ فِي أَخْذِهِ وَأَخْذِ مِثْلِهِ.
وَشَبَّهَ فِي التَّخْيِيرِ فَقَالَ (كَتَخَلُّلِهَا) أَيْ صَيْرُورَةِ الْخَمْرِ خَلًّا بَعْدَ غَصْبِهَا حَالَ كَوْنِهَا (لِذِمِّيٍّ) فَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِ الْخَلِّ وَتَرْكِهِ وَأَخْذِ قِيمَةِ الْخَمْرِ عَلَى الْأَشْهَرِ لَا فِي أَخْذِهِ مِثْلَ الْخَمْرِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَتَعَيَّنُ أَخْذُ الْخَلِّ (وَتَعَيَّنَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَخْذُ الْخَلِّ الَّذِي تَحَوَّلَتْ الْخَمْرَةُ الْمَغْصُوبَةُ إلَيْهِ حَالَ كَوْنِهَا (لِغَيْرِهِ) أَيْ الذِّمِّيِّ وَهُوَ الْمُسْلِمُ فَقَطْ، هَذَا مُرَادُهُ، وَإِنْ تَعَقَّبَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّ غَيْرَ الذِّمِّيِّ يَشْمَلُ الْحَرْبِيَّ وَالْمُعَاهَدَ وَنَحْوَهُمَا مَعَ أَنَّهُمْ

وَإِنْ ضَيَّعَ كَغَزْلٍ وَحُلِيٍّ وَغَيْرِ مِثْلِيٍّ: فَقِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ،

[منح الجليل]

كَالذِّمِّيِّ فِي التَّخْيِيرِ، فَلَوْ قَالَ كَتَخَلُّلِهَا لِكَافِرٍ لَكَانَ أَحْسَنَ.
أَشْهَبُ إنْ غَصَبَ مُسْلِمٌ خَمْرًا لِذِمِّيٍّ فَتَخَلَّلَهَا خُيِّرَ الذِّمِّيُّ فِي أَخْذِهَا خَلًّا وَقِيمَتِهَا يَوْمَ غَصْبِهَا، وَفِيهَا لِمَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَوْ اسْتَهْلَكَ مُسْلِمٌ خَمْرًا لِذِمِّيٍّ أُغْرِمَ قِيمَتَهَا الْمَازِرِيُّ إنْ غَصَبَ مُسْلِمٌ مِنْ مُسْلِمٍ خَمْرًا وَأَمْسَكَهَا حَتَّى تَخَلَّلَتْ لَوَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهَا لِمَنْ غَصَبَهَا مِنْهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ غَصَبَ خَمْرًا فَفِي كَوْنِهَا يَتَخَلَّلُهَا عِنْدَ غَاصِبِهَا لَهُ أَوْ لِرَبِّهَا.
ثَالِثُهَا إنْ تَسَبَّبَ لِتَخْرِيجِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ وَالْمَعْرُوفِ.
وَمَفْهُومِ تَعْلِيلِ أَبِي مُحَمَّدٍ.

وَشَرَعَ فِي بَيَانِ ضَمَانِ الْمُقَوَّمِ الْمَغْصُوبِ فَقَالَ (وَإِنْ ضَيَّعَ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتِيَّةِ مُثَقَّلَةً فَعَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، أَيْ أَتْلَفَ الْغَاصِبُ مَغْصُوبًا مُقَوَّمًا (كَغَزْلٍ وَحُلِيٍّ وَغَيْرِ مِثْلِيٍّ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ كَعَرْضٍ وَحَيَوَانٍ (فَقِيمَتُهُ) أَيْ الْمَغْصُوبِ تَلْزَمُ الْغَاصِبَ مُعْتَبَرَةٌ (يَوْمَ غَصْبِهِ) عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ تَلْزَمُهُ أَعْلَى قِيمَةٍ مَضَتْ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِ غَصْبِهِ إلَى يَوْمِ تَلَفِهِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ شَعْبَانَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ تت ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ وَقَفَ عَلَى خَطِّ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَغَيْرُ بِالرَّفْعِ وَغَصَبَهُ فِعْلٌ مَاضٍ.
طفي قَوْلُهُ وَغَيْرُ بِالرَّفْعِ هَكَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا مِنْ صَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ، وَأَصْلُهُ تَصْحِيفٌ، إذْ الرَّفْعُ لَا يُلَائِمُ بِنَاءَ ضَيَّعَ لِلْفَاعِلِ.
الْحَطّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ رَأَى خَطَّ الْمُصَنِّفِ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَيَاءٍ تَحْتِيَّةٍ مَبْنِيًّا لِلنَّائِبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا غَصَبَ غَزْلًا ثُمَّ ضَاعَ بِسَبَبِ الْغَاصِبِ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ غُرْمُ قِيمَتِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي صَدَّرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَكَذَا الْحُلِيُّ إذَا غَصَبَهُ وَتَلِفَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ غُرْمُ قِيمَتِهِ، وَنَبَّهَ بِالْغَزْلِ وَالْحُلِيِّ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمِثْلِيِّ إذَا صُنِعَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُقَوَّمًا " غ " كَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا صَنَعَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ أَوْ لِلنَّائِبِ، فَيَنْبَغِي نَصْبُ لَفْظِ غَيْرِ عَلَى الْأَوَّلِ وَرَفْعُهُ عَلَى الثَّانِي عَلَى حَسَبِ مَحِلِّ الْكَافِ، وَكَأَنَّهُ مِنْ بَابِ عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا، أَيْ أَوْ فَوَّتَ غَيْرَ مِثْلِيٍّ، وَإِنَّمَا خَصَّ الصَّنْعَةَ أَوَّلًا نَظَرًا إلَى الْغَالِبِ، وَفَرَّ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا التَّخْصِيصِ فَضَبَطَ ضَيَّعَ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةً مَبْنِيًّا

وَإِنْ جِلْدَ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ، أَوْ كَلْبًا وَلَوْ قَتَلَهُ تَعَدِّيًا

[منح الجليل]

لِلْفَاعِلِ أَوْ لِلنَّائِبِ أَيْضًا، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ صَنَعَ إغْيَاءٌ لِمَسْأَلَةِ تَخْلِيلِ الْخَمْرِ، أَيْ وَإِنْ خُلِّلَ، وَهَذَا مَعْرُوفُ الْأَقْوَالِ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ، إذْ قَالَ فَفِي كَوْنِهَا بِتَخْلِيلِهَا عِنْدَ الْغَاصِبِ لَهُ أَوْ لِرَبِّهَا ثَالِثُهَا إنْ تَسَبَّبَ فِي تَخْلِيلِهَا لِتَخْرِيجِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ وَالْمَعْرُوفِ وَمَفْهُومِ تَعْلِيلِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ فَصُنِعَ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَنُونٍ مَبْنِيًّا لِلنَّائِبِ لَيْسَ إلَّا، وَغَيْرُ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى مَا بَعْدَ الْكَافِ وَبِقِيمَتِهِ بِبَاءِ جَرٍّ مَكَانَ فَاءِ الْجَوَابِ، وَالْمُشَبَّهُ بِهِ هُوَ قَوْلُهُ الْمِثْلِيُّ وَلَوْ بِغَلَاءٍ بِمِثْلِهِ وَكَأَنَّهُ قَالَ وَضَمِنَ الْمِثْلِيَّ بِمِثْلِهِ كَضَمَانِ الْغَزْلِ وَحُلِيٍّ وَغَيْرَ مِثْلِيٍّ بِقِيمَتِهِ اهـ. فِي الشَّامِلِ لَوْ اسْتَهْلَكَ غَزْلًا أَوْ أَتْلَفَ حُلِيًّا فَالْقِيمَةُ.
تت ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْغَزْلَ وَالْحُلِيَّ مِثْلِيٌّ لِقَوْلِهِ وَغَيْرَ مِثْلِيٍّ عَلَى أَصْلِ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الصَّنْعَةَ لَا تَنْقُلُ الْمِثْلِيَّ، وَأَصْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمِثْلِيَّ إذَا دَخَلَتْهُ صَنْعَةٌ يَصِيرُ مُقَوَّمًا فَهُمَا مُقَوَّمَانِ عَلَيْهِ.
وَيَلْزَمُ الْغَاصِبَ قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ الْمُقَوَّمِ الَّذِي تَلِفَ بِيَدِهِ إذَا كَانَ يَجُوزُ بَيْعُهُ.
بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (جِلْدَ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ) قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصُّهَا مَنْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ غَيْرَ مَدْبُوغٍ فَعَلَيْهِ إنْ أَتْلَفَهُ قِيمَتُهُ مَا بَلَغَتْ كَمَا لَا يُبَاعُ كَلْبُ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ ضَرْعٍ وَعَلَى قَاتِلِهِ قِيمَتُهُ مَا بَلَغَتْ.
الْبُنَانِيُّ لَوْ عَبَّرَ بِلَوْ بَدَلَ إنْ كَانَ أَوْلَى لِرَدِّ الْخِلَافِ الْمَذْهَبِيِّ.
ابْنُ رُشْدٍ عَقِبَ نَصِّهَا وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ وَإِنْ دُبِغَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَقِيلَ لَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا أَنْ يُدْبَغَ فَفِيهِ قِيمَتُهُ.
وَقِيلَ إنْ دُبِغَ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا قِيمَةُ دَبْغِهِ.
وَالصَّوَابُ أَنْ يَلْزَمَهُ قِيمَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ لِجَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (أَوْ) إنْ كَانَ (كَلْبًا) مَأْذُونًا فِيهِ لِصَيْدٍ أَوْ حِرَاسَةِ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ.
اللَّخْمِيُّ فَإِنْ كَانَ كَلْبَ دَارٍ فَلَا يَغْرَمُ قِيمَتَهُ، وَعَلَى الْغَاصِبِ الْقَاتِلِ الْكَلْبَ الْمَأْذُونَ فِيهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ إنْ قَتَلَهُ بَعْدَ غَصْبِهِ لَهُ قَبْلَ قَتْلِهِ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا وَسَحْنُونٌ لِرَبِّهِ أَخْذُ قِيمَتِهِ يَوْمَ قَتْلِهِ، وَمَفْهُومُ تَعَدِّيًا أَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ لِدَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ حِينَ عَدَاءِ الْكَلْبِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ إلَّا بِقَتْلِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ أَفَادَهُ الْحَطّ، وَنَصُّهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِعَدَاءٍ بِبَاءِ جَرٍّ دَاخِلَةٍ عَلَى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

عَدَاءٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ وَهُوَ تَجَاوُزُ الْحَدِّ وَالظُّلْمُ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَوْ تَعَدِّيًا بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ أَوَّلَهُ وَالتَّحْتِيَّةِ آخِرَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَضْمَنُ الْمُقَوَّمَ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ وَلَوْ قَتَلَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ تَعَدِّيًا مِنْهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لَهُ أَخْذُهُ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَتْلِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
" غ " قَوْلُهُ وَلَوْ قَتَلَهُ تَعَدِّيًا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ وَرَدُّهُ لِلْكَلْبِ كَمَا فِي الشَّامِلِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
تت إنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْكَلْبِ بِذَلِكَ وَأَنَّ الْقَتْلَ كَالْغَصْبِ فِي إيجَابِ الْقِيمَةِ عَلَى الْقَاتِلِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ إتْلَافَ الْمُقَوَّمِ يُوجِبُ قِيمَتَهُ، فَلَمْ يُفِدْ شَيْئًا غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي تَقْوِيمِهِ يَوْمُ غَصْبِهِ فَلَا خُصُوصِيَّةَ لَهُ بِذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَعْطَى حُكْمًا كُلِّيًّا يَعُمُّهُ وَغَيْرَهُ، وَنَحْوُهُ مَا فِي الشَّامِلِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ شَيْءٌ حَسَنٌ، وَأَيْضًا الْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي مُجَرَّدِ قَتْلٍ بِغَيْرِ غَصْبٍ، فَلَا يَتَأَتَّى مَا قَالَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
إنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذَا فِي الْكَلْبِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ قِيمَتِهِ.
طفي جَعْلُهُ الْمُبَالَغَةَ فِي الْكَلْبِ تَبِعَ فِيهِ الشَّارِحُ وَالصَّوَابُ أَنَّهَا مُبَالَغَةٌ فِي قَوْلِهِ وَغَيْرَ مِثْلِيٍّ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ قَتَلَ الْمَغْصُوبَ تَعَدِّيًا مِنْهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لَهُ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ قَتْلِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ، هَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ وَالْمُدَوَّنَةِ، وَبِهِ قَرَّرَ الْحَطّ وَغَيْرُهُ، وَعَلَيْهِ يَتَفَرَّعُ قَوْلُهُ: وَخُيِّرَ فِي الْأَجْنَبِيِّ، فَإِنَّهُ إشَارَةٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ قَتْلِ الْغَاصِبِ وَالْأَجْنَبِيِّ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْقَتْلِ، فَلَوْ عَبَّرَ بِالْإِتْلَافِ كَابْنِ الْحَاجِبِ لَكَانَ أَعَمَّ، وَأَصْلُ هَذَا التَّقْرِيرِ لِابْنِ غَازِيٍّ وَتَحَامَلَ عَلَيْهِ تت فِي كَبِيرِهِ، وَذَكَرَ نَصَّهُ الْمُتَقَدِّمَ ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُهُ إنَّمَا هُوَ فِي مُجَرَّدِ قَتْلِهِ بِلَا غَصْبٍ غَيْرُ صَوَابٍ إذْ هُوَ خُرُوجٌ عَمَّا الْكَلَامُ فِيهِ، وَلَا تَحْسُنُ الْمُبَالَغَةُ حِينَئِذٍ، إذْ لَا خِلَافَ يُشِيرُ إلَيْهِ بِهَا وَيُفَوِّتُ الْمُصَنِّفُ الْكَلَامَ عَلَى الْغَاصِبِ إذَا قَتَلَ الْمَغْصُوبَ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مَشْهُورَةٌ مَعْلُومَةٌ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ.
ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ وَالْخِلَافُ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْأَسْبَابِ فِي الضَّمَانِ إذَا كَانَتْ مِنْ فَاعِلٍ وَاحِدٍ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَخُيِّرَ فِي الْأَجْنَبِيِّ

فَإِنْ تَبِعَهُ تَبِعَ هُوَ الْجَانِيَ، فَإِنْ أَخَذَ رَبُّهُ أَقَلَّ: فَلَهُ الزَّائِدُ

[منح الجليل]

(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُوَقِّتْ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي أَثْمَانِ الْكِلَابِ بِأَنَّ فِي كَلْبِ الْمَاشِيَةِ شَاةً، وَفِي كَلْبِ الصَّيْدِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَفِي كَلْبِ الزَّرْعِ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، وَإِنَّمَا قَالَ فِيهَا عَلَى قَاتِلِهِ قِيمَتُهُ.
الثَّانِي: أَطْلَقَ الْكَلْبَ اعْتِمَادًا عَلَى قَوْلِهِ تَعَدِّيًا أَوْ بِعَدَاءٍ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَأْذُونِ فِيهِ قَتْلُهُ مُبَاحٌ.
الثَّالِثُ: لِهَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ نَظَائِرُ فِي لُزُومِ الْقِيمَةِ مَعَ امْتِنَاعِ الْبَيْعِ وَهِيَ بِئْرُ الْمَاشِيَةِ وَلَحْمُ الْأُضْحِيَّةِ وَخَمْرُ الذِّمِّيِّ وَالثَّمَرَةُ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالزَّرْعُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَالْمُدَبَّرُ.
.

(وَ) إنْ جَنَى عَلَى الْمَغْصُوبِ غَيْرُ غَاصِبِهِ فَأَتْلَفَهُ (خُيِّرَ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ مُثَقَّلَةً الْمَغْصُوبُ مِنْهُ (فِي) اتِّبَاعِ (الْأَجْنَبِيِّ) أَيْ غَيْرِ الْغَاصِبِ الْجَانِي عَلَى الْمَغْصُوبِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ أَوْ الْغَاصِبِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ، لِحُصُولِ سَبَبِ الضَّمَانِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا الْغَصْبُ مِنْ الْغَاصِبِ وَالْإِتْلَافُ مِنْ الْجَانِي.
وَمَفْهُومُ الْأَجْنَبِيِّ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ فِي إتْلَافِ الْغَاصِبِ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ السَّابِقَةُ الْمُشَارُ إلَيْهِمَا بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى الصَّوَابِ، وَإِنَّمَا لَهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ مِنْ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ تَعَدُّدَ أَسْبَابِ الضَّمَانِ مِنْ وَاحِدٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَهُوَ الصَّوَابُ.

(فَإِنْ تَبِعَهُ) أَيْ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْغَاصِبَ وَأَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ غَصْبِهِ (تَبِعَ هُوَ) أَيْ الْغَاصِبُ (الْجَانِيَ) بِقِيمَتِهِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ، فَإِنْ سَاوَتْ قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ يَوْمَ غَصْبِهِ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ فَالْحُكْمُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَوِيَا (فَإِنْ أَخَذَ رَبُّهُ) أَيْ الْمَغْصُوبِ (أَقَلَّ) الْقِيمَتَيْنِ مِنْ الْغَاصِبِ أَوْ مِنْ الْجَانِي وَأَخَذَ الْغَاصِبُ أَكْثَرَهُمَا مِنْ الْجَانِي بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَيَوْمَ الْجِنَايَةِ عَشَرَةً أَوْ بِالْعَكْسِ، وَأَخَذَ رَبُّهُ الْعَشَرَةَ مِنْ الْغَاصِبِ أَوْ مِنْ الْجَانِي (فَلَهُ)

مِنْ الْغَاصِبِ فَقَطْ، وَلَهُ هَدْمُ بِنَاءٍ عَلَيْهِ

[منح الجليل]

أَيْ رَبِّ الْمَغْصُوبِ (الزَّائِدُ) عَلَى أَقَلِّ الْقِيمَتَيْنِ الْمُتَمِّمِ لِأَكْثَرِهِمَا كَالْخَمْسَةِ فِي الْمِثَالِ، أَيْ أَخَذَهُ حَالَ كَوْنِهِ (مِنْ الْغَاصِبِ فَقَطْ) بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْغَصْبِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَيَوْمَ الْجِنَايَةِ عَشَرَةً، وَأَخَذَهَا رَبُّهُ مِنْ الْجَانِي فَيَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِخَمْسَةٍ تَمَامِ قِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ، وَمَفْهُومُ فَقَطْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الزَّائِدُ حَالَ كَوْنِهِ مِنْ الْجَانِي، بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ عَشَرَةً وَيَوْمَ الْجِنَايَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَأَخَذَ رَبُّهُ مِنْ الْغَاصِبِ عَشَرَةً فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْخَمْسَةِ لَا مِنْ الْغَاصِبِ وَلَا مِنْ الْجَانِي عَلَى الْمَشْهُورِ.
" ق " فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ غَصَبَ أَمَةً فَزَادَتْ قِيمَتُهَا عِنْدَهُ أَوْ نَقَصَتْ ثُمَّ قَتَلَهَا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ غَصْبِهَا فَقَطْ وَلَوْ قَتَلَهَا عِنْدَ الْغَاصِبِ أَجْنَبِيٌّ وَقِيمَتُهَا يَوْمَئِذٍ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ غَصْبِهَا فَلِرَبِّهَا أَخْذُ الْقَاتِلِ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ قَتْلِهَا بِخِلَافِ الْغَاصِبِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا يَوْمَئِذٍ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ غَصْبِهَا كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِتَمَامِ قِيمَتِهَا يَوْمَ غَصْبِهَا عَلَى الْغَاصِبِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَوْ كَانَ إنَّمَا أَخَذَ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصْبِهَا وَكَانَتْ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ قَتْلِهَا فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى قَاتِلِهَا بِشَيْءٍ، وَلِلْغَاصِبِ طَلَبُ الْقَاتِلِ بِجَمِيعِ قِيمَتِهَا يَوْمَ قَتْلِهَا.
(وَ) مَنْ غَصَبَ عَمُودًا أَوْ خَشَبًا أَوْ حَجَرًا وَبَنَى عَلَيْهِ بِنَاءً فَ (لَهُ) أَيْ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ (هَدْمُ بِنَاءٍ) وَلَوْ عَظُمَ كَالْقُصُورِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَهْدِمُ الْعَظِيمَ بَنَى (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَغْصُوبِ وَأَخْذُهُ وَلَهُ تَرْكُهُ لِلْغَاصِبِ وَأَخْذُ قِيمَتِهِ مِنْهُ يَوْمَ غَصْبِهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ الْغَاصِبُ مِنْ دَفْعِهَا مَعَ رِضَا رَبِّ الْمَغْصُوبِ بِهِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا وَلَهُ هَدْمُ بِنَائِهِ وَدَفَعَ الْمَغْصُوبَ لِرَبِّهِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَعَبْدُ الْحَمِيدِ يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا لِأَنَّ هَدْمَ بِنَائِهِ إضَاعَةٌ لِلْمَالِ.
" ق " فِيهَا مَنْ غَصَبَ خَشَبَةً أَوْ حَجَرًا فَبَنَى عَلَيْهَا فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا وَهَدْمُ الْبِنَاءِ وَكَذَلِكَ إنْ غَصَبَ ثَوْبًا وَجَعَلَهُ ظِهَارَةً لِجُبَّةٍ فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ أَوْ تَضْمِينُهُ قِيمَتَهُ.
أَبُو مُحَمَّدٍ لَهُ عَيْنُ شَبَهٍ وَيَفْتُقُ لَهُ الْجُبَّةَ وَيَهْدِمُ لَهُ الْبِنَاءَ وَالْهَدْمُ وَالْفَتْقُ عَلَى الْغَاصِبِ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ لَهُ أَيْضًا أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ الْخَشَبَةِ وَكَأَنَّ الْغَاصِبَ أَفَاتَهَا بِالْتِزَامِ قِيمَتِهَا، وَانْظُرْ لَوْ أَنْشَأَ سَفِينَةً عَلَى لَوْحٍ مَغْصُوبٍ أَوْ غَصَبَ خَيْطًا خَاطَ بِهِ جُرْحًا هَلْ يَتَخَرَّجُ عَلَى

وَغَلَّةُ مُسْتَعْمَلٍ

[منح الجليل]

تَهَوُّنِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ.
الْمَازِرِيُّ وَمِنْ هَذَا الْكَبْشُ يُدْخِلُ رَأْسَهُ فِي قِدْرِ غَيْرِ رَبِّهِ وَالدِّينَارُ يَقَعُ فِي إنَاءِ الْغَيْرِ، وَلَا يُقْدَرُ عَلَى إخْرَاجِهِ إلَّا بِكَسْرِ الْإِنَاءِ، وَمِنْ الْحَاوِي مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ ابْتَاعَ خَشَبَةً وَبَنَى عَلَيْهَا وَاسْتُحِقَّتْ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا قَلْعُهَا لِلضَّرَرِ وَلِأَنَّ الْبَانِيَ لَيْسَ بِغَاصِبٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ إدْخَالُ الْغَاصِبِ لَوْحًا فِي سَفِينَةٍ أَنْشَأَهَا كَالْحَجَرِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ بِنَاءٌ مُعْتَبَرٌ إنْ كَانَ نَزْعُهُ لَا يَسْتَلْزِمُ مَوْتَ آدَمِيٍّ وَلَا إتْلَافَ مَالٍ لِغَيْرِ الْغَاصِبِ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذَا اعْتِبَارُ أَشَدِّ الضَّرَرَيْنِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِ الضَّرَرِ وَمَنْ يَلْحَقُهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ غَاصِبًا وَغَيْرَ غَاصِبٍ، وَكَذَا غَصْبُ خَيْطٍ خِيطَ بِهِ جُرْحٌ إنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ نَزْعُهُ إتْلَافَ عُضْوٍ آدَمِيٍّ مُحْتَرَمٍ أَوْ حُدُوثَ مَرَضٍ بِهِ مَخُوفٍ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ وَاسْتَلْزَمَ تَأْخِيرَ بُرْءٍ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمِنْ هَذَا إدْخَالُ كَبْشٍ رَأْسَهُ فِي قِدْرِ لِغَيْرِ رَبِّهِ لَا بِتَسَبُّبٍ مِنْ أَحَدِ مَالِكَيْهِمَا فَلَا يَضْمَنُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ شَيْئًا وَهُوَ مِنْ جُرْحِ الْعَجْمَاءِ، وَكَذَا دُخُولُ دِينَارٍ فِي دَوَاةِ غَيْرِ رَبِّهِ لَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ مِنْهَا إلَّا بِكَسْرِهَا، وَكَانَ شَيْخُنَا إذَا ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ يَحْكِي أَنَّ جَمَلَيْنِ اجْتَمَعَا فِي مَضِيقٍ لَا يُمْكِنُ نَجَاةُ أَحَدِهِمَا إلَّا بِنَحْرِ الْآخَرِ، فَحَكَمَ بَعْضُ الْقُضَاةِ بِنَحْرِ أَحَدِهِمَا وَيَشْتَرِكَانِ فِي الْبَاقِي كَالْمَطْرُوحِ مِنْ السَّفِينَةِ لِنَجَاتِهَا، وَمِنْهَا إنْ عَمِلَ الْغَاصِبُ الْخَشَبَةَ بَابًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا.
وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا أَوْ بَنَى بِهَا شَيْئًا ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا قِيلَ لِلْغَاصِبِ اقْلَعْ الْأُصُولَ وَالْبِنَاءَ إنْ كَانَ لَك فِيهِ مَنْفَعَةٌ إنْ يَشَاءُ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ الْبِنَاءِ وَالْأَصْلِ مَقْلُوعًا، وَكُلُّ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْغَاصِبِ بَعْدَ قَلْعِهِ كَالْجِصِّ وَالنَّقْشِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ؛ وَكَذَا مَنْ حَفَرَ بِئْرًا أَوْ مِطْمَرًا فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي ذَلِكَ، اهـ. .

(وَ) لَهُ (غَلَّةُ) مَغْصُوبٍ (مُسْتَعْمَلٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ مِنْ رَقِيقٍ وَدَابَّةٍ وَدَارٍ وَغَيْرِهَا، سَوَاءٌ اسْتَعْمَلَهُ الْغَاصِبُ أَوْ أَكْرَاهُ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَازِرِيِّ وَصَاحِبِ الْمُعِينِ وَهُوَ الصَّحِيحُ إذْ لَا حَقَّ لِلْغَاصِبِ.
وَرَوَى الْمَازِرِيُّ لَا ضَمَانَ عَلَى الْغَاصِبِ مُطْلَقًا وَرُجِّحَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

لِخَبَرِ «الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ» ، وَمَفْهُومُ مُسْتَعْمَلٍ أَنَّ مَا لَهُ غَلَّةٌ وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ كَالرَّقِيقِ لَا يَسْتَعْمِلُهُ وَالدَّارُ يُغْلِقُهَا وَالْأَرْضُ يُبَوِّرُهَا وَالدَّابَّةُ يَحْبِسُهَا لَا تَلْزَمُهُ غَلَّتُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقِيلَ تَلْزَمُهُ وَصَوَّبَهُ الْأَشْيَاخُ وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ غُصِبَتْ دَنَانِيرُهُ أَوْ دَرَاهِمُهُ وَأَنْفَقَهَا الْغَاصِبُ أَوْ اتَّجِرْ بِهَا فَقِيلَ لَا شَيْءَ لَهُ إلَّا رَأْسُ مَالِهِ وَشُهِرَ.
وَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ اتَّفَقُوا أَنَّ الرِّبْحَ لِلْغَاصِبِ فِيمَا غَصَبَهُ مِنْ مَالٍ أَوْ سَرِقَةٍ وَالْخَسَارَةَ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ لَهُ رِبْحُهُ إنْ كَانَ الْغَاصِبُ مُعْسِرًا.
وَقِيلَ لَهُ مِقْدَارُ مَا كَانَ يَرْبَحُ فِيهِ لَوْ كَانَ بِيَدِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْغَلَّةَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَلَوْ هَلَكَ الْمَغْصُوبُ وَهُوَ كَذَلِكَ فَيَأْخُذُ غَلَّةَ الْمَغْصُوبِ وَقِيمَتَهُ وَنَحْوُهُ فِي الْكَافِي أَفَادَهُ تت.
طفي لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ هَذَا وَإِنْ عَزَاهُ فِي الْكَافِي لِأَصْحَابِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لِأَنَّهُ خِلَافُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَفِيهَا وَمَا أَثْمَرَ عِنْدَ الْغَاصِبِ مِنْ نَخْلٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ تَنَاسَلَ مِنْ الْحَيَوَانِ أَوْ جَزَّ مِنْ الصُّوفِ أَوْ حَلَبَ مِنْ اللَّبَنِ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَعَ مَا اغْتَصَبَ لِمُسْتَحِقِّهِ وَمَا أَكَلَ يَرُدُّ الْمِثْلَ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ وَالْقِيمَةَ فِيمَا لَا يُقْضَى فِيهِ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ وَبَقِيَ الْوَلَدُ أَوْ مَا جَزَّ مِنْهَا وَحَلَبَ يُخَيِّرُ رَبُّهَا، فَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ الْأُمَّهَاتِ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ وَلَدٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ لَبَنٍ وَلَا فِي ثَمَنِهِ إنْ بِيعَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْوَلَدَ إنْ كَانَ وَلَدٌ أَوْ ثَمَنَ مَا بِيعَ مِنْ صُوفٍ أَوْ لَبَنٍ وَنَحْوِهِ، وَمَا أَكَلَ الْغَاصِبُ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ وَالْقِيمَةُ فِيمَا يُقَوَّمُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْأُمَّهَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ أَمَةً ثُمَّ بَاعَهَا فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ ثُمَّ مَاتَتْ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا أَنْ يَأْخُذَ أَوْلَادَهَا وَقِيمَةَ الْأَمَةِ مِنْ الْغَاصِبِ، وَإِنَّمَا لَهُ أَخْذُ ثَمَنِهَا مِنْ الْغَاصِبِ أَوْ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصْبِهَا، أَوْ يَأْخُذُ الْوَلَدَ مِنْ الْمُبْتَاعِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْغَاصِبِ مِنْ قِيمَةِ الْأُمِّ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُبْتَاعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِالثَّمَنِ اهـ. وَاقْتَصَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي بَيَانِهِ وَمُقَدِّمَاتِهِ عَلَى هَذَا، وَكَذَا ابْنُ عَرَفَةَ، وَلَمْ يُعَرِّجْ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى مَا فِي الْكَافِي عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْكَافِي مُعْتَرِفٌ بِأَنَّ مَا نَقَلَهُ تت خِلَافُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَإِنَّهُ حَكَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا إنْ أَخَذَ الْقِيمَةَ فَلَا غَلَّةَ لَهُ، قَالَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالثَّانِي أَنَّ لَهُ أَخْذَ الْقِيمَةِ مَعَ الْغَلَّةِ، قَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ

كَانَ الْمَغْصُوبُ عَبْدًا وَأَمَرَهُ الْغَاصِبُ بِالصَّيْدِ وَصَيْدُ عَبْدٍ، وَجَارِحٍ

[منح الجليل]

مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ.
" ق " ابْنُ عَرَفَةَ فِي غُرْمِ الْغَاصِبِ غَلَّةَ الْمَغْصُوبِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَكُلُّ رَبْعٍ اغْتَصَبَهُ غَاصِبٌ فَسَكَنَهُ أَوْ اغْتَلَّهُ، أَوْ أَرْضٍ فَزَرَعَهَا فَعَلَيْهِ كِرَاءُ مَا سَكَنَ أَوْ زَرَعَ لِنَفْسِهِ وَغَرِمَ مَا أَكْرَاهَا بِهِ مِنْ غَيْرِهِ مَا لَمْ يُحَابِ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا وَلَا انْتَفَعَ بِهَا وَلَا اغْتَلَّهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَا اغْتَصَبَ مِنْ دَوَابَّ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ سَرَقَهُ فَاسْتَعْمَلَهَا شَهْرًا وَطَالَ مُكْثُهَا بِيَدِهِ أَوْ أَكْرَاهَا وَقَبَضَ كِرَاءَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَلَهُ مَا قَبَضَ مِنْ كِرَائِهَا وَإِنَّمَا لِرَبِّهَا عَيْنُ شَيْئِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُ قِيمَتَهَا إذَا كَانَتْ عَلَى حَالَتِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ فِي بَدَنِهَا وَلَا يُنْظَرُ إلَى تَغَيُّرِ سُوقِهَا.
وَأَمَّا الْمُكْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرُ يَتَعَدَّى الْمَسَافَةَ تَعَدِّيًا بَعِيدًا، أَوْ بِحَبْسِهَا أَيَّامًا كَثِيرَةً ثُمَّ يَرُدُّهَا بِحَالِهَا فَرَبُّهَا يُخَيِّرُ فِي أَخْذِ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي، أَوْ يَأْخُذُهَا مَعَ كِرَاءِ حَبْسِهِ إيَّاهَا بَعْدَ الْمَسَافَةِ، وَلَهُ فِي الْوَجْهَيْنِ عَلَى الْمُكْتَرِي الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ وَالسَّارِقُ أَوْ الْغَاصِبُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا قِيمَةٌ وَلَا كِرَاءٌ إذَا رَدَّهَا بِحَالِهَا، وَلَوْلَا مَا قَالَهُ مَالِكٌ لَجَعَلْت عَلَى السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ كِرَاءَ رُكُوبِهِ إيَّاهَا وَأُضَمِّنُهُ قِيمَتَهَا إذَا حَبَسَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا كَالْمُكْتَرِي، وَلَكِنِّي آخُذُ فِيهِمَا بِقَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اهـ. الْبَاجِيَّ الْفَرْقُ أَنَّ الْغَاصِبَ غَصَبَ الرَّقَبَةَ فَيَضْمَنُهَا دُونَ مَنَافِعِهَا، بِخِلَافِ الْمُكْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرِ فَتَعَدَّى عَلَى الْمَنَافِعِ فَضَمِنَهَا.
الْحَطّ قَوْلُهُ وَغَلَّةُ مُسْتَعْمَلٍ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَضْمَنُ غَلَّةَ مَا اسْتَعْمَلَهُ مِنْ رِبَاعٍ وَحَيَوَانٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ لَا يَرُدُّ غَلَّةَ الْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ لَا يَرُدُّ غَلَّةَ الْحَيَوَانِ مُطْلَقًا وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ صَرَّحَ الْمَازِرِيُّ وَصَاحِبُ الْمُعِينِ وَغَيْرُهُمَا بِتَشْهِيرِهِ، وَشَهَّرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ.
.

(وَ) لَهُ (صَيْدُ) أَيْ مَصِيدُ (عَبْدٍ) مَغْصُوبٍ اتِّفَاقًا (وَ) مَصِيدُ (جَارِحٍ) كَبَازٍ وَكَلْبٍ عَلَى الْمَشْهُورِ.
ابْنُ بَشِيرٍ إنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ عَبْدًا وَأَمَرَهُ الْغَاصِبُ بِالصَّيْدِ فَلَا خِلَافَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

أَنَّ صَيْدَهُ لِرَبِّهِ، وَإِنْ كَانَ آلَةً كَسَيْفٍ وَرُمْحٍ فَلَا خِلَافَ أَنَّ صَيْدَهُ لِلْغَاصِبِ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ انْتِفَاعِهِ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ فَرَسًا فَقَدْ أَلْحَقُوهُ بِالْآلَاتِ، وَإِنْ كَانَ جَارِحًا كَالْبَازِي وَالْكَلْبِ فَهَلْ يُلْحَقُ بِالْعَبْدِ أَوْ بِالْآلَاتِ قَوْلَانِ.
ابْنُ رُشْدٍ لَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّ الَّذِي يَتَعَدَّى عَلَى فَرَسٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ نَبْلٍ فَيَصِيدُ بِهِ، فَإِنَّ الصَّيْدَ لِلْمُتَعَدِّي وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ الْفَرَسِ وَالْقَوْسِ وَالنَّبْلِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ أَيْضًا فِيمَنْ تَعَدَّى عَلَى عَبْدٍ فَبَعَثَهُ يَصْطَادُ أَنَّ الصَّيْدَ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ تَعَدَّى عَلَى كَلْبٍ أَوْ بَازٍ فَاصْطَادَ بِهِ وَالْأَظْهَرُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، أَنَّهُ كَمَنْ تَعَدَّى عَلَى عَبْدٍ فَأَرْسَلَهُ يَصْطَادُ لَهُ، لِأَنَّ الْعَمَلَ إنَّمَا هُوَ لِلْكَلْبِ وَالْبَازِي لِأَنَّهُمَا هُمَا التَّابِعَانِ الصَّيْدَ الْآخِذَانِ لَهُ، وَإِنَّمَا لِلْمُتَعَدِّي فِي ذَلِكَ الْإِرْسَالُ وَالْإِشْلَاءُ خَاصَّةً، فَوَجَبَ كَوْنُ صَاحِبِ الْكَلْبِ وَالْبَازِي أَحَقَّ بِالصَّيْدِ لِأَنَّ لَهُ فِي صَيْدِهِ شَيْئَيْنِ الِاتِّبَاعَ وَالْأَخْذَ، وَلَيْسَ لِلْمُتَعَدِّي فِيهِ إلَّا التَّحْرِيضُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا تُؤُوِّلَ مِنْ مَذْهَبِ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ أَنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ فِيهَا لِمَنْ أَخْرَجَ شَيْئَيْنِ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي غُرْمِ الْغَاصِبِ غَلَّةَ الْمَغْصُوبِ مُطْلَقًا وَنَفْيِهِ، ثَالِثُهَا: غَلَّةُ الرِّبَاعِ وَالْغَنَمِ وَالْإِبِلِ لَا الْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ، وَرَابِعُهَا: مَا اسْتَقَلَّ لَا مَا اُسْتُغِلَّ.
وَخَامِسُهَا: غَلَّةُ الرِّبَاعِ وَالنَّخْلِ لَا غَلَّةُ الْعَبْدِ وَالْحَيَوَانِ، ثُمَّ قَالَ وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ اُخْتُلِفَ فِي غَلَّةِ الْمَغْصُوبِ فَقَالَ أَشْهَبُ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَغْصُوبِ تَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبْضِهَا أَوْ أَكْثَرُ مَا انْتَهَتْ إلَيْهِ وَإِنْ تَلِفَتْ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ، وَاَلَّذِينَ قَالُوا حُكْمُهَا خِلَافُ حُكْمِ الْمَغْصُوبِ اخْتَلَفُوا بَعْدَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهَا إنْ تَلِفَتْ بِبَيِّنَةٍ لَا يَضْمَنُهَا، وَإِنْ ادَّعَى تَلَفَهَا فَلَا يُصَدَّقُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ.
وَتَحْصِيلُ اخْتِلَافِهِمْ أَنَّ مَا تَوَلَّدَ عَنْ الْمَغْصُوبِ عَلَى هَيْئَتِهِ وَخِلْقَتِهِ وَهُوَ الْوَلَدُ فَإِنَّ الْغَاصِبَ يَرُدُّهُ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ هَيْئَتِهِ وَهُوَ السَّمْنُ وَاللَّبَنُ وَالصُّوفُ وَشِبْهُهُ فِي كَوْنِهِ لِلْغَاصِبِ وَوُجُوبِ رَدِّهِ قَوْلَانِ وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ خُيِّرَ رَبُّهُ فِي أَخْذِ قِيمَتِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْغَلَّةِ وَأَخْذِ الْغَلَّةِ دُونَ قِيمَتِهِ، وَمَا كَانَ غَيْرُ مُتَوَلِّدٍ كَالْأَكْرِيَةِ وَالْخَرَاجَاتِ فِي وُجُوبِ رَدِّهَا وَنَفْيِهِ.
ثَالِثُهَا يَرُدُّ إنْ أَكْرَى أَوْ انْتَفَعَ لَا إنْ عَطَّلَ.
وَرَابِعُهَا إنْ أَكْرَى لَا إنْ انْتَفَعَ أَوْ عَطَّلَ.
وَخَامِسُهَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَالْأُصُولِ اهـ. .

وَكِرَاءُ أَرْضٍ بُنِيَتْ كَمَرْكَبٍ نَخِرٍ، وَأَخَذَ مَا لَا عَيْنَ لَهُ قَائِمَةٌ،

[منح الجليل]

وَ) لَهُ (كِرَاءُ أَرْضٍ بُنِيَتْ) دَارًا أَوْ نَحْوَهَا وَسَكَنَهَا الْغَاصِبُ أَوْ اسْتَغَلَّهَا.
اللَّخْمِيُّ لَمْ أَعْلَمْهُمْ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ غَصَبَ أَرْضًا وَبَنَاهَا ثُمَّ سَكَنَ أَوْ اسْتَغَلَّ أَنَّهُ لَا يَغْرَمُ سِوَى غَلَّةِ الْقَاعَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ لَهُ خَاصَّةً، فَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرَكَةً وَبَنَى فِيهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَوْ غَرَسَ فَلْيَقْتَسِمَا، فَإِنْ وَقَعَ بِنَاؤُهُ أَوْ غَرْسُهُ فِي حِصَّتِهِ دَفَعَ لِشَرِيكِهِ أُجْرَةَ الْأَرْضِ فِيمَا مَضَى، وَإِنْ وَقَعَ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ خُيِّرَ مَنْ وَقَعَتْ فِي حِصَّتِهِ بَيْنَ دَفْعِ قِيمَتِهِ مَقْلُوعًا أَوْ أَمْرِهِ بِقَلْعِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَحَكَى اللَّخْمِيُّ الْخِلَافَ فِيمَنْ غَصَبَ بِنَاءً خَرِبًا وَأَصْلَحَهُ وَاغْتَلَّهُ فَقَالَ أَشْهَبُ مَا زَادَ فِي غَلَّتِهِ فَلِلْغَاصِبِ كَسَاحَةٍ يَعْمُرْهَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْجَمِيعُ لِلْمَالِكِ وَوَافَقَ أَصْبَغُ أَشْهَبَ.
اللَّخْمِيُّ وَهُوَ أَبْيَنُ فَيُقَوَّمُ الْأَصْلُ قَبْلَ إصْلَاحِهِ فَيُنْظَرُ مَا كَانَ يُؤَاجَرُ بِهِ مِمَّنْ يُصْلِحُهُ فَيَغْرَمُهُ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلِلْغَاصِبِ.
وَرَأَى مُحَمَّدٌ أَنَّ جَمِيعَ الْغَلَّةِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلَهُ أَخْذُ الدَّارِ مُصْلَحَةً وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا قِيمَةُ مَا لَوْ نَزَعَهُ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ وَرَأَى الْمَالِكَ يَسْتَحِقُّ الْبِنَاءَ بِقِيمَتِهِ فَتَكُونُ غَلَّتُهُ لَهُ.
وَشَبَّهَ فِي أَنَّ كِرَاءَ الْأَصْلِ الْخَرِبِ لِمَنْ يُصْلِحُهُ لِلْمَالِكِ وَالزَّائِدَ بِالْإِصْلَاحِ لِلْغَاصِبِ فَقَالَ (كَمَرْكَبٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ سَفِينَةٍ (نَخِرٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ بَالٍ مُتَخَرِّبٍ غَصَبَهُ وَأَصْلَحَهُ وَاسْتَغَلَّهُ فَغَلَّةُ الْأَصْلِ لِلْمَالِكِ وَالزَّائِدُ لِلْغَاصِبِ بِأَنْ يُقَالَ كَمْ تُسَاوِي أُجْرَتُهُ نَخِرًا لِمَنْ يُعَمِّرُهُ وَيَسْتَغِلُّهُ، فَمَا قِيلَ لَزِمَ الْغَاصِبَ لَهُ قَالَهُ أَشْهَبُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْجَمِيعُ لِلْمَالِكِ.
اللَّخْمِيُّ الْأَوَّلُ أَبْيَنُ.
ابْنُ رَاشِدٍ أَقْيَسُ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الثَّانِي أَظْهَرُ.
(وَ) إذَا أَخَذَ الْمَالِكُ الْمَرْكَبَ (أَخَذَ) مَعَهُ بِلَا عِوَضٍ (مَا) أَيْ الْمُصْلَحَ بِهِ الَّذِي (لَا عَيْنَ) أَيْ ذَاتَ (لَهُ) بَعْدَ قَلْعِهِ (قَائِمَةٌ) أَيْ لَهَا قِيمَةٌ كَالزِّفْتِ وَالْقُلْفُطَةِ.
وَأَمَّا مَا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ كَالْحِبَالِ وَالْمَجَاذِيفِ وَالسَّوَارِي وَالْقِلَاعِ وَالْهُلْبِ الَّذِي يُرْمَى فِي الْبَحْرِ لِحَبْسِ الْمَرْكَبِ عَنْ السَّيْرِ فَلِلْغَاصِبِ أَخْذُهُ إنْ كَانَ الْمَرْكَبُ فِي مَرْسَى بَلَدِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ وَتَوَقَّفَ سَيْرُهُ إلَى بَلَدِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَجِدْ بَدَلَهُ يُسَيِّرُهَا بِهِ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ،

وَصَيْدِ شَبَكَةٍ وَمَا أَنْفَقَ فِي الْغَلَّةِ

[منح الجليل]

فَيُخَيَّرُ رَبُّ الْمَرْكَبِ بَيْنَ دَفْعِ قِيمَتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ كَيْفَ كَانَتْ وَتَسْلِيمِهِ لِلْغَاصِبِ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ غَصَبَ مَرْكَبًا خَرِبًا وَأَنْفَقَ فِي قَلْفَطَتِهِ وَرَقَبَتِهِ وَآلَتِهِ ثُمَّ اغْتَلَّ فِيهِ غَلَّةً كَثِيرَةً فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ مَصْلُوحًا بِجَمِيعِ غَلَّتِهِ، وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِيمَا أَنْفَقَ الْغَاصِبُ إلَّا فِي الصَّارِي وَالْأَرْجُلِ وَالْحِبَالِ، وَمَا لَهُ ثَمَنٌ إنْ أُخِذَ فَلِلْغَاصِبِ أَخْذُهُ، وَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا تُوجَدُ فِيهِ آلَتُهُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا فِي جَرْيِهِ حَتَّى يَرِدَ إلَى مَوْضِعِهِ، وَمَا لَا يُوجَدُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي حَمَلَهُ إلَيْهِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِ ذَلِكَ بِقِيمَتِهِ.
(وَ) لَهُ كِرَاءُ (صَيْدِ شَبَكَةٍ) وَشَرَكٍ وَرُمْحٍ وَنَبْلٍ وَقَوْسٍ وَحَبْلٍ وَسَيْفٍ مَغْصُوبَةٍ فَصَيْدٍ مَجْرُورٌ عَطْفٌ عَلَى أَرْضٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الِاصْطِيَادُ.
وَأَمَّا الْمَصِيدُ بِهَا فَهُوَ لِلْغَاصِبِ اتِّفَاقًا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَهُ صَيْدُ شَبَكَةٍ وَالضَّمِيرُ الْغَاصِبُ، وَالصَّيْدُ بِمَعْنَى الْمَصِيدِ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهَا تَشْتِيتُ مَرْجِعِ ضَمِيرِ لَهُ فَإِنَّهُ فِيمَا تَقَدَّمَ رَاجِعٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَهُنَا رَاجِعٌ لِلْغَاصِبِ، وَلَا يُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ النُّسْخَةِ أَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ كِرَاءَ الشَّبَكَةِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا صَيْدَ شَبَكَةٍ أَيْ لَيْسَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ مَا صِيدَ بِشَبَكَتِهِ فَهُوَ لِلْغَاصِبِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَتُهَا.
ابْنُ بَشِيرٍ إنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ آلَةً كَسَيْفٍ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الصَّيْدَ لِلْغَاصِبِ وَمِثْلُ السَّيْفِ الشِّبَاكُ وَالْحِبَالَاتُ.
(وَمَا) أَيْ الْمَالِ الَّذِي (أَنْفَقَ) هـ الْغَاصِبُ عَلَى الْمَغْصُوبِ كَعَلَفِ الدَّابَّةِ الْمَغْصُوبَةِ وَمُؤْنَةُ الرَّقِيقِ الْمَغْصُوبِ وَكِسْوَتُهُ وَسَقْيُ الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ وَعِلَاجُهَا وَحَصْدُ الزَّرْعِ الْمَغْصُوبِ وَدَرْسُهُ وَتَذْرِيَتُهُ وَسَقْيُ الشَّجَرِ الْمَغْصُوبِ وَعِلَاجُهُ كَائِنٌ (فِي الْغَلَّةِ) لِلْمَغْصُوبِ لَا يَتَعَدَّاهَا إلَى ذِمَّةِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ غَلَّةٌ أَوْ زَادَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا فَلَا رُجُوعَ لِلْغَاصِبِ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ مِنْ الْغَلَّةِ فِي النَّفَقَةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْغَاصِبَ وَإِنْ ظَلَمَ لَا يُظْلَمُ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَى غُرْمِ الْغَاصِبِ الْغَلَّةَ فِي رُجُوعِهِ بِالنَّفَقَةِ فِيهَا طَرِيقَانِ.
اللَّخْمِيُّ فِي رُجُوعِهِ بِنَفَقَةِ الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَالسَّقْيِ وَالْعِلَاجِ ثَلَاثَةٌ.
ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ

وَهَلْ إنْ أَعْطَاهُ فِيهِ مُتَعَدِّدٌ عَطَاءً فَبِهِ، أَوْ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُ وَمِنْ الْقِيمَةِ تَرَدُّدٌ

[منح الجليل]

يَرْجِعُ بِهِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الْغَلَّةَ، ثُمَّ قَالَ لَا يَرْجِعُ بِهِ الْحَائِطُ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ بِيَدِ رَبِّهِ اسْتَأْجَرَ لَهُ فَهُوَ كَطَعَامِ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَأْجِرُ لَهُ، لِأَنَّ لَهُ عَبِيدًا وَدَوَابَّ وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُمْ بَعْدَ غَصْبِ الْحَائِطِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ بَعْضُ ذَلِكَ رَجَعَ بِأَجْرِ مَا يَعْجِزُ رَبُّ الْحَائِطِ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُمْ رَبُّهُمْ بَعْدَ غَصْبِ الْحَائِطِ كَانَ عَلَيْهِ أَجْرُ مَا عَمِلَهُ الْغَاصِبُ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الْأَجْرَ الَّذِي أَخَذَهُ فِيهِمْ وَلِأَصْبَغَ فِي الْوَاضِحَةِ مَنْ تَعَدَّى عَلَى رَجُلٍ فَسَقَى لَهُ شَجَرَهُ أَوْ حَرَثَ أَرْضِهِ أَوْ حَصَدَ زَرْعَهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أَجْرَ ذَلِكَ إنْ كَانَ رَبُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِمَّنْ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَيْهَا فَعَلَيْهِ أَجْرُهَا، وَإِنْ كَانَ يَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ لَهُ مَنْ يَلِي ذَلِكَ لَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَرَى أَنَّ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْأَقَلَّ مِنْ إجَارَةِ الْمِثْلِ فِيمَا عَمِلَهُ الْغَاصِبُ، أَوْ مَا أَجَرَ هُوَ بِهِ عَبِيدَهُ أَوْ الْغَلَّةَ.
قُلْت الْأَظْهَرُ أَنَّ ثَالِثَ الْأَقْوَالِ هُوَ اخْتِيَارُهُ كَعَدِّ ابْنِ رُشْدٍ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ اخْتِيَارَهُ قَوْلًا، وَلَا يَصِحُّ جَعْلُ قَوْلِ أَصْبَغَ ثَالِثًا لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَسْأَلَةِ غَاصِبٍ لِنَصِّ قَوْلِهِ تَعَدَّى مُفَسِّرًا لَهُ بِقَوْلِهِ فَسَقَى إلَخْ الصِّقِلِّيُّ لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَهَا بِرُجُوعِ الْغَاصِبِ بِمَا أَنْفَقَ وَسَقَى وَعَالَجَ وَرَعَى فِي الْغَلَّةِ، قَالَ وَقَالَهُ أَشْهَبُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا لَا شَيْءَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لِلْغَلَّةِ وَأَخَذَ بِهِ مُحَمَّدٌ.
قَالَ إذْ لَيْسَ بِعَيْنٍ قَائِمَةٍ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ وَلَا هُوَ مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ بَعْدَ قَلْعِهِ.
قُلْت وَعَزَاهُ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا لِسَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ.
.

(وَ) إذَا كَانَ لِإِنْسَانٍ شَيْءٌ مُقَوَّمٌ سَامَهُ أَشْخَاصٌ بِقَدْرٍ وَاحِدٍ مِنْ الدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ وَغَصَبَهُ غَاصِبٌ وَأَتْلَفَهُ فَ (هَلْ) يَلْزَمُ الْغَاصِبَ الثَّمَنُ الَّذِي سَامَهُ الْأَشْخَاصُ (إنْ) كَانَ (أَعْطَاهُ) أَيْ سَامَ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ (فِيهِ) أَيْ الْمَغْصُوبِ الْمُقَوَّمِ (مُتَعَدِّدٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْأُولَى (عَطَاءً) أَيْ ثَمَنًا وَاحِدًا كَعَشَرَةٍ (فَ) يَضْمَنُ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ (بِهِ) أَيْ الْعَطَاءِ الْوَاحِدِ لَا بِقِيمَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَقَالَ سَحْنُونٌ يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ (أَوْ) يَضْمَنُهُ (بِالْأَكْثَرِ مِنْهُ) أَيْ الْعَطَاءِ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُتَعَدِّدِ (وَمِنْ الْقِيمَةِ)

وَإِنْ وَجَدَ غَاصِبُهُ بِغَيْرِهِ وَغَيْرِ مَحِلِّهِ، فَلَهُ تَضْمِينُهُ، وَمَعَهُ أَخَذَهُ

[منح الجليل]

وَهُوَ قَوْلُ عِيسَى (تَرَدُّدٌ) مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي قَوْلِ عِيسَى، هَلْ هُوَ خِلَافٌ لِقَوْلَيْ مَالِكٍ وَسَحْنُونٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ، أَوْ هُوَ تَفْسِيرٌ لَهُمَا، فَقَوْلُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِالْعَطَاءِ أَيْ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ فِيهَا كَمَا قَالَ سَحْنُونٌ، وَقَوْلُ سَحْنُونٍ بِالْقِيمَةِ أَيْ إنْ كَانَتْ أَكْثَرَ فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ فِيهِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى.
وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ سَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْعُتْبِيَّةِ مَنْ تَسَوَّقَ بِسِلْعَةٍ فَأَعْطَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ بِهَا ثَمَنًا ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا رَجُلٌ فَلْيَضْمَنْ مَا أُعْطِيَ فِيهَا، وَلَا يَنْظُرُ إلَى قِيمَتِهَا إذَا كَانَ عَطَاءً قَدْ تَوَاطَأَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَلَوْ أَرَادَ الْبَيْعَ بِهِ بَاعَ لِأَنَّ هَذَا يُعَيِّنُ الْقِيمَةَ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْقِيمَةُ.
وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ أَفَادَهُ تت، وَنَحْوُهُ لِلْحَطِّ، زَادَ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْعُتْبِيِّ وَابْنِ يُونُسَ أَيْضًا أَنَّ الْمُسْتَهْلِكَ لَا يَضْمَنُ إلَّا مَا أُعْطِيَ فِيهَا، سَوَاءٌ زَادَ عَلَى الْقِيمَةِ أَوْ نَقَصَ، وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ خِلَافُهُ.
قَالَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَنْظُرُ لِقِيمَتِهَا مَعْنَاهُ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ فِيهَا فَقَوْلُ عِيسَى يَضْمَنُ الْأَكْثَرَ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَأَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ لِتَرَدُّدِهِمْ فِي فَهْمِ كَلَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَلَوْ قَالَ وَعَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنْ أَعْطَى فِيهِ مُتَعَدِّدٌ عَطَاءً فِيهِ، وَهَلْ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُ وَمِنْ الْقِيمَةِ؟ تَرَدُّدٌ لَكَانَ وَاضِحًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
.

(وَإِنْ) غَصَبَ شَخْصٌ مُقَوَّمًا وَانْتَقَلَ لِآخَرَ وَتَبِعَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ وَ (وَجَدَ) الْمَغْصُوبَ مِنْهُ (غَاصِبَهُ) مُصْطَحِبًا (بِغَيْرِهِ) أَيْ الْمَغْصُوبِ الْمُقَوَّمِ (وَ) فِي (غَيْرِ مَحِلِّهِ) أَيْ الْغَصْبِ (فَلَهُ) أَيْ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ (تَضْمِينُهُ) أَيْ الْغَاصِبَ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ.
ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا لِمَا عَلَيْهِ فِي الصَّبْرِ إلَى رُجُوعِهِ إلَى مَحِلِّهِ مِنْ الضَّرَرِ، وَلَهُ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَحِلِّهِ، وَيَلْزَمُ الْغَاصِبَ أَوْ وَكِيلَهُ الرُّجُوعُ مَعَهُ لِإِقْبَاضِ ذَلِكَ (وَ) إنْ وَجَدَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْغَاصِبَ بِغَيْرِ مَحِلِّهِ وَالْمَغْصُوبُ الْمُقَوَّمُ (مَعَهُ) أَيْ الْغَاصِبِ (أَخَذَهُ) الْمَغْصُوبَ الْمُقَوَّمَ مِنْ الْغَاصِبِ عِنْدَ

إنْ لَمْ يَحْتَجْ لِكَبِيرِ حَمْلٍ

[منح الجليل]

ابْنُ الْقَاسِمِ، ظَاهِرُهُ حَيَوَانًا كَانَ أَوْ عَرْضًا لِأَنَّ نَقْلَهُ لَيْسَ فَوْتًا وَهَذَا (إنْ لَمْ يَحْتَجْ) الْمَغْصُوبُ (لِكَبِيرِ حَمْلٍ) كَالدَّوَابِّ وَوَخْشِ الرَّقِيقِ، فَإِنْ احْتَاجَ لِكَبِيرِ حَمْلٍ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ فَإِنْ وَجَدَهُ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ فَثَالِثُهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ حَيَوَانًا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَخْذُهُ، وَفِي غَيْرِهِ تَخَيَّرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِيمَتِهِ فِي مَوْضِعِهِ.
الْمُوَضَّحُ الْأَوَّلُ لَيْسَ لِرَبِّهِ إلَّا أَخْذُهُ، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ، وَالثَّانِي يُخَيَّرُ رَبُّهُ فِي أَخْذِهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَظَاهِرُ رِوَايَتِهِ عَنْ أَشْهَبَ وَالثَّالِثُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَالْعَرْضِ وَنَسَبَهُ الْمُصَنِّفُ لِابْنِ الْقَاسِمِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ بَعْدَ ذِكْرِهِ وَهَذَا فِي الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَى الْكِرَاءِ عَلَيْهِ كَالدَّوَابِّ وَوَخْشِ الرَّقِيقِ، وَأَمَّا الرَّقِيقُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى الْكِرَاءِ عَلَيْهِ فَحُكْمُهُ كَالْعَرْضِ.
اهـ. وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، فَالْمُصَنِّفُ مَشَى عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ وَبِهَا صَدَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ فِي كَوْنِ نَقْلِهِ مِنْ بَلَدٍ لِآخَرَ فَوْتًا فَيُخَيَّرُ رَبُّهُ فِي أَخْذِهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ أَوْ غَيْرَ فَوْتٍ فَلَيْسَ لِرَبِّهِ إلَّا أَخْذُهُ، ثَالِثُهَا فَوْتٌ فِي الْعُرُوضِ وَالرَّقِيقِ لَا فِي الْحَيَوَانِ غَيْرُهُ لِأَصْبَغَ ظَاهِرُ سَمَاعِ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ وَسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَفَادَهُ طفي.
ابْنُ عَرَفَةَ مَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ لَيْسَ لِرَبِّهِ جَبْرُهُ عَلَى رَدِّهِ لِبَلَدِ الْغَصْبِ وَلِلْمُغِيرَةِ مَنْ نَقَلَ خَشَبَةً مِنْ عَدَنَ لِجِدَّةِ بِمِائَةِ دِينَارٍ جُبِرَ نَاقِلُهَا عَلَى عَوْدِهَا لِمَحِلِّهَا، قَالَ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ أَخْطَأَ مُسْتَأْجِرٌ عَلَى حَمْلِ شَيْءٍ لِبَلَدِ فَحَمَلَهُ إلَى غَيْرِهِ فَيُخَيَّرُ رَبُّهُ فِي أَخْذِ قِيمَتِهِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي نُقِلَ مِنْهُ وَأَخْذِهِ بِغُرْمِ كِرَائِهِ، وَقَالَ أَشْهَبُ وَأَخْذِهِ بِدُونِ غُرْمٍ أَصْبَغَ لِرَبِّهِ جَبْرُهُ عَلَى رَدِّهِ لِمَا مِنْهُ نَقَلَهُ أَوْ أَخَذَهُ مَجَّانًا، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ رَبَّهُ كَانَ رَاغِبًا فِي وُصُولِهِ فَيَلْزَمُهُ كِرَاءُ مِثْلِهِ أَفَادَهُ تت " ق " ابْنُ حَارِثٍ اتَّفَقُوا إذَا غَصَبَهُ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً ثُمَّ لَقِيَهُ بِمَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا أَخْذُهُ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ، وَلَا تَجِبُ لَهُ قِيمَتُهُ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً ثُمَّ لَقِيَهُ بِهَا بِمَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا أَخْذُ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ وَلَا تَجِبُ لَهُ قِيمَتُهُ وَلَا أَنْ يَأْخُذَهُ بِرَدِّهِ إلَى مَوْضِعِهِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ فَلَوْ وَجَدَ الْغَاصِبَ خَاصَّةً فَلَهُ تَضْمِينُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ قَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ، وَقَالَ

لَا إنْ هَزِلَتْ جَارِيَةٌ، أَوْ نَسِيَ عَبْدٌ صَنْعَةً ثُمَّ عَادَ

[منح الجليل]

اللَّخْمِيُّ إنْ لَقِيَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْغَاصِبَ بِغَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي غَصَبَهُ فِيهِ يَعْنِي وَلَيْسَ مَعَهُ الْمَغْصُوبُ فَأَرَادَ أَنْ يُغَرِّمَهُ الْمِثْلَ وَالْقِيمَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ اهـ. وَتَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ النَّقْلُ فَوْتٌ فِي الرَّقِيقِ وَالْعُرُوضِ دُونَ الْحَيَوَانِ.
قَالَ الْبَاجِيَّ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ إلَّا أَخْذُ الْعَبْدِ وَالدَّوَابِّ، وَيُخَيَّرُ فِي الْبَزِّ وَالْعُرُوضِ فِي أَخْذِ عَيْنِهَا أَوْ قِيمَتِهَا.
ابْنُ يُونُسَ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْعُرُوضِ وَالطَّعَامِ وَالرَّقِيقِ يُسْرَقُ فَيَجِدُهُ رَبُّهُ بِغَيْرِ بَلَدِهِ، قَالَ أَمَّا الطَّعَامُ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْغَاصِبَ وَالسَّارِقَ بِمِثْلِهِ فِي مَوْضِعِ سَرِقَتِهِ وَأَمَّا الْعَبِيدُ وَالدَّوَابُّ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُمْ إلَّا حَيْثُ وَجَدَهُمْ لَا غَيْرَ ذَلِكَ، أَرَادَ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرُوا، وَأَمَّا الْبَزُّ وَالْعُرُوضُ فَرَبُّهَا يُخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ بِمَوْضِعِ سَرِقَتِهِ وَأَشْهَبُ يُخَيِّرُهُ فِي الْحَيَوَانِ وَالطَّعَامِ أَيْضًا.
.

(لَا) خِيَارَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ (إنْ هَزِلَتْ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِ الزَّايِ، أَيْ رَقَّتْ (جَارِيَةٌ) عِنْدَ غَاصِبِهَا ثُمَّ عَادَتْ لِسِمَنِهَا فَلَيْسَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ إلَّا أَخْذُهَا (أَوْ نَسِيَ عَبْدٌ) مَغْصُوبٌ (صَنْعَةً) عِنْدَ الْغَاصِبِ (ثُمَّ عَادَ) الْعَبْدُ لِمَعْرِفَتِهَا فَلَيْسَ لِرَبِّهِ إلَّا أَخْذُهُ، وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا ابْنَ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ، وَأَنْكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ قَائِلًا لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِمَا.
" ق " ابْنُ شَاسٍ لَوْ هَزِلَتْ الْجَارِيَةُ ثُمَّ سَمِنَتْ أَوْ نَسِيَ الْعَبْدُ الصَّنْعَةَ ثُمَّ ذَكَرَهَا حَصَلَ الْجَبْرُ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَا أَعْرِفُ فِي الْمَذْهَبِ نَصًّا فِي هَذَا إلَّا لِابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ، بَلْ الْغَزَالِيُّ قَالَ فِي وَجِيزِهِ وَلَوْ هَزَلَتْ الْجَارِيَةُ ثُمَّ سَمِنَتْ أَوْ نَسِيَ الْعَبْدُ الصَّنْعَةَ ثُمَّ تَذَكَّرَهَا أَوْ أَبْطَلَ صَنْعَةَ الْإِنَاءِ ثُمَّ أَعَادَ مِثْلَهُ فَفِي حُصُولِ الْجَبْرِ وَجْهَانِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْإِنَاءَ لَا يَنْجَبِرُ بِذَلِكَ، وَمَسْأَلَةُ الْغَصْبِ عِنْدِي تَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ فِي الْمُودِعِ يَتَعَدَّى عَلَى الْوَدِيعَةِ ثُمَّ يُعِيدُهَا لِحَالِهَا فِي الْمِثْلِيِّ مِنْهَا.
وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمَا أَنَّ الْهُزَالَ فِي الْجَارِيَةِ يُوجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانَهَا وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِمَا.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهَا وَمَنْ غَصَبَ شَاةً فَهَرِمَتْ فَهُوَ فَوْتٌ مَعَ قَوْلِهَا فِي سَلَمِهَا الثَّانِي، أَنَّ هُزَالَ الْجَارِيَةِ لَغْوٌ، بِخِلَافِ هُزَالِ الدَّابَّةِ خِلَافُ ذَلِكَ.

أَوْ خَصَاهُ فَلَمْ يَنْقُصْ

[منح الجليل]

أَوْ خَصَاهُ) أَيْ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ (فَلَمْ يَنْقُصْ) ثَمَنُهُ فَلَيْسَ لِرَبِّهِ إلَّا أَخْذُهُ وَعَدَمُ نَقْصِهِ صَادِقٌ بِبَقَائِهِ بِحَالِهِ وَبِزِيَادَتِهِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ نَقَصَ يَضْمَنُ نَقْصَهُ نَصَّ عَلَى الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ فِي الْجَوَاهِرِ، وَزَادَ وَيُعَاقَبُ " غ " بِهَذَا جَزَمَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَاَلَّذِي فِي رَسْمِ الْعَرِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ عَدَا عَلَى غُلَامٍ فَخَصَاهُ فَزَادَ فِي ثَمَنِهِ، فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَى قَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْهُ الْخِصَاءُ.
ابْنُ رُشْدٍ أَرَادَ إذَا لَمْ يُرِدْ تَضْمِينَهُ وَاخْتَارَ حَبْسَهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ يُقَوَّمُ عَلَى قَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْهُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِ الطَّوْلِ مِنْ الْأَعْرَابِ وَشِبْهِهِمْ الَّذِينَ لَا رَغْبَةَ لَهُمْ فِي الْخُصْيَانِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ مَعْنَاهُ أَنْ يُنْظَرَ إلَى عَبْدٍ دَنِيءٍ يُنْقِصُ مِنْ مِثْلِهِ الْخِصَاءُ، فَمَا نَقَصَ مِنْهُ كَانَ عَلَى الْجَانِي عَلَى هَذَا الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْجُزْءُ مِنْ قِيمَتِهِ، وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنْ يُنْظَرَ إلَى مَا يَقَعُ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي قِيمَتِهِ، فَيَجْعَلَ ذَلِكَ نُقْصَانًا مِنْهَا يَكُونُ عَلَيْهِ غُرْمُهُ وَذَلِكَ بَعِيدٌ لَا وَجْهَ لَهُ فِي النَّظَرِ، وَاَلَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ إنْ خَصَاهُ فَقَطَعَ أُنْثَيَيْهِ أَوْ ذَكَرَهُ جَمِيعُ قِيمَتِهِ وَإِنْ قَطَعَهُمَا جَمِيعًا فَقِيمَتُهُ مَرَّتَيْنِ كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي الْحُرِّ إذَا قَطَعَ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ دِيَتَانِ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "، فِي الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالْمُوضِحَةِ أَنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قِيمَةٌ بِحِسَابِ الْجُزْءِ مِنْ دِيَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ إذَا زَادَهُ الْخِصَاءُ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا يَأْتِي عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ وَشِبْهِهِمَا مِمَّا لَا نُقْصَانَ فِيهِ بَعْدَ بُرْئِهِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فِي هَذَا الْفَصْلِ حَسَنٌ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدُوسٍ هَذَا هُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، زَادَ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ، وَمَعَ هَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ هُنَا ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ مَنْ خَصَى عَبْدًا فَنَقَصَهُ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ كَجِرَاحِهِ، وَإِنْ زَادَ فِيهِ نَظَرٌ إلَى مَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْسَطِ صِنْفِهِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ عُشْرًا كَانَ لَهُ عُشْرُ ثَمَنِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ أَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ إنْ زَادَ الْخِصَاءُ فِي ثَمَنِهِ الثُّلُثَ، فَعَلَى الْجَانِي ثُلُثَ قِيمَتِهِ، وَإِنْ زَادَ فِيهِ مِثْلَ ثَمَنِهِ أَوْ أَكْثَرَ غَرِمَ جَمِيعَ قِيمَتِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ فِي الْمَعْنَى، وَإِنْ سَاعَدَهُ اللَّفْظُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ يُنْظَرَ إلَى مَا يُنْقِصُ مِنْهُ الْخِصَاءُ الَّذِي زَادَ فِي قِيمَتِهِ كَمْ كَانَ يُنْقِصُ مِنْهُ لَوْ لَمْ يُرْغَبْ

أَوْ جَلَسَ عَلَى ثَوْبِ غَيْرِهِ فِي صَلَاةٍ

[منح الجليل]

فِيهِ مِنْ أَجَلِ خِصَائِهِ إذْ لَا شَكَّ فِي نَقْصِ الْخِصَاءِ بَعْضَ مَنَافِعِهِ فَأَرَادَ فِي الرِّوَايَةِ أَنْ يُنْظَرَ إلَى مَا نَقَصَ مِنْهُ الْخِصَاءُ لَوْ لَمْ يُرْغَبْ فِيهِ لِأَجْلِ خِصَائِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ إنْ زَادَ فِيهِ نُظِرَ إلَى عَبْدٍ دَنِيءٍ يُنْقِصُ مِثْلَهُ الْخِصَاءُ، فَيُقَالُ مَا يُنْقِصُهُ أَنْ لَوْ أُخْصِيَ فَيُقَالُ خَمْسَةٌ فَيَغْرَمُ الْجَانِي خُمُسَ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ النَّبِيلِ الرَّائِعِ أَكْثَرَ مِمَّا يُنْقِصُ مِنْ قِيمَةِ الْوَخْشِ، فَمَا أَوَّلْنَاهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَصَحُّ.
وَلِابْنِ عَبْدُوسٍ إنْ لَمْ يُنْقِصْهُ فَلَا غُرْمَ عَلَى الْجَانِي، وَاَلَّذِي أَقُولُ إنْ لَمْ يُنْقِصْهُ فَعَلَى الْجَانِي جَمِيعُ قِيمَتِهِ لِأَنَّ الْخِصَاءَ يَقْطَعُ النَّسْلَ، وَفِيهِ فِي الْحُرِّ كَمَالُ الدِّيَةِ فَيَكُونُ فِيهِ فِي الْعَبْدِ كَمَالُ قِيمَتِهِ قِيَاسًا عَلَى مُوضِحَتِهِ وَمُنَقِّلَتِهِ وَمَأْمُومَتِهِ اهـ. الْحَطّ يُؤْخَذُ مِمَّا هُنَا أَنَّ الْخِصَاءَ لَيْسَ مِثْلَهُ وَلَوْ كَانَ مِثْلَهُ لَعَتَقَ عَلَى الْغَاصِبِ، وَغَرِمَ لِرَبِّهِ قِيمَتَهُ كَمَا قَالَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَمَنْ تَعَدَّى عَلَى عَبْدِ رَجُلٍ فَفَقَأَ عَيْنَهُ أَوْ قَطَعَ لَهُ جَارِحَةً أَوْ جَارِحَتَيْنِ فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فَسَادًا فَاحِشًا حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهِ كَبِيرُ مَنْفَعَةٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ اهـ. (أَوْ جَلَسَ) شَخْصٌ (عَلَى ثَوْبِ غَيْرِهِ فِي صَلَاةٍ) وَقَامَ صَاحِبُ الثَّوْبِ فَانْقَطَعَ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَالِسِ لِأَنَّهُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَلَا يَجِدُ النَّاسُ مِنْ هَذَا بُدًّا فِي الصَّلَوَاتِ وَالْمَجَالِسِ قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَمُطَرِّفٌ، وَعَلَيْهِ فَلَا خُصُوصِيَّةَ لِقَوْلِهِ فِي صَلَاةٍ " غ " كَذَا لِابْنِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ زَادَ ابْنُ عَرَفَةَ وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهَا ضَمَانُ مَوْتِ فَرَسِ أَحَدِ الْمُصْطَدِمَيْنِ فِي مَالِ الْآخَرِ، وَحَدُّهُ ضَمَانُ الْجَالِسِ عَلَى الثَّوْبِ وَحْدَهُ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْمُوَثِّقِينَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ لَا بِأَخْذٍ مِنْهَا، وَلَا ظَهَرَ كَوْنُهُ مِنْهُمَا كَمُحْرِمٍ حَبَسَ صَيْدًا لِمُحْرِمٍ فَقَتَلَهُ عب.
وَعَلَّلَ الْمُصَنِّفُ عَدَمَ ضَمَانِ الْجَالِسِ أَيْضًا بِأَنَّ صَاحِبَ الثَّوْبِ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِقَطْعِهِ وَالْجَالِسُ تَسَبَّبَ سَبَبًا ضَعِيفًا، وَالْمُبَاشِرُ يُقَدَّمُ عَلَى ذِي السَّبَبِ الضَّعِيفِ، بِخِلَافِ السَّبَبِ الْقَوِيِّ فَيَضْمَنَانِ مَعًا كَمَا سَيَقُولُ وَالْمُتَسَبِّبُ مَعَ الْمُبَاشِرِ كَمُكْرِهٍ وَمُكْرَهٍ، ثُمَّ قَالَ وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ وَطِئَ عَلَى نَعْلِ غَيْرِهِ فَمَشَى صَاحِبُ النَّعْلِ فَانْقَطَعَ فَيَضْمَنُ الْوَاطِئُ قِيمَةَ الْمَقْطُوعَةِ وَأَرْشَ نَقْصِ الْأُخْرَى فِيمَا يَظْهَرُ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

وَالْفَرْقُ أَنَّ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا يُطْلَبُ الِاجْتِمَاعُ فِيهَا، بِخِلَافِ الطُّرُقِ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِي مُزَاحَمَةِ غَيْرِهِ وَمِثْلُ وَطْءِ النَّعْلِ قَطْعُ حَامِلِ حَطَبٍ ثِيَابَ مَارٍّ بِطَرِيقٍ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَشَرْحِهَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَنْذَرَ وَيَنْبَغِي عَدَمُهُ مَعَهُ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَمِثْلُ مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ فَتْحُ بَابٍ أُسْنِدَتْ لَهُ جَرَّةُ زَيْتٍ مَثَلًا فَانْكَسَرَتْ فَقَدْ نَفَى الضَّمَانَ عَنْهُ.
ابْنُ رُشْدٍ فَقَالَ لَمْ أَذْكُرْ فِيهِ نَصًّا لِأَحَدٍ، وَيَجْرِي فِيهِ عَلَى أُصُولِهِمْ قَوْلَانِ تَضْمِينُ الْفَاتِحِ وَعَدَمُهُ وَبِهِ كُنْت أَقْضِي.
ابْنُ عَرَفَةَ وَنَقَلَ ابْنُ سَهْلٍ عَنْ ابْنِ أَبِي زَعْبَلٍ مَا نَصُّهُ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي رَجُلٍ وَضَعَ جَرَّةً حِذَاءَ بَابِ رَجُلٍ فَفَتَحَ الرَّجُلُ بَابَهُ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِالْجَرَّةِ، وَقَدْ كَانَ مُبَاحًا لَهُ وَغَيْرَ مَمْنُوعٍ أَنْ يَفْتَحَ بَابَهُ، وَيَتَصَرَّفَ فِيهِ فَانْكَسَرَتْ الْجَرَّةُ فَضَمَّنَهُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَيْسَ هُوَ فِي نَفْسِ مَسْأَلَةِ ابْنِ رُشْدٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ حِذَاءَ بَابِ رَجُلٍ مَعَ قَوْلِهِ أَخِيرًا أَنْ يَفْتَحَ بَابَهُ وَيَتَصَرَّفَ فِيهِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْجَرَّةَ لَمْ تُوضَعْ عَلَى خَشَبِ الْبَابِ، بَلْ بِقُرْبِهِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَمْ أَعْرِفْ فِيهَا نَصًّا، وَفَرَّقَ بَعْضَ الشُّيُوخِ بَيْنَ فَتْحِ الْبَابِ الْمَعْهُودِ فَتْحُهُ فَلَا يَضْمَنُ، وَبَيْنَ فَتْحِ الْمَعْهُودِ عَدَمُ فَتْحِهِ فَيَضْمَنُ قُلْت وَلَا يَتَخَرَّجُ عَلَى مَوْتِ الصَّيْدِ مِنْ رُؤْيَةِ الْمُحْرِمِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى.
الشَّعْبِيُّ مَنْ أَفْتَى بِغُرْمِ مَا لَا يَجِبُ فَقَضَى بِهِ غَرِمَهُ، قَالَهُ أَصْبَغُ بْنُ خَلِيلٍ اهـ. عب اخْتَارَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ الضَّمَانَ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ رُشْدٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْخَطَأَ وَالْعَمْدَ سَوَاءٌ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ.
الْبُنَانِيُّ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ مَسْأَلَةِ ابْنِ رُشْدٍ، وَحَكَى فِيهَا قَوْلَيْنِ مَنْصُوصَيْنِ، وَنَسَبَهُمَا لِابْنِ سَهْلٍ، ثُمَّ قَالَ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ سَهْلٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْهُ الْآنَ اهـ. وَالظَّاهِرُ مَا لِأَبِي الْحَسَنِ، وَأَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَنَقَلَهُ الْوَانُّوغِيُّ، وَنَصُّهُ سُئِلَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الَّذِي جَعَلَ جَرَّةً عَلَى بَابِ رَجُلٍ فَفَتَحَ الْبَابَ فَانْكَسَرَتْ الْجَرَّةُ فَيَضْمَنُهَا الْفَاتِحُ، وَبَيْنَ مَنْ بَنَى تَنُّورًا فِي دَارِهِ لِخَبْزِهِ فَاحْتَرَقَتْ مِنْهُ الدَّارُ وَبُيُوتُ الْجِيرَانِ فَلَا يَضْمَنُ حَسْبَمَا فِي كِتَابِ الدُّورِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ مِنْ فَتْحِ الْبَابِ

فصول الكتاب · 2 فصل · 721 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منح الجليل شرح مختصر خليل · 721 صفحة
المقدمة
فَصْلٌ) فِي الْخُلْعِ:
جارٍ التحميل