فَلِلْوَارِثِ الْقِصَاصُ أَوْ الْقِيمَةُ كَأَنْ جَنَى، إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمُخْدَمُ، أَوْ الْوَارِثُ، فَتَسْتَمِرُّ
وَهِيَ، وَمُدَبَّرٌ، إنْ بِمَرَضٍ فِيمَا عَلِمَ،
[منح الجليل]
أَوْ ذِمِّيٍّ (فَلِلْوَارِثِ) لِلْمُوصَى (الْقِصَاصُ) مِنْ قَاتِلِهِ الرِّقِّ أَوْ الذِّمِّيِّ (أَوْ الْقِيمَةُ) وَتَتَعَيَّنُ إنْ قَتَلَهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ، وَبَطَلَ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ فِي مَنْفَعَتِهِ، وَقَدْ ذَهَبَتْ بِمَوْتِهِ ابْنُ شَاسٍ فَإِنْ قُتِلَ الْعَبْدُ عَمْدًا فَلِلْوَارِثِ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ، وَيَحْبَطُ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ رَجَحَ لِلْقِيمَةِ، فَإِنَّ الْوَارِثَ يَخْتَصُّ بِهَا.
وَشَبَّهَ فِي اخْتِصَاصِ الْوَارِثِ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ صِلَتُهُ (جَنَى) الرَّقِيقُ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ عَلَى نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ أَوْ مَالٍ فَالْكَلَامُ فِي إسْلَامِهِ وَفِدَائِهِ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي وَيَبْطُلُ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ (إلَّا أَنْ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ صِلَتُهُ (يَفْدِيَهُ) أَيْ الْعَبْدَ مِنْ الْجِنَايَةِ (الْمُخْدَمُ) بِفَتْحِ الدَّالِ (أَوْ الْوَارِثُ) لَهُ (فَتَسْتَمِرُّ) الْخِدْمَةُ فِي الْأَوَّلِ لِلْمُخْدَمِ، وَفِي الثَّانِي لِوَارِثِهِ إلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ خِدْمَتِهِ الَّتِي حَدَّدَهَا الْمُوصِي، فَإِنْ دَفَعَ وَارِثُ الْمُوصَى الْفِدَاءَ لِيَخْدُمَ بِالْفَتْحِ أَوْ لِوَارِثِهِ أَخَذَ الْعَبْدَ، وَإِلَّا بَقِيَ رِقًّا لِلْمُخْدَمِ أَوْ وَارِثِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي جِنَايَاتِهَا قُلْت: مَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سِنِينَ مَعْلُومَةً فَقُتِلَ الْعَبْدُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا كَيْفَ يَصْنَعُ بِالْقِيمَةِ قَالَ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " هِيَ لِمَنْ لَهُ الرَّقَبَةُ وَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ شَيْءٌ وَكَذَا لَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ فَأَخَذَ دِيَتَهَا فَهِيَ لِمَنْ لَهُ رَقَبَتُهُ.
سَحْنُونٌ أَمَّا الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فَهَذَا قَوْلُهُ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فَكُلُّ مَا سَمِعْتَهُ خِلَافَ هَذَا فَرُدَّهُ إلَى هَذَا فَهُوَ أَصْلُ مَذْهَبِهِمْ مَعَ ثُبُوتِ إمَامِهِمْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " عَلَيْهِ.
عِيَاضٌ عَلَى الْخِلَافِ وَهُوَ قَوْلُ الْمَخْزُومِيِّ وَغَيْرِهِ يُكْرِي مِنْ الْقِيمَةِ مَنْ يَخْدُمُهُ إلَى الْأَجَلِ.
وَفِيهَا مَنْ أَخْدَمَ عَبْدَهُ رَجُلًا سِنِينَ مَعْلُومَةً أَوْ حَيَاةَ الرَّجُلِ فَيَجْنِي الْعَبْدُ فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ، فَإِنْ فِدَاهُ بَقِيَ فِي خِدْمَتِهِ وَإِنْ أَسْلَمَهُ خُيِّرَ الْمُخْدَمُ، فَإِنْ فَدَاهُ خَدَمَهُ فَإِذَا تَمَّتْ خِدْمَتُهُ، فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ سَيِّدُهُ مَا فَدَاهُ بِهِ أَخَذَهُ، وَإِلَّا أَسْلَمَهُ رِقًّا.
(وَهِيَ) أَيْ الْوَصِيَّةُ فِي صِحَّةِ أَوْ مَرَضِ (وَمُدَبَّرٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مُثَقَّلًا (إنْ كَانَ) تَدْبِيرُهُ (بِمَرَضٍ) مَخُوفٍ لِسَيِّدِهِ، وَمَاتَ بِهِ إذَا أُرِيدَ تَقْوِيمُهَا لِيُنْظَرَ هَلْ يُخْرَجَانِ مِنْ الثُّلُثِ أَمْ لَا فَإِنَّمَا يُقَوَّمَانِ (فِيمَا) أَيْ الْمَالِ الَّذِي (عَلِمَ) الْمُوصِي فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ، وَالسَّيِّدُ
وَدَخَلَتْ فِيهِ،
[منح الجليل]
فِي مَسْأَلَةِ التَّدْبِيرِ أَنَّهُ مَالُهُ لَا فِيمَا لَمْ يَعْلَمْهُ، هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّ الْمُدَبَّرَ فِي الصِّحَّةِ يُقَوَّمُ فِي غَيْرِ الْمَعْلُومِ أَيْضًا، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي كُلِّ وَصِيَّةٍ لَا تَدْخُلُ إلَّا فِيمَا عَلِمَ بِهِ الْمَيِّتُ، وَالْمُدَبَّرُ فِي الصِّحَّةِ يَدْخُلُ فِيمَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ.
ابْنُ حَارِثٍ وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ فِي الْمَرَضِ فَلَا يَدْخُلُ إلَّا فِيمَا عَلِمَ بِهِ اتِّفَاقًا، وَنَقَلَ غَيْرُهُ الْخِلَافَ.
(وَدَخَلَتْ) الْوَصِيَّةُ بِفَكِّ أَسِيرٍ وَالْمُدَبَّرُ فِي الصِّحَّةِ، وَمَا بَعْدَهُمَا مِمَّا يُقَدَّمُ عَلَى مُدَبَّرِ الْمَرَضِ (فِيهِ) أَيْ الْمُدَبَّرِ فِي الْمَرَضِ فَيُبَاعُ لِتَنْفِيذِهَا إذَا ضَاقَ الثُّلُثُ، وَهَذَا قَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَقُدِّمَ فَكُّ أَسِيرٍ وَمُدَبَّرُ صِحَّةٍ، وَبِهَذَا يَسْقُطُ اسْتِشْكَالُ الْحَطّ، وَنَصُّهُ يَعْنِي أَنَّ الْوَصَايَا تَدْخُلُ فِي الْمُدَبَّرِ فِي الْمَرَضِ إذَا بَطَلَ بَعْدَهُ، هَكَذَا مَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي تَوْضِيحِهِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَرَّهُ فِيهِ كَلَامُ الْجَوَاهِرِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ فِي الْمَرَضِ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ أَشْيَاءُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ كَفَكِّ الْأَسِيرِ وَمُدَبَّرِ الصِّحَّةِ وَصَدَاقِ الْمَرِيضِ وَالزَّكَاةِ الَّتِي فَرَّطَ فِيهَا وَأَوْصَى بِهَا، وَمَا ذُكِرَ مَعَ ذَلِكَ وَيَتَقَدَّمُ هُوَ عَلَى أَشْيَاءَ كَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ وَالْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا، وَيُشَارِكُهُ فِي رُتْبَتِهِ الْمُبَتَّلُ فِي الْمَرَضِ، فَإِذَا فُرِضَ ضِيقُ الثُّلُثِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ قُدِّمَ، فَإِنْ اسْتَغْرَقَ ذَلِكَ الثُّلُثَ بَطَلَ التَّدْبِيرُ الَّذِي فِي الْمَرَضِ، وَبَطَلَتْ الْوَصَايَا كُلُّهَا، وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُدَبَّرِ فِي الْمَرَضِ مَا يَتَقَدَّمُ هُوَ عَلَيْهِ كَالْوَصَايَا بِالْمَالِ، فَإِنْ وَسِعَ الثُّلُثُ الْمُدَبَّرَ فِي الْمَرَضِ جَمِيعَهُ وَاسْتَغْرَقَ ذَلِكَ الثُّلُثُ نَفَذَ عِتْقُ الْمُدَبَّرِ فِي الْمَرَضِ وَبَطَلَتْ الْوَصَايَا وَإِنْ لَمْ يَسَعْ الثُّلُثُ إلَّا بَعْضَ الْمُدَبَّرِ نَفَذَ مِنْهُ مَا وَسِعَهُ الثُّلُثُ وَرَجَعَ الْبَاقِي رَقِيقًا لِلْوَرَثَةِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ دُخُولُ الْوَصَايَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَهُ مَا هُوَ فِي نِيَّتِهِ، وَهُوَ الْمُبَتَّلُ فِي الْمَرَضِ فَإِنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ فِي الثُّلُثِ فَيُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرُ مَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ دُخُولُ الْوَصَايَا فِي ذَلِكَ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْجَوَاهِرِ هُوَ كَذَلِكَ فِيهَا، وَنَقَلَهُ عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَالْمَجْمُوعَةِ، لَكِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْجَوَاهِرِ عَنْهُمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي النَّوَادِرِ عَنْهُمَا، وَلَيْسَ
وَفِي الْعُمْرَى، وَفِي سَفِينَةٍ، أَوْ عَبْدٍ شُهِرَ
[منح الجليل]
فِيهِ ذِكْرُ الْمُدَبَّرِ وَالْمَرَضِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ إلَّا فِي كَلَامِ الْجَوَاهِرِ وَهُوَ مُشْكِلٌ، فَالصَّوَابُ حَذْفُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
طفي وَهُوَ تَعَقُّبٌ صَحِيحٌ، وَرَدَّ عج عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ يَدْخُلُ فِيهِ مَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ كَفَكِّ الْأَسِيرِ وَنَحْوِهِ إذَا ضَاقَ الثُّلُثُ قَائِلًا: وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ إشَارَةٌ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ وَدَخَلَتْ، أَيْ فِي الْمُدَبَّرِ إذَا بَطَلَ كُلُّهُ بِأَنْ كَانَ هُنَاكَ وَصَايَا مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَحْمِلْهَا الثُّلُثُ، فَإِنَّهَا تَكْمُلُ إذَا بَطَلَ، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ ابْنِ شَاسٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ غَيْرُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْوَصَايَا بِالْمَالِ، فَمَا ذَكَرَهُ يَنْبُو عَنْهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي تَوْضِيحِهِ، وَفِي مُخْتَصَرِهِ وَلَا فَائِدَةَ لِمَا حُمِلَ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ لِعِلْمِهِ مِنْ التَّرْتِيبِ الْمُتَقَدِّمِ؛ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْمُقَدَّمَ يَدْخُلُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَإِلَّا فَيَحْتَاجُ الْمُصَنِّفُ التَّنْبِيهَ عَلَى كُلِّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَرَاتِبِ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْمُدَبَّرِ، فَالْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ تَهَافُتٌ، فَتَرْكُ الْكَلَامِ عَلَى إشْكَالِهِ، أَوْ دَعْوَى السَّهْوِ وَالْغَلَطِ أَوْلَى مِنْ التَّهَافُتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لَا يُعْلَمُ مِنْ التَّرْتِيبِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ الْمُقَدَّمَ يَدْخُلُ فِيمَا بَعْدَهُ إلَّا مِمَّا هُنَا فَمَا عَلَيْهِ.
عج وَغَيْرُهُ مُتَعَيِّنٌ، وَلَا تَهَافُتَ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَمَّا وَقَفَ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا فِي الْحَطّ قَالَ: إنَّ ضَمِيرَ فِيهِ لِلْمَعْلُومِ، وَكَرَّرَهُ لَمَّا عَطَفَ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) دَخَلَتْ فِي الرَّاجِعِ مِنْ (الْعُمْرَى) يَمُوتُ الْمُعْمَرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ.
ابْنُ شَاسٍ أَمَّا مَا كَانَ يَعْلَمُهُ مِثْلَ الْمُدَبَّرِ فِي الْمَرَضِ وَكُلُّ دَارٍ تَرْجِعُ إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ عُمْرَى فَالْوَصَايَا تَدْخُلُ فِيهِ، وَفِيهَا كُلُّ مَا يَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ عُمْرَى فَإِنَّ الْوَصَايَا تَدْخُلُ فِيهِ، وَإِنْ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ.
ابْنُ الْحَاجِبِ لَا تَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيمَا لَمْ يُعْلَمْ كَمِيرَاثٍ، وَمِمَّا أَقَرَّ بِهِ، وَلَوْ فِي مَرَضِهِ مِنْ عِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ أَوْصَى بِهِ لِوَارِثٍ وَرُدَّ، بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ فِي الْمَرَضِ وَمَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْ عُمْرَى حَبْسٍ أَيْ مِنْ نَاحِيَةِ الْعُمْرَى، وَهُوَ الْمُقَيَّدُ بِحَيَاةِ الْمَحْبَسِ عَلَيْهِ.
(وَهَلْ) تَدْخُلُ (فِي سَفِينَةٍ وَعَبْدٍ) مَثَلًا لِلْمُوصِي كَانَا غَائِبَيْنِ وَ (شُهِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ
تَلَفُهُمَا، ثُمَّ ظَهَرَتْ السَّلَامَةُ قَوْلَانِ
لَا فِيمَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ، أَوْ أَوْصَى بِهِ لِوَارِثٍ
[منح الجليل]
تَلَفُهُمَا) فِي غَيْبَتِهِمَا بِغَرَقِ السَّفِينَةِ وَمَوْتِ الْعَبْدِ حَالَ إيصَائِهِ (ثُمَّ ظَهَرَتْ السَّلَامَةُ) لَهُمَا وَعَدَمُ دُخُولِهَا فِيهِمَا (قَوْلَانِ) رَوَاهُمَا أَشْهَبُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. ابْنُ عَرَفَةَ اُخْتُلِفَ إذَا قِيلَ لَهُ غَرِقَتْ سَفِينَتُك وَأَيِسَ مِنْهَا ثُمَّ جَاءَتْ سَالِمَةً، فَرَوَى مُحَمَّدٌ لَا تَدْخُلُ فِيهَا وَصَايَاهُ.
وَقَالَ لِابْنِ الْقَاسِمِ تَدْخُلُ فِيهَا، وَلَا تُشْبِهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي الْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ إنْ اُشْتُهِرَ مَوْتُهُمَا ثُمَّ ظَهَرَتْ سَلَامَتُهُمَا قَوْلَانِ، وَذَكَرَهُمَا ابْنُ شَاسٍ رِوَايَتَيْنِ لِأَشْهَبَ.
الشَّيْخُ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ رَوَى أَشْهَبُ الْقَوْلَيْنِ فِي السَّفِينَةِ وَالْآبِقِ، وَزَادَ لِعِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنْ شَهِدَتْ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ فَلَا تَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بَلَغَهُ بَلَاغًا ثُمَّ مَاتَ بِقُرْبِ ذَلِكَ دَخَلَتْ الْوَصَايَا فِيهِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَمِثْلُهُ فِي سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ.
(لَا) تَدْخُلُ الْوَصِيَّةُ (فِيمَا) أَيْ الْمَالِ الَّذِي (أَقَرَّ) الْمُوصَى (بِهِ فِي مَرَضِهِ) الَّذِي مَاتَ بِهِ لِنَحْوِ صَدِيقِهِ وَبَطَلَ إقْرَارُهُ بِهِ لَهُ لِلتُّهْمَةِ (أَوْ أَوْصَى بِهِ لِوَارِثٍ) لَهُ وَلَمْ يُجِزْهُ بَاقِي وَرَثَتِهِ.
فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَالْمَجْمُوعَةِ: لَا تَدْخُلُ وَصَايَا الْمَيِّتِ فِيمَا بَطَلَ إقْرَارُهُ بِهِ فِي مَرَضِهِ لِوَارِثِهِ أَوْ مَا أَقَرَّ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ.
فِيهَا أَوْ أَوْصَى بِهِ لِوَارِثِهِ فَرَدَّهُ الْوَرَثَةُ.
وَفِي التَّوْضِيحِ لَا دُخُولَ لِلْوَصَايَا فِيمَا أَقَرَّ بِهِ الْمُوصِي لِغَيْرِهِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ إقْرَارَهُ عَامِلٌ كَإِقْرَارِهِ بِدَيْنٍ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ إقْرَارُهُ فِي مَرَضِهِ وَأَوْلَى إذَا كَانَ فِي صِحَّتِهِ وَرُدَّ لِسَبَبٍ اهـ وَكَذَا كُلُّ مَا بَطَلَ لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً لَا تَدْخُلُ فِيهِ الْوَصَايَا وَيُحَاصِصُ الْوَرَثَةُ بِهِ وَأَهْلُ الْوَصَايَا عِنْدَ الضِّيقِ، وَيَكُونُونَ أَحَقَّ بِهِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَكَذَا كُلُّ وَصِيَّةٍ بَطَلَتْ لِعَدَمِ قَبُولِهَا أَوْ مَوْتِ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْمُوصِي أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ رَدَّ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ رَجَعَ مِيرَاثًا بَعْدَ أَنْ يُحَاصَّ بِهِ أَهْلَ الْوَصَايَا، مِثْلَ أَنْ يُوصِيَ لِثَلَاثَةٍ بِعَشَرَةٍ عَشَرَةٍ فَرَدَّ أَحَدُهُمْ وَصِيَّتَهُ، وَثُلُثُهُ عَشَرَةٌ فَلِلْبَاقِينَ ثُلُثَا الثُّلُثِ، وَهَذَا قَوْلُ جَمِيعِ الرُّوَاةِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَهُمْ، وَقَيَّدَهُ فِي النَّوَادِرِ بِمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِرَدِّهِ، وَإِلَّا دَخَلَتْ الْوَصَايَا فِيهِ
وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ عَقْدَهَا خَطُّهُ؛ أَوْ قَرَأَهَا وَلَمْ يُشْهِدْ، أَوْ يَقُلْ: أَنْفِذُوهَا، لَمْ تَنْفُذْ
[منح الجليل]
وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَعْلُومٌ، وَكَذَا يَقَعُ التَّحَاصُصُ فِي الثُّلُثِ بِمَا أَوْصَى بِهِ لِوَارِثِهِ، فَفِيهَا: وَمَنْ أَوْصَى لِوَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ تَحَاصَّا وَعَادَ سَهْمُ الْوَارِثِ مَوْرُوثًا إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ اهـ. بِخِلَافِ مَا أَقَرَّ بِهِ وَرَدَّ فَلَا يُحَاصِصُ بِهِ فِي الثُّلُثِ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، فَفِيهَا إذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِدَيْنٍ فَيَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ لِمَنْ يُتَّهَمُ بِهِ وَتَقَعُ الْوَصَايَا فِي ثُلُثِ مَا بَقِيَ فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لِمَنْ يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِهِ لَهُ أَخَذَهُ، وَإِلَّا رَجَعَ مِيرَاثًا، أَفَادَهُ طفي.
(وَإِنْ) مَاتَ الْحُرُّ الْمُمَيِّزُ الْمَالِكُ، وَوُجِدَ عِنْدَهُ وَصِيَّةٌ مَكْتُوبَةٌ وَ (ثَبَتَ) بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ (إنَّ عَقَدَهَا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ وَثِيقَةَ الْوَصِيَّةِ (خَطُّهُ) الْمُوصِي وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا وَلَمْ يَقُلْ أَنْفِذُوهَا فَلَا تَنْفُذُ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَتَبَهَا غَيْرَ عَازِمٍ، أَوْ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهَا عِيَاضٌ إذَا لَمْ يَقُلْ أَنْفِذُوهَا أَمَّا لَوْ كَتَبَهَا وَقَالَ أَنْفِذُوهَا فَإِنَّهَا تَنْفُذُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ اُنْظُرْ قَوْلَهُ، قَالَ: أَنْفِذُوهَا هَلْ أَرَادَ بِهِ قَالَهُ بِلِسَانِهِ، وَشَهِدَ بِقَوْلِهِ مَنْ عَرَفَ خَطَّهُ أَوْ أَرَادَ أَنَّهُ كَتَبَهَا بِخَطِّهِ وَشَهِدَ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى حَقِيقَةِ اللَّفْظِ؛ إذْ الْقَوْلُ حَقِيقَةً إنَّمَا هُوَ الْمَلْفُوظُ، الْبُنَانِيُّ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، أَيْ لِأَنَّهُ يَجْرِي فِي كِتَابَةِ أَنْفِذُوهَا مَا جَرَى فِي كِتَابَةِ الْوَثِيقَةِ مِنْ احْتِمَالِ عَدَمِ الْعَزْمِ أَوْ الرُّجُوعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ مَنْ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ بِيَدِهِ فَوُجِدَتْ فِي تَرِكَتِهِ وَعُرِفَ أَنَّهَا خَطُّهُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ فَلَا يَثْبُتُ بِشَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهَا قَدْ يَكْتُبُ وَلَا يَعْزِمُ، رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ.
(أَوْ) كَتَبَ وَصِيَّتَهُ (قَرَأَهَا) عَلَى الشُّهُودِ (وَلَمْ يُشْهِدْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ الْمُوصِي الشُّهُودَ عَلَى أَنَّهَا وَصِيَّتُهُ (أَوْ) لَمْ (يَقُلْ) الْمُوصِي (أَنْفِذُوهَا لَمْ) الْأَوْلَى فَلَا (تَنْفُذْ) فَإِنْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَى أَنَّ مَا قَرَأَهُ وَصِيَّتُهُ أَوْ قَالَ أَنْفِذُوهَا نَفَذَتْ.
مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ لَوْ قَرَأَهَا وَلَمْ
وَنُدِبَ فِيهِ تَقْدِيمُ التَّشَهُّدِ
[منح الجليل]
يَأْمُرْهُمْ بِالشَّهَادَةِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَقُولَ: إنَّهَا وَصِيَّتِي، وَإِنَّ مَا فِيهَا حَقٌّ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهَا، كَذَا نَقَلَهُ الْبَاجِيَّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا لَفْظَ أَنَّهُ أَتَى بِهَا الشُّهُودُ، وَكَذَا فِي النَّوَادِرِ.
وَقَالَ الصِّقِلِّيُّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَإِذَا أَتَى الشُّهُودُ بِوَصِيَّةٍ وَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ إلَى آخِرِهَا فَلَا تَنْفُذُ إلَّا أَنْ يَقُولَ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ إتْيَانَهُ إلَيْهِمْ وَقِرَاءَتَهَا عَلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ مِمَّا يُنْفِذُهَا، وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي نَوَادِرِهِ مِنْ الْمَجْمُوعَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَأَنَّهَا لَا تَنْفُذُ حَتَّى يَقُولَ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا خِلَافًا.
(وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (فِيهِ) أَيْ الْإِيصَاءِ (تَقْدِيمُ) ذِكْرِ (التَّشَهُّدِ) أَيْ أَنَّهُ يَشْهَدُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَلِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ بِأَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ". ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَنْ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ فَلْيُقَدِّمْ ذِكْرَ التَّشَهُّدِ.
الشَّيْخُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةُ وَالْمَجْمُوعَةِ، قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ أَدْرَكْتُ يَكْتُبُونَ التَّشَهُّدَ قَبْلَ ذِكْرِ الْوَصِيَّةِ وَمَا زَالَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ بِالْمَدِينَةِ، وَإِنَّهُ لَيُعْجِبُنِي وَأُرَاهُ حَسَنًا، وَرَوَاهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ كُلُّ ذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ تَشَهَّدَ أَوْ لَمْ يَتَشَهَّدْ قَدْ تَشَهَّدَ نَاسٌ فُقَهَاءُ صَالِحُونَ، وَتَرَكَهُ بَعْضُ النَّاسِ وَذَلِكَ قَلِيلٌ.
وَفِيهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَمْ يَذْكُرْ لَنَا مَالِكٌ كَيْفَ التَّشَهُّدُ.
الْبَاجِيَّ عَنْ أَنَسٍ كَانُوا يُوصُونَ أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَوْصَى مَنْ يَتْرُكُ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَأَوْصَى بِمَا أَوْصَى بِهِ إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132] وَأَوْصَى إنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ هَذَا.
وَرَوَى أَشْهَبُ أَنَّ رَجُلًا كَتَبَ فِي ذَلِكَ أُؤْمِنُ بِالْقَدْرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، قَالَ: مَا أَرَى هَذَا إلَّا كُتُبَ الصَّفْرِيَّةِ والإباضية قَدْ كَتَبَ مَنْ مَضَى وَصَايَاهُمْ فَلَمْ يَكْتُبُوا مِثْلَ هَذَا.
قُلْت: وَمِثْلُهُ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ لِأَنَّ الرُّشْدَ فِي الِاتِّبَاعِ، وَيُجْتَنَبُ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا الِابْتِدَاعُ فَلَنْ يَأْتِيَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ
وَلَهُمْ الشَّهَادَةُ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهُ، وَلَا فَتَحَ، وَتُنَفَّذُ؛ وَلَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ عِنْدَهُ
وَإِنْ شَهِدَا بِمَا فِيهَا
[منح الجليل]
بِأَهْدَى مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلُهَا اهـ الْعَدَوِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوْلَى الْجَمْعُ، أَيْ فِي التَّشَهُّدِ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْكِتَابَةِ.
(وَلَهُمْ) أَيْ الشُّهُودِ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنَّ وَصِيَّتَهُ مَكْتُوبَةٌ بِهَذِهِ الْوَثِيقَةِ بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ (الشَّهَادَةُ) بِأَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ وَصِيَّتَهُ إذَا كَانَ قَرَأَهُ عَلَيْهِمْ أَوْ كَانُوا قَرَءُوهُ وَأَشْهَدَهُمْ بِأَنَّ مَا فِيهِ وَصِيَّتُهُ، بَلْ (وَإِنْ لَمْ يَقْرَؤُهُ) وَلَمْ يَقْرَأْهُ عَلَيْهِ إذَا عَرَفُوا عَيْنَ الْكِتَابِ إنْ فَتَحَ الْكِتَابَ وَرَأَوْا مَا فِيهِ بَلْ (وَلَا فَتَحَ) وَأَمَرَ أَنْ لَا يُفْتَحَ حَتَّى يَمُوتَ فَلَهُمْ الشَّهَادَةُ فِيهِ وَتُنَفَّذُ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا وَصِيَّتُهُ بِمَا فِيهِ إنْ كَانَ عِنْدَ غَيْرِهِ، بَلْ (وَلَوْ كَانَتْ) وَثِيقَتُهُ (عِنْدَهُ) أَيْ الْمُوصِي إلَى مَوْتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رِيبَةٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ أَشْهَبَ مَنْ أَتَاهُ أَخٌ لَهُ بِكِتَابِ وَصِيَّةٍ طُبِعَ عَلَيْهَا، وَقَالَ: اُكْتُبْ شَهَادَتَك بِأَسْفَلِهِ عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّهُ كِتَابِي، وَلَا يَعْلَمُ الشَّاهِدُ مَا فِيهَا فَكَتَبَ شَهَادَتَهُ فِي أَسْفَلِهَا عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّهَا وَصِيَّتُهُ أَيَشْهَدُ بِهَا، قَالَ إنْ لَمْ يَشُكَّ فِي خَاتَمِهِ أَنَّهُ خَاتَمُهُ فَلْيَشْهَدْ، وَإِنْ شَكَّ فَلَا يَشْهَدُ إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لَيْسَتْ عِنْدَهُ.
قُلْت أَيَشُكُّ فِي الْخَاتَمِ إذَا غَابَ عَنْهُ، قَالَ لَا أَدْرِي إنْ شَكَّ فَلَا يَشْهَدُ، وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ يَشْهَدُ وَكَانَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ إجَازَةُ الْخَاتَمِ حَتَّى كَانَ الْقَاضِي يَكْتُبُ لِلرَّجُلِ الْكِتَابَ إلَى الْقَاضِي وَمَا يَزِيدُ عَلَى خَاتَمِهِ فَيُجَازُ لَهُ، حَتَّى حَدَثَ عِنْدَ النَّاسِ الِاتِّهَامُ عَلَى خَاتَمِ الْقَاضِي، وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّيَقُّنِ مِمَّا لَا سَبِيلَ إلَى الشَّاهِدِ إلَيْهِ إذَا لَمْ تَكُنْ الْوَصِيَّةُ عِنْدَهُ، فَعَلَى قَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدُوا بِمَا فِيهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ عِنْدَهُمْ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِذَا دَفَعَهَا إلَيْهِمْ فَدَفَعُوهَا إلَى أَحَدِهِمْ أَوْ إلَى مَنْ وَثِقُوا بِهِ غَيْرَهُمْ فَكَانَتْ عِنْدَهُ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهَا، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.
(وَإِنْ شَهِدَا) أَيْ الْعَدْلَانِ (بِمَا فِيهَا) أَيْ الْوَثِيقَةِ لَهُ وَعَلَيْهِ وَهِيَ مَخْتُومَةٌ، وَقَالَ لَهُمَا
وَمَا بَقِيَ، فَلِفُلَانٍ؛ ثُمَّ مَاتَ فَفُتِحَتْ فَإِذَا فِيهَا، وَمَا بَقِيَ فَلِلْمَسَاكِينِ؛ قُسِمَ بَيْنَهُمَا
وَكَتَبْتُهَا عِنْدَ فُلَانٍ فَصَدِّقُوهُ، أَوْ أَوْصَيْتُهُ بِثُلُثِي فَصَدِّقُوهُ، يُصَدَّقُ، إنْ لَمْ يَقُلْ لِابْنِي
[منح الجليل]
حِينَ إشْهَادِهِمَا عَلَيْهَا (وَمَا بَقِيَ) بَعْدَ تَنْفِيذِ الْوَصَايَا مِنْ ثُلُثِي (فَ) هُوَ (لِفُلَانٍ فَفُتِحَتْ) الْوَثِيقَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ (فَإِذَا فِيهَا وَمَا بَقِيَ) بَعْدَهُ مِنْهُ (فَ) هُوَ (لِلْمَسَاكِينِ قُسِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مَا بَقِيَ مَعَهُ (بَيْنَهُمَا) أَيْ فُلَانٍ وَالْمَسَاكِينِ مُنَاصَفَةً.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ ابْنُ وَهْبٍ فِي امْرَأَةٍ قَالَتْ لِشُهُودٍ: هَذِهِ وَصِيَّتِي وَهِيَ مَطْبُوعَةٌ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهَا لِي وَعَلَيَّ وَأَسْنَدْتُهَا إلَى عَمَّتِي وَمَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِي فَلِعَمَّتِي وَمَاتَتْ فَفُتِحَ الْكِتَابُ فَإِذَا فِيهِ مَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِي فَلِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَرَامِلِ، فَإِنَّهُ تُقَسَّمُ بَقِيَّتُهُ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَالْأَصْنَافِ الْآخَرِينَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلَيْنِ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا مَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِشَيْءٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِغَيْرِهِ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، وَلَا تَكُونُ الْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ نَاسِخَةً لِلْأَوَّلِ خِلَافُ سَمَاعِ زُونَانَ أَشْهَبَ.
(وَإِنْ قَالَ) الْمُوصِي (كَتَبْتُهَا) أَيْ وَصِيَّتِي وَوَضَعْتُهَا (عِنْدَ فُلَانٍ) فَإِذَا مِتُّ، وَأَخْرَجَ لَكُمْ كِتَابًا وَقَالَ هَذِهِ وَصِيَّتِي (فَصَدِّقُوهُ) فِي أَنَّهَا وَصِيَّتِي فَإِذَا مَاتَ وَأَتَى فُلَانٌ بِوَثِيقَةٍ وَقَالَ هَذِهِ وَصِيَّةُ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ وَيَنْفُذُ مَا فِيهَا (أَوْ) قَالَ الْمُوصِي (أَوْصَيْته) أَيْ فُلَانًا (بِ) كَيْفِيَّةِ تَفْرِقَةِ (ثُلُثِي فَصَدِّقُوهُ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا، أَيْ فُلَانًا فِيهَا، فَإِذَا مَاتَ وَأَخْبَرَ فُلَانٌ بِالْكَيْفِيَّةِ فَإِنَّهُ (يُصَدَّقُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الصَّادِ وَالدَّالِ مُثَقَّلًا فِيهَا وَتَنْفُذُ (إنْ لَمْ يَقُلْ) فُلَانٌ أَوْصَى بِثُلُثِهِ (لِابْنِي) فَإِنْ قَالَ لِابْنِي وَنَحْوَهُ مِمَّنْ يُتَّهَمُ فِيهِ فَلَا يُصَدَّقُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ يُصَدَّقُ.
ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ قَالَ كَتَبْتُ وَصِيَّتِي وَجَعَلْتهَا عِنْدَ فُلَانٍ فَصَدِّقُوهُ وَأَنْفِذُوهَا صُدِّقَ وَنَفَذَ مَا فِيهَا، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ قَالَ كَتَبْتُ وَصِيَّتِي وَجَعَلْتهَا عِنْدَ فُلَانٍ فَأَنْفِذُوا مَا فِيهَا فَمَاتَ، وَأُخْرِجَتْ الْوَصِيَّةُ وَلَا شُهُودَ فِيهَا إلَّا مَا شَهِدُوا عَلَى قَوْلِهِ أَنَّهُ وَضَعَهَا عِنْدَ فُلَانٍ فَأَنْفَذُوا مَا فِيهَا فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهَا عِنْدَهُ عَدْلًا أُنْفِذَ مَا فِيهَا.
ابْنُ الْقَاسِمِ هَذَا رَأْيِي.
الْعُتْبِيُّ عَنْ سَحْنُونٍ
وَوَصِيِّي فَقَطْ، يُعَمُّ، وَعَلَى كَذَا، يُخَصُّ بِهِ
[منح الجليل]
هِيَ جَائِزَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا.
ابْنُ رُشْدٍ اشْتِرَاطُ عَدَالَتِهِ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ قَالَ: كَتَبْتُ وَصِيَّتِي وَجَعَلْتهَا عِنْدَ فُلَانٍ فَصَدِّقُوهُ وَأَنْفِذُوا مَا فِيهَا أَنَّهُ يُصَدَّقُ وَيَنْفُذُ مَا فِيهَا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ عَدَالَةً، كَقَوْلِهِ سَحْنُونٌ وَهُوَ الْقِيَاسُ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا إنْ قَالَ أَوْصَيْتُ فُلَانًا بِثُلُثِي فَصَدِّقُوهُ جَازَ ذَلِكَ وَأُنْفِذَ مَا قَالَ، فَإِنْ قَالَ الْوَصِيُّ إنَّمَا أَوْصَى بِثُلُثٍ لِابْنِي فَقَالَ أَشْهَبُ يُصَدَّقُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُصَدَّقُ لِقَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ قَالَ اجْعَلْ ثُلُثِي حَيْثُ تَرَاهُ، فَإِنْ أَعْطَاهُ لِنَفْسِهِ أَوْ قَرَابَتِهِ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ وَجْهٌ لِذَلِكَ صَوَابٌ، وَفَرَّقَ ابْنُ رُشْدٍ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَسْأَلَةَ مَالِكٍ صُرِفَ الْأَمْرُ فِيهَا إلَى اجْتِهَادِهِ فَصَرَفَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِقَرَابَتِهِ ظَاهِرٌ فِي مُنَافَاتِهِ نَتِيجَةَ الِاجْتِهَادِ، وَمَسْأَلَةُ الْخِلَافِ أَمْرُهَا مَصْرُوفٌ لِمُجَرَّدِ إخْبَارِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ أَشْهَبُ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الْمَيِّتَ أُمِرَ بِتَصْدِيقِهِ، وَنَحْوُهُ لِلصَّقَلِّيِّ.
(وَ) إنْ قَالَ فِي إيصَائِهِ فُلَانٌ (وَصِيِّي فَقَطْ) أَيْ مُقْتَصِرًا عَلَى قَوْلِهِ: وَصِيٍّ فَإِنَّهُ (يَعُمُّ) إيصَاؤُهُ كُلَّ شَيْءٍ لِلْمُوصِي أَوْ عَلَيْهِ حَتَّى إنْكَاحَ صِغَارِ بَنِيهِ وَبَالِغَاتِ بَنَاتِهِ الْأَبْكَارِ بِإِذْنِهِنَّ، وَلَا يُجْبِرُهُنَّ اتِّفَاقًا، وَكَذَا الثَّيِّبَاتُ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَنْ قَالَ: اشْهَدُوا أَنَّ فُلَانًا وَصِيِّي، وَلَمْ يَزِدْ فَهُوَ وَصِيَّةُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَإِنْكَاحِ صِغَارِ بَنِيهِ، وَمَنْ بَلَغَ مِنْ أَبْكَارِ بَنَاتِهِ بِإِذْنِهِمْ وَالثَّيِّبِ بِإِذْنِهَا.
اللَّخْمِيُّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ قَالَ فُلَانٌ وَصِيِّي قَالَ اسْتَقْصَى لَهُ وَبَالَغَ، وَإِنْ قَالَ وَصِيِّي عَلَى مَالِي دَخَلَ فِيهِ الْوَلَدُ، وَإِنْ قَالَ عَلَى وَلَدِي دَخَلَ فِيهِ الْمَالُ، وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ وَلَدِي الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ وَكَذَا عَلَى بَنِيَّ إلَّا أَنْ يَخُصَّ فَيَقُولَ: الذُّكُورُ أَوْ بَنَاتِي.
(وَ) إنْ قَالَ وَصِيِّي (عَلَى كَذَا) كَثُلُثِي أَوْ قَضَاءِ دَيْنِي فَإِنَّهُ (يُخَصُّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا (بِهِ) أَيْ مَا قَصَرَ الْمُوصِي إيصَاءَهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَعُمُّ غَيْرَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ قَالَ فُلَانٌ وَصِيِّي عَلَى اقْتِضَاءِ دَيْنِي أَوْ قَضَائِهِ أَوْ فُلَانٌ وَصِيِّي عَلَى مَالِي أَوْ فُلَانٌ وَصِيِّي عَلَى بِضْعِ بَنَاتِي فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَيَكُونُ كَمَا قَالَ، وَإِنْ قَالَ فُلَانُ وَصِيِّي عَلَى كَذَا الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ فَإِنَّمَا هُوَ وَصِيٌّ عَلَى مَا سَمَّى فَقَطْ، وَنَقَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ الْخِلَافِيَّةِ أَنَّهُ يَكُونُ
كَوَصِيِّي، حَتَّى يَقْدَمَ فُلَانٌ، أَوْ إلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ زَوْجَتِي
وَإِنْ زَوَّجَ مُوصًى عَلَى بَيْعِ تَرِكَتِهِ، وَقَبْضِ دُيُونِهِ، صَحَّ
[منح الجليل]
وَصِيًّا لَهُ عَلَى الْعُمُومِ، وَكَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، نَقَلَهُ الطُّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ رِوَايَةً.
وَشَبَّهَ فِي الِاخْتِصَاصِ فَقَالَ (كَ) قَوْلِهِ فُلَانٌ (وَصِيِّي حَتَّى يَقْدَمَ فُلَانٌ) فَيَكُونَ هُوَ الْوَصِيُّ فَهُوَ وَصِيُّهُ مَا دَامَ فُلَانٌ غَائِبًا، فَإِنْ قَدِمَ ارْتَفَعَتْ وِصَايَتُهُ، وَصَارَ الْقَادِمُ وَصِيَّهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا: إنْ قَالَ فُلَانٌ وَصِيِّي حَتَّى يَقْدَمَ فُلَانٌ فَيَكُونَ وَصِيًّا فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَيَكُونُ كَمَا قَالَ الصِّقِلِّيُّ، وَيَنْبَغِي إنْ مَاتَ فُلَانٌ قَبْلَ قُدُومِهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا وَصِيًّا لِأَنَّهُ إنَّمَا خَلَعَ هَذَا بِقُدُومِ الْغَائِبِ، فَلَوْ قَدِمَ وَامْتَنَعَ فَالظَّاهِرُ سُقُوطُ إيصَاءِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ عَلَّقَ نَظَرَهُ بِغَيْبَةِ فُلَانٍ إلَّا أَنْ يُفْهَمَ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا جَاءَ وَقَبِلَ أَنْ يَكُونَ الْوَصِيَّ، فَإِذَا قَدِمَ وَلَمْ يَقْبَلْ وَجَبَ بَقَاءُ الْأَوَّلِ وَصِيًّا.
اللَّخْمِيُّ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إنْ مَاتَ فِي غَيْبَتِهِ فَلَا وَصِيَّةَ لِلْحَاضِرِ، وَيَنْظُرُ السُّلْطَانُ، وَكَذَا عَلَى قَوْلِهِ إنْ قَدِمَ وَلَمْ يَقْبَلْ إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ فِي إقَامَةِ الْغَائِبِ امْتِنَاعَ الْحَاضِرِ مِنْ الْوَصِيَّةِ فَقِيلَ لَهُ تَكَلَّفْهَا حَتَّى يَقْدَمَ فُلَانٌ، فَإِنْ كَانَ هَذَا السَّبَبَ جَازَ تَمَادِيهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ إنْ أَحَبَّ، فَإِنْ كَرِهَ فَلَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَهَا وَقْتًا.
(أَوْ) قَالَ فُلَانٌ وَصِيِّي (إلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ) فُلَانٌ (زَوْجَتِي) فَلَا يَكُونُ وَصِيِّي، وَفِي نُسْخَةٍ حَتَّى تَتَزَوَّجَ بِفَوْقِيَّتَيْنِ فَالْمَعْنَى فُلَانَةُ زَوْجَتِي وَصِيَّتِي حَتَّى تَتَزَوَّجَ فَلَا تَكُونُ وَصِيَّتِي، فِيهَا مَنْ أَسْنَدَ وَصِيَّتَهُ إلَى أُمِّ وَلَدِهِ عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ جَازَ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ عُزِلَتْ.
(وَإِنْ) أَوْصَى رَجُلًا عَلَى بَيْعِ تَرِكَتِهِ وَقَبْضِ دُيُونَهُ وَلَمْ يُوصِهِ عَلَى تَزْوِيجِ بَنَاتِهِ فَتَعَدَّى (زَوَّجَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا الْوَصِيُّ الـ (مُوصَى عَلَى بَيْعِ تَرِكَتِهِ) أَيْ الْمُوصِي (وَقَبْضِ دُيُونِهِ) أَيْ الْمُوصِي بَنَاتِ الْمُوصِي الْبَالِغَاتِ بِإِذْنِهِنَّ (صَحَّ) تَزْوِيجُهُ لِحُصُولِ وِلَايَةِ الْإِسْلَامِ الْعَامَّةِ لَهُ عَلَيْهِنَّ، وَفِي قَوْلِهِ صَحَّ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى لَهُ ابْتِدَاءُ عَدَمِ تَزْوِيجِهِنَّ وَرَفْعُ أَمْرِهِنَّ إلَى الْإِمَامِ لِيَنْظُرَ فِي تَقْدِيمِهِ أَوْ عَاصِبِهِنَّ عَلَيْهِنَّ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ قَالَ فُلَانٌ وَصِيِّي عَلَى بَيْعِ
وَإِنَّمَا يُوصِي عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ أَبٌ، أَوْ وَصِيُّهُ؛ كَأُمٍّ، إنْ قَلَّ، وَلَا وَلِيَّ، وَوُرِثَ عَنْهَا
[منح الجليل]
تَرِكَتِي وَقَبْضِ دُيُونِي وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ هَذَا.
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يُزَوِّجَ بَنَاتِهِ حَتَّى يَرْفَعَ إلَى السُّلْطَانِ، فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ رَجَوْت أَنْ يَجُوزَ.
الصِّقِلِّيُّ أَشْهَبُ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُنَّ وَلَا يَرْفَعَ إلَى السُّلْطَانِ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
(وَإِنَّمَا يُوصِي) بِكَسْرِ الصَّادِ مُخَفَّفًا مِنْ الْإِيصَاءِ وَمُثَقَّلًا مِنْ التَّوْصِيَةِ (عَلَى) الشَّخْصِ (الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ) لِصِغَرِهِ أَوْ جُنُونِهِ أَوْ سَفَهِهِ (أَبٌ) رَشِيدٌ (أَوْ وَصِيُّهُ) أَيْ الْأَبِ لَا جَدٌّ وَلَا عَمٌّ وَلَا أَخٌ، وَلَا أُمٌّ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ أَشَارَ لَهَا بِتَشْبِيهِهَا بِالْأَبِ فِي الْإِيصَاءِ عِنْدَ الْمَحْجُورِ فَقَالَ (كَأُمٍّ) فَلَهَا الْإِيصَاءُ عَلَى وَلَدِهَا (إنْ قَلَّ الْمَالُ) الَّذِي أَرَادَتْ الْإِيصَاءَ فِيهِ كَسِتِّينَ دِينَارًا (وَلَا وَلِيَّ) لِلْوَلَدِ الَّذِي أَرَادَتْ الْإِيصَاءَ عَلَى مَالِهِ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيِّهِ (وَوُرِثَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمَالُ الْقَلِيلُ الْمُوصَى عَلَيْهِ (عَنْهَا) أَيْ الْأُمِّ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْإِيصَاءُ إنْ كَانَ بِالنَّظَرِ لِمَحْجُورٍ اخْتَصَّ بِالْأَبِ الرَّشِيدِ وَالْوَصِيِّ وَالْحَاكِمِ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا صِحَّةُ وَصِيَّةِ الْأَبِ إلَى غَيْرِهِ بِصِغَارِ بَنِيهِ وَأَبْكَارِ بَنَاتِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْوَصِيُّ فَأَوْصَى لِغَيْرِهِ جَازَ ذَلِكَ، وَكَانَ وَصِيُّ الْوَصِيِّ مِثْلَ الْوَصِيِّ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ مُقَدَّمِ الْقَاضِي.
وَقِيلَ مِثْلُهُ، وَهُوَ قَوْلُهَا فِي إرْخَاءِ السُّتُورِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلطِّفْلِ وَصِيٌّ فَأَقَامَ لَهُ الْقَاضِي خَلِيفَةً كَانَ كَالْوَصِيِّ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَلَا تَجُوزُ وَصِيَّةُ الْجَدِّ بِوَلَدِ وَلَدِهِ وَلَا الْأَخِ بِأَخِيهِ الصَّغِيرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ وَلَا وَصِيٌّ وَإِنْ قَلَّ الْمَالُ.
بِخِلَافِ الْأُمِّ وَفِيهَا لَا يَجُوزُ إيصَاءُ الْأُمِّ بِمَالٍ وَلَدِهَا الصَّغِيرِ إلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيًّا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ إذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا، وَيَنْظُرُ الْإِمَامُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا نَحْوَ السِّتِّينَ دِينَارًا جَازَ إسْنَادُهَا فِيهِ إلَى عَدْلٍ فِيمَنْ لَا أَبَ لَهُ وَلَا وَصِيَّ فِيمَا تَرَكَتْهُ لَهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُوصِيَ بِمَالِ وَلَدِهَا.
ابْنُ الْقَاسِمِ إجَازَةُ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " ذَلِكَ اسْتِحْسَانٌ وَلَيْسَتْ بِقِيَاسٍ، وَإِنْ كَانَ الْإِيصَاءُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ قَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ تَفْرِيقِ ثُلُثٍ جَازَ مِنْ كُلِّ مَالِكٍ فِيهَا لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُوصِيَ بِإِنْفَاذِ وَصَايَاهَا وَقَضَاءِ دَيْنِهَا
لِمُكَلَّفٍ: مُسْلِمٍ، عَدْلٍ، كَافٍ،
[منح الجليل]
وَإِنَّمَا يُوصِي الْأَبُ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ (لِ) شَخْصٍ (مُكَلَّفٍ) بَالِغٍ عَاقِلٍ فَلَا يَصِحُّ إيصَاءُ مَجْنُونٍ وَلَا مَعْتُوهٍ وَلَا صَبِيٍّ (مُسْلِمٍ) فَلَا يَصِحُّ إيصَاءُ كَافِرٍ وَلَوْ قَرِيبًا عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " (عَدْلٍ) فَلَا يَصِحُّ إيصَاءُ فَاسِقٍ.
الْبِسَاطِيُّ بِالْجَوَارِحِ وَلَمْ أَعْلَمْ فِي الْفَاسِقِ بِالِاعْتِقَادِ نَصًّا شَافِيًا (كَافٍ) أَيْ الْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْمُوصَى عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ إيصَاءُ عَاجِزٍ عَنْهَا.
ابْنُ شَاسٍ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ الْوَصِيُّ وَشَرْطُهُ أَرْبَعَةٌ التَّكْلِيفُ وَالْإِسْلَامُ وَالْعَدَالَةُ وَالْكِفَايَةُ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ إلَى غَيْرِ عَدْلٍ، وَفِي تَرْجَمَةٍ أُخْرَى لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ إلَى مَسْخُوطٍ.
قُلْت الْمُرَادُ بِالْعَدَالَةِ فِي هَذَا الْفَصْلِ السَّتْرُ لَا الصِّفَةُ الْمُشْتَرَطَةُ فِي الشَّهَادَةِ، فَذِكْرُ اللَّفْظَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ يُسَهِّلُ تَفْسِيرَ غَيْرِ الْعَدْلِ بِالْمَسْخُوطِ لَا بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ وَمِنْ الْمَسْتُورِ فَيَدْخُلُ الْمَسْتُورُ فِي الْمَنْعِ، وَاخْتِصَارُ الْبَرَادِعِيِّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لَا تَجُوزُ إلَى ذِمِّيٍّ أَوْ مَسْخُوطٍ أَوْ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ خِلَافُ ذَلِكَ لِأَنَّ عَطْفَ لَيْسَ بِعَدْلٍ عَلَى الْمَسْخُوطِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ غَيْرُهُ، فَيَدْخُلُ الْمَسْتُورُ فِي الْمَنْعِ.
الشَّيْخُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ مَنْ أَوْصَى إلَى مَحْدُودٍ فِي قَذْفٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ مِنْهُ فَلْتَةً، وَحَالَتُهُ تُرْضِي، وَإِنْ لَمْ يَتَزَيَّدْ حُسْنَ حَالَ إذَا كَانَ يَوْمَ حُدَّ غَيْرَ مَسْخُوطٍ وَأَمَّا مَنْ حُدَّ فِي سَرِقَةٍ أَوْ زِنًا أَوْ خَمْرٍ فَلَا يَقَعُ فِي مِثْلِ هَذَا مَنْ لَهُ وَرَعٌ فَلَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ اُنْظُرْ الْحَاشِيَةَ.
وَإِنْ أَعْمَى، وَامْرَأَةً وَعَبْدًا وَتَصَرَّفَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ
[منح الجليل]
وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِمَنْ اسْتَوْفَى مَا سَبَقَ إنْ كَانَ بَصِيرًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (أَعْمَى) فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ بَصِيرًا، وَيَصِحُّ الْإِيصَاءُ لِمُسْتَوْفِيهَا كَانَ رَجُلًا، بَلْ (وَ) إنْ كَانَ (امْرَأَةً) وَيَصِحُّ لَهُ إنْ كَانَ حُرًّا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (عَبْدًا) قِنًّا أَوْ ذَا شَائِبَةٍ.
الشَّيْخُ فِي الْمَجْمُوعَةِ لِأَشْهَبَ إنْ أَوْصَى مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ لِامْرَأَةٍ أَوْ أَعْمَى فَذَلِكَ جَائِزٌ (وَتَصَرَّفَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا الرَّقِيقُ لِمُوصٍ عَلَى مَحْجُورٍ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهِ لِلْمَحْجُورِ الْمُوصَى عَلَيْهِ (بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) وَلَا يُقْبَلُ الْإِيصَاءُ إلَّا بِإِذْنِهِ.
وَإِنْ أَرَادَ الْأَكَابِرُ بَيْعَ مُوصًى، اُشْتُرِيَ لِلْأَصَاغِرِ؛
[منح الجليل]
ابْنُ عَاشِرٍ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفِ تَصَرَّفَ بِإِذْنٍ أَنَّ الْمُتَوَقِّفَ عَلَى إذْنِ السَّيِّدِ إنَّمَا هُوَ تَصَرُّفُهُ دُونَ قَبُولِ الْإِيصَاءِ، وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ إذْ الصَّوَابُ أَنَّ قَبُولَهُ الْإِيصَاءَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِذْنِ أَيْضًا؛ وَلِذَا قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: الْحَسَنُ أَنْ يُقَالَ تَجُوزُ، وَتَصِحُّ لِعَبْدِ الْغَيْرِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا مَنْ أَسْنَدَ وَصِيَّتَهُ إلَى عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ جَازَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ فِي رَسْمِ الْوَصَايَا مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ.
ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْعَبْدِ إنْ كَانَ مَأْمُونًا غَيْرَ عَاجِزٍ كَانَ لِلْمُوصِي أَوْ غَيْرِهِ إنْ رَضِيَ سَيِّدُهُ وَسَيِّدُهُ لَا يَخَافُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى مَا بِيَدِهِ.
أَشْهَبُ فَإِنْ طَعَنَ بِهِ سَيِّدُهُ أَوْ مُشْتَرِيهِ جَعَلَ السُّلْطَانُ وَصِيًّا غَيْرَهُ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَعْرُوفِ فِي هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ عِنْدَ سَفَرِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى سُلْطَانٍ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ.
الشَّيْخُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ إنْ أَوْصَى إلَى عَبْدِ غَيْرِهِ جَازَ إنْ أَجَازَهُ سَيِّدُهُ، وَلَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ إلَّا لِعُذْرٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ نَقْلَةٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ الْعَبْدِ إلَى غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي الْوَرَثَةُ بِهِ فَيُقِيمُ الْإِمَامُ لَهُمْ غَيْرَهُ.
(وَإِذَا) أَوْصَى عَبْدَهُ عَلَى أَصَاغِرِ وَلَدِهِ، وَلَهُ أَوْلَادٌ كِبَارٌ وَ (أَرَادَ) أَوْلَادُهُ (الْأَكَابِرُ بَيْعَ) عَبْدٍ (مُوصًى) عَلَى أَوْلَادِهِ الْأَصَاغِرِ (اُشْتُرِيَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْعَبْدُ الْمُوصَى، أَيْ نَصِيبُ الْأَكَابِرِ مِنْهُ (لِ) أَوْلَادِ (الْأَصَاغِرِ) إنْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ يَفِي بِهِ بِلَا ضَرَرٍ وَإِلَّا بَاعَ الْأَكَابِرُ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ فَقَطْ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ ثَمَنُهُ فَيُبَاعَ جَمِيعُهُ، وَيُبَيَّنَ لِمُشْتَرِيهِ أَنَّهُ وَصِيٌّ عَلَى الْأَصَاغِرِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ أَكَابِرُ وَأَرَادَ بَيْعَ نَصِيبِهِمْ فِي الْعَبْدِ الْمُوصَى عَلَى الْأَصَاغِرِ اُشْتُرِيَ لَهُمْ حَظُّ الْأَكَابِرِ إنْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ يَحْمِلُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ أَوْ أَضَرَّ بِهِمْ بَاعَ الْأَكَابِرُ حَظَّهُمْ مِنْهُ فَقَطْ إلَّا أَنْ يَضُرَّ بِهِمْ فَيُبَاعَ نَصِيبُ الْأَصَاغِرِ مَعَ نَصِيبِ الْأَكَابِرِ.
الشَّيْخُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ: إنْ كَانَ فِيهِمْ أَكَابِرُ قَوْمٍ حَظُّهُمْ عَلَى الْأَصَاغِرِ، ثُمَّ مَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ قُوِّمَ حَظُّهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ.
قُلْت مِثْلُهُ فِي رسم الْوَصَايَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ كَانَ مَعَهُمْ زَوْجَةٌ
وَطُرُوُّ الْفِسْقِ يَعْزِلُهُ
وَلَا يَبِيعُ الْوَصِيُّ عَبْدًا يُحْسِنُ الْقِيَامَ بِهِمْ، وَلَا التَّرِكَةَ إلَّا بِحَضْرَةِ الْكَبِيرِ، وَلَا يَقْسِمُ عَلَى غَائِبٍ بِلَا حَاكِمٍ
[منح الجليل]
فَأَرَادَتْ بَيْعَ الْعَبْدِ وَقَالَتْ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ دِينَارٍ قَالَ لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَتْ، وَيَخْرُجُ بِهِ إلَى السُّوقِ فَيُقَوَّمُ قِيمَةَ عَدْلٍ فَتُعْطَى الْمَرْأَةُ ثُمُنَهَا كَمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ.
(وَ) إنْ أَوْصَى الْأَبُ أَوْ وَصِيُّهُ عَلَى مَحْجُورِهِ عَدْلًا ثُمَّ طَرَأَ لَهُ الْفِسْقُ فَ (طُرُوُّ) بِضَمِّ الطَّاءِ وَالرَّاءِ بِشَدِّ الْوَاوِ، أَيْ حُدُوثُ (الْفِسْقِ) لِلْوَصِيِّ (يَعْزِلُهُ) أَيْ طُرُوُّ، الْفِسْقِ الْوَصِيَّ عَنْ وِصَايَتِهِ عَلَى الْمَحْجُورِ، فَعَدَالَتُهُ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
فِيهَا أَرَأَيْت إنْ كَانَ الْوَصِيُّ خَبِيثًا أَيُعْزَلُ عَنْ الْوَصِيَّةِ قَالَ نَعَمْ.
عَرَفَةُ فِي عَزْلِهِ بِسَخْطَةٍ وَبَقَائِهِ مَعَ شَرِيكٍ غَيْرِهِ ثَالِثُهَا إنْ عَلِمَ الْمُوصِي بِسَخْطَتِهِ.
وَرَابِعُهَا إنْ كَانَ قَرِيبًا أَوْ مُوَالِيًا وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ مَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ.
ابْنُ يُونُسَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَا يَجُوزُ إسْنَادُ الْوَصِيَّةِ إلَى غَيْرِ عَدْلٍ، وَيُعْزَلُ إنْ أَوْصَى إلَيْهِ.
مُحَمَّدٌ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْوَصِيَّةُ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يُجْعَلُ مَعَهَا مُشْرِفٌ إنْ جُهِلَ حَالُهَا قَالَ وَيُعْزَلُ الْوَصِيُّ إذَا عَادَى مَحْجُورَهُ؛ إذْ لَا يُؤْمَنُ عَدُوٌّ عَلَى عَدُوِّهِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ لِلْمُوصِي أَنْ يَشْتَرِيَ لِمَحْجُورِهِ بَعْضَ مَا يَلْهُو بِهِ.
(وَلَا يَبِيعُ الْوَصِيُّ) عَلَى الْأَصَاغِرِ (عَبْدًا) لَهُمْ (يُحْسِنُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ السِّينِ الْعَبْدُ (الْقِيَامَ بِ) خَدَمْت (هِمْ) أَيْ الْأَصَاغِرِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ لَهُمْ بِمَصْلَحَتِهِمْ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهَا.
فِيهَا لَا يَبِيعُ الْوَصِيُّ عَقَارًا لِيَتَامَى، وَلَا الْعَبْدَ الَّذِي أَحْسَنَ الْقِيَامَ بِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْعُ الْعَقَارِ مِنْ مِلْكِ مُجَاوِرِهِ فَيُرَغِّبَهُ فِي الثَّمَنِ أَوْ لَا كِفَايَةَ فِي غَلَّتِهِ أَوْ لَيْسَ لَهُمْ مَا يُنْفِقُهُ عَلَيْهِمْ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ (وَلَا) يَبِيعُ الْوَصِيُّ عَلَى الْأَصَاغِرِ الَّذِينَ مَعَهُمْ أَكَابِرُ (التَّرِكَةَ إلَّا بِحَضْرَةِ الْكَبِيرِ) الرَّشِيدِ؛ إذْ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ، فَإِنْ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً، وَالتَّرِكَةُ حَيَوَانٌ أَوْ عَرَضٌ فَيَرْفَعُ إلَى الْإِمَامِ لِيُقِيمَ قَيِّمًا عَنْ الْغَائِبِ يَبِيعُ نَصِيبَهُ (وَلَا يُقْسِمُ) الْوَصِيُّ عَلَى الْأَصَاغِرِ التَّرِكَةَ عَلَيْهِمْ وَ (عَلَى الْغَائِبِ بِلَا) رَفْعٍ لِ (حَاكِمٍ) الشَّيْخُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ
وَلِاثْنَيْنِ حُمِلَ عَلَى التَّعَاوُنِ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا
[منح الجليل]
وَأَشْهَبُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - إذَا كَانَ الْوَرَثَةُ أَصَاغِرَ وَأَكَابِرَ فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ حَتَّى يَحْضُرَ الْأَكَابِرُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ غَابُوا بِأَرْضٍ بَعِيدَةٍ، وَالتَّرِكَةُ حَيَوَانٌ وَرَقِيقٌ وَعَرَضٌ فَلَهُ بَيْعُ ذَلِكَ، وَيَرْفَعُ إلَى الْإِمَامِ لِيَأْمُرَ مَنْ يَبِيعُ عَلَى الْغَائِبِ.
أَشْهَبُ إنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُمْ، وَلَمْ يَخْشَ تَغْيِيرَ شَيْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ كَاتَبَهُمْ بِبَيْعِ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ بَيْعُهُ أَفْضَلَ لِلْجَمِيعِ، وَإِنْ شَاءَ قَسَمَهُ وَمَنْ تَلِفَ حَقُّهُ كَانَ مِنْهُ، وَفِي الْقَسْمِ مِنْهَا لَا يَقْسِمُ الْوَصِيُّ عَلَى الْأَصَاغِرِ حَتَّى يَرْفَعَ إلَى الْإِمَامِ وَيَرَاهُ نَظَرٌ، أَوْ إنْ كَانَ مَعَهُمْ أَكَابِرُ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يَرْفَعَ إلَى الْإِمَامِ فَإِنْ قَاسَمَ الْكِبَارَ وَصِيُّ الْأَصَاغِرِ دُونَ الْإِمَامِ جَازَ إذَا اجْتَهَدَ، وَإِنْ غَابَ أَحَدُ الْكِبَارِ لَمْ تَجُزْ قِسْمَةُ الْوَصِيِّ عَلَيْهِ وَلَا يَقْسِمُ لِغَائِبٍ إلَّا الْإِمَامُ، وَيُوَكِّلُ بِذَلِكَ، وَيَجْعَلُ مَا صَارَ لَهُمْ بِيَدِ أَمِينٍ.
(وَ) إنْ أَوْصَى الْأَبُ أَوْ وَصِيُّهُ عَلَى مَحْجُورِهِ (لِاثْنَيْنِ) بِلَفْظٍ وَاحِدٍ أَوْ بِلَفْظَيْنِ فِي وَقْتٍ أَوْ وَقْتَيْنِ، وَأَطْلَقَ إيصَاءَهُ لَهُمَا، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِاسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالتَّصَرُّفِ لَهُ، وَلَا بِتَعَاوُنِهِمَا عَلَيْهِ (حُمِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ إيصَاؤُهُ (عَلَى) قَصْدِ (التَّعَاوُنِ) مِنْهُمَا عَلَى التَّصَرُّفِ لَهُ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِاسْتِقْلَالُ بِهِ إلَّا بِتَوْكِيلٍ مِنْ صَاحِبِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَنْ أَوْصَى إلَى وَصِيَّيْنِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا بَيْعٌ وَلَا شِرَاءٌ وَلَا إنْكَاحٌ وَلَا غَيْرُهَا دُونَ صَاحِبِهِ إلَّا أَنْ يُوَكِّلَهُ.
قُلْت سَوَاءٌ أَوْصَى لَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْمَعِيَّةِ وَالشَّرِكَةِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي زَمَانَيْنِ وَالْأَمْرُ فِي هَذَا جَلِيٌّ، وَكَذَا لَوْ أَوْصَى إلَى أَحَدِهِمَا أَوَّلًا، ثُمَّ أَوْصَى إلَى الْآخَرِ ثَانِيًا، كَقَوْلِهَا فَمَنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِعَمْرٍو أَنَّهُ بَيْنَهُمَا، وَقَوْلُهَا إلَّا أَنْ يُوَكِّلَهُ مِثْلُهُ لِلشَّيْخِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَزَادَ إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ الشَّيْءِ التَّافِهِ مِثْلَ الطَّعَامِ، وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِمَّا يَضُرُّ بِهِمْ تَأْخِيرُهُ فَهُوَ خَفِيفٌ إذَا غَابَ الْآخَرُ وَأَبْطَأَ.
(فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الْوَصِيَّيْنِ الْمُتَعَاوِنَيْنِ دُونَ إيصَاءٍ فَالْحَاكِمُ يَنْظُرُ فِي إقْرَارِ الْآخَرِ وَحْدَهُ أَوْ إقَامَةِ آخَرَ مَعَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ إنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا اسْتَقَلَّ الْآخَرُ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ظَاهِرُهُ اسْتِقْلَالُ الثَّانِي وَهُوَ بَعِيدٌ فِي الْفِقْهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَقِلَّ إلَّا أَنْ يَرَى الْقَاضِي ذَلِكَ.
أَوْ اخْتَلَفَا، فَالْحَاكِمُ
وَلَا لِأَحَدِهِمَا إيصَاءٌ
وَلَا لَهُمَا قَسْمُ الْمَالِ،
[منح الجليل]
قُلْت لِلشَّيْخِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُوصِ فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي بَيْنَ الْعَدَالَةِ وَالْكِفَايَةِ فَلَا يَجْعَلُ الْقَاضِي مَعَهُ غَيْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْعَدَالَةِ أَوْ كَانَ مُبْرِزًا، وَيَحْتَاجُ إلَى مَعُونَةٍ جَعَلَ مَعَهُ غَيْرَهُ.
وَرَوَى عَلِيٌّ إنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا جَعَلَ مَعَهُ الْقَاضِي غَيْرَهُ، ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ: إنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا مِنْ غَيْرِ إيصَاءٍ فَلَا نَظَرَ لِلْبَاقِي، وَنَظَرَ السُّلْطَانُ فِي إقْرَارِهِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ آخَرَ، وَإِنْ مَاتَ عَنْ إيصَاءٍ إلَى صَاحِبِهِ وَرَضِيَ فَذَلِكَ جَائِزٌ كَإِيصَائِهِ لِغَيْرِهِ، وَرَضِيَ صَاحِبُهُ، وَإِقْرَارُ الْقَاضِي لَهُ وَحْدَهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا بِرِضَاهُ لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَمْ أَلْتَزِمْ النَّظَرَ وَحْدِي.
(أَوْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْوَصِيَّانِ فِي التَّصَرُّفِ لِمَحْجُورِهِمَا (فَالْحَاكِمُ) يَنْظُرُ فِيمَا أَرَادَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا فَمَا رَآهُ صَوَابًا أَمَرَهُمَا بِهِ، وَإِنْ كَانَ الصَّوَابُ غَيْرَ مَا أَرَادَهُ أَمَرَهُمَا بِهِ وَمَنَعَهُمَا مِنْ غَيْرِهِ.
وَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ اخْتَلَفَا نَظَرَ السُّلْطَانُ.
اللَّخْمِيُّ إنْ خَالَفَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِيمَا فَعَلَهُ نَظَرَ السُّلْطَانُ فَمَا رَآهُ صَوَابًا أَثْبَتَهُ وَإِنْ كَرِهَ الْآخَرُ.
(وَلَا) يَجُوزُ (لِأَحَدِهِمَا إيصَاءٌ) لِغَيْرِ صَاحِبِهِ بِدُونِ إذْنِهِ فِي صِحَّتِهِ، وَلَا فِي مَرَضِهِ هَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. وَمَفْهُومُ لِأَحَدِهِمَا أَنَّ لَهُمَا مَعًا الْإِيصَاءَ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي نَوَازِلِ عِيسَى لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوَكِّلَ فِي حَيَاتِهِ وَعِنْدَ مَوْتِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَكُلِّ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. ابْنُ رُشْدٍ لَا خِلَافَ فِي هَذَا إنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْوَصِيَّيْنِ الْمُشْتَرَكَيْنِ فِي الْإِيصَاءِ هَلْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُوصِيَ بِمَا إلَيْهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ أَمْ لَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، الْأَوَّلُ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ إلَى مَنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الْوَصِيَّةِ أَتَتْ الرِّوَايَةُ بِهِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَظَاهِرُ قَوْلِ عِيسَى فِي هَذَا.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ إلَى مَنْ مَعَهُ فِيهَا وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ سَحْنُونٍ.
الثَّالِثُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا إلَى شَرِيكِهِ فِي الْإِيصَاءِ، وَهُوَ الَّذِي تَأَوَّلَ الشُّيُوخُ عَلَيْهِ قَوْلَ سَحْنُونٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(وَلَا) يَجُوزُ (لَهُمَا) أَيْ الْوَصِيَّيْنِ (قَسْمُ الْمَالِ) الْمُوصَيَانِ عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْمُوصِيَ
وَإِلَّا ضَمِنَا
وَلِلْوَصِيِّ، اقْتِضَاءُ الدَّيْنِ، وَتَأْخِيرُهُ بِالنَّظَرِ، وَالنَّفَقَةُ عَلَى الطِّفْلِ بِالْمَعْرُوفِ،
[منح الجليل]
أَرَادَ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ اقْتَسَمَاهُ (ضَمِنَا) أَيْ الْوَصِيَّانِ مَا تَلِفَ مِنْهُ لِتَعَدِّي وَاضِعِ الْيَدِ عَلَيْهِ بِاسْتِقْلَالِهِ بِهِ، وَالْآخَرُ بِرَفْعِ يَدِهِ عَنْهُ قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ.
وَقَالَ أَيْضًا: يَضْمَنُ مَا هَلَكَ بِيَدِ صَاحِبِهِ دُونَ مَا هَلَكَ بِيَدِهِ، وَدَرَجَ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لَا يَقْسِمُ الْقَاضِي الْمَالَ بَيْنَهُمَا وَلْيَكُنْ عِنْدَ أَعْدَلِهِمَا، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْعَدَالَةِ جَعَلَهُ عِنْدَ أَكْفَئِهِمَا، وَلَوْ اقْتَسَمَا الصِّبْيَانَ فَلَا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ حِصَّةَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الصِّبْيَانِ.
اللَّخْمِيُّ كُلُّ هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَلَوْ جَعَلَاهُ عِنْدَ أَدْنَاهُمَا عَدَالَةً فَلَا يَضْمَنَانِ، وَرَوَى إنْ اخْتَلَفُوا طُبِعُوا عَلَيْهِ وَجُعِلَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ: إنْ تَشَاحُّوا يُقْسَمْ بَيْنَهُمْ، وَلَا يُنْزَعْ مِنْهُمْ.
أَشْهَبُ: لَا يَقْسِمَانِهِ، فَإِنْ اقْتَسَمَاهُ فَلَا يَضْمَنَانِ.
اللَّخْمِيُّ: أَرَادَ وَيَبْقَيَانِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فِي النَّظَرِ عَلَى الشِّيَاعِ، وَيُدِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مَا عِنْدَهُ وَمَا عِنْدَ صَاحِبِهِ، وَلَا يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ بِالنَّظَرِ فِيمَا عِنْدَهُ.
الصِّقِلِّيُّ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ قَسَمَاهُ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا هَلَكَ بِيَدِ صَاحِبِهِ لِتَعَدِّيهِ بِإِسْلَامِهِ إلَيْهِ، وَنَقَلَ عَنْهُ اللَّخْمِيُّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَضْمَنُ جَمِيعَ الْمَالِ مَا عِنْدَهُ لِاسْتِبْدَادِهِ بِالنَّظَرِ فِيهِ وَمَا عِنْدَ صَاحِبِهِ لِرَفْعِ يَدِهِ عَنْهُ، وَكَذَا الْوَدِيعَةُ عِنْدَهُمَا إذَا اقْتَسَمَاهَا.
(وَلِلْوَصِيِّ) عَلَى مَحْجُورٍ (اقْتِضَاءُ) أَيْ قَبْضُ (الدَّيْنِ) الَّذِي لِمَحْجُورٍ إذَا كَانَ حَالًّا أَوْ حَلَّ أَجَلُهُ (وَ) لَهُ (تَأْخِيرُ) هـ أَيْ الدَّيْنِ عِنْدَ الْمَدِينِ بَعْدَ حُلُولِ أَجَلِهِ إذَا كَانَ (لِنَظَرٍ) أَيْ مَصْلَحَةٍ لِمَحْجُورِهِ كَخَوْفِ تَلَفِهِ إنْ اقْتَضَاهُ أَوْ ضَيَاعِهِ، وَالْمَدِينُ مَلِيءٌ مَأْمُونٌ.
فِيهَا لَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْغَرِيمَ بِالدَّيْنِ إنْ كَانَ الْوَرَثَةُ كِبَارًا، وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا جَازَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَهُمْ أَشْهَبُ وَكَذَلِكَ لَوْ وَضَعَ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ صَالَحَ عِنْدَ خَوْفِ جُحُودٍ أَوْ تَفْلِيسٍ (وَ) لَهُ (النَّفَقَةُ عَلَى الطِّفْلِ) الْمَحْجُورِ لَهُ وَالسَّفِيهِ وَالْمَجْنُونِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا (بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ بِلَا إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ.
اللَّخْمِيُّ بِحَسَبِ قِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ فَلَا يُضَيِّقُ عَلَى ذِي الْمَالِ الْكَثِيرِ
وَفِي خَتْنِهِ وَعُرْسِهِ وَعِيدِهِ
وَدَفْعُ نَفَقَةٍ لَهُ قَلَّتْ: وَإِخْرَاجُ فِطْرَتِهِ وَزَكَاتِهِ، وَرَفَعَ لِلْحَاكِمِ، إنْ كَانَ حَاكِمٌ حَنَفِيٌّ
[منح الجليل]
دُونَ نَفَقَةِ مِثْلِهِ، وَلَا يُسْرِفُ وَلَا يُوَسِّعُ عَلَى قَلِيلِهِ.
أَشْهَبُ: يُنْفِقُ عَلَى كُلِّ يَتِيمٍ بِقَدْرِ مَنَابِهِ.
مَالِكٌ رَبِيعَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مَا يَلْهُو بِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَسَّعَ عَلَيْهِ.
(وَ) لَهُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ زِيَادَةِ النَّفَقَةِ (فِي خَتْنِهِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (وَعُرْسِهِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ وَلِيمَةِ تَزْوِيجِهِ (وَعِيدِهِ) لِفِطْرٍ أَوْ أَضْحَى.
ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ رَوَى مُحَمَّدٌ إنَّمَا لِلْوَصِيِّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ فِعْلُ مَا يُبْقِيهِ أَوْ يُنَمِّيهِ.
اللَّخْمِيُّ حَسَنٌ أَنْ يَتَّجِرَ لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَسَمِعَ أَشْهَبُ: يُنْفِقُ عَلَى كُلِّ يَتِيمٍ بِقَدْرِ مُصَابِهِ.
مُحَمَّدٌ مَالِكٌ رَبِيعَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -: لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مَا يَلْهُو بِهِ وَإِنْ كَانَ فِي سَعَةٍ وَسَّعَ عَلَيْهِ.
ابْنُ كِنَانَةَ وَيُنْفِقُ فِي عُرْسِهِ مَا يُصْلِحُهُ مِنْ صَنِيعٍ وَطِيبٍ بِقَدْرِ حَالِهِ وَحَالِ مَنْ تَزَوَّجَ وَقَدْرِ مَالِهِ، فَإِنْ خَشِيَ أَنْ يُتَّهَمَ رَفَعَ لِلْإِمَامِ.
وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَى مُحَمَّدٌ مِثْلَهُ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ، وَمَا أَنْفَقَ عَلَى اللَّعَّابِينَ لَا يَلْزَمُ الْيَتِيمَ.
اللَّخْمِيُّ يُنْفِقُ عَلَى الْمَوْلَى عَلَيْهِ فِي خِتَانِهِ وَعُرْسِهِ، وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ دَعَا لِأَكْلٍ وَلَا يَدْعُو اللَّعَّابِينَ.
(وَ) لَهُ (دَفْعُ نَفَقَةٍ لَهُ) أَيْ الْمَحْجُورِ (قَلَّتْ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ مُثَقَّلًا النَّفَقَةُ كَنَفَقَةِ شَهْرٍ وَنَحْوِهِ مِنْ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُتْلِفُهَا قَبْلَ مُضِيِّهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ لَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ نَفَقَةَ رَقِيقِهِ وَدَابَّتِهِ، وَأَقَامَهُ ابْنُ الْهِنْدِيِّ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَخَالَفَهُ ابْنُ الْعَطَّارِ.
اللَّخْمِيُّ يَدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَرَى أَنَّهُ لَا يُتْلِفُهُ الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ، فَإِنْ كَانَ يُتْلِفُهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَوْمٌ بِيَوْمٍ.
(وَ) لَهُ (إخْرَاجُ) زَكَاةِ (فِطْرَتِهِ) أَيْ الْمَحْجُورِ وَفِطْرَةِ رَقِيقِهِ (وَ) إخْرَاجُ (زَكَاةِ) مَالِ (هـ) أَيْ الْمَحْجُورِ مِنْ نَعَمٍ وَعَيْنٍ وَحَرْثٍ (وَرَفَعَ) الْوَصِيُّ ذَلِكَ (لِلْحَاكِمِ) الْمَالِكِيِّ لِيَحْكُمَ لَهُ بِوُجُوبِ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ فَيَرْفَعُ حُكْمُهُ الْخِلَافَ (إنْ كَانَ) أَيْ وُجِدَ بِبَلَدِهِ أَوْ يَكُونُ (حَاكِمٌ حَنَفِيٌّ) يَرَى عَدَمَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الْمَحْجُورِ فَيَحْكُمُ عَلَى الْوَصِيِّ بِغُرْمِ عِوَضِهَا
وَدَفْعُ مَالِهِ قِرَاضًا، وَبِضَاعَةً، وَلَا يَعْمَلُ هُوَ بِهِ
[منح الجليل]
مِنْ مَالِهِ إنْ كَانَ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ بِهَا.
وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ إنْ لَمْ يَكُنْ حَنَفِيٌّ فَلَا يَرْفَعُ لِلْحَاكِمِ لِأَمْنِهِ مِنْ التَّغْرِيمِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يُزَكِّي مَالَهُ وَيُخْرِجُ عَنْهُ وَعَنْ عَبْدِهِ الْفِطْرَةَ وَيُضَحِّي عَنْهُ مِنْ مَالِهِ.
الشَّيْخُ إنْ أَمِنَ أَنْ يَتَعَقَّبَ بِأَمْرٍ مِنْ اخْتِلَافِ النَّاسِ أَوْ كَانَ شَيْئًا يَخْفَى لَهُ وَفِي زَكَاتِهَا وَيُؤَدِّيهَا الْوَصِيُّ عَنْ الْيَتَامَى وَعَبِيدِهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
قُلْت وَلِقَوْلِ الشَّيْخِ الْمُتَقَدِّمِ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يُزَكِّي الْوَصِيُّ مَالَهُ حَتَّى يَرْفَعَ إلَى السُّلْطَانِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: إذَا وَجَدَ فِي التَّرِكَةِ خَمْرًا فَلَا يُرِيقُهَا إلَّا بَعْدَ مُطَالَعَةِ السُّلْطَانِ لِئَلَّا يَكُونَ مَذْهَبُهُ جَوَازَ تَخْلِيلِهَا، وَكَذَا يَكُونُ مَذْهَبُ الْقَاضِي سُقُوطَ الزَّكَاةِ عَنْ الصَّغِيرِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّمَا يَلْزَمُ الرَّفْعُ فِي الْبِلَادِ الَّتِي يُخْشَى وِلَايَةُ الْحَنَفِيِّ فِيهَا، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَا، وَقَالَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ.
(وَ) لَهُ (دَفْعُ مَالِهِ) أَيْ الْمَحْجُورِ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ (قِرَاضًا) بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ لِقَوْلِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لِئَلَّا تَأْكُلَهَا الزَّكَاةُ (وَ) لَهُ دَفْعُهُ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ (بِضَاعَةً) مَجَّانًا أَوْ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، رَوَى مُحَمَّدٌ إنَّمَا لِلْوَصِيِّ أَنْ يَفْعَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ مَا يُبْقِيهِ أَوْ يُنَمِّيهِ.
اللَّخْمِيُّ وَحَسُنَ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ لَهُ بِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى وَلَا يَضْمَنُ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ إنْ كَانَ الْوَصِيُّ أَخَا الْيَتَامَى، وَتَجَرَ فِي الْمَالِ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ فَالرِّبْحُ لَهُ، وَحَسُنَ لَهُ أَنْ يُوَاسِيَ مِنْهُ الْيَتَامَى.
ابْنُ شَاسٍ الْوَصِيُّ يَقْضِي دُيُونَ الصَّبِيِّ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ وَيُزَكِّي مَالَهُ، وَيَدْفَعُهُ قِرَاضًا وَبِضَاعَةً.
(وَلَا يَعْمَلُ هُوَ) أَيْ الْوَصِيُّ (بِهِ) أَيْ مَالِ مَحْجُورِهِ (قِرَاضًا) لِئَلَّا يُحَابِيَ نَفْسَهُ بِزِيَادَةٍ مِنْ الرِّبْحِ.
ابْنُ شَاسٍ اُخْتُلِفَ فِي عَمَلِهِ هُوَ بِهِ قِرَاضًا فَمَنَعَهُ أَشْهَبُ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ لِلْقَاضِي أَنْ يَفْرِضَ لِلْوَصِيِّ أُجْرَةً عَلَى نَظَرِهِ.
الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ لَا يَعْمَلُ الْوَصِيُّ بِمَالِ الْيَتِيمِ قِرَاضًا كَمَا لَا يَبِيعُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَا يَشْتَرِي لَهَا مِنْهُمْ.
وَقَالَ
وَاشْتِرَاءٌ مِنْ التَّرِكَةِ، وَتُعُقِّبَ بِالنَّظَرِ؛ إلَّا كَحِمَارَيْنِ قَلَّ ثَمَنُهُمَا، وَتَسَوَّقَ بِهِمَا الْحَضَرَ وَالسَّفَرَ
وَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَلَوْ قَبِلَ، لَا بَعْدَهُمَا.
[منح الجليل]
بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنْ أَخَذَهُ قِرَاضًا عَلَى جُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ يُشْبِهُ قِرَاضَ مِثْلِهِ مَضَى.
(وَلَا) يَجُوزُ لَهُ (اشْتِرَاءٌ مِنْ التَّرِكَةِ) شَيْئًا لِنَفْسِهِ وَلَا تَوْكِيلٌ أَوْ دَسُّ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ مِنْهَا (وَ) إنْ اشْتَرَى مِنْهَا شَيْئًا لِنَفْسِهِ (تُعُقِّبَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَالْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ مُثَقَّلًا (بِالنَّظَرِ) مِنْ الْإِمَامِ فِي شِرَائِهِ، فَإِنْ كَانَ بِفَضْلٍ لِلْمَحْجُورِ أَمْضَاهُ، وَإِلَّا رَدَّهُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَنْظُرُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِ يَوْمَ شِرَائِهِ أَوْ يَوْمَ رَفْعِهِ إلَيْهِ قَوْلَا ابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ.
(إلَّا كَحِمَارَيْنِ) اشْتَرَاهُمَا الْوَصِيُّ مِنْ التَّرِكَةِ (قَلَّ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ (ثَمَنُهُمَا) أَيْ الْحِمَارَيْنِ كَثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ (وَتَسَوَّقَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ وَقَفَ الْوَصِيُّ فِي السُّوقِ (بِهِمَا) أَيْ الْحِمَارَيْنِ (الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ) لِبَيْعِهِمَا وَاجْتَهَدَ فِيهِ فَلَهُ أَخْذُهُمَا بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَفَا عَلَيْهِ.
فِيهَا لَا يَشْتَرِي الْوَصِيُّ لِنَفْسِهِ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ، وَلَا يُوَكِّلُ أَوْ يَدُسُّ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ، فَإِنْ فَعَلَ تُعُقِّبَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ كَانَ لِلْأَيْتَامِ، وَسَأَلَ وَصِيٌّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ حِمَارَيْنِ مِنْ حُمُرِ الْأَعْرَابِ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ ثَمَنُهُمَا ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ تَسَوَّقَ بِهِمَا الْوَصِيُّ فِي الْمَدِينَةِ وَالْبَادِيَةِ، وَاجْتَهَدَ وَأَرَادَ أَخْذَهُمَا لِنَفْسِهِ بِمَا أُعْطِيَ فِيهِمَا، فَأَجَازَهُ وَاسْتَحْسَنَهُ لِقِلَّةِ الثَّمَنِ.
(وَلَهُ) أَيْ الْوَصِيِّ (عَزْلُ نَفْسِهِ) عَنْ الْوَصَايَا (فِي حَيَاةِ الْمُوصِي) إنْ لَمْ يَقْبَلْهَا، بَلْ (وَلَوْ قَبِلَ) هَا، وَفِي تَسْمِيَةِ عَدَمِ الْقَبُولِ عَزْلًا تَسَمُّحٌ (لَا) يَكُونُ لِلْوَصِيِّ عَزْلُ نَفْسِهِ (بَعْدَهُمَا) أَيْ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبُولِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إذَا قَبِلَ الْوَصِيَّةَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي فَلَا رُجُوعَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغُرَّهُ يَقْدِرُ عَلَى إيصَاءِ غَيْرِهِ.
ابْنُ هِشَامٍ هُوَ مَفْهُومٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ لَوْ قَبِلَهَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، أَوْ حَصَلَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى قَبُولِهَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ اشْتِرَاءٍ لَهُمْ مَا يُصْلِحُهُمْ أَوْ الِاقْتِضَاءِ لَهُمْ أَوْ الْقَضَاءِ عَنْهُمْ لَزِمَتْهُ.
وَإِنْ أَبَى الْقَبُولَ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلَا قَبُولَ لَهُ بَعْدُ
وَالْقَوْلُ لَهُ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ،
[منح الجليل]
وَإِنْ أَبَى) الْوَصِيُّ (الْقَبُولَ) لِلْوِصَايَةِ (بَعْدَ الْمَوْتِ) لِلْمُوصَى (فَلَا قَبُولَ لَهُ) أَيْ الْوَصِيِّ (بَعْدُ) بِالضَّمِّ لِحَذْفِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَنِيَّةِ مَعْنَاهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ لَوْ امْتَنَعَ مِنْهَا فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا قَبُولَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ
(وَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ وَصِيِّ الْمَحْجُورِ (فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ) الَّتِي أَنْفَقَهَا عَلَى مَحْجُورِهِ، وَكَذَا فِي أَصْلِهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا يُصَدَّقُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَأْتِ بِسَرَفٍ إنْ كَانُوا فِي حِجْرِهِ.
عِيَاضٌ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِيَمِينِهِ، وَهَذَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَبُو عِمْرَانَ إنْ أَرَادَ الْوَصِيُّ أَنْ يَحْسِبَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا شَكَّ فِيهِ، وَيَسْقُطُ مِمَّا زَادَ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ.
عِيَاضٌ لَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ لِاحْتِمَالِ اسْتِغْنَاءِ الْيَتِيمِ عَنْ تِلْكَ النَّفَقَةِ الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا أَيَّامًا مُتَفَرِّقَةً أَوْ مُتَوَالِيَةً لِمَرَضٍ أَوْ صِلَةٍ مِنْ أَحَدٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْمَوَّازِيَّةِ يَحْلِفُ مَا لَمْ يَأْتِ بِأَمْرٍ مُسْتَنْكَرٍ، وَفِيهَا يُصَدَّقُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ إنْ كَانُوا فِي حِجْرِهِ.
قُلْت زَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي حِجْرِهِ لَفْظَ يَلِيهِمْ، وَمَفْهُومُهُ إنْ لَمْ يَكُونُوا فِي حِجْرِهِ يَلِيهِمْ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَوَقَعَ ذَلِكَ نَصًّا فِي الْمَوَّازِيَّةِ.
الشَّيْخُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ قَالَ الْوَصِيُّ أَنْفَقْتُ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ أَوْ بَعْضَهَا فَإِنْ كَانُوا فِي حِجْرِهِ يَلِيهِمْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي السَّدَادِ، وَإِنْ كَانُوا عِنْدَ أُمِّهِمْ أَوْ أَخِيهِمْ أَوْ غَيْرِهِمَا فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، يُرِيدُ إنْ أَنْكَرُوا فِي رُشْدِهِمْ.
الْأَبْهَرِيُّ الْوَصِيُّ مُصَدَّقٌ فِيمَا دَفَعَ مِنْ النَّفَقَةِ؛ إذْ لَوْ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهَا لَشَقَّ عَلَيْهِ؛ إذْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى الْإِشْهَادِ عَلَى دِرْهَمٍ وَدَانِقٍ وَحَبَّةٍ وَهَذَا مِنْ الْأَمْرِ الْمَوْضُوعِ عَنْ النَّاسِ، وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تُدْفَعُ اللُّقَطَةُ لِمَنْ جَاءَ بِعَلَامَتِهَا، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» ، إنَّمَا هُوَ إذَا ادَّعَى شَيْئًا فِي يَدِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ قَوْلُهُ مَقْبُولٌ فِيمَا دَفَعَ مِنْ النَّفَقَةِ إنْ أَشْبَهَتْ نَفَقَةَ الْأَيْتَامِ فِي حَضَانَتِهِ كَانُوا أَوْ عِنْدَ حَاضِنَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَعَلَى الْحَاضِنِ
لَا فِي تَارِيخِ الْمَوْتِ، وَدَفْعِ مَالِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ.
[منح الجليل]
لَهُمْ أَوْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسِهِمْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ تَلْزَمُهُ فِي دَعْوَى الْأَيْتَامِ وَلِلْحَاضِنِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ فِي دَعْوَاهُ.
(لَا) يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَصِيِّ (إنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْوَصِيُّ وَمَنْ كَانَ مَحْجُورًا لَهُ (فِي تَارِيخِ الْمَوْتِ) لِلْمُوصِي فَالْقَوْلُ لِمَنْ كَانَ مَحْجُورًا وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ وَصِيَّةٍ فِيهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ إنْ نَازَعَ الصَّبِيُّ الْوَصِيَّ فِي تَارِيخِ مَوْتِ أَبِيهِ؛ إذْ بِهِ تَكْثُرُ النَّفَقَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّبِيِّ؛ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ مَا ادَّعَاهُ الْوَصِيُّ (وَلَا) يُصَدَّقُ الْوَصِيُّ (فِي) دَعْوَى (دَفْعِ مَالَهُ) أَيْ الْمَحْجُورِ إلَيْهِ (بَعْدَ الْبُلُوغِ) وَالرُّشْدِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُصَدَّقُ فِيهِ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 6] هَلْ مَعْنَاهُ لِئَلَّا تَغْرَمُوا أَوْ لِئَلَّا تَحْلِفُوا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابٌ) (الْفَرَائِضُ)
[منح الجليل]
[بَاب الْفَرَائِضُ]
(بَابٌ) فِي بَيَانِ الْفَرَائِضِ
وَهُوَ عِلْمٌ قُرْآنِيٌّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكِلْ قِسْمَةَ مَوَارِيثِكُمْ إلَى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ وَلَا إلَى مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَلَكِنْ تَوَلَّى بَيَانَهَا فَقَسَمَهَا أَبْيَنَ قَسْمٍ» ، ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي وَسِيطِهِ شَارِحُهُ أَشَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: 7] الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: 11] السُّهَيْلِيُّ نَظَرْت فِيمَا بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ وَحُدُودٍ وَأَحْكَامٍ فَلَمْ أَجِدْهُ افْتَتَحَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِمَا افْتَتَحَ بِهِ آيَةَ الْفَرَائِضِ، وَلَا خَتَمَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِمَا خَتَمَهَا بِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِهَا ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: 11] ، فَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ مُوصٍ تَنْبِيهًا عَلَى حِكْمَتِهِ فِيمَا أَوْصَى بِهِ وَعَلَى عَدْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَقَالَ حِينَ خَتَمَ الْآيَةَ ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: 12] ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ الْآيَةِ وقَوْله تَعَالَى ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء: 176] ، وَقَدْ حَضَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى تَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ فَقَالَ: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ، وَإِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَخْتَلِفَ الِاثْنَانِ فِي الْفَرِيضَةِ وَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا» . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ، وَإِنَّهُ يُنْسَى، وَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي» . وَقَالَ «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، وَتَعَلَّمُوا الْفَرَائِصَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، وَتَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ، وَإِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ حَتَّى يَخْتَلِفَ اثْنَانِ فِي الْفَرِيضَةِ فَلَا يَجِدَانِ مِنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا» .
وَقَدْ حَضَّ عَلَيْهِمَا جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَيْضًا، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهَا مِنْ دِينِكُمْ.
وَقَالَ أَيْضًا: تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَالسُّنَّةَ وَاللَّحْنَ كَمَا تَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَالنَّحْوَ وَاللُّغَةَ، وَقَالَ أَيْضًا: إذَا لَهَوْتُمْ فَالْهَوْا بِالرَّمْيِ، وَإِذَا تَحَدَّثْتُمْ فَتَحَدَّثُوا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
بِالْفَرَائِضِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَالْفَرَائِضَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَفْتَقِرَ النَّاسُ إلَى عِلْمِ مَنْ يَعْلَمُهَا.
وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يُحْسِنُ الْفَرَائِضَ كَمَثَلِ لَابِسِ بُرْنُسٍ لَا رَأْسَ لَهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَكُونُ الرَّجُلُ عَالِمًا مُفْتِيًا حَتَّى يُحْكِمَ الْفَرَائِضَ وَالنِّكَاحَ وَالْأَيْمَانَ.
الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَشَارَ إلَى عِظَمِ هَذِهِ الْفُصُولِ مِنْ الدِّينِ وَعُمُومِ فُرُوعِهَا فِي الْمُسْلِمِينَ، وَالْفَرَائِضُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَأَتَمُّ عُلُومِهِ، وَالنَّاسُ إلَى انْقِرَاضِ الدُّنْيَا بَيْنَ وَارِثٍ وَمَوْرُوثٍ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ سَائِرِ الْعُلُومِ مَا يَنْزِلُ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضِ، وَالْفَرْضُ نَازِلٌ بِالْكُلِّ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ هَذَا الْعِلْمُ مِنْ أَجَلِّ الْعُلُومِ وَأَنْفَسِهَا.
وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَاسْتَوْفَتْ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ النَّظَرَ فِيهِ وَكَثُرَتْ مُنَاظَرَتُهُمْ وَأَجْوِبَتُهُمْ وَفُرُوعُهُمْ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ، فَمَنْ اسْتَكْثَرَ مِنْهُ فَقَدْ اهْتَدَى بِهَدْيِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَاخْتَلَفَ هَلْ كَوْنُهَا نِصْفًا تَعَبُّدًا وَمَعْقُولَ الْمَعْنَى قَوْلَانِ، وَبِالْأَوَّلِ قَالَ جَمَاعَةٌ، فَيَجِبُ عَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِهِ عَقَلْنَا مَعْنَاهُ أَمْ لَا.
وَعَلَى الثَّانِي تَوَقُّفٌ فِي تَسْمِيَتِهَا نِصْفًا مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ» بِأَنَّ النِّصْفَيْنِ يَسْتَغْرِقَانِ الشَّيْءَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْعِلْمِ، وَبِأَنَّ مَسَائِلَهُ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَسَائِلِ الْفِقْهِ فَضْلًا عَنْ بَاقِي الْعِلْمِ، فَكَيْفَ يَكُونُ أَقَلُّ الشَّيْءِ نِصْفَهُ.
وَأُجِيبَ عَنْهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمُبَالَغَةُ حَتَّى كَأَنَّهُ لِجَلَالَتِهِ نِصْفُ كُلِّ مَا يُتَعَلَّمُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التَّوَدُّدُ نِصْفُ الْعَقْلِ، وَالْهَمُّ نِصْفُ الْهَرَمِ، وَالتَّدْبِيرُ نِصْفُ الْمَعِيشَةِ» ، مَعَ حَقَارَةِ هَذِهِ الْأُمُورِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا مَعَهَا.
وَإِنَّمَا الْمُرَادُ التَّنْبِيهُ عَلَى عِظَمِ جَدْوَاهَا وَمَصْلَحَتِهَا.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ أَحْوَالَ الْإِنْسَانِ قِسْمَانِ، قِسْمٌ قَبْلَ الْوَفَاةِ وَقِسْمٌ بَعْدَهَا، وَهَذَا الْعِلْمُ خَاصٌّ بِمَا بَعْدَهَا، فَهُوَ نِصْفٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَفَاسَتِهِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ إذَا قَلَّ حَجْمُهُ وَكَثُرَ نَفْعُهُ سَاوَى كَثِيرُ الْحَجْمِ كَثِيرَ النَّفْعِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَالْجَوْهَرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَدِيدِ وَسَائِرِ الْمَعَادِنِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَأُورِدَ أَنَّ عِلْمَ الْوَصَايَا وَالتَّكْفِينِ وَالتَّغْسِيلِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَيْضًا، فَلَمْ يَتِمَّ الْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي.
وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِ كَوْنِ أَحْكَامِ الْوَصَايَا وَمَا مَعَهَا مِنْ الْفَرَائِضِ، وَبِأَنَّ الْوَصَايَا لَا تَلْزَمُ كُلَّ مَيِّتٍ مُتَمَوِّلٍ فَقَدْ يَمُوتُ بِلَا وَصِيَّةٍ، بِخِلَافِ الْإِرْثِ؛ وَبِأَنَّ أَحْكَامَ الْوَصِيَّةِ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا وَالرُّجُوعِ عَنْهَا وَغَيْرِهِمَا إنَّمَا تَكُونُ فِي الْحَيَاةِ، وَإِنَّمَا الَّذِي بَعْدَ الْمَوْتِ التَّنْفِيذُ وَالْغُسْلُ وَمَا مَعَهُ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْأَحْيَاءِ فَهِيَ مِنْ أَحْوَالِ الْحَيَاةِ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ انْقِسَامُ حَالِ الْمَالِ نِصْفَيْنِ، وَهَذِهِ أَحْكَامٌ بَدَنِيَّةٌ لَا مَالِيَّةٌ أَفَادَهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ عِلْمُ الْفَرَائِضِ لَقَبًا الْفِقْهُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْإِرْثِ، وَعِلْمُ مَا يُوصِلُ لِمَعْرِفَةِ قَدْرِ مَا يَجِبُ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ مِنْ التَّرِكَةِ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ لَقَبًا مِنْ عِلْمِ الْفَرَائِضِ مُرَكَّبًا إضَافِيًّا بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ، فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ هَذَا، فَهُوَ مِثْلُ أُصُولِ الْفِقْهِ لَقَبًا وَمُرَكَّبًا إضَافِيًّا وَبُيُوعُ الْآجَالِ كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ عِلْمُ مَا يُوصِلُ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى الْفِقْهِ أَدْخَلَ بِهِ كَيْفِيَّةَ الْقِسْمَةِ وَعَمَلَ الْمُنَاسَخَاتِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مِنْ عِلْمِ الْفَرَائِضِ.
شَارِحُ الْحَوفِيِّ حَدُّ عِلْمَ الْفَرَائِضِ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَالِ بَعْدَ مَوْتِ مَالِكِهِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا، وَمَوْضُوعُهُ التَّرِكَاتُ؛ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ فِيهِ عَنْ عَوَارِضِهَا الذَّاتِيَّةِ مِنْ مُؤَنِ تَجْهِيزٍ وَقَضَاءِ دَيْنٍ وَتَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ وَإِرْثٍ.
وَغَايَتُهُ حُصُولُ مَلَكَةٍ تُوجِبُ سُرْعَةَ الْجَوَابِ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ وَالصَّوَابِ.
وَفَائِدَتُهُ إيصَالُ الْحُقُوقِ لِمُسْتَحِقِّيهَا وَاسْتِمْدَادُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحَادِيثِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ.
وَلِلْإِرْثِ أَسْبَابٌ ثَلَاثَةٌ الْقَرَابَةُ وَالنِّكَاحُ وَالْوَلَاءُ قَالَهُ الْفَرْضِيُّونَ سَلَفًا وَخَلَفًا.
الْقَرَافِيُّ وَهُوَ مُشْكِلٌ سَوَاءٌ أَرَادُوا الْأَسْبَابَ التَّامَّةَ أَوْ أَجْزَاءَهَا لِجَعْلِهِمْ أَحَدُهَا الْقَرَابَةُ وَالْأُمُّ لَمْ تَرِثْ الثُّلُثَ فِي حَالَةٍ وَالسُّدُسَ فِي أُخْرَى بِمُطْلَقِ الْقَرَابَةِ وَإِلَّا لَسَاوَاهَا الِابْنُ أَوْ الْبِنْتُ وَسَائِرُ الْأَقَارِبِ لِوُجُودِ مُطْلَقِ الْقَرَابَةِ فِيهِمْ، بَلْ بِخُصُوصِ كَوْنِهَا أُمًّا مَعَ مُطْلَقِ الْقَرَابَةِ، وَكَذَا مِيرَاثُ الْبِنْتِ النِّصْفُ لَيْسَ لِمُطْلَقِ الْقَرَابَةِ وَإِلَّا لَثَبَتَ لِلْجَدَّةِ أَوْ الْأُخْتِ لِأُمٍّ وَبَاقِي الْأَقَارِبِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
بَلْ لِخُصُوصِ كَوْنِهَا بِنْتًا وَعُمُومِ الْقَرَابَةِ، وَكَذَلِكَ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ فِي حَالَةٍ وَالرُّبْعُ فِي أُخْرَى لَيْسَ لِمُطْلَقِ النِّكَاحِ وَإِلَّا لَكَانَتْ الزَّوْجَةُ كَذَلِكَ لِوُجُودِ مُطْلَقِ النِّكَاحِ فِيهَا، بَلْ لِلْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَسَبَبُهُ مُرَكَّبٌ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ فَإِنْ كَانُوا أَرَادُوا حَصْرَ الْأَسْبَابَ التَّامَّةَ فَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ وَإِنْ كَانُوا أَرَادُوا النَّاقِصَةَ الَّتِي هِيَ الْأَجْزَاءُ فَالْخُصُوصِيَّاتُ كَثِيرَةٌ كَمَا رَأَيْت، فَتَنَبَّهْ لِهَذَا فَهُوَ حَسَنٌ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ الْمُرَادُ الْأَسْبَابُ التَّامَّةُ وَلَا النَّاقِصَةُ الَّتِي هِيَ الْخُصُوصِيَّاتُ، بَلْ النَّاقِصَةُ الَّتِي هِيَ الْمُشْتَرَكَاتُ وَهِيَ مُطْلَقُ الْقَرَابَةِ وَمُطْلَقُ النِّكَاحِ وَمُطْلَقُ الْوَلَاءِ.
شَارِحُ الْحَوفِيِّ هَذَا السُّؤَالُ غَيْرُ وَارِدٍ ابْتِدَاءً، وَإِنْ عَظَّمَهُ ذَاكِرُهُ، وَقَالَ إنَّهُ لَمْ يَتَفَطَّنْ لَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ حَصْرُ أَسْبَابِ الْإِرْثِ الْعَامِّ الشَّامِلِ لِمُطْلَقِ الْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَسُؤَالُهُ إنَّمَا يَرِدُ إذَا أُرِيدَ حَصْرُ أَسْبَابِ الْفُرُوضِ الْمَخْصُوصَةِ، وَهَذَا خِلَافُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ،
1 -
وَشُرُوطُهُ ثَلَاثَةٌ أَيْضًا تَحَقُّقُ مَوْتِ الْمَوْرُوثِ وَاسْتِقْرَارُ حَيَاةِ وَارِثِهِ بَعْدَهُ وَالْعِلْمُ بِالدَّرَجَةِ الَّتِي اجْتَمَعَا فِيهَا احْتِرَازًا مِنْ مَوْتِ إنْسَانٍ مِنْ مُضَرَ لَا يُعْلَمُ لَهُ قَرِيبٌ أَوْ مِنْ قُرَيْشٍ كَذَلِكَ فَمَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، مَعَ أَنَّ كُلَّ مُضَرِيٍّ أَوْ قُرَشِيٍّ ابْنُ عَمِّهِ وَلَا مِيرَاثَ لِبَيْتِ الْمَالِ مَعَ ابْنِ الْعَمِّ، لَكِنْ انْتَفَى شَرْطُهُ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ بِدَرَجَتِهِ، فَلَعَلَّ غَيْرَهُ أَقْرَبُ مِنْهُ
1 -
وَمَوَانِعُهُ خَمْسَةٌ اخْتِلَافُ الدِّينِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى» وَالْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَاتِلُ الْعَمْدِ لَا يَرِثُ» ، وَالشَّكُّ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي الْمُقْتَضَى يَمْنَعُ الْحُكْمَ إجْمَاعًا وَمُتَعَلِّقُهُ مُنْحَصِرٌ فِي ثَمَانِيَةٍ الْوُجُودُ كَالْمَفْقُودِ وَالْحَيَاةُ كَاسْتِبْهَامِ أَحَدِ الْمَوْلُودَيْنِ وَالْعَدَدُ كَالْحَمْلِ وَالذُّكُورَةُ كَالْخُنْثَى وَالنَّسَبُ كَالْمُتَدَاعَى بَيْنَ شَخْصَيْنِ، وَجِهَةُ الِاسْتِحْقَاقِ كَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ وَمَاتَ قَبْلَ اخْتِيَارِهِ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ، وَتَارِيخُ الْمَوْتِ بَطَرٌ وَالنِّسْيَانُ وَالْجَهْلُ بِهِ كَالْغَرْقَى، وَرَابِعُ الْمَوَانِعِ الرِّقُّ، وَخَامِسُهَا اللِّعَانُ.
وَالْحُقُوقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّرِكَةِ خَمْسَةٌ لِأَنَّهُ إمَّا ثَابِتٌ قَبْلَ الْمَوْتِ وَمُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِهَا كَالرَّهْنِ وَالْجِنَايَةِ أَوْ بِالذِّمَّةِ كَالدَّيْنِ، وَإِمَّا ثَابِتٌ بِالْمَوْتِ وَهُوَ إمَّا لِلْمَيِّتِ وَهِيَ مُؤَنُ تَجْهِيزِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ بِسَبَبِهِ وَهِيَ الْوَصِيَّةُ أَوْ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ وَهِيَ الْإِرْثُ.
يُخْرَجُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ، حَقٌّ تَعَلَّقَ بِعَيْنٍ: كَالْمَرْهُونِ، وَعَبْدٍ جَنَى
[منح الجليل]
وَذَكَرهَا الْمُصَنِّفُ فَقَالَ (يُخْرَجُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مُضَارِعُ أَخْرَجَ أَوْ بِالْعَكْسِ مُضَارِعُ خَرَجَ (مِنْ تَرِكَةٍ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَوْ سُكُونِهَا أَوْ بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ.
ابْنُ عَرَفَةَ هِيَ حَقٌّ يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ يَثْبُتُ لِمُسْتَحِقِّهِ بَعْدَ مَوْتِ مَنْ كَانَ لَهُ بِقَرَابَةٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ وَلَاءٍ، فَحَقٌّ جِنْسٌ يَشْمَلُ الْمَالَ وَغَيْرَهُ كَالْخِيَارِ وَالشُّفْعَةِ وَالْقِصَاصِ، وَيَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ فَصْلٌ مُخْرِجُ الْوَلَاءِ وَوِلَايَةِ النِّكَاحِ لِعَدَمِ قَبُولِهِمَا التَّجَزُّؤَ وَلَا يَخْرُجُ الْخِيَارُ وَالشُّفْعَةُ وَالْقِصَاصُ لِقَبُولِهَا التَّجَزُّؤَ بِحَيْثُ يُقَالُ لِهَذَا نِصْفُهَا وَلِهَذَا ثُلُثُهَا وَلِهَذَا سُدُسُهَا وَبَعْدَ مَوْتٍ إلَخْ يُخْرِجُ الْحُقُوقَ الثَّابِتَةَ حَالَ حَيَاةِ مَنْ كَانَتْ لَهُ لِغَيْرِهِ بِشِرَاءٍ أَوْ اتِّهَابٍ أَوْ نَحْوِهِمَا وَبِقَرَابَةٍ إلَخْ يُخْرِجُ الْوَصِيَّةَ عَلَى أَنَّهَا تُمْلَكُ بِالْمَوْتِ أَفَادَهُ الْخَرَشِيُّ.
الْعَدَوِيُّ الْمُرَادُ بِالْوِلَايَةِ وِلَايَةُ النِّكَاحِ، وَقَدْ يُقَالُ لَا مَانِعَ أَنْ يُقَالَ لِهَذَا نِصْفُهُ الْوَلَاءُ أَوْ الْوِلَايَةُ، وَلِهَذَا ثُلُثُهُ، وَلِهَذَا سُدُسُهُ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْخِيَارِ وَالشُّفْعَةِ وَالْقِصَاصِ، وَعَلَى مِلْكِ الْوَصِيَّةِ بِالتَّنْفِيذِ فَقَدْ خَرَجَتْ بِقَوْلِهِ بَعْدَ مَوْتٍ إلَخْ.
(الْمَيِّتِ) أَيْ مِنْ جَمِيعِهَا مُبْدَأٌ عَلَى غَيْرِهِ وُجُوبًا وَإِنْ أَتَى عَلَى جَمِيعِهَا (حَقٌّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْقَافِ (تَعَلَّقَ) بِفَتَحَاتٍ مُثْقَلًا الْحَقَّ (بِعَيْنٍ) أَيْ بِذَاتٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ التَّرِكَةِ (كَ) الشَّيْءِ (الْمَرْهُونِ) فِي حَقٍّ وَلَوْ كَفَنَ الْمَيِّتِ فَيُقَدَّمُ وَفَاءُ الْمَرْهُونِ هُوَ فِيهِ مِنْ ثَمَنِهِ عَلَى مُؤَنِ تَجْهِيزِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ قَدْ حَازَهُ عَنْ رَاهِنِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِأَمِينٍ عَلَيْهِ (وَ) كَ (عَبْدٍ جَنَى) عَلَى نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَالٍ وَمَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ إسْلَامِهِ وَفِدَائِهِ فَيُقَدَّمُ فِدَاؤُهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ إسْلَامِهِ فِيهَا عَلَى مُؤَنِ تَجْهِيزِ سَيِّدِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِعَيْنِهِ، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ أُمَّ الْوَلَدِ.
ابْنُ رُشْدٍ أَوْ فِي مَا يُخْرَجُ مِنْ كُلِّ التَّرِكَةِ الْحُقُوقُ الْمُعَيَّنَاتُ مِثْلُ أُمِّ الْوَلَدِ وَالرَّهْنِ وَزَكَاةِ ثَمَرِ الْحَائِطِ الَّذِي أَزْهَى وَزَكَاةِ الْمَاشِيَةِ إذَا مَاتَ عِنْدَ حَوْلِهَا، وَفِيهَا السِّنُّ الَّذِي وَجَبَ فِيهَا فَهَذِهِ تُخْرَجُ كُلُّهَا وَإِنْ أَتَتْ عَلَى جَمِيعِ التَّرِكَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ أَوَّلُ مَا يُخْرَجُ مِنْ كُلِّ التَّرِكَةِ مُعَيَّنًا أُمُّ الْوَلَدِ وَالرَّهْنُ الْمَحُوزُ وَزَكَاةُ حَبٍّ أَوْ ثَمَرٍ مَاتَ حِينَ وُجُوبِهَا، وَفِي كَوْنِ وُجُوبِ زَكَاةِ
ثُمَّ مُؤَنُ تَجْهِيزِهِ بِالْمَعْرُوفِ ثُمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ،
[منح الجليل]
مَاشِيَةٍ فِي مَرَضِهِ كَذَلِكَ طَرِيقَانِ.
اللَّخْمِيُّ كَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ سَاعٍ.
ابْنُ رُشْدٍ كَذَلِكَ إنْ كَانَ فِيهَا سِنُّهَا وَمَا ثَبَتَ مِلْكُ غَيْرِهِ وَسُكْنَى الزَّوْجَةِ عِدَّتَهَا مَسْكَنَهَا حِينَ مَوْتِهِ يَمْلِكُهُ أَوْ بِنَقْدِهِ كِرَاءَهُ.
وَيَدْخُلُ فِي الْمُعَيَّنَاتِ الْمُعْتَقُ لِأَجَلٍ وَالْهَدْيُ الْمُقَلَّدُ وَسُوقُ الْغَنَمِ كَالتَّقْلِيدِ وَالْأُضْحِيَّةُ الْمُذَكَّاةُ لَا الْمَنْذُورَةُ.
(وَ) يَخْرُجُ مِنْ جَمِيعِ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْمُعَيَّنَاتِ الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِهَا الْحُقُوقُ لِغَيْرِ الْمَيِّتِ (مُؤَنُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَمْزِ، أَيْ قِيَمُ وَأَمَانُ (تَجْهِيزِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ مِنْ مَاءٍ وَسِدْرٍ وَأُجْرَةِ غَاسِلٍ وَكَفَنٍ وَقُطْنٍ وَأُجْرَةِ حَمْلٍ وَحَفْرٍ (بِالْمَعْرُوفِ) بَيْنَ النَّاسِ الْمُنَاسِبِ لِتَرِكَتِهِ قِلَّةً أَوْ كَثْرَةً.
ابْنُ رُشْدٍ أَمَّا الْحُقُوقُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُعَيَّنَاتِ فَأَوْكَدُهَا وَأَوْلَاهَا بِالتَّبْدِئَةِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ الْكَفَنُ وَتَجْهِيزُ الْمَيِّتِ.
ابْنُ عَرَفَةَ عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ وَأَوَّلُهُ كُلِّيًّا مُؤْنَةُ إقْبَارِهِ (ثُمَّ تُقْضَى) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ (دُيُونُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ الَّتِي عَلَيْهِ لِلنَّاسِ مِنْ بَاقِي تَرِكَتِهِ، وَلَوْ أَتَى عَلَى جَمِيعِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ ثُمَّ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ مِنْ الدُّيُونِ الثَّابِتَةِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِهِ بِهَا فِي صِحَّتِهِ أَوْ فِي مَرَضِهِ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ إذَا أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ فِي صِحَّتِهِ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ وَزَكَاةِ الْمَاشِيَةِ إذَا مَاتَ عِنْدَ حُلُولِهَا، وَلَيْسَ فِيهَا السِّنُّ الَّذِي يَجِبُ فِيهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ ثُمَّ دَيْنٌ لِآدَمِيٍّ ثُمَّ مَا أَشْهَدَ فِي صِحَّتِهِ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ زَكَاةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ ابْنُ رُشْدٍ أَوْ نَذْرٍ.
قُلْت لِلْبَاجِيِّ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ وَبَعْضِ شُيُوخِهِ نَذْرُ الصِّحَّةِ فِي الثُّلُثِ، فَلَعَلَّ الْأَوَّلَ فِي الْمُلْتَزَمِ، وَالثَّانِي فِي الْمُوصَى بِهِ وَإِلَّا تَنَاقَضَا، وَيُقَدَّمُ مِنْهَا فِي ضِيقِ التَّرِكَةِ الْمُقَدَّمُ مِنْهَا فِي ضِيقِ الثُّلُثِ، وَفِي كَوْنِ زَكَاةِ عَيْنٍ حَلَّتْ فِي مَرَضِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ مُطْلَقًا، أَوْ إنْ أَوْصَى بِهَا وَإِلَّا أَمَرَ وَارِثَهُ بِهَا بِلَا جَبْرٍ قَوْلًا اللَّخْمِيِّ مَعَ أَشْهَبَ وَابْنِ الْقَاسِمِ اهـ.
طفي الثَّانِي هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ تَعَقُّبُ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِحُلُولِهَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ وَزَكَاةٍ فَرَّطَ فِيهَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
كَانَتْ زَكَاةَ مَاشِيَةٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ عَيْنٍ بَعْدَ دُيُونِ الْآدَمِيِّينَ إذَا أَشْهَدَ بِهَا، وَأَمَّا مَا حَلَّ فِي مَرَضِهِ فَزَكَاةُ الْحَبِّ وَالثَّمَرِ وَالْمَاشِيَةِ إذَا كَانَ فِيهَا السِّنُّ الْوَاجِبُ، وَلَمْ يَكُنْ سَاعٍ فَهِيَ مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ الْمُقَدَّمَةِ عَلَى الْكَفَنِ وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا زَكَاةُ الْعَيْنِ فَإِنْ عَلِمَ حُلُولَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَأَوْصَى بِهَا فَتَكُونُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ بَعْدَ الدَّيْنِ كَسَائِرِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا فَلَا تُجْبَرُ الْوَرَثَةُ عَلَى إخْرَاجِهَا.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: طفي قَوْلُنَا فِي الْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ الذَّبْحِ لَا النَّذْرِ وَهُوَ الْمُتَعَيِّنُ، إذْ الْمَنْذُورَةُ وَإِنْ وَجَبَتْ بِالنَّذْرِ لَيْسَ حُكْمُهَا كَالْأُضْحِيَّةِ الْمَذْبُوحَةِ وَإِنَّمَا تَجِبُ وُجُوبَ الْمَنْذُورَاتِ بَعْدَ قَضَاءِ الدُّيُونِ وَتُبَاعُ فِيهَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِكَوْنِ دُيُونِ الْآدَمِيِّينَ تُقَدَّمُ عَلَى دُيُونِ اللَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ وَتُبَاعُ مُطْلَقًا عَلَى الدَّيْنِ كَمَا يُرَدُّ الْعِتْقُ وَالْهَدْيُ الْمُوَضَّحُ مُرَادُهُ بِالْإِطْلَاقِ سَوَاءٌ أَوْجَبَهَا أَمْ لَا، وَهَذَا مَا لَمْ تُذْبَحْ، فَإِنْ ذُبِحَتْ فَلَا تُبَاعُ.
الثَّانِي: طفي اعْتِبَارُ الْمَعْرُوفِ فِي الْكَفَنِ فِي صِفَتِهِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ وَخُشُونَتِهِ وَرِقَّتِهِ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَأَمَّا عَدَدُهُ فَالْأَثْوَابُ الثَّلَاثَةُ يُقْضَى بِهَا وَلَا كَلَامَ لِلْوَرَثَةِ وَلَا لِلْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ الدَّفْنَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مَكْرُوهٌ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَجَعَلَهُ " ح " خِلَافَ الْمَشْهُورِ قَائِلًا قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِالزَّائِدِ إنْ شَحَّ الْوَارِثُ إلَّا أَنْ يُوصِيَ، فَفِي ثُلُثِهِ فَاغْتَرَّ بِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ مُتَعَقَّبُ " ق " فِي فَصْلِ الْجَنَائِزِ، قَوْلُهُ وَلَا يُقْضَى بِالزَّائِدِ الْمَشْهُورُ خِلَافُهُ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الْعَصْنُونِيِّ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْوَاجِبَ ثَوْبٌ وَاحِدٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ أَنْ يَزِيدُوهُ، إذْ لَعَلَّهُ اغْتَرَّ أَيْضًا بِمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثُ: الْحَطّ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ ثُمَّ حُقُوقُ اللَّهِ مِنْ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ عَلَى مَرَاتِبِهَا وَالنُّذُورِ إذَا أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ فِي صِحَّتِهِ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ مُشْكِلٌ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ مَنْ فَرَّطَ فِي زَكَاةِ مَالِهِ مُدَّةً تُؤْخَذُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، وَكَذَا مَنْ أَشْهَدَ أَنَّ فِي ذِمَّتِهِ كَفَّارَاتٍ أَوْ نَذْرًا أَنَّهُ يُعْطِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
فُلَانًا كَذَا وَكَذَا لِشَيْءٍ سَمَّاهُ وَعَيَّنَهُ، بَلْ لَوْ أَشْهَدَ أَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الْمَسَاكِينِ بِكَذَا أَوْ أَنَّهُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى أَنَّهُ إذَا نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الْمَسَاكِينِ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِإِخْرَاجِ ثُلُثِهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ فَكَيْفَ يُؤْمَرُ الْوَرَثَةُ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ.
وَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ مَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَدَقَةُ مَالِي أَوْ ثُلُثُهُ لِفُلَانٍ فَيَلْزَمُهُ مَا دَامَ حَيًّا، فَإِذَا مَاتَ بَطَلَ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ وَجَبَتْ بِاقْتِرَابٍ، فَمِنْ شَرْطِهَا الْحَوْزُ قَبْلَ الْوَفَاةِ.
وَفِي النَّوَادِرِ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ فَمَا حَلَّ وَلَمْ يُفَرِّطْ فِيهِ أَوْ قَدِمَ عَلَيْهِ فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ فِي مَرَضِهِ أَوْ أَوْصَى بِهِ فَهُوَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ قَالَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَإِنْ لَمْ يُوصِ فَلَا تُجْبَرُ وَرَثَتُهُ وَأُمِرُوا بِذَلِكَ، وَقَالَ أَشْهَبُ هِيَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ وَلَمْ يُفَرِّطْ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ إنْ مَاتَ يَوْمَ الْفِطْرِ أَوْ لَيْلَتَهُ وَلَمْ يُوصِ فَهِيَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تُجْبَرُ وَرَثَتُهُ إلَّا أَنْ يُوصِيَ اهـ كَلَامُ " ح " طفي لَا حُجَّةَ لَهُ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ، إذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ وُجُوبِ الشَّيْءِ وَالْأَمْرِ بِهِ وَعَدَمِ الْجَبْرِ عَلَيْهِ، فَالنَّذْرُ مَأْمُورٌ بِالْوَفَاءِ بِهِ، وَيَلْزَمُ وَيَأْثَمُ بِعَدَمِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُقْضَى بِهِ، فَفِي الْجَوَاهِرِ وَكَيْفَمَا تَصَرَّفَتْ أَحْوَالُ النَّذْرِ فَلَا يُقْضَى بِهِ اهـ. وَفِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى التَّصْرِيحُ بِالتَّأْثِيمِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَفَاءِ وَإِنْ كَانَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهِ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالصَّدَقَةِ وَإِنْ كَانَ آثِمًا وَصَرَّحَ " ح " نَفْسُهُ بِهَذَا فِي بَابِ النَّذْرِ، فَقَوْلُهُ: فَكَيْفَ يُؤْمَرُ الْوَرَثَةُ إلَخْ غَيْرُ ظَاهِرٍ، إذْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ مُتَوَجِّهًا عَلَى مُوَرِّثِهِمْ مِنْ لُزُومِ الْإِخْرَاجِ وَالتَّأْثِيمِ عِنْدَ عَدَمِهِ مَعَ عَدَمِ الْقَضَاءِ بِذَلِكَ وَكَذَا لَا حُجَّةَ فِي كَلَامِ الْبُرْزُلِيُّ إذْ كَلَامُهُ فِي الْمُعَيَّنَاتِ وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فِي الدِّيوَانِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ النَّذْرَ الْمُبْهَمَ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَحُكْمُهُ كَالْيَمِينِ فِي الْمَشِيئَةِ وَعَدَمِهِ فَلَا يَحْتَاجُ لِحَوْزٍ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ، وَكَذَا لَا حُجَّةَ لَهُ فِي كَلَامِ النَّوَادِرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
لَكِنْ قَالَ عِيَاضٌ فِي إكْمَالِهِ رَأْيَ الشَّافِعِيَّةِ إنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَقٌّ فِي مَالِهِ مِنْ نَذْرٍ أَوْ يَمِينٍ أَوْ كَفَّارَةٍ يُقْضَى مِنْ رَأْسِ مَالِهِ كَالدَّيْنِ، وَرَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ أَنْ لَا يُقْضَى شَيْءٌ
ثُمَّ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي
ثُمَّ الْبَاقِي لِوَارِثِهِ مِنْ ذِي النِّصْفِ الزَّوْجُ،
[منح الجليل]
مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِهِ فَيُقْضَى مِنْ الثُّلُثِ، وَأَجَابَ عج عَنْ اسْتِشْكَالِ " ح " بِفَرْضِ النَّذْرِ مَحُوزًا بِيَدِ أَجْنَبِيٍّ وَهُوَ مُعَيَّنٌ، وَيَحْتَاجُ لِنَقْلٍ، إذْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ بُطْلَانٌ، بِالْمَوْتِ مُطْلَقًا.
(ثُمَّ) تُخْرَجُ (وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي) مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بَعْدَ قَضَاءِ دُيُونِهِ وَحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إنْ وَسِعَهَا وَإِلَّا قُدِّمَ الْآكَدُ فَالْآكَدُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهَا، وَقُدِّمَ قَضَاءُ الدَّيْنِ عَلَى تَنْفِيذِ الْوَصَايَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى الْمَيِّتِ وَالْوَصَايَا تَبَرُّعٌ مِنْهُ، وَقُدِّمَتْ فِي قَوْلِهِ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] لِشَبَهِهَا الْمَوْرُوثَ فِي الْأَخْذِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَمَشَقَّتُهَا عَلَى الْوَرَثَةِ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ فَإِنَّ نُفُوسَهُمْ مُطْمَئِنَّةٌ بِأَدَائِهِ فَقُدِّمَتْ عَلَيْهِ فِي الذِّكْرِ حَثًّا عَلَى إخْرَاجِهَا وَالْمُسَارَعَةِ بِهِ؛ وَلِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَعْهُودَةً.
(ثُمَّ) يَكُونُ (الْبَاقِي) مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بَعْدَ إخْرَاجِ مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا (لِوَارِثِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ بِقَرَابَةٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ وَلَاءٍ فَرْضًا أَوْ تَعْصِيبًا أَوْ بِهِمَا وَالْفُرُوضُ الْمُقَدَّرَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى سِتَّةٌ مُفْرَدُهَا فَرْضٌ مَعْنَاهُ لُغَةً الْقَطْعُ وَالْجَزْءُ، وَاصْطِلَاحًا النَّصِيبُ الْمُقَدَّرُ الَّذِي لَا يَزِيدُ إلَّا بِالرَّدِّ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهِ، وَلَا يَنْقُصُ إلَّا بِالْعَوْلِ وَلِلْفِرَاضِ فِي تَرْتِيبِهَا عِبَارَاتٌ مَآلُهَا وَاحِدٌ النِّصْفُ وَنِصْفُهُ وَنِصْفُ نِصْفِهِ وَالثُّلُثَانِ وَنِصْفُهُمَا وَنِصْفُ نِصْفِهِمَا.
وَيُقَالُ الثُّمُنُ وَالسُّدُسُ وَضِعْفُهُمَا وَضِعْفُ ضِعْفِهِمَا، وَيُقَالُ الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ وَنِصْفُهُمَا وَضِعْفُهُمَا، وَيُقَالُ الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ وَضِعْفُ كُلٍّ وَنِصْفُ كُلٍّ وَيُقَالُ النِّصْفُ وَالرُّبُعُ وَالثُّمُنُ وَالثُّلُثَانِ وَالثُّلُثُ وَالسُّدُسُ بِالتَّدَلِّي، وَيُقَالُ هَذَا بِالتَّرَقِّي، وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِأَصْحَابِ النِّصْفِ تَبَعًا لِلْفِرَاضِ فِيمَا اعْتَادُوهُ؛ لِأَنَّ مَقَامَهُ أَوَّلَ مَقَامَاتِ الْكُسُورِ فَقَالَ مُبَيِّنًا لِوَارِثِهِ:
(مِنْ ذِي) أَيْ صَاحِبِ وَمُسْتَحِقِّ (النِّصْفِ) مُثَلَّثُ النُّونِ، وَيُقَالُ لَهُ نَصِيفٌ أَيْضًا وَهُوَ أَوَّلُ الْكُسُورِ وَهُوَ خَمْسَةٌ (الزَّوْجُ) لِمَنْ لَا فَرْعَ لَهَا وَارِثٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: 12] ، (وَبِنْتٌ) لِنَفْسِ الْمَيِّتِ وَاحِدَةٌ
وَبِنْتٌ، وَبِنْتُ ابْنٍ، إنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتٌ، وَأُخْتٌ شَقِيقَةٌ، أَوْ لِأَبٍ، إنْ لَمْ تَكُنْ شَقِيقَةٌ، وَعَصَّبَ كُلًّا: أَخٌ يُسَاوِيهَا؛
[منح الجليل]
ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: 11] وَلِأَنَّ الِابْنَ إذَا انْفَرَدَ كَانَ لَهُ الْكُلُّ، فَهِيَ إذَا انْفَرَدَتْ فَلَهَا النِّصْفُ؛ لِأَنَّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْهُ فِي الْأَحْكَامِ.
(وَبِنْتُ ابْنٍ) لِلْمَيِّتِ وَاحِدَةٌ (إنْ لَمْ تَكُنْ) لَهُ (بِنْتٌ) إجْمَاعًا قِيَاسًا عَلَى الْبِنْتِ (وَأُخْتٌ) وَاحِدَةٌ (شَقِيقَةٌ) لِلْمَيِّتِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 176] وَلِأَنَّهَا بِنْتُ أَبِيهِ فَالْأَخَوَاتُ بَنَاتٌ غَيْرَ أَنَّهُنَّ بَعُدْنَ بِرُتْبَةٍ فَقُدِّمَتْ بَنَاتُ الصُّلْبِ عَلَيْهِنَّ وَأُجْرِينَ مَجْرَاهُنَّ عِنْدَ عَدَمِهِنَّ، وَلَمَّا كَانَ الْأَخُ الذَّكَرُ الْمُنْفَرِدُ لَهُ الْكُلُّ كَانَ لَهَا إذَا انْفَرَدَتْ النِّصْفُ؛ لِأَنَّ الْأُنْثَى نِصْفُ الذَّكَرِ.
(أَوْ) أُخْتٌ وَاحِدَةٌ (لِأَبٍ إنْ لَمْ تَكُنْ) لَهُ أُخْتٌ (شَقِيقَةٌ) إجْمَاعًا قِيَاسًا عَلَى الشَّقِيقَةِ (وَعَصَّبَ) بِفَتَحَاتٍ مُثْقَلًا، أَيْ نُقِلَ مِنْ الْإِرْثِ بِالْفَرْضِ إلَى الْإِرْثِ بِالتَّعْصِيبِ (كُلًّا) بِضَمِّ الْكَافِ مُنَوَّنًا، أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبِنْتِ وَبِنْتِ الِابْنِ وَالشَّقِيقَةِ وَاَلَّتِي لِأَبٍ (أَخٌ) لَهَا وَهُوَ الِابْنُ وَابْنُ الِابْنِ وَالْأَخُ الشَّقِيقُ لِأَبٍ (يُسَاوِيهَا) فِي دَرَجَتِهَا وَقُوَّتِهَا فَتُقْسَمُ التَّرِكَةُ أَوْ بَاقِيهَا بَعْدَ الْفَرْضِ بَيْنَهُمَا (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) . وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ يُسَاوِيهِمَا عَنْ الْأَخِ لِأَبٍ مَعَ الشَّقِيقَةِ فَلَا يُعَصِّبُهَا، وَعَنْ ابْنِ ابْنِ ابْنٍ مَعَ بِنْتِ ابْنٍ فَلَا يُعَصِّبُهَا أَيْضًا إنْ وَرِثَتْ النِّصْفَ أَوْ السُّدُسَ مَعَ بِنْتٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 176] ؛ لِأَنَّ عَقْلَهُ بِعَقْلَيْهِمَا وَشَهَادَتُهُ بِشَهَادَتِهِمَا فَلَهُ مِنْ الْإِرْثِ مِثْلُهُمَا.
وَقِيلَ لِأَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ يُعْطِي صَدَاقًا وَهِيَ تَأْخُذُهُ إذَا تَزَوَّجَتْ فَزَيْدٌ بِقَدْرِ مَا يُعْطِي وَيَبْقَى لَهُ مِثْلُ مَا تَأْخُذُ فَيَسْتَوِيَانِ، وَقَالَ عج، أَيْ عَصَّبَ كُلًّا مِنْ الْأُخْتِ الشَّقِيقَةِ وَالْأُخْتِ لِأَبٍ أَخٌ يُسَاوِيهِمَا وَلَا يَدْخُلُ فِي الْبِنْتِ وَبِنْتِ الِابْنِ لِوُجُوهٍ، أَحَدُهُمَا السَّلَامَةُ مِنْ التَّكْرَارِ مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي وَعَصَّبَ كُلٌّ أُخْتَهُ.
ثَانِيهَا أَنَّ بِنْتَ الِابْنِ يُعَصِّبُهَا أَخُوهَا وَابْنُ عَمِّهَا
وَالْجَدُّ الْأُولَيَانِ، وَالْأُخْرَيَيْنِ
وَلِتَعَدُّدِهِنَّ: الثُّلُثَانِ
[منح الجليل]
وَابْنُ عَمِّهَا، وَإِنْ كَانَ أَسْفَلَ مِنْهَا.
ثَالِثُهَا قَوْلُهُ وَالْجَدُّ إذْ هُوَ إنَّمَا يُعَصِّبُ الْأُخْتَيْنِ.
رَابِعُهَا مَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَخِ وَالْعَمِّ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُذْكَرُ فِي مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ أَخُو الْمَيِّتِ وَعَمُّهُ وَأَخُو الْمَيِّتِ لَا يُعَصِّبُ بِنْتَه وَلَا بِنْتَ ابْنِهِ.
طفي هَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ.
(وَ) عَصَّبَ (الْجَدُّ) لِلْمَيِّتِ الْأُخْتَ الشَّقِيقَةَ وَالْأُخْتَ لِأَبٍ لَا الْبِنْتَ وَلَا بِنْتَ الِابْنِ (وَ) عَصَّبَ (الْأُخْرَيَيْنِ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَالْيَاءِ الْأُولَى مُثَنَّى الْأُخْرَى، أَيْ الشَّقِيقَةَ وَالْأُخْتَ لِأَبٍ (الْأُولَيَانِ) بِضَمِّ الْهَمْزِ مُثَنَّى أُولَى كَذَلِكَ، أَيْ الْبِنْتُ وَبِنْتُ الِابْنِ إجْمَاعًا.
" غ " وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالْجَدُّ وَالْأُولَيَانِ الْأُخْرَيَيْنِ وَهُوَ الصَّوَابُ، أَيْ عَصَّبَ الْجَدُّ وَالْبِنْتُ وَبِنْتُ الِابْنِ الْأُخْتَ الشَّقِيقَةَ وَالْأُخْتَ لِلْأَبِ وَالْأُولَيَانِ تَثْنِيَةُ أُولَى، وَالْأُخْرَيَانِ تَثْنِيَةُ أُخْرَى فَهَمْزَتُهُمَا مَضْمُومَةٌ، وَالْيَاءُ فِيهِمَا قَبْلَ الْعَلَامَةِ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ أَلِفِ التَّأْنِيثِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِنْتَانِ أَوْ بَنَاتُ ابْنٍ مَعَ أَخَوَاتٍ لِغَيْرِ أُمٍّ، وَأَخَذَ الْبَنَاتُ أَوْ بَنَاتُ الِابْنِ الثُّلُثَيْنِ وَفَرَضَ لِلْأَخَوَاتِ الثُّلُثَيْنِ أَيْضًا، وَأُعِيلَتْ الْمَسْأَلَةُ لَزِمَ نَقْصُ نَصِيبِ الْبَنَاتِ بِسَبَبِ الْأَخَوَاتِ وَمُزَاحَمَةِ أَوْلَادِ الْأَبِ أَوْلَادَ الصُّلْبِ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ، وَلَا يُمْكِنُ إسْقَاطُ أَوْلَادِ الْأَبِ فَجُعِلْنَ عَصَبَةً لِيَدْخُلَ النَّقْصُ عَلَيْهِنَّ وَحْدَهُنَّ.
وَذَكَرَ أَصْحَابَ الثُّلُثَيْنِ بِقَوْلِهِ (وَلِتَعَدُّدِ) أَيْ الْمُتَعَدِّدِ مِنْ (هُنَّ) أَيْ صَاحِبَاتُ النِّصْفِ مِنْ الْبِنْتِ وَبِنْتِ الِابْنِ إنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتٌ، وَالشَّقِيقَةُ وَالْأُخْتُ لِأَبٍ إنْ لَمْ تَكُنْ شَقِيقَةً فَلِلْبِنْتَيْنِ فَأَكْثَرَ أَوْ بِنْتَيْ الِابْنِ كَذَلِكَ أَوْ الشَّقِيقَتَيْنِ أَوْ الْأُخْتَيْنِ لِأَبٍ كَذَلِكَ (الثُّلُثَانِ) فَأَصْحَابُهُمَا أَرْبَعَةٌ.
وَأَمَّا مِيرَاثُهُنَّ أَكْثَرُ مِنْهُمَا كَابْنٍ وَعِشْرِينَ بِنْتًا فَبِالتَّعْصِيبِ لَا بِالْفَرْضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 11] ، فِي الذَّخِيرَةِ اعْتَبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - ظَاهِرَ اللَّفْظِ فَحَمَلَ الثُّلُثَيْنِ لِثَلَاثِ بَنَاتِ فَأَكْثَرَ وَلِلْبِنْتَيْنِ النِّصْفَ.
وَاخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ فِي كَلِمَةِ فَوْقَ فَقِيلَ زَائِدَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: 12] ، وَتُطْلِقُ الْعَرَبُ الْجَمْعَ عَلَى الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4] وَخَطَّأَهُ الْمُحَقِّقُونَ بِأَنَّ زِيَادَةَ الظَّرْفِ بَعِيدَةٌ.
وَقِيلَ فِيهَا تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالْأَصْلُ اثْنَتَيْنِ،
وَلِلثَّانِيَةِ مَعَ الْأُولَى السُّدُسُ، وَإِنْ كَثُرْنَ،
[منح الجليل]
فَفَوْقَ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ أَيْضًا.
وَالصَّوَابُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى الزَّائِدِ عَلَى اثْنَتَيْنِ فِي الْبَنَاتِ وَلَمْ يَذْكُرْ الِاثْنَتَيْنِ فِيهِنَّ، وَنَصَّ عَلَى الِاثْنَتَيْنِ فِي الْأَخَوَاتِ وَلَمْ يَذْكُرْ الزَّائِدَ فِيهِنَّ اكْتِفَاءً بِمَا فِي آيَةِ الْبَنَاتِ فِي الْأَخَوَاتِ وَبِمَا فِي آيَةِ الْأَخَوَاتِ فِي الْبَنَاتِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَاسْتَقَامَتْ الظَّوَاهِرُ وَقَامَتْ الْحُجَّةُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا جَعَلَ الثُّلُثَيْنِ لِأُخْتَيْنِ فَالْبِنْتَانِ أَوْلَى بِهِمَا لأقربيتهما ا؛ وَلِأَنَّ الْبِنْتَ تَأْخُذُ مَعَ الِابْنِ الثُّلُثَ فَأَوْلَى أَنْ تَأْخُذَهُ مَعَ بِنْتٍ تُمَاثِلُهَا؛ وَلِأَنَّ الذَّكَرَ إذَا كَانَ مَعَ أُنْثَى كَانَ لَهُ الثُّلُثَانِ، فَجَعَلَ الِاثْنَتَانِ بِمَنْزِلَةِ ذَكَرٍ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ مُلَاحَظَةِ الْحِكْمَةِ فِي جَعْلِ الْأُنْثَى عَلَى نِصْفِ الذَّكَرِ، وَسَقَطَ اعْتِبَارُ زِيَادَةِ الْبَنَاتِ عَلَى اثْنَيْنِ كَمَا سَقَطَ اعْتِبَارُ زِيَادَةِ الذَّكَرِ عَلَى وَاحِدٍ، فَسَوَّى بَيْنَ الْبَابَيْنِ فِي إلْغَاءِ الزِّيَادَةِ، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْبِنْتَيْنِ وَالْأُخْتِ الْوَاحِدَةِ خِلَافُ الْقِيَاسِ وَالْحَدِيثُ الْآتِي وَضَّحَ أَنَّ «أَخَا سَعْدٍ مَنَعَ ابْنَتَيْهِ الْمِيرَاثَ فَشَكَتْ أُمُّهُمَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهَا يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ، وَقَالَ أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ» ، وَهَذَا بَيَانٌ لِمَا فِي الْكِتَابِ لَا نَسْخَ لَهُ.
وَالنَّصُّ عَلَى الِاثْنَتَيْنِ فِي الْأَخَوَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: 176] ؛ لِأَنَّ الِاثْنَتَيْنِ كَذَكَرٍ وَالذَّكَرُ لَهُ الثُّلُثَانِ مَعَ الْأُخْتِ، فَجَعَلَ لَهُمَا ذَلِكَ وَلَوْ بَقِيَتْ الْبِنْتُ أَوْ الْأُخْتُ عَلَى النِّصْفِ حَالَ الِاجْتِمَاعِ وَلَمْ تُضَارَرْ بِأُخْتِهَا مُضَارَّتَهَا مَعَ الِابْنِ، مَعَ أَنَّ الِابْنَ لَا يَبْقَى عَلَى حَالِهِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ إذَا كَانَ مَعَهُ أُخْتُهُ، وَيُضَارَرُ بِهَا لَلَزِمَ تَرْجِيحُ الْأُنْثَيَيْنِ عَلَى الذَّكَرِ، وَسَوَّى بَيْنَ الِاثْنَتَيْنِ وَالزَّائِدِ عَلَيْهِمَا كَمَا سَوَّى بَيْنَ الذَّكَرِ وَالزَّائِدِ عَلَيْهِ فِي حَوْزِ جَمِيعِ الْمَالِ وَاسْتُفِيدَ حُكْمُ الزَّائِدِ مِنْ آيَةِ الْبَنَاتِ كَمَا اُسْتُفِيدَ حُكْمُ الْبِنْتَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَفَادَهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
(وَلِ) جِنْسِ (الثَّانِيَةِ) أَيْ بِنْتِ الِابْنِ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ وَالْأُخْتُ لِأَبٍ كَذَلِكَ حَالَ كَوْنِهَا (مَعَ الْأُولَى) بِضَمِّ الْهَمْزِ، أَيْ الْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ أَوْ الشَّقِيقَةِ كَذَلِكَ (السُّدُسُ) تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ مَعَ نِصْفِ الْأُولَى.
فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «سُئِلَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
وَحَجَبَهَا ابْنٌ فَوْقَهَا، وَبِنْتَانِ فَوْقَهَا؛ إلَّا الِابْنَ
[منح الجليل]
عَنْ بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَأُخْتٍ فَقَالَ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ وَلَا شَيْءَ لِبِنْتِ الِابْنِ وَائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ سَيُتَابِعُنِي، فَسَأَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْت إذًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ لَأَقْضِيَنَّ بِمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ فَأَتَى أَبَا مُوسَى وَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ» ، اُنْظُرْ مَوَاهِبَ الْقَدِيرِ.
(وَحَجَبَهَا) أَيْ مَنَعَ بِنْتَ الِابْنِ مِنْ الْإِرْثِ (ابْنٌ) لِلْمَيِّتِ أَوْ لِابْنِهِ (فَوْقَهَا) أَيْ أَعْلَى مِنْ بِنْتِ الِابْنِ بِدَرَجَةٍ أَوْ أَكْثَرَ كَابْنِ وَبِنْتِ ابْنٍ وَكَابْنِ ابْنٍ وَبِنْتِ ابْنِ ابْنٍ (وَ) حَجَبَهَا أَيْضًا (بِنْتَانِ) لِلْمَيِّتِ أَوْ لِابْنِهِ (فَوْقَهَا) أَيْ بِنْتِ الِابْنِ فِي الْقُرْبِ لِلْمَيِّتِ كَبِنْتَيْنِ وَبِنْتِ ابْنٍ كَبِنْتَيْ ابْنٍ وَبِنْتِ ابْنِ ابْنٍ فَيَحْجُبَانِهَا عَنْ الْإِرْثِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا لِ) وُجُودِ (ابْنٍ)
فِي دَرَجَتِهَا مُطْلَقًا؛ أَوْ أَسْفَلَ: فَمُعَصَّبٌ؛ وَأُخْتٌ لِأَبٍ فَأَكْثَرُ مَعَ الشَّقِيقَةِ: فَأَكْثَرُ كَذَلِكَ،
[منح الجليل]
لِابْنِ الْمَيِّتِ مَعَهَا (فِي دَرَجَتِهَا) أَيْ بِنْتِ الِابْنِ فَيُعَصِّبُهَا (مُطْلَقًا) عَنْ تَقْيِيدِهِ بِكَوْنِهِ أَخَاهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ أَخَاهَا أَوْ ابْنَ عَمِّهَا فَتَدْخُلُ مَعَهُ فِي الثُّلُثِ الْبَاقِي " لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ "، وَعَنْ تَقْيِيدِهَا بِكَوْنِهَا لَا سُدُسَ لَهَا فَفِي بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَابْنِ ابْنٍ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَالنِّصْفُ الْبَاقِي لِبِنْتِ الِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ " لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ " سَوَاءٌ كَانَ أَخَاهَا أَوْ ابْنَ عَمِّهَا.
(أَوْ) لِوُجُودِ ابْنٍ مَعَهَا (أَسْفَلَ) مِنْهَا بِدَرَجَةٍ أَوْ أَكْثَرَ (فَ) هُوَ (مُعَصِّبٌ) بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مُثْقَلَةً لَهَا إنْ كَانَتْ مَحْجُوبَةً عَنْ السُّدُسِ كَبِنْتَيْنِ وَبِنْتِ ابْنٍ وَابْنِ ابْنِ ابْنٍ فَتَرِثُ مَعَهُ الثُّلُثَ الْبَاقِيَ كَذَلِكَ، وَكَبِنْتَيْ ابْنٍ وَبِنْتِ ابْنِ ابْنٍ وَابْنِ ابْنِ ابْنِ ابْنٍ وَكَبِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَبِنْتِ ابْنِ ابْنٍ وَابْنِ ابْنِ ابْنِ ابْنٍ، فَإِنْ وَرِثَتْ السُّدُسَ فَلَا يُعَصِّبُهَا السَّافِلُ عَنْهَا لِاسْتِغْنَائِهَا عَنْهُ.
شب لِابْنِ الِابْنِ مَعَ بِنْتِ الِابْنِ ثَلَاثُ حَالَاتٍ إحْدَاهُمَا كَوْنُهُ أَعْلَى مِنْهَا فَيَحْجُبُهَا مُطْلَقًا، وَالثَّانِيَةُ كَوْنُهُ مُسَاوِيًا لَهَا فَيُعَصِّبُهَا مُطْلَقًا، سَوَاءٌ فَضَلَ لَهَا شَيْءٌ مِنْ الثُّلُثَيْنِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ أَخَاهَا أَوْ ابْنَ عَمِّهَا، وَالثَّالِثَةُ كَوْنُهُ نَازِلًا عَنْهَا فَيُعَصِّبُهَا حَيْثُ لَا شَيْءَ لَهَا فِي الثُّلُثَيْنِ.
وَفِي الرِّسَالَةِ إنْ كَانَتْ الْبَنَاتُ اثْنَتَيْنِ فَلَا شَيْءَ لِبَنَاتِ الِابْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ أَخٌ، فَيَكُونُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الذَّكَرُ تَحْتَهُنَّ وَكَذَلِكَ لَوْ وَرِثَتْ بَنَاتُ الِابْنِ مَعَ الْبِنْتِ السُّدُسَ وَتَحْتَهُنَّ بَنَاتُ ابْنٍ مَعَهُنَّ أَوْ تَحْتَهُنَّ ذَكَرٌ كَانَ ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخَوَاتِهِ وَمِنْ فَوْقِهِ مِنْ عَمَّاتِهِ وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَنْ دَخَلَ فِي الثُّلُثَيْنِ مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ.
اهـ. وَنَحْوُهُ لِابْنِ التِّلِمْسَانِيِّ.
(وَأُخْتٌ) لِلْمَيِّتِ (لِأَبٍ) أَيْ مِنْهُ فَقَطْ وَاحِدَةٌ (فَأَكْثَرُ) مِنْ وَاحِدَةٍ حَالَ كَوْنِهَا أَوْ كَوْنِهِمَا أَوْ كَوْنِهِنَّ (مَعَ) الْأُخْتِ (الشَّقِيقَةِ) لِلْمَيِّتِ الْوَاحِدَةِ (فَأَكْثَرَ) مِنْهَا حُكْمُهَا (كَذَلِكَ) أَيْ حُكْمُ بِنْتِ الِابْنِ مَعَ الْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ فَأَكْثَرَ فِي أَخْذِ الْوَاحِدَةِ مَعَ الْوَاحِدَةِ
إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا يُعَصِّبُ الْأَخَ
وَالرُّبْعِ الزَّوْجُ بِفَرْعٍ، وَزَوْجَةٌ فَأَكْثَرُ
وَالثُّمُنِ: لَهَا، أَوْ لَهُنَّ بِفَرْعٍ لَاحِقٍ
[منح الجليل]
السُّدُسَ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَحَجْبُهَا بِالِابْنِ الَّذِي فَوْقَهَا وَبِالِاثْنَتَيْنِ إلَّا لِذَكَرٍ مَعَهَا فَيُعَصِّبُهَا فَلِلْأُخْتِ لِأَبٍ مَعَ الشَّقِيقَةِ السُّدُسُ وَيَحْجُبُهَا الشَّقِيقُ كَالشَّقِيقَتَيْنِ إلَّا الْأَخَ لِأَبٍ فَتَرِثُ مَعَهُ الثُّلُثَ الْبَاقِيَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَلَمَّا أَوْهَمَ التَّشْبِيهُ أَنَّ ابْنَ الْأَخِ لِأَبٍ يُعَصِّبُ الْأُخْتَ لِأَبٍ كَتَعْصِيبِ ابْنِ الِابْنِ السَّافِلِ بِنْتَ الِابْنِ الْعَالِيَةِ عَنْهُ بِشَرْطِهِ وَلَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ: اسْتَثْنَى مِنْهُ فَقَالَ (إلَّا أَنَّهُ) أَيْ الشَّأْنُ (إنَّمَا يُعَصِّبُ) الْأُخْتَ لِأَبٍ (الْأَخُ) لِأَبٍ لَا ابْنُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَصِّبُ بِنْتَ الْأَخِ الَّتِي فِي دَرَجَتِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْحَامِ، وَإِذَا لَمْ يُعَصِّبْ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ فَلَا يُعَصِّبُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْأَوْلَى، فَيَأْخُذُهُ مَا بَقِيَ وَحْدَهُ دُونَ عَمَّتِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الِابْنِ قُوَّةُ الْبُنُوَّةِ
(وَ) مِنْ ذِي (الرُّبُعِ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَهُوَ (الزَّوْجُ) لِلْمَيِّتَةِ حَالَ كَوْنِهِ (بِفَرْعٍ) لَهَا وَارِثٌ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ مِنْ زِنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء: 12] ، (وَزَوْجَةٌ) لِلْمَيِّتِ وَاحِدَةٌ (فَأَكْثَرُ) مِنْهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرْعٌ وَارِثٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: 12] . شَارِحُ الْحَوفِيِّ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَزِيدَ الْأُمَّ فِي إحْدَى الْغَرَّاوَيْنِ فَإِنَّهَا تَرِثُ فِيهَا الرُّبُعَ بِالْفَرْضِ لَا بِالتَّعْصِيبِ.
إذْ لَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِنْ الْعَصَبَةِ اهـ. طفي وَفِيهِ بَحْثٌ، إذْ كَلَامُهُمْ فِيمَنْ يَرِثُ الرُّبُعَ بِالْقَصْدِ وَإِحْدَى الْغَرَّاوَيْنِ جَرَّ الْحَالَ إلَى إرْثِ الْأُمِّ الرُّبُعَ فِيهَا وَالْمَقْصُودُ فِيهَا ثُلُثُ الْبَاقِي.
(وَ) مِنْ ذِي (الثُّمُنِ) وَهُوَ فَرْضٌ (لَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ الْوَاحِدَةِ (أَوْ لَهُنَّ) أَيْ الزَّوْجَتَيْنِ فَأَكْثَرَ حَالُهُ كَوْنُهَا أَوْ كَوْنُهُنَّ (بِفَرْعٍ) لِلزَّوْجِ (لَاحِقٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ بِهِ فِي النَّسَبِ، سَوَاءٌ كَانَ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ ابْنٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: 12] . تت قَيَّدَ فَرْعَ الزَّوْجِ بِلَاحِقٍ دُونَ فَرْعِ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا لَاحِقًا بِهَا وَلَوْ مِنْ زِنًا، بِخِلَافِ فَرْعِ الزَّوْجِ، فَقَدْ يَنْتَفِي عَنْهُ بِلِعَانِهِ فِيهِ.
طفي يَحْتَاجُ
وَالثُّلُثَيْنِ لِذِي النِّصْفِ، إنْ تَعَدَّدَ
وَالثُّلُثِ لِأُمٍّ وَوَلَدَيْهَا فَأَكْثَرَ؛
[منح الجليل]
لِقَيْدٍ لَاحِقٍ فِي فَرْعِ الزَّوْجَةِ أَيْضًا لِيَخْرُجَ وَلَدُ ابْنِهَا الَّذِي نَفَاهُ بِلِعَانٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحْجُبُ زَوْجَهَا مِنْ النِّصْفِ إلَى الرُّبُعِ، وَلَا يَخْفَاك أَنَّ الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِوَارِثٍ بَدَلَ لَاحِقٍ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ اللُّحُوقِ الْإِرْثُ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْحَجْبِ وَالْإِرْثِ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ مِنْ اللُّحُوقِ، وَانْظُرْ مَوَاهِبَ الْقَدِيرِ.
(وَ) مِنْ ذِي (الثُّلُثَيْنِ) وَهُوَ فَرْضٌ (لِذِي) أَيْ صَاحِبِ (النِّصْفِ إنْ تَعَدَّدَ) كَبِنْتَيْنِ فَأَكْثَرَ أَوْ بِنْتَيْ ابْنٍ كَذَلِكَ أَوْ شَقِيقَتَيْنِ كَذَلِكَ أَوْ أُخْتَيْنِ لِأَبٍ كَذَلِكَ.
الشَّارِحُ هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ وَلِتَعَدُّدِهِنَّ الثُّلُثَانِ، وَقَدْ يُقَالُ أَعَادَهُ مَعَ شَرْطِهِ لِبَيَانِ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَتَعَدَّدُ قَالَهُ تت.
طفي فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَلِتَعَدُّدِهِنَّ الثُّلُثَانِ أَغْنَى عَنْهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا أَعَادَهُ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ هُنَا لِبَيَانِ الثُّلُثَيْنِ ثُمَّ نِصْفِهِمَا ثُمَّ نِصْفِ نِصْفِهِمَا، وَذَكَرَهُ أَوَّلًا اسْتِطْرَادًا.
(وَ) مِنْ ذِي (الثُّلُثِ) وَهُوَ فَرْضُ (الْأُمِّ) لِلْمَيِّتِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ فَرْعٌ وَارِثٌ وَلَا عَدَدٌ مِنْ الْإِخْوَةِ (وَ) فَرْضُ (وَلَدَيْهَا) أَيْ أَخَوَيْ الْمَيِّتِ مِنْ أُمِّهِ فَقَطْ (فَأَكْثَرَ) مِنْهُمَا وَلَا
وَحَجَبَهَا مِنْ الثُّلُثِ لِلسُّدُسِ: وَلَدٌ وَإِنْ سَفَلَ، وَأَخَوَانِ، أَوْ أُخْتَانِ مُطْلَقًا
[منح الجليل]
يَفْضُلُ ذَكَرُهُمْ أُنْثَاهُمْ وَلَا يُعَصِّبُهَا وَيَرِثُونَ مَعَ مَنْ أَدْلَوْا بِهِ وَيَحْجُبُونَهُ مَعَ حَجْبِهِمْ بِغَيْرِهِ وَلَوْ أَحَدُهُمْ السُّدُسَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: 12] وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الْإِخْوَةِ لِأُمٍّ، وَالْآيَةُ الَّتِي فِي آخِرِ السُّورَةِ فِي الْإِخْوَةِ لِأَبٍ.
شب وَبَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَصْحَابِ الثُّلُثِ الْجَدُّ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ وَانْظُرْ مَوَاهِبَ الْقَدِيرِ.
(وَحَجَبَهَا) أَيْ الْأُمَّ عَنْ الثُّلُثِ (لِلسُّدُسِ وَلَدٌ) لِلْمَيِّتِ أَوْ لِابْنِهِ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى وَاحِدًا وَمُتَعَدِّدًا إنْ عَلَا، بَلْ (وَإِنْ سَفَلَ) بِشَرْطِ كَوْنِهِ وَارِثًا (وَ) حَجَبَهَا أَيْضًا (أَخَوَانِ أَوْ أُخْتَانِ) لِلْمَيِّتِ (مُطْلَقًا) عَنْ تَقْيِيدِهِمَا بِكَوْنِهِمَا شَقِيقَيْنِ