منح الجليل شرح مختصر خليلصفحات 509-548
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ) فِي الْخُلْعِ:

صفحات 509-548

وَغَرِمَا فَقَطْ رُبْعَ الدِّيَةِ، ثُمَّ إنْ رَجَعَ ثَالِثٌ: حُدَّ هُوَ وَالسَّابِقَانِ، وَغَرِمُوا رُبْعَ الدِّيَةِ، وَرَابِعٌ فَنِصْفَهَا

وَإِنْ رَجَعَ سَادِسٌ بَعْدَ فَقْءِ عَيْنِهِ، وَخَامِسٌ بَعْدَ مُوضِحَتِهِ، وَرَابِعٌ بَعْدَ مَوْتِهِ:

[منح الجليل]

الْبَاقِينَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ عَنْ النِّصَابِ (وَغَرِمَا) أَيْ الرَّاجِعَانِ (رُبْعَ الدِّيَةِ) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الْمَرْجُومِ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَلَوْ كَثُرُوا بِمَنْزِلَةِ الرَّابِعِ الْمُكَمِّلِ لِلنِّصَابِ، وَلَا يَغْرَمُ الْعَبْدُ مَعَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ شَهَادَتِهِ وَلَا غُرْمَ وَلَا حَدَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْبَاقِينَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ شَهِدَ مَعَهُمْ الِاثْنَانِ الرَّاجِعَانِ، وَرُجُوعُهُمْ لَغْوٌ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ.
طفى قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَخْ، أَصْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَبَحَثَ فِيهِ بِاقْتِضَائِهِ غُرْمَهُ إذَا رَجَعَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالَهُ لِسَيِّدِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ بِالْوَصْفِ الْمُعْتَبَرِ وَهُوَ عُبُودِيَّتُهُ، إذْ هُوَ الْمُضِرُّ لِلشَّهَادَةِ فَلَا عِبْرَةَ بِالرُّجُوعِ مَعَهُ حَصَلَ أَمْ لَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ فَلَا عِبْرَةَ بِرُجُوعِهِ إنْ رَجَعَ، وَإِنْ شَهِدَ سِتَّةُ أَحْرَارٍ بِالزِّنَا عَلَى مُحْصَنٍ وَرَجَعَ اثْنَانِ مِنْهُمْ بَعْدَ رَجْمِهِ فَلَا يَغْرَمَانِ وَلَا يُحَدَّانِ.
(ثُمَّ إنْ رَجَعَ ثَالِثٌ) أَيْ مِنْ السِّتَّةِ الْأَحْرَارِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالزِّنَا (حُدَّ) بِضَمِّ الْحَاءِ (هُوَ) أَيْ الثَّالِثُ (وَ) الشَّاهِدَانِ (السَّابِقَانِ) لِلثَّالِثِ فِي الرُّجُوعِ لِعَدَمِ كَمَالِ النِّصَابِ بِالثَّلَاثَةِ الْبَاقِينَ (وَغَرِمُوا) أَيْ الثَّلَاثَةُ الرَّاجِعُونَ عَنْ شَهَادَتِهِمْ (رُبْعَ الدِّيَةِ) بِالسَّوِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الرَّابِعِ الْمُكَمِّلِ لِلنِّصَابِ، وَكَذَا إذَا رَجَعُوا مُجْتَمِعِينَ (وَ) إنْ رَجَعَ (رَابِعٌ) أَيْ مِنْ السِّتَّةِ الْأَحْرَارِ أَيْضًا (فَنِصْفُهَا) أَيْ الدِّيَةِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ لِبَقَاءِ نِصْفِ النِّصَابِ وَهُمْ الِاثْنَانِ الْبَاقِيَانِ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَالْأَرْبَعَةُ الرَّاجِعُونَ بِمَنْزِلَةِ اثْنَيْنِ مُتِمَّيْنِ لِلنِّصَابِ، وَإِنْ رَجَعَ خَامِسٌ فَعَلَى الْخَمْسَةِ الرَّاجِعِينَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا لِبَقَاءِ رُبْعِهِ، وَإِنْ رَجَعَ سَادِسٌ فَعَلَى السِّتَّةِ جَمِيعُهَا أَسْدَاسًا وَسَكَتَ عَنْ هَذَيْنِ لِوُضُوحِهِمَا.

(وَإِنْ رَجَعَ سَادِسٌ) مِنْ سِتَّةِ أَحْرَارٍ شَهِدُوا عَلَى مُحْصَنٍ بِالزِّنَا وَأَمَرَ الْإِمَامُ بِرَجْمِهِ وَكَانَ رُجُوعُهُ (بَعْدَ عَيْنِهِ) أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالرَّجْمِ (وَ) رَجَعَ (خَامِسٌ بَعْدَ مُوضِحَتِهِ) أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِهِ (وَ) رَجَعَ (رَابِعٌ بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِهِ (فَعَلَى) الرَّاجِعِ

فَعَلَى الثَّانِي خُمُسُ الْمُوضِحَةِ مَعَ سُدُسِ الْعَيْنِ: كَالْأَوَّلِ، وَعَلَى الثَّالِثِ: رُبْعُ دِيَةِ النَّفْسِ فَقَطْ.

[منح الجليل]

الثَّانِي) أَيْ الْخَامِسِ خُمُسُ دِيَةِ (الْمُوضِحَةِ) لِحُصُولِهَا بِشَهَادَةِ خَمْسَةٍ هُوَ أَحَدُهُمْ (مَعَ سُدُسِ) دِيَةِ (الْعَيْنِ) لِحُصُولِ فَقْئِهَا بِسِتَّةٍ هُوَ أَحَدُهُمْ، وَشَبَّهَ فِي غُرْمِ سُدُسِ دِيَةِ الْعَيْنِ فَقَالَ (كَ) الرَّاجِعِ (الْأَوَّلِ) أَيْ السَّادِسِ لِذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ لِرُجُوعِهِ قَبْلَ حُصُولِهَا (وَعَلَى) الرَّاجِعِ (الثَّالِثِ رُبْعُ دِيَةِ النَّفْسِ فَقَطْ) لِإِتْلَافِهَا بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ هُوَ أَحَدُهُمْ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ دِيَتَيْ الْعَيْنِ وَالْمُوضِحَةِ لِانْدِرَاجِهِمَا فِي دِيَةِ النَّفْسِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَا حَاصِلُهُ إنْ رَجَعَ أَحَدُ سِتَّةٍ شَهِدُوا بِزِنَا رَجُلٍ حَدُّهُ الرَّجْمُ بَعْدَ فَقْءِ عَيْنِهِ بِهِ، وَثَانٍ بَعْدَ مُوضِحَتِهِ بِهِ، وَثَالِثٌ بَعْدَ مَوْتِهِ بِهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ سُدُسُ دِيَةِ عَيْنِهِ لِفَقْئِهَا بِشَهَادَتِهِ مَعَ خَمْسَةٍ، وَكَذَا عَلَى الثَّانِي مَعَ خُمُسِ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ لِكَوْنِهَا بِشَهَادَتِهِ مَعَ أَرْبَعَةٍ، وَعَلَى الثَّالِثِ رُبْعُ دِيَةِ النَّفْسِ لِمَوْتِهِ بِشَهَادَتِهِ مَعَ ثَلَاثَةٍ.
وَفِي سُقُوطِ مَا عَلَى الثَّانِي عَنْهُ وَلُزُومِهِ إيَّاهُ قَوْلَانِ.
ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى أَنَّ دُخُولَ دِيَةِ فَقْءِ عَيْنِ رَجُلٍ وَدِيَةِ مُوضِحَتِهِ فِي دِيَةِ قَتْلِهِ خَطَأٌ فِي الْجَمِيعِ بِاعْتِبَارِ اسْتِلْزَامِ دِيَةِ النَّفْسِ دِيَةَ مَا دُونَهَا كُلِّيَّةً فِي أَجْزَائِهَا أَوْ كُلًّا بِهَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحَمَّدٌ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الشُّهُودَ إذَا رَجَعُوا بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ اسْتِيفَائِهِ فَلَا يَسْتَوْفِي.
قُلْت هَذَا وَاضِحٌ بَيِّنٌ مِنْ تَعْلِيلِ قَدْرِ مَا وَجَبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ، قَالَ وَأَمَّا إنْ قُلْنَا إذَا رَجَعُوا حِينَئِذٍ فَيَسْتَوْفِي، وَلَا يَمْنَعُ رُجُوعُهُمْ مِنْ اسْتِيفَائِهِ فَيَصِيرُ الْمَرْجُومُ كَأَنَّهُ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِشَهَادَةِ السِّتَّةِ جَمِيعًا، فَيَكُونُونَ كَمَنْ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ أَوْضَحَهُ وَفَقَأَ عَيْنَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ سِوَى رُبْعِ الدِّيَةِ فَيَكُونُ عَلَيْهِمْ بِالسَّوَاءِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُمْ مَا عَدَاهُ.
قُلْت قَوْلُهُ فَيَكُونُونَ كَمَنْ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ أَوْضَحَهُ وَفَقَأَ عَيْنَهُ وَهْمٌ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَنْ قَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ أَوْضَحَهُ وَفَقَأَ عَيْنَهُ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ بِنَفْسِ شَهَادَتِهِمْ وَرُجُوعُهُمْ لَغْوٌ فَتَأَمَّلْهُ، وَأَيْضًا الْقَوْلُ بِإِمْضَاءِ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ مَنْ رَجَعَ بَعْدَهُ وَقَبْلَ تَنْفِيذِهِ إنَّمَا ثَبَتَ حَيْثُ لَا مُسْتَنَدَ لِلْحُكْمِ إلَّا شَهَادَةُ الرَّاجِعِينَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ إسْنَادُهُ إلَيْهِ حَيْثُ صَحَّ إسْنَادُهُ لِمُقِيمٍ عَلَى شَهَادَتِهِ كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمُكِّنَ مُدَّعٍ رُجُوعًا مِنْ بَيِّنَةٍ: كَيَمِينٍ إنْ أَتَى بِلَطْخٍ

وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمَا عَنْ الرُّجُوعِ.

[منح الجليل]

وَ) إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى شَخْصٍ بِحَقٍّ عِنْدَ حَاكِمٍ وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ فَادَّعَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ رَجَعَتْ عَنْ شَهَادَتِهَا عَلَيْهِ بِهِ وَأَنْكَرَتْهُ الْبَيِّنَةُ وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى رُجُوعِهَا (مُكِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا شَخْصٌ (مُدَّعٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ مُشَدَّدَةً (رُجُوعًا) مِنْ الْبَيِّنَةِ الَّتِي شَهِدَتْ عَلَيْهِ عَنْ شَهَادَتِهَا عَلَيْهِ وَأَنْكَرَتْ الْبَيِّنَةُ الرُّجُوعَ الَّذِي ادَّعَاهُ عَلَيْهَا وَصِلَةُ مُكِّنَ (مِنْ) إقَامَةِ (بَيِّنَةٍ) عَلَى الرُّجُوعِ الَّذِي ادَّعَاهُ، فَإِنْ أَقَامَهَا وَأُعْذِرَ فِيهَا لِلْبَيِّنَةِ وَعَجَزَتْ عَنْ تَجْرِيحِهَا غَرِمَتْ لَهُ مَا غَرِمَهُ بِشَهَادَتِهَا، وَسَوَاءٌ أَتَى الْمُدَّعِي بِلَطْخٍ أَمْ لَا.
وَشَبَّهَ فِي التَّمْكِينِ فَقَالَ (كَيَمِينٍ) مِنْ الْبَيِّنَةِ عَلَى عَدَمِ رُجُوعِهَا عَنْ شَهَادَتِهَا عَلَيْهِ الَّذِي ادَّعَاهُ عَلَيْهَا فَيُمَكَّنُ مِنْ طَلَبِهَا مِنْهَا (إنْ) كَانَ (أَتَى) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ (بِلَطْخٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ قَرِينَةٍ تُقَوِّي دَعْوَاهُ رُجُوعَهَا عَنْهَا كَتَحَدُّثِ النَّاسِ بِرُجُوعِ الْبَيِّنَةِ عَنْ شَهَادَتِهَا، وَإِقَامَتُهُ شَاهِدًا بِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، فَإِنْ حَلَفَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَدَمِ رُجُوعِهَا بَرِئَتْ وَإِنْ نَكَلَتْ حَلَفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلَى رُجُوعِهَا أَوْ غَرَّمَهَا مَا غَرِمَهُ بِشَهَادَتِهَا.
ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ سَحْنُونٍ إذَا ادَّعَى الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا فَأَنْكَرَا فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِلَطْخٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ أَتَى بِلَطْخٍ حَلَفَا وَبَرِئَا، وَإِنْ نَكَلَا حَلَفَ الْمُدَّعِي وَأَغْرَمَهُمَا مَا أَتْلَفَاهُ لَهُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَإِنْ نَكَلَ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِمَا.
وَلَوْ أَقَامَ عَلَيْهِمَا شَاهِدَيْنِ بِإِقْرَارِهِمَا مَعًا بَعْدَ الْحُكْمِ بِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِزُورٍ فَلْيَغْرَمَا مَا شَهِدَا بِهِ وَيَغْرَمَا دِيَةَ النَّفْسِ فِي الْقِصَاصِ وَالرَّجْمِ مَعَ حَدِّ الْقَذْفِ، وَيَغْرَمَا أَرْشَ الْجِرَاحِ، وَلَا يُنْظَرُ لِرُجُوعِهِمَا بَعْدَ الْإِقْرَارِ.

(وَ) إنْ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَنْ شَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَا عَنْ رُجُوعِهِمَا عَنْهَا فَ (لَا يُقْبَلُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (رُجُوعُهُمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ (عَنْ الرُّجُوعِ) لِاتِّهَامِهِمَا بِالنَّدَمِ وَالتَّحَيُّلِ عَلَى إسْقَاطِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى رُجُوعِهِمَا مِنْ الْغُرْمِ وَالْحَدِّ وَنَحْوِهِمَا، وَلِأَنَّهُ كَرُجُوعِ الْمُقِرِّ بِحَقٍّ.
ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَا يُنْظَرُ لِرُجُوعِهِمَا بَعْدَ الْإِقْرَارِ.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَوْ رَجَعَا عَنْ رُجُوعِهِمَا الْمُوجِبِ غُرْمَهُمَا فَلَا يُقَالُ وَيُقْضَى عَلَيْهِمَا بِمَا يُقْضَى بِهِ عَلَى الرَّاجِعِ الْمُتَأَدِّي عَلَى رُجُوعِهِ.

وَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ بِكَذِبِهِمْ، وَحَكَمَ: فَالْقِصَاصُ

وَإِنْ رَجَعَا عَنْ طَلَاقٍ: فَلَا غُرْمَ: كَعَفْوِ الْقِصَاصِ إنْ دَخَلَ، وَإِلَّا فَنِصْفُهُ:

[منح الجليل]

وَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ بِكَذِبِهِمْ) أَيْ الشُّهُودِ فِي شَهَادَتِهِمْ عِنْدَهُ بِقَتْلِ عَمْدٍ وَزِنَا مُحْصَنٍ (وَحَكَمَ) الْحَاكِمُ بِقَتْلِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ رَجْمِهِ (فَالْقِصَاصُ) عَلَى الْحَاكِمِ لَا عَلَى الشُّهُودِ الْكَاذِبِينَ فِي شَهَادَتِهِمْ بِالْقَتْلِ سَوَاءٌ تَعَمَّدُوا الْكَذِبَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ لَا بِشَهَادَتِهِمْ وَإِنْ عَلِمَ الْوَلِيُّ وَالْحَاكِمُ كَذِبَهُمْ اقْتَصَّ مِنْهُمَا، وَسَوَاءٌ بَاشَرَ الْحَاكِمُ الْقَتْلَ أَوْ أَمَرَ بِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَى مَأْمُورِهِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ كَذِبَ الشُّهُودِ وَيَعْلَمْ عِلْمَ الْمَذْكُورِينَ بِكَذِبِهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ لَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ عَلِمَ كَذِبَ الشُّهُودِ فَحَكَمَ بِالْجَوْرِ وَأَرَاقَ هَذَا الدَّمَ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الشُّهُودِ إذَا لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ بِنَفْسِهِ وَأَمَرَ بِهِ مَنْ تَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ، وَلَوْ أَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ عَلِمَ كَذِبَ الشُّهُودِ فِي شَهَادَتِهِمْ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ عَلِمَ ذَلِكَ فَقَتَلَ قَاتِلَ وَلِيِّهِ اُقْتُصَّ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا يُقْتَلُ كَالشُّهُودِ خَيَالٌ فَاسِدٌ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ.

(وَإِنْ رَجَعَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ (عَنْ) شَهَادَتِهِمَا بِ (طَلَاقٍ) بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ (فَلَا غُرْمَ) عَلَيْهِمَا إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا كَمَا يَأْتِي؛ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ كُلَّ الْمَهْرِ بِالدُّخُولِ فَلَمْ يُفْتِيَا عَلَيْهِ إلَّا الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا وَلَا قِيمَةَ لَهُ، وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْغُرْمِ فَقَالَ (كَ) رُجُوعِهِمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا عَلَى مُسْتَحِقِّ الْقِصَاصِ بِ (عَفْوِ) هـ عَنْ (الْقِصَاصِ) بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِسُقُوطِهِ فَلَا يَغْرَمُ الشَّاهِدَانِ شَيْئًا، إذْ لَا قِيمَةَ لِلْقِصَاصِ، وَمَحَلُّ عَدَمِ غُرْمِ الرَّاجِعِينَ عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِالطَّلَاقِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ (إنْ) كَانَ (دَخَلَ) الزَّوْجُ (بِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا (فَنِصْفُهُ) أَيْ الصَّدَاقِ يَغْرَمُهُ الشَّاهِدَانِ الرَّاجِعَانِ لِلزَّوْجِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ كِتَابَيْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ سَحْنُونٍ إنْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِطَلَاقِهِ أَلْبَتَّةَ وَالنِّكَاحُ ثَبَتَ بِغَيْرِ شَهَادَتِهِمَا، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَغْرَمَانِ نِصْفَ الْمَهْرِ.
أَصْبَغُ هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا.
ابْنُ الْمَوَّازِ الصَّوَابُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ أَرْضَى، وَفِيهَا إنْ رَجَعَا بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَعَلَيْهِمَا نِصْفُ الصَّدَاقِ.
عِيَاضٌ كَذَا عِنْدَنَا فِي الْأَصْلِ بَعْضُ الشُّيُوخِ لَمْ يُبَيِّنْ لِمَنْ هَذَا النِّصْفُ، فَحَمَلَهُ أَكْثَرُ الشُّيُوخِ عَلَى

كَرُجُوعِهَا عَنْ دُخُولِ مُطَلَّقَةٍ

وَاخْتَصَّ الرَّاجِعَانِ بِدُخُولٍ عَنْ الطَّلَاقِ

[منح الجليل]

أَنَّ غُرْمَهُ لِلزَّوْجِ، وَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ الْعُشُورِ مِنْ الْأَسْمِعَةِ، وَحَمَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّهُ لِلْمَرْأَةِ لِيَكْمُلَ لَهَا صَدَاقُهَا الَّذِي أَبْطَلَاهُ عَلَيْهَا بِالْفِرَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَ الْمَسْأَلَةَ الْقَرَوِيُّونَ قَالُوا هَذَا مُقْتَضَى النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ غُرْمَهُ لِلزَّوْجِ لَا وَجْهَ لَهُ، إذْ النِّصْفُ عَلَيْهِ مَتَى حَصَلَ الْفِرَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَمْ يَرَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ عَلَيْهِمَا شَيْئًا مِنْ الْمَهْرِ.
وَشَبَّهَ فِي غُرْمِ النِّصْفِ فَقَالَ (كَرُجُوعِهِمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ (عَنْ) شَهَادَتِهِمَا بِ (دُخُولِ) زَوْجَةٍ (مُطَلَّقَةٍ) أَقَرَّ زَوْجُهَا بِطَلَاقِهَا وَأَنْكَرَ دُخُولَهُ بِهَا فَشَهِدَا عَلَيْهِ بِهِ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِغُرْمِ جَمِيعِ الْمَهْرِ ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا فَيَغْرَمَانِ لِلزَّوْجِ نِصْفَهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا غَرِمَ لَهُ رُبْعَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَوْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَةِ الدُّخُولِ فِي مُطَلَّقَةٍ غَرِمَا نِصْفَ الْمَهْرِ هُوَ نَصُّ الْجَلَّابِ، وَلَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ فِي زَوْجَةٍ لَهُ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا فَطَلَّقَهَا بَعْدَهُ وَهُوَ مُقِرٌّ بِنِكَاحِهَا وَطَلَاقِهَا وَمُنْكِرٌ دُخُولَهُ بِهَا ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا غَرِمَا لَهُ نِصْفَ الصَّدَاقِ الَّذِي لَزِمَهُ بِشَهَادَتِهِمَا.

(وَ) إنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِدُخُولٍ وَاثْنَانِ بِطَلَاقٍ عَلَى مَنْ ثَبَتَ نِكَاحُهُ وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ ثُمَّ رَجَعَ الْأَرْبَعَةُ عَمَّا شَهِدُوا بِهِ (اخْتَصَّ) الشَّاهِدَانِ (الرَّاجِعَانِ) عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِدُخُولٍ) عَنْ الرَّاجِعَيْنِ (عَنْ) شَهَادَتِهِمَا بِ (الطَّلَاقِ) بِغُرْمِ نِصْفِ الْمَهْرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ إنَّمَا تَمَّ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِطَلَاقِ مَنْ ثَبَتَ نِكَاحُهَا بِغَيْرِ شَهَادَتِهِمَا وَآخَرَانِ بِأَنَّ الزَّوْجَ دَخَلَ بِهَا وَأَرْخَى السِّتْرَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَعْلَمْ شَاهِدَا الطَّلَاقِ هَلْ كَانَ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ شَاهِدَا الدُّخُولِ بِطَلَاقِهِ ثُمَّ رَجَعَ الْأَرْبَعَةُ فَلَا غُرْمَ عَلَى شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنِ الْمَوَّازِ.
ابْنُ سَحْنُونٍ هَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ خَالَفَ فِيهِ وَأَسْقَطَ غُرْمَهُمَا لِأَنَّهُمَا إنَّمَا أَتْلَفَا مَنَافِعَ بُضْعٍ، وَذَلِكَ لَا يَتَقَوَّمُ، وَمَا غَرِمَهُ الزَّوْجُ مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ وَجَبَ عَلَيْهِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، فَلَوْ رَجَعَ شَاهِدَا الدُّخُولِ غَرِمَا نِصْفَ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ لَوْ اُقْتُصِرَ عَلَى شَهَادَتِهِمَا لَمْ يَلْزَمْ الزَّوْجَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ وَغَرَامَةُ النِّصْفِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ إنَّمَا هِيَ بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ بِالْبِنَاءِ، فَإِذَا رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا غَرِمَا هَذَا النِّصْفَ بِالسَّوَاءِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا

وَرَجَعَ شَاهِدَا الدُّخُولِ عَلَى الزَّوْجِ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ: إنْ أَنْكَرَ الطَّلَاقَ،

[منح الجليل]

غَرِمَ رُبْعَ الصَّدَاقِ وَقَرَّرَ أَحْمَدُ أَنَّ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ يَغْرَمَانِ لِلزَّوْجِ جَمِيعَ الْمَهْرِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ وَتَبِعَهُ الْخَرَشِيُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ بِالْعَقْدِ شَيْئًا.
طفى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ لَا يَغْرَمَانِ شَيْئًا مِنْ الصَّدَاقِ لَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ عَلَيْهِمَا نِصْفُ الصَّدَاقِ بِرُجُوعِهِمَا عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ بِالْعَقْدِ شَيْئًا مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنِ الْمَوَّازِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مَلَكَتْ بِالْعَقْدِ الْجَمِيعَ أَوْ النِّصْفَ، ثُمَّ قَالَ وَبِمَا ذُكِرَ تَعْلَمُ التَّنَافِيَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالْعُذْرُ لَهُ أَنَّهُ دَرَجَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوَّلًا فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا فَنِصْفُهُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَدَرَجَ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَمَنْ مَعَهُ لَمَّا رَأَى أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَلَيْهِ فَلَمْ تُمْكِنْهُ مُخَالَفَتُهُ عَلَى أَنَّ كَلَامَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيهِ مَجَالٌ لِلشُّيُوخِ، ثُمَّ قَالَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّفْرِيعَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَقْتَضِي أَنَّ عَلَى شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ نِصْفُ الصَّدَاقِ وَعَلَى شَاهِدَيْ الدُّخُولِ نِصْفُهُ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ اخْتَصَّ الرَّاجِعَانِ بِدُخُولٍ بِغُرْمِ الصَّدَاقِ لَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ.
الْبُنَانِيُّ لَوْلَا تَفْرِيعُ الْمَازِرِيِّ مَا هُنَا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَمَنْ مَعَهُ لَقُلْنَا لَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَلَامَيْ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ مَا هُنَا بِمَنْزِلَةِ رُجُوعٍ عَنْ طَلَاقِ مَدْخُولٍ بِهَا لِوُجُودِ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ اهـ. أَقُولُ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الرُّجُوعَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ غَيْرِ الرَّاجِعِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

(وَ) إنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى مَنْ ثَبَتَ نِكَاحُهُ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ وَآخَرَانِ بِدُخُولِهِ بِهَا وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الْمَهْرِ ثُمَّ رَجَعَ الْأَرْبَعَةُ عَنْ شَهَادَتِهِمْ وَغَرِمَ الرَّاجِعَانِ عَنْ شَهَادَةِ الدُّخُولِ نِصْفَ الْمَهْرِ لِلزَّوْجِ ثُمَّ مَاتَتْ الزَّوْجَةُ (رَجَعَ شَاهِدَا الدُّخُولِ عَلَى الزَّوْجِ) بِنِصْفِ الصَّدَاقِ الَّذِي غَرِمَاهُ لَهُ بِرُجُوعِهِمَا (بِ) سَبَبِ (مَوْتِ الزَّوْجَةِ إنْ أَنْكَرَ) الزَّوْجُ (الطَّلَاقَ) أَيْ اسْتَمَرَّ عَلَى إنْكَارِهِ لِاسْتِلْزَامِهِ وُجُوبَ جَمِيعِ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ بِمَوْتِهَا، فَقَدْ كَشَفَ الْغَيْبُ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا لَمْ تُتْلِفْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الصَّدَاقِ.

وَرَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهِمَا بِمَا فَوَّتَاهُ مِنْ إرْثٍ، دُونَ مَا غَرِمَ وَرَجَعَتْ عَلَيْهِمَا بِمَا فَوَّتَاهُ مِنْ إرْثٍ وَصَدَاقٍ

وَإِنْ كَانَ

[منح الجليل]

وَرَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهِمَا) أَيْ شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ الرَّاجِعَيْنِ عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِهِ (بِ) عِوَضِ (مَا فَوَّتَاهُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْوَاوِ مُثَقَّلًا، أَيْ شَاهِدَا الطَّلَاقِ الزَّوْجَ (مِنْ إرْثٍ) أَيْ مَا كَانَ يَرِثُهُ مِنْ نِصْفِ تَرِكَةِ الزَّوْجَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فَرْعٌ وَإِرْثٌ أَوْ رُبْعُهَا إنْ كَانَ بَيَانٌ لِمَا (دُونَ مَا غَرِمَ) الزَّوْجُ مِنْ صَدَاقِهَا فَلَا يَرْجِعُ بِهِ لِاعْتِرَافِهِ بِكَمَالِ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ بِمَوْتِهَا لِإِنْكَارِهِ طَلَاقَهَا.
ابْنُ الْحَاجِبِ إنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِالطَّلَاقِ وَاثْنَانِ بِالدُّخُولِ فَالْأَكْثَرُ لَا غَرَامَةَ عَلَى شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ، وَيَرْجِعُ شَاهِدَا الدُّخُولِ عَلَى الزَّوْجِ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ إذَا كَانَ مُنْكِرًا طَلَاقَهَا وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ بِمَا فَوَّتَاهُ مِنْ الْمِيرَاثِ دُونَ مَا غَرِمَ لَهَا، وَتَرْجِعُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِمَا بِمَا فَوَّتَاهَا مِنْ الْمِيرَاثِ وَالصَّدَاقِ.
الْمَازِرِيُّ ابْنُ سَحْنُونٍ لَوْ غَرِمَ شَاهِدَا الْبِنَاءِ لِرُجُوعِهِمَا ثُمَّ مَاتَتْ الزَّوْجَةُ رَجَعَا عَلَى الزَّوْجِ بِمَا غَرِمَا لَهُ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ طَلَاقَهَا وَالْبِنَاءَ بِهَا يُوجِبُ أَنَّ مَوْتَهَا فِي عِصْمَتِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ عَلَيْهِ كُلَّ الصَّدَاقِ.
ابْنُ شَاسٍ إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَقُضِيَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ فَرَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَنْ شَهَادَتِهِمَا فَإِنَّهُمَا يَغْرَمَانِ لِلْمَرْأَةِ مَا حَرَمَاهَا مِنْ مِيرَاثِهِ وَمَا أَسْقَطَا مِنْ صَدَاقِهَا، وَلَوْ مَاتَتْ هِيَ لَرَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهِمَا بِمِيرَاثِهِ فَقَطْ لَا بِشَيْءٍ مِمَّا غَرِمَ مِنْ الصَّدَاقِ، وَهَذَا الْجَوَابُ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مُنْكِرَ الطَّلَاقَ الَّذِي شَهِدَا بِهِ.
(وَ) إنْ مَاتَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا وَمُنْكِرَةٌ لِطَلَاقِهَا الَّذِي شَهِدَا بِهِ وَرَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ (رَجَعَتْ) الزَّوْجَةُ عَلَيْهِمَا (بِ) عِوَضِ (مَا فَوَّتَاهَا مِنْ إرْثٍ) مِنْ زَوْجِهَا وَهُوَ رُبْعُ تَرِكَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرْعٌ وَارِثٌ وَثُمُنُهَا إنْ كَانَ لَهُ فَرْعٌ وَارِثٌ (وَ) بِمَا فَوَّتَاهَا مِنْ نِصْفِ (صَدَاقٍ) .

(وَإِنْ كَانَ) أَيْ الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ بِتَجْرِيحٍ أَوْ تَغْلِيطِ شَاهِدَيْنِ بِطَلَاقِ أَمَةٍ بِأَنْ كَانَ رَجُلٌ مُتَزَوِّجًا أَمَةَ غَيْرِهِ وَادَّعَى سَيِّدُهَا طَلَاقَهَا بَائِنًا وَأَنْكَرَهُ زَوْجُهَا فَأَقَامَ سَيِّدُهَا شَاهِدَيْنِ عَلَيْهِ فَأَقَامَ الزَّوْجُ شَاهِدَيْنِ بِتَجْرِيحِهِمَا أَوْ غَلَّطَهُمَا

عَنْ تَجْرِيحٍ أَوْ تَغْلِيطِ شَاهِدَيْ طَلَاقِ أَمَةٍ: غَرِمَا لِلسَّيِّدِ مَا نَقَصَ بِزَوْجِيَّتِهَا

[منح الجليل]

فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِرَدِّ شَهَادَةِ شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ وَبَقَاءِ الْأَمَةِ عَلَى عِصْمَةِ زَوْجِهَا ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ الْأَخِيرَانِ (عَنْ) شَهَادَتِهِمَا بِ (تَجْرِيحِ أَوْ تَغْلِيطِ شَاهِدَيْ طَلَاقِ أَمَةٍ) فَإِنَّهُمَا (يَغْرَمَانِ) أَيْ الشَّاهِدَانِ الرَّاجِعَانِ عَنْ التَّجْرِيحِ أَوْ التَّغْلِيطِ (لِلسَّيِّدِ) لِتِلْكَ الْأَمَةِ (مَا نَقَصَ) مِنْ قِيمَتِهَا (بِ) سَبَبِ (زَوْجِيَّتِهَا) أَيْ كَوْنِهَا زَوْجَةً.
الْبُنَانِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي حَكَمَ بِالطَّلَاقِ أَوَّلًا ثُمَّ نَقَضَهُ، فَهُمَا حُكْمَانِ كَمَا صَوَّرَ بِهِ " ز " تَبَعًا لتت، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِالطَّلَاقِ حَتَّى يَعْذُرَ لِلزَّوْجِ فِي بَيِّنَتِهِ وَيَعْجِزَ عَنْ تَجْرِيحِهَا، وَأَيْضًا مَا الْمَانِعُ مِنْ تَصْوِيرِهَا بِالشَّهَادَةِ بِالتَّجْرِيحِ أَوْ التَّغْلِيطِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ الرُّجُوعُ عَنْهَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِبَقَاءِ زَوْجِيَّتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ابْنُ مَرْزُوقٍ اُنْظُرْ كَيْفِيَّةَ الشَّهَادَةِ بِغَلَطِ شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ شَاسٍ كَصَاحِبِ النَّوَادِرِ وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ ابْنَ الْحَاجِبِ.
الشَّيْخُ أَحْمَدُ بَابَا كَيْفِيَّتُهَا أَنْ يَشْهَدَا أَنَّهُمَا سَمِعَا شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ يُقِرَّانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالْغَلَطِ وَمَاتَا أَوْ غَابَا وَلَمْ يَسْأَلَا وَتَذَكَّرَ هُنَا شَهَادَتَهُمَا عَلَى الْقَاضِي أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ بِكَذَا فَوَهَمَ، وَأَشَارَ بِهَذَا إلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْقَضَاءِ أَوْ غَلَطَ بِبَيِّنَةٍ.
قُلْت أَوْ بِأَنْ يَشْهَدَ الشَّاهِدَانِ الْأَخِيرَانِ بِأَنَّهُمَا حَضَرَا مَجْلِسَ الطَّلَاقِ وَأَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَةً أُخْرَى لَا الْأَمَةَ أَوْ بِأَنَّهُمَا سَمِعَا كَلَامَ الزَّوْجِ مَعَ الْأَمَةِ وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظُ الطَّلَاقِ، وَتَعْتَرِفُ الْبَيِّنَةُ الْأُولَى بِذَلِكَ، وَانْظُرْ مَا سَبَبُ تَقْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ وَمَاتَا أَوْ غَابَا وَلَمْ يَسْأَلَا، وَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَصْوِيرِهِ بِحَيَاتِهِمَا وَحُضُورِهِمَا مُنْكِرِينَ الْإِقْرَارَ الْمَشْهُودَ بِهِ أَوْ مُعْتَرِفِينَ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ لَهُ أَمَةٌ ذَاتُ زَوْجٍ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِطَلَاقِهَا وَالسَّيِّدُ يَدَّعِيه فَقَضَى لَهُ بِطَلَاقِهَا ثُمَّ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِإِسْقَاطِ شَهَادَتِهِمَا بِأَنَّهُمَا زَوَّرَا بِشَهَادَتِهِمَا أَوْ كَانَا غَائِبَيْنِ عَنْ الْبَلَدِ الَّذِي شَهِدَا بِهِ فَأَثْبَت الْقَاضِي النِّكَاحَ وَنَقَضَ حُكْمَهُ بِالْفِرَاقِ، ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ الْأَخِيرَانِ فَعَلَيْهِمَا غُرْمُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا ذَاتَ زَوْجٍ وَقِيمَتِهَا خَالِيَةً مِنْهُ.

وَلَوْ كَانَ بِخُلْعٍ بِثَمَرَةٍ لَمْ تَطِبْ، أَوْ آبِقٍ: فَالْقِيمَةُ حِينَئِذٍ عَلَى الْأَحْسَنِ.

[منح الجليل]

وَلَوْ كَانَ) الرُّجُوعُ عَنْ شَهَادَةٍ عَلَى زَوْجَةٍ (بِخُلْعٍ) مِنْهَا لِزَوْجِهَا (بِثَمَرَةٍ لَمْ تَطِبْ أَوْ) بِرِقِّ (آبِقٍ) بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِصِحَّتِهِ لِاغْتِفَارِ الْغَرَرِ فِيهِ (فَالْقِيمَةُ) لِلثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تَطِبْ وَالْآبِقُ عَلَى غَرَرِهِمَا يَغْرَمُهَا الشَّاهِدَانِ لِلزَّوْجَةِ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ رُجُوعِهِمَا بِلَا تَأْخِيرٍ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَأَكْثَرِ الرُّوَاةِ؛ لِأَنَّهَا (كَالْإِتْلَافِ) لِلثَّمَرَةِ قَبْلَ طِيبِهَا الْمُوجِبِ لِغُرْمِ الْمُتْلِفِ قِيمَتَهَا عَلَى غَرَرِهَا حِينَهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ لَا تَرْجِعُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِمَا بِشَيْءٍ حَتَّى تُجَذَّ الثَّمَرَةُ وَيَقْبِضَهَا الزَّوْجُ فَيَغْرَمَ الشَّاهِدَانِ قِيمَتَهَا حِينَئِذٍ لِلزَّوْجَةِ، وَلَا يَغْرَمَانِ لَهَا قِيمَةَ الْآبِقِ إلَّا بَعْدَ وِجْدَانِهِ وَقَبْضِهِ وَوَضَحَ قَوْلُهُ فَالْقِيمَةُ حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ (بِلَا تَأْخِيرٍ) لِتَقْوِيمِ الثَّمَرَةِ وَالْآبِقِ (لِلْحُصُولِ) أَيْ طِيبِ الثَّمَرَةِ وَقَبْضِ الْآبِقِ (فَيَغْرَمَ) بِالنَّصْبِ فِي جَوَابِ النَّفْيِ الشَّاهِدَانِ (الْقِيمَةَ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ الْحُصُولِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ (عَلَى الْأَحْسَنِ) عِنْدَ رَاشِدٍ شَارِحِ ابْنِ الْحَاجِبِ، قَالَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَقْيَسُ.
ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ رَجَعَا عَنْ الْخُلْعِ بِثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا، فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَغْرَمَانِ قِيمَتَهَا عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ كَمَنْ أَتْلَفَهَا، وَفِي الْآبِقِ يَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُؤَخَّرُ الْجَمِيعُ إلَى الْحُصُولِ فَيَغْرَمَانِ مَا يَحْصُلُ، وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إنْ شَهِدَا عَلَى أَنَّهُ خَالَعَهَا بِثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا ثُمَّ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَأَقَرَّا بِالزُّورِ فَلْيَغْرَمَا لَهَا قِيمَةَ الثَّمَرَةِ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ بَلْ يَغْرَمَانِ لَهَا قِيمَتَهَا يَوْمَ يَأْخُذُهَا الزَّوْجُ وَيَقْبِضُهَا، وَكَذَلِكَ إنْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ آبِقٍ أَوْ بَعِيرٍ شَارِدٍ أَوْ جَنِينٍ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ثُمَّ رَجَعَا فَلَا يَلْزَمُهُمَا غُرْمٌ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْجَنِينِ وَقَبْضِهِ، وَبَعْدَ وُجْدَانِ الْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ وَقَبْضِهِمَا فَيَغْرَمَانِ لَهَا قِيمَةَ ذَلِكَ يَوْمئِذٍ إلَى هَذَا رَجَعَ مُحَمَّدٌ وَلِعَبْدِ الْمَلِكِ قَوْلٌ تَرَكْته، وَعَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ إنْ ظَهَرَ مَوْتُ الْآبِقِ أَوْ الشَّارِدِ قَبْلَ الْخُلْعِ رَدَّتْ الزَّوْجَةُ الْقِيمَةَ لِلشَّاهِدَيْنِ وَإِنْ ظَهَرَ مَعِيبًا رَدَّتْ لَهُمَا مَا زَادَتْهُ قِيمَتُهُ سَلِيمًا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ.
" غ " الْقِيمَةُ الْأُولَى حِينَ الرُّجُوعِ وَهِيَ مُثْبَتَةٌ، وَالْقِيمَةُ الثَّانِيَةُ حِينَ الْحُصُولِ وَهِيَ مَنْفِيَّةٌ فَلَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى

وَإِنْ كَانَ بِعِتْقٍ غَرِمَا قِيمَتَهُ، وَوَلَاؤُهُ لَهُ، وَهَلْ إنْ كَانَ لِأَجَلٍ يَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ وَالْمَنْفَعَةُ إلَيْهِ لَهُمَا، أَوْ تَسْقُطُ مِنْهَا الْمَنْفَعَةُ،

[منح الجليل]

مَوْضِعٍ وَلَا عَلَى حُكْمٍ فَلَا تَكْرَارَ وَلَا إعَادَةَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فَيَغْرَمَ بِالنَّصْبِ جَوَابًا لِلنَّفْيِ وَعُطِفَ الْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ عَلَى الصَّرِيحِ وَالْأَحْسَنِيَّةُ ذَكَرَهَا ابْنُ رَاشِدٍ الْقَفْصِيُّ فَقَالَ وَقَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَقْيَسُ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الْغُرْمُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الْمُخَالِعُ بِهِ يَوْمَ الْخُلْعِ كَالْإِتْلَافِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ كَانَ تَالِفًا يَوْمئِذٍ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْبَيْعِ.
وَأَمَّا فِي الْإِتْلَافِ فَلَا.
اهـ. وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَإِنْ كَانَ) الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ (بِعِتْقٍ) لِرَقِيقٍ عَلَى سَيِّدِهِ الْمُنْكِرِ لَهُ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِهِ (غَرِمَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ (قِيمَتَهُ) أَيْ الرَّقِيقِ يَوْمَ الْحُكْمِ بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَ الْإِفَاتَةِ فِيهَا إنْ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِالْعِتْقِ الَّذِي شَهِدَا بِهِ ضَمِنَا قِيمَةَ الْمُعْتَقِ (وَوَلَاؤُهُ) أَيْ الْمُعْتَقِ بِالْفَتْحِ (لَهُ) أَيْ السَّيِّدِ لِاعْتِرَافِهِمَا لَهُ بِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ مُقِيمًا عَلَى الْجَحْدِ فَلَهُ قِيمَةُ الْعَبْدِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ وَوَلَاؤُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ رَجُلٍ فَوَلَاؤُهُ لِلرَّجُلِ.
الْمَازِرِيُّ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ مُعْتَرِفَانِ بِأَنَّ الْوَلَاءَ لِسَيِّدِهِ لَا لَهُمَا، فَإِذَا مَاتَ الْعَتِيقُ وَلَا وَارِثَ لَهُ مِنْ النَّسَبِ وَرِثَهُ سَيِّدُهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِعِتْقِهِ أَمَةً وَعَلِمَ سَيِّدُهَا بُطْلَانَ الشَّهَادَةِ فَلَهُ وَطْؤُهَا وَلَوْ قَبَضَ قِيمَتَهَا، وَلَا يَجُوزُ لِلْأَمَةِ التَّزَوُّجُ إذَا عَلِمَتْ بُطْلَانَ الشَّهَادَةِ وَإِلَّا جَازَ.
(وَهَلْ إنْ كَانَ) الْعِتْقُ الَّذِي شَهِدَا بِهِ وَرَجَعَا عَنْهَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ (لِأَجَلٍ) كَسَنَةٍ (يَغْرَمَانِ) أَيْ الشَّاهِدَانِ (الْقِيمَةَ) لِسَيِّدِهِ (وَ) تَكُونُ (الْمَنْفَعَةُ) أَيْ غَلَّةُ الرَّقِيقِ مُسْتَمِرَّةً (إلَيْهِ) أَيْ الْأَجَلِ (لَهُمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ يَسْتَوْفِيَانِ مِنْهَا الْقِيمَةَ الَّتِي أَدَّيَاهَا لِلسَّيِّدِ، وَمَا زَادَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ عَنْهَا فَهُوَ لِلسَّيِّدِ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ فِي الْأَجَلِ أَوْ تَمَّ الْأَجَلُ وَلَمْ تُوفِ مَنْفَعَتُهُ بِقِيمَتِهِ فَلَا يَرْجِعَانِ عَلَى السَّيِّدِ بِشَيْءٍ، وَهَلْ يُسَلَّمُ الْعَبْدُ لَهُمَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَا مِنْ غَلَّتِهِ أَوْ يَبْقَى تَحْتَ سَيِّدِهِ وَيَدْفَعَ لَهُمَا غَلَّتَهُ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ كُلَّ جُمُعَةٍ أَوْ كُلَّ شَهْرٍ مَثَلًا قَوْلَانِ.
(أَوْ يُسْقَطَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْقَافِ (مِنْهَا) أَيْ الْقِيمَةِ (الْمَنْفَعَةُ) أَيْ قِيمَتُهَا

أَوْ يُخَيَّرُ فِيهِمَا؟ أَقْوَالٌ.

وَإِنْ كَانَ بِعِتْقِ تَدْبِيرٍ:

[منح الجليل]

عَلَى غَرَرِهَا وَتَبْقَى الْمَنْفَعَةُ لِلسَّيِّدِ إلَى الْأَجَلِ (أَوْ يُخَيَّرُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ مُثَقَّلًا لِلسَّيِّدِ (فِيهِمَا) أَيْ إسْلَامِ الْعَبْدِ لِلشَّاهِدَيْنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَا الْقِيمَةَ مِنْهَا وَإِسْقَاطِ قِيمَتِهَا مِنْ قِيمَةِ الرَّقَبَةِ، فِي الْجَوَابِ (أَقْوَالٌ) الْبُنَانِيُّ جَعَلَ الْأَقْوَالَ ثَلَاثَةً وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: لِعَبْدِ الْمَلِكِ يَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ وَالْمَنْفَعَةَ لِلْأَجَلِ لَهُمَا، لَكِنْ يَبْقَى تَحْتَ يَدِ سَيِّدِهِ وَيُعْطِيهِمَا مِنْ تَحْتِ يَدِهِ.
الثَّانِي: لِسَحْنُونٍ كَالْأَوَّلِ إلَّا أَنَّهُ يُسَلَّمُ إلَيْهِمَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَا مَا غَرِمَاهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ لِسَيِّدِهِ إلَى الْأَجَلِ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يَحْتَمِلُهُمَا قَوْلُهُ وَالْمَنْفَعَةُ لَهُمَا إلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: يَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ بَعْدَ أَنْ تَسْقُطَ مِنْهَا قِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ كَمَا فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ لَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ.
وَلَا قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ كَمَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ.
وَالرَّابِعُ: لِابْنِ الْمَوَّازِ يُخَيَّرُ السَّيِّدُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
شب عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ إنْ اسْتَوْفَيَا مِنْهَا مَا غَرِمَا وَبَقِيَتْ مِنْهَا بَقِيَّةٌ رَجَعَتْ لِلسَّيِّدِ وَإِنْ قَتَلَهُ سَيِّدُهُ رَجَعَا عَلَيْهِ بِبَقِيَّةِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ بِبَقِيَّةِ مَالِهِمَا إنْ زَادَتْ قِيمَةُ بَاقِي الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهَا فَإِنْ مَاتَ قَبْلُ وَتَرَكَ مَالًا أَوْ قُتِلَ وَأَخَذَ سَيِّدُهُ قِيمَتَهُ مِمَّنْ قَتَلَهُ فَإِنَّهُمَا يَأْخُذَانِ مَا بَقِيَ لَهُمَا مِنْ ذَلِكَ.
" ق " مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ إنْ شَهِدَ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ إلَى سِنِينَ فَقَضَى بِهِ ثُمَّ رَجَعَا فَعَلَيْهِمَا لِسَيِّدِهِ قِيمَتُهُ حَالَّةً، وَيَطْلُبَانِ ذَلِكَ فِي خِدْمَتِهِ فَيُؤَجِّرَاهُ أَوْ يَسْتَخْدِمَاهُ، فَإِنْ قَبَضَا مَا أَدَّيَا قَبْلَ الْأَجَلِ رَجَعَ الْعَبْدُ يَخْدُمُ سَيِّدَهُ إلَيْهِ، وَإِنْ تَمَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَتِمَّ مَا أَدَّيَا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا مِمَّا بَقِيَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَغْرَمَانِ قِيمَتَهُ مُسْقِطًا مِنْهَا قِيمَةَ خِدْمَتِهِ لِلْأَجَلِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ قَالَ سَيِّدُهُ بَعْدَمَا أَغْرَمَهُمَا قِيمَتَهُ لَا أُسَلِّمُهُ إلَيْهِمَا وَأَسْتَخْدِمُهُ وَأَدْفَعُ إلَيْهِمَا مَا يَحِلُّ عَلَيَّ مِنْ خِدْمَتِهِ، فَذَلِكَ لَهُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إسْلَامِهِ إلَيْهِمَا لِيَأْخُذَا مِنْ خِدْمَتِهِ مَا أَدَّيَا وَبَيْنَ حَبْسِهِ وَدَفْعِهِ إلَيْهِمَا مَا يَحْصُلُ مِنْ خِدْمَتِهِ إلَى مَبْلَغِ مَا أَدَّيَا.

(وَإِنْ كَانَ) رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِعِتْقِ تَدْبِيرٍ) بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ وَإِضَافَتُهُ لِلْبَيَانِ

فَالْقِيمَةُ، وَاسْتَوْفَيَا مِنْ خِدْمَتِهِ.
فَإِنْ عَتَقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ فَعَلَيْهِمَا، وَهُمَا أَوْلَى، إنْ رَدَّهُ دَيْنٌ، أَوْ بَعْضُهُ: كَالْجِنَايَةِ.

وَإِنْ كَانَ بِكِتَابَةٍ فَالْقِيمَةُ، وَاسْتَوْفَيَا مِنْ نُجُومِهِ، وَإِنْ رُقَّ: فَمِنْ رَقَبَتِهِ

[منح الجليل]

فَالْقِيمَةُ) عَلَيْهَا حَالَّةً (وَاسْتَوْفَيَا) هَا (مِنْ خِدْمَتِهِ) أَيْ الْمُدَبَّرِ لِمَنْعِهِمَا سَيِّدَهُ مِنْ بَيْعِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ وَبَاقِي خِدْمَتِهِ إنْ كَانَ لِسَيِّدِهِ (فَإِنْ عَتَقَ) الْمُدَبَّرُ (بِمَوْتِ سَيِّدِهِ) لِحَمْلِهِ ثُلُثَهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِمَا (فَ) قَدْ فَاتَ (عَلَيْهِمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ مَا بَقِيَ مِنْ قِيمَتِهِ (وَ) إنْ أَبْطَلَ تَدْبِيرَهُ دُيِّنَ عَلَى سَيِّدِهِ فَ (هُمَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ (أَوْلَى) أَيْ أَحَقُّ مِنْ أَرْبَابِ الدَّيْنِ بِاسْتِيفَاءِ قِيمَتِهِ مِنْ رَقَبَتِهِ (إنْ رَدَّهُ) أَيْ الْمُدَبَّرَ إلَى الرِّقِّ (دَيْنٌ) عَلَى سَيِّدِهِ كُلَّهُ (أَوْ) رَدَّ الدَّيْنَ (بَعْضَهُ) لِبُطْلَانِ التَّدْبِيرِ فِي الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ وَرُجُوعِهِ رِقًّا وَقَدْ أَخَذَ سَيِّدُهُ مِنْهُمَا قِيمَتَهُ وَهِيَ دَيْنٌ مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ (كَ) أَرْشِ (الْجِنَايَةِ) مِنْ الْمُدَبَّرِ عَلَى حُرٍّ أَوْ عَبْدِ الَّذِي بَطَلَ تَدْبِيرُهُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ بِدَيْنٍ فَمُسْتَحِقُّهُ مُقَدَّمٌ فِي رَقَبَتِهِ عَلَى رَبِّ دَيْنٍ عَلَى السَّيِّدِ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ مَاتَ سَيِّدُهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِرِقِّهِ بِيعَ لَهُمَا أَيْ الشَّاهِدَيْنِ قَبْلَ الدَّيْنِ كَمَا لَوْ جَنَى جِنَايَةً وَالدَّيْنُ مُحِيطٌ بِهِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْجِنَايَةِ أَوْلَى بِرَقَبَتِهِ وَمِثْلُهُ قَوْلُ ضَيْح، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ وَحَمَلَهُ ثُلُثُهُ خَرَجَ حُرًّا، وَإِنْ رَقَّ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُمَا أَوْلَى بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ رَدَّهُ دَيْنٌ فَهُمَا أَوْلَى مِنْ صَاحِبِ الدَّيْنِ كَأَهْلِ الْجِنَايَةِ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ، قَالَ وَقَوْلُهُ أَوْ بَعْضَهُ يَقْتَضِي أَنَّ رُقْيَةَ بَعْضِهِ تَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّيْنِ كَرِقِّيَّةِ الْكُلِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ السَّيِّدَ إذَا مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا سِوَى الْمُدَبَّرِ عَتَقَ مِنْهُ ثُلُثُهُ وَرَقَّ ثُلُثَاهُ.

(وَإِنْ كَانَ) رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِكِتَابَةٍ) لِرَقِيقٍ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا (فَالْقِيمَةُ) لِلْمَشْهُودِ بِكِتَابَتِهِ يَغْرَمَانِهَا لِسَيِّدِهِ حَالَّةً (وَاسْتَوْفَيَا) هَا، أَيْ الشَّاهِدَانِ الْقِيمَةَ (مِنْ نُجُومِهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ وَبَاقِيهَا لِسَيِّدِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَإِنْ رُقَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ الْمُكَاتَبُ لِعَجْزِهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ نُجُومِهَا (فَ) تُسْتَوْفَى قِيمَتُهُ (مِنْ) ثَمَنِ (رَقَبَتِهِ) وَإِنْ لَمْ يَفِ ثَمَنُهُ بِقِيمَتِهِ ضَاعَ بَاقِيهَا عَلَيْهِمَا.
سَحْنُونٌ إنْ شَهِدَ أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدَهُ فَقُضِيَ عَلَيْهِ بِهَا ثُمَّ رَجَعَا وَأَقَرَّا بِالزُّورِ فَالْحُكْمُ

وَإِنْ كَانَ بِإِيلَادٍ فَالْقِيمَةُ، وَأَخَذَا مِنْ أَرْشِ جِنَايَةٍ عَلَيْهَا، وَفِيمَا اسْتَفَادَتْهُ: قَوْلَانِ

[منح الجليل]

مَاضٍ، وَلْيُؤَدِّيَا قِيمَتَهُ نَاجِزَةً لِلسَّيِّدِ يَوْمَ الْحُكْمِ وَيَتَأَدَّيَاهَا مِنْ الْكِتَابَةِ عَلَى النُّجُومِ، فَإِنْ اقْتَضَيَا مِنْهَا مِثْلَ مَا أَدَّيَا رَجَعَ السَّيِّدُ فَأَخَذَ بَاقِيَ الْكِتَابَةِ مُنَجَّمَةً، فَإِنْ أَدَّاهَا عَتَقَ، وَإِنْ عَجَزَ رَقَّ لَهُ، وَإِنْ عَجَزَ قَبْلَ بَعْضِ الرَّاجِعِينَ مَا أَدَّيَا بِيعَ لِتَمَامِ مَا بَقِيَ لَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَمَامُهُ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا غَيْرُهُ.
ابْنُ الْمَوَّازِ هَذَا قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَبِهِ أَقُولُ، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ". وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تُوقَفُ قِيمَتُهُ بِيَدِ عَدْلٍ وَالسَّيِّدُ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَظْلُومٌ مُنِعَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي عَبْدِهِ دُونَ ثَمَنٍ وَصَلَ إلَيْهِ وَلَا رَاحَةَ لِلشَّاهِدَيْنِ فِي وَقْفِهَا، وَلَعَلَّهَا تَتْلَفُ فَيَغْرَمَانِهَا ثَانِيَةً، وَلَوْ اسْتَحْسَنْتُ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَقُلْتُ كُلَّمَا يَقْبِضُ السَّيِّدُ مِنْ الْمُكَاتَبِ شَيْئًا يَدْفَعُ مِثْلَهُ لِلشَّاهِدَيْنِ مِنْ الْقِيمَةِ الْمَوْقُوفَةِ خِلَافُ ظَاهِرِ جَوَابِ سَحْنُونٍ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا رَجَعَا بِيعَتْ الْكِتَابَةُ بِعَرْضٍ، فَإِنْ شَاءَ السَّيِّدُ أَخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ بِيعَ الْعَرْضُ، فَإِنْ وَفَّى ثَمَنَهُ بِالْقِيمَةِ أَوْ زَادَ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ تَبِعَهُمَا بِتَمَامِ الْقِيمَةِ.
قَالَ عَنْهُ ابْنُ مُيَسِّرٍ فَإِنْ أَبَى السَّيِّدُ بَيْعَ الْكِتَابَةِ فَلَا يَغْرَمُ الشَّاهِدَانِ لَهُ شَيْئًا، فَالْأَقْوَالُ أَرْبَعَةٌ قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ سَحْنُونٍ وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَفِي عَدِّ قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَوْ اسْتَحْسَنْت قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَخْ خَامِسًا نَظَرٌ.

(وَإِنْ كَانَ) رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِاسْتِيلَادٍ) مِنْ السَّيِّدِ لِأَمَتِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ (فَالْقِيمَةُ) يَغْرَمَانِهَا كَامِلَةً عَلَى الْمَشْهُورِ نَاجِزَةً، وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمَا شَيْءٌ مِنْهَا لِبَقَاءِ اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا وَيَسِيرِ خِدْمَتِهَا خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ (وَأَخَذَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ بَدَلَ قِيمَتِهَا (مِنْ أَرْشِ جِنَايَةٍ عَلَيْهَا) أَيْ الْأَمَةِ إنْ اتَّفَقَتْ وَبَاقِيهِ إنْ كَانَ لِلسَّيِّدِ (وَفِي) أَخْذِهَا مِ (مَّا اسْتَفَادَتْهُ) الْأَمَةُ بِعَمَلٍ أَوْ هِبَةٍ مَثَلًا وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَعَدَمُهُ وَيَخْتَصُّ السَّيِّدُ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ (قَوْلَانِ) لَمْ يَطَّلِعْ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِهِمَا.
الْعَدَوِيُّ الرَّاجِحُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَمِنْ كِتَابِهِ إنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَوْلَدَ جَارِيَتَهُ، أَوْ أَنَّهُ

وَإِنْ كَانَ بِعِتْقِهَا: فَلَا غُرْمَ؛

أَوْ بِعِتْقِ مُكَاتَبٍ: فَالْكِتَابَةُ.

[منح الجليل]

أَقَرَّ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِهِ ثُمَّ رَجَعَا فَعَلَيْهِمَا قِيمَتُهَا لَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُمَا وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ يَطَؤُهَا لَهُ وَيَسْتَمْتِعُ بِهَا وَلَا يَبْقَى فِيهَا خِدْمَةٌ، وَلَا يَرْجِعَانِ فِيهَا بِمَا غَرِمَا إلَّا أَنْ تُجْرَحَ أَوْ تُقْتَلَ، وَيُؤْخَذُ لِذَلِكَ أَرْشٌ فَلَهُمَا الرُّجُوعُ فِيهِ بِمِقْدَارِ مَا أَدَّيَا وَالْفَضْلُ لِسَيِّدِهَا.
مُحَمَّدٌ وَلَا يَرْجِعَانِ فِيمَا تُفِيدُهُ مِنْ مَالٍ بِعَمَلٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَهُوَ لِلسَّيِّدِ مَعَ مَا أَخَذَهُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ يَرْجِعَانِ فِي الْأَرْشِ وَفِي كُلِّ مَا أَخَذَتْ.

(وَإِنْ كَانَ) رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِعِتْقِهَا) أَيْ أُمِّ الْوَلَدِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ (فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ، إذْ لَمْ يُفَوِّتَا عَلَيْهِ غَيْرَ الِاسْتِمْتَاعِ وَلَا قِيمَةَ لَهُ، وَيَسِيرُ الْخِدْمَةِ كَذَلِكَ.
مُحَمَّدٌ إنْ شَهِدَا فِي أُمِّ وَلَدِ رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا فَحُكِمَ بِهِ ثُمَّ رَجَعَا فَقَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهَا غَيْرُ وَطْئِهَا وَلَا قِيمَةَ لَهُ كَشَهَادَتِهِمَا أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْمَدْخُولَ بِهَا ثُمَّ رَجَعَا عَنْهَا، ثُمَّ قَالَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ قِيمَتُهَا لِسَيِّدِهَا كَقَتْلِهَا، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَقْوَى وَأَصَحُّ نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ.
ابْنُ عَرَفَةَ إنْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَةٍ بِعِتْقِ أُمِّ وَلَدٍ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ فَفِي غُرْمِهِمَا قِيمَتَهَا وَعَدَمِهِ ثَالِثُهَا قِيمَةٌ مُخَفَّفَةٌ.

(وَإِنْ كَانَ) رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِعِتْقِ مُكَاتَبٍ) بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ (فَالْكِتَابَةُ) أَيْ الْمَالُ الْمُكَاتَبُ بِهِ يَغْرَمَانِهَا مُنَجَّمَةً قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَيْنًا كَانَتْ أَوْ عَرْضًا لَا قِيمَتَهَا، وَإِنْ أَوْهَمَهُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ غَرِمَا قِيمَةَ كِتَابَتِهِ، وَإِنْ كَانَ أَدَّى مِنْهَا شَيْئًا قَبْلَ الْحُكْمِ بِعِتْقِهِ غَرِمَا مَا بَقِيَ مِنْهَا.
سَحْنُونٌ إنْ شَهِدَا لِلْمُكَاتَبِ أَنَّ سَيِّدَهُ قَبَضَ مِنْهُ كِتَابَتَهُ وَأَعْتَقَهُ أَوْ شَهِدَ أَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُ كِتَابَتَهُ وَخَرَجَ حُرًّا فَقَضَى بِهِ ثُمَّ رَجَعَا فَلْيَغْرَمَا لِسَيِّدِهِ مَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ مِمَّا كَانَ عَلَى الْمُكَاتَبِ كَانَ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا.
ابْنُ الْمَوَّازِ يُؤَدِّيَانِهِ عَلَى النُّجُومِ وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ.
الْخَرَشِيُّ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ رُجُوعِهِمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِعِتْقِ مُدَبَّرٍ أَوْ بِتَنْجِيزِ عِتْقِ مُعْتَقٍ لِأَجَلٍ، اُنْظُرْ الْكَبِيرَ لِلْعَدَوِيِّ، حَاصِلُهُ أَنَّهُمَا إذَا رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِعِتْقِ الْمُدَبَّرِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِقِيمَتِهِ عَلَى أَنَّهُ مُدَبَّرٌ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَاهُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أَمَةً لَكَانَ لَهُ وَطْؤُهَا وَيُقْضَى بِهِمَا دَيْنُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَوْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِتَنْجِيزِ عِتْقِ الْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ، فَإِنَّهُمَا يَغْرَمَانِ قِيمَةَ رَقَبَتِهِ

وَإِنْ كَانَ بِبُنُوَّةٍ، فَلَا غُرْمَ، إلَّا بَعْدَ أَخْذِ الْمَالِ بِإِرْثٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا: فَقِيمَتُهُ أَوَّلًا، ثُمَّ إنْ مَاتَ وَتَرَكَ آخَرَ: فَالْقِيمَةُ لِلْآخَرِ، وَغَرِمَا لَهُ نِصْفَ الْبَاقِي، وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ: أُخِذَ مِنْ كُلٍّ النِّصْفُ،

[منح الجليل]

عَلَى أَنَّهُ مُعْتَقٌ لِأَجَلٍ، وَلَوْ كَانَ إلَى مَوْتِ فُلَانٍ غَرِمَا قِيمَتَهُ إلَى أَقْصَى عُمُرَيْ الْعَبْدِ، وَاَلَّذِي أَعْتَقَ إلَى مَوْتِهِ.

(وَإِنْ كَانَ) رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِبُنُوَّةٍ) لِشَخْصٍ ادَّعَاهَا وَأَنْكَرَهَا أَبُوهُ فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِهَا ثُمَّ رَجَعَا عَنْهَا (فَلَا غُرْمَ) عَلَيْهِمَا فِي الْحَالِ إذْ لَمْ يُتْلِفَا عَلَى الْأَبِ مَالًا (إلَّا بَعْدَ) مَوْتِ الْأَبِ وَ (أَخَذَا) لِوَلَدِ الْمَشْهُودِ لَهُ لِ (لِمَالِ) الَّذِي تَرَكَهُ الْأَبُ (بِإِرْثٍ) عَنْهُ وَلِلْأَبِ وَرَثَةٌ حَجَبَهُمْ الِابْنُ الْمَشْهُودُ لَهُ كَإِخْوَةٍ أَوْ شَارَكَهُمْ كَأَوْلَادٍ فَيَغْرَمَانِ عِوَضَ مَا أَخَذَهُ الِابْنُ الْمَشْهُودُ لَهُ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ وَارِثٌ غَيْرُ الِابْنِ الْمَشْهُودِ لَهُ فَإِنَّهُمَا يَغْرَمَانِ عِوَضَ جَمِيعِ التَّرِكَةِ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بِإِرْثٍ عَمَّا أَخَذَهُ الِابْنُ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى أَبِيهِ فَلَا يَغْرَمُ الشَّاهِدَانِ عِوَضَهُ وَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْمَشْهُودُ بِبُنُوَّتِهِ (عَبْدًا) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالْأُبُوَّةِ (فَقِيمَتُهُ) أَيْ الْعَبْدِ يَغْرَمُهَا الشَّاهِدَانِ (أَوَّلًا) بِفَتْحِ الْوَاوِ مُشَدَّدًا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
(ثُمَّ إنْ مَاتَ) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ (وَتَرَكَ) ابْنًا (آخَرَ) بِمَدِّ الْهَمْزِ وَفَتْحِ الْخَاءِ ثَابِتًا نَسَبُهُ (فَالْقِيمَةُ) الَّتِي أَخَذَهَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ (لِ) لِابْنِ اَ (لِآخَرَ) الثَّابِتِ نَسَبُهُ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا الْمَشْهُودُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَا حَقَّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِيهَا وَأَخْذُهَا مِنْ الشَّاهِدَيْنِ ظُلْمٌ وَتُقَسَّمُ التَّرِكَةُ بَيْنَ الِابْنَيْنِ الثَّابِتِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ (وَغَرِمَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ (لَهُ) أَيْ الِابْنِ الثَّابِتِ نَسَبُهُ (نِصْفَ الْبَاقِي) مِنْ تَرِكَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ مِنْهَا.
(وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ) لِلتَّرِكَةِ عَلَى الْأَبِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (أُخِذَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (مِنْ كُلٍّ) مِنْ الِابْنَيْنِ الثَّابِتِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ (نِصْفُهُ) الَّذِي أُخِذَ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِمَا، وَكَذَا إنْ ظَهَرَ

وَكُمِّلَ بِالْقِيمَةِ؛ وَرَجَعَا عَلَى الْأَوَّلِ بِمَا غَرِمَهُ الْعَبْدُ لِلْغَرِيمِ

[منح الجليل]

دَيْنٌ غَيْرُ مُسْتَغْرِقٍ فَيُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ نِصْفُهُ وَخَصَّ الْمُصَنِّفُ الْمُسْتَغْرِقَ لِقَوْلِهِ وَكُمِّلَ بِالْقِيمَةِ (وَ) إنْ لَمْ يُوَفِّ مَا يُؤْخَذُ بِهِمَا بِالدَّيْنِ الَّذِي ظَهَرَ عَلَى أَبِيهِمَا (كُمِّلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا الدَّيْنُ (بِالْقِيمَةِ) الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا ثَابِتُ النَّسَبِ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْهَا شَيْءٌ عَنْ الدَّيْنِ اخْتَصَّ بِهِ أَيْضًا وَأُخِّرَتْ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ لِلشَّكِّ فِي اسْتِحْقَاقِهَا الْمَيِّتِ (وَرَجَعَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ (عَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ الِابْنِ الثَّابِتِ نَسَبُهُ (بِ) عِوَضِ (مَا غَرِمَهُ الْعَبْدُ) الْمَشْهُودُ بِبُنُوَّتِهِ (لِلْغَرِيمِ) أَيْ صَاحِبِ الدَّيْنِ الَّذِي ظَهَرَ عَلَى الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا غَرِمَاهُ لِلثَّابِتِ لِإِتْلَافِهِ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمَا، فَلَمَّا ظَهَرَ الدَّيْنُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ كَشَفَ أَنَّ تَرِكَتَهُ حَقٌّ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ لَا لِابْنِهِ الثَّابِتِ نَسَبُهُ، وَأَنَّهُمَا لَمْ يُتْلِفَا عَلَيْهِ مَا أَخَذَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْهُ الْغَرِيمُ.
الْبِسَاطِيُّ قَالَ بِمَا غَرِمَهُ لِلْعَبْدِ إلَخْ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ قَدْ لَا يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ فَلَا يَرْجِعَانِ عَلَى الْأَوَّلِ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَلْزَمُ الثَّانِي لِلْغَرِيمِ.
الْحَطّ هَذَا ظَاهِرٌ لَكِنْ الْمُصَنِّفُ فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي دَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ فَلَا يُلَائِمُهُ مَا قَالَهُ، وَإِنَّمَا يُلَائِمُهُ لَوْ قَالَ بِمَا غَرِمَاهُ لَهُ وَيَظْهَرُ لِي إنْ سَاعَدَهُ النَّقْلُ أَنَّ الْغَرِيمَ قَدْ لَا يَجِدُ بِيَدِ الْعَبْدِ إلَّا بَعْضَ مَا أَخَذَهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ بِالْبَاقِي، فَلَا يَرْجِعُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الْأَوَّلِ إلَّا بِقَدْرِ مَا غَرِمَهُ الْعَبْدُ لِلْغَرِيمِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَإِنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَقَرَّ فِي عَبْدِهِ أَنَّهُ ابْنُهُ فَقَضَى بِإِلْحَاقِ نَسَبِهِ بِهِ وَحُرِّيَّتِهِ ثُمَّ رَجَعَا وَالسَّيِّدُ صَحِيحُ الْبَدَنِ، فَالْحُكْمُ بِالنَّسَبِ مَاضٍ، وَعَلَيْهِمَا لِلسَّيِّدِ قِيمَةُ الْعَبْدِ، فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَرَكَ وَلَدًا آخَرَ مَعَ الْمُسْتَلْحَقِ فَلْيَقْسِمَا تَرِكَتَهُ إلَّا قِيمَةَ الْمُسْتَلْحَقِ الَّتِي أَخَذَهَا الْأَبُ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ، فَإِنَّهَا تُعْزَلُ مِنْ التَّرِكَةِ فَتَكُونُ لِلِابْنِ الْأَوَّلِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَلْحَقَ يَقُولُ إنَّ أَبَاهُ ظَلَمَ الشُّهُودَ فِيهَا وَإِنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهُ فِيهَا، وَيَنْظُرُ مَا حَصَلَ لِلْمُسْتَلْحَقِ مِنْ الْمِيرَاثِ فَيَغْرَمُ الشَّاهِدَانِ مِثْلَهُ لِلِابْنِ الْأَوَّلِ عِوَضَ مَا أَتْلَفَاهُ عَلَيْهِ.
مُحَمَّدٌ إنَّمَا جَعَلْنَا الْقِيمَةَ كُلَّهَا لِلِابْنِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّا لَوْ قَسَمْنَاهَا بَيْنَهُمَا لَرَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَلَى الْمُسْتَلْحَقِ بِمَا أَخَذَهُ مِنْهَا فَأَخَذَاهُ مِنْهُ لِاعْتِرَافِهِ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِأَبِيهِ عَلَيْهِمَا لِصِحَّةِ نَسَبِهِ، فَإِذَا أَخَذَا ذَلِكَ مِنْهُ قَامَ عَلَيْهِمَا الِابْنُ الْأَوَّلُ فَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ بِيَدِ الْمُسْتَلْحَقِ لَوَجَبَ لِي الرُّجُوعِ بِمِثْلِهِ عَلَيْكُمَا، إذْ تَغْرَمَانِ لِي كُلَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّكُمَا أَلْحَقْتُمَاهُ

وَإِنْ بِرِقٍّ لِحُرٍّ فَلَا غُرْمَ؛ إلَّا لِكُلِّ مَا اُسْتُعْمِلَ، وَمَالٍ اُنْتُزِعَ، وَلَا يَأْخُذُهُ الْمَشْهُودُ لَهُ، وَوَرِثَ عَنْهُ، وَلَهُ عَطِيَّتُهُ لَا تَزَوُّجٌ

[منح الجليل]

بِأَبِي مُحَمَّدٍ فَلَوْ طَرَأَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ مِائَةُ دِينَارٍ فَلْيَأْخُذْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَلَدَيْنِ نِصْفَهَا، فَإِنْ عَجَزَ ذَلِكَ أَتَمَّ قَضَاءَ ذَلِكَ الدَّيْنِ مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا الِابْنُ الْأَوَّلُ، وَرَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَلَى الِابْنِ الثَّابِتِ فَأَغْرَمَاهُ مِثْلَ الَّذِي غَرِمَهُ الْمُسْتَلْحَقُ لِلْغَرِيمِ.
ابْنُ يُونُسَ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا غَرِمَا لَهُ مِثْلَ مَا أَخَذَ الْمُسْتَلْحَقُ، وَاَلَّذِي أَخَذَهُ الْمُسْتَلْحَقُ قَدْ قَضَى بِهِ الِابْنُ دَيْنَ أَبِيهِ وَلَا مِيرَاثَ لِلِابْنِ الثَّابِتِ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ الدَّيْنِ، وَأَيْضًا فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَأْخُذْ الْمُسْتَلْحَقُ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ يَجِبْ عَلَيْهِمَا غَرِمَ مِثْلَ ذَلِكَ لِلثَّابِتِ، فَلِذَا وَجَبَ لَهُمَا أَنْ يَرْجِعَا بِهِ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ كَانَ) رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِرِقٍّ) أَيْ رُقْيَةٍ (لِ) شَخْصٍ (حُرٍّ) فِي الْوَاقِعِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا (فَلَا غُرْمَ) عَلَيْهِمَا حَالَ رُجُوعِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ الْحُرِّيَّةَ وَلَا قِيمَةَ لَهَا (إلَّا) أَنَّ عَلَيْهِمَا الْغُرْمَ (لِكُلِّ مَا) أَيْ عَمَلٍ (اُسْتُعْمِلَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الْمَشْهُودِ بِرِقِّيَّتِهِ، أَيْ اسْتَعْمَلَهُ فِيهِ الْمَشْهُودُ لَهُ فَيَغْرَمَانِ لَهُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ (وَ) يَغْرَمَانِ لَهُ أَيْضًا عِوَضَ كُلِّ (مَالٍ اُنْتُزِعَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ، أَيْ انْتَزَعَهُ مِنْهُ الْمَشْهُودُ لَهُ (وَلَا يَأْخُذُهُ) أَيْ مَا غَرِمَهُ الشَّاهِدَانِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (الْمَشْهُودُ لَهُ) لِأَنَّهُ يَقُولُ إنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ قَدْ ظَلَمَ الشَّاهِدَيْنِ فِي أَخْذِهِ مِنْهُمَا.
(وَ) إنْ مَاتَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَنْ وَرَثَةٍ (وُرِثَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمَالُ الَّذِي غَرِمَهُ الشَّاهِدَانِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (عَنْهُ) أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ مِنْهُ (وَلَهُ) أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (عَطِيَّتُهُ) أَيْ إعْطَاءُ مَا أَخَذَهُ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ لِشَخْصٍ هِبَةً أَوْ صَدَقَةً وَلَيْسَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ فِيهِ (لَا تَزَوُّجٌ) أَيْ لَيْسَ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِدُونِ إذْنِ الْمَشْهُودِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ فِيهِ تَنْقُصُ بِهِ قِيمَتُهُ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِدُونِ إذْنِهِ فَلَهُ فَسْخُهُ.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ عَبْدُ فُلَانٍ وَهُوَ يَدَّعِي الْحُرِّيَّةَ فَقَضَى بِرِقِّهِ ثُمَّ رَجَعَا فَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِمَا، وَيَغْرَمَانِ لِلْعَبْدِ كُلَّمَا اسْتَعْمَلَهُ سَيِّدُهُ وَخَرَاجَ عَمَلِهِ وَمَا انْتَزَعَهُ مِنْهُ، وَلَيْسَ لِمَنْ قَضَى لَهُ بِمِلْكِهِ

وَإِنْ كَانَ بِمِائَةٍ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو، ثُمَّ قَالَا لِزَيْدٍ: غَرِمَا خَمْسِينَ لِعَمْرٍو فَقَطْ.

[منح الجليل]

أَخْذُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ فَلَا يَرِثُ ذَلِكَ السَّيِّدُ وَيُوقَفُ حَتَّى يَسْتَحِقَّهُ مُسْتَحِقٌّ ثُمَّ يَرِثَهُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَإِنْ أَوْصَى مِنْهُ الْعَبْدُ فَمَا أَوْصَى بِهِ فِي ثُلُثِهِ، وَإِنْ وَهَبَ مِنْهُ أَوْ تَصَدَّقَ جَازَ، وَيَرِثُ بَاقِيَهُ وَرَثَتُهُ إنْ كَانَ لَهُ مَنْ يَرِثُهُ إنْ كَانَ حُرًّا، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ قِيمَتَهُ اهـ. فِي التَّوْضِيحِ يَتَخَرَّجُ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْغَصْبِ أَنَّ مَنْ بَاعَ حُرًّا وَتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ أَنَّ عَلَى الرَّاجِعِينَ دِيَةَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
الْمِسْنَاوِيُّ هَذَا تَخْرِيجٌ ضَعِيفٌ لِضَعْفِ الْقَوْلِ عَنْ الْفِعْلِ وَلِانْضِمَامِ دَعْوَى الْمُدَّعِي لِلشَّهَادَةِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ لَا تَجِبُ دِيَتُهُ عَلَيْهِمَا لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِمَا بِالتَّسَبُّبِ فِي رِقِّيَّتِهِ، بَلْ الْمُدَّعَى مَعَهُمَا.

(وَإِنْ كَانَ) رُجُوعُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا (بِمِائَةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ فَهَمْزٌ مِنْ الدَّنَانِيرِ مَثَلًا (لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو) عَلَى بَكْرٍ (ثُمَّ قَالَ) أَيْ الشَّاهِدَانِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا لَهُمَا عَلَيْهِ الْمِائَةُ (لِزَيْدٍ وَحْدَهُ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مُنْفَرِدًا بِهَا عَنْ عَمْرٍو (غَرِمَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ (خَمْسِينَ) دِينَارًا مَثَلًا (لِلْغَرِيمِ) أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ بَكْرٌ فِي الْمِثَالِ (فَقَطْ) قَيَّدَ فِي خَمْسِينَ، أَيْ لَا أَزْيَدَ مِنْهَا " غ " فِي بَعْضِ النُّسَخِ لِعَمْرٍو مَكَانَ لِلْغَرِيمِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ فَظِيعٌ، وَأَصْلُهَا فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَقَرَّ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ ثُمَّ رَجَعَا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهَا لَهُمَا وَقَالَا إنَّمَا نَشْهَدُ لِأَحَدِهِمَا وَعَيَّنَاهُ رَجَعَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ بِالْمِائَةِ بِخَمْسِينَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لِلْآخَرِ بِكُلِّ الْمِائَةِ لِجَرْحِهِمَا بِرُجُوعِهِمَا وَلَا يَغْرَمَانِ لَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فَقَدْ بَقِيَ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ يَغْرَمَانِ لَهُ خَمْسِينَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا أَخَذَا خَمْسِينَ مِنْ الْمَطْلُوبِ أَعْطَيَاهَا لِمَنْ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ شَهِدَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَرَجَعَا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهِ لَهُمَا وَقَالَا إنَّمَا أَقَرَّ بِهِ لِفُلَانٍ مِنْهُمَا فَهَهُنَا يَغْرَمَانِ لِمَنْ أَقَرَّا لَهُ قِيمَةَ نِصْفِهِ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَاهُ عَلَيْهِ.
هَذَا إنْ أَقَرَّ مَنْ كَانَ الْعَبْدُ بِيَدِهِ أَنَّهُ لِمَنْ شَهِدَا لَهُ خَيْرًا، وَإِنْ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ وَأَنْكَرَ شَهَادَتَهُمَا غَرِمَا نِصْفَ قِيمَتِهِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِلْمُقَرِّ لَهُ آخِرًا إلَّا نِصْفُهُ.

وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا: غَرِمَ نِصْفَ الْحَقِّ كَرَجُلٍ مَعَ نِسَاءٍ، وَهُوَ مَعَهُنَّ فِي الرَّضَاعِ كَاثْنَتَيْنِ:

[منح الجليل]

ابْنُ عَرَفَةَ يَقُومُ مِنْهُ أَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ بِحَالٍ مَا دَامَ فِي الذِّمَّةِ وَأَنَّ التَّعَرُّضَ لَهُ بِغَيْرِ الْوَاجِبِ لَا يُوجِبُ فِيهِ حُكْمًا، وَنَزَلَتْ فِي أَوَائِلِ هَذَا الْقَرْنِ يَعْنِي الثَّامِنَ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا لَهُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ فَعَدَا السُّلْطَانُ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ فَأَخَذَ دَيْنَهُ مِنْ غَرِيمِهِ ثُمَّ تَمَكَّنَ رَبُّ الدَّيْنِ مِنْ طَلَبِ الْمَدِينِ بِدَيْنِهِ فَاحْتَجَّ الْمَدِينُ بِجَبْرِ السُّلْطَانُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ لِرَبِّ الدَّيْنِ، فَأَفْتَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِبَرَاءَةِ الْمَدِينِ وَأَفْتَى غَيْرُهُ بِعَدَمِ بَرَاءَتِهِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ.

(وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ بِحَقٍّ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهِ بِشَهَادَتِهِمَا (غَرِمَ) الرَّاجِعُ (نِصْفَ الْحَقِّ) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَنْ وَافَقَهُ وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الرُّجُوعِ وَلَعَلَّهُ نَبَّهَ عَلَيْهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ يَغْرَمُ الْكُلَّ لِكَوْنِ الرُّجُوعِ عَنْ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْمَشْهُودِ بِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَهِدَ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْحَقِّ، وَشَبَّهَ فِي غُرْمِ نِصْفِ الْحَقِّ فَقَالَ (كَ) رُجُوعِ (رَجُلٍ) شَهِدَ (مَعَ نِسَاءٍ) بِحَقٍّ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ فَعَلَيْهِ النِّصْفُ وَعَلَيْهِنَّ النِّصْفُ إنْ رَجَعْنَ دُونَهُ وَإِنْ كَثُرْنَ لِأَنَّهُنَّ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ.
سَحْنُونٌ لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَثَلَاثُ نِسْوَةٍ ثُمَّ رَجَعَ الرَّجُلُ وَامْرَأَةٌ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْحَقِّ وَحْدَهُ وَلَا تُضَمُّ الْمَرْأَةُ إلَى رَجُلٍ، وَإِنَّمَا تُضَمُّ إلَى مِثْلِهَا، وَاثْنَتَانِ مِنْهُنَّ فَأَكْثَرُ عَدْلُ رَجُلٍ فَلَوْ رَجَعَ الرَّجُلُ وَالنِّسْوَةُ كُلُّهُنَّ لَزِمَ الرَّجُلَ نِصْفُ الْحَقِّ وَالنِّسْوَةَ نِصْفُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَلِابْنِ سَحْنُونٍ عَنْهُ لَوْ رَجَعَ رَجُلٌ وَثَلَاثُ نِسْوَةٍ عَنْ شَهَادَةٍ بِحَقٍّ غَرِمَ الرَّجُلُ نِصْفَهُ وَالنِّسْوَةُ نِصْفَهُ، وَلَوْ رَجَعَ النِّسْوَةُ وَهُنَّ عَشْرٌ وَاحِدَةٌ إلَى ثَمَانِيَةٍ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِنَّ، فَلَوْ رَجَعَ مِنْهُنَّ تِسْعٌ فَعَلَيْهِنَّ رُبْعُ الْمَالِ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوَاءِ، قُلْت لِأَنَّ التِّسْعَ كَامْرَأَةٍ مِنْ امْرَأَتَيْنِ، وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِمَالٍ ثُمَّ رَجَعَتْ الْمَرْأَتَانِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ رُبْعُهُ، وَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ إلَّا وَاحِدَةٌ فَعَلَيْهَا الرُّبْعُ.
(وَهُوَ) أَيْ الرَّجُلُ الشَّاهِدُ (مَعَهُنَّ) أَيْ النِّسَاءِ (فِي الرَّضَاعِ كَاثْنَتَيْنِ) نَحْوُهُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

لِابْنِ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَعَهُنَّ فِيهِ كَامْرَأَةٍ.
الْخَرَشِيُّ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الرَّجُلَ مَعَ النِّسَاءِ كَامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الرَّضَاعِ وَمَا شَابَهَهُ مِمَّا تُقْبَلُ فِيهِ امْرَأَتَانِ، ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا شَهَادَةُ الرَّضَاعِ وَنَحْوُهُ فَهَلْ هُوَ فِيهِ كَامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ فِي الرَّضَاعِ يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَبِامْرَأَتَيْنِ أَوْ كَامْرَأَتَيْنِ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ فَإِذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَعَشْرُ نِسْوَةٍ بِرَضَاعٍ وَرَجَعَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمْ لِبَقَاءِ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِهِ الْحُكْمُ وَهُمَا امْرَأَتَانِ حَيْثُ فَشَا قَوْلُهُمَا قَبْلَ الْعَقْدِ، فَإِنْ رَجَعَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْبَاقِيَتَيْنِ فَنِصْفُ الْغَرَامَةِ عَلَى الرَّجُلِ وَالتِّسْعِ الرَّاجِعِينَ، وَهَلْ يُجْعَلُ كَامْرَأَةٍ أَوْ كَامْرَأَتَيْنِ؟ فِيهِ مَا مَرَّ، فَإِنْ رَجَعَتْ الْمَرْأَةُ الْبَاقِيَةُ فَالْغُرْمُ عَلَى الرَّجُلِ وَعَلَيْهِنَّ، وَهَلْ يُجْعَلُ الرَّجُلُ كَامْرَأَةٍ أَوْ كَامْرَأَتَيْنِ فِيهِ مَا مَرَّ أَيْضًا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ النِّسَاءَ تُضَمُّ لِلرَّجُلِ فِي الْغَرَامَةِ فِي شَهَادَةِ الرَّضَاعِ فِي الْحَالَيْنِ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُقْبَلُ فِيهِ امْرَأَتَانِ كَالرَّضَاعِ وَغَيْرِهِ وَرَجَعُوا، فَعَلَى الرَّجُلِ السُّدُسُ وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ نِصْفُ سُدُسٍ.
قُلْتُ أَرَادَ أَنَّ الشُّهُودَ رَجُلٌ وَعَشْرُ نِسْوَةٍ، كَذَا صَوَّرَهَا ابْنُ شَاسٍ، وَذَكَرَ فِيهَا الْحُكْمَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ.
ابْنُ هَارُونَ جَعَلَ عَلَى الرَّجُلِ ضَعْفَ مَا عَلَى الْمَرْأَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْقِيَاسُ اسْتِوَاءُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْغُرْمِ فِي هَذَا الْفَصْلِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ فِيهِ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، ثُمَّ قَالَ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَمَّا آلَتْ إلَى الْمَالِ حُكِمَ فِي الرُّجُوعِ عَنْهَا بِحُكْمِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ بِالْمَالِ.
قُلْتُ هَذَا التَّوْجِيهُ وَهْمٌ؛ لِأَنَّ رُجُوعَ الرَّجُلِ مَعَ النِّسْوَةِ فِي الْأَمْوَالِ يُوجِبُ عَلَيْهِ غُرْمَ نِصْفِ الْحَقِّ لَا ضِعْفَ مَا يَجِبُ عَلَى امْرَأَةٍ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ، وَعِنْدِي أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ مِنْ إضَافَةِ الْغُرْمِ إلَى عَدَدِ الشُّهُودِ مِنْ حَيْثُ عَدَدُهُمْ لَا عَلَى أَقَلِّ النِّصَابِ مِنْهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَشْهَبَ فِي أَرْبَعَةٍ رَجَعَ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْحَقِّ، خِلَافُ الْمَشْهُورِ أَنَّ عَلَيْهِمْ نِصْفُهُ، ثُمَّ تَعَقَّبَ تَوْجِيهَهُ الْمَذْكُورَ بِقَوْلِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ لَوْ رَجَعُوا إلَّا امْرَأَتَيْنِ فَلَا غُرْمَ، قَالَ فَهَذَا يُقَوِّي مَا قُلْنَاهُ إنَّ الرَّجُلَ فِي هَذَا

وَعَنْ بَعْضِهِ: غَرِمَ نِصْفَ الْبَعْضِ

وَإِنْ رَجَعَ مَنْ يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِعَدَمِهِ: فَلَا غُرْمَ،

[منح الجليل]

الْبَابِ كَالْمَرْأَةِ، فَلِذَا اسْتَقَلَّ الْحُكْمُ بِامْرَأَتَيْنِ وَيُرَدُّ بِأَنَّ بَقَاءَ الْمَرْأَتَيْنِ يُثْبِتُ حُكْمَ الرَّضَاعِ وَكُلُّ مَا ثَبَتَ فَلَا غُرْمَ، فَهَذِهِ الصُّورَةُ الَّتِي نُقِضَ فِيهَا عِلَّةُ الْحُكْمِ مُبَايِنَةٌ لِصُورَةِ النِّزَاعِ فَلَا تُرَدُّ نَقْضًا فَتَأَمَّلْهُ، وَلَمْ أَعْرِفْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَلَقَدْ أَطَالَ الشَّيْخُ وَالصَّقَلِّيُّ فِي هَذَا الْبَابِ، فَذَكَرَا فِيهِ مَسَائِلَ كَثِيرَةً، وَلَمْ يَذْكُرَاهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْغَزَالِيُّ فِي وَجِيزِهِ بِلَفْظِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ، فَإِضَافَةُ ابْنِ شَاسٍ إلَى الْمَذْهَبِ عَلَى عَادَتِهِ فِي ذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا جَارِيَةٌ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ فِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَامٌّ، وَهُوَ إضَافَتُهُ مَا يَظُنُّهُ جَارِيًا عَلَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ إلَى الْمَذْهَبِ، كَأَنَّهُ نَصٌّ فِيهِ وَتَعَقُّبٌ خَاصٌّ، وَهُوَ حَيْثُ الْإِجْرَاءُ غَيْرُ صَحِيحٍ كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا، وَلَمَّا ذَكَرَهَا الْغَزَالِيُّ قَالَ تُنَزَّلُ كُلُّ امْرَأَتَيْنِ مَنْزِلَةَ رَجُلٍ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسْوَةِ فَلَا يَتَوَقَّفُ شَطْرُهُ عَلَى الرَّجُلِ.
قُلْتُ هَذَا التَّوْجِيهُ يَتِمُّ لِقَوْلِهِ فِي كِتَابِ الرَّضَاعِ وَالشَّهَادَةُ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَشَهَادَةُ الرَّجُلِ عِنْدَنَا فِي الرَّضَاعِ كَامْرَأَةٍ قَالَهُ فِي نِكَاحِهَا الثَّانِي.

(وَ) إنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا (عَنْ بَعْضِهِ) أَيْ الْحَقِّ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا (غَرِمَ) الرَّاجِعُ (نِصْفَ الْبَعْضِ) الَّذِي رَجَعَ عَنْ الشَّهَادَةِ بِهِ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ النِّصْفِ غَرِمَ الرُّبْعَ، وَعَنْ الرُّبْعِ غَرِمَ الثُّمْنَ، وَعَنْ الثُّلْثِ غَرِمَ السُّدْسَ.
ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِحَقٍّ بَعْدَ الْحُكْمِ غَرِمَ نِصْفَهُ فَقَطْ وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ.
مُحَمَّدٌ لَوْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ نِصْفِ مَا شَهِدَا بِهِ غَرِمَ الرُّبْعَ، وَإِنْ رَجَعَ عَنْ الثُّلْثِ غَرِمَ السُّدُسَ، وَلَوْ اخْتَلَفَ رُجُوعُهُمَا غَرِمَ كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَ مَا رَجَعَ عَنْهُ.

(وَإِنْ رَجَعَ) عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا (مَنْ يَسْتَقِلُّ) أَيْ يَحْصُلُ وَيَتِمُّ وَيَصِحُّ (الْحُكْمُ بِعَدَمِ) شَهَادَتِهِ لِزِيَادَتِهِ عَنْ النِّصَابِ فِي ذَلِكَ الْبَابِ (فَلَا غُرْمَ) عَلَى الرَّاجِعِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الصِّقِلِّيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ ثَلَاثَةً فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ بَعْدَ الْحُكْمِ فَلَا شَيْءَ

فَإِذَا رَجَعَ غَيْرُهُ، فَالْجَمِيعُ

وَلِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ مُطَالَبَتُهُمَا بِالدَّفْعِ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ وَلِلْمَقْضِيِّ لَهُ ذَلِكَ إذَا تَعَذَّرَ مِنْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ

[منح الجليل]

عَلَيْهِ لِبَقَاءِ مَنْ يَثْبُتُ الْحَقُّ بِهِ، فَإِنْ رَجَعَ ثَانٍ غَرِمَ هُوَ وَالْأَوَّلُ نِصْفَ الْحَقِّ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَغْرَمُ الرَّاجِعُ أَوَّلًا مِنْ الثَّلَاثَةِ ثُلُثَ الْحَقِّ، وَذَكَرَ أَنَّ أَشْهَبَ قَالَهُ فِي أَرْبَعَةٍ شَهِدُوا بِدِرْهَمٍ فَرَجَعَ ثَلَاثَةٌ فَعَلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ.
مُحَمَّدٌ لَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ بِثَلَاثِينَ فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ عَنْ الْجَمِيعِ وَآخَرُ عَنْ عِشْرِينَ وَآخَرُ عَنْ عَشَرَةٍ، فَقَدْ بَقِيَتْ عَشَرَةٌ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا رَجُلَانِ وَاجْتَمَعُوا فِي الرُّجُوعِ عَنْ عَشَرَةٍ فَهِيَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا، وَالْعَشَرَةُ الثَّالِثَةُ رَجَعَ عَنْهَا اثْنَانِ وَأَثْبَتَهَا وَاحِدٌ، فَعَلَى الِاثْنَيْنِ نِصْفُهَا اثْنَانِ وَنِصْفٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَهُمَا الرَّاجِعُ عَنْ الْجَمِيعِ وَالرَّاجِعُ عَنْ عِشْرِينَ.
(فَإِذَا رَجَعَ) عَنْ الشَّهَادَةِ (غَيْرُهُ) أَيْ مَنْ يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِعَدَمِهِ مِمَّنْ لَا يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِعَدَمِهِ (فَالْجَمِيعُ) أَيْ الرَّاجِعُ أَوَّلًا الَّذِي يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِدُونِهِ وَالرَّاجِعُ ثَانِيًا الَّذِي لَا يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِعَدَمِهِ يَشْتَرِكُونَ فِي الْغُرْمِ بِالسَّوِيَّةِ، كَأَنَّهُمْ رَجَعُوا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْ أَرْبَعَةٍ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمَا لِبَقَاءِ النِّصَابِ، فَإِنْ رَجَعَ ثَالِثٌ غَرِمَ مَعَ الِاثْنَيْنِ النِّصْفَ أَثْلَاثًا عَلَى الْمَشْهُورِ.

(وَ) إنْ شَهِدَا عَلَى شَخْصٍ بِمَالٍ وَقُضِيَ بِهِ عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَا بِهِ فَ (لِ) لِشَخْصِ (الْمَقْضِيِّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الْيَاءِ (عَلَيْهِ) بِهِ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي رَجَعَ شَاهِدَاهَا عَنْهَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ وَقَبْلَ غُرْمِهِ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ (مُطَالَبَتُهُمَا) أَيْ الرَّاجِعِينَ (بِالدَّفْعِ لِ) لِشَخْصِ (الْمَقْضِيِّ لَهُ) الْمَالُ الْمَحْكُومُ بِهِ بِشَهَادَتِهِمَا الَّتِي رَجَعَا عَنْهَا إذْ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ لَهُمَا إذَا دَفَعَتْهُ أَنَا رَجَعْتُ عَلَيْكُمَا بِعِوَضِهِ، فَقَرَارُ الْغَرَامَةِ عَلَيْكُمَا فَادْفَعَاهُ أَنْتُمَا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ قَصْرًا لِلْمَسَافَةِ وَتَقْلِيلًا لِلْعَمَلِ (وَلِلْمَقْضِيِّ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ مُطَالَبَةُ الشَّاهِدَيْنِ لَهُ الرَّاجِعَيْنِ عَنْ شَهَادَتِهِمَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِالدَّفْعِ لَهُ (إذَا تَعَذَّرَ) أَخْذُهُ (مِنْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ) قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ لِقَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ إنَّهُ مُقْتَضَى الْفِقْهِ وَلِأَنَّهُمَا غَرِيمَانِ لِغَرِيمِهِ وَغَرِيمُ الْغَرِيمِ غَرِيمٌ، ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَا يَلْزَمُهُمَا الْغُرْمُ لِلْمَشْهُودِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

عَلَيْهِ حَتَّى يَغْرَمَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَيْضًا قَائِلًا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ أَيْنَ نَقَلَهُ إلَّا أَنَّهُ يُقَالُ عَلَى هَذَا إذَا كَانَ الشَّاهِدَانِ فِي هَذَا الْفَرْعِ لَا يَلْزَمُهُمَا الدَّفْعُ إلَّا بَعْدَ غُرْمِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، فَهَذَا مُنَاقِضٌ لِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ مُطَالَبَتُهَا بِالدَّفْعِ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ قَبْلَ غُرْمِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَقْفُهُ عَلَى غُرْمِهِ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْبَتِهِ لَا مَعَ حُضُورِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْبَتِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَوْ حَضَرَ لَأَقَرَّ بِالْحَقِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِهِ، وَإِذَا حَضَرَ وَطَلَبَ غُرْمَهُمَا انْتَفَى هَذَا الِاحْتِمَالُ اهـ. قُلْت جَوَابُ ابْنِ عَرَفَةَ هَذَا يَحْتَاجُ لِنَقْلٍ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ فِي الْجَوَابِ مَنْعُ الْمُنَاقَضَةِ بِأَنَّ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ الطَّلَبُ بِالدَّفْعِ لَا الدَّفْعُ بِالْفِعْلِ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى دَفْعِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمَوَّازِيَّةِ الْآتِي، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ وَابْنِ عَرَفَةَ أَيْضًا بِأَنَّهُ وَهْمٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَنْصُوصِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ إنْ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا وَهَرَبَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ قَبْلَ الْغُرْمِ فَلَيْسَ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ تَغْرِيمُ الرَّاجِعِينَ بِمَا يَغْرَمَانِهِ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ إذَا غَرِمَ مَا شَهِدَا بِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يُنَفَّذُ الْحُكْمُ عَلَيْهِمَا لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَغْرَمَ أَغْرَمَهُمَا كَمَا لَوْ شَهِدَا بِالْحَقِّ مُؤَجَّلًا ثُمَّ رَجَعَا فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا حَتَّى يَحِلَّ الْمُؤَجَّلُ، وَيَغْرَمَ، وَلَهُ طَلَبُ الْحُكْمِ لَهُ عَلَيْهِمَا الْآنَ وَلَا يَغْرَمَانِ الْآنَ.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ طَلَبُ الشَّاهِدَيْنِ بِدَفْعِ الْمَالِ عَنْهُ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُحْكَمُ عَلَى الرَّاجِعِينَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَغْرَمَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ.
وَفِي هَذَا تَعَرُّضٌ لِبَيْعِ دَارِهِ وَإِتْلَافِ مَالِهِ وَاَللَّذَانِ أَوْجَبَا ذَلِكَ عَلَيْهِ قَائِمَانِ أَرَأَيْت لَوْ حَبَسَهُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ أَيُتْرَكُ مَحْبُوسًا وَلَا يَغْرَمُ الشَّاهِدَانِ، بَلْ يُؤْخَذَانِ بِذَلِكَ حَتَّى يُخَلِّصَاهُ، فَإِنْ أَبَيَا حُبِسَا مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ مُطَالَبَتُهُمَا قَبْلَ غُرْمِهِ لِيَغْرَمَاهُ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ وَلِلْمَقْضِيِّ لَهُ ذَلِكَ إذَا تَعَذَّرَ مِنْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُمَا إلَّا بَعْدَ غُرْمِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَضَعَّفَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
قُلْت قَوْلُهُ عَنْ الْمَذْهَبِ وَلِلْمَقْضِيِّ لَهُ ذَلِكَ وَهْمٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَنْصُوصِ، وَلَوْ ذَكَرَهُ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَنْصُوصِ لَأَمْكَنَ كَوْنُهُ قَوْلًا انْفَرَدَ بِمَعْرِفَتِهِ، وَقَوْلُهُ وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُمَا إلَّا بَعْدَ غُرْمِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ إلَخْ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي

وَإِنْ أَمْكَنَ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ: جُمِعَ،

[منح الجليل]

الْمَذْهَبِ وَهُوَ وَهْمٌ وَمَا نَقَلَهُ مِنْ تَضْعِيفِهِ.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ نَقَلَهُ الشَّيْخُ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَإِنْ) تَعَارَضَ بَيِّنَتَانِ بِأَنْ شَهِدَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا يُنَافِي مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى وَ (أَمْكَنَ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ) الْمُتَعَارِضَتَيْنِ (جُمِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ بَيْنَهُمَا وَعُمِلَ بِهِمَا كَالْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ، كَدَعْوَى شَخْصٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ لِفُلَانٍ هَذَا الثَّوْبَ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً، وَدَعْوَى فُلَانٍ أَنَّهُ أَسْلَمَهُ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِالْحُكْمِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِالْأَثْوَابِ الثَّلَاثَةِ وَعَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِالْمِائَتَيْنِ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ حَصَلَ بَيْنَهُمَا سَلَمَانِ حَضَرَتْ كُلُّ بَيِّنَةٍ سَلَمًا وَشَهِدَتْ بِهِ.
الْمُتَيْطِيُّ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَسْلَمَ هَذَا الثَّوْبَ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً وَقَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بَلْ ثَوْبَيْنِ غَيْرَهُ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ كَانَتْ الثَّلَاثَةُ الْأَثْوَابِ فِي الْمِائَتَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ عَلَى غَيْرِ مَا شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْأُخْرَى.
ابْنُ عَبْدُوسٍ هَذَا إنْ كَانَا فِي مَجْلِسَيْنِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَهُوَ تَكَاذُبٌ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ فِي مَجْلِسَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ أَثْبَتَتْ حُكْمًا غَيْرَ مَا أَثْبَتَتْ صَاحِبَتُهَا، وَلَا قَوْلَ لِمَنْ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ غَيْرُهُ وَلَوْ لَمْ يُقِيمَا بَيِّنَةً تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا، وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَ هَذَا الْعَبْدَ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً، وَأَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَهُ ذَلِكَ الْعَبْدَ وَثَوْبًا مَعَهُ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّ الْعَبْدَ وَالثَّوْبَ فِي الْمِائَةِ عَمَلًا بِقَوْلِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ شَهِدَتْ بِالْأَكْثَرِ.
اهـ. وَالْمَسْأَلَتَانِ مَعًا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ يَحْيَى إنْ شَهِدَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ، بِخِلَافِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى مِثْلَ أَنْ تَشْهَدَ إحْدَاهُمَا بِعِتْقٍ وَالثَّانِيَةُ بِطَلَاقٍ، أَوْ إحْدَاهُمَا بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ وَالثَّانِيَةُ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ أُخْرَى وَشِبْهِ هَذَا، فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَةُ الْمِصْرِيِّينَ فِي أَنَّهُ تَهَاتُرٌ وَتَكَاذُبٌ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ يُحْكَمُ فِيهِ بِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ، فَإِنْ تَكَافَأَتَا سَقَطَتَا، وَرَوَى الْمَدَنِيُّونَ أَنَّهُ يُقْضَى بِهِمَا مَعًا إذَا اسْتَوَيَا فِي الْعَدَالَةِ أَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَعْدَلَ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ جَمْعٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا بِأَنَّهُ

وَإِلَّا رُجِّحَ بِسَبَبِ مِلْكٍ كَنَسْجٍ،

[منح الجليل]

طَلَّقَ الْكُبْرَى وَالْأُخْرَى بِأَنَّهُ طَلَّقَ الصُّغْرَى أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَتَقَدَّمَ مِنْ نَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَةُ الْمِصْرِيِّينَ اهـ. " ح " وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَزِمَهُ مَا أَلْزَمَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ صَدَرَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ بِمِثْلِ مَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ.
الثَّانِي: أَنَّ مَا فَرَضَهُ هُوَ وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ تُكَلِّمُهُ بِغَيْرِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى يَتَبَيَّنُ هَذَا بِنَقْلِ الْمَسْأَلَةِ بِلَفْظِهَا، وَهُوَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَوْ أَنَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ شَهِدَ رَجُلَانِ مِنْهُمْ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَشَهِدَ الْآخَرَانِ أَنَّهُ لَمْ يَتَفَوَّهْ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا حَلَفَ بِعِتْقِ غُلَامِهِ فُلَانٍ لَا أَرَى لَهُمْ شَهَادَةً أَجْمَعِينَ فِي طَلَاقٍ وَلَا إعْتَاقٍ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ أَكْذَبَ بَعْضًا، هَذَا الَّذِي سَمِعْنَاهُ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَشْهَدُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فُلَانَةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يُطَلِّقْ امْرَأَتَهُ فُلَانَةَ حَتَّى تَفَرَّقْنَا، وَإِنَّمَا حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فُلَانَةَ الْأُخْرَى، أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ نَشْهَدُ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فُلَانًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا أَعْتَقَ الَّذِي شَهِدْتُمْ لَهُ بِالْإِعْتَاقِ، وَإِنَّمَا أَعْتَقَ فُلَانًا غُلَامًا لَهُ آخَرَ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَبْطُلُ، وَسَقَطَ قَوْلُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي الْإِعْتَاقِ وَالطَّلَاقِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ أَكْذَبَ بَعْضًا، وَشَرَحَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهُ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبُنَانِيُّ وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْجَمْعَ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِ شَهَادَتِهِمَا فِي مَجْلِسَيْنِ، وَبِهِ يَسْقُطُ اعْتِرَاضُ ابْنِ عَرَفَةَ عَلَى عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ الَّتِي هِيَ كَعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ الْمُتَعَارِضَتَيْنِ كَشَهَادَةِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِمِائَةِ دِينَارٍ لِفُلَانٍ يَوْمَ كَذَا، وَشَهَادَةِ أُخْرَى أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (رُجِّحَ) ت بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى (بِ) بَيَانِ (سَبَبِ مِلْكٍ) شَهِدَتْ بِهِ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى الَّتِي شَهِدَتْ بِالْمِلْكِ لِلْخَصْمِ الْآخَرِ، وَلَمْ تُبَيِّنْ سَبَبَهُ فَيُحْكَمُ بِشَهَادَةِ الْأُولَى وَتُلْغَى الثَّانِيَةُ.
وَمَثَّلَ لِلسَّبَبِ بِقَوْلِهِ (كَنَسْجٍ) لِشُقَّةٍ تَنَازَعَ فِيهَا اثْنَانِ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَقَالَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ إنَّ مَنْ شَهِدْت لَهُ نَسْجُهَا فِي التَّوْضِيحِ اُخْتُلِفَ فِي الشَّهَادَةِ بِنَسْجِ الثَّوْبِ هَلْ هِيَ كَالشَّهَادَةِ بِالنَّتَاجِ؟ فَأَجْرَاهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مَجْرَى النَّتَاجِ.

وَنَتَاجٍ إلَّا بِمِلْكٍ مِنْ الْمَقَاسِمِ

[منح الجليل]

وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ أَنَّ بَيِّنَةَ الْمِلْكِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ النَّسْجِ، وَيُقْضَى لِمَنْ شُهِدَ لَهُ بِالنَّسْجِ بِقِيمَةِ عَمَلِهِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَنْسِجْهَا مَجَّانًا.
الْمَازِرِيُّ هَذَا إذَا كَانَ النَّاسِجُ يَنْسِجُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا إنْ انْتَصَبَ لِلنَّاسِ فَلَا تَنْفَعُهُ الشَّهَادَةُ بِالنَّسْجِ.
اهـ. وَكَذَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ قَائِلًا إنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنْ يَنْسِجُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ انْتَصَبَ لِنَسْجِ النَّاسِ بِأَجْرٍ أَوْ لِلْبَيْعِ فَالْبَيِّنَةُ لَهُ بِالنَّسْجِ لَغْوٌ.
اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ لَك مِنْ هَذَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ بِالنَّسْجِ فَقَطْ وَلَمْ تَزِدْ لِنَفْسِهِ، وَكَلَامُهُمْ هَذَا يَدُلُّ لِقَوْلِنَا.
الرَّاجِحُ أَنَّ ذَا السَّبَبِ شَهِدَ بِهِ فَقَطْ.
(وَ) كَ (نَتَاجٍ) أَيْ وِلَادَةٍ لِحَيَوَانٍ مُتَنَازَعٍ فِيهِ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ مِلْكٌ لِفُلَانٍ وُلِدَ عِنْدَهُ وَالْأُخْرَى أَنَّهُ مِلْكٌ لِفُلَانٍ الْآخَرِ، وَلَمْ تَزِدْ عَلَى هَذَا فَتُرَجَّحُ الْأُولَى وَيُقْضَى بِهَا وَتُلْغَى الثَّانِيَةُ (إلَّا) شَهَادَةَ الثَّانِيَةِ (بِمِلْكٍ) لِمَنْ شَهِدَتْ لَهُ (مِنْ الْمَقَاسِمِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ، أَيْ الْغَنَائِمِ بِأَخْذِهَا فِي سَهْمِهِ أَوْ شِرَائِهِمَا مِمَّنْ أَخَذَهَا فِي سَهْمِهِ أَوْ مِنْ الْإِمَامِ فَيُعْمَلُ بِشَهَادَتِهَا وَتُلْغَى الْأُولَى؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ نَاقِلَةٌ، وَالْأُولَى مُسْتَصْحِبَةٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ وُلِدَ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَغَارَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ ثُمَّ غَنِمَ مِنْهُ، لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ لَوْ أَنَّ أَمَةً تَنَازَعَ فِيهَا اثْنَانِ وَلَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا، فَأَتَى أَحَدُهُمَا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا وُلِدَتْ عِنْدَهُ لَا يَعْلَمُونَهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِنَاقِلٍ شَرْعِيٍّ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ لَا يَعْلَمُونَهَا خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِهِ حَتَّى سُرِقَتْ فَتُرَجَّحُ الْأُولَى بِبَيَانِهَا سَبَبَ الْمِلْكِ، وَيُقْضَى لِصَاحِبِ الْوِلَادَةِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ هَذَا إذَا لَمْ تَشْهَدْ لِبَيِّنَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَقَاسِمِ، فَإِنْ شَهِدَتْ بِذَلِكَ فَصَاحِبُ الْمَقَاسِمِ أَحَقُّ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ صَاحِبُ الْوِلَادَةِ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ.
وَفِيهَا ابْنُ الْقَاسِمِ فِي دَابَّةٍ ادَّعَاهَا رَجُلَانِ وَلَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا نَتَجَتْ عِنْدَهُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَقَاسِمِ فَهِيَ لِمَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَقَاسِمِ، بِخِلَافِ مَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ سُوقِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهَا تُغْصَبُ وَتُسْرَقُ وَلَا تُحَازُ عَلَى النَّاتِجِ إلَّا بِأَمْرٍ يَثْبُتُ وَأَمْرُ الْمَغْنَمِ قَدْ اسْتُوقِنَ أَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِحِيَازَةِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ وُجِدَتْ فِي يَدِ مَنْ نَتَجَتْ عِنْدَهُ وَأَقَامَ هَذَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَغَانِمِ أَخَذَهُمَا مِنْهُ أَيْضًا، وَكَانَ أَوْلَى بِهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا اشْتَرَاهَا بِهِ وَيَأْخُذَهَا، وَقَالَهُ سَحْنُونٌ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

غ " قَوْلُهُ وَالْأَرْجَحُ بِسَبَبِ مِلْكٍ كَنَسْجٍ وَنَتَاجٍ، أَيْ إذَا ذَكَرَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ مَعَ الْمِلْكِ سَبَبَهُ مِنْ نَسْجِ ثَوْبٍ وَنَتَاجِ حَيَوَانٍ وَنَحْوَهُمَا، كَنَسْخِ كِتَابٍ وَاصْطِيَادِ وَحْشٍ، وَلَمْ تَذْكُرْ الْأُخْرَى سِوَى مُجَرَّدِ الْمِلْكِ، فَتُرَجَّحُ ذَاكِرَةُ السَّبَبِ عَلَى الَّتِي لَمْ تَذْكُرْهُ، وَبِنَحْوِ هَذَا فَسَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ.
وَفِي التَّوْضِيحِ كَمَا إذَا شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ صَادَهُ أَوْ نَتَجَ عِنْدَهُ وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، وَفِي شَهَادَاتِهَا وَلَوْ أَنَّ أَمَةً تَنَازَعَ فِيهَا اثْنَانِ وَلَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَأَتَى أَحَدُهُمَا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا لَهُ لَا يَعْلَمُونَهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِشَيْءٍ وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ وُلِدَتْ عِنْدَهُ لَا يَعْلَمُونَهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ حَتَّى سُرِقَتْ قُضِيَ بِهَا لِصَاحِبِ الْوِلَادَةِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ قَالَ أَشْهَبُ فِيمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً فِي أَمَةٍ بِيَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا وُلِدَتْ عِنْدَهُ لَا يُقْضَى لَهُ بِهَا حَتَّى يَقُولُوا إنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهَا لَا نَعْلَمُ لِغَيْرِهِ فِيهَا حَقًّا، إذْ قَدْ يُولَدُ فِي يَدِهِ مَا هُوَ لِغَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّهَا لِمَنْ وُلِدَتْ عِنْدَهُ وَهُوَ أَصْوَبُ، وَتُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ أَوْ غَصْبٌ اهـ. وَمِثْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ التُّونُسِيِّ.
طفى قَرَّرَهُ الشَّارِحُ بِمَا فِي التَّوْضِيحِ مِنْ شَهَادَةِ ذَاتِ السَّبَبِ بِهِ فَقَطْ.
وَفِيهَا خِلَافٌ وَالْمُعْتَمَدُ مَا عَلَيْهِ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلتَّوْضِيحِ وَذَكَرَ نَصَّ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ وَقَالَ عَقِبَهُ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَقَرَّهُ، وَلَمَّا نَقَلَ فِي تَوْضِيحِهِ قَوْلَ أَشْهَبَ هَذَا قَالَ وَخَالَفَهُ التُّونُسِيُّ اهـ. وَضَعَّفَ قَوْلَ أَشْهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَظَهَرَ لَك أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا عَلَيْهِ الشَّارِحُ وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا لَقَالَ وَرُجِّحَ بِسَبَبِ مِلْكٍ مَعَهُ، وَمَا أَدْرِي مَا الْحَامِلُ لِابْنِ غَازِيٍّ عَلَى مُخَالَفَةِ الشَّارِحِ مَعَ نَقْلِهِ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ وَمُخَالَفَةِ التُّونُسِيِّ، وَلَا مُسْتَنَدَ لَهُ إلَّا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَدْ عَلِمْت ضَعْفَهُ مِنْ ضَعْفِ مَا انْبَنَى عَلَيْهِ.
وَإِنْ وَافَقَ أَحَدَ التَّأْوِيلَيْنِ فَفِي تَنْبِيهَاتِ عِيَاضٍ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ مَذْهَبِهِ فِي الْكِتَابِ فِي إعْمَالِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْحِيَازَةِ وَعَلَى النَّسْجِ وَعَلَى النَّتَاجِ وَشِبْهِهَا وَإِيجَابُهَا الْمِلْكَ هَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الشَّهَادَةِ بِهَا يُوجِبُ الْمِلْكَ أَوْ حَتَّى يَزِيدُوا أَنَّهَا مِلْكُهُ أَوْ يَحُوزُهَا حِيَازَةَ الْمِلْكِ.
فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا وَأَنَّهُ مُرَادُهُ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَمْ تَتِمَّ شَهَادَتُهُ وَلَا عَارَضَتْ بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ بِالْمِلْكِ، وَعَلَيْهِ تَأَوَّلَهَا ابْنُ مُحْرِزٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَحْنُونٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَقُلْ هَذَا

أَوْ تَارِيخٍ، أَوْ تَقَدُّمِهِ،

[منح الجليل]

ابْنُ الْقَاسِمِ وَالشَّهَادَةُ بِالْوِلَادَةِ أَوْ النَّسْجِ مُغْنِيَةٌ عَنْ ذِكْرِ الْمِلْكِ وَقَائِمَةٌ مَقَامَهُ عِنْدَهُ.
الْبُنَانِيُّ مَا ذَكَرَهُ طفى غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالصَّوَابُ مَا قَالَ لغ، وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ عَلَى أَنَّهُ يُفِيدُ الْخِلَافَ فِي بَيِّنَةِ السَّبَبِ بِمُجَرَّدِهَا تُفِيدُ الْمِلْكَ، فَتُقَدَّمُ عَلَى الْحَوْزِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوَّلًا تُفِيدُهُ فَلَا يُنْزَعُ بِهَا مِنْ يَدِ الْحَائِزِ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَيِّنَةَ السَّبَبِ تُقَدَّمُ عَلَى بَيِّنَةِ الْمِلْكِ كَمَا ادَّعَاهُ طفى تَبَعًا لِلشَّارِحِ وَالتَّوْضِيحِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْحَامِلُ لِابْنِ غَازِيٍّ عَلَى تَقْرِيرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(أَوْ) بَيَانُ (تَارِيخٍ) لِمِلْكِ أَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ مِنْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ الْمُتَعَارِضَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى فَتُرَجَّحُ الْمُؤَرَّخَةُ وَيُحْكَمُ بِالْمُتَنَازَعِ فِيهِ لِمَنْ شَهِدَتْ لَهُ، وَتُلْغَى الَّتِي لَمْ تُؤَرَّخْ.
ابْنُ شَاسٍ إنْ كَانَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ مُطْلَقَةً وَالْأُخْرَى مُؤَرَّخَةً قُدِّمَتْ الْمُؤَرَّخَةُ عَلَى الْمُطْلَقَةِ.
وَحَكَى اللَّخْمِيُّ فِي هَذَا خِلَافًا.
ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي مُجَرَّدِ التَّارِيخِ قَوْلَانِ.
التَّوْضِيحُ الْقَوْلُ بِتَقْدِيمِ الْمُؤَرَّخَةِ لِأَشْهَبَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي شَهَادَةِ الَّتِي لَمْ تُؤَرِّخْ أَنَّ الْحَاكِمَ قَضَى بِالْعَبْدِ لِمَنْ شَهِدَتْ لَهُ، وَالْقَوْلُ بِنَفْيِ التَّقْدِيمِ ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ وَلَمْ يَعْزُوَاهُ.
(أَوْ تَقَدُّمِهِ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْقَافِ وَضَمِّ الدَّالِ مُشَدَّدَةً أَيْ التَّارِيخِ لِمَا شَهِدَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِهِ عَلَى تَارِيخِ مَا شَهِدَ بِهِ الْأُخْرَى بِأَنْ قَالَتْ إحْدَاهُمَا نَشْهَدُ أَنَّهُ مِلْكُ زَيْدٌ مِنْ سَنَةِ خَمْسِينَ وَلَمْ نَعْلَمْ خُرُوجَهُ عَنْهُ إلَى الْآنَ، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى عَلَى أَنَّهُ مِلْكُ عَمْرٍو مِنْ سَنَةِ سِتِّينَ وَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ خُرُوجَهُ عَنْ مِلْكِهِ إلَى الْآنَ، فَيُعْمَلُ بِشَهَادَةِ الْأُولَى وَيُحْكَمُ بِهِ لِزَيْدٍ، وَتُلْغَى شَهَادَةُ الثَّانِيَةِ فِيهَا أَقْضِي بِبَيِّنَةِ أَبْعَدِ التَّارِيخِ إنْ عُدِّلَتْ وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى أَعْدَلَ، وَلَا أُبَالِي بِيَدِ مَنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يَحُوزَهَا الْأَقْرَبُ تَارِيخًا بِالْوَطْءِ وَالْخِدْمَةِ وَالِادِّعَاءِ لَهَا بِمَحْضَرِ الْآخَرِ فَقَدْ أَبْطَلَ دَعْوَاهُ اللَّخْمِيُّ إنْ وُرِّخَتَا قُضِيَ بِالْأَقْدَمِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى أَعْدَلَ وَسَوَاءٌ كَانَ تَحْتَ يَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا أَوْ تَحْتَ يَدِ ثَالِثٍ أَوْ لَا يَدَ عَلَيْهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ إنْ وُرِّخَتْ بَيِّنَتَا الْمُتَدَاعِيَيْنِ قُضِيَ بِأَبْعَدِهِمَا تَارِيخًا.
الْبُنَانِيُّ لَا يُقَالُ كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ حَدِيثَةِ التَّارِيخِ؛ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ شَرْطُ التَّرْجِيحِ بِالنَّقْلِ

وَبِمَزِيدِ عَدَالَةٍ، لَا عَدَدٍ،

[منح الجليل]

تَبْيِينُ سَبَبِهِ كَاشْتِرَائِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ مُوَرِّثِهِ أَوْ الْمَقَاسِمِ، وَهُنَا إنَّمَا شَهِدْنَا بِالْمِلْكِ غَيْرَ أَنَّ إحْدَاهُمَا قَالَتْ مَلَكَهُ مُنْذُ عَامَيْنِ وَالْأُخْرَى قَالَتْ مَلَكَهُ مُنْذُ عَامٍ وَالْأَصْلُ الِاسْتِصْحَابُ.
(وَ) رُجِّحَ (بِزِيَادَةِ عَدَالَةٍ) فِي إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ الْمُتَعَارِضَتَيْنِ الشَّاهِدَتَيْنِ بِمَالٍ أَوْ مَا يَئُولُ إلَيْهِ مِمَّا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ دُونَ غَيْرِهِمَا مِمَّا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ كَعِتْقٍ وَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ وَمُوجِبِ حَدٍّ، فَلَا يُرَجَّحُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بِزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ.
الصِّقِلِّيُّ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ اخْتَلَفَ إذَا كَانَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ أَعْدَلَ، فَهَلْ يَحْلِفُ صَاحِبُ الْأَعْدَلِ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يَحْلِفُ اهـ. وَأَمَّا عَلَى أَنَّهَا كَشَاهِدَيْنِ فَيُرَجَّحُ بِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ سَمَاعِ يَحْيَى عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِنْ أَمْكَنَ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ جُمِعَ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ خَاصًّا بِزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ بَلْ سَائِرُ الْمُرَجِّحَاتِ كَذَلِكَ لَا يُرَجَّحُ بِهَا إلَّا فِي الْأَمْوَالِ وَنَحْوِهَا كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْقَرَافِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ، قَالَ حَكَى الْقَرَافِيُّ أَنَّ مَذْهَبَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِتَرْجِيحِ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا إلَّا فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً (لَا) تُرَجَّحُ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِزِيَادَةِ (عَدَدٍ) عَلَى الْمَشْهُورِ، إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ التَّرْجِيحِ قَطْعُ النِّزَاعِ وَمَزِيدُ الْعَدَالَةِ أَقْوَى فِي قَطْعِهِ مِنْ زِيَادَةِ الْعَدَدِ، إذْ كُلٌّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ تُمْكِنُهُ زِيَادَةُ الْعَدَدِ فِي الشُّهُودِ، بِخِلَافِ زِيَادَةِ الْعَدَالَةِ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَنْ كَانَتْ بِيَدِهِ دُورٌ أَوْ عَبِيدٌ أَوْ عُرُوضٌ أَوْ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ أَوْ غَيْرُهَا فَادَّعَاهَا رَجُلٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَأَقَامَ مِنْ ذَلِكَ بِيَدِهِ بَيِّنَةً فَيُقْضَى بِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَإِنْ تَكَافَأَتَا سَقَطَتَا وَبَقِيَ الشَّيْءُ بِيَدِ حَائِزِهِ وَيَحْلِفُ عِيَاضٌ ثَبَتَ قَوْلُهُ وَيَحْلِفُ عِنْدَ ابْنِ وَضَّاحٍ وَسَقَطَ عِنْدَ غَيْرِهِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي لَغْوِ التَّرْجِيحِ بِالْكَثْرَةِ وَاعْتِبَارِهِ قَوْلُهَا رِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " لَوْ شَهِدَ لِهَذَا شَاهِدَانِ وَلِهَذَا مِائَةٌ وَتَكَافَئُوا فِي الْعَدَالَةِ فَلَا يُرَجَّحُ بِالْكَثْرَةِ.
اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ مَحْمَلُهُ عَلَى الْمُغَايَاةِ وَلَوْ كَثُرُوا حَتَّى حَصَلَ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِمْ لَقَضَى بِهِمْ، وَوَجَّهَ الْقَرَافِيُّ الْمَشْهُورَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقَضَاءِ قَطْعُ النِّزَاعِ وَمَزِيدٌ فِي الْعَدَالَةِ أَشْهَدُ فِي التَّعَذُّرِ

وَبِشَاهِدَيْنِ عَلَى شَاهِدٍ، وَيَمِينٍ، أَوْ امْرَأَتَيْنِ،

[منح الجليل]

مِنْ مَزِيدِ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْخَصْمَيْنِ يُمْكِنُهُ زِيَادَةُ الْعَدَدِ فِي الشُّهُودِ، وَلَا يُمْكِنُهُ مَزِيدُ الْعَدَالَةِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِقَوْلِهِ زِيَادَةُ الْعَدَدِ إنَّمَا هِيَ مُعْتَبَرَةٌ بِقَيْدِ الْعَدَالَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ زِيَادَةَ الْعَدَدِ بِهَذَا الْقَيْدِ سَهْلَةٌ، وَتَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ الْوَصْفَ مَتَى كَانَ أَدْخَلَ تَحْتَ الِانْضِبَاطِ وَأَبْعَدَ عَنْ النَّقْضِ وَالْعَكْسِ كَانَ أَرْجَحَ، وَزِيَادَةُ الْعَدَدِ مُنْضَبِطٌ مَحْسُوسٌ لَا يَتَخَلَّفُ، وَالْعَدَالَةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ قُيُودٍ فَضَبْطُ زِيَادَتِهَا مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُعْتَبَرَ فِي التَّرْجِيحِ.
قُلْت رَدَّهُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ زِيَادَةَ الْعَدَدِ بِهَذَا الْقَيْدِ سَهْلَةٌ، يَرُدُّ بِأَنَّ الْقَرَافِيَّ لَمْ يَتَمَسَّكْ بِأَنَّهَا سَهْلَةٌ، بَلْ بِأَنَّهَا مُمْكِنَةٌ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، وَكَوْنُهَا لَيْسَتْ سَهْلَةً لَا يَمْنَعُ إمْكَانَهَا عَادَةً، وَقَوْلُهُ ضَبْطُ زِيَادَةِ الْعَدَالَةِ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ يُرَدُّ بِمَنْعِ ذَلِكَ، فَإِنَّا نَعْلَمُ ضَرُورَةً فِي شُهُودِ شُيُوخِنَا وَأَمْثَالِنَا مَنْ هُوَ أَعْدَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْهُمْ، وَوَجَّهَهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا قَيَّدَ شَهَادَةَ الزِّنَا بِأَرْبَعَةٍ وَالطَّلَاقَ بِاثْنَيْنِ وَقِبَلَ فِي الْمَالِ الْوَاحِدَ مَعَ الْيَمِينِ دَلَّ عَلَى أَنْ لَا أَثَرَ لِلْعَدَدِ.
قُلْتُ الْأَظْهَرُ فِي التَّرْجِيحِ بِالْأَعْدَلِيَّةِ دُونَ الْكَثْرَةِ أَنَّ مَا بِهِ التَّرْجِيحُ فِي الْأَعْدَلِيَّةِ هُوَ وَصْفٌ حَاصِلٌ فِيمَا وَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ، وَهُمَا الشَّاهِدَانِ اللَّذَانِ يَجِبُ الْإِعْذَارُ فِيهِمَا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَالْكَثْرَةُ وَصْفٌ خَارِجٌ عَمَّا وَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ.
(وَ) رُجِّحَ (بِشَاهِدَيْنِ) لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ (عَلَى شَاهِدٍ) لِلْآخَرِ مُعَارِضٍ لَهُمَا وَلَوْ أَعْدَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ (وَيَمِينٍ) مِنْهُ مَعَ شَاهِدِهِ (أَوْ) عَلَى (شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ) لِلْآخَرِ مُعَارِضَيْنِ لِلشَّاهِدَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] فَجَعَلَ مَرْتَبَتَهُمْ عِنْدَ عَدَمِ الشَّاهِدَيْنِ مَا لَمْ يَكُنْ الشَّاهِدُ الَّذِي مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ أَعْدَلَ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ وَالْأَقْدَمُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ هُوَ وَالْمَرْأَتَانِ، هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَافَقَهُ عَلَيْهِ أَشْهَبُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.
ابْنُ فَرْحُونٍ، يُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ إذَا اسْتَوَوْا فِي الْعَدَالَةِ قَالَهُ أَشْهَبُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُقَدَّمَانِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ يَقْتَضِي أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ أَوَّلًا بِتَقْدِيمِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إلَى عَدَمِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَالْأَظْهَرُ التَّرْجِيحُ وَيُقَدَّمُ شَاهِدٌ

وَبِيَدٍ، إنْ لَمْ تُرَجَّحْ بَيِّنَةُ مُقَابِلِهِ فَيَحْلِفُ

وَبِالْمِلْكِ عَلَى الْحَوْزِ؛ وَبِنَقْلٍ عَلَى مُسْتَصْحِبَةٍ

[منح الجليل]

وَامْرَأَتَانِ عَلَى شَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَلَوْ أَعْدَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ لِلْعَمَلِ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي الْعَمَلِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ خِلَافٌ.
(وَ) رُجِّحَ (بِ) وَضْعِ (يَدٍ) مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْمُتَنَازَعِ فِيهِ (إنْ لَمْ تُرَجَّحْ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَالْجِيمِ (بَيِّنَةُ مُقَابِلِهِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ خَصْمِهِ فَإِنْ رُجِّحَتْ بِتَارِيخٍ أَوْ تَقَدُّمِهِ أَوْ زِيَادَةِ عَدَالَةٍ عُمِلَ بِهَا وَلَمْ يُعْمَلْ بِوَضْعِ الْيَدِ (فَيَحْلِفُ) وَاضِعُ الْيَدِ الَّذِي لَمْ تُرَجَّحْ بَيِّنَةُ مُقَابِلِهِ.
" غ " رُجُوعُ الْحَلِفِ لِلْمَنْطُوقِ أَبْيَنُ مِنْ رُجُوعِهِ لِلْمَفْهُومِ وَإِنْ رَجَّحَهُ الْبِسَاطِيُّ، وَتَبِعَهُ تت لِلْمَفْهُومِ فَقَالَ فَيَحْلِفُ ذُو الْبَيِّنَةِ الرَّاجِحَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.

(وَ) رُجِّحَتْ الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ (بِالْمِلْكِ) أَيْ اسْتِحْقَاقِ التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ بِكُلِّ أَمْرٍ جَائِزٍ فِعْلًا أَوْ حُكْمًا لَا بِنِيَابَةٍ، فَيَدْخُلُ مِلْكُ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ ذَلِكَ حُكْمًا، وَيَخْرُجُ تَصَرُّفُ الْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ وَذِي الْإِمَرَةِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ (عَلَى) الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِ (الْحَوْزِ) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ أَخَصُّ مِنْ الْحَوْزِ وَأَقْوَى مِنْهُ وَلَوْ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْحَوْزِ مُؤَرَّخَةً أَوْ مُتَقَدِّمَتَهُ وَلِعَدَمِ مُعَارَضَةِ بَيِّنَةِ الْحَوْزِ بَيِّنَةَ الْمِلْكِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْحَوْزِ الْمِلْكُ.
(وَ) رُجِّحَ (بِنَقْلٍ) فَتُرَجَّحُ الْبَيِّنَةُ النَّاقِلَةُ كَالشَّاهِدَةِ بِالشِّرَاءِ مِنْ الْخَصْمِ أَوْ مِنْ مُوَرِّثِهِ أَوْ مِنْ الْمَقَاسِمِ (عَلَى) بَيِّنَةٍ (مُسْتَصْحِبَةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ كَالشَّاهِدَةِ بِالْبِنَاءِ أَوْ الِاصْطِيَادِ أَوْ النَّتْجِ أَوْ النَّسْجِ أَوْ الْإِحْيَاءِ أَوْ الْإِرْثِ.
الْبُنَانِيُّ بَقِيَ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ الْأَصَالَةُ فَتُقَدَّمُ عَلَى الْفَرْعِيَّةِ، فَإِذَا شَهِدَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ أَنَّهُ أَوْصَى وَهُوَ صَحِيحُ الْعَقْلِ، وَالْأُخْرَى أَنَّهُ أَوْصَى وَهُوَ مُشَوَّشُ الْعَقْلِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، وَالْغَالِبُ فِي الْفَائِقِ وَمِثْلُهَا بَيِّنَتَا الطَّوْعِ وَالْإِكْرَاهِ وَالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَالرُّشْدِ وَالسَّفَهِ وَالْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْعَدَالَةِ وَالْجُرْحَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالرُّقْيَةِ وَالْكَفَاءَةِ وَعَدَمِهَا وَالْبُلُوغِ وَعَدَمِهِ.
اهـ. قَوْلُهُ وَمِثْلُهَا، أَيْ مَسْأَلَةِ التَّرْجِيحِ لَا بِقَيْدِ الْأَصَالَةِ قَوْلُهُ بَيِّنَتَا الطَّوْعِ وَالْإِكْرَاهِ، أَيْ فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْإِكْرَاهِ عَلَى بَيِّنَةِ الطَّوْعِ، وَكَذَا كُلُّ صُورَةٍ؛ لِأَنَّ مَنْ أَثْبَتَ فَقَدْ زَادَ كَمَا صَحَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ الْحَاجِّ، وَنَقَلَهُ فِي الْمِعْيَارِ،

وَصِحَّةُ الْمِلْكِ بِالتَّصَرُّفِ، وَعَدَمِ مُنَازِعٍ، وَحَوْزٍ طَالَ: كَعَشَرَةِ أَشْهُرٍ،

[منح الجليل]

وَقَوْلُهُ وَالرُّشْدِ وَالسَّفَهِ، أَيْ فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ السَّفَهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمِعْيَارِ عَنْ ابْنِ لُبٍّ، وَكَذَا مُرَادُهُ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْيُسْرِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَكَذَا الْمُجَرِّحَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَصِحَّةُ) الشَّهَادَةِ بِ (الْمِلْكِ) أَيْ اسْتِحْقَاقِ التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ بِكُلِّ مَا يَجُوزُ شَرْعًا فِعْلًا أَوْ قُوَّةً أَصَالَةً، فَيَدْخُلُ مِلْكُ الْمَحْجُورِ، وَيَخْرُجُ اسْتِحْقَاقُ الْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ وَالْحَاكِمِ (بِ) مُعَايَنَةِ (التَّصَرُّفِ) فِي الشَّيْءِ الْمَشْهُودِ بِمِلْكِهِ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ بِهِ تَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ (وَعَدَمِ مُنَازِعٍ) لَهُ فِيهِ (وَ) بِمُعَايَنَةِ (حَوْزٍ) أَيْ اسْتِيلَاءٍ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ بِهِ مَعَ التَّصَرُّفِ الْمَذْكُورِ (طَالَ) زَمَانُهُ (كَعَشَرَةِ أَشْهُرٍ) أَبُو الْحَسَنِ وَأَمَّا الشَّاهِدُ بِمَعْرِفَةِ الْمِلْكِ فَإِنْ عَرَفَ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ جَازَ لَهُ الشَّهَادَةُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ يَعْرِفُهَا قُبِلَ مِنْهُ إطْلَاقُ مَعْرِفَةِ الْمِلْكِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَإِلَّا فَلَا حَتَّى يُفَسِّرَ الْأَشْيَاءَ الْخَمْسَةَ أَنْ يَعْرِفَ الشَّاهِدُ كَوْنَ يَدِ الْمُدَّعِي الْمِلْكَ عَلَى مَا يَدَّعِي وَكَوْنَهُ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ وَنِسْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، وَكَوْنَهُ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ مُنَازِعٌ وَطُولُ مُدَّةِ ذَلِكَ عَامًا فَأَكْثَرَ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَقُومُ مِنْهُ أَنَّ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ طُولُ هَذَا الَّذِي يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ لَا غَيْرُ الْمَازِرِيُّ لَا يُبِيحُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمِلْكِ مُجَرَّدُ مُشَاهَدَتِهِ شَخْصًا ابْتَاعَ سِلْعَةً مِنْ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَبِيعُهَا غَاصِبٌ أَوْ مُودَعٌ أَوْ مُسْتَعِيرٌ أَوْ مُكْتَرٍ أَوْ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الْمِلْكِ بِالْحَوْزِ وَوَضْعِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ مَعَ دَعْوَى الْمِلْكِ وَإِضَافَتَهُ لِنَفْسِهِ وَطُولِ الزَّمَنِ، وَلَا يَظْهَرُ مَنْ يُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ شَهِدَ بِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِفُلَانٍ، فَإِنْ عَوَّلَ عَلَى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأُمُورِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يُضِفْهَا إلَى هَذِهِ الْأُمُورِ فَلَا تُقْبَلُ إلَّا إذَا كَانَ عَارِفًا إلَى هَذَا، أَشَارَ سَحْنُونٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا.
اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ هِلَالٍ وَأَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي لَغْوِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ فِي دَارٍ أَنَّهَا مِلْكٌ لِفُلَانٍ حَتَّى يَقُولَ وَمَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِ وَقَبُولُهَا مُطْلَقًا.
ثَالِثُهَا إنْ كَانَ الشُّهُودُ لَهُمْ نَبَاهَةٌ وَيَقَظَةٌ لِابْنِ سَلْمُونٍ عَنْ ابْنِ مَالِكٍ قَائِلًا

وَأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ، وَتُؤُوِّلَتْ عَلَى الْكَمَالِ فِي الْأَخِيرِ،

[منح الجليل]

شَاهَدْت الْقَضَاءَ بِهِ، وَالثَّانِي لِابْنِ مُطَرِّفٍ، وَالثَّالِثُ لِابْنِ عَاتٍ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ أَنْ تَكُونَ الْحِيَازَةُ وَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ الْمَالِكُ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُ، سَوَاءٌ حَضَرُوا ابْتِدَاءَ دُخُولِهَا فِي يَدِهِ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ تَطُلْ الْحِيَازَةُ فَلَا تُفِيدُ الْمِلْكَ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ غَنِمَهَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَشَبَهِهِ.
الْحَطّ أَيْ شَرْطُ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ أَنْ تَكُونَ لِكَوْنِهِ رَأَى الْمَشْهُودَ لَهُ يَتَصَرَّفُ فِي الشَّيْءِ الْمَشْهُودِ بِهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فِي أَمْلَاكِهِمْ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ.
(وَ) بِذِكْرِهِمْ فِي أَدَاءِ شَهَادَتِهِمْ (أَنَّهُ) أَيْ الْمَشْهُودَ بِمِلْكِهِ (لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ) أَيْ الْمَشْهُودِ لَهُ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ كَبَيْعٍ وَتَبَرُّعٍ (فِي عِلْمِهِمْ) أَيْ الشُّهُودِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الصِّقِلِّيُّ عَنْهَا الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ ادَّعَى عَيْنًا قَائِمَةً مِنْ رَقِيقٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ نَاضٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَأَتَى بِبَيِّنَةٍ عَلَى مِلْكِهِ، فَمِنْ تَمَامِ شَهَادَتِهِمْ أَنْ يَقُولُوا وَمَا عَلِمْنَاهُ بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ وَنَحْوُهُ لِأَبِي سَعِيدٍ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ سَمِعْت مَالِكًا " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " غَيْرَ مَرَّةٍ يَقُولُ فِي الَّذِي يَدَّعِي الْعَبْدَ أَوْ الثَّوْبَ، وَيُقِيمُ بَيِّنَةً أَنَّهُ شَيْؤُهُ لَمْ يَعْلَمْهُ بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ، وَإِذَا شَهِدُوا بِهَذَا مَا اسْتَوْجَبَ مِمَّا ادَّعَاهُ.
(وَتُؤُوِّلَتْ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَالْهَمْزِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مُثَقَّلَةً، أَيْ فُهِمَتْ الْمُدَوَّنَةُ (عَلَى الْكَمَالِ فِي الْأَخِيرِ) أَيْ ذِكْرِ الشُّهُودِ أَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ سَمِعَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ إذَا شَهِدُوا بِالسَّرِقَةِ قَالَ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ مَا عَلِمُوهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ عَلَى الْعِلْمِ.
ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ يَزِيدُونَ ذَلِكَ فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمِلْكِ بِالْبَتِّ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ هِيَ كَمَالُ الشَّهَادَةِ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ الشَّاهِدَ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَزِدْهُ فِي شَهَادَتِهِ بَطَلَتْ وَلَا يُحْكَمُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ الْقَاضِي حَتَّى مَاتَ الشُّهُودُ أَوْ غَابُوا حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمْ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ، إذْ لَا يَصِحُّ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدُ بِمَعْرِفَةِ الْمِلْكِ إلَّا مَعَ غَلَبَةِ الظَّنِّ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الصِّحَّةِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ قَوْلِ الصِّقِلِّيِّ وَابْنِ رُشْدٍ أَنَّ زِيَادَةَ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَاعَ إلَخْ إنَّمَا هُوَ كَمَالٌ فِي الشَّهَادَةِ لَا شَرْطٌ، وَهُوَ نَصُّ قَوْلِهَا فِي الْعَارِيَّةِ،

لَا بِالِاشْتِرَاءِ

وَإِنْ شُهِدَ بِإِقْرَارٍ:

[منح الجليل]

وَكَانَ ابْنُ هَارُونَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ شُيُوخِنَا يَحْمِلُونَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي كَوْنِهَا شَرْطَ إجْزَاءٍ أَوْ كَمَالٍ، لِقَوْلِهَا فِي الشَّهَادَاتِ وَالْعَارِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ عَاتٍ فِي الطُّرَرِ عَنْ ابْنِ سَهْلٍ وَالْأَظْهَرُ عَدَمُ حَمْلِهَا عَلَى الْخِلَافِ، وَأَنَّ مَا فِي الْعَارِيَّةُ تَفْسِيرُ تت، ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا، وَحَمَلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ شَرْطُ صِحَّةٍ فِي وَثِيقَةِ الْمَيِّتِ دُونَ الْحَيِّ بِأَنْ طَلَبَ الْوَرَثَةُ عَنْ مُوَرِّثِهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ الزِّيَادَةِ وَإِلَّا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ فِي مِلْكِ الْحَيِّ تَمَّتْ شَهَادَتُهُمْ.
ابْنُ الْعَطَّارِ وَهُوَ الَّذِي بِهِ الْعَمَلُ.
طفى الْبَعْضُ هُوَ أَبُو الْحَسَنِ وَعَطَفَ عَلَى بِالتَّصَرُّفِ فَقَالَ (لَا بِالِاشْتِرَاءِ) سَحْنُونٌ مَنْ حَضَرَ رَجُلًا اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ السُّوقِ فَلَا يَشْهَدُ أَنَّهَا مِلْكُهُ، فَإِنْ ادَّعَاهَا آخَرُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ وَأَقَامَ هَذَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ السُّوقِ كَانَتْ لِذِي الْمِلْكِ وَقَدْ يَبِيعُهَا مَنْ لَمْ يَمْلِكْهَا.
وَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي دَابَّةٍ ادَّعَاهَا رَجُلَانِ وَلَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا نَتَجَتْ عِنْدَهُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَقَاسِمِ فَهِيَ لِمَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَقَاسِمِ، بِخِلَافِ مَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ سُوقِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تُغْصَبُ وَتُسْرَقُ وَلَا تُحَازُ عَلَى النَّاتِجِ إلَّا بِأَمْرٍ يَثْبُتُ اهـ. " غ " قَوْلُهُ لَا بِالِاشْتِرَاءِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى بِالتَّصَرُّفِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ وَصِحَّةُ الْمِلْكِ بِالتَّصَرُّفِ وَمَا مَعَهُ لَا بِالِاشْتِرَاءِ فَهُوَ إشَارَةٌ لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ.
قَالَ سَحْنُونٌ فِيمَنْ رَأَى رَجُلًا اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ السُّوقِ فَلَا يَشْهَدُ أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَلَوْ أَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ وَأَقَامَ هَذَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ السُّوقِ كَانَتْ لِصَاحِبِ الْمِلْكِ، وَقَدْ يَبِيعُهَا مَنْ لَا يَمْلِكُهَا، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ لَا بِالِاشْتِرَاءِ مِنْهُ لَأَمْكَنَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْخَصْمِ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ شُهُودَ الْمِلْكِ لَا يَحْتَاجُونَ إلَى أَنْ يَقُولُوا أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ خَصْمِهِ، بَلْ يُحْكَمُ بِالِاسْتِصْحَابِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ خَصْمِهِ أَنَّهُ عَادَ إلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ وَمَنْ تَبِعَهُ وَإِنْ لَمْ نَعْرِفْهُ نَصًّا فِي الْمَذْهَبِ، وَيَكُونُ هَذَا مِنْ نَوْعِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ وَإِنْ شَهِدَ بِإِقْرَارٍ اُسْتُصْحِبَ.
اهـ. وَنَقَلَهُ طفى وَأَقَرَّهُ.

(وَإِنْ شُهِدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (بِإِقْرَارٍ) مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ بِأَنَّ الشَّيْءَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ مِلْكٌ

اُسْتُصْحِبَ

وَإِنْ تَعَذَّرَ تَرْجِيحٌ سَقَطَتَا، وَبَقِيَ بِيَدِ حَائِزِهِ، أَوْ لِمَنْ يُقِرُّ لَهُ،

[منح الجليل]

لِخَصْمِهِ (اُسْتُصْحِبَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، حُكْمُ إقْرَارِهِ وَكَفَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ، وَإِنْ لَمْ يَزِيدُوا فِيهَا لَا نَعْلَمُ خُرُوجَهَا عَنْ مِلْكِهِ إلَى الْآنَ إذْ إقْرَارُهُ بِأَنَّهُ لِخَصْمِهِ مُسْقِطٌ لِخُصُومَتِهِ وَمُوجِبٌ لِتَسْلِيمِهِ لَهُ، فَإِنْ ادَّعَى انْتِقَالَهُ لَهُ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ كَبَيْعٍ وَتَبَرُّعٍ فَعَلَيْهِ إثْبَاتُهُ بِبَيِّنَةٍ مُعْتَبَرَةٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ لَوْ شَهِدَتْ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِهِ بِالْأَمْسِ ثَبَتَ الْإِقْرَارُ وَيُسْتَصْحَبُ مُوجَبُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ مَلَكَهُ بِالْأَمْسِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ الشَّاهِدُ هُوَ مَلَكَهُ بِالْأَمْسِ أَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْأَمْسِ، وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِ الْمُدَّعِي بِالْأَمْسِ فَلَا يَأْخُذُهُ بِذَلِكَ، وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ انْتَزَعَهُ مِنْهُ أَوْ غَصَبَهُ أَوْ غَلَبَهُ عَلَيْهِ كَانَتْ الشَّهَادَةُ جَائِزَةً، وَيُجْعَلُ الْمُدَّعِي صَاحِبَ الْيَدِ.
قُلْت أَعْيَانُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَمْ أَعْرِفْهَا نَصًّا لِغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ إلَّا لِمَنْ تَبِعَهُ كَابْنِ الْحَاجِبِ.
وَفِي وَجِيزِ الْغَزَالِيِّ لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْأَمْسِ ثَبَتَ الْإِقْرَارُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّاهِدُ لِلْمِلْكِ فِي الْحَالِ، وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَانَ مِلْكًا لَهُ بِالْأَمْسِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُنْتَزَعُ مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ تَحْقِيقٍ فَيَسْتَصْحِبُ، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ، فَإِنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ تَخْمِينٍ وَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ هُوَ مَلَكَهُ بِالْأَمْسِ اشْتَرَاهُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْأَمْسِ أَوْ أَقَرَّ لَهُ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْأَمْسِ سُمِعَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى تَحْقِيقٍ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ كَانَ بِيَدِ الْمُدَّعِي بِالْأَمْسِ قُبِلَ، وَجُعِلَ الْمُدَّعِي صَاحِبَ يَدٍ.

(وَإِنْ) تَعَارَضَ بَيِّنَتَانِ وَلَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَ (تَعَذَّرَ تَرْجِيحٌ) لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَكَانَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بِيَدِ غَيْرِ الْمُتَنَازِعَيْنِ (سَقَطَتَا) أَيْ الْبَيِّنَتَانِ (وَبَقِيَ) الْمُتَنَازَعُ فِيهِ (بِيَدِ حَائِزِهِ) إنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ لِأَحَدِهِمَا (أَوْ) يَدْفَعَ (لِمَنْ) أَيْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ الَّذِي (يُقِرُّ) الْحَائِزُ أَنَّهُ (لَهُ) الْبُنَانِيُّ حَاصِلُ مَا ذَكَرُوهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بِيَدِ غَيْرِ الْمُتَنَازِعَيْنِ صُوَرٌ ثَمَانِيَةٌ؛ لِأَنَّ حَائِزَهُ تَارَةً يَدَّعِيه لِنَفْسِهِ، وَتَارَةً يُقِرُّ بِهِ لِأَحَدِهِمَا وَتَارَةً لِغَيْرِهِمَا، وَتَارَةً يَسْكُتُ.
وَفِي كُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعِ فَتَارَةً تَقُومُ لِكُلٍّ مِنْ الْمُتَنَازِعَيْنِ بَيِّنَةٌ وَتَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ بِعَدَمِ التَّرْجِيحِ، وَتَارَةً

وَقُسِمَ عَلَى الدَّعْوَى، إنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا، كَالْعَوْلِ

[منح الجليل]

لَا تَقُومُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَهَذِهِ ثَمَانُ صُوَرٍ، فَفِي صُوَرِ الْبَيِّنَةِ إنْ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ وَسَقَطَتْ الْبَيِّنَتَانِ حَلَفَ وَبَقِيَ بِيَدِهِ كَمَا فِي الْمَتْنِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقِيلَ يُنْزَعُ مِنْهُ وَيُقْسَمُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِأَحَدِهِمَا فَهُوَ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِيَمِينِهِ كَمَا فِيهَا أَيْضًا، وَقِيلَ إقْرَارُهُ لَغْوٌ وَيَقْتَسِمَانِهِ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِمَا أَوْ سَكَتَ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا وَهَاتَانِ دَخَلَتَا فِي قَوْلِهِ وَقُسِمَ عَلَى الدَّعْوَى، وَفِي صُوَرِ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ إنْ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ حَلَفَ وَبَقِيَ بِيَدِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِأَحَدِهِمَا اهـ لِغَيْرِهِمَا أَخَذَهُ الْمُقَرُّ لَهُ بِلَا يَمِينٍ وَإِنْ سَكَتَ أَوْ قَالَ لَا أَدْرِي قُسِمَ عَلَى الدَّعْوَى.
(وَقُسِمَ) فَكُسِرَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ (عَلَى) قَدْرِ (الدَّعْوَى) عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ مُنَاصَفَةً (إنْ لَمْ يَكُنْ) الْمُتَنَازَعُ فِيهِ (بِيَدِ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْمُتَنَازِعَيْنِ بِأَنْ كَانَ بِيَدِهِمَا أَوْ بِيَدِ غَيْرِهِمَا وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ لِأَحَدِهِمَا، أَوْ كَانَ لَيْسَ بِيَدِ أَحَدٍ كَعَفَى أَرْضٍ، وَلَمَّا شَمِلَ الْقَسْمُ عَلَى الدَّعْوَى صُورَتَيْنِ: الْقَسْمُ كَالْعَوْلِ وَالْقَسْمُ عَلَى التَّنَازُعِ وَالتَّسْلِيمِ بَيَّنَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ (كَالْعَوْلِ) فِي الْفَرِيضَةِ الَّتِي زِيدَ فِي سِهَامِهَا عَلَى أَصْلِهَا الضَّيِّقِ سِهَامُهَا عَنْ وَرَثَتِهَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْكُلِّ وَنِسْبَتُهُ لِلْمَجْمُوعِ وَنِسْبَةُ الْمَزِيدِ لِلْمَجْمُوعِ أَيْضًا وَإِعْطَاءُ مُسْتَحِقِّ كُلِّ مِثْلٍ نِسْبَةَ مَالِهِ مِنْ الْمَجْمُوعِ، فَإِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْكُلَّ وَالْآخَرُ النِّصْفَ زِيدَ عَلَى الْكُلِّ مِثْلُ نِصْفِهِ وَنُسِبَ الْكُلُّ لِلْمَجْمُوعِ، فَكَانَ ثُلُثَيْهِ وَالنِّصْفُ لَهُ فَكَانَ ثُلُثًا، فَيُعْطَى مُدَّعِي الْكُلِّ ثُلُثَيْ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَمُدَّعِي النِّصْفِ ثُلُثَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ إذَا وَجَبَ قَسْمُ الْمُدَّعَى فِيهِ.
ابْنُ شَاسٍ إنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا قُسِمَ عَلَى قَدْرِ الدَّعَاوَى زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ اتِّفَاقًا.
ابْنُ هَارُونَ فَعَلَيْهِ إنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا جَمِيعَ الثَّوْبِ وَالْآخَرُ نِصْفَهُ قُسِمَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا.
قُلْت ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ ابْنُ حَارِثٍ وَقَالَ فِيهَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٍ لِمُدَّعِي الْكُلِّ النِّصْفُ بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهِ وَالنِّصْفُ الثَّانِي الَّذِي تَدَاعَيَا فِيهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
قُلْت وَكَذَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ اتِّفَاقًا.
الشَّيْخُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي مَالٍ بِأَيْدِيهِمَا لَهُ ثُلُثَاهُ وَقَالَ الْآخَرُ لِي نِصْفُهُ، وَإِنَّمَا لَك نِصْفُهُ فَلِمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ النِّصْفُ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ الثُّلُثُ وَالسُّدُسُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بَعْدَ تَحَالُفِهِمَا.
وَقَالَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل]

أَشْهَبُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَعَبَّرَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ قَوْلِهِ بِلَا يَكُونُ الْقَسْمُ عَلَى الدَّعَاوَى، وَفِي تَعْيِينِ الْمُبْدَأِ مِنْهُمَا بِالْيَمِينِ خِلَافٌ، ثُمَّ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَكَانَ شَيْخُنَا يَخْتَارُ فِي هَذَا الْأَصْلِ الْقَوْلَ بِالْقُرْعَةِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَى كَوْنِهِ عَلَى التَّدَاعِي، فَفِي كَوْنِهِ عَلَى قَدْرِ مُدَّعِي كُلٍّ مِنْهُمَا كَعَوْلِ الْفَرَائِضِ أَوْ عَلَى اخْتِصَاصِ مُدَّعِي الْأَكْثَرِ بِمَا سُلِّمَ لَهُ وَقَسْمِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بِالسَّوِيَّةِ نَقْلَا الشَّيْخِ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ، وَابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ زَادَ عَلَى اثْنَيْنِ فَقَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا اخْتِصَاصُ مُدَّعِي الْأَكْثَرِ بِمَا زَادَ عَلَى الدَّعْوَيَيْنِ جَمِيعًا وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالثَّانِي اخْتِصَاصُهُ بِمَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِهِمَا.
فَلَوْ كَانَ ثَالِثٌ يَدَّعِي الثُّلُثَ مَعَ مُدَّعِي جَمِيعِهِ وَنِصْفِهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَخْتَصُّ مُدَّعِي الْكُلِّ بِالسُّدُسِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ الْبَاقِي نِصْفَهُ وَهُوَ رُبُعٌ وَسُدُسٌ، ثُمَّ يَخْتَصُّ مُدَّعِي النِّصْفِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَهُوَ نِصْفُ سُدُسٍ وَيَقْتَسِمَانِ الثُّلُثَ، وَعَلَى الثَّانِي يَخْتَصُّ مُدَّعِي الْكُلِّ بِالنِّصْفِ ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ الْبَاقِي نِصْفَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَهُوَ نِصْفُ السُّدُسِ، وَيَأْخُذُ مُدَّعِي النِّصْفِ سُدُسًا، ثُمَّ يَقْسِمُ الْبَاقِي أَثْلَاثًا لِثَلَاثَةٍ.
قُلْت يُرِيدُ بِالْأَوَّلِ الِاخْتِصَاصَ بِمَا زَادَ عَلَى الدَّعْوَيَيْنِ، وَبِالثَّانِي بِمَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِهِمَا وَتَقْرِيرُ كَلَامِهِ وَاضِحٌ، وَعَزَا الشَّيْخُ الْأَوَّلَ لِابْنِ الْمَوَّازِ، وَالثَّانِيَ لِأَشْهَبَ، وَقَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ يُقَالُ لِمُدَّعِي النِّصْفِ وَمُدَّعِي الثُّلُثِ سَلَّمْتُمَا النِّصْفَ لِمُدَّعِي الْكُلِّ فَلَهُ سِتَّةٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ، وَيُقَالُ لِمُدَّعِي الثُّلُثِ سَلَّمْت السُّدُسَ وَهُوَ سَهْمَانِ بَيْنَ مُدَّعِي الْكُلِّ وَمُدَّعِي النِّصْفِ، وَيَبْقَى الثُّلُثُ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ يَدَّعُونَهُ كُلُّهُمْ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، فَيَصِيرُ لِمُدَّعِي الثُّلُثِ سَهْمٌ وَثُلُثٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ سَهْمَانِ وَثُلُثٌ، وَلِمُدَّعِي الْكُلِّ ثَمَانِيَةٌ وَثُلُثٌ، قَالَ وَهُوَ نَحْوُ جَوَابِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَرَّرَ مُحَمَّدٌ قَوْلَهُ بِأَنَّهُ يُقَالُ لِمُدَّعِي النِّصْفِ وَالثُّلُثِ سَلِّمَا السُّدُسَ لِمُدَّعِي الْكُلِّ تَبْقَ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ يَدَّعِيهَا مُدَّعِي الْكُلِّ وَيَدَّعِيهَا صَاحِبَاهُ أَيْضًا فَيُعْطِيَانِهِ نِصْفَهَا وَهُوَ عَشَرَةُ قَرَارِيطَ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ قِيرَاطًا، فَيُقَالُ لِمُدَّعِي الثُّلُثِ أَنْتَ لَا تَدَّعِي فِي قِيرَاطَيْنِ مِنْ الْعَشَرَةِ الْبَاقِيَةِ سَلِّمْهُمَا لِمُدَّعِي النِّصْفِ وَتُقْسَمُ الثَّمَانِيَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
ابْنُ حَارِثٍ فِي هَذَا الْأَصْلِ قَوْلٌ ثَالِثٌ هُوَ أَعْدَلُهَا، أَنَّ الْقِسْمَةَ فِيهِ عَلَى حِسَابِ عَوْلِ

وَلَمْ يَأْخُذْهُ بِأَنَّهُ كَانَ بِيَدِهِ.

[منح الجليل]

الْفَرَائِضِ وَهُوَ مِنْ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الدِّينَارِ الْوَاقِعِ فِي مِائَةِ دِينَارٍ، وَكَثِيرًا مَا كُنْت سَمِعْته مِنْ شُيُوخِنَا وَكُهُولِ أَصْحَابِهِمْ فِي أَيَّامِ الدَّرْسِ لَهُمْ وَالْمُنَاظَرَةِ لَهُمْ.
قُلْت حَكَاهُ الشَّيْخُ مِنْ نَوَادِرِهِ مِنْ نَقْلِ أَشْهَبَ، قَالَ قَالَ أَشْهَبُ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُقْسَمُ عَلَى حِسَابِ الْعَوْلِ فِي الْفَرَائِضِ فَيُقْسَمُ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا، فَلِمُدَّعِي الْكُلِّ سِتَّةٌ وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ وَلِمُدَّعِي الثُّلُثِ اثْنَانِ.

(وَ) إنْ تَنَازَعَ اثْنَانِ فِي مِلْكِ شَيْءٍ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ مِلْكُهُ وَتَعَذَّرَ تَرْجِيحُ إحْدَاهُمَا وَشَهِدَتْ إحْدَاهُمَا بِأَنَّهُ كَانَ بِيَدِ مَنْ شَهِدْت لَهُ بِالْأَمْسِ (لَمْ يَأْخُذْهُ) أَيْ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ مَنْ شَهِدَ لَهُ (بِأَنَّهُ) أَيْ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ (كَانَ بِيَدِهِ) أَمْسِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ بِيَدِهِ كَوْنُهُ مِلْكَهُ وَلَا مُسْتَحَقَّهُ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْيَدِ أَعَمُّ، وَالْأَعَمُّ لَا يُشْعِرُ بِالْأَخَصِّ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُطْلَقُ الْحَوْزِ، وَهَا هُوَ مَحُوزٌ فِي يَدِ الْآخَرِ الْيَوْمَ.
ابْنُ شَاسٍ وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ انْتَزَعَهُ أَوْ غَصَبَهُ مِنْهُ أَوْ غَلَبَهُ عَلَيْهِ فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ، وَيُجْعَلُ الْمُدَّعِي صَاحِبَ الْيَدِ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ.
" غ " أَغْفَلَ الْمُصَنِّفُ هُنَا الثَّانِيَةَ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُمَا مَعًا نَصًّا لِغَيْرِ ابْنِ شَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، مَعَ أَنَّ الثَّانِيَةَ فِي النَّوَادِرِ وَالْكَمَالُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
الْبُنَانِيُّ وَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُصَنِّفِ مَنْصُوصَةٌ لِأَشْهَبَ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْكَمَالُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
التُّونُسِيُّ رَأَيْت لِأَشْهَبَ لَوْ كَانَ عَبْدٌ بِيَدِ رَجُلٍ فَادَّعَاهُ آخَرُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ أَمْسِ بِيَدِهِ فَلَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ.
التُّونُسِيُّ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ فِي يَدِهِ أَمْسِ سَابِقٌ لِلَّذِي هُوَ بِيَدِهِ الْيَوْمَ فَيَجِبُ رَدُّهُ إلَى يَدِهِ حَتَّى يُثْبِتَ هَذَا أَنَّهُ كَانَ بِيَدِهِ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ مَنْ سَبَقَتْ يَدُهُ عَلَى شَيْءٍ لَا يَخْرُجُ مِنْ يَدِهِ إلَّا بِيَقِينٍ.
ابْنُ مُحْرِزٍ قَوْلُ أَشْهَبَ صَحِيحٌ.
الْعَوْفِيُّ كَلَامُ التُّونُسِيِّ، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصْوَبُ مِنْ كَلَامِ أَشْهَبَ نَقَلَهُ الطِّخِّيخِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ، وَقَوْلُ " غ " أَغْفَلَ الْمُصَنِّفُ هُنَا، أَيْ فِي هَذَا الْبَابِ وَإِلَّا فَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغَصْبِ مَا تُفْهَمُ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْهُ، حَيْثُ قَالَ كَشَاهِدٍ بِمِلْكٍ لِآخَرَ، وَجَعَلْت ذَا يَدٍ لَا مَالِكًا وَالْمَسْأَلَةُ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَمَا نَقَلَهُ " ق " هُنَا.

وَإِنْ ادَّعَى أَخٌ أَسْلَمَ أَنَّ أَبَاهُ أَسْلَمَ فَالْقَوْلُ لِلنَّصْرَانِيِّ وَقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ، إلَّا بِأَنَّهُ تَنَصَّرَ، أَوْ مَاتَ إنْ جُهِلَ أَصْلُهُ فَيُقْسَمُ كَمَجْهُولِ الدِّينِ، وَقُسِمَ عَلَى الْجِهَاتِ بِالسَّوِيَّةِ

[منح الجليل]

وَإِنْ ادَّعَى أَخٌ أَسْلَمَ) أَيْ حَدَثَ إسْلَامُهُ عَلَى أَخِيهِ النَّصْرَانِيِّ (أَنَّ أَبَاهُ) النَّصْرَانِيَّ (أَسْلَمَ) وَمَاتَ مُسْلِمًا وَأَنْكَرَ الْأَخُ النَّصْرَانِيُّ إسْلَامَ أَبِيهِ وَقَالَ إنَّهُ مَاتَ نَصْرَانِيًّا (فَالْقَوْلُ لِلنَّصْرَانِيِّ) اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ، وَهَذَا حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، وَأَمَّا لَوْ أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً شَهِدَتْ لَهُ (قُدِّمَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ) ؛ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا) أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ (بِأَنَّهُ) أَيْ أَبَاهُمَا (تَنَصَّرَ) أَيْ نَطَقَ بِمَا دَلَّ عَلَى اعْتِقَادِهِ النَّصْرَانِيَّةَ (وَمَاتَ) عَقِبَهُ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ بِأَنَّهُ نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَمَاتَ عَقِبَهُ فَقَدْ تَعَارَضَتَا، وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ فَيَتَرَجَّحُ إحْدَاهُمَا بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ قُسِمَتْ تَرِكَتُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَهَذَا (إنْ جُهِلَ أَصْلُهُ) أَيْ دِينُ الْأَبِ الْأَصْلِيِّ.
طفى الصَّوَابُ إسْقَاطُهُ، إذْ لَا فَائِدَةَ لِاشْتِرَاطِهِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ فِي مَعْلُومِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَعَلَيْهِ قَرَّرَهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَذَلِكَ، فَذِكْرُهُ أَوْجَبَ انْقِطَاعَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِحَالَةَ الْمَسْأَلَةِ عَنْ وَجْهِهَا، فَلَوْ حَذَفَهُ ثُمَّ قَالَ كَمَجْهُولِ الدِّينِ كَمَا فَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَأَجَادَ، وَلِذَا قَالَ " ق " لَوْ قَالَ إلَّا بِأَنَّهُ تَنَصَّرَ وَمَاتَ فَهُمَا مُتَعَارِضَانِ فَيُقْسَمُ كَمَجْهُولِ الدِّينِ وَعَلَيْهِ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا.
وَشَبَّهَ فِي الْقَسْمِ فَقَالَ (كَمَجْهُولِ الدِّينِ) الَّذِي مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ فَتَنَازَعَا فِي مَوْتِهِ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا بِلَا بَيِّنَةٍ، فَيُقْسَمُ مَتْرُوكُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ (وَقُسِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمَالُ الَّذِي تَرَكَهُ مَجْهُولُ الدِّينِ وَأَبْنَاؤُهُ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ (عَلَى الْجِهَاتِ) أَيْ الْإِسْلَامِ وَالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا الَّتِي تَدِينُ بِهَا أَوْلَادُهُ الْمُتَنَازِعُونَ (بِالسَّوِيَّةِ) مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى عَدَدِ أَصْحَابِ كُلِّ جِهَةٍ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ الْجِهَاتُ ثَلَاثَةً فَلِكُلِّ جِهَةٍ ثُلُثُهُ وَلَوْ كَانَتْ جِهَةٌ أَصْحَابُهَا عَشَرَةٌ وَجِهَةٌ أَصْحَابُهَا خَمْسَةٌ وَجِهَةٌ صَاحِبُهَا وَاحِدٌ.
الْعَدَوِيُّ الْجِهَاتُ أَرْبَعٌ إسْلَامٌ وَيَهُودِيَّةٌ وَنَصْرَانِيَّةٌ وَسِوَاهَا جِهَةٌ وَاحِدَةٌ، وَصَرَّحَ الْعُقْبَانِيُّ فِي شَرْحِ فَرَائِضِ الْحَوفِيِّ بِأَنَّ الْقَسْمَ عَلَى

وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا طِفْلٌ، فَهَلْ يَحْلِفَانِ وَيُوقَفُ الثُّلُثُ فَمَنْ وَافَقَهُ أَخَذَ حِصَّتَهُ وَرَدَّ عَلَى الْآخَرِ

[منح الجليل]

الْجِهَاتِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ حَلِفِ أَصْحَابِهَا فِي صُورَتَيْ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ وَعَدَمِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَصْلُهُ، فَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ صَلَاةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ بِشَهَادَةٍ، وَقَالَ الْأَخَوَانِ وَأَصْبَغُ إنْ كَانَتْ بِحَضْرَةِ النَّصْرَانِيِّ قَطَعَتْ دَعْوَاهُ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ لَهُ عُذْرٌ فِي سُكُوتِهِ وَلَوْ صَلَّى عَلَيْهِ النَّصَارَى وَدَفَنُوهُ عِنْدَهُمْ بِحَضْرَةِ الْمُسْلِمِ اخْتَصَّ النَّصْرَانِيُّ بِإِرْثِهِ.
قُلْت لِلشَّيْخِ عَنْ الْأَخَوَيْنِ فِي الْوَاضِحَةِ إنْ دُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْآخَرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا لَا يُنْكِرُ، فَذَلِكَ يَقْطَعُ حُجَّتَهُ.
اللَّخْمِيُّ إنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ، فَإِنْ كَانَتْ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ إلَى مَوْتِهِ وَلَا يَعْرِفُونَهُ انْتَقَلَ عَنْهُ كَانَ تَكَاذُبًا وَقُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا، فَإِنْ تَكَافَأَتَا كَانَ الْإِرْثُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ وَلَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِأَحَدِ الدِّينَيْنِ أَوْ أَقَرَّ بِهِ الْوَارِثُ، فَفِي كَوْنِ ذَلِكَ تَكَاذُبًا أَوْ الْقَضَاءُ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي نَقَلَتْهُ عَنْ حَالَتِهِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا زَادَتْ حُكْمًا قَوْلَانِ، وَعَلَى الثَّانِي إنْ كَانَتْ الْحَالَةُ الْأُولَى كُفْرًا فَإِرْثُهُ لِلْمُسْلِمِ، وَفِي الْعَكْسِ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.

(وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا) أَيْ الْأَخَوَيْنِ الْبَالِغَيْنِ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِي الدَّيْنِ الَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ أَبُوهُمَا أَخٌ لَهُمَا (طِفْلٌ فَهَلْ يَحْلِفَانِ) أَيْ الْأَخَوَانِ الْبَالِغَانِ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ (وَيُوقَفُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْقَافِ (الثُّلُثُ) مِمَّا بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُوَ سُدُسُ التَّرِكَةِ، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ ثُلُثَهَا إلَى بُلُوغِ الطِّفْلِ، وَإِذَا بَلَغَ (فَمَنْ) أَيْ الْأَخُ الَّذِي (وَافَقَهُ) الطِّفْلُ فِي دِينِهِ (أَخَذَ) الطِّفْلُ (حِصَّتَهُ) أَيْ سُدُسَ الْأَخِ الَّذِي وَافَقَهُ الطِّفْلُ الْمَوْقُوفُ إلَى بُلُوغِهِ (وَرُدَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ (عَلَى) الْأَخِ (الْآخَرِ) الَّذِي لَمْ يُوَافِقْهُ الطِّفْلُ فِي دِينِهِ سُدُسُهُ الْمَوْقُوفُ، فَإِنْ وَافَقَ الْمُسْلِمَ أَخَذَ سُدُسَهُ وَرُدَّ سُدُسُ النَّصْرَانِيِّ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَافَقَ النَّصْرَانِيَّ أَخَذَ سُدُسَهُ وَرُدَّ سُدُسُ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ، وَعَلَى كُلٍّ يَكْمُلُ لِجِهَةِ الْإِسْلَامِ نِصْفُ التَّرِكَةِ، وَلِجِهَةِ النَّصْرَانِيَّةِ نِصْفُهَا الْآخَرُ، وَوُقِفَ الثُّلُثُ أَوَّلًا لِلطِّفْلِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ يَتَدَيَّنُ بِدِينٍ ثَالِثٍ وَيَدَّعِي أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَلَيْهِ.

فصول الكتاب · 2 فصل · 721 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول منح الجليل شرح مختصر خليل · 721 صفحة
المقدمة
فَصْلٌ) فِي الْخُلْعِ:
جارٍ التحميل