وَعَلَى تَعْلِيمِ قُرْآنٍ مُشَاهَرَةً، أَوْ عَلَى الْحُذَّاقِ، وَأَخْذُهَا، وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ.
[منح الجليل]
مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا بَأْسَ بِإِجَارَةِ رَحَى الْمَاءِ بِالطَّعَامِ وَغَيْرِهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْهَا فَهُوَ عُذْرٌ تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ بِهِ، وَإِنْ رَجَعَ الْمَاءُ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ لَزِمَهُ بَاقِيهَا، كَقَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْعَبْدِ يَمْرَضُ ثُمَّ يَصِحُّ قَالُوا نَبَّهَ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الطَّحْنِ بِالْمَاءِ، فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْأَرْضِ وَيُصْنَعُ الطَّعَامُ بِهَا يَمْتَنِعُ كِرَاؤُهَا بِالطَّعَامِ كَأَرْضِ الزِّرَاعَةِ.
الْمَشَذَّالِيُّ وَنَحْوُهُ كِرَاءُ الْمِعْصَرَةِ بِالزَّيْتِ وَالْمِلَاحَةِ بِالْمِلْحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) جَازَتْ الْإِجَارَةُ (عَلَى تَعْلِيمِ قُرْآنٍ مُشَاهَرَةً) بِضَمِّ الْمِيمِ، أَيْ كُلَّ شَهْرٍ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ أَوْ كُلَّ سَنَةٍ أَوْ كُلَّ جُمُعَةٍ أَوْ كُلَّ يَوْمٍ إنْ لَمْ يَذْكُرْ مَا يُعَلِّمُهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَإِلَّا جَرَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي جَمْعِ الزَّمَنِ وَالْعَمَلِ (أَوْ عَلَى الْحِذَاقِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِعْجَامِ الذَّالِ، أَيْ الْحِفْظِ لِكُلِّ الْقُرْآنِ أَوْ بَعْضٍ مِنْهُ مَعْلُومٍ كَسُورَةِ يس أَوْ ثُلُثُهُ مَثَلًا، أَوْ عَلَى قِرَاءَتِهِ نَظَرًا فِي الْمُصْحَفِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا بَأْسَ بِالْإِجَارَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ أَوْ كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا، أَوْ عَلَى الْحِذَاقِ لِلْقُرْآنِ بِكَذَا أَوْ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ أَوْ سُدُسَهُ بِكَذَا.
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ مَعَ أَجْرِهِ شَيْئًا مَعْلُومًا كُلَّ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى.
(وَأَخْذُهَا) أَيْ الْأُجْرَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ السِّيَاقِ أَوْ الْحَذْقَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ الْحِذَاقَةِ الْمُعَلِّمُ إنْ اُشْتُرِطَتْ، بَلْ (وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ الْأُولَى وَفَتْحِ الرَّاءِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ لَا بَأْسَ بِمَا يَأْخُذُهُ الْمُعَلِّمُ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ سُئِلَ الْإِمَامُ سَحْنُونٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَيَجْرِي لَهُ الدِّرْهَمُ وَالدِّرْهَمَانِ كُلَّ شَهْرٍ ثُمَّ يَحْذِقُهُ الْمُعَلِّمُ فَيَطْلُبُ الْحَذْقَةَ وَيَأْبَاهَا الْأَبُ، وَيَقُولُ حَقُّك فِيمَا قَبَضْت، فَقَالَ يُنْظَرُ إلَى سُنَّةِ الْبَلَدِ فَيُحْمَلَانِ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ فِي الْحَذْفَةِ حَدٌّ مَعْرُوفٌ إلَّا عَلَى قَدْرِ الرَّجُلِ وَحَالِهِ، وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ عِنْدَ الْمُعَلِّمِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْقُرْآنِ فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْخَتْمَةُ بِمَنْزِلَةِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ مَالِهِمَا مَا لَمْ يَتَقَارَبْ عِتْقُهُمَا بِمَرَضِ السَّيِّدِ، فَلَا يَنْتَزِعُ مِنْهُمَا شَيْئًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
ابْنُ حَبِيبٍ نَحْنُ نُوجِبُ حَقَّ الْحَذْقَةِ وَنَقْضِي بِهَا لِلْمُعَلِّمِ.
الْحَذْقَةُ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُمْ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْخَتْمَةِ وَأَمَّا عِنْدَنَا الْيَوْمَ فَهِيَ عَلَى الْأَجْزَاءِ، إلَّا أَنَّهُ مَعْرُوفٌ.
الْقَابِسِيُّ فِي أَحْكَامِ الْمُعَلِّمِينَ وَالْمُتَعَلِّمِينَ الْحَذْقَةُ فِي السُّوَرِ مَا تَقَرَّرَتْ بِهِ عُرْفًا مِثْلُ لَمْ يَكُنْ وَعَمَّ وَتَبَارَكَ وَالْفَتْحِ وَالصَّافَّاتِ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ يَذْكُرْ الْفَاتِحَةَ وَهِيَ حَذْقَةٌ فِي عُرْفِنَا.
الْقَابِسِيُّ، وَكَذَا عَطِيَّةُ الْعَبْدِ يَثْبُتُ بِالْعُرْفِ.
سَحْنُونٌ لَا تَلْزَمُ الْحَذْقَةُ إلَّا فِي خَتْمِ الْقُرْآنِ وَغَيْرُهَا تَفَضُّلٌ، وَمَعْنَاهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَادَةً بِغَيْرِهَا.
الْمُتَيْطِيُّ اخْتَلَفَ فِي الْحَذْقَةِ فَقِيلَ لَا حَذْقَةَ عَلَيْهِ لِلْمُؤَدِّبِ بِحُكْمٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِشَرْطٍ لِشَيْءٍ مَعْلُومٍ.
وَقِيلَ يُحْمَلُ عَلَى سُنَّةِ الْبَلَدِ، فَإِنْ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِهَا حُكِمَ لَهُ بِهَا بِقَدْرِ مَا يَرَى عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ ظَاهِرًا أَوْ نَظَرًا وَإِنْ كَانَ يُخْطِئُ فِي الْحَرْفِ وَالْحَرْفَيْنِ، وَإِذَا حَسُنَ خَطُّهُ وَهِجَاؤُهُ وَكَتَبَ كُلَّ مَا يُمْلَى عَلَيْهِ وَقَرَأَ جُلَّ مَا رَآهُ وَجَبَ عَلَيْهِ حَذْقَتُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَتَجُوزُ عَلَى الْقُرْآنِ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى» . وَفِيهَا لَا بَأْسَ بِالْإِجَارَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ بِكَذَا، أَوْ عَلَى الْحِذَاقِ لِلْقُرْآنِ أَوْ عَلَى تَعَلُّمِهِ كُلِّهِ أَوْ سُدُسِهِ بِكَذَا، وَنَحْوُهُ سَمِعَ الْقَرِينَانِ ابْنَ رُشْدٍ إجَازَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ الْمَذْهَبُ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَهُمْ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَاحْتَجَّ ابْنُ رُشْدٍ بِحَدِيثِ جَوَازِ الْجُعْلِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ وَالْإِجَارَةُ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ مُشَاهَرَةً وَمُقَاطَعَةً عَلَى جَمِيعِهِ، أَوْ عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ نَظَرًا أَوْ ظَاهِرًا، أَوْ وَجِيبَةٌ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ الشُّهُورِ أَوْ الْأَعْوَامِ، فَالْمُشَاهَرَةُ غَيْرُ لَازِمَةٍ لِأَحَدِهِمَا، وَالْوَجِيبَةُ وَالْمُقَاطَعَةُ لَازِمَةٌ لَهُمَا.
وَأَجَازَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ يُسَمِّيَ فِي الْمُقَاطَعَةِ أَجَلًا، وَرَوَاهُ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ فِي تَوْقِيتِ مَا أَجَّلَهُ فَرَاغُهُ، وَقَالَ يُقْضَى بِالْحَذْقَةِ فِي النَّظَرِ.
وَالظَّاهِرُ بِقَدْرِ حَالِ الْأَبِ وَيُسْرِهِ وَقُوَّةِ حِفْظِ الْوَلَدِ وَتَجْوِيدِهِ لِأَنَّهَا مُكَارَمَةٌ جَرَى النَّاسُ عَلَيْهَا، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْأَبُ تَرْكَهَا، فَإِنْ أَخْرَجَ الْأَبُ ابْنَهُ قُرْبَ الْحَذْقَةِ لَزِمَتْهُ، وَإِنْ بَقِيَ لَهَا مَا لَهُ بَالٌ كَالسُّدُسِ وَنَحْوِهِ سَقَطَتْ، وَلَيْسَ لَهُ حِسَابُ مَا مَضَى مِنْهَا، وَإِنْ شَرَطَ الْمُعَلِّمُ الْحَذْقَةَ فَلَا تَجُوزُ دُونَ تَسْمِيَتِهَا، وَإِنْ أَخْرَجَ الْأَبُ ابْنَهُ قَبْلَ بُلُوغِهَا لَزِمَهُ بِحِسَابِ مَا مَضَى وَلَوْ قَلَّ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُقْضَى بِالْإِخْطَارِ فِي الْأَعْيَادِ وَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ مُسْتَحَبًّا فِي أَعْيَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُكْرَهُ فِي أَعْيَادِ النَّصَارَى كَالنَّيْرُوزِ، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ فَعَلَهُ وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ قَبِلَهُ لِأَنَّهُ مِنْ تَعْظِيمِ الشِّرْكِ، قُلْت فَلَا يَحِلُّ قَبُولُ هَدَايَا النَّصَارَى فِي أَعْيَادِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَذَا الْيَهُودُ وَكَثِيرٌ مِنْ جَهَلَةِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقْبَلُ مِنْهُمْ ذَلِكَ فِي عِيدِ الْفَطِيرَةِ عِنْدَهُمْ وَغَيْرَهُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَرَأَيْت أَنْ أُكْمِلَ هَذَا الْفَصْلَ بِالضَّرُورِيِّ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْقَابِسِيِّ فِي كِتَابِهِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُعَلِّمِينَ وَالْمُتَعَلِّمِينَ عَلَى وَجْهِ الْإِيجَازِ، قَالَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خِيَارُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» يَشْمَلُ الْوَالِدَ بِتَعْلِيمِهِ وَلَدَهُ إيَّاهُ وَلَوْ بِأُجْرَةِ تَعْلِيمِهِ الْمُعَلِّمَ، وَلَقَدْ أَجَابَ ابْنُ سَحْنُونٍ أَبَا وَلَدٍ كَانَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ عَلَيْهِ عَنْ قَوْله أَنَا أَتَوَلَّى الْعَمَلَ بِنَفْسِي وَلَا أَشْغَلُهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ أَجْرُك فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ.
الْقَابِسِيُّ إنْ تَرَكَ الْأَبُ تَعْلِيمَ وَلَدِهِ الْقُرْآنَ لِشُحٍّ قَبُحَ فِعْلُهُ وَلِقِلَّةِ عُذْرٍ، فَإِنْ كَانَ لِلْوَلَدِ مَالٌ فَلَا يَدَعُهُ دُونَ تَعْلِيمٍ وَلِيُّهُ أَوْ قَاضِي بَلَدِهِ أَوْ جَمَاعَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ قَاضٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ تَوَجَّهَ حُكْمُ النَّدْبِ عَلَى وَلِيِّهِ وَأُمِّهِ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ وَتَعْلِيمُ مَنْ أَسْلَمَ مَا يُصَلِّي بِهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ انْفَرَدَ بِهِ دُونَ عِوَضٍ وَتَعْلِيمُ الْأُنْثَى مَا تُصَلِّي بِهِ كَالذَّكَرِ، كَذَلِكَ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَلِيِّ وَالزَّائِدِ عَلَى ذَلِكَ لِلْأُنْثَى حَسَنٌ، وَكَذَا الْعِلْمُ لَا الرَّسَائِلُ وَالشِّعْرُ وَتَرْكُ تَعْلِيمِهَا الْخَطَّ أَصْوَنُ، وَيَكُونُ الْمُعَلِّمُ مَعَهُمْ مَهِيبًا لَا فِي عُنْفٍ لَا يَكُونُ عَبُوسًا مُغْضَبًا وَلَا مُنْبَسِطًا مُرْفَقًا بِالصِّبْيَانِ دُونَ لِينٍ.
قُلْت وَيَكْتَفِي فِي إبَاحَةِ انْتِصَابِهِ بِسِتْرِ الْحَالِ لِلْمُتَزَوِّجِ وَيَسْأَلُ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ عَنْهُ إلَّا الْعَفَافَ أُبِيحَ لَهُ، وَيَمْنَعُ مَنْ يَتَحَدَّثُ عَنْهُ بِسَوْءٍ مُطْلَقًا، وَبِهَذَا جَرَى الْعَمَلُ وَهُوَ الْحَقُّ، قَالَ وَعَلَيْهِ أَنْ يَزْجُرَ الْمُتَخَاذِلَ فِي حِفْظِهِ أَوْ صَنِفَةِ كُتُبِهِ بِالْوَعِيدِ وَالتَّقْرِيعِ لَا بِالشَّتْمِ كَيَا قِرْدُ، فَإِنْ لَمْ يُفْدِ الْقَوْلُ انْتَقَلَ لِلضَّرْبِ بِسَوْطٍ مِنْ وَاحِدٍ إلَى ثَلَاثَةٍ ضَرْبَ إيلَامٍ فَقَطْ دُونَ تَأْثِيرٍ فِي الْعُضْوِ، فَإِنْ لَمْ يُفِدْ زَادَ إلَى عَشْرٍ.
قُلْت ضَرَبَ مُعَلِّمٌ صَبِيًّا بِالسَّوْطِ فِي رِجْلِهِ لِتَقَرُّرِ قِلَّةِ حِفْظِهِ فَحَدَثَتْ بِرِجْلِهِ مِنْ ضَرْبِهِ قُرْحَةٌ صَارَتْ نَاصُولًا يَشُكُّ فِي مَوْتِهِ بِهِ، قَالَ وَمَنْ نَاهَزَ الْحُلُمَ وَغَلُظَ خُلُقُهُ وَلَمْ تَرْعُهُ الْعَشْرُ فَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ.
قُلْت الصَّوَابُ اعْتِبَارُ حَالِ الصِّبْيَانِ، شَاهَدْت غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ مُعَلِّمِينَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الصُّلَحَاءِ يَضْرِبُ الصَّبِيُّ نَحْوَ الْعِشْرِينَ وَأَزْيَدَ، وَكَانَ مُعَلِّمُنَا يَضْرِبُ مَنْ عَظُمَ جُرْمُهُ بِالْعِصِيِّ فِي سَطْحٍ أَسْفَلَ رِجْلَيْهِ الْعِشْرِينَ وَأَكْثَرَ، وَمَنْعُهُ الزَّجْرَ بِيَا قِرْدُ ضَعِيفٌ، وَالصَّوَابُ فِعْلُ بَعْضِهِمْ ذَلِكَ، وَقَدْ أَجَازُوهُ لِلْقَاضِي لِمَنْ يَسْتَحِقُّهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ضَرْبِهِ، وَكَذَا كَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يَزْجُرُ بِهِ فِي مَجْلِسِ إقْرَائِهِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الزَّجْرَ لِتَعَذُّرِهِ بِالضَّرْبِ، وَنَقَلُوهُ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِمْ، وَسَمِعْنَا مِنْهُمْ عَنْ شُيُوخِهِمْ فِي ذَلِكَ مَقَالَاتٍ مِمَّنْ نَقَلْنَا عَنْهُ شَائِعًا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْعَادِلُ الْخَطِيبُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَرْجِينِيُّ، وَالشَّيْخِ النَّحْوِيِّ الْمَشْهُورِ بِالزَّلْدَوِيِّ، وَكَانَ يَصْدُرُ كَثِيرًا مِنْ شَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْن وَالْبَاقِلَّا، وَقَلِيلًا مِنْ شَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَفَائِدَةٌ وَاضِحَةٌ لِمَنْ أَنْصَفَ، لِأَنَّهَا تُكْسِبُ تَثَبُّتَ الطَّالِبِ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يَقُولَهُ مِنْ بَحْثٍ أَوْ نَقْلٍ، وَقَدْ وَاَللَّهِ سَمِعْت شَيْخَنَا ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ زَجَرَ بَعْضُ أَهْلِ مَجْلِسِنَا فِي مَدْرَسَةِ السَّمَّاعِينَ فِي قَوْلٍ قَالَهُ بِمَا يَقُولُ هَذَا مُسَلَّمٌ، وَكَانَ هَذَا الْمَقُولُ لَهُ مُتَّصِفًا بِعَدَالَةِ الشُّهُودِ الْمُنْتَصِبِينَ لِلشَّهَادَةِ وَخُطَّةِ الْقَضَاءِ بِالْبِلَادِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَلَمْ يَتْرُكْ لِذَلِكَ مَجْلِسَهُ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَالْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ.
قَالَ وَمَنْ اتَّصَفَ مِنْ الصِّبْيَانِ بِأَذًى أَوْ لَعِبٍ أَوْ هُرُوبٍ مِنْ الْمَكْتَبِ اسْتَشَارَ وَلِيَّهُ فِي قَدْرِ مَا يَرَى مِنْ الزِّيَادَةِ فِي ضَرْبِهِ قَدْرَ مَا يُطِيقُ.
قُلْت أَمَّا فِي الْإِذَايَةِ فَلَا يَسْتَشِيرُ، لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ يَتَعَذَّرُ طَلَبُهُ عِنْدَ غَيْرِ مُعَلِّمِهِ لِتَعَسُّرِ إثْبَاتِ مُوجِبِهِ عَلَيْهِ، وَاسْتَحَبَّ سَحْنُونٌ أَنْ لَا يُوَلِّيَ أَحَدًا مِنْ الصِّبْيَانِ ضَرْبَ غَيْرِهِ مِنْهُمْ.
سَحْنُونٌ وَلَا يَضْرِبْ وَجْهًا وَلَا رَأْسًا، وَمِنْ حُسْنِ النَّظَرِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ.
سَحْنُونٌ أَكْرَهُ خَلْطَهُمْ لِتَأْدِيَتِهِ لِلْفَسَادِ.
قُلْت مَنْ بَلَغَ حَدَّ التَّفْرِقَةِ فِي الْمَضْجَعِ فَوَاجِبٌ تَفْرِيقُهُ مِنْهُمْ، قَالَ وَيُحْتَرَزُ مِمَّنْ يُخَافُ فَسَادُهُ عَلَى الصَّبِيَّانِ مِمَّنْ قَارَبَ الْحُلُمَ، أَوْ كَانَ ذَا جُرْأَةٍ.
قُلْت الصَّوَابُ فِي هَذَا مَنْعُ تَعْلِيمِهِ مَعَهُمْ، قَالَ وَلَا يَقْبَلُ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مَنْ عَرَفَهُ بِالصِّدْقِ، فَيَقْبَلُ قَوْلَهُ، قَالَ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الرِّبَا فِي تَبَايُعِهِمْ طَعَامًا بِطَعَامٍ، وَيَفْسَخُهُ إنْ نَزَلَ وَمَا فَاتَ فَهُوَ فِي مَالِ مُفَوِّتِهِ أَوْ ذِمَّتِهِ.
سَحْنُونٌ وَشِرَاءُ الْفَلَقَةِ وَالدِّرَّةِ وَكِرَاءُ مَوْضِعِ التَّعْلِيمِ عَلَى الْمُعَلِّمِ، فَإِنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى تَعْلِيمِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
صِبْيَانٍ مَعْلُومِينَ سَنَةً مَعْلُومَةً فَعَلَى أَوْلِيَائِهِمْ كِرَاءُ الْمَوْضِعِ، وَأَمَّا تَعْلِيمُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ مَبْلَغَ الْأَدَبِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْتَى بِهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَقَرُّ بِهِ وَيَعْبَثُ فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ.
وَرَوَى سَحْنُونٌ لَا يَجُوزُ تَعْلِيمُهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَحَفَّظُونَ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَأَجَابَ سَحْنُونٌ عَنْ مُعَلِّمٍ أَرَادَ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَوْضِعٍ لِآخَرَ بِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِبَعْضِ الصِّبْيَانِ لِبُعْدِهِ مِنْ دَارِهِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ عَقْدُ إجَارَتِهِ مَعَ مَنْ يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ عَلَى اللُّزُومِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ وَإِلَّا جَازَ دُونَ إذْنِهِ، وَمُتَعَلِّقُ تَعْلِيمِهِ بِالذَّاتِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ حِفْظًا أَوْ نَظَرًا.
ابْنُ سَحْنُونٍ يَنْبَغِي أَنْ يُعَلِّمَهُمْ إعْرَابَ الْقُرْآنِ وَيُلْزِمَهُ ذَلِكَ وَالشَّكْلَ وَالْهِجَاءَ وَالْخَطَّ الْحَسَنَ وَحُسْنَ الْقِرَاءَةِ بِالتَّرْتِيلِ وَأَحْكَامَ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَفَرَائِضَهُمَا وَسُنَنَهُمَا وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ وَدُعَاءَهَا وَصَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ وَالْخُسُوفِ.
قُلْت مَحْمَلُ قَوْلِهِ عِنْدِي إعْرَابُ الْقُرْآنِ هُوَ تَعْلِيمُهُ مُعْرَبًا احْتِرَازًا مِنْ اللَّحْنِ، إذْ الْإِعْرَابُ النَّحْوِيُّ مُتَعَذِّرٌ وَحُسْنُ الْقِرَاءَةِ إنْ أَرَادَ بِهِ التَّجْوِيدَ فَهُوَ لَازِمٌ فِي عُرْفِنَا إلَّا عَلَى مَنْ شُهِرَ بِتَعْلِيمِهِ.
وَأَمَّا أَحْكَامُ الْوُضُوءِ وَمَا بَعْدَهُ فَوَاضِحٌ عَدَمُ لُزُومِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُعَلِّمِينَ لَا يَقُومُونَ بِذَلِكَ.
قَالَ وَيَجِبُ عَدْلُهُ بَيْنَهُمْ فِي التَّعْلِيمِ لَا يُفَضَّلُ بَعْضُهُمْ فِيهِ عَلَى بَعْضٍ، وَلَوْ تَفَاضَلُوا فِي الْجُعْلِ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِوَلِيِّهِ فِي عَقْدِهِ، أَوْ يَكُونُ تَفْصِيلُهُ فِي وَقْتٍ غَيْرِ وَقْتِ تَعْلِيمِهِ وَلَا يُعَلِّمُهُمْ قِرَاءَتَهُ بِالْأَلْحَانِ لِنَهْيِ مَالِكٍ عَنْهَا.
ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْهُ وَلَا يُعَلِّمُهُمْ أباجاد وَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ، لِأَنِّي سَمِعْت حَفْصَ بْنَ غَيَّاثٍ يُحَدِّثُ أَبَاجَادَ أَسْمَاءُ الشَّيَاطِينِ أَلْقَوْهَا عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَتَبُوهَا.
مُحَمَّدٌ فَكَتْبُهَا حَرَامٌ.
وَأَخْبَرَنِي سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ قَوْمٌ يَنْظُرُونَ النُّجُومَ يَكْتُبُونَ أَبَاجَادَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ.
قُلْت لَعَلَّ الْأُسْتَاذَ الشَّاطِبِيَّ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ هَذَا، أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ، أَوْ رَأَى النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهَا عَلَى أَصْلِ مَا وُضِعَتْ لَهُ لَا مَعَ تَغَيُّرِهَا بِالنَّقْلِ لِمَعْنًى صَحِيحٍ، وَعَلَى هَذَا يَسُوغُ اسْتِعْمَالُهَا عَدَدًا كَسَرَّاجِ الْيَمَنِ فِي التَّحْصِيلِ وَاخْتِصَارِ الْأَرْبَعِينَ وَغَيْرِهِ عَقَدَهَا يَجُوزُ مُؤَجَّلًا لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ فَيَلْزَمُ، وَمُشَاهَرَةً فَلَا يَلْزَمُ أَحَدُهُمَا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
ابْنُ حَبِيبٍ مَالِكٌ يَجُوزُ أَنْ يُشَارِطَ الْمُعَلِّمُ عَلَى الْحَذْقَةِ ظَاهِرًا أَوْ نَظَرًا وَلَوْ سَمَّيَا أَجَلًا.
أَصْبَغُ إنْ تَمَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَحْذِقْهُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ.
الْقَابِسِيُّ فَرَّقَ أَصْبَغُ بَيْنَ ضَرْبِ الْأَجَلِ لِلْمُعَلِّمِ وَالْخَيَّاطِ إذَا كَانَ الْفِعْلُ يُمْكِنُ الْفَرَاغُ مِنْهُ فِيهِ.
قُلْت سَوَّى اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ بَيْنَهُمَا.
الْقَابِسِيُّ الْحَذْقَةُ ظَاهِرًا حِفْظُ كُلِّ الْقُرْآنِ، وَنَظَرًا قِرَاءَتُهُ فِي الْمُصْحَفِ، وَقَدْرُ عِوَضِهَا مَا اشْتَرَطَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فَهِيَ عَلَى حَسَبِ حَالِ الْأَبِ فِي كَسْبِهِ وَحِفْظِ الصَّبِيِّ وَقِرَاءَتِهِ مَعَ اعْتِبَارِ حُسْنِ خَطِّهِ، فَإِنْ نَقَصَ تَعَلُّمُ الصَّبِيِّ فِي أَحَدِهِمَا فَلِمُعَلَّمِهِ مِنْ الْحَذْقَةِ بِقَدْرِ مَا تَعَلَّمَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ الصَّبِيُّ فِي الْحِفْظِ أَوْ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الْمُصْحَفِ فَلَا شَيْءَ لِمُعَلِّمِهِ، وَيُؤَدِّبُ الْمُعَلِّمُ عَلَى تَفْرِيطِهِ إنْ كَانَ يُحْسِنُ التَّعْلِيمَ، وَعَلَى تَقْرِيرِهِ إنْ لَمْ يُحْسِنْهُ، فَإِنْ اعْتَذَرَ بِبَلَادَةِ الصَّبِيِّ اُخْتُبِرَ، فَإِنْ بَانَ صِدْقُهُ فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ حَزْرِهِ وَتَأْدِيبِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَرَّفَ أَبَاهُ بِبَلَهِهِ.
قُلْت أَوْ يَكُونُ الْأَبُ عَرَفَ ذَلِكَ قَالَ وَمَحَلُّ الْحَذْقَةِ مِنْ السُّوَرِ مَا تَقَرَّرَ فِيهِ عُرْفًا مِثْلُ: لَمْ يَكُنْ وَعَمَّ وَتَبَارَكَ وَالْفَتْحِ وَالصَّافَّاتِ.
قُلْت لَمْ يَذْكُرْ الْفَاتِحَةَ وَهِيَ حَذْقَةٌ فِي عُرْفِنَا قَالَ وَكَذَا عَطِيَّةُ الْعِيدِ تَثْبُتُ بِالْعُرْفِ، وَقَوْلُ سَحْنُونٍ لَا تَلْزَمُ الْحَذْقَةُ إلَّا فِي خَتْمِ الْقُرْآنِ، لَعَلَّ مَعْنَاهُ إنْ لَمْ تَكُنْ عَادَةٌ بِغَيْرِهَا، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ لَا يَجِبُ الْإِخْطَارُ وَلَا يَجُوزُ إعْطَاؤُهُ فِي عِيدِ الْعَجَمِ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى عَنْ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ يُكْرَهُ إعْطَاءُ الْمُعَلِّمِ فِي النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ، إنَّمَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَعْرِفُونَ حَقَّ الْمُعَلِّمِ فِي الْعِيدَيْنِ وَرَمَضَانَ وَقُدُومِ غَائِبٍ.
الْقَابِسِيُّ أَمَّا الْعِيدَانِ فَفِعْلُ الْعَامَّةِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا وَعَاشُورَاءُ فَفِعْلُ الْخَاصَّةِ، وَأَجَابَ عَمَّنْ عَلَّمَهُ مُعَلِّمٌ بَعْضَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ أَكْمَلَهُ لَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْحَذْقَةِ بِقَدْرِ مَا عَلَّمَ أَنْصَافًا أَوْ أَثْلَاثًا وَنَحْوَهُمَا، وَرُبَّمَا اسْتَحَقَّهَا الْأَوَّلُ فَقَطْ إنْ بَلَغَ مِنْ تَعْلِيمِهِ مُقَارَبَةَ الْخَتْمِ بِحَيْثُ يَبْلُغُ مَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ الْمُعَلِّمِ، وَرُبَّمَا اسْتَحَقَّهَا الثَّانِي فَقَطْ إنْ قَلَّ لَبْثُهُ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَنَلْ مِنْ تَعْلِيمِهِ مَا لَهُ بَالٌ.
ابْنُ حَبِيبٍ إنْ شَرَطَ الْمُعَلِّمُ أَجْرًا مَعْلُومًا فِي كُلِّ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ وَقَدْرًا مَعْلُومًا فِي الْحَذْقَةِ فَلِوَلِيِّهِ إخْرَاجُهُ، وَعَلَيْهِ مِنْ الْحَذْقَةِ بِقَدْرِ مَا قَرَأَ مِنْهُ مِنْهَا إلَّا الثُّلُثَ أَوْ الرُّبْعَ فَعَلَيْهِ بِحِسَابِهِ لِاشْتِرَاطِهِ مَا سُمِّيَ مَعَ إخْرَاجِهِ وَلَوْ شَارَطَهُ عَلَى أَنْ يَحْذِقَهُ بِكَذَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَكَذَا لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِ أَنْ يُخْرِجَهُ حَتَّى يَتِمَّ حَذْقَتَهُ.
الْقَابِسِيُّ فَرَّقَ هَذَا التَّفْرِيقَ وَلَمْ يُقِمْ حُجَّةً عَلَيْهِ، وَقَالَ مَا حَاصِلُهُ إنَّهُمَا سَوَاءٌ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْتِزَامِ الْوَلِيِّ الْحَذْقَةَ، وَاخْتِصَاصِ إحْدَى الصُّورَتَيْنِ بِزِيَادَةِ قَدْرٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ لَا يُوجِبُ حِلَّ مَا لَزِمَ بِالْتِزَامِ الْحَذْقَةِ، وَأَنَّ لِوَلِيِّهِ إخْرَاجَهُ وَعَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا بَلَغَ مِنْهَا.
قُلْت تَقْرِيرُ وَجْهِ تَفْرِقَتِهِ أَنَّهُ إذَا شَارَطَهُ فِي الْحَذْقَةِ فَقَطْ كَانَ أَمَدُهَا الْعُرْفِيُّ كَمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ عَاقَدَهُ عَلَيْهَا غَيْرُ مَقْرُونَةٍ بِمَا يَدُلُّ عَلَى انْحِلَالِ عَقْدِهَا، فَإِنْ ضُمَّ إلَيْهَا شَرْطٌ قُدِّرَ فِي كُلِّ شَهْرٍ كَانَ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ لُزُومِ عَقْدِهِ وَصَرْفِهِ لِحُكْمِ عَقْدِ الْمُشَاهَرَةِ.
قَالَ وَإِنَّمَا جُعِلَ لَهُ بِقَدْرِ مَا بَلَغَ إذَا أَخْرَجَهُ فِي الْمُشَارَطَةِ عَلَى الْحَذْقَةِ، لِأَنِّي رَأَيْته مِنْ تَجْوِيزِ الْإِجَارَةِ الَّتِي لَمْ يُشْتَرَطْ لَهَا غَايَةٌ، فَمَا حَصَلَ مِنْهَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِهِ.
وَأَمَّا حُكْمُ بَطَالَةِ الصِّبْيَانِ فَقَالَ سَحْنُونٌ تَسْرِيحُهُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سُنَّةُ الْمُعَلِّمِينَ.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لِمَنْ اُسْتُؤْجِرَ شَهْرًا بَطَالَةُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَتَرْكُهُ مِنْ عَشِيَّةِ يَوْمِ الْخَمِيسِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ وَبَطَالَتُهُ كُلَّ يَوْمِهِ بَعِيدٌ لِأَنَّ غَرَضَهُمْ إجْزَاؤُهُمْ فِيهِ مِنْ عَشِيِّ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ وَبَطَالَتُهُمْ فِي الْأَعْيَادِ عَلَى الْمَعْرُوفِ هِيَ فِي الْفِطْرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَكَذَا فِي الْأَضْحَى وَلَا بَأْسَ بِالْخَمْسَةِ.
سَحْنُونٌ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ بَطَالَةُ الصِّبْيَانِ فِي الْخَتْمَةِ الْيَوْمَ وَبَعْضَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ أَوْلِيَاءِ الصِّبْيَانِ، قِيلَ لَهُ رُبَّمَا أَهْدَى الصَّبِيُّ لِلْمُعَلِّمِ لِيَزِيدَهُ فِي الْبَطَالَةِ.
قَالَ هَذَا لَا يَجُوزُ.
الْقَابِسِيُّ وَمِنْ هُنَا سَقَطَتْ شَهَادَةُ أَكْثَرِ الْمُعَلِّمِينَ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُؤَدِّينَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَبَعَثَهُمْ لِمَنْ تَزَوَّجَ أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ لِيُعْطُوا شَيْئًا لِيَأْتُوا بِهِ مُؤَدِّبَهُمْ لَا يَجُوزُ وَكَذَا مَا يَأْتُونَ بِهِ مِنْ بُيُوتِ آبَائِهِمْ إلَّا بِإِذْنِهِمْ.
قُلْت بَعْثُهُمْ لِدَارِ بَعْضِ الْأَوْلَادِ لِخَتْمَةٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ خِتَانٍ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ فِي بَلَدِنَا، وَالْغَالِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مَسِيرُ الْوَلَدِ لِذَلِكَ إلَّا بِعِلْمٍ مِنْ وَلِيِّهِ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْشُونَ بِذَلِكَ بِمُعْتَادِ ثِيَابِهِمْ، بَلْ بِثِيَابِ التَّجْمِيلِ وَالتَّزَيُّنِ فِي الْأَعْيَادِ.
قَالَ وَاِتَّخَذَهُ بَعْضُهُمْ فِي حَوَائِجِهِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَشَاغَلَ عَنْ تَعْلِيمِهِمْ بِشَيْءٍ وَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ ضَرُورَةٌ اسْتَنَابَ مِثْلَهُ فِيمَا قَرُبَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
سَحْنُونٌ لِمَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى تَعْلِيمِ صِبْيَانٍ تَعْلِيمُ غَيْرِهِمْ مَعَهُمْ إنْ لَمْ يَضْرِبْهُمْ وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ عَدَمَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمْ وَشَرِكَةُ الْمُعَلِّمِينَ جَائِزَةٌ إنْ كَانُوا بِمَكَانٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَجْوَدَ تَعْلِيمًا مِنْ بَعْضٍ لِأَنَّ فِيهِ رِفْقًا يَمْرَضُ أَحَدُهُمْ فَيَقُومُ الصَّحِيحُ مَقَامَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ عَرَبِيَّ الْقِرَاءَةِ وَالْآخَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ لَا يَلْحَنُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَابْنُ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَعَنْ مَالِكٍ لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَسْتَوِيَا فِي الْعِلْمِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ فَلَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَعْلَمْهُمَا فَضْلٌ مِنْ الْكَسْبِ بِقَدْرِ فَضْلِ مَا عَمِلَهُ عَلَى صَاحِبِهِ.
الْقَابِسِيُّ إنْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا مِنْ الزِّيَادَةِ إلَّا إنْ يُعْرِبَ قِرَاءَتَهُ وَالْآخَرُ لَا يُعْرِبُهَا وَلَا يَلْحَنُ، وَأَحَدُهُمَا رَفِيعُ الْخَطِّ وَالْآخَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَكْتُبُ وَيَتَهَجَّى فَهَذَا قَرِيبٌ مُغْتَفَرٌ فِي الشَّرِكَةِ فِي الصَّنَائِعِ وَالتِّجَارَاتِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَقُومُ بِالشَّكْلِ وَالْهِجَاءِ وَعِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ وَالشَّعْرِ وَالنَّحْوِ وَالْحِسَابِ، وَأَمَّا لَوْ انْفَرَدَ مُعَلِّمُ الْقُرْآنِ بِجَمْعِهِ لَجَازَ شَرْطُ تَعْلِيمِهِ إيَّاهُ مَعَ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ يُعِينُ عَلَى ضَبْطِهِ وَحُسْنِ مَعْرِفَتِهِ، وَهَذَا إنْ شَارَكَ مَنْ لَا يُحْسِنُ إلَّا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَالْكُتُبِ كَانَتْ الْإِجَارَةُ بَيْنَهُمَا مُتَفَاضِلَةً عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى قَدْرِ عِلْمِ كُلٍّ مِنْهُمَا.
وَلَوْ اُسْتُؤْجِرَ أَحَدُهُمَا عَلَى النَّحْوِ وَالشَّعْرِ وَشِبْهِهِمَا وَالْآخَرُ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْحِسَابِ مَا صَحَّتْ شَرِكَتُهُمَا.
وَقِيلَ لِأَنَسٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " كَيْفَ كَانَ الْمُؤَدِّبُونَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - "، قَالَ كَانَ لِلْمُؤَدِّبِ إجَّانَةٌ يَجِيءُ كُلُّ صَبِيٍّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ بِمَاءٍ ظَاهِرٍ يَصُبُّهُ فِيهَا يَمْحُونَ بِهَا أَلْوَاحَهُمْ، ثُمَّ يَصُبُّونَ ذَلِكَ فِي حُفْرَةٍ بِالْأَرْضِ فَيَنْشَفُ.
قُلْت الْجَوَاهِرِيُّ الْإِجَّانَةُ وَاحِدَةُ الْأَجَاجِينَ وَلَا يُقَالُ إنْجَانَةٌ، وَفِي بَابٍ آخَرَ الْمِرْكَنُ بِالْكَسْرِ الْإِجَّانَةُ الَّتِي تُغْسَلُ فِيهَا الثِّيَابُ.
ابْنُ سِيدَهْ يُقَالُ إجَّانَةٌ وَإِنْجَانَةٌ، وَبِنَبْغِي أَنْ يُصَبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ بِالْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ عَنْ النَّجَاسَةِ، وَكَانَ مُعَلِّمُنَا يَأْمُرُنَا بِصَبِّهِ فِي حُفْرَةٍ بَيْنَ الْقُبُورِ، وَيَنْبَغِي التَّحَفُّظُ مِنْهُ لِأَنَّ غَالِبَ الصِّبْيَانِ لَا يَتَحَفَّظُونَ فِي أَيْدِيهمْ مِنْ نَجَاسَةِ أَبْوَالِهِمْ.
مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ حَدَّثَنَا مُوسَى عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ كَانَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ يَقُولُ مِنْ الْمُرُوءَةِ أَنْ يُرَى فِي ثَوْبِ الرَّجُلِ وَشَفَتَيْهِ مِدَادٌ، وَاَللَّهُ الْهَادِي إلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ.
وَإِجَارَةِ مَاعُونٍ: كَصَحْفَةٍ، وَقِدْرٍ، وَعَلَى حَفْرِ بِئْرٍ إجَارَةٌ، وَجَعَالَةً
[منح الجليل]
وَ) جَازَ (إجَارَةُ مَاعُونٍ كَصَحْفَةٍ وَقِدْرٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَمُنْخُلٍ وَغِرْبَالٍ وَفَأْسٍ كَانَ يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ أَمْ لَا، وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ يُمْنَعُ كِرَاءُ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَقِدْرِ الْفَخَّارِ الَّتِي غَيَّرَهَا الدُّخَانُ فَصَارَتْ لَا تُعْرَفُ إلَّا بِنَقْشِهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا قُصُورٌ (وَ) جَازَ الْعَقْدُ (عَلَى حَفْرِ بِئْرٍ) حَالَ كَوْنِهِ (إجَارَةٌ) بِتَعْيِينِ مِقْدَارِ الْحَفْرِ وَصِفَتِهِ وَإِنْ انْهَدَمَ فِي الْأَثْنَاءِ فَلَهُ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ وَبَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَهُ جَمِيعُ الْأُجْرَةِ (وَ) حَالَ كَوْنِهِ (جَعَالَةً) بِعَدَمِ التَّعْيِينِ وَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا بِتَمَامِ الْحَفْرِ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ أَجَرْته عَلَى حَفْرِ بِئْرٍ مِنْ صِفَتِهَا كَذَا تَمَّ انْهَدَمَتْ فَلَهُ بِحِسَابِ مَا عَمِلَهُ، وَلَوْ انْهَدَمَتْ بَعْدَ فَرَاغِهَا أَخَذَ جَمِيعَ الْأَجْرِ حَفَرَهَا فِي مِلْكٍ أَوْ فِي مَوَاتٍ.
ابْنُ يُونُسَ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ وَهِيَ تَجُوزُ فِي مِلْكٍ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْفَلَوَاتِ إلَّا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْجُعْلِ تُجْعَلُ لَهُ دَرَاهِمُ مَعْلُومَةٌ عَلَى أَنْ يَحْفِرَ لَك بِئْرًا مِنْ صِفَتِهَا كَذَا وَكَذَا فَحَفَرَ نِصْفَهَا ثُمَّ انْهَدَمَتْ، فَإِنْ انْهَدَمَتْ فِي هَذَا قَبْلَ إسْلَامِهَا إلَيْك فَلَا شَيْءَ لَهُ وَإِسْلَامُهَا إلَيْك فَرَاغُهُ مِنْ حَفْرِهَا، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الْأَجِيرِ عَلَى حَفْرِ قَبْرٍ انْهَدَمَ قَبْلَ فَرَاغِهِ لَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ انْهَدَمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ فَلَهُ الْأُجْرَةُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ هَذِهِ الْإِجَارَةُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ مِنْ الْأَرَضِينَ.
ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ أَنَّهُ جَعَلَ ابْنَ الْمَوَّازِ لَا يَكُونُ الْجُعْلُ فِي شَيْءٍ إذَا أَرَادَ الْمَجْعُولُ لَهُ تَرْكَ الْعَمَلِ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِيهِ يَبْقَى مِنْ عَمَلِهِ شَيْءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ الْجَاعِلُ.
مُحَمَّدٌ هَذَا أَبْيَنُ فَرْقٍ بَيْنَ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ فَالْبِنَاءُ وَالْحَفْرُ فِيمَا يَمْلِكُ مِنْ الْأَرَضِينَ لَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا الْإِجَارَةُ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْمُتَيْطِيُّ الْجَمُّ الْغَفِيرُ عَلَى قَوْلِ الْمَوَّازِ وَزَادَ شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ أَحَدُهُمَا اخْتِيَارُ الْأَرْضِ فِي لِينِهَا وَقَسَاوَتِهِمَا.
وَالثَّانِي اسْتِوَاءُ الْجَاعِلِ وَالْمَجْعُولِ لَهُ فِي الْعِلْمِ أَوْ الْجَهْلِ بِهَا.
وَهَذَانِ الشَّرْطَانِ مُتَدَافِعَانِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْجُعْلِ الْعِلْمُ بِحَالِ الْأَرْضِ وَالثَّانِي يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ لَكِنْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْأَوَّلَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالثَّانِي فِي الْعُتْبِيَّةِ فَهُمَا قَوْلَانِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ الْعَمَلُ كَعَمَلِ الْإِجَارَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَعْلُومًا، فَإِنَّ مَسَافَةَ الْآبِقِ وَالضَّالَّةِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامُهُ يُوهِمُ الْعُمُومَ فِي كُلِّ أَنْوَاعِ عَمَلِ الْجَعَالَةِ، وَلَيْسَ
وَيُكْرَهُ: حُلِيٌّ.
كَإِجَارِ مُسْتَأْجِرِ دَابَّةٍ، أَوْ ثَوْبٍ لِمِثْلِهِ،
[منح الجليل]
كَذَلِكَ إذْ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجُوزُ الْجُعْلُ عَلَى حَفْرِ الْبِئْرِ إلَّا بَعْدَ خِبْرَتِهِمَا بِالْأَرْضِ مَعًا، وَشَرَطَ فِي الْعُتْبِيَّةِ اسْتِوَاءَ حَالَيْ الْجَاعِلِ وَالْمَجْعُولِ لَهُ الْعِلْمُ بِحَالِ الْأَرْضِ.
ابْنُ عَرَفَةَ عَزَوْهُ لِلْمُدَوَّنَةِ شَرْطُ الْخِبْرَةِ لَمْ أَعْرِفْهُ فِي الْجُعْلِ نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا بَلْ بِلُزُومٍ يَأْتِي فِي مَحَلِّهِ، إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْإِجَارَةِ، وَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ الصِّقِلِّيِّ، قَالَ مَا نَصُّهُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا بَأْسَ بِالْإِجَارَةِ عَلَى حَفْرِ بِئْرٍ بِمَوْضِعِ كَذَا وَقَدْ خَبَرَا الْأَرْضَ، وَإِنْ لَمْ يَخْبُرَاهَا لَمْ يَجُزْ بِيَحْيَى بْن يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ عُرْفًا الْأَرْضَ بِلِينٍ أَوْ شِدَّةٍ أَوْ جَهِلَاهَا مَعًا جَازَ، وَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ أَحَدُهُمَا وَجَهِلَهُ الْآخَرُ لَمْ يَجُزْ الْجُعْلُ فِيهِ اهـ. فَهَذَا كَالنَّصِّ فِي حَمْلِ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الْجُعْلِ لِذِكْرِهِ عَلَيْهَا نَقَلَ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْجُعْلِ.
قُلْت لَفْظُهَا فِي الْأُمِّ.
قُلْت إنْ اسْتَأْجَرَتْ مَنْ يَحْفِرُ لِي بِئْرًا بِمَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ قَالَ إنْ خَبَرُوا الْأَرْضَ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ لَمْ يَخْبُرُوهَا فَلَا خَيْرَ فِيهِ، كَذَا سَمِعْت مَالِكًا " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَسَمِعْته فِي الْإِجَارَةِ عَلَى حَفْرِ فَقِيرِ النَّخْلِ يَحْفِرُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْمَاءُ إنْ عَرَفَ الْأَرْضَ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا فَلَا أُحِبُّهُ.
قُلْت فَلَفْظُ الْإِجَارَةِ مَعَ ذِكْرِ فَقِيرِ النَّخْلِ كَالنَّصِّ فِي عَدَمِ الْجَعْلِ لِأَنَّ حَفْرَ فَقِيرِ النَّخْلِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا، وَالْجُعْلُ عَلَى الْحَفْرِ لَا يَكُونُ فِيمَا يَمْلِكُهُ الْجَاعِلُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَلَا يَجُوزُ فِيهَا جُعْلٌ عَلَى بِنَاءٍ أَوْ حَفْرٍ وَمَا نَسَبَهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ إيهَامِ الْعُمُومِ، مِثْلُهُ لَفْظُ الْمُقَدِّمَاتِ وَالتَّلْقِينِ،.
اهـ. كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ.
(وَيُكْرَهُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ أَنْ يُؤَجَّرُ (حُلِيٌّ) بِإِهْمَالِ الْحَاءِ مَفْتُوحَةً أَوْ مَضْمُومَةً مَعَ سُكُونِ اللَّامِ فِي الْأَوَّلِ وَكَسْرِهَا فِي الثَّانِي لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ بَيِّنٍ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِإِجَارَةِ حُلِيِّ الذَّهَبِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَاسْتَثْقَلَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَرَّةً وَخَفَّفَهُ مَرَّةً.
ابْنُ يُونُسَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَيْسَ كِرَاءُ الْحُلِيِّ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ، مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ زَكَاتَهُ أَنْ يُعَارَ، فَلِذَلِكَ كَرِهُوا أَنْ يُكْرَى.
وَشَبَّهَ فِي الْكَرَاهَةِ فَقَالَ (كَإِجَارِ) شَخْصٍ (مُسْتَأْجِرٍ) بِكَسْرِ الْجِيمِ (دَابَّةً) لِيَرْكَبَهَا لِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ تِلْكَ الدَّابَّةَ (أَوْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
ثَوْبٍ) لِيَلْبَسَهُ زَمَنًا مُعَيَّنًا ذَلِكَ الثَّوْبُ (لِ) رَاكِبٍ أَوْ لَابِسٍ (مِثْلِهِ) فِي الْخِفَّةِ أَوْ الثِّقَلِ وَالْأَمَانَةِ وَأَوْلَى لِأَثْقَلَ مِنْهُ، وَلَا مَفْهُومَ لِمِثْلِهِ فَيُكْرَهُ كِرَاؤُهَا لِأَخَفَّ مِنْهُ، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ لِمِثْلِهِ بِأَنَّهُ اكْتَرَاهَا لِرُكُوبِهَا، فَإِنْ اكْتَرَاهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا إرْدَبًّا لِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ كِرَاؤُهَا لِمِثْلِهِ.
" ق " فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ اسْتَأْجَرْت ثَوْبًا تَلْبَسُهُ يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ فَلَا تُعْطِيهِ غَيْرَك لِيَلْبَسَهُ لِاخْتِلَافِ اللِّبْسِ وَالْأَمَانَةِ، فَإِنْ هَلَكَ بِيَدِك فَلَا تَضْمَنْهُ وَإِنْ دَفَعْته إلَى غَيْرِك ضَمِنْته إنْ تَلِفَ، وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ لِمُكْتَرِي الدَّابَّةِ لِرُكُوبِهَا كِرَاءَهَا مِنْ غَيْرِهِ كَانَ أَخَفَّ مِنْهُ أَوْ مِثْلَهُ، فَإِنْ أَكْرَاهَا فَلَا أَفْسَخُهُ، وَإِنْ تَلِفَتْ فَلَا يَضْمَنُهَا إنْ كَانَ أَكْرَاهَا فِيمَا اكْتَرَاهَا فِيهِ مِنْ مِثْلِهِ فِي حَالَتِهِ وَأَمَانَتِهِ وَخِفَّتِهِ وَلَوْ بَدَا لَهُ الْعُدُولُ عَنْ السَّفَرِ أَوْ مَا كُرِيَتْ مِنْ مِثْلِهِ، وَكَذَا الثِّيَابُ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ كَكِرَاءِ الْحُمُولَةِ وَالسَّفِينَةِ وَالدَّارِ، إذْ هَذَا لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا مِنْ مِثْلِهِ فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَاهَا لَهُ.
ابْنُ يُونُسَ أَرَادَ فِي هَذَا أَنَّهُ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا بِغَيْرِ كَرَاهِيَةٍ، وَفِي الثَّوْبِ لِلِبْسٍ وَالدَّابَّةِ لِلرُّكُوبِ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ اللِّبْسِ وَالرُّكُوبِ، فَإِنْ أَكْرَى ذَلِكَ مِنْ مِثْلِهِ فَلَا يُفْسَخُ وَلَا يَضْمَنُهَا، وَفِي سَمَاعِ عِيسَى مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا يَعْمَلُ لَهُ فَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ مِنْ غَيْرِهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ مَنَافِعَهُ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ لِفَظٍّ لِمِثْلِهِ بِأَوْ الْعَاطِفَةِ، وَلِفَظٍّ فَاللَّامُ الْجَرِّ وَالْفَظُّ مِنْ الْفَظَاظَةِ وَهِيَ عِبَارَةٌ غَلِقَةٌ، وَلَعَلَّ فِيهَا تَقْدِيمًا أَوْ عَلَى لِفَظٍّ غَلَطًا مِنْ النَّاسِخِ، وَأَصْلُهَا لِفَظٍّ أَوْ لِمِثْلِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهَا لِفَظٍّ أَوْ لِمِثْلِهِ وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ فِي كَرَاهَةِ إجَارَتِهَا لِفَظٍّ، فَإِنَّ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ كَرَاهَةُ إجَارَتِهَا لِمِثْلِهِ أَوْ أَخَفَّ مِنْهُ، وَصَرَّحَ اللَّخْمِيُّ بِتَعَدِّيهِ بِإِجَارَتِهَا لِفَظٍّ أَوْ غَيْرِ أَمِينٍ، وَظَاهِرُهُ الْمَنْعُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ أَصْبَغَ فِي سَمَاعِ عِيسَى، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ لِمِثْلِهِ أَوْ أَخَفَّ لَجَرَى عَلَى لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ.
وَلِمَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ إجَازَةُ كِرَاءِ الدَّابَّةِ لِمِثْلِهِ أَوْ أَخَفَّ.
أَبُو الْحَسَنِ اخْتَلَفَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي كِرَاءِ الدَّوَابِّ بِالْجَوَازِ
وَتَعْلِيمُ فِقْهٍ، وَفَرَائِضَ: كَبَيْعِ كُتُبِهِ،
[منح الجليل]
وَالْكَرَاهَةِ، وَأَكْثَرُ قَوْلِهِ إنَّهُ جَائِزٌ وَأَقَلُّ قَوْلِهِ كَرَاهِيَتُهُ.
اهـ. فَقَدْ دَرَجَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَقَلِّ مَعَ نَقْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامُهَا فِي كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ.
(وَ) تُكْرَهُ الْإِجَارَةُ (عَلَى تَعْلِيمِ فِقْهٍ) أَيْ الْعِلْمِ الْمُبَيَّنِ فِيهِ حُكْمُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالطَّلَبِ أَوْ النَّهْيِ أَوْ الْإِبَاحَةِ أَوْ الْوَضْعِ لَهَا (وَ) تَعْلِيمُ (فَرَائِضَ) أَيْ الْعِلْمُ الْمُبَيَّنُ فِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَاتِ، وَشَبَّهَ فِي الْكَرَاهَةِ فَقَالَ (كَبَيْعِ كُتُبِهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ الْفِقْهِ وَالْفَرَائِضِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ أَكْرَهُ الْإِجَارَةَ عَلَى تَعْلِيمِ الْفِقْهِ وَالْفَرَائِضِ لِأَنَّ مَالِكًا " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " كَرِهَ بَيْعَ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالشَّرْطُ عَلَى تَعْلِيمِهَا أَشَدُّ.
ابْنُ يُونُسَ قَدْ أَجَازَ غَيْرُهُ بَيْعَ كُتُبِ الْفِقْهِ فَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ عَلَى تَعْلِيمِهِ جَائِزَةٌ عَلَى هَذَا، وَهُوَ الصَّوَابُ.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ بِيعَتْ كُتُبُ ابْنِ وَهْبٍ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ وَأَصْحَابُنَا مُتَوَافِرُونَ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ وَكَانَ أَبِي وَصِيَّهُ.
اللَّخْمِيُّ وَعَلَى هَذَا فَتَجُورُ الْإِجَارَةُ عَلَى تَعْلِيمِهِ وَكِتَابَتِهِ وَهُوَ أَحْسَنُ، وَلَا أَرَى أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ الْيَوْمَ لِنَقْصِ فَهْمِ النَّاسِ وَحِفْظِهِمْ عَمَّنْ تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ لَا كُتُبَ لَهُمْ مَالِكٌ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاسِمِ وَلَا لِسَعِيدٍ كُتُبٌ، وَلَقَدْ قُلْت لِابْنِ شِهَابٍ أَكُنْت تَكْتُبُ الْعِلْمَ فَقَالَ لَا، فَقُلْت أَكُنْت تَسْأَلُهُمْ أَنْ يُعِيدُوا عَلَيْك الْحَدِيثَ، فَقَالَ لَا هَذَا شَأْنُهُمْ، فَلَوْ سَارَ النَّاسُ بِسَيْرِهِمْ لَضَاعَ الْعِلْمُ وَذَهَبَ رَسْمُهُ وَالنَّاسُ الْيَوْمَ يَقْرَءُونَ كُتُبَهُمْ ثُمَّ هُمْ فِي غَايَةِ الْقُصُورِ وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْأُمُورِ.
اللَّخْمِيُّ يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ لَهُ جَارٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يَأْخُذُ أَجْرًا مِمَّنْ يُفْتِيهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْأَجْرِ عَلَى الشَّهَادَةِ خِلَافٌ، وَكَذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ، وَمَنْ يَشْغَلُهُ ذَلِكَ عَنْ جُلِّ تَكَسُّبِهِ فَأَخْذُهُ الْأُجْرَةَ مِنْ غَيْرِ بَيْتِ الْمَالِ لِتَعَذُّرِهَا مِنْهُ خَفِيفٌ، وَهُوَ مَحْمَلُ مَا سَمِعْته مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ شُيُوخِنَا وَهُوَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ عَلْوَانَ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْأَجْرَ الْخَفِيفَ فِي بَعْضِ فَتَاوِيهِ.
وَقِرَاءَةٍ بِلَحْنٍ
وَكِرَاءُ دُفٍّ، وَمِعْزَفٍ لِعُرْسٍ
وَكِرَاءُ: كَعَبْدٍ كَافِرٍ
[منح الجليل]
وَ) تُكْرَهُ الْإِجَارَةُ عَلَى تَعْلِيمِ (قِرَاءَةٍ) قُرْآنٍ (بِلَحْنٍ) بِسُكُونِ الْحَاءِ، أَيْ تَطْرِيبٍ وَهُوَ تَقْطِيعُ الصَّوْتِ بِالْأَنْغَامِ عَلَى حَدِّهِ الْمَعْرُوفِ فِي الْمُوسِيقَى، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا كَالْغِنَاءِ فَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ.
ابْنُ الْقَاسِمِ أَكْرَهُ الْإِجَارَةَ عَلَى تَعْلِيمِ الشِّعْرِ وَالنَّوْحِ أَوْ عَلَى كِتَابَةِ ذَلِكَ أَوْ إجَارَةِ كُتُبٍ فِيهَا ذَلِكَ أَوْ بَيْعِهَا.
ابْنُ يُونُسَ يَعْنِي التَّغَنِّي، وَكَرِهَ مَالِكٌ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ، فَكَيْفَ بِالتَّغَنِّي.
عِيَاضٌ مَعْنَاهُ قَوْلُ الْمُتَصَوِّفَةِ وَأَنَاشِيدُهُمْ الْمُسَمَّى بِالتَّغَنِّي عَلَى طَرِيقَةِ النَّوْحِ وَالْبُكَاءِ.
(فَرْعٌ) الْقُرْطُبِيُّ فِي أَوَّلِ شَرْحِ مُسْلِمٍ أَخْذُ الْأُجْرَةِ وَالْجُعْلِ عَلَى ادِّعَاءِ عِلْمِ الْغَيْبِ أَوْ ظَنِّهِ لَا يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ، حَكَاهُ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
(وَ) كُرِهَ (كِرَاءُ دُفٍّ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْفَاءِ آلَةُ الطَّبْلِ الْمُدَوَّرَةُ الْمُغَشَّاةِ بِجِلْدٍ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَالْغِرْبَالِ (وَ) كِرَاءُ (مِعْزَفٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الزَّايِ فَفَاءٍ.
الْجَوْهَرِيُّ الْمَعَازِفُ الْمَلَاهِي الشَّارِحُ شَيْءٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِيدَانِ.
عِيَاضٌ عِيدَانُ الْغِنَاءِ (لِعُرْسٍ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ فَسِينٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ فَرَحِ نِكَاحِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَنْبَغِي إجَارَةُ الدُّفِّ وَالْمَعَازِفِ كُلِّهَا فِي الْعُرْسِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَضَعَّفَهُ ابْنُ يُونُسَ، أَرَادَ ضَعْفَ قَوْلِ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ.
ابْنُ يُونُسَ الدُّفُّ الَّذِي أُبِيحَ ضَرْبُهُ لِعُرْسٍ وَنَحْوِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَجُوزَ إجَارَتُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ كَرِهَهَا الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِأَنَّهُ غَيْرُ عَمَلِ الصَّالِحِينَ، وَإِنْ كَانَ ضَرْبُهُ مُبَاحًا فِي الْعُرْسِ فَلَيْسَ كُلُّ مُبَاحٍ تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ.
عِيَاضٌ الْمَعَازِفُ عِيدَانُ الْغِنَاءِ لَا يَجُوزُ ضَرْبُهَا وَلَا اسْتِئْجَارُهَا وَهِيَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَرَابِطِ وَالْعِيدَانِ.
(وَ) كُرِهَ (كِرَاءُ عَبْدٍ) مُسْلِمٍ (لِ) شَخْصٍ (كَافِرٍ) فِيمَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ عَمَلُهُ كَبِنَاءٍ وَخِيَاطَةٍ لَا فِيمَا لَا يَجُوزُ كَعَمَلِ خَمْرٍ وَرَعْيِ خِنْزِيرٍ.
" غ " فِي بَعْضِ النُّسَخِ إدْخَالُ لَامِ الْجَرِّ
وَبِنَاءُ مَسْجِدٍ لِلْكِرَاءِ،
[منح الجليل]
عَلَى عِيدٍ بِالْمُثَنَّاةِ وَاحِدُ الْأَعْيَادِ مُضَافًا لِكَافِرٍ، وَفِي بَعْضِهَا كِرَاءُ عَبْدٍ لِكَافِرٍ بِإِضَافَةِ كِرَاءِ لِعَبْدٍ بِالْمُوَحَّدَةِ وَاحِدُ الْعَبِيدِ، وَإِدْخَالُ لَامِ الْجَرِّ عَلَى كَافِرٍ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، زَادَ الْحَطّ وَفِي بَعْضِهَا وَكِرَاءُ كَعَبْدٍ كَافِرٍ بِإِدْخَالِ كَافِ التَّمْثِيلِ عَلَى عَبْدٍ بِالْمُوَحَّدَةِ وَاحِدُ الْعَبِيدِ وَتَجْرِيدُ كَافِرٍ مِنْ اللَّامِ وَالظَّاهِرُ رُجُوعُهَا لِلنُّسْخَةِ الْأُولَى بِإِضَافَةِ كِرَاءٍ إلَى كَافِرٍ إضَافَةَ مَصْدَرٍ إلَى فَاعِلِهِ مَعَ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِمَفْعُولِهِ أَوْ بِإِضَافَةِ كِرَاءٍ إلَى كَافِ كَعَبْدٍ إضَافَةَ مَصْدَرٍ لِمَفْعُولِهِ، وَرَفْعِ كَافِرٍ بِفَاعِلِيَّتِهِ وَكَرَاهَةُ كِرَاءِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ إذَا لَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ، فَإِنْ غَابَ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ فَلَا يَجُوزُ لِمَفَاسِدِهِ مِنْ اسْتِيلَاءِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَإِهَانَتِهِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ أَذِيَّتِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: 141] وَخَشْيَةُ فِتْنَةٍ فِي دِينِهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ وَإِطْعَامِهِ مُحَرَّمًا كَخِنْزِيرٍ وَمَيْتَةٍ وَخَمْرٍ، وَمَنْعِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَوَطْءِ الْأَمَةِ، فَإِنْ نَزَلَتْ الْإِجَارَةُ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فَتُفْسَخُ.
ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ إجَارَةُ الْمُسْلِمِ نَفْسَهُ مِنْ كَافِرٍ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ جَائِزَةٌ وَمَكْرُوهَةٌ وَمَحْظُورَةٌ وَحَرَامٌ، فَالْجَائِزُ عَمَلُ الْمُسْلِمِ لَهُ عَمَلًا فِي بَيْتِ الْعَامِلِ كَصَانِعٍ يَعْمَلُ لِلنَّاسِ وَالْمَكْرُوهَةُ أَنْ يَسْتَبِدَّ الْكَافِرُ بِجَمِيعِ عَمَلِهِ مِنْ غَيْرِ كَوْنِهِ تَحْتَ يَدِهِ مِثْلَ كَوْنِهِ عَامِلَ قِرَاضٍ أَوْ مُسَاقَاةٍ، وَالْمَحْظُورَةُ إجَارَةُ نَفْسِهِ فِي عَمَلٍ تَحْتَ يَدِهِ كَخِدْمَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَإِرْضَاعِ وَلَدِهِ فِي بَيْتِهِ، فَهَذَا تُفْسَخُ إنْ عَثَرَ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَاتَتْ مَضَتْ وَلَهُ الْأُجْرَةُ وَالْحَرَامُ إجَارَةُ نَفْسِهِ فِيمَا لَا يَحِلُّ مِنْ عَمَلِ خَمْرٍ وَرَعْيِ خِنْزِيرٍ، فَهَذِهِ تُفْسَخُ قَبْلَ الْعَمَلِ، فَإِنْ فَاتَتْ يَتَصَدَّقُ بِالْأُجْرَةِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي إجَارَةِ الْحُرِّ نَفْسَهُ فَكَيْفَ بِالرَّقِيقِ فَلَا شَكَّ أَنَّ إجَارَةَ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ إذَا كَانَ يَغِيبُ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ لَا تَجُوزُ، وَتُفْسَخُ وَيُؤَدَّبُ الْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُؤَجِّرُ أَدَبًا يَلِيقُ بِحَالِهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) يُكْرَهُ (بِنَاءُ مَسْجِدٍ لِلْكِرَاءِ) لِمَنْ يُصَلِّي فِيهِ فِيهَا لَا يَصْلُحُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا لِيُكْرِيَهُ مِمَّنْ يُصَلِّي فِيهِ.
الْبَاجِيَّ لَا يَصْلُحُ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا هُنَا.
وَفِي التَّهْذِيبِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا لِيُكْرِيَهُ مِمَّنْ يُصَلِّي فِيهِ أَوْ يُكْرِيَ بَيْتَهُ مِمَّنْ يُصَلِّي فِيهِ، وَأَجَازَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
ذَلِكَ غَيْرُهُ فِي الْبَيْتِ.
ابْنُ يُونُسَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا لِيُكْرِيَهُ لِمَنْ يُصَلِّي فِيهِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ أَجَرَ بَيْتَهُ مِنْ قَوْمٍ لِيُصَلُّوا فِيهِ فِي رَمَضَانَ فَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ، كَمَنْ أَكْرَى الْمَسْجِدَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي كِرَاءٍ الْبَيْتِ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا لِيُكْرِيَهُ مِمَّنْ يُصَلِّي فِيهِ وَلَا بَيْتَهُ فَإِجَارَتُهُمَا لِذَلِكَ لَا تَجُوزُ، وَأَجَازَهَا غَيْرُهُ فِي الْبَيْتِ.
عِيَاضٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
اللَّخْمِيُّ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِيُكْرِيَهُ جَازَ.
قُلْت اقْتِصَارُهُ عَلَى هَذَا دُونَ قَوْلِهَا لَا يَجُوزُ غَيْرُ صَوَابٍ، وَإِنْ وَافَقَ مَفْهُومَ نَقْلِ الصِّقِلِّيِّ عَنْ سَحْنُونٍ إنَّمَا لَمْ يَجُزْ كِرَاءُ الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ حَبْسٌ لَا يُبَاعُ وَلَا يُكْرَى، وَالْبَيْتُ لَيْسَ مِثْلُهُ كِرَاؤُهُ جَائِزٌ.
وَفِي التَّنْبِيهَاتِ قَوْلُهُ فِي الرَّجُلِ يَبْنِي مَسْجِدًا لِيُكْرِيَهُ مِمَّنْ يُصَلِّي فِيهِ وَكَرَاهِيَتُهُ لَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَكَذَا الَّذِي أَجَرَ بَيْتَهُ مِنْ قَوْمٍ لِيُصَلُّوا فِيهِ قَالَ لَا يُعْجِبُنِي، وَهُوَ كَمَنْ أَكْرَى الْمَسْجِدَ، وَقَوْلُ غَيْرِهِ فِي الْبَيْتِ لَا بَأْسَ بِإِيجَارِهِ لِمَنْ يُصَلِّي فِيهِ وَإِجَازَتُهُ كِرَاءَ الدَّارِ عَلَى أَنْ تُتَّخَذَ مَسْجِدًا بَيِّنٌ أَنْ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَرْقًا.
أَمَّا الَّذِي بَنَى مَسْجِدًا فَأَكْرَاهُ فَلَوْ أَبَاحَهُ لِلْمُسْلِمِينَ لَكَانَ حَبْسًا لَا حُكْمَ لَهُ وَلَا لِأَحَدٍ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُبِحْهُ وَبَنَاهُ لِيُكْرِيَهُ فَهَذَا لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فِي كِرَاءِ الْمَسْجِدِ لَا يَصْلُحُ، وَفِي كِرَاءِ الْبَيْتِ لَا يُعْجِبُنِي، وَأَنَّهُ يَجُوزُ إنْ فَعَلَهُ كَإِجَارَةِ الْمُصْحَفِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْ قَوْلَهُ لَا يَصْلُحُ هَلْ هُوَ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى الْمَنْعِ، فَعَلَى مَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ هُوَ عَلَى الْمَنْعِ لِقَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ حَبْسٌ لَا يُبَاعُ وَلَا يُكْرَى، وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ لِعِيَاضٍ هُوَ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِقَوْلِهِ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ اهـ. ابْنُ نَاجِي قَوْلُهُ لَا يَصْلُحُ عَلَى التَّحْرِيمِ لِقَوْلِهِ فِيهَا وَإِجَارَتُهُمَا لِذَلِكَ غَيْرُ جَائِزَةٍ.
الْحَطّ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَأَكْثَرُ عِبَارَاتِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَدَمُ الْجَوَازِ لَا الْكَرَاهَةِ الَّتِي عَبَّرَ بِهَا الْمُصَنِّفُ.
أَبُو الْحَسَنِ أَثَرُ قَوْلِ التَّهْذِيبِ أَجَازَ ذَلِكَ غَيْرُهُ فِي الْبَيْتِ.
الشَّيْخُ وَأَجَازَ هُوَ وَغَيْرُهُ أَنْ
وَسُكْنَى فَوْقَهُ
[منح الجليل]
يُكْرِيَ الْأَرْضَ مِمَّنْ يَتَّخِذُهَا مَسْجِدًا عَشْرَ سِنِينَ فَالْمَسْجِدُ فِي طَرَفٍ وَالْأَرْضُ لِتُتَّخَذَ مَسْجِدًا فِي طَرَفٍ وَالْبَيْتُ وَاسِطَةٌ بَيْنَهُمَا.
وَوَفَّقَ بَيْنَ قَوْلِ الْقَاسِمِ وَقَوْلِ غَيْرِهِ فِي الْبَيْتِ بِأَنَّ غَيْرَهُ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ الْوُقُوعِ.
وَابْنُ الْقَاسِمِ قَبْلَهُ، وَبِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي إكْرَائِهِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ خَاصَّةً وَيَرْجِعُ إلَيْهِ فِي غَيْرِهَا وَقَوْلُ غَيْرِهِ فِي إكْرَائِهِ مِنْهُمْ لِيَنْتَفِعُوا بِهِ مُدَّةَ كِرَائِهِ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا فِيمَا شَاءُوا أَوْ مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) تُكْرَهُ (سُكْنَى) الرَّجُلِ (فَوْقَهُ) أَيْ الْمَسْجِدِ بِأَهْلِهِ، قَالَهُ الشَّارِحُ.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ مُطْلَقًا بِأَهْلِهِ أَوْ وَحْدَهُ.
(تَنْكِيتٌ) سَيَأْتِي فِي الْإِحْيَاءِ مَنْعُ سُكْنَى فَوْقَهُ.
وَمَفْهُومُ فَوْقَهُ جَوَازُهَا تَحْتَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ فِيهَا، وَسَيَأْتِي فِي الْإِحْيَاءِ جَوَازُ السُّكْنَى فِيهِ لِرَجُلٍ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ قَالَهُ تت.
طفي تَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْبِيرِهِ بِالْكَرَاهِيَةِ هُنَا لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ، وَفِي تَعْبِيرِهِ بِالْمَنْعِ فِي الْإِحْيَاءِ.
ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَعَارَضَهُ فِي تَوْضِيحِهِ بِنَصِّهَا.
وَأَجَابَ بِحَمْلِهِ عَلَى الْمَنْعِ فَيُقَالُ كَذَا فِي كَلَامَيْهِ هُنَا.
فِيهَا كَرِهَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَبْنِيَ الرَّجُلُ مَسْجِدًا ثُمَّ يَبْنِيَ فَوْقَهُ بَيْتًا يَسْكُنُهُ بِأَهْلِهِ، أَرَادَ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَعَهُ يَطَؤُهَا عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ.
الْحَطّ هَذَا مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ مَا فِي جُعْلِهَا وَإِجَارَتِهَا، وَلِظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ، وَمُخَالِفٌ لِظَاهِرِ مَا يَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْإِحْيَاءِ، وَلِظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ هُنَاكَ وَالْقَرَافِيِّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، فَفِي التَّهْذِيبِ كَرِهَ مَالِكٌ السُّكْنَى بِالْأَهْلِ فَوْقَ ظَهْرِ الْمَسْجِدِ.
ابْنُ يُونُسَ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَبْنِيَ الرَّجُلُ مَسْجِدًا ثُمَّ يَبْنِيَ فَوْقَهُ بَيْتًا يَسْكُنُهُ بِأَهْلِهِ، لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَعَهُ يَطَؤُهَا عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ.
وَذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يَبِيتُ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ فِي الصَّيْفِ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَكَانَ لَا يَقْرَبُ فِيهِ امْرَأَةً.
ابْنُ الْحَاجِبِ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ جَعْلُ عُلْوِ مَسْكَنِهِ مَسْجِدًا وَلَا يَجُوزُ جَعْلُ سُفْلِهِ مَسْجِدًا، وَيُمْكِنُ الْعُلْوُ لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْجَوَاهِرِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
فِي التَّوْضِيحِ، وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْوَاضِحَةِ.
وَفِي جَعْلُ الْمُدَوَّنَةِ كَرِهَ مَالِكٌ السُّكْنَى فَوْقَهُ.
فَإِنْ قُلْت قَدْ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ هُنَا خِلَافُ مَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَالْوَاضِحَةِ.
فَفِي مُخْتَصَرِهَا أَجَازَ مَالِكٌ لِمَنْ لَهُ سُفْلٌ وَعُلْوٌ أَنْ يَجْعَلَ الْعُلْوَ مَسْجِدًا وَيَسْكُنَ السُّفْلَ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ السُّفْلَ مَسْجِدًا وَيَسْكُنَ الْعُلْوَ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا جَعَلَ السُّفْلَ مَسْجِدًا صَارَ لِمَا فَوْقَهُ حُرْمَةُ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ قَالَ الْحَطّ وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَسْجِدَ إذَا بُنِيَ لِلَّهِ تَعَالَى وَحِيزَ عَنْ بَانِيهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ فَوْقَهُ، فَقَدْ قَالَ الْقَرَافِيُّ حُكْمُ الْأَهْوِيَةِ تَابِعٌ لِحُكْمِ الْأَبْنِيَةِ، فَهَوَاءُ الْوَقْفِ وَقْفٌ، وَهَوَاءُ الطَّلْقِ طَلْقٌ، وَهَوَاءُ الْمَوَاتِ مَوَاتٌ، وَهَوَاءُ الْمِلْكِ مِلْكٌ، وَهَوَاءُ الْمَسْجِدِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ لَا يَقَرُّ فِيهِ الْجُنُبُ.
وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنْ يُمْنَعَ هَوَاءُ الْمَسْجِدِ وَالْأَوْقَاتُ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ لِمَنْ أَرَادَ غَرْسَ خَشَبٍ حَوْلَهَا، وَيُبْنَى عَلَى رُءُوسِ الْخَشَبِ سَقْفًا عَلَيْهِ بُنْيَانٌ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إلَّا فَرْعٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ إخْرَاجُ الرَّوَاشِنِ وَالْأَجْنِحَةِ عَنْ الْحِيطَانِ، ثُمَّ أَخَذَ يُبَيِّنُ وَجْهَ خُرُوجِهِ فَانْظُرْهُ وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَوَاعِدِ الْمُقْرِي.
وَفِي تَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَحِيزَ عَنْهُ وَأَحَبَّ أَنْ يَبْنِيَ فَوْقَهُ فَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ لَهُ دَارٌ لَهَا عُلْوٌ وَسُفْلٌ وَأَرَادَ أَنْ يُحْبَسَ السُّفْلُ مَسْجِدًا وَيَبْقَى الْعُلْوُ عَلَى مِلْكِهِ، فَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ لِلْوَاضِحَةِ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَتَابِعِيهِ وَمَا يَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلَكِنْ صَرَّحَ اللَّخْمِيُّ بِجَوَازِهِ، فَقَالَ إثْرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ وَإِنْ قَالَ أَنَا أَبْنِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَبْنِي فَوْقَهُ مَسْكَنًا، وَعَلَى هَذَا أَبْنِي جَازَ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ دَارٌ لَهَا عُلْوٌ وَسُفْلٌ فَأَرَادَ أَنْ يَحْبِسَ السُّفْلَ مَسْجِدًا وَيَبْقَى الْعُلْوُ عَلَى مِلْكِهِ جَازَ اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُوَفِّقَ بَيْنَ هَذِهِ النُّقُولِ، وَيَجْعَلَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُعْجِبُنِي أَوْ لَا يَنْبَغِي لَا يَجُوزُ.
وَيُحْمَلُ هُوَ وَمَا فِي الْوَاضِحَةِ وَابْنِ شَاسٍ وَالْقَرَافِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْآتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْإِحْيَاءِ عَلَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي مَنْعِهِ، وَيُحْمَلُ مَا فِي جُعْلِهَا وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ الْأَخِيرُ وَمَا لِلْمُصَنِّفِ هُنَا عَلَى الشِّقِّ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ لَفْظُ اللَّخْمِيِّ
وَبِمَنْفَعَةٍ تَتَقَوَّمُ.
قُدِرَ عَلَى تَسْلِيمِهَا
[منح الجليل]
الْجَوَازَ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ، وَيُسَاعِدُ هَذَا التَّوْفِيقُ كَلَامَ ابْنِ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصُّهُ عَلَى قَوْلِ التَّهْذِيبِ وَلَا يَبْنِي إلَخْ، قَالَ فِي الْأُمِّ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَسْكَنًا يُجَامِعُ فِيهِ، وَذَلِكَ كَالنَّصِّ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَلَمْ أَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا.
وَذَكَرَ أَبُو عُمْرَانَ الْمَظَاهِرَ الْمَعْلُومَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْخِلَافِ، هَلْ ظَاهِرُ الْمَسْجِدِ كَبَاطِنِهِ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ يُوهِمُ جَوَازَ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلٍ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْأُمِّ، مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي سَبْقَ الْمَسْجِدِ فَهُوَ تَغْيِيرٌ لِلْحَبْسِ، بَلْ ظَاهِرُهَا أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ عُلْوٌ وَسُفْلٌ فَحَبَسَ الْعُلْوَ مَسْجِدًا فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَنَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ، وَعَلَى قَوْلِهَا الْمُتَقَدِّمِ وَكُرِهَ يُرِيدُ يَكُونُ تَحْبِيسُ الْمَسْجِدِ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ اهـ.
(وَ) تَصِحُّ الْإِجَارَةُ (بِمَنْفَعَةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ الْمَنْفَعَةُ مَا لَا تُمْكِنُ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ حِسًّا دُونَ إضَافَةٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ غَيْرَ جُزْءٍ مِمَّا أُضِيفَ إلَيْهِ، فَتَخْرُجُ الْأَعْيَانُ وَنَحْوُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَنِصْفُ الْعَبْدِ وَنِصْفُ الدَّابَّةِ مَشَاعًا، وَهِيَ رُكْنٌ لِأَنَّهَا عِوَضُ الْأُجْرَةِ (تَتَقَوَّمُ) بِفَتَحَاتٍ مُشَدَّدُ الْوَاوِ، أَيْ لَهَا قِيمَةٌ فَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ بِمَنْفَعَةٍ تَافِهَةٍ حَقِيرَةٍ جِدًّا لَا قِيمَةَ لَهَا كَالْإِيقَادِ مِنْ نَارٍ.
ابْنُ شَاسٍ مِنْ أَرْكَانِ الْإِجَارَةِ الْمَنْفَعَةُ، وَمِنْ شُرُوطِهَا كَوْنُهَا مُتَقَوِّمَةً فَمَا لَا تُقَوَّمُ مَنْفَعَتُهُ فَلَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ.
(قَاعِدَةٌ)
مَنْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ فَلَهُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهَا وَأَخْذُ عِوَضِهَا وَمَنْ مَلَكَ الِانْتِفَاعَ بِنَفْسِهِ فَقَطْ فَلَيْسَ لَهُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهَا وَلَا أَخْذُ عِوَضِهَا كَسَاكِنِ الْمَدْرَسَةِ وَالرِّبَاطِ وَالْجَالِسِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ إيجَارُ مَكَانِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ الْمَدْرَسَةِ أَوْ الرِّبَاطِ أَوْ الطَّرِيقِ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ مَنْفَعَتَهُ، بَلْ مَلَكَ انْتِفَاعَهُ بِنَفْسِهِ فَقَطْ.
ابْنُ عَرَفَةَ فَسَّرُوا نَتَقَوَّمُ بِمَا لَهَا قِيمَةٌ وَهُوَ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ لَا يَصِحُّ إيجَارُ تُفَّاحَةٍ لِشَمِّهَا وَطَعَامٍ لِتَزْيِينِ حَانُوتٍ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ.
الْحَطّ اُخْتُلِفَ فِي فُرُوعٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِيهَا مُتَقَوِّمَةٌ أَمْ لَا، مِنْهَا إجَارَةُ مُصْحَفٍ لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ وَإِجَارَةُ شَجَرٍ لِلتَّجْفِيفِ عَلَيْهِ (قُدِّرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُخَفَّفًا (عَلَى تَسْلِيمِهَا) أَيْ الْمَنْفَعَةِ الْقَرَافِيُّ.
بِلَا اسْتِيفَاءِ عَيْنٍ قَصْدًا
وَلَا حَظْرَ، وَتَعَيَّنَ،
[منح الجليل]
احْتِرَازٌ مِنْ إيجَارِ أَخْرَسَ لِلْكَلَامِ وَأَعْمَى لِلْإِبْصَارِ وَأَرْضٍ لَا مَاءَ لَهَا لِزِرَاعَةٍ أَوْ غَمَرَهَا الْمَاءُ وَنَدَرَ انْكِشَافُهُ عَنْهَا، وَلَكِنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ جَوَازُهَا فِي الْأَخِيرَةِ إنْ لَمْ يَنْقُدْ.
ابْنُ شَاسٍ مِنْ شُرُوطِ الْمَنْفَعَةِ كَوْنُهَا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهَا حِسًّا وَشَرْعًا فَيُمْنَعُ إيجَارُ أَخْرَسَ لِلتَّعْلِيمِ وَأَعْمَى لِلْحِرَاسَةِ وَالْإِيجَارِ عَلَى قَتْلِ مَعْصُومٍ أَوْ قَطْعِ عُضْوِهِ أَوْ حَائِضٍ عَلَى كَنْسِ مَسْجِدٍ فَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى إخْرَاجِ الْجَانِّ وَحَلِّ الْمَرْبُوطِ.
الْآبِي لَا يَحِلُّ مَا يَأْخُذُهُ كَاتِبُ الْبَرَاءَةِ لِرَدِّ التَّلِيفَةِ لِأَنَّهُ سِحْرٌ، وَمَا يُؤْخَذُ لِحَلِّ الْمَعْقُودِ، فَإِنْ كَانَ بِرُقْيَةٍ عَرَبِيَّةٍ جَازَ، وَإِنْ كَانَ بِعَجَمِيَّةٍ امْتَنَعَ وَفِيهِ خِلَافٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ إنْ اُعْتِيدَ نَفْعُهُ جَازَ (بِلَا اسْتِيفَاءِ عَيْنٍ قَصْدًا) هَكَذَا عَبَّرَ ابْنُ شَاسٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ شَرْطُ الْمَنْفَعَةِ إمْكَانُ اسْتِيفَائِهَا دُونَ إذْهَابِ عَيْنٍ.
ابْنُ شَاسٍ فَلَا يَصِحُّ إيجَارُ الْأَشْجَارِ لِثِمَارِهَا وَشَاةٍ لِنِتَاجِهَا وَلَبَنِهَا وَصُوفِهَا لِأَنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ قَبْلَ وُجُودِهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ أَعْرِفْ هَذَا الْفَرْعَ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ لِوُضُوحِ حُكْمِهِ مِنْ الْبِيَاعَاتِ، وَتَبِعَ فِيهِ الْغَزَالِيَّ وَلَوْ رَسَمَ الْمَنْفَعَةَ بِمَا قُلْنَاهُ مَا احْتَاجَ إلَى ذِكْرِهِ.
(وَ) بِ (لَا حَظْرٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مَنْعٍ مِنْ اسْتِيفَائِهَا فَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى مَمْنُوعٍ شَرْعًا، كَقَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ ضَرْبٍ عُدْوَانًا.
ابْنُ عَرَفَةَ تَبِعَ ابْنَ شَاسٍ الْغَزَالِيَّ فِي قَوْلِهِ الْعَجْزُ الشَّرْعِيُّ كَالْحِسِّيِّ فِي الْإِبْطَالِ، فَلَوْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى قَلْعِ سِنٍّ صَحِيحَةٍ أَوْ قَطْعِ يَدٍ صَحِيحَةٍ لَمْ تَجُزْ وَلَوْ كَانَتْ الْيَدُ مُتَأَكِّلَةً وَالسِّنُّ مُتَوَجِّعَةً جَازَتْ.
ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ مَنْ ذَهَبَ بَعْضُ كَفِّهِ فَخَافَ عَلَى بَاقِي يَدِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ مِنْ الْمَفْصِلِ إنْ لَمْ يَخَفْ مَوْتَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ إنْ كَانَ خَوْفُ مَوْتِهِ مِنْ بَقَاءِ يَدِهِ أَشَدَّ مِنْ خَوْفِ مَوْتِهِ لِقَطْعِهَا فَلَهُ قَطْعُهَا.
عِيَاضٌ يَأْتِي عَلَى مَا أَدْخَلَهُ الطَّبَرِيُّ فِي النَّهْيِ مَنْ خُلِقَ لَهُ إصْبَعٌ أَوْ يَدٌ زَائِدَةٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَطْعُهَا وَلَا نَزْعُهَا لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الزَّائِدُ يُؤْذِيهِ وَيُؤْلِمُهُ مِنْ إصْبَعٍ أَوْ ضِرْسٍ فَلَا بَأْسَ بِنَزْعِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
(وَ) بِلَا (تَعَيُّنٍ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ التَّحْتِيَّةِ مُثَقَّلَةً، أَيْ طَلَبُ الْمَنْفَعَةِ
وَلَوْ مُصْحَفًا، وَأَرْضًا غَمَرَ مَاؤُهَا، وَنَدَرَ انْكِشَافُهُ
[منح الجليل]
مِنْ مُكَلَّفٍ بِعَيْنِهِ وَلَوْ غَيْرَ فَرْضٍ كَرَغِيبَةٍ وَضُحًى وَصَوْمِ عَاشُورَاءَ وَحَجِّ تَطَوُّعٍ وَعُمْرَةٍ وَتَجْهِيزِ مَيِّتٍ مُتَعَيِّنٍ وَالْتِقَاطِ لُقَطَةٍ خِيفَ عَلَيْهَا الْخِيَانَةُ، فَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا لِتَعَيُّنِهِ عَلَى الْأَجِيرِ.
ابْنُ يُونُسَ لَا جَعَلَ لِمَنْ وَجَدَ ضَالَّةً وَأَتَى بِهَا، إذْ لَا جَعَلَ فِي رَدِّ الْأَمَانَةِ إلَى رَبِّهَا.
ابْنُ رُشْدٍ الْجُعْلُ لَا تَجُوزُ فِيمَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ فِعْلُهُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ.
الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَوْ قَالَ دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا وَلَك كَذَا فَدَلَّهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ أَشِرْ عَلَيَّ وَانْصَحْ لِي فِي ذَلِكَ، وَهَذَا لَوْ سَأَلَهُ دُونَ جُعْلٍ لَلَزِمَهُ أَنْ يَفْعَلُهُ لِحَدِيثِ الدِّينُ النَّصِيحَةُ.
ابْنُ شَاسٍ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الِاسْتِنَابَةِ عَلَى الْحَجِّ وَالْإِجَارَةِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا حَمْلُ الْجِنَازَةِ وَحَفْرُ الْقَبْرِ وَغَسَلَ الْمَيِّت فَتُجْزِي فِيهِ النِّيَابَةُ وَالْأُجْرَةُ.
وَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الْإِمَامَةِ مَعَ الْأَذَانِ، وَلَا تَجُوزُ عَلَى الصَّلَاةِ بِانْفِرَادِهَا فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، وَلَا عَلَى الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَا تُجْزِي النِّيَابَةُ فِيهَا كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَنَحْوِهِمَا، وَتَصِحُّ إجَارَةُ مَالِهِ مَنْفَعَةٍ مُتَقَوِّمَةٍ مَقْدُورَةٌ عَلَى تَسْلِيمِهَا بِلَا اسْتِيفَاءِ عَيْنٍ قَصْدًا غَيْرَ مَحْظُورَةٍ وَلَا مُتَعَيِّنَةٍ إنْ كَانَ غَيْرَ مُصْحَفٍ وَأَرْضٍ غَمَرَهَا الْمَاءُ وَنَدَرَ انْكِشَافُهَا وَشَجَرٍ لِتَجْفِيفِ ثِيَابٍ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (مُصْحَفًا) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ كِتَابًا مُشْتَمِلًا عَلَى الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فَتَصِحُّ إجَارَتُهُ لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِحَوْزِ إجَارَةِ الْمُصْحَفِ لِمَنْ يَقْرَأُ فِيهِ لِجَوَازِ بَيْعِهِ.
وَأَجَازَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَكَثِيرٌ مِنْ التَّابِعِينَ بَيْعَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَا لَمْ تَجْعَلْهُ تَجْرًا، أَمَّا مَا عَمِلْته بِيَدِك فَجَائِزٌ.
وَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى كِتَابَتِهِ.
أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا لَمْ تَجْعَلْهُ تَجْرًا هَلْ مَعْنَاهُ فَلَا يَجُوزُ أَوْ فَيُكْرَهُ، وَأَشَارَ بِ وَلَوْ لِمَنْعِ ابْنِ حَبِيبٍ إجَارَتَهُ.
(وَأَرْضًا غَمَرَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ أَيْ كَثُرَ (مَاؤُهَا) الْجَارِي عَلَيْهَا (وَنَدَرَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ قَلَّ جِدًّا (انْكِشَافُهُ) أَيْ زَوَالُ الْمَاءِ عَنْ الْأَرْضِ فَيَصِحُّ كِرَاهَا وَالْمَاءُ الْكَثِيرُ غَامِرُهَا.
وَأَمَّا مَا لَا تَنْكَشِفُ أَصْلًا فَلَا يَصِحُّ كِرَاؤُهَا لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهَا.
ابْنُ الْحَاجِبِ لَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ وَمَاؤُهَا غَامِرٌ وَانْكِشَافُهُ
وَشَجَرًا لِتَجْفِيفٍ عَلَيْهَا عَلَى الْأَحْسَنِ، لَا لِأَخْذِ ثَمَرَتِهِ، أَوْ شَاةٍ لِلَبَنِهَا،
[منح الجليل]
نَادِرٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ جَوَازُهُ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ الْغَيْرُ وَنَصُّهَا مَنْ أَكْرَى أَرْضَهُ الْغَرِقَةَ بِكَذَا إنْ انْكَشَفَ مَاؤُهَا وَإِلَّا فَلَا كِرَاءَ بَيْنَهُمْ، وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يَنْكَشِفَ عَنْهَا جَازَ إنْ لَمْ يَنْقُدْ وَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ إلَّا أَنْ يُوقِنَ بِانْكِشَافِهِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ إنْ خِيفَ أَنْ لَا يَنْكَشِفَ فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْ.
فِي الْمُقَدِّمَاتِ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ جَوَازُ الْعَقْدِ كَانَتْ الْأَرْضُ أَرْضَ مَطَرٍ أَوْ نِيلٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مَأْمُونَةً أَوْ غَيْرَ مَأْمُونَةٍ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى جَوَازِ النَّقْدِ وَوُجُوبِهِ فَمَا كَانَ مِنْ الْأَرْضِ مَأْمُونًا كَأَرْضِ النِّيلِ وَالْمَطَرِ الْمَأْمُونَةِ وَأَرْضِ السَّقْيِ بِالْعُيُونِ الثَّابِتَةِ وَالْآبَارِ الْمُعَيَّنَةِ فَالنَّقْدُ فِيهَا لِلْأَعْوَامِ الْكَثِيرَةِ جَائِزٌ.
وَمَا كَانَ مِنْهَا غَيْرَ مَأْمُونٍ فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُرْوَى وَيُتَمَكَّنَ مِنْ الْحَرْثِ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ النِّيلِ أَوْ الْمَطَرِ أَوْ السَّقْيِ بِالْعُيُونِ وَالْآبَارِ.
وَأَمَّا وُجُوبُ النَّقْدِ فَيَجِبُ عِنْدَهُ فِي أَرْضِ النِّيلِ إذَا رُوِيَتْ، إذْ لَا تَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ.
وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَا يَجِبُ فِيهَا النَّقْدُ حَتَّى يَتِمَّ الزَّرْعُ وَيُسْتَغْنَى عَنْ الْمَاءِ.
(وَشَجَرًا) أُكْرِيَتْ (لِتَجْفِيفِ) بِالْجِيمِ أَيْ تَنْشِيفِ ثِيَابٍ تُنْشَرُ (عَلَيْهَا) فَيَجُوزُ (عَلَى الْأَحْسَنِ) عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ فِي إجَارَةِ الشَّجَرِ لِتَجْفِيفِ الثِّيَابِ قَوْلَانِ.
ابْنُ عَرَفَةَ تَبِعَ ابْنَ الْحَاجِبِ ابْنَ شَاسٍ فِي حِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ، وَقَبِلَهُ شَارِحُوهُ، وَلَمْ أَعْرِفْ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ.
وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ كَإِجَارَةِ مَصَبِّ مِرْحَاضٍ وَحَائِطٍ لِحَمْلِ خَشَبٍ (لَا) يَجُوزُ كِرَاءُ شَجَرٍ (لِأَخْذِ ثَمَرِهِ أَوْ شَاةٍ لِ) أَخْذِ (لَبَنِهَا) أَوْ نِتَاجِهَا أَوْ صُوفِهَا لِأَنَّ فِيهِ اسْتِيفَاءَ عَيْنٍ قَصْدًا.
ابْنُ شَاسٍ لَا يَصِحُّ إيجَارُ الْأَشْجَارِ لِثِمَارِهَا وَشَاةٍ لِنِتَاجِهَا وَلَبَنِهَا وَصُوفِهَا لِأَنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ قَبْلَ وُجُودِهَا.
" غ " بَحَثَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ اسْتِئْجَارَهَا لِلَّبَنِ لَا يَمْتَنِعُ مُطْلَقًا، وَيُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنَّ بَيْعَ اللَّبَنِ جُزَافًا جَازَ بِشَرْطِ تَعَدُّدِ الشِّيَاهِ وَكَثْرَتِهَا، وَإِنْ كَانَ بِكَيْلٍ لَمْ يَحْتَجْ إلَى الشَّرْطِ وَإِجَارَةُ الشَّاةِ لِلَبَنِهَا، قُصَارَاهُ أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ لَبَنِهَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُطْلَقَ الْمَنْعُ
وَاغْتُفِرَ مَا فِي الْأَرْضِ، مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ بِالتَّقْوِيمِ
[منح الجليل]
مِنْهُ اهـ. وَاسْتَوْفَى فِي التَّوْضِيحِ شُرُوطَ الْجَوَازِ الْمَعْرُوفَةِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا كَوْنُهُ فِي الْإِبَّانِ، ثُمَّ حَمَلَ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْإِبَّانِ كَمَا فِي الثَّمَرَةِ وَالصُّوفِ.
اهـ. وَهُوَ بَيِّنٌ مِنْ تَعْلِيلِ ابْنِ شَاسٍ بِأَنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ قَبْلَ وُجُودِهَا.
الْحَطّ يَصِحُّ أَنْ يَقْرَأَ شَاةً بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى مُقَدَّرٍ فِي قَوْلِهِ لَا لِأَخْذِ ثَمَرَتِهِ، أَيْ لَا شَجَرَ لِأَخْذِ ثَمَرَتِهِ وَلَا شَاةً لَأَخَذَ لَبَنِهَا فَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَبِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى شَجَرَةٍ فَهُوَ مِنْ الْجَائِزِ، وَعَلَى كُلٍّ فَلَا بُدَّ مِنْ عِنَايَةٍ فِيهِ، فَإِنْ جُعِلَ مِنْ الْمَمْنُوعِ قِيلَ إلَّا بِشُرُوطٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا.
وَإِنْ جُعِلَ مِنْ الْجَائِزِ قِيلَ بِشُرُوطٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا، وَهِيَ كَوْنُ الْغَنَمِ كَثِيرَةً كَعَشَرَةٍ، وَكَوْنُهُ فِي إبَّانِ اللَّبَنِ وَمَعْرِفَةُ وَجْهِ حِلَابِهَا وَكَوْنُهُ إلَى أَجَلٍ لَا يَنْقُصُ اللَّبَنَ قَبْلَهُ وَشُرُوعُهُ فِي الْأَخْذِ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ بَعْدَ أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ، وَكَوْنُ السَّلَمِ إلَى رَبِّهَا هَذَا إنْ كَانَ جُزَافًا، فَإِنْ كَانَ بِكَيْلٍ أَسْقَطَ الشَّرْطَ الْأَوَّلَ لَا يُقَالُ إفْرَادُ الشَّاةِ يُنَافِي الْأَوَّلَ لِأَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَاغْتُفِرَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ (مَا فِي الْأَرْضِ) أَوْ الدَّارِ الْمُكْتَرَاةِ مِنْ ثَمَرَةٍ دَالِيَةٍ أَوْ نَخْلَةٍ (مَا لَمْ يَزِدْ) مَا فِيهَا (عَلَى الثُّلُثِ) مُعْتَبَرًا (بِالتَّقْوِيمِ) لِكِرَاءِ الْأَرْضِ بِلَا ثَمَرَةٍ وَالثَّمَرَةُ الَّتِي اُعْتِيدَتْ لِلدَّالِيَةِ أَوْ النَّخْلَةِ وَيَسْقُطُ مِنْ قِيمَتِهَا مُؤْنَةُ سَقْيِهَا وَخِدْمَتِهَا وَنِسْبَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا لِمَجْمُوعِهِمَا.
فِيمَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ اكْتَرَى دَارًا أَوْ أَرْضًا فِيهَا سِدْرَةٌ أَوْ دَالِيَةٌ، أَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ نُبَذٌ مِنْ نَخْلٍ أَوْ شَجَرٍ وَلَا ثَمَرَةَ فِيهَا حِينَئِذٍ أَوْ فِيهَا ثَمَرَةٌ لَمْ تَزْهُ فَهِيَ لِلْمُكْرِي إلَّا أَنَّهُ إنْ اشْتَرَطَ الْمُكْتَرَى ثَمَرَةَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ تَبَعًا مِثْلَ الثُّلُثِ فَأَقَلُّ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يُقَوَّمَ كِرَاءُ الْأَرْضِ أَوْ الدَّارِ بِغَيْرِ شَرْطِ الثَّمَرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ عَشَرَةٌ قِيلَ مَا قِيمَةُ الثَّمَرَةِ فِيمَا عُرِفَ مِمَّا تُطْعِمُ كُلَّ عَامٍ بَعْدَ طَرْحِ قِيمَةِ الْمُؤْنَةِ وَالْعَمَلِ فَيُعْلَمُ الْوَسَطُ مِنْ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ خَمْسَةٌ أَوْ أَقَلُّ جَازَ.
أَصْبَغُ هَذَا إذَا عُلِمَ أَنَّ الثَّمَرَةَ تَطِيبُ قَبْلَ تَمَامِ مُدَّةِ الْكِرَاءِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَاهُ.
ابْنُ يُونُسَ أُجِيزَ لِلضَّرُورَةِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى الْمُكْتَرِي فِي دُخُولِ رَبِّ الدَّارِ لِإِصْلَاحِ الثَّمَرَةِ وَجُذَاذِهَا، كَمَا إذَا أُجِيزَ شِرَاءُ الْعَرَبَةِ بِخَرْصِهَا ثَمَرًا.
وَلَا تَعْلِيمِ غِنَاءٍ أَوْ دُخُولِ حَائِضٍ لِمَسْجِدٍ أَوْ دَارٍ: لِتُتَّخَذَ كَنِيسَةً كَبَيْعِهَا لِذَلِكَ، وَتَصَدَّقَ بِالْكِرَاءِ، وَبِفَضْلَةِ الثَّمَنِ عَلَى الْأَرْجَحِ
[منح الجليل]
ابْنُ رُشْدٍ مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ كُلَّ مَا يَفْتَرِقُ قَلِيلُهُ مِنْ كَثِيرِهِ فَثُلُثُهُ يَسِيرُ إلَّا الْجَوَائِحِ وَمُعَاقَلَةُ الْمَرْأَةِ الرَّجُلَ وَمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ مِنْ الدِّيَةِ، وَجَمَعَهَا " غ " فِي قَوْلِهِ:
فَالثُّلْثُ نَزْرٌ فِي سِوَى الْمُعَاقَلَهْ ... ثُمَّ الْجَوَائِحُ وَحَمْلُ الْعَاقِلَهْ
(وَ) لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى (تَعْلِيمِ غِنَاءٍ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَمْدُودًا، أَيْ التَّغَنِّي وَالتَّطْرِيبُ بِالْأَهْوِيَةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي عِلْمِ الْمُوسِيقَى.
وَأَمَّا الْمَقْصُورُ فَهُوَ الْيَسَارُ، وَكَذَا عَلَى تَعْلِيمِ اسْتِعْمَالِ آلَاتِ الطَّرَبِ كَالْعُودِ وَالْمِزْمَارِ لِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» ، وَهَذَا مِنْ مَفْهُومِ بِلَا حَظْرٍ.
الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لَا خِلَافَ فِي حُرْمَةِ أَجْرِ الْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحَةِ وَلَا فِي حُرْمَةِ مَا يَأْخُذُهُ الْكَاهِنُ وَلَا يَحِلُّ مَا يَأْخُذُهُ الَّذِي يَكْتُبُ الْبَرَاءَةَ لِرَدِّ التَّلِيفَةِ لِأَنَّهُ مِنْ السِّحْرِ.
وَسُئِلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَمَّنْ ذَهَبَتْ لَهُ حَوَائِجُ فَقَرَأَ فِي دَقِيقٍ وَجَعَلَ يُطْعِمُهُ أُنَاسًا اتَّهَمَهُمْ، وَمِنْهُمْ امْرَأَةٌ حَامِلٌ فَقَالَتْ إنْ أَطْعَمْتُمُونِي أَمُوتُ فَأَطْعَمُوهَا مِنْهُ فَمَاتَتْ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْأَدَبُ.
وَأَمَّا مَا يُؤْخَذُ عَلَى حِلِّ الْمَعْقُودِ فَإِنْ كَانَ بِرُقْيَةٍ عَرَبِيَّةٍ جَازَ، وَإِنْ كَانَ بِرُقْيَةٍ عَجَمِيَّةٍ فَلَا يَجُوزُ، وَفِيهِ خِلَافٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إنْ تَكَرَّرَ نَفْعُهُ جَازَ.
(وَ) لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى (دُخُولِ حَائِضٍ لِمَسْجِدٍ) لِتَكْنُسَهُ لِحُرْمَةِ دُخُولِهَا فِيهِ وَمِثْلُهَا إجَارَةُ مُسْلِمٍ لِكَنْسِ كَنِيسَةٍ أَوْ رَعْيِ خِنْزِيرٍ أَوْ لِعَمَلِ خَمْرٍ فَيُفْسَخُ وَيُؤَدَّبُ إنْ لَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلٍ، وَإِنْ نَزَلَ وَفَاتَ فَاسْتَحَبَّ ابْنُ الْقَاسِمِ التَّصَدُّقَ بِالْأُجْرَةِ (أَوْ) كِرَاءِ (دَارٍ) أَوْ أَرْضٍ (لِتُتَّخَذَ) بِضَمِّ التَّاءِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ (كَنِيسَةً) أَوْ بِيعَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ أَوْ لِيُبَاعَ فِيهَا الْخَمْرُ وَلِاجْتِمَاعِ الْمُفْسِدِينَ (أَوْ بَيْعِهَا) أَيْ الدَّارِ أَوْ الْأَرْضِ (لِذَلِكَ) أَيْ اتِّخَاذِهَا كَنِيسَةً أَوْ نَحْوَهَا (وَإِنْ) نَزَلَ (تُصَدَّقُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَالصَّادِ وَكَسْرِ الدَّالِ مُشَدَّدَةً (بِالْكِرَاءِ) كُلِّهِ إنْ أُكْرِيَتْ (وَبِفَضْلِهِ) أَيْ زِيَادَةِ (الثَّمَنِ) الَّذِي بِيعَتْ بِهِ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي يُبَاعُ بِهِ بَيْعًا جَائِزًا (عَلَى الْأَرْجَحِ) عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ مِنْ الْخِلَافِ.
وَلَا مُتَعَيِّنٍ: كَرَكْعَتِي الْفَجْرِ،
[منح الجليل]
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ دَارِهِ أَوْ يُكْرِيَهَا مِمَّنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً.
ابْنُ يُونُسَ فَإِنْ نَزَلَ فَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يَتَصَدَّقُ بِالثَّمَنِ وَالْكِرَاءِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَتَصَدَّقُ بِفَضْلَةِ الثَّمَنِ وَبِفَضْلَةِ الْكِرَاءِ تُقَوَّمُ الدَّارَانِ، لَوْ بِيعَتْ أَوْ كُرِيَتْ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَيُعْلَمُ الزَّائِدُ فَيُتَصَدَّقُ بِهِ، لِأَنَّهُ ثَمَنُ مَا لَا يَحِلُّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُتَصَدَّقُ بِالْفَضْلَةِ فِي الْبَيْعِ وَبِالْجَمِيعِ فِي الْكِرَاءِ.
ابْنُ يُونُسَ وَبِهَذَا أَقُولُ.
(وَلَا) تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلِ شَيْءٍ (مُتَعَيِّنٍ) أَيْ مَطْلُوبٍ مِنْ عَيْنِ الْأَجِيرِ وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ (كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ) وَرَكْعَةِ الْوِتْرِ سَوَاءٌ اسْتَأْجَرَ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ عَنْ مُسْتَأْجِرِهِ لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ أَوْ عَنْ نَفْسِهِ لِاجْتِمَاعِ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ لِوَاحِدٍ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ مَنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
طفي فَلَيْسَ الْمُرَادُ كُلَّ مَنْدُوبٍ بَلْ مَا لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ فَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ.
ابْنُ فَرْحُونٍ هَذَا حُكْمُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَالْإِجَارَةُ عَلَيْهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى وُصُولِ ثَوَابِهَا لِلْمَيِّتِ.
وَفِي فَتْوَى ابْنِ رُشْدٍ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] قَالَ إنْ قَرَأَ وَأَهْدَى ثَوَابَ قِرَاءَتِهِ لِلْمَيِّتِ جَازَ ذَلِكَ وَحَصَلَ أَجْرُهُ لِلْمَيِّتِ وَوَصَلَ إلَيْهِ نَفْعُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِحَدِيثِ النَّسَائِيّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ دَخَلَ مَقْبَرَةً وَقَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً وَأَهْدَى ثَوَابَهَا لَهُمْ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ بِعَدَدِ مِنْ دُفِنَ فِيهَا» الْقَرَافِيُّ الْأَعْمَالُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ قِسْمٌ لَا يَصِلُ اتِّفَاقًا كَالْإِيمَانِ، وَقِسْمٌ يَصِلُ اتِّفَاقًا كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ، وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَصِلُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ يَصِلُ، ثُمَّ قَالَ فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ لَا يَتْرُكَهُ فَلَعَلَّ الْحَقَّ هُوَ الْوُصُولُ، فَإِنَّهُ مُغَيَّبٌ، وَكَذَا التَّهْلِيلُ الَّذِي اعْتَادَ النَّاسُ يَنْبَغِي عَمَلُهُ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ أُوصِيك بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى شِرَاءِ نَفْسِك مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ تَقُولَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ سَبْعِينَ أَلْفًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَعْتِقُك وَيَعْتِقُ مَنْ تَقُولُهَا عَنْهُ مِنْ النَّارِ وَرَدَ بِهِ
بِخِلَافِ الْكِفَايَةِ.
وَعُيِّنَ: مُتَعَلِّمٌ، وَرَضِيعٌ، وَدَارٌ؛ وَحَانُوتٌ وَبِنَاءٌ عَلَى جِدَارٍ،
[منح الجليل]
خَبَرٌ نَبَوِيٌّ.
طفي فَكَلَامُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ يَدُلُّ عَلَى الْوُصُولِ فَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَيْهَا شَرْقًا وَغَرْبًا، وَلَوْلَا قَوْلُهُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَحُمِلَ قَوْلُهُ وَلَا مُتَعَيِّنٍ عَلَى خُصُوصِ الْوَاجِبِ، وَيَكُونُ إشَارَةً لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ لَا يَجُوزُ الْجُعْلُ فِيمَا يَلْزَمُ فِعْلُهُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِيمَا لَا يَلْزَمُ فِعْلُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بِخِلَافِ) الْعَمَلِ الْمَطْلُوبِ عَلَى سَبِيلِ (الْكِفَايَةِ) مِنْ الْبَعْضِ عَنْ غَيْرِهِ كَتَغْسِيلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ فَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ إلَّا الصَّلَاةَ فَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا لِتَعَيُّنِهَا بِصُورَتِهَا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ التَّغْسِيلِ وَالتَّكْفِينِ وَالْحَمْلِ وَالدَّفْنِ.
(وَعُيِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا وُجُوبًا شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْإِجَارَةِ عَلَى التَّعْلِيمِ لِقِرَاءَةٍ أَوْ صَنْعَةٍ شَخْصٌ (مُتَعَلِّمٌ) تَخْفِيفًا لِلْغَرَرِ، لِاخْتِلَافِ التَّعْلِيمِ صُعُوبَةً وَسُهُولَةً وَتَوَسُّطًا بَيْنَهُمَا بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُتَعَلِّمِ بِالْحِذْقِ وَالْبَلَادَةِ وَالتَّوَسُّطِ بَيْنَهُمَا (و) عُيِّنَ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْإِرْضَاعِ شَخْصٌ (رَضِيعٌ) لِاخْتِلَافِ إرْضَاعِهِ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ بِاخْتِلَافِ قِلَّةِ رَضَاعِهِ وَكَثْرَتِهِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ يَلْزَمُ تَعْيِينُ الرَّضِيعِ وَالْمُتَعَلِّمِ بِخِلَافِ غَنَمٍ وَنَحْوِهَا.
اللَّخْمِيُّ تَجُوزُ إجَارَةُ الظِّئْرِ إذَا كَانَ الصَّبِيُّ حَاضِرًا لِيَرَى، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُذْكَرَ سِنُّهُ، وَإِنْ جُرِّبَ رَضَاعَهُ لِيُعْلَمَ قُوَّةَ رَضَاعِهِ مِنْ ضَعْفِهِ كَانَ أَحْسَنَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا جَازَ لِتَقَارُبِ الرَّضَاعِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا تَجُوزُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ رَضَاعِهِ، قَالَ فِي الظِّئْرِ تُسْتَأْجَرُ لِإِرْضَاعِ صَبِيَّيْنِ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ إنْ أَتَى بِآخَرَ مَكَانَ مَنْ مَاتَ لَمْ تَدْرِ هَلْ رَضَاعُهُ مِثْلُ مَنْ مَاتَ أَمْ لَا، لِاخْتِلَافِ الرَّضَاعِ.
(وَ) عُيِّنَ (دَارٌ وَحَانُوتٌ) وَحَمَّامٌ وَفُنْدُقٌ وَنَحْوُهَا فِي كِرَائِهَا لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِيهَا بِاخْتِلَافِهَا بِالسَّعَةِ وَالْعُلْوِ وَالسُّفْلِ وَالنُّورِ وَالظُّلْمَةِ وَالْمَوْضِعِ، وَقُرْبِهَا مِنْ الْمَسْجِدِ وَالشَّارِعِ وَبُعْدِهَا عَنْهُمَا وَالتَّوَسُّطِ وَالتَّطَرُّفِ وَغَيْرِهَا.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ اكْتَرَى دَارًا بِإِفْرِيقِيَّةَ وَهُوَ بِمِصْرَ جَازَ كَشِرَائِهَا، وَلَا بَأْسَ بِالنَّقْدِ فِيهَا لِأَنَّهَا مَأْمُونَةٌ.
(وَ) عُيِّنَ أَيْ وُصِفَ (بِنَاءٌ) أُرِيدَ إنْشَاؤُهُ (عَلَى جِدَارٍ) مُكْتَرَى لِلْبِنَاءِ عَلَيْهِ لِاخْتِلَافِ
وَمَحْمَلٍ، إنْ لَمْ تُوصَفْ، وَدَابَّةٍ لِرُكُوبٍ، وَإِنْ ضُمِنَتْ فَجِنْسٌ، وَنَوْعٌ وَذُكُورَةٌ
[منح الجليل]
الْأَغْرَاضِ فِيهِ لِرَغْبَةِ رَبِّ الْجِدَارِ فِي خِفَّتِهِ وَالْمُكْتَرَى فِي مَتَانَتِهِ، وَمَفْهُومٌ عَلَى جِدَارٍ أَنَّهُ إنْ اكْتَرَى أَرْضًا لِلْبِنَاءِ عَلَيْهَا فَلَا يُشْتَرَطُ وَصْفُهُ لِعَدَمِ اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِيهِ لِعَدَمِ تَضَرُّرِ الْأَرْضِ بِالثِّقَلِ.
(وَ) عُيِّنَ (مَحْمِلٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ مَا يُرْكَبُ فِيهِ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِيهِ بِسَعَتِهِ وَضِيقِهِ وَكِبَرِهِ وَصِغَرِهِ وَخِفَّتِهِ وَثِقَلِهِ (إنْ لَمْ يُوصَفْ) مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُتَعَلِّمِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، فَإِنْ وُصِفَ وَصْفًا شَافِيًا أَغْنَى عَنْ تَعْيِينِهِ، وَلَا يَتَأَتَّى فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْجِدَارِ إلَّا الْوَصْفُ لِعَدَمِهِ حَالَ الْعَقْدِ.
(وَ) عُيِّنَ (دَابَّةٌ) اُكْتُرِيَتْ لِلرُّكُوبِ (عَلَيْهَا) لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِيهَا بِلِينِ ظَهْرِهَا وَيُبْسِهِ وَسُرْعَةِ سَيْرِهَا وَبُطْئِهِ وَسُهُولَةِ انْقِيَادِهَا وَصُعُوبَتِهِ (وَإِنْ ضُمِنَتْ) الدَّابَّةُ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ فِي ذِمَّةِ مُكْرِيهَا فَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهَا بِشَخْصِهَا (فَ) يُعَيَّنُ (جِنْسٌ) لَهَا لُغَوِيٌّ مِنْ إبِلٍ أَوْ خَيْلٍ أَوْ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِيهَا (وَ) يُعَيَّنُ (نَوْعٌ) أَيْ صِنْفٌ لَهَا مِنْ عِرَابٍ أَوْ بُخْتٍ وَعَرَبِيَّةٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ وَمَغْرِبِيَّةٍ أَوْ شَامِيَّةٍ وَحَضَرِيَّةٍ أَوْ بَدَوِيَّةٍ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ بِذَلِكَ (وَ) تُعَيَّنُ (ذُكُورَةٌ) أَوْ أُنُوثَةٌ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ بِهِمَا.
وَمَفْهُومٌ لِرُكُوبٍ أَنَّهَا إنْ أُكْرِيَتْ لِحَمْلٍ أَوْ سَقْيٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ دَرْسٍ فَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ الْغَرَضُ فِيهِ.
فِيهَا كِرَاءُ الدَّوَابِّ عَلَى وَجْهَيْنِ دَابَّةٌ بِعَيْنِهَا أَوْ مَضْمُونَةٌ.
وَفِي الْمَعُونَةِ الْمَرْكُوبُ الْمُعَيَّنُ لَا بُدَّ أَنْ يُعْرَفَ بِتَعْيِينٍ بِإِشَارَةٍ إلَيْهِ كَهَذِهِ الدَّابَّةِ وَالنَّاقَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ يُرِيدُ لِيُحِيطَ بِهَا الْمُكْتَرِي مَعْرِفَةً كَالْمُشْتَرِي.
قَالَ وَالْمَضْمُونَةُ يُذْكَرُ جِنْسُهَا وَنَوْعُهَا وَالذُّكُورَةُ وَالْأُنُوثَةُ، وَتَبِعَهُ ابْنُ شَاسٍ وَالْمُتَيْطِيُّ.
ابْنُ رُشْدٍ كِرَاءُ الرَّوَاحِلِ وَالدَّوَابِّ عَلَى وَجْهَيْنِ مُعَيَّنًا وَمَضْمُونًا فَالْمُعَيَّنُ يَجُوزُ بِالنَّقْدِ.
وَإِلَى أَجَلٍ إذَا شَرَعَ فِي الرُّكُوبِ أَوْ كَانَ إلَى أَيَّامٍ قَلَائِلَ كَعَشَرَةٍ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُعْجِبُنِي إلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ، أَيْ إذَا نُقِدَ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ أَوْ الرَّاحِلَةُ حَاضِرَةً، فَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً فَلَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ النَّقْدِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ فِي شِرَاءِ
وَلَيْسَ لِرَاعٍ: رَعْيُ أُخْرَى، إنْ لَمْ يَقْوَ، إلَّا بِمُشَارِكٍ، أَوْ تَقِلَّ
[منح الجليل]
الْغَائِبِ وَإِنْ كَانَتْ الرَّاحِلَةُ مُعَيَّنَةً عَلَى أَنْ لَا يَرْكَبَهَا إلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَنَحْوَهَا، فَلَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِالنَّقْدِ، وَيَجُوزُ بِغَيْرِهِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُعَيَّنُ يَنْفَسِخُ كِرَاؤُهُ بِمَوْتِهِ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَإِنْ أَرَادَ الْمُكْرِي أَنْ يُعْطِيَهُ دَابَّةً أُخْرَى بِعَيْنِهَا يَبْلُغُ عَلَيْهَا إلَى مُنْتَهَى سَفَرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْقُدْ جَازَ كِرَاءٌ مُبْتَدَأً وَإِنْ كَانَ قَدْ نَقَدَهُ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ إلَى أَنْ يَكُونَ فِي مَفَازَةٍ فَيَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ، فَيَجُوزُ مُطْلَقًا لِأَنَّ قَبْضَ الْأَوَائِلِ عِنْدَهُ كَقَبْضِ الْأَوَاخِرِ.
عِيَاضٌ الرَّاحِلَةُ هِيَ النَّاقَةُ الْمُعَدَّةُ لِلرُّكُوبِ الْمُذَلَّلَةُ لَهُ، وَتُسْتَعْمَلُ فِي ذُكُورِ الْإِبِلِ وَإِنَاثِهَا وَأَصْلُهَا مِنْ الرَّحْلِ الْمَوْضُوعُ عَلَيْهَا.
ابْنُ الْمَوَّازِ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلِهِ أَوْ حَمْلِهِ أَوْ رِعَايَتِهِ فَلَا يَصْلُحُ شَرْطٌ أَنَّهُ بِعَيْنِهِ لَا غَيْرِهِ، فَيَصِيرُ رَبُّ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ لَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهَا، وَالْإِتْيَانُ بِغَيْرِهَا قَبْلَ تَمَامِ الْعِدَّةِ.
وَإِنْ هَلَكَتْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِبَدَلِهَا وَلَوْ أَرَاهُ عَيْنَ الْعَقْدِ مَا يَعْمَلُهُ أَوْ يَحْمِلُهُ أَوْ يَرْعَاهُ فَذَلِكَ كَالصِّفَةِ لِمَا يُعْمَلُ أَوْ يُحْمَلُ أَوْ يُرْعَى، فَإِنْ شَرَطَهُ بِعَيْنِهِ لَا يَعْدُوهُ فَلَا يَجُوزُ.
ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي الدَّوَابِّ الْمَرْكُوبَةِ بِتَعْيِينِهَا وَفِي الذِّمَّةِ بِتَبْيِينِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالذُّكُورَةِ لَا بِتَعْيِينِ الرَّاكِبِ وَإِنْ عُيِّنَ فَلَا يَلْزَمُ تَعْيِينُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ وَأَمَّا كِرَاءُ الدَّابَّةِ الْمَضْمُونَةِ وَالرَّاحِلَةِ الْمَضْمُونَةِ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ اكْتَرَى مِنْك دَابَّةً أَوْ رَاحِلَةً فَيَجُوزُ بِالنَّقْدِ، وَإِلَى أَجَلٍ إذَا شَرَعَ فِي الرُّكُوبِ، فَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِيهِ وَاكْتَرَى كِرَاءً مَضْمُونًا إلَى أَجَلٍ كَالْمُكْتَرِي لِلْحَجِّ فِي غَيْرِ إبَّانِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِتَعْجِيلِ جَمِيعِ الْأَجْرِ كَالسَّلَمِ إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا خَفَّفَ أَنْ يُعَرْبِنَ الدِّينَارَ لِأَنَّ الْأَكْرِيَاءَ قَطَعُوا بِالنَّاسِ وَلَا يُفْسَخُ الْكِرَاءُ الْمَضْمُونُ بِمَوْتِ الدَّابَّةِ إلَّا أَنَّ الْمُكْرِيَ إذَا قَدَّمَ لِلْمُكْتَرِي دَابَّةً فَرَكِبَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْدِلَهَا تَحْتَهُ إلَّا بِرِضَاهُ.
(وَلَيْسَ لِرَاعٍ) اُسْتُؤْجِرَ عَلَى رَعْيِ مَاشِيَةٍ (رَعْيُ) مَاشِيَةٍ (أُخْرَى) مَعَهَا (إنْ لَمْ يَقْوَ) عَلَى رَعْيِ الْأُخْرَى مَعَ الْأُولَى بِحَيْثُ لَا يَأْتِي بِمَا يَلْزَمُهُ فِي رَعْيِ الْأُولَى (إلَّا بِ) شَخْصٍ (مُشَارِكٍ) لَهُ فِي الرَّعْيِ بِحَيْثُ يَقْوَى بِهِ عَلَى رَعْيِ الْأُولَى وَالْقِيَامِ بِمَا يَلْزَمُهُ فِي رَعْيِهَا مَعَ الثَّانِيَةِ (أَوْ تَقِلُّ) الْمَاشِيَةُ الْأُولَى بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى رَعْيِ غَيْرِهَا مَعَهَا مِنْ غَيْرِ إخْلَالٍ بِشَيْءٍ
وَلَمْ يُشْتَرَطْ خِلَافُهُ، وَإِلَّا فَأَجْرُهُ لِمُسْتَأْجَرِهِ: كَأَجِيرٍ لِخِدْمَةٍ: آجَرَ نَفْسَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَعْيُ الْوَلَدِ، إلَّا لِعُرْفٍ،
[منح الجليل]
مِمَّا يَلْزَمُهُ فِي رَعْيِهِمَا، فَيَجُوزُ لَهُ رَعْيُ غَيْرِهَا مَعَهَا (إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ عَلَيْهِ فِي إجَارَتِهِ لِرَعْيِ الْأُولَى (خِلَافُهُ) أَيْ عَدَمُ رَعْيِ غَيْرِهَا مَعَهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ فِي إجَارَتِهِ لِرَعْيِ الْأُولَى أَنْ لَا يَرْعَى غَيْرَهَا مَعَهَا فَخَالَفَ وَرَعَى غَيْرَهَا مَعَهَا بِأُجْرَةٍ (فَأَجْرُهُ) لِرَعْيِ غَيْرِهَا مُسْتَحَقٌّ (لِمُسْتَأْجِرِهِ) عَلَى رَعْيِ الْأُولَى لِمِلْكِهِ جَمِيعَ رَعْيِهِ.
وَشَبَّهَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ أُجْرَةَ الْأَجِيرِ عَلَى الْعَمَلِ الثَّانِي فَقَالَ (ك) أَجْرِ (أَجِيرٍ) اُسْتُؤْجِرَ (لِخِدْمَةٍ) فَأَجَّرَ نَفْسَهُ لِغَيْرِ مُسْتَأْجِرِهِ فَأَجْرُهُ الثَّانِي مُسْتَحَقٌّ لِمُسْتَأْجِرِهِ الْأَوَّلِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمٍ كَثِيرَةٍ لَا يَقْوَى عَلَى رَعْيِ أَكْثَرَ مِنْهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْعَى مَعَهَا غَيْرَهَا إلَّا أَنْ يُدْخِلَ مَعَهُ رَاعِيًا يَقْوَى بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَنَمًا يَسِيرَةً فَذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ رَبُّهَا أَنْ لَا يَرْعَى مَعَهَا غَيْرَهَا، فَإِنْ رَعَى الرَّاعِي مَعَهَا غَيْرَهَا بَعْدَ هَذَا الشَّرْطِ فَالْأَجْرُ لِرَبِّ الْأُولَى، وَكَذَلِكَ أَجِيرُك لِلْخِدْمَةِ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِك يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ فَلَكَ أَخْذُ الْأَجْرِ أَوْ تَرْكُهُ وَإِسْقَاطُ حِصَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْأَجْرِ عَنْك.
ابْنُ يُونُسَ إنْ أَجَرَ نَفْسَهُ فَمَا يُشَابِهُ مَا آجَرْته فِيهِ أَوْ يُقَارِبُهُ.
وَأَمَّا إنْ آجَرْته عَلَى الرِّعَايَةِ شَهْرًا بِدِينَارٍ فَأَجَرَ نَفْسَهُ فِي الْحَصَادِ أَوْ آجَرْته يَخْدُمُك فِي الْغَزْوِ فَقَاتَلَ وَأَسْهَمَ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، فَهَذَا وَشِبْهُهُ لَا يَكُونُ فِيهِ إلَّا إسْقَاطُ حِصَّةِ مَا عُطِّلَ مِنْ عَمَلِك مِنْ الْأَجْرِ.
(وَلَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ الرَّاعِي (رَعْيُ) جِنْسِ (الْوَلَدِ) الَّذِي وَلَدَتْهُ الْمَاشِيَةُ الَّتِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَى رَعْيِهَا (إلَّا لِعَرْفٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ بَيْنَهُمْ بِرَعْيِهِ الْوَلَدَ فَيَلْزَمُهُ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا وَشَرَطَ رَبُّهَا أَنَّ مَا مَاتَ مِنْهَا أَخْلَفَهُ فَتَوَلُّدُ الْغَنَمِ حَمْلًا فِي رِعَايَةِ الْوَلَدِ عَلَى عُرْفِ النَّاسِ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ سَنَةٌ فَلَا يَلْزَمُهُ رِعَايَتُهَا.
ابْنُ اللَّبَّادِ وَعَلَى رَبِّهَا أَنْ يَأْتِيَ بِرَاعٍ يَرْعَى مَعَهُ لِلتَّفْرِقَةِ.
أَبُو الْحَسَنِ رَاعَى التَّفْرِقَةَ فِي الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ وَمِثْلُهُ فِي سَمَاعِ عِيسَى.
ابْنُ عَرَفَةَ مَعْنَاهُ أَنَّ التَّفْرِيقَ تَعْذِيبٌ لَهَا فَهُوَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ
وَعَمِلَ بِهِ فِي الْخَيْطِ وَنَقْشِ الرَّحَى، وَآلَةِ بِنَاءٍ، وَإِلَّا فَعَلَى رَبِّهِ: عَكْسُ إكَافٍ، وَشِبْهِهِ
[منح الجليل]
تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ، وَلِتَضَرُّرِ الرَّاعِي بِنُدُودِ الْأُمَّهَاتِ إلَى أَوْلَادِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَعُمِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (بِهِ) أَيْ الْعُرْفِ (فِي الْخَيْطِ) الَّذِي يُخَاطُ بِهِ الثَّوْبُ الْمُسْتَأْجَرُ عَلَى خِيَاطَتِهِ فِي كَوْنِهِ عَلَى رَبِّ الثَّوْبِ أَوْ الْخَيَّاطِ (وَنَقْشِ الرَّحَى) الْمُكْتَرَاةِ لِلطَّحْنِ بِهَا فِي كَوْنِهِ عَلَى مُكْرِيهَا أَوْ مُكْتَرِيهَا (وَ) فِي (آلَةِ بِنَاءٍ) فِي كَوْنِهَا عَلَى رَبِّ الْبَيْتِ أَوْ عَلَى الْعَامِلِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ (فَعَلَى رَبِّهِ) أَيْ الْمَصْنُوعِ مِنْ ثَوْبٍ وَرَحَى وَبَيْتٍ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَجَّرْته عَلَى بِنَاءِ دَارٍ فَالْأَدَاةُ وَالْفُؤُوسُ وَالْقِفَافُ وَالدِّلَاءُ عَلَى مَنْ تَعَارَفْ النَّاسُ أَنَّهُ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ حَثَيَانُ التُّرَابِ عَلَى الْقَبْرِ وَنَقْشُ الرَّحَى وَشِبْهُهُ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ سَنَةٌ فَآلَةُ الْبِنَاءِ عَلَى رَبِّ الدَّارِ وَنَقْشُ الرَّحَى عَلَى رَبِّهِ.
ابْنُ شَاسٍ اسْتِئْجَارُ الْخَيَّاطِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْخَيْطَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ.
ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ كَقَوْلِهَا فِي آلَةِ الْبِنَاءِ وَعُرْفُنَا فِي الْأَجِيرِ أَنْ لَا خَيْطَ عَلَيْهِ.
وَفِي الصَّانِعِ الْخَيْطُ عَلَيْهِ.
ابْنُ الْعَطَّارِ نَقْشُ الرَّحَى عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ عُرْفًا، فَإِنْ عُدِمَ الْعُرْفُ فَعَلَى رَبِّهَا.
ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ أَبِي زَمَنِينَ عُرْفُنَا عَلَى الْمُكْتَرِي وَذَلِكَ (عَكْسُ) أَيْ خِلَافُ حُكْمِ (إكَافٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَخِفَّةِ الْكَافِ أَيْ رَحْلٌ (وَشِبْهُهُ) أَيْ الْإِكَافِ كَبَرْذَعَةٍ وَسَرْجٍ وَحِزَامٍ فَهُوَ عِنْدَ عَدَمِ الْعُرْفِ عَلَى الْمُكْتَرَى حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ، وَقَرَّرَ بِهِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ عَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ، وَبِهِ قَرَّرَ الْبِسَاطِيُّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ قَالَهُ تت.
ابْنُ شَاسٍ عَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ تَسْلِيمُ مَا الْعَادَةُ تَسْلِيمُهُ مَعَهَا مِنْ إكَافٍ وَبَرْذَعَةٍ وَحِزَامٍ وَسَرْجٍ فِي الْفَرَسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُعْتَادٍ لِأَنَّ الْعُرْفَ كَالشَّرِكَةِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي إعَانَةِ الرَّاكِبِ فِي النُّزُولِ وَالرُّكُوبِ فِي الْمُهِمَّاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ، وَكَذَا رَقْعُ الْحَمْلِ وَالْمَحْمِلِ " غ " قَوْلُهُ عَكْسُ إكَافٍ وَشِبْهُهُ، أَيْ فَإِنْ كَانَ فِيهِ عُرْفٌ عُمِلَ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ، فَالْعَكْسُ حَيْثُ لَا عُرْفَ وَلَوْ كَانَ حَيْثُ لَا عُرْفَ عَلَى الْمُكْتَرِي كَمَا فَهِمَ الشَّارِحُ لَكَانَ مُسَاوِيًا لِمَا قَبْلَهُ لَا مُخَالِفًا لَهُ، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ظَهَرَ مِنْهُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ عَدَلَ عَنْ طَرِيقَةِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَعَوَّلَ عَلَى مَا أُقِيمَ مِنْ قَوْلِهَا فِي كِتَابِ الرَّوَاحِلِ وَالدَّوَابِّ وَلَا بَأْسَ أَنْ تَكْتَرِيَ مِنْ رَجُلٍ إبِلًا عَلَى أَنَّ عَلَيْك رُحْلَتَهَا.
أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ رُحْلَتُهَا مَعْنَاهُ حَلُّهَا وَرَبْطُهَا وَالْقِيَامُ بِهَا فَإِنَّ ظَاهِرَهُ لَوْلَا الشَّرْطُ لَكَانَ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْإِبِلِ، بَلْ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَإِنْ بَحَثَ فِيهِ وَارْتَضَاهُ الْمُصَنِّفُ وَجَعَلَهُ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَعَلَى مُكْرِي الدَّابَّةِ الْبَرْذَعَةُ وَشِبْهُهَا وَالْإِعَانَةُ فِي الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ وَرَفْعِ الْأَحْمَالِ وَحَطُّهَا بِالْعُرْفِ، إذْ مَفْهُومُ قَوْلِهِ بِالْعُرْفِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ لَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الْمُكْتَرِي
وَانْظُرْ هَلْ يَتَنَاوَلُ اسْمُ الرِّحْلَةِ رَفْعَ الْأَحْمَالِ وَحَطَّهَا أَبْيَنَ مِنْ تَنَاوُلِهِ الْإِكَافَ وَشِبْهَهُ، أَمْ هُمَا سَوَاءٌ، وَقَدْ فَسَّرَ أَبُو الْحَسَنِ الرُّحْلَةَ بِحَلِّ الْإِبِلِ وَرَبْطِهَا وَالْقِيَامِ بِهَا، وَزَادَ هُوَ وَابْنُ عَرَفَةَ إقَامَةً أُخْرَى مِنْ قَوْلِهَا وَإِذَا اكْتَرَيْت مِنْ رَجُلٍ إبِلُهُ ثُمَّ هَرَبَ الْجَمَّالُ وَتَرَكَهَا فِي يَدَيْك فَأَنْفَقْت عَلَيْهَا فَلَكَ الرُّجُوعُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْ اكْتَرَيْت مَنْ يُرَحِّلُهَا رَجَعْت بِكِرَائِهِ، وَتَأَوَّلَهَا أَبُو إِسْحَاقَ بِكَوْنِ الْعَادَةِ أَنَّ رَبَّ الْإِبِلِ هُوَ الَّذِي يُرَحِّلُهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ وَالْأَظْهَرُ بِمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ أَنْ يَلْزَمَ الْمُكْرِيَ الْبَرْذَعَةُ وَالسَّرْجُ وَنَحْوُهُمَا لَا مُؤْنَةُ الْحَطِّ وَالْحَمْلِ، لِمَا فِي سَمَاعِ عِيسَى.
ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ اكْتَرَى مَنْزِلًا فِيهِ عُلْوٌ بِلَا سُلَّمٍ فَقَالَ لِرَبِّهِ اجْعَلْ لِي سُلَّمًا فَتَوَانَى وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ الْمُكْتَرِي حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ أَنَّهُ يَطْرَحُ عَنْهُ مَنَابَ الْعُلْوِ هُوَ بِجَعْلِ السُّلَّمِ لَهُ وَالْكِرَاءُ فِي هَذَا، بِخِلَافِ الشِّرَاءِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فَسُلَّمُ الْعُلْوِ كَالْبَرْذَعَةِ وَالسَّرْجِ وَنَحْوِهِمَا.
طفي نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَعَلَى مُكْرِي الدَّابَّةِ الْبَرْذَعَةُ وَشِبْهُهَا إلَخْ.
فَإِنَّهُ قَالَ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عُرْفٌ فَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مُقْتَضَى اللَّفْظِ.
وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْبَرْذَعَةَ وَالْأَحْبَالَ لَا يَتَنَاوَلُهَا اللَّفْظُ، وَكَذَلِكَ الْإِعَانَةُ فِي الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ وَرَفْعِ الْأَحْمَالِ وَحَطُّهَا إنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ فَلَا تَلْزَمُ الْجَمَّالَ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ مَا فِيهَا خِلَافُ هَذَا إلَّا أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الشُّرُوطَ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْهَا انْتِفَاءُ الْمَشْرُوطِ لِانْتِفَائِهَا غَالِبًا قَدْ يُؤْتَى بِهَا لِرَفْعِ التَّوَهُّمِ وَالنِّزَاعِ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ شُرُوطِ الْمُوَثِّقِينَ، فَلَا يَدُلُّ انْتِفَاؤُهَا عَلَى انْتِفَاءِ مَشْرُوطِهَا، وَتَأْتِي عَلَيْهِ الْمُخَالَفَةُ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَالْإِعَانَةُ فِي الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ وَرَفْعِ الْأَحْمَالِ وَحَطِّهَا نَحْوُ قَوْلِهَا رُحْلَتُهَا، وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ
وَفِي السَّيْرِ وَالْمَنَازِلِ، وَالْمَعَالِيقِ، وَالزَّامِلَةِ،
[منح الجليل]
عَلَى الْإِكَافِ وَشِبْهِهِ فَلَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْمُدَوَّنَةِ، إذْ لَمْ تَذْكُرْ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِهَا الرُّحْلَةَ أَنَّ الْبَرْذَعَةَ وَشِبْهَهَا كَذَلِكَ، لِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ وَالْأَظْهَرُ بِمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ أَنْ يَلْزَمَ الْمُكْرِيَ الْبَرْذَعَةُ وَالسَّرْجُ وَنَحْوُهُمَا لَا مُؤْنَةَ، الْحَطُّ وَالْحَمْلُ.
وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اقْتَصَرَ عَلَى مَا ذُكِرَ وَلَمْ يَزِدْ مَا زَادَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِهَذَا فَهُوَ سَالِمٌ مِنْهُ، فَنَقْلُ تت تَبَعًا لِلشَّارِحِ الْإِيرَادَ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَنَازَعَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ فِي بَحْثِهِ الْأَخِيرِ بِقَوْلِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا هَذَا اللَّفْظُ أَمْكَنَ رَدُّهُ بِمَا قَالَ إمَّا مَعَ قَوْلِهَا إنْ أَكْرَيْت إبِلًا فَهَرَبَ الْجَمَّالُ وَتَرَكَهَا فِي يَدِك فَأَنْفَقْت عَلَيْهَا فَلَكَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَكَذَا إنْ أَكْرَيْت مَنْ يُرَحِّلُهَا رَجَعْت بِكِرَائِهِ.
اهـ. لَكِنْ قَيَّدَهَا التُّونُسِيُّ بِقَوْلِهِ يُرِيدُ أَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْمُكْرِيَ يُرَحِّلُهَا فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِابْنِ عَرَفَةَ.
وَقَدْ قَيَّدَهُ التُّونُسِيُّ فَكَأَنَّهُ وَقَفَ مَعَ ظَاهِرِ لَفْظِهَا وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ تت.
وَبِمَفْهُومِهِ قَرَّرَ الْبِسَاطِيُّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، زَادَ فِي كَبِيرِهِ وَيَتِمُّ حِينَئِذٍ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَكَذَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ فِي كَبِيرِهِ فَإِنَّهُ قَالَ يُرِيدُ بِالْعَكْسِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُرْفٌ فَعَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ، وَهُوَ مَفْهُومُ الْمُدَوَّنَةِ، وَذَكَرَ نَصَّهَا الْمُتَقَدِّمَ ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ مُخَالِفٌ لَهَا وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهَا لَمْ تَتَكَلَّمْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
فَفِي عَزْوِ الشَّارِحِ لَهَا ذَلِكَ نَظَرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) عُمِلَ بِالْعُرْفِ (فِي) أَحْوَالِ (السَّيْرِ) مِنْ كَوْنِهِ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا وَكَوْنِهِ سَرِيعًا أَوْ بَطِيئًا أَوْ بَيْنَهُمَا (وَ) فِي أَحْوَالِ (الْمَنَازِلِ) أَيْ مَوَاضِعِ النُّزُولِ لِلْقَيْلُولَةِ وَالْمَبِيتِ وَمِقْدَارِ الْإِقَامَةِ بِهَا.
ابْنُ شَاسٍ كَيْفِيَّةُ السَّيْرِ وَتَفْصِيلُهُ وَقَدْرُ الْمَنَازِلِ وَمَحَلُّ النُّزُولِ فِي مَعْمُورٍ أَوْ صَحْرَاءَ مُعْتَبَرٌ بِالْعُرْفِ.
(وَ) فِي أَحْوَالِ (الْمَعَالِيقِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ مُعْلُوقٍ بِضَمِّهَا، أَيْ الْأَدَوَاتُ الَّتِي تُعَلَّقُ عَلَى الدَّابَّةِ لِلسَّمْنِ وَالزَّيْتِ وَالْعَسَلِ وَالْمَاءِ وَنَحْوِهَا.
ابْنُ شَاسٍ يَصِفُ الْمَحْمِلَ بِالسَّعَةِ أَوْ الضِّيقِ وَيُعْرَفُ تَفَاصِيلُ الْمَعَالِيقِ، فَإِنْ أَطْلَقَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ مَعْلُومًا بِالْعَادَةِ صَحَّ الْعَقْدُ.
(وَ) فِي أَحْوَالِ (الزَّامِلَةِ) بِالزَّايِ أَيْ الْخُرْجِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَجْمَعُ فِيهِ الْمُسَافِرُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ
وَوِطَائِهِ بِمَحْمَلٍ، وَبَدَلُ الطَّعَامِ الْمَحْمُولِ، وَتَوْقِيرُهُ: كَنَزْعِ الطَّيْلَسَانِ قَائِلَةٌ، وَهُوَ أَمِيرٌ، فَلَا ضَمَانَ
[منح الجليل]
فِي كَوْنِهَا عَلَى الْمُكْرِي أَوْ الْمُكْتَرِي وَكَوْنِهِ كَبِيرًا وَصَغِيرًا أَوْ مُتَوَسِّطًا (وَ) فِي أَحْوَالِ (وِطَائِهِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ أَوْ فُرُشِ الرَّاكِبِ (بِمَحْمِلٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ، أَوْ عَلَى حَوِيَّةٍ أَوْ قَتْبٍ، وَكَذَا غِطَاؤُهُ.
فِيهَا إنْ اكْتَرَى مَحْمِلًا لِمَكَّةَ وَلَمْ يَذْكُرْ وِطَاءَهُ أَوْ زَامِلَةً وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يُحْمَلُ فِيهَا مِنْ أَرْطَالٍ جَازَ، وَحَمْلًا عَلَى فِعْلِ النَّاسِ فِيهِمَا لِأَنَّ الزَّوَامِلَ عُرِفَتْ عِنْدَهُمْ وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ لَهُ الْمَعَالِيقَ وَكُلَّ مَا عَرَفَهُ النَّاسُ مِنْ الْأَمْرِ اللَّازِمِ لِلْمُكْتَرِي.
عِيَاضٌ الزَّامِلَةُ مَا يُحْمَلُ فِيهِ مِثْلُ الْإِخْرَاجِ وَشِبْهِهَا وَتُشَدُّ عَلَى الدَّوَابِّ وَالرَّوَاحِلِ.
(وَ) فِي (بَدَلِ الطَّعَامِ الْمَحْمُولِ) مَعَ الرَّاكِبِ إذَا نَقَصَ بِأَكْلٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ فَنِيَ فِيهَا إنْ نَقَصَتْ زَامِلَةُ الْحَاجِّ أَوْ نَفِدَتْ وَأَرَادَ إتْمَامَهَا وَأَبَاهُ الْجَمَّالُ حَمْلًا عَلَى عُرْفِ النَّاسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُرْفٌ فَعَلَيْهِ حَمْلُ الْوَزْنِ الْأَوَّلِ (وَ) فِي (تَوْفِيرِهِ) أَيْ الطَّعَامِ الْمَحْمُولِ بِعَدَمِ الْأَكْلِ مِنْهُ سَحْنُونٌ مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً عَلَى حَمْلٍ فِيهِ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ فَأَصَابَهُ مَطَرٌ فِي الطَّرِيقِ فَزَادَ وَزْنُهُ فَامْتَنَعَ الْجَمَّالُ مِنْ حَمْلِ الزِّيَادَةِ.
وَقَالَ الْمُكْتَرِي هُوَ الْمَتَاعُ بِعَيْنِهِ فَلَا يَلْزَمُ الْجَمَّالَ حَمْلُ الزِّيَادَةِ ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَى قَوْلِهَا يُلْزِمُ حَمْلُ وَلَدِ الْمَرْأَةِ مَعَهَا حَمْلَ زِيَادَةِ الْبَلَلِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ سَحْنُونٍ سَوَاءٌ كَانَ عُرْفٌ أَمْ لَا، وَمُقْتَضَى قَوْلِهَا فِي زَامِلَةِ الْحَاجِّ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ.
وَشُبِّهَ فِي الْعَمَلِ بِالْعُرْفِ فَقَالَ (كَنَزْعِ) أَيْ خَلْعِ (الطَّيْلَسَانِ) بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ وَكَسْرِهَا بَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، أَيْ الشَّالُ الَّذِي يُجْعَلُ عَلَى الرَّأْسِ لِاتِّقَاءِ الْبَرْدِ الْمُسْتَأْجَرُ لِذَلِكَ، وَصِلَةُ نَزَعَ (قَائِلَةٌ) بِالْهَمْزِ، أَيْ وَسَطَ النَّهَارِ وَشِدَّةِ الْحُرِّ وَأُولَى لَيْلًا.
ابْنُ رُشْدٍ إنْ اسْتَأْجَرَ ثَوْبًا لِلُبْسِهِ نَزَعَهُ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي اُعْتِيدَ نَزْعُهُ فِيهَا كَلَيْلٍ، وَقَائِلُهُ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا صَوَابٌ، كَقَوْلِهَا مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِخِدْمَتِهِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى عُرْفِ النَّاسِ مِنْ خِدْمَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ الْعُرْفُ فِي اللُّبْسِ لَزِمَ بَيَانُ وَقْتِ نَزْعِهِ أَوْ دَوَامِ لُبْسِهِ (وَهُوَ) أَيْ الْمُسْتَوْلِي عَلَى شَيْءٍ بِإِجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَأْجِرًا أَوْ مُؤَجِّرًا (أَمِينٌ) عَلَى مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ: (فَلَا ضَمَانَ) عَلَيْهِ لِمَا تَلِفَ أَوْ ضَاعَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ مِنْهُ.
ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا.
وَلَوْ شَرَطَ إثْبَاتَهُ، إنْ لَمْ يَأْتِ بِسَمْتِ الْمَيِّتِ، أَوْ عَثَرَ بِدُهْنٍ، أَوْ طَعَامٍ بِآنِيَةٍ فَانْكَسَرَتْ، وَلَمْ يَتَعَدَّ.
أَوْ انْقَطَعَ الْحَبْلُ.
وَلَمْ يُغْرَ بِفِعْلٍ:
[منح الجليل]
ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَى التَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ وَلَوْ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ.
ابْنُ يُونُسَ الْقَضَاءُ أَنَّ الْأَكْرِيَاءَ وَالْأُجَرَاءَ فِيمَا أُسْلِمَ إلَيْهِمْ كَوْنُهُمْ أُمَنَاءَ عَلَيْهِ فَلَا يَضْمَنُونَهُ إلَّا الصُّنَّاعَ وَالْأَكْرِيَاءَ عَلَى حَمْلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْإِدَامِ خَاصَّةً لِتَسَارُعِ الْأَيْدِي لَهَا، فَضَمِنُوا فِي صَلَاحِ الْعَامَّةِ كَالصُّنَّاعِ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِهَلَاكِهِ بِغَيْرِ سَبَبِهِمْ، أَوْ يَكُونَ مَعَهُ أَرْبَابُهُ لَمْ يُسَلِّمُوهُ إلَيْهِمْ فَلَا يَضْمَنُونَ، سَوَاءٌ حَمَلُوهُ عَلَى سَفِينَةٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ رَجُلٍ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ضَمَانَهُ، بَلْ (وَلَوْ شُرِطَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (إثْبَاتُهُ) أَيْ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْلِي عَلَى شَيْءٍ بِإِجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ (إنْ لَمْ يَأْتِ) الْمُسْتَوْلِي (بِسِمَةٍ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ عَلَامَةِ الْحَيَوَانِ (الْمَيِّتِ) أَيْ الَّذِي يُدَّعَى مَوْتُهُ، فَشَرْطُهُ لَغْوٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَأْتِ بِهَا.
فِي الْمَوَّازِيَّةِ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إنْ شَرَطَ الْحَمَّالُونَ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِي الطَّعَامِ أَنَّ عَلَيْهِمْ ضَمَانَ الْعُرُوضِ وَمَا لَا يُضْمَنُ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ التَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ إنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ ضَمَانَ الْعُرُوضِ فَلَا يَلْزَمُهُمْ إلَّا أَنْ يُخَالِفُوا فِي شَرْطٍ يَجُوزُ وَمِنْ الِاسْتِغْنَاءِ الْمُكْتَرِي مُصَدَّقٌ فِيمَا ادَّعَى إبَاقَهُ مِنْ الْعَبِيدِ وَتَلَفَهُ مِنْ الدَّوَابِّ.
وَفِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا ضَمَانَ عَلَى الرُّعَاةِ إلَّا فِيمَا تَعَدَّوْا فِيهِ أَوْ فَرَّطُوا فِي جَمِيعِ مَا رَعَوْا مِنْ الْغَنَمِ وَالدَّوَابِّ لِنَاسٍ شَتَّى أَوْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا شَرَطَ عَلَى الرَّاعِي الضَّمَانَ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ وَلَا يَضْمَنُ مَا يَهْلِكُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَطُوا عَلَى الرَّاعِي إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ مَا يَمُوتُ مِنْهَا يَضْمَنُ فَلَا يَضْمَنُ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا.
(أَوْ عَثَرَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ الْحَمَّالُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ ظَهْرِهِ أَوْ دَابَّتِهِ (بِدُهْنٍ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ سَمْنٌ مَائِعٌ أَوْ زَيْتٌ (أَوْ) بِ (طَعَامٍ) مُسْتَأْجَرٍ عَلَى حَمْلِهِ فَتَلِفَ فَلَا يَضْمَنُهُ (أَوْ) عَثَرَ (بِآنِيَةٍ فَانْكَسَرَتْ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَبْتَعِدْ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا فِي سَيْرِهِ وَلَا فِي سَوْقِ دَابَّتِهِ (أَوْ انْقَطَعَ الْحَبْلُ) الْمَرْبُوطُ بِهِ الْحِمْلُ أَوْ الْحَامِلُ بِهِ عَلَى ظَهْرِهِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَغُرَّ)
كَحَارِسٍ.
وَلَوْ حَمَّامِيًّا.
[منح الجليل]
بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الرَّاءِ (بِفِعْلٍ) فَإِنْ غَرَّ بِفِعْلٍ كَرَبْطٍ بِحَبْلٍ رَثٍّ وَمَشْيٍ بِزَلِقِ وَتَشْدِيدٍ فِي سَوْقِ دَابَّةٍ فَتَلِفَ فَيَضْمَنُهُ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا قَالَ الْمُكْرِي فِي كُلِّ عَرْضٍ إنَّهُ هَلَكَ أَوْ سُرِقَ أَوْ عَثَرَتْ الدَّابَّةُ فَانْكَسَرَتْ الْقَوَارِيرُ فَذَهَبَ الدُّهْنُ صُدِّقَ لَا أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِ أَوْ يَذْكُرَ أَنَّ ذَهَابَهُ كَانَ عَلَى صِفَةٍ أَتَى فِيهَا بِمَا لَا يُشْبِهُ.
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ اسْتَأْجَرْته يَحْمِلُ لَك عَلَى دَابَّةٍ دُهْنًا أَوْ طَعَامًا إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَعَثَرَتْ الدَّابَّةُ فَانْكَسَرَتْ الْقَوَارِيرُ فَذَهَبَ الدُّهْنُ أَوْ هَلَكَ الطَّعَامُ وَانْقَطَعَتْ الْحِبَالُ، فَسَقَطَ الْمَتَاعُ فَفَسَدَ، فَلَا يَضْمَنُ الْمُكْرِي قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا إلَّا أَنْ يَغُرَّ بِعِثَارٍ أَوْ ضَعْفِ الْأَحْبُلِ عَنْ حَمْلِ ذَلِكَ، فَيَضْمَنُ حِينَئِذٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ مَا تَلِفَ بِسَبَبِ عَيْبٍ دَلَّسَهُ الْمُكْرِي ضَمِنَهُ فِيهَا مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً أَوْ ثَوْرًا لِلطَّحْنِ فَرَبَطَهُ فِي الْمِطْحَنَةِ فَكَسَرَهَا أَوْ أَفْسَدَ آلَتَهَا فَلَا يَضْمَنُ ذَلِكَ مُكْرِيه إلَّا أَنْ يَغُرَّ وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ، كَقَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ أَكْرَى دَابَّتَهُ عَالِمًا أَنَّهَا عُثُورٌ وَلَمْ يُعْلِمْ الْمُكْتَرِيَ بِهِ فَعَثَرَتْ فَانْكَسَرَ مَا عَلَيْهَا فَهُوَ ضَامِنٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ أَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ مَسْأَلَةِ كَسْرِ الثَّوْرِ التَّضْمِينَ بِالْغُرُورِ بِالْقَوْلِ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ إنَّمَا هُوَ بِاللَّفْظِ يُرَدُّ بِأَنَّ إيجَابَهُ لُزُومُ الْعَقْدِ يُصَيِّرُهُ كَالْفِعْلِ، فَالْقَوْلُ إنْ تَضَمَّنَ عَقْدًا كَانَ غُرُورًا بِالْفِعْلِ لَا بِالْقَوْلِ.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ فَقَالَ (كَحَارِسٍ) فَلَا يَضْمَنُ مَا سُرِقَ إنْ لَمْ يَكُنْ حَمَّامِيًّا، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (حَمَّامِيًّا) بِشَدِّ الْمِيمِ الْأُولَى فَلَا يَضْمَنُ مَا يُسْرَقُ مِنْ ثِيَابِ الدَّاخِلِينَ وَلَوْ أَخَذَ أُجْرَةً وَنَكَّرَ حَرَسًا لِيَشْمَلَ الْحُرَّاسَ لِكَرْمٍ أَوْ نَخْلٍ أَوْ دُورٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ مَاشِيَةٍ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى أَوْ يُفَرِّطَ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا يَحْرُسُهُ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ إلَّا أَنْ تَظْهَرَ خِيَانَتُهُ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ أَجِيرُ الْحِرَاسَةِ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ جَلَسَ يَحْفَظُ ثِيَابَ مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ فَضَاعَ مِنْهَا شَيْءٌ فَلَا يَضْمَنُهُ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ مَالِكٌ مِنْ اُسْتُؤْجِرَ يَحْرُسُ بَيْتًا فَنَامَ فَسَرَقَ مَا فِيهِ فَلَا يَضْمَنُ، وَإِنْ غَابَ عَلَيْهِ وَلَهُ جَمِيعُ الْأَجْرِ وَكَذَا حَارِسُ النَّخْلِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَضْمَنُ جَمِيعُ الْحُرَّاسِ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّوْا كَانَ مَا يَحْرُسُونَهُ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَمْ لَا طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ يُعْطَى مَتَاعًا لِيَبِيعَهُ
وَأَجِيرٍ لِصَانِعٍ: كَسِمْسَارٍ.
إنْ ظَهَرَ خَيْرُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
[منح الجليل]
فَيَضِيعَ أَوْ يَضِيعَ ثَمَنُهُ إلَّا أَنَّ هَذَا لَا أَجْرَ لَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
(وَ) لَا ضَمَانَ عَلَى (أَجِيرٍ لِصَانِعٍ) كَخَيَّاطٍ وَحَيَّاكٍ وَصَائِغٍ وَصَبَّاغٍ وَقَصَّارٍ.
فِيهَا يَضْمَنُ الْقَصَّارُ مَا أَفْسَدَهُ أَجِيرُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَجِيرِ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى أَوْ يُفَرِّطَ.
الْبِسَاطِيُّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقَالَ أَشْهَبَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ كَثُرَتْ الثِّيَابُ عِنْدَ الْغَسَّالِ فَاسْتَأْجَرَ أَجِيرًا يَبْعَثُهُ بِهَا إلَى الْبَحْرِ فَيَدَّعِي تَلَفَهَا فَيَضْمَنُهَا (وَ) لَا ضَمَانَ عَلَى (سِمْسَارٍ) بِكَسْرِ السِّينِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، أَيْ دَلَّالٍ طَوَّافٍ فِي الْأَسْوَاقِ بِالسِّلَعِ أَوْ يُنَادِي عَلَيْهَا لِلْمُزَايَدَةِ إنْ (ظَهَرَ خَيْرُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ الْخِلَافِ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ خَيْرُهُ فَيَضْمَنُ اتِّفَاقًا، وَمُقَابِلُ مَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ ضَمَانُ السِّمْسَارِ وَلَوْ ظَهَرَ خَيْرُهُ وَالْقَوْلَانِ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ". فِي التَّوْضِيحِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي تَضْمِينِهِ.
وَأَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ بِتَضْمِينِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالْخَيْرِ، وَنَصُّهُ وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْسَانِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ تَضْمِينُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالْخَيْرِ اهـ. طفي وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت وَجَدْت ابْنَ رُشْدٍ لَمْ يَسْتَظْهِرْ قَوْلًا مِنْ قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَأَنَّ فَتْوَاهُ مُخَالِفَةٌ لَهُمَا، فَفِي تَعْبِيرِهِ بِالْأَظْهَرِ نَظَرٌ.
وَقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَرَفَةَ فَتْوَاهُ قَوْلًا ثَالِثًا فَقَالَ فَفِي ضَمَانِهِ مَا دُفِعَ إلَيْهِ لِيَبِيعَهُ أَوْ مَا طَلَبَهُ مِنْ رَبِّهِ لِمُشْتَرٍ أَمَرَهُ بِشِرَائِهِ.
ثَالِثُهَا مَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا لِنَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ سَحْنُونٍ مَعَ ابْنِ عَاتٍ عَنْ حَمْدِيسٍ عَنْ بَعْضِ أَقْوَالِهِ، وَلَهُ عَنْ الْعُتْبِيَّةِ وَفَتْوَى ابْنِ رُشْدٍ فَلَوْ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى عَدَمِ ضَمَانِهِ مُطْلَقًا لَأَجَادَ.
عِيَاضٌ الْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي السَّمَاسِرَةِ وَالْمَأْمُورِينَ وَالْوُكَلَاءِ أَنَّهُمْ لَا يَضْمَنُونَ، لِأَنَّهُمْ أُمَنَاءُ وَلَيْسُوا بِصُنَّاعٍ سَوَاءٌ كَانُوا بِحَوَانِيتَ أَمْ لَا، كَذَا جَاءَ فِي أُمَّهَاتِنَا وَأَجْوِبَةِ شُيُوخِنَا.
اهـ. وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ بِجَلْبِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ الدَّالِّ عَلَى عَدَمِ الضَّمَانِ، فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَعْتَمِدَ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَلَا يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَعْتَمِدَ فَتْوَى ابْنِ رُشْدٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَهَذَا وَاضِحٌ إنْ لَمْ يَنْصِبْ نَفْسَهُ لِذَلِكَ وَإِنْ نَصَبَ نَفْسَهُ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَالصَّانِعِ، وَأَظُنُّ أَنِّي وَقَفْت عَلَى هَذَا لِبَعْضِهِمْ
وَنُوتِيٍّ غَرِقَتْ سَفِينَتُهُ بِفِعْلٍ سَائِغٍ.
لَا إنْ خَالَفَ مَرْعَى شَرْطٍ أَوْ أَنْزَى بِلَا إذْنٍ.
أَوْ غُرَّ بِفِعْلٍ.
فَقِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ.
[منح الجليل]
فِي الْجَلِيسِ وَهُوَ مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ فِي حَانُوتٍ لِشِرَاءِ الْأَمْتِعَةِ مِنْهُ.
عِيَاضٌ وَهُمْ كَثِيرٌ فِي الْبَلَدِ يَنْتَصِبُونَ لِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) لَا ضَمَانَ عَلَى (نُوتِيٍّ) بِضَمِّ النُّونِ، أَيْ خَادِمِ سَفِينَةٍ (غَرِقَتْ) بِكَسْرِ الرَّاءِ (سَفِينَتُهُ بِفِعْلٍ سَائِغٍ) لَهُ فِيهَا وَأَوْلَى بِغَيْرِ فِعْلٍ، كَهَيَجَانِ رِيحٍ أَوْ اخْتِلَافِهِ مَعَ عَجْزِهِ عَنْ صَرْفِهَا لِمَا تُرْجَى سَلَامَتُهَا مَعَهُ.
فِيهَا إذَا غَرِقَتْ السَّفِينَةُ مِنْ مَدِّ النَّوَاتِيَّةِ الشِّرَاعَ فَقَالَ إنْ صَنَعُوا مَا يَجُوزُ لَهُمْ مِنْ الْمَدِّ وَالْعَمَلِ فِيهَا فَلَا يَضْمَنُونَ، وَإِنْ تَعَدَّوْا فَأَخْرَقُوا فِي مَدٍّ أَوْ عِلَاجٍ فَيَضْمَنُونَ مَا هَلَكَ فِيهَا مِنْ النَّاسِ وَالْحُمُولَةِ.
ابْنُ يُونُسَ أَرَادَ فِي أَمْوَالِهِمْ.
وَقِيلَ إنَّ الدِّيَاتِ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ (لَا) يَنْتَفِي الضَّمَانُ عَنْ الرَّاعِي (إنْ خَالَفَ) الرَّاعِي (مَرْعًى شُرِطَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرْعَى فِيهِ مَكَانًا أَوْ زَمَانًا كَلَا تَرْعَ فِي مَكَانِ كَذَا خَوْفَ وُحُوشِهِ أَوْ لُصُوصِهِ أَوْ ضَرَرِ عُشْبِهِ، كَرَعْيِ الْغَنَمِ فِي إثْرِ الْجَامُوسِ لِحُصُولِ الْغِشِّ، وَهُوَ فَسَادُ الْجَوْفِ لَهَا بِذَلِكَ، أَوْ لَا تَرْعَ أَيَّامَ الْخَرِيفِ أَوْ الْأَرْبَعَانِيَّة بِمِصْرَ قَبْلَ ارْتِفَاعِ النَّدَى عَنْ النَّبَاتِ.
فِيهَا إنْ شُرِطَ رَعْيُهُ فِي مَوْضِعٍ فَرَعَى فِي غَيْرِهِ ضَمِنَ يَوْمَ تَعَدِّيهِ وَلَهُ أَجْرُ رَعْيِهِ إلَيْهِ.
(أَوْ أَنْزَى) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ وَإِعْجَامِ الزَّايِ أَيْ حَمَلَ الرَّاعِي الذَّكَرَ عَلَى الْأُنْثَى (بِغَيْرِ إذْنٍ) مِنْ الْمَالِكِ فَمَاتَتْ مِنْهُ أَوْ مِنْ الْوِلَادَةِ فَيَضْمَنُهَا.
فِيهَا إنْ أَنْزَى الرَّاعِي عَلَى النَّعَمِ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهَا ضَمِنَهَا (أَوْ غَرَّ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الرَّاءِ أَيْ خَاطَرَ (بِفِعْلٍ) كَرَبْطٍ بِحَبْلٍ رَثٍّ وَمَشَى فِي زَلَقٍ فَتَلِفَ الشَّيْءُ بِسَبَبِ تَغْرِيرِهِ فَيَضْمَنُهُ.
فِيهَا مَنْ أَكْرَى دَابَّتَهُ وَهِيَ عَثُورٌ أَوْ رَبُوضٌ وَلَمْ يُعْلِمْ الْمُكْتَرِيَ بِذَلِكَ فَحَمَلَ عَلَيْهَا دُهْنًا مِنْ مِصْرَ إلَى فِلَسْطِينَ فَعَثَرَتْ بِالْعَرِيشِ ضَمِنَ قِيمَةَ الدُّهْنِ بِالْعَرِيشِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ بِمِصْرَ لِأَنَّهَا مِنْهَا تَعَدَّى (فَقِيمَتُهُ) أَيْ الشَّيْءِ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ بِإِرْعَائِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْإِذْنِ أَوْ الْإِنْزَاءِ عَلَيْهِ بِلَا إذْنٍ أَوْ الْمُغَرَّرِ فِيهِ بِفِعْلٍ مُعْتَبَرَةٌ (يَوْمَ التَّلَفِ) تَلْزَمُ الْأَجِيرَ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَلَهُ أُجْرَتُهُ إلَيْهِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
تت أَعَادَ هَذَا مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَهُ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ وَلَمْ يَغُرَّ بِفِعْلٍ، إمَّا لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ لِكَوْنِهِ مَفْهُومَ غَيْرِ شَرْطٍ، أَوْ لِيَرْتَبْ عَلَيْهِ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ.
طفي وَقَدْ تَرْجَمَ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ وَمَا تَلِفَ بِسَبَبِ عَيْبٍ دَلَّسَهُ الْمُكْرِي ضَمِنَهُ، ثُمَّ نَقَلَ كَلَامَهَا فِي مَسْأَلَةِ الطَّحْنِ وَالْعَرِيشِ، وَقَالَ عَقِبَهُ وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ مَسْأَلَةِ كَسْرِ الثَّوْرِ الْمِطْحَنَةَ التَّضْمِينَ بِالْغُرُورِ بِالْقَوْلِ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ إنَّمَا هُوَ بِاللَّفْظِ.
يُرَدُّ بِأَنَّ إيجَابَ لُزُومِ الْعَقْدِ يُصَيِّرُهُ كَالْفِعْلِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الْقَوْلُ إنْ تَضَمَّنَ عَقْدًا كَانَ بِالْفِعْلِ لَا بِالْقَوْلِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ وَأَنْصَفَ فَهِمَهُ مِنْ قَوْلِهَا مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ فُلَانَةُ حُرَّةٌ ثُمَّ زَوَّجَهَا مِنْهُ غَيْرُهُ فَلَا رُجُوعَ لِلزَّوْجِ عَلَى الْمُخْبِرِ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهَا أَمَةٌ وَأَنَّ وَلِيَّهُ عَالِمٌ رَجَعَ عَلَيْهِ بِالصَّدَاقِ، وَبِهَذَا يُرَدُّ قَوْلُ التُّونُسِيِّ فِي مُكْرِي الدَّابَّةِ الْعَثُورِ إنْ أَسْلَمَهَا مُكْرِيهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِعِثَارِهَا لِمُكْتِرَيْهَا فَحَمَلَ عَلَيْهَا فَهُوَ غُرُورٌ بِالْقَوْلِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
وَإِنْ أَسْلَمَ الْمَتَاعَ رَبُّهُ لِرَبِّ الدَّابَّةِ فَحَمَلَهُ عَلَيْهَا ضَمِنَهُ الْجَمَّالُ لِتَعَدِّيهِ اهـ. وَفِيمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ نَظَرٌ إذْ قَوْلُهُ إنَّ الْغُرُورَ إذَا تَضَمَّنَ عَقْدًا كَانَ غُرُورًا بِالْفِعْلِ وَاسْتِدْلَالِهِ عَلَى هَذَا بِقَوْلِهَا مَنْ قَالَ لِرَجِلٍ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي التَّدْلِيسِ فِي الْكِرَاءِ لَا بُدَّ أَنْ يُبَاشِرَ الْعَقْدَ وَإِلَّا فَلَا يَضْمَنُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِإِطْلَاقِ الْمُدَوَّنَةِ الضَّمَانُ حَيْثُ عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَكَتَمَهُ وَإِطْلَاقُهَا عَنْهُ الشُّيُوخُ كَالْعُمُومِ حَسْبَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ آخِرَ الْغَصْبِ، وَلِذَا جَعَلَهُ التُّونُسِيُّ مِنْ الضَّمَانِ بِالْغُرُورِ بِالْقَوْلِ، وَمِثْلُهُ لِأَبِي إبْرَاهِيمَ الْأَعْرَجِ وَتَبِعَهُمَا أَبُو الْحَسَنِ.
الْبُنَانِيُّ مَا اُعْتُرِضَ بِهِ طفي كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَتَأَمَّلْهُ.
طفي حَيْثُ حَكَمْنَا بِالضَّمَانِ عِنْدَ الْغُرُورِ بِكَتْمِ عَيْبٍ نَشَأَ عَنْهُ تَلَفٌ فَهُوَ خَاصٌّ بِالْكِرَاءِ فَلَا ضَمَانَ بِهِ فِي الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَهْلِكَ الْمَبِيعُ بِعَيْبِ التَّدْلِيسِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَنْ بَاع
أَوْ صَانِعٍ فِي مَصْنُوعِهِ.
لَا غَيْرُهُ وَلَوْ مُحْتَاجًا لَهُ عَمَلٌ.
[منح الجليل]
خَابِيَةً دَلَّسَ فِيهَا بِكَسْرٍ وَعَلِمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَجْعَلُ فِيهَا زَيْتًا فَجَعَلَهُ الْمُشْتَرِي فِيهَا فَسَالَ مِنْ كَسْرِهَا فَلَا يَضْمَنُ الْبَائِعُ الزَّيْتَ، كَتَدْلِيسِهِ بِسَرِقَةِ عَبْدٍ فَسَرَقَ مِنْ الْمُشْتَرِي فَلَا يَضْمَنُ بَائِعُهُ الْمَسْرُوقَ وَلَوْ أَكْرَاهُ الْخَابِيَةَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الزَّيْتَ اهـ. الْبُرْزُلِيُّ مِثْلُهُ مَنْ بَاعَ مُطَمَّرًا يُسِيسُ مُدَلَّسًا وَأَكْرَاهُ كَذَلِكَ.
اهـ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْإِكْرَاءِ أَنَّ الْمَنَافِعَ فِي ضَمَانِ الْمُكْرِي حَتَّى يَسْتَوْفِيَهَا الْمُكْتَرِي، بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعُطِفَ عَلَى مَعْنَى خَلَفٍ مَرْعِيَّ شَرْطٍ، أَيْ لَا مُخَالِفَ إلَخْ فَقَالَ (أَوْ صَانِعٍ) فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ (فِي مَصْنُوعِهِ) الَّذِي تَتَعَلَّقُ صَنْعَتُهُ بِهِ كَثَوْبٍ يَخِيطُهُ وَغَزْلٍ يَنْسِجُهُ وَعَيْنٍ يَصْبُغُهَا وَنُحَاسٍ يَصْنَعُهُ إنَاءً وَحَبٍّ يَطْحَنُهُ وَزَيْتُونٍ يَعْصِرُهُ وَ (لَا) ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي (غَيْرِهِ) أَيْ مَصْنُوعِهِ إنْ لَمْ يَحْتَجْ لَهُ عَمَلُهُ كَبَخْشَةٍ لِلثَّوْبِ الْمَخِيطِ أَوْ الْمَنْسُوجِ وَكِيسٍ لِلْعَيْنِ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ غَيْرُ الْمَصْنُوعِ (مُحْتَاجًا لَهُ عَمَلُ) الصَّانِعِ كَخَابِيَةٍ لِلزَّيْتِ وَقُفَّةٍ لِلدَّقِيقِ.
ابْنُ رُشْدٍ الْأَصْلُ فِي الصُّنَّاعِ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ مُؤْتَمَنُونَ لِأَنَّهُمْ أُجَرَاءُ، وَقَدْ أَسْقَطَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الضَّمَانَ عَنْ الْأُجَرَاءِ، وَخَصَّصَ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ الصُّنَّاعَ وَضَمَّنُوهُمْ نَظَرًا وَاجْتِهَادًا لِضَرُورَةِ النَّاسِ لِغَلَبَةِ فَقْرِ الصُّنَّاعِ وَرِقَّةِ دِيَانَتِهِمْ وَاضْطِرَارِ النَّاسِ إلَى صَنْعَتِهِمْ فَتَضْمِينُهُمْ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الْغَالِبَةِ الَّتِي تَجِبُ مُرَاعَاتُهَا.
فِي التَّوْضِيحِ أَبُو الْمَعَالِي الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَثِيرًا مَا يَبْنِي مَذْهَبَهُ عَلَى الْمَصَالِحِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ قَتْلُ ثُلُثِ الْعَامَّةِ لِإِصْلَاحِ الثُّلُثَيْنِ.
الْمَازِرِيُّ مَا حَكَاهُ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ مَالِكٍ صَحِيحٌ.
زَادَ الْحَطّ بَعْدَهُ عَنْ شَرْحِ الْمَحْصُولِ مَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ مَالِكٍ لَمْ يُوجَدْ فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ.
الْبُنَانِيُّ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْمُحَقِّقُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ هَذَا الْكَلَامُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَطَّرَ فِي الْكُتُبِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ بَعْضُ ضَعَفَةِ الطُّلَبَاءِ، وَهَذَا لَا يُوَافِقُ شَيْئًا مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ.
الشَّهَابُ الْقَرَافِيُّ مَا نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ مَالِكٍ أَنْكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ إنْكَارًا شَدِيدًا وَلَمْ يُوجَدْ فِي كُتُبِهِمْ.
ابْنُ الشَّمَّاعِ مَا نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ رَوَاهُ نَقَلَتُهُ، إنَّمَا أَلْزَمَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ اضْطَرَبَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي ذِكْرِهِ ذَلِكَ عَنْهُ كَمَا اتَّضَحَ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ الْبُرْهَانِ.
وَقَوْلُ الْمَازِرِيِّ مَا حَكَاهُ أَبُو الْمَعَالِي صَحِيحٌ رَاجِعٌ لِأَوَّلِ الْكَلَامِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَهُوَ أَنَّهُ كَثِيرًا مَا يَبْنِي مَذْهَبَهُ عَلَى الْمَصَالِحِ لَا إلَى قَوْلِهِ نُقِلَ عَنْهُ قَتْلُ الثُّلُثِ إلَخْ، أَوْ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى تَتَرُّسِ الْكُفَّارِ بِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَوْلُهُ مَالِكٌ يَبْنِي مَذْهَبَهُ عَلَى الْمَصَالِحِ كَثِيرًا فِيهِ نَظَرٌ لِإِنْكَارِ الْمَالِكِيَّةِ ذَلِكَ إلَّا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ حَسْبَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ حَتَّى يَجْرِيَ فِي الْفِتَنِ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَا يُشْبِهُهَا.
وَقَدْ أَشْبَعَ الْكَلَامَ فِي هَذَا شَيْخُ شُيُوخِنَا الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَيِّدِي الْعَرَبِيُّ الْفَاسِيُّ فِي جَوَابٍ لَهُ طَوِيلٍ، وَقَدْ نَقَلْت مِنْهُ مَا قَيَّدْته أَعْلَاهُ وَهُوَ تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ تَنْبَغِي الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِمَا فِي التَّوْضِيحِ اهـ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ " ز " بِأَنَّ الْمُرَادَ قَتْلُ ثُلُثِ الْمُفْسِدِينَ إذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِإِصْلَاحِ بَقِيَّتِهِمْ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا وَضَعَ لِإِصْلَاحِ الْمُفْسِدِينَ الْحُدُودَ عِنْدَ ثُبُوتِ مُوجِبَاتِهَا، وَمَنْ لَمْ تُصْلِحْهُ السُّنَّةُ فَلَا أَصْلَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمِثْلُ هَذَا التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ هُوَ الَّذِي يُوقِعُ كَثِيرًا مِنْ الظَّلَمَةِ الْمُفْسِدِينَ فِي سَفْكِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ الْفَسَادِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ شَارِكَ فِي دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جِيءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» . وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ أَنَّ الْمُرْكِبَ إذَا ثَقُلَ بِالنَّاسِ وَخِيفَ غَرَقُهُ فَإِنَّهُمْ يَقْتَرِعُونَ عَلَى مَنْ يُرْمَى الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِيهِ سَوَاءٌ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَقِبَهُ تَعَقَّبَ غَيْرُ وَاحِدٍ نَقْلَ اللَّخْمِيُّ طَرْحَ الذِّمِّيِّ لِنَجَاةِ غَيْرِهِ، وَرُبَّمَا نَسَبَهُ بَعْضُهُمْ لِخَرْقِ الْإِجْمَاعِ، وَقَالُوا لَا يُرْمَى الْآدَمِيُّ لِنَجَاةِ الْبَاقِينَ وَلَوْ ذِمِّيًّا أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَضْمِينُهُمْ مَا يَغِيبُونَ عَلَيْهِ وَيَدَّعُونَ تَلَفَهُ وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا مِنْ قَوْلِهِمْ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَا ثَبَتَ ضَيَاعُهُ بِبَيِّنَةٍ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيعٍ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ إلَّا أَشْهَبَ فَإِنَّهُ ضَمَّنَهُمْ، وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالتَّلَفِ وَلِقَوْلِهِ حَظٌّ مِنْ النَّظَرِ، لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ تَضْمِينُهُمْ
لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ
وَجَبَ أَنْ لَا يَسْقُطَ عَنْهُمْ بِهِ حَسْمًا لِلذَّرِيعَةِ، لِأَنَّ مَا طَرِيقُهُ الْمَصْلَحَةُ وَسَدُّ الذَّرِيعَةِ لَا يُخَصَّصُ بِمَوْضِعٍ مِنْ قَبِيلِ هَذَا شَهَادَةُ الِابْنِ لِأَبِيهِ، وَلِأَنَّ مَنْ ضَمِنَ بِلَا بَيِّنَةٍ ضَمِنَ، وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ.
وَقَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَصَحُّ.
ابْنُ شَاسٍ مُحَمَّدٌ يَضْمَنُ الصَّانِعُ مَا لَا صَنْعَةَ
وَإِنْ بِبَيِّنَةٍ.
أَوْ بِلَا أَجْرٍ.
إنْ نَصَبَ نَفْسَهُ وَغَابَ عَلَيْهَا.
[منح الجليل]
لَهُ فِيهِ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ حُضُورِهِ عِنْدَ الصَّانِعِ كَالْكِتَابِ الْمُنْتَسَخِ مِنْهُ وَالْمِثَالِ الَّذِي يُعْمَلُ عَلَيْهِ وَجَفْنِ السَّيْفِ الَّذِي يُصَاغُ عَلَى نَصْلِهِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ سُلِّمَ لِلصَّانِعِ بِغَيْرِ جَفْنٍ فَسَدَ، وَمِثْلُهُ ظَرْفُ الْقَمْحِ وَالْعَجِينِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَضْمَنُ ذَلِكَ كُلَّهُ.
اللَّخْمِيُّ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ.
ابْنُ رُشْدٍ إذَا كَانَ الثَّوْبُ غَلِيظًا لَا يَحْتَاجُ إلَى وِقَايَةٍ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الصَّانِعَ لَا يَضْمَنُ الْمِنْدِيلَ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ وَإِلَّا فَفِي ضَمَانِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَقَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ مَعَ مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَيَضْمَنُ الصَّانِعُ مَصْنُوعَهُ إنْ عَمِلَهُ بِحَانُوتٍ بِأَجْرٍ، بَلْ (وَإِنْ) عَمِلَ (بِبَيْتٍ) اللَّخْمِيُّ سَوَاءٌ كَانَ بِسُوقِهَا أَوْ دَارِهِ (أَوْ) عَمِلَ (بِلَا أَجْرٍ) فِيهَا مَا قَبَضُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ أَوْ عَمِلُوهُ بِغَيْرِ أَجْرٍ كَغَيْرِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ سَوَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُسْتَعْمَلُ الصَّانِعُ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَشَرْطُ ضَمَانِ الصَّانِعِ مَصْنُوعَهُ (إنْ نَصَبَ) أَيْ أَقَامَ الصَّانِعُ (نَفْسَهُ) لِلصَّنْعَةِ لِعُمُومِ النَّاسِ، فَإِنْ كَانَ يَصْنَعُ لِشَخْصٍ مَخْصُوصٍ فَلَا يَضْمَنُ.
ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ الْمُنْتَصِبُ مَنْ أَقَامَ نَفْسَهُ لِعَمَلِ الصَّنْعَةِ الَّتِي اُسْتُعْمِلَ فِيهَا كَانَ بِسُوقِهَا أَوْ دَارِهِ وَغَيْرُ الْمُنْتَصِبِ لَهَا مَنْ لَمْ يُقِمْ نَفْسَهُ لَهَا وَلَا مِنْهَا مَعَاشُهُ.
قُلْت ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ انْتِصَابُهُ لِجَمَاعَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَنَصَّ عِيَاضٌ عَلَى أَنَّ الْخَاصَّ بِجَمَاعَةٍ دُونَ غَيْرِهِمْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، ثُمَّ قَالَ فَفِي ضَمَانِهِ بِمُجَرَّدِ نَصْبِ نَفْسِهِ أَوْ بِقَيْدِ عُمُومِهِ لِلنَّاسِ قَوْلَانِ لِظَاهِرِ سَمَاعِ عِيسَى مَعَ بَعْضِ شُيُوخِ الصِّقِلِّيِّ، وَطَرِيقُ عِيَاضٍ مَعَ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا فِي الصَّانِعِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي نَصَبَ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ لِلنَّاسِ.
أَمَّا الصَّانِعُ الْخَاصُّ الَّذِي لَمْ يَنْصِبْ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ لِلنَّاسِ، فَلَا يَضْمَنُ فِيمَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ إلَيْهِ أَوْ عَمِلَهُ بِمَنْزِلِ رَبِّ الْمَتَاعِ.
(وَ) إنْ (غَابَ) الصَّانِعُ (عَلَيْهَا) أَيْ الذَّاتِ الْمَصْنُوعَةِ، فَإِنْ عَمِلَهَا بِحَضْرَةِ رَبِّهَا وَمُلَازَمَتِهِ فَلَا يَضْمَنُ.
ابْنُ رُشْدٍ يَضْمَنُ الصُّنَّاعُ كُلَّ مَا أَتَى عَلَى أَيْدِيهمْ مِنْ خَرْقٍ أَوْ كَسْرٍ أَوْ قَطْعٍ إذَا عَمِلَهُ فِي حَانُوتِهِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ قَاعِدًا مَعَهُ إلَّا فِيمَا فِيهِ تَغْرِيرٌ مِنْ الْأَعْمَالِ مِثْلِ ثَقْبِ اللُّؤْلُؤِ وَنَقْشِ الْفُصُوصِ وَتَقْوِيمِ السُّيُوفِ وَاحْتِرَاقِ الْخُبْزِ عِنْدَ الْفَرَّانِ أَوْ الثَّوْبِ فِي قِدْرِ