وَعُجِّلَ، إنْ عُيِّنَ أَوْ بِشَرْطٍ، أَوْ عَادَةٍ،
[منح الجليل]
الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ لِمَرَضٍ فَلَا يَجِدُ مَا يَأْكُلُ.
وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ لَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ.
الْعَاشِرُ: الْمُتَيْطِيُّ وَابْنُ فَتُّوحٍ يَجُوزُ عَقْدُ الْحَاضِنَةِ عَلَى مَحْضُونِهَا إمَّا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، وَلَا يُفْسَخُ إلَّا أَنْ يُزَادَ فِي أُجْرَةِ الصَّبِيِّ فَتُقْبَلُ الزِّيَادَةُ وَيُفْسَخُ عَقْدُ الْأُمِّ وَيُنْظَرُ لَهُ أَحْسَنُ الْمَوَاضِعِ وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ فِي عَقْدِ الْوَصِيِّ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ غَبْنٌ عَلَى الْيَتِيمُ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْعَزَبِ امْرَأَةً لِخِدْمَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَلَوْ كَانَ مَأْمُونًا، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ جَازَ إنْ كَانَ مَأْمُونًا وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ مُتَجَالَّةً لَا إرْبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا، أَوْ كَانَتْ شَابَّةً وَمُسْتَأْجِرُهَا شَيْخٌ كَبِيرٌ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: سُئِلَ الْإِمَام مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ الْمَرْأَةِ الْعَزَبَةِ الْكَبِيرَةِ تَلْجَأُ إلَى الرَّجُلِ فَيَقُومُ لَهَا بِحَوَائِجِهَا وَيُنَاوِلُهَا الْحَاجَةَ هَلْ تَرَى لَهُ ذَلِكَ حَسَنًا، قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلْيَدْخُلْ مَعَهُ غَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَلَوْ تَرَكَهَا النَّاسُ لَضَاعَتْ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا عَلَى مَا قَالَ إذَا غَضَّ بَصَرَهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِمَّا يَظْهَرُ مِنْ زِينَتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] وَذَلِكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ عَلَى مَا قَالَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْمَرْأَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى الدُّخُولِ عَلَيْهَا أَدْخَلَ غَيْرَهُ مَعَهُ لِيُبْعِدَ سُوءَ الظَّنِّ عَنْ نَفْسِهِ.
فَقَدْ وَرَدَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّا عَلَيْهِ لَيْلًا وَمَعَهُ صَفِيَّةُ زَوْجَتُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَسَلَّمَا عَلَيْهِ وَانْطَلَقَا فَقَالَ لَهُمَا عَلَى رِسْلِكُمَا إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيت أَنْ يُلْقِيَ فِي قُلُوبِكُمَا فَتَهْلِكَا» .
(وَعُجِّلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا الْأَجْرُ وُجُوبًا شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ (إنْ عُيِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا الْأَجْرُ كَإِجَارَةِ رَجُلٍ لِخِدْمَةِ سِنِّهِ بِعَبْدٍ مُعَيَّنٍ فَيَجِبُ تَعْجِيلُهُ لِأَنَّ عَدَمَهُ يُؤَدِّي إلَى بَيْعٍ مُعَيَّنٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ وَفِيهِ غَرَرٌ (أَوْ) لَمْ يُعَيَّنْ وَعَقْدُ الْإِجَارَةِ (بِشَرْطِ) لِتَعْجِيلِهِ فَيَجِبُ وَفَاءً بِالشَّرْطِ (أَوْ) لَمْ يُعَيَّنْ وَلَمْ يَشْتَرِطْ تَعْجِيلَهُ وَوَقَعَتْ الْإِجَارَةُ مَصْحُوبَةً ب (عَادَةٍ)
أَوْ فِي مَضْمُونَةٍ لَمْ يَشْرَعْ فِيهَا،
[منح الجليل]
لِتَعْجِيلِهِ فَيَجِبُ لِأَنَّهَا كَالشَّرْطِ (أَوْ) لَمْ يُعَيِّنْ وَلَمْ يُشْتَرَطْ تَعْجِيلُهُ وَلَمْ يَعْتَدْ وَوَقَعَتْ الْإِجَارَةُ (فِي) مَنْفَعَةٍ (مَضْمُونَةٍ) فِي ذِمَّةِ الْمُؤَجِّرِ كَإِجَارَةٍ عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ بِدِرْهَمٍ، فَيَجِبُ تَعْجِيلُهُ تَخَلُّصًا مِنْ ابْتِدَاءِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ إنْ (لَمْ يَشْرَعْ) الْعَامِلُ (فِيهَا) أَيْ الْمَنْفَعَةِ الْمَضْمُونَةِ، فَإِنْ شُرِعَ فِيهَا فَلَا يَجِبُ التَّعْجِيلُ قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ لِانْتِفَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ بِنَاءً عَلَى قَبْضِ الْأَوَّلِ كَقَبْضِ الْآخَرِ.
الْحَطّ قَوْلُهُ أَوْ فِي مَضْمُونِهِ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا، أَرَادَ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا إلَّا بَعْدَ طُولٍ، وَأَمَّا إنْ قَرُبَ الشُّرُوعُ فَيَحُوزُ تَأْخِيرُ الْكِرَاءِ، وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ.
الْمُتَيْطِيُّ إنْ كَانَ الْمَضْمُونُ فِي الْكِرَاءِ إنَّمَا هُوَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَوْ فِي الْغَدِ فَلَا بَأْسَ بِاشْتِرَاطِ تَأْخِيرِ الْكِرَاءِ إلَى أَجَلٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْعَرْضُ الْمُعَيَّنُ أَجْرًا كَشِرَائِهِ فَيَجِبُ تَعْجِيلُهُ، وَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِرُكُوبٍ أَوْ حَمْلٍ، أَوْ اكْتَرَى دَارًا أَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنْ عَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ طَعَامٍ فَتَشَاحَّا فِي النَّقْدِ وَلَمْ يَشْتَرِطَا شَيْئًا، فَإِنْ كَانَتْ سَنَةُ الْكِرَاءِ بِالْبَلَدِ النَّقْدَ جَازَ وَقَضَى بِنَقْدِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سَنَتُهُمْ بِالنَّقْدِ فَلَا يَجُوزُ الْكِرَاءُ، إنْ عُجِّلَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ النَّقْدُ فِي الْعَقْدِ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ ثَوْبٍ أَوْ حَيَوَانٍ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنْ يَقْبِضَ إلَى شَهْرٍ، وَيُفْسَخُ ذَلِكَ اهـ. ابْنُ يُونُسَ الْعُرْفُ كَالشَّرْطِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَنَةٌ رَاتِبَةٌ، وَكَانُوا يَكُرُّونَ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةُ وَأَبْهَمُوا الْكِرَاءَ، فَأَصْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ عَلَى التَّأْخِيرِ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ لَا يُوجِبُ نَقْدَ ثَمَنِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عُرْفًا أَوْ شَرْطًا وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْقُدَ إلَّا بِقَدْرِ مَا رُكِّبَ أَوْ سَكَنَ بِخِلَافِ شِرَاءِ السِّلَعِ الْمُعَيَّنَةِ، هَذِهِ بِتَمَامِ عَقْدِ شِرَائِهَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُهَا لِأَنَّهُ يَنْتَقِدُهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ نَقْدُ ثَمَنِهَا وَالرُّكُوبُ وَالسُّكْنَى لَمْ يَنْقُدْهُ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْقُدَ إلَّا ثَمَنَ مَا قُبِضَ مِنْهُ، فَلَمَّا كَانَ عَقْدُ الْكِرَاءِ لَا يُوجِبُ انْتِقَادَ ثَمَنِهِ فَكَأَنَّهُمَا دَخَلَا فِي الْكِرَاءِ بِهَذِهِ الْمُعَيَّنَاتِ عَلَى التَّأْخِيرِ فَوَجَبَ فَسَادًا الْكِرَاءُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ اكْتَرَى مَا ذَكَرْنَا بِدَنَانِيرَ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ تَشَاحَّا فِي النَّقْدِ، فَإِنْ كَانَ الْكِرَاءُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
نَقْدًا قَضَى بِنَقْدِهَا وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ الْكِرَاءُ إلَّا بِشَرْطِ تَعْجِيلِهَا فِي الْعَقْدِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ اسْتَأْجَرَ صَانِعًا عَلَى عَمَلٍ عُرِفَ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ بِيَدِهِ فَسَأَلَهُ تَقْدِيمَ الْأُجْرَةِ وَهُوَ يَقُولُ لَا أَعْمَلُهُ إلَى شَهْرٍ فَلَا يَصْلُحُ تَقْدِيمُ أُجْرَةٍ لَهُ حَتَّى يَشْرَعَ فِي عَمَلِهِ، فَإِنْ شَرَعَ فِيهِ قَدَّمَهُ إلَيْهِ إنْ شَاءَ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْأُجْرَةِ إلَّا بِشَرْطٍ أَوْ عُرْفٍ.
وَفِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا أَرَادَ الصُّنَّاعُ وَالْأُجَرَاءُ تَعْجِيلَ الْأَجْرِ قَبْلَ الْفَرَاغِ وَامْتَنَعَ رَبُّ الْعَمَلِ حُمِلُوا عَلَى الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَنَةٌ فَلَا يَقْضِي لَهُمْ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ أَعْمَالِهِمْ.
وَأَمَّا فِي الْأَكْرِيَةِ فِي دَارٍ أَوْ رَاحِلَةٍ أَوْ إجَارَةِ بَيْعِ السِّلَعِ وَنَحْوِهَا.
فَبِقَدْرِ مَا مَضَى، وَلَيْسَ لِلْخَيَّاطِ إذَا خَاطَ نِصْفَ الثَّوْبِ أَخْذُ نِصْفِ الْأُجْرَةِ حَتَّى يَتِمَّ إذْ لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى ذَلِكَ.
ابْنُ يُونُسَ وَلِأَنَّهُ لَوْ خَاطَهُ كُلَّهُ ثُمَّ ضَاعَ الثَّوْبُ بِبَيِّنَةٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَجْرٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَكَذَلِكَ إذَا خَاطَ بَعْضَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ كَنَسْجِ الْغَزْلِ إنْ كَانَ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ فَلَا تَجُوزُ إلَّا بِتَعْجِيلِ الْأَجْرِ أَوْ الشُّرُوعِ، وَإِنْ تَأَخَّرَا كَانَ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ فَلَا تَجُوزُ إلَّا بِتَعْجِيلِ الطَّرَفَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا.
الْحَطّ التَّعْيِينُ تَارَةً يَكُونُ فِي الْأُجْرَةِ وَتَارَةً فِي الْمَنْفَعَةِ، وَيُقْضَى بِتَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ إذَا شَرَطَ التَّعْجِيلَ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْأُجْرَةُ مُعَيَّنَةً أَوْ مَضْمُونَةً أَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ التَّعْجِيلَ فِيهِمَا، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمَنْفَعَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَالْمَضْمُونَةِ، وَيُقْضَى بِهِ إذَا كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ مَضْمُونَةً، وَتَأَخَّرَ شُرُوعُهُ فِيهَا يَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ تَأَخَّرَ يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ، فَقَوْلُهُ إنْ عَيَّنَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ لِأَنَّهُ إنْ شَرَطَ أَوْ اُعْتِيدَ تَعْجِيلُهُ صَحَّتْ، وَقَضَى بِهِ، وَهَذَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ أَوْ بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ وَلَمْ يَعْتَدْ تَعْجِيلَهُ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ كَمَا سَيَقُولُ، وَفَسَدَتْ إنْ انْتَفَى شَرْطُ تَعْجِيلِ الْمُعَيَّنِ وَلَا يَرُدُّ هَذَا عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ لِأَنَّهُ لَا يَفْسُدُ عِنْدَهُ إلَّا إذَا كَانَ الْعُرْفُ التَّأْخِيرَ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ يُعَجَّلُ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ وَلَا شَرْطٌ بِالتَّعْجِيلِ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ اهـ.
وَأُجِيبَ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ وَفَسَدَتْ إنْ انْتَفَى عُرْفٌ إلَخْ، إنَّمَا هُوَ صِحَّةُ الْعَقْدِ مَعَ عُرْفِ التَّعْجِيلِ، وَلَا يُفْهَمُ الْجَبْرُ عَلَى الدَّفْعِ فَعُرْفُ التَّعْجِيلِ يَدْفَعُ الْفَسَادَ
إلَّا كَرِيِّ حَجٍّ: فَالْيَسِيرُ
[منح الجليل]
وَالْجَبْرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَعُجِّلَ إنْ عَيَّنَ فَالْأَوَّلُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّانِي حَقُّ الْآدَمِيِّ، فَقَوْلُهُ وَعُجِّلَ إنْ عُيِّنَ أَيْ مَعَ شَرْطِهِ أَوْ اعْتِيَادِهِ، وَقَوْلُهُ أَوْ بِشَرْطٍ إلَخْ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ اهـ. الْبُنَانِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ أَوْ بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ كَمَا قَالَ.
الْحَطّ فَالْحَقُّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ قَوْلَهُ بِشَرْطٍ إلَخْ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَأَنَّهُ عُطِفَ عَلَى مَعْنَى إنْ عُيِّنَ أَيْ أَوْ عُجِّلَ بِتَعْيِينِهِ أَوْ بِشَرْطٍ إلَخْ، وَأَنَّ مَا أَوْرَدَهُ الْحَطّ لَازِمٌ لَهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ إنْ عُيِّنَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ إنْ اُشْتُرِطَ أَوْ اُعْتِيدَ تَعْجِيلُهُ فَهُوَ مُتَدَرِّجٌ فِي قَوْلِهِ بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ، وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ تَأْخِيرَهُ أَوْ لَا عُرْفَ أَصْلًا، فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ كَمَا قَالَ.
وَفَسَدَتْ إنْ انْتَفَى عُرْفُ تَعْجِيلِ الْمُعَيَّنِ وَالتَّعْجِيلُ فَرْعُ صِحَّتِهَا اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ اعْتَرَضَ بِإِغْنَاءِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَدْ شَاعَ عَدَمُ تَوَجُّهِهِ لِوُقُوعِ الْأَوَّلِ فِي مَرْكَزِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ الْمَضْمُونِ الَّذِي يَجِبُ تَعْجِيلُهُ، فَقَالَ (إلَّا كَرِيَّ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَشَدِّ الْيَاءِ أَيْ كَارِيَ إبِلٍ مَضْمُونَةٍ فِي ذِمَّتِهِ لِرُكُوبِهَا أَوْ الْحَمْلِ عَلَيْهَا لَك (حَجٍّ) مِنْ كُلِّ مَوْسِمٍ لَهُ وَقْتٌ مَخْصُوصٌ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ قَبْلَ وَقْتِهِ (ف) لَا يَجِبُ تَعْجِيلُ جَمِيعِ الْكِرَاءِ
وَيُعَجَّلُ (الْيَسِيرُ) مِنْهُ وُجُوبًا وَيَقُومُ مَقَامَ تَعْجِيلِ الْجَمِيعِ لِلضَّرُورَةِ لِأَنَّهُ إذَا عُجِّلَ الْجَمِيعُ لِلْكَرِيِّ قَبْلَ وَقْتِ السَّفَرِ يُخْشَى هُرُوبُهُمْ بِهِ وَعَدَمُ إتْيَانِهِمْ بِالْإِبِلِ وَقْتَهُ فَيُضِيعُ الْكِرَاءُ عَلَى الْمُكْتَرِي.
ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ تَكَارَى كِرَاءً مَضْمُونًا إلَى أَجَلٍ مِثْلِ الْحَجِّ فِي غَيْرِ إبَانَةٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ النَّقْدُ، وَلَكِنْ يُعَجَّلُ مِثْلُ الدِّينَارَيْنِ وَنَحْوُهُمَا، وَقَدْ كَانَ يَقُولُ لَا يَنْبَغِي إلَّا بِنَقْدٍ مِثْلِ ثُلُثَيْ الْكِرَاءِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَضْمُونِ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ قَدْ اقْتَطَعَ الْأَكْرِيَاءُ أَمْوَالَ النَّاسِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤَخِّرُوهُمْ بِالنَّقْدِ وَلْيَنْقُدُوهُمْ الدِّينَارَ وَشِبْهَهُ.
أَبُو مُحَمَّدٍ أَرَادَ لَوْ كَانَ مَضْمُونًا بِغَيْرِ أَجَلٍ وَشَرَعَ فِي الرُّكُوبِ جَازَ بِغَيْرِ نَقْدٍ لِأَنَّ نَقْدَ
وَإِلَّا فَمُيَاوَمَةٌ
[منح الجليل]
أَوَائِلِ الرُّكُوبِ كَقَبْضِ جَمِيعِهِ، إذْ هُوَ أَكْثَرُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ فِي قَبْضِهِ.
ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ اكْتَرَى كِرَاءً مَضْمُونًا لَا يَرْكَبُ فِيهِ إلَّا إلَى أَجَلٍ فَالنَّقْدُ فِيهِ جَائِزٌ، بَلْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ النَّقْدِ كُلِّهِ بِشَرْطٍ فِي هَذَا الْمَضْمُونِ كَتَأْخِيرِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وَإِنَّمَا أَجَازَهُ مَالِكٌ، إذَا أَخَّرَ بَعْضَ النَّقْدِ لِأَنَّ الْأَكْرِيَاءَ اقْتَطَعُوا أَمْوَالَ النَّاسِ فَأَجَازَ فِيهِ تَأْخِيرَ بَعْضِ الثَّمَنِ لِهَذِهِ الضَّرُورَة بِخِلَافِ تَأْخِيرِ بَعْضِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ.
طفي فَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْحَجِّ، إذْ الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ الْمُؤَجَّلِ الَّذِي يَتَأَخَّرُ الشُّرُوعُ فِيهِ، وَقَدْ نُقِلَ فِي تَوْضِيحِهِ كَلَامُ الْمَوَّازِيَّةِ الدَّالُّ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ مَضْمُونٍ مُؤَجَّلٍ، وَمَعَ ذَلِكَ خُصَّ الْحَجُّ وَأَخَلَّ بِالتَّأْجِيلِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ، إذْ لَوْ كَانَ غَيْرَ مُؤَجَّلٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الشُّرُوعِ أَوْ تَعْجِيلِ جَمِيعِ النَّقْدِ، إذْ لَا ضَرُورَةَ حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ يُقَالُ فَرْضُهُ فِي الْحَجِّ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ وَمِنْهُ عُلِمَ شَرْطُ التَّأْجِيلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَطّ لَوْ أَدْخَلَ الْكَافَ عَلَى حَجٍّ لَكَانَ أَشْمَلَ الْمُتَيْطِيُّ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَلِكَ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَجَّ، وَنَصُّهُ تَعْجِيلُ النَّقْدِ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ إلَى أَجَلٍ هُوَ الْأَصْلُ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ بِشَرْطٍ، وَاخْتُلِفَ فِي تَعْجِيلِ بَعْضِهِ وَتَأْخِيرِ بَاقِيه دُونَ شَرْطٍ، فَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ أَكْرَى إلَى الْحَجِّ فِي غَيْرِ إبَّانِهِ لِيَخْرُجَ فِي إبَّانِهِ لَا بَأْسَ أَنْ يُقَدِّمَ مِنْهُ الدِّينَارَ وَالدِّينَارَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ غَيْرُهُ.
وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَلِكَ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَجَّ، وَقَالَ كَمْ كَرِيٌّ قَدْ هَرَبَ بِالْكِرَاءِ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةَ تَأْخِيرِ النَّقْدِ إلَّا أَنْ يَنْقُدَ أَكْثَرَهُ أَوْ ثُلُثَيْهِ، وَقَالَ أَشْهَبُ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ قَدْ اقْتَطَعَ الْأَكْرِيَاءُ أَمْوَالَ النَّاسِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْقُدَهُ الدِّينَارَ وَالدِّينَارَيْنِ عَلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَرَادَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ.
وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ مِثْلُ الْحَجِّ فِي غَيْرِ إبَّانِهِ وَالْيَسِيرُ الدِّينَارُ وَالدِّينَارَانِ عَلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَجْرُ مُعَيَّنًا وَلَمْ يَشْتَرِطْ تَعْجِيلَهُ وَلَمْ يُجَرِّبْهُ الْعُرْفُ وَلَمْ تَكُنْ الْمَنْفَعَةُ مَضْمُونَةً لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا بِأَنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً أَوْ مَضْمُونَةً شُرِعَ فِيهَا (فَمُيَاوَمَةٌ)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
بِضَمِّ الْمِيمِ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ وَفَتْحِ الْوَاوِ، أَيْ كَمَا اسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ مَنْفَعَةَ يَوْمٍ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ دَفْعُ أُجْرَتِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْجِيلُ شَيْءٍ قَبْلَهُ.
الْحَطّ وَهَذَا عِنْدَ الْمُشَاحَّةِ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْبَيَانِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: يُعْتَرَضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِمِثْلِ مَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ وَلَا عَادَةٌ أُخِذَ مُيَاوَمَةً بِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ يَتَنَاوَلُ الصُّنَّاعَ، بَلْ الْإِجَارَةُ فِي الْعِرَاقِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهَا.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الصَّانِعَ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ.
اهـ. فَفِيهَا إذَا أَرَادَ الصُّنَّاعُ وَالْأُجَرَاءُ تَعْجِيلَ الْأُجْرَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ، وَامْتَنَعَ رَبُّ الْعَمَلِ حُمِلُوا عَلَى الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ سَنَةٌ فَلَا يُقْضَى لَهُمْ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ أَعْمَالِهِمْ وَأَمَّا فِي الْأَكْرِيَةِ فِي دَارٍ أَوْ رَاحِلَةٍ أَوْ فِي إجَارَةِ بَيْعِ سِلْعَةٍ وَنَحْوِهِ فَبِقَدْرِ مَا مَضَى، وَلَيْسَ لِلْخَيَّاطِ إذَا خَاطَ نِصْفَ الْقَمِيصِ أَخْذُ نِصْفِ الْأُجْرَةِ حَتَّى يُتِمَّ، إذْ لَمْ يَأْخُذْ عَلَى ذَلِكَ.
الثَّانِي: مَحَلُّ جَوَازِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الْمَنْفَعَةِ الْمُعَيَّنَةِ إذَا شَرَعَ فِي الْعَمَلِ أَوْ تَأَخَّرَ نَحْوَ عَشَرَةِ الْأَيَّامِ وَإِنْ طَالَ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْأُجْرَةِ.
ابْنُ رُشْدٍ الْإِجَارَةُ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِثْلِ نَسْجِ الْغَزْلِ وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ عَلَى قِسْمَيْنِ مَضْمُونَةٌ فِي ذِمَّةِ الْأَجِيرِ، فَلَا تَجُوزُ إلَّا بِتَعْجِيلِ الْأَجْرِ أَوْ الشُّرُوعُ فِي الْعَمَلِ أَوْ تَعْجِيلُهُمَا وَمُعَيَّنَةٌ فِي عَيْنِهِ فَتَجُوزُ بِتَعْجِيلِ الْأَجْرِ، وَتَأْخِيرِهِ عَلَى أَنْ يَشْرَعَ فِي الْعَمَلِ، فَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ إلَى أَجَلٍ فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ إلَّا عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ.
اهـ. وَتَأْخِيرُ الشُّرُوعِ إلَى يَوْمَيْنِ لَا يَضُرُّ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
أَبُو الْحَسَنِ وَإِلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الْعَمَلُ مُعَيَّنًا عَلَى أَنْ لَا يُشْرَعَ فِيهِ إلَى أَجَلٍ، وَكَانَ الْأَجْرُ شَيْئًا مُعَيَّنًا فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ لِاقْتِضَاءِ تَعَيُّنِ الْأَجْرِ وُجُوبَ التَّقْدِيمِ وَتَأْخِيرِ الشُّرُوعِ وُجُوبَ التَّأْخِيرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثُ ابْنُ رُشْدٍ إنْ صَرَّحَ بِكَوْنِ الْعَمَلِ مَضْمُونًا كَأَسْتَأْجِرُكَ عَلَى كَذَا فِي ذِمَّتِك إنْ شِئْت عَمِلْته بِيَدِك أَوْ بِغَيْرِك أَوْ مُعَيَّنًا، كَأَسْتَأْجِرُكَ عَلَى عَمَلِ كَذَا بِنَفْسِك فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا
وَفَسَدَتْ، إنْ انْتَفَى عُرْفُ تَعْجِيلِ الْمُعَيَّنِ: كَمَعَ جُعْلٍ،
[منح الجليل]
حُكْمُهُ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَظَاهِرُ لَفْظِهِ أَنَّهُ مَضْمُونٌ كَأَعْطَيْتُكَ كَذَا عَلَى خِيَاطَةِ هَذَا الثَّوْبِ حُمِلَ عَلَى الْمَضْمُونِ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ بِيَدِهِ، أَوْ كَانَ عَمَلُهُ بِيَدِهِ، أَوْ كَانَ عَمَلُهُ بِيَدِهِ مَقْصُودًا لِرِقَّتِهِ وَإِحْكَامِهِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ التَّعْيِينَ كَأَسْتَأْجِرُكَ عَلَى خِيَاطَةِ هَذَا الثَّوْبِ أَوْ عَلَى أَنْ تُخَيِّطَهُ، فَفِي حَمْلِهِ عَلَى الْمَضْمُونِ أَوْ الْمُعَيَّنِ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَضْمُونِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ بِيَدِهِ أَوْ يَقْصِدُ عَمَلَهُ بِيَدِهِ لِدِقَّتِهِ وَإِحْكَامِهِ.
الرَّابِعُ: ابْنُ يُونُسَ كَرِهَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَقْدَ الْكِرَاءِ فِي السُّفُنِ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْبَلَاغِ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ نَافِعٍ، وَقَالَ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِحَسَبِ مَا قُطِعَ.
فَإِنْ عَطِبَتْ قَبْلَ الْبَلَاغِ وَادَّعَيْت النَّقْدَ صَدَقَ عَلَيْك لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَلَا يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ.
وَقِيلَ تَجُوزُ كَمَا فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَفَسَدَتْ) الْإِجَارَةُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ (إنْ انْتَفَى) مِنْهَا (عُرْفُ تَعْجِيلِ) الْأَجْرِ (الْمُعَيَّنِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْيَاءُ مُثَقَّلَةٌ بِأَنْ كَانَ الْعُرْفُ تَأْخِيرَهُ أَوَّلًا عَرَفَ بِأَحَدِهِمَا بِأَنْ جَرَى الْعُرْفُ بِهِمَا مَعًا، هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ تَصِحُّ فِي الْوَجْهَيْنِ.
ابْنُ يُونُسَ لِأَنَّ الْعُرْفَ كَالشَّرْطِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ، وَكَانُوا يَكْرُونَ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ وَأَبْهَمُوا الْكِرَاءَ، فَأَصْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ عَلَى التَّأْخِيرِ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ لَا يُوجِبُ تَقْدِيمَ ثَمَنِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عُرْفًا أَوْ بِشَرْطٍ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْقُدَ إلَّا بِقَدْرِ مَا رُكِّبَ أَوْ سَكَنَ، بِخِلَافِ شِرَاءِ السِّلَعِ الْمُعَيَّنَةِ هَذِهِ بِتَمَامِ عَقْدِ شِرَائِهَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَقْدُ ثَمَنِهَا.
وَشَبَّهَ فِي الْفَسَادِ فَقَالَ (ك) إجَارَةٍ (مَعَ جُعْلٍ) فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَفْسُدُ إنْ عَلَى الْمَشْهُورِ لِتَنَافِيَ أَحْكَامِهِمَا.
ابْنُ عَرَفَةَ اُخْتُلِفَ فِي الْبَيْعِ وَالْجُعْلِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ.
ابْنُ رُشْدٍ لَا يَجْتَمِعُ الْجُعْلُ وَالْإِجَارَةُ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا مَعْلُومًا فِي مَعْلُومٍ، وَالْجُعْلُ يَجُوزُ فِي الْمَجْهُولِ فَهُمَا مُخْتَلِقَا الْأَحْكَامِ مَتَى جُمِعَا فَسَدَا، وَعَنْ سَحْنُونٍ إجَازَةُ الْمُغَارَسَةِ مَعَ الْبَيْعِ وَهُوَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.
الْحَطّ لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُ الْإِجَارَةِ مَعَ السَّلَفِ، فَفِيهَا إنْ دَفَعْت إلَى حَائِكٍ غَزْلًا يَنْسِجُهُ لَك ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يُسْلِفَك فِيهِ رَطْلَيْنِ مِنْ غَزْلٍ فَلَا يَجُوزُ،
لَا بَيْعٍ وَكَجِلْدٍ لِسَلَّاخٍ،
[منح الجليل]
لِأَنَّهُ سَلَفٌ وَإِجَارَةٌ.
ابْنُ يُونُسَ الْإِجَارَةُ بَيْعٌ فِيهَا مَا يَحْرُمُ فِيهِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ.
(لَا) تَفْسُدُ الْإِجَارَةُ الْمُجْتَمِعَةُ (مَعَ بَيْعٍ) فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْأَحْكَامِ.
تت شَمِلَ كَلَامُهُ صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا: كَوْنُهُمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ كَشِرَائِهِ جُلُودًا عَلَى أَنْ يُخَرِّزَهَا لَهُ الْبَائِعُ خِفَافًا.
وَالثَّانِيَةُ: كَوْنُهُمَا فِي مَحَلَّيْنِ كَشِرَائِهِ جُلُودًا بِكَذَا عَلَى أَنْ يَخِيطَ الْبَائِعُ ثَوْبًا فَيَجُوزُ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا.
فِيهَا لَا بَأْسَ بِاجْتِمَاعِ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، وَقَالَ سَحْنُونٌ كَذَلِكَ إلَّا فِي الْمَبِيعِ.
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ جَائِزَةٌ فِي الْمَبِيعِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِي الْمَبِيعِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُعْرَفُ وَجْهُ خُرُوجِهِ، أَوْ أَمْكَنَتْ إعَادَتُهُ كَالصُّفْرِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَهُ الْبَائِعُ قَدَحًا.
الْحَطّ أُطْلِقَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِي غَيْرِ الشَّيْءِ الْمَبِيعِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِي الشَّيْءِ الْمَبِيعِ بِأَنْ بَاعَ لَهُ جُلُودًا عَلَى أَنْ يَحْذُوَهَا الْبَائِعُ نِعَالًا لِلْمُشْتَرِي فَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِيهَا قَوْلٌ مَشْهُورٌ بِالْمَنْعِ.
خَلِيلٌ هُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ فِي النَّوَادِرِ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي الْعُتْبِيَّةِ، سُئِلَ سَحْنُونٌ عَنْ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَقَالَ جَائِزٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ مِنْ مَذْهَبِ سَحْنُونٍ أَنَّ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ فِي الشَّيْءِ الْمَبِيعِ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ عَلَى حَالٍ، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا يُعْرَفُ وَجْهُ خُرُوجِهِ كَبَيْعِهِ ثَوْبًا عَلَى أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ خِيَاطَتَهُ أَوْ قَمْحًا، عَلَى أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ طَحْنَهُ أَوْ فِيمَا لَا يُعْرَفُ وَجْهُ خُرُوجِهِ
وَتُمْكِنُ إعَادَتُهُ كَبَيْعِهِ صُفْرًا عَلَى أَنَّ عَلَى بَائِعِهِ صِيَاغَتَهُ قَدَحًا، فَإِنْ كَانَتْ فِيمَا لَا يُعْرَفُ وَجْهُ خُرُوجِهِ وَلَا تُمْكِنُ إعَادَتُهُ لِلْعَمَلِ كَبَيْعِهِ غَزْلًا، عَلَى أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ نَسْجَهُ أَوْ الزَّيْتُونَ عَلَى أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ عَصْرَهُ أَوْ الزَّرْعَ، عَلَى أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ حَصْدَهُ وَدَرْسَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ اهـ. وَعُطْفُ عَلَى كَمَعَ جَعَلَ الْمُشَبَّهَ فِي الْفَسَادِ مُشَبَّهًا آخَرَ فِيهِ فَقَالَ: (وك) إجَارَةٍ عَلَى سَلْخٍ ب (جِلْدٍ لِسَلَّاخٍ) بِفَتْحِ السِّينِ وَشَدِّ اللَّامِ فَهِيَ فَاسِدَةٌ لِلْغَرَرِ بِتَقَطُّعِ الْجِلْدِ حَالَ سَلْخِهِ
أَوْ نُخَالَةٍ لِطَحَّانٍ، وَجُزْءِ ثَوْبٍ لِنَسَّاجٍ أَوْ رَضِيعٍ وَإِنْ مِنْ الْآنِ
[منح الجليل]
وَ) إجَارَةٌ عَلَى طَحْنٍ بِ (نُخَالَةٍ) بِضَمِّ النُّونِ وَإِعْجَامِ الْخَاءِ (لِطَحَّانٍ) لِلْغَرَرِ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِهَا وَصِفَتِهَا.
فِيهَا لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى سَلْخِ شَاةٍ بِشَيْءٍ مِنْ لَحْمِهَا.
ابْنُ شَاسٍ لَوْ اسْتَأْجَرَ السَّلَّاخَ بِالْجِلْدِ وَالطَّحَّانَ بِالنُّخَالَةِ فَلَا يَجُوزُ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْجِلْدُ يَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَيْعِهِ وَالنُّخَالَةُ تَجْرِي عَلَى حُكْمِ الدَّقِيقِ، وَفِيهَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى طَحْنِ إرْدَبّ حِنْطَةٍ بِدِرْهَمٍ وَقَفِيزٍ مِنْ دَقِيقِهِ، لِقَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ الْإِجَارَةُ بِهِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الشَّاةِ حَيَّةً أَوْ مَذْبُوحَةً وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا مَنَعَ لِأَنَّ السَّلَّاخَ لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا بَعْدَ سَلْخِهِ، وَلَا يَدْرِي هَلْ يَخْرُجُ سَلِيمًا مِنْ الْقَطْعِ أَوْ لَا، وَفِي أَيِّ جِهَةٍ يَكُونُ قَطْعُهُ، وَأَتَى بِالْكَافِ لِيَدْخُلَ اللَّحْمُ، وَانْظُرْ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ بِرَأْسٍ أَوْ بِالْأَكَارِعِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى الذَّبْحِ فَقَطْ أَوْ عَلَيْهِ، وَعَلَى السَّلْخِ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ تَصِحُّ ذَكَاتُهُ أَمْ لَا، وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى السَّلْخِ بَعْدَ الذَّبْحِ فَذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَهُ الْحَطّ.
(وَ) كَإِجَارَةٍ ب (جُزْءِ ثَوْبٍ لِنَسَّاجٍ) عَلَى النَّسْجِ لِجَهْلِ صِفَتِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ.
فِيهَا وَإِنْ أَجَرْته عَلَى دَبْغِ جُلُودٍ وَعَمَلِهَا أَوْ نَسْجِ ثَوْبٍ عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَ ذَلِكَ إذَا فَرَغَ فَلَا يَجُوزُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَخْرُجُ، وَلِأَنَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَأْجَرَ بِهِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَّا إنْ قَالَ لَك نِصْفُ الْغَزْلِ عَلَى أَنْ تَنْسِجَ لِي نِصْفَهُ، فَيَجُوزُ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَجُزْءُ ثَوْبٍ أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ بِجُزْءِ الْغَزْلِ أَوْ الْجِلْدِ أَوْ الْجُلُودِ قَبْلَ الدَّبْغِ لَجَازَ وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ شُرِطَ تَعْجِيلُهُ، أَوْ عُرِفَ وَإِلَّا فَسَدَتْ.
(أَوْ) إجَارَةٌ عَلَى إرْضَاعٍ بِجُزْءِ (رَضِيعٍ) رَقِيقٍ أَوْ بَهِيمٍ إنْ كَانَ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بَعْدَ فِطَامِهِ، بَلْ (وَإِنْ كَانَ) عَلَى أَنْ يَمْلِكَهُ (مِنْ الْآنَ) أَيْ وَقْتَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ أَرْضَعَتْ بِجُزْءٍ مِنْ الرَّضِيعِ الرَّقِيقِ بَعْدَ الْفِطَامِ فَلَا يَجُوزُ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ أَعْرِفْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ
وَبِجُزْءِ مَا سَقَطَ، أَوْ خَرَجَ فِي نَفْضِ زَيْتُونٍ، أَوْ عَصْرِهِ،
[منح الجليل]
بِشَخْصِهَا إلَّا لِلْغَزَالِيِّ، وَهِيَ نَحْوُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ وَأُجْرَتُهُ عَلَى تَعْلِيمِ عَبْدِك الْكِتَابَ سَنَةً وَلَهُ نِصْفُهُ، فَلَا يَجُوزُ، إذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَبْضِ مَالِهِ فِيهِ قَبْلَ السَّنَةِ، وَقَدْ يَمُوتُ الرَّضِيعُ فِيهَا فَيَذْهَبُ إرْضَاعُهُ بَاطِلًا.
أَبُو مُحَمَّدٍ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الشَّرْطُ فِيهِ أَنْ يَقْبِضَ الْمُعَلِّمُ نِصْفَهُ الْآنَ عَلَى سَنَةٍ فَلَا يَجُوزُ.
" غ " كَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي مُخْتَصَرِ الْمَبْسُوطَةِ، سُئِلَ ابْنُ كِنَانَةَ عَمَّنْ يُعْطِي فَصِيلَهُ لِمَنْ يُغَذِّيهِ بِنَاقَتِهِ وَيَكُونُ الْفَصِيلُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا ابْتَدَأَ لَهُ بِسَاعَةٍ يَدْفَعُهُ لَهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَقَوْلُهُ وَإِنْ مِنْ الْآنِ خَاصٌّ بِمَسْأَلَةِ الرَّضِيعِ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ بَعْدَ الْفِطَامِ، لَكِنَّهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَوْ كَانَ الشَّرْطُ فِيهِ أَنْ يَقْبِضَ الْمُعَلِّمُ نِصْفَهُ الْآنَ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهُ سَنَةً فَلَا يَجُوزُ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَعَلَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ لَمَّا كَانَ مُعَيَّنًا وَلَوْ تَعَذَّرَ تَعْلِيمُهُ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا يَلْزَمُ رَبَّهُ خَلْفُهُ صَارَ نَقْدُ الْأُجْرَةِ فِيهِ كَالنَّقْدِ فِي الْأُمُورِ الْمُحْتَمَلَةِ بِشَرْطٍ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأُجْرَةُ جَزَاءً مِنْهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَيُشَارِكُهُ فِي هَذَا مَسْأَلَةُ الرَّضِيعِ.
(وَ) إنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى نَفْضِ زَيْتُونٍ أَوْ عَصْرِهِ (بِجُزْءٍ) مِ (مَا سَقَطَ) مِنْهُ بِسَبَبِ نَفْضِهِ كَثُلُثِهِ (أَوْ) بِجُزْءٍ مِمَّا (خَرَجَ) مِنْ زَيْتِهِ بِسَبَبِ عَصْرِهِ.
وَصِلَةُ سَقَطَ (مِنْ نَفْضٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَنَقْطِ الضَّادِ، أَيْ ضَرْبِ (زَيْتُونٍ) وَصِلَةُ خَرَجَ مِنْ (عَصْرِهِ) أَيْ الزَّيْتُونِ فَهِيَ فَاسِدَةٌ لِلْجَهْلِ بِالْقَدْرِ فِي الْأُولَى وَالصِّفَةِ فِي الثَّانِيَةِ.
فِيهَا إنْ قَالَ لَهُ اُنْفُضْ شَجَرِي أَوْ حَرِّكْهَا فَمَا نَفَضْت أَوْ سَقَطَ فَلَكَ نِصْفُهُ، فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ.
وَإِنْ قَالَ اعْصِرْ زَيْتُونِي أَوْ جُلْجُلَانِي فَمَا عَصَرْت فَلَكَ نِصْفُهُ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ يَخْرُجُ وَلَا كَيْفَ يَخْرُجُ، وَإِذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّرْكِ إذَا شَرَعَ وَلَيْسَ هَكَذَا الْجَعْلُ.
اهـ. فَقَدْ بَيَّنَ وَجْهَ عَدَمِ جَوَازِ عَصْرِ الزَّيْتُونِ بِجُزْءِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ.
وَأَمَّا وَجْهُ عَدَمِ جَوَازِ النَّفْضِ وَالتَّحْرِيكِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ لِأَنَّ الشَّجَرَ يَخْتَلِفُ، فَمِنْهُ
وَكَاحْصِدْ، وَادْرُسْ، وَلَك نِصْفُهُ، وَكِرَاءُ أَرْضٍ بِطَعَامٍ، أَوْ بِمَا يُثْبِتُهُ
[منح الجليل]
مَا هُوَ نَاصِحٌ يَقِلُّ مَا يَسْقُطُ مِنْهُ، وَمِنْهُ مَا هُوَ بِخِلَافِهِ.
اهـ. فَلَا يَصِحُّ إجَارَةً وَلَا جُعْلًا لِلْجَهْلِ الْمَذْكُورِ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: ابْنُ الْقَصَّارِ مَعْنَى التَّحْرِيكِ هُنَا النَّفْضُ بِالْيَدِ، وَأَمَّا بِالْقَضِيبِ فَهُوَ كَالْحَصْدِ أَبُو الْحَسَنِ هَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّ النَّفْضَ بِالْيَدِ غَيْرُ مُعْتَادٍ.
الثَّانِي: فِي التَّوْضِيحِ عَقِبَ مَسْأَلَةِ النَّفْضِ.
ابْنُ يُونُسَ لَوْ قَالَ اُنْفُضْهُ كُلَّهُ وَلَك نِصْفُهُ جَازَ، وَكَلَامُهُ يُوهِمُ أَنَّهُ تَقْيِيدٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ يُفْهَمُ أَنَّهُ لِابْنِ حَبِيبٍ مُخَالِفًا لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
الثَّالِثُ: إذَا وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْفَاسِدَةِ وَأَتَمَّ الْعَمَلَ فَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَجَمِيعُ الزَّرْعِ لِرَبِّهِ، فَإِنْ اقْتَسَمَا عَلَى مَا قَالَا فَمَا أَخَذَهُ الْعَامِلُ حَرَامٌ، وَمَا أَخَذَهُ رَبُّ الزَّرْعِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الزَّرْعَ جَمِيعَهُ لَهُ أَفَادَهُ الْحَطّ.
وَشَبَّهَ فِي الْفَسَادِ فَقَالَ: (ك) قَوْلِهِ (اُحْصُدْ) بِضَمِّ الصَّادِ وَكَسْرِهَا (وَادْرُسْ) بِضَمِّ الرَّاءِ هَذَا الزَّرْعَ (وَلَك نِصْفُهُ) فَهِيَ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ إذْ لَا يَدْرِي كَمْ يَخْرُجُ وَلَا كَيْفَ يَخْرُجُ فِيهَا إنْ قَالَ اُحْصُدْهُ وَادْرُسْهُ وَلَك نِصْفُهُ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِنِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَبِّ، وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ يَخْرُجُ وَلَا كَيْفَ يَخْرُجُ.
وَعُطِفَ عَلَى اُحْصُدْ فَقَالَ (وَ) ك (كِرَاءِ الْأَرْضِ) لِتُزْرَعَ (بِطَعَامٍ) فَهُوَ فَاسِدٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، سَوَاءٌ أَنْبَتَتْهُ كَالْقَمْحِ أَمْ لَا كَاللَّبَنِ (أَوْ) كِرَائِهَا لَهُ (بِمَا تُنْبِتُهُ) مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ، وَأَمَّا كِرَاؤُهَا لِلْبِنَاءِ فِيهَا بِمَا ذُكِرَ فَيَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا يَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ مِمَّا يَنْبُتُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَلَا بِطَعَامٍ تُنْبِتُ مِثْلَهُ أَوْ لَا تُنْبِتُهُ، وَلَا بِمَا تُنْبِتُهُ مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ مِنْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ أَوْ أُصْطُبَّةٍ وَهُوَ الْمُشَاقُّ، إذْ قَدْ يُزْرَعُ ذَلِكَ فِيهَا فَيَصِيرُ مُحَاقَلَةً وَلَا بِقَضْبٍ وَقَصَبٍ وَقُرْطٍ أَوْ تِبْنٍ أَوْ عَلَفٍ، وَلَا بِلَبَنٍ مَحْلُوبٍ أَوْ فِي ضُرُوعِهِ،
إلَّا كَخَشَبٍ
[منح الجليل]
وَلَا بِجُبْنٍ أَوْ عَسَلٍ أَوْ سَمْنٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ صُبْرٍ أَوْ مِلْحٍ وَلَا بِسَائِرِ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَنْبِذَةِ.
وَإِذَا خِيفَ فِي اكْتِرَائِهَا بِبَعْضِ مَا تَنْبُتُ مِنْ الطَّعَامِ أَنْ يَدْخُلَهُ طَعَامٌ بِمِثْلِهِ إلَى أَجَلٍ خِيفَ فِي اكْتِرَائِهَا بِطَعَامٍ لَا تُنْبِتُهُ أَنْ يَكُونَ طَعَامًا بِطَعَامٍ خِلَافِهِ إلَى أَجَلٍ، وَلَا تُكْرَى بِالْفِلْفِلِ وَلَا بِزَيْتِ زَرِيعَةِ الْكَتَّانِ وَلَا بِزَيْتِ الْجُلْجُلَانِ وَلَا بِالسَّمَكِ وَلَا بِطَيْرِ الْمَاءِ وَلَا بِشَاةِ لَحْمٍ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ الطَّعَامِ وَلَا بِزَعْفَرَانٍ، لِأَنَّهَا تُنْبِتُهُ، وَلَا بِوَرْسٍ وَيَاسَمِينٍ وَنَحْوِهِمَا وَلَا بِعُصْفُرٍ (إلَّا كَخَشَبٍ) .
فِيهَا قَالَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَلَا بَأْسَ بِكِرَائِهَا بِالْعُودِ، أَرَادَ الْهِنْدِيَّ وَبِالصَّنْدَلِ وَالْحَطَبِ وَالْخَشَبِ وَالْجُذُوعِ وَبِالْعَيْنِ.
سَحْنُونٌ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِطُولِ مُكْثِهَا وَوَقْتِهَا فَلِذَلِكَ سَهُلَ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ تُنْبِتُهَا الْأَرْضُ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَا بَأْسَ بِكِرَائِهَا بِالْمَاءِ وَلَا يَتَخَرَّجُ مَنْعُهَا بِهِ عَلَى أَنَّهُ طَعَامٌ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ، وَهُوَ يُجِيزُهُ بِالطَّعَامِ غَيْرِ الْحِنْطَةِ وَجِنْسِهَا: وَجَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ الْقَصَبَ كَالْجُذُوعِ وَقَبُولِهِ.
ابْنُ هَارُونَ لَمْ أَعْرِفْهُ، بَلْ قَوْلُهَا لَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِالْقَصَبِ.
اهـ. وَضَبَطَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، نُقِلَ الْجَوَازُ عَنْ صَاحِبِ التَّلْقِينِ فَيَرِدُ إنْكَارُ ابْنِ عَرَفَةَ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَضْبُ بِسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، كَذَا رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ مُصَحَّحَةٍ، وَيَدُلُّ لَهُ ذِكْرُهُ مَعَ الْقُرْطِ وَالتِّينِ قَالَهُ الْحَطّ.
الْبُنَانِيُّ وَكَذَا ضَبَطَهُ أَبُو الْحَسَنِ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ قَائِلًا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الصَّوَابَ فِي الْقَصَبِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ جَوَازُ كِرَائِهَا بِهِ كَالْخَشَبِ، وَأَنَّ الْقَضْبَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ السَّاكِنَةِ لَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِهِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: اللَّخْمِيُّ يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِثِيَابِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ غَيَّرَتْهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِالْمَصْطَكَى نَصٌّ فِي أَنَّهَا غَيْرُ طَعَامٍ،
الثَّالِثُ: فِيهَا مَنْ أَكْرَى أَرْضَهُ بِدَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ وَحَلَّتْ فَلَا يَأْخُذْ بِهَا طَعَامًا وَلَا إدَامًا وَلْيَأْخُذْ مَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ كِرَاءَهَا بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
الرَّابِعُ.
فِيهَا يَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِشَجَرٍ بِأُصُولِهَا يَأْخُذُهَا مِنْ الْمُكْتَرِي إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ثَمَرٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا ثَمَرٌ فَلَا يَجُوزُ.
الْخَامِسُ: فِيهَا يَجُوزُ بَيْعُ رَقَبَةِ الْأَرْضِ بِشَجَرٍ فِيهَا ثَمَرٌ كَمَا تُبَاعُ بِطَعَامٍ عَاجِلٍ وَآجِلٍ.
وَفِي النَّوَادِرِ لَا بَأْسَ بِشِرَائِهَا بِذَلِكَ كُلِّهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا طَعَامٌ، وَلَا بَأْسَ أَنْ تُكْرِيَ بِئْرًا إلَى جَانِبِ أَرْضِك لِتَسْقِيَهَا بِمَائِهَا بِمَا شِئْت مِنْ الطَّعَامِ.
اهـ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ رِبَوِيٍّ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي سَلَمِهَا الثَّالِثِ.
السَّادِسُ: إذَا وَقَعَ كِرَاؤُهَا بِمَا مُنِعَ كِرَاؤُهَا بِهِ، فَإِنَّمَا لَهُ كِرَاؤُهَا بِالدَّرَاهِمِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ عِيسَى بْنَ مِسْكِينٍ وَغَيْرَهُ مِنْ قُضَاةِ أَصْحَابِنَا بِأَفْرِيقِيَّةِ حَكَمُوا بِأَنْ يُعْطِيَ لَهُ قِيمَةَ الْجُزْءِ الَّذِي يَقَعُ لَهُ مِنْ ثُلُثِ أَوْ رُبُعِ دَرَاهِمَ لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ لَهَا بِالْمَغْرِبِ قِيمَةُ كِرَاءٍ بِالْعَيْنِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ قِيمَةُ كِرَائِهَا يَوْمَ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ لَا كِرَاءَ عَلَى الْمُكْتَرِي فِي الْأَرْضِ إذَا لَمْ يُصِبْ شَيْئًا فِيهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ الْمُتَيْطِيُّ بَعْضُ الْمُوَثَّقِينَ أَرْضُ الْأَنْدَلُسِ عِنْدِي بِخِلَافِ ذَلِكَ الْكِرَاءِ فِيهَا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ مَعْرُوفٌ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْضَى فِيهَا بِكِرَاءِ الْمِثْلِ.
وَقُلْت وَكَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي أَرْضِ تُونُسَ، وَفِي قَوْلِهِمْ فَنَظَرَ إلَى مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنْ ثُلُثِ أَوْ رُبُعِ دَرَاهِمَ نَظَرٌ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا دَخَلَا عَلَيْهِ مِنْ الْجُزْءِ، وَهُوَ عَقْدٌ فَاسِدٌ فَيَجِبُ لَغْوٌ مَا دَخَلَا عَلَيْهِ فِيهِ، وَيَنْظُرُ إلَى قِيمَتهَا بِالْجُزْءِ أَنْ لَوْ جَازَ فِيهَا ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ ذَلِكَ الْجُزْءِ.
اهـ. الْحَطّ وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّابِعُ: شَدَّدَ سَحْنُونٌ فَقَالَ مَنْ أَكْرَاهَا بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَذَلِكَ جُرْحَةٌ فِيهِ، وَتَأَوَّلَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَى مَنْ كَانَ عَالِمًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ مَذْهَبُهُ، أَوْ قَلَّدَ مَنْ مَذْهَبُهُ الْمَنْعُ.
سَحْنُونٌ وَلَا يُؤْكَلُ طَعَامُهُ وَلَا يُشْتَرَى مِنْهُ ذَلِكَ الطَّعَامُ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ كِرَائِهَا، وَتَأَوَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْوَرَعِ.
وَفِي الْجَوَاهِرِ كَرِهَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - شِرَاءَ طَعَامٌ مِنْ مُكْتَرِي الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّ الطَّعَامَ كُلَّهُ لِمُكْتَرِي الْأَرْضِ، وَعَلَيْهِ كِرَاؤُهَا عَيْنًا.
الْحَطّ هَذَا إنْ لَمْ يَتُبْ وَيُصْلِحْ مَا وَقَعَ لَهُ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، وَأَمَّا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَا يَظْهَر لِلتَّوَقُّفِ
وَحَمْلِ طَعَامٍ لِبَلَدٍ بِنِصْفِهِ، إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ الْآنَ،
[منح الجليل]
حِينَئِذٍ وَجْهٌ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهُ يَقُومُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ مِمَّنْ اشْتَرَى بِدَرَاهِمَ مَغْصُوبَةٍ جَوَازُ شِرَاءِ مَا يَحْصُلُ بِالْمُعَامَلَةِ الْفَاسِدَةِ قَبْلَ أَنْ يُصْلِحَا شَأْنَهُمَا، قَالَ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ شِرَاءُ الطَّعَامِ مِنْ مُكْتَرِي الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُصْلِحَ شَأْنَهُ مَعَ رَبِّهَا، فَالْكَلَامُ الْأَوَّلُ عَلَى التَّنَزُّهِ وَهُوَ الْأَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(و) فَسَدَتْ إجَارَةٌ عَلَى (حَمْلِ طَعَامٍ) مِنْ بَلَدٍ (لِبَلَدٍ) مُعَيَّنَيْنِ (بِنِصْفِهِ) أَيْ الطَّعَامِ مَثَلًا لِأَنَّهُ بَيْعٌ مُعَيَّنٌ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا) بِشَرْطِ (أَنْ يَقْبِضَهُ) أَيْ الْمُكْرِي الطَّعَام (الْآنَ) أَيْ وَقْتَ عَقْدِ الْكِرَاءِ فَيَجُوزُ لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ الْمَذْكُورِ.
فِيهَا لَوْ قُلْت احْمِلْ طَعَامِي إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَلَك نِصْفُهُ فَلَا يَجُوزُ إلَّا إنْ تَنْقُدَهُ الْآنَ مَكَانَك وَإِنْ أَخَّرْته إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَحْمِلُهُ إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ شَيْءٌ بَيْعُهُ بَيْعٌ عَلَى أَنْ يَتَأَخَّرَ قَبْضُهُ إلَى أَجَلٍ.
ابْنُ يُونُسَ إذَا وَقَعَ الْأَمْرُ مُبْهَمًا فَهُوَ فَاسِدٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَجَائِزٌ عَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ وَابْنِ حَبِيبٍ.
ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ أَجَرْت رَجُلًا عَلَى حَمْلِ طَعَامٍ بَيْنَكُمَا إلَى بَلَدٍ يَبِيعُهُ بِهِ عَلَى أَنَّ عَلَيْك كِرَاءَ حِصَّتِك وَسَمَّيْتُمَا ذَلِكَ، فَإِنْ شَرَطْت أَنْ لَا يُمَيِّزَ حِصَّتَهُ مِنْهُ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى الْبَلَدِ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى شَاءَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ أَوْ يَخْرُجُ جَازَ إنْ كَانَ ضَرَبَ لِلْمَبِيعِ أَجَلًا، أَرَادَ بَعْدَ وُصُولِ الْبَلَدِ وَلَا يَنْقُدُهُ أُجْرَةَ الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ إنْ وَاجَرْتَهُ عَلَى طَحِينِهِ، فَإِنْ كَانَ إذَا شَاءَ أَفْرَدَ طَحَنَ حِصَّتَهُ جَازَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ لَا يَطْحَنَهُ إلَّا مُجْتَمِعًا فَلَا يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ إنْ وَاجَرْتَهُ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمٍ بَيْنَكُمَا جَازَ وَلَزِمَتْهُ الْإِجَارَةُ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُقَاسِمَك حِصَّتَهُ وَيَبِيعَهَا مَتَى شَاءَ وَضَرَبْت لِلرِّعَايَةِ أَجَلًا إنْ شَرَطْت خَلَفَ مَا يَهْلِكُ مِنْ حِصَّتِك.
وَإِنْ وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى حَمْلِ الطَّعَامِ لِبَلَدٍ بِنِصْفِهِ وَحَمْلِهِ إلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ أَخِي ابْنُ هِشَامٍ لِلْجَمَّالِ نِصْفُهُ وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ فِي الْمَوْضِع الَّذِي حَمَلَهُ مِنْهُ، وَلَهُ كِرَاءُ حَمْلِ النِّصْفِ الْآخَرِ.
ابْنُ يُونُسَ عَابَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا قَائِلًا يَلْزَمُهُ ضَمَانُ نِصْفِ الطَّعَامِ إذَا هَلَكَ لِأَنَّهُ لَزِمَ ذِمَّتَهُ بِقَبْضِهِ وَهَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّ فَسَادَ الْمُعَامَلَةِ مَنَعَ الْمُكَارِي مِنْ قَبْضِ حِصَّتِهِ إلَى وُصُولِهِ لِلْبَلَدِ
وَكَإِنْ خِطْته الْيَوْمَ بِكَذَا، وَإِلَّا فَبِكَذَا،
[منح الجليل]
الْمَحْمُولِ إلَيْهِ، فَكَيْفَ يَضْمَنُهُ إذَا هَلَكَ قَبْلَهُ وَهُوَ لَا يَصِيرُ لَهُ إلَّا بَعْدَ وُصُولِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الطَّعَام كُلُّهُ لِرَبِّهِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ حَمْلِهِ كُلِّهِ.
ابْنُ يُونُسَ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ دَبْغِ الْجُلُودِ وَنَسْجِ الثَّوْبِ عَلَى أَنَّهُ لَهُ نِصْفُهُ إذَا فَرَغَ فَعَمِلَ عَلَى ذَلِكَ فَلَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ، وَالثَّوْبُ وَالْجُلُودُ لِرَبِّهَا، فَكَذَا هَذَا.
أَبُو الْحَسَنِ الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ أَخِي ابْنِ هِشَامٍ هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهَا لِأَنَّهُ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ بِيعَ عَلَى أَنْ يَتَأَخَّرَ قَبْضُهُ، فَإِنْ أَفَاتَهُ الْجَمَّالُ بَعْدَ وُصُولِهِ لِلْبَلَدِ الْمَحْمُولِ إلَيْهِ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ فِيهِ، وَلَهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعُطِفَ عَلَى الْمُشَبَّهِ فِي الْفَسَادِ مُشَبَّهًا آخَرَ فِيهِ فَقَالَ (وك) إجَارَتِهِ عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ قَائِلًا (إنْ خِطْته) أَيْ الثَّوْبَ (الْيَوْمَ) مَثَلًا فَهِيَ (بِكَذَا) كَدِرْهَمٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَخِطْهُ الْيَوْمَ (ف) خِيَاطَتُهُ (بِكَذَا) أَيْ أُجْرَةً أَقَلَّ كَنِصْفِ دِرْهَمٍ.
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنْ نَزَلَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ زَادَ أَوْ نَقَصَ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ أَجَّرْت رَجُلًا يَخِيطُ لَك ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ إنْ خَاطَهُ الْيَوْمَ فَبِدِرْهَمٍ، وَإِنْ خَاطَهُ غَدًا فَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِأَنَّهُ آجَرَ نَفْسَهُ بِمَا لَا يُعْرَفُ.
ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ الْإِمَام مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ أَجَّرَ مَنْ يُبْلِغُ لَهُ كِتَابًا إلَى ذِي الْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ وَإِنْ بَلَّغْته فِي يَوْمَيْنِ فَلَكَ زِيَادَةُ كَذَا، فَكَرِهَهُ وَاسْتَخَفَّهُ فِي الْخِيَاطَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إجَازَتُهُ أَحَبُّ إلَيْنَا وَبِهَا أَخَذَ سَحْنُونٌ.
وَفِيهَا إنْ أَجَرْت رَجُلًا يَخِيطُ ثَوْبًا إنْ خَاطَهُ الْيَوْمَ فَبِدِرْهَمٍ، وَإِنْ خَاطَهُ غَدًا فَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ أَوْ قُلْت لَهُ إنْ خِطْته خِيَاطَةً رُومِيَّةً فَبِدِرْهَمٍ، وَإِنْ خِطْته خِيَاطَةً عَجَمِيَّةً فَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ فَلَا يَجُوزُ وَهُوَ مِنْ وَجْهٍ بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ، فَإِنْ خَاطَهُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، زَادَ عَلَى التَّسْمِيَةِ أَوْ نَقَصَ.
قَالَ غَيْرُهُ فِي الْأَوْلَى إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى الدِّرْهَمِ أَوْ يَنْقُصَ عَنْ نِصْفِهِ فَلَا يُزَادُ وَلَا يُنْقَصُ.
أَبُو الْحَسَنِ وَيُعْتَبَرُ فِي التَّقَوُّمِ التَّعْجِيلُ وَالتَّأْخِيرُ بِأَنْ يُقَالَ كَمْ قِيمَةُ خِيَاطَةِ مِثْلِ هَذَا الثَّوْبِ الْيَوْمَ، وَكَمْ قِيمَةُ خِيَاطَتِهِ إلَى غَدٍ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ يُونُسَ.
سَحْنُونٌ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَحْسَنُ.
وَاعْمَلْ عَلَى دَابَّتِي فَمَا حَصَلَ: فَلَكَ نِصْفُهُ، وَهُوَ لِلْعَامِلِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَتُهَا.
[منح الجليل]
فَرْعَانِ)
الْأَوَّلُ: إذَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ عَجِّلْ فِي الْيَوْمِ وَأَزِيدُك نِصْفَ دِرْهَمٍ، فَإِنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنْ يُمْكِنَهُ تَعْجِيلُهُ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي إذَا أَجْهَدَ نَفْسَهُ هَلْ يُتِمُّهُ فِي الْيَوْمِ أَمْ لَا، فَكَرِهَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَمِثْلُهُ اسْتِئْجَارُ رَسُولٍ عَلَى تَبْلِيغِ كِتَابٍ لِبَلَدِ كَذَا، ثُمَّ زِيَادَتُهُ عَلَى أَنْ يُسْرِعَ السَّيْرَ فَيُبْلِغَهُ فِي يَوْمِ كَذَا يَفْصِلُ فِيهِ، هَذَا الَّذِي ارْتَضَاهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَنَصُّهُ سُئِلَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ الرَّجُلِ يَسْتَخِيطُ الثَّوْبَ بِدِرْهَمٍ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَجِّلْهُ إلَى الْيَوْمِ وَلَك نِصْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وَلَمْ يَرَهُ كَالرَّسُولِ يُزَادُ لِسُرْعَةِ السَّيْرِ.
ابْنُ رُشْدٍ أَمَّا الَّذِي يَسْتَخِيطُ الثَّوْبَ بِأَجْرٍ مُسَمَّى ثُمَّ يَزِيدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ فَلَا إشْكَالَ فِي جَوَازِهِ لِأَنَّ تَعْجِيلَهُ مُمْكِنٌ لَهُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَمَّدَ تَأْخِيرَهُ وَمَطْلِهِ إضْرَارًا بِهِ لِغَيْرِ سَبَبٍ، وَلَهُ أَنْ يَتَّسِعَ فِي عَمَلِهِ وَيُؤَخِّرَهُ فِي عَمَلِ غَيْرِهِ قَبْلَهُ، أَوْ لِلِاشْتِغَالِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ حَوَائِجِهِ عَلَى مَا جَرَى عُرْفُ الصُّنَّاعِ فِي التَّرَاخِي فِي أَعْمَالِهِمْ، فَإِذَا زَادَهُ عَلَى أَنْ يَتَفَرَّغَ لَهُ وَيُعَجِّلَهُ جَازَ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا زَادَهُ عَلَى فِعْلِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُهُ.
اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَبَعْضُهُ فِي التَّوْضِيحِ.
الثَّانِي: فِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مِنْ الْإِجَارَةِ مَنْ اسْتَأْجَرَ غِلْمَانًا يَخِيطُونَ الثِّيَابَ كُلَّ شَهْرٍ بِشَيْءٍ مُسَمًّى فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطْرَحَ عَلَى أَحَدِهِمْ ثِيَابًا عَلَى أَنَّهُ إنْ فَرَغَ مِنْهَا فِي يَوْمِهَا فَلَهُ بَقِيَّةُ يَوْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْرَغْ مِنْهَا فِيهِ فَعَلَيْهِ يَوْمٌ آخَرُ لَا يُحْسَبُ لَهُ مِنْ شَهْرِهِ إنْ كَانَ ذَلِكَ كَثِيرًا لِكَثْرَةِ الْغَرَرِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا خَفَّ ذَلِكَ.
(وَ) كَقَوْلِهِ (اعْمَلْ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَفَتْحِ الْمِيمِ (عَلَى دَابَّتِي) بِاحْتِطَابٍ أَوْ احْتِشَاشٍ أَوْ سَقْيِ مَاءٍ وَبَيْعِهِ أَوْ بِتَحْمِيلِهَا بِأُجْرَةٍ (فَمَا حَصَلَ) مِنْ ثَمَنٍ أَوْ أُجْرَةٍ (فَلَكَ نِصْفُهُ) فَفَاسِدٌ لِلْغَرَرِ (وَ) إنْ نَزَلَ فَ (هُوَ) أَيْ الْحَاصِلُ (لِلْعَامِلِ وَعَلَيْهِ) أَيْ الْعَامِلِ (كِرَاؤُهَا)
عُكِسَ لِتُكْرِيَهَا،
[منح الجليل]
أَيْ الدَّابَّةُ وَذَلِكَ (عَكْسُ) حُكْمِ خُذْ دَابَّتِي (لِتُكْرِيهَا) أَيْ الدَّابَّةَ وَلَك نِصْفُ كِرَائِهَا، وَهُوَ أَنَّ مَا حَصَلَ لِرَبِّهَا وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْعَامِلِ.
فِيهَا وَإِنْ دَفَعْت إلَيْهِ دَابَّةً أَوْ إبِلًا أَوْ دَارًا أَوْ سَفِينَةً أَوْ حَمَّامًا عَلَى أَنْ يُكْرِيَ ذَلِكَ وَلَهُ نِصْفُ الْكِرَاءِ فَلَا يَجُوز، فَإِنْ نَزَلَ كَانَ لَك جَمِيعُ الْكِرَاءِ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ كَمَا لَوْ قُلْت لَهُ بِعْ سِلْعَتِي فَمَا بِعْتهَا بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَك، أَوْ قُلْت لَهُ فَمَا زَادَ عَلَى مِائَةٍ فَبَيْنَنَا فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَالثَّمَنُ لَك وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ.
ابْنُ يُونُسَ سَاوَى بَيْنَ الدَّوَابِّ وَالدُّورِ وَالسُّفُنِ إذَا قَالَ اكْرِهَا وَلَك نِصْفُ الْكِرَاءِ أَنَّ الْكِرَاءَ لِرَبِّهَا وَعَلَيْهِ إجَارَةُ الْمِثْلِ لِلرَّجُلِ وَهُوَ أَصْوَبُ، وَلَوْ أَعْطَيْته الدَّابَّةَ أَوْ السَّفِينَةَ أَوْ الْإِبِلَ لِيَعْمَلَ عَلَيْهَا فَمَا أَصَابَ بَيْنَكُمَا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، فَإِنْ عَمِلَ عَلَيْهَا فَالْكَسْبُ هَاهُنَا لِلْعَامِلِ، وَعَلَيْهِ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِي ذَلِكَ مَا بَلَغَ، وَكَأَنَّهُ اكْتَرَى ذَلِكَ كِرَاءً فَاسِدًا وَالْأَوَّلُ آجَرَ نَفْسَهُ مِنْك فَاسِدَةٌ فَافْتَرَقَا.
" غ "، قَوْلُهُ فَمَا حَصَلَ فَلَكَ نِصْفُهُ، أَيْ مِنْ ثَمَنٍ أَوْ أُجْرَةٍ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ بَعْدُ وَجَازَ بِنِصْفِ مَا يَحْتَطِبُ عَلَيْهَا.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الدَّابَّةِ وَالسَّفِينَةِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَكْسِ، وَزَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَعَهَا فِيهِ الْحَمَّامُ وَالدَّارُ وَسَكَتَ فِي الْأَصْلِ عَنْ الدَّارِ وَالْحَمَّامِ فَقَالَ عِيَاضٌ لِأَنَّ مَا لَا يَذْهَبُ بِهِ وَلَا عَمَلَ فِيهِ لِمُتَوَلِّيهِ كَالرِّبَاعِ فَهُوَ فِيهَا أَجِيرٌ وَالْكَسْبُ لِرَبِّهَا، وَيَسْتَوِي فِيهَا اعْمَلْ وَأَجِّرْ، نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَقَبِلَهُ اللَّخْمِيُّ.
قَوْلُهُ فِي السَّفِينَةِ اكْرِهَا وَاعْمَلْ عَلَيْهَا سَوَاءٌ إنْ كَانَ فِيهَا قَوْمَةُ رَبِّهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَوَلَّى الْعَقْدَ فَغَلَّتُهَا لِرَبِّهَا وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَلَوْ سَافَرَ فِيهَا بِمَتَاعِهِ فَالرِّبْحُ لَهُ وَلِرَبِّهَا الْإِجَارَةُ وَالْحَمَّامُ، وَالْفُرْنُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا دَوَابُّ وَلَا آلَةٌ كَانَ مَا يُؤَاجِرُ بِهِ الْعَامِلُ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
وَإِنْ كَانَا بِدَوَابِّهِمَا وَيَشْتَرِي الْحَطَبَ مِنْ عِنْدِ رَبِّهَا أَوْ مِنْ غَلَّتِهَا فَمَا أَصَابَ فَلِرَبِّهَا وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ قِيَمٌ فِيهِمَا، وَكَذَا الْفُنْدُقُ مَا أَكْرَى بِهِ مَسَاكِنُهُ لِرَبِّهِ وَلِلْقَيِّمِ أُجْرَتُهُ.
الثَّانِي: لَا فَرْقَ إذَا قَالَ أَعْمَلُ عَلَى دَابَّتِي أَوْ فِي سَفِينَتِي أَوْ إبِلِي بَيْنَ أَنْ يَقُولَ لِي أَوْ
وَكَبَيْعِهِ نِصْفًا: بِأَنْ يَبِيعَ نِصْفًا، إلَّا فِي الْبَلَدِ، إنْ آجِلًا وَلَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ مِثْلِيًّا.
[منح الجليل]
لَا يَقُولُهَا عَلَى ظَاهِرِ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ، وَصَرِيحِ رِوَايَةِ الدَّبَّاغِ.
وَفِي الْجَلَّابِ إذَا قَالَ اعْمَلْ لِي كَانَ الْكَسْبُ كُلُّهُ لِرَبِّ الدَّابَّةِ.
عِيَاضٌ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ لِي أَوْ لَا يَقُولُهَا، إذْ هُوَ الْمَقْصُودُ نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
الثَّالِثُ: إذَا أُصِيبَ مَا عَمِلَ عَلَيْهَا قَبْلَ بَيْعِهِ فَهُوَ مِنْ الْعَامِلِ نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
الرَّابِعُ: إذَا قَالَ اعْمَلْ عَلَى دَابَّتِي فَعَمِلَ وَلَمْ يُحَصِّلْ شَيْئًا فَقَالَ الصِّقِلِّيُّ عَلَيْهِ الْكِرَاءُ لِأَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ.
وَلِابْنِ حَبِيبٍ إنْ عَرَفَ أَنَّهُ عَاقَهُ عَائِقٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُكْرِهَا بِشَيْءٍ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ.
الْخَامِسُ: لَوْ قَالَ اكْرِهَا فَعَمِلَ عَلَيْهَا فَالْكَسْبُ لِلْعَامِلِ وَلِرَبِّهَا كِرَاءُ مِثْلِهَا، وَإِنْ قَالَ اعْمَلْ عَلَيْهَا فَأَكْرَاهَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا أَكْرَيْت بِهِ لِلْأَجِيرِ وَلِرَبِّهَا أُجْرَةُ مِثْلِهَا.
وَفِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ مَا أَكْرَيْت بِهِ لِرَبِّهَا لِأَنَّ ضَمَانَهَا مِنْهُ.
وَعُطِفَ عَلَى الْمُشَبَّهِ فِي الْفَسَادِ مُشَبَّهًا آخَرَ فِيهِ فَقَالَ (وَكَبَيْعِهِ) أَيْ الْمَالِكِ شَيْئًا كَامِلًا وَمَفْعُولُ بَيْعٍ الْمُضَافُ لِفَاعِلِهِ (نِصْفًا) مِنْهُ وَصِلَةُ بَيْعٍ (بِأَنْ يَبِيعَ) أَيْ الْمُشْتَرِي (نِصْفًا) ثَانِيًا مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ فَثَمَنُ النِّصْفِ الْأَوَّلِ بَيْعُ النِّصْفِ الثَّانِي فَهِيَ فَاسِدَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ.
أَبُو إِسْحَاقَ لِأَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ لَا يَقْبِضُهُ إلَّا إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ وَهُوَ بُلُوغُهُ الْبَلَدَ الْآخَرَ الَّذِي يَبِيعُ فِيهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْبَيْعِ (بِالْبَلَدِ) الَّذِي هُمَا بِهِ فَيَجُوزُ.
وَلِابْنِ لُبَابَةَ غَيْرُ الْبَلَدِ كَالْبَلَدِ (إنْ أَجَّلَا) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ جَعَلَ الْعَاقِدَانِ لِلْبَيْعِ أَجَلًا مَعْلُومًا لِيَخْرُجَا عَنْ الْبَيْعِ وَالْجُعْلِ، فَإِنْ جَمَعَهُمَا مُمْتَنِعٌ وَالْإِجَارَةُ الْجَائِزُ اجْتِمَاعُهُمَا (وَلَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ) أَيْ الْمَبِيعُ وَهُوَ النِّصْفُ الْأَوَّلُ (مِثْلِيًّا) مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ مَعْدُودًا، فَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا فَسَدَتْ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ السَّلَفِ وَالثَّمَنِ.
سَحْنُونٌ لِأَنَّهُ قَبَضَ أُجْرَتَهُ وَهِيَ طَعَامٌ لَا يَعْرِفُ بِعَيْنِهِ، وَقَدْ يَبِيعُ فِي نِصْفِ الْأَجَلِ فَيَرِدُ نِصْفُ الْأُجْرَةِ فَتَصِيرُ إجَارَةً وَسَلَفًا.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ نِصْفَ ثَوْبٍ أَوْ نِصْفَ دَابَّةٍ أَوْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
غَيْرَهُمَا عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ بِالْبَلَدِ جَازَ إنْ ضَرَبَ لِبَيْعِ ذَلِكَ أَجَلًا مَا خَلَا الطَّعَامَ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.
سَحْنُونٌ لِأَنَّهُ قَبَضَ إجَارَتَهُ وَهِيَ طَعَامٌ لَا يَعْرِفُ بِعَيْنِهِ، وَقَدْ يَبِيعُ فِي نِصْفِ الْأَجَلِ فَيَرِدُ حِصَّةُ ذَلِكَ فَتَصِيرُ إجَارَةً وَسَلَفًا، أَرَادَ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وَأَجَازَهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ لَمْ يَضْرِبْ لِبَيْعِهِ أَجَلًا لَمْ يَجُزْ شَرْطُ بَيْعِهِ فِي الْبَلَدِ أَوْ فِي غَيْرِهِ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ الْإِمَام مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ إذَا بَاعَهُ نِصْفَ الثَّوْبِ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ.
تت ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَوْ بَاعَ لَهُ نِصْفَ سِلْعَةٍ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ نِصْفَهَا أَوْ بِأَنْ يَبِيعَ لَهُ نِصْفَهَا فَثَالِثُهَا إنْ عَيَّنَ أَجَلًا جَازَ، وَرَابِعُهَا عَكْسُهُ، أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَيْعِهَا بِالْبَلَدِ أَوْ بِغَيْرِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ.
وَالْجَوَازُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ فِي الْبَلَدِ كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ، غَيْرَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ هِيَ الْأُولَى مِنْ صُورَتَيْ ابْنِ الْحَاجِبِ، ثُمَّ قَالَ وَتَلَخَّصَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ لِلْجَوَازِ ثَلَاثَةَ شُرُوطٍ كَوْنُ الْبَيْعِ بِالْبَلَدِ وَكَوْنُهُ لِأَجَلٍ، وَكَوْنُ الْمَبِيعِ غَيْرَ مِثْلِيٍّ وَعَلِمْت أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ ذَكَرَ صُورَتَيْنِ، وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ اقْتَصَرَ عَلَى ثَانِيَتِهِمَا، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي تَوْضِيحِهِ بِأَنَّ الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا هُنَا النِّصْفُ فِيهَا مَجْمُوعُ الثَّمَنِ، أَيْ لِبَيْعِ النِّصْفِ الْآخَرِ، بِخِلَافِ الْأُخْرَى، فَإِنَّ بَيْعَ النِّصْفِ بَعْضُ الثَّمَنِ كَقَوْلِك أَبِيعُك النِّصْفَ بِدِينَارٍ عَلَى أَنْ تَبِيعَ النِّصْفَ الْآخَرَ اهـ. وَرَأَى ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَا يَفْتَرِقُ الْحُكْمُ مَعَهُ فَسَوَّى بَيْنَهُمَا، وَرُبَّمَا أَشْعَرَ بِهَذَا اسْتِثْنَاءُ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْأُخْرَى، وَدَعْوَى الْبِسَاطِيِّ تَعَسُّفَ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَقَوْلُهُ إنَّ الَّتِي اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهَا وَقَرَّرَ كَلَامَهُ عَلَيْهَا اعْتَرَضَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهَا دُونَ الْأَجَلِ مُجَرَّدُ جَعْلٍ، وَبِهِ إجَارَةٌ فَلَا مَانِعَ مِنْ الْجَوَازِ غَيْرُ ظَاهِرٍ أَيْضًا لِأَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ إنَّمَا تَعَقَّبَ عَلَى ابْنِ هَارُونَ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ نَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْقَوْلَ بِالْفَسَادِ مُطْلَقًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَوَابٍ، لِأَنَّهُ دُونَ أَجَلٍ مُجَرَّدُ جَعْلٍ وَبِهِ إجَارَةٌ، وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ اهـ، وَنَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ فِي جَوَازِ بَيْعِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
نِصْفِ ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ عَلَى أَنْ يَبِيعَ مُشْتَرِيهِ بَاقِيَهُ لِبَائِعِهِ.
ثَالِثُهَا إنْ ضَرَبَ لِبَائِعِهِ أَجَلًا.
وَرَابِعُهَا إنْ ضَرَبَهُ كُرِهَ وَإِلَّا جَازَ.
لِعِيَاضٍ عَنْ ابْنِ لُبَابَةَ مَعَ الْمُوَطَّإِ وَالصَّقَلِّيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ مَعَ إحْدَى رِوَايَتَيْهَا وَالْمَشْهُورُ مِنْهُمَا وَاللَّخْمِيُّ عَنْ رِوَايَةِ مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ مَعَ قَوْلِ ابْنِ زَرْقُونٍ نَحْوُهُ، رَوَى أَشْهَبُ فِيمَا ذُكِرَ فَضْلٌ وَلِعِيَاضٍ عَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ كَانَ فِيمَا يَنْقَسِمُ مِمَّا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَيَأْخُذُ نَصِيبَهُ مَتَى شَاءَ جَازَ إنْ ضَرَبَ الْأَجَلَ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ.
فِيهَا قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْجُعْلِ أَوْ الْإِجَارَةِ، كَذَا نَقَلَ عَنْهُ عِيَاضٌ، وَنَقَلَهُ الصِّقِلِّيُّ عَنْهُ لَا بِقَيْدٍ مِمَّا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ وَكُلُّ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ.
وَفِي الْمُوَطَّإِ مَا نَصُّهُ مَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَشْرِكْنِي بِنِصْفِهَا وَأَنَا أَبِيعُهَا لَك جَمِيعًا فَلَا يَجُوزُ، وَقَبِلَ عِيَاضٌ قَوْلَ ابْنِ لُبَابَةَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ بَيْعُ نِصْفِ سِلْعَةٍ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ حَلَالٌ أَحْسِبُهُ يُرِيدُ ضَرَبَ أَجَلًا أَمْ لَا فِي بَلَدِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَهُ مِنْ الْأَجَلِ إنْ لَمْ يَضْرِبْ قَدْرُ مَا ابْتَاعَ إلَيْهِ.
وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ مَنْ أَشْرَكَ فِي لُؤْلُؤٍ اشْتَرَاهُ قَوْمًا عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ لَهُمْ وَلَوْ بَارَ وَذَهَبَ الَّذِي كَانَ يُرِيدُ بَيْعَهُ إلَيْهِ فَلَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَيَدْفَعُ لَهُمْ الَّذِي لَهُمْ بِمُقَاسَمَتِهِ إيَّاهُمْ.
ابْنُ رُشْدٍ ظَاهِرُهُ جَوَازُهُ وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ لِبَيْعِهِ أَجَلًا وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ جُعْلٌ وَبَيْعٌ، وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ رَأَى فِيهَا أَنَّ مَا يُبَاعُ لَهُ اللُّؤْلُؤُ مَعْرُوفٌ بِالْعَادَةِ فَهُوَ كَالْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ، وَهَذَا بَيِّنٌ مِنْ قَوْلِهِ لَوْ بَارَ اللُّؤْلُؤُ وَذَهَبَ الَّذِي كَانَ يُرَادُ بَيْعُهُ إلَيْهِ يُرِيدُ وَيَسْتَوْجِبُ الْبَائِعُ كُلَّ الثَّمَنِ وَلَوْ بَاعَهُ فِي نِصْفِ الْأَجَلِ لَرَجَعَ الْمُبْتَاعُونَ بِمَنَابِهِ مِنْ الثَّمَنِ.
وَيَقْتَضِي كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ عَدَمَ وُجُودِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ بَاعَهُ نِصْفَ سِلْعَةٍ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ نِصْفَهَا، أَوْ بِأَنْ يَبِيعَ لَهُ نِصْفَهَا، ثَالِثُهَا إنْ عَيَّنَ أَجَلًا جَازَ، وَرَابِعُهَا عَكْسُهُ فَلَمْ يَعْزُ ابْنُ هَارُونَ الْقَوْلَ الرَّابِعَ وَاسْتَبْعَدَهُ، وَكَذَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَزَادَ وَيَقْرَبُ مِنْهُ مَا فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ.
قُلْت الْأَظْهَرُ أَنَّهُ هُوَ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ.
وَجَازَ بِنِصْفِ مَا يُحْتَطَبُ عَلَيْهَا
[منح الجليل]
وَاشْتُهِرَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَغَيْرِهِ إطْلَاقُ لَفْظِ الْمَكْرُوهِ عَلَى الْمُحَرَّمِ قَالَهُ فِي جَامِعِ الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهِ، وَقَبُولُهُمَا نَقَلَهُ الْقَوْلُ بِالْفَسَادِ فِي بَيْعِ نِصْفِ سِلْعَةٍ بِأَنْ يَبِيعَ لَهُ نِصْفَهَا غَيْرُ صَوَابٍ لِأَنَّهُ دُونَ أَجَلٍ مُجَرَّدٍ جُعْلٌ، وَبِالْأَجَلِ إجَارَةٌ وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ بَيْعِهِ بِالْبَلَدِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَالْجَوَازُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ فِي الْبَلَدِ.
وَتَقَدَّمَ لِابْنِ كِنَانَةَ غَيْرِ الْبَلَدِ كَالْبَلَدِ اهـ. طفي وَالْعَجَبُ مِنْ الْمُصَنِّفِ كَيْفَ ذَكَرَ الْفَرْضَ الْمُتَعَقِّبَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، وَتَرَكَ الْفَرْضَ السَّالِمَ مِنْ التَّعَقُّبِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ الْمُدَوَّنَةِ مَعَ ذِكْرِ ذَلِكَ فِي تَوْضِيحِهِ.
وَأَعْجَبُ مِنْهُ تَقْرِيرُ تت لَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَتَعْلِيلُهُ بِاجْتِمَاعِ الْجُعْلِ وَالْبَيْعِ، وَقَدْ تَكَلَّفَ مَنْ جَعَلَ الْبَاءَ بِمَعْنَى عَلَى.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: عُلِمَ أَنَّ الثَّمَنَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى الْمُثْمَنِ وَهُوَ النِّصْفُ الْمَبِيعُ، وَبِهِ عَبَّرَ الْخَرَشِيُّ أَوَّلًا فَقَالَ الثَّالِثُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَبِيعُ مِثْلِيًّا، ثُمَّ قَالَ وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْ ثَمَنُ الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ السَّمْسَرَةُ عَلَى بَيْعِ النِّصْفِ الْآخَرِ مِثْلِيًّا، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ مُسَاوٍ لِلتَّعْبِيرِ بِالْمُثْمَنِ أَوْ بِالْمَبِيعِ، وَبِعِبَارَةِ الثَّمَنُ هُوَ بَعْضُ السِّلْعَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا، أَيْ وَإِذَا كَانَ النِّصْفُ مِثْلِيًّا تَضَمَّنَ ذَلِكَ كَوْنَهَا كُلِّهَا مِثْلِيَّةً، وَقَالَ طفي الْمُرَادُ بِالثَّمَنِ الْمُثْمَنُ اهـ.
الثَّانِي: الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ مَعْنَى قَوْلِهِ بِبَلَدٍ آخَرَ، أَيْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْمُعَيَّنِ إلَى مِثْلِهِ، وَيَنْبَغِي إذَا كَانَ قَرِيبًا جِدًّا أَنْ يَجُوزَ لِأَنَّهُ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدِ.
الثَّالِثُ: اشْتَرَطَ الْأَجَلَ لِيَكُونَ إجَارَةً وَهِيَ تُجَامِعُ الْبَيْعَ، وَإِذَا لَمْ يُؤَجَّلْ كَانَ جُعْلًا وَهُوَ لَا يُجَامِعُ الْبَيْعَ.
الرَّابِعُ: اُشْتُرِطَ كَوْنُ الْمَبِيعِ غَيْرَ مِثْلِيٍّ لِئَلَّا يَكُونَ تَارَةً سَلَفًا إنْ بَاعَ فِي نِصْفِ الْأَجَلِ مِثْلًا، وَرُدَّ مَا زَادَ عَلَى مَا يَخُصُّ بَيْعَهُ فِي نِصْفِهِ، وَتَارَةً ثَمَنًا إنْ بَاعَ فِي آخِرِهِ أَوْ بَعْدَهُ.
(وَجَازَ) الْكِرَاءُ لِدَابَّةٍ أَوْ سَفِينَةٍ (بِنِصْفِ مَا) أَيْ الْحَطَبُ الَّذِي (يُحْتَطَبُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ يُحْمَلُ (عَلَيْهَا) أَيْ الدَّابَّةِ وَالسَّفِينَةِ مِنْ غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ إلَى
وَصَاعِ دَقِيقٍ مِنْهُ، أَوْ مِنْ زَيْتٍ لَمْ يَخْتَلِفْ
[منح الجليل]
بَلَدٍ مَعْلُومٍ إذَا كَانَ مِنْ نَوْعٍ مَعْلُومٍ بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ، وَمِثْلُ الْحَطَبِ الْكَلَأُ وَالْمَاءُ وَالْحَجَرُ وَنَحْوُهَا بِأَنْ كَانَتْ نَقْلَةٌ لِهَذَا وَنَقْلَةٌ لِلْآخَرِ، أَوْ يَوْمٌ لِأَحَدِهِمَا وَيَوْمٌ لِلْآخَرِ، أَوْ خَمْسَةُ أَيَّامٍ لِأَحَدِهِمَا وَخَمْسَةٌ لِلْآخَرِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا خَيْرَ فِي أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ دَابَّةً لِمَنْ يَحْطِبُ عَلَيْهَا عَلَى النِّصْفِ.
مُحَمَّدٌ أَرَادَ نِصْفَ ثَمَنِ الْحَطَبِ وَلَوْ جَعَلَ لَهُ نِصْفَ النَّقْلَةِ لَجَازَ، وَكَذَلِكَ عَلَى نَقَلَاتٍ مَعْرُوفَةٍ، أَوْ قَالَ لِي نَقْلَةٌ وَلَك نَقْلَةٌ فَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ.
يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ إذَا قَالَ مَا يُحْتَطَبُ عَلَيْهَا مِنْ الْحَطَبِ فَلِي نِصْفُهُ وَلَك نِصْفُهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ أَنْ تُعْطِيَهُ دَابَّتَك يَعْمَلُ عَلَيْهَا الْيَوْمَ لِنَفْسِهِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهَا غَدًا لِرَبِّهَا.
ابْنُ الْمَوَّازِ لَوْ قَالَ خُذْ دَابَّتِي فَاعْمَلْ عَلَيْهَا لِنَفْسِك وَتَعْمَلُ عَلَيْهَا لِنَفْسِي فَلَا يَجُوزُ إلَّا فِي مِثْلِ خَمْسَةِ الْأَيَّامِ وَسِتُّهَا، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَا يَصْلُحُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ وَيَنْقُدَهُ الْأُجْرَةَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ إلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ.
ابْنِ الْقَاسِمِ يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ إذَا كَانَ يَقْتَضِي إلَى خَمْسَةِ أَيَّامٍ.
مُحَمَّدٌ لَا يَصْلُحُ إنْ اسْتَأْجَرَهُ يَعْمَلُ لَهُ بَعْدَ شَهْرٍ وَيَنْقُدُهُ كِرَاءَهُ الْآنَ لِأَنَّ دَفْعَهُ دَابَّتَهُ يَعْمَلُ عَلَيْهَا هَذَا الشَّهْرَ هُوَ أُجْرَتُهُ.
وَأَمَّا فِي الْخَمْسَةِ الْأَيَّامِ وَنَحْوِهَا فَهُوَ مِثْلُ الَّذِي أَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَا يَدْخُلُهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ، لِأَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَجَازَ أَنْ يَكْتَرِيَ الرَّجُلُ دَارًا لِيَسْكُنَهَا سَنَةً بِسُكْنَى دَارٍ لَهُ السَّنَةَ الْمُقْبِلَةَ، وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الْحَيَوَانِ.
ابْنُ يُونُسَ لِقِلَّةِ أَمْنِ الْحَيَوَانِ فَصَارَ النَّقْدُ فِيهِ إذَا لَمْ يُقْبَضْ غَرَرًا وَلَا غَرَرَ فِيمَا قَرُبَ.
(وَ) جَازَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى طَحْنِ حَبٍّ أَوْ عَلَى عَصْرِ زَيْتُونٍ ب (صَاعِ دَقِيقٍ مِنْهُ) أَيْ الْحَبِّ (أَوْ) صَاعٍ (مِنْ زَيْتٍ) لِلزَّيْتُونِ الَّذِي يُعْصَرُ (إنْ لَمْ يَخْتَلِفْ) الْمَذْكُورُ مِنْ الدَّقِيقِ وَالزَّيْتِ فِي الصِّفَةِ بِأَنْ كَانَ كُلُّهُ جَيِّدًا أَوْ رَدِيئًا، وَلَا فِي الْخُرُوجِ بِأَنْ كَانَ كُلُّهُ دَقِيقًا أَوْ زَيْتًا، فَإِنْ كَانَ يَخْتَلِفُ فِي الصِّفَةِ أَوْ فِي الْخُرُوجِ فَلَا يَجُوزُ لِلْغَرَرِ فِيهَا لَا بَأْسَ أَنْ تُؤَجِّرَهُ عَلَى طَحْنِ إرْدَبٍّ بِدِرْهَمٍ وَبِقَفِيزٍ مِنْ دَقِيقِهِ، إذْ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ يَجُوزُ الْإِجَارَةُ بِهِ.
وَلَوْ أَجَرْته
وَاسْتِئْجَارُ الْمَالِكِ مِنْهُ
وَتَعْلِيمِهِ بِعَمَلِهِ سَنَةً مِنْ أَخْذِهِ
[منح الجليل]
يَطْحَنُهُ لَك بِدِرْهَمٍ وَبِقِسْطٍ مِنْ زَيْتِ زَيْتُونٍ قَبْلَ أَنْ يُعْصَرَ جَازَ، وَلَوْ بِعْت مِنْهُ دَقِيقَ هَذِهِ الْحِنْطَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ قَبْلَ أَنْ يَطْحَنَهَا جَازَ لِأَنَّ الدَّقِيقَ لَا يَخْتَلِفُ، فَإِنْ تَلِفَتْ هَذِهِ الْحِنْطَةُ كَانَ ضَمَانُهَا مِنْ الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ الزَّيْتُ وَالدَّقِيقُ مُخْتَلِفًا خُرُوجُهُ إذَا عُصِرَ أَوْ طُحِنَ فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يُطْحَنَ أَوْ يُعْصَرَ، وَقَدْ خَفَّفَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَبْتَاعَ الرَّجُلُ حِنْطَةً عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ طَحَنَهَا، إذْ لَا يَكَادُ الدَّقِيقُ يَخْتَلِفُ وَلَوْ كَانَ خُرُوجُهُ مُخْتَلِفًا لَمَا جَازَ.
(وَ) إنْ اسْتَأْجَرَ شَخْصٌ شَيْئًا لِاسْتِيفَاءِ مَنْفَعَتِهِ بِاسْتِخْدَامٍ أَوْ اسْتِصْنَاعٍ أَوْ اكْتِرَاءٌ لِرُكُوبٍ أَوْ حَمْلٍ أَوْ سُكْنَى أَوْ زَرْعٍ وَمَلَكَ مَنْفَعَتَهُ بِالْإِجَارَةِ أَوْ الِاكْتِرَاءِ وَاحْتَاجَ لَهَا مُؤَجِّرُهُ أَوْ مُكْرِيهِ الْمَالِكُ لِذَاتِهِ جَازَ (اسْتِئْجَارُ) أَوْ اكْتِرَاءُ الشَّخْصِ (الْمَالِكِ) لِذَاتِ الشَّيْءِ الْمُؤَجَّرِ أَوْ الْمُكْتَرَى بِالْفَتْحِ تِلْكَ الذَّاتَ (مِنْهُ) أَيْ مُسْتَأْجِرُهَا أَوْ مُكْتَرِيهَا.
الْحَطُّ أَرَادَ إنْ لَمْ يُؤَدِّ إلَى دَفْعِ قَلِيلٍ، أَيْ أَوْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ أَوْ صَرْفٍ مُؤَخَّرٍ كَمَا فِي بُيُوعِ الْآجَالِ حَلَّ وَلَوْ ظَاهِرَهُ سَوَاءٌ كَانَ اسْتِئْجَارُهُ بِجِنْسِ الْأَجْرِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ إلَى أَجَلِ الْأَوَّلِ أَوْ أَقْرَبَ أَوْ أَبْعَدَ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ هُنَا مَا يَمْتَنِعُ فِي بُيُوعِ الْآجَالِ، وَيَجُوزُ هُنَا مَا يَجُوزُ هُنَاكَ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَمْلِيكُ مَنَافِعَ فَحُكْمُهَا كَحُكْمِ الْبَيْعِ.
(وَ) جَازَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى (تَعْلِيمِهِ) أَيْ الرَّقِيقِ صَنْعَةً (بِعَمَلِهِ) أَيْ الرَّقِيقِ لِمُعَلِّمِهِ فِي تِلْكَ الصَّنْعَةِ (سَنَةً) مَثَلًا مُبْتَدَأَةٌ (مِنْ) حِينَ (أَخَذَهُ) أَيْ الرَّقِيقَ الْمُعَلَّمَ لِتَعَلُّمِهِ.
فِيهَا إنْ دَفَعْت غُلَامَك إلَى خَيَّاطٍ أَوْ قَصَّارٍ لَيُعَلِّمَهُ ذَلِكَ الْعَمَلَ بِعَمَلِهِ سَنَةً جَازَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ أُجَوِّزُ.
الصِّقِلِّيُّ يَحْيَى وَالسَّنَةُ مِنْ يَوْمَ أَخَذَهُ.
أَبُو الْحَسَنِ عَقِبَ نَقْلِهِ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ وَالتُّونُسِيِّ كَلَامًا طَوِيلًا، تَحْقِيقُ هَذَا الَّذِي قَالُوهُ فِي مَسْأَلَةِ الْغُلَامِ أَنَّ مُعَلِّمَ الصِّنَاعَةِ بَاعَ مَنَافِعَهُ بِمَنَافِعِ الْغُلَامِ سَنَةً، فَإِنْ مَاتَ الْغُلَامُ عِنْدَ تَمَامِهَا فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فَهَا فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ وَيَرْجِعُ الْمُعَلِّمُ عَلَى سَيِّدِهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ فِيمَا عَلِمَهُ، وَإِنْ مَاتَ فِي أَثْنَائِهَا فَيَتَحَاسَبَانِ، فَإِنْ كَانَ الصَّانِعُ عَلَّمَهُ ثُلُثَيْ الصَّنْعَةِ وَعَمِلَ الْغُلَامُ ثُلُثَ الْعَمَلِ فَقَطْ وَجَبَ لِلْمُعَلِّمِ
وَاحْصُدْ هَذَا وَلَك نِصْفُهُ، وَمَا حَصَدْت: فَلَكَ نِصْفُهُ
وَكِرَاءُ دَابَّةٍ لِكَذَا
[منح الجليل]
الرُّجُوعُ عَلَى سَيِّدِهِ بِثُلُثِ أُجْرَةِ تَعْلِيمِهِ، إذْ هِيَ بَقِيَّةُ قِيمَةِ مَنَافِعِهِ، وَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ عَمِلَ ثُلُثَيْ الْعَمَلِ وَعَلَّمَهُ الْمُعَلِّمُ ثُلُثَ الصَّنْعَةِ وَجَبَ لِسَيِّدِهِ الرُّجُوعُ عَلَى مُعَلِّمِهِ بِثُلُثِ أُجْرَةِ عَمَلِهِ.
وَإِنْ كَانَا مُسْتَوِيَيْنِ فَلَا رُجُوعَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
ابْنُ عَرَفَةَ بَعْضُ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ مَا حَاصِلُهُ إنْ مَاتَ فِي نِصْفِ السَّنَةِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ تَعْلِيمِهِ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِثْلَيْ قِيمَةِ تَعْلِيمِهِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي وَقِيمَةُ عَمَلِهِ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ نِصْفَ قِيمَةِ عَمَلِهِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي يَرْجِعُ عَلَى رَبِّهِ بِثُلُثِ قِيمَةِ تَعْلِيمِهِ.
قُلْت الْأَظْهَرُ مَنْعُ إجَارَتِهِ بِعَمَلِهِ لِاخْتِلَافِ عَمَلِهِ بِحَسَبِ سُرْعَةِ تَعَلُّمِهِ وَبَعْدَهُ.
(وَ) جَازَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى حَصْدِ زَرْعٍ مُعَيَّنٍ بِقَوْلِهِ (اُحْصُدْ) بِكَسْرِ الصَّادِ وَضَمِّهَا (هَذَا) أَيْ الزَّرْعَ الْمُعَيَّنَ الْحَاضِرَ (وَلَك نِصْفُهُ) أَيْ الزَّرْعِ (وَ) يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لَهُ (مَا حَصَدْت فَلَكَ نِصْفُهُ) مَثَلًا وَتَبِعَ الْمُدَوَّنَةَ فِي الْإِطْلَاقِ، وَقَيَّدَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ بِمَا إذَا عَلِمَ كَمْ الزَّرْعُ وَنَظَرَ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا خَيْر فِيهِ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ قَالَ لِرَجُلٍ اُحْصُدْ زَرْعِي هَذَا وَلَك نِصْفُهُ، أَوْ جِدَّ نَخْلِي هَذَا وَلَك نِصْفُهُ جَازَ، وَلَيْسَ لَهُ تَرْكُهُ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ، وَكَذَلِكَ لَقْطُ الزَّيْتُونِ.
ابْنُ حَبِيبٍ وَالْعَمَلُ فِي تَهْذِيبِهِ بَيْنَهُمَا أَرَادَ لَوْ شَرَطَ قَسْمَ الزَّرْعِ حَبًّا فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَجِبُ لَهُ بِالْحَصَادِ فَجَائِزٌ، وَإِنْ قَالَ فَمَا حَصَدْت أَوْ لَقَطْت فَلَكَ نِصْفُهُ جَازَ، وَلَهُ التَّرْكُ مَتَى شَاءَ لِأَنَّ هَذَا جُعْلٌ.
(وَ) جَازَ (إجَارَةُ دَابَّةٍ) مِنْ كَذَا كَمِصْرٍ (لِكَذَا) كَالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا
عَلَى إنْ اسْتَغْنَى فِيهَا: حَاسَبَ،
[منح الجليل]
أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ (عَلَى) شَرْطِ (إنْ اسْتَغْنَى) الْمُكْتَرِي عَنْ رُكُوبِ الدَّابَّةِ (فِي) أَثْنَاءِ (هَا) أَيْ الْمَسَافَةِ لِظَفَرِهِ بِحَاجَتِهِ الَّتِي سَافَرَ إلَيْهَا مِنْ وُجُودِ آبِقٍ أَوْ بَعِيرٍ شَارِدٍ أَوْ مَدِينٍ هَارِبٍ مَثَلًا فَسَخَ الْإِجَارَةَ و (حَاسَبَ) رَبَّ الدَّابَّةِ بِأُجْرَةِ الْمَسَافَةِ الَّتِي رَكِبَهَا قَبْلَ اسْتِغْنَائِهِ إنْ لَمْ يَنْقُدْ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّرَدُّدُ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ لِخِفَّةِ الْغَرَرِ، إذْ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ عَدَمُ اسْتِغْنَائِهِ فِيهَا، فَانْدَفَعَ قَوْلُ ابْنِ عَاشِرٍ مَا وَجْهُ جَوَازِهَا، مَعَ أَنَّ الْمُؤَجِّرَ لَا يَدْرِي مَا بَاعَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَنَحْوُهُ لِلْخَرَشِيِّ، وَأَجَابَ بِيَسَارَةِ الْغَرَرِ لِمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ تَكَارَى دَابَّةً بِدِينَارٍ إلَى بَلَدِ كَذَا عَلَى أَنَّهُ إنْ تَقَدَّمَ بِهَا فَبِحِسَابِ مَا تَكَارَى مِنْهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ إذَا سَمَّى مَوْضِعَ التَّقَدُّمِ أَوْ عَرَفَ نَحْوَهُ وَقَدَّرَهُ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ عَبْدِي الْآبِقُ بِذِي الْمَرْوَةِ فَاكْتَرَى مِنْك إلَيْهَا بِدِينَارٍ، فَإِنْ تَقَدَّمَتْ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ عُرِفَ وَجْهُهُ، فَهُوَ كَتَسْمِيَةِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ.
فَأَمَّا إنْ تَكَارَى مِنْهُ إلَى مَوْضِعٍ بِدِينَارٍ عَلَى أَنَّهُ أَيْنَمَا يَبْلُغُ مِنْ الْأَرْضِ كُلِّهَا فَبِحِسَابِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، مَرَّةً يَذْهَبُ إلَى الْعِرَاقِ وَمَرَّةً إلَى الْغَرْبِ، فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ مَوْضِعُ التَّقَدُّمِ مَعْلُومًا مُسَمًّى أَوْ أَمْرًا لَهُ وَجْهٌ يُعْرَفُ قَدْرُهُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ ابْنُ الْمَوَّازِ، ثُمَّ لَا يَنْقُدُهُ إلَّا كِرَاءَ الْغَايَةِ الْأُولَى، فَإِنْ نَقَدَهُ الْكِرَاءَيْنِ دَخَلَهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ.
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً فِي طَلَبِ ضَالَّةٍ أَوْ آبِقٍ فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يُسَمِّيَ مَوْضِعًا، فَإِنْ سَمَّاهُ وَقَالَ إنْ وَجَدْت حَاجَتِي دُونَ ذَلِكَ رَجَعْت وَكَانَ عَلَيَّ مِنْ الْكِرَاءِ بِحِسَابِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ إنْ لَمْ يَنْقُدْهُ.
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ لَا بَأْسَ بِهِ إنْ لَمْ يَنْقُدْهُ هُوَ سَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي اكْتِرَاءِ الدَّارِ سَنَةً، عَلَى أَنَّهُ إنْ خَرَجَ قَبْلَهَا حَاسَبَهُ بِمَا سَكَنَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي إجَارَةِ الرَّجُلِ شَهْرًا عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ ثَوْبًا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مَتَى شَاءَ تَرَكَ أَنَّهُ جَائِزٌ إنْ لَمْ يَنْقُدْ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ بِخِيَارِ فَضْلٍ، وَمَنَعَهَا سَحْنُونٌ، لِأَنَّهُ خِيَارٌ إلَى أَمَدٍ بَعِيدٍ.
ابْنُ رُشْدٍ لَيْسَ كَمَا قَالَ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ بِالْخِيَارِ فِي الْجَمِيعِ الْآنَ، وَكُلَّمَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ شَيْءٌ كَانَ بِالْخِيَارِ فِيمَا بَقِيَ.
وَاسْتِئْجَارُ مُؤَجَّرٍ، أَوْ مُسْتَثْنًى مَنْفَعَتُهُ، وَالنَّقْدُ فِيهِ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ غَالِبًا
[منح الجليل]
وَ) جَازَ (اسْتِئْجَارُ مُؤَجَّرٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ سَوَاءٌ اسْتَأْجَرَهُ مُؤَجِّرُهُ أَوْ غَيْرُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّيْءَ الْمُسْتَأْجَرَ رَقِيقًا أَوْ عَقَارًا أَوْ بَهِيمًا تَجُوزُ إجَارَتُهُ لِمَنْ هُوَ مُسْتَأْجِرُهُ أَوْ لِغَيْرِهِ مُدَّةً تَلِي مُدَّةَ الْإِجَارَةِ الْأُولَى (أَوْ) أَيْ وَجَازَ اسْتِئْجَارُ شَيْءٍ مَبِيعٍ (مُسْتَثْنًى) يُفْتَح النُّونِ وَنَائِبُ فَاعِلِهِ (مَنْفَعَتُهُ) مِنْ بَائِعِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً يَبْقَى الْمَبِيعُ عَلَى حَالِهِ غَالِبًا لَا يُغَيَّرُ عَنْهُ إلَى انْتِهَائِهَا، فَلِمُشْتَرِيهِ إجَارَتُهُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً تَلِي مُدَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ الرَّقَبَةِ وَهِيَ مُسْتَأْجَرَةٌ، أَوْ مُسْتَثْنًى مَنْفَعَتُهَا مُدَّةً تَبْقَى فِيهَا غَالِبًا وَالنَّقْدُ فِيهَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الرَّقَبَةُ تَشْمَلُ الْحَيَوَانَ وَغَيْرَهُ.
أ (وَ) يَجُوزُ (النَّقْدُ) أَيْ تَعْجِيلُ الْأَجْرِ (فِي) إيجَارٍ (هـ) أَيْ الْمُؤَجَّرِ أَوْ الْمُسْتَثْنَى مَنْفَعَتُهُ (إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ) الْمُؤَجَّرُ أَوْ الْمُسْتَثْنَى مَنْفَعَتُهُ قَبْلَ فَرَاغِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ الثَّانِيَةِ أَيْ إنْ ظَنَّ أَوْ تَحَقَّقَ بَقَاؤُهُ بِحَالِهِ حَتَّى تَتِمَّ الْمَنْفَعَةُ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَإِلَّا كَانَ مِنْ الْغَرَرِ، وَإِذَا أَجَازُوا شَرْطَ النَّقْدِ فِي الْعَقَارِ عَلَى أَنْ يَقْبِضَ بَعْدَ سِنِينَ، وَلَمْ يُجِيزُوهُ فِي الْحَيَوَانِ إلَّا فِي الْمُدَّةِ الْقَصِيرَةِ كَعَشَرَةِ الْأَيَّامِ.
ابْنُ شَاسٍ لَهُ أَنْ يُكْرِيَ الدَّارَ إلَى حَدٍّ لَا تَتَغَيَّرُ فِيهِ غَالِبًا وَيَنْتَقِدُ.
فَأَمَّا مَا لَا يُؤْمَنُ تَغَيُّرُهَا فِيهِ لِطُولِ الْمُدَّةِ أَوْ ضَعْفِ الْبِنَاءِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، فَيَجُوزُ الْعَقْدُ دُونَ النَّقْدِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا لَا تَبْقَى إلَى الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ فَلَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا إلَيْهَا.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا بَأْسَ بِإِجَارَةِ الْعَبْدِ عَشْرَ سِنِينَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا وَالدَّوْرُ أَبْيَنُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِيهَا، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْأُجْرَةِ فِيهِ بِشَرْطٍ.
ابْنُ يُونُسَ تَجُوزُ إجَارَةُ الدُّورِ ثَلَاثِينَ سَنَةً بِالنَّقْدِ وَالْمُؤَجَّلِ لِأَنَّهَا مَأْمُونَةٌ.
الْبُنَانِيُّ فَقَوْلُهُ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَيْ فِي الْمُدَّةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ وَالصُّوَرُ هُنَا ثَلَاثَةٌ غَلَبَةُ سَلَامَتِهِ إلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ الثَّانِيَةُ وَغَلَبَةُ تَغَيُّرِهِ فِيهَا وَاحْتِمَالُ الْأَمْرَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ، فَإِنْ غَلَبَ التَّغَيُّرُ امْتَنَعَ الْعَقْدُ، وَإِنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ جَازَ الْعَقْدُ وَالنَّقْدُ، وَإِنْ احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ جَازَ الْعَقْدُ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ شَاسٍ، وَامْتَنَعَ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمُوَضِّحِ.
فَقَوْلُهُ إنْ لَمْ
وَعَدَمُ التَّسْمِيَةِ لِكُلِّ سَنَةٍ
وَكِرَاءُ أَرْضٍ لِتُتَّخَذَ مَسْجِدًا مُدَّةً.
وَالنَّقْضُ لِرَبِّهِ إذَا انْقَضَتْ.
[منح الجليل]
يَتَغَيَّرْ غَالِبًا شَامِلٌ لِصُورَتَيْ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ وَاحْتِمَالِ الْأَمْرَيْنِ فَهُوَ عَلَى كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ، هَذَا إنْ رَجَعَ الشَّرْطُ لِلْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَثْنَى مَنْفَعَتُهُ، لَكِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ النَّقْدَ جَائِزٌ فِي الثَّانِيَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَكَذَا إنْ رَجَعَ لَهُ وَلِمَا بَعْدَهُ، فَإِنْ رَجَعَ لِقَوْلِهِ وَالنَّقْدُ فَقَطْ اقْتَضَى مَعَ ذَلِكَ أَنَّ النَّقْدَ جَائِزٌ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالنَّقْدُ فِيهِ إنْ سَلِمَ غَالِبًا لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَا ذُكِرَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ غَالِبًا هُوَ إنْ لَمْ يَغْلِبْ تَغَيُّرُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ انْتَفَى التَّغَيُّرُ غَالِبًا، أَيْ إنْ كَانَ الْغَالِبُ انْتِفَاءً.
فَالْحَالُ قَيْدٌ فِي النَّفْيِ لَا فِي الْمَنْفِيِّ، فَيَسْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) يَجُوزُ إيجَارُ الشَّيْءِ سِنِينَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ وَ (عَدَمُ التَّسْمِيَةِ لِكُلِّ سَنَةٍ) قَدْرًا مَعْلُومًا مِنْهَا كَمَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا سَنَةً بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ بِدُونِ تَسْمِيَةِ مَا يَخُصُّ كُلَّ شَهْرٍ مِنْهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ كِرَاءُ الرُّبْعِ عِدَّةَ سِنِينَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لِكُلِّ سَنَةٍ قَدْرًا مِنْ الْكِرَاءِ كَالْأَشْهُرِ فِي السَّنَةِ، وَفِيهَا إنْ أَكْرَيْت أَرْضًا ثَلَاثَ سِنِينَ بِثَلَاثِينَ دِينَارًا لِكُلِّ سَنَةٍ عَشَرَةٌ.
قَالَ لَا بَلْ تُحْسَبُ عَلَى قَدْرِ نِفَاقِهَا كُلَّ سَنَةٍ، وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ لَوْ آجَرَ سِنِينَ وَلَمْ يَقْدُرْ حِصَّةَ كُلِّ سَنَةٍ مِنْ الْأُجْرَةِ صَحَّ كَمَا فِي الْأَشْهُرِ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ.
(وَ) يَجُوزُ (كِرَاءُ أَرْضٍ لِتُتَّخَذَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ وَالْحَاءِ الْمُعْجَمَةِ (مَسْجِدًا مُدَّةً) بِضَمِّ الْمِيمِ مُعَيَّنَةً وَبَعْدَهَا تَزُولُ مَسْجِدِيَّتِهَا (وَالنَّقْضُ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الْقَافِ وَإِعْجَامِ الضَّادِ، أَيْ الْحَجَرُ وَالْآجُرُّ وَالْخَشَبُ وَنَحْوُهَا الْمَنْقُوضَةُ الْمَهْدُومَةُ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ مِلْكٌ (لِرَبِّهِ) أَيْ النَّقْضُ الَّذِي بُنِيَ بِهِ الْمَسْجِدُ فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا يَشَاءُ (إذَا انْقَضَتْ) مُدَّةُ الْكِرَاءِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَا يُجْبَرُ رَبُّ الْأَرْضِ عَلَى بَقَائِهِ مَسْجِدًا إنْ أَرَادَهُ الْبَانِي.
وَلَا الْبَانِي إنْ أَرَادَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا بَأْسَ أَنْ يُكْرِيَ أَرْضَهُ عَلَى أَنْ تُتَّخَذَ مَسْجِدًا عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ رَجَعَتْ الْأَرْضُ إلَى رَبِّهَا وَكَانَ النَّقْضُ لِمَنْ بَنَاهُ.
سَحْنُونٌ يَجْعَلُهُ فِي غَيْرِهِ.
أَبُو مُحَمَّدٍ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ مِثْلُ
وَعَلَى طَرْحِ مَيْتَةٍ.
وَالْقِصَاصُ
وَالْأَدَبُ.
وَعَبْدٍ خَمْسَةَ عَشْرَ عَامًا.
وَيَوْمٍ
[منح الجليل]
الْأَرْض تُسْتَحَقُّ وَقَدْ بُنِيَتْ مَسْجِدًا، أَرَادَ فَنَقْضُ هَذَا يُجْعَلُ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى التَّأْبِيدِ، وَالْآخَرُ إنَّمَا جَعَلَهُ لِلَّهِ تَعَالَى إلَى مُدَّةٍ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ بَعْدَ تَمَامِهَا.
ابْنُ يُونُسَ كَمَنْ دَفَعَ فَرَسَهُ لِمَنْ يَغْزُو بِهِ غَزْوَةً ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ.
(وَ) يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ (عَلَى طَرْحِ) أَيْ حَمْلِ (مَيْتَةٍ) أَوْ عُذْرَةٍ أَوْ دَمٍ مِنْ بَيْتٍ مَثَلًا لِطَرْحِهَا خَارِجَ الْبَلَدِ وَإِنْ لَزِمَ عَلَيْهِ التَّلَطُّخُ بِالنَّجَاسَةِ لِلضَّرُورَةِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا بَأْسَ بِالْإِجَارَةِ عَلَى طَرْحِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْعُذْرَةِ.
(وَ) تَجُوزُ الْإِجَارَةُ (عَلَى الْقِصَاصِ) مِنْ جَانٍ عَمْدًا عُدْوَانًا بِقَطْعٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ جُرْحٍ.
فِيهَا مَنْ قَتَلَ رَجُلًا ظُلْمًا بِأَجْرٍ فَلَا أَجْرَ لَهُ، وَمَنْ وَجَبَ لَهُمْ الدَّمُ قِبَلَ رَجُلٍ فَقَتَلُوهُ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا إلَى الْإِمَامِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ غَيْرُ الْأَدَبِ لِئَلَّا يُجَرَّأَ عَلَى الْعَدَاءِ، وَلَا يُمْكِنُ الَّذِي لَهُ الْقَوَدُ فِي الْجِرَاحِ أَنْ يَقْتَصَّ بِنَفْسِهِ وَيَقْتَصَّ لَهُ مَنْ يَعْرِفُ الْقِصَاصَ بِأَرْفَقِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَأُجْرَتُهُ عَلَى مَنْ يُقْتَصُّ لَهُ.
وَأَمَّا فِي الْقَتْلِ فَيُدْفَعُ الْقَاتِلُ إلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ فَيَقْتُلُهُ وَيُنْهَى عَنْ الْعَبَثِ فِيهِ، وَفِيهَا لَا بَأْسَ بِالْإِجَارَةِ عَلَى قَتْلِ قِصَاصٍ أَرَادَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِحُكْمِ قَاضٍ عَدْلٍ اللَّخْمِيُّ الْإِجَارَةُ عَلَى الْقَتْلِ وَالْجُرْحِ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَنْ قِصَاصٍ أَوْ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَسْتَأْجِرُ فِي ذَلِكَ إلَّا مَنْ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي بِالْأَمْرِ عَلَى وَجْهِهِ وَلَا يَعْبَثُ فِي الْقَتْلِ وَلَا يُجَاوِزُ الْحَدَّ فِي الْجُرْحِ.
(وَ) تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى (الْأَدَبِ) لِرَقِيقٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِمْ، فِيهَا لَا بَأْسَ بِالْإِجَارَةِ عَلَى ضَرْبِ عَبْدِك أَوْ وَلَدِك لِلْأَدَبِ، وَأَمَّا عَلَى غَيْرِ مَا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْأَبِ فَلَا يُعْجِبُنِي.
أَبُو الْحَسَنِ قَالُوا يُصَدَّقُ السَّيِّدُ أَنَّ الْعَبْدَ فَعَلَ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ، فَلَوْ أَقَرَّ السَّيِّدُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَبَ، فَهَلْ يُمَكَّنُ مِنْ الضَّرْبِ الْيَسِيرِ دُونَ سَبَبٍ أَوْ لَا، فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَيُصَدَّقُ الزَّوْجُ أَنَّ زَوْجَتَهُ فَعَلَتْ مُوجِبَ الْأَدَبِ، اُنْظُرْ تَمَامَهُ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) تَجُوزُ إجَارَةُ (عَبْدٍ) أَوْ أَمَةٍ لِخِدْمَةٍ وَنَحْوَهَا (خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا) فِيهَا لَا بَأْسَ
أَوْ خِيَاطَةِ ثَوْبٍ مَثَلًا.
وَهَلْ تَفْسُدُ إنْ جَمَعَهُمَا وَتَسَاوَيَا، أَوْ مُطْلَقًا؟ خِلَافٌ
[منح الجليل]
بِإِجَارَةِ الْعَبْدِ عَشْرَ سِنِينَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، وَالدَّارُ أَبْيَنُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِيهَا، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْأُجْرَةِ فِيهِ بِشَرْطٍ.
ابْنُ يُونُسَ تَجُوزُ إجَارَةُ الدَّارِ ثَلَاثِينَ سَنَةً بِالنَّقْدِ وَالْمُؤَجَّلِ لِأَنَّهَا مَأْمُونَةٌ وَبِعِبَارَةٍ يَنْظُرُ لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالشَّيْخِ وَالْهَرَمِ، وَلِلدَّابَّةِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ وَالْقَوِيَّةِ وَالضَّعِيفَةِ، وَلَا شَيْءَ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِ وَالنَّقْدِ فِيهِ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ غَالِبًا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ عَبْدٍ يَسْتَأْجِرُ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا.
اللَّخْمِيُّ الْأَمَدُ فِي الْمُسْتَأْجَرِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَأَوْسَعُهَا فِي الْأَجَلِ الْأَرَضُونَ ثُمَّ الدُّورُ ثُمَّ الْعَبِيدُ ثُمَّ الدَّوَابُّ ثُمَّ الثِّيَابُ، فَيَحُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَرْبَعِينَ بِغَيْرِ نَقْدٍ، إلَّا أَنْ تَكُونَ مَأْمُونَةَ الشِّرْبِ فَيَجُوزُ مَعَ النَّقْدِ، وَيَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الدُّورِ إذَا كَانَتْ جَدِيدَةً مَأْمُونَةَ الْبِنَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ قَدِيمَةً فَدُونَ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَرَى أَنَّهُ يَأْمَنُ سَلَامَتَهَا فِي الْغَالِبِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْعَبِيدِ، فَأَجَازَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ الْعِشْرِينَ سَنَةً بِالنَّقْدِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، وَمَنَعَهُ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعِشْرِينَ، وَأَرَى أَنْ يُنْظَرَ فِي ذَلِكَ إلَى سَنِّ الْعَبْدِ، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانَاتُ اُخْتُلِفَ فِي كِرَائِهَا بِاخْتِلَافِ الْعَادَةِ فِي إعْمَارِهَا، فَالْبِغَالُ أَوْسَعُهَا أَجَلًا لِأَنَّهَا أَطْوَلُهَا أَعْمَارًا، وَالْحَمِيرُ دُونَ ذَلِكَ، وَالْإِبِلُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَالْمَلَابِسُ فِي الْأَجَلِ مِثْلُ ذَلِكَ، فَيَفْتَرِقُ الْأَجَلُ فِي الْحَرِيرِ وَالْكَتَّانِ وَالصُّوفِ وَالْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ فَيَضْرِبُ مِنْ الْأَجَلِ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِهِ.
(وَ) تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى خِيَاطَةِ (يَوْمٍ) مَثَلًا (أَوْ) عَلَى (خِيَاطَةِ ثَوْبٍ مَثَلًا) رَاجِعٌ لِلْيَوْمِ لِإِدْخَالِ الْأُسْبُوعِ وَالشَّهْرِ وَالْعَامِ، وَلِلْخِيَاطَةِ لِإِدْخَالِ سَائِرِ الصَّنَائِعِ (وَهَلْ تَفْسُدُ) الْإِجَارَةُ (إنْ جَمَعَهُمَا) أَيْ التَّحْدِيدُ بِالزَّمَنِ وَالْعَمَلِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ فِي يَوْمٍ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (تَسَاوَى) الزَّمَنُ وَالْعَمَلُ بِأَنْ كَانَ الْيَوْمُ يَسَعُ خِيَاطَةَ ثَوْبٍ لَا أَكْثَرَ اتِّفَاقًا عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ، وَعَلَى أَحَدِ الْمَشْهُورَيْنِ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ (أَوَّلًا) تَفْسُدُ الْإِجَارَةُ مَعَ تَسَاوِيهِمَا، وَهُوَ أَحَدُ مَشْهُورَيْنِ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ (أَوْ تَفْسُدُ) الْإِجَارَةُ يَجْمَعُهُمَا فَسَادًا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِضِيقِ الزَّمَنِ عَنْ الْعَمَلِ أَوْ مُسَاوَاتِهِ لَهُ، وَشَهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ، فِي الْجَوَابِ (خِلَافَ) ابْنِ شَاسٍ اسْتِصْنَاعَ الْآدَمِيِّ يُعْرَفُ إمَّا بِالزَّمَنِ أَوْ بِمَحَلِّ الْعَمَلِ، كَاسْتِئْجَارِ الْخَيَّاطِ يَوْمًا أَوْ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ مُعَيَّنٍ، فَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ أَسْتَأْجِرُك لِتَخِيطَ هَذَا الثَّوْبَ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَلَا يَصِحُّ.
ابْنُ رُشْدٍ الْإِجَارَةُ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ نَسْجِ غَزْلٍ أَوْ طَحْنِ قَمْحٍ وَشِبْهِهِ مِمَّا الْفَرَاغُ مِنْهُ مَعْلُومٌ لَا يَجُوزُ تَأْجِيلُهُ بِوَقْتٍ يَشُكُّ فِي سَعَتِهِ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ لَا إشْكَالَ فِي سَعَتِهِ لَهُ، فَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَوْلُهُ وَهُوَ دَلِيلُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي اسْتَأْجَرَ ثَوْرًا يَطْحَنُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ إرْدَبَّيْنِ فَوَجَدَهُ يَطْحَنُ إرْدَبًّا فَقَطْ لَهُ رَدَّهُ وَلَمْ يَفْسَخْ الْإِجَارَةَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ أَجَازَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُعَلِّمِ تَعْلِيمَ الْغُلَامِ الْقُرْآنَ الشَّرِيفَ عَلَى الْحَذْقَةِ نَظَرًا أَوْ حِفْظًا سَمَّيَا فِي ذَلِكَ أَجَلًا أَوْ لَمْ يُسَمِّيَا، وَعَزَاهُ لِمَالِكٍ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ أَرَى أَنْ يَمْضِيَ أَفَادَهُ الْمَوَّاقُ.
الْحَطّ يَعْنِي أَنَّ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِجَارَةِ إذَا كَانَتْ صَنْعَةً يَجُوزُ أَنْ تُقَيَّدَ بِزَمَنٍ كَخِيَاطَةِ يَوْمٍ، أَوْ بِمَحَلِّهَا كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ مَثَلًا.
فَإِنْ جَمَعَا بَيْنَهُمَا أَيْ التَّقْيِيدَ بِالْمَحَلِّ وَالزَّمَنِ، فَفِي الْبَيَانِ فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ مُشْكِلًا فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ لَا إشْكَالَ فِي أَنَّ الْعَمَلَ يُمْكِنُ تَمَامُهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ فَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ إمْضَاءَهَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الَّذِي ارْتَضَاهُ الشُّيُوخُ أَنَّ الزَّمَنَ الَّذِي قُيِّدَتْ الْإِجَارَةُ بِهِ إنْ كَانَ أَوْسَعَ مِنْ الْعَمَلِ بِكَثِيرٍ فَلَا يُخْتَلَفُ فِي جَوَازِهَا، وَإِنْ كَانَ أَضْيَقَ بِكَثِيرٍ فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي مَنْعِهَا، وَإِنْ تَسَاوَيَا فَقَوْلَانِ اُخْتُلِفَ فِي الْمَشْهُورِ مِنْهُمَا، فَالضَّيِّقُ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا الْمُسَاوِي عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ، وَعَلَى أَحَدِ الْمَشْهُورَيْنِ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، فَصَدَّرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ بِالْفَسَادِ لِقُوَّتِهِ، لِحِكَايَةِ ابْنِ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَعَقَّبَهُ بِعَدَمِهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّهُ أَحَدُ مَشْهُورَيْنِ، وَالزَّمَنُ الزَّائِدُ عَنْ الْعَمَلِ كَثِيرًا، ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ الْفَسَادَ لِتَشْهِيرِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ وَلَمْ يَعْتَبِرْ حِكَايَةَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الِاتِّفَاقَ عَلَى صِحَّتِهِ لِأَنَّ مَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى
وَبَيْعُ دَارٍ لِتُقْبَضَ بَعْدَ عَامٍ، وَأَرْضٌ لِعَشْرٍ، وَاسْتِرْضَاعٌ،
[منح الجليل]
مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلضَّيِّقِ لِوُضُوحِ فَسَادِهِ وَعِلْمِهِ بِالْأَوْلَى مِنْ الْمُسَاوِي، فَقَوْلُهُ وَتَسَاوَيَا فِي مَفْهُومِهِ تَفْصِيلٌ فَالضَّيِّقُ تَفْسُدُ فِيهِ بِالْأَوْلَى، وَالْوَاسِعُ تَصِحُّ فِيهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَقَوْلُهُ أَوْ مُطْلَقًا أَيْ تَفْسُدُ سَوَاءٌ كَانَ مُسَاوِيًا أَمْ وَاسِعًا عج.
وَالْمُنَاسِبُ لِاصْطِلَاحِ الْمُصَنِّفِ تَرَدُّدُ بَدَلِ خِلَافٍ.
(وَ) جَازَ (بَيْعُ دَارٍ) وَاسْتِثْنَاءُ الْبَائِعِ مَنْفَعَتَهَا عَامًّا (لِتَقْبِضَ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ أَيْ يَقْبِضُهَا الْمُشْتَرِي (بَعْدَ عَامٍ) عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا مِنْهَا مِنْ التَّغَيُّرِ لَا أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا جَوَازُ بَيْعِ الدَّارِ وَاسْتِثْنَاءُ سُكْنَاهَا مُدَّةً لَا تَتَغَيَّرُ فِيهَا غَالِبًا، وَفِي حَدِّهَا سِتَّةُ أَقْوَالٍ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ مَعَ سَمَاعِ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ سَنَةً قَائِلًا وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا فِي التَّوْضِيحِ أَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ اسْتِثْنَاءَ سُكْنَى الدَّارِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَامِ، وَلَمْ يَجُزْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ لِمَا يُخْشَى مِنْ تَغَيُّرِهَا.
وَأَجَازَ ابْنُ حَبِيبٍ السَّنَةَ وَنِصْفًا إلَخْ، قَالَ وَالْخِلَافُ خِلَافٌ فِي حَالٍ لَا فِي فِقْهٍ، فَإِنْ كَانَتْ لَا تَتَغَيَّرُ فِيهَا غَالِبًا جَازَ.
(أَوْ) بَيْعُ (أَرْضٍ) وَاسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَتِهَا (لِ) تُقْبَضَ بَعْدَ (عَشْرٍ) مِنْ السِّنِينَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِعَدَمِ تَغَيُّرِهَا فِيهَا غَالِبًا.
ابْنُ رُشْدٍ وَبَيْعُ الْأَرْضِ وَاسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَتِهَا أَعْوَامًا أَخَفُّ.
ابْنُ الْقَاسِمِ يَجُوزُ عَشَرَةُ أَعْوَامٍ.
(وَ) جَازَ (اسْتِرْضَاعٌ) لِرَضِيعٍ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ لِلضَّرُورَةِ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ اسْتِيفَاءُ عَيْنٍ قَصْدًا، وَلِنَصِّ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ عَلَى جَوَازِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأُجْرَةُ نَقْدًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ عَرْضًا أَوْ طَعَامًا لِلضَّرُورَةِ، وَلَوْ كَانَ الرَّضِيعُ مُحَرَّمَ الْأَكْلِ كَحِمَارٍ فَتُكْرَى حِمَارَةٌ لِإِرْضَاعِهِ لِلضَّرُورَةِ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا بَأْسَ بِإِجَارَةِ الظِّئْرِ عَلَى إرْضَاعِ الصَّبِيِّ حَوْلًا وَحَوْلَيْنِ بِكَذَا وَكَذَا، إلَّا إنْ شَرَطَتْ عَلَيْهِمْ طَعَامَهَا وَكِسْوَتَهَا فَهُوَ جَائِزٌ.
ابْنُ حَبِيبٍ وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ عَلَى قَدْرِهَا وَقَدْرِ هَيْئَتِهَا وَقَدْرِ أَبِي الصَّبِيِّ فِي غِنَاهُ وَفَقْرِهِ.
ابْنُ يُونُسَ وَلَا يَدْخُلُهَا طَعَامٌ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْأَطْعِمَةِ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِاقْتِيَاتِهَا.
وَأَمَّا الْإِرْضَاعُ فَقَدْ جَرَى الْعَمَلُ عَلَى جَوَازِهِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَلَا خِلَافَ
وَالْعُرْفُ فِي: كَغَسْلِ خِرْقَةٍ، وَلِزَوْجِهَا فَسْخُهُ، إنْ لَمْ يَأْذَنْ، كَأَهْلِ الطِّفْلِ إذَا حَمَلَتْ،
[منح الجليل]
فِيهِ، وَلِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي يَرْضَعُهُ الصَّبِيُّ لَا قَدْرَ لَهُ مِنْ الْقِيمَةِ، وَأَكْثَرُ الْإِجَارَةِ لِقِيَامِهَا بِالصَّبِيِّ وَتَكَلُّفِهَا جَمِيعَ مُؤْنَتِهِ فَكَانَ اللَّبَنُ فِي جَنْبِ ذَلِكَ لَا قَدْرَ لَهُ.
(وَ) وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ غَسْلَ خِرْقَةٍ عَلَى الظِّئْرِ وَلَا عَلَى أَهْلِ الطِّفْلِ فَ (الْعُرْفُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ يُعْمَلُ بِهِ (فِي كَغَسْلِ خِرْقَةٍ) أَيْ الرَّضِيعِ وَرَبْطِهِ فِي تَخْتِهِ وَحَمْلِهِ وَدَهْنِهِ وَتَحْمِيمِهِ وَتَكْحِيلِهِ وَدَقِّ رَيْحَانِهِ وَطِيبِهِ فِيهَا وَيَحْمِلُونَ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الصَّبِيُّ مِنْ الْمُؤْنَةِ فِي غَسْلِ خِرَقِهِ وَحَمِيمِهِ وَدَهْنِهِ وَدَقِّ رَيْحَانِهِ وَطِيبِهِ عَلَى مَا تَعَارَفَهُ النَّاسُ.
ابْنُ الْحَاجِبِ وَيُحْمَلُ فِي الدِّهَانِ وَغَسْلِ الْخِرَقِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْعُرْفِ، وَقِيلَ عَلَى الظِّئْرِ.
التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ وَغَيْرُهُ أَيْ كَحَمِيمِهِ وَدَقُّ رَيْحَانِهِ وَنَحْوُهُمَا عَلَى الْعُرْفِ، فَإِنْ اقْتَضَى أَنَّهُ عَلَى الْأَبِ فَعَلَيْهِ، هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِالْحُكْمِ إذَا لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ، وَنَصَّ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى أَنَّهُ مَعَ عَدَمِ الْعُرْفِ عَلَى الْأَبِ، وَقَوْلُهُ وَقِيلَ عَلَى الظِّئْرِ أَيْ مَعَ عَدَمِ الْعُرْفِ لِأَنَّ الْعُرْفَ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَكَلَامُهُ يُوهِمُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَعَ ثُبُوتِ الْعُرْفِ.
(وَ) إنْ آجَرَتْ ذَاتُ زَوْجٍ نَفْسَهَا لِإِرْضَاعِ طِفْلٍ فَ (لِزَوْجِهَا فَسْخُهُ) أَيْ الْإِيجَارِ وَإِلْزَامُهَا بِرَدِّ الطِّفْلِ لِأَهْلِهِ (إنْ لَمْ يَأْذَنْ) الزَّوْجُ لَهَا فِي إيجَارِهَا لِلْإِرْضَاعِ لِتَضَرُّرِهِ بِاشْتِغَالِهَا عَنْهُ بِالرَّضِيعِ، وَتَغَيُّرِ حَالِهَا إنْ كَانَتْ خِدْمَةُ الرَّضِيعِ عَلَيْهَا بِشَرْطٍ أَوْ عُرْفٍ، فَإِنْ كَانَ أَذِنَ لَهَا فِيهِ فَلَيْسَ لَهُ فَسْخُهُ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَيْسَ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا إنْ أَجَرَتْ نَفْسَهَا بِإِذْنِهِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ إجَارَتَهَا وَلَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَأْتِيَ بِغَيْرِهَا تُرْضِعُهُ لِأَنَّهَا إنَّمَا اُكْتُرِيَتْ عَلَى إرْضَاعِهِ بِنَفْسِهَا، وَإِنْ أَرَادَ الْأَبَوَانِ السَّفَرَ فَلَيْسَ لَهُمَا أَخْذُ الصَّبِيِّ إلَّا أَنْ يَدْفَعَا لِظِئْرِهِ جَمِيعَ الْأَجْرِ.
وَشَبَّهَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْفَسْخِ فَقَالَ (كَأَهْلِ الطِّفْلِ) بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ فَلَهُمْ فَسْخُ الْإِجَارَةِ (إذَا حَمَلَتْ) الظِّئْرُ لِأَنَّ لَبَنَهَا يَضُرُّ الطِّفْلَ.
تت وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إنْ
وَمَوْتُ إحْدَى الظِّئْرَيْنِ
[منح الجليل]
حَمَلَتْ وَخَافُوا عَلَى الطِّفْلِ أَلَهُمْ فَسْخُ الْإِجَارَةِ، قَالَ نَعَمْ وَلَمْ أَحْفَظْهُ عَنْ مَالِكٍ اهـ. فَإِنْ قَيَّدَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِهِ وَافَقَ مَا فِيهَا اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ إرْضَاعُ الْحَامِلِ مَظِنَّةُ ضَرَرِ الطِّفْلِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّقْيِيدِ بِهِ لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَأَمَّا الَّذِي قَدْ يَكُونُ فَهُوَ حُصُولُ الضَّرَرِ اهـ. طفي فِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا احْتَاجَ لِذِكْرِهِ فِيهَا وَمَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُخْتَصِرُونَ فَفِي التَّهْذِيبِ إذَا حَمَلَتْ الظِّئْرُ وَخِيفَ عَلَى الْوَلَدِ وَإِبْقَاؤُهَا.
أَبُو الْحَسَنِ عَلَى ظَاهِرِهَا فَقَالَ ظَاهِرُهُ إذَا تَحَقَّقَ الْخَوْفُ عَلَيْهِ، وَقَيَّدَ الشَّارِحُ بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فَقَالَ يُرِيدُ وَخِيفَ عَلَى الْوَلَدِ نَعَمْ لَمَّا نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَهَا وَنَقَلَ عَنْ اللَّخْمِيِّ فَسْخَهَا بِمُجَرَّدِ الْحَمْلِ لَا بِقَيْدِ الْخَوْفِ عَلَى الْوَلَدِ قَالَ لِأَنَّ رَضَاعَ الْحَامِلِ يَضُرُّ بِالْوَلَدِ.
اهـ. فَلَعَلَّ هَذَا يُرَشِّحُ مَا قَالَ تت تَبَعًا لِلْبِسَاطِيِّ وَإِذَا فُسِخَتْ فَلَهَا بِحِسَابِ مَا أَرْضَعَتْ، فَلَوْ دَفَعَتْ لَهَا الْأُجْرَةَ فَأَكَلَتْهَا فَلَا تُحْسَبُ عَلَيْهَا لِتَبَرُّعِهِمْ بِدَفْعِهَا لَهَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
الْبُنَانِيُّ اُنْظُرْهُ فَإِنَّمَا نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَلَعَلَّهُ مُقَابِلٌ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ مَا فِي التَّوْضِيحِ، وَنَصُّهُ وَلَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَأْتِيَ بِأُخْرَى تُرْضِعُهُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَأْتِيَ بِغَيْرِهَا إنْ كَانَ نَقَدَهَا الْأَبُ الْأُجْرَةَ لِأَنَّهُ فَسْخٌ فِي دَيْنٍ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِلَّا جَازَ اهـ. وَنَقَلَهُ الْحَطّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي رَدِّ مَا فِي الْخَرَشِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَا يُرَدُّ بِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ هَلَكَ الْأَبُ فَحِصَّةُ بَاقِي الْمُدَّةِ فِي مَالِ الْوَلَدِ قَدَّمَهُ الْأَبُ أَوْ لَمْ يُقَدِّمْهُ، وَتَرْجِعُ حِصَّةُ بَاقِي الْمُدَّةِ إنْ قَدَّمَهُ الْأَبُ مِيرَاثًا وَلَيْسَ ذَلِكَ عَطِيَّةٌ وَجَبَتْ اهـ.
وَعُطِفَ عَلَى الْمُشَبَّهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْفَسْخِ مُشَبَّهًا فِيهِ فَقَالَ (وَ) ك (مَوْتِ إحْدَى الظِّئْرَيْنِ) بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْهَمْزِ مُثَنَّى ظِئْرٍ كَذَلِكَ أَيْ مُرْضِعُ الْمُسْتَأْجَرَتِي نِ لِرَضَاعِ صَغِيرٍ فَيُتِيحُ لِلْبَاقِيَةِ فَسْخَ الْإِجَارَةِ لِتَضَرُّرِهَا بِإِرْضَاعِهِ وَحْدَهَا.
فِيهَا مَنْ أَجَّرَ ظِئْرَيْنِ فَاتَتْ إحْدَاهُمَا فَلِلْبَقِيَّةِ أَنْ تُرْضِعَ وَحْدَهَا.
سَحْنُونٌ وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ.
الْحَطّ الظِّئْرُ بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْهَمْزِ الْمُرْضِعُ، وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ إذَا اسْتَأْجَرَهُمَا مَعًا أَوْ الثَّانِيَةَ بَعْدَ الْأُولَى عَالِمَةً بِهَا، فَفِيهَا وَمَنْ أَجَرَ ظِئْرَيْنِ فَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فَلِلْبَاقِيَةِ أَنْ لَا تُرْضِعَهُ وَحْدَهَا، وَمَنْ أَجَرَ
وَمَوْتُ أَبِيهِ، وَلَمْ تَقْبِضْ أُجْرَةً، إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهَا مُتَطَوِّعٌ،
[منح الجليل]
وَاحِدَةً ثُمَّ أَجَرَ أُخْرَى فَمَاتَتْ الثَّانِيَةُ فَالْإِرْضَاعُ لَازِمٌ لِلْأُولَى كَمَا كَانَتْ قَبْلَ مُؤَاجَرَةِ الثَّانِيَةِ وَإِنْ مَاتَتْ الْأُولَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَنْ تُرْضِعُ مَعَ الثَّانِيَةِ.
أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْحَقِّ هَذَا إنْ عَلِمَتْ الثَّانِيَةُ حِينَ إجَارَتِهَا أَنَّ مَعَهَا غَيْرَهَا وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ فَلَا كَلَامَ لَهَا، لِأَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى أَنْ تُرْضِعَهُ وَحْدَهَا، وَكَذَا ذَكَرَ حَمْدِيسُ.
وَعَطَفَ عَلَى الْمُشَبَّهَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْفَسْخِ مُشَبَّهًا آخَرَ فِيهِ فَقَالَ (وَ) ك (مَوْتِ أَبِيهِ) أَيْ الرَّضِيعِ (وَلَمْ تَقْبِضْ) ظِئْرُهُ (أُجْرَةً) لِمُدَّةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ يَنْتَهِي بِهَا إرْضَاعُهُ السَّنَتَيْنِ، وَلَمْ يَتْرُكْ الْأَبُ مَالًا وَلَا مَالَ لِلرَّضِيعِ فَلِلظِّئْرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ) بِهَا (مُتَطَوِّعٌ) فَلَيْسَ لَهَا فَسْخُهَا.
فِيهَا إنْ هَلَكَ الْأَبُ فَحِصَّةُ بَاقِي الْمُدَّةِ فِي مَالِ الْوَلَدِ قَدَّمَهُ الْأَبُ أَوْ لَمْ يُقَدِّمْهُ، وَتَرْجِعُ حِصَّةُ بَاقِي الْمُدَّةِ إنْ قَدَّمَهُ الْأَبُ مِيرَاثًا لِأَنَّهَا نَفَقَةٌ قَدَّمَهَا الْأَبُ وَلَمْ تَلْزَمْهُ إلَّا مَا دَامَ حَيًّا، فَإِذَا مَاتَ انْقَطَعَ عَنْهُ مَا كَانَ يَلْزَمُهُ مِنْ أَجْرِ رَضَاعِهِ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَطِيَّةٍ وَجَبَتْ، إذْ لَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ فَلَا تُورَثُ عَنْهُ، وَكَانَ ذَلِكَ لِلْأَبِ خَاصَّةً دُونَ أُمِّهِ، فَفَارَقَ الضَّامِنُ الَّذِي قَالَ لِرَجُلٍ اعْمَلْ لِفُلَانٍ أَوْ بِعْهُ سِلْعَتَك وَالثَّمَنُ لَك عَلَيَّ فَالثَّمَنُ فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ إنْ مَاتَ، وَلَا طَلَبَ عَلَى الْمُبْتَاعِ وَلَا عَلَى الْمَعْمُولِ لَهُ.
ابْنُ يُونُسَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَجْرَ الرَّضَاعِ لَمْ يَلْزَمْ الْأَبَ، وَإِنَّمَا قَدَّمَهُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الصَّبِيَّ يَحْيَا، وَأَنَّهُ لَازِمُهُ فَلَمَّا مَاتَ الصَّبِيُّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ فَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ، وَاَلَّذِي قَالَ بِعْ سِلْعَتَك مِنْ فُلَانٍ وَالثَّمَنُ عَلَى تَطَوُّعٍ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُ، فَلَمَّا تَطَوَّعَ بِهِ وَضَمِنَهُ لِلْبَائِعِ لَزِمَهُ مَا الْتَزَمَهُ وَلَمْ تَبْقَ لَهُ حُجَّةٌ.
فِيهَا وَإِنْ مَاتَ الْأَبُ وَلَمْ يَدَعْ مَالًا وَلَمْ تَأْخُذْ الظِّئْرُ مِنْ إجَارَتِهَا شَيْئًا فَلَهَا فَسْخُهَا، وَلَوْ تَطَوَّعَ رَجُلٌ بِأَدَائِهَا فَلَا تُفْسَخُ، وَمَا وَجَبَ لِلظِّئْرِ فِيمَا مَضَى فَفِي مَالِ الْأَبِ وَذِمَّتِهِ وَلَا طَلَبَ فِيهِ عَلَى الصَّبِيِّ أَرَادَ وَلَوْ قَبَضَتْ أُجْرَتَهَا ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا فَلَا يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ وَأَخْذُ حِصَّةِ بَاقِي الْمُدَّةِ مِنْهَا، وَلَكِنْ يَتْبَعُونَ الصَّبِيَّ بِمَا يَنُوبُهُمْ مِنْهَا.
ابْنُ يُونُسَ هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَتَوَسُّطٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي النُّكَتِ وَهَذَا بِخِلَافِ تَقْدِيمِ الْأَبِ
وَكَظُهُورِ مُسْتَأْجِرٍ أُوجِرَ بِأَكْلِهِ أَكُولًا، وَمَنْعِ زَوْجٍ رَضِيَ مَنْ وَطِئَ وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ
[منح الجليل]
أُجْرَةَ تَعْلِيمِ وَلَدِهِ ثُمَّ مَاتَ فَلَا تَكُونُ مِيرَاثًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّعْلِيمَ لَا يَلْزَمُ الْأَبَ، وَلَمَّا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَزِمَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا.
وَأَمَّا أُجْرَةُ الرَّضَاعِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَبِ، فَإِنَّمَا قَدَّمَ مَا يَلْزَمُهُ، وَإِذَا مَاتَ سَقَطَ عَنْهُ لَا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْأَبَ قَدَّمَهَا لِلْوَلَدِ خَوْفَ مَوْتِهِ فَهِيَ عَطِيَّةٌ أَوْجَبَهَا فِي صِحَّتِهِ، فَلَا سَبِيلَ إلَى رُجُوعِهَا مِيرَاثًا، وَتُسَوَّى أُجْرَةُ الظِّئْرِ وَأُجْرَةُ التَّعْلِيمِ وَأَعْرِفُ نَحْوَ هَذَا التَّفْسِيرِ لِابْنِ الْمَوَّازِ.
وَعَطَفَ عَلَى أَهْلِ الطِّفْلِ الْمُشَبَّهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْفَسْخِ مُشَبَّهًا آخَرَ فِيهِ فَقَالَ (وَكَظُهُورِ) بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ تَبَيُّنِ شَخْصٍ (مُسْتَأْجَرٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ عَلَى خِدْمَةٍ أَوْ عَمَلِ صَنْعَةٍ أَوْ رَعْيِ مَاشِيَةٍ أَوْ حِرَاسَةٍ (أُوجِرَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْجِيمِ (بِأَكْلِهِ) أَيْ الْمُسْتَأْجِرِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ دَرَاهِمَ مَثَلًا حَالَ كَوْنِهِ (أَكُولًا) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ، أَيْ كَثِيرِ الْأَكْلِ جِدًّا فَلِمُسْتَأْجِرِهِ فَسْخُ إجَارَتِهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْأَجِيرُ بِطَعَامٍ وَسَطٍ، فَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُهَا.
ابْنُ يُونُسَ إنْ وُجِدَ الْأَجِيرُ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ بِطَعَامِهِ أَكُولًا خَارِجًا عَنْ عَادَةِ النَّاسِ فِي الْأَكْلِ فَفِي الْمَبْسُوطِ لَهُ فَسْخُ الْإِجَارَةِ.
ابْنُ يُونُسَ لِأَنَّهُ كَعَيْبٍ وَجَدَهُ بِهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْأَجِيرُ بِطَعَامٍ وَسَطٍ.
وَأَمَّا إنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَوَجَدَهَا أَكُولَةً خَارِجَةً عَنْ النَّاسِ فَلَيْسَ لَهُ فَسْخُ نِكَاحِهَا فَإِمَّا أَشْبَعَهَا وَإِمَّا طَلَّقَهَا لِأَنَّهَا لَا تُرَدُّ إلَّا مِنْ الْعُيُوبِ التِّسْعَةِ، الْأَرْبَعَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَالْخَمْسَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَا فَهُوَ كَوُجُودِهَا عَوْرَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ وَلَوْ شَاءَ لَاسْتَثْبَتَ.
(وَمُنِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (زَوْجٌ) لِظِئْرٍ (رَضِيَ) الزَّوْجُ بِإِجَارَتِهَا لِلْإِرْضَاعِ فَيُمْنَعُ (مِنْ وَطْءٍ) لِزَوْجَتِهِ الظِّئْرِ إنْ كَانَ يَضُرُّ الرَّضِيعَ، بَلْ (وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ) الْوَطْءُ الرَّضِيعَ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَسَوَاءٌ حَضَرَ الْعَقْدَ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ شُرِطَ عَلَيْهِ تَرْكُهُ أَمْ لَا.
وَأَشَارَ بِ وَلَوْ لِقَوْلِ أَصْبَغَ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ إلَّا بِشَرْطٍ أَوْ حُصُولِ ضَرَرٍ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَمَّ أَنْ يَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ فَبَلَغَهُ أَنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ يُغِيلُونَ وَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ فَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا.
ابْنُ حَبِيبٍ قَوْلُهُ ابْنُ الْقَاسِمِ
وَسَفَرٌ كَأَنْ تَرْضِعَ مَعَهُ، لَا يَسْتَتْبِعُ حَضَانَةً: كَعَكْسِهِ، وَبَيْعِهِ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ بِثَمَنِهَا سَنَةً، إنْ شَرَطَ الْخُلْف:
[منح الجليل]
أَحَبُّ إلَيَّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَكُونُ مُولِيًا بِالْيَمِينِ عَلَى تَرْكِهِ مُدَّةَ إرْضَاعِهَا، وَنَصُّهَا لَيْسَ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا إنْ أَجَرَتْ نَفْسَهَا بِإِذْنِهِ.
فَإِنْ تَعَدَّى وَوَطِئَهَا فَلِأَبِ الرَّضِيعِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ لِمَا يُتَّقَى مِنْ ضَرَرِهِ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ لَهُ فَسْخُهَا.
(وَ) مُنِعَ زَوْجٌ رَضِيَ مِنْ (سَفَرٍ بِهَا) أَيْ الظِّئْرِ مِنْ بَلَدِ أَهْلِ الرَّضِيعِ.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَإِنْ أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا، فَإِنْ كَانَتْ آجَرَتْ نَفْسَهَا لِلْإِرْضَاعِ بِإِذْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَهُ ذَلِكَ وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ.
وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ صِلَتُهُ (تُرْضِعَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الظِّئْرُ (مَعَهُ) أَيْ الرَّضِيعِ رَضِيعًا (غَيْرَهُ) فَتُمْنَعُ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ فِيهَا كِفَايَةٌ لَهُمَا، لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا جَمِيعَ لَبَنِهَا، وَسَوَاءٌ اُشْتُرِطَ عَلَيْهَا عَدَمُ إرْضَاعِ غَيْرِهِ أَمْ لَا، وَإِنْ شَرَطَتْ إرْضَاعَ غَيْرِهِ فَلَا تُمْنَعُ مِنْهُ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَوْ أَجَّرَهَا عَلَى رَضَاعِ صَبِيٍّ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُرْضِعَ مَعَهُ غَيْرَهُ (وَلَا يَسْتَتْبِعُ) الِاسْتِرْضَاعُ (حَضَانَةً) أَيْ حِفْظًا وَخِدْمَةً لِلرَّضِيعِ.
وَشَبَّهُ فِي عَدَمِ الِاسْتِتْبَاعِ فَقَالَ (كَعَكْسِهِ) أَيْ لَا تَسْتَتْبِعُ الْحَضَانَةُ الْإِرْضَاعَ، فَلَا يَلْزَمُ الظِّئْرَ حَضَانَةٌ وَلَا الْحَاضِنَةَ إرْضَاعٌ.
ابْنِ شَاسٍ الْإِجَارَةُ عَلَى الْإِرْضَاعِ لَا تُوجِبُ الْحَضَانَةَ وَلَا الْعَكْسَ.
ابْنُ عَرَفَةَ لِعَدَمِ اسْتِلْزَامِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْآخَرِ كَالْخِيَاطَةِ وَالطَّرْزِ.
(وَ) جَازَ (بَيْعُهُ) أَيْ الْمَالِكِ الرَّشِيدِ (سِلْعَةً) بِمِائَةٍ مَثَلًا (عَلَى) شَرْطِ (أَنْ يَتَّجِرَ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ (بِثَمَنِهَا) أَيْ السِّلْعَةِ كَمِائَةِ دِينَارٍ (سَنَةً) مَثَلًا وَالرِّبْحُ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ، إذْ غَايَتُهُ أَنَّهُ بَيْعٌ لِلسِّلْعَةِ بِالْمِائَةِ مَثَلًا وَاتِّجَارُ الْمُشْتَرِي بِهَا سَنَةً وَإِجَارَةٌ لِلْمُشْتَرِي عَلَى التَّجْرِ بِالْمِائَةِ مَثَلًا سَنَةً بِبَعْضِ السِّلْعَةِ وَجَمْعُهُمَا جَائِزٌ لِاتِّفَاقِ أَحْكَامِهِمَا (إنْ شُرِطَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ فِي حَالِ الْعَقْدِ (الْحَلِفُ) لِلثَّمَنِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ إنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
تَلِفَ لِيَسْتَمِرَّ التَّجْرُ بِهِ سَنَةً وَيَخِفَّ الْغَرَرُ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْخَلَفَ فَلَا يَجُوزُ لِشِدَّةِ الْغَرَرِ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ بَاعَ لِرَجُلٍ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَتَّجِرُ لَهُ بِثَمَنِهَا سَنَةً، فَإِنْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ إنْ تَلِفَ الثَّمَنُ أَخْلَفَ لَهُ الْبَائِعُ حَتَّى يَتِمَّ عَمَلُهُ بِهِ سَنَةً جَازَ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ.
فَإِنْ شَرَطَهُ فَضَاعَ الثَّمَنُ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَخْلُفَهُ حَتَّى تَتِمَّ السَّنَةُ، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلْأَجِيرِ اذْهَبْ بِسَلَامٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرْت رَجُلًا يَعْمَلُ لَك بِهَذِهِ الْمِائَةِ دِينَارٍ سَنَةً جَازَ ذَلِكَ إنْ شُرِطَتْ عَلَيْهِ إنْ ضَاعَتْ أَخْلَفْتهَا لَهُ، فَإِنْ ضَاعَتْ كَانَ لَك أَنْ تُخْلِفَهَا أَوْ تَدَعَ وَقَدْ لَزِمَتْك الْأُجْرَةُ، وَإِنْ لَمْ تَشْتَرِطْ ذَلِكَ فِي أَصْلِ الْإِجَارَةِ فَلَا يَجُوزُ.
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَذَلِكَ إنْ أَجَرَهُ يَرْعَى لَهُ غَنَمًا بِعَيْنِهَا سَنَةً، فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي الْعَقْدِ أَنَّ مَا هَلَكَ مِنْهَا أَوْ بَاعَهُ أَوْ ضَاعَ أَخْلَفَهُ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، فَإِنْ شَرَطَهُ وَضَاعَ شَيْءٌ مِنْهَا قِيلَ لِلْأَجِيرِ أَوْفِ الْإِجَارَةَ وَيُخَيَّرُ رَبُّ الْمَاشِيَةِ بَيْنَ خَلَفِ مَا ضَاعَ وَعَدَمِهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ لَوْ أَجَّرَهُ عَلَى رِعَايَةِ مِائَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْخَلَفَ لِمَا مَاتَ وَلِرَبِّهَا خَلَفُ مَا مَاتَ بِالْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً فَلَا بُدَّ مِنْ الشَّرْطِ فِيهَا.
وَقَالَ سَحْنُونٌ يَجُوزُ فِي الْمُعَيَّنَةِ مِنْ غَنَمٍ أَوْ دَنَانِيرَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِط خَلَفَ مَا هَلَكَ، وَالْحُكْمُ يُوجِبُ عَلَيْهِ خَلَفَ مَا هَلَكَ.
ابْنُ حَبِيبٍ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ وَبِهِ أَقُولُ.
ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ عِنْدِي أَصْوَبُ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمُسْتَأْجَرَ عَلَيْهَا لَا تَتَعَيَّنُ، فَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى حَمْلِ طَعَامٍ أَوْ مَتَاعٍ مَا احْتَاجَ إلَى شَرْطِ خَلَفِهِ إنْ هَلَكَ، وَالْحُكْمُ يُوجِبُ خَلَفَهُ، وَكَذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكِتَابِ مُحَمَّدٍ.
الْبَاجِيَّ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى حَصْدِ زَرْعٍ مُعَيَّنٍ فَهَلَكَ فَقَالَ أَشْهَبُ تَنْفَسِخُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تَنْفَسِخُ.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافٌ لِقَوْلِهِ إنْ تَعَذَّرَ الْحَرْثُ بِنُزُولِ الْمَطَرِ سَقَطَ الْأَجْرُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ تَعَذَّرَ الْحَرْثُ بِكَسْرِ الْمِحْرَاثِ أَوْ بِمَوْتِ الدَّابَّةِ فَلَا يَسْقُطُ أَجْرُهُ.
وَلِسَحْنُونٍ إنْ مَنَعَ أَجِيرُ الْبِنَاءِ أَوْ الْحَصَادِ أَوْ عَمِلَ مَاءَ مَطَرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا بِحِسَابِ مَا
كَغَنَمٍ لَمْ تُعَيَّنْ، وَإِلَّا فَلَهُ الْخُلْفُ عَلَى آجِرِهِ:
[منح الجليل]
عَمِلَ مِنْ النَّهَارِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ لَهُ كُلُّ الْأَجْرِ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَا يَدْخُلُ الْخِلَافُ نَوَازِلَ تُونُسَ لِتَقَرُّرِ الْعُرْفِ عِنْدَهُمْ بِفَسْخِ الْإِجَارَةِ بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ وَنُزُولِ الْخَوْفِ.
وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ فَقَالَ (ك) إجَارَةٍ عَلَى رَعْيِ (غَنَمٍ لَمْ تُعَيَّنْ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا الْغَنَمُ فِي الْعَقْدِ عَلَى رَعْيِهَا فَتَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ خَلَفُ مَا يَمُوتُ مِنْهَا أَوْ يَضِيعُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ عُيِّنَتْ فَتَجُوزُ إنْ شُرِطَ الْخَلَفُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ هَلَكَتْ (فَلَهُ) أَيْ الرَّاعِي (الْخَلَفُ) لَهَا (عَلَى آجِرِهِ) بِمَدِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ مُسْتَأْجَرِهِ، فَإِنْ أَبَى لَزِمَهُ جَمِيعُ الْأُجْرَةِ.
الْحَطُّ كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ بِلَمْ قَبْلَ الْمُضَارِعِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ الْغَنَمَ غَيْرَ الْمُعَيَّنَةِ لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى رَعْيِهَا إلَّا بِشَرْطِ خَلَفِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَإِلَّا فَلَهُ الْخَلَفُ لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّهُ إنْ حَمَلَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى وَإِنْ عُيِّنَتْ فَلَهُ الْخَلَفُ، وَأَرَادَ مَعَ عَدَمِ شَرْطِهِ فَلَا يَصِحُّ لِفَسَادِ الْعَقْدِ حِينَئِذٍ، وَإِنْ أَرَادَ مَعَ الشَّرْطِ فَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.
وَتَكَلَّفَ الْبِسَاطِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَصْحِيحَهُ بِأَنَّ التَّشْبِيهَ بَيْنَ الْغَنَمِ غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ وَبَيْنَ التَّجْرِ بِثَمَنِ السِّلْعَةِ مَعَ شَرْطِ الْخَلَفِ فِي أَنَّ عَلَى الْمَالِكِ الْخَلَفَ لَا فِي صِحَّةِ الْإِجَارَةِ بِالشَّرْطِ وَعَدَمِهَا بِعَدَمِهِ، يَعْنِي أَنَّ الْغَنَمَ غَيْرَ الْمُعَيَّنَةِ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى رَعْيِهَا وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْخَلَفَ، وَيَقْضِي عَلَى رَبِّهَا بِهِ.
بِخِلَافِ الْمُعَيَّنَةِ فَلَا تَصِحُّ إلَّا بِشَرْطِهِ فَافْهَمْهُ فَإِنَّهُ كَاللُّغْزِ، وَبِأَنَّهُ فِي الْجَوَازِ أَيْ يَجُوزُ كَذَا كَمَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى رَعْيِ غَنَمِ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ.
وَقَوْلُهُ وَإِلَّا فَلَهُ الْخَلَفُ مَعْنَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَقْضِي لَهُ بِالْخَلَفِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ وَإِنْ عُيِّنَتْ أَيْ مَعَ شَرْطِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْخَلَفِ أَوْ يَدْفَعَ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ.
وَمَعْنَاهُ عَلَى الثَّانِي أَنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى رَعْيِ الْغَنَمِ الْمُعَيَّنَةِ لَا تَجُوزُ إلَّا بِشَرْطِ الْخَلَفِ، وَهُوَ عَلَى أَجْرِهِ الْأَوَّلِ.
اهـ. هُوَ فِي غَايَةِ التَّكَلُّفِ بَعِيدُ الْمُلَاءَمَةِ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ كَغَنَمٍ عُيِّنَتْ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وَإِلَّا فَلَهُ الْخَلَفُ عَلَى أَجْرِهِ، وَهَذِهِ لَا إشْكَالَ فِيهَا، وَمَعْنَاهَا أَنَّ الْغَنَمَ الْمُعَيَّنَةَ تَجُوزُ الْإِجَارَةَ عَلَى رَعْيِهَا إذَا شُرِطَ خَلَفُهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعَيَّنَةٌ فَلَا تَحْتَاجُ إلَى الشَّرْطِ، وَلَهُ الْخَلْف عَلَى آجِرِهِ، يُرِيدُ أَوْ يَدْفَعُ لَهُ الْأُجْرَةَ كَامِلَةً، وَهَذِهِ النُّسْخَةُ مُطَبِّقَةٌ لِنَصِّ الْمُدَوَّنَةِ
كَرَاكِبٍ
وَحَافَتَيْ نَهْرِك لِيَبْنِيَ بَيْتًا
وَطَرِيقٍ فِي دَارٍ
[منح الجليل]
الْمُتَقَدِّمِ.
وَقَوْلُهُ عَلَى آجِرِهِ أَتَى بِهِ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْخَلَفُ إنَّمَا هُوَ الْآجِرُ أَيْ رَبِّ الْغَنَمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبَقِيَّةُ شُرُوطِهَا وَتَفْرِيعَاتِهَا مَبْسُوطَةٌ فِي شُرُوحِ الْمُدَوَّنَةِ، وَذَكَرُوا مِنْ جُمْلَةِ شُرُوطِهَا أَنْ لَا يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ التَّجْرَ بِالرِّبْحِ، بِخِلَافِ أَوْلَادِ الْغَنَمِ فَيَجُوزُ شَرْطُ رَعْيِهَا عَلَى رَاعِي أُمَّهَاتِهَا، قَالُوا لِأَنَّ الرِّبْحَ مَجْهُولٌ، وَمَا تَلِدُهُ الْغَنَمُ مَعْرُوفٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، نَعَمْ غَرَرُهُ أَخَفُّ مِنْ غَرَرِ الرِّبْحِ.
وَشَبَّهَ فِي الْقَضَاءِ بِالْخَلَفِ فَقَالَ (كَرَاكِبٍ) أَيْ مُرِيدِ رُكُوبٍ مَثَلًا اكْتَرَى دَابَّةً مَضْمُونَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ لِيَرْكَبَهَا لِمَوْضِعِ كَذَا فَهَلَكَتْ قَبْلَهُ أَوْ فِي الْمَسَافَةِ، فَعَلَى رَبِّهَا خَلَفُهَا قَرَّرَهُ الشَّارِحَانِ، وَيَحْتَمِلُ كَرَاكِبٍ تَعَذَّرَ رُكُوبُهُ فَيَجِبُ خَلَفُهُ وَلَا يَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا تَكَارَى قَوْمٌ دَابَّةً لِيَزِفُّوا عَلَيْهَا عَرُوسًا لَيْلَتَهُمْ فَلَمْ يَزِفُّوهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَعَلَيْهِمْ الْكِرَاءُ، وَإِنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِيُشَيِّعَ عَلَيْهَا رَجُلًا إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ أَوْ لِيَرْكَبَهَا إلَى مَوْضِعٍ سَمَّاهُ فَبِدَالِهِ أَوْ لِلرَّجُلِ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ، وَلْيُكْرِ الدَّابَّةَ إلَى الْمَوْضِعِ فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَى.
وَإِنْ اكْتَرَاهَا إلَى الْحَجِّ أَوْ إلَى بَيْتِ الْقُدْسِ أَوْ إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَاقَهُ مَرَضٌ أَوْ سَقْطَةٌ أَوْ مَاتَ أَوْ عَرَضَ لَهُ غَرِيمٌ حَبَسَهُ فِي الطَّرِيقِ فَالْكِرَاءُ لَازِمٌ لَهُ، وَلَهُ أَوْ لِوَرَثَتِهِ كِرَاؤُهَا فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَى، وَصَاحِبُ الْإِبِلِ أَوْلَى بِمَا عَلَى إبِلِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ.
(وَ) جَازَ إيجَارُ (حَافَتَيْ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مُثَنَّى حَافَةٍ سَقَطَتْ نُونُهُ لِإِضَافَتِهِ، أَيْ جَانِبَيْ (نَهْرِك ل) مَنْ أَرَادَ أَنْ (يَبْنِيَ) عَلَيْهِمَا جِدَارَيْنِ، وَيَرْفَعَهُمَا لِيَبْنِيَ عَلَيْهِمَا (بَيْتًا) يَجْرِي نَهْرُك مِنْ تَحْتِهِ.
الْمِسْنَاوِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِهَذِهِ الْإِضَافَةِ، فَإِنْ جَرَى نَهْرُ غَيْرِك بِأَرْضِك فَلَكَ كِرَاءُ حَافَتَيْهِ لِمَنْ يَبْنِي عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا لَك.
ابْنُ نَاجِي قُلْت فِي دَرْسِ شَيْخِنَا أَبِي مَهْدِيٍّ لَا يُشْتَرَطُ وَصْفُ الْبِنَاءِ، بِخِلَافِ مَنْ اكْتَرَى جِدَارًا لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ لِتَضَرُّرِ الْجِدَارِ، بِخِلَافِ الْأَرْضِ فَاسْتَحْسَنَهُ تت، وَفِيهِ بَحْثٌ.
(وَ) جَازَ إجَارَةُ (طَرِيقٍ فِي دَارٍ) يَمُرُّ مِنْهَا الْمُسْتَأْجِرُ لِدَارِهِ مَثَلًا وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ أَكْلِ
وَمَسِيلِ مَصَبِّ مِرْحَاضٍ، لَا مِيزَابٍ، إلَّا لِمَنْزِلِك فِي أَرْضِهِ
وَكِرَاءُ رَحَى مَاءٍ بِطَعَامٍ، أَوْ غَيْرِهِ
[منح الجليل]
أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ أَشْهَبَ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا بَأْسَ أَنْ تُؤَاجِرَ حَافَتَيْ نَهْرِك مِمَّنْ يَبْنِي عَلَيْهِ بَيْتًا أَوْ يَنْصِبُ عَلَيْهِ رَحًى، وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ طَرِيقًا فِي دَارٍ، وَجَائِزٌ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَصَبَّ مِرْحَاضٍ مِنْ دَارٍ.
وَأَمَّا مَسِيلُ مَاءِ مَيَازِيبِ الْمَطَرِ مِنْ دَارٍ فَلَا يُعْجِبُنِي لِأَنَّ الْمَطَرَ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ، وَيَكُونُ وَلَا يَكُونُ.
ابْنُ يُونُسَ بَعْضُ شُيُوخِنَا إنَّمَا افْتَرَقَ جَوَابُهُ فِي مَسِيلِ الْمِرْحَاضِ وَمَسِيلِ الْمِيزَابِ لِافْتِرَاقِ السُّؤَالِ.
وَأَمَّا إذَا اتَّفَقَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي اسْتَأْجَرَ مَسِيلَ الْمِرْحَاضِ إنَّمَا اسْتَأْجَرَ مَسِيلَ الْمِرْحَاضِ مِنْ دَارِهِ عَلَى دَارِ صَاحِبِهِ، فَذَلِكَ كَطَرِيقٍ اسْتَأْجَرَهَا.
وَأَمَّا مَسِيلُ مَاءِ الْمِيزَابِ فَإِنَّمَا اشْتَرَى الْمَاءَ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهَا.
وَأَمَّا لَوْ اسْتَأْجَرَ جَوَازَ الْمَاءِ عَلَيْهِ فَهِيَ كَمَسْأَلَةِ جَوَازِ مَصَبِّ مِرْحَاضٍ.
(وَ) جَازَ كِرَاءُ (مَسِيلٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ مَوْضِعِ سَيَلَانٍ (مَصَبِّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ مَصْبُوبِ (مِرْحَاضٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَإِهْمَالِ الْحَاءِ وَإِعْجَامِ الضَّادِ، أَيْ مَوْضِعِ الرَّحْضِ أَيْ الطَّرْحِ لِلْفَضْلَةِ لِيَجْرِيَ فِيهِ إلَى الْخَلَاءِ أَوْ الْبَحْرِ مَثَلًا (لَا) يَجُوزُ شِرَاءُ الْمَطَرِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ (مِيزَابٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَإِعْجَامِ الزَّايِ، ثُمَّ بَاءَ مُوَحَّدَةٍ آلَةٌ تُجْعَلُ بِطَرَفِ سَطْحٍ يَسِيلُ مِنْهَا مَاءُ الْمَطَرِ الْمُجْتَمِعِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ، وَإِنْ كَانَ فَتَارَةً يَكْثُرُ وَتَارَةً يَقِلُّ، وَلَا يَدْرِي وَقْتَهُ (إلَّا) أَيْ لَكِنْ يَجُوزُ كِرَاءُ مَسِيلٍ مَصَبِّ مِيزَابٍ (لِمَنْزِلِك) حَالَ كَوْنِ الْمَسِيلِ (فِي أَرْضِهِ) أَيْ الْمُكْرِي.
" قِ " لَوْ قَالَ وَطَرِيقٌ فِي دَارٍ أَوْ مَسِيلِ مَصَبِّ مِرْحَاضٍ أَوْ مَسِيلِ مَصَبِّ مَاءِ مِيزَابٍ.
لَا مَاءَ مِيزَابٍ فِي أَرْضِهِ لَا لَأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ مَا حَكَاهُ.
ابْنُ يُونُسَ الْبُنَانِيُّ لَوْ قَالَ وَمَسِيلُ مَاءِ مِرْحَاضٍ أَوْ مِيزَابٍ لَا مَاؤُهُ فِي أَرْضِك لَكَانَ أَجْرَى عَلَى قَصْدِهِ وَهُوَ تَأْوِيلُ ابْنِ يُونُسَ.
(وَ) جَازَ (كِرَاءُ رَحَى) حَبٍّ تَدُورُ ب (مَاءٍ بِطَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ الطَّعَامُ فِيهَا لِلْإِمَامِ