وَلَا إنْ شَهِدَ بِاسْتِحْقَاقٍ، وَقَالَ: أَنَا بِعْته لَهُ
وَلَا إنْ حَدَثَ فِسْقٌ بَعْدَ الْأَدَاءِ،
[منح الجليل]
بِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِهِ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ فَيُفْتِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَطَلَبَتْ الْمَرْأَةُ الشَّهَادَةَ مِنْ الْمُفْتِي قَالَ لَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَوْ شَهِدَ لَمْ يَنْفَعْهَا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْإِشْهَادِ قَالَ وَمَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ حَدٌّ أَوْ طَلَاقٌ أَوْ حَقٌّ ثُمَّ أَنْكَرَهُ فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَضَرَ إذَا سَمِعُوا الْقَضِيَّةَ كُلَّهَا حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْهَا مِمَّا يُفْسِدُ الشَّهَادَةَ إنْ تَرَكَ اهـ " غ ".
مَثَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى بِالرَّجُلِ يَأْتِي الْعَالِمَ فَيَقُولُ حَلَفْت بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا وَكَلَّمْته بَعْدَ شَهْرٍ لِأَنِّي كُنْت نَوَيْت أَنْ لَا أُكَلِّمَهُ شَهْرًا فَإِذَا دَعَتْهُ امْرَأَتُهُ يَشْهَدُ لَهَا بِمَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ مِنْ حَلِفِهِ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ بَعْدَ شَهْرٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ مِنْ بَاطِنِ يَمِينِهِ خِلَافَ مَا يُوجِبُهُ ظَاهِرُهَا.
اهـ. وَهُوَ جَارٍ مَعَ الْمُدَوَّنَةِ.
(وَلَا) تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ (إنْ شَهِدَ) لِشَخْصٍ (بِاسْتِحْقَاقٍ) لِشَيْءٍ بِيَدِ غَيْرِهِ (وَقَالَ) الشَّاهِدُ (أَنَا بِعْته) أَيْ الشَّيْءَ الْمُسْتَحَقَّ (لَهُ) أَيْ الْمَشْهُودَ لَهُ اتَّهَمْته بِقَصْدِ دَفْعِ رُجُوعِهِ عَلَيْهِ بِثَمَنِهِ إنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ لَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي حَتَّى يُثْبِتَ مِلْكَ الْبَائِعِ مَا بَاعَهُ فَقَوْلُهُ أَنَا بِعْته لَهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ بِمِلْكِهِ وَهِيَ دَعْوَى لَا شَهَادَةٌ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنَا بِعْته أَوْ وَهَبْته أَوْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَالنَّقْلُ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ لَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ بِالْمِلْكِ لِلْبَائِعِ، فَإِذَا قَالَ أَنَا بِعْته أَوْ وَهَبْته فَقَدْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِمِلْكِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَهِيَ لَا تَصِحُّ.
(وَلَا) تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ (إنْ حَدَثَ فِسْقٌ) مِنْ الشَّاهِدِ بِأَنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ أَوْ سَكِرَ أَوْ قَذَفَ أَوْ قَتَلَ (بَعْدَ الْأَدَاءِ) لِلشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَقَبْلَ حُكْمِهِ بِهَا فَيَرُدُّهَا وَلَا يَحْكُمُ بِمُقْتَضَاهَا لِبُطْلَانِهَا هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا تَبْطُلُ فِيمَا لَا يُسَرُّ كَالْجَرْحِ وَالْقَتْلِ وَاخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ.
طفى وَالْحُدُوثُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَبِهِ عَبَّرَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ
بِخِلَافِ تُهْمَةِ جَرٍّ، وَدَفْعٍ وَعَدَاوَةٍ
وَلَا عَالِمٍ عَلَى مِثْلِهِ
[منح الجليل]
وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَلَفْظُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَ الْأَدَاءِ بَطَلَتْ مُطْلَقًا، وَقِيلَ إلَّا بِنَحْوِ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْفِسْقُ مِمَّا يُسِرُّهُ النَّاسُ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَمُقْتَضَى كَلَامِ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّ حُدُوثَهُ بَعْدَ الْأَدَاءِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ يُبْطِلُهُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كُمُونِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُسَرُّ كَالْجَرْحِ وَالْقَتْلِ، فَقَالَ ابْن الْقَاسِمِ يُبْطِلُهَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يُبْطِلُهَا، أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ.
(بِخِلَافِ) حُدُوثِ (تُهْمَةِ جَرٍّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَشَدِّ الرَّاءِ وَصِلَتُهُ مُقَدَّرَةٌ، أَيْ لِنَفْعٍ بَعْدَ الْأَدَاءِ كَتَزَوُّجِ الشَّاهِدِ الْمَرْأَةَ الَّتِي شَهِدَ لَهَا فَلَا تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ إلَّا أَنْ تَثْبُتَ خِطْبَتُهُ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ (وَ) بِخِلَافِ حُدُوثِ تُهْمَةِ (دَفْعٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ لِضُرٍّ كَشَهَادَةٍ بِفِسْقِ رَجُلٍ ثُمَّ شَهِدَ الْمَشْهُودُ بِفِسْقِهِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً، وَالشَّاهِدُ بِالْفِسْقِ مِنْ عَاقِلَتِهِ فَلَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِالْفِسْقِ.
(وَ) بِخِلَافِ حُدُوثِ (عَدَاوَةٍ) دُنْيَوِيَّةٍ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْأَدَاءِ كَتَجَدُّدِ خُصُومَةٍ بَيْنَهُمَا فَلَا يُبْطِلُهَا إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهَا سَبَبٌ سَابِقٌ.
(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (عَالِمٍ عَلَى مِثْلِهِ) ابْنُ عَاتٍ عَنْ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الشَّعْبَانِيِّ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقُرَّاءِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِتَحَاسُدِهِمْ كَالضَّرَائِرِ وَالْحَسُودُ ظَالِمٌ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى مَنْ يَحْسُدُهُ اهـ. الْمُتَيْطِيُّ فِي الْمَبْسُوطَةِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَارِئِ عَلَى الْقَارِئِ يَعْنِي الْعُلَمَاءَ؛ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ تَحَاسُدًا.
وَقَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. تت كَانَ الْغُبْرِينِيُّ يُنْكِرُ ذَلِكَ الْقَوْلَ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ ثُمَّ قَالَ عَقِبَ كَلَامِ الشَّعْبَانِيِّ هَذَا الْكَلَامُ سَاقِطٌ لِمُنَاقَضَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُمْ وَصْفَ الظُّلْمِ وَمَنْ ثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى أَحَدٍ وَلَا رِوَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِ أَوَّلًا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَرَدُّ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، ثُمَّ هَذَا الْكَلَامُ إنْ أُرِيدَ بِهِ مَنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ فَغَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِمْ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ فَمُعَارِضٌ لِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ، وَمَا أَظُنُّهُ يَصْدُرُ مِنْ عَالِمٍ وَلَعَلَّهُ وَهْمٌ مِنْ النَّقَلَةِ، وَبِمَاذَا يُخَرِّجُ نَفْسَهُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْهُمْ فَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ فَقَوْلُهُ غَيْرَهُ مَقْبُولٌ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِهِ.
وَلَا إنْ أَخَذَ مِنْ الْعُمَّالِ، أَوْ أَكَلَ عِنْدَهُمْ بِخِلَافِ الْخُلَفَاءِ
[منح الجليل]
وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ (إنْ أَخَذَ) الشَّاهِدُ مَالًا (مِنْ الْعُمَّالِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْمِيمِ، جَمْعُ عَامِلٍ الْمُقَامِينَ عَلَى قَبْضِ الْخَرَاجِ وَنَحْوِهِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ الَّذِينَ لَمْ يُفَوَّضْ إلَيْهِمْ صَرْفُهَا فِي وُجُوهِهَا (أَوْ أَكَلَ) الشَّاهِدُ (عِنْدَهُمْ) أَيْ الْعُمَّالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ أَكْلًا مُتَكَرِّرًا (بِخِلَافِ) الْأَخْذِ وَالْأَكْلِ مِنْ (الْخُلَفَاءِ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ مَمْدُودًا جَمْعُ خَلِيفَةٍ، أَيْ السَّلَاطِينِ النَّائِبِينَ عَنْ رَسُولٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ وَإِقَامَةِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَالتَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِحِفْظِهَا وَصَرْفِهَا فِي جِهَاتِهَا الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَكْلِ عِنْدَهُمْ، فَلَا يَمْنَعَانِ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، وَمِثْلُهُمْ الْعُمَّالُ الْمَأْذُونُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
ابْنُ عَرَفَةَ قِيلَ لِسَحْنُونٍ مَنْ قَبِلَ صِلَةَ السُّلْطَانِ أَوْ أَكَلَ طَعَامَهُ وَسَلَاطِينُ الزَّمَانِ مَنْ عَلِمْت هَلْ تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ، وَقَدْ قَبِلَ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ مَنْ قَدْ عَلِمْت مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، أَخَذَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - جَوَائِزَ الْحَجَّاجِ وَالْحَجَّاجُ مَنْ قَدْ عَلِمْت وَابْنُ شِهَابٍ جَوَائِزَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْخُلَفَاءِ، وَأَخَذَ مَالِكٌ جَوَائِزَ أَبِي جَعْفَرٍ وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْخَوْفِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ الْأَخْذَ مِنْهُمْ فَلَمْ يَرَ مِنْهُمْ إلَّا خَيْرًا.
وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ أَمَرَ لِمَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " بِثَلَاثِ صُرَرٍ فَأَتْبَعَهُ الرَّسُولَ بِهَا فَسَقَطَتْ مِنْهُ صُرَّةٌ مِنْهَا فِي الزَّحْمَةِ فَأَتَاهُ بِصُرَّتَيْنِ فَسَأَلَهُ عَنْ الثَّالِثَةِ فَأَنْكَرَهَا فَأَلَحَّ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " عَلَيْهِ فِيهَا حَتَّى أَتَاهُ بِهَا مَنْ وَجَدَهَا، وَجَمِيعُ الْقُضَاةِ مِنْ السُّلْطَانِ يُرْزَقُونَ وَيَأْكُلُونَ فَكَتَبَ سَحْنُونٌ مَنْ قَبِلَ الْجَوَائِزَ مِنْ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ، وَمَنْ كَانَتْ مِنْهُ الزَّلَّةُ وَالْفَلْتَةُ فَغَيْرُ مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْخَفِيفَ مِنْ الزَّلَّةِ وَالْفَلْتَةِ لَا يَضُرُّ فِي الْعَدَالَةِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهُمْ سَاقِطُ الشَّهَادَةِ وَمَا قُلْت مِنْ قَبُولِ ابْنِ شِهَابٍ وَمَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَوَائِزُ الْخُلَفَاءِ جَائِزَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا لِاجْتِمَاعِ الْخَلْقِ عَلَى قَبُولِ الْعَطِيَّةِ مِنْ الْخُلَفَاءِ مِمَّنْ يُرْضَى مِنْهُمْ وَمِمَّنْ لَا يُرْضَى، وَجُلُّ مَا يَدْخُلُ بَيْتَ الْمَالِ مُسْتَقِيمٌ، وَمَا يَظْلِمُ فِيهِ قَلِيلٌ فِي كَثِيرٍ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَخْذَ الْعَطَاءِ مُنْذُ زَمَنِ مُعَاوِيَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إلَى الْيَوْمِ، وَالْقُضَاةُ أُجَرَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - سَمِعَتْ عَلِيَّ بْنَ زِيَادٍ يُنْكِرُهُ وَيَرْفَعُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَلَا إنْ تَعَصَّبَ،
[منح الجليل]
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ قَبُولُ جَوَائِزِ الْعُمَّالِ جُرْحَةٌ مَعْنَاهُ عِنْدِي عُمَّالُ الْجِبَايَةِ الَّذِينَ إنَّمَا جُعِلَ لَهُمْ قَبْضُ الْأَمْوَالِ وَتَحْصِيلِهَا دُونَ وَضْعِهَا فِي وُجُوهِهَا بِالِاجْتِهَادِ.
وَأَمَّا الْأُمَرَاءُ الَّذِينَ فَوَّضَ لَهُمْ الْخَلِيفَةُ أَوْ خَلِيفَتُهُ قَبْضَ الْأَمْوَالِ وَصَرْفَهَا فِي وُجُوهِهَا بِاجْتِهَادِهِمْ كَالْحَجَّاجِ وَشَبَهِهِ مِنْ أُمَرَاءِ الْبِلَادِ الْمُفَوَّضِ جَمِيعُ الْأُمُورِ فِيهَا إلَيْهِمْ، فَجَوَائِزُهُمْ كَجَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ.
فَإِنْ صَحَّ أَخْذُ ابْنِ عُمَرَ جَوَائِزَ الْحَجَّاجِ فَهَذَا وَجْهُهُ، وَأَمَّا الْقُضَاةُ وَالْأَجْنَادُ وَالْحُكَّامُ فَلَهُمْ أَخْذُ أَرْزَاقِهِمْ مِنْ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ الَّذِينَ فُوِّضَ إلَيْهِمْ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ وَضَرَبَ عَلَى أَيْدِيهِمْ فِيمَا سِوَاهُ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِجَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ، فَأَمَّا جَوَائِزُ الْعُمَّالِ فَفِيهَا شَيْءٌ يُرِيدُ الَّذِينَ ظَهَرَ أَمْرُهُمْ أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَيْهِمْ مِنْ قِبَلِ خُلَفَائِهِمْ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ، وَيُرِيدُ أَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُمْ مَكْرُوهٌ وَلَوْ تَحَقَّقَ التَّفْوِيضُ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لِكَرَاهَةِ أَخْذِ جَوَائِزِهِمْ وَجْهٌ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فِي إعْطَاءِ الْمَالِ بِاجْتِهَادِهِمْ لِمَنْ يَعْمَلُ عَمَلًا لَمْ يَكُنْ لِتَسْوِيغِ أَخْذِ جَوَائِزِهِمْ وَجْهٌ، فَإِنْ كَانَ حَلَالًا وَعُدِلَ فِي قِسْمَتِهِ فَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجَائِزَةِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْدَلْ فِي قِسْمَتِهِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجَائِزَةِ مِنْهُ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، وَإِنْ شَابَ الْمَجْبِيَّ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَالْأَكْثَرُ عَلَى كَرَاهَةِ الْأَخْذِ مِنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ
وَإِنْ كَانَ الْمَجْبِيُّ حَرَامًا فَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ أَخْذَ الْجَائِزَةِ وَالرِّزْقِ عَلَى عَمَلٍ مِنْ الْأَعْمَالِ مِنْهُ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ اهـ. الْبُنَانِيُّ قَسَّمَ ابْنُ رُشْدٍ مَا بِيَدِ الْأُمَرَاءِ مِنْ الْمَالِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ، أَحَدُهُمَا حَلَالٌ لَا يُعْدَلُ فِي قَسْمِهِ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ قَبُولِهِ مِنْهُمْ، وَقِيلَ يُكْرَهُ.
الثَّانِي مُخْتَلِطٌ حَلَالٌ وَحَرَامٌ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى كَرَاهَةِ أَخْذِهِ، وَقِيلَ يَجُوزُ.
الثَّالِثُ حَرَامٌ فَقِيلَ يَحْرُمُ أَخْذُهُ، وَقِيلَ يُكْرَهُ وَقِيلَ يَجُوزُ.
قَالَ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الْحَرَامُ فَلَهُ حُكْمُهُ، وَإِنْ غَلَبَ الْحَلَالُ فَلَهُ حُكْمُهُ وَفِيهِ كَرَاهَةٌ خَفِيفَةٌ.
(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ (إنْ تَعَصَّبَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
ابْنُ فَرْحُونٍ مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ الْعَصَبِيَّةُ وَهُوَ بُغْضُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَوْ مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا وَنَحْوِهِ فِي الْمُفِيدِ، «وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ
كَالرِّشْوَةِ
وَتَلْقِينُ خَصْمٍ
وَلَعِبِ نَيْرُوزِ
[منح الجليل]
مَا الْعَصَبِيَّةُ، قَالَ أَنْ تُعِينَ قَوْمًا عَلَى الظُّلْمِ» . ابْنُ مَرْزُوقٍ الْأَوْلَى أَنْ يُمَثِّلَ لَهُ بِشَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ بِجَرْحٍ أَوْ قَذْفٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُتَوَهَّمُ فِيهِ الْعَصَبِيَّةُ، كَتَعْدِيلِ شَاهِدِ الْأَخِ وَتَجْرِيحِ شَاهِدٍ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ شَهَادَةُ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ وَشَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ.
وَشَبَّهَ فِي إبْطَالِ الشَّهَادَةِ فَقَالَ (كَ) أَخْذِ (الرِّشْوَةِ) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَلَوْ لِتَحْقِيقِ حَقٍّ أَوْ إبْطَالِ بَاطِلٍ، وَدَفْعِهَا لِإِبْطَالِ حَقٍّ أَوْ تَحْقِيقِ بَاطِلٍ.
وَأَمَّا دَفْعُهَا لِتَحْقِيقِ حَقٍّ تَوَقَّفَ عَلَى دَفْعِهَا فَلَا حُرْمَةَ فِيهِ، وَكَذَا دَفْعُهَا لِإِبْطَالِ بَاطِلٍ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْحُرْمَةُ عَلَى الْآخِذِ فِيهِمَا.
ابْنُ عَاتٍ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مُرْتَشٍ وَلَا مُلَقِّنٍ لِلْخُصُومِ فَقِيهًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَيُضْرَبُ عَلَى يَدِهِ وَيُشَهَّرُ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ وَيُعَرَّفُ بِهِ وَيُسَجَّلُ عَلَيْهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ بَعْضُ قُضَاةِ قُرْطُبَةَ بِكَبِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِمَشُورَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(وَتَلْقِينُ خَصْمٍ) حُجَّةً يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى إبْطَالِ حَقٍّ أَوْ تَحْقِيقِ بَاطِلٍ، وَأَمَّا تَلْقِينُهُ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى تَحْقِيقِ حَقٍّ أَوْ إبْطَالِ بَاطِلٍ فَلَيْسَ بِقَادِحٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ ثَبَّتَ غَبِيًّا فِي خُصُومَةٍ حَتَّى يَفْهَمَهَا ثَبَّتَ اللَّهُ تَعَالَى قَدَمَهُ يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ» . الْمِسْنَاوِيُّ مِنْ التَّلْقِينِ الْقَادِحِ مَا يَفْعَلُهُ الْمُفْتُونَ الْيَوْمَ؛ لِأَنَّ الْإِفْتَاءَ إنَّمَا كَانَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لِأَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا تَوَقُّفُ الْحَاكِمِ فِي الْحُكْمِ، وَالثَّانِي شَكُّهُ فِي مُصَادَفَتِهِ بَعْدَ تَسْجِيلِهِ.
وَأَمَّا الْآنَ فَلَا تَرَاهُمْ يَشْرَعُونَ فِي الْخِصَامِ إلَّا بَعْدَ اسْتِفْتَائِهِمْ لِيَنْظُرُوا هَلْ الْحَقُّ لَهُمْ أَوْ عَلَيْهِمْ، فَيَتَحَيَّلُونَ عَلَى إبْطَالِهِ، وَقَدْ يَكْتُبُ الْمُفْتِي الْوَاحِدُ لِكُلٍّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ نَقِيضَ مَا يَكْتُبُهُ لِلْآخَرِ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُصْلِحَ أَحْوَالَنَا.
(وَلَعِبِ نَيْرُوزِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ آخِرُهُ زَايٌ، أَيْ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ السَّنَةِ الْقِبْطِيَّةِ لِإِخْلَالِهِ بِالْمُرُوءَةِ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا الْأَوْبَاشُ وَالْجَهَلَةُ وَالنَّصَارَى.
تت قِيلَ كَانَ مَعْرُوفًا بِمِصْرَ قَدِيمًا وَلَمْ أَعْرِفْ صِفَتَهُ، وَرَأَيْت فِي بَعْضِ قُرَى الصَّعِيدِ يَأْتِي رَجُلٌ مِمَّنْ يُسْخَرُ بِهِ لِكَبِيرِ الْقَرْيَةِ فَيَجْعَلُ عَلَيْهِ فَرْوَةً أَوْ حَصِيرًا يَخْرِقُهَا فِي عُنُقِهِ وَيُرْكِبُهُ فَرَسًا وَيَتْبَعُهُ رَعَاعُ النَّاسِ وَحَوْلَهُ جَمَاعَةٌ يَقْبِضُونَ مَنْ أَمَرَهُمْ بِقَبْضِهِ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ، وَلَا يُطْلِقُونَهُ إلَّا بِشَيْءٍ يَدْفَعُهُ لَهُمْ أَوْ يَعِدُهُمْ بِهِ.
وَمَطْلٍ وَحَلِفٍ: بِطَلَاقٍ وَعِتْقٍ
وَبِمَجِيءِ مَجْلِسِ الْقَاضِي ثَلَاثًا
[منح الجليل]
وَمَطْلٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ غَنِيٍّ فِي حَقٍّ عَلَيْهِ لِخَبَرِ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» أَيْ تَأْخِيرُ دَفْعِ الْحَقِّ مَعَ طَلَبِهِ رَبَّهُ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَتَرْكُ الطَّلَبِ حَيَاءً كَالطَّلَبِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحِ.
ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مَطْلُ الْغَنِيِّ جُنْحَةٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» . ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَهُ بِأَنَّ الشُّهْرَةَ بِالْمَطْلِ دُونَ ضَرُورَةٍ جُرْحَةٌ؛ لِأَنَّهَا إذَايَةٌ لِلْمُسْلِمِ فِي مَالِهِ (وَ) اعْتِيَادُ (حَلِفٍ بِعِتْقٍ وَطَلَاقٍ) لِخَبَرِ «الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ مِنْ أَيْمَانِ الْفُسَّاقِ» . الْحَطُّ ظَاهِرُهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْحَلِفِ بِهِمَا وَلَوْ مَرَّةً جُرْحَةٌ، وَاَلَّذِي فِي الْوَاضِحَةِ أَنَّ اعْتِيَادَهُ جُرْحَةٌ وَقَبِلَهُ الشَّيْخُ فِي النَّوَادِرِ وَاللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ وَالْمُتَيْطِيُّ وَغَيْرُهُمْ نَاقِلِينَ لَهُ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ.
ابْنُ الْمُلُوحِيُّ مِنْ الْمَوَانِعِ اعْتِيَادُ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ابْنُ رُشْدٍ الْأَدَبُ فِي ذَلِكَ وَاجِبٌ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» وَمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ» فَإِنَّهُمَا مِنْ أَيْمَانِ الْفُسَّاقِ ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَالثَّانِي أَنَّ مَنْ اعْتَادَ الْحَلِفَ بِهِ لَا يَخْلُصُ مِنْ الْحِنْثِ فِيهِ فَتَصِيرَ زَوْجَتُهُ تَحْتَهُ مُطَلَّقَةً وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ إنَّ مُلَازَمَةَ ذَلِكَ وَاعْتِيَادَهُ جُرْحَةٌ فِي الشَّهَادَةِ وَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْهُ حِنْثُهُ.
وَقِيلَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ إنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَ أَنْ يُضْرَبَ فِي ذَلِكَ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَقَالَ قَدْ أَحْسَنَ، إذْ أَمَرَ فِيهِ بِالضَّرْبِ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَتَبَ أَنْ يُضْرَبَ فِي ذَلِكَ أَرْبَعِينَ سَوْطًا.
اهـ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي النَّوَادِرِ وَالشَّارِحُ وَابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ حَدِيثَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ مِنْ أَيْمَانِ الْفُسَّاقِ.
عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَيْضًا قَالَ السَّخَاوِيُّ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الْمُلُوحِيُّ وَلَا ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ.
الْبُنَانِيُّ بَحَثْت عَنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي جَامِعِ السُّيُوطِيّ الْكَبِيرِ فَلَمْ أَجِدْهُ فِيهِ.
(وَ) تُرَدُّ الشَّهَادَةُ (بِ) سَبَبِ (مَجِيءِ) الشَّاهِدِ لِ (مَجْلِسِ الْقَاضِي ثَلَاثًا) مِنْ الْمَرَّاتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ وَأَوْلَى فِي يَوْمٍ (بِلَا عُذْرٍ) ابْنُ فَرْحُونٍ مِنْ الْمَوَانِعِ إتْيَانُ مَجْلِسِ الْقَاضِي
وَتِجَارَةٍ لِأَرْضِ حَرْبٍ
وَسُكْنَى مَغْصُوبَةٍ أَوْ مَعَ وَلَدٍ شِرِّيبٍ
[منح الجليل]
ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَاتٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُظْهِرُ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ الْقَاضِي وَيَجْعَلَهَا مَأْكَلَةً فَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي مَنْعُهُ مِنْهُ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى الْخُصُومَاتِ وَتَعَلُّمِهِ الْحِيَلَ فِي تَحْرِيفِهَا وَلِأَنَّ مَجْلِسَهُ عَوْرَةٌ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَحَاجَةٍ أَوْ عِلْمٍ فَلَا يُقْدَحُ.
(وَتِجَارَةٍ) مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ (لِأَرْضِ الْحَرْبِ) الَّتِي تَجْرِي فِيهَا أَحْكَامُ الْكُفْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ الْإِطْلَاقُ، وَقَيَّدَهُ أَبُو إِسْحَاقَ بِالْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَمِثْلُ أَرْضِ الْحَرْبِ أَرْضُ السُّودَانِ، وَمِثْلُ التِّجَارَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ تِجَارَةُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَحْكَامَ التِّجَارَةِ الْخَرَشِيُّ لَا دُخُولُهَا لِفِدَاءِ أَسِيرٍ أَوْ غَلَبَةِ رِيحٍ الْعَدَوِيُّ.
ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عِلَّةُ النَّهْيِ، عَنْ السَّفَرِ لِلسُّودَانِ خَوْفُ جَرَيَانِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ إنَّهُ غَيْرُ جُرْحَةٍ، وَقِيلَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ عِلْمِ جَرَيَانِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ وَعَدَمِهِ، وَالْمُرَادُ بِأَرْضِ الْحَرْبِ أَرْضُ الرُّومِ؛ لِأَنَّ الْحَرْبَ شَأْنُهُمْ لَا شَأْنُ السُّودَانِ وَإِنْ اشْتَرَكُوا فِي الْكُفْرِ.
سَحْنُونٌ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ تَجَرَ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَأَجَازَهَا أَبُو صَالِحٍ فِيمَنْ يَخْتَلِفُ إلَى الْعَدُوِّ مِمَّنْ لَا بَأْسَ بِحَالِهِ أَفَادَهُ ابْنُ عَاتٍ.
(وَسُكْنَى) دَارٍ مَثَلًا (مَغْصُوبَةٍ) غَصَبَهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ يَجِبُ الْإِقْلَاعُ عَنْهَا فَوْرًا وَكَذَا الطَّحْنُ عَلَى الرَّحَى الْمَغْصُوبَةِ، وَلَوْ قَالَ وَانْتِفَاعٍ بِكَمَغْصُوبٍ لَشَمِلَ الْمَغْصُوبَ وَغَيْرَهُ وَمُعَامَلَةَ الْغَاصِبِ فِيمَا غَصَبَهُ بِقَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ أَفَادَهُ شب (أَوْ سُكْنَاهُ) أَيْ الشَّاهِدِ (مَعَ وَلَدٍ) لَهُ (شِرِّيبٍ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الرَّاءِ، أَيْ مُكْثِرٍ شُرْبَ مَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ فَقَطْ مَعَ نَشْأَةٍ وَطَرَبٍ فِي الْمُفِيدِ عَاطِفًا عَلَى مَا تَبْطُلُ الشَّهَادَةُ وَسُكْنَاهُ دَارًا يَعْلَمُ أَنَّ أَصْلَهَا مَغْصُوبٌ أَوْ لَهُ وَلَدٌ شِرِّيبٌ يَسْمَعُ الْغِنَاءَ مِنْ الْخَدَمِ وَنَحْوِهِنَّ وَيَسْكُنُ مَعَهُ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ.
وَفِي الْكَافِي مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا وَاحِدًا مَعَ أَهْلِ الْخَمْرِ فِي مَجَالِسِهِمْ طَائِعًا غَيْرَ مُضْطَرٍّ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَشْرَبْهَا وَمَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ وَأَبْدَى عَوْرَتَهُ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ وَبَانَتْ جُرْحَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ حَلِيلَتِهِ، وَمِثْلُ السُّكْرِ سَائِرُ الْكَبَائِرِ وَمِثْلُ الْوَلَدِ غَيْرُهُ بِالْأَوْلَى إذَا عَلِمَهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ أَوْ غَيَّرَ جُهْدَهُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ أَوْ
وَبِوَطْءِ مَنْ لَا تُوطَأُ، وَبِالْتِفَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ؛ وَبِاقْتِرَاضِهِ حِجَارَةً مِنْ الْمَسْجِدِ وَعَدَمِ إحْكَامِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَالزَّكَاةِ لِمَنْ لَزِمَتْهُ،
[منح الجليل]
عَجَزَ عَنْ التَّغْيِيرِ وَعَنْ انْتِقَالِهِ عَنْهُ فَلَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ إذَا هَجَرَهُ جُهْدَهُ.
(وَ) تُرَدُّ (بِ) سَبَبِ (وَطْءِ مَنْ) أَيْ صَغِيرَةٍ شَأْنُهَا (لَا تُوطَأُ) سَحْنُونٌ مَنْ وَطِئَ جَارِيَتَهُ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا أُدِّبَ أَدَبًا مُوجِعًا مَعَ طَرْحِ شَهَادَتِهِ، وَإِنْ كَانَ حَمْلُهَا مَأْمُونًا لِصِغَرِهَا أَوْ يَأْسِهَا لَمْ تَسْقُطْ شَهَادَتُهُ لِرِوَايَةِ عَلِيٍّ لَا اسْتِبْرَاءَ فِيهَا (وَ) تُرَدُّ (بِ) تَكَرُّرِ (الْتِفَاتِهِ) أَيْ الشَّاهِدِ (فِي الصَّلَاةِ) وَلَوْ نَافِلَةً لِغَيْرِ عُذْرٍ لِدَلَالَتِهِ عَلَى قِلَّةِ اكْتِرَاثِهِ بِهَا وَأَوْلَى مَنْ لَا يَعْتَدِلُ فِي رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمَنْ لَا يَطْمَئِنُّ فِيهِمَا الْأَخَوَانِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي رَفْعِ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ دُونَ عُذْرٍ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ ابْنُ كِنَانَةَ وَلَوْ فِي نَفْلٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ عُلِمَ إقَامَتُهُ فِي الْفَرْضِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ حَتَّى لَوْ إذَا تَكَرَّرَ الْتِفَاتُهُ اخْتِيَارًا، فَإِنْ الْتَفَتَ لِعُذْرٍ فَلَا يَضُرُّ وَأَوْلَى تَأْخِيرُهَا عَنْ اخْتِيَارِيِّهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ أَوْ بَعْدَ زَوَالِهِ فِي ضَرُورِيِّهَا.
سَحْنُونٌ كَثِيرُ الْمَالِ الْقَوِيُّ عَلَى الْحَجِّ وَلَمْ يَحُجَّ مَجْرُوحٌ إذَا طَالَ زَمَنُهُ وَاتَّصَلَ وَفْرُهُ وَلَا مَانِعَ.
قِيلَ وَإِنْ كَانَ بِالْأَنْدَلُسِ قَالَ وَإِنْ كَانَ بِهِ.
ابْنُ يُونُسَ قَيَّدَ بِطُولِ الزَّمَانِ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِالتَّرَاخِي.
(وَ) تُرَدُّ (بِاقْتِرَاضِهِ) أَيْ الشَّاهِدِ (حِجَارَةً مِنْ) حِجَارَةِ (الْمَسْجِدِ) الَّتِي بُنِيَ الْمَسْجِدُ بِهَا وَانْهَدَمَتْ يَبْنِي أَوْ يَرُمُّ بِهَا بَيْتَهُ مَثَلًا وَكَالْحِجَارَةِ اللَّبِنُ وَالْخَشَبُ وَكَالْمَسْجِدِ سَائِرُ الْحَبْسِ إذَا عَلِمَ حُرْمَتَهُ، وَإِلَّا تُرَدُّ كَمَا فِي النَّوَادِرِ عَنْ سَحْنُونٍ، كَانَ الْحَبْسُ عَامِرًا أَوْ خَرِبًا احْتَاجَ لِتِلْكَ الْحِجَارَةِ أَوْ لَا رُجِيَتْ عِمَارَتُهُ أَوْ لَا، وَاقْتِرَاضُ النَّاظِرِ رِيعَ الْوَقْفِ كَاقْتِرَاضِ الْمُودَعِ الْوَدِيعَةَ اهـ شب.
(وَ) تُرَدُّ بِعَدَمِ (إحْكَامِ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ، أَيْ إتْقَانِ (الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ وَأَوْلَى بِجَهْلِ كَيْفِيَّتِهِ وَكَذَا التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لَهُ بِتَحَقُّقِ سَبَبِهِ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا سَائِرُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَأَوْلَى نَفْسُ الصَّلَاةِ (وَ) تُرَدُّ بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ (الزَّكَاةِ)
وَبَيْعِ نَرْدٍ وَطُنْبُورٍ، وَاسْتِحْلَافِ أَبِيهِ
[منح الجليل]
لِنَقْدٍ أَوْ نَعَمٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ عَرْضِ تِجَارَةٍ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَالَهُ سَحْنُونٌ.
فِي التَّوْضِيحِ الْبَخِيلُ الَّذِي ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ هُوَ الَّذِي لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ، فَمَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ فَلَيْسَ بِبُخْلٍ وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا شَهَادَةُ الْبَخِيلِ مَرْدُودَةٌ وَإِنْ كَانَ مَرَضِيَّ الْحَالِ، وَيُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ.
ابْنُ فَرْحُونٍ ابْنُ الْقَاسِمِ اُخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الْبَخِيلِ وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ الْمَازِرِيُّ الْبُخْلُ مَنْعُ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ، وَأَمَّا مَنْعُ مَا لَمْ يَجِبْ فَالْقَدْحُ بِهِ مُغْتَفَرٌ فِي الشَّهَادَةِ بِتَفْصِيلٍ يَعْرِفُهُ مَنْ عَرَفَ الِاسْتِدْلَالَ بِحَرَكَاتِ النَّاسِ وَطَبَائِعِهِمْ وَسِيَرِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَصِدْقِهِمْ.
(وَ) تُرَدُّ بِسَبَبِ (بَيْعِ نَرْدٍ وَطُنْبُورٍ) بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَالطِّنْبَارُ بِكَسْرِهَا لُغَةٌ فِيهِ وَعُودٍ وَمِزْمَارٍ (وَ) تُرَدُّ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ بِسَبَبِ (اسْتِحْلَافِ) الشَّاهِدِ لِ (أَبِيهِ) أَيْ الشَّاهِدِ فِي حَقٍّ لِلشَّاهِدِ عَلَى أَبِيهِ أَنْكَرَهُ فِيهِ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِ تَحْلِيفِهِ مُبَاحًا لِوَلَدِهِ وَكَوْنِهِ جُرْحَةً فِي عَدَالَتِهِ لِقَدْحِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُبَاحَاتِ فِيهَا، وَسَوَاءٌ حَلَّفَهُ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ أَمْ لَا أَفَادَهُ تت.
طفى فِي كَلَامِهِ تَدَافُعٌ لِتَصْرِيحِهِ أَوَّلًا بِأَنَّهُ مُبَاحٌ، ثُمَّ قَالَ سَوَاءٌ حَلَّفَهُ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ أَمْ لَا ثُمَّ الْإِبَاحَةُ لَمْ أَرَهَا لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بِالْمَنْعِ وَالْكَرَاهَةِ كَمَا فِي ابْنِ رُشْدٍ وَالتَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ، وَنَصُّهُ وَفِي كَوْنِ تَحْلِيفِهِ فِي حَقٍّ يَدَّعِيه عَلَيْهِ مَكْرُوهًا وَيَقْضِي بِهِ أَوْ عُقُوقًا وَلَا يُقْضَى بِهِ.
ثَالِثُهَا وَيُقْضَى بِهِ لِنَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ سَمَاعَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْأَقْضِيَةِ مَعَ ظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ، وَرِوَايَتُهَا فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ مَعَ الْأَخَوَيْنِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَسَحْنُونٍ فِي تَحْلِيفِهِ وَحْدَهُ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ وَسَمَاعُ أَصْبَغَ فِي الشَّهَادَاتِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ يُقْضَى بِتَحْلِيفِهِ وَحْدَهُ وَهُوَ عَاقٌّ بِذَلِكَ وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْعُقُوقَ كَبِيرَةٌ.
اهـ. فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُبَاحِ مَا لَيْسَ بِحَرَامٍ فَيَشْمَلُ الْمَكْرُوهَ وَهُوَ الْمُرَادُ فَبَعِيدٌ وَيُشْكِلُ تَرَتُّبُ رَدِّ الشَّهَادَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَى مَنْعِ تَحْلِيفِهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ، وَأَيْضًا الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ ضَعِيفٌ وَخِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ تَحْرِيمِهِ، وَكَوْنُهُ عُقُوقًا وَعَدَمُ الْقَضَاءِ بِهِ وَإِنْ اقْتَحَمَ وَحَلِفُهُ فِسْقٌ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا تُرَدُّ
وَقُدِحَ فِي الْمُتَوَسِّطِ بِكُلٍّ، وَفِي الْمُبَرِّزِ بِعَدَاوَةٍ وَقَرَابَةٍ، وَإِنْ بِدُونِهِ: كَغَيْرِهِمَا عَلَى الْمُخْتَارِ؛
[منح الجليل]
شَهَادَتُهُ.
أَبُو الْحَسَنِ عَقِبَ ذِكْرِهِ كَوْنَ اسْتِحْلَافِهِ عُقُوقًا وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَلَوْ عُذِرَ بِجَهَالَتِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالصَّحِيحُ.
وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَيْسَ بِعُقُوقٍ فَيُقْضَى لَهُ بِهِ وَلَا تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ اهـ. ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِي تَحْلِيفِ الرَّجُلِ فِي حَقٍّ يَدَّعِيه وَلَدُهُ قَبْلَهُ وَحْدَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَلَيْسَ بِعُقُوقٍ، فَيُقْضَى بِهِ لَهُ وَلَا تَسْقُطُ بِهِ شَهَادَتُهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عُقُوقٌ فَلَا يُقْضَى بِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "، فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ، لِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَمَا تَظَاهَرَتْ الْآثَارُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَمِينَ لِلْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ وَلَا لِلْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ» . وَالثَّالِثُ أَنَّهُ عُقُوقٌ إلَّا أَنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِهِ إنْ طَلَبَهُ وَيَكُونُ جُرْحَةً فِيهِ تَسْقُطُ بِهَا شَهَادَتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْعُقُوقَ إنْ كَانَ مِنْ الْكَبَائِرِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ فِعْلِهِ أَحَدٌ اهـ.
(وَقُدِحَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ قُبِلَ الْقَدَحُ وَالتَّجْرِيحُ (فِي) الشَّاهِدِ (الْمُتَوَسِّطِ) فِي الْعَدَالَةِ وَأَوْلَى مَنْ هُوَ أَدْنَى مِنْهُ، أَوْ الْمُرَادُ بِهِ مُقَابِلُ الْمُبَرِّزِ فَيَشْمَلُهُمَا (بِكُلٍّ) مِنْ الْقَوَادِحِ السَّابِقَةِ.
اللَّخْمِيُّ يُسْمَعُ الْقَدْحُ فِي الرَّجُلِ الْمُتَوَسِّطِ الْعَدَالَةِ مُطْلَقًا (وَ) قُدِحَ (فِي) الشَّاهِدِ (الْمُبَرِّزِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مُشَدَّدَةً، أَيْ الظَّاهِرِ الْعَدَالَةِ الزَّائِدِ فِيهَا عَلَى أَمْثَالِهِ (بِعَدَاوَةٍ) دُنْيَوِيَّةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (وَقَرَابَةٍ) أَكِيدَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ لَهُ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْقَدَحُ فِيهِ بِغَيْرِهِمَا مِنْ تَسْفِيهٍ وَتَفْسِيقٍ، وَأَمَّا بِجَلْبِ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ وَالتَّعَصُّبِ فَيُسْمَعُ كَالْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ وَيُقْبَلُ التَّجْرِيحُ فِي الشَّاهِدِ بِمِثْلِهِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ فِي الْعَدَالَةِ، بَلْ (وَإِنْ بِدُونِهِ) أَيْ الشَّاهِدِ فِي الْعَدَالَةِ.
وَشَبَّهَ فِي قَبُولِ الْقَدْحِ فِي الْمُبَرِّزِ فَقَالَ (كَغَيْرِهِمَا) أَيْ الْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ فَيُقْبَلُ الْقَدْحُ بِهِ فِي الْمُبَرِّزِ (عَلَى الْمُخْتَارِ) اللَّخْمِيُّ مِنْ الْخِلَافِ وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ،
وَزَوَالِ الْعَدَاوَةِ وَالْفِسْقِ؛ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بِلَا حَدٍّ
[منح الجليل]
وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْإِنْسَانِ إخْفَاءُ جَرْحِهِ وَكَتْمُهُ عَنْ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ مَجْبُولٌ عَلَى تَكْمِيلِ نَفْسِهِ فَلَا يَكَادُ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْضُ النَّاسِ وَهِيَ شَهَادَةٌ يُؤَدِّيهَا مِثْلَ سَائِرِ الشَّهَادَاتِ.
عج هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
اللَّقَانِيُّ هَذَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ.
طفى وَالْبَنَّانِيُّ لَوْ زَادَ وَشَبَهَهُمَا كَمَا فَعَلَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا عَدَا الْأَسْفَاهَ أَيْ الْفُسَّقَ، إذْ هُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ وَفِيهِ فَقَطْ اخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ.
(وَزَوَالِ الْعَدَاوَةِ) الدُّنْيَوِيَّةِ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِقَرَائِنَ وَأَحْوَالٍ تُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِزَوَالِهَا كَرُجُوعِهِمَا إلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ قَبْلَهَا (وَ) زَوَالُ (الْفِسْقِ) مِمَّنْ اتَّصَفَ بِهِ يَكُونُ (بِمَا) أَيْ أَمَارَاتٍ وَعَلَامَاتٍ (يَغْلِبُ) زَوَالُهُ (عَلَى الظَّنِّ) بِحُصُولِهَا كَتَوْبَتِهِ وَمُلَازَمَتِهَا وَظُهُورِ أَمَارَاتِ الصَّلَاحِ عَلَيْهِ (بِلَا حَدٍّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الدَّالِ، أَيْ تَحْدِيدٍ لِلزَّمَنِ الَّذِي يَحْصُلُ الزَّوَالُ فِيهِ، وَقِيلَ يُحَدُّ بِسَنَةٍ، وَقِيلَ بِنِصْفِهَا، وَأَنْكَرَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي زَوَالِهِمَا فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُطَّلَعُ عَلَى بَاطِنِهِ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ، وَمُخَالَطَةِ الْحُذَّاقِ بِظَوَاهِرِ حَتَّى يُظَنَّ صَالِحًا أَوْ حَبِيبًا وَهُوَ فِي بَاطِنِهِ بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ، يَنْتَظِرُ غَفْلَةً يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنْ إظْهَارِ مَا فِي بَاطِنِهِ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ بِخِلَافِهِ، فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَتْ الْقَرَائِنُ وَالْأَحْوَالُ لَا مُجَرَّدُ طُولِ الزَّمَانِ.
ابْنُ عَرَفَةَ جُرْحَةُ الْفِسْقِ تَزُولُ بِالتَّوْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ مُسْتَوْفَاةٌ فِي فَنِّ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْفِقْهِ.
الْمَازِرِيُّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ تُبْت، إنَّمَا تُقْبَلُ بِدَلَالَةِ حَالِهِ وَالْقَرَائِنِ عَلَى صِدْقِهِ مَعَ اتِّصَافَةِ بِصِفَاتِ الْعَدَالَةِ وَلَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ وَوَقَّتَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالتَّحْقِيقُ مَا قُلْنَاهُ.
قُلْت لِلشَّيْخِ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ مَنْ كَانَ يُعْرَفُ بِالصَّلَاحِ لِمَعْرِفَةِ تَوْبَتِهِ مِنْ قَذْفٍ بِطُولٍ لَيْسَ كَمَنْ كَانَ مُعْلِنًا بِالسُّوءِ؛ لِأَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالْخَيْرِ لَا يَتَبَيَّنُ تَزَيُّدُهُ فِيهِ إلَّا بِالتَّرْدَادِ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، ظَاهِرُهُ فِي الْمَذْهَبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَفِي الرَّجْمِ مِنْهَا مَعَ الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ لَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ حَتَّى يُجْلَدَ وَقَالَهُ
وَمَنْ امْتَنَعَتْ لَهُ، لَمْ يُزَكِّ
[منح الجليل]
سَحْنُونٌ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِقَذْفِهِ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ وَثُبُوتُ تَوْبَتِهِ يُوجِبُ قَبُولَهَا الْمَازِرِيُّ الْمُعْتَبَرُ فِي تَوْبَتِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ قَذْفِهِ عَدْلًا صَالِحًا كَانَتْ تَوْبَتُهُ بِزِيَادَةِ دَرَجَتِهِ فِي الصَّلَاحِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
قُلْت هَذَا إنْ كَانَ حَدُّهُ بِقَذْفِهِ جُرْأَةً أَوْ سَبًّا أَوْ غَضَبًا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِانْقِلَابِ شَهَادَتِهِ قَذْفًا لِرُجُوعِ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ الشَّاهِدِينَ مَعَهُ أَوْ اخْتِلَافِهِ فِي وَصْفِ الزِّنَا، فَأَظْهَرَ عَدَمَ اعْتِبَارِ زِيَادَةِ صَلَاحِهِ وَفِي شَرْطِ تَوْبَتِهِ بِتَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ فِي قَذْفِهِ نَقْلُ الْمَازِرِيُّ عَنْ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ وَقَوْلُ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي سَرِقَتِهَا لِوَاحِدٍ نَصْرَانِيٍّ فِي قَذْفٍ ثُمَّ أَسْلَمَ بِالْقُرْبِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فَلَمْ يُقَيِّدْهَا الصِّقِلِّيُّ.
وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ عَنْ سَحْنُونٍ يُتَوَقَّفُ فِي شَهَادَتِهِ حَتَّى يُعْلَمَ صَلَاحُهُ.
ابْنُ الْحَاجِبِ زَوَالُ الْعَدَاوَةِ كَالْفِسْقِ.
قُلْت لَا أَعْرِفُ هَذَا لِغَيْرِهِ، وَتَقَدَّمَ سَمَاعُ أَشْهَبَ فِي الرَّجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ ثُمَّ يَشْهَدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بَعْدَ سِنِينَ قَالَ إنْ صَارَ أَمْرُهُمَا إلَى سَلَامَةٍ وَصُلْحٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
ابْنُ رُشْدٍ سَلَامَةُ أَمْرِهِمَا إلَى صُلْحٍ هُوَ أَنْ يَرْجِعَا إلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ، وَمِثْلُهُ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ وَنَوَازِلِ أَصْبَغَ وَفِي إجْرَائِهَا.
ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى زَوَالِ الْفِسْقِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ عَدَالَةِ الشَّاهِدِ شَرْطٌ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ فَنَظَرُ الْقَاضِي فِي ثُبُوتِهَا ضَرُورِيٌّ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِرَفْعِ فِسْقِهِ أَوْ بَقَائِهِ، وَأَمَّا الْعَدَاوَةُ فَلَا نَظَرَ لِلْقَاضِي فِي رَفْعِهَا؛ لِأَنَّهَا مَانِعٌ يُبْدِيه الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَثْبَتَهَا ثُمَّ شَهِدَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ احْتَمَلَ النَّظَرَ فِي تَكْلِيفِهِ إثْبَاتَهَا ثَانِيًا لِاحْتِمَالِ بَقَائِهَا وَالْأَظْهَرُ تَخْرِيجُهَا عَلَى حُكْمِ مَنْ عُدِّلَ فِي شَهَادَتِهِ ثُمَّ شَهِدَ شَهَادَةً أُخْرَى هَلْ تُسْتَصْحَبُ عَدَالَتُهُ أَوْ يُسْتَأْنَفُ إثْبَاتُهَا؟ . تت عَنْ بَعْضِهَا إنَّمَا يَتِمُّ الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمَانِعُ أَمَّا مَعَ ثُبُوتِهِ فَلَا يُسَوَّغُ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ رَفْعُهُ وَلَيْسَ شَكَّا فِي الْمَانِعِ، بَلْ فِي رَافِعِهِ وَعَلَى هَذَا فَمَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ وَنَوَازِلِ أَصْبَغَ شَاهِدٌ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَمَنْ) أَيْ وَكُلُّ شَخْصٍ (امْتَنَعَتْ) شَهَادَةُ شَخْصٍ آخَرَ (لَهُ) لِتَأَكُّدِ قَرَابَتِهِمَا كَالْأَبِ وَابْنِهِ وَالزَّوْجِ وَزَوْجَتِهِ (لَمْ يُزَكِّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ وَشَدِّ الْكَافِ، أَيْ مَنْ امْتَنَعَتْ الشَّهَادَةُ مِنْهُ
شَاهِدَهُ وَيُجَرِّحْ شَاهِدًا عَلَيْهِ، وَمَنْ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ: فَالْعَكْسُ؛
إلَّا الصِّبْيَانَ، لَا نِسَاءً فِي كَعُرْسٍ، فِي جَرْحٍ، أَوْ قَتْلٍ، وَالشَّاهِدُ حُرٌّ، مُمَيِّزٌ،
[منح الجليل]
شَاهِدَ) الَّذِي امْتَنَعَتْ الشَّهَادَةُ لَ (هـ) ؛ لِأَنَّ تَزْكِيَةَ شَاهِدِهِ كَالشَّهَادَةِ لَهُ فِي النَّفْعِ (وَلَمْ يُجَرِّحْ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ الَّذِي امْتَنَعَتْ الشَّهَادَةُ مِنْهُ (شَاهِدًا عَلَيْهِ) أَيْ مَنْ امْتَنَعَتْ الشَّهَادَةُ لَهُ لِلتُّهْمَةِ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ (وَمَنْ) أَيْ الشَّخْصُ الَّذِي (امْتَنَعَتْ) شَهَادَةٌ (عَلَيْهِ) لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا (فَالْعَكْسُ) أَيْ لَا يُزَكِّي مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَلَا يُجَرِّحُ مَنْ شَهِدَ لَهُ.
ابْنُ الْحَاجِبِ مَنْ امْتَنَعَتْ لَهُ امْتَنَعَتْ فِي تَزْكِيَةِ مَنْ شَهِدَ لَهُ وَتَجْرِيحُ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَمَنْ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ امْتَنَعَتْ فِي الْعَكْسِ أَقَلُّ مِنْ شَطْرِ عَدَدِ كَلِمَاتِهِ التَّزْكِيَةُ فِي شَيْءٍ كَشَهَادَةٍ بِهِ وَالتَّجْرِيحُ فِيهِ كَشَهَادَةٍ بِنَقِيضِهِ وَعِلَّةُ الْجَمِيعِ جَرُّ نَفْعٍ أَوْ دَفْعُ ضُرٍّ وَكُلُّ شَهَادَةٍ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ اجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
(إلَّا الصِّبْيَانَ) فَتَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ.
اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ وَهُوَ مَعْرُوفُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَأَصْحَابِهِ إلَّا ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَعَلَى الثَّانِي أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ " رَضٍ " أَجْمَعِينَ.
(لَا نِسَاءً) اجْتَمَعْنَ (فِي كَعُرْسٍ) وَمَأْتَمٍ وَحَمَّامٍ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ وَلَوْ لِبَعْضِهِنَّ عَلَى بَعْضِهِنَّ فِي قَتْلٍ أَوْ جَرْحٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَشَهَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَمُقَابِلُهُ لِلْجَلَّابِ وَفَرَّقَ لِلْمَشْهُورِ بِأَنَّ اجْتِمَاعَ الصِّبْيَانِ مَشْرُوعٌ لِلتَّدْرِيبِ، وَالْغَالِبُ عَدَمُ حُضُورِ الْعُدُولِ مَعَهُمْ فَلَوْ لَمْ تُعْتَبَرْ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَنْ بَعْضٍ لَأَدَّى ذَلِكَ لِهَدَرِ دِمَائِهِمْ وَاجْتِمَاعُ النِّسَاءِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَتُعْتَبَرُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ (فِي جَرْحٍ) مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ (وَقَتْلٍ) كَذَلِكَ لَا فِي غَيْرِهِمَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ إذَا جُوِّزَتْ فِي الْقَتْلِ فَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا تَجُوزُ حَتَّى يَشْهَدَ الْعُدُولُ عَلَى رُؤْيَةِ الْبَدَنِ مَقْتُولًا.
ابْنُ رُشْدٍ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
(وَالشَّاهِدُ) مِنْهُمْ (حُرٌّ) لَا قِنٌّ وَلَا ذُو شَائِبَةٍ لِلَغْوِ شَهَادَةِ الرَّقِيقِ الْكَبِيرِ فَالصَّغِيرُ أَوْلَى
ذَكَرٌ تَعَدَّدَ، لَيْسَ بِعَدُوٍّ، وَلَا قَرِيبٍ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ، وَفُرْقَةَ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهَا،
[منح الجليل]
مُمَيِّزٌ) أَيْ يَفْهَمُ الْخِطَابَ، وَيُحْسِنُ رَدَّ الْجَوَابِ وَيَضْبِطُ مَا يُشَاهِدُ.
الْخَرَشِيُّ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا وَأَنْ يَبْلُغَ عَشْرَ سِنِينَ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَضْبِطُ مَا يَقُولُ وَلَا يَثْبُتُ عَلَى مَا يَفْعَلُ لَا غَيْرُ مُمَيِّزٍ " غ " قَوْلُهُ مُمَيِّزٌ أَعَمُّ مِمَّا حَكَى اللَّخْمِيُّ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ مِمَّنْ يَفْعَلُ الشَّهَادَةَ.
ابْنُ عَرَفَةَ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيَجُوزُ شَهَادَةُ ابْنِ عَشْرِ سِنِينَ وَأَقَلُّ مِمَّا يُقَارِبُهَا اهـ. بَقِيَ هَذَا الشَّرْطُ عَلَيْهِ كَمَا بَقِيَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى أَنَّهُ أَشَارَ فِي التَّوْضِيحِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالتَّمْيِيزِ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ.
(ذَكَرٌ) لَا أُنْثَى وَلَوْ تَعَدَّدَتْ مَعَ ذَكَرٍ (تَعَدَّدَ) الشَّاهِدُ فَلَا تُعْتَبَرُ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ (لَيْسَ) الشَّاهِدُ (بِعَدُوٍّ) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
الْبِسَاطِيُّ سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الصِّبْيَانِ أَوْ بَيْنَ آبَائِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَوْرُوثَةَ أَشَدُّ مِنْ الطَّارِئَةِ (وَلَا قَرِيبٍ) لِلْمَشْهُودِ لَهُ.
الْخَرَشِيُّ ظَاهِرُهُ أَنَّ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ مَانِعٌ فَتَشْمَلُ الْعُمُومَةَ وَالْخُؤُولَةَ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا أَكِيدَةً كَمَا ارْتَضَاهُ الْجِيزِيُّ.
(وَلَا خِلَافَ) أَيْ اخْتِلَافَ (بَيْنَهُمْ) أَيْ الصِّبْيَانِ فِي كَيْفِيَّةِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ اخْتَلَفُوا فِيهَا بِأَنْ قَالَ اثْنَانِ قَتَلَهُ فُلَانٌ، وَقَالَ آخَرَانِ قَتَلَهُ فُلَانٌ الْآخَرُ، أَوْ قَالَ اثْنَانِ لِاثْنَيْنِ أَنْتُمَا قَتَلْتُمَاهُ فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا لِلشَّاهِدَيْنِ، بَلْ أَنْتُمَا قَتَلْتُمَاهُ فَلَا تُقْبَلُ (وَلَا فُرْقَةَ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، أَيْ تَفَرُّقَ بَيْنَهُمْ قَبْلَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ افْتَرَقُوا قَبْلَهَا فَلَا تُقْبَلُ لِاحْتِمَالِ تَعْلِيمِ بَالِغٍ لَهُمْ خِلَافَ مَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ، وَأَمْرِهِمْ بِكَتْمِ الْوَاقِعِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ أَوْ جَلْبِ النَّفْعِ (إلَّا أَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ صِلَتُهُ (يُشْهَدَ) عَدْلَانِ (عَلَى) شَهَادَتِ (هِمْ) أَيْ الصِّبْيَانِ (قَبْلَهَا) أَيْ الْفُرْقَةِ فَالْمُعْتَبَرُ شَهَادَتُهُمْ الْأُولَى الَّتِي سَمِعَهَا مِنْهُمْ الْعَدْلَانِ وَلَوْ رَجَعُوا عَنْهَا بَعْدَ افْتِرَاقِهِمْ.
فِي الْمُدَوَّنَةِ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ مَا لَمْ يَفْتَرِقُوا أَوْ يُخَبَّبُوا أَيْ يُعَلَّمُوا ابْنَ عَرَفَةَ مُقْتَضَاهَا أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَرَادِفَيْنِ، وَنَصُّهُ شَرَطَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي شَهَادَتِهِمْ كَوْنَهَا قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا مُرَادُ الْفُقَهَاءِ بِقَوْلِهِمْ مَا لَمْ يُخَبَّبُوا، فَإِنَّ افْتِرَاقَهُمْ مَظِنَّةَ اخْتِلَاطِهِمْ
وَلَمْ يَحْضُرْ كَبِيرٌ،
[منح الجليل]
بِمَنْ يُلَقِّنُهُمْ مَا تَبْطُلُ بِهِ شَهَادَتُهُمْ.
قُلْت مُقْتَضَى قَوْلِهَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقُوا وَيَخْبُوا مَعَ اخْتِصَارِهَا.
أَبُو سَعِيدٍ كَذَلِكَ إنَّهُمَا غَيْرُ مُتَرَادِفَيْنِ، وَكَذَا لَفْظُ اللَّخْمِيِّ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ وَتَخْبِيبِهِمْ، وَلَفْظُ إذَا شَهِدُوا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا وَيُخَبَّبُوا
فَإِنْ افْتَرَقُوا وَأَمْكَنَ تَخْبِيبُهُمْ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَنَحْوُهُ لَفْظُ ابْنِ فَتُّوحٍ قَالَ وَمَعْنَى يُخَبَّبُوا يُعَلَّمُوا اهـ. (وَلَمْ يَحْضُرْ) مَعَهُمْ شَخْصٌ (كَبِيرٌ) أَيْ بَالِغٌ، فَإِنْ حَضَرَ مَعَهُمْ كَبِيرٌ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَدْلًا أَغْنَتْ شَهَادَتُهُ عَنْ شَهَادَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ يُتَّهَمُ بِتَخْبِيبِهِمْ.
الْحَطّ أَطْلَقَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْكَبِيرَ فَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَوْ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَيُفْهَمُ أَنَّ عِلَّةَ عَدَمِ قَبُولِ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ مَعَ حُضُورِ الْكَبِيرِ خَوْفُ تَخْبِيبِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أُحْضِرَ مَعَهُمْ كَبِيرٌ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَشَهَادَتُهُمْ سَاقِطَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ مَعَ حُضُورِ كَبِيرٍ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ.
فِي التَّوْضِيحِ لَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إلَّا سَحْنُونٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ اهـ. وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ سُقُوطِ شَهَادَتِهِمْ هَلْ هُوَ خَوْفُ التَّخْبِيبِ أَوْ الِاسْتِغْنَاءُ بِشَهَادَةِ الْكَبِيرِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا فَقَوْلَانِ فِي التَّوْضِيحِ، أَيْ الْكَبِيرُ الْحَاضِرُ إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ كَالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَالْعَبْدِ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبُ لَا يَضُرُّ حُضُورُهُمْ بِشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ.
الْمَازِرِيُّ لَا خِلَافَ فِيهِ مَنْصُوصٌ عِنْدَنَا وَقَالَهُ سَحْنُونٌ، ثُمَّ تَوَقَّفَ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْإِجَازَةِ عَلَى هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ إلَّا أَنَّهُ لَازِمٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ التَّخْبِيبُ، بَلْ هُوَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ أَشَدُّ، وَالْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّعْلِيلِ بِارْتِفَاعِ الضَّرُورَةِ بِشَهَادَةِ الْكَبِيرِ اهـ.
ثُمَّ قَالَ وَجَعَلَ الرَّجْرَاجِيُّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ مَنْصُوصًا، وَنَصُّهُ إذَا حَضَرَ كَبِيرٌ فَإِنْ كَانَ شَاهِدًا فَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَلَا خِلَافَ أَنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ سَاقِطَةٌ لِوُجُودِ الْكَبِيرِ الْعَدْلِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِعَدْلٍ فَالْمَذْهَبُ عَلَى قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ شَهَادَتَهُمْ جَائِزَةٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ، وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ، وَالثَّانِي أَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا تَجُوزُ لِحُضُورِ الْكَبِيرِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِعَدْلٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ، وَإِنْ كَانَ مَشْهُودًا عَلَيْهِ
أَوْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ، أَوْ لَهُ
وَلَا يَقْدَحُ رُجُوعُهُمْ، وَلَا تَجْرِيحُهُمْ؛
وَلِلزِّنَا وَاللِّوَاطِ أَرْبَعَةٌ
[منح الجليل]
فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقٍ، وَكَانَتْ شَهَادَتُهُمْ فِي الْجِرَاحِ أَوْ فِي النَّفْسِ إنْ كَانَ عَاشَ حَتَّى يَعْرِفَ مَا هُوَ فِيهِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ لَهُ، وَصَرَّحَ ابْنُ يُونُسَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي وَنَصُّهُ بَعْدَ حِكَايَةِ قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ، وَهَذَا خِلَافُ مَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ إنَّمَا يُتَّقَى مِنْ الْكَبِيرِ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ أَوْ يُخَبِّبَهُمْ فَلَا تُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْجُرْحَةُ.
اهـ. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَزَادَ فَقَالَ وَحَاصِلُهُ قَوْلَانِ فَنَظَرَ مُطَرِّفٌ وَمَنْ مَعَهُ إلَى رَفْعِ الضَّرُورَةِ وَإِذَا كَانَ الْكَبِيرُ غَيْرَ عَدْلٍ لَمْ تَرْتَفِعْ الضَّرُورَةُ، وَنَظَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ لِلتَّخْبِيبِ وَالتَّعْلِيمِ وَهُوَ فِي غَيْرِ الْعَدْلِ أَكْثَرُ.
(أَوْ يَشْهَدُ) الصِّبْيَانُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْكَبِيرِ لِصَغِيرٍ (أَوْ) يَشْهَدُ الصِّبْيَانُ (لَهُ) أَيْ الْكَبِيرِ عَلَى الصَّغِيرِ فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ، فَالشَّرْطُ شَهَادَتُهُمْ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضِهِمْ عب الضَّمِيرَانِ لِلْكَبِيرِ كَمَا فِي الشَّارِحِ، وَبَقِيَ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ مِنْهُمْ مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ اعْتِبَارُ مَنْعِ الْكَذِبِ قَبُولَ شَهَادَةِ مَنْ عُرِفَ بِهِ مِنْهُمْ.
تت سَكَتَ عَنْ شَرْطِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِعِلْمِهِ مِنْ بُطْلَانِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ الْبَالِغِ بِالْأَوْلَى.
وَقَالَ " غ " تَضَمَّنَ شَرْطُ الْحُرِّيَّةِ شَرْطَ إسْلَامِهِ، وَتَبِعَهُ عب، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ صِغَارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَكَذَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ.
(وَلَا يَقْدَحُ) فِي شَهَادَتِهِمْ (رُجُوعُهُمْ) أَيْ الصِّبْيَانِ عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ أَدَائِهَا فَيُعْمَلُ بِالْأُولَى سَوَاءٌ رَجَعُوا عَنْهَا قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ مَا لَمْ يَتَأَخَّرْ الْحُكْمُ عَنْ بُلُوغِهِمْ وَرُجُوعِهِمْ بَعْدَهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَجَعَلَهُ اللَّخْمِيُّ الْمَذْهَبَ (وَلَا) يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِمْ (تَجْرِيحُهُمْ) أَيْ الصِّبْيَانِ الشَّاهِدِينَ، أَيْ بِغَيْرِ الشُّهْرَةِ بِالْكَذِبِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ لَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ لِذَلِكَ.
(وَلِ) الشَّهَادَةِ بِرُؤْيَةِ ا (لَزِّنَا وَاللِّوَاطِ أَرْبَعَةٌ) مِنْ الْعُدُولِ الْمُسْتَوْفِينَ الشُّرُوطَ السَّابِقَةَ وَالْخَالِينَ مِنْ الْمَوَانِعِ كَذَلِكَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَاعْتُبِرَ هَذَا الْعَدَدُ فِي الزِّنَا إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15] وَحِكْمَةُ
بِوَقْتٍ؛ وَرُؤْيًا اتَّحَدَا، وَفُرِّقُوا فَقَطْ: أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا
[منح الجليل]
التَّشْدِيدِ بِاشْتِرَاطِ الْأَرْبَعَةِ طَلَبُ السَّتْرِ وَدَفْعُ الْعَارِ اللَّاحِقِ لِلزَّانِي، وَلَهَا وَلِأَهْلِهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَتَكُونُ تَأْدِيَةُ الْأَرْبَعَةِ الشَّهَادَةَ لِلْحَاكِمِ (بِوَقْتٍ وَ) اعْتِمَادًا عَلَى (رُؤْيًا) لِآلَةِ الرَّجُلِ فِي آلَةِ الْمَرْأَةِ بِالْبَصَرِ (اتَّحَدَا) أَيْ وَقْتَ التَّأْدِيَةِ وَالرُّؤْيَةِ، فَإِنْ أَدَّوْهَا مُتَفَرِّقِينَ أَوْ رَأَوْا كَذَلِكَ بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ وَحُدُّوا حَدَّ الْقَذْفِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
الْحَطّ يَعْنِي بِالْوَقْتِ الْمُتَّحِدِ أَنْ يَأْتُوا بِشَهَادَتِهِمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ مُجْتَمِعِينَ غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ، وَاشْتِرَاطُ اتِّحَادِهِ فِي الرُّؤْيَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ لَا تُلَفَّقُ الشَّهَادَةُ فِي الْأَفْعَالِ.
ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ عِيسَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا لَا تَجُوزُ حَتَّى تَجْتَمِعَ أَرْبَعَةٌ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَيَوْمٍ وَاحِدٍ وَسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَوْقِفٍ وَاحِدٍ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ.
ابْنُ رُشْدٍ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا تَسْمِيَةُ الْمَوْضِعِ وَلَا الْيَوْمِ وَلَا السَّاعَةِ إنَّمَا شَرْطُهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ لَا تَخْتَلِفَ الْأَرْبَعَةُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ قَالُوا رَأَيْنَاهُ مَعًا يَزْنِي بِفُلَانَةَ غَائِبَةً فَرْجُهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ تَمَّتْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنْ قَالُوا لَا نَذْكُرُ الْيَوْمَ وَلَا الْمَوْضِعَ وَإِنْ قَالُوا فِي مَوْضِعِ كَذَا وَيَوْمِ كَذَا وَسَاعَةِ كَذَا مِنْ يَوْمِ كَذَا كَانَتْ أَتَمَّ
وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي الْمَوَاضِعِ أَوْ الْأَيَّامِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ كَذَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي يَوْمِ كَذَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ فِي يَوْمٍ آخَرَ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجَازَتْ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ؛ لِأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرُوهُ تَمَّتْ شَهَادَتُهُمْ وَلَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْهُ اهـ. وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ قَالَ أَحَدُهُمْ زَنَى بِهَا مُنْكَبَّةً وَقَالَ بَعْضُهُمْ مُسْتَلْقِيَةً بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَحُدُّوا لِلْقَذْفِ.
اهـ. وَسَمِعَ عِيسَى إنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنَا رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ شَهِدَ اثْنَانِ بِأَنَّهَا طَاوَعَتْهُ وَاثْنَانِ بِأَنَّهُ اغْتَصَبَهَا حُدَّ الْأَرْبَعَةُ.
(وَفُرِّقُوا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا، أَيْ الشَّاهِدُونَ بِالزِّنَا عِنْدَ تَأْدِيَةِ الشَّهَادَةِ وُجُوبًا، سَوَاءٌ حَصَلَتْ رِيبَةٌ أَمْ لَا قَالَهُ تت، وَتَبِعَهُ عب وَالْخَرَشِيُّ.
وَقَالَ شب نَدْبًا، فَإِنْ اخْتَلَفُوا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ (وَ) يَشْهَدُونَ (أَنَّهُ أَدْخَلَ) ذَكَرَهُ (فِي فَرْجِهَا) وَمُقْتَضَى نَقْلِ " ق "
وَلِكُلٍّ النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ.
[منح الجليل]
أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَزِيدَ كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَيُفِيدُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ أَيْضًا.
وَقَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِزِيَادَةِ كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَأْكِيدٌ.
(وَ) يَجُوزُ (لِكُلٍّ) أَيْ مِنْ الْعُدُولِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ أَرَادُوا الشَّهَادَةَ بِالزِّنَا أَوْ اللِّوَاطِ (النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ) أَيْ لِقَصْدِ التَّحَمُّلِ فَلَا تَبْطُلُ شَهَادَتُهُمْ بِتَعَمُّدِهِ، وَيَجِبُ أَنْ يُقَيَّدَ بِكَوْنِهِمْ أَرْبَعَةً وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، وَجَازَ لَهُمْ نَظَرُهَا هُنَا مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا لِحَاجَةٍ لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ هَذِهِ الشَّهَادَةُ غَالِبًا فَتَكْثُرَ الْفَاحِشَةُ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا قِيلَ فَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَقَالُوا تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ إلَيْهِمَا لِتَثْبُتَ الشَّهَادَةُ، قَالَ كَيْفَ يَشْهَدُونَ إلَّا هَكَذَا، وَنَاقَضَهَا ابْنُ هَارُونَ بِعَدَمِ إجَازَتِهِ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي عَيْبِ الْفَرْجِ نَظَرَ النِّسَاءِ إلَيْهِ لِيَشْهَدْنَ بِمَا يَرَيْنَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ وَهِيَ بِكْرٌ، قَالَ تُصَدَّقُ وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ، قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ مُشْكِلٌ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْخِيَارِ إنَّ نَظَرَ الْمُبْتَاعِ فَرْجَ الْأَمَةِ رِضًى مِنْهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْظُرُهُ إلَّا النِّسَاءُ أَوْ مَنْ يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ فَأَجَازَ نَظَرَ النِّسَاءِ إلَيْهِ.
فَأَجَابَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ طَرِيقَ الْحُكْمِ هُنَا مُنْحَصِرٌ فِي الشَّهَادَةِ وَلَا تُقْبَلُ إلَّا بِصِفَتِهَا الْخَاصَّةِ وَطَرِيقُهُ فِي تِلْكَ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِي الشَّهَادَةِ، بَلْ لَهُ غَيْرُهَا مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ فِي مَحَلِّهَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْتَكَبَ مُحَرَّمٌ وَهُوَ نَظَرُ الْفَرْجِ بِلَا ضَرُورَةٍ.
قُلْت يُرَدُّ بِأَنَّ صُورَةَ النَّقْضِ إنَّمَا هِيَ إذَا لَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُ الْعَيْبِ إلَّا بِالنَّظَرِ.
وَكَانَ يَجْرِي لَنَا الْجَوَابُ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ الْحَدَّ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَثُبُوتُ الْعَيْبِ حَقٌّ آدَمِيٌّ وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْكَدُ لِقَوْلِهَا فِيمَنْ سَرَقَ وَقَطَعَ يَمِينَ رَجُلٍ عَمْدًا يُقْطَعُ لِلسَّرِقَةِ، وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ.
الثَّانِي مَا لِأَجْلِهِ النَّظَرُ هُنَا مُحَقَّقُ الْوُجُودِ أَوْ رَاجِحُهُ وَثُبُوتُ الْعَيْبِ بِالسَّوِيَّةِ.
الثَّالِثُ: الْمَنْظُورُ إلَيْهِ فِي الزِّنَا إنَّمَا هُوَ مُغَيِّبُ الْحَشَفَةِ، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ مِنْ الْإِحَاطَةِ بِالْفَرْجِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ النَّظَرُ إلَى الْعَيْبِ.
اللَّخْمِيُّ قَوْلُهُ كَيْفَ يَشْهَدُ الشُّهُودُ إلَّا هَكَذَا، أَرَادَ بِهِ أَنَّ تَعَمُّدَ النَّظَرِ لَا يُبْطِلُ شَهَادَتَهُمْ لِإِرَادَةِ إقَامَةِ الْحَدِّ، وَهَذَا أَحْسَنُ فِيمَنْ كَانَ مَعْرُوفًا
وَنُدِبَ سُؤَالُهُمْ،
[منح الجليل]
بِالْفَسَادِ وَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِهِ فِيهِ نَظَرٌ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَا يَكْشِفُونَ وَلَا تُحَقَّقُ عَلَيْهِمْ الشَّهَادَةُ،؛ لِأَنَّهُ إنْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ لَهُمْ اُسْتُحِبَّ لَهُمْ أَنْ لَا يُبَلِّغُوا الشَّهَادَةَ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ يَكْشِفُونَ عَنْ تَحْقِيقِهَا، فَإِنْ قَذَفَهُ أَحَدٌ بَعْدَهَا بَلَّغُوهَا فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ وَالسَّتْرُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مُرَاعَاةَ قَذْفِهِ نَادِرَةٌ قُلْت وَلِقَوْلِهَا مَنْ قُذِفَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ زَنَى حَلَّ لَهُ الْقِيَامُ بِحَدِّ قَاذِفِهِ.
الْمَازِرِيُّ تَعَمُّدُ نَظَرِ الْبَيِّنَةِ لِفِعْلِ الزَّانِي ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ إلَّا بِهِ، وَنَظَرُ الْفَجْأَةِ لَا يَحْصُلُ بِهِ مَا تَتِمُّ بِهِ الشَّهَادَةُ وَمَنَعَ بَعْضُ النَّاسِ نَظَرَ الْعَوْرَةِ فِي ذَلِكَ لِمَا نَبَّهَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِحْسَانِ السَّتْرِ.
وَفِي قَوَاعِدِ عِزِّ الدِّينِ إنَّمَا يَجُوزُ لِلشُّهُودِ أَنْ يَنْظُرُوا مِنْ ذَلِكَ مَا يُحَصِّلُ وُجُوبَ الْحَدِّ وَهُوَ مَغِيبُ الْحَشَفَةِ فَقَطْ، وَالنَّظَرُ إلَى الزَّائِدِ عَلَى ذَلِكَ حَرَامٌ.
قُلْت هَذَا كُلُّهُ إنْ عَجَزَ الشُّهُودُ عَنْ مَنْعِ الْفَاعِلَيْنِ إتْمَامَ مَا قَصَدَاهُ أَوْ ابْتَدَآهُ مِنْ الْفِعْلِ، فَلَوْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ وَلَمْ يَفْعَلُوا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ لِعِصْيَانِهِمْ بِعَدَمِ تَغْيِيرِهِمْ هَذَا الْمُنْكَرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُمَا بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُهُ التَّغْيِيرُ لِإِسْرَاعِهِمَا.
اهـ. الْحَطّ وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ وَهُوَ بِبَادِئِ الرَّأْيِ ظَاهِرٌ، وَلَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ بِخِلَافِهِ، وَنَصُّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الرَّجُلِ يَرَى السَّارِقَ يَسْرِقُ مَتَاعَهُ فَيَأْتِي بِشَاهِدَيْنِ لِيَنْظُرَا إلَيْهِ وَيَشْهَدَا عَلَيْهِ بِسَرِقَتِهِ فَيَنْظُرَانِ إلَيْهِ وَرَبُّ الْمَتَاعِ مَعَهُمَا، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَمْنَعَهُ مَنَعَهُ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ، وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّهُ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَقَالَ أَصْبَغُ أَرَى عَلَيْهِ الْقَطْعَ.
مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ قَوْلُ أَصْبَغَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ الْمَتَاعَ مُسْتَسِرًّا بِهِ لَا يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا يَرَاهُ لَا رَبَّ الْمَتَاعِ وَلَا غَيْرَهُ كَمَنْ زَنَى وَالشُّهُودُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ وَلَوْ شَاءُوا أَنْ يَمْنَعُوهُ مَنَعُوهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْحَدَّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمْ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَا حَكَاهُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ رَآهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُخْتَلِسِ لَمَّا أَخَذَ الْمَتَاعَ وَصَاحِبُهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْمُخْتَلِسِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إذْ لَمْ يَعْلَمْ بِنَظَرِ صَاحِبِ الْمَتَاعِ إلَيْهِ اهـ.
(وَ) إذَا شَهِدَ الْعُدُولُ الْأَرْبَعَةُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِالزِّنَا أَوْ اللِّوَاطِ (نُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ
كَالسَّرِقَةِ مَا هِيَ؟ وَكَيْفَ أُخِذْت؟
وَلِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا آيِلٍ لَهُ كَعِتْقٍ،
[منح الجليل]
لِلْحَاكِمِ (سُؤَالُهُمْ) أَيْ الشُّهُودِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ كَيْفِيَّةِ مَا رَأَوْهُ وَمَكَانَهُ وَوَقْتَهُ وَكَيْفِيَّةِ اجْتِمَاعِهِمَا وَدُخُولِهِمَا، وَمَا الْبَاعِثُ لَهُمَا، وَكَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِمَا وُصُولُكُمْ إلَيْهِمَا، فَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي الْجَوَابِ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَيُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي شُهُودِ الزِّنَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ.
ابْنُ الْقَاسِمِ كَيْفَ رَأَوْهُ وَكَيْفَ صَنَعَ، فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَا يَدْرَأُ الْحَدَّ دَرَأَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُ إيَّاهُمْ فِي جَمْعٍ مِنْ النَّاسِ.
مُحَمَّدٌ إنْ غَابُوا قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُمْ غَيْبَةً بَعِيدَةً أَوْ مَاتُوا أَقَامَ الْحَدَّ بِشَهَادَتِهِمْ.
اللَّخْمِيُّ أَرَادَ إنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمُوجَبِ الْحَدِّ، إذْ قَدْ يَرَوْنَهُ عَلَيْهَا فَيَشْهَدُونَ بِالزِّنَا، وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَنَحْوُهُ لِلتُّونُسِيِّ.
أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْ قَوْلَهُ يَنْبَغِي هَلْ مَعْنَاهُ يَجِبُ أَوْ هُوَ عَلَى بَابِهِ؟ الْأَقْرَبُ الْوُجُوبُ.
الْحَطّ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَشَبَّهَ فِي نَدْبِ السُّؤَالِ فَقَالَ (كَالسَّرِقَةِ) فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْأَلَ شَاهِدَيْهَا (مَا هِيَ) أَيْ الذَّاتُ الْمَسْرُوقَةُ مِنْ الْأَنْوَاعِ (وَكَيْفَ أُخِذَتْ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَمِنْ أَيْنَ أَخَذَهَا وَإِلَى أَيْنَ ذَهَبَ بِهَا، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، وَعَنْ كَيْفِيَّةِ تَوَصُّلِهِمْ لِمَا شَهِدُوا بِهِ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُهُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا مَا هُوَ شَرْطٌ فِيهِ فَالسُّؤَالُ عَنْهُ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا كَأَخْذِ الْمَالِ مِنْ حِرْزِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ، وَفِي السَّرِقَةِ مَا هِيَ وَكَيْفَ أَخَذَهَا وَمِنْ أَيْنَ إلَى أَيْنَ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ إنْ كَانُوا مِمَّنْ يَجْهَلُ.
قُلْت قَوْلُ سَحْنُونٍ إنَّمَا نَقَلَهُ الصِّقِلِّيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ فِي السَّرِقَةِ.
الصِّقِلِّيُّ بَعْضُ فُقَهَائِنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكْشِفُوا، وَإِنْ كَانُوا لَا يَجْهَلُونَ، إذْ قَدْ يَكُونُ رَأْيُ الْحَاكِمِ فِيهِ نَفْيَ الْقَطْعِ أَوْ ثُبُوتَهُ وَرَأْيُهُ خِلَافَ رَأْيِهِمْ.
قُلْت سِيَاقُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ إنَّمَا يَقُولُهُ حَيْثُ الشُّهُودُ وَالْحَاكِمُ أَهْلُ مَذْهَبٍ وَاحِدٍ.
(وَلِمَا) أَيْ مَشْهُودٍ بِهِ (لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا آيِلٍ لَهُ) أَيْ الْمَالُ (كَعِتْقٍ) وَهُوَ كُلُّ عَقْدٍ لَازِمٍ لَا يَفْتَقِرُ لِعَاقِدَيْنِ، وَفِيهِ إخْرَاجٌ فَمِثْلُهُ الْوَقْفُ وَالطَّلَاقُ غَيْرُ الْخُلْعِ وَالْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ
وَرَجْعَةٍ، وَكِتَابَةٍ عَدْلَانِ
[منح الجليل]
وَالْوَصِيَّةُ بِغَيْرِ الْمَالِ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَاءُ وَالتَّدْبِيرُ قَالَهُ تت.
طفى لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ الْوَقْفَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عَدْلَيْنِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَإِنْ تَعَذَّرَتْ يَمِينُ بَعْضٍ كَشَاهِدٍ بِوَقْفٍ إلَخْ يُنَافِيه.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَشْهُورُ الْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ عَامِلَةٌ فِي الْأَحْبَاسِ؛ لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ، وَقَدْ عَدَّهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِيمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَبِأَحَدِهِمَا وَيَمِينٍ، وَقَوْلُهُ غَيْرُ الْخُلْعِ أَخْرَجَ الْخُلْعَ لِعَدَمِ انْتِظَامِهِ فِي هَذَا السِّلْكِ وَسَيَذْكُرُهُ فِي الْعُقُودِ الَّتِي تَفْتَقِرُ لِعَاقِدَيْنِ.
الْبُنَانِيُّ أُجِيبَ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ تت وَمَنْ تَبِعَهُ يُحْمَلُ عَلَى الْوَقْفِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ.
الْبَاجِيَّ إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ وَلَا يُحَاطُ بِهِمْ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ بِصَدَقَةٍ لِبَنِي تَمِيمٍ أَوْ الْمَسَاكِينِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ لَا يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ وَلَا يَسْتَحِقُّ بِشَهَادَتِهِ شَيْئًا، وَوَجْهُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ مُسْتَحِقُّ هَذَا الْحَقِّ فَيَحْلِفُ مَعَهُ، وَإِنَّمَا يَحْلِفُ فِي الْحُقُوقِ مَنْ يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ الْمِلْكَ أَوْ الْقَبْضَ، وَيُطْلَبُ بِهِ إنْ نَكَلَ.
قُلْت الْجَوَابُ بِكَلَامِ الْبَاجِيَّ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَلَّ عَلَى تَعَذُّرِ الثُّبُوتِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَيَبْقَى الثُّبُوتُ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، فَفِي ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ مَا نَصُّهُ الصَّوَابُ جَوَازُ شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ بِوَصِيَّةٍ لِلْمَسَاكِينِ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا سَقَطَتْ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْحَقِّ غَيْرُ مُعَيَّنٍ لَا لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَالٍ لَا تُسْتَحَقُّ بِيَمِينٍ مَعَ الشَّاهِدِ.
(وَرَجْعَةٍ) تت وَهُوَ كَالْأَوَّلِ إلَّا أَنَّ فِيهِ إدْخَالًا، فَمِثْلُهُ الِاسْتِلْحَاقُ وَالْإِسْلَامُ وَالرِّدَّةُ، وَيُنَاسِبُهُ الْإِحْلَالُ وَالْإِحْصَانُ (وَكِتَابَةٍ) تت وَهُوَ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ لِعَاقِدَيْنِ، فَمِثْلُهَا النِّكَاحُ وَالْوَكَالَةُ فِي غَيْرِ الْمَالِ وَالْخُلْعِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْعِدَّةُ (عَدْلَانِ) ابْنُ عَرَفَةَ وَمُتَعَلِّقُ الشَّهَادَةِ بِالذَّاتِ مَحْكُومًا بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَالًا وَلَا زِنًا وَلَا قَرِينَةً وَلَا مُخْتَصًّا بِاطِّلَاعِ النِّسَاءِ، فَشَرْطُ شَهَادَتِهِ اثْنَانِ رَجُلَانِ.
ابْنُ شَاسٍ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ مَا عَدَا الزِّنَا مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا مَا يَئُولُ إلَيْهِ كَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْإِسْلَامِ وَالرِّدَّةِ وَالْبُلُوغِ وَالْوَلَاءِ وَالْعِدَّةِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ وَثُبُوتِهِ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِمَا، وَالنَّسَبِ وَالْمَوْتِ وَالْكِتَابَةِ
وَإِلَّا فَعَدْلٌ، وَامْرَأَتَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا بِيَمِينٍ: كَأَجَلٍ، وَخِيَارٍ، وَشُفْعَةٍ، وَإِجَارَةٍ، وَجَرْحٍ خَطَإٍ، أَوْ مَالٍ، وَأَدَاءِ كِتَابَةٍ، وَإِيصَاءٍ بِتَصَرُّفٍ فِيهِ، أَوْ بِأَنَّهُ حُكِمَ بِهِ: كَشِرَاءِ زَوْجَتِهِ
[منح الجليل]
وَالتَّدْبِيرِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، وَكَذَا الْوَكَالَةُ وَالْوَصِيَّةُ عِنْدَ أَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ.
شَرْطُ كُلُّ ذَلِكَ الْعَدَدُ وَالذُّكُورِيَّةُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَدَّ الْمَازِرِيُّ فِي هَذَا النَّوْعِ الْإِحْلَالَ وَالْإِحْصَانَ وَالْإِيلَاءَ وَالظِّهَارَ، وَتَقَدَّمَ عَدُّ ابْنُ شَاسٍ الْعِدَّةَ فِيهِ.
الْمَازِرِيُّ يَشْهَدَانِ بِانْقِضَائِهَا أَوْ ثُبُوتِهَا، قَالَ وَحَدُّ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَعَدَّ فِيهَا الرَّجْعَةَ كَالْمَعُونَةِ وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهَا خِلَافًا.
وَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ فِي شَهَادَتِهِنَّ فِي الِارْتِجَاعِ قَوْلَانِ، فَسَمِعَ أَشْهَبُ لَا تَجُوزُ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي غَيْرِ الْمُسْتَخْرَجَةِ هِيَ جَائِزَةٌ فِيهِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَشْهُودُ بِهِ لَيْسَ مَالًا وَلَا آيِلًا إلَيْهِ، بِأَنْ كَانَ مَالًا أَوْ آيِلًا إلَيْهِ (فَ) يَكْفِي فِيهِ (عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ) بِلَا يَمِينٍ (أَوْ أَحَدُهُمَا) أَيْ الْعَدْلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ (بِيَمِينٍ) يَحْلِفُهَا الْمَشْهُودُ لَهُ عَلَى أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ الْعَدْلُ أَوْ الْمَرْأَتَانِ حَقٌّ صَحِيحٌ، وَمَثَّلَ لِمَا لَيْسَ مَالًا وَلَا آيِلًا إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (كَأَجَلٍ) لِثَمَنٍ أَوْ مُثَمَّنٍ أَوْ قَرْضٍ (وَخِيَارٍ) فِي بَيْعٍ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ (وَشُفْعَةٍ) أَيْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَخْذٍ أَوْ تَرْكٍ وَإِسْقَاطٍ أَوْ غَيْبَةِ الشَّفِيعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَإِجَارَةٍ) وَبَيْعٍ وَكِرَاءٍ (وَجَرْحٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ مُضَافٌ لِ (خَطَأٍ أَوْ) جَرْحِ (مَالٍ) وَهُوَ الْعَمْدُ الَّذِي لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ لِخَشْيَةِ التَّلَفِ كَجَائِفَةٍ وَآمَّةٍ (وَأَدَاءِ) نُجُومِ (كِتَابَةٍ وَإِيصَاءٍ بِتَصَرُّفٍ فِيهِ) أَيْ الْمَالِ (أَوْ بِأَنَّهُ) أَيْ الْحَاكِمُ (حَكَمَ لَهُ) أَيْ الطَّالِبِ (بِهِ) أَيْ الْمَالِ فَيَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَيَمِينِ الشَّارِحِ، وَمَثَّلَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ (كَشِرَاءِ زَوْجَتِهِ) الرَّقِيقَةِ لِغَيْرِهِ فَيَكْفِي فِيهِ عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا وَيَمِينٌ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ، وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَسْخُ النِّكَاحِ.
الْبِسَاطِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ أَوْ بِأَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِهِ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ لِشَخْصٍ بِمَالٍ ثُمَّ أَرَادَ تَنْفِيذَهُ عِنْدَ إنْكَارِ الْخَصْمِ كَفَى فِيهِ الشَّاهِدُ وَامْرَأَتَانِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ مَسْأَلَةُ إنْهَاءِ الْحَاكِمِ لِغَيْرِهِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
وَجَعَلَهَا الشَّارِحُ مِثَالًا، وَلَا أَدْرِي مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ اُنْظُرْ الْكَبِيرَ، وَنَصُّهُ وَلَعَلَّ اخْتِلَافَهُمَا نَشَأَ عَنْ قَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ.
وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالْقَضَاءِ بِمَالٍ فَالْمَشْهُورُ لَا تَمْضِي فَصَلَهَا؛ لِأَنَّهَا عَكْسُ مَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِيمَا قَبْلَهَا عَلَى مَالٍ وَتَئُولُ إلَى غَيْرِهِ، وَهَذِهِ بِالْعَكْسِ.
وَاَلَّتِي قَبْلَهَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ الشَّهَادَةُ عَلَى أَدَاءِ نُجُومِ الْكِتَابَةِ بِأَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ بِأَدَاءِ آخِرِ نَجْمٍ، وَيُنْكِرَ السَّيِّدُ وَيَحْلِفَ الْمُكَاتَبُ مَعَ شَاهِدِهِ فَيَثْبُتَ الْأَدَاءُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ، وَلَيْسَ بِمَالٍ.
وَمَعْنَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ إنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخَرَ أَنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ لَهُ عَلَيْهِ بِمَالٍ فَأَنْكَرَ فَأَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدًا بِهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ الْمَشْهُورُ لَا، وَتَعَقَّبَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حِكَايَةَ الْخِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى حُكْمِ الْقَاضِي، قَالَ وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْبَاجِيَّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي كِتَابِ الْقَاضِي بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَقٌّ لَيْسَ بِمَالٍ وَيَئُولُ إلَى مَالٍ.
وَأَمَّا دَعْوَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ عَلَيْهِ بِمَالٍ، فَدَعْوًى بِمَالٍ حَقِيقَةً لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهَا وَرُدَّ بِأَنَّ الْخِلَافَ أَيْضًا مَوْجُودٌ فِي حُكْمِ الْقَاضِي حَكَاهُ فَضْلٌ، وَالْقَوْلُ بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ لِمُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَاهِدَانِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَجْهِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ، وَلَعَلَّ ابْنَ الْحَاجِبِ شَهَّرَهُ إمَّا لِأَخْذِ ابْنِ حَبِيبٍ بِهِ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِمَّا لِكَوْنِ الشَّهَادَةِ فِيهِ بَاشَرَتْ مَالًا وَإِمَّا لِلْمَجْمُوعِ اهـ. " غ " قَوْلٌ أَوْ بِأَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِهِ، أَيْ وَكَذَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْقَاضِي بِالْمَالِ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ أَوْ بِامْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ، فَلَيْسَ كَشِرَاءِ زَوْجَتِهِ تَمْثِيلًا، وَلَكِنَّهُ تَشْبِيهٌ لِإِفَادَةِ حُكْمٍ.
طفى أَرَادَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَمَثَّلَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَشِرَاءِ زَوْجَتِهِ أَنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ غَيْرَ مَالٍ وَلَا آيِلٍ لَهُ، لَكِنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْمَالِ فَيَكْفِي فِيهِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا وَيَمِينٌ، وَنَصُّهُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ أَوْ بِأَنَّهُ حُكِمَ لَهُ بِهِ إلَى أَنَّ مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا آيِلٍ لَهُ إذَا انْتَقَلَ بِالشَّهَادَةِ لِذَلِكَ، أَيْ الْمَالِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْمَرْأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَعَ يَمِينٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الزَّوْجِ أَنَّهُ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ شَاهِدٌ مَعَ يَمِينٍ أَوْ امْرَأَتَانِ مَعَ يَمِينٍ، فَتَصِيرَ مِلْكًا لَهُ، فَيَجِبَ بِذَلِكَ فِرَاقُهَا، وَكَذَلِكَ عَلَى دَيْنٍ مُتَقَدِّمٍ يُرَدُّ بِهِ الْعِتْقُ أَوْ يُقِيمَ الْقَاذِفُ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمَقْذُوفَ عَبْدٌ فَيَسْقُطَ الْحَدُّ، وَإِنَّمَا زَادَ الشَّيْخُ الْقِصَاصَ فِي الْجَرْحِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا آيِلٍ لَهُ وَلَا مِمَّا يُحْكَمُ لَهُ بِهِ لِيَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ الصُّوَرِ.
اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ لَك مِنْ كَلَامِهِ مَعْنَى قَوْلِهِ أَوْ بِأَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِهِ، وَأَنَّ شِرَاءَ الزَّوْجَةِ وَمَا بَعْدَهُ مِثَالَانِ لِذَلِكَ، وَكَذَا الْمِثَالُ الَّذِي زَادَهُ، فَالْفَسْخُ فِي الْأَوَّلِ وَرَدُّ الْعِتْقِ فِي الثَّانِي وَسُقُوطُ الْحَدِّ فِي الثَّالِثِ لَيْسَتْ بِمَالٍ وَلَا تُؤَوَّلُ إلَيْهِ، لَكِنْ حُكِمَ لَهَا بِحُكْمِ الْمَالِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ.
وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى شِرَاءِ الزَّوْجَةِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى أَدَاءِ نُجُومِ الْكِتَابَةِ فَتَثْبُتُ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْفَسْخُ وَالْعِتْقُ فَصَلَهَا بِأَمَّا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مَحْضٍ، بَلْ مُرَكَّبٌ مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ فَيَثْبُتُ الْبَيْعُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهُوَ مَالٌ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْفَسْخُ وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّا لَوْ لَمْ نَحْكُمْ بِهِ لَأَدَّى إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ كِلَاهُمَا بَاطِلٌ، إمَّا رَدُّ شَهَادَةٍ بِشَاهِدٍ وَإِمَّا إبْقَاءُ الزَّوْجَةِ فِي عِصْمَةِ مَالِكِهَا، وَكَذَا الْمِثَالُ الثَّانِي يَثْبُتُ فِيهِ أَدَاءُ النُّجُومِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْعِتْقُ.
اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ لَك صِحَّةُ قَوْلِ الشَّارِحِ، وَأَنَّ قَوْلَ الْبِسَاطِيِّ لَا أَدْرِي إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ وَأَمَّا تَقْرِيرُ الْبِسَاطِيِّ وَنَحْوُهُ لَغْ فَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالْقَضَاءِ بِمَالٍ فَالْمَشْهُورُ لَا تَمْضِي وَلَهُ اسْتِحْلَافُ الْمَطْلُوبِ، وَأَقَرَّهُ فِي تَوْضِيحِهِ، وَعَزَا مَا شَهَّرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى تَعَقُّبِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ فِي مُخْتَصَرِهِ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ
وَتَقَدُّمِ دَيْنٍ عِتْقًا، وَقِصَاصٍ فِي جُرْحٍ
[منح الجليل]
مَا قَرَّرَ بِهِ الْبِسَاطِيُّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ غَيْرُ الْإِنْهَاءِ كَمَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ، وَأَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا.
الْبُنَانِيُّ لَكِنَّ تَقْرِيرَ الشَّارِحِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ فِي ذَلِكَ هُوَ الْبَيْعُ، وَهُوَ مَالٌ وَيُؤَدِّي إلَى مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَهُوَ الْفَسْخُ مَثَلًا، فَلَا يَصِحُّ اسْتِدْلَالُ طفى بِكَلَامِ التَّوْضِيحِ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ، لَكِنَّ تَقْرِيرَ التَّوْضِيحِ لَا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ تَقْرِيرَ ابْنِ غَازِيٍّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَتَمُّ فَائِدَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) كَ (تَقَدُّمِ دَيْنٍ) مُحِيطٍ بِمَالِ الْمُعْتِقِ (عِتْقًا) فَيَثْبُتُ بِذَلِكَ، وَيُرَدُّ الْعِتْقُ يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ رَقِيقًا وَظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِهِ وَادَّعَى غُرَمَاؤُهُ أَنَّ تَدَايُنَهُ قَبْلَ عِتْقِهِ وَأَقَامُوا عَلَيْهِ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا، وَحَلَفُوا مَعَهُ يَمِينًا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِذَلِكَ وَيُرَدُّ الْعِتْقُ وَيُؤْخَذُ الرَّقِيقُ فِي الدَّيْنِ (وَ) كَ (قِصَاصٍ) مِنْ جَانٍ (فِي جَرْحِ) عَمْدٍ فَيَثْبُتُ بِعَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي، وَهَذِهِ إحْدَى الْمُسْتَحْسَنَاتُ.
فِيهَا مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جَرْحٍ عَمْدًا فَلْيَحْلِفْ وَيَقْتَصِفْ، فَإِنْ نَكَلَ قِيلَ لِلْجَارِحِ احْلِفْ وَابْرَأْ، فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ، ثُمَّ قَالَ قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ لِمَ قَالَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " ذَلِكَ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ، فَقَالَ كَلَّمْت مَالِكًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ إنَّهُ لِشَيْءٍ اسْتَحْسَنْته وَمَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا، وَفِيهَا أَيْضًا كُلُّ جَرْحٍ فِيهِ قِصَاصٌ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ فِيهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَكُلُّ جَرْحٍ لَا قِصَاصَ فِيهِ مِمَّا هُوَ مُتْلِفٌ كَالْجَائِفَةِ وَالْآمَّةِ فَالشَّاهِدُ فِيهِ وَالْيَمِينُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ مَالٌ.
" غ " قَوْلُهُ أَوْ قِصَاصٍ فِي جَرْحٍ مَعْطُوفٌ عَلَى شِرَاءِ زَوْجَةٍ وَكَأَنَّهُ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قَوْلِهِ وَلِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا آيِلٍ لَهُ عَدْلَانِ.
الْبُنَانِيُّ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ قَبُولَ الشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ فِي الْمَالِ وَمَا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِمَا.
وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ مَنْ صَحَّ نَظَرُهُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ أَنْ يَقْضِيَ إلَّا بِالشَّاهِدِ الْمُبَرِّزِ فِي الْعَدَالَةِ.
اهـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّبْصِرَةِ.
وَفِي الْمِعْيَارِ سُئِلَ ابْنُ لُبٍّ عَنْ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَأَجَابَ الْقَضَاءُ بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ مَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَأَجَازَهُ الْمَالِكِيَّةُ، لَكِنْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الشَّاهِدِ الْعَدْلِ الْبَيِّنِ الْعَدَالَةِ، وَحُمِلَ عَلَى التَّفْسِيرِ لِلْمَذْهَبِ، وَقَدْ كَانَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ
وَلِمَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ امْرَأَتَانِ، كَوِلَادَةٍ وَعَيْبِ فَرْجٍ، وَاسْتِهْلَالٍ وَحَيْضٍ، وَنِكَاحٍ بَعْدَ مَوْتٍ، أَوْ سَبْقِيَّتِهِ، أَوْ مَوْتٍ وَلَا زَوْجَةَ، وَلَا مُدَبَّرَ وَنَحْوَهُ؛
[منح الجليل]
مِنَّا لَا يَحْكُمُ بِهِ إلَّا مَعَ شَاهِدٍ مُبَرِّزٍ وَلَا يَأْخُذُ بِهِ مَعَ غَيْرِهِ، وَأَمَّا إنْ ظَهَرَتْ رِيبَةٌ فِي الْقَضِيَّةِ وَكَانَ الْأَخْذُ بِذَلِكَ مُؤَدِّيًا إلَى فَسْخِ عَقْدٍ ثَابِتِ الصِّحَّةِ فَلَا وَجْهَ لِلْأَخْذِ بِذَلِكَ حِينَئِذٍ.
اهـ. لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ رَحَّالٍ فِي حَاشِيَةِ التُّحْفَةِ ظَاهِرُ كَلَامِ جُمْهُورِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ لَا تَفْسِيرٌ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ قَيَّدَ كَلَامَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا بِمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ الْإِتْيَانُ بِالْمُبَرِّزِ، اُنْظُرْ كَلَامَهُ.
(وَلِمَا) بِكَسْرِ اللَّامِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ، أَيْ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ (لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ) لِكَوْنِهِ عَوْرَةً لَهُنَّ (امْرَأَتَانِ) عَدْلَتَانِ، وَمَثَّلَ لِمَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ فَقَالَ (كَوِلَادَةٍ) وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمَوْلُودِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاشْتَرَطَ سَحْنُونٌ حُضُورَهُ لِيُشَاهِدَهُ الرِّجَالُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ (وَ) كَ (عَيْبِ فَرْجٍ) مِنْ أَمَةٍ اخْتَلَفَ فِيهِ بَائِعُهَا وَمُشْتَرِيهَا.
وَأَمَّا عَيْبُ فَرْجِ الْحُرَّةِ فَتُصَدَّقُ فِيهِ وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ إلَّا بِرِضَاهَا.
وَقَالَ سَحْنُونٌ تُجْبَرُ عَلَى تَمْكِينِهِنَّ مِنْ نَظَرِهِ كَالْأَمَةِ، وَتَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي النِّكَاحِ وَإِنْ أَتَى بِامْرَأَتَيْنِ تَشْهَدَانِ لَهُ قُبِلَتَا (وَ) كَ (اسْتِهْلَالٍ) أَيْ صُرَاخِ الْمَوْلُودِ حِينَ وِلَادَتِهِ وَعَدَمِهِ وَظَاهِرُهُ كَانَ الْبَدَنُ مَوْجُودًا أَمْ لَا، وَذُكُورَتُهُ أَوْ أُنُوثَتُهُ مَعَ يَمِينِ الْقَائِمِ بِشَهَادَتِهِنَّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ (وَ) كَ (حَيْضٍ) مِنْ أَمَةٍ، وَأَمَّا الْحُرَّةُ فَتُصَدَّقُ فِيهِ.
(وَنِكَاحٍ) ادَّعَاهُ حَيٌّ (بَعْدَ مَوْتٍ) فَيَثْبُتُ بِعَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي فَيَثْبُتُ الصَّدَاقُ وَالْإِرْثُ لَا النِّكَاحُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ (أَوْ سَبْقِيَّتِهِ) أَيْ مَوْتِ أَحَدِ الْقَرِيبَيْنِ أَوْ الزَّوْجَيْنِ عَلَى مَوْتِ الْآخَرِ فَثَبَتَ بِعَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَأَحَدُهُمَا مَعَ يَمِينٍ (أَوْ مَوْتٍ) لِرَجُلٍ (وَلَا زَوْجَةَ) لَهُ (وَلَا مُدَبَّرَ) لَهُ فَيَثْبُتُ بِمَا ذَكَرَ (وَ) لَا (نَحْوَهُ) أَيْ الْمُدَبَّرِ مِنْ أُمِّ وَلَدٍ وَمُوصًى بِعِتْقِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ أَوْ نَحْوُ مُدَبَّرٍ فَلَا يَثْبُتُ مَوْتُهُ إلَّا
وَثَبَتَ الْإِرْثُ وَالنَّسَبُ لَهُ، وَعَلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ
وَالْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ
[منح الجليل]
بِعَدْلَيْنِ.
" غ " قَوْلُهُ وَنِكَاحٍ بَعْدَ مَوْتٍ أَوْ سَبْقِيَّتِهِ أَوْ مَوْتٍ وَلَا زَوْجَةَ وَلَا مُدَبَّرَ وَنَحْوَهُ حَقُّ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى قَوْلِهِ وَلِمَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ امْرَأَتَانِ مُنْتَظِمًا فِي سِلْكِ مَا يُقْبَلُ فِيهِ عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِيَمِينٍ، فَلَعَلَّهُ كَانَ مُلْحَقًا فِي الْمُبَيَّضَةِ فَوَضَعَهُ النَّاسِخُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
(وَ) إنْ شَهِدَ امْرَأَتَانِ بِاسْتِهْلَالِ الْمَوْلُودِ (ثَبَتَ الْإِرْثُ وَالنَّسَبُ لَهُ) أَيْ الْمَوْلُودِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمَوْلُودِ (بِلَا يَمِينٍ) مَعَ شَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ.
" غ " يَجِبُ أَنْ يُوصَلَ بِقَوْلِهِ وَلِمَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ امْرَأَتَانِ كَوِلَادَةٍ وَعَيْبِ فَرْجٍ وَاسْتِهْلَالٍ وَحَيْضٍ كَمَا فِي عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّ النَّسَبَ وَالْمِيرَاثَ يَثْبُتَانِ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ بِالْوِلَادَةِ وَالِاسْتِهْلَالِ لِلْمَوْلُودِ، وَعَلَيْهِ فَإِنْ شَهِدَتَا أَنَّهُ اسْتَهَلَّ وَمَاتَ بَعْدَ أُمِّهِ وَرِثَهَا وَوَرِثَهُ وَارِثُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ يَتَعَرَّضْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِشَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَثْبُتُ الْمِيرَاثُ وَالنَّسَبُ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَقَرَّرَهُ ابْنُ هَارُونَ بِقَوْلِهِ مِثْلُ أَنْ تَشْهَدَ امْرَأَتَانِ بِوِلَادَةِ أَمَةٍ أَقَرَّ سَيِّدُهَا بِوَطْئِهَا وَأَنْكَرَ وِلَادَتَهَا، فَإِنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ لَاحِقٌ بِهِ، وَكَذَا مُوَارَثَتُهُ إيَّاهُ لَهُ وَعَلَيْهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا كَقَوْلِ آخِرِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ ادَّعَتْ أَمَةٌ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَأَنْكَرَ لَمْ أُحَلِّفْهُ لَهَا إلَّا أَنْ تُقِيمَ رَجُلَيْنِ عَلَى إقْرَارِ سَيِّدِهَا بِوَطْئِهَا وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى وِلَادَتِهَا فَتَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ وَيَثْبُتَ النَّسَبُ لِلْوَلَدِ إنْ كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ سَيِّدُهَا اسْتِبْرَاءَهَا بَعْدَ وَطْئِهَا فَذَلِكَ لَهُ، وَهَذَا نَصٌّ فِي جَوَازِ شَهَادَتِهِنَّ فِيمَا لَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ إذَا كَانَ لَازِمًا لِمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإِ أَوْ غَيْرِهِ اهـ. وَمِنْ تَمَامِ نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ أَقَامَتْ شَاهِدِينَ عَلَى إقْرَارِ السَّيِّدِ بِوَطْئِهَا وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى وِلَادَتِهَا أَحْلَفَتْهُ وَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ بِلَا يَمِينٍ كَابْنِ الْحَاجِبِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ كَذَا قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَطْلَقَ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا وَإِنْ كَانَ الْقَائِمُ بِشَهَادَتِهِنَّ يَتَيَقَّنُ صِدْقَهُنَّ كَالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ، فَحَكَى اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ فِي إلْزَامِهِ الْيَمِينَ قَوْلَيْنِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا يَطَّرِدُ هَذَا الْخِلَافُ فِي هَذَا الْفَصْلِ.
(وَ) إنْ شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا حَلَفَ الْمُدَّعِي فَإِنَّهُ يَثْبُتُ (الْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ) لِيَدِ الشُّهُودِ عَلَيْهِ (فِي) شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَيَمِينٍ عَلَى مُكَلَّفٍ
فِي سَرِقَةٍ: كَقَتْلِ عَبْدٍ آخَرَ
وَحِيلَتْ أَمَةٌ مُطْلَقًا
[منح الجليل]
بِ (سَرِقَةٍ) " غ " أَرَادَ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِيَمِينٍ وَلَوْ وَصَلَهُ بِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَقَدْ نَكَّتَ فِي تَوْضِيحِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي كَوْنِهِ لَمْ يَصِلْهُ بِالْأَمْوَالِ، إذْ قَالَ هُنَا وَلَوْ شَهِدَ عَلَى السَّرِقَةِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ثَبَتَ الْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُوهِمُ كَوْنَ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ فَقَطْ، فَمَا الظَّنُّ بِهَذَا، وَلَكِنَّهُ اتَّكَلَ عَلَى تَمْيِيزِ ذِهْنِ السَّامِعِ اللَّبِيبِ.
وَشَبَّهَ فِي ثُبُوتِ الْمَالِ دُونَ الْقَتْلِ فَقَالَ (كَقَتْلِ عَبْدٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَمَفْعُولُهُ قَوْلُهُ عَبْدًا (آخَرَ) بِمَدِّ الْهَمْزِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَيَمِينٍ الْمَالُ، أَيْ قِيمَةُ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ أَوْ نَفْسُ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ إنْ لَمْ يَفْدِهِ سَيِّدُهُ بِقِيمَةِ الْمَقْتُولِ وَسَلَّمَهُ لِسَيِّدِهِ وَلَا يَثْبُتُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ الْقَتْلُ قِصَاصًا.
(وَحِيلَتْ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، أَيْ مُنِعَتْ وَأُبْعِدَتْ (أَمَةٌ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالْمِيمِ مِنْ حَائِزِهَا ادَّعَتْ حُرِّيَّتَهَا أَوْ ادَّعَى آخَرُ أَنَّهَا مِلْكُهُ (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهَا رَائِعَةً وَيَطْلُبُ حَيْلُولَتَهَا وَيَكُونُ حَائِزُهَا غَيْرَ مَأْمُونٍ، وَجُعِلَتْ عِنْدَ أَمِينَةٍ حَتَّى يَتَّضِحَ أَمْرُهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
" غ " أَيْ رَائِعَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ رَائِعَةٍ بِيَدِ مَأْمُونٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرِ مَأْمُونٍ طَلَبَ الْقَائِمُ الْحَيْلُولَةَ أَوْ لَمْ يَطْلُبْهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِذَا قَالَ بَعْدَهَا كَغَيْرِهَا إنْ طَلَبَتْ، أَيْ كَغَيْرِ الْأَمَةِ إنْ طَلَبَتْ الْحَيْلُولَةَ.
شب إنْ كَانَ الْحَائِزُ مَأْمُونًا فَلَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمَةِ، وَيُؤْمَرُ بِتَرْكِ التَّمَتُّعِ بِهَا حَتَّى يَتَّضِحَ حَالُهَا كَمَا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَالشَّامِلِ تَبَعًا لَهَا فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، وَبِهِ قَرَّرَ اللَّقَانِيُّ، وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ أَفَادَ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ.
الْبُنَانِيُّ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْقَوْلَيْنِ، وَصَدَّرَ بِالْأَوَّلِ فَأَفَادَ تَرْجِيحَهُ وَنَصُّهُ وَتُحَالُ الْأَمَةُ وَإِنْ لَمْ تَطْلُبْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُونًا عَلَيْهَا.
وَقِيلَ تُحَالُ الرَّائِعَةُ مُطْلَقًا.
اهـ. وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ ابْنُ رُشْدٍ، وَنَصُّهُ إنْ ادَّعَتْ الْجَارِيَةُ أَوْ الْعَبْدُ الْحُرِّيَّةَ فَإِنْ سَبَّبَا لِذَلِكَ سَبَبًا كَالشَّاهِدِ الْعَدْلِ أَوْ الشُّهُودِ غَيْرِ الْعُدُولِ وَقَفَ السَّيِّدُ عَنْ الْجَارِيَةِ وَأُمِرَ بِكَفِّهِ عَنْ وَطْئِهَا إنْ كَانَ مَأْمُونًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا وُضِعَتْ عَلَى يَدِ امْرَأَةٍ، اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ فِي الْمَوَّاقِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ " غ " إذْ قَالَ كَانَتْ بِيَدِ مَأْمُونٍ أَوْ غَيْرِ مَأْمُونٍ وَنَحْوُهُ لِأَحْمَدَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
كَغَيْرِهَا، إنْ طَلَبَتْ بِعَدْلٍ، أَوْ اثْنَيْنِ يُزَكَّيَانِ
[منح الجليل]
وَشَبَّهَ فِي الْحَيْلُولَةِ فَقَالَ (كَغَيْرِهَا) أَيْ الْأَمَةِ مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ كَبَقَرَةٍ وَفَرَسٍ وَثَوْبٍ وَكِتَابٍ فَتَجِبُ الْحَيْلُولَةُ فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَائِزِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (إنْ طُلِبَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْحَيْلُولَةُ مِنْ الْمُدَّعِي وَقَدْ أَتَى (بِعَدْلٍ) شَاهِدٍ لَهُ بِهِ وَزَعَمَ أَنَّ لَهُ شَاهِدًا ثَانِيًا (أَوْ) أَتَى بِ (اثْنَيْنِ) شَهِدَا لَهُ بِهِ (يُزَكَّيَانِ) بِفَتْحِ الْكَافِ، أَيْ يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ بِهِمَا عَلَى تَزْكِيَتِهِمَا، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَلَدِيًّا أَوْ غَرِيبًا.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ الْفِقْهُ يَقْتَضِي أَخْذَ الْمُعَيَّنِ مِنْ الْغَرِيبِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِضَامِنٍ عَلَى نَظَرٍ فِي قَبُولٍ لِاحْتِمَالِ هُرُوبِهِ وَتَغْيِيبِ الْمُعَيَّنِ.
وَأَمَّا الْعَقَارُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إلَّا بِنِصَابٍ كَامِلٍ.
طفى مَا اسْتَظْهَرَهُ الْبِسَاطِيُّ فِي الْعَقَارِ مُخَالِفٌ لِلنَّقْلِ الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِكَمَالِ النِّصَابِ أَنَّهُمَا زَكَّيَا وَحَازَ الْمَشْهُودُ بِهِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ قَوْلًا جَرَى بِهِ الْقَضَاءُ خِلَافُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ الْعَقَارَ لَا يُوقَفُ بِحَالٍ.
ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِي الْحَدِّ الَّذِي يَدْخُلُ بِهِ الشَّيْءُ الْمُسْتَحَقُّ فِي ضَمَانِ الْمُسْتَحِقِّ، وَتَكُونُ الْغَلَّةُ لَهُ وَيَجِبُ بِهِ التَّوْقِيفُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ، وَلَا تَجِبُ لَهُ الْغَلَّةُ حَتَّى يَقْضِيَ لَهُ بِهِ وَهُوَ الْآتِي عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْغَلَّةِ لِلَّذِي هِيَ بِيَدِهِ حَقٌّ يَقْضِي بِهَا لِلطَّالِبِ، فَعَلَيْهِ لَا يَجِبُ تَوْقِيفُ الْأَصْلِ الْمُسْتَحَقِّ تَوَقُّفًا بِحَالٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَلَا تَوْقِيفُ غَلَّتِهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الرُّبْعَ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ لَا يُوقَفُ مِثْلُ مَا يَحُولُ وَيَزُولُ، وَإِنَّمَا يُوقَفُ وَقْفًا يَمْنَعُ مِنْ الْإِحْدَاثِ فِيهِ.
اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْأَقْوَالِ.
ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَى نَقْلِهِ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا يَجِبُ التَّوْقِيفُ بِمُجَرَّدِ شَهَادَةِ شَاهِدَيْ عَدْلٍ.
اهـ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لِقَوْلِهِ وَالْغَلَّةُ لَهُ لِلْقَضَاءِ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ تت صِفَةُ الْإِيقَافِ غَلْقُ الدَّارِ خِلَافُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَخِلَافُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُوَثَّقِينَ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُوَطَّإِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَمَعْنَى قَوْلِهَا فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يُوقَفُ وَقْفًا يَمْنَعُ مِنْ الْإِحْدَاثِ فِيهِ أَنْ يُقَالَ لِلَّذِي هُوَ عِنْدَهُ، وَفِي يَدِهِ لَا تُحْدِثُ فِيهِ حَدَثًا مِنْ تَفْوِيتٍ وَلَا تَغْيِيرٍ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ يَدِك قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
وَبِيعَ مَا يَفْسُدُ، وَوُقِفَ ثَمَنُهُ مَعَهُمَا، بِخِلَافِ الْعَدْلِ فَيَحْلِفُ، وَيُبَقَّى بِيَدِهِ.
[منح الجليل]
(وَبِيعَ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ قَبْلَ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ (مَا) أَيْ الْمُدَّعَى بِهِ الَّذِي (يَفْسُدُ) بِتَأْخِيرِهِ إلَى تَمَامِ الشَّهَادَةِ كَطَرِيِّ لَحْمٍ وَفَاكِهَةٍ وَمَطْبُوخٍ (وَوُقِفَ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْقَافِ (ثَمَنُهُ) بِيَدِ عَدْلٍ (مَعَ) الشَّهَادَةِ مِنْ (هُمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ الْمُحْتَاجَيْنِ لِلتَّزْكِيَةِ (بِخِلَافِ) شَهَادَةِ (الْعَدْلِ فَ) لَا يُبَاعُ الْمُدَّعَى بِهِ بِسَبَبِهَا وَ (يَحْلِفُ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْهُ (وَيُبَقَّى) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا الْمُدَّعَى بِهِ (بِيَدِهِ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
الْحَطّ يَعْنِي أَنَّ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا يَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ كَاللَّحْمِ وَرُطَبِ الْفَوَاكِهِ، وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ وَاحْتِيجَ إلَى تَزْكِيَتِهِمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ يُبَاعُ وَيُوقَفُ ثَمَنُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَامَ عَدْلًا وَاحِدًا فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْلِفُ وَيَتْرُكُ الشَّيْءَ بِيَدِهِ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ مُتَبَرِّئًا مِنْهُ بِقَوْلِهِ قَالُوا وَقَبْلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَقَالَ تَبْرَأَ مِنْهُ لِإِشْكَالِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُكْمَ كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّاهِدِ الثَّانِي، كَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى عَدَالَةِ الشَّاهِدَيْنِ.
فَإِمَّا أَنْ يُبَاعَ وَيُوقَفَ ثَمَنُهُ فِيهِمَا أَوْ يُخَلَّى بِيَدِهِ فِيهِمَا.
وَأَجَابَ صَاحِبُ النُّكَتِ بِأَنَّ مُقِيمَ الْعَدْلِ قَادِرٌ عَلَى إثْبَاتِ حَقِّهِ بِيَمِينِهِ فَلَمَّا تَرَكَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا صَارَ كَأَنَّهُ مَكَّنَهُ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَنْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ أَوْ شَاهِدًا أَوْ وَقَفَ ذَلِكَ الْقَاضِي لِيَنْظُرَ فِي تَعْدِيلِهِمْ لَا حُجَّةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إثْبَاتِ حَقِّهِ بِغَيْرِ عَدَالَتِهِمْ.
وَأَشَارَ الْمَازِرِيُّ إلَى فَرْقٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ الْمَجْهُولَيْنِ أَقْوَى مِنْ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ وَالشَّهِيدَانِ الْمَجْهُولَانِ إذَا عُدِّلَا فَإِنَّمَا أَفَادَ تَعْدِيلُهُمَا بَعْدَ الْكَشْفِ عَنْ وَصْفٍ كَانَا عَلَيْهِ حِينَ شَهَادَتِهِمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الْإِشْكَالِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ إنَّمَا تَبَرَّأَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ مَكَّنُوا مِنْ الطَّعَامِ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ بَعْدَ شَاهِدٍ وَلَمْ يُمَكِّنُوهُ مِنْهُ إنْ قَامَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ، بَلْ قَالُوا يُبَاعُ وَيُوقَفُ ثَمَنُهُ وَالشَّاهِدَانِ أَضْعَفُ.
قَالَ فَإِنْ قُلْت وَلِأَجْلِ أَنَّ الشَّاهِدَ أَضْعَفُ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ أُبْقِيَ الطَّعَامُ بِيَدِ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ إذَا أُضْعِفَتْ الدَّعْوَى لِضَعْفِ الْحُجَّةِ ضَعُفَ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَثَرُهَا، فَإِبْقَاءُ الطَّعَامِ بِيَدِهِ لَيْسَ هُوَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
لِمَا تُوُهِّمَ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَضْعَفِ عَلَى الْأَقْوَى، بَلْ هُوَ عَيْنُ تَرْجِيحِ الْأَقْوَى.
فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَلَزِمَ مِثْلُهُ فِيمَا لَا يُخْشَى فَسَادُهُ أَنْ يَحْلِفَ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ وَيُتْرَكَ لَهُ يَفْعَلُ فِيهِ مَا أَحَبَّ.
قَالَ وَيُجَابُ عَنْ أَصْلِ الْمَذْهَبِ بِأَنَّ مَا يُخْشَى فَسَادُهُ قَدْ تَعَذَّرَ الْقَضَاءُ بِعَيْنِهِ لِلْمُدَّعِي لِخَشْيَةِ فَسَادِهِ قَبْلَ ثُبُوتِ دَعْوَاهُ.
فَلَمْ يَبْقَ إلَّا النِّزَاعُ فِي ثَمَنِهِ، فَهُوَ كَدَيْنٍ عَلَى مَنْ هُوَ بِيَدِهِ فَمُكِّنَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ لِيَسْقُطَ حَقُّ الْمُنَازِعِ فِي تَعْجِيلِهِ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا قَامَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُدَّعِي فِيهِ أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
اهـ. كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
ابْنُ عَرَفَةَ حَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَهُ هُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَأَشَارَ إلَى التَّبَرِّي مِنْهُ وَهُوَ أَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ فِيمَا يُخْشَى فَسَادُهُ يُوجِبُ عَدَمَ تَمَامِهِ حِينَ خَوْفِ الْمُدَّعِي فِيهِ تَسْلِيمَهُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ دُونَ بَيْعِهِ، وَإِنَّ عَدَمَ عَدَالَةِ الشَّاهِدَيْنِ حِينَئِذٍ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ، بَلْ يُوجِبُ بَيْعَهُ وَوَقْفَ ثَمَنِهِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ عِيَاضٍ وَأَبِي حَفْصٍ الْعَطَّارِ مُرَاعِيًا أُصُولَ الْمَذْهَبِ عَلِمَ أَنَّ مَا فَهِمَهُ الشَّيْخُ عَنْ الْمَذْهَبِ، وَفَسَّرَ بِهِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ غَيْرُ صَحِيحٍ فِيهَا إنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِيمَا يَفْسُدُ مِنْ اللَّحْمِ وَرَطْبِ الْفَوَاكِهِ وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا وَأَثْبَتَ لَطْخًا وَقَالَ لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ أَجَّلَهُ الْقَاضِي لِإِحْضَارِ شَاهِدٍ إنْ قَالَ لِي شَاهِدٌ وَلَا أَحْلِفُ، أَوْ بَيِّنَةٌ مَا لَمْ يَخَفْ الْفَسَادَ عَلَى ذَلِكَ الَّذِي ادَّعَى وَاسْتُؤْنِيَ، فَإِنْ أَحْضَرَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَإِلَّا خَلَّى بَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَيْنَ مَتَاعِهِ إنْ كَانَ هُوَ الْبَائِعَ، وَنَهَى الْمُشْتَرِيَ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ فَكَانَ الْقَاضِي يَنْظُرُ فِي تَعْدِيلِهِمَا وَخَافَ عَلَيْهِ الْفَسَادَ أُمِرَ بِبَيْعِهِ وَوَضْعِ ثَمَنِهِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، فَإِنْ زُكِّيَتْ الْبَيِّنَةُ قَضَى لِلْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ إنْ كَانَ هُوَ الْمُدَّعِي وَأَخَذَ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ فَدُفِعَ لِلْبَائِعِ كَانَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَيُقَالُ لِلْبَائِعِ أَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا زَادَ ثَمَنُ الْمُشْتَرِي الَّذِي جَحَدْت الْبَيْعَ بِهِ عَلَى ثَمَنِ سِلْعَتِك وَإِنْ لَمْ تَزُلْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الشِّرَاءِ دَفَعَ الْقَاضِي الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ ضَاعَ الثَّمَنُ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِهِ لِأَحَدِهِمَا فَضَمَانُهُ مِمَّنْ يُقْضَى لَهُ بِهِ.
عِيَاضٌ قَوْلُهُ فِي تَوْقِيفِ مَا يُسْرِعُ لَهُ الْفَسَادُ إذَا قَالَ الْمُدَّعِي عِنْدِي شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَلَا أَحْلِفُ مَعَهُ أَنَّهُ يُؤَجِّلُهُ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ الْفَسَادَ، وَإِلَّا خَلَّى بَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَيْنَ مَتَاعِهِ.
مَعْنَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
قَوْلِهِ وَلَا أَحْلِفُ مَعَهُ أَيْ أَلْبَتَّةَ وَلَوْ أَرَادَ لَا أَحْلِفُ مَعَهُ الْآنَ لِأَنِّي أَرْجُو شَاهِدًا، فَإِنْ وَجَدْته وَإِلَّا حَلَفْت مَعَ شَاهِدِي بِيعَ حِينَئِذٍ وَوُقِفَ ثَمَنُهُ إنْ خُشِيَ فَسَادُهُ وَلَيْسَ هَذَا بِأَضْعَفَ مِنْ شَاهِدَيْنِ يُطْلَبُ تَعْدِيلُهُمَا، فَقَدْ جَعَلَهُ بِبَيْعِهِ هُنَا وَنَحْنُ عَلَى شَكٍّ مِنْ تَعْدِيلِهِمَا، وَهُوَ إنْ لَمْ يَثْبُتْ بَطَلَ الْحَقُّ وَشَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي الْأَوَّلِ ثَابِتٌ بِكُلِّ حَالٍ وَالْحَلِفُ مَعَهُ مُمْكِنٌ إنْ لَمْ يَجِدْ آخَرَ وَيَثْبُتُ الْحَقُّ، فَحَاصِلُهَا إنْ لَمْ يُقِمْ الْمُدَّعِي إلَّا لَطْخًا قَاصِرًا عَنْ شَاهِدِ عَدْلٍ وَعَنْ شَهِيدَيْنِ مُمْكِنٍ تَعْدِيلُهُمَا وَقَفَ الْمُدَّعِي فِيهِ مَا لَمْ يَخْشَ فَسَادَهُ، فَإِنْ خَشِيَ فَسَادَهُ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَكَذَا إنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَدْلًا وَقَالَ لَا أَحْلِفُ مَعَهُ بِوَجْهٍ وَإِنْ قَالَ أَحْلِفُ مَعَهُ أَوْ أَتَى بِشَاهِدَيْنِ يَنْظُرُ فِي تَعْدِيلَهُمَا بِيعَ وَوُقِفَ ثَمَنُهُ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأُمِّ، وَمِثْلُ مَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ عَنْ الْمَذْهَبِ ذَكَرَ أَبُو حَفْصٍ الْعَطَّارُ، وَزَادَ إنْ كَانَ أَتَى الطَّالِبُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يُزَكِّهِ وَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّزْكِيَةِ فَهُوَ كَقِيَامِ شَهِيدَيْنِ يُنْظَرُ فِي تَزْكِيَتِهِمَا يُبَاعُ الْمُدَّعَى بِهِ لِخَوْفِ فَسَادِهِ.
وَنَقَلَ أَبُو إبْرَاهِيمَ قَوْلَ عِيَاضٍ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي سُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ.
قُلْت لَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَزِمَ فِيمَا لَا يُخْشَى فَسَادُهُ وَاضِحٌ رَدُّهُ بِأَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ تَسْلِيمُهُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ بَيْعُهُ وَوَقْفُ ثَمَنِهِ عُلِّلَ فِي كُلِّ الرِّوَايَاتِ بِخَوْفِ فَسَادِهِ حِينَ عَدَمِ حُجَّةِ الْمُدَّعِي عَدَمًا لَا يُوجِبُ تَعْجِيزَهُ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَفْقُودَةٌ فِيمَا لَا يُخْشَى فَسَادُهُ.
وَقَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَوَابُ إلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى فَهْمِهِ أَنَّ الْمَذْهَبَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَالشَّاهِدَيْنِ، وَتَقَدَّمَ رَدُّهُ وَعَلَى تَسْلِيمِهِ يُرَدُّ جَوَابُهُ بِأَنَّ اللَّازِمَ حِينَئِذٍ كَوْنُهُ كَدَيْنٍ عَلَى مَنْ هُوَ بِيَدِهِ، وَهَذَا إنَّمَا يُوجِبُ عَدَمَ بَيْعِهِ عَلَيْهِ لَا الزِّيَادَةَ الثَّابِتَةَ فِي رِوَايَةِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ وَنَهَى الْمُشْتَرِيَ عَنْ التَّعَرُّضِ لَهُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّهُ لَا يَعْرِضُ لَهُ مُطْلَقًا لَا فِي عَيْنِ الْمُدَّعَى بِهِ وَلَا فِي تَعَلُّقِهِ بِذِمَّتِهِ وَلَوْ بَقِيَتْ دَعْوَاهُ فِي ثَمَنِهِ لَوُقِفَ ثَمَنُهُ، وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَيْرَ مَلِيءٍ بِثَمَنِهِ، وَمُوجَبُ كَلَامِ الشَّيْخِ عَدَمُ وُقُوفِهِ عَلَى كَلَامِ عِيَاضٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمِنْ اهْتَدَى.
الْحَطّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ بِخِلَافِ الْعَدْلِ فَيَحْلِفُ مَعَهُ وَيَبْقَى بِيَدِهِ يُقَيَّدُ ذَلِكَ بِمَا إذَا قَالَ
وَإِنْ سَأَلَ ذُو الْعَدْلِ أَوْ بَيِّنَةٍ سُمِعَتْ؛ وَإِنْ لَمْ تَقْطَعْ وَضَعَ قِيمَةَ الْعَبْدِ لِيَذْهَبَ بِهِ إلَى بَلَدٍ يَشْهَدُ لَهُ عَلَى عَيْنِهِ: أُجِيبَ، لَا إنْ انْتَفَيَا، وَطَلَبَ إيقَافَهُ لِيَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ بِكَيَوْمَيْنِ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً حَاضِرَةً، أَوْ سَمَاعًا يَثْبُتُ بِهِ، فَيُوقَفُ وَيُوَكَّلُ بِهِ
[منح الجليل]
الْمُدَّعِي أَنَا لَا أَحْلِفُ أَلْبَتَّةَ مَعَ شَاهِدَيْ الْعَدْلِ، وَإِنَّمَا أَطْلُبُ شَاهِدًا ثَانِيًا، فَإِنْ وَجَدْته وَإِلَّا حَلَفْت، فَإِنَّ الْمُدَّعَى فِيهِ يُبَاعُ وَيُوقَفُ ثَمَنُهُ كَمَا يُبَاعُ ثَمَنُهُ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى مَا قَالَهُ عِيَاضٌ وَأَبُو حَفْصٍ الْعَطَّارُ، وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِنْ) كَانَ عِنْدَ الْقَاضِي عَبْدٌ أَبَقَ فَادَّعَى شَخْصٌ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَبَقَ وَأَقَامَ شَاهِدًا عَدْلًا أَوْ بَيِّنَةَ سَمَاعٍ عَلَى ذَلِكَ بِلَا قَطْعٍ وَ (سَأَلَ) أَيْ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي (ذُو) أَيْ صَاحِبُ الشَّاهِدِ (الْعَدْلِ) الَّذِي شَهِدَ لَهُ بِأَنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ الْمَوْقُوفَ عِنْدَ الْقَاضِي لَهُ (أَوْ) سَأَلَ مُقِيمُ (بَيِّنَةٍ سُمِعَتْ) أَنَّهُ لَهُ (وَإِنْ لَمْ تَقْطَعْ) بِأَنَّهُ لَهُ وَاوُهُ لِلْحَالِ وَإِنْ مُؤَكِّدَةٌ، وَمَفْعُولُ سَأَلَ قَوْلُهُ (وَضْعَ قِيمَةَ الْعَبْدِ) عِنْدَ الْقَاضِي وَأَخَذَ الْعَبْدَ (لِيَذْهَبَ) السَّائِلُ (بِهِ) أَيْ الْعَبْدِ (إلَى بَلَدٍ يُشْهِدُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ (لَهُ) أَيْ السَّائِلِ فِيهِ (عَلَى عَيْنِهِ) أَيْ الْعَبْدِ أَنَّهُ لَهُ عِنْدَ قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَيَنْهَى بِثُبُوتِهِ لِلْقَاضِي الْأَوَّلِ لِيَدْفَعَ الْقِيمَةَ الْمَوْقُوفَةَ عِنْدَهُ لِلسَّائِلِ.
وَجَوَابُ إنْ سَأَلَ (أُجِيبَ) السَّائِلُ (لِذَلِكَ) أَيْ وَضْعِ الْقِيمَةِ وَالذَّهَابِ بِالْعَبْدِ (لَا) يُجَابُ لِذَلِكَ (إنْ انْتَفَيَا) أَيْ الْعَدْلُ وَبَيِّنَةُ السَّمَاعِ (وَ) طَلَبَ الْمُدَّعِي عَبْدًا فِي يَدِ غَيْرِهِ (إيقَافَهُ) أَيْ الْعَبْدِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ أَوْ وَضْعِ قِيمَتِهِ (لِيَأْتِيَ) الطَّالِبُ (بِبَيِّنَةٍ) بَعِيدَةٍ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ قَرِيبَةً (بِكَالْيَوْمَيْنِ) لِاتِّهَامِهِ بِأَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ لَهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ إضْرَارَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتَعْطِيلَ مَنْفَعَةِ الْعَبْدِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ) الْمُدَّعِي (بَيِّنَةً حَاضِرَةً) بِالْبَلَدِ قَاطِعَةً بِأَنَّ الْعَبْدَ لَهُ (أَوْ) يَدَّعِيَ (سَمَاعًا) فَأَشْيَاءُ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ (يَثْبُتُ بِهِ) أَنَّ الْعَبْدَ لَهُ (فَيُوقَفُ) الْعَبْدُ (وَيُوَكَّلُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْكَافِ مُثَقَّلًا وَكِيلٌ (بِهِ) أَيْ عَلَى حِفْظِهِ
فِي كَيَوْمٍ، وَالْغَلَّةُ لَهُ لِلْقَضَاءِ، وَالنَّفَقَةُ عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ بِهِ.
وَجَازَتْ عَلَى خَطِّ مُقِرٍّ بِلَا يَمِينٍ،
[منح الجليل]
حَتَّى يَأْتِيَ الْمُدَّعِي بِبَيِّنَتِهِ (فِي كَيَوْمٍ وَالْغَلَّةُ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ اللَّامِ النَّاشِئَةِ عَنْ الْمُدَّعَى بِهِ (لَهُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لِلْقَضَاءِ) بِهِ لِلْمُدَّعِي قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الْمُدَوَّنَةِ (وَالنَّفَقَةُ) عَلَى الْمُدَّعِي بِهِ بَعْدَ الدَّعْوَى وَقَبْلَ الْقَضَاءِ (عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ بِهِ) سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعِي أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ قَضَى بِهِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ قَضَى بِهِ لِلْمُدَّعِي رَجَعَ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُدَّعِي فِيهَا وَنَفَقَةُ الْعَبْدِ فِي الْإِيقَافِ عَلَى مَنْ يُقْضَى لَهُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ وَالْغَلَّةُ أَبَدًا لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُهُ مِنْهُ حَتَّى يُقْضَى بِهِ لِطَالِبِهِ.
أَبُو الْحَسَنِ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، النَّفَقَةُ، وَالْغَلَّةُ لِمَنْ هُوَ بِيَدِهِ.
وَقِيلَ لِمَنْ يُقْضَى لَهُ بِهِ وَالتَّفْصِيلُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ وَهُوَ مُشْكِلٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ وَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا ادَّعَى الْعَبْدُ كَأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَيْهِ فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْغَلَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ فِيهَا.
(وَجَازَتْ) الشَّهَادَةُ (عَلَى خَطِّ) شَخْصٍ (مُقِرٍّ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ وَشَدِّ الرَّاءِ، أَيْ بِحَسَبِ دَلَالَةِ خَطِّهِ بِأَنْ كَتَبَ بِخَطِّهِ لِفُلَانٍ عِنْدِي دِينَارٌ مِنْ قَرْضٍ أَوْ قَبَضْت مِنْ فُلَانٍ الدَّيْنَ مِنْ الَّذِي كَانَ لِي عَلَيْهِ أَوْ زَوْجَتُهُ فُلَانَةُ طَالِقٌ أَوْ عَبْدُهُ فُلَانٌ حُرٌّ أَوْ عَفَوْت عَنْ قَاذِفِي فُلَانٍ أَوْ قَاطِعِ طَرَفِي أَوْ قَاتِلِ وَلِيِّي، وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا الْآنَ وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ لِلشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ وَيُعْمَلُ بِهَا اتِّفَاقًا عِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ رِوَايَتَيْنِ حَكَاهُمَا فِي الْجَلَّابِ (بِلَا يَمِينٍ) عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ الْمُقَرِّ لَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَتَبَ شَهَادَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي ذِكْرِ الْحَقِّ أَوْ كَتَبَ ذِكْرَ الْحَقِّ وَلَمْ يَكْتُبْ شَهَادَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَفِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، وَسُئِلَ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " عَنْ رَجُلٍ كَتَبَ عَلَى رَجُلٍ ذِكْرَ حَقٍّ وَأَشْهَدَ فِيهِ رَجُلَيْنِ فَكَتَبَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ شَهَادَةً عَلَى نَفْسِهِ بِيَدِهِ فِي ذِكْرِ الْحَقِّ وَهَلَكَ الشَّاهِدَانِ ثُمَّ جَحَدَ الْمَكْتُوبَ الشَّاهِدُ عَلَى نَفْسِهِ فَأَتَى رَجُلَانِ فَقَالَا إنَّهُ كِتَابُهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ أَنَّهَا كِتَابَتُهُ بِيَدِهِ رَأَيْت أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ الْحَقُّ وَلَا يَنْفَعُهُ إنْكَارُهُ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ لَوْ أَقَرَّ ثُمَّ جَحَدَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِإِقْرَارِهِ فَأَرَى أَنْ يَغْرَمَ اهـ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَهُ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ إقْرَارٌ عَلَيْهَا وَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ شَهَادَةٌ عَلَيْهَا وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ شب لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْوَثِيقَةِ كُلِّهَا بِخَطِّهِ أَوْ الْمَكْتُوبِ بِخَطِّهِ صِيغَةَ الْإِقْرَارِ وَالْبَاقِي بِخَطِّ غَيْرِهِ أَوْ كَوْنِهَا كُلِّهَا بِخَطِّ غَيْرِهِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ عَلَى طَرَفِهَا الْمَنْسُوبُ إلَيَّ فِيهَا صَحِيحٌ أَوْ أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِمَا كُتِبَ عَلَيَّ فِي هَذِهِ الْوَثِيقَةِ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ إلَّا عَدْلَانِ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مِمَّا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَيَمِينٍ؛ لِأَنَّهَا عَلَى خَطِّ الْوَاحِدِ كَالنَّقْلِ عَنْهُ، وَلَا يَنْقُلُ عَنْهُ إلَّا اثْنَانِ وَلَوْ فِي الْمَالِ، وَصَوَّبَهُ الْبُرْزُلِيُّ وَصَحَّحَهُ فِي الْجَلَّابِ وَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ، زَادَ عب وَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ الْخَطِّ، وَيُنْتَزَعُ بِهَا مِنْ يَدِ حَائِزٍ فَهِيَ أَقْوَى مِنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ.
الْبُنَانِيُّ أَمَّا حُضُورُ الْخَطِّ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فَتْوَى شَيْخِنَا ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ شَرْطَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ حُضُورُهُ، وَلَا تَصِحُّ فِي غَيْبَتِهِ صَوَابٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ تَسْجِيلَاتِ الْمُوَثَّقِينَ.
الْمُتَيْطِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَ فِي الْمِعْيَارِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَاهِدَيْنِ نَظَرَا وَثِيقَةً بِيَدِ رَجُلٍ وَحَفِظَا وَتَحَقَّقَا مَا فِيهَا وَعَرَفَا شُهُودَهَا، وَأَنَّهُمْ مَاتُوا بِوَسْمِ الْعَدَالَةِ ثُمَّ ضَاعَتْ الْوَثِيقَةُ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْقَاضِيَ يَعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ، إذْ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ حُضُورِهَا وَغَيْبَتِهَا، ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ وَانْظُرْ مَا يُنَاقِضُ هَذِهِ الْفَتْوَى فِي الْمُتَيْطِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا يُلْتَفَتُ إلَى غَيْرِهِ اهـ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْخَطِّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ دُونَ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الْمُعْتَمَدُ ثُبُوتُهُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، إذْ هُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ ضَيْح، وَنَصُّهُ فَرْعٌ إذَا أَقَامَ صَاحِبُ الْحَقِّ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى الْخَطِّ فَرِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّهُ إذَا شَهِدَ لَهُ اثْنَانِ هَلْ يَحْتَاجُ إلَى يَمِينٍ أَمْ لَا؟ فَمَنْ قَالَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا أَعْمَلَ الشَّهَادَةَ هُنَا وَمَنْ قَالَ يَحْتَاجُ أَبْطَلَهَا هُنَا، وَإِذَا قُلْنَا يُحْكَمُ لَهُ بِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى يَمِينَيْنِ يَمِينٌ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَمِينٌ أُخْرَى لِيُكْمِلَ السَّبَبَ الْمُشَارَ إلَيْهِ مَسَّاحِي فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ، وَصَحَّ أَنْ يَحْلِفَ يَمِينَيْنِ فِي حَقٍّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُمَا عَلَى جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
اهـ. فَيُفْهَمُ مِنْ بِنَائِهِ الْحُكْمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي الْخَطِّ عَلَى عَدَمِ
وَخَطِّ شَاهِدٍ مَاتَ، أَوْ غَابَ بِبُعْدٍ، وَإِنْ بِغَيْرِ مَالٍ فِيهِمَا
[منح الجليل]
الِاحْتِيَاجِ مَعَ الِاثْنَيْنِ إلَى يَمِينٍ لِلَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي الْمَتْنِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ ثُبُوتُهُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ " ق "، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) جَازَتْ عَلَى (خَطِّ شَاهِدٍ) كَتَبَهُ فِي وَثِيقَةٍ وَ (مَاتَ) الشَّاهِدُ (أَوْ غَابَ) الشَّاهِدُ (بِبُعْدٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ بِمَحَلٍّ بَعِيدٍ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ مَا يَنَالُ الشَّاهِدُ فِي حُضُورِهِ مِنْهُ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ مَشَقَّةٌ، وَجَرَتْ الْعَادَةُ عِنْدَنَا أَنَّ اخْتِلَافَ عَمَلِ الْقُضَاةِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْبُعْدِ وَإِنْ كَانَ مَا بَيْنَ الْعَمَلَيْنِ قَرِيبًا، وَحَدَّهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ وَأَصْبَغُ بِمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْعِرَاقِ أَوْ إفْرِيقِيَةَ مِنْ مِصْرَ، فَلَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الْحَيِّ الْحَاضِرِ أَوْ قَرِيبِ الْغَيْبَةِ، وَتَجُوزُ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ وَالشَّاهِدِ إنْ كَانَتْ بِمَالٍ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ (بِغَيْرِ مَالٍ فِيهِمَا) أَيْ الْمُقِرِّ وَالشَّاهِدِ.
الْحَطّ هَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ جَائِزَةٌ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ وَنَحْوِهِمَا، وَكَأَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي تَوْضِيحِهِ عَنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ، وَنَصُّهُ فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَجِ مَوْلَى ابْنِ الطَّلَّاعِ أَنَّهُ قَالَ الْأَصْلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْخُطُوطِ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهَا تَجُوزُ فِي الْحُقُوقِ وَالطَّلَاقِ وَالْأَحْبَاسِ وَغَيْرِهَا.
اهـ. وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ السُّيُورِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ فِي طَلَاقٍ وَلَا إعْتَاقٍ وَلَا حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ عَلَى مَا فِي الْوَاضِحَةِ وَغَيْرِهَا اهـ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِيمَنْ قُيِّمَ عَلَيْهِ بِعَقْدٍ تَضَمَّنَ إشْهَادَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ مَتَى تَزَوَّجَ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَتَزَوَّجَهَا وَأَنْكَرَ الْعَقْدَ فَشَهِدَ شُهُودٌ أَنَّ الْعَقْدَ خَطُّ يَدِهِ، فَقَالَ إنْ كَانَ الْعَقْدُ الَّذِي قِيمَ بِهِ عَلَى الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا تَضَمَّنَهُ وَعَجَزَ عَنْ الدَّفْعِ، فَاَلَّذِي أَرَاهُ وَأَتَقَلَّدُهُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي مِنْ الْأَقْوَالِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ جُرْحَةً تُسْقِطُ شَهَادَتَهُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ حَلِفِهِ بِطَلَاقِهَا أَلْبَتَّةَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَهَا وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ جُرْأَةً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، إذْ لَوْ أَقَرَّ بِطَلَاقِهَا عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْعَقْدُ وَقَالَ إنَّمَا تَزَوَّجَهَا لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ يُسَوَّغُ لَهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل]
لِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ لِعُذْرٍ فِيمَا فَعَلَهُ، وَلَمْ يَكُنْ جُرْحَةً لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي الْعِلْمِ وَسَمِعَ الْأَحَادِيثَ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَثْبُتْ الْعَقْدُ الَّذِي قِيمَ بِهِ عَلَيْهِ إلَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ، فَلَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ إنْ أَنْكَرَهُ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الدَّفْعِ فِي شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَطُّ يَدِهِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ لَا تَجُوزُ فِي طَلَاقٍ وَلَا إعْتَاقٍ وَلَا نِكَاحٍ وَلَا حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ خَطُّهُ كَتَبَهُ بِيَدِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْهُ عَازِمًا عَلَى إنْفَاذِهِ، وَإِنَّمَا كَتَبَهُ عَلَى أَنْ يَسْتَشِيرَ وَيَنْظُرَ لِصِدْقٍ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلَ ابْنُ حَبِيبٍ فِيهَا عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي طَلَاقٍ وَلَا إعْتَاقٍ وَلَا حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ وَلَا كِتَابِ قَاضٍ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ فِي الْأَمْوَالِ فَقَطْ وَحَيْثُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَلَا الشَّاهِدُ مَعَ الْيَمِينِ فَلَا تَجُوزُ عَلَى الْخَطِّ، وَحَيْثُ يَجُوزُ هَذَا يَجُوزُ هَذَا.
وَفِي رَسْمِ الْقَضَاءِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي امْرَأَةٍ كَتَبَ لَهَا زَوْجُهَا بِطَلَاقِهَا مَعَ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إنْ وَجَدَتْ مَنْ يَشْهَدُ لَهَا عَلَى خَطِّهِ نَفَعَهَا ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهَا شُبْهَةٌ تُوجِبُ لَهَا الْيَمِينَ عَلَى الزَّوْجِ أَنَّهُ مَا طَلَّقَ.
ابْنُ رُشْدٍ كَانَ يَمْضِي لَنَا عِنْدَ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ الشُّيُوخِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ نَفَعَهَا أَنْ يَكُونَ لَهَا شُبْهَةٌ تُوجِبُ لَهَا الْيَمِينَ عَلَى الزَّوْجِ أَنَّهُ مَا طَلَّقَ، وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَّ مَعْنَى مَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّمَا هُوَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ فِي طَلَاقٍ وَلَا إعْتَاقٍ وَلَا نِكَاحٍ لَا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّهِ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ نَكَحَ، بَلْ هِيَ جَائِزَةٌ عَلَى خَطِّهِ بِذَلِكَ كَمَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّهِ بِالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ وَهُوَ بَيِّنٌ مِنْ قَوْلِهِ فَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَفَعَهَا عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ الْحُكْمِ لَهَا بِالطَّلَاقِ عَلَيْهِ إذَا شَهِدَ عَلَى خَطِّهِ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ خَطُّهُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ مِثْلَ أَنْ يَكْتُبَ إلَى رَجُلٍ يُعْلِمُهُ بِأَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَوْ إلَيْهَا يُعْلِمُهَا بِذَلِكَ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْكِتَابُ إنَّمَا هُوَ بِطَلَاقِهِ إيَّاهَا ابْتِدَاءً فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ كَتَبَهُ مُجْمِعًا عَلَى
إنْ عَرَفَتْهُ: كَالْمُعَيَّنِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مُشْهِدَهُ،
[منح الجليل]
الطَّلَاقِ.
وَفِي قَبُولِ قَوْلِهِ إنَّهُ كَتَبَهُ غَيْرَ مُجْمِعٍ عَلَى الطَّلَاقِ بَعْدَ أَنْ أَنْكَرَ أَنَّهُ كَتَبَهُ اخْتِلَافٌ.
اهـ. فَاخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ ثَالِثُ فَرْقٍ فِيهِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ فَلَا تَجُوزُ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ، فَتَجُوزُ فِي الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا إذَا كَانَ الْخَطُّ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَطُّ إنَّمَا هُوَ بِطَلَاقِهِ إيَّاهَا ابْتِدَاءً فَلَا، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ سَهْلٍ وَالْبَاجِيِّ نَحْوَ اخْتِيَارِ ابْنِ رُشْدٍ، وَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ قَوْلَ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَالَهُ فِي نَوَازِلِهِ ظَاهِرُ مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ لَا تَجُوزُ فِيمَا عَدَا الْأَمْوَالَ لَا عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ وَلَا عَلَى خَطِّ الْمُطَلِّقِ أَوْ الْمُعْتِقِ وَسَائِرِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ الشُّيُوخُ يَحْمِلُونَهُ، وَمَعْنَاهُ إذَا وُجِدَ الْكِتَابُ بِالْعِتْقِ عِنْدَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ بِيَدِهِ فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ خَطُّهُ وَقَالَ كَتَبَتْهُ عَلَى أَنْ أَسْتَخِيرَ فِي تَنْفِيذِهِ وَلَمْ أُنَفِّذْهُ بَعْدُ لَصَدَقَ فِي ذَلِكَ.
وَمَا إذَا كَانَ دَفَعَهُ إلَى الْعَبْدِ أَوْ كَانَ قَدْ نَصَّ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ أَنْفُذَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَالشَّهَادَةُ عَلَيْهِ عَامِلَةٌ كَالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ بِالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَمَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ.
اهـ. ابْنُ فَرْحُونٍ بَعْدَ نَقْلِ قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ.
ابْنُ رَاشِدٍ هَذِهِ التَّفْرِقَةُ لَا مَعْنَى لَهَا إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْأَمْوَالَ أَخَفُّ وَالصَّوَابُ الْجَوَازُ فِي الْجَمِيعِ.
ابْنُ الْهِنْدِيِّ يَلْزَمُ مَنْ أَجَازَهَا فِي الْأَحْبَاسِ الْقَدِيمَةِ إجَازَتُهَا فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ.
وَمَحَلُّ جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ أَوْ الشَّاهِدِ (إنْ عَرَفَتْهُ) أَيْ الْبَيِّنَةُ الْخَطَّ مَعْرِفَةً تَامَّةً مُتَيَقَّنَةً (كَ) مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ (الْمُعَيَّنِ) بِضَمٍّ فَفَتْحَتَيْنِ مُثَقَّلًا، أَيْ الَّذِي يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ إلَّا مِنْ فَطِنٍ عَارِفٍ مُمَارِسٍ لِلْخُطُوطِ.
ابْنُ عَاتٍ الْخَطُّ شَخْصٌ قَائِمٌ وَمِثَالٌ مُمَاثِلٌ تُبْصِرُهُ الْعَيْنُ وَيُمَيِّزُهُ الْعَقْلُ كَتَمْيِيزِهِ سَائِرَ الْأَشْخَاصِ وَالصُّوَرِ (وَ) عَرَفْت (أَنَّهُ) أَيْ الشَّاهِدَ الْمَشْهُودَ عَلَى خَطِّهِ (كَانَ يَعْرِفُ) أَيْ الْمَشْهُودَ
وَتَحَمَّلَهَا عَدْلًا
[منح الجليل]
عَلَى خَطِّهِ (مُشْهِدَهُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، أَيْ الشَّخْصَ الَّذِي أَشْهَدَهُ قَالَهُ ابْنُ زَرْبٍ.
ابْنُ رُشْدٍ هُوَ الصَّحِيحُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ (وَ) عَرَفْت أَنَّ الشَّاهِدَ الْمَشْهُودَ عَلَى خَطِّهِ (تَحَمَّلَهَا) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ بِخَطِّهِ هَذَا حَالَ كَوْنِهِ (عَدْلًا) مَرْضِيَّ الشَّهَادَةِ.
الْحَطّ اشْتِرَاطُ مَعْرِفَتِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مُشْهِدَهُ أَحَدُ قَوْلَيْنِ وَمَعْرِفَتُهُمْ تَحَمُّلَهُ عَدْلًا تَعْدِيلٌ لِلْمَشْهُودِ عَلَى خَطِّهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْخَطِّ لَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَا بِذَلِكَ، وَذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ غَيْرُهُمَا.
قَالَ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ فِي فَصْلٍ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ قَائِمًا قَامَ بِالْحِسْبَةِ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ حَبْسًا مَا نَصُّهُ وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى خُطُوطٍ مَوْتَى فِي كِتَابٍ.
قُلْت فَأَتَى إلَيْهِ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ فَشَهِدَا عِنْدَهُ أَنَّ شَهَادَةَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ الْوَاقِعَةَ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ الْمُنْتَسِخِ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِخُطُوطِ أَيْدِيهِمَا لَا يَشُكَّانِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُمَا مَيِّتَانِ فَقَبِلَ الْقَاضِي شَهَادَةَ الشَّهِيدَيْنِ عِنْدَهُ، وَشَهَادَةَ الشَّهِيدَيْنِ الْمَشْهُودِ عَلَى خَطِّهِمَا وَإِنْ عَدَّلَهُمَا غَيْرُ الشَّهِيدَيْنِ عَلَى خَطِّهِمَا جَازَ وَقُلْت فِي إثْرِ قَوْلِك إنَّهُمَا مَيِّتَانِ وَإِنَّهُمَا يُوسَمُ الْعَدَالَةُ، وَقَبُولُ الشَّهَادَةِ فِي تَارِيخِ شَهَادَتِهِمَا الْمَذْكُورَةِ وَبَعْدَهَا إلَى أَنْ تَوَفَّيَا وَإِنْ عَدَّلَهُمَا عِنْدَهُ غَيْرُ الشَّهِيدَيْنِ اللَّذَيْنِ شَهِدَا عَلَى خُطُوطِهِمَا.
قُلْت فِي الشَّهِيدَيْنِ وَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا لِمَعْرِفَتِهِ بِهِمَا، وَقَبِلَ شَهَادَةَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ الْمَشْهُودِ عَلَى خُطُوطِهِمَا بِتَعْدِيلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ لَهُمَا عِنْدَهُ بِالْعَدْلِ وَالرِّضَا إلَى أَنْ تَوَفَّيَا عَلَى ذَلِكَ.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَإِنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مُشْهِدَهُ جَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ شَرْطَ صِحَّةٍ، وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ زَرْبٍ.
ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّهُ شَرْطُ كَمَالٍ فَقَطْ، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَتْ الْوَثِيقَةُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهَا خَالِيَةً مِنْ التَّعْرِيفِ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا، وَعَرَّفَهُ أَوْ عَرَّفَ بِهِ، فَلَوْ كَانَ فِيهَا مَا ذَكَرَ فَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ لَا يُحْتَاجُ لِهَذَا الشَّرْطِ اتِّفَاقًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ.
قَوْلُهُ وَتَحَمَّلَهَا عَدْلًا لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ حَقِيقَةَ التَّحَمُّلِ، بَلْ وَضْعَهَا فِي الرَّسْمِ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ
لَا عَلَى خَطِّ نَفْسِهِ حَتَّى يَذْكُرَهَا، وَأَدَّى بِلَا نَفْعٍ
[منح الجليل]
وَوَضَعَهَا فِي الرَّسْمِ عَدْلًا كَانَ أَصْوَبَ، وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ تَعْدِيلٌ لِلْمَشْهُودِ عَلَى خَطِّهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الشَّاهِدَ عَلَى الْخَطِّ لَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ غَيْرُهُمَا اُنْظُرْ " ح ". وَإِذَا كُتِبَتْ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ وَكَتَبَ شَخْصٌ بِخَطِّهِ أَنَّهُ شَهِدَ بِمَا فِيهَا ثُمَّ نَسِيَ مَا فِيهَا وَنَسِيَ شَهَادَتَهُ بِهِ وَعَرَفَ خَطَّهُ الَّذِي كَتَبَهُ بِشَهَادَتِهِ بِمَا فِيهَا فَ (لَا) يَشْهَدُ بِمَا فِيهَا مُعْتَمِدًا (عَلَى خَطِّهِ نَفْسِهِ) الَّذِي عَرَفَهُ وَتَيَقَّنَ أَنَّهُ خَطُّهُ (حَتَّى يَذْكُرَ) أَيْ يَتَذَكَّرَ مَا فِيهَا وَأَنَّهُ شَهِدَ بِهِ (وَ) إنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ ذَلِكَ (أَدَّاهَا) أَيْ الشَّهَادَةَ أَيْ يَشْهَدُ عِنْدَ الْقَاضِي بِأَنَّ هَذَا خَطُّهُ، وَأَنَّهُ نَاسٍ مَا فِي الْوَثِيقَةِ وَنَاسٍ شَهَادَتَهُ بِهِ (بِلَا نَفْعٍ) لِلطَّالِبِ فِي هَذِهِ التَّأْدِيَةِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ مَحْوٌ وَلَا رِيبَةٌ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْضَ مَا فِيهَا.
وَلِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ مَحْوٌ وَلَا رِيبَةٌ فَلْيَشْهَدْ بِمَا فِي الْوَثِيقَةِ مُعْتَمِدًا عَلَى خَطِّهِ، وَلَا يُخَيَّرُ الْحَاكِمُ بِنِسْيَانِهِ، وَقَالَ مُطَرِّفٌ لَا يَشْهَدُ حَتَّى يَذْكُرَ بَعْضَهُ الْبُنَانِيُّ لَا عَلَى خَطِّ نَفْسِهِ حَتَّى يَذْكُرَهَا.
ذَكَرَ فِي ضَيْح عَنْ الْبَيَانِ فِي هَذِهِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ، وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
ابْنُ رُشْدٍ وَكَانَ الْإِمَامُ مَالِكٌ يَقُولُ إنْ عَرَفَ خَطَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ وَلَا شَيْئًا مِنْهَا وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ مَحْوٌ وَلَا رِيبَةٌ فَلْيَشْهَدْ، وَبِهِ أَخَذَ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ مُطَرِّفٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَالْمُغِيرَةُ وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَابْنُ دِينَارٍ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ حَبِيبٍ وَسَحْنُونٌ.
مُطَرِّفٌ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ.
مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلْيَقُمْ بِالشَّهَادَةِ تَامَّةً بِأَنْ يَقُولَ مَا فِيهِ حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ مَا فِي الْكِتَابِ عَدَدًا وَلَا مَقْعَدًا، وَلَا يَعْلَمُ الْقَاضِي أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ إلَّا عَيْنَ خَطِّهِ، فَإِنْ أَعْلَمَهُ لَزِمَ الْحَاكِمَ رَدُّهَا.
وَفِي التَّوْضِيحِ صَوَّبَ جَمَاعَةٌ أَنْ يَشْهَدَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَحْوٌ وَلَا رِيبَةٌ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ نِسْيَانِ الشَّاهِدِ الْمُنْتَصِبِ لِلشَّهَادَةِ وَلِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَشْهَدْ حَتَّى يَذْكُرَهَا لَمَا كَانَ لِوَضْعِ خَطِّهِ فَائِدَةٌ، وَذَكَرَ ابْنُ نَاظِمٍ التُّحْفَةِ وَابْنُ فَرْحُونٍ أَنَّهُ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ، وَنَظَمَهُ فِي التُّحْفَةِ وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَيْضًا يُقَاسُ قَالَهُ بَعْضُ مَنْ أَلَّفَ فِي عَمَلِهَا عِنْدَ سَيِّدِي الْعَرَبِيِّ الْفَاسِيِّ.